{"ً":{"ٌ":11,"ٍ":"توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/02-171742/","files":["00_171741.pdf|#2","01_171741.pdf|#2","02_171742.pdf|#2","03_171743.pdf|#2","04_171744.pdf|#2","05_171745.pdf|#3","06_171746.pdf|#2","07_171747.pdf|#2","08_171748.pdf|#2","09_171749.pdf|#2"]},"ّ":"الكتاب: توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم.\nالمؤلف: الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي\nالناشر: مركز عبد العزيز بن عبد الله الراجحي\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م\nعدد الأجزاء: ٩ (الأخير فهارس)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"3.0","ٔ":63,"ٕ":7,"ٖ":1780758287,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8"],"ٚ":[{"title":"مقدمة الإمام مسلم","level":1,"page":4},{"title":"مقدمة الشارح","level":1,"page":4},{"title":"باب وجوب الرواية عن الثقات، وترك الكذابين، والتحذير من الكذب على رسول الله ﷺ","level":2,"page":10},{"title":"باب تغليظ الكذب على رسول الله ﷺ","level":2,"page":12},{"title":"باب النهي عن الحديث بكل ما سمع","level":2,"page":14},{"title":"باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها","level":2,"page":16},{"title":"باب بيان أن الإسناد من الدين، وأن الرواية لا تكون إلا عن الثقات، وأن جرح الرواة بما هو فيهم جائز، بل واجب، وأنه ليس من الغيبة المحرمة، بل من الذب عن الشريعة المكرمة","level":2,"page":19},{"title":"باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن","level":2,"page":37},{"title":"كتاب الإيمان","level":1,"page":44},{"title":"باب بيان الإيمان، والإسلام، والإحسان، ووجوب الإيمان بإثبات","level":2,"page":46},{"title":"باب الإيمان ما هو؟ وبيان خصاله","level":2,"page":49},{"title":"باب الإسلام ما هو؟ وبيان خصاله","level":2,"page":53},{"title":"باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام","level":2,"page":56},{"title":"باب في بيان الإيمان بالله وشرائع الدين","level":2,"page":60},{"title":"باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة، وأن من تمسك بما أمر به دخل الجنة","level":2,"page":64},{"title":"باب قول النبي ﷺ: «بني الإسلام على خمس»","level":2,"page":67},{"title":"باب الأمر بالإيمان بالله تعالى، ورسوله ﷺ، وشرائع الدين، والدعاء إليه، والسؤال عنه، وحفظه، وتبليغه من لم يبلغه","level":2,"page":71},{"title":"باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام","level":2,"page":75},{"title":"باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويؤمنوا بجميع ما جاء به النبي ﷺ، وأن من فعل ذلك عصم نفسه وماله إلا بحقها، ووكلت سريرته إلى الله تعالى، وقتال من منع الزكاة، أو غيرها من حقوق الإسلام، واهتمام الإمام بشعائر الإسلام","level":2,"page":77},{"title":"باب أول الإيمان قول: لا إله إلا الله","level":2,"page":80},{"title":"باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة، وحرم على النار","level":2,"page":85},{"title":"باب ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا","level":2,"page":99},{"title":"باب بيان عدد شعب الإيمان، وأفضلها، وأدناها، وفضيلة الحياء، وكونه من الإيمان","level":2,"page":100},{"title":"باب جامع أوصاف الإسلام","level":2,"page":105},{"title":"باب بيان تفاضل الإسلام، وأي أموره أفضل","level":2,"page":106},{"title":"باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان","level":2,"page":109},{"title":"باب وجوب محبة رسول الله ﷺ أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين، وإطلاق عدم الإيمان على من لم يحبه هذه المحبة","level":2,"page":111},{"title":"باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير","level":2,"page":113},{"title":"باب بيان تحريم إيذاء الجار","level":2,"page":114},{"title":"باب الحث على إكرام الجار، والضيف، ولزوم الصمت إلا عن الخير، وكون ذلك كله من الإيمان","level":2,"page":115},{"title":"باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان","level":2,"page":117},{"title":"باب تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل اليمن فيه","level":2,"page":122},{"title":"باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وأن محبة المؤمنين من الإيمان، وأن إفشاء السلام سبب لحصولها","level":2,"page":129},{"title":"باب بيان أن الدين النصيحة","level":2,"page":131},{"title":"باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي، ونفيه عن المتلبس بالمعصية على إرادة نفي كماله","level":2,"page":136},{"title":"باب بيان خصال المنافق","level":2,"page":139},{"title":"باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم: يا كافر","level":2,"page":142},{"title":"باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم","level":2,"page":144},{"title":"باب بيان قول النبي ﷺ: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر","level":2,"page":147},{"title":"باب بيان معنى قول النبي ﷺ: لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض","level":2,"page":149},{"title":"باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة على الميت","level":2,"page":151},{"title":"باب تسمية العبد الآبق كافرا","level":2,"page":152},{"title":"باب بيان كفر: من قال مطرنا بالنوء","level":2,"page":154},{"title":"باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي ﵃ من الإيمان وعلاماته، وبغضهم من علامات النفاق","level":2,"page":157},{"title":"باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله، ككفر النعمة والحقوق","level":2,"page":160},{"title":"باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة","level":2,"page":162},{"title":"باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال","level":2,"page":164},{"title":"باب كون الشرك أقبح الذنوب، وبيان أعظمها بعده","level":2,"page":170},{"title":"باب بيان الكبائر وأكبرها","level":2,"page":173},{"title":"باب تحريم الكبر وبيانه","level":2,"page":179},{"title":"باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات مشركا دخل النار","level":2,"page":181},{"title":"باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله","level":2,"page":185},{"title":"باب قول النبي ﷺ: «من حمل علينا السلاح فليس منا»","level":2,"page":190},{"title":"باب قول النبي ﷺ: «من غشنا فليس منا»","level":2,"page":191},{"title":"باب تحريم ضرب الخدود، وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية","level":2,"page":193},{"title":"باب بيان غلظ تحريم النميمة","level":2,"page":196},{"title":"باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار، والمن بالعطية، وتنفيق السلعة بالحلف، وبيان الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم","level":2,"page":197},{"title":"باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، وأن من قتل نفسه بشيء عذب به في النار، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة","level":2,"page":203},{"title":"باب غلظ تحريم الغلول، وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون","level":2,"page":212},{"title":"باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر","level":2,"page":215},{"title":"باب في الريح التي تكون قرب القيامة تقبض من في قلبه شيء من الإيمان","level":2,"page":218},{"title":"باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن","level":2,"page":219},{"title":"باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله","level":2,"page":220},{"title":"باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية؟","level":2,"page":222},{"title":"باب كون الإسلام يهدم ما قبله، وكذا الهجرة والحج","level":2,"page":224},{"title":"باب بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده","level":2,"page":228},{"title":"باب صدق الإيمان وإخلاصه","level":2,"page":231},{"title":"باب قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه﴾","level":2,"page":233},{"title":"باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر","level":2,"page":235},{"title":"باب إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب","level":2,"page":237},{"title":"باب بيان الوسوسة في الإيمان، وما يقوله من وجدها","level":2,"page":242},{"title":"باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار","level":2,"page":247},{"title":"باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق كان القاصد مهدر الدم في حقه، وإن قتل كان في النار، وأن من قتل دون ماله فهو شهيد","level":2,"page":251},{"title":"باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار","level":2,"page":253},{"title":"باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب، وعرض الفتن على القلوب","level":2,"page":255},{"title":"باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا، وأنه يأرز بين المسجدين","level":2,"page":258},{"title":"باب ذهاب الإيمان آخر الزمان","level":2,"page":263},{"title":"باب جواز الاستسرار للخائف","level":2,"page":265},{"title":"باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه، والنهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع","level":2,"page":266},{"title":"باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة","level":2,"page":270},{"title":"باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته","level":2,"page":273},{"title":"باب نزول عيسى ابن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد ﷺ","level":2,"page":277},{"title":"باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان","level":2,"page":284},{"title":"باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ","level":2,"page":288},{"title":"باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات، وفرض الصلوات","level":2,"page":296},{"title":"باب ذكر المسيح ابن مريم، والمسيح الدجال","level":2,"page":318},{"title":"باب في ذكر سدرة المنتهى","level":2,"page":321},{"title":"باب معنى قول الله ﷿: ﴿ولقد رأىه نزلة أخرى﴾ وهل رأى النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء؟","level":2,"page":324},{"title":"باب في قوله ﵇: «نور أنى أراه؟»، وفي قوله: «رأيت نورا»","level":2,"page":328},{"title":"باب في قوله ﵇: «إن الله لا ينام»، وفي قوله: «حجابه النور، لو كشفه لأحرق سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه»","level":2,"page":329},{"title":"باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾","level":2,"page":331},{"title":"باب معرفة طريق الرؤية","level":2,"page":332},{"title":"باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار","level":2,"page":348},{"title":"باب آخر أهل النار خروجا","level":2,"page":350},{"title":"باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها","level":2,"page":353},{"title":"باب في قول النبي ﷺ: «أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعا»","level":2,"page":376},{"title":"باب اختباء النبي ﷺ دعوة الشفاعة لأمته","level":2,"page":378},{"title":"باب دعاء النبي ﷺ لأمته وبكائه شفقة عليهم","level":2,"page":382},{"title":"باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تناله شفاعة ولا تنفعه قرابة المقربين","level":2,"page":384},{"title":"باب في قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾","level":2,"page":387},{"title":"باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب، والتخفيف عنه بسببه","level":2,"page":391},{"title":"باب أهون أهل النار عذابا","level":2,"page":393},{"title":"باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل","level":2,"page":395},{"title":"باب موالاة المؤمنين، ومقاطعة غيرهم، والبراءة منهم","level":2,"page":396},{"title":"باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب","level":2,"page":398},{"title":"باب كون هذه الأمة نصف أهل الجنة","level":2,"page":408},{"title":"باب قوله: يقول الله لآدم: أخرج بعث النار من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعين","level":2,"page":410},{"title":"كتاب الطهارة","level":1,"page":412},{"title":"باب فضل الوضوء","level":2,"page":413},{"title":"باب وجوب الطهارة للصلاة","level":2,"page":417},{"title":"باب صفة الوضوء وكماله","level":2,"page":420},{"title":"باب فضل الوضوء والصلاة عقبه","level":2,"page":424},{"title":"باب الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر","level":2,"page":432},{"title":"باب الذكر المستحب عقب الوضوء","level":2,"page":433},{"title":"باب في وضوء النبي ﷺ","level":2,"page":435},{"title":"باب الإيتار في الاستنثار والاستجمار","level":2,"page":439},{"title":"باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما","level":2,"page":443},{"title":"باب وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة","level":2,"page":447},{"title":"باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء","level":2,"page":448},{"title":"باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء","level":2,"page":449},{"title":"باب تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء","level":2,"page":456},{"title":"باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره","level":2,"page":457},{"title":"باب السواك","level":2,"page":459},{"title":"باب خصال الفطرة","level":2,"page":464},{"title":"باب الاستطابة","level":2,"page":469},{"title":"باب النهي عن الاستنجاء باليمين","level":2,"page":473},{"title":"باب التيمن في الطهور وغيره","level":2,"page":474},{"title":"باب النهي عن التخلي في الطرق والظلال","level":2,"page":475},{"title":"باب الاستنجاء بالماء من التبرز","level":2,"page":476},{"title":"باب المسح على الخفين","level":2,"page":478},{"title":"باب المسح على الناصية والعمامة","level":2,"page":487},{"title":"باب التوقيت في المسح على الخفين","level":2,"page":491},{"title":"باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد","level":2,"page":492},{"title":"باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثا","level":2,"page":493},{"title":"باب حكم ولوغ الكلب","level":2,"page":496},{"title":"باب النهي عن البول في الماء الراكد","level":2,"page":500},{"title":"باب النهي عن الاغتسال في الماء الراكد","level":2,"page":502},{"title":"باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها","level":2,"page":503},{"title":"باب حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله","level":2,"page":506},{"title":"باب حكم المني","level":2,"page":508},{"title":"باب نجاسة الدم وكيفية غسله","level":2,"page":510},{"title":"باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه","level":2,"page":512},{"title":"كتاب الحيض","level":1,"page":514},{"title":"باب مباشرة الحائض فوق الإزار","level":2,"page":515},{"title":"باب الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد","level":2,"page":517},{"title":"باب جواز غسل الحائض رأس زوجها، وترجيله، وطهارة سؤرها، والاتكاء في حجرها، وقراءة القرآن فيه","level":2,"page":519},{"title":"باب المذي","level":2,"page":528},{"title":"باب غسل الوجه واليدين إذا استيقظ من النوم","level":2,"page":530},{"title":"باب جواز نوم الجنب، واستحباب الوضوء له، وغسل الفرج إذا أراد أن يأكل، أو يشرب، أو ينام، أو يجامع","level":2,"page":531},{"title":"باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها","level":2,"page":536},{"title":"باب بيان صفة مني الرجل والمرأة، وأن الولد مخلوق من مائهما.","level":2,"page":539},{"title":"باب صفة غسل الجنابة","level":2,"page":542},{"title":"باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، وغسل الرجل والمرأة في إناء واحد في حالة واحدة، وغسل أحدهما بفضل الآخر.","level":2,"page":547},{"title":"باب استحباب إفاضة الماء على الرأس وغيره ثلاثا","level":2,"page":553},{"title":"باب حكم ضفائر المغتسلة","level":2,"page":554},{"title":"باب استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فرصة من مسك في موضع الدم","level":2,"page":556},{"title":"باب المستحاضة وغسلها وصلاتها","level":2,"page":558},{"title":"باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة","level":2,"page":563},{"title":"باب تستر المغتسل بثوب ونحوه","level":2,"page":565},{"title":"باب تحريم النظر إلى العورات","level":2,"page":567},{"title":"باب جواز الاغتسال عريانا في الخلوة","level":2,"page":569},{"title":"باب الاعتناء بحفظ العورة","level":2,"page":571},{"title":"باب ما يستتر به لقضاء الحاجة","level":2,"page":573},{"title":"باب إنما الماء من الماء","level":2,"page":574},{"title":"باب نسخ الماء من الماء، ووجوب الغسل بالتقاء الختانين","level":2,"page":576},{"title":"باب الوضوء مما مست النار","level":2,"page":578},{"title":"باب نسخ الوضوء مما مست النار","level":2,"page":579},{"title":"باب الوضوء من لحوم الإبل","level":2,"page":582},{"title":"باب الدليل على أن من تيقن الطهارة، ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك","level":2,"page":584},{"title":"باب طهارة جلود الميتة بالدباغ","level":2,"page":585},{"title":"باب التيمم","level":2,"page":590},{"title":"باب الدليل على أن المسلم لا ينجس","level":2,"page":597},{"title":"باب ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها","level":2,"page":599},{"title":"باب جواز أكل المحدث الطعام، وأنه لا كراهة في ذلك، وأن الوضوء ليس على الفور","level":2,"page":600},{"title":"باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء","level":2,"page":602},{"title":"باب الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء","level":2,"page":603},{"title":"كتاب الصلاة","level":1,"page":605},{"title":"باب بدء الأذان","level":2,"page":606},{"title":"باب الأمر بشفع الأذان، وإيتار الإقامة","level":2,"page":608},{"title":"باب صفة الأذان","level":2,"page":610},{"title":"باب استحباب اتخاذ مؤذنين للمسجد الواحد","level":2,"page":612},{"title":"باب جواز أذان الأعمى إذا كان معه بصير","level":2,"page":613},{"title":"باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سمع فيهم الأذان","level":2,"page":614},{"title":"باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه، ثم يصلي على النبي ﷺ، ثم يسأل الله له الوسيلة","level":2,"page":616},{"title":"باب فضل الأذان، وهرب الشيطان عند سماعه","level":2,"page":620},{"title":"باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام، والركوع، وفي الرفع من الركوع، وأنه لا يفعله إذا رفع من السجود","level":2,"page":624},{"title":"باب إثبات التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة إلا رفعه من الركوع، فيقول فيه: سمع الله لمن حمده","level":2,"page":627},{"title":"باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، وإنه إذا لم يحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلمها، قرأ ما تيسر له من غيرها","level":2,"page":630},{"title":"باب نهي المأموم عن جهره بالقراءة خلف إمامه","level":2,"page":640},{"title":"باب حجة من قال: لا يجهر بالبسملة","level":2,"page":641},{"title":"باب حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة، سوى براءة","level":2,"page":643},{"title":"باب وضع يده اليمنى على اليسرى بعد تكبيرة الإحرام تحت صدره فوق سرته، ووضعهما في السجود على الأرض حذو منكبيه","level":2,"page":645},{"title":"باب التشهد في الصلاة","level":2,"page":646},{"title":"باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد","level":2,"page":654},{"title":"باب التسميع والتحميد والتأمين","level":2,"page":659},{"title":"باب ائتمام المأموم بالإمام","level":2,"page":662},{"title":"باب النهي عن مبادرة الإمام بالتكبير وغيره","level":2,"page":667},{"title":"باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض، وسفر، وغيرهما من يصلي بالناس، وأن من صلى خلف إمام جالس لعجزه عن القيام لزمه القيام، إذا قدر عليه، ونسخ القعود خلف القاعد في حق من قدر على القيام","level":2,"page":670},{"title":"باب تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام، ولم يخافوا مفسدة بالتقديم","level":2,"page":680},{"title":"باب تسبيح الرجل، وتصفيق المرأة إذا نابهما شيء في الصلاة","level":2,"page":685},{"title":"باب الأمر بتحسين الصلاة، وإتمامها، والخشوع فيها","level":2,"page":687},{"title":"باب النهي عن سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما","level":2,"page":689},{"title":"باب النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة","level":2,"page":691},{"title":"باب الأمر بالسكون في الصلاة، والنهي عن الإشارة باليد ورفعها عند السلام، وإتمام الصفوف الأول والتراص فيها، والأمر بالاجتماع","level":2,"page":692},{"title":"باب تسوية الصفوف وإقامتها، وفضل الأول فالأول منها، والازدحام على الصف الأول، والمسابقة إليها، وتقديم أولي الفضل وتقريبهم من الإمام","level":2,"page":694},{"title":"باب أمر النساء المصليات وراء الرجال أن لا يرفعن رءوسهن من السجود حتى يرفع الرجال","level":2,"page":699},{"title":"باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة، وأنها لا تخرج مطيبة","level":2,"page":701},{"title":"باب التوسط في القراءة في الصلاة الجهرية بين الجهر والإسرار إذا خاف من الجهر مفسدة","level":2,"page":706},{"title":"باب الاستماع للقراءة","level":2,"page":708},{"title":"باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن","level":2,"page":710},{"title":"باب القراءة في الظهر والعصر","level":2,"page":714},{"title":"باب القراءة في الصبح","level":2,"page":719},{"title":"باب القراءة في العشاء","level":2,"page":725},{"title":"باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام","level":2,"page":729},{"title":"باب اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام","level":2,"page":733},{"title":"باب متابعة الإمام والعمل بعده","level":2,"page":735},{"title":"باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع","level":2,"page":737},{"title":"باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود","level":2,"page":740},{"title":"باب ما يقال في الركوع والسجود","level":2,"page":745},{"title":"باب فضل السجود والحث عليه","level":2,"page":749},{"title":"باب أعضاء السجود، والنهي عن كف الشعر، والثوب، وعقص الرأس في الصلاة","level":2,"page":750},{"title":"باب الاعتدال في السجود، ووضع الكفين على الأرض، ورفع المرفقين عن الجنبين، ورفع البطن عن الفخذين في السجود","level":2,"page":752},{"title":"باب ما يجمع صفة الصلاة، وما يفتتح به، ويختم به، وصفة الركوع والاعتدال منه، والسجود والاعتدال منه، والتشهد بعد كل ركعتين من الرباعية، وصفة الجلوس بين السجدتين، وفي التشهد الأول","level":2,"page":753},{"title":"باب سترة المصلي","level":2,"page":759},{"title":"باب منع المار بين يدي المصلي","level":2,"page":765},{"title":"باب دنو المصلي من السترة","level":2,"page":768},{"title":"باب قدر ما يستر المصلي","level":2,"page":769},{"title":"باب الاعتراض بين يدي المصلي","level":2,"page":771},{"title":"باب الصلاة في ثوب واحد، وصفة لبسه","level":2,"page":775},{"title":"كتاب المساجد ومواضع الصلاة","level":1,"page":779},{"title":"باب ابتناء مسجد النبي ﷺ","level":2,"page":785},{"title":"باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة","level":2,"page":787},{"title":"باب النهي عن بناء المساجد على القبور، واتخاذ الصور فيها، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد","level":2,"page":789},{"title":"باب فضل بناء المساجد والحث عليها","level":2,"page":792},{"title":"باب الندب إلى وضع الأيدي على الركب في الركوع ونسخ التطبيق","level":2,"page":794},{"title":"باب جواز الإقعاء على العقبين","level":2,"page":798},{"title":"باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته","level":2,"page":799},{"title":"باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة، والتعوذ منه، وجواز العمل القليل في الصلاة","level":2,"page":808},{"title":"باب جواز حمل الصبيان في الصلاة.","level":2,"page":810},{"title":"باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة","level":2,"page":812},{"title":"باب كراهة الاختصار في الصلاة","level":2,"page":814},{"title":"باب كراهة مسح الحصى وتسوية التراب في الصلاة","level":2,"page":815},{"title":"باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها","level":2,"page":816},{"title":"باب جواز الصلاة في النعلين","level":2,"page":820},{"title":"باب كراهة الصلاة في ثوب له أعلام","level":2,"page":821},{"title":"باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال، وكراهة الصلاة مع مدافعة الأخبثين","level":2,"page":822},{"title":"باب نهي من أكل ثوما أو بصلا أو كراثا أو نحوها مما له رائحة كريهة عن حضور المسجد، حتى تذهب تلك الريح، وإخراجه من المسجد","level":2,"page":826},{"title":"باب النهي عن نشد الضالة في المسجد، وما يقوله من سمع الناشد","level":2,"page":832},{"title":"باب السهو في الصلاة والسجود له","level":2,"page":834},{"title":"باب سجود التلاوة","level":2,"page":846},{"title":"باب صفة الجلوس في الصلاة، وكيفية وضع اليدين على الفخذين","level":2,"page":852},{"title":"باب السلام للتحليل من الصلاة عند فراغها، وكيفيته","level":2,"page":856},{"title":"باب الذكر بعد الصلاة","level":2,"page":858},{"title":"باب استحباب التعوذ من عذاب القبر","level":2,"page":859},{"title":"باب ما يستعاذ منه في الصلاة","level":2,"page":861},{"title":"باب استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان صفته","level":2,"page":865},{"title":"باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة","level":2,"page":873},{"title":"باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة، والنهي عن إتيانها سعيا","level":2,"page":877},{"title":"باب متى يقوم الناس للصلاة؟","level":2,"page":879},{"title":"باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة","level":2,"page":881},{"title":"باب أوقات الصلوات الخمس","level":2,"page":885},{"title":"باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر لمن يمضي إلى جماعة، ويناله الحر في طريقه","level":2,"page":896},{"title":"باب استحباب تقديم الظهر في أول الوقت في غير شدة الحر","level":2,"page":899},{"title":"باب استحباب التبكير بالعصر","level":2,"page":901},{"title":"باب التغليظ في تفويت صلاة العصر","level":2,"page":905},{"title":"باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر","level":2,"page":907},{"title":"باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما","level":2,"page":911},{"title":"باب بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس","level":2,"page":914},{"title":"باب وقت العشاء وتأخيرها","level":2,"page":915},{"title":"باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها، وهو التغليس، وبيان قدر القراءة فيها","level":2,"page":922},{"title":"باب كراهية تأخير الصلاة عن وقتها المختار، وما يفعله المأموم إذا أخرها الإمام","level":2,"page":926},{"title":"باب فضل صلاة الجماعة، وبيان التشديد في التخلف عنها","level":2,"page":931},{"title":"باب يجب إتيان المسجد على من سمع النداء","level":2,"page":936},{"title":"باب صلاة الجماعة من سنن الهدى","level":2,"page":937},{"title":"باب النهي عن الخروج من المسجد إذا أذن المؤذن","level":2,"page":939},{"title":"باب فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة","level":2,"page":940},{"title":"باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر","level":2,"page":942},{"title":"باب جواز الجماعة في النافلة، والصلاة على حصير وخمرة وثوب، وغيرها من الطاهرات","level":2,"page":945},{"title":"باب فضل صلاة الجماعة، وانتظار الصلاة","level":2,"page":948},{"title":"باب فضل كثرة الخطا إلى المساجد","level":2,"page":951},{"title":"باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا، وترفع به الدرجات","level":2,"page":954},{"title":"باب فضل الجلوس في مصلاه بعد الصبح، وفضل المساجد","level":2,"page":956},{"title":"باب من أحق بالإمامة","level":2,"page":958},{"title":"باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة","level":2,"page":962},{"title":"باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها","level":2,"page":967},{"title":"كتاب صلاة المسافرين وقصرها","level":1,"page":977},{"title":"باب صلاة المسافرين وقصرها","level":2,"page":978},{"title":"باب قصر الصلاة بمنى.","level":2,"page":988},{"title":"باب الصلاة في الرحال في المطر","level":2,"page":991},{"title":"باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت","level":2,"page":994},{"title":"باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر","level":2,"page":999},{"title":"باب الجمع بين الصلاتين في الحضر","level":2,"page":1002},{"title":"باب جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال","level":2,"page":1008},{"title":"باب استحباب يمين الإمام","level":2,"page":1010},{"title":"باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن","level":2,"page":1011},{"title":"باب ما يقول إذا دخل المسجد","level":2,"page":1015},{"title":"باب استحباب تحية المسجد بركعتين، وكراهة الجلوس قبل صلاتهما، وأنها مشروعة في جميع الأوقات","level":2,"page":1017},{"title":"باب استحباب الركعتين في المسجد لمن قدم من سفر أول قدومه","level":2,"page":1020},{"title":"باب استحباب صلاة الضحى، وأن أقلها ركعتان، وأكملها ثمان ركعات، وأوسطها أربع ركعات، أو ست، والحث على المحافظة عليها","level":2,"page":1021},{"title":"باب استحباب ركعتي سنة الفجر والحث عليهما، وتخفيفهما، والمحافظة عليهما، وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما","level":2,"page":1029},{"title":"باب فضل السنن الراتبة قبل الفرائض، وبعدهن، وبيان عددهن.","level":2,"page":1033},{"title":"باب جواز النافلة قائما وقاعدا، وفعل بعض الركعة قائما،","level":2,"page":1036},{"title":"باب صلاة الليل، وعدد ركعات النبي ﷺ في الليل، وأن الوتر ركعة، وأن الركعة صلاة صحيحة","level":2,"page":1041},{"title":"باب جامع صلاة الليل، ومن نام عنه، أو مرض","level":2,"page":1050},{"title":"باب صلاة الأوابين حين ترمض الفصال.","level":2,"page":1055},{"title":"باب صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل.","level":2,"page":1056},{"title":"باب من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله","level":2,"page":1062},{"title":"باب أفضل الصلاة طول القنوت","level":2,"page":1063},{"title":"باب في الليل ساعة مستجاب فيها الدعاء","level":2,"page":1064},{"title":"باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل، والإجابة فيه","level":2,"page":1065},{"title":"باب الترغيب في قيام رمضان، وهو التراويح","level":2,"page":1068},{"title":"باب الدعاء في صلاة الليل، وقيامه","level":2,"page":1075},{"title":"باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل","level":2,"page":1091},{"title":"باب ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح","level":2,"page":1093},{"title":"باب استحباب صلاة النافلة في بيته، وجوازها في المسجد","level":2,"page":1096},{"title":"باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره","level":2,"page":1099},{"title":"باب أمر من نعس في صلاته، أو استعجم عليه القرآن، أو الذكر بأن يرقد، أو يقعد؛ حتى يذهب عنه ذلك","level":2,"page":1101},{"title":"كتاب فضائل القرآن وما يتعلق به","level":1,"page":1104},{"title":"باب الأمر بتعهد القرآن، وكراهة قول: نسيت آية كذا،","level":2,"page":1105},{"title":"باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن","level":2,"page":1110},{"title":"باب ذكر قراءة النبي ﷺ سورة الفتح يوم فتح مكة","level":2,"page":1113},{"title":"باب نزول السكينة لقراءة القرآن","level":2,"page":1115},{"title":"باب فضيلة حافظ القرآن","level":2,"page":1117},{"title":"باب فضل الماهر في القرآن، والذي يتتعتع فيه","level":2,"page":1119},{"title":"باب استحباب قراءة القرآن على أهل الفضل والحذاق فيه، وإن كان القارئ أفضل من المقروء عليه","level":2,"page":1120},{"title":"باب فضل استماع القرآن، وطلب القراءة من حافظه للاستماع، والبكاء عند القراءة والتدبر","level":2,"page":1121},{"title":"باب فضل قراءة القرآن في الصلاة وتعلمه","level":2,"page":1124},{"title":"باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة","level":2,"page":1126},{"title":"باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة، والحث على قراءة الآيتين من آخر البقرة","level":2,"page":1129},{"title":"باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي","level":2,"page":1131},{"title":"باب فضل قراءة قل هو الله أحد","level":2,"page":1132},{"title":"باب فضل قراءة المعوذتين","level":2,"page":1135},{"title":"باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه، وفضل من تعلم حكمة من فقه، أو غيره فعمل بها وعلمها","level":2,"page":1136},{"title":"باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف، وبيان معناه","level":2,"page":1139},{"title":"باب ترتيل القراءة، واجتناب الهذ، وهو: الإفراط في السرعة،","level":2,"page":1145},{"title":"باب ما يتعلق بالقراآت","level":2,"page":1150},{"title":"باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها","level":2,"page":1152},{"title":"باب إسلام عمرو بن عبسة","level":2,"page":1158},{"title":"باب لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها","level":2,"page":1162},{"title":"باب معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي ﷺ بعد العصر","level":2,"page":1164},{"title":"باب استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب","level":2,"page":1167},{"title":"باب بين كل أذانين صلاة","level":2,"page":1169},{"title":"باب صلاة الخوف","level":2,"page":1170},{"title":"كتاب الجمعة","level":1,"page":1177},{"title":"باب وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال، وبيان ما أمروا به","level":2,"page":1182},{"title":"باب الطيب والسواك يوم الجمعة","level":2,"page":1183},{"title":"باب في الإنصات يوم الجمعة في الخطبة","level":2,"page":1186},{"title":"باب في الساعة التي في يوم الجمعة","level":2,"page":1188},{"title":"باب فضل يوم الجمعة","level":2,"page":1191},{"title":"باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة","level":2,"page":1192},{"title":"باب فضل التهجير يوم الجمعة","level":2,"page":1194},{"title":"باب فضل من استمع، وأنصت في الخطبة","level":2,"page":1195},{"title":"باب صلاة الجمعة حين تزول الشمس","level":2,"page":1196},{"title":"باب ذكر الخطبتين قبل الصلاة، وما فيهما من الجلسة","level":2,"page":1199},{"title":"باب في قوله تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما﴾","level":2,"page":1201},{"title":"باب التغليظ في ترك الجمعة","level":2,"page":1204},{"title":"باب تخفيف الصلاة والخطبة","level":2,"page":1205},{"title":"باب التحية والإمام يخطب","level":2,"page":1213},{"title":"باب حديث التعليم في الخطبة","level":2,"page":1216},{"title":"باب ما يقرأ في صلاة الجمعة","level":2,"page":1218},{"title":"باب ما يقرأ في يوم الجمعة","level":2,"page":1220},{"title":"باب الصلاة بعد الجمعة","level":2,"page":1222},{"title":"كتاب صلاة العيدين","level":1,"page":1225},{"title":"باب ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلى، وشهود الخطبة مفارقات للرجال","level":2,"page":1233},{"title":"باب ترك الصلاة قبل العيد وبعدها في المصلى","level":2,"page":1235},{"title":"باب ما يقرأ به في صلاة العيدين","level":2,"page":1236},{"title":"باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد","level":2,"page":1237},{"title":"كتاب صلاة الاستسقاء","level":1,"page":1242},{"title":"باب رفع اليدين بالدعاء في الاستسقاء","level":2,"page":1246},{"title":"باب الدعاء في الاستسقاء","level":2,"page":1248},{"title":"باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم، والفرح بالمطر","level":2,"page":1253},{"title":"باب في ريح الصبا والدبور","level":2,"page":1255},{"title":"كتاب الكسوف","level":1,"page":1256},{"title":"باب صلاة الكسوف","level":2,"page":1257},{"title":"باب ذكر عذاب القبر في صلاة الخسوف","level":2,"page":1265},{"title":"باب ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار","level":2,"page":1267},{"title":"باب ذكر من قال: إنه ركع ثمان ركعات في أربع سجدات","level":2,"page":1275},{"title":"باب ذكر النداء بصلاة الكسوف: الصلاة جامعة","level":2,"page":1276},{"title":"كتاب الجنائز","level":1,"page":1280},{"title":"باب تلقين الموتى لا إله إلا الله","level":2,"page":1281},{"title":"باب ما يقال عند المصيبة","level":2,"page":1283},{"title":"باب ما يقال عند المريض والميت","level":2,"page":1285},{"title":"باب في إغماض الميت، والدعاء له إذا حضر","level":2,"page":1286},{"title":"باب في شخوص بصر الميت يتبع نفسه","level":2,"page":1288},{"title":"باب البكاء على الميت","level":2,"page":1289},{"title":"باب في عيادة المرضى","level":2,"page":1294},{"title":"باب في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى","level":2,"page":1295},{"title":"باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه","level":2,"page":1296},{"title":"باب التشديد في النياحة","level":2,"page":1303},{"title":"باب نهي النساء عن اتباع الجنائز","level":2,"page":1308},{"title":"باب في غسل الميت","level":2,"page":1309},{"title":"باب في كفن الميت","level":2,"page":1313},{"title":"باب تسجية الميت","level":2,"page":1317},{"title":"باب في تحسين كفن الميت","level":2,"page":1318},{"title":"باب الإسراع بالجنازة","level":2,"page":1319},{"title":"باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها","level":2,"page":1321},{"title":"باب من صلى عليه مائة شفعوا فيه","level":2,"page":1325},{"title":"باب من صلى عليه أربعون شفعوا فيه","level":2,"page":1326},{"title":"باب فيمن يثنى عليه خير أو شر من الموتى","level":2,"page":1327},{"title":"باب ما جاء في مستريح ومستراح منه","level":2,"page":1329},{"title":"باب في التكبير على الجنازة","level":2,"page":1330},{"title":"باب الصلاة على القبر","level":2,"page":1335},{"title":"باب القيام للجنازة","level":2,"page":1337},{"title":"باب نسخ القيام للجنازة","level":2,"page":1341},{"title":"باب الدعاء للميت في الصلاة","level":2,"page":1343},{"title":"باب أين يقوم الإمام من الميت للصلاة عليه؟","level":2,"page":1345},{"title":"باب ركوب المصلي على الجنازة إذا انصرف","level":2,"page":1347},{"title":"باب في اللحد، ونصب اللبن على الميت","level":2,"page":1348},{"title":"باب جعل القطيفة في القبر","level":2,"page":1349},{"title":"باب الأمر بتسوية القبر","level":2,"page":1350},{"title":"باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه","level":2,"page":1352},{"title":"باب النهي عن الجلوس على القبر، والصلاة عليه","level":2,"page":1353},{"title":"باب الصلاة على الجنازة في المسجد","level":2,"page":1354},{"title":"باب ما يقال عند دخول القبور، والدعاء لأهلها","level":2,"page":1356},{"title":"باب استئذان النبي ﷺ ربه ﷿ في زيارة قبر أمه","level":2,"page":1360},{"title":"باب ترك الصلاة على القاتل نفسه","level":2,"page":1363},{"title":"كتاب الزكاة","level":1,"page":1366},{"title":"باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة","level":2,"page":1367},{"title":"باب ما فيه العشر، أو نصف العشر","level":2,"page":1371},{"title":"باب لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه","level":2,"page":1372},{"title":"باب في تقديم الزكاة، ومنعها","level":2,"page":1373},{"title":"باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر، والشعير","level":2,"page":1375},{"title":"باب الأمر بإخراج زكاة الفطر قبل الصلاة","level":2,"page":1379},{"title":"باب إثم مانع الزكاة","level":2,"page":1380},{"title":"باب إرضاء السعاة","level":2,"page":1388},{"title":"باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة","level":2,"page":1389},{"title":"باب الترغيب في الصدقة","level":2,"page":1391},{"title":"باب في الكنازين للأموال، والتغليظ عليهم","level":2,"page":1395},{"title":"باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف","level":2,"page":1398},{"title":"باب فضل النفقة على العيال والمملوك، وإثم من ضيعهم، أو حبس نفقتهم عنهم","level":2,"page":1400},{"title":"باب الابتداء في النفقة بالنفس، ثم أهله، ثم القرابة","level":2,"page":1402},{"title":"باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين، والزوج، والأولاد، والوالدين، ولو كانوا مشركين","level":2,"page":1404},{"title":"باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه","level":2,"page":1412},{"title":"باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف","level":2,"page":1414},{"title":"باب في المنفق والممسك","level":2,"page":1418},{"title":"باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها","level":2,"page":1419},{"title":"باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها","level":2,"page":1422},{"title":"باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، أو كلمة طيبة، وأنها حجاب من النار","level":2,"page":1424},{"title":"باب الحمل بأجرة يتصدق بها، والنهي الشديد عن تنقيص المتصدق بقليل","level":2,"page":1429},{"title":"باب فضل المنيحة","level":2,"page":1430},{"title":"باب مثل المنفق، والبخيل","level":2,"page":1431},{"title":"باب ثبوت أجر المتصدق وإن وقعت الصدقة في يد غير أهلها","level":2,"page":1434},{"title":"باب أجر الخازن الأمين، والمرأة إذا تصدقت من بيت زوجها غير مفسدة بإذنه الصريح، أو العرفي","level":2,"page":1435},{"title":"باب ما أنفق العبد من مال مولاه","level":2,"page":1437},{"title":"باب من جمع الصدقة وأعمال البر","level":2,"page":1440},{"title":"باب الحث على الإنفاق، وكراهة الإحصاء","level":2,"page":1443},{"title":"باب الحث على الصدقة ولو بالقليل، ولا تمتنع من القليل لاحتقاره","level":2,"page":1445},{"title":"باب فضل إخفاء الصدقة","level":2,"page":1446},{"title":"باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح.","level":2,"page":1448},{"title":"باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن اليد العليا هي المنفقة، وأن السفلى هي الآخذة","level":2,"page":1449},{"title":"باب النهي عن المسألة","level":2,"page":1452},{"title":"باب المسكين الذي لا يجد غنى، ولا يفطن له، فيتصدق عليه","level":2,"page":1454},{"title":"باب كراهة المسألة للناس","level":2,"page":1456},{"title":"باب من تحل له المسألة","level":2,"page":1459},{"title":"باب إباحة الأخذ لمن أعطي من غير مسألة ولا إشراف","level":2,"page":1461},{"title":"باب كراهة الحرص على الدنيا","level":2,"page":1463},{"title":"باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثا","level":2,"page":1464},{"title":"باب ليس الغنى عن كثرة العرض","level":2,"page":1466},{"title":"باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا","level":2,"page":1467},{"title":"باب فضل التعفف والصبر","level":2,"page":1470},{"title":"باب في الكفاف والقناعة","level":2,"page":1471},{"title":"باب إعطاء من سأل بفحش وغلظة","level":2,"page":1472},{"title":"باب إعطاء من يخاف على إيمانه","level":2,"page":1475},{"title":"باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، وتصبر من قوي إيمانه","level":2,"page":1477},{"title":"باب ذكر الخوارج وصفاتهم","level":2,"page":1487},{"title":"باب التحريض على قتل الخوارج","level":2,"page":1497},{"title":"باب الخوارج شر الخلق والخليقة","level":2,"page":1502},{"title":"باب تحريم الزكاة على رسول الله ﷺ، وعلى آله، وهم: بنو هاشم، وبنو المطلب دون غيرهم.","level":2,"page":1503},{"title":"باب ترك استعمال آل النبي على الصدقة","level":2,"page":1506},{"title":"باب إباحة الهدية للنبي ﷺ، ولبني هاشم، وبني المطلب، وإن كان المهدي ملكها بطريق الصدقة، وبيان أن الصدقة إذا قبضها المتصدق عليه زال عنها وصف الصدقة، وحلت لكل أحد ممن كانت الصدقة محرمة عليه","level":2,"page":1511},{"title":"باب قبول النبي الهدية، ورده الصدقة","level":2,"page":1515},{"title":"باب الدعاء لمن أتى بصدقة","level":2,"page":1516},{"title":"باب إرضاء الساعي ما لم يطلب حراما","level":2,"page":1517},{"title":"كتاب الصيام","level":1,"page":1518},{"title":"باب فضل شهر رمضان","level":2,"page":1519},{"title":"باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، والفطر لرؤية الهلال، وأنه إذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين يوما","level":2,"page":1521},{"title":"باب لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين","level":2,"page":1526},{"title":"باب الشهر يكون تسعا وعشرين","level":2,"page":1527},{"title":"باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم، وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم","level":2,"page":1529},{"title":"باب بيان أنه لا اعتبار بكبر الهلال وصغره، وأن الله تعالى أمده للرؤية، فإن غم فليكمل ثلاثون","level":2,"page":1531},{"title":"باب بيان معنى قوله ﷺ: «شهرا عيد لا ينقصان»","level":2,"page":1533},{"title":"باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر، وبيان صفة الفجر الذي تتعلق به الأحكام من الدخول في الصوم، ودخول وقت صلاة الصبح، وغير ذلك","level":2,"page":1534},{"title":"باب فضل السحور، وتأكيد استحبابه، واستحباب تأخيره، وتعجيل الفطر","level":2,"page":1540},{"title":"باب بيان وقت انقضاء الصوم، وخروج النهار","level":2,"page":1543},{"title":"باب النهي عن الوصال في الصوم","level":2,"page":1545},{"title":"باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته","level":2,"page":1548},{"title":"باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب","level":2,"page":1552},{"title":"باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم، ووجوب الكفارة الكبرى فيه، وبيانها، وأنها تجب على الموسر والمعسر، وتثبت في ذمة المعسر حتى يستطيع","level":2,"page":1555},{"title":"باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية، إذا كان سفره مرحلتين فأكثر، وأن الأفضل لمن أطاقه بلا ضرر أن يصوم، ولمن يشق عليه أن يفطر","level":2,"page":1559},{"title":"باب أجر المفطر في السفر إذا تولى العمل","level":2,"page":1564},{"title":"باب التخيير في الصوم، والفطر في السفر","level":2,"page":1566},{"title":"باب استحباب الفطر للحاج بعرفات يوم عرفة","level":2,"page":1568},{"title":"باب صوم يوم عاشوراء","level":2,"page":1570},{"title":"باب أي يوم يصام في عاشوراء","level":2,"page":1577},{"title":"باب من أكل في عاشوراء فليكف بقية يومه","level":2,"page":1579},{"title":"باب النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى","level":2,"page":1581},{"title":"باب تحريم صوم أيام التشريق","level":2,"page":1583},{"title":"باب كراهة صيام يوم الجمعة منفردا","level":2,"page":1585},{"title":"باب بيان نسخ قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية﴾ بقوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾","level":2,"page":1587},{"title":"باب قضاء رمضان في شعبان","level":2,"page":1588},{"title":"باب قضاء الصيام عن الميت","level":2,"page":1589},{"title":"باب الصائم يدعى لطعام، فليقل: إني صائم","level":2,"page":1594},{"title":"باب حفظ اللسان للصائم","level":2,"page":1595},{"title":"باب فضل الصيام","level":2,"page":1596},{"title":"باب فضل الصيام في سبيل الله لمن يطيقه بلا ضرر، ولا تفويت حق","level":2,"page":1600},{"title":"باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال، وجواز فطر الصائم نفلا من غير عذر","level":2,"page":1602},{"title":"باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر","level":2,"page":1604},{"title":"باب صيام النبي ﷺ في غير رمضان، واستحباب أن لا يخلي شهرا عن صوم","level":2,"page":1605},{"title":"باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به، أو فوت به حقا، أو لم يفطر العيدين والتشريق، وبيان تفضيل صوم يوم وإفطار يوم","level":2,"page":1609},{"title":"باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم يوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس","level":2,"page":1617},{"title":"باب صوم سرر شعبان","level":2,"page":1622},{"title":"باب فضل صوم المحرم","level":2,"page":1624},{"title":"باب استحباب صوم ستة أيام من شوال إتباعا لرمضان","level":2,"page":1625},{"title":"باب فضل ليلة القدر، والحث على طلبها، وبيان محلها، وأرجى أوقات طلبها","level":2,"page":1626},{"title":"كتاب الاعتكاف","level":1,"page":1635},{"title":"باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان","level":2,"page":1636},{"title":"باب متى يدخل من أراد الاعتكاف في معتكفه","level":2,"page":1639},{"title":"باب الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان","level":2,"page":1641},{"title":"باب صوم عشر ذي الحجة","level":2,"page":1642},{"title":"كتاب الحج","level":1,"page":1644},{"title":"باب ما يباح للمحرم بحج، أو عمرة، وما لا يباح، وبيان تحريم الطيب عليه","level":2,"page":1645},{"title":"باب مواقيت الحج والعمرة","level":2,"page":1656},{"title":"باب التلبية، وصفتها، ووقتها","level":2,"page":1661},{"title":"باب أمر أهل المدينة بالإحرام من عند مسجد ذي الحليفة","level":2,"page":1665},{"title":"باب الإهلال من حيث تنبعث الراحلة","level":2,"page":1667},{"title":"باب الصلاة في مسجد ذي الحليفة","level":2,"page":1670},{"title":"باب الطيب للمحرم عند الإحرام","level":2,"page":1671},{"title":"باب تحريم الصيد للمحرم","level":2,"page":1676},{"title":"باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم","level":2,"page":1684},{"title":"باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى، ووجوب الفدية لحلقه، وبيان قدرها","level":2,"page":1688},{"title":"باب جواز الحجامة للمحرم","level":2,"page":1691},{"title":"باب جواز مداواة المحرم عينيه","level":2,"page":1692},{"title":"باب جواز غسل المحرم بدنه، ورأسه","level":2,"page":1693},{"title":"باب ما يفعل بالمحرم إذا مات","level":2,"page":1695},{"title":"باب جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض، ونحوه","level":2,"page":1699},{"title":"باب إحرام النفساء، واستحباب اغتسالها للإحرام، وكذا الحائض","level":2,"page":1702},{"title":"باب بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج، والتمتع، والقران، وجواز إدخال الحج على العمرة، ومتى يحل القارن من نسكه","level":2,"page":1704},{"title":"باب في المتعة بالحج والعمرة","level":2,"page":1727},{"title":"باب حجة النبي ﷺ","level":2,"page":1729},{"title":"باب ما جاء أن عرفة كلها موقف","level":2,"page":1746},{"title":"باب في الوقوف، وقوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾","level":2,"page":1747},{"title":"باب في نسخ التحلل من الإحرام، والأمر بالتمام","level":2,"page":1749},{"title":"باب جواز التمتع","level":2,"page":1752},{"title":"باب وجوب الدم على المتمتع، وأنه إذا عدمه لزمه صوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله","level":2,"page":1759},{"title":"باب بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد","level":2,"page":1761},{"title":"باب بيان جواز التحلل بالإحصار، وجواز القران","level":2,"page":1762},{"title":"باب في الإفراد، والقران بالحج والعمرة","level":2,"page":1765},{"title":"باب ما يلزم من أحرم بالحج، ثم قدم مكة من الطواف والسعي","level":2,"page":1766},{"title":"باب ما يلزم من طاف بالبيت، وسعى من البقاء على الإحرام، وترك التحلل","level":2,"page":1768},{"title":"باب في متعة الحج","level":2,"page":1771},{"title":"باب جواز العمرة في أشهر الحج","level":2,"page":1772},{"title":"باب تقليد الهدي، وإشعاره عند الإحرام","level":2,"page":1775},{"title":"باب التقصير في العمرة","level":2,"page":1778},{"title":"باب إهلال النبي ﷺ وهديه.","level":2,"page":1780},{"title":"باب بيان عدد عمر النبي ﷺ، وزمانهن","level":2,"page":1782},{"title":"باب فضل العمرة في رمضان","level":2,"page":1785},{"title":"باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا، والخروج منها من الثنية السفلى، ودخول بلده من طريق غير التي خرج منها","level":2,"page":1787},{"title":"باب استحباب المبيت بذي طوى عند إرادة دخول مكة، والاغتسال لدخولها، ودخولها نهارا","level":2,"page":1789},{"title":"باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة، وفي الطواف الأول من الحج","level":2,"page":1791},{"title":"باب استحباب استلام الركنين اليمانيين في الطواف، دون الركنين الآخرين","level":2,"page":1796},{"title":"باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف","level":2,"page":1798},{"title":"باب جواز الطواف على بعير وغيره، واستلام الحجر بمحجن ونحوه للراكب","level":2,"page":1800},{"title":"باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن، لا يصح الحج إلا به","level":2,"page":1802},{"title":"باب بيان أن السعي لا يكرر","level":2,"page":1807},{"title":"باب استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة يوم النحر","level":2,"page":1808},{"title":"باب التلبية والتكبير في الذهاب من منى إلى عرفات في يوم عرفة","level":2,"page":1812},{"title":"باب الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة، واستحباب صلاتي المغرب والعشاء جميعا بالمزدلفة في هذه الليلة","level":2,"page":1814},{"title":"باب استحباب زيادة التغليس بصلاة الصبح يوم النحر بالمزدلفة، والمبالغة فيه بعد تحقق طلوع الفجر","level":2,"page":1819},{"title":"باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن من مزدلفة إلى منى، في أواخر الليل قبل زحمة الناس، واستحباب المكث لغيرهم حتى يصلوا الصبح بمزدلفة","level":2,"page":1820},{"title":"باب رمي جمرة العقبة من بطن الوادي، وتكون مكة عن يساره، ويكبر مع كل حصاة","level":2,"page":1824},{"title":"باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا، وبيان قوله ﷺ: لتأخذوا مناسككم","level":2,"page":1826},{"title":"باب استحباب كون حصى الجمار بقدر حصى الخذف","level":2,"page":1828},{"title":"باب بيان وقت استحباب الرمي","level":2,"page":1829},{"title":"باب بيان أن حصى الجمار سبع","level":2,"page":1830},{"title":"باب تفضيل الحلق على التقصير، وجواز التقصير","level":2,"page":1831},{"title":"باب بيان أن السنة يوم النحر: أن يرمي، ثم ينحر، ثم يحلق، والابتداء في الحلق بالجانب الأيمن من رأس المحلوق","level":2,"page":1833},{"title":"باب من حلق قبل النحر، أو نحر قبل الرمي","level":2,"page":1835},{"title":"باب استحباب طواف الإفاضة يوم النحر","level":2,"page":1838},{"title":"باب استحباب النزول بالمحصب يوم النفر، والصلاة به","level":2,"page":1840},{"title":"باب وجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق، والترخيص في تركه لأهل السقاية","level":2,"page":1843},{"title":"باب في الصدقة بلحوم الهدي، وجلودها، وجلالها","level":2,"page":1846},{"title":"باب الاشتراك في الهدي، وإجزاء البقرة والبدنة كل منهما عن سبعة","level":2,"page":1848},{"title":"باب نحر البدن قياما مقيدة","level":2,"page":1850},{"title":"باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم لمن لا يريد الذهاب بنفسه، واستحباب تقليده، وفتل القلائد، وأن باعثه لا يصير محرما، ولا يحرم عليه شيء بذلك","level":2,"page":1851},{"title":"باب جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها","level":2,"page":1854},{"title":"باب ما يفعل بالهدي إذا عطب في الطريق","level":2,"page":1856},{"title":"باب وجوب طواف الوداع، وسقوطه عن الحائض","level":2,"page":1858},{"title":"باب استحباب دخول الكعبة للحاج، وغيره، والصلاة فيها، والدعاء في نواحيها كلها","level":2,"page":1862},{"title":"باب نقض الكعبة وبنائها","level":2,"page":1867},{"title":"باب جدر الكعبة وبابها","level":2,"page":1875},{"title":"باب الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما، أو للموت","level":2,"page":1876},{"title":"باب صحة حج الصبي، وأجر من حج به","level":2,"page":1879},{"title":"باب فرض الحج مرة في العمر","level":2,"page":1881},{"title":"باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره","level":2,"page":1882},{"title":"باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره","level":2,"page":1888},{"title":"باب ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره","level":2,"page":1890},{"title":"باب التعريس بذي الحليفة، والصلاة بها إذا صدر من الحج، أو العمرة","level":2,"page":1893},{"title":"باب لا يحج البيت مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وبيان يوم الحج الأكبر","level":2,"page":1895},{"title":"باب في فضل الحج والعمرة، ويوم عرفة","level":2,"page":1897},{"title":"باب النزول بمكة للحاج، وتوريث دورها","level":2,"page":1900},{"title":"باب جواز الإقامة بمكة للمهاجر منها بعد فراغ الحج والعمرة ثلاثة أيام بلا زيادة","level":2,"page":1902},{"title":"باب تحريم مكة، وصيدها، وخلاها، وشجرها، ولقطتها، إلا لمنشد على الدوام","level":2,"page":1904},{"title":"باب النهي عن حمل السلاح بمكة بلا حاجة","level":2,"page":1910},{"title":"باب جواز دخول مكة بغير إحرام","level":2,"page":1911},{"title":"باب فضل المدينة، ودعاء النبي ﷺ فيها بالبركة، وبيان تحريمها، وتحريم صيدها، وشجرها، وبيان حدود حرمها","level":2,"page":1914},{"title":"باب الترغيب في سكنى المدينة، والصبر على لأوائها","level":2,"page":1926},{"title":"باب صيانة المدينة من دخول الطاعون، والدجال إليها","level":2,"page":1932},{"title":"باب المدينة تنفي شرارها","level":2,"page":1933},{"title":"باب من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله","level":2,"page":1936},{"title":"باب الترغيب في المدينة عند فتح الأمصار","level":2,"page":1938},{"title":"باب في المدينة حين يتركها أهلها","level":2,"page":1940},{"title":"باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة","level":2,"page":1942},{"title":"باب: أحد جبل يحبنا ونحبه","level":2,"page":1944},{"title":"باب فضل الصلاة بمسجدي مكة، والمدينة","level":2,"page":1945},{"title":"باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد","level":2,"page":1951},{"title":"باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي ﷺ بالمدينة","level":2,"page":1952},{"title":"باب فضل مسجد قباء، وفضل الصلاة فيه، وزيارته","level":2,"page":1953},{"title":"كتاب النكاح","level":1,"page":1955},{"title":"باب ندب من رأى امرأة فوقعت في نفسه إلى أن يأتي امرأته أو جاريته فيواقعها.","level":2,"page":1962},{"title":"باب نكاح المتعة، وبيان أنه أبيح، ثم نسخ، ثم أبيح، ثم نسخ، واستقر تحريمه إلى يوم القيامة","level":2,"page":1963},{"title":"باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، أو خالتها في النكاح.","level":2,"page":1973},{"title":"باب تحريم نكاح المحرم، وكراهة خطبته","level":2,"page":1977},{"title":"باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن أو يترك.","level":2,"page":1982},{"title":"باب تحريم نكاح الشغار وبطلانه.","level":2,"page":1986},{"title":"باب الوفاء بالشروط في النكاح","level":2,"page":1988},{"title":"باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت","level":2,"page":1989},{"title":"باب تزويج الأب البكر الصغيرة.","level":2,"page":1994},{"title":"باب استحباب التزوج والتزويج في شوال، واستحباب الدخول فيه.","level":2,"page":1997},{"title":"باب ندب النظر إلى وجه المرأة وكفيها لمن يريد تزوجها","level":2,"page":1999},{"title":"باب الصداق، وجواز كونه تعليم قرآن، وخاتم حديد، وغير ذلك من قليل وكثير، واستحباب كونه خمس مائة درهم لمن لا يجحف به.","level":2,"page":2001},{"title":"باب فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها","level":2,"page":2008},{"title":"باب زواج زينب بنت جحش ونزول الحجاب وإثبات وليمة العرس","level":2,"page":2019},{"title":"باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة","level":2,"page":2026},{"title":"باب لا تحل المطلقة ثلاثا لمطلقها حتى تنكح زوجا غيره، ويطأها،","level":2,"page":2030},{"title":"باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع","level":2,"page":2034},{"title":"باب جواز جماعه امرأته في قبلها من قدامها ومن وراءها، من غير تعرض للدبر","level":2,"page":2035},{"title":"باب تحريم امتناعها من فراش زوجها","level":2,"page":2037},{"title":"باب تحريم إفشاء سر المرأة","level":2,"page":2039},{"title":"باب حكم العزل","level":2,"page":2041},{"title":"باب تحريم وطء الحامل المسبية","level":2,"page":2048},{"title":"باب جواز الغيلة، وهي: وطء المرضع، وكراهة العزل","level":2,"page":2050},{"title":"كتاب الرضاع","level":1,"page":2053},{"title":"باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة","level":2,"page":2054},{"title":"باب تحريم الرضاعة من ماء الفحل","level":2,"page":2056},{"title":"باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة","level":2,"page":2059},{"title":"باب تحريم الربيبة وأخت المرأة","level":2,"page":2061},{"title":"باب في المصة والمصتان","level":2,"page":2064},{"title":"باب التحريم بخمس رضعات","level":2,"page":2066},{"title":"باب رضاعة الكبير","level":2,"page":2069},{"title":"باب إنما الرضاعة من المجاعة","level":2,"page":2073},{"title":"باب جواز وطء المسبية بعد الاستبراء، وإن كان لها زوج انفسخ نكاحها بالسبي","level":2,"page":2075},{"title":"باب الولد للفراش، وتوقي الشبهات","level":2,"page":2077},{"title":"باب العمل بإلحاق القائف الولد","level":2,"page":2080},{"title":"باب قدر ما تستحقه البكر والثيب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف","level":2,"page":2082},{"title":"باب القسم بين الزوجات، وبيان أن السنة أن تكون لكل واحدة ليلة مع يومها","level":2,"page":2084},{"title":"باب جواز هبتها نوبتها لضرتها","level":2,"page":2085},{"title":"باب استحباب نكاح ذات الدين","level":2,"page":2089},{"title":"باب استحباب نكاح البكر","level":2,"page":2091},{"title":"باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة","level":2,"page":2097},{"title":"باب الوصية بالنساء","level":2,"page":2098},{"title":"باب لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر","level":2,"page":2101},{"title":"كتاب الطلاق","level":1,"page":2103},{"title":"باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها، وأنه لو خالف وقع الطلاق، ويؤمر برجعتها","level":2,"page":2104},{"title":"باب طلاق الثلاث","level":2,"page":2112},{"title":"باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق","level":2,"page":2117},{"title":"باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية","level":2,"page":2123},{"title":"باب في الإيلاء، واعتزال النساء، وتخييرهن،","level":2,"page":2127},{"title":"باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها","level":2,"page":2142},{"title":"باب جواز خروج المعتدة البائن والمتوفى عنها زوجها في النهار لحاجتها","level":2,"page":2155},{"title":"باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة، وتحريمه في غير ذلك إلا ثلاثة أيام","level":2,"page":2159},{"title":"كتاب اللعان","level":1,"page":2167},{"title":"كتاب العتق","level":1,"page":2186},{"title":"باب من أعتق شركا له في عبد","level":2,"page":2187},{"title":"باب ذكر سعاية العبد","level":2,"page":2189},{"title":"باب إنما الولاء لمن أعتق","level":2,"page":2190},{"title":"باب النهي عن بيع الولاء وهبته","level":2,"page":2202},{"title":"باب تحريم تولي العتيق غير مواليه","level":2,"page":2204},{"title":"باب فضل العتق","level":2,"page":2207},{"title":"باب فضل عتق الوالد","level":2,"page":2209},{"title":"كتاب البيوع","level":1,"page":2210},{"title":"باب إبطال بيع الملامسة والمنابذة","level":2,"page":2211},{"title":"باب بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر","level":2,"page":2214},{"title":"باب تحريم بيع حبل الحبلة","level":2,"page":2215},{"title":"باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، وسومه على سومه،","level":2,"page":2216},{"title":"باب تحريم تلقي الجلب","level":2,"page":2222},{"title":"باب تحريم بيع الحاضر للبادي","level":2,"page":2224},{"title":"باب حكم بيع المصراة","level":2,"page":2226},{"title":"باب بطلان بيع المبيع قبل القبض","level":2,"page":2228},{"title":"باب تحريم بيع صبرة التمر المجهولة القدر بتمر","level":2,"page":2234},{"title":"باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين","level":2,"page":2236},{"title":"باب الصدق في البيع والبيان","level":2,"page":2239},{"title":"باب من يخدع في البيع","level":2,"page":2240},{"title":"باب النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع","level":2,"page":2242},{"title":"باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا","level":2,"page":2246},{"title":"باب من باع نخلا عليها ثمر","level":2,"page":2253},{"title":"باب النهي عن المحاقلة، والمزابنة، وعن المخابرة، وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وعن بيع المعاومة، وهو بيع السنين","level":2,"page":2255},{"title":"باب كراء الأرض","level":2,"page":2259},{"title":"باب كراء الأرض بالطعام","level":2,"page":2267},{"title":"باب كراء الأرض بالذهب والورق","level":2,"page":2269},{"title":"باب في المزارعة والمؤاجرة","level":2,"page":2271},{"title":"باب الأرض تمنح","level":2,"page":2272},{"title":"كتاب المساقاة والمزارعة","level":1,"page":2274},{"title":"باب فضل الغرس والزرع","level":2,"page":2280},{"title":"باب وضع الجوائح","level":2,"page":2284},{"title":"باب استحباب الوضع من الدين","level":2,"page":2286},{"title":"باب من أدرك ما باعه عند المشتري وقد أفلس فله الرجوع فيه","level":2,"page":2290},{"title":"باب فضل إنظار المعسر","level":2,"page":2293},{"title":"باب تحريم مطل الغني، وصحة الحوالة، واستحباب قبولها إذا أحيل على ملي","level":2,"page":2298},{"title":"باب تحريم بيع فضل الماء الذي يكون بالفلاة، ويحتاج إليه لرعي الكلأ، وتحريم منع بذله، وتحريم بيع ضراب الفحل","level":2,"page":2300},{"title":"باب تحريم ثمن الكلب، وحلوان الكاهن، ومهر البغي، والنهي عن بيع السنور","level":2,"page":2303},{"title":"باب الأمر بقتل الكلاب، وبيان نسخه، وبيان تحريم اقتنائها، إلا لصيد، أو زرع، أو ماشية، ونحو ذلك","level":2,"page":2306},{"title":"باب حل أجرة الحجامة","level":2,"page":2313},{"title":"باب تحريم بيع الخمر","level":2,"page":2317},{"title":"باب تحريم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام","level":2,"page":2322},{"title":"باب الربا","level":2,"page":2325},{"title":"باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا","level":2,"page":2327},{"title":"باب النهي عن بيع الورق بالذهب دينا","level":2,"page":2333},{"title":"باب بيع القلادة فيها خرز وذهب","level":2,"page":2335},{"title":"باب بيع الطعام مثلا بمثل","level":2,"page":2338},{"title":"باب لعن آكل الربا ومؤكله","level":2,"page":2346},{"title":"باب أخذ الحلال، وترك الشبهات","level":2,"page":2347},{"title":"باب بيع البعير، واستثناء ركوبه","level":2,"page":2350},{"title":"باب من استسلف شيئا فقضى خيرا منه، وخيركم أحسنكم قضاء","level":2,"page":2356},{"title":"باب جواز بيع الحيوان بالحيوان من جنسه متفاضلا","level":2,"page":2359},{"title":"باب الرهن وجوازه في الحضر والسفر","level":2,"page":2360},{"title":"باب السلم","level":2,"page":2363},{"title":"باب تحريم الاحتكار في الأقوات","level":2,"page":2365},{"title":"باب النهي عن الحلف في البيع","level":2,"page":2367},{"title":"باب الشفعة","level":2,"page":2369},{"title":"باب غرز الخشب في جدار الجار","level":2,"page":2371},{"title":"باب تحريم الظلم، وغصب الأرض وغيرها","level":2,"page":2372},{"title":"باب قدر الطريق إذا اختلفوا فيه","level":2,"page":2375},{"title":"كتاب الفرائض","level":1,"page":2376},{"title":"باب لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم","level":2,"page":2377},{"title":"باب ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر","level":2,"page":2379},{"title":"باب ميراث الكلالة","level":2,"page":2381},{"title":"باب آخر آية أنزلت آية الكلالة","level":2,"page":2387},{"title":"باب من ترك مالا فلورثته","level":2,"page":2388},{"title":"كتاب الهبات","level":1,"page":2391},{"title":"باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به ممن تصدق عليه","level":2,"page":2392},{"title":"باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض، إلا ما وهبه لولده، وإن سفل","level":2,"page":2395},{"title":"باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة","level":2,"page":2397},{"title":"باب العمرى","level":2,"page":2403},{"title":"كتاب الوصية","level":1,"page":2408},{"title":"باب الوصية بالثلث","level":2,"page":2413},{"title":"باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت","level":2,"page":2418},{"title":"باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته","level":2,"page":2421},{"title":"باب الوقف","level":2,"page":2422},{"title":"باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه","level":2,"page":2425},{"title":"كتاب النذر","level":1,"page":2430},{"title":"باب الأمر بقضاء النذر","level":2,"page":2431},{"title":"باب النهي","level":2,"page":2434},{"title":"باب لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد","level":2,"page":2436},{"title":"باب من نذر أن يمشي إلى الكعبة","level":2,"page":2438},{"title":"باب في كفارة النذر","level":2,"page":2440},{"title":"كتاب الأيمان","level":1,"page":2441},{"title":"باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى","level":2,"page":2442},{"title":"باب من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله","level":2,"page":2446},{"title":"باب ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها أن يأتي الذي هو خير، ويكفر عن يمينه","level":2,"page":2448},{"title":"باب يمين الحالف على نية المستحلف","level":2,"page":2460},{"title":"باب الاستثناء","level":2,"page":2461},{"title":"باب النهي عن الإصرار على اليمين فيما يتأذى به أهل الحالف مما ليس بحرام","level":2,"page":2465},{"title":"باب نذر الكافر، وما يفعل فيه إذا أسلم","level":2,"page":2466},{"title":"باب صحبة المماليك، وكفارة من لطم عبده","level":2,"page":2469},{"title":"باب التغليظ على من قذف مملوكه بالزنا","level":2,"page":2475},{"title":"باب إطعام المملوك مما يأكل، وإلباسه مما يلبس، ولا يكلفه ما يغلبه","level":2,"page":2476},{"title":"باب ثواب العبد وأجره إذا نصح لسيده، وأحسن عبادة الله","level":2,"page":2479},{"title":"باب من أعتق شركا له في عبد","level":2,"page":2482},{"title":"باب جواز بيع المدبر","level":2,"page":2486},{"title":"كتاب القسامة، والمحاربين، والقصاص، والديات.","level":1,"page":2488},{"title":"باب القسامة","level":2,"page":2489},{"title":"باب حكم المحاربين والمرتدين","level":2,"page":2495},{"title":"باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره من المحددات والمثقلات، وقتل الرجل بالمرأة","level":2,"page":2499},{"title":"باب الصائل على نفس الإنسان، أو عضوه، إذا دفعه المصول عليه، فأتلف نفسه، أو عضوه، لا ضمان عليه","level":2,"page":2501},{"title":"باب إثبات القصاص في الأسنان، وما في معناها","level":2,"page":2503},{"title":"باب ما يباح به دم المسلم","level":2,"page":2505},{"title":"باب بيان إثم من سن القتل","level":2,"page":2507},{"title":"باب المجازاة بالدماء في الآخرة، وأنها أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة","level":2,"page":2509},{"title":"باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال","level":2,"page":2510},{"title":"باب صحة الإقرار بالقتل، وتمكين ولي القتيل من القصاص، واستحباب طلب العفو منه","level":2,"page":2515},{"title":"باب دية الجنين، ووجوب الدية في قتل الخطأ، وشبه العمد على عاقلة الجاني","level":2,"page":2518},{"title":"كتاب الحدود","level":1,"page":2522},{"title":"باب حد السرقة ونصابها","level":2,"page":2523},{"title":"باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدود","level":2,"page":2530},{"title":"باب حد الزنا","level":2,"page":2533},{"title":"باب رجم الثيب في الزنا","level":2,"page":2535},{"title":"باب من اعترف على نفسه بالزنى","level":2,"page":2537},{"title":"باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى","level":2,"page":2549},{"title":"باب تأخير الحد عن النفساء","level":2,"page":2555},{"title":"باب حد الخمر","level":2,"page":2556},{"title":"باب قدر أسواط التعزير","level":2,"page":2559},{"title":"باب الحدود كفارات لأهلها","level":2,"page":2560},{"title":"باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار","level":2,"page":2562},{"title":"كتاب الأقضية","level":1,"page":2564},{"title":"باب اليمين على المدعى عليه","level":2,"page":2565},{"title":"باب القضاء باليمين والشاهد","level":2,"page":2567},{"title":"باب الحكم بالظاهر، واللحن بالحجة","level":2,"page":2568},{"title":"باب قضية هند","level":2,"page":2570},{"title":"باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، والنهي عن منع وهات، وهو الامتناع من أداء حق لزمه، أو طلب ما لا يستحقه","level":2,"page":2573},{"title":"باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب، أو أخطأ","level":2,"page":2577},{"title":"باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان","level":2,"page":2578},{"title":"باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور","level":2,"page":2579},{"title":"باب بيان خير الشهود","level":2,"page":2580},{"title":"باب بيان اختلاف المجتهدين","level":2,"page":2581},{"title":"باب استحباب إصلاح الحاكم بين الخصمين","level":2,"page":2582},{"title":"كتاب اللقطة","level":1,"page":2583},{"title":"باب في لقطة الحاج","level":2,"page":2590},{"title":"باب تحريم حلب الماشية بغير إذن مالكها","level":2,"page":2592},{"title":"باب الضيافة ونحوها","level":2,"page":2593},{"title":"باب استحباب المؤاساة بفضول المال","level":2,"page":2595},{"title":"باب استحباب خلط الأزواد إذا قلت، والمؤاساة فيها","level":2,"page":2596},{"title":"كتاب الجهاد والسير","level":1,"page":2597},{"title":"باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام من غير تقدم الإعلام بالإغارة.","level":2,"page":2598},{"title":"باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها.","level":2,"page":2600},{"title":"باب في الأمر بالتيسير، وترك التنفير.","level":2,"page":2603},{"title":"باب تحريم الغدر.","level":2,"page":2604},{"title":"باب جواز الخداع في الحرب.","level":2,"page":2607},{"title":"باب كراهة تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء.","level":2,"page":2608},{"title":"باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو.","level":2,"page":2610},{"title":"باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب.","level":2,"page":2612},{"title":"باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد.","level":2,"page":2613},{"title":"باب جواز قطع أشجار الكفار، وتحريقها.","level":2,"page":2614},{"title":"باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة.","level":2,"page":2616},{"title":"باب الأنفال.","level":2,"page":2619},{"title":"باب استحقاق القاتل سلب القتيل.","level":2,"page":2623},{"title":"باب التنفيل، وفداء المسلمين بالأسارى.","level":2,"page":2630},{"title":"باب حكم الفيء.","level":2,"page":2632},{"title":"باب قول النبي ﷺ: لا نورث، ما تركنا فهو صدقة.","level":2,"page":2637},{"title":"باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين.","level":2,"page":2641},{"title":"باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم.","level":2,"page":2642},{"title":"باب ربط الأسير وحبسه، وجواز المن عليه.","level":2,"page":2645},{"title":"باب إجلاء اليهود من الحجاز.","level":2,"page":2647},{"title":"باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب.","level":2,"page":2649},{"title":"باب جواز قتال من نقض العهد، وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل أهل للحكم.","level":2,"page":2650},{"title":"باب من لزمه أمر فدخل عليه أمر آخر.","level":2,"page":2654},{"title":"باب رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم من الشجر والثمر حين استغنوا عنها بالفتوح.","level":2,"page":2656},{"title":"باب أخذ الطعام من أرض العدو.","level":2,"page":2658},{"title":"باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام.","level":2,"page":2659},{"title":"باب كتب النبي ﷺ إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الله ﷿.","level":2,"page":2667},{"title":"باب في غزوة حنين.","level":2,"page":2668},{"title":"باب غزوة الطائف.","level":2,"page":2673},{"title":"باب غزوة بدر.","level":2,"page":2674},{"title":"باب فتح مكة.","level":2,"page":2676},{"title":"باب إزالة الأصنام من حول الكعبة.","level":2,"page":2680},{"title":"باب لا يقتل قرشي صبرا بعد الفتح.","level":2,"page":2681},{"title":"باب صلح الحديبية في الحديبية.","level":2,"page":2682},{"title":"باب الوفاء بالعهد.","level":2,"page":2689},{"title":"باب غزوة الأحزاب.","level":2,"page":2690},{"title":"باب غزوة أحد.","level":2,"page":2692},{"title":"باب اشتداد غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ.","level":2,"page":2696},{"title":"باب ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين، والمنافقين.","level":2,"page":2697},{"title":"باب في دعاء النبي ﷺ إلى الله، وصبره على أذى المنافقين.","level":2,"page":2703},{"title":"باب قتل أبي جهل.","level":2,"page":2706},{"title":"باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود.","level":2,"page":2707},{"title":"باب غزوة خيبر.","level":2,"page":2709},{"title":"باب غزوة الأحزاب، وهي الخندق.","level":2,"page":2715},{"title":"باب غزوة ذي قرد وغيرها.","level":2,"page":2718},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم ...﴾ الآية.","level":2,"page":2729},{"title":"باب غزوة النساء مع الرجال.","level":2,"page":2730},{"title":"باب النساء الغازيات يرضخ لهن، ولا يسهم، والنهي عن قتل صبيان أهل الحرب.","level":2,"page":2734},{"title":"باب عدد غزوات النبي ﷺ.","level":2,"page":2738},{"title":"باب غزوة ذات الرقاع.","level":2,"page":2740},{"title":"باب كراهة الاستعانة في الغزو بكافر.","level":2,"page":2741},{"title":"كتاب الإمارة","level":1,"page":2742},{"title":"باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش","level":2,"page":2743},{"title":"باب الاستخلاف وتركه","level":2,"page":2751},{"title":"باب النهي عن طلب الإمارة، والحرص عليها","level":2,"page":2754},{"title":"باب كراهة الإمارة بغير ضرورة","level":2,"page":2758},{"title":"باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن إدخال المشقة عليهم","level":2,"page":2759},{"title":"باب غلظ تحريم الغلول","level":2,"page":2767},{"title":"باب تحريم هدايا العمال","level":2,"page":2769},{"title":"باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية","level":2,"page":2774},{"title":"باب في الإمام إذا أمر بتقوى الله وعدل كان له أجر","level":2,"page":2784},{"title":"باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء، الأول فالأول","level":2,"page":2785},{"title":"باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة، واستئثارهم","level":2,"page":2790},{"title":"باب في طاعة الأمراء، وإن منعوا الحقوق","level":2,"page":2791},{"title":"باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن، وتحذير الدعاة إلى الكفر","level":2,"page":2792},{"title":"باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع","level":2,"page":2799},{"title":"باب إذا بويع لخليفتين","level":2,"page":2800},{"title":"باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع، وترك قتالهم ما صلوا، ونحو ذلك","level":2,"page":2801},{"title":"باب خيار الأئمة وشرارهم","level":2,"page":2803},{"title":"باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة","level":2,"page":2805},{"title":"باب تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه","level":2,"page":2811},{"title":"باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام، والجهاد، والخير، وبيان معنى: لا هجرة بعد الفتح","level":2,"page":2812},{"title":"باب كيفية بيعة النساء","level":2,"page":2815},{"title":"باب البيعة على السمع والطاعة فيما استطاع","level":2,"page":2817},{"title":"باب بيان سن البلوغ","level":2,"page":2818},{"title":"باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم","level":2,"page":2820},{"title":"باب المسابقة بين الخيل وتضميرها","level":2,"page":2822},{"title":"باب الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة","level":2,"page":2824},{"title":"باب ما يكره من صفات الخيل","level":2,"page":2827},{"title":"باب فضل الجهاد، والخروج في سبيل الله","level":2,"page":2828},{"title":"باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى","level":2,"page":2832},{"title":"باب فضل الغدوة والروحة في سبيل الله","level":2,"page":2835},{"title":"باب بيان ما أعده الله تعالى للمجاهد في الجنة من الدرجات","level":2,"page":2837},{"title":"باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين","level":2,"page":2838},{"title":"باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة، وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون","level":2,"page":2840},{"title":"باب فضل الجهاد والرباط","level":2,"page":2842},{"title":"باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة","level":2,"page":2846},{"title":"باب من قتل كافرا، ثم سدد","level":2,"page":2847},{"title":"باب فضل الصدقة في سبيل الله، وتضعيفها","level":2,"page":2848},{"title":"باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره، وخلافته في أهله بخير","level":2,"page":2849},{"title":"باب حرمة نساء المجاهدين، وإثم من خانهم فيهن","level":2,"page":2853},{"title":"باب سقوط فرض الجهاد عن المعذورين","level":2,"page":2855},{"title":"باب ثبوت الجنة للشهيد","level":2,"page":2857},{"title":"باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله","level":2,"page":2862},{"title":"باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار","level":2,"page":2865},{"title":"باب بيان قدر ثواب من غزا فغنم، ومن لم يغنم","level":2,"page":2867},{"title":"باب قوله ﷺ إنما الأعمال بالنية، وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال","level":2,"page":2868},{"title":"باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى","level":2,"page":2870},{"title":"باب ذم من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو","level":2,"page":2871},{"title":"باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض، أو عذر آخر","level":2,"page":2872},{"title":"باب فضل الغزو في البحر","level":2,"page":2873},{"title":"باب فضل الرباط في سبيل الله ﷿","level":2,"page":2876},{"title":"باب بيان الشهداء","level":2,"page":2877},{"title":"باب فضل الرمي، والحث عليه، وذم من علمه، ثم نسيه","level":2,"page":2880},{"title":"باب قوله ﷺ لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم","level":2,"page":2883},{"title":"باب مراعاة مصلحة الدواب في السير، والنهي عن التعريس في الطريق","level":2,"page":2889},{"title":"باب السفر قطعة من العذاب، واستحباب تعجيل المسافر إلى أهله، بعد قضاء شغله","level":2,"page":2891},{"title":"باب كراهة الطروق، وهو: الدخول ليلا لمن ورد من سفر","level":2,"page":2892},{"title":"كتاب الصيد، والذبائح، وما يؤكل من الحيوان","level":1,"page":2894},{"title":"باب الصيد بالكلاب المعلمة","level":2,"page":2895},{"title":"باب إذا غاب عنه الصيد، ثم وجده","level":2,"page":2904},{"title":"باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير","level":2,"page":2906},{"title":"باب إباحة ميتات البحر","level":2,"page":2909},{"title":"باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية","level":2,"page":2916},{"title":"باب في أكل لحوم الخيل","level":2,"page":2923},{"title":"باب إباحة الضب","level":2,"page":2925},{"title":"باب إباحة الجراد","level":2,"page":2931},{"title":"باب إباحة الأرنب","level":2,"page":2932},{"title":"باب إباحة ما يستعان به على الاصطياد، والعدو، وكراهة الخذف","level":2,"page":2933},{"title":"باب الأمر بإحسان الذبح، والقتل، وتحديد الشفرة","level":2,"page":2936},{"title":"باب النهي عن صبر البهائم","level":2,"page":2937},{"title":"كتاب الأضاحي","level":1,"page":2939},{"title":"باب وقتها","level":2,"page":2940},{"title":"باب سن الأضحية","level":2,"page":2948},{"title":"باب استحباب الضحية، وذبحها مباشرة بلا توكيل، والتسمية، والتكبير","level":2,"page":2951},{"title":"باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم، إلا السن، والظفر، وسائر العظام","level":2,"page":2955},{"title":"باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام، وبيان نسخه، وإباحته إلى متى شاء","level":2,"page":2960},{"title":"باب الفرع والعتيرة","level":2,"page":2968},{"title":"باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره، أو أظفاره شيئا","level":2,"page":2970},{"title":"باب تحريم الذبح لغير الله تعالى، ولعن فاعله","level":2,"page":2974},{"title":"كتاب الأشربة","level":1,"page":2977},{"title":"باب تحريم الخمر، وبيان أنها تكون من عصير العنب، ومن التمر، والبسر، والزبيب، وغيرها مما يسكر","level":2,"page":2978},{"title":"باب تحريم تخليل الخمر","level":2,"page":2989},{"title":"باب تحريم التداوي بالخمر","level":2,"page":2990},{"title":"باب بيان أن جميع ما ينبذ مما يتخذ من النخل والعنب يسمى خمرا","level":2,"page":2991},{"title":"باب كراهة انتباذ التمر والزبيب مخلوطين","level":2,"page":2993},{"title":"باب النهي عن الانتباذ في المزفت، والدباء، والحنتم، والنقير، وبيان أنه منسوخ، وأنه اليوم حلال ما لم يصر مسكرا","level":2,"page":2997},{"title":"باب بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام","level":2,"page":3007},{"title":"باب عقوبة من شرب الخمر إذا لم يتب منها بمنعه إياها في الآخرة","level":2,"page":3012},{"title":"باب إباحة النبيذ الذي لم يشتد، ولم يصر مسكرا.","level":2,"page":3013},{"title":"باب جواز شرب اللبن","level":2,"page":3019},{"title":"باب في شرب النبيذ، وتخمير الإناء","level":2,"page":3021},{"title":"باب الأمر بتغطية الإناء، وإيكاء السقاء، وإغلاق الأبواب، وذكر اسم الله عليها، وإطفاء السراج والنار عند النوم، وكف الصبيان والمواشي بعد المغرب","level":2,"page":3023},{"title":"باب آداب الطعام والشراب، وأحكامهما","level":2,"page":3028},{"title":"باب كراهية الشرب قائما","level":2,"page":3035},{"title":"باب في الشرب من زمزم قائما","level":2,"page":3037},{"title":"باب كراهة التنفس في نفس الإناء، واستحباب التنفس ثلاثا خارج الإناء","level":2,"page":3040},{"title":"باب استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما عن يمين المبتدئ","level":2,"page":3042},{"title":"باب استحباب لعق الأصابع، والقصعة، وأكل اللقمة الساقطة بعد مسح ما يصيبها من أذى، وكراهة مسح اليد قبل لعقها","level":2,"page":3046},{"title":"باب ما يفعل الضيف إذا تبعه غير من دعاه صاحب الطعام، واستحباب إذن صاحب الطعام للتابع","level":2,"page":3052},{"title":"باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك، وبتحققه تحققا تاما، واستحباب الاجتماع على الطعام","level":2,"page":3055},{"title":"باب جواز أكل المرق، واستحباب أكل اليقطين، وإيثار أهل المائدة بعضهم بعضا، وإن كانوا ضيفانا إذا لم يكره ذلك صاحب الطعام","level":2,"page":3066},{"title":"باب استحباب وضع النوى خارج التمر، واستحباب دعاء الضيف لأهل الطعام، وطلب الدعاء من الضيف الصالح، وإجابته لذلك","level":2,"page":3068},{"title":"باب أكل القثاء بالرطب","level":2,"page":3069},{"title":"باب استحباب تواضع الآكل وصفة قعوده","level":2,"page":3070},{"title":"باب نهي الآكل مع جماعة عن قران تمرتين ونحوهما في لقمة، إلا بإذن أصحابه","level":2,"page":3071},{"title":"باب في ادخار التمر ونحوه من الأقوات للعيال","level":2,"page":3073},{"title":"باب فضل تمر المدينة","level":2,"page":3074},{"title":"باب فضل الكمأة، ومداواة العين بها","level":2,"page":3077},{"title":"باب فضيلة الأسود من الكباث","level":2,"page":3080},{"title":"باب فضيلة الخل والتأدم به","level":2,"page":3081},{"title":"باب إباحة أكل الثوم، وأنه ينبغي لمن أراد خطاب الكبار تركه، وكذا ما في معناه","level":2,"page":3084},{"title":"باب إكرام الضيف، وفضل إيثاره","level":2,"page":3086},{"title":"باب فضيلة المواساة في الطعام القليل، وأن طعام الاثنين يكفي الثلاثة ونحو ذلك","level":2,"page":3097},{"title":"باب المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء","level":2,"page":3099},{"title":"باب لا يعيب الطعام","level":2,"page":3101},{"title":"كتاب اللباس والزينة","level":1,"page":3103},{"title":"باب تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الشرب وغيره على الرجال والنساء","level":2,"page":3104},{"title":"باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء، وخاتم الذهب والحرير على الرجل، وإباحته للنساء، وإباحة العلم ونحوه للرجل، ما لم يزد على أربع أصابع","level":2,"page":3107},{"title":"باب إباحة لبس الحرير للرجل إذا كان به حكة، أو نحوها","level":2,"page":3133},{"title":"باب النهي عن لبس الرجل الثوب المعصفر","level":2,"page":3135},{"title":"باب فضل لباس ثياب الحبرة","level":2,"page":3138},{"title":"باب التواضع في اللباس، والاقتصار على الغليظ منه، واليسير في اللباس والفراش وغيرهما، وجواز لبس الثوب الشعر، وما فيه أعلام","level":2,"page":3139},{"title":"باب جواز اتخاذ الأنماط","level":2,"page":3142},{"title":"باب كراهة ما زاد على الحاجة من الفراش، واللباس","level":2,"page":3144},{"title":"باب تحريم جر الثوب خيلاء، وبيان حد ما يجوز إرخاؤه إليه، وما يستحب","level":2,"page":3145},{"title":"باب تحريم التبختر في المشي مع إعجابه بثيابه","level":2,"page":3149},{"title":"باب في طرح خاتم الذهب","level":2,"page":3151},{"title":"باب لبس النبي ﷺ خاتما من ورق نقشه محمد رسول الله، ولبس الخلفاء له من بعده","level":2,"page":3154},{"title":"باب في اتخاذ النبي ﷺ خاتما لما أراد أن يكتب إلى العجم","level":2,"page":3156},{"title":"باب في طرح الخواتم","level":2,"page":3157},{"title":"باب في خاتم الورق فصه حبشي","level":2,"page":3158},{"title":"باب في لبس الخاتم في الخنصر من اليد","level":2,"page":3159},{"title":"باب النهي عن التختم في الوسطى، والتي تليها","level":2,"page":3160},{"title":"باب ما جاء في الانتعال، والاستكثار من النعال","level":2,"page":3161},{"title":"باب إذا انتعل فليبدأ باليمين، وإذا خلع فليبدأ بالشمال","level":2,"page":3162},{"title":"باب النهي عن اشتمال الصماء، والاحتباء في ثوب واحد","level":2,"page":3164},{"title":"باب في منع الاستلقاء على الظهر، ووضع إحدى الرجلين على الأخرى","level":2,"page":3166},{"title":"باب في إباحة الاستلقاء، ووضع إحدى الرجلين على الأخرى","level":2,"page":3167},{"title":"باب نهي الرجل عن التزعفر","level":2,"page":3168},{"title":"باب في صبغ الشعر، وتغيير الشيب","level":2,"page":3170},{"title":"باب في مخالفة اليهود في الصبغ","level":2,"page":3171},{"title":"باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة","level":2,"page":3173},{"title":"باب كراهة الكلب والجرس في السفر","level":2,"page":3189},{"title":"باب كراهة قلادة الوتر في رقبة البعير","level":2,"page":3190},{"title":"باب النهي عن ضرب الحيوان في وجهه، ووسمه فيه","level":2,"page":3191},{"title":"باب جواز وسم الحيوان غير الآدمي في غير الوجه، وندبه في نعم الزكاة، والجزية","level":2,"page":3193},{"title":"باب كراهة القزع","level":2,"page":3195},{"title":"باب النهي عن الجلوس في الطرقات، وإعطاء الطريق حقه","level":2,"page":3197},{"title":"باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، والنامصة والمتنمصة، والمتفلجات والمغيرات خلق الله","level":2,"page":3198},{"title":"باب النساء الكاسيات العاريات، المائلات المميلات","level":2,"page":3206},{"title":"باب النهي عن التزوير في اللباس وغيره، والتشبع بما لم يعط","level":2,"page":3208},{"title":"كتاب الآداب","level":1,"page":3210},{"title":"باب النهي عن التكني بأبي القاسم، وبيان ما يستحب من الأسماء","level":2,"page":3211},{"title":"باب كراهة التسمية بالأسماء القبيحة وبنافع ونحوه","level":2,"page":3217},{"title":"باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن، وتغيير اسم برة إلى زينب وجويرية ونحوهما","level":2,"page":3219},{"title":"باب تحريم التسمي بملك الأملاك، وبملك الملوك","level":2,"page":3221},{"title":"باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته، وحمله إلى صالح يحنكه، وجواز تسميته يوم ولادته، واستحباب التسمية بعبد الله وإبراهيم وسائر أسماء الأنبياء ﵈","level":2,"page":3223},{"title":"باب جواز قوله لغير ابنه: يا بني، واستحبابه للملاطفة","level":2,"page":3231},{"title":"باب الاستئذان","level":2,"page":3233},{"title":"باب كراهة قول المستأذن: أنا، إذا قيل: من هذا؟","level":2,"page":3238},{"title":"باب تحريم النظر في بيت غيره","level":2,"page":3239},{"title":"باب نظر الفجاءة","level":2,"page":3242},{"title":"كتاب السلام","level":1,"page":3244},{"title":"باب يسلم الراكب على الماشي، والقليل على الكثير","level":2,"page":3246},{"title":"باب من حق الجلوس على الطريق: رد السلام","level":2,"page":3247},{"title":"باب من حق المسلم للمسلم: رد السلام","level":2,"page":3249},{"title":"باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف يرد عليهم","level":2,"page":3251},{"title":"باب استحباب السلام على الصبيان","level":2,"page":3255},{"title":"باب جواز جعل الإذن رفع حجاب، أو نحوه من العلامات","level":2,"page":3256},{"title":"باب إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان","level":2,"page":3257},{"title":"باب تحريم الخلوة بالأجنبية، والدخول عليها","level":2,"page":3259},{"title":"باب بيان أنه يستحب لمن رئي خاليا بامرأة، وكانت زوجته، أو محرما له أن يقول هذه فلانة؛ ليدفع ظن السوء به","level":2,"page":3262},{"title":"باب من أتى مجلسا فوجد فرجة فجلس فيها، وإلا وراءهم","level":2,"page":3264},{"title":"باب تحريم إقامة الإنسان من موضعه المباح الذي سبق إليه","level":2,"page":3266},{"title":"باب إذا قام من مجلسه، ثم عاد فهو أحق به","level":2,"page":3269},{"title":"باب منع المخنث من الدخول على النساء الأجانب","level":2,"page":3270},{"title":"باب جواز إرداف المرأة الأجنبية إذا أعيت في الطريق","level":2,"page":3272},{"title":"باب تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث بغير رضاه","level":2,"page":3275},{"title":"باب الطب والمرض والرقى","level":2,"page":3277},{"title":"باب السحر","level":2,"page":3283},{"title":"باب السم","level":2,"page":3289},{"title":"باب استحباب رقية المريض","level":2,"page":3291},{"title":"باب رقية المريض بالمعوذات والنفث","level":2,"page":3294},{"title":"باب استحباب الرقية من العين، والنملة، والحمة، والنظرة","level":2,"page":3296},{"title":"باب لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك","level":2,"page":3301},{"title":"باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار","level":2,"page":3302},{"title":"باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء","level":2,"page":3304},{"title":"باب التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة","level":2,"page":3305},{"title":"باب لكل داء دواء، واستحباب التداوي","level":2,"page":3306},{"title":"باب كراهة التداوي باللدود","level":2,"page":3315},{"title":"باب التداوي بالعود الهندي، وهو الكست","level":2,"page":3317},{"title":"باب التداوي بالحبة السوداء","level":2,"page":3320},{"title":"باب التلبينة مجمة لفؤاد المريض","level":2,"page":3322},{"title":"باب التداوي بسقي العسل","level":2,"page":3323},{"title":"باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها","level":2,"page":3324},{"title":"باب لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر، ولا نوء، ولا غول، ولا يورد ممرض على مصح","level":2,"page":3332},{"title":"باب الطيرة والفأل، وما يكون فيه من الشؤم","level":2,"page":3337},{"title":"باب تحريم الكهانة، وإتيان الكهان","level":2,"page":3341},{"title":"باب اجتناب المجذوم ونحوه","level":2,"page":3348},{"title":"باب قتل الحيات وغيرها","level":2,"page":3351},{"title":"باب استحباب قتل الوزغ","level":2,"page":3360},{"title":"باب النهي عن قتل النمل","level":2,"page":3363},{"title":"باب تحريم قتل الهرة","level":2,"page":3365},{"title":"باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها","level":2,"page":3368},{"title":"كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها","level":1,"page":3371},{"title":"باب النهي عن سب الدهر","level":2,"page":3372},{"title":"باب كراهة تسمية العنب كرما","level":2,"page":3374},{"title":"باب حكم إطلاق لفظة العبد، والأمة، والمولى، والسيد","level":2,"page":3376},{"title":"باب كراهة قول الإنسان خبثت نفسي","level":2,"page":3379},{"title":"باب استعمال المسك، وأنه أطيب الطيب، وكراهة رد الريحان، والطيب","level":2,"page":3380},{"title":"كتاب الشعر","level":1,"page":3383},{"title":"باب تحريم اللعب بالنردشير","level":2,"page":3388},{"title":"كتاب الرؤيا","level":1,"page":3389},{"title":"باب قول النبي ﷺ: من رآني في المنام فقد رآني","level":2,"page":3398},{"title":"باب لا يخبر بتلعب الشيطان به في المنام","level":2,"page":3400},{"title":"باب في تأويل الرؤيا","level":2,"page":3401},{"title":"باب رؤيا النبي ﷺ","level":2,"page":3404},{"title":"كتاب الفضائل","level":1,"page":3409},{"title":"باب فضل نسب النبي ﷺ، وتسليم الحجر عليه قبل النبوة","level":2,"page":3410},{"title":"باب تفضيل نبينا ﷺ على جميع الخلائق","level":2,"page":3412},{"title":"باب في معجزات النبي ﷺ","level":2,"page":3413},{"title":"باب توكله على الله تعالى وعصمة الله تعالى له من الناس","level":2,"page":3423},{"title":"باب بيان مثل ما بعث به النبي ﷺ من الهدى والعلم","level":2,"page":3425},{"title":"باب شفقته ﷺ على أمته ومبالغته في تحذيرهم مما يضرهم","level":2,"page":3428},{"title":"باب ذكر كونه ﷺ خاتم النبيين","level":2,"page":3432},{"title":"باب إذا أراد الله تعالى رحمة أمة قبض نبيها قبلها","level":2,"page":3434},{"title":"باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته","level":2,"page":3435},{"title":"باب في قتال جبريل، وميكائيل عن النبي ﷺ يوم أحد","level":2,"page":3452},{"title":"باب في شجاعة النبي ﵇ وتقدمه للحرب","level":2,"page":3455},{"title":"باب كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير من الريح المرسلة","level":2,"page":3457},{"title":"باب كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقا","level":2,"page":3458},{"title":"باب ما سئل رسول الله ﷺ شيئا قط، فقال: لا، وكثرة عطائه","level":2,"page":3460},{"title":"باب رحمته ﷺ الصبيان، والعيال، وتواضعه، وفضل ذلك","level":2,"page":3465},{"title":"باب كثرة حيائه ﷺ","level":2,"page":3469},{"title":"باب تبسمه ﷺ وحسن عشرته","level":2,"page":3471},{"title":"باب في رحمة النبي ﷺ للنساء، وأمر السواق مطاياهن بالرفق بهن","level":2,"page":3472},{"title":"باب قرب النبي ﵇ من الناس وتبركهم به","level":2,"page":3474},{"title":"باب مباعدته ﷺ للآثام، واختياره من المباح أسهله، وانتقامه لله عند انتهاك حرماته","level":2,"page":3476},{"title":"باب طيب رائحة النبي ﷺ ولين مسه، والتبرك بمسحه","level":2,"page":3479},{"title":"باب طيب عرق النبي ﷺ والتبرك به","level":2,"page":3481},{"title":"باب عرق النبي ﷺ في البرد، وحين يأتيه الوحي","level":2,"page":3483},{"title":"باب في سدل النبي ﷺ شعره وفرقه","level":2,"page":3487},{"title":"باب في صفة النبي ﷺ وأنه كان أحسن الناس وجها","level":2,"page":3489},{"title":"باب صفة شعر النبي ﷺ","level":2,"page":3491},{"title":"باب في صفة فم النبي ﷺ وعينيه، وعقبيه","level":2,"page":3492},{"title":"باب كان النبي ﷺ أبيض، مليح الوجه","level":2,"page":3493},{"title":"باب شيبة ﷺ","level":2,"page":3494},{"title":"باب إثبات خاتم النبوة، وصفته، ومحله من جسده ﷺ","level":2,"page":3498},{"title":"باب في صفة النبي ﷺ ومبعثه، وسنه","level":2,"page":3501},{"title":"باب كم سن النبي ﷺ يوم قبض","level":2,"page":3502},{"title":"باب كم أقام النبي ﷺ بمكة، والمدينة","level":2,"page":3503},{"title":"باب في أسمائه ﷺ","level":2,"page":3507},{"title":"باب علمه ﷺ بالله تعالى، وشدة خشيته","level":2,"page":3510},{"title":"باب وجوب اتباعه ﷺ","level":2,"page":3511},{"title":"باب توقيره ﷺ وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، أو لا يتعلق به تكليف، وما لا يقع ونحو ذلك","level":2,"page":3513},{"title":"باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأي","level":2,"page":3521},{"title":"باب فضل النظر إليه ﷺ وتمنيه","level":2,"page":3524},{"title":"باب فضائل عيسى ﵇","level":2,"page":3526},{"title":"باب من فضائل إبراهيم الخليل ﷺ","level":2,"page":3530},{"title":"باب من فضائل موسى ﵇","level":2,"page":3538},{"title":"باب في ذكر يونس ﵇، وقول النبي ﷺ: لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى","level":2,"page":3547},{"title":"باب من فضائل يوسف ﵇","level":2,"page":3548},{"title":"باب في فضائل زكرياء ﵇","level":2,"page":3549},{"title":"باب من فضائل الخضر ﵇","level":2,"page":3550},{"title":"كتاب فضائل الصحابة","level":1,"page":3565},{"title":"باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁","level":2,"page":3566},{"title":"باب من فضائل عمر ﵁","level":2,"page":3580},{"title":"باب من فضائل عثمان بن عفان ﵁","level":2,"page":3593},{"title":"باب من فضائل علي بن أبي طالب ﵁.","level":2,"page":3600},{"title":"باب في فضل سعد بن أبي وقاص ﵁.","level":2,"page":3616},{"title":"باب من فضائل طلحة والزبير ﵄.","level":2,"page":3625},{"title":"باب فضائل أبي عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه","level":2,"page":3630},{"title":"باب فضائل الحسن والحسين ﵄","level":2,"page":3632},{"title":"باب فضائل أهل بيت النبي ﷺ.","level":2,"page":3635},{"title":"باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد ﵄.","level":2,"page":3636},{"title":"باب فضائل عبد الله بن جعفر ﵃.","level":2,"page":3640},{"title":"باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.","level":2,"page":3642},{"title":"باب في فضل عائشة رضي الله تعالى عنها.","level":2,"page":3650},{"title":"باب ذكر حديث أم زرع.","level":2,"page":3665},{"title":"باب فضائل فاطمة بنت النبي عليها الصلاة والسلام.","level":2,"page":3676},{"title":"باب من فضائل أم سلمة أم المؤمنين ﵂.","level":2,"page":3683},{"title":"باب من فضائل زينب أم المؤمنين ﵂.","level":2,"page":3685},{"title":"باب من فضائل أم أيمن ﵂.","level":2,"page":3686},{"title":"باب من فضائل أم سليم، أم أنس بن مالك، وبلال ﵄.","level":2,"page":3688},{"title":"باب من فضائل أبي طلحة الأنصاري ﵁.","level":2,"page":3690},{"title":"باب من فضائل بلال ﵁.","level":2,"page":3694},{"title":"باب من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه رضي الله تعالى عنهما.","level":2,"page":3695},{"title":"باب من فضائل أبي بن كعب، وجماعة من الأنصار رضي الله تعالى عنهم.","level":2,"page":3701},{"title":"باب من فضائل سعد بن معاذ ﵁.","level":2,"page":3703},{"title":"باب من فضائل أبي دجانة سماك بن خرشة رضي الله تعالى عنه.","level":2,"page":3706},{"title":"باب من فضائل عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر رضي الله تعالى عنه.","level":2,"page":3707},{"title":"باب من فضائل جليبيب ﵁.","level":2,"page":3710},{"title":"باب من فضائل أبي ذر ﵁.","level":2,"page":3711},{"title":"باب من فضائل جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه.","level":2,"page":3724},{"title":"باب فضائل عبد الله بن عباس ﵁.","level":2,"page":3729},{"title":"باب من فضائل عبد الله بن عمر ﵄.","level":2,"page":3730},{"title":"باب من فضائل أنس بن مالك ﵁.","level":2,"page":3732},{"title":"باب من فضائل عبد الله بن سلام ﵁.","level":2,"page":3735},{"title":"باب فضائل حسان بن ثابت ﵁.","level":2,"page":3740},{"title":"باب من فضائل أبي هريرة الدوسي ﵁.","level":2,"page":3753},{"title":"باب من فضائل أهل بدر ﵃، وقصة حاطب بن أبي بلتعة.","level":2,"page":3760},{"title":"باب من فضائل أصحاب الشجرة، أهل بيعة الرضوان ﵃.","level":2,"page":3764},{"title":"باب فضائل أبي موسى، وأبي عامر الأشعريين ﵄.","level":2,"page":3766},{"title":"باب من فضائل الأشعريين ﵃.","level":2,"page":3770},{"title":"باب من فضائل أبي سفيان بن حرب ﵁.","level":2,"page":3772},{"title":"باب من فضائل جعفر بن أبي طالب، وأسماء بنت عميس وأهل سفينتهم ﵃.","level":2,"page":3774},{"title":"باب من فضائل سلمان، وصهيب، وبلال رضي الله تعالى عنهم.","level":2,"page":3778},{"title":"باب من فضائل الأنصار رضي الله تعالى عنهم.","level":2,"page":3779},{"title":"باب في خير دور الأنصار ﵃.","level":2,"page":3783},{"title":"باب في حسن صحبة الأنصار ﵃.","level":2,"page":3788},{"title":"باب دعاء النبي ﷺ لغفار وأسلم.","level":2,"page":3789},{"title":"باب من فضائل غفار، وأسلم، وجهينة، وأشجع، ومزينة، وتميم، ودوس، وطيئ.","level":2,"page":3793},{"title":"باب خيار الناس.","level":2,"page":3800},{"title":"باب من فضائل نساء قريش.","level":2,"page":3802},{"title":"باب مؤاخاة النبي ﷺ بين أصحابه ﵃.","level":2,"page":3804},{"title":"باب بيان أن بقاء النبي ﷺ أمان لأصحابه، وبقاء أصحابه أمان للأمة.","level":2,"page":3806},{"title":"باب فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.","level":2,"page":3808},{"title":"باب قوله ﷺ: لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم.","level":2,"page":3815},{"title":"باب تحريم سب الصحابة ﵃.","level":2,"page":3818},{"title":"باب من فضائل أويس القرني ﵁.","level":2,"page":3820},{"title":"باب وصية النبي ﷺ بأهل مصر.","level":2,"page":3824},{"title":"باب فضل أهل عمان.","level":2,"page":3826},{"title":"باب ذكر كذاب ثقيف ومبيرها.","level":2,"page":3827},{"title":"باب فضل فارس.","level":2,"page":3831},{"title":"باب قوله ﷺ: الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة.","level":2,"page":3832},{"title":"كتاب البر والصلة والآداب","level":1,"page":3833},{"title":"باب بر الوالدين وأنهما أحق به","level":2,"page":3834},{"title":"باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها","level":2,"page":3838},{"title":"باب رغم أنف من أدرك أبويه، أو أحدهما عند الكبر،","level":2,"page":3844},{"title":"باب فضل صلة أصدقاء الأب، والأم، ونحوهما","level":2,"page":3845},{"title":"باب تفسير البر والإثم","level":2,"page":3847},{"title":"باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها","level":2,"page":3849},{"title":"باب النهي عن التحاسد، والتباغض، والتدابر","level":2,"page":3854},{"title":"باب تحريم الهجر فوق ثلاث بلا عذر شرعي","level":2,"page":3856},{"title":"باب تحريم الظن، والتجسس، والتنافس، والتناجش، ونحوها","level":2,"page":3858},{"title":"باب تحريم ظلم المسلم، وخذله، واحتقاره،","level":2,"page":3861},{"title":"باب النهي عن الشحناء والتهاجر","level":2,"page":3864},{"title":"باب في فضل الحب في الله","level":2,"page":3866},{"title":"باب فضل عيادة المريض","level":2,"page":3869},{"title":"باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض، أو حزن،","level":2,"page":3872},{"title":"باب تحريم الظلم","level":2,"page":3880},{"title":"باب نصر الأخ ظالما، أو مظلوما","level":2,"page":3889},{"title":"باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم","level":2,"page":3892},{"title":"باب النهي عن السباب","level":2,"page":3894},{"title":"باب استحباب العفو والتواضع","level":2,"page":3895},{"title":"باب تحريم الغيبة","level":2,"page":3896},{"title":"باب بشارة من ستر الله تعالى عيبه في الدنيا بأن يستر عليه في الآخرة","level":2,"page":3899},{"title":"باب مداراة من يتقى فحشه","level":2,"page":3900},{"title":"باب فضل الرفق","level":2,"page":3901},{"title":"باب النهي عن لعن الدواب وغيرها","level":2,"page":3904},{"title":"باب من لعنه النبي ﷺ أو سبه، أو دعا عليه- وليس هو أهلا لذلك- كان له زكاة وأجرا ورحمة","level":2,"page":3909},{"title":"باب ذم ذي الوجهين وتحريم فعله","level":2,"page":3917},{"title":"باب تحريم الكذب، وبيان المباح منه","level":2,"page":3919},{"title":"باب تحريم النميمة","level":2,"page":3921},{"title":"باب قبح الكذب، وحسن الصدق، وفضله","level":2,"page":3922},{"title":"باب فضل من يملك نفسه عند الغضب، وبأي شيء يذهب الغضب؟","level":2,"page":3924},{"title":"باب خلق الإنسان خلقا لا يتمالك","level":2,"page":3928},{"title":"باب النهي عن ضرب الوجه","level":2,"page":3929},{"title":"باب الوعيد الشديد لمن عذب الناس بغير حق","level":2,"page":3935},{"title":"باب أمر من مر بسلاح في مسجد، أو سوق،","level":2,"page":3937},{"title":"باب النهي عن الإشارة بالسلاح إلى مسلم","level":2,"page":3939},{"title":"باب فضل إزالة الأذى عن الطريق","level":2,"page":3941},{"title":"باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها من الحيوان الذي لا يؤذي","level":2,"page":3943},{"title":"باب تحريم الكبر","level":2,"page":3945},{"title":"باب النهي عن تقنيط الإنسان من رحمة الله تعالى","level":2,"page":3947},{"title":"باب فضل الضعفاء والخاملين","level":2,"page":3949},{"title":"باب النهي عن قول: هلك الناس","level":2,"page":3952},{"title":"باب الوصية بالجار والإحسان إليه","level":2,"page":3954},{"title":"باب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء","level":2,"page":3956},{"title":"باب استحباب الشفاعة فيما ليس بحرام","level":2,"page":3957},{"title":"باب استحباب مجالسة الصالحين، ومجانبة قرناء السوء","level":2,"page":3959},{"title":"باب فضل الإحسان إلى البنات","level":2,"page":3960},{"title":"باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه","level":2,"page":3964},{"title":"باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده","level":2,"page":3971},{"title":"باب الأرواح جنود مجندة","level":2,"page":3974},{"title":"باب المرء مع من أحب","level":2,"page":3976},{"title":"باب إذا أثني على الصالح فهي بشرى، ولا تضره","level":2,"page":3980},{"title":"كتاب القدر","level":1,"page":3981},{"title":"باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته","level":2,"page":3982},{"title":"باب حجاج آدم وموسى ﵉","level":2,"page":3994},{"title":"باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء","level":2,"page":4000},{"title":"باب كل شيء بقدر","level":2,"page":4003},{"title":"باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره","level":2,"page":4005},{"title":"باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موت أطفال الكفار، وأطفال المسلمين","level":2,"page":4007},{"title":"باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد ولا تنقص عما سبق به القدر","level":2,"page":4014},{"title":"باب في الأمر بالقوة، وترك العجز، والاستعانة بالله، وتفويض المقادير لله","level":2,"page":4017},{"title":"كتاب العلم","level":1,"page":4019},{"title":"باب النهي عن اتباع متشابه القرآن، والتحذير من متبعيه، والنهي عن الاختلاف في القرآن","level":2,"page":4020},{"title":"باب في الألد الخصم","level":2,"page":4026},{"title":"باب اتباع سنن اليهود والنصارى","level":2,"page":4027},{"title":"باب هلك المتنطعون","level":2,"page":4029},{"title":"باب رفع العلم وقبضه، وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان","level":2,"page":4030},{"title":"باب من سن سنة حسنة، أو سيئة، ومن دعا إلى هدى، أو ضلالة","level":2,"page":4037},{"title":"كتاب الذكر والدعاء، والتوبة والاستغفار","level":1,"page":4039},{"title":"باب الحث على ذكر الله تعالى","level":2,"page":4040},{"title":"باب في أسماء الله تعالى، وفضل من أحصاها","level":2,"page":4047},{"title":"باب العزم بالدعاء، ولا يقل: إن شئت","level":2,"page":4049},{"title":"باب كراهة تمني الموت لضر نزل به","level":2,"page":4050},{"title":"باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه،","level":2,"page":4053},{"title":"باب فضل الذكر والدعاء والتقرب إلى الله تعالى","level":2,"page":4056},{"title":"باب كراهة الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا","level":2,"page":4060},{"title":"باب فضل مجالس الذكر","level":2,"page":4062},{"title":"باب فضل الدعاء بـ: ﴿اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾","level":2,"page":4064},{"title":"باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء","level":2,"page":4065},{"title":"باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، وعلى الذكر","level":2,"page":4071},{"title":"باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه.","level":2,"page":4075},{"title":"باب استحباب خفض الصوت بالذكر","level":2,"page":4079},{"title":"باب التعوذ من شر الفتن وغيرها","level":2,"page":4082},{"title":"باب التعوذ من العجز والكسل وغيره","level":2,"page":4085},{"title":"باب في التعوذ من سوء القضاء، ودرك الشقاء، وغيره","level":2,"page":4087},{"title":"باب ما يقول عند النوم، وأخذ المضجع","level":2,"page":4090},{"title":"باب التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل","level":2,"page":4099},{"title":"باب التسبيح أول النهار، وعند النوم","level":2,"page":4109},{"title":"باب استحباب الدعاء عند صياح الديك","level":2,"page":4113},{"title":"باب دعاء الكرب","level":2,"page":4114},{"title":"باب فضل سبحان الله وبحمده","level":2,"page":4116},{"title":"باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب","level":2,"page":4118},{"title":"باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب","level":2,"page":4121},{"title":"باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل،","level":2,"page":4122},{"title":"كتاب الرقاق","level":1,"page":4124},{"title":"باب أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء،","level":2,"page":4125},{"title":"باب قصة أصحاب الغار الثلاثة، والتوسل بصالح الأعمال","level":2,"page":4131},{"title":"كتاب التوبة","level":1,"page":4136},{"title":"باب في الحض على التوبة، والفرح بها","level":2,"page":4137},{"title":"باب سقوط الذنوب بالاستغفار توبة","level":2,"page":4144},{"title":"باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة، والمراقبة، وجواز ترك ذلك في بعض الأوقات، والاشتغال بالدنيا","level":2,"page":4146},{"title":"باب في سعة رحمة الله تعالى، وأنها سبقت غضبه","level":2,"page":4148},{"title":"باب قبول التوبة من الذنوب، وإن تكررت الذنوب والتوبة","level":2,"page":4156},{"title":"باب غيرة الله تعالى، وتحريم الفواحش","level":2,"page":4159},{"title":"باب قوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾","level":2,"page":4162},{"title":"باب قبول توبة القاتل، وإن كثر قتله","level":2,"page":4167},{"title":"باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه","level":2,"page":4174},{"title":"باب في حديث الإفك، وقبول توبة القاذف","level":2,"page":4193},{"title":"باب براءة حرم النبي ﷺ من الريبة","level":2,"page":4213},{"title":"كتاب صفات المنافقين وأحكامهم","level":1,"page":4215},{"title":"كتاب صفة القيامة، والجنة، والنار","level":1,"page":4231},{"title":"باب ابتداء الخلق، وخلق آدم ﵇","level":2,"page":4237},{"title":"باب في البعث والنشور، وصفة الأرض يوم القيامة","level":2,"page":4239},{"title":"باب نزل أهل الجنة","level":2,"page":4240},{"title":"باب سؤال اليهود النبي ﷺ عن الروح،","level":2,"page":4242},{"title":"باب في قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾","level":2,"page":4245},{"title":"باب قوله: ﴿إن الإنسان ليطغى أن رأىه استغنى﴾.","level":2,"page":4246},{"title":"باب الدخان","level":2,"page":4248},{"title":"باب انشقاق القمر","level":2,"page":4252},{"title":"باب لا أحد أصبر على أذى من الله ﷿","level":2,"page":4254},{"title":"باب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبا","level":2,"page":4255},{"title":"باب يحشر الكافر على وجهه","level":2,"page":4257},{"title":"باب صبغ أنعم أهل الدنيا في النار، وصبغ أشدهم بؤسا في الجنة","level":2,"page":4258},{"title":"باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة،","level":2,"page":4259},{"title":"باب مثل المؤمن كالزرع، ومثل الكافر كشجر الأرز","level":2,"page":4262},{"title":"باب مثل المؤمن مثل النخلة","level":2,"page":4264},{"title":"باب تحريش الشيطان، وبعثه سراياه لفتنة الناس،","level":2,"page":4267},{"title":"باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى","level":2,"page":4272},{"title":"باب إكثار الأعمال، والاجتهاد في العبادة","level":2,"page":4277},{"title":"باب الاقتصاد في الموعظة","level":2,"page":4278},{"title":"كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها","level":1,"page":4280},{"title":"باب إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها","level":2,"page":4284},{"title":"باب إحلال الرضوان على أهل الجنة، فلا يسخط عليهم أبدا","level":2,"page":4286},{"title":"باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف كما يرى الكوكب في السماء","level":2,"page":4287},{"title":"باب فيمن يود رؤية النبي ﷺ بأهله وماله","level":2,"page":4289},{"title":"باب في سوق الجنة، وما ينالون فيها من النعيم والجمال","level":2,"page":4290},{"title":"باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر،","level":2,"page":4291},{"title":"باب في صفات الجنة وأهلها، وتسبيحهم فيها بكرة وعشيا","level":2,"page":4294},{"title":"باب في دوام نعيم أهل الجنة وقوله تعالى","level":2,"page":4296},{"title":"باب في صفة خيام الجنة وما للمؤمنين فيها من الأهلين","level":2,"page":4297},{"title":"باب ما في الدنيا من أنهار الجنة","level":2,"page":4298},{"title":"باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير","level":2,"page":4299},{"title":"باب في شدة حر نار جهنم، وبعد قعرها، وما تأخذ من المعذبين","level":2,"page":4302},{"title":"باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء","level":2,"page":4305},{"title":"باب فناء الدنيا، وبيان الحشر يوم القيامة","level":2,"page":4320},{"title":"باب في صفة يوم القيامة أعاننا الله على أهوالها","level":2,"page":4325},{"title":"باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة، وأهل النار","level":2,"page":4327},{"title":"باب عرض مقعد الميت من الجنة، أو النار عليه،","level":2,"page":4333},{"title":"باب إثبات الحساب","level":2,"page":4346},{"title":"باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت","level":2,"page":4348},{"title":"كتاب الفتن، وأشراط الساعة","level":1,"page":4351},{"title":"باب اقتراب الفتن، وفتح ردم يأجوج ومأجوج","level":2,"page":4352},{"title":"باب الخسف بالجيش الذي يؤم البيت","level":2,"page":4357},{"title":"باب نزول الفتن كمواقع القطر","level":2,"page":4361},{"title":"باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما","level":2,"page":4365},{"title":"باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض","level":2,"page":4368},{"title":"باب إخبار النبي ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة","level":2,"page":4372},{"title":"باب في الفتنة التي تموج كموج البحر","level":2,"page":4375},{"title":"باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب","level":2,"page":4379},{"title":"باب في فتح قسطنطينية، وخروج الدجال،","level":2,"page":4383},{"title":"باب تقوم الساعة والروم أكثر الناس","level":2,"page":4386},{"title":"باب إقبال الروم في كثرة القتل عند خروج الدجال","level":2,"page":4388},{"title":"باب ما يكون من فتوحات المسلمين قبل الدجال","level":2,"page":4392},{"title":"باب في الآيات التي تكون قبل الساعة","level":2,"page":4393},{"title":"باب لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز","level":2,"page":4395},{"title":"باب في سكنى المدينة وعمارتها قبل الساعة","level":2,"page":4396},{"title":"باب الفتنة من المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان","level":2,"page":4398},{"title":"باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة","level":2,"page":4401},{"title":"باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل،","level":2,"page":4404},{"title":"باب ذكر ابن صياد","level":2,"page":4425},{"title":"باب ذكر الدجال وصفته وما معه","level":2,"page":4438},{"title":"باب في صفة الدجال، وتحريم المدينة عليه،","level":2,"page":4454},{"title":"باب في الدجال، وهو أهون على الله ﷿","level":2,"page":4459},{"title":"باب في خروج الدجال، ومكثه في الأرض، ونزول عيسى، وقتله إياه، وذهاب أهل الخير والإيمان، وبقاء شرار الناس، وعبادتهم الأوثان، والنفخ في الصور، وبعث من في القبور","level":2,"page":4461},{"title":"باب قصة الجساسة","level":2,"page":4468},{"title":"باب في بقية من أحاديث الدجال","level":2,"page":4474},{"title":"باب فضل العبادة في الهرج","level":2,"page":4477},{"title":"باب قرب الساعة","level":2,"page":4478},{"title":"باب ما بين النفختين","level":2,"page":4482},{"title":"كتاب الزهد والرقائق","level":1,"page":4485},{"title":"باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين","level":2,"page":4522},{"title":"باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم.","level":2,"page":4525},{"title":"باب فضل بناء المساجد","level":2,"page":4527},{"title":"باب الصدقة في المساكين","level":2,"page":4529},{"title":"باب من أشرك في عمله غير الله","level":2,"page":4531},{"title":"باب التكلم بالكلمة يهوي بها في النار","level":2,"page":4533},{"title":"باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله","level":2,"page":4535},{"title":"باب النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه","level":2,"page":4538},{"title":"باب تشميت العاطس، وكراهة التثاؤب","level":2,"page":4540},{"title":"باب في أحاديث متفرقة","level":2,"page":4545},{"title":"باب في الفأر، وأنه مسخ","level":2,"page":4546},{"title":"باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين","level":2,"page":4548},{"title":"باب المؤمن أمره كله خير","level":2,"page":4550},{"title":"باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط،","level":2,"page":4551},{"title":"باب مناولة الأكبر","level":2,"page":4555},{"title":"باب التثبت في الحديث، وحكم كتابة العلم","level":2,"page":4557},{"title":"باب قصة أصحاب الأخدود، والساحر والراهب والغلام","level":2,"page":4560},{"title":"باب حديث جابر الطويل، وقصة أبي اليسر","level":2,"page":4568},{"title":"باب في حديث الهجرة، ويقال له: حديث الرحل","level":2,"page":4587},{"title":"كتاب التفسير","level":1,"page":4595},{"title":"باب في قوله تعالى: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾","level":2,"page":4616},{"title":"باب في قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾","level":2,"page":4617},{"title":"باب في قوله تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء﴾","level":2,"page":4618},{"title":"باب في قوله تعالى: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾","level":2,"page":4619},{"title":"باب في سورة براءة، والأنفال، والحشر","level":2,"page":4621},{"title":"باب في نزول تحريم الخمر","level":2,"page":4622},{"title":"باب في قوله تعالى: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾","level":2,"page":4625}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,9":4,"1,10":5,"1,11":6,"1,12":7,"1,13":8,"1,14":9,"1,15":10,"1,16":11,"1,17":12,"1,18":13,"1,19":14,"1,20":15,"1,21":16,"1,22":17,"1,23":18,"1,24":19,"1,25":20,"1,26":21,"1,27":22,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,50":44,"1,51":45,"1,52":46,"1,53":47,"1,54":48,"1,55":49,"1,56":50,"1,57":51,"1,58":52,"1,59":53,"1,60":54,"1,61":55,"1,62":56,"1,63":57,"1,64":58,"1,65":59,"1,66":60,"1,67":61,"1,68":62,"1,69":63,"1,70":64,"1,71":65,"1,72":66,"1,73":67,"1,74":68,"1,75":69,"1,76":70,"1,77":71,"1,78":72,"1,79":73,"1,80":74,"1,81":75,"1,82":76,"1,83":77,"1,84":78,"1,85":79,"1,86":80,"1,87":81,"1,88":82,"1,89":83,"1,90":84,"1,91":85,"1,92":86,"1,93":87,"1,94":88,"1,95":89,"1,96":90,"1,97":91,"1,98":92,"1,99":93,"1,100":94,"1,101":95,"1,102":96,"1,103":97,"1,104":98,"1,105":99,"1,106":100,"1,107":101,"1,108":102,"1,109":103,"1,110":104,"1,111":105,"1,112":106,"1,113":107,"1,114":108,"1,115":109,"1,116":110,"1,117":111,"1,118":112,"1,119":113,"1,120":114,"1,121":115,"1,122":116,"1,123":117,"1,124":118,"1,125":119,"1,126":120,"1,127":121,"1,128":122,"1,129":123,"1,130":124,"1,131":125,"1,132":126,"1,133":127,"1,134":128,"1,135":129,"1,136":130,"1,137":131,"1,138":132,"1,139":133,"1,140":134,"1,141":135,"1,142":136,"1,143":137,"1,144":138,"1,145":139,"1,146":140,"1,147":141,"1,148":142,"1,149":143,"1,150":144,"1,151":145,"1,152":146,"1,153":147,"1,154":148,"1,155":149,"1,156":150,"1,157":151,"1,158":152,"1,159":153,"1,160":154,"1,161":155,"1,162":156,"1,163":157,"1,164":158,"1,165":159,"1,166":160,"1,167":161,"1,168":162,"1,169":163,"1,170":164,"1,171":165,"1,172":166,"1,173":167,"1,174":168,"1,175":169,"1,176":170,"1,177":171,"1,178":172,"1,179":173,"1,180":174,"1,181":175,"1,182":176,"1,183":177,"1,184":178,"1,185":179,"1,186":180,"1,187":181,"1,188":182,"1,189":183,"1,190":184,"1,191":185,"1,192":186,"1,193":187,"1,194":188,"1,195":189,"1,196":190,"1,197":191,"1,198":192,"1,199":193,"1,200":194,"1,201":195,"1,202":196,"1,203":197,"1,204":198,"1,205":199,"1,206":200,"1,207":201,"1,208":202,"1,209":203,"1,210":204,"1,211":205,"1,212":206,"1,213":207,"1,214":208,"1,215":209,"1,216":210,"1,217":211,"1,218":212,"1,219":213,"1,220":214,"1,221":215,"1,222":216,"1,223":217,"1,224":218,"1,225":219,"1,226":220,"1,227":221,"1,228":222,"1,229":223,"1,230":224,"1,231":225,"1,232":226,"1,233":227,"1,234":228,"1,235":229,"1,236":230,"1,237":231,"1,238":232,"1,239":233,"1,240":234,"1,241":235,"1,242":236,"1,243":237,"1,244":238,"1,245":239,"1,246":240,"1,247":241,"1,248":242,"1,249":243,"1,250":244,"1,251":245,"1,252":246,"1,253":247,"1,254":248,"1,255":249,"1,256":250,"1,257":251,"1,258":252,"1,259":253,"1,260":254,"1,261":255,"1,262":256,"1,263":257,"1,264":258,"1,265":259,"1,266":260,"1,267":261,"1,268":262,"1,269":263,"1,270":264,"1,271":265,"1,272":266,"1,273":267,"1,274":268,"1,275":269,"1,276":270,"1,277":271,"1,278":272,"1,279":273,"1,280":274,"1,281":275,"1,282":276,"1,283":277,"1,284":278,"1,285":279,"1,286":280,"1,287":281,"1,288":282,"1,289":283,"1,290":284,"1,291":285,"1,292":286,"1,293":287,"1,294":288,"1,295":289,"1,296":290,"1,297":291,"1,298":292,"1,299":293,"1,300":294,"1,301":295,"1,302":296,"1,303":297,"1,304":298,"1,305":299,"1,306":300,"1,307":301,"1,308":302,"1,309":303,"1,310":304,"1,311":305,"1,312":306,"1,313":307,"1,314":308,"1,315":309,"1,316":310,"1,317":311,"1,318":312,"1,319":313,"1,320":314,"1,321":315,"1,322":316,"1,323":317,"1,324":318,"1,325":319,"1,326":320,"1,327":321,"1,328":322,"1,329":323,"1,330":324,"1,331":325,"1,332":326,"1,333":327,"1,334":328,"1,335":329,"1,336":330,"1,337":331,"1,338":332,"1,339":333,"1,340":334,"1,341":335,"1,342":336,"1,343":337,"1,344":338,"1,345":339,"1,346":340,"1,347":341,"1,348":342,"1,349":343,"1,350":344,"1,351":345,"1,352":346,"1,353":347,"1,354":348,"1,355":349,"1,356":350,"1,357":351,"1,358":352,"1,359":353,"1,360":354,"1,361":355,"1,362":356,"1,363":357,"1,364":358,"1,365":359,"1,366":360,"1,367":361,"1,368":362,"1,369":363,"1,370":364,"1,371":365,"1,372":366,"1,373":367,"1,374":368,"1,375":369,"1,376":370,"1,377":371,"1,378":372,"1,379":373,"1,380":374,"1,381":375,"1,382":376,"1,383":377,"1,384":378,"1,385":379,"1,386":380,"1,387":381,"1,388":382,"1,389":383,"1,390":384,"1,391":385,"1,392":386,"1,393":387,"1,394":388,"1,395":389,"1,396":390,"1,397":391,"1,398":392,"1,399":393,"1,400":394,"1,401":395,"1,402":396,"1,403":397,"1,404":398,"1,405":399,"1,406":400,"1,407":401,"1,408":402,"1,409":403,"1,410":404,"1,411":405,"1,412":406,"1,413":407,"1,414":408,"1,415":409,"1,416":410,"1,417":411,"1,419":412,"1,421":413,"1,422":414,"1,423":415,"1,424":416,"1,425":417,"1,426":418,"1,427":419,"1,428":420,"1,429":421,"1,430":422,"1,431":423,"1,432":424,"1,433":425,"1,434":426,"1,435":427,"1,436":428,"1,437":429,"1,438":430,"1,439":431,"1,440":432,"1,441":433,"1,442":434,"1,443":435,"1,444":436,"1,445":437,"1,446":438,"1,447":439,"1,448":440,"1,449":441,"1,450":442,"1,451":443,"1,452":444,"1,453":445,"1,454":446,"1,455":447,"1,456":448,"1,457":449,"1,458":450,"1,459":451,"1,460":452,"1,461":453,"1,462":454,"1,463":455,"1,464":456,"1,465":457,"1,466":458,"1,467":459,"1,468":460,"1,469":461,"1,470":462,"1,471":463,"1,472":464,"1,473":465,"1,474":466,"1,475":467,"1,476":468,"1,477":469,"1,478":470,"1,479":471,"1,480":472,"1,481":473,"1,482":474,"1,483":475,"1,484":476,"1,485":477,"1,486":478,"1,487":479,"1,488":480,"1,489":481,"1,490":482,"1,491":483,"1,492":484,"1,493":485,"1,494":486,"1,495":487,"1,496":488,"1,497":489,"1,498":490,"1,499":491,"1,500":492,"1,501":493,"1,502":494,"1,503":495,"1,504":496,"1,505":497,"1,506":498,"1,507":499,"1,508":500,"1,509":501,"1,510":502,"1,511":503,"1,512":504,"1,513":505,"1,514":506,"1,515":507,"1,516":508,"1,517":509,"1,518":510,"1,519":511,"1,520":512,"1,521":513,"1,523":514,"1,525":515,"1,526":516,"1,527":517,"1,528":518,"1,529":519,"1,530":520,"1,531":521,"1,532":522,"1,533":523,"1,534":524,"1,535":525,"1,536":526,"1,537":527,"1,538":528,"1,539":529,"1,540":530,"1,541":531,"1,542":532,"1,543":533,"1,544":534,"1,545":535,"1,546":536,"1,547":537,"1,548":538,"1,549":539,"1,550":540,"1,551":541,"1,552":542,"1,553":543,"1,554":544,"1,555":545,"1,556":546,"1,557":547,"1,558":548,"1,559":549,"1,560":550,"1,561":551,"1,562":552,"1,563":553,"1,564":554,"1,565":555,"1,566":556,"1,567":557,"1,568":558,"1,569":559,"1,570":560,"1,571":561,"1,572":562,"1,573":563,"1,574":564,"1,575":565,"1,576":566,"1,577":567,"1,578":568,"1,579":569,"1,580":570,"1,581":571,"1,582":572,"1,583":573,"1,584":574,"1,585":575,"1,586":576,"1,587":577,"1,588":578,"1,589":579,"1,590":580,"1,591":581,"1,592":582,"1,593":583,"1,594":584,"1,595":585,"1,596":586,"1,597":587,"1,598":588,"1,599":589,"1,600":590,"1,601":591,"1,602":592,"1,603":593,"1,604":594,"1,605":595,"1,606":596,"1,607":597,"1,608":598,"1,609":599,"1,610":600,"1,611":601,"1,612":602,"1,613":603,"1,614":604,"2,3":605,"2,5":606,"2,6":607,"2,7":608,"2,8":609,"2,9":610,"2,10":611,"2,11":612,"2,12":613,"2,13":614,"2,14":615,"2,15":616,"2,16":617,"2,17":618,"2,18":619,"2,19":620,"2,20":621,"2,21":622,"2,22":623,"2,23":624,"2,24":625,"2,25":626,"2,26":627,"2,27":628,"2,28":629,"2,29":630,"2,30":631,"2,31":632,"2,32":633,"2,33":634,"2,34":635,"2,35":636,"2,36":637,"2,37":638,"2,38":639,"2,39":640,"2,40":641,"2,41":642,"2,42":643,"2,43":644,"2,44":645,"2,45":646,"2,46":647,"2,47":648,"2,48":649,"2,49":650,"2,50":651,"2,51":652,"2,52":653,"2,53":654,"2,54":655,"2,55":656,"2,56":657,"2,57":658,"2,58":659,"2,59":660,"2,60":661,"2,61":662,"2,62":663,"2,63":664,"2,64":665,"2,65":666,"2,66":667,"2,67":668,"2,68":669,"2,69":670,"2,70":671,"2,71":672,"2,72":673,"2,73":674,"2,74":675,"2,75":676,"2,76":677,"2,77":678,"2,78":679,"2,79":680,"2,80":681,"2,81":682,"2,82":683,"2,83":684,"2,84":685,"2,85":686,"2,86":687,"2,87":688,"2,88":689,"2,89":690,"2,90":691,"2,91":692,"2,92":693,"2,93":694,"2,94":695,"2,95":696,"2,96":697,"2,97":698,"2,98":699,"2,99":700,"2,100":701,"2,101":702,"2,102":703,"2,103":704,"2,104":705,"2,105":706,"2,106":707,"2,107":708,"2,108":709,"2,109":710,"2,110":711,"2,111":712,"2,112":713,"2,113":714,"2,114":715,"2,115":716,"2,116":717,"2,117":718,"2,118":719,"2,119":720,"2,120":721,"2,121":722,"2,122":723,"2,123":724,"2,124":725,"2,125":726,"2,126":727,"2,127":728,"2,128":729,"2,129":730,"2,130":731,"2,131":732,"2,132":733,"2,133":734,"2,134":735,"2,135":736,"2,136":737,"2,137":738,"2,138":739,"2,139":740,"2,140":741,"2,141":742,"2,142":743,"2,143":744,"2,144":745,"2,145":746,"2,146":747,"2,147":748,"2,148":749,"2,149":750,"2,150":751,"2,151":752,"2,152":753,"2,153":754,"2,154":755,"2,155":756,"2,156":757,"2,157":758,"2,158":759,"2,159":760,"2,160":761,"2,161":762,"2,162":763,"2,163":764,"2,164":765,"2,165":766,"2,166":767,"2,167":768,"2,168":769,"2,169":770,"2,170":771,"2,171":772,"2,172":773,"2,173":774,"2,174":775,"2,175":776,"2,176":777,"2,177":778,"2,179":779,"2,181":780,"2,182":781,"2,183":782,"2,184":783,"2,185":784,"2,186":785,"2,187":786,"2,188":787,"2,189":788,"2,190":789,"2,191":790,"2,192":791,"2,193":792,"2,194":793,"2,195":794,"2,196":795,"2,197":796,"2,198":797,"2,199":798,"2,200":799,"2,201":800,"2,202":801,"2,203":802,"2,204":803,"2,205":804,"2,206":805,"2,207":806,"2,208":807,"2,209":808,"2,210":809,"2,211":810,"2,212":811,"2,213":812,"2,214":813,"2,215":814,"2,216":815,"2,217":816,"2,218":817,"2,219":818,"2,220":819,"2,221":820,"2,222":821,"2,223":822,"2,224":823,"2,225":824,"2,226":825,"2,227":826,"2,228":827,"2,229":828,"2,230":829,"2,231":830,"2,232":831,"2,233":832,"2,234":833,"2,235":834,"2,236":835,"2,237":836,"2,238":837,"2,239":838,"2,240":839,"2,241":840,"2,242":841,"2,243":842,"2,244":843,"2,245":844,"2,246":845,"2,247":846,"2,248":847,"2,249":848,"2,250":849,"2,251":850,"2,252":851,"2,253":852,"2,254":853,"2,255":854,"2,256":855,"2,257":856,"2,258":857,"2,259":858,"2,260":859,"2,261":860,"2,262":861,"2,263":862,"2,264":863,"2,265":864,"2,266":865,"2,267":866,"2,268":867,"2,269":868,"2,270":869,"2,271":870,"2,272":871,"2,273":872,"2,274":873,"2,275":874,"2,276":875,"2,277":876,"2,278":877,"2,279":878,"2,280":879,"2,281":880,"2,282":881,"2,283":882,"2,284":883,"2,285":884,"2,286":885,"2,287":886,"2,288":887,"2,289":888,"2,290":889,"2,291":890,"2,292":891,"2,293":892,"2,294":893,"2,295":894,"2,296":895,"2,297":896,"2,298":897,"2,299":898,"2,300":899,"2,301":900,"2,302":901,"2,303":902,"2,304":903,"2,305":904,"2,306":905,"2,307":906,"2,308":907,"2,309":908,"2,310":909,"2,311":910,"2,312":911,"2,313":912,"2,314":913,"2,315":914,"2,316":915,"2,317":916,"2,318":917,"2,319":918,"2,320":919,"2,321":920,"2,322":921,"2,323":922,"2,324":923,"2,325":924,"2,326":925,"2,327":926,"2,328":927,"2,329":928,"2,330":929,"2,331":930,"2,332":931,"2,333":932,"2,334":933,"2,335":934,"2,336":935,"2,337":936,"2,338":937,"2,339":938,"2,340":939,"2,341":940,"2,342":941,"2,343":942,"2,344":943,"2,345":944,"2,346":945,"2,347":946,"2,348":947,"2,349":948,"2,350":949,"2,351":950,"2,352":951,"2,353":952,"2,354":953,"2,355":954,"2,356":955,"2,357":956,"2,358":957,"2,359":958,"2,360":959,"2,361":960,"2,362":961,"2,363":962,"2,364":963,"2,365":964,"2,366":965,"2,367":966,"2,368":967,"2,369":968,"2,370":969,"2,371":970,"2,372":971,"2,373":972,"2,374":973,"2,375":974,"2,376":975,"2,377":976,"2,379":977,"2,381":978,"2,382":979,"2,383":980,"2,384":981,"2,385":982,"2,386":983,"2,387":984,"2,388":985,"2,389":986,"2,390":987,"2,391":988,"2,392":989,"2,393":990,"2,394":991,"2,395":992,"2,396":993,"2,397":994,"2,398":995,"2,399":996,"2,400":997,"2,401":998,"2,402":999,"2,403":1000,"2,404":1001,"2,405":1002,"2,406":1003,"2,407":1004,"2,408":1005,"2,409":1006,"2,410":1007,"2,411":1008,"2,412":1009,"2,413":1010,"2,414":1011,"2,415":1012,"2,416":1013,"2,417":1014,"2,418":1015,"2,419":1016,"2,420":1017,"2,421":1018,"2,422":1019,"2,423":1020,"2,424":1021,"2,425":1022,"2,426":1023,"2,427":1024,"2,428":1025,"2,429":1026,"2,430":1027,"2,431":1028,"2,432":1029,"2,433":1030,"2,434":1031,"2,435":1032,"2,436":1033,"2,437":1034,"2,438":1035,"2,439":1036,"2,440":1037,"2,441":1038,"2,442":1039,"2,443":1040,"2,444":1041,"2,445":1042,"2,446":1043,"2,447":1044,"2,448":1045,"2,449":1046,"2,450":1047,"2,451":1048,"2,452":1049,"2,453":1050,"2,454":1051,"2,455":1052,"2,456":1053,"2,457":1054,"2,458":1055,"2,459":1056,"2,460":1057,"2,461":1058,"2,462":1059,"2,463":1060,"2,464":1061,"2,465":1062,"2,466":1063,"2,467":1064,"2,468":1065,"2,469":1066,"2,470":1067,"2,471":1068,"2,472":1069,"2,473":1070,"2,474":1071,"2,475":1072,"2,476":1073,"2,477":1074,"2,478":1075,"2,479":1076,"2,480":1077,"2,481":1078,"2,482":1079,"2,483":1080,"2,484":1081,"2,485":1082,"2,486":1083,"2,487":1084,"2,488":1085,"2,489":1086,"2,490":1087,"2,491":1088,"2,492":1089,"2,493":1090,"2,494":1091,"2,495":1092,"2,496":1093,"2,497":1094,"2,498":1095,"2,499":1096,"2,500":1097,"2,501":1098,"2,502":1099,"2,503":1100,"2,504":1101,"2,505":1102,"2,506":1103,"2,508":1104,"2,509":1105,"2,510":1106,"2,511":1107,"2,512":1108,"2,513":1109,"2,514":1110,"2,515":1111,"2,516":1112,"2,517":1113,"2,518":1114,"2,519":1115,"2,520":1116,"2,521":1117,"2,522":1118,"2,523":1119,"2,524":1120,"2,525":1121,"2,526":1122,"2,527":1123,"2,528":1124,"2,529":1125,"2,530":1126,"2,531":1127,"2,532":1128,"2,533":1129,"2,534":1130,"2,535":1131,"2,536":1132,"2,537":1133,"2,538":1134,"2,539":1135,"2,540":1136,"2,541":1137,"2,542":1138,"2,543":1139,"2,544":1140,"2,545":1141,"2,546":1142,"2,547":1143,"2,548":1144,"2,549":1145,"2,550":1146,"2,551":1147,"2,552":1148,"2,553":1149,"2,554":1150,"2,555":1151,"2,556":1152,"2,557":1153,"2,558":1154,"2,559":1155,"2,560":1156,"2,561":1157,"2,562":1158,"2,563":1159,"2,564":1160,"2,565":1161,"2,566":1162,"2,567":1163,"2,568":1164,"2,569":1165,"2,570":1166,"2,571":1167,"2,572":1168,"2,573":1169,"2,574":1170,"2,575":1171,"2,576":1172,"2,577":1173,"2,578":1174,"2,579":1175,"2,580":1176,"2,582":1177,"2,583":1178,"2,584":1179,"2,585":1180,"2,586":1181,"2,587":1182,"2,588":1183,"2,589":1184,"2,590":1185,"2,591":1186,"2,592":1187,"2,593":1188,"2,594":1189,"2,595":1190,"2,596":1191,"2,597":1192,"2,598":1193,"2,599":1194,"2,600":1195,"2,601":1196,"2,602":1197,"2,603":1198,"2,604":1199,"2,605":1200,"2,606":1201,"2,607":1202,"2,608":1203,"2,609":1204,"2,610":1205,"2,611":1206,"2,612":1207,"2,613":1208,"2,614":1209,"2,615":1210,"2,616":1211,"2,617":1212,"2,618":1213,"2,619":1214,"2,620":1215,"2,621":1216,"2,622":1217,"2,623":1218,"2,624":1219,"2,625":1220,"2,626":1221,"2,627":1222,"2,628":1223,"2,629":1224,"2,631":1225,"2,633":1226,"2,634":1227,"2,635":1228,"2,636":1229,"2,637":1230,"2,638":1231,"2,639":1232,"2,640":1233,"2,641":1234,"2,642":1235,"2,643":1236,"2,644":1237,"2,645":1238,"2,646":1239,"2,647":1240,"2,648":1241,"2,650":1242,"2,651":1243,"2,652":1244,"2,653":1245,"2,654":1246,"2,655":1247,"2,656":1248,"2,657":1249,"2,658":1250,"2,659":1251,"2,660":1252,"2,661":1253,"2,662":1254,"2,663":1255,"2,665":1256,"2,667":1257,"2,668":1258,"2,669":1259,"2,670":1260,"2,671":1261,"2,672":1262,"2,673":1263,"2,674":1264,"2,675":1265,"2,676":1266,"2,677":1267,"2,678":1268,"2,679":1269,"2,680":1270,"2,681":1271,"2,682":1272,"2,683":1273,"2,684":1274,"2,685":1275,"2,686":1276,"2,687":1277,"2,688":1278,"2,689":1279,"3,3":1280,"3,5":1281,"3,6":1282,"3,7":1283,"3,8":1284,"3,9":1285,"3,10":1286,"3,11":1287,"3,12":1288,"3,13":1289,"3,14":1290,"3,15":1291,"3,16":1292,"3,17":1293,"3,18":1294,"3,19":1295,"3,20":1296,"3,21":1297,"3,22":1298,"3,23":1299,"3,24":1300,"3,25":1301,"3,26":1302,"3,27":1303,"3,28":1304,"3,29":1305,"3,30":1306,"3,31":1307,"3,32":1308,"3,33":1309,"3,34":1310,"3,35":1311,"3,36":1312,"3,37":1313,"3,38":1314,"3,39":1315,"3,40":1316,"3,41":1317,"3,42":1318,"3,43":1319,"3,44":1320,"3,45":1321,"3,46":1322,"3,47":1323,"3,48":1324,"3,49":1325,"3,50":1326,"3,51":1327,"3,52":1328,"3,53":1329,"3,54":1330,"3,55":1331,"3,56":1332,"3,57":1333,"3,58":1334,"3,59":1335,"3,60":1336,"3,61":1337,"3,62":1338,"3,63":1339,"3,64":1340,"3,65":1341,"3,66":1342,"3,67":1343,"3,68":1344,"3,69":1345,"3,70":1346,"3,71":1347,"3,72":1348,"3,73":1349,"3,74":1350,"3,75":1351,"3,76":1352,"3,77":1353,"3,78":1354,"3,79":1355,"3,80":1356,"3,81":1357,"3,82":1358,"3,83":1359,"3,84":1360,"3,85":1361,"3,86":1362,"3,87":1363,"3,88":1364,"3,89":1365,"3,91":1366,"3,93":1367,"3,94":1368,"3,95":1369,"3,96":1370,"3,97":1371,"3,98":1372,"3,99":1373,"3,100":1374,"3,101":1375,"3,102":1376,"3,103":1377,"3,104":1378,"3,105":1379,"3,106":1380,"3,107":1381,"3,108":1382,"3,109":1383,"3,110":1384,"3,111":1385,"3,112":1386,"3,113":1387,"3,114":1388,"3,115":1389,"3,116":1390,"3,117":1391,"3,118":1392,"3,119":1393,"3,120":1394,"3,121":1395,"3,122":1396,"3,123":1397,"3,124":1398,"3,125":1399,"3,126":1400,"3,127":1401,"3,128":1402,"3,129":1403,"3,130":1404,"3,131":1405,"3,132":1406,"3,133":1407,"3,134":1408,"3,135":1409,"3,136":1410,"3,137":1411,"3,138":1412,"3,139":1413,"3,140":1414,"3,141":1415,"3,142":1416,"3,143":1417,"3,144":1418,"3,145":1419,"3,146":1420,"3,147":1421,"3,148":1422,"3,149":1423,"3,150":1424,"3,151":1425,"3,152":1426,"3,153":1427,"3,154":1428,"3,155":1429,"3,156":1430,"3,157":1431,"3,158":1432,"3,159":1433,"3,160":1434,"3,161":1435,"3,162":1436,"3,163":1437,"3,164":1438,"3,165":1439,"3,166":1440,"3,167":1441,"3,168":1442,"3,169":1443,"3,170":1444,"3,171":1445,"3,172":1446,"3,173":1447,"3,174":1448,"3,175":1449,"3,176":1450,"3,177":1451,"3,178":1452,"3,179":1453,"3,180":1454,"3,181":1455,"3,182":1456,"3,183":1457,"3,184":1458,"3,185":1459,"3,186":1460,"3,187":1461,"3,188":1462,"3,189":1463,"3,190":1464,"3,191":1465,"3,192":1466,"3,193":1467,"3,194":1468,"3,195":1469,"3,196":1470,"3,197":1471,"3,198":1472,"3,199":1473,"3,200":1474,"3,201":1475,"3,202":1476,"3,203":1477,"3,204":1478,"3,205":1479,"3,206":1480,"3,207":1481,"3,208":1482,"3,209":1483,"3,210":1484,"3,211":1485,"3,212":1486,"3,213":1487,"3,214":1488,"3,215":1489,"3,216":1490,"3,217":1491,"3,218":1492,"3,219":1493,"3,220":1494,"3,221":1495,"3,222":1496,"3,223":1497,"3,224":1498,"3,225":1499,"3,226":1500,"3,227":1501,"3,228":1502,"3,229":1503,"3,230":1504,"3,231":1505,"3,232":1506,"3,233":1507,"3,234":1508,"3,235":1509,"3,236":1510,"3,237":1511,"3,238":1512,"3,239":1513,"3,240":1514,"3,241":1515,"3,242":1516,"3,243":1517,"3,245":1518,"3,247":1519,"3,248":1520,"3,249":1521,"3,250":1522,"3,251":1523,"3,252":1524,"3,253":1525,"3,254":1526,"3,255":1527,"3,256":1528,"3,257":1529,"3,258":1530,"3,259":1531,"3,260":1532,"3,261":1533,"3,262":1534,"3,263":1535,"3,264":1536,"3,265":1537,"3,266":1538,"3,267":1539,"3,268":1540,"3,269":1541,"3,270":1542,"3,271":1543,"3,272":1544,"3,273":1545,"3,274":1546,"3,275":1547,"3,276":1548,"3,277":1549,"3,278":1550,"3,279":1551,"3,280":1552,"3,281":1553,"3,282":1554,"3,283":1555,"3,284":1556,"3,285":1557,"3,286":1558,"3,287":1559,"3,288":1560,"3,289":1561,"3,290":1562,"3,291":1563,"3,292":1564,"3,293":1565,"3,294":1566,"3,295":1567,"3,296":1568,"3,297":1569,"3,298":1570,"3,299":1571,"3,300":1572,"3,301":1573,"3,302":1574,"3,303":1575,"3,304":1576,"3,305":1577,"3,306":1578,"3,307":1579,"3,308":1580,"3,309":1581,"3,310":1582,"3,311":1583,"3,312":1584,"3,313":1585,"3,314":1586,"3,315":1587,"3,316":1588,"3,317":1589,"3,318":1590,"3,319":1591,"3,320":1592,"3,321":1593,"3,322":1594,"3,323":1595,"3,324":1596,"3,325":1597,"3,326":1598,"3,327":1599,"3,328":1600,"3,329":1601,"3,330":1602,"3,331":1603,"3,332":1604,"3,333":1605,"3,334":1606,"3,335":1607,"3,336":1608,"3,337":1609,"3,338":1610,"3,339":1611,"3,340":1612,"3,341":1613,"3,342":1614,"3,343":1615,"3,344":1616,"3,345":1617,"3,346":1618,"3,347":1619,"3,348":1620,"3,349":1621,"3,350":1622,"3,351":1623,"3,352":1624,"3,353":1625,"3,354":1626,"3,355":1627,"3,356":1628,"3,357":1629,"3,358":1630,"3,359":1631,"3,360":1632,"3,361":1633,"3,362":1634,"3,364":1635,"3,365":1636,"3,366":1637,"3,367":1638,"3,368":1639,"3,369":1640,"3,370":1641,"3,371":1642,"3,372":1643,"3,374":1644,"3,375":1645,"3,376":1646,"3,377":1647,"3,378":1648,"3,379":1649,"3,380":1650,"3,381":1651,"3,382":1652,"3,383":1653,"3,384":1654,"3,385":1655,"3,386":1656,"3,387":1657,"3,388":1658,"3,389":1659,"3,390":1660,"3,391":1661,"3,392":1662,"3,393":1663,"3,394":1664,"3,395":1665,"3,396":1666,"3,397":1667,"3,398":1668,"3,399":1669,"3,400":1670,"3,401":1671,"3,402":1672,"3,403":1673,"3,404":1674,"3,405":1675,"3,406":1676,"3,407":1677,"3,408":1678,"3,409":1679,"3,410":1680,"3,411":1681,"3,412":1682,"3,413":1683,"3,414":1684,"3,415":1685,"3,416":1686,"3,417":1687,"3,418":1688,"3,419":1689,"3,420":1690,"3,421":1691,"3,422":1692,"3,423":1693,"3,424":1694,"3,425":1695,"3,426":1696,"3,427":1697,"3,428":1698,"3,429":1699,"3,430":1700,"3,431":1701,"3,432":1702,"3,433":1703,"3,434":1704,"3,435":1705,"3,436":1706,"3,437":1707,"3,438":1708,"3,439":1709,"3,440":1710,"3,441":1711,"3,442":1712,"3,443":1713,"3,444":1714,"3,445":1715,"3,446":1716,"3,447":1717,"3,448":1718,"3,449":1719,"3,450":1720,"3,451":1721,"3,452":1722,"3,453":1723,"3,454":1724,"3,455":1725,"3,456":1726,"3,457":1727,"3,458":1728,"3,459":1729,"3,460":1730,"3,461":1731,"3,462":1732,"3,463":1733,"3,464":1734,"3,465":1735,"3,466":1736,"3,467":1737,"3,468":1738,"3,469":1739,"3,470":1740,"3,471":1741,"3,472":1742,"3,473":1743,"3,474":1744,"3,475":1745,"3,476":1746,"3,477":1747,"3,478":1748,"3,479":1749,"3,480":1750,"3,481":1751,"3,482":1752,"3,483":1753,"3,484":1754,"3,485":1755,"3,486":1756,"3,487":1757,"3,488":1758,"3,489":1759,"3,490":1760,"3,491":1761,"3,492":1762,"3,493":1763,"3,494":1764,"3,495":1765,"3,496":1766,"3,497":1767,"3,498":1768,"3,499":1769,"3,500":1770,"3,501":1771,"3,502":1772,"3,503":1773,"3,504":1774,"3,505":1775,"3,506":1776,"3,507":1777,"3,508":1778,"3,509":1779,"3,510":1780,"3,511":1781,"3,512":1782,"3,513":1783,"3,514":1784,"3,515":1785,"3,516":1786,"3,517":1787,"3,518":1788,"3,519":1789,"3,520":1790,"3,521":1791,"3,522":1792,"3,523":1793,"3,524":1794,"3,525":1795,"3,526":1796,"3,527":1797,"3,528":1798,"3,529":1799,"3,530":1800,"3,531":1801,"3,532":1802,"3,533":1803,"3,534":1804,"3,535":1805,"3,536":1806,"3,537":1807,"3,538":1808,"3,539":1809,"3,540":1810,"3,541":1811,"3,542":1812,"3,543":1813,"3,544":1814,"3,545":1815,"3,546":1816,"3,547":1817,"3,548":1818,"3,549":1819,"3,550":1820,"3,551":1821,"3,552":1822,"3,553":1823,"3,554":1824,"3,555":1825,"3,556":1826,"3,557":1827,"3,558":1828,"3,559":1829,"3,560":1830,"3,561":1831,"3,562":1832,"3,563":1833,"3,564":1834,"3,565":1835,"3,566":1836,"3,567":1837,"3,568":1838,"3,569":1839,"3,570":1840,"3,571":1841,"3,572":1842,"3,573":1843,"3,574":1844,"3,575":1845,"3,576":1846,"3,577":1847,"3,578":1848,"3,579":1849,"3,580":1850,"3,581":1851,"3,582":1852,"3,583":1853,"3,584":1854,"3,585":1855,"3,586":1856,"3,587":1857,"3,588":1858,"3,589":1859,"3,590":1860,"3,591":1861,"3,592":1862,"3,593":1863,"3,594":1864,"3,595":1865,"3,596":1866,"3,597":1867,"3,598":1868,"3,599":1869,"3,600":1870,"3,601":1871,"3,602":1872,"3,603":1873,"3,604":1874,"3,605":1875,"3,606":1876,"3,607":1877,"3,608":1878,"3,609":1879,"3,610":1880,"3,611":1881,"3,612":1882,"3,613":1883,"3,614":1884,"3,615":1885,"3,616":1886,"3,617":1887,"3,618":1888,"3,619":1889,"3,620":1890,"3,621":1891,"3,622":1892,"3,623":1893,"3,624":1894,"3,625":1895,"3,626":1896,"3,627":1897,"3,628":1898,"3,629":1899,"3,630":1900,"3,631":1901,"3,632":1902,"3,633":1903,"3,634":1904,"3,635":1905,"3,636":1906,"3,637":1907,"3,638":1908,"3,639":1909,"3,640":1910,"3,641":1911,"3,642":1912,"3,643":1913,"3,644":1914,"3,645":1915,"3,646":1916,"3,647":1917,"3,648":1918,"3,649":1919,"3,650":1920,"3,651":1921,"3,652":1922,"3,653":1923,"3,654":1924,"3,655":1925,"3,656":1926,"3,657":1927,"3,658":1928,"3,659":1929,"3,660":1930,"3,661":1931,"3,662":1932,"3,663":1933,"3,664":1934,"3,665":1935,"3,666":1936,"3,667":1937,"3,668":1938,"3,669":1939,"3,670":1940,"3,671":1941,"3,672":1942,"3,673":1943,"3,674":1944,"3,675":1945,"3,676":1946,"3,677":1947,"3,678":1948,"3,679":1949,"3,680":1950,"3,681":1951,"3,682":1952,"3,683":1953,"3,684":1954,"4,3":1955,"4,5":1956,"4,6":1957,"4,7":1958,"4,8":1959,"4,9":1960,"4,10":1961,"4,11":1962,"4,12":1963,"4,13":1964,"4,14":1965,"4,15":1966,"4,16":1967,"4,17":1968,"4,18":1969,"4,19":1970,"4,20":1971,"4,21":1972,"4,22":1973,"4,23":1974,"4,24":1975,"4,25":1976,"4,26":1977,"4,27":1978,"4,28":1979,"4,29":1980,"4,30":1981,"4,31":1982,"4,32":1983,"4,33":1984,"4,34":1985,"4,35":1986,"4,36":1987,"4,37":1988,"4,38":1989,"4,39":1990,"4,40":1991,"4,41":1992,"4,42":1993,"4,43":1994,"4,44":1995,"4,45":1996,"4,46":1997,"4,47":1998,"4,48":1999,"4,49":2000,"4,50":2001,"4,51":2002,"4,52":2003,"4,53":2004,"4,54":2005,"4,55":2006,"4,56":2007,"4,57":2008,"4,58":2009,"4,59":2010,"4,60":2011,"4,61":2012,"4,62":2013,"4,63":2014,"4,64":2015,"4,65":2016,"4,66":2017,"4,67":2018,"4,68":2019,"4,69":2020,"4,70":2021,"4,71":2022,"4,72":2023,"4,73":2024,"4,74":2025,"4,75":2026,"4,76":2027,"4,77":2028,"4,78":2029,"4,79":2030,"4,80":2031,"4,81":2032,"4,82":2033,"4,83":2034,"4,84":2035,"4,85":2036,"4,86":2037,"4,87":2038,"4,88":2039,"4,89":2040,"4,90":2041,"4,91":2042,"4,92":2043,"4,93":2044,"4,94":2045,"4,95":2046,"4,96":2047,"4,97":2048,"4,98":2049,"4,99":2050,"4,100":2051,"4,101":2052,"4,103":2053,"4,105":2054,"4,106":2055,"4,107":2056,"4,108":2057,"4,109":2058,"4,110":2059,"4,111":2060,"4,112":2061,"4,113":2062,"4,114":2063,"4,115":2064,"4,116":2065,"4,117":2066,"4,118":2067,"4,119":2068,"4,120":2069,"4,121":2070,"4,122":2071,"4,123":2072,"4,124":2073,"4,125":2074,"4,126":2075,"4,127":2076,"4,128":2077,"4,129":2078,"4,130":2079,"4,131":2080,"4,132":2081,"4,133":2082,"4,134":2083,"4,135":2084,"4,136":2085,"4,137":2086,"4,138":2087,"4,139":2088,"4,140":2089,"4,141":2090,"4,142":2091,"4,143":2092,"4,144":2093,"4,145":2094,"4,146":2095,"4,147":2096,"4,148":2097,"4,149":2098,"4,150":2099,"4,151":2100,"4,152":2101,"4,153":2102,"4,155":2103,"4,157":2104,"4,158":2105,"4,159":2106,"4,160":2107,"4,161":2108,"4,162":2109,"4,163":2110,"4,164":2111,"4,165":2112,"4,166":2113,"4,167":2114,"4,168":2115,"4,169":2116,"4,170":2117,"4,171":2118,"4,172":2119,"4,173":2120,"4,174":2121,"4,175":2122,"4,176":2123,"4,177":2124,"4,178":2125,"4,179":2126,"4,180":2127,"4,181":2128,"4,182":2129,"4,183":2130,"4,184":2131,"4,185":2132,"4,186":2133,"4,187":2134,"4,188":2135,"4,189":2136,"4,190":2137,"4,191":2138,"4,192":2139,"4,193":2140,"4,194":2141,"4,195":2142,"4,196":2143,"4,197":2144,"4,198":2145,"4,199":2146,"4,200":2147,"4,201":2148,"4,202":2149,"4,203":2150,"4,204":2151,"4,205":2152,"4,206":2153,"4,207":2154,"4,208":2155,"4,209":2156,"4,210":2157,"4,211":2158,"4,212":2159,"4,213":2160,"4,214":2161,"4,215":2162,"4,216":2163,"4,217":2164,"4,218":2165,"4,219":2166,"4,221":2167,"4,223":2168,"4,224":2169,"4,225":2170,"4,226":2171,"4,227":2172,"4,228":2173,"4,229":2174,"4,230":2175,"4,231":2176,"4,232":2177,"4,233":2178,"4,234":2179,"4,235":2180,"4,236":2181,"4,237":2182,"4,238":2183,"4,239":2184,"4,240":2185,"4,242":2186,"4,243":2187,"4,244":2188,"4,245":2189,"4,246":2190,"4,247":2191,"4,248":2192,"4,249":2193,"4,250":2194,"4,251":2195,"4,252":2196,"4,253":2197,"4,254":2198,"4,255":2199,"4,256":2200,"4,257":2201,"4,258":2202,"4,259":2203,"4,260":2204,"4,261":2205,"4,262":2206,"4,263":2207,"4,264":2208,"4,265":2209,"4,267":2210,"4,269":2211,"4,270":2212,"4,271":2213,"4,272":2214,"4,273":2215,"4,274":2216,"4,275":2217,"4,276":2218,"4,277":2219,"4,278":2220,"4,279":2221,"4,280":2222,"4,281":2223,"4,282":2224,"4,283":2225,"4,284":2226,"4,285":2227,"4,286":2228,"4,287":2229,"4,288":2230,"4,289":2231,"4,290":2232,"4,291":2233,"4,292":2234,"4,293":2235,"4,294":2236,"4,295":2237,"4,296":2238,"4,297":2239,"4,298":2240,"4,299":2241,"4,300":2242,"4,301":2243,"4,302":2244,"4,303":2245,"4,304":2246,"4,305":2247,"4,306":2248,"4,307":2249,"4,308":2250,"4,309":2251,"4,310":2252,"4,311":2253,"4,312":2254,"4,313":2255,"4,314":2256,"4,315":2257,"4,316":2258,"4,317":2259,"4,318":2260,"4,319":2261,"4,320":2262,"4,321":2263,"4,322":2264,"4,323":2265,"4,324":2266,"4,325":2267,"4,326":2268,"4,327":2269,"4,328":2270,"4,329":2271,"4,330":2272,"4,331":2273,"4,333":2274,"4,335":2275,"4,336":2276,"4,337":2277,"4,338":2278,"4,339":2279,"4,340":2280,"4,341":2281,"4,342":2282,"4,343":2283,"4,344":2284,"4,345":2285,"4,346":2286,"4,347":2287,"4,348":2288,"4,349":2289,"4,350":2290,"4,351":2291,"4,352":2292,"4,353":2293,"4,354":2294,"4,355":2295,"4,356":2296,"4,357":2297,"4,358":2298,"4,359":2299,"4,360":2300,"4,361":2301,"4,362":2302,"4,363":2303,"4,364":2304,"4,365":2305,"4,366":2306,"4,367":2307,"4,368":2308,"4,369":2309,"4,370":2310,"4,371":2311,"4,372":2312,"4,373":2313,"4,374":2314,"4,375":2315,"4,376":2316,"4,377":2317,"4,378":2318,"4,379":2319,"4,380":2320,"4,381":2321,"4,382":2322,"4,383":2323,"4,384":2324,"4,385":2325,"4,386":2326,"4,387":2327,"4,388":2328,"4,389":2329,"4,390":2330,"4,391":2331,"4,392":2332,"4,393":2333,"4,394":2334,"4,395":2335,"4,396":2336,"4,397":2337,"4,398":2338,"4,399":2339,"4,400":2340,"4,401":2341,"4,402":2342,"4,403":2343,"4,404":2344,"4,405":2345,"4,406":2346,"4,407":2347,"4,408":2348,"4,409":2349,"4,410":2350,"4,411":2351,"4,412":2352,"4,413":2353,"4,414":2354,"4,415":2355,"4,416":2356,"4,417":2357,"4,418":2358,"4,419":2359,"4,420":2360,"4,421":2361,"4,422":2362,"4,423":2363,"4,424":2364,"4,425":2365,"4,426":2366,"4,427":2367,"4,428":2368,"4,429":2369,"4,430":2370,"4,431":2371,"4,432":2372,"4,433":2373,"4,434":2374,"4,435":2375,"4,437":2376,"4,439":2377,"4,440":2378,"4,441":2379,"4,442":2380,"4,443":2381,"4,444":2382,"4,445":2383,"4,446":2384,"4,447":2385,"4,448":2386,"4,449":2387,"4,450":2388,"4,451":2389,"4,452":2390,"4,454":2391,"4,455":2392,"4,456":2393,"4,457":2394,"4,458":2395,"4,459":2396,"4,460":2397,"4,461":2398,"4,462":2399,"4,463":2400,"4,464":2401,"4,465":2402,"4,466":2403,"4,467":2404,"4,468":2405,"4,469":2406,"4,470":2407,"4,472":2408,"4,473":2409,"4,474":2410,"4,475":2411,"4,476":2412,"4,477":2413,"4,478":2414,"4,479":2415,"4,480":2416,"4,481":2417,"4,482":2418,"4,483":2419,"4,484":2420,"4,485":2421,"4,486":2422,"4,487":2423,"4,488":2424,"4,489":2425,"4,490":2426,"4,491":2427,"4,492":2428,"4,493":2429,"4,495":2430,"4,497":2431,"4,498":2432,"4,499":2433,"4,500":2434,"4,501":2435,"4,502":2436,"4,503":2437,"4,504":2438,"4,505":2439,"4,506":2440,"4,508":2441,"4,509":2442,"4,510":2443,"4,511":2444,"4,512":2445,"4,513":2446,"4,514":2447,"4,515":2448,"4,516":2449,"4,517":2450,"4,518":2451,"4,519":2452,"4,520":2453,"4,521":2454,"4,522":2455,"4,523":2456,"4,524":2457,"4,525":2458,"4,526":2459,"4,527":2460,"4,528":2461,"4,529":2462,"4,530":2463,"4,531":2464,"4,532":2465,"4,533":2466,"4,534":2467,"4,535":2468,"4,536":2469,"4,537":2470,"4,538":2471,"4,539":2472,"4,540":2473,"4,541":2474,"4,542":2475,"4,543":2476,"4,544":2477,"4,545":2478,"4,546":2479,"4,547":2480,"4,548":2481,"4,549":2482,"4,550":2483,"4,551":2484,"4,552":2485,"4,553":2486,"4,554":2487,"5,3":2488,"5,5":2489,"5,6":2490,"5,7":2491,"5,8":2492,"5,9":2493,"5,10":2494,"5,11":2495,"5,12":2496,"5,13":2497,"5,14":2498,"5,15":2499,"5,16":2500,"5,17":2501,"5,18":2502,"5,19":2503,"5,20":2504,"5,21":2505,"5,22":2506,"5,23":2507,"5,24":2508,"5,25":2509,"5,26":2510,"5,27":2511,"5,28":2512,"5,29":2513,"5,30":2514,"5,31":2515,"5,32":2516,"5,33":2517,"5,34":2518,"5,35":2519,"5,36":2520,"5,37":2521,"5,39":2522,"5,41":2523,"5,42":2524,"5,43":2525,"5,44":2526,"5,45":2527,"5,46":2528,"5,47":2529,"5,48":2530,"5,49":2531,"5,50":2532,"5,51":2533,"5,52":2534,"5,53":2535,"5,54":2536,"5,55":2537,"5,56":2538,"5,57":2539,"5,58":2540,"5,59":2541,"5,60":2542,"5,61":2543,"5,62":2544,"5,63":2545,"5,64":2546,"5,65":2547,"5,66":2548,"5,67":2549,"5,68":2550,"5,69":2551,"5,70":2552,"5,71":2553,"5,72":2554,"5,73":2555,"5,74":2556,"5,75":2557,"5,76":2558,"5,77":2559,"5,78":2560,"5,79":2561,"5,80":2562,"5,81":2563,"5,83":2564,"5,85":2565,"5,86":2566,"5,87":2567,"5,88":2568,"5,89":2569,"5,90":2570,"5,91":2571,"5,92":2572,"5,93":2573,"5,94":2574,"5,95":2575,"5,96":2576,"5,97":2577,"5,98":2578,"5,99":2579,"5,100":2580,"5,101":2581,"5,102":2582,"5,104":2583,"5,105":2584,"5,106":2585,"5,107":2586,"5,108":2587,"5,109":2588,"5,110":2589,"5,111":2590,"5,112":2591,"5,113":2592,"5,114":2593,"5,115":2594,"5,116":2595,"5,117":2596,"5,119":2597,"5,121":2598,"5,122":2599,"5,123":2600,"5,124":2601,"5,125":2602,"5,126":2603,"5,127":2604,"5,128":2605,"5,129":2606,"5,130":2607,"5,131":2608,"5,132":2609,"5,133":2610,"5,134":2611,"5,135":2612,"5,136":2613,"5,137":2614,"5,138":2615,"5,139":2616,"5,140":2617,"5,141":2618,"5,142":2619,"5,143":2620,"5,144":2621,"5,145":2622,"5,146":2623,"5,147":2624,"5,148":2625,"5,149":2626,"5,150":2627,"5,151":2628,"5,152":2629,"5,153":2630,"5,154":2631,"5,155":2632,"5,156":2633,"5,157":2634,"5,158":2635,"5,159":2636,"5,160":2637,"5,161":2638,"5,162":2639,"5,163":2640,"5,164":2641,"5,165":2642,"5,166":2643,"5,167":2644,"5,168":2645,"5,169":2646,"5,170":2647,"5,171":2648,"5,172":2649,"5,173":2650,"5,174":2651,"5,175":2652,"5,176":2653,"5,177":2654,"5,178":2655,"5,179":2656,"5,180":2657,"5,181":2658,"5,182":2659,"5,183":2660,"5,184":2661,"5,185":2662,"5,186":2663,"5,187":2664,"5,188":2665,"5,189":2666,"5,190":2667,"5,191":2668,"5,192":2669,"5,193":2670,"5,194":2671,"5,195":2672,"5,196":2673,"5,197":2674,"5,198":2675,"5,199":2676,"5,200":2677,"5,201":2678,"5,202":2679,"5,203":2680,"5,204":2681,"5,205":2682,"5,206":2683,"5,207":2684,"5,208":2685,"5,209":2686,"5,210":2687,"5,211":2688,"5,212":2689,"5,213":2690,"5,214":2691,"5,215":2692,"5,216":2693,"5,217":2694,"5,218":2695,"5,219":2696,"5,220":2697,"5,221":2698,"5,222":2699,"5,223":2700,"5,224":2701,"5,225":2702,"5,226":2703,"5,227":2704,"5,228":2705,"5,229":2706,"5,230":2707,"5,231":2708,"5,232":2709,"5,233":2710,"5,234":2711,"5,235":2712,"5,236":2713,"5,237":2714,"5,238":2715,"5,239":2716,"5,240":2717,"5,241":2718,"5,242":2719,"5,243":2720,"5,244":2721,"5,245":2722,"5,246":2723,"5,247":2724,"5,248":2725,"5,249":2726,"5,250":2727,"5,251":2728,"5,252":2729,"5,253":2730,"5,254":2731,"5,255":2732,"5,256":2733,"5,257":2734,"5,258":2735,"5,259":2736,"5,260":2737,"5,261":2738,"5,262":2739,"5,263":2740,"5,264":2741,"5,266":2742,"5,267":2743,"5,268":2744,"5,269":2745,"5,270":2746,"5,271":2747,"5,272":2748,"5,273":2749,"5,274":2750,"5,275":2751,"5,276":2752,"5,277":2753,"5,278":2754,"5,279":2755,"5,280":2756,"5,281":2757,"5,282":2758,"5,283":2759,"5,284":2760,"5,285":2761,"5,286":2762,"5,287":2763,"5,288":2764,"5,289":2765,"5,290":2766,"5,291":2767,"5,292":2768,"5,293":2769,"5,294":2770,"5,295":2771,"5,296":2772,"5,297":2773,"5,298":2774,"5,299":2775,"5,300":2776,"5,301":2777,"5,302":2778,"5,303":2779,"5,304":2780,"5,305":2781,"5,306":2782,"5,307":2783,"5,308":2784,"5,309":2785,"5,310":2786,"5,311":2787,"5,312":2788,"5,313":2789,"5,314":2790,"5,315":2791,"5,316":2792,"5,317":2793,"5,318":2794,"5,319":2795,"5,320":2796,"5,321":2797,"5,322":2798,"5,323":2799,"5,324":2800,"5,325":2801,"5,326":2802,"5,327":2803,"5,328":2804,"5,329":2805,"5,330":2806,"5,331":2807,"5,332":2808,"5,333":2809,"5,334":2810,"5,335":2811,"5,336":2812,"5,337":2813,"5,338":2814,"5,339":2815,"5,340":2816,"5,341":2817,"5,342":2818,"5,343":2819,"5,344":2820,"5,345":2821,"5,346":2822,"5,347":2823,"5,348":2824,"5,349":2825,"5,350":2826,"5,351":2827,"5,352":2828,"5,353":2829,"5,354":2830,"5,355":2831,"5,356":2832,"5,357":2833,"5,358":2834,"5,359":2835,"5,360":2836,"5,361":2837,"5,362":2838,"5,363":2839,"5,364":2840,"5,365":2841,"5,366":2842,"5,367":2843,"5,368":2844,"5,369":2845,"5,370":2846,"5,371":2847,"5,372":2848,"5,373":2849,"5,374":2850,"5,375":2851,"5,376":2852,"5,377":2853,"5,378":2854,"5,379":2855,"5,380":2856,"5,381":2857,"5,382":2858,"5,383":2859,"5,384":2860,"5,385":2861,"5,386":2862,"5,387":2863,"5,388":2864,"5,389":2865,"5,390":2866,"5,391":2867,"5,392":2868,"5,393":2869,"5,394":2870,"5,395":2871,"5,396":2872,"5,397":2873,"5,398":2874,"5,399":2875,"5,400":2876,"5,401":2877,"5,402":2878,"5,403":2879,"5,404":2880,"5,405":2881,"5,406":2882,"5,407":2883,"5,408":2884,"5,409":2885,"5,410":2886,"5,411":2887,"5,412":2888,"5,413":2889,"5,414":2890,"5,415":2891,"5,416":2892,"5,417":2893,"5,419":2894,"5,421":2895,"5,422":2896,"5,423":2897,"5,424":2898,"5,425":2899,"5,426":2900,"5,427":2901,"5,428":2902,"5,429":2903,"5,430":2904,"5,431":2905,"5,432":2906,"5,433":2907,"5,434":2908,"5,435":2909,"5,436":2910,"5,437":2911,"5,438":2912,"5,439":2913,"5,440":2914,"5,441":2915,"5,442":2916,"5,443":2917,"5,444":2918,"5,445":2919,"5,446":2920,"5,447":2921,"5,448":2922,"5,449":2923,"5,450":2924,"5,451":2925,"5,452":2926,"5,453":2927,"5,454":2928,"5,455":2929,"5,456":2930,"5,457":2931,"5,458":2932,"5,459":2933,"5,460":2934,"5,461":2935,"5,462":2936,"5,463":2937,"5,464":2938,"5,466":2939,"5,467":2940,"5,468":2941,"5,469":2942,"5,470":2943,"5,471":2944,"5,472":2945,"5,473":2946,"5,474":2947,"5,475":2948,"5,476":2949,"5,477":2950,"5,478":2951,"5,479":2952,"5,480":2953,"5,481":2954,"5,482":2955,"5,483":2956,"5,484":2957,"5,485":2958,"5,486":2959,"5,487":2960,"5,488":2961,"5,489":2962,"5,490":2963,"5,491":2964,"5,492":2965,"5,493":2966,"5,494":2967,"5,495":2968,"5,496":2969,"5,497":2970,"5,498":2971,"5,499":2972,"5,500":2973,"5,501":2974,"5,502":2975,"5,503":2976,"6,3":2977,"6,5":2978,"6,6":2979,"6,7":2980,"6,8":2981,"6,9":2982,"6,10":2983,"6,11":2984,"6,12":2985,"6,13":2986,"6,14":2987,"6,15":2988,"6,16":2989,"6,17":2990,"6,18":2991,"6,19":2992,"6,20":2993,"6,21":2994,"6,22":2995,"6,23":2996,"6,24":2997,"6,25":2998,"6,26":2999,"6,27":3000,"6,28":3001,"6,29":3002,"6,30":3003,"6,31":3004,"6,32":3005,"6,33":3006,"6,34":3007,"6,35":3008,"6,36":3009,"6,37":3010,"6,38":3011,"6,39":3012,"6,40":3013,"6,41":3014,"6,42":3015,"6,43":3016,"6,44":3017,"6,45":3018,"6,46":3019,"6,47":3020,"6,48":3021,"6,49":3022,"6,50":3023,"6,51":3024,"6,52":3025,"6,53":3026,"6,54":3027,"6,55":3028,"6,56":3029,"6,57":3030,"6,58":3031,"6,59":3032,"6,60":3033,"6,61":3034,"6,62":3035,"6,63":3036,"6,64":3037,"6,65":3038,"6,66":3039,"6,67":3040,"6,68":3041,"6,69":3042,"6,70":3043,"6,71":3044,"6,72":3045,"6,73":3046,"6,74":3047,"6,75":3048,"6,76":3049,"6,77":3050,"6,78":3051,"6,79":3052,"6,80":3053,"6,81":3054,"6,82":3055,"6,83":3056,"6,84":3057,"6,85":3058,"6,86":3059,"6,87":3060,"6,88":3061,"6,89":3062,"6,90":3063,"6,91":3064,"6,92":3065,"6,93":3066,"6,94":3067,"6,95":3068,"6,96":3069,"6,97":3070,"6,98":3071,"6,99":3072,"6,100":3073,"6,101":3074,"6,102":3075,"6,103":3076,"6,104":3077,"6,105":3078,"6,106":3079,"6,107":3080,"6,108":3081,"6,109":3082,"6,110":3083,"6,111":3084,"6,112":3085,"6,113":3086,"6,114":3087,"6,115":3088,"6,116":3089,"6,117":3090,"6,118":3091,"6,119":3092,"6,120":3093,"6,121":3094,"6,122":3095,"6,123":3096,"6,124":3097,"6,125":3098,"6,126":3099,"6,127":3100,"6,128":3101,"6,129":3102,"6,131":3103,"6,133":3104,"6,134":3105,"6,135":3106,"6,136":3107,"6,137":3108,"6,138":3109,"6,139":3110,"6,140":3111,"6,141":3112,"6,142":3113,"6,143":3114,"6,144":3115,"6,145":3116,"6,146":3117,"6,147":3118,"6,148":3119,"6,149":3120,"6,150":3121,"6,151":3122,"6,152":3123,"6,153":3124,"6,154":3125,"6,155":3126,"6,156":3127,"6,157":3128,"6,158":3129,"6,159":3130,"6,160":3131,"6,161":3132,"6,162":3133,"6,163":3134,"6,164":3135,"6,165":3136,"6,166":3137,"6,167":3138,"6,168":3139,"6,169":3140,"6,170":3141,"6,171":3142,"6,172":3143,"6,173":3144,"6,174":3145,"6,175":3146,"6,176":3147,"6,177":3148,"6,178":3149,"6,179":3150,"6,180":3151,"6,181":3152,"6,182":3153,"6,183":3154,"6,184":3155,"6,185":3156,"6,186":3157,"6,187":3158,"6,188":3159,"6,189":3160,"6,190":3161,"6,191":3162,"6,192":3163,"6,193":3164,"6,194":3165,"6,195":3166,"6,196":3167,"6,197":3168,"6,198":3169,"6,199":3170,"6,200":3171,"6,201":3172,"6,202":3173,"6,203":3174,"6,204":3175,"6,205":3176,"6,206":3177,"6,207":3178,"6,208":3179,"6,209":3180,"6,210":3181,"6,211":3182,"6,212":3183,"6,213":3184,"6,214":3185,"6,215":3186,"6,216":3187,"6,217":3188,"6,218":3189,"6,219":3190,"6,220":3191,"6,221":3192,"6,222":3193,"6,223":3194,"6,224":3195,"6,225":3196,"6,226":3197,"6,227":3198,"6,228":3199,"6,229":3200,"6,230":3201,"6,231":3202,"6,232":3203,"6,233":3204,"6,234":3205,"6,235":3206,"6,236":3207,"6,237":3208,"6,238":3209,"6,240":3210,"6,241":3211,"6,242":3212,"6,243":3213,"6,244":3214,"6,245":3215,"6,246":3216,"6,247":3217,"6,248":3218,"6,249":3219,"6,250":3220,"6,251":3221,"6,252":3222,"6,253":3223,"6,254":3224,"6,255":3225,"6,256":3226,"6,257":3227,"6,258":3228,"6,259":3229,"6,260":3230,"6,261":3231,"6,262":3232,"6,263":3233,"6,264":3234,"6,265":3235,"6,266":3236,"6,267":3237,"6,268":3238,"6,269":3239,"6,270":3240,"6,271":3241,"6,272":3242,"6,273":3243,"6,275":3244,"6,277":3245,"6,278":3246,"6,279":3247,"6,280":3248,"6,281":3249,"6,282":3250,"6,283":3251,"6,284":3252,"6,285":3253,"6,286":3254,"6,287":3255,"6,288":3256,"6,289":3257,"6,290":3258,"6,291":3259,"6,292":3260,"6,293":3261,"6,294":3262,"6,295":3263,"6,296":3264,"6,297":3265,"6,298":3266,"6,299":3267,"6,300":3268,"6,301":3269,"6,302":3270,"6,303":3271,"6,304":3272,"6,305":3273,"6,306":3274,"6,307":3275,"6,308":3276,"6,309":3277,"6,310":3278,"6,311":3279,"6,312":3280,"6,313":3281,"6,314":3282,"6,315":3283,"6,316":3284,"6,317":3285,"6,318":3286,"6,319":3287,"6,320":3288,"6,321":3289,"6,322":3290,"6,323":3291,"6,324":3292,"6,325":3293,"6,326":3294,"6,327":3295,"6,328":3296,"6,329":3297,"6,330":3298,"6,331":3299,"6,332":3300,"6,333":3301,"6,334":3302,"6,335":3303,"6,336":3304,"6,337":3305,"6,338":3306,"6,339":3307,"6,340":3308,"6,341":3309,"6,342":3310,"6,343":3311,"6,344":3312,"6,345":3313,"6,346":3314,"6,347":3315,"6,348":3316,"6,349":3317,"6,350":3318,"6,351":3319,"6,352":3320,"6,353":3321,"6,354":3322,"6,355":3323,"6,356":3324,"6,357":3325,"6,358":3326,"6,359":3327,"6,360":3328,"6,361":3329,"6,362":3330,"6,363":3331,"6,364":3332,"6,365":3333,"6,366":3334,"6,367":3335,"6,368":3336,"6,369":3337,"6,370":3338,"6,371":3339,"6,372":3340,"6,373":3341,"6,374":3342,"6,375":3343,"6,376":3344,"6,377":3345,"6,378":3346,"6,379":3347,"6,380":3348,"6,381":3349,"6,382":3350,"6,383":3351,"6,384":3352,"6,385":3353,"6,386":3354,"6,387":3355,"6,388":3356,"6,389":3357,"6,390":3358,"6,391":3359,"6,392":3360,"6,393":3361,"6,394":3362,"6,395":3363,"6,396":3364,"6,397":3365,"6,398":3366,"6,399":3367,"6,400":3368,"6,401":3369,"6,402":3370,"6,404":3371,"6,405":3372,"6,406":3373,"6,407":3374,"6,408":3375,"6,409":3376,"6,410":3377,"6,411":3378,"6,412":3379,"6,413":3380,"6,414":3381,"6,415":3382,"6,417":3383,"6,419":3384,"6,420":3385,"6,421":3386,"6,422":3387,"6,423":3388,"6,425":3389,"6,427":3390,"6,428":3391,"6,429":3392,"6,430":3393,"6,431":3394,"6,432":3395,"6,433":3396,"6,434":3397,"6,435":3398,"6,436":3399,"6,437":3400,"6,438":3401,"6,439":3402,"6,440":3403,"6,441":3404,"6,442":3405,"6,443":3406,"6,444":3407,"6,445":3408,"6,447":3409,"6,449":3410,"6,450":3411,"6,451":3412,"6,452":3413,"6,453":3414,"6,454":3415,"6,455":3416,"6,456":3417,"6,457":3418,"6,458":3419,"6,459":3420,"6,460":3421,"6,461":3422,"6,462":3423,"6,463":3424,"6,464":3425,"6,465":3426,"6,466":3427,"6,467":3428,"6,468":3429,"6,469":3430,"6,470":3431,"6,471":3432,"6,472":3433,"6,473":3434,"6,474":3435,"6,475":3436,"6,476":3437,"6,477":3438,"6,478":3439,"6,479":3440,"6,480":3441,"6,481":3442,"6,482":3443,"6,483":3444,"6,484":3445,"6,485":3446,"6,486":3447,"6,487":3448,"6,488":3449,"6,489":3450,"6,490":3451,"6,491":3452,"6,492":3453,"6,493":3454,"6,494":3455,"6,495":3456,"6,496":3457,"6,497":3458,"6,498":3459,"6,499":3460,"6,500":3461,"6,501":3462,"6,502":3463,"6,503":3464,"6,504":3465,"6,505":3466,"6,506":3467,"6,507":3468,"6,508":3469,"6,509":3470,"6,510":3471,"6,511":3472,"6,512":3473,"6,513":3474,"6,514":3475,"6,515":3476,"6,516":3477,"6,517":3478,"6,518":3479,"6,519":3480,"6,520":3481,"6,521":3482,"6,522":3483,"6,523":3484,"6,524":3485,"6,525":3486,"6,526":3487,"6,527":3488,"6,528":3489,"6,529":3490,"6,530":3491,"6,531":3492,"6,532":3493,"6,533":3494,"6,534":3495,"6,535":3496,"6,536":3497,"6,537":3498,"6,538":3499,"6,539":3500,"6,540":3501,"6,541":3502,"6,542":3503,"6,543":3504,"6,544":3505,"6,545":3506,"6,546":3507,"6,547":3508,"6,548":3509,"6,549":3510,"6,550":3511,"6,551":3512,"6,552":3513,"6,553":3514,"6,554":3515,"6,555":3516,"6,556":3517,"6,557":3518,"6,558":3519,"6,559":3520,"6,560":3521,"6,561":3522,"6,562":3523,"6,563":3524,"6,564":3525,"6,565":3526,"6,566":3527,"6,567":3528,"6,568":3529,"6,569":3530,"6,570":3531,"6,571":3532,"6,572":3533,"6,573":3534,"6,574":3535,"6,575":3536,"6,576":3537,"6,577":3538,"6,578":3539,"6,579":3540,"6,580":3541,"6,581":3542,"6,582":3543,"6,583":3544,"6,584":3545,"6,585":3546,"6,586":3547,"6,587":3548,"6,588":3549,"6,589":3550,"6,590":3551,"6,591":3552,"6,592":3553,"6,593":3554,"6,594":3555,"6,595":3556,"6,596":3557,"6,597":3558,"6,598":3559,"6,599":3560,"6,600":3561,"6,601":3562,"6,602":3563,"6,603":3564,"7,3":3565,"7,5":3566,"7,6":3567,"7,7":3568,"7,8":3569,"7,9":3570,"7,10":3571,"7,11":3572,"7,12":3573,"7,13":3574,"7,14":3575,"7,15":3576,"7,16":3577,"7,17":3578,"7,18":3579,"7,19":3580,"7,20":3581,"7,21":3582,"7,22":3583,"7,23":3584,"7,24":3585,"7,25":3586,"7,26":3587,"7,27":3588,"7,28":3589,"7,29":3590,"7,30":3591,"7,31":3592,"7,32":3593,"7,33":3594,"7,34":3595,"7,35":3596,"7,36":3597,"7,37":3598,"7,38":3599,"7,39":3600,"7,40":3601,"7,41":3602,"7,42":3603,"7,43":3604,"7,44":3605,"7,45":3606,"7,46":3607,"7,47":3608,"7,48":3609,"7,49":3610,"7,50":3611,"7,51":3612,"7,52":3613,"7,53":3614,"7,54":3615,"7,55":3616,"7,56":3617,"7,57":3618,"7,58":3619,"7,59":3620,"7,60":3621,"7,61":3622,"7,62":3623,"7,63":3624,"7,64":3625,"7,65":3626,"7,66":3627,"7,67":3628,"7,68":3629,"7,69":3630,"7,70":3631,"7,71":3632,"7,72":3633,"7,73":3634,"7,74":3635,"7,75":3636,"7,76":3637,"7,77":3638,"7,78":3639,"7,79":3640,"7,80":3641,"7,81":3642,"7,82":3643,"7,83":3644,"7,84":3645,"7,85":3646,"7,86":3647,"7,87":3648,"7,88":3649,"7,89":3650,"7,90":3651,"7,91":3652,"7,92":3653,"7,93":3654,"7,94":3655,"7,95":3656,"7,96":3657,"7,97":3658,"7,98":3659,"7,99":3660,"7,100":3661,"7,101":3662,"7,102":3663,"7,103":3664,"7,104":3665,"7,105":3666,"7,106":3667,"7,107":3668,"7,108":3669,"7,109":3670,"7,110":3671,"7,111":3672,"7,112":3673,"7,113":3674,"7,114":3675,"7,115":3676,"7,116":3677,"7,117":3678,"7,118":3679,"7,119":3680,"7,120":3681,"7,121":3682,"7,122":3683,"7,123":3684,"7,124":3685,"7,125":3686,"7,126":3687,"7,127":3688,"7,128":3689,"7,129":3690,"7,130":3691,"7,131":3692,"7,132":3693,"7,133":3694,"7,134":3695,"7,135":3696,"7,136":3697,"7,137":3698,"7,138":3699,"7,139":3700,"7,140":3701,"7,141":3702,"7,142":3703,"7,143":3704,"7,144":3705,"7,145":3706,"7,146":3707,"7,147":3708,"7,148":3709,"7,149":3710,"7,150":3711,"7,151":3712,"7,152":3713,"7,153":3714,"7,154":3715,"7,155":3716,"7,156":3717,"7,157":3718,"7,158":3719,"7,159":3720,"7,160":3721,"7,161":3722,"7,162":3723,"7,163":3724,"7,164":3725,"7,165":3726,"7,166":3727,"7,167":3728,"7,168":3729,"7,169":3730,"7,170":3731,"7,171":3732,"7,172":3733,"7,173":3734,"7,174":3735,"7,175":3736,"7,176":3737,"7,177":3738,"7,178":3739,"7,179":3740,"7,180":3741,"7,181":3742,"7,182":3743,"7,183":3744,"7,184":3745,"7,185":3746,"7,186":3747,"7,187":3748,"7,188":3749,"7,189":3750,"7,190":3751,"7,191":3752,"7,192":3753,"7,193":3754,"7,194":3755,"7,195":3756,"7,196":3757,"7,197":3758,"7,198":3759,"7,199":3760,"7,200":3761,"7,201":3762,"7,202":3763,"7,203":3764,"7,204":3765,"7,205":3766,"7,206":3767,"7,207":3768,"7,208":3769,"7,209":3770,"7,210":3771,"7,211":3772,"7,212":3773,"7,213":3774,"7,214":3775,"7,215":3776,"7,216":3777,"7,217":3778,"7,218":3779,"7,219":3780,"7,220":3781,"7,221":3782,"7,222":3783,"7,223":3784,"7,224":3785,"7,225":3786,"7,226":3787,"7,227":3788,"7,228":3789,"7,229":3790,"7,230":3791,"7,231":3792,"7,232":3793,"7,233":3794,"7,234":3795,"7,235":3796,"7,236":3797,"7,237":3798,"7,238":3799,"7,239":3800,"7,240":3801,"7,241":3802,"7,242":3803,"7,243":3804,"7,244":3805,"7,245":3806,"7,246":3807,"7,247":3808,"7,248":3809,"7,249":3810,"7,250":3811,"7,251":3812,"7,252":3813,"7,253":3814,"7,254":3815,"7,255":3816,"7,256":3817,"7,257":3818,"7,258":3819,"7,259":3820,"7,260":3821,"7,261":3822,"7,262":3823,"7,263":3824,"7,264":3825,"7,265":3826,"7,266":3827,"7,267":3828,"7,268":3829,"7,269":3830,"7,270":3831,"7,271":3832,"7,273":3833,"7,275":3834,"7,276":3835,"7,277":3836,"7,278":3837,"7,279":3838,"7,280":3839,"7,281":3840,"7,282":3841,"7,283":3842,"7,284":3843,"7,285":3844,"7,286":3845,"7,287":3846,"7,288":3847,"7,289":3848,"7,290":3849,"7,291":3850,"7,292":3851,"7,293":3852,"7,294":3853,"7,295":3854,"7,296":3855,"7,297":3856,"7,298":3857,"7,299":3858,"7,300":3859,"7,301":3860,"7,302":3861,"7,303":3862,"7,304":3863,"7,305":3864,"7,306":3865,"7,307":3866,"7,308":3867,"7,309":3868,"7,310":3869,"7,311":3870,"7,312":3871,"7,313":3872,"7,314":3873,"7,315":3874,"7,316":3875,"7,317":3876,"7,318":3877,"7,319":3878,"7,320":3879,"7,321":3880,"7,322":3881,"7,323":3882,"7,324":3883,"7,325":3884,"7,326":3885,"7,327":3886,"7,328":3887,"7,329":3888,"7,330":3889,"7,331":3890,"7,332":3891,"7,333":3892,"7,334":3893,"7,335":3894,"7,336":3895,"7,337":3896,"7,338":3897,"7,339":3898,"7,340":3899,"7,341":3900,"7,342":3901,"7,343":3902,"7,344":3903,"7,345":3904,"7,346":3905,"7,347":3906,"7,348":3907,"7,349":3908,"7,350":3909,"7,351":3910,"7,352":3911,"7,353":3912,"7,354":3913,"7,355":3914,"7,356":3915,"7,357":3916,"7,358":3917,"7,359":3918,"7,360":3919,"7,361":3920,"7,362":3921,"7,363":3922,"7,364":3923,"7,365":3924,"7,366":3925,"7,367":3926,"7,368":3927,"7,369":3928,"7,370":3929,"7,371":3930,"7,372":3931,"7,373":3932,"7,374":3933,"7,375":3934,"7,376":3935,"7,377":3936,"7,378":3937,"7,379":3938,"7,380":3939,"7,381":3940,"7,382":3941,"7,383":3942,"7,384":3943,"7,385":3944,"7,386":3945,"7,387":3946,"7,388":3947,"7,389":3948,"7,390":3949,"7,391":3950,"7,392":3951,"7,393":3952,"7,394":3953,"7,395":3954,"7,396":3955,"7,397":3956,"7,398":3957,"7,399":3958,"7,400":3959,"7,401":3960,"7,402":3961,"7,403":3962,"7,404":3963,"7,405":3964,"7,406":3965,"7,407":3966,"7,408":3967,"7,409":3968,"7,410":3969,"7,411":3970,"7,412":3971,"7,413":3972,"7,414":3973,"7,415":3974,"7,416":3975,"7,417":3976,"7,418":3977,"7,419":3978,"7,420":3979,"7,421":3980,"7,423":3981,"7,425":3982,"7,426":3983,"7,427":3984,"7,428":3985,"7,429":3986,"7,430":3987,"7,431":3988,"7,432":3989,"7,433":3990,"7,434":3991,"7,435":3992,"7,436":3993,"7,437":3994,"7,438":3995,"7,439":3996,"7,440":3997,"7,441":3998,"7,442":3999,"7,443":4000,"7,444":4001,"7,445":4002,"7,446":4003,"7,447":4004,"7,448":4005,"7,449":4006,"7,450":4007,"7,451":4008,"7,452":4009,"7,453":4010,"7,454":4011,"7,455":4012,"7,456":4013,"7,457":4014,"7,458":4015,"7,459":4016,"7,460":4017,"7,461":4018,"7,463":4019,"7,465":4020,"7,466":4021,"7,467":4022,"7,468":4023,"7,469":4024,"7,470":4025,"7,471":4026,"7,472":4027,"7,473":4028,"7,474":4029,"7,475":4030,"7,476":4031,"7,477":4032,"7,478":4033,"7,479":4034,"7,480":4035,"7,481":4036,"7,482":4037,"7,483":4038,"7,485":4039,"7,487":4040,"7,488":4041,"7,489":4042,"7,490":4043,"7,491":4044,"7,492":4045,"7,493":4046,"7,494":4047,"7,495":4048,"7,496":4049,"7,497":4050,"7,498":4051,"7,499":4052,"7,500":4053,"7,501":4054,"7,502":4055,"7,503":4056,"7,504":4057,"7,505":4058,"7,506":4059,"7,507":4060,"7,508":4061,"7,509":4062,"7,510":4063,"7,511":4064,"7,512":4065,"7,513":4066,"7,514":4067,"7,515":4068,"7,516":4069,"7,517":4070,"7,518":4071,"7,519":4072,"7,520":4073,"7,521":4074,"7,522":4075,"7,523":4076,"7,524":4077,"7,525":4078,"7,526":4079,"7,527":4080,"7,528":4081,"7,529":4082,"7,530":4083,"7,531":4084,"7,532":4085,"7,533":4086,"7,534":4087,"7,535":4088,"7,536":4089,"7,537":4090,"7,538":4091,"7,539":4092,"7,540":4093,"7,541":4094,"7,542":4095,"7,543":4096,"7,544":4097,"7,545":4098,"7,546":4099,"7,547":4100,"7,548":4101,"7,549":4102,"7,550":4103,"7,551":4104,"7,552":4105,"7,553":4106,"7,554":4107,"7,555":4108,"7,556":4109,"7,557":4110,"7,558":4111,"7,559":4112,"7,560":4113,"7,561":4114,"7,562":4115,"7,563":4116,"7,564":4117,"7,565":4118,"7,566":4119,"7,567":4120,"7,568":4121,"7,569":4122,"7,570":4123,"8,3":4124,"8,5":4125,"8,6":4126,"8,7":4127,"8,8":4128,"8,9":4129,"8,10":4130,"8,11":4131,"8,12":4132,"8,13":4133,"8,14":4134,"8,15":4135,"8,17":4136,"8,19":4137,"8,20":4138,"8,21":4139,"8,22":4140,"8,23":4141,"8,24":4142,"8,25":4143,"8,26":4144,"8,27":4145,"8,28":4146,"8,29":4147,"8,30":4148,"8,31":4149,"8,32":4150,"8,33":4151,"8,34":4152,"8,35":4153,"8,36":4154,"8,37":4155,"8,38":4156,"8,39":4157,"8,40":4158,"8,41":4159,"8,42":4160,"8,43":4161,"8,44":4162,"8,45":4163,"8,46":4164,"8,47":4165,"8,48":4166,"8,49":4167,"8,50":4168,"8,51":4169,"8,52":4170,"8,53":4171,"8,54":4172,"8,55":4173,"8,56":4174,"8,57":4175,"8,58":4176,"8,59":4177,"8,60":4178,"8,61":4179,"8,62":4180,"8,63":4181,"8,64":4182,"8,65":4183,"8,66":4184,"8,67":4185,"8,68":4186,"8,69":4187,"8,70":4188,"8,71":4189,"8,72":4190,"8,73":4191,"8,74":4192,"8,75":4193,"8,76":4194,"8,77":4195,"8,78":4196,"8,79":4197,"8,80":4198,"8,81":4199,"8,82":4200,"8,83":4201,"8,84":4202,"8,85":4203,"8,86":4204,"8,87":4205,"8,88":4206,"8,89":4207,"8,90":4208,"8,91":4209,"8,92":4210,"8,93":4211,"8,94":4212,"8,95":4213,"8,96":4214,"8,98":4215,"8,99":4216,"8,100":4217,"8,101":4218,"8,102":4219,"8,103":4220,"8,104":4221,"8,105":4222,"8,106":4223,"8,107":4224,"8,108":4225,"8,109":4226,"8,110":4227,"8,111":4228,"8,112":4229,"8,113":4230,"8,114":4231,"8,115":4232,"8,116":4233,"8,117":4234,"8,118":4235,"8,119":4236,"8,120":4237,"8,121":4238,"8,122":4239,"8,123":4240,"8,124":4241,"8,125":4242,"8,126":4243,"8,127":4244,"8,128":4245,"8,129":4246,"8,130":4247,"8,131":4248,"8,132":4249,"8,133":4250,"8,134":4251,"8,135":4252,"8,136":4253,"8,137":4254,"8,138":4255,"8,139":4256,"8,140":4257,"8,141":4258,"8,142":4259,"8,143":4260,"8,144":4261,"8,145":4262,"8,146":4263,"8,147":4264,"8,148":4265,"8,149":4266,"8,150":4267,"8,151":4268,"8,152":4269,"8,153":4270,"8,154":4271,"8,155":4272,"8,156":4273,"8,157":4274,"8,158":4275,"8,159":4276,"8,160":4277,"8,161":4278,"8,162":4279,"8,164":4280,"8,165":4281,"8,166":4282,"8,167":4283,"8,168":4284,"8,169":4285,"8,170":4286,"8,171":4287,"8,172":4288,"8,173":4289,"8,174":4290,"8,175":4291,"8,176":4292,"8,177":4293,"8,178":4294,"8,179":4295,"8,180":4296,"8,181":4297,"8,182":4298,"8,183":4299,"8,184":4300,"8,185":4301,"8,186":4302,"8,187":4303,"8,188":4304,"8,189":4305,"8,190":4306,"8,191":4307,"8,192":4308,"8,193":4309,"8,194":4310,"8,195":4311,"8,196":4312,"8,197":4313,"8,198":4314,"8,199":4315,"8,200":4316,"8,201":4317,"8,202":4318,"8,203":4319,"8,204":4320,"8,205":4321,"8,206":4322,"8,207":4323,"8,208":4324,"8,209":4325,"8,210":4326,"8,211":4327,"8,212":4328,"8,213":4329,"8,214":4330,"8,215":4331,"8,216":4332,"8,217":4333,"8,218":4334,"8,219":4335,"8,220":4336,"8,221":4337,"8,222":4338,"8,223":4339,"8,224":4340,"8,225":4341,"8,226":4342,"8,227":4343,"8,228":4344,"8,229":4345,"8,230":4346,"8,231":4347,"8,232":4348,"8,233":4349,"8,234":4350,"8,236":4351,"8,237":4352,"8,238":4353,"8,239":4354,"8,240":4355,"8,241":4356,"8,242":4357,"8,243":4358,"8,244":4359,"8,245":4360,"8,246":4361,"8,247":4362,"8,248":4363,"8,249":4364,"8,250":4365,"8,251":4366,"8,252":4367,"8,253":4368,"8,254":4369,"8,255":4370,"8,256":4371,"8,257":4372,"8,258":4373,"8,259":4374,"8,260":4375,"8,261":4376,"8,262":4377,"8,263":4378,"8,264":4379,"8,265":4380,"8,266":4381,"8,267":4382,"8,268":4383,"8,269":4384,"8,270":4385,"8,271":4386,"8,272":4387,"8,273":4388,"8,274":4389,"8,275":4390,"8,276":4391,"8,277":4392,"8,278":4393,"8,279":4394,"8,280":4395,"8,281":4396,"8,282":4397,"8,283":4398,"8,284":4399,"8,285":4400,"8,286":4401,"8,287":4402,"8,288":4403,"8,289":4404,"8,290":4405,"8,291":4406,"8,292":4407,"8,293":4408,"8,294":4409,"8,295":4410,"8,296":4411,"8,297":4412,"8,298":4413,"8,299":4414,"8,300":4415,"8,301":4416,"8,302":4417,"8,303":4418,"8,304":4419,"8,305":4420,"8,306":4421,"8,307":4422,"8,308":4423,"8,309":4424,"8,310":4425,"8,311":4426,"8,312":4427,"8,313":4428,"8,314":4429,"8,315":4430,"8,316":4431,"8,317":4432,"8,318":4433,"8,319":4434,"8,320":4435,"8,321":4436,"8,322":4437,"8,323":4438,"8,324":4439,"8,325":4440,"8,326":4441,"8,327":4442,"8,328":4443,"8,329":4444,"8,330":4445,"8,331":4446,"8,332":4447,"8,333":4448,"8,334":4449,"8,335":4450,"8,336":4451,"8,337":4452,"8,338":4453,"8,339":4454,"8,340":4455,"8,341":4456,"8,342":4457,"8,343":4458,"8,344":4459,"8,345":4460,"8,346":4461,"8,347":4462,"8,348":4463,"8,349":4464,"8,350":4465,"8,351":4466,"8,352":4467,"8,353":4468,"8,354":4469,"8,355":4470,"8,356":4471,"8,357":4472,"8,358":4473,"8,359":4474,"8,360":4475,"8,361":4476,"8,362":4477,"8,363":4478,"8,364":4479,"8,365":4480,"8,366":4481,"8,367":4482,"8,368":4483,"8,369":4484,"8,371":4485,"8,373":4486,"8,374":4487,"8,375":4488,"8,376":4489,"8,377":4490,"8,378":4491,"8,379":4492,"8,380":4493,"8,381":4494,"8,382":4495,"8,383":4496,"8,384":4497,"8,385":4498,"8,386":4499,"8,387":4500,"8,388":4501,"8,389":4502,"8,390":4503,"8,391":4504,"8,392":4505,"8,393":4506,"8,394":4507,"8,395":4508,"8,396":4509,"8,397":4510,"8,398":4511,"8,399":4512,"8,400":4513,"8,401":4514,"8,402":4515,"8,403":4516,"8,404":4517,"8,405":4518,"8,406":4519,"8,407":4520,"8,408":4521,"8,409":4522,"8,410":4523,"8,411":4524,"8,412":4525,"8,413":4526,"8,414":4527,"8,415":4528,"8,416":4529,"8,417":4530,"8,418":4531,"8,419":4532,"8,420":4533,"8,421":4534,"8,422":4535,"8,423":4536,"8,424":4537,"8,425":4538,"8,426":4539,"8,427":4540,"8,428":4541,"8,429":4542,"8,430":4543,"8,431":4544,"8,432":4545,"8,433":4546,"8,434":4547,"8,435":4548,"8,436":4549,"8,437":4550,"8,438":4551,"8,439":4552,"8,440":4553,"8,441":4554,"8,442":4555,"8,443":4556,"8,444":4557,"8,445":4558,"8,446":4559,"8,447":4560,"8,448":4561,"8,449":4562,"8,450":4563,"8,451":4564,"8,452":4565,"8,453":4566,"8,454":4567,"8,455":4568,"8,456":4569,"8,457":4570,"8,458":4571,"8,459":4572,"8,460":4573,"8,461":4574,"8,462":4575,"8,463":4576,"8,464":4577,"8,465":4578,"8,466":4579,"8,467":4580,"8,468":4581,"8,469":4582,"8,470":4583,"8,471":4584,"8,472":4585,"8,473":4586,"8,474":4587,"8,475":4588,"8,476":4589,"8,477":4590,"8,478":4591,"8,479":4592,"8,480":4593,"8,481":4594,"8,483":4595,"8,485":4596,"8,486":4597,"8,487":4598,"8,488":4599,"8,489":4600,"8,490":4601,"8,491":4602,"8,492":4603,"8,493":4604,"8,494":4605,"8,495":4606,"8,496":4607,"8,497":4608,"8,498":4609,"8,499":4610,"8,500":4611,"8,501":4612,"8,502":4613,"8,503":4614,"8,504":4615,"8,505":4616,"8,506":4617,"8,507":4618,"8,508":4619,"8,509":4620,"8,510":4621,"8,511":4622,"8,512":4623,"8,513":4624,"8,514":4625},"ٜ":{"1":[5,614],"2":[3,689],"3":[3,684],"4":[3,554],"5":[3,503],"6":[3,603],"7":[3,570],"8":[3,514]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,419","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,523","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","2,3","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,179","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,379","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,631","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,665","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,680","2,681","2,682","2,683","2,684","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","3,3","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,91","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,245","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,538","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,544","3,545","3,546","3,547","3,548","3,549","3,550","3,551","3,552","3,553","3,554","3,555","3,556","3,557","3,558","3,559","3,560","3,561","3,562","3,563","3,564","3,565","3,566","3,567","3,568","3,569","3,570","3,571","3,572","3,573","3,574","3,575","3,576","3,577","3,578","3,579","3,580","3,581","3,582","3,583","3,584","3,585","3,586","3,587","3,588","3,589","3,590","3,591","3,592","3,593","3,594","3,595","3,596","3,597","3,598","3,599","3,600","3,601","3,602","3,603","3,604","3,605","3,606","3,607","3,608","3,609","3,610","3,611","3,612","3,613","3,614","3,615","3,616","3,617","3,618","3,619","3,620","3,621","3,622","3,623","3,624","3,625","3,626","3,627","3,628","3,629","3,630","3,631","3,632","3,633","3,634","3,635","3,636","3,637","3,638","3,639","3,640","3,641","3,642","3,643","3,644","3,645","3,646","3,647","3,648","3,649","3,650","3,651","3,652","3,653","3,654","3,655","3,656","3,657","3,658","3,659","3,660","3,661","3,662","3,663","3,664","3,665","3,666","3,667","3,668","3,669","3,670","3,671","3,672","3,673","3,674","3,675","3,676","3,677","3,678","3,679","3,680","3,681","3,682","3,683","3,684","4,3","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,103","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,155","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,221","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,267","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,333","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,437","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,495","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502","4,503","4,504","4,505","4,506","4,508","4,509","4,510","4,511","4,512","4,513","4,514","4,515","4,516","4,517","4,518","4,519","4,520","4,521","4,522","4,523","4,524","4,525","4,526","4,527","4,528","4,529","4,530","4,531","4,532","4,533","4,534","4,535","4,536","4,537","4,538","4,539","4,540","4,541","4,542","4,543","4,544","4,545","4,546","4,547","4,548","4,549","4,550","4,551","4,552","4,553","4,554","5,3","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,39","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,83","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,119","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,393","5,394","5,395","5,396","5,397","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,412","5,413","5,414","5,415","5,416","5,417","5,419","5,421","5,422","5,423","5,424","5,425","5,426","5,427","5,428","5,429","5,430","5,431","5,432","5,433","5,434","5,435","5,436","5,437","5,438","5,439","5,440","5,441","5,442","5,443","5,444","5,445","5,446","5,447","5,448","5,449","5,450","5,451","5,452","5,453","5,454","5,455","5,456","5,457","5,458","5,459","5,460","5,461","5,462","5,463","5,464","5,466","5,467","5,468","5,469","5,470","5,471","5,472","5,473","5,474","5,475","5,476","5,477","5,478","5,479","5,480","5,481","5,482","5,483","5,484","5,485","5,486","5,487","5,488","5,489","5,490","5,491","5,492","5,493","5,494","5,495","5,496","5,497","5,498","5,499","5,500","5,501","5,502","5,503","6,3","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,131","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,275","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333","6,334","6,335","6,336","6,337","6,338","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,348","6,349","6,350","6,351","6,352","6,353","6,354","6,355","6,356","6,357","6,358","6,359","6,360","6,361","6,362","6,363","6,364","6,365","6,366","6,367","6,368","6,369","6,370","6,371","6,372","6,373","6,374","6,375","6,376","6,377","6,378","6,379","6,380","6,381","6,382","6,383","6,384","6,385","6,386","6,387","6,388","6,389","6,390","6,391","6,392","6,393","6,394","6,395","6,396","6,397","6,398","6,399","6,400","6,401","6,402","6,404","6,405","6,406","6,407","6,408","6,409","6,410","6,411","6,412","6,413","6,414","6,415","6,417","6,419","6,420","6,421","6,422","6,423","6,425","6,427","6,428","6,429","6,430","6,431","6,432","6,433","6,434","6,435","6,436","6,437","6,438","6,439","6,440","6,441","6,442","6,443","6,444","6,445","6,447","6,449","6,450","6,451","6,452","6,453","6,454","6,455","6,456","6,457","6,458","6,459","6,460","6,461","6,462","6,463","6,464","6,465","6,466","6,467","6,468","6,469","6,470","6,471","6,472","6,473","6,474","6,475","6,476","6,477","6,478","6,479","6,480","6,481","6,482","6,483","6,484","6,485","6,486","6,487","6,488","6,489","6,490","6,491","6,492","6,493","6,494","6,495","6,496","6,497","6,498","6,499","6,500","6,501","6,502","6,503","6,504","6,505","6,506","6,507","6,508","6,509","6,510","6,511","6,512","6,513","6,514","6,515","6,516","6,517","6,518","6,519","6,520","6,521","6,522","6,523","6,524","6,525","6,526","6,527","6,528","6,529","6,530","6,531","6,532","6,533","6,534","6,535","6,536","6,537","6,538","6,539","6,540","6,541","6,542","6,543","6,544","6,545","6,546","6,547","6,548","6,549","6,550","6,551","6,552","6,553","6,554","6,555","6,556","6,557","6,558","6,559","6,560","6,561","6,562","6,563","6,564","6,565","6,566","6,567","6,568","6,569","6,570","6,571","6,572","6,573","6,574","6,575","6,576","6,577","6,578","6,579","6,580","6,581","6,582","6,583","6,584","6,585","6,586","6,587","6,588","6,589","6,590","6,591","6,592","6,593","6,594","6,595","6,596","6,597","6,598","6,599","6,600","6,601","6,602","6,603","7,3","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,273","7,275","7,276","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,306","7,307","7,308","7,309","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,316","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,325","7,326","7,327","7,328","7,329","7,330","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","7,337","7,338","7,339","7,340","7,341","7,342","7,343","7,344","7,345","7,346","7,347","7,348","7,349","7,350","7,351","7,352","7,353","7,354","7,355","7,356","7,357","7,358","7,359","7,360","7,361","7,362","7,363","7,364","7,365","7,366","7,367","7,368","7,369","7,370","7,371","7,372","7,373","7,374","7,375","7,376","7,377","7,378","7,379","7,380","7,381","7,382","7,383","7,384","7,385","7,386","7,387","7,388","7,389","7,390","7,391","7,392","7,393","7,394","7,395","7,396","7,397","7,398","7,399","7,400","7,401","7,402","7,403","7,404","7,405","7,406","7,407","7,408","7,409","7,410","7,411","7,412","7,413","7,414","7,415","7,416","7,417","7,418","7,419","7,420","7,421","7,423","7,425","7,426","7,427","7,428","7,429","7,430","7,431","7,432","7,433","7,434","7,435","7,436","7,437","7,438","7,439","7,440","7,441","7,442","7,443","7,444","7,445","7,446","7,447","7,448","7,449","7,450","7,451","7,452","7,453","7,454","7,455","7,456","7,457","7,458","7,459","7,460","7,461","7,463","7,465","7,466","7,467","7,468","7,469","7,470","7,471","7,472","7,473","7,474","7,475","7,476","7,477","7,478","7,479","7,480","7,481","7,482","7,483","7,485","7,487","7,488","7,489","7,490","7,491","7,492","7,493","7,494","7,495","7,496","7,497","7,498","7,499","7,500","7,501","7,502","7,503","7,504","7,505","7,506","7,507","7,508","7,509","7,510","7,511","7,512","7,513","7,514","7,515","7,516","7,517","7,518","7,519","7,520","7,521","7,522","7,523","7,524","7,525","7,526","7,527","7,528","7,529","7,530","7,531","7,532","7,533","7,534","7,535","7,536","7,537","7,538","7,539","7,540","7,541","7,542","7,543","7,544","7,545","7,546","7,547","7,548","7,549","7,550","7,551","7,552","7,553","7,554","7,555","7,556","7,557","7,558","7,559","7,560","7,561","7,562","7,563","7,564","7,565","7,566","7,567","7,568","7,569","7,570","8,3","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,17","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","8,24","8,25","8,26","8,27","8,28","8,29","8,30","8,31","8,32","8,33","8,34","8,35","8,36","8,37","8,38","8,39","8,40","8,41","8,42","8,43","8,44","8,45","8,46","8,47","8,48","8,49","8,50","8,51","8,52","8,53","8,54","8,55","8,56","8,57","8,58","8,59","8,60","8,61","8,62","8,63","8,64","8,65","8,66","8,67","8,68","8,69","8,70","8,71","8,72","8,73","8,74","8,75","8,76","8,77","8,78","8,79","8,80","8,81","8,82","8,83","8,84","8,85","8,86","8,87","8,88","8,89","8,90","8,91","8,92","8,93","8,94","8,95","8,96","8,98","8,99","8,100","8,101","8,102","8,103","8,104","8,105","8,106","8,107","8,108","8,109","8,110","8,111","8,112","8,113","8,114","8,115","8,116","8,117","8,118","8,119","8,120","8,121","8,122","8,123","8,124","8,125","8,126","8,127","8,128","8,129","8,130","8,131","8,132","8,133","8,134","8,135","8,136","8,137","8,138","8,139","8,140","8,141","8,142","8,143","8,144","8,145","8,146","8,147","8,148","8,149","8,150","8,151","8,152","8,153","8,154","8,155","8,156","8,157","8,158","8,159","8,160","8,161","8,162","8,164","8,165","8,166","8,167","8,168","8,169","8,170","8,171","8,172","8,173","8,174","8,175","8,176","8,177","8,178","8,179","8,180","8,181","8,182","8,183","8,184","8,185","8,186","8,187","8,188","8,189","8,190","8,191","8,192","8,193","8,194","8,195","8,196","8,197","8,198","8,199","8,200","8,201","8,202","8,203","8,204","8,205","8,206","8,207","8,208","8,209","8,210","8,211","8,212","8,213","8,214","8,215","8,216","8,217","8,218","8,219","8,220","8,221","8,222","8,223","8,224","8,225","8,226","8,227","8,228","8,229","8,230","8,231","8,232","8,233","8,234","8,236","8,237","8,238","8,239","8,240","8,241","8,242","8,243","8,244","8,245","8,246","8,247","8,248","8,249","8,250","8,251","8,252","8,253","8,254","8,255","8,256","8,257","8,258","8,259","8,260","8,261","8,262","8,263","8,264","8,265","8,266","8,267","8,268","8,269","8,270","8,271","8,272","8,273","8,274","8,275","8,276","8,277","8,278","8,279","8,280","8,281","8,282","8,283","8,284","8,285","8,286","8,287","8,288","8,289","8,290","8,291","8,292","8,293","8,294","8,295","8,296","8,297","8,298","8,299","8,300","8,301","8,302","8,303","8,304","8,305","8,306","8,307","8,308","8,309","8,310","8,311","8,312","8,313","8,314","8,315","8,316","8,317","8,318","8,319","8,320","8,321","8,322","8,323","8,324","8,325","8,326","8,327","8,328","8,329","8,330","8,331","8,332","8,333","8,334","8,335","8,336","8,337","8,338","8,339","8,340","8,341","8,342","8,343","8,344","8,345","8,346","8,347","8,348","8,349","8,350","8,351","8,352","8,353","8,354","8,355","8,356","8,357","8,358","8,359","8,360","8,361","8,362","8,363","8,364","8,365","8,366","8,367","8,368","8,369","8,371","8,373","8,374","8,375","8,376","8,377","8,378","8,379","8,380","8,381","8,382","8,383","8,384","8,385","8,386","8,387","8,388","8,389","8,390","8,391","8,392","8,393","8,394","8,395","8,396","8,397","8,398","8,399","8,400","8,401","8,402","8,403","8,404","8,405","8,406","8,407","8,408","8,409","8,410","8,411","8,412","8,413","8,414","8,415","8,416","8,417","8,418","8,419","8,420","8,421","8,422","8,423","8,424","8,425","8,426","8,427","8,428","8,429","8,430","8,431","8,432","8,433","8,434","8,435","8,436","8,437","8,438","8,439","8,440","8,441","8,442","8,443","8,444","8,445","8,446","8,447","8,448","8,449","8,450","8,451","8,452","8,453","8,454","8,455","8,456","8,457","8,458","8,459","8,460","8,461","8,462","8,463","8,464","8,465","8,466","8,467","8,468","8,469","8,470","8,471","8,472","8,473","8,474","8,475","8,476","8,477","8,478","8,479","8,480","8,481","8,483","8,485","8,486","8,487","8,488","8,489","8,490","8,491","8,492","8,493","8,494","8,495","8,496","8,497","8,498","8,499","8,500","8,501","8,502","8,503","8,504","8,505","8,506","8,507","8,508","8,509","8,510","8,511","8,512","8,513","8,514"],"ٞ":{"4":[1,2],"10":[3],"12":[4],"14":[5],"16":[6],"19":[7],"37":[8],"44":[9],"46":[10],"49":[11],"53":[12],"56":[13],"60":[14],"64":[15],"67":[16],"71":[17],"75":[18],"77":[19],"80":[20],"85":[21],"99":[22],"100":[23],"105":[24],"106":[25],"109":[26],"111":[27],"113":[28],"114":[29],"115":[30],"117":[31],"122":[32],"129":[33],"131":[34],"136":[35],"139":[36],"142":[37],"144":[38],"147":[39],"149":[40],"151":[41],"152":[42],"154":[43],"157":[44],"160":[45],"162":[46],"164":[47],"170":[48],"173":[49],"179":[50],"181":[51],"185":[52],"190":[53],"191":[54],"193":[55],"196":[56],"197":[57],"203":[58],"212":[59],"215":[60],"218":[61],"219":[62],"220":[63],"222":[64],"224":[65],"228":[66],"231":[67],"233":[68],"235":[69],"237":[70],"242":[71],"247":[72],"251":[73],"253":[74],"255":[75],"258":[76],"263":[77],"265":[78],"266":[79],"270":[80],"273":[81],"277":[82],"284":[83],"288":[84],"296":[85],"318":[86],"321":[87],"324":[88],"328":[89],"329":[90],"331":[91],"332":[92],"348":[93],"350":[94],"353":[95],"376":[96],"378":[97],"382":[98],"384":[99],"387":[100],"391":[101],"393":[102],"395":[103],"396":[104],"398":[105],"408":[106],"410":[107],"412":[108],"413":[109],"417":[110],"420":[111],"424":[112],"432":[113],"433":[114],"435":[115],"439":[116],"443":[117],"447":[118],"448":[119],"449":[120],"456":[121],"457":[122],"459":[123],"464":[124],"469":[125],"473":[126],"474":[127],"475":[128],"476":[129],"478":[130],"487":[131],"491":[132],"492":[133],"493":[134],"496":[135],"500":[136],"502":[137],"503":[138],"506":[139],"508":[140],"510":[141],"512":[142],"514":[143],"515":[144],"517":[145],"519":[146],"528":[147],"530":[148],"531":[149],"536":[150],"539":[151],"542":[152],"547":[153],"553":[154],"554":[155],"556":[156],"558":[157],"563":[158],"565":[159],"567":[160],"569":[161],"571":[162],"573":[163],"574":[164],"576":[165],"578":[166],"579":[167],"582":[168],"584":[169],"585":[170],"590":[171],"597":[172],"599":[173],"600":[174],"602":[175],"603":[176],"605":[177],"606":[178],"608":[179],"610":[180],"612":[181],"613":[182],"614":[183],"616":[184],"620":[185],"624":[186],"627":[187],"630":[188],"640":[189],"641":[190],"643":[191],"645":[192],"646":[193],"654":[194],"659":[195],"662":[196],"667":[197],"670":[198],"680":[199],"685":[200],"687":[201],"689":[202],"691":[203],"692":[204],"694":[205],"699":[206],"701":[207],"706":[208],"708":[209],"710":[210],"714":[211],"719":[212],"725":[213],"729":[214],"733":[215],"735":[216],"737":[217],"740":[218],"745":[219],"749":[220],"750":[221],"752":[222],"753":[223],"759":[224],"765":[225],"768":[226],"769":[227],"771":[228],"775":[229],"779":[230],"785":[231],"787":[232],"789":[233],"792":[234],"794":[235],"798":[236],"799":[237],"808":[238],"810":[239],"812":[240],"814":[241],"815":[242],"816":[243],"820":[244],"821":[245],"822":[246],"826":[247],"832":[248],"834":[249],"846":[250],"852":[251],"856":[252],"858":[253],"859":[254],"861":[255],"865":[256],"873":[257],"877":[258],"879":[259],"881":[260],"885":[261],"896":[262],"899":[263],"901":[264],"905":[265],"907":[266],"911":[267],"914":[268],"915":[269],"922":[270],"926":[271],"931":[272],"936":[273],"937":[274],"939":[275],"940":[276],"942":[277],"945":[278],"948":[279],"951":[280],"954":[281],"956":[282],"958":[283],"962":[284],"967":[285],"977":[286],"978":[287],"988":[288],"991":[289],"994":[290],"999":[291],"1002":[292],"1008":[293],"1010":[294],"1011":[295],"1015":[296],"1017":[297],"1020":[298],"1021":[299],"1029":[300],"1033":[301],"1036":[302],"1041":[303],"1050":[304],"1055":[305],"1056":[306],"1062":[307],"1063":[308],"1064":[309],"1065":[310],"1068":[311],"1075":[312],"1091":[313],"1093":[314],"1096":[315],"1099":[316],"1101":[317],"1104":[318],"1105":[319],"1110":[320],"1113":[321],"1115":[322],"1117":[323],"1119":[324],"1120":[325],"1121":[326],"1124":[327],"1126":[328],"1129":[329],"1131":[330],"1132":[331],"1135":[332],"1136":[333],"1139":[334],"1145":[335],"1150":[336],"1152":[337],"1158":[338],"1162":[339],"1164":[340],"1167":[341],"1169":[342],"1170":[343],"1177":[344],"1182":[345],"1183":[346],"1186":[347],"1188":[348],"1191":[349],"1192":[350],"1194":[351],"1195":[352],"1196":[353],"1199":[354],"1201":[355],"1204":[356],"1205":[357],"1213":[358],"1216":[359],"1218":[360],"1220":[361],"1222":[362],"1225":[363],"1233":[364],"1235":[365],"1236":[366],"1237":[367],"1242":[368],"1246":[369],"1248":[370],"1253":[371],"1255":[372],"1256":[373],"1257":[374],"1265":[375],"1267":[376],"1275":[377],"1276":[378],"1280":[379],"1281":[380],"1283":[381],"1285":[382],"1286":[383],"1288":[384],"1289":[385],"1294":[386],"1295":[387],"1296":[388],"1303":[389],"1308":[390],"1309":[391],"1313":[392],"1317":[393],"1318":[394],"1319":[395],"1321":[396],"1325":[397],"1326":[398],"1327":[399],"1329":[400],"1330":[401],"1335":[402],"1337":[403],"1341":[404],"1343":[405],"1345":[406],"1347":[407],"1348":[408],"1349":[409],"1350":[410],"1352":[411],"1353":[412],"1354":[413],"1356":[414],"1360":[415],"1363":[416],"1366":[417],"1367":[418],"1371":[419],"1372":[420],"1373":[421],"1375":[422],"1379":[423],"1380":[424],"1388":[425],"1389":[426],"1391":[427],"1395":[428],"1398":[429],"1400":[430],"1402":[431],"1404":[432],"1412":[433],"1414":[434],"1418":[435],"1419":[436],"1422":[437],"1424":[438],"1429":[439],"1430":[440],"1431":[441],"1434":[442],"1435":[443],"1437":[444],"1440":[445],"1443":[446],"1445":[447],"1446":[448],"1448":[449],"1449":[450],"1452":[451],"1454":[452],"1456":[453],"1459":[454],"1461":[455],"1463":[456],"1464":[457],"1466":[458],"1467":[459],"1470":[460],"1471":[461],"1472":[462],"1475":[463],"1477":[464],"1487":[465],"1497":[466],"1502":[467],"1503":[468],"1506":[469],"1511":[470],"1515":[471],"1516":[472],"1517":[473],"1518":[474],"1519":[475],"1521":[476],"1526":[477],"1527":[478],"1529":[479],"1531":[480],"1533":[481],"1534":[482],"1540":[483],"1543":[484],"1545":[485],"1548":[486],"1552":[487],"1555":[488],"1559":[489],"1564":[490],"1566":[491],"1568":[492],"1570":[493],"1577":[494],"1579":[495],"1581":[496],"1583":[497],"1585":[498],"1587":[499],"1588":[500],"1589":[501],"1594":[502],"1595":[503],"1596":[504],"1600":[505],"1602":[506],"1604":[507],"1605":[508],"1609":[509],"1617":[510],"1622":[511],"1624":[512],"1625":[513],"1626":[514],"1635":[515],"1636":[516],"1639":[517],"1641":[518],"1642":[519],"1644":[520],"1645":[521],"1656":[522],"1661":[523],"1665":[524],"1667":[525],"1670":[526],"1671":[527],"1676":[528],"1684":[529],"1688":[530],"1691":[531],"1692":[532],"1693":[533],"1695":[534],"1699":[535],"1702":[536],"1704":[537],"1727":[538],"1729":[539],"1746":[540],"1747":[541],"1749":[542],"1752":[543],"1759":[544],"1761":[545],"1762":[546],"1765":[547],"1766":[548],"1768":[549],"1771":[550],"1772":[551],"1775":[552],"1778":[553],"1780":[554],"1782":[555],"1785":[556],"1787":[557],"1789":[558],"1791":[559],"1796":[560],"1798":[561],"1800":[562],"1802":[563],"1807":[564],"1808":[565],"1812":[566],"1814":[567],"1819":[568],"1820":[569],"1824":[570],"1826":[571],"1828":[572],"1829":[573],"1830":[574],"1831":[575],"1833":[576],"1835":[577],"1838":[578],"1840":[579],"1843":[580],"1846":[581],"1848":[582],"1850":[583],"1851":[584],"1854":[585],"1856":[586],"1858":[587],"1862":[588],"1867":[589],"1875":[590],"1876":[591],"1879":[592],"1881":[593],"1882":[594],"1888":[595],"1890":[596],"1893":[597],"1895":[598],"1897":[599],"1900":[600],"1902":[601],"1904":[602],"1910":[603],"1911":[604],"1914":[605],"1926":[606],"1932":[607],"1933":[608],"1936":[609],"1938":[610],"1940":[611],"1942":[612],"1944":[613],"1945":[614],"1951":[615],"1952":[616],"1953":[617],"1955":[618],"1962":[619],"1963":[620],"1973":[621],"1977":[622],"1982":[623],"1986":[624],"1988":[625],"1989":[626],"1994":[627],"1997":[628],"1999":[629],"2001":[630],"2008":[631],"2019":[632],"2026":[633],"2030":[634],"2034":[635],"2035":[636],"2037":[637],"2039":[638],"2041":[639],"2048":[640],"2050":[641],"2053":[642],"2054":[643],"2056":[644],"2059":[645],"2061":[646],"2064":[647],"2066":[648],"2069":[649],"2073":[650],"2075":[651],"2077":[652],"2080":[653],"2082":[654],"2084":[655],"2085":[656],"2089":[657],"2091":[658],"2097":[659],"2098":[660],"2101":[661],"2103":[662],"2104":[663],"2112":[664],"2117":[665],"2123":[666],"2127":[667],"2142":[668],"2155":[669],"2159":[670],"2167":[671],"2186":[672],"2187":[673],"2189":[674],"2190":[675],"2202":[676],"2204":[677],"2207":[678],"2209":[679],"2210":[680],"2211":[681],"2214":[682],"2215":[683],"2216":[684],"2222":[685],"2224":[686],"2226":[687],"2228":[688],"2234":[689],"2236":[690],"2239":[691],"2240":[692],"2242":[693],"2246":[694],"2253":[695],"2255":[696],"2259":[697],"2267":[698],"2269":[699],"2271":[700],"2272":[701],"2274":[702],"2280":[703],"2284":[704],"2286":[705],"2290":[706],"2293":[707],"2298":[708],"2300":[709],"2303":[710],"2306":[711],"2313":[712],"2317":[713],"2322":[714],"2325":[715],"2327":[716],"2333":[717],"2335":[718],"2338":[719],"2346":[720],"2347":[721],"2350":[722],"2356":[723],"2359":[724],"2360":[725],"2363":[726],"2365":[727],"2367":[728],"2369":[729],"2371":[730],"2372":[731],"2375":[732],"2376":[733],"2377":[734],"2379":[735],"2381":[736],"2387":[737],"2388":[738],"2391":[739],"2392":[740],"2395":[741],"2397":[742],"2403":[743],"2408":[744],"2413":[745],"2418":[746],"2421":[747],"2422":[748],"2425":[749],"2430":[750],"2431":[751],"2434":[752],"2436":[753],"2438":[754],"2440":[755],"2441":[756],"2442":[757],"2446":[758],"2448":[759],"2460":[760],"2461":[761],"2465":[762],"2466":[763],"2469":[764],"2475":[765],"2476":[766],"2479":[767],"2482":[768],"2486":[769],"2488":[770],"2489":[771],"2495":[772],"2499":[773],"2501":[774],"2503":[775],"2505":[776],"2507":[777],"2509":[778],"2510":[779],"2515":[780],"2518":[781],"2522":[782],"2523":[783],"2530":[784],"2533":[785],"2535":[786],"2537":[787],"2549":[788],"2555":[789],"2556":[790],"2559":[791],"2560":[792],"2562":[793],"2564":[794],"2565":[795],"2567":[796],"2568":[797],"2570":[798],"2573":[799],"2577":[800],"2578":[801],"2579":[802],"2580":[803],"2581":[804],"2582":[805],"2583":[806],"2590":[807],"2592":[808],"2593":[809],"2595":[810],"2596":[811],"2597":[812],"2598":[813],"2600":[814],"2603":[815],"2604":[816],"2607":[817],"2608":[818],"2610":[819],"2612":[820],"2613":[821],"2614":[822],"2616":[823],"2619":[824],"2623":[825],"2630":[826],"2632":[827],"2637":[828],"2641":[829],"2642":[830],"2645":[831],"2647":[832],"2649":[833],"2650":[834],"2654":[835],"2656":[836],"2658":[837],"2659":[838],"2667":[839],"2668":[840],"2673":[841],"2674":[842],"2676":[843],"2680":[844],"2681":[845],"2682":[846],"2689":[847],"2690":[848],"2692":[849],"2696":[850],"2697":[851],"2703":[852],"2706":[853],"2707":[854],"2709":[855],"2715":[856],"2718":[857],"2729":[858],"2730":[859],"2734":[860],"2738":[861],"2740":[862],"2741":[863],"2742":[864],"2743":[865],"2751":[866],"2754":[867],"2758":[868],"2759":[869],"2767":[870],"2769":[871],"2774":[872],"2784":[873],"2785":[874],"2790":[875],"2791":[876],"2792":[877],"2799":[878],"2800":[879],"2801":[880],"2803":[881],"2805":[882],"2811":[883],"2812":[884],"2815":[885],"2817":[886],"2818":[887],"2820":[888],"2822":[889],"2824":[890],"2827":[891],"2828":[892],"2832":[893],"2835":[894],"2837":[895],"2838":[896],"2840":[897],"2842":[898],"2846":[899],"2847":[900],"2848":[901],"2849":[902],"2853":[903],"2855":[904],"2857":[905],"2862":[906],"2865":[907],"2867":[908],"2868":[909],"2870":[910],"2871":[911],"2872":[912],"2873":[913],"2876":[914],"2877":[915],"2880":[916],"2883":[917],"2889":[918],"2891":[919],"2892":[920],"2894":[921],"2895":[922],"2904":[923],"2906":[924],"2909":[925],"2916":[926],"2923":[927],"2925":[928],"2931":[929],"2932":[930],"2933":[931],"2936":[932],"2937":[933],"2939":[934],"2940":[935],"2948":[936],"2951":[937],"2955":[938],"2960":[939],"2968":[940],"2970":[941],"2974":[942],"2977":[943],"2978":[944],"2989":[945],"2990":[946],"2991":[947],"2993":[948],"2997":[949],"3007":[950],"3012":[951],"3013":[952],"3019":[953],"3021":[954],"3023":[955],"3028":[956],"3035":[957],"3037":[958],"3040":[959],"3042":[960],"3046":[961],"3052":[962],"3055":[963],"3066":[964],"3068":[965],"3069":[966],"3070":[967],"3071":[968],"3073":[969],"3074":[970],"3077":[971],"3080":[972],"3081":[973],"3084":[974],"3086":[975],"3097":[976],"3099":[977],"3101":[978],"3103":[979],"3104":[980],"3107":[981],"3133":[982],"3135":[983],"3138":[984],"3139":[985],"3142":[986],"3144":[987],"3145":[988],"3149":[989],"3151":[990],"3154":[991],"3156":[992],"3157":[993],"3158":[994],"3159":[995],"3160":[996],"3161":[997],"3162":[998],"3164":[999],"3166":[1000],"3167":[1001],"3168":[1002],"3170":[1003],"3171":[1004],"3173":[1005],"3189":[1006],"3190":[1007],"3191":[1008],"3193":[1009],"3195":[1010],"3197":[1011],"3198":[1012],"3206":[1013],"3208":[1014],"3210":[1015],"3211":[1016],"3217":[1017],"3219":[1018],"3221":[1019],"3223":[1020],"3231":[1021],"3233":[1022],"3238":[1023],"3239":[1024],"3242":[1025],"3244":[1026],"3246":[1027],"3247":[1028],"3249":[1029],"3251":[1030],"3255":[1031],"3256":[1032],"3257":[1033],"3259":[1034],"3262":[1035],"3264":[1036],"3266":[1037],"3269":[1038],"3270":[1039],"3272":[1040],"3275":[1041],"3277":[1042],"3283":[1043],"3289":[1044],"3291":[1045],"3294":[1046],"3296":[1047],"3301":[1048],"3302":[1049],"3304":[1050],"3305":[1051],"3306":[1052],"3315":[1053],"3317":[1054],"3320":[1055],"3322":[1056],"3323":[1057],"3324":[1058],"3332":[1059],"3337":[1060],"3341":[1061],"3348":[1062],"3351":[1063],"3360":[1064],"3363":[1065],"3365":[1066],"3368":[1067],"3371":[1068],"3372":[1069],"3374":[1070],"3376":[1071],"3379":[1072],"3380":[1073],"3383":[1074],"3388":[1075],"3389":[1076],"3398":[1077],"3400":[1078],"3401":[1079],"3404":[1080],"3409":[1081],"3410":[1082],"3412":[1083],"3413":[1084],"3423":[1085],"3425":[1086],"3428":[1087],"3432":[1088],"3434":[1089],"3435":[1090],"3452":[1091],"3455":[1092],"3457":[1093],"3458":[1094],"3460":[1095],"3465":[1096],"3469":[1097],"3471":[1098],"3472":[1099],"3474":[1100],"3476":[1101],"3479":[1102],"3481":[1103],"3483":[1104],"3487":[1105],"3489":[1106],"3491":[1107],"3492":[1108],"3493":[1109],"3494":[1110],"3498":[1111],"3501":[1112],"3502":[1113],"3503":[1114],"3507":[1115],"3510":[1116],"3511":[1117],"3513":[1118],"3521":[1119],"3524":[1120],"3526":[1121],"3530":[1122],"3538":[1123],"3547":[1124],"3548":[1125],"3549":[1126],"3550":[1127],"3565":[1128],"3566":[1129],"3580":[1130],"3593":[1131],"3600":[1132],"3616":[1133],"3625":[1134],"3630":[1135],"3632":[1136],"3635":[1137],"3636":[1138],"3640":[1139],"3642":[1140],"3650":[1141],"3665":[1142],"3676":[1143],"3683":[1144],"3685":[1145],"3686":[1146],"3688":[1147],"3690":[1148],"3694":[1149],"3695":[1150],"3701":[1151],"3703":[1152],"3706":[1153],"3707":[1154],"3710":[1155],"3711":[1156],"3724":[1157],"3729":[1158],"3730":[1159],"3732":[1160],"3735":[1161],"3740":[1162],"3753":[1163],"3760":[1164],"3764":[1165],"3766":[1166],"3770":[1167],"3772":[1168],"3774":[1169],"3778":[1170],"3779":[1171],"3783":[1172],"3788":[1173],"3789":[1174],"3793":[1175],"3800":[1176],"3802":[1177],"3804":[1178],"3806":[1179],"3808":[1180],"3815":[1181],"3818":[1182],"3820":[1183],"3824":[1184],"3826":[1185],"3827":[1186],"3831":[1187],"3832":[1188],"3833":[1189],"3834":[1190],"3838":[1191],"3844":[1192],"3845":[1193],"3847":[1194],"3849":[1195],"3854":[1196],"3856":[1197],"3858":[1198],"3861":[1199],"3864":[1200],"3866":[1201],"3869":[1202],"3872":[1203],"3880":[1204],"3889":[1205],"3892":[1206],"3894":[1207],"3895":[1208],"3896":[1209],"3899":[1210],"3900":[1211],"3901":[1212],"3904":[1213],"3909":[1214],"3917":[1215],"3919":[1216],"3921":[1217],"3922":[1218],"3924":[1219],"3928":[1220],"3929":[1221],"3935":[1222],"3937":[1223],"3939":[1224],"3941":[1225],"3943":[1226],"3945":[1227],"3947":[1228],"3949":[1229],"3952":[1230],"3954":[1231],"3956":[1232],"3957":[1233],"3959":[1234],"3960":[1235],"3964":[1236],"3971":[1237],"3974":[1238],"3976":[1239],"3980":[1240],"3981":[1241],"3982":[1242],"3994":[1243],"4000":[1244],"4003":[1245],"4005":[1246],"4007":[1247],"4014":[1248],"4017":[1249],"4019":[1250],"4020":[1251],"4026":[1252],"4027":[1253],"4029":[1254],"4030":[1255],"4037":[1256],"4039":[1257],"4040":[1258],"4047":[1259],"4049":[1260],"4050":[1261],"4053":[1262],"4056":[1263],"4060":[1264],"4062":[1265],"4064":[1266],"4065":[1267],"4071":[1268],"4075":[1269],"4079":[1270],"4082":[1271],"4085":[1272],"4087":[1273],"4090":[1274],"4099":[1275],"4109":[1276],"4113":[1277],"4114":[1278],"4116":[1279],"4118":[1280],"4121":[1281],"4122":[1282],"4124":[1283],"4125":[1284],"4131":[1285],"4136":[1286],"4137":[1287],"4144":[1288],"4146":[1289],"4148":[1290],"4156":[1291],"4159":[1292],"4162":[1293],"4167":[1294],"4174":[1295],"4193":[1296],"4213":[1297],"4215":[1298],"4231":[1299],"4237":[1300],"4239":[1301],"4240":[1302],"4242":[1303],"4245":[1304],"4246":[1305],"4248":[1306],"4252":[1307],"4254":[1308],"4255":[1309],"4257":[1310],"4258":[1311],"4259":[1312],"4262":[1313],"4264":[1314],"4267":[1315],"4272":[1316],"4277":[1317],"4278":[1318],"4280":[1319],"4284":[1320],"4286":[1321],"4287":[1322],"4289":[1323],"4290":[1324],"4291":[1325],"4294":[1326],"4296":[1327],"4297":[1328],"4298":[1329],"4299":[1330],"4302":[1331],"4305":[1332],"4320":[1333],"4325":[1334],"4327":[1335],"4333":[1336],"4346":[1337],"4348":[1338],"4351":[1339],"4352":[1340],"4357":[1341],"4361":[1342],"4365":[1343],"4368":[1344],"4372":[1345],"4375":[1346],"4379":[1347],"4383":[1348],"4386":[1349],"4388":[1350],"4392":[1351],"4393":[1352],"4395":[1353],"4396":[1354],"4398":[1355],"4401":[1356],"4404":[1357],"4425":[1358],"4438":[1359],"4454":[1360],"4459":[1361],"4461":[1362],"4468":[1363],"4474":[1364],"4477":[1365],"4478":[1366],"4482":[1367],"4485":[1368],"4522":[1369],"4525":[1370],"4527":[1371],"4529":[1372],"4531":[1373],"4533":[1374],"4535":[1375],"4538":[1376],"4540":[1377],"4545":[1378],"4546":[1379],"4548":[1380],"4550":[1381],"4551":[1382],"4555":[1383],"4557":[1384],"4560":[1385],"4568":[1386],"4587":[1387],"4595":[1388],"4616":[1389],"4617":[1390],"4618":[1391],"4619":[1392],"4621":[1393],"4622":[1394],"4625":[1395]},"ٟ":[],"numbers":{"8":46,"9":49,"10":53,"11":56,"12":60,"13":64,"14":65,"15":66,"16":67,"17":71,"18":72,"19":75,"20":77,"21":77,"22":78,"23":78,"24":80,"25":80,"26":85,"27":86,"28":89,"29":90,"30":91,"31":95,"32":97,"33":97,"34":99,"35":100,"36":102,"37":103,"38":105,"39":106,"40":108,"41":108,"42":108,"43":109,"44":111,"45":113,"46":114,"47":115,"48":115,"49":117,"50":120,"51":122,"52":122,"53":127,"54":129,"55":131,"56":133,"57":136,"58":139,"59":139,"60":142,"61":144,"62":145,"63":146,"64":147,"65":149,"66":149,"67":151,"68":152,"69":152,"70":152,"71":154,"72":154,"73":156,"74":157,"75":157,"76":157,"77":157,"78":159,"79":160,"80":160,"81":162,"82":162,"83":164,"84":165,"85":166,"86":170,"87":173,"88":175,"89":176,"90":177,"91":179,"92":181,"93":182,"94":183,"95":185,"96":187,"97":188,"98":190,"99":190,"100":190,"101":191,"102":192,"103":193,"104":194,"105":196,"106":197,"107":199,"108":200,"109":203,"110":204,"111":207,"112":209,"113":210,"114":212,"115":214,"116":215,"117":218,"118":219,"119":220,"120":222,"121":224,"122":226,"123":228,"124":231,"125":233,"126":233,"127":235,"128":237,"129":238,"130":240,"131":240,"132":242,"133":242,"134":243,"135":243,"136":245,"137":247,"138":248,"139":250,"140":251,"141":251,"142":253,"143":255,"144":258,"145":261,"146":261,"147":261,"148":263,"149":265,"150":266,"151":270,"152":273,"153":274,"154":275,"155":277,"156":283,"157":284,"158":285,"159":286,"160":288,"161":289,"162":296,"163":307,"164":309,"165":313,"166":314,"167":315,"168":315,"169":318,"170":319,"171":319,"172":320,"173":321,"174":323,"175":324,"176":324,"177":324,"178":328,"179":329,"180":331,"181":331,"182":332,"183":338,"184":348,"185":348,"186":350,"187":351,"188":353,"189":354,"190":356,"191":357,"192":362,"193":362,"194":370,"195":374,"196":376,"197":377,"198":378,"199":378,"200":379,"201":379,"202":382,"203":384,"204":387,"205":388,"206":389,"207":389,"208":390,"209":391,"210":391,"211":393,"212":393,"213":393,"214":395,"215":396,"216":396,"217":400,"218":400,"219":402,"220":402,"221":408,"222":410,"223":413,"224":417,"225":419,"226":420,"227":424,"228":427,"229":428,"230":428,"231":429,"232":431,"233":432,"234":433,"235":435,"236":437,"237":439,"238":442,"239":442,"240":443,"241":445,"242":445,"243":447,"244":447,"245":447,"246":447,"247":447,"248":447,"249":447,"250":447,"251":447,"252":447,"253":447,"254":447,"255":447,"256":447,"257":447,"258":447,"259":447,"260":447,"261":447,"262":447,"263":447,"264":447,"265":447,"266":447,"267":473,"268":474,"269":475,"270":476,"271":476,"272":478,"273":480,"274":483,"275":490,"276":491,"277":492,"278":493,"279":496,"280":498,"281":500,"282":500,"283":502,"284":503,"285":504,"286":506,"287":506,"288":508,"289":508,"290":509,"291":510,"292":512,"293":515,"294":515,"295":517,"296":517,"297":519,"298":523,"299":523,"300":525,"301":526,"302":526,"303":528,"304":530,"305":531,"306":532,"307":533,"308":534,"309":534,"310":536,"311":536,"312":536,"313":536,"314":537,"315":539,"316":542,"317":542,"318":543,"319":547,"320":548,"321":549,"322":549,"323":550,"324":551,"325":551,"326":551,"327":553,"328":553,"329":553,"330":554,"331":554,"332":556,"333":558,"334":560,"335":563,"336":565,"337":565,"338":567,"339":569,"340":571,"341":571,"342":573,"343":574,"344":574,"345":574,"346":574,"347":575,"348":576,"349":576,"350":577,"351":578,"352":578,"353":578,"354":579,"355":579,"356":579,"357":580,"358":581,"359":581,"360":582,"361":584,"362":584,"363":585,"364":585,"365":586,"366":588,"367":590,"368":592,"369":595,"370":596,"371":597,"372":597,"373":599,"374":600,"375":602,"376":603,"377":606,"378":608,"379":610,"380":612,"381":613,"382":614,"383":616,"384":616,"385":618,"386":619,"387":620,"388":621,"389":622,"390":624,"391":625,"392":627,"393":629,"394":630,"395":633,"396":636,"397":638,"398":640,"399":641,"400":643,"401":645,"402":646,"403":649,"404":650,"405":654,"406":656,"407":656,"408":657,"409":659,"410":660,"411":662,"412":665,"413":665,"414":665,"415":667,"416":668,"417":668,"418":670,"419":676,"420":677,"421":680,"422":685,"423":687,"424":688,"425":688,"426":689,"427":690,"428":691,"429":691,"430":692,"431":692,"432":694,"433":695,"434":696,"435":696,"436":696,"437":697,"438":697,"439":698,"440":698,"441":699,"442":701,"443":704,"444":704,"445":705,"446":706,"447":707,"448":708,"449":710,"450":711,"451":714,"452":715,"453":716,"454":717,"455":719,"456":720,"457":720,"458":721,"459":722,"460":722,"461":723,"462":723,"463":723,"464":725,"465":726,"466":729,"467":729,"468":730,"469":731,"470":732,"471":733,"472":734,"473":734,"474":735,"475":736,"476":737,"477":737,"478":738,"479":740,"480":742,"481":743,"482":745,"483":745,"484":745,"485":746,"486":747,"487":748,"488":749,"489":749,"490":750,"491":750,"492":751,"493":752,"494":752,"495":753,"496":754,"497":754,"498":755,"499":759,"500":759,"501":759,"502":760,"503":761,"504":763,"505":765,"506":766,"507":767,"508":768,"509":768,"510":769,"511":769,"512":771,"513":773,"514":774,"515":775,"516":776,"517":776,"518":777,"519":777,"520":780,"521":782,"522":782,"523":782,"524":783,"525":787,"526":787,"527":787,"528":789,"529":789,"530":789,"531":791,"532":791,"533":792,"534":794,"535":797,"536":798,"537":799,"538":804,"539":805,"540":805,"541":808,"542":809,"543":810,"544":812,"545":814,"546":815,"547":816,"548":817,"549":817,"550":817,"551":818,"552":819,"553":819,"554":819,"555":820,"556":821,"557":822,"558":822,"559":822,"560":824,"561":826,"562":826,"563":826,"564":827,"565":827,"566":827,"567":829,"568":832,"569":832,"570":836,"571":837,"572":838,"573":843,"574":844,"575":846,"576":847,"577":848,"578":850,"579":852,"580":854,"581":856,"582":856,"583":858,"584":859,"585":859,"586":859,"587":861,"588":861,"589":861,"590":862,"591":865,"592":865,"593":865,"594":866,"595":869,"596":870,"597":870,"598":873,"599":874,"600":875,"601":875,"602":877,"603":878,"604":879,"605":879,"606":880,"607":881,"608":883,"609":883,"610":885,"611":885,"612":888,"613":892,"614":893,"615":896,"616":897,"617":897,"618":899,"619":899,"620":899,"621":901,"622":902,"623":902,"624":903,"625":904,"626":905,"627":905,"628":907,"629":908,"630":909,"631":910,"632":911,"633":912,"634":913,"635":913,"636":914,"637":914,"638":915,"639":915,"640":918,"641":919,"642":920,"643":920,"644":921,"645":922,"646":923,"647":923,"648":926,"649":931,"650":931,"651":932,"652":933,"653":936,"654":937,"655":939,"656":940,"657":940,"658":945,"659":945,"660":945,"661":947,"662":951,"663":952,"664":953,"665":953,"666":954,"667":954,"668":954,"669":955,"670":956,"671":957,"672":958,"673":959,"674":961,"675":962,"676":963,"677":963,"678":964,"679":965,"680":967,"681":969,"682":973,"683":976,"684":976,"685":978,"686":981,"687":982,"688":984,"689":984,"690":985,"691":986,"692":986,"693":986,"694":988,"695":989,"696":990,"697":991,"698":991,"699":991,"700":994,"701":997,"702":997,"703":999,"704":999,"705":1002,"706":1002,"707":1008,"708":1008,"709":1010,"710":1011,"711":1013,"712":1013,"713":1015,"714":1017,"715":1017,"716":1020,"717":1021,"718":1021,"719":1021,"720":1025,"721":1025,"722":1025,"723":1029,"724":1029,"725":1030,"726":1031,"727":1031,"728":1033,"729":1035,"730":1036,"731":1038,"732":1039,"733":1039,"734":1039,"735":1040,"736":1041,"737":1041,"738":1042,"739":1045,"740":1046,"741":1046,"742":1047,"743":1048,"744":1048,"745":1049,"746":1050,"747":1054,"748":1055,"749":1056,"750":1059,"751":1059,"752":1059,"753":1059,"754":1060,"755":1062,"756":1063,"757":1064,"758":1065,"759":1068,"760":1068,"761":1071,"762":1072,"763":1075,"764":1082,"765":1084,"766":1084,"767":1085,"768":1085,"769":1086,"770":1088,"771":1089,"772":1091,"773":1092,"774":1093,"775":1094,"776":1095,"777":1096,"778":1096,"779":1097,"780":1097,"781":1098,"782":1099,"783":1099,"784":1101,"785":1101,"786":1102,"787":1102,"788":1105,"789":1107,"790":1107,"791":1108,"792":1110,"793":1112,"794":1113,"795":1115,"796":1115,"797":1117,"798":1119,"799":1120,"800":1121,"801":1123,"802":1124,"803":1124,"804":1126,"805":1127,"806":1129,"807":1129,"808":1129,"809":1131,"810":1131,"811":1132,"812":1132,"813":1133,"814":1135,"815":1136,"816":1136,"817":1138,"818":1139,"819":1139,"820":1143,"821":1143,"822":1145,"823":1150,"824":1150,"825":1152,"826":1152,"827":1152,"828":1152,"829":1153,"830":1156,"831":1157,"832":1158,"833":1162,"834":1164,"835":1164,"836":1167,"837":1167,"838":1169,"839":1170,"840":1170,"841":1171,"842":1171,"843":1172,"844":1178,"845":1179,"846":1182,"847":1182,"848":1183,"849":1184,"850":1184,"851":1186,"852":1188,"853":1188,"854":1191,"855":1192,"856":1192,"857":1195,"858":1196,"859":1196,"860":1197,"861":1199,"862":1199,"863":1201,"864":1203,"865":1204,"866":1205,"867":1206,"868":1207,"869":1208,"870":1209,"871":1210,"872":1210,"873":1210,"874":1212,"875":1213,"876":1216,"877":1218,"878":1218,"879":1220,"880":1220,"881":1222,"882":1222,"883":1224,"884":1226,"885":1226,"886":1231,"887":1231,"888":1232,"889":1232,"890":1233,"891":1236,"892":1237,"893":1240,"894":1243,"895":1246,"896":1247,"897":1248,"898":1252,"899":1253,"900":1255,"901":1257,"902":1263,"903":1265,"904":1267,"905":1271,"906":1273,"907":1274,"908":1275,"909":1275,"910":1276,"911":1277,"912":1277,"913":1278,"914":1278,"915":1279,"916":1281,"917":1281,"918":1283,"919":1285,"920":1286,"921":1288,"922":1289,"923":1290,"924":1291,"925":1294,"926":1295,"927":1296,"928":1298,"929":1299,"930":1301,"931":1301,"932":1301,"933":1302,"934":1303,"935":1304,"936":1305,"937":1306,"938":1308,"939":1309,"940":1313,"941":1315,"942":1317,"943":1318,"944":1319,"945":1321,"946":1322,"947":1325,"948":1326,"949":1327,"950":1329,"951":1330,"952":1330,"953":1333,"954":1335,"955":1335,"956":1336,"957":1336,"958":1337,"959":1339,"960":1340,"961":1340,"962":1341,"963":1343,"964":1345,"965":1347,"966":1348,"967":1349,"968":1350,"969":1350,"970":1352,"971":1353,"972":1353,"973":1354,"974":1356,"975":1358,"976":1360,"977":1361,"978":1363,"979":1367,"980":1368,"981":1371,"982":1372,"983":1373,"984":1375,"985":1376,"986":1379,"987":1380,"988":1386,"989":1388,"990":1389,"991":1390,"992":1395,"993":1398,"994":1400,"995":1400,"996":1401,"997":1402,"998":1404,"999":1405,"1000":1407,"1001":1407,"1002":1409,"1003":1410,"1004":1412,"1005":1414,"1006":1414,"1007":1415,"1008":1416,"1009":1417,"1010":1418,"1011":1419,"1012":1419,"1013":1421,"1014":1422,"1015":1423,"1016":1424,"1017":1426,"1018":1429,"1019":1430,"1020":1430,"1021":1431,"1022":1434,"1023":1435,"1024":1436,"1025":1437,"1026":1438,"1027":1440,"1028":1442,"1029":1443,"1030":1445,"1031":1446,"1032":1448,"1033":1449,"1034":1449,"1035":1450,"1036":1451,"1037":1452,"1038":1453,"1039":1454,"1040":1456,"1041":1456,"1042":1457,"1043":1457,"1044":1459,"1045":1461,"1046":1463,"1047":1463,"1048":1464,"1049":1464,"1050":1465,"1051":1466,"1052":1467,"1053":1470,"1054":1471,"1055":1471,"1056":1472,"1057":1473,"1058":1474,"1059":1477,"1060":1483,"1061":1484,"1062":1485,"1063":1487,"1064":1488,"1065":1495,"1066":1497,"1067":1502,"1068":1502,"1069":1503,"1070":1504,"1071":1504,"1072":1506,"1073":1511,"1074":1511,"1075":1511,"1076":1513,"1077":1515,"1078":1516,"1079":1519,"1080":1521,"1081":1523,"1082":1526,"1083":1527,"1084":1527,"1085":1527,"1086":1528,"1087":1529,"1088":1531,"1089":1533,"1090":1534,"1091":1534,"1092":1536,"1093":1537,"1094":1539,"1095":1540,"1096":1540,"1097":1541,"1098":1541,"1099":1542,"1100":1543,"1101":1543,"1102":1545,"1103":1545,"1104":1546,"1105":1546,"1106":1548,"1107":1550,"1108":1550,"1109":1552,"1110":1553,"1111":1555,"1112":1556,"1113":1559,"1114":1560,"1115":1560,"1116":1561,"1117":1561,"1118":1562,"1119":1564,"1120":1565,"1121":1566,"1122":1567,"1123":1568,"1124":1568,"1125":1570,"1126":1570,"1127":1573,"1128":1573,"1129":1574,"1130":1575,"1131":1575,"1132":1576,"1133":1577,"1134":1578,"1135":1579,"1136":1580,"1137":1581,"1138":1582,"1139":1582,"1140":1582,"1141":1583,"1142":1583,"1143":1585,"1144":1585,"1145":1587,"1146":1588,"1147":1589,"1148":1591,"1149":1592,"1150":1594,"1151":1595,"1152":1599,"1153":1600,"1154":1602,"1155":1604,"1156":1605,"1157":1607,"1158":1608,"1159":1609,"1160":1617,"1161":1618,"1162":1618,"1163":1624,"1164":1625,"1165":1626,"1166":1628,"1167":1628,"1168":1633,"1169":1633,"1170":1634,"1171":1636,"1172":1636,"1173":1639,"1174":1641,"1175":1641,"1176":1642,"1177":1645,"1178":1645,"1179":1646,"1180":1651,"1181":1656,"1182":1656,"1183":1657,"1184":1661,"1185":1664,"1186":1665,"1187":1667,"1188":1670,"1189":1671,"1190":1672,"1191":1673,"1192":1674,"1193":1676,"1194":1676,"1195":1677,"1196":1677,"1197":1683,"1198":1684,"1199":1684,"1200":1685,"1201":1688,"1202":1691,"1203":1691,"1204":1692,"1205":1693,"1206":1695,"1207":1699,"1208":1699,"1209":1702,"1210":1702,"1211":1704,"1212":1720,"1213":1720,"1214":1722,"1215":1723,"1216":1723,"1217":1727,"1218":1729,"1219":1747,"1220":1748,"1221":1749,"1222":1751,"1223":1752,"1224":1753,"1225":1754,"1226":1755,"1227":1759,"1228":1759,"1229":1761,"1230":1762,"1231":1765,"1232":1765,"1233":1766,"1234":1766,"1235":1768,"1236":1769,"1237":1769,"1238":1771,"1239":1771,"1240":1772,"1241":1773,"1242":1773,"1243":1775,"1244":1776,"1245":1776,"1246":1778,"1247":1779,"1248":1779,"1249":1779,"1250":1780,"1251":1780,"1252":1780,"1253":1782,"1254":1782,"1255":1782,"1256":1785,"1257":1787,"1258":1787,"1259":1789,"1260":1789,"1261":1791,"1262":1791,"1263":1793,"1264":1793,"1265":1794,"1266":1794,"1267":1796,"1268":1796,"1269":1796,"1270":1798,"1271":1798,"1272":1800,"1273":1800,"1274":1800,"1275":1800,"1276":1800,"1277":1802,"1278":1804,"1279":1807,"1280":1808,"1281":1808,"1282":1808,"1283":1809,"1284":1812,"1285":1812,"1286":1816,"1287":1817,"1288":1817,"1289":1819,"1290":1820,"1291":1821,"1292":1821,"1293":1821,"1294":1822,"1295":1822,"1296":1824,"1297":1826,"1298":1826,"1299":1828,"1300":1830,"1301":1831,"1302":1831,"1303":1832,"1304":1832,"1305":1833,"1306":1835,"1307":1836,"1308":1838,"1309":1838,"1310":1840,"1311":1841,"1312":1841,"1313":1841,"1314":1841,"1315":1843,"1316":1844,"1317":1846,"1318":1848,"1319":1849,"1320":1850,"1321":1851,"1322":1854,"1323":1854,"1324":1854,"1325":1856,"1326":1856,"1327":1858,"1328":1858,"1329":1862,"1330":1865,"1331":1865,"1332":1865,"1333":1867,"1334":1876,"1335":1876,"1336":1879,"1337":1881,"1338":1882,"1339":1884,"1340":1884,"1341":1885,"1342":1888,"1343":1888,"1344":1890,"1345":1890,"1346":1893,"1347":1895,"1348":1897,"1349":1897,"1350":1899,"1351":1900,"1352":1902,"1353":1904,"1354":1906,"1355":1908,"1356":1910,"1357":1911,"1358":1911,"1359":1911,"1360":1914,"1361":1914,"1362":1915,"1363":1916,"1364":1918,"1365":1919,"1366":1920,"1367":1920,"1368":1921,"1369":1921,"1370":1921,"1371":1922,"1372":1922,"1373":1924,"1374":1926,"1375":1930,"1376":1930,"1377":1930,"1378":1931,"1379":1932,"1380":1932,"1381":1933,"1382":1933,"1383":1934,"1384":1935,"1385":1935,"1386":1936,"1387":1937,"1388":1938,"1389":1940,"1390":1942,"1391":1942,"1392":1944,"1393":1944,"1394":1945,"1395":1946,"1396":1946,"1397":1951,"1398":1952,"1399":1953,"1400":1956,"1401":1959,"1402":1959,"1403":1962,"1404":1963,"1405":1964,"1406":1966,"1407":1971,"1408":1973,"1409":1977,"1410":1980,"1411":1980,"1412":1982,"1413":1982,"1414":1983,"1415":1986,"1416":1986,"1417":1986,"1418":1988,"1419":1989,"1420":1989,"1421":1989,"1422":1994,"1423":1997,"1424":1999,"1425":2001,"1426":2004,"1427":2005,"1428":2019,"1429":2026,"1430":2028,"1431":2028,"1432":2028,"1433":2029,"1434":2034,"1435":2035,"1436":2037,"1437":2039,"1438":2041,"1439":2046,"1440":2047,"1441":2048,"1442":2050,"1443":2050,"1444":2054,"1445":2056,"1446":2059,"1447":2059,"1448":2060,"1449":2061,"1450":2064,"1451":2064,"1452":2066,"1453":2069,"1454":2071,"1455":2073,"1456":2075,"1457":2077,"1458":2077,"1459":2080,"1460":2082,"1461":2083,"1462":2084,"1463":2085,"1464":2086,"1465":2088,"1466":2089,"1467":2097,"1468":2098,"1469":2100,"1470":2101,"1471":2104,"1472":2112,"1473":2117,"1474":2120,"1475":2123,"1476":2123,"1477":2123,"1478":2126,"1479":2127,"1480":2142,"1481":2154,"1482":2154,"1483":2155,"1484":2156,"1485":2156,"1486":2159,"1487":2159,"1488":2160,"1489":2160,"1490":2164,"1491":2165,"1492":2168,"1493":2172,"1494":2175,"1495":2176,"1496":2176,"1497":2178,"1498":2180,"1499":2181,"1500":2183,"1501":2187,"1502":2189,"1503":2189,"1504":2190,"1505":2200,"1506":2202,"1507":2204,"1508":2205,"1509":2207,"1510":2209,"1511":2211,"1512":2213,"1513":2214,"1514":2215,"1515":2217,"1516":2221,"1517":2222,"1518":2223,"1519":2223,"1520":2224,"1521":2224,"1522":2225,"1523":2225,"1524":2226,"1525":2228,"1526":2229,"1527":2230,"1528":2232,"1529":2232,"1530":2234,"1531":2236,"1532":2239,"1533":2240,"1534":2242,"1535":2242,"1536":2244,"1537":2244,"1538":2244,"1539":2246,"1540":2249,"1541":2250,"1542":2251,"1543":2253,"1544":2262,"1545":2262,"1546":2262,"1547":2263,"1548":2267,"1549":2271,"1550":2272,"1551":2275,"1552":2280,"1553":2282,"1554":2284,"1555":2284,"1556":2286,"1557":2286,"1558":2288,"1559":2290,"1560":2293,"1561":2293,"1562":2295,"1563":2295,"1564":2298,"1565":2300,"1566":2302,"1567":2303,"1568":2303,"1569":2304,"1570":2306,"1571":2307,"1572":2308,"1573":2308,"1574":2309,"1575":2310,"1576":2311,"1577":2313,"1578":2317,"1579":2319,"1580":2319,"1581":2322,"1582":2322,"1583":2323,"1584":2325,"1585":2326,"1586":2327,"1587":2328,"1588":2329,"1589":2333,"1590":2334,"1591":2335,"1592":2335,"1593":2337,"1594":2340,"1595":2341,"1596":2344,"1597":2346,"1598":2346,"1599":2347,"1600":2356,"1601":2356,"1602":2359,"1603":2360,"1604":2363,"1605":2365,"1606":2367,"1607":2368,"1608":2369,"1609":2371,"1610":2372,"1611":2373,"1612":2373,"1613":2375,"1614":2377,"1615":2379,"1616":2381,"1617":2385,"1618":2387,"1619":2388,"1620":2392,"1621":2392,"1622":2395,"1623":2397,"1624":2400,"1625":2403,"1626":2407,"1627":2409,"1628":2413,"1629":2413,"1630":2414,"1631":2421,"1632":2422,"1633":2422,"1634":2425,"1635":2425,"1636":2426,"1637":2427,"1638":2431,"1639":2434,"1640":2434,"1641":2436,"1642":2438,"1643":2438,"1644":2438,"1645":2440,"1646":2442,"1647":2446,"1648":2447,"1649":2448,"1650":2455,"1651":2456,"1652":2458,"1653":2460,"1654":2461,"1655":2465,"1656":2466,"1657":2469,"1658":2470,"1659":2473,"1660":2475,"1661":2476,"1662":2477,"1663":2478,"1664":2479,"1665":2480,"1666":2480,"1667":2481,"1668":2485,"1669":2489,"1670":2492,"1671":2495,"1672":2499,"1673":2501,"1674":2502,"1675":2503,"1676":2505,"1677":2507,"1678":2509,"1679":2510,"1680":2515,"1681":2518,"1682":2520,"1683":2521,"1684":2523,"1685":2524,"1686":2524,"1687":2528,"1688":2530,"1689":2531,"1690":2533,"1691":2535,"1692":2539,"1693":2541,"1694":2541,"1695":2542,"1696":2546,"1697":2546,"1698":2546,"1699":2549,"1700":2549,"1701":2552,"1702":2552,"1703":2552,"1704":2553,"1705":2555,"1706":2556,"1707":2557,"1708":2559,"1709":2560,"1710":2562,"1711":2565,"1712":2567,"1713":2568,"1714":2570,"1715":2573,"1716":2577,"1717":2578,"1718":2579,"1719":2580,"1720":2581,"1721":2582,"1722":2584,"1723":2588,"1724":2590,"1725":2590,"1726":2592,"1727":2593,"1728":2595,"1729":2596,"1730":2598,"1731":2600,"1732":2603,"1733":2603,"1734":2603,"1735":2604,"1736":2604,"1737":2605,"1738":2605,"1739":2607,"1740":2607,"1741":2608,"1742":2608,"1743":2610,"1744":2612,"1745":2613,"1746":2614,"1747":2616,"1748":2619,"1749":2619,"1750":2620,"1751":2623,"1752":2625,"1753":2627,"1754":2628,"1755":2630,"1756":2632,"1757":2633,"1758":2637,"1759":2637,"1760":2640,"1761":2640,"1762":2641,"1763":2642,"1764":2645,"1765":2647,"1766":2647,"1767":2649,"1768":2650,"1769":2652,"1770":2654,"1771":2656,"1772":2658,"1773":2659,"1774":2667,"1775":2668,"1776":2671,"1777":2672,"1778":2673,"1779":2674,"1780":2676,"1781":2680,"1782":2681,"1783":2682,"1784":2683,"1785":2683,"1786":2684,"1787":2689,"1788":2690,"1789":2692,"1790":2693,"1791":2693,"1792":2694,"1793":2696,"1794":2697,"1795":2700,"1796":2701,"1797":2702,"1798":2703,"1799":2705,"1800":2706,"1801":2707,"1802":2711,"1803":2715,"1804":2716,"1805":2716,"1806":2718,"1807":2719,"1808":2729,"1809":2730,"1810":2730,"1811":2730,"1812":2734,"1813":2738,"1814":2738,"1815":2738,"1816":2740,"1817":2741,"1818":2743,"1819":2743,"1820":2743,"1821":2746,"1822":2749,"1823":2751,"1824":2751,"1825":2758,"1826":2758,"1827":2759,"1828":2761,"1829":2762,"1830":2765,"1831":2767,"1832":2769,"1833":2773,"1834":2774,"1835":2774,"1836":2776,"1837":2777,"1838":2778,"1839":2779,"1840":2779,"1841":2784,"1842":2785,"1843":2786,"1844":2787,"1845":2790,"1846":2791,"1847":2792,"1848":2795,"1849":2797,"1850":2797,"1851":2797,"1852":2799,"1853":2800,"1854":2801,"1855":2803,"1856":2805,"1857":2807,"1858":2808,"1859":2809,"1860":2810,"1861":2810,"1862":2811,"1863":2812,"1864":2814,"1865":2814,"1866":2815,"1867":2817,"1868":2818,"1869":2820,"1870":2822,"1871":2824,"1872":2824,"1873":2824,"1874":2825,"1875":2827,"1876":2828,"1877":2832,"1878":2832,"1879":2833,"1880":2835,"1881":2835,"1882":2835,"1883":2835,"1884":2837,"1885":2838,"1886":2838,"1887":2840,"1888":2842,"1889":2844,"1890":2846,"1891":2847,"1892":2848,"1893":2849,"1894":2850,"1895":2850,"1896":2851,"1897":2853,"1898":2855,"1899":2857,"1900":2857,"1901":2858,"1902":2859,"1903":2860,"1904":2862,"1905":2865,"1906":2867,"1907":2868,"1908":2870,"1909":2870,"1910":2871,"1911":2872,"1912":2873,"1913":2876,"1914":2877,"1915":2877,"1916":2877,"1917":2880,"1918":2881,"1919":2881,"1920":2883,"1921":2883,"1922":2883,"1923":2883,"1924":2887,"1925":2888,"1926":2889,"1927":2891,"1928":2892,"1929":2895,"1930":2903,"1931":2904,"1932":2906,"1933":2907,"1934":2907,"1935":2909,"1936":2916,"1937":2918,"1938":2918,"1939":2919,"1940":2921,"1941":2923,"1942":2923,"1943":2925,"1944":2925,"1945":2926,"1946":2926,"1947":2927,"1948":2928,"1949":2929,"1950":2929,"1951":2929,"1952":2931,"1953":2932,"1954":2933,"1955":2936,"1956":2937,"1957":2937,"1958":2937,"1959":2937,"1960":2940,"1961":2944,"1962":2947,"1963":2948,"1964":2948,"1965":2949,"1966":2951,"1967":2952,"1968":2955,"1969":2960,"1970":2960,"1971":2962,"1972":2963,"1973":2964,"1974":2964,"1975":2965,"1976":2968,"1977":2970,"1978":2974,"1979":2978,"1980":2983,"1981":2987,"1982":2987,"1983":2989,"1984":2990,"1985":2991,"1986":2993,"1987":2993,"1988":2994,"1989":2995,"1990":2995,"1991":2995,"1992":2997,"1993":2997,"1994":2997,"1995":2998,"1996":2999,"1997":2999,"1998":3002,"1999":3005,"2000":3005,"2001":3007,"2002":3010,"2003":3011,"2004":3013,"2005":3014,"2006":3015,"2007":3017,"2008":3017,"2009":3019,"2010":3021,"2011":3021,"2012":3023,"2013":3026,"2014":3026,"2015":3027,"2016":3027,"2017":3028,"2018":3029,"2019":3031,"2020":3031,"2021":3031,"2022":3033,"2023":3034,"2024":3035,"2025":3035,"2026":3035,"2027":3037,"2028":3040,"2029":3042,"2030":3045,"2031":3046,"2032":3046,"2033":3047,"2034":3047,"2035":3048,"2036":3052,"2037":3054,"2038":3055,"2039":3059,"2040":3061,"2041":3066,"2042":3068,"2043":3069,"2044":3070,"2045":3071,"2046":3073,"2047":3074,"2048":3074,"2049":3077,"2050":3080,"2051":3081,"2052":3081,"2053":3084,"2054":3086,"2055":3088,"2056":3091,"2057":3093,"2058":3097,"2059":3097,"2060":3099,"2061":3099,"2062":3099,"2063":3100,"2064":3101,"2065":3104,"2066":3107,"2067":3113,"2068":3116,"2069":3121,"2070":3128,"2071":3129,"2072":3131,"2073":3131,"2074":3131,"2075":3131,"2076":3133,"2077":3135,"2078":3135,"2079":3138,"2080":3139,"2081":3140,"2082":3141,"2083":3142,"2084":3144,"2085":3145,"2086":3147,"2087":3147,"2088":3149,"2089":3151,"2090":3151,"2091":3152,"2092":3155,"2093":3157,"2094":3158,"2095":3159,"2096":3161,"2097":3162,"2098":3162,"2099":3164,"2100":3167,"2101":3168,"2102":3170,"2103":3171,"2104":3173,"2105":3174,"2106":3176,"2107":3178,"2108":3186,"2109":3186,"2110":3187,"2111":3188,"2112":3188,"2113":3189,"2114":3189,"2115":3190,"2116":3191,"2117":3191,"2118":3191,"2119":3193,"2120":3195,"2121":3197,"2122":3198,"2123":3200,"2124":3200,"2125":3202,"2126":3204,"2127":3204,"2128":3206,"2129":3208,"2130":3208,"2131":3211,"2132":3211,"2133":3212,"2134":3214,"2135":3216,"2136":3217,"2137":3217,"2138":3218,"2139":3219,"2140":3219,"2141":3219,"2142":3220,"2143":3221,"2144":3223,"2145":3225,"2146":3226,"2147":3226,"2148":3227,"2149":3228,"2150":3229,"2151":3231,"2152":3231,"2153":3233,"2154":3237,"2155":3238,"2156":3239,"2157":3240,"2158":3240,"2159":3242,"2160":3246,"2161":3247,"2162":3249,"2163":3251,"2164":3251,"2165":3251,"2166":3252,"2167":3252,"2168":3255,"2169":3256,"2170":3257,"2171":3259,"2172":3259,"2173":3260,"2174":3262,"2175":3262,"2176":3264,"2177":3266,"2178":3266,"2179":3266,"2180":3267,"2181":3270,"2182":3272,"2183":3275,"2184":3275,"2185":3277,"2186":3277,"2187":3279,"2188":3279,"2189":3283,"2190":3289,"2191":3291,"2192":3294,"2193":3296,"2194":3296,"2195":3297,"2196":3298,"2197":3298,"2198":3299,"2199":3299,"2200":3301,"2201":3302,"2202":3302,"2203":3304,"2204":3306,"2205":3308,"2206":3309,"2207":3310,"2208":3311,"2209":3312,"2210":3312,"2211":3313,"2212":3313,"2213":3315,"2214":3317,"2215":3320,"2216":3322,"2217":3323,"2218":3324,"2219":3327,"2220":3332,"2221":3332,"2222":3333,"2223":3337,"2224":3337,"2225":3338,"2226":3339,"2227":3339,"2228":3342,"2229":3344,"2230":3346,"2231":3348,"2232":3351,"2233":3351,"2234":3356,"2235":3357,"2236":3357,"2237":3360,"2238":3361,"2239":3361,"2240":3361,"2241":3363,"2242":3365,"2243":3365,"2244":3368,"2245":3369,"2246":3372,"2247":3374,"2248":3374,"2249":3376,"2250":3379,"2251":3379,"2252":3380,"2253":3380,"2254":3380,"2255":3380,"2256":3381,"2257":3386,"2258":3386,"2259":3387,"2260":3388,"2261":3390,"2262":3391,"2263":3392,"2264":3392,"2265":3393,"2266":3398,"2267":3398,"2268":3398,"2269":3401,"2270":3404,"2271":3404,"2272":3405,"2273":3406,"2274":3406,"2275":3407,"2276":3410,"2277":3410,"2278":3412,"2279":3413,"2280":3415,"2281":3415,"2282":3425,"2283":3428,"2284":3430,"2285":3430,"2286":3432,"2287":3432,"2288":3434,"2289":3435,"2290":3437,"2291":3437,"2292":3438,"2293":3439,"2294":3439,"2295":3439,"2296":3441,"2297":3444,"2298":3445,"2299":3445,"2300":3446,"2301":3448,"2302":3448,"2303":3448,"2304":3449,"2305":3449,"2306":3452,"2307":3455,"2308":3457,"2309":3458,"2310":3459,"2311":3460,"2312":3461,"2313":3462,"2314":3463,"2315":3465,"2316":3466,"2317":3467,"2318":3467,"2319":3467,"2320":3469,"2321":3470,"2322":3471,"2323":3472,"2324":3474,"2325":3474,"2326":3475,"2327":3476,"2328":3476,"2329":3476,"2330":3477,"2331":3481,"2332":3482,"2333":3483,"2334":3485,"2335":3486,"2336":3487,"2337":3489,"2338":3491,"2339":3492,"2340":3493,"2341":3494,"2342":3496,"2343":3497,"2344":3497,"2345":3498,"2346":3499,"2347":3501,"2348":3502,"2349":3502,"2350":3503,"2351":3503,"2352":3504,"2353":3505,"2354":3507,"2355":3509,"2356":3510,"2357":3511,"2358":3515,"2359":3516,"2360":3518,"2361":3521,"2362":3522,"2363":3523,"2364":3524,"2365":3526,"2366":3528,"2367":3529,"2368":3530,"2369":3530,"2370":3531,"2371":3534,"2372":3540,"2373":3542,"2374":3543,"2375":3546,"2376":3547,"2377":3547,"2378":3548,"2379":3549,"2380":3550,"2381":3566,"2382":3566,"2383":3567,"2384":3574,"2385":3574,"2386":3575,"2387":3575,"2388":3577,"2389":3580,"2390":3581,"2391":3582,"2392":3583,"2393":3583,"2394":3585,"2395":3586,"2396":3587,"2397":3587,"2398":3589,"2399":3589,"2400":3590,"2401":3593,"2402":3593,"2403":3596,"2404":3600,"2405":3605,"2406":3607,"2407":3610,"2408":3610,"2409":3614,"2410":3616,"2411":3616,"2412":3619,"2413":3624,"2414":3625,"2415":3625,"2416":3626,"2417":3627,"2418":3629,"2419":3630,"2420":3630,"2421":3632,"2422":3632,"2423":3634,"2424":3635,"2425":3636,"2426":3638,"2427":3640,"2428":3640,"2429":3641,"2430":3642,"2431":3642,"2432":3644,"2433":3646,"2434":3646,"2435":3646,"2436":3648,"2437":3649,"2438":3650,"2439":3650,"2440":3651,"2441":3653,"2442":3654,"2443":3658,"2444":3659,"2445":3661,"2446":3663,"2447":3663,"2448":3665,"2449":3676,"2450":3679,"2451":3683,"2452":3685,"2453":3686,"2454":3687,"2455":3688,"2456":3688,"2457":3689,"2458":3694,"2459":3695,"2460":3695,"2461":3696,"2462":3697,"2463":3698,"2464":3699,"2465":3701,"2466":3703,"2467":3704,"2468":3704,"2469":3704,"2470":3706,"2471":3707,"2472":3710,"2473":3711,"2474":3720,"2475":3724,"2476":3725,"2477":3729,"2478":3730,"2479":3730,"2480":3732,"2481":3732,"2482":3734,"2483":3735,"2484":3736,"2485":3740,"2486":3740,"2487":3742,"2488":3743,"2489":3745,"2490":3747,"2491":3753,"2492":3755,"2493":3757,"2494":3760,"2495":3763,"2496":3764,"2497":3766,"2498":3768,"2499":3770,"2500":3770,"2501":3772,"2502":3774,"2503":3774,"2504":3778,"2505":3779,"2506":3779,"2507":3780,"2508":3780,"2509":3781,"2510":3781,"2511":3783,"2512":3787,"2513":3788,"2514":3789,"2515":3789,"2516":3789,"2517":3791,"2518":3791,"2519":3793,"2520":3793,"2521":3793,"2522":3795,"2523":3796,"2524":3797,"2525":3798,"2526":3800,"2527":3802,"2528":3804,"2529":3804,"2530":3805,"2531":3806,"2532":3808,"2533":3810,"2534":3812,"2535":3813,"2536":3814,"2537":3815,"2538":3815,"2539":3816,"2540":3818,"2541":3818,"2542":3820,"2543":3824,"2544":3826,"2545":3827,"2546":3831,"2547":3832,"2548":3834,"2549":3836,"2550":3838,"2551":3844,"2552":3845,"2553":3847,"2554":3849,"2555":3849,"2556":3851,"2557":3852,"2558":3853,"2559":3854,"2560":3856,"2561":3856,"2562":3856,"2563":3858,"2564":3860,"2565":3864,"2566":3866,"2567":3867,"2568":3869,"2569":3870,"2570":3872,"2571":3872,"2572":3874,"2573":3874,"2574":3875,"2575":3877,"2576":3878,"2577":3880,"2578":3883,"2579":3884,"2580":3885,"2581":3886,"2582":3887,"2583":3888,"2584":3889,"2585":3892,"2586":3892,"2587":3894,"2588":3895,"2589":3896,"2590":3899,"2591":3900,"2592":3901,"2593":3902,"2594":3903,"2595":3904,"2596":3905,"2597":3906,"2598":3907,"2599":3908,"2600":3909,"2601":3911,"2602":3912,"2603":3913,"2604":3915,"2605":3919,"2606":3921,"2607":3922,"2608":3924,"2609":3924,"2610":3926,"2611":3928,"2612":3929,"2613":3935,"2614":3937,"2615":3938,"2616":3939,"2617":3939,"2618":3942,"2619":3943,"2620":3945,"2621":3947,"2622":3949,"2623":3952,"2624":3954,"2625":3954,"2626":3956,"2627":3957,"2628":3959,"2629":3960,"2630":3960,"2631":3962,"2632":3964,"2633":3966,"2634":3967,"2635":3968,"2636":3970,"2637":3971,"2638":3974,"2639":3976,"2640":3978,"2641":3979,"2642":3980,"2643":3982,"2644":3983,"2645":3983,"2646":3984,"2647":3988,"2648":3990,"2649":3991,"2650":3991,"2651":3992,"2652":3994,"2653":3996,"2654":4000,"2655":4003,"2656":4003,"2657":4005,"2658":4007,"2659":4010,"2660":4010,"2661":4010,"2662":4012,"2663":4014,"2664":4017,"2665":4020,"2666":4023,"2667":4024,"2668":4026,"2669":4027,"2670":4029,"2671":4030,"2672":4030,"2673":4034,"2674":4038,"2675":4040,"2676":4045,"2677":4047,"2678":4049,"2679":4049,"2680":4050,"2681":4051,"2682":4051,"2683":4053,"2684":4053,"2685":4054,"2686":4054,"2687":4056,"2688":4060,"2689":4062,"2690":4064,"2691":4065,"2692":4066,"2693":4066,"2694":4067,"2695":4067,"2696":4067,"2697":4068,"2698":4070,"2699":4071,"2700":4073,"2701":4074,"2702":4075,"2703":4075,"2704":4079,"2705":4081,"2706":4085,"2707":4087,"2708":4088,"2709":4089,"2710":4090,"2711":4093,"2712":4094,"2713":4095,"2714":4097,"2715":4098,"2716":4099,"2717":4100,"2718":4101,"2719":4102,"2720":4103,"2721":4104,"2722":4105,"2723":4106,"2724":4107,"2725":4108,"2726":4109,"2727":4111,"2728":4111,"2729":4113,"2730":4114,"2731":4116,"2732":4118,"2733":4119,"2734":4121,"2735":4122,"2736":4125,"2737":4125,"2738":4127,"2739":4128,"2740":4129,"2741":4129,"2742":4130,"2743":4131,"2744":4140,"2745":4140,"2746":4141,"2747":4141,"2748":4144,"2749":4145,"2750":4146,"2751":4148,"2752":4150,"2753":4150,"2754":4151,"2755":4151,"2756":4152,"2757":4155,"2758":4156,"2759":4157,"2760":4159,"2761":4161,"2762":4161,"2763":4162,"2764":4165,"2765":4165,"2766":4167,"2767":4170,"2768":4172,"2769":4174,"2770":4193,"2771":4213,"2772":4216,"2773":4217,"2774":4219,"2775":4220,"2776":4221,"2777":4222,"2778":4222,"2779":4222,"2780":4222,"2781":4222,"2782":4222,"2783":4222,"2784":4222,"2785":4222,"2786":4222,"2787":4222,"2788":4222,"2789":4224,"2790":4239,"2791":4239,"2792":4240,"2793":4241,"2794":4242,"2795":4243,"2796":4245,"2797":4246,"2798":4248,"2799":4249,"2800":4252,"2801":4252,"2802":4252,"2803":4253,"2804":4254,"2805":4255,"2806":4257,"2807":4258,"2808":4259,"2809":4262,"2810":4262,"2811":4264,"2812":4264,"2813":4267,"2814":4270,"2815":4270,"2816":4272,"2817":4273,"2818":4273,"2819":4277,"2820":4277,"2821":4278,"2822":4281,"2823":4281,"2824":4282,"2825":4283,"2826":4284,"2827":4284,"2828":4284,"2829":4286,"2830":4287,"2831":4287,"2832":4289,"2833":4290,"2834":4291,"2835":4294,"2836":4296,"2837":4296,"2838":4297,"2839":4298,"2840":4299,"2841":4299,"2842":4302,"2843":4302,"2844":4303,"2845":4304,"2846":4305,"2847":4308,"2848":4308,"2849":4311,"2850":4311,"2851":4313,"2852":4313,"2853":4314,"2854":4315,"2855":4316,"2856":4317,"2857":4318,"2858":4320,"2859":4321,"2860":4322,"2861":4324,"2862":4325,"2863":4325,"2864":4325,"2865":4327,"2866":4333,"2867":4333,"2868":4334,"2869":4340,"2870":4341,"2871":4343,"2872":4343,"2873":4344,"2874":4344,"2875":4344,"2876":4346,"2877":4348,"2878":4349,"2879":4350,"2880":4352,"2881":4353,"2882":4357,"2883":4358,"2884":4359,"2885":4361,"2886":4361,"2887":4363,"2888":4365,"2889":4368,"2890":4368,"2891":4372,"2892":4373,"2893":4377,"2894":4379,"2895":4380,"2896":4381,"2897":4383,"2898":4386,"2899":4388,"2900":4392,"2901":4393,"2902":4395,"2903":4396,"2904":4396,"2905":4398,"2906":4401,"2907":4403,"2908":4404,"2909":4406,"2910":4406,"2911":4406,"2912":4408,"2913":4410,"2914":4412,"2915":4414,"2916":4414,"2917":4416,"2918":4417,"2919":4417,"2920":4418,"2921":4422,"2922":4422,"2923":4423,"2924":4425,"2925":4428,"2926":4428,"2927":4428,"2928":4431,"2929":4433,"2930":4434,"2931":4434,"2932":4436,"2933":4439,"2934":4439,"2935":4439,"2936":4440,"2937":4441,"2938":4454,"2939":4459,"2940":4461,"2941":4466,"2942":4468,"2943":4471,"2944":4474,"2945":4474,"2946":4475,"2947":4476,"2948":4477,"2949":4478,"2950":4478,"2951":4479,"2952":4480,"2953":4480,"2954":4481,"2955":4482,"2956":4486,"2957":4487,"2958":4489,"2959":4489,"2960":4490,"2961":4491,"2962":4493,"2963":4494,"2964":4496,"2965":4500,"2966":4501,"2967":4503,"2968":4506,"2969":4506,"2970":4512,"2971":4512,"2972":4513,"2973":4513,"2974":4513,"2975":4514,"2976":4517,"2977":4517,"2978":4518,"2979":4519,"2980":4522,"2981":4522,"2982":4525,"2983":4525,"2984":4529,"2985":4531,"2986":4532,"2987":4532,"2988":4533,"2989":4535,"2990":4538,"2991":4540,"2992":4540,"2993":4540,"2994":4543,"2995":4543,"2996":4545,"2997":4546,"2998":4548,"2999":4550,"3000":4551,"3001":4551,"3002":4552,"3003":4555,"3004":4558,"3005":4560,"3006":4568,"3007":4568,"3008":4574,"3009":4578,"3010":4579,"3011":4581,"3012":4582,"3013":4584,"3014":4585,"3015":4596,"3016":4598,"3017":4599,"3018":4601,"3019":4605,"3020":4605,"3021":4606,"3022":4607,"3023":4608,"3024":4613,"3025":4614,"3026":4615,"3027":4616,"3028":4617,"3029":4618,"3030":4619,"3031":4621,"3032":4622,"3033":4625},"number_max":3033,"number_pages":{"46":8,"49":9,"53":10,"56":11,"60":12,"64":13,"65":14,"66":15,"67":16,"71":17,"72":18,"75":19,"77":21,"78":23,"80":25,"85":26,"86":27,"89":28,"90":29,"91":30,"95":31,"97":33,"99":34,"100":35,"102":36,"103":37,"105":38,"106":39,"108":42,"109":43,"111":44,"113":45,"114":46,"115":48,"117":49,"120":50,"122":52,"127":53,"129":54,"131":55,"133":56,"136":57,"139":59,"142":60,"144":61,"145":62,"146":63,"147":64,"149":66,"151":67,"152":70,"154":72,"156":73,"157":77,"159":78,"160":80,"162":82,"164":83,"165":84,"166":85,"170":86,"173":87,"175":88,"176":89,"177":90,"179":91,"181":92,"182":93,"183":94,"185":95,"187":96,"188":97,"190":100,"191":101,"192":102,"193":103,"194":104,"196":105,"197":106,"199":107,"200":108,"203":109,"204":110,"207":111,"209":112,"210":113,"212":114,"214":115,"215":116,"218":117,"219":118,"220":119,"222":120,"224":121,"226":122,"228":123,"231":124,"233":126,"235":127,"237":128,"238":129,"240":131,"242":133,"243":135,"245":136,"247":137,"248":138,"250":139,"251":141,"253":142,"255":143,"258":144,"261":147,"263":148,"265":149,"266":150,"270":151,"273":152,"274":153,"275":154,"277":155,"283":156,"284":157,"285":158,"286":159,"288":160,"289":161,"296":162,"307":163,"309":164,"313":165,"314":166,"315":168,"318":169,"319":171,"320":172,"321":173,"323":174,"324":177,"328":178,"329":179,"331":181,"332":182,"338":183,"348":185,"350":186,"351":187,"353":188,"354":189,"356":190,"357":191,"362":193,"370":194,"374":195,"376":196,"377":197,"378":199,"379":201,"382":202,"384":203,"387":204,"388":205,"389":207,"390":208,"391":210,"393":213,"395":214,"396":216,"400":218,"402":220,"408":221,"410":222,"413":223,"417":224,"419":225,"420":226,"424":227,"427":228,"428":230,"429":231,"431":232,"432":233,"433":234,"435":235,"437":236,"439":237,"442":239,"443":240,"445":242,"447":266,"473":267,"474":268,"475":269,"476":271,"478":272,"480":273,"483":274,"490":275,"491":276,"492":277,"493":278,"496":279,"498":280,"500":282,"502":283,"503":284,"504":285,"506":287,"508":289,"509":290,"510":291,"512":292,"515":294,"517":296,"519":297,"523":299,"525":300,"526":302,"528":303,"530":304,"531":305,"532":306,"533":307,"534":309,"536":313,"537":314,"539":315,"542":317,"543":318,"547":319,"548":320,"549":322,"550":323,"551":326,"553":329,"554":331,"556":332,"558":333,"560":334,"563":335,"565":337,"567":338,"569":339,"571":341,"573":342,"574":346,"575":347,"576":349,"577":350,"578":353,"579":356,"580":357,"581":359,"582":360,"584":362,"585":364,"586":365,"588":366,"590":367,"592":368,"595":369,"596":370,"597":372,"599":373,"600":374,"602":375,"603":376,"606":377,"608":378,"610":379,"612":380,"613":381,"614":382,"616":384,"618":385,"619":386,"620":387,"621":388,"622":389,"624":390,"625":391,"627":392,"629":393,"630":394,"633":395,"636":396,"638":397,"640":398,"641":399,"643":400,"645":401,"646":402,"649":403,"650":404,"654":405,"656":407,"657":408,"659":409,"660":410,"662":411,"665":414,"667":415,"668":417,"670":418,"676":419,"677":420,"680":421,"685":422,"687":423,"688":425,"689":426,"690":427,"691":429,"692":431,"694":432,"695":433,"696":436,"697":438,"698":440,"699":441,"701":442,"704":444,"705":445,"706":446,"707":447,"708":448,"710":449,"711":450,"714":451,"715":452,"716":453,"717":454,"719":455,"720":457,"721":458,"722":460,"723":463,"725":464,"726":465,"729":467,"730":468,"731":469,"732":470,"733":471,"734":473,"735":474,"736":475,"737":477,"738":478,"740":479,"742":480,"743":481,"745":484,"746":485,"747":486,"748":487,"749":489,"750":491,"751":492,"752":494,"753":495,"754":497,"755":498,"759":501,"760":502,"761":503,"763":504,"765":505,"766":506,"767":507,"768":509,"769":511,"771":512,"773":513,"774":514,"775":515,"776":517,"777":519,"780":520,"782":523,"783":524,"787":527,"789":530,"791":532,"792":533,"794":534,"797":535,"798":536,"799":537,"804":538,"805":540,"808":541,"809":542,"810":543,"812":544,"814":545,"815":546,"816":547,"817":550,"818":551,"819":554,"820":555,"821":556,"822":559,"824":560,"826":563,"827":566,"829":567,"832":569,"836":570,"837":571,"838":572,"843":573,"844":574,"846":575,"847":576,"848":577,"850":578,"852":579,"854":580,"856":582,"858":583,"859":586,"861":589,"862":590,"865":593,"866":594,"869":595,"870":597,"873":598,"874":599,"875":601,"877":602,"878":603,"879":605,"880":606,"881":607,"883":609,"885":611,"888":612,"892":613,"893":614,"896":615,"897":617,"899":620,"901":621,"902":623,"903":624,"904":625,"905":627,"907":628,"908":629,"909":630,"910":631,"911":632,"912":633,"913":635,"914":637,"915":639,"918":640,"919":641,"920":643,"921":644,"922":645,"923":647,"926":648,"931":650,"932":651,"933":652,"936":653,"937":654,"939":655,"940":657,"945":660,"947":661,"951":662,"952":663,"953":665,"954":668,"955":669,"956":670,"957":671,"958":672,"959":673,"961":674,"962":675,"963":677,"964":678,"965":679,"967":680,"969":681,"973":682,"976":684,"978":685,"981":686,"982":687,"984":689,"985":690,"986":693,"988":694,"989":695,"990":696,"991":699,"994":700,"997":702,"999":704,"1002":706,"1008":708,"1010":709,"1011":710,"1013":712,"1015":713,"1017":715,"1020":716,"1021":719,"1025":722,"1029":724,"1030":725,"1031":727,"1033":728,"1035":729,"1036":730,"1038":731,"1039":734,"1040":735,"1041":737,"1042":738,"1045":739,"1046":741,"1047":742,"1048":744,"1049":745,"1050":746,"1054":747,"1055":748,"1056":749,"1059":753,"1060":754,"1062":755,"1063":756,"1064":757,"1065":758,"1068":760,"1071":761,"1072":762,"1075":763,"1082":764,"1084":766,"1085":768,"1086":769,"1088":770,"1089":771,"1091":772,"1092":773,"1093":774,"1094":775,"1095":776,"1096":778,"1097":780,"1098":781,"1099":783,"1101":785,"1102":787,"1105":788,"1107":790,"1108":791,"1110":792,"1112":793,"1113":794,"1115":796,"1117":797,"1119":798,"1120":799,"1121":800,"1123":801,"1124":803,"1126":804,"1127":805,"1129":808,"1131":810,"1132":812,"1133":813,"1135":814,"1136":816,"1138":817,"1139":819,"1143":821,"1145":822,"1150":824,"1152":828,"1153":829,"1156":830,"1157":831,"1158":832,"1162":833,"1164":835,"1167":837,"1169":838,"1170":840,"1171":842,"1172":843,"1178":844,"1179":845,"1182":847,"1183":848,"1184":850,"1186":851,"1188":853,"1191":854,"1192":856,"1195":857,"1196":859,"1197":860,"1199":862,"1201":863,"1203":864,"1204":865,"1205":866,"1206":867,"1207":868,"1208":869,"1209":870,"1210":873,"1212":874,"1213":875,"1216":876,"1218":878,"1220":880,"1222":882,"1224":883,"1226":885,"1231":887,"1232":889,"1233":890,"1236":891,"1237":892,"1240":893,"1243":894,"1246":895,"1247":896,"1248":897,"1252":898,"1253":899,"1255":900,"1257":901,"1263":902,"1265":903,"1267":904,"1271":905,"1273":906,"1274":907,"1275":909,"1276":910,"1277":912,"1278":914,"1279":915,"1281":917,"1283":918,"1285":919,"1286":920,"1288":921,"1289":922,"1290":923,"1291":924,"1294":925,"1295":926,"1296":927,"1298":928,"1299":929,"1301":932,"1302":933,"1303":934,"1304":935,"1305":936,"1306":937,"1308":938,"1309":939,"1313":940,"1315":941,"1317":942,"1318":943,"1319":944,"1321":945,"1322":946,"1325":947,"1326":948,"1327":949,"1329":950,"1330":952,"1333":953,"1335":955,"1336":957,"1337":958,"1339":959,"1340":961,"1341":962,"1343":963,"1345":964,"1347":965,"1348":966,"1349":967,"1350":969,"1352":970,"1353":972,"1354":973,"1356":974,"1358":975,"1360":976,"1361":977,"1363":978,"1367":979,"1368":980,"1371":981,"1372":982,"1373":983,"1375":984,"1376":985,"1379":986,"1380":987,"1386":988,"1388":989,"1389":990,"1390":991,"1395":992,"1398":993,"1400":995,"1401":996,"1402":997,"1404":998,"1405":999,"1407":1001,"1409":1002,"1410":1003,"1412":1004,"1414":1006,"1415":1007,"1416":1008,"1417":1009,"1418":1010,"1419":1012,"1421":1013,"1422":1014,"1423":1015,"1424":1016,"1426":1017,"1429":1018,"1430":1020,"1431":1021,"1434":1022,"1435":1023,"1436":1024,"1437":1025,"1438":1026,"1440":1027,"1442":1028,"1443":1029,"1445":1030,"1446":1031,"1448":1032,"1449":1034,"1450":1035,"1451":1036,"1452":1037,"1453":1038,"1454":1039,"1456":1041,"1457":1043,"1459":1044,"1461":1045,"1463":1047,"1464":1049,"1465":1050,"1466":1051,"1467":1052,"1470":1053,"1471":1055,"1472":1056,"1473":1057,"1474":1058,"1477":1059,"1483":1060,"1484":1061,"1485":1062,"1487":1063,"1488":1064,"1495":1065,"1497":1066,"1502":1068,"1503":1069,"1504":1071,"1506":1072,"1511":1075,"1513":1076,"1515":1077,"1516":1078,"1519":1079,"1521":1080,"1523":1081,"1526":1082,"1527":1085,"1528":1086,"1529":1087,"1531":1088,"1533":1089,"1534":1091,"1536":1092,"1537":1093,"1539":1094,"1540":1096,"1541":1098,"1542":1099,"1543":1101,"1545":1103,"1546":1105,"1548":1106,"1550":1108,"1552":1109,"1553":1110,"1555":1111,"1556":1112,"1559":1113,"1560":1115,"1561":1117,"1562":1118,"1564":1119,"1565":1120,"1566":1121,"1567":1122,"1568":1124,"1570":1126,"1573":1128,"1574":1129,"1575":1131,"1576":1132,"1577":1133,"1578":1134,"1579":1135,"1580":1136,"1581":1137,"1582":1140,"1583":1142,"1585":1144,"1587":1145,"1588":1146,"1589":1147,"1591":1148,"1592":1149,"1594":1150,"1595":1151,"1599":1152,"1600":1153,"1602":1154,"1604":1155,"1605":1156,"1607":1157,"1608":1158,"1609":1159,"1617":1160,"1618":1162,"1624":1163,"1625":1164,"1626":1165,"1628":1167,"1633":1169,"1634":1170,"1636":1172,"1639":1173,"1641":1175,"1642":1176,"1645":1178,"1646":1179,"1651":1180,"1656":1182,"1657":1183,"1661":1184,"1664":1185,"1665":1186,"1667":1187,"1670":1188,"1671":1189,"1672":1190,"1673":1191,"1674":1192,"1676":1194,"1677":1196,"1683":1197,"1684":1199,"1685":1200,"1688":1201,"1691":1203,"1692":1204,"1693":1205,"1695":1206,"1699":1208,"1702":1210,"1704":1211,"1720":1213,"1722":1214,"1723":1216,"1727":1217,"1729":1218,"1747":1219,"1748":1220,"1749":1221,"1751":1222,"1752":1223,"1753":1224,"1754":1225,"1755":1226,"1759":1228,"1761":1229,"1762":1230,"1765":1232,"1766":1234,"1768":1235,"1769":1237,"1771":1239,"1772":1240,"1773":1242,"1775":1243,"1776":1245,"1778":1246,"1779":1249,"1780":1252,"1782":1255,"1785":1256,"1787":1258,"1789":1260,"1791":1262,"1793":1264,"1794":1266,"1796":1269,"1798":1271,"1800":1276,"1802":1277,"1804":1278,"1807":1279,"1808":1282,"1809":1283,"1812":1285,"1816":1286,"1817":1288,"1819":1289,"1820":1290,"1821":1293,"1822":1295,"1824":1296,"1826":1298,"1828":1299,"1830":1300,"1831":1302,"1832":1304,"1833":1305,"1835":1306,"1836":1307,"1838":1309,"1840":1310,"1841":1314,"1843":1315,"1844":1316,"1846":1317,"1848":1318,"1849":1319,"1850":1320,"1851":1321,"1854":1324,"1856":1326,"1858":1328,"1862":1329,"1865":1332,"1867":1333,"1876":1335,"1879":1336,"1881":1337,"1882":1338,"1884":1340,"1885":1341,"1888":1343,"1890":1345,"1893":1346,"1895":1347,"1897":1349,"1899":1350,"1900":1351,"1902":1352,"1904":1353,"1906":1354,"1908":1355,"1910":1356,"1911":1359,"1914":1361,"1915":1362,"1916":1363,"1918":1364,"1919":1365,"1920":1367,"1921":1370,"1922":1372,"1924":1373,"1926":1374,"1930":1377,"1931":1378,"1932":1380,"1933":1382,"1934":1383,"1935":1385,"1936":1386,"1937":1387,"1938":1388,"1940":1389,"1942":1391,"1944":1393,"1945":1394,"1946":1396,"1951":1397,"1952":1398,"1953":1399,"1956":1400,"1959":1402,"1962":1403,"1963":1404,"1964":1405,"1966":1406,"1971":1407,"1973":1408,"1977":1409,"1980":1411,"1982":1413,"1983":1414,"1986":1417,"1988":1418,"1989":1421,"1994":1422,"1997":1423,"1999":1424,"2001":1425,"2004":1426,"2005":1427,"2019":1428,"2026":1429,"2028":1432,"2029":1433,"2034":1434,"2035":1435,"2037":1436,"2039":1437,"2041":1438,"2046":1439,"2047":1440,"2048":1441,"2050":1443,"2054":1444,"2056":1445,"2059":1447,"2060":1448,"2061":1449,"2064":1451,"2066":1452,"2069":1453,"2071":1454,"2073":1455,"2075":1456,"2077":1458,"2080":1459,"2082":1460,"2083":1461,"2084":1462,"2085":1463,"2086":1464,"2088":1465,"2089":1466,"2097":1467,"2098":1468,"2100":1469,"2101":1470,"2104":1471,"2112":1472,"2117":1473,"2120":1474,"2123":1477,"2126":1478,"2127":1479,"2142":1480,"2154":1482,"2155":1483,"2156":1485,"2159":1487,"2160":1489,"2164":1490,"2165":1491,"2168":1492,"2172":1493,"2175":1494,"2176":1496,"2178":1497,"2180":1498,"2181":1499,"2183":1500,"2187":1501,"2189":1503,"2190":1504,"2200":1505,"2202":1506,"2204":1507,"2205":1508,"2207":1509,"2209":1510,"2211":1511,"2213":1512,"2214":1513,"2215":1514,"2217":1515,"2221":1516,"2222":1517,"2223":1519,"2224":1521,"2225":1523,"2226":1524,"2228":1525,"2229":1526,"2230":1527,"2232":1529,"2234":1530,"2236":1531,"2239":1532,"2240":1533,"2242":1535,"2244":1538,"2246":1539,"2249":1540,"2250":1541,"2251":1542,"2253":1543,"2262":1546,"2263":1547,"2267":1548,"2271":1549,"2272":1550,"2275":1551,"2280":1552,"2282":1553,"2284":1555,"2286":1557,"2288":1558,"2290":1559,"2293":1561,"2295":1563,"2298":1564,"2300":1565,"2302":1566,"2303":1568,"2304":1569,"2306":1570,"2307":1571,"2308":1573,"2309":1574,"2310":1575,"2311":1576,"2313":1577,"2317":1578,"2319":1580,"2322":1582,"2323":1583,"2325":1584,"2326":1585,"2327":1586,"2328":1587,"2329":1588,"2333":1589,"2334":1590,"2335":1592,"2337":1593,"2340":1594,"2341":1595,"2344":1596,"2346":1598,"2347":1599,"2356":1601,"2359":1602,"2360":1603,"2363":1604,"2365":1605,"2367":1606,"2368":1607,"2369":1608,"2371":1609,"2372":1610,"2373":1612,"2375":1613,"2377":1614,"2379":1615,"2381":1616,"2385":1617,"2387":1618,"2388":1619,"2392":1621,"2395":1622,"2397":1623,"2400":1624,"2403":1625,"2407":1626,"2409":1627,"2413":1629,"2414":1630,"2421":1631,"2422":1633,"2425":1635,"2426":1636,"2427":1637,"2431":1638,"2434":1640,"2436":1641,"2438":1644,"2440":1645,"2442":1646,"2446":1647,"2447":1648,"2448":1649,"2455":1650,"2456":1651,"2458":1652,"2460":1653,"2461":1654,"2465":1655,"2466":1656,"2469":1657,"2470":1658,"2473":1659,"2475":1660,"2476":1661,"2477":1662,"2478":1663,"2479":1664,"2480":1666,"2481":1667,"2485":1668,"2489":1669,"2492":1670,"2495":1671,"2499":1672,"2501":1673,"2502":1674,"2503":1675,"2505":1676,"2507":1677,"2509":1678,"2510":1679,"2515":1680,"2518":1681,"2520":1682,"2521":1683,"2523":1684,"2524":1686,"2528":1687,"2530":1688,"2531":1689,"2533":1690,"2535":1691,"2539":1692,"2541":1694,"2542":1695,"2546":1698,"2549":1700,"2552":1703,"2553":1704,"2555":1705,"2556":1706,"2557":1707,"2559":1708,"2560":1709,"2562":1710,"2565":1711,"2567":1712,"2568":1713,"2570":1714,"2573":1715,"2577":1716,"2578":1717,"2579":1718,"2580":1719,"2581":1720,"2582":1721,"2584":1722,"2588":1723,"2590":1725,"2592":1726,"2593":1727,"2595":1728,"2596":1729,"2598":1730,"2600":1731,"2603":1734,"2604":1736,"2605":1738,"2607":1740,"2608":1742,"2610":1743,"2612":1744,"2613":1745,"2614":1746,"2616":1747,"2619":1749,"2620":1750,"2623":1751,"2625":1752,"2627":1753,"2628":1754,"2630":1755,"2632":1756,"2633":1757,"2637":1759,"2640":1761,"2641":1762,"2642":1763,"2645":1764,"2647":1766,"2649":1767,"2650":1768,"2652":1769,"2654":1770,"2656":1771,"2658":1772,"2659":1773,"2667":1774,"2668":1775,"2671":1776,"2672":1777,"2673":1778,"2674":1779,"2676":1780,"2680":1781,"2681":1782,"2682":1783,"2683":1785,"2684":1786,"2689":1787,"2690":1788,"2692":1789,"2693":1791,"2694":1792,"2696":1793,"2697":1794,"2700":1795,"2701":1796,"2702":1797,"2703":1798,"2705":1799,"2706":1800,"2707":1801,"2711":1802,"2715":1803,"2716":1805,"2718":1806,"2719":1807,"2729":1808,"2730":1811,"2734":1812,"2738":1815,"2740":1816,"2741":1817,"2743":1820,"2746":1821,"2749":1822,"2751":1824,"2758":1826,"2759":1827,"2761":1828,"2762":1829,"2765":1830,"2767":1831,"2769":1832,"2773":1833,"2774":1835,"2776":1836,"2777":1837,"2778":1838,"2779":1840,"2784":1841,"2785":1842,"2786":1843,"2787":1844,"2790":1845,"2791":1846,"2792":1847,"2795":1848,"2797":1851,"2799":1852,"2800":1853,"2801":1854,"2803":1855,"2805":1856,"2807":1857,"2808":1858,"2809":1859,"2810":1861,"2811":1862,"2812":1863,"2814":1865,"2815":1866,"2817":1867,"2818":1868,"2820":1869,"2822":1870,"2824":1873,"2825":1874,"2827":1875,"2828":1876,"2832":1878,"2833":1879,"2835":1883,"2837":1884,"2838":1886,"2840":1887,"2842":1888,"2844":1889,"2846":1890,"2847":1891,"2848":1892,"2849":1893,"2850":1895,"2851":1896,"2853":1897,"2855":1898,"2857":1900,"2858":1901,"2859":1902,"2860":1903,"2862":1904,"2865":1905,"2867":1906,"2868":1907,"2870":1909,"2871":1910,"2872":1911,"2873":1912,"2876":1913,"2877":1916,"2880":1917,"2881":1919,"2883":1923,"2887":1924,"2888":1925,"2889":1926,"2891":1927,"2892":1928,"2895":1929,"2903":1930,"2904":1931,"2906":1932,"2907":1934,"2909":1935,"2916":1936,"2918":1938,"2919":1939,"2921":1940,"2923":1942,"2925":1944,"2926":1946,"2927":1947,"2928":1948,"2929":1951,"2931":1952,"2932":1953,"2933":1954,"2936":1955,"2937":1959,"2940":1960,"2944":1961,"2947":1962,"2948":1964,"2949":1965,"2951":1966,"2952":1967,"2955":1968,"2960":1970,"2962":1971,"2963":1972,"2964":1974,"2965":1975,"2968":1976,"2970":1977,"2974":1978,"2978":1979,"2983":1980,"2987":1982,"2989":1983,"2990":1984,"2991":1985,"2993":1987,"2994":1988,"2995":1991,"2997":1994,"2998":1995,"2999":1997,"3002":1998,"3005":2000,"3007":2001,"3010":2002,"3011":2003,"3013":2004,"3014":2005,"3015":2006,"3017":2008,"3019":2009,"3021":2011,"3023":2012,"3026":2014,"3027":2016,"3028":2017,"3029":2018,"3031":2021,"3033":2022,"3034":2023,"3035":2026,"3037":2027,"3040":2028,"3042":2029,"3045":2030,"3046":2032,"3047":2034,"3048":2035,"3052":2036,"3054":2037,"3055":2038,"3059":2039,"3061":2040,"3066":2041,"3068":2042,"3069":2043,"3070":2044,"3071":2045,"3073":2046,"3074":2048,"3077":2049,"3080":2050,"3081":2052,"3084":2053,"3086":2054,"3088":2055,"3091":2056,"3093":2057,"3097":2059,"3099":2062,"3100":2063,"3101":2064,"3104":2065,"3107":2066,"3113":2067,"3116":2068,"3121":2069,"3128":2070,"3129":2071,"3131":2075,"3133":2076,"3135":2078,"3138":2079,"3139":2080,"3140":2081,"3141":2082,"3142":2083,"3144":2084,"3145":2085,"3147":2087,"3149":2088,"3151":2090,"3152":2091,"3155":2092,"3157":2093,"3158":2094,"3159":2095,"3161":2096,"3162":2098,"3164":2099,"3167":2100,"3168":2101,"3170":2102,"3171":2103,"3173":2104,"3174":2105,"3176":2106,"3178":2107,"3186":2109,"3187":2110,"3188":2112,"3189":2114,"3190":2115,"3191":2118,"3193":2119,"3195":2120,"3197":2121,"3198":2122,"3200":2124,"3202":2125,"3204":2127,"3206":2128,"3208":2130,"3211":2132,"3212":2133,"3214":2134,"3216":2135,"3217":2137,"3218":2138,"3219":2141,"3220":2142,"3221":2143,"3223":2144,"3225":2145,"3226":2147,"3227":2148,"3228":2149,"3229":2150,"3231":2152,"3233":2153,"3237":2154,"3238":2155,"3239":2156,"3240":2158,"3242":2159,"3246":2160,"3247":2161,"3249":2162,"3251":2165,"3252":2167,"3255":2168,"3256":2169,"3257":2170,"3259":2172,"3260":2173,"3262":2175,"3264":2176,"3266":2179,"3267":2180,"3270":2181,"3272":2182,"3275":2184,"3277":2186,"3279":2188,"3283":2189,"3289":2190,"3291":2191,"3294":2192,"3296":2194,"3297":2195,"3298":2197,"3299":2199,"3301":2200,"3302":2202,"3304":2203,"3306":2204,"3308":2205,"3309":2206,"3310":2207,"3311":2208,"3312":2210,"3313":2212,"3315":2213,"3317":2214,"3320":2215,"3322":2216,"3323":2217,"3324":2218,"3327":2219,"3332":2221,"3333":2222,"3337":2224,"3338":2225,"3339":2227,"3342":2228,"3344":2229,"3346":2230,"3348":2231,"3351":2233,"3356":2234,"3357":2236,"3360":2237,"3361":2240,"3363":2241,"3365":2243,"3368":2244,"3369":2245,"3372":2246,"3374":2248,"3376":2249,"3379":2251,"3380":2255,"3381":2256,"3386":2258,"3387":2259,"3388":2260,"3390":2261,"3391":2262,"3392":2264,"3393":2265,"3398":2268,"3401":2269,"3404":2271,"3405":2272,"3406":2274,"3407":2275,"3410":2277,"3412":2278,"3413":2279,"3415":2281,"3425":2282,"3428":2283,"3430":2285,"3432":2287,"3434":2288,"3435":2289,"3437":2291,"3438":2292,"3439":2295,"3441":2296,"3444":2297,"3445":2299,"3446":2300,"3448":2303,"3449":2305,"3452":2306,"3455":2307,"3457":2308,"3458":2309,"3459":2310,"3460":2311,"3461":2312,"3462":2313,"3463":2314,"3465":2315,"3466":2316,"3467":2319,"3469":2320,"3470":2321,"3471":2322,"3472":2323,"3474":2325,"3475":2326,"3476":2329,"3477":2330,"3481":2331,"3482":2332,"3483":2333,"3485":2334,"3486":2335,"3487":2336,"3489":2337,"3491":2338,"3492":2339,"3493":2340,"3494":2341,"3496":2342,"3497":2344,"3498":2345,"3499":2346,"3501":2347,"3502":2349,"3503":2351,"3504":2352,"3505":2353,"3507":2354,"3509":2355,"3510":2356,"3511":2357,"3515":2358,"3516":2359,"3518":2360,"3521":2361,"3522":2362,"3523":2363,"3524":2364,"3526":2365,"3528":2366,"3529":2367,"3530":2369,"3531":2370,"3534":2371,"3540":2372,"3542":2373,"3543":2374,"3546":2375,"3547":2377,"3548":2378,"3549":2379,"3550":2380,"3566":2382,"3567":2383,"3574":2385,"3575":2387,"3577":2388,"3580":2389,"3581":2390,"3582":2391,"3583":2393,"3585":2394,"3586":2395,"3587":2397,"3589":2399,"3590":2400,"3593":2402,"3596":2403,"3600":2404,"3605":2405,"3607":2406,"3610":2408,"3614":2409,"3616":2411,"3619":2412,"3624":2413,"3625":2415,"3626":2416,"3627":2417,"3629":2418,"3630":2420,"3632":2422,"3634":2423,"3635":2424,"3636":2425,"3638":2426,"3640":2428,"3641":2429,"3642":2431,"3644":2432,"3646":2435,"3648":2436,"3649":2437,"3650":2439,"3651":2440,"3653":2441,"3654":2442,"3658":2443,"3659":2444,"3661":2445,"3663":2447,"3665":2448,"3676":2449,"3679":2450,"3683":2451,"3685":2452,"3686":2453,"3687":2454,"3688":2456,"3689":2457,"3694":2458,"3695":2460,"3696":2461,"3697":2462,"3698":2463,"3699":2464,"3701":2465,"3703":2466,"3704":2469,"3706":2470,"3707":2471,"3710":2472,"3711":2473,"3720":2474,"3724":2475,"3725":2476,"3729":2477,"3730":2479,"3732":2481,"3734":2482,"3735":2483,"3736":2484,"3740":2486,"3742":2487,"3743":2488,"3745":2489,"3747":2490,"3753":2491,"3755":2492,"3757":2493,"3760":2494,"3763":2495,"3764":2496,"3766":2497,"3768":2498,"3770":2500,"3772":2501,"3774":2503,"3778":2504,"3779":2506,"3780":2508,"3781":2510,"3783":2511,"3787":2512,"3788":2513,"3789":2516,"3791":2518,"3793":2521,"3795":2522,"3796":2523,"3797":2524,"3798":2525,"3800":2526,"3802":2527,"3804":2529,"3805":2530,"3806":2531,"3808":2532,"3810":2533,"3812":2534,"3813":2535,"3814":2536,"3815":2538,"3816":2539,"3818":2541,"3820":2542,"3824":2543,"3826":2544,"3827":2545,"3831":2546,"3832":2547,"3834":2548,"3836":2549,"3838":2550,"3844":2551,"3845":2552,"3847":2553,"3849":2555,"3851":2556,"3852":2557,"3853":2558,"3854":2559,"3856":2562,"3858":2563,"3860":2564,"3864":2565,"3866":2566,"3867":2567,"3869":2568,"3870":2569,"3872":2571,"3874":2573,"3875":2574,"3877":2575,"3878":2576,"3880":2577,"3883":2578,"3884":2579,"3885":2580,"3886":2581,"3887":2582,"3888":2583,"3889":2584,"3892":2586,"3894":2587,"3895":2588,"3896":2589,"3899":2590,"3900":2591,"3901":2592,"3902":2593,"3903":2594,"3904":2595,"3905":2596,"3906":2597,"3907":2598,"3908":2599,"3909":2600,"3911":2601,"3912":2602,"3913":2603,"3915":2604,"3919":2605,"3921":2606,"3922":2607,"3924":2609,"3926":2610,"3928":2611,"3929":2612,"3935":2613,"3937":2614,"3938":2615,"3939":2617,"3942":2618,"3943":2619,"3945":2620,"3947":2621,"3949":2622,"3952":2623,"3954":2625,"3956":2626,"3957":2627,"3959":2628,"3960":2630,"3962":2631,"3964":2632,"3966":2633,"3967":2634,"3968":2635,"3970":2636,"3971":2637,"3974":2638,"3976":2639,"3978":2640,"3979":2641,"3980":2642,"3982":2643,"3983":2645,"3984":2646,"3988":2647,"3990":2648,"3991":2650,"3992":2651,"3994":2652,"3996":2653,"4000":2654,"4003":2656,"4005":2657,"4007":2658,"4010":2661,"4012":2662,"4014":2663,"4017":2664,"4020":2665,"4023":2666,"4024":2667,"4026":2668,"4027":2669,"4029":2670,"4030":2672,"4034":2673,"4038":2674,"4040":2675,"4045":2676,"4047":2677,"4049":2679,"4050":2680,"4051":2682,"4053":2684,"4054":2686,"4056":2687,"4060":2688,"4062":2689,"4064":2690,"4065":2691,"4066":2693,"4067":2696,"4068":2697,"4070":2698,"4071":2699,"4073":2700,"4074":2701,"4075":2703,"4079":2704,"4081":2705,"4085":2706,"4087":2707,"4088":2708,"4089":2709,"4090":2710,"4093":2711,"4094":2712,"4095":2713,"4097":2714,"4098":2715,"4099":2716,"4100":2717,"4101":2718,"4102":2719,"4103":2720,"4104":2721,"4105":2722,"4106":2723,"4107":2724,"4108":2725,"4109":2726,"4111":2728,"4113":2729,"4114":2730,"4116":2731,"4118":2732,"4119":2733,"4121":2734,"4122":2735,"4125":2737,"4127":2738,"4128":2739,"4129":2741,"4130":2742,"4131":2743,"4140":2745,"4141":2747,"4144":2748,"4145":2749,"4146":2750,"4148":2751,"4150":2753,"4151":2755,"4152":2756,"4155":2757,"4156":2758,"4157":2759,"4159":2760,"4161":2762,"4162":2763,"4165":2765,"4167":2766,"4170":2767,"4172":2768,"4174":2769,"4193":2770,"4213":2771,"4216":2772,"4217":2773,"4219":2774,"4220":2775,"4221":2776,"4222":2788,"4224":2789,"4239":2791,"4240":2792,"4241":2793,"4242":2794,"4243":2795,"4245":2796,"4246":2797,"4248":2798,"4249":2799,"4252":2802,"4253":2803,"4254":2804,"4255":2805,"4257":2806,"4258":2807,"4259":2808,"4262":2810,"4264":2812,"4267":2813,"4270":2815,"4272":2816,"4273":2818,"4277":2820,"4278":2821,"4281":2823,"4282":2824,"4283":2825,"4284":2828,"4286":2829,"4287":2831,"4289":2832,"4290":2833,"4291":2834,"4294":2835,"4296":2837,"4297":2838,"4298":2839,"4299":2841,"4302":2843,"4303":2844,"4304":2845,"4305":2846,"4308":2848,"4311":2850,"4313":2852,"4314":2853,"4315":2854,"4316":2855,"4317":2856,"4318":2857,"4320":2858,"4321":2859,"4322":2860,"4324":2861,"4325":2864,"4327":2865,"4333":2867,"4334":2868,"4340":2869,"4341":2870,"4343":2872,"4344":2875,"4346":2876,"4348":2877,"4349":2878,"4350":2879,"4352":2880,"4353":2881,"4357":2882,"4358":2883,"4359":2884,"4361":2886,"4363":2887,"4365":2888,"4368":2890,"4372":2891,"4373":2892,"4377":2893,"4379":2894,"4380":2895,"4381":2896,"4383":2897,"4386":2898,"4388":2899,"4392":2900,"4393":2901,"4395":2902,"4396":2904,"4398":2905,"4401":2906,"4403":2907,"4404":2908,"4406":2911,"4408":2912,"4410":2913,"4412":2914,"4414":2916,"4416":2917,"4417":2919,"4418":2920,"4422":2922,"4423":2923,"4425":2924,"4428":2927,"4431":2928,"4433":2929,"4434":2931,"4436":2932,"4439":2935,"4440":2936,"4441":2937,"4454":2938,"4459":2939,"4461":2940,"4466":2941,"4468":2942,"4471":2943,"4474":2945,"4475":2946,"4476":2947,"4477":2948,"4478":2950,"4479":2951,"4480":2953,"4481":2954,"4482":2955,"4486":2956,"4487":2957,"4489":2959,"4490":2960,"4491":2961,"4493":2962,"4494":2963,"4496":2964,"4500":2965,"4501":2966,"4503":2967,"4506":2969,"4512":2971,"4513":2974,"4514":2975,"4517":2977,"4518":2978,"4519":2979,"4522":2981,"4525":2983,"4529":2984,"4531":2985,"4532":2987,"4533":2988,"4535":2989,"4538":2990,"4540":2993,"4543":2995,"4545":2996,"4546":2997,"4548":2998,"4550":2999,"4551":3001,"4552":3002,"4555":3003,"4558":3004,"4560":3005,"4568":3007,"4574":3008,"4578":3009,"4579":3010,"4581":3011,"4582":3012,"4584":3013,"4585":3014,"4596":3015,"4598":3016,"4599":3017,"4601":3018,"4605":3020,"4606":3021,"4607":3022,"4608":3023,"4613":3024,"4614":3025,"4615":3026,"4616":3027,"4617":3028,"4618":3029,"4619":3030,"4621":3031,"4622":3032,"4625":3033}},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\nالحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد ألَّا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسول ربِّ العالمين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الأولين والآخِرين، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:\nفإن صحيح الإمام مسلم للإمام العالم الثقة أبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، المولود سنة أربع ومائتين، والمتوفَّى سنة إحدى وستين ومائتين.\nوهو تلميذ الأئمة: أحمد بن حنبل، ويحيى بن يحيى التيمي، وابن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وأحمد بن يونس، وإسماعيل بن أبي أويس ... وغيرهم كثير، وعلى رأس هؤلاء: الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، الذي لازمه وتأثر به.\nوفي هذا يقول الإمام الدارقطني ﵀: «لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء» (^١)، وكيف لا وهو تلميذُه وخِرِّيجُه.\nوهذان الكتابان: صحيح الإمام البخاري، وصحيح الإمام مسلم هما أصحُّ كتابين بعد كتاب الله ﷿.\nقال الإمام النووي: «اتفق العلماء ﵏ على أن أصحَّ\n_________\n(^١) تاريخ بغداد (١٣/ ١٠٢).","vol":"1","page":5},{"text":"الكتب- بعد القرآن العزيز- الصحيحان: البخاري، ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحُّهما وأكثرُهما فوائدَ ومعارفَ ظاهرةً وغامضةً، وقد صحَّ أن مسلمًا كان ممن يستفيد من البخاري، ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث» (^١).\nوقال ابن الصلاح: «أول من صنف في الصحيح: البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري، ومسلم مع أنه أخذ عن البخاري واستفاد منه فإنه يشارك البخاري في كثير من شيوخه، وكتاباهما أصحُّ الكتب بعد كتاب الله العزيز» (^٢).\nوقال ولي الله الدهلوي: «أما الصحيحان فقد اتفق المحدِّثون على أن جميع ما فيهما- من المتصل المرفوع- صحيح بالقطع، وأنهما متواتران إلى مصنِّفَيهِما، وأن كلَّ من يهوِّن أمْرَهما فهو مبتدع متَّبِع غيرَ سبيل المؤمنين» (^٣).\nوإن الكتابين وإن كانا جميعًا أصحَّ الكتب بعد القرآن، فإن ما اتفقا عليه هو في أعلى درجات الصحة، ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، كما قرَّر ذلك النووي وغيره (^٤).\nوقد يسَّر الله ﷿ لنا أن أتينا على شرح الصحيحين كليهما، وذلك في دورس بالمسجد، سُجِّلت، ثم فُرِّغت، وضَممتُ معهما بعض الحواشي التي كتبتها على متون الصحيحين، أيامَ الطلب وتحضير الدروس، وقد تم- بحمد الله- طبعُ شرحي على صحيح الإمام البخاري: (منحة الملك الجليل بشرح صحيح الإمام محمد بن إسماعيل) - قبل سنوات- طبعته الأولى، ثم بعد نفادها من السوق كانت لي على الكتاب مراجعات وتصويبات للطبعة الثانية،\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (١/ ٢٤).\n(^٢) هدي الساري (١/ ١٢).\n(^٣) حجة الله البالغة (١/ ٢٤٩).\n(^٤) تدريب الراوي شرح تقريب النواوي (١/ ١٢٢ - ١٢٣).","vol":"1","page":6},{"text":"تزامَنَتْ مع إعداد شرحي على صحيح الإمام مسلم، وقد يسَّر الله لي مراجعته، وأضفت إليه بعضَ الزيادات المهمة.\nوقد سميت هذا الشرح: (توفيق الربِّ المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم).\nأسأل الله أن ينفع بهما، وأن يجعل عملي فيهما خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز لديه في جنات النعيم، وأن يرزقنا وإخواننا علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا متقبَّلًا، وأن يختم لنا بالحسنى، وأن يُثبِّتنا على دينه القويم؛ إنه ولي ذلك، والقادر عليه.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين، وسلم تسليمًا كثيرًا.\nوكتبه\nعبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن الراجحي","vol":"1","page":7},{"text":"مُقَدِّمَةٌ\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَعَلَى جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ.\nأَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ- يَرْحَمُكَ اللَّهُ بِتَوْفِيقِ خَالِقِكَ- ذَكَرْتَ أَنَّكَ هَمَمْتَ بِالْفَحْصِ عَنْ تَعَرُّفِ جُمْلَةِ الأَخْبَارِ الْمَأْثُورَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سُنَنِ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صُنُوفِ الأَشْيَاءِ بِالأَسَانِيدِ الَّتِي بِهَا نُقِلَتْ، وَتَدَاوَلَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَأَرَدْتَ- أَرْشَدَكَ اللَّهُ- أَنْ تُوَقَّفَ عَلَى جُمْلَتِهَا مُؤَلَّفَةً مُحْصَاةً، وَسَأَلْتَنِي أَنْ أُلَخِّصَهَا لَكَ فِي التَّأْلِيفِ بِلا تَكْرَارٍ يَكْثُرُ.\nفَإِنَّ ذَلِكَ- زَعَمْتَ- مِمَّا يَشْغَلُكَ عَمَّا لَهُ قَصَدْتَ مِنْ التَّفَهُّمِ فِيهَا، وَالاسْتِنْبَاطِ مِنْهَا، وَلِلَّذِي سَأَلْتَ- أَكْرَمَكَ اللَّهُ- حِينَ رَجَعْتُ إِلَى تَدَبُّرِهِ، وَمَا تَئُولُ بِهِ الْحَالُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- عَاقِبَةٌ مَحْمُودَةٌ، وَمَنْفَعَةٌ مَوْجُودَةٌ، وَظَنَنْتُ حِينَ سَأَلْتَنِي تَجَشُّمَ ذَلِكَ أَنْ لَوْ عُزِمَ لِي عَلَيْهِ وَقُضِيَ لِي تَمَامُهُ كَانَ أَوَّلُ مَنْ يُصِيبُهُ نَفْعُ ذَلِكَ إِيَّايَ خَاصَّةً- قَبْلَ غَيْرِي مِنْ النَّاسِ- لأَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْوَصْفُ.\nإِلا أَنَّ جُمْلَةَ ذَلِكَ أَنَّ ضَبْطَ الْقَلِيلِ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ وَإِتْقَانَهُ أَيْسَرُ عَلَى الْمَرْءِ مِنْ مُعَالَجَةِ الْكَثِيرِ مِنْهُ، وَلا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ لا تَمْيِيزَ عِنْدَهُ مِنْ الْعَوَامِّ إِلا بِأَنْ يُوَقِّفَهُ عَلَى التَّمْيِيزِ غَيْرُهُ، فَإِذَا كَانَ الأَمْرُ فِي هَذَا كَمَا وَصَفْنَا فَالْقَصْدُ مِنْهُ إِلَى الصَّحِيحِ الْقَلِيلِ أَوْلَى بِهِمْ مِنَ ازْدِيَادِ السَّقِيمِ، وَإِنَّمَا يُرْجَى بَعْضُ","vol":"1","page":9},{"text":"الْمَنْفَعَةِ فِي الاسْتِكْثَارِ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ، وَجَمْعِ الْمُكَرَّرَاتِ مِنْهُ لِخَاصَّةٍ مِنْ النَّاسِ مِمَّنْ رُزِقَ فِيهِ بَعْضَ التَّيَقُّظِ وَالْمَعْرِفَةِ بِأَسْبَابِهِ وَعِلَلِهِ.\nفَذَلِكَ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- يَهْجُمُ بِمَا أُوتِيَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْفَائِدَةِ فِي الاسْتِكْثَارِ مِنْ جَمْعِهِ، فَأَمَّا عَوَامُّ النَّاسِ- الَّذِينَ هُمْ بِخِلافِ مَعَانِي الْخَاصِّ مِنْ أَهْلِ التَّيَقُّظِ وَالْمَعْرِفَةِ- فَلا مَعْنَى لَهُمْ فِي طَلَبِ الْكَثِيرِ، وَقَدْ عَجَزُوا عَنْ مَعْرِفَةِ الْقَلِيلِ، ثُمَّ إِنَّا- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- مُبْتَدِئُونَ فِي تَخْرِيجِ مَا سَأَلْتَ وَتَأْلِيفِهِ، عَلَى شَرِيطَةٍ سَوْفَ أَذْكُرُهَا لَكَ.\nوَهُوَ أَنَّا نَعْمِدُ إِلَى جُمْلَةِ مَا أُسْنِدَ مِنْ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَقْسِمُهَا عَلَى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ، وَثَلاثِ طَبَقَاتٍ مِنْ النَّاسِ، عَلَى غَيْرِ تَكْرَارٍ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ مَوْضِعٌ لا يُسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ تَرْدَادِ حَدِيثٍ فِيهِ زِيَادَةُ مَعْنًى، أَوْ إِسْنَادٌ يَقَعُ إِلَى جَنْبِ إِسْنَادٍ لِعِلَّةٍ تَكُونُ هُنَاكَ؛ لأَنَّ الْمَعْنَى الزَّائِدَ فِي الْحَدِيثِ الْمُحْتَاجَ إِلَيْهِ يَقُومُ مَقَامَ حَدِيثٍ تَامٍّ؛ فَلا بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ مَا وَصَفْنَا مِنْ الزِّيَادَةِ، أَوْ أَنْ يُفَصَّلَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ عَلَى اخْتِصَارِهِ إِذَا أَمْكَنَ، وَلَكِنْ تَفْصِيلُهُ رُبَّمَا عَسُرَ مِنْ جُمْلَتِهِ، فَإِعَادَتُهُ بِهَيْئَتِهِ- إِذَا ضَاقَ ذَلِكَ- أَسْلَمُ فَأَمَّا مَا وَجَدْنَا بُدًّا مِنْ إِعَادَتِهِ بِجُمْلَتِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنَّا إِلَيْهِ فَلا نَتَوَلَّى فِعْلَهُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.\nفَأَمَّا الْقِسْمُ الأَوَّلُ فَإِنَّا نَتَوخَّى أَنْ نُقَدِّمَ الأَخْبَارَ الَّتِي هِيَ أَسْلَمُ مِنْ الْعُيُوبِ مِنْ غَيْرِهَا، وَأَنْقَى مِنْ أَنْ يَكُونَ نَاقِلُوهَا أَهْلَ اسْتِقَامَةٍ فِي الْحَدِيثِ، وَإِتْقَانٍ لِمَا نَقَلُوا لَمْ يُوجَدْ فِي رِوَايَتِهِمْ اخْتِلافٌ شَدِيدٌ، وَلا تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ، كَمَا قَدْ عُثِرَ فِيهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ، وَبَانَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِهِمْ، فَإِذَا نَحْنُ تَقَصَّيْنَا أَخْبَارَ هَذَا الصِّنْفِ مِنْ النَّاسِ أَتْبَعْنَاهَا أَخْبَارًا يَقَعُ فِي أَسَانِيدِهَا بَعْضُ مَنْ لَيْسَ بِالْمَوْصُوفِ بِالْحِفْظِ وَالإِتْقَانِ كَالصِّنْفِ الْمُقَدَّمِ قَبْلَهُمْ، عَلَى أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا فِيمَا وَصَفْنَا دُونَهُمْ فَإِنَّ اسْمَ السَّتْرِ وَالصِّدْقِ وَتَعَاطِي الْعِلْمِ يَشْمَلُهُمْ، كَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، وَلَيْثِ","vol":"1","page":10},{"text":"بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، وَأَضْرَابِهِمْ مِنْ حُمَّالِ الآثَارِ وَنُقَّالِ الأَخْبَارِ.\nفَهُمْ وَإِنْ كَانُوا- بِمَا وَصَفْنَا مِنْ الْعِلْمِ وَالسَّتْرِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ- مَعْرُوفِينَ فَغَيْرُهُمْ مِنْ أَقْرَانِهِمْ مِمَّنْ عِنْدَهُمْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الإِتْقَانِ وَالاسْتِقَامَةِ فِي الرِّوَايَةِ يَفْضُلُونَهُمْ فِي الْحَالِ وَالْمَرْتَبَةِ؛ لأَنَّ هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ دَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ، وَخَصْلَةٌ سَنِيَّةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا وَازَنْتَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ: عَطَاءً، وَيَزِيدَ، وَلَيْثًا، بِمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، وَسُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ فِي إِتْقَانِ الْحَدِيثِ وَالاسْتِقَامَةِ فِيهِ- وَجَدْتَهُمْ مُبَايِنِينَ لَهُمْ، لا يُدَانُونَهُمْ، لا شَكَّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ؛ لِلَّذِي اسْتَفَاضَ عِنْدَهُمْ مِنْ صِحَّةِ حِفْظِ مَنْصُورٍ، وَالأَعْمَشِ، وَإِسْمَاعِيلَ، وَإِتْقَانِهِمْ لِحَدِيثِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ عَطَاءٍ، وَيَزِيدَ، وَلَيْثٍ، وَفِي مِثْلِ مَجْرَى هَؤُلاءِ إِذَا وَازَنْتَ بَيْنَ الأَقْرَانِ كَابْنِ عَوْنٍ، وَأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، مَعَ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ، وَأَشْعَثَ الْحُمْرَانِيِّ، وَهُمَا صَاحِبَا الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ.\nكَمَا أَنَّ ابْنَ عَوْنٍ، وَأَيُّوبَ صَاحِبَاهُمَا، إِلا أَنَّ الْبَوْنَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ هَذَيْنِ بَعِيدٌ فِي كَمَالِ الْفَضْلِ، وَصِحَّةِ النَّقْلِ، وَإِنْ كَانَ عَوْفٌ، وَأَشْعَثُ غَيْرَ مَدْفُوعَيْنِ عَنْ صِدْقٍ وَأَمَانَةٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَكِنَّ الْحَالَ مَا وَصَفْنَا مِنْ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا مَثَّلْنَا هَؤُلَاءِ فِي التَّسْمِيَةِ؛ لِيَكُونَ تَمْثِيلُهُمْ سِمَةً يَصْدُرُ عَنْ فَهْمِهَا مَنْ غَبِيَ عَلَيْهِ طَرِيقُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَرْتِيبِ أَهْلِهِ فِيهِ فَلا يُقَصَّرُ بِالرَّجُلِ الْعَالِي الْقَدْرِ عَنْ دَرَجَتِهِ، وَلا يُرْفَعُ مُتَّضِعُ الْقَدْرِ فِي الْعِلْمِ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ، وَيُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ فِيهِ حَقَّهُ، وَيُنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ»، مَعَ مَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، فَعَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْوُجُوهِ نُؤَلِّفُ مَا سَأَلْتَ مِنْ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nفَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ قَوْمٍ هُمْ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ مُتَّهَمُونَ، أَوْ عِنْدَ الأَكْثَرِ","vol":"1","page":11},{"text":"مِنْهُمْ فَلَسْنَا نَتَشَاغَلُ بِتَخْرِيجِ حَدِيثِهِمْ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِسْوَرٍ- أَبِي جَعْفَرٍ الْمَدَائِنِيِّ-، وَعَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، وَعَبْدِ الْقُدُّوسِ الشَّامِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَصْلُوبِ، وَغِيَاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو- أَبِي دَاوُدَ النَّخَعِيِّ-، وَأَشْبَاهِهِمْ مِمَّنْ اتُّهِمَ بِوَضْعِ الأَحَادِيثِ، وَتَوْلِيدِ الأَخْبَارِ، وَكَذَلِكَ مَنْ الْغَالِبُ عَلَى حَدِيثِهِ الْمُنْكَرُ، أَوِ الْغَلَطُ، أَمْسَكْنَا- أَيْضًا- عَنْ حَدِيثِهِمْ.\nوَعَلامَةُ الْمُنْكَرِ فِي حَدِيثِ الْمُحَدِّثِ: إِذَا مَا عُرِضَتْ رِوَايَتُهُ لِلْحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالرِّضَا خَالَفَتْ رِوَايَتُهُ رِوَايَتَهُمْ، أَوْ لَمْ تَكَدْ تُوَافِقُهَا، فَإِذَا كَانَ الأَغْلَبُ مِنْ حَدِيثِهِ كَذَلِكَ كَانَ مَهْجُورَ الْحَدِيثِ غَيْرَ مَقْبُولِهِ وَلا مُسْتَعْمَلِهِ.\nفَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَرَّرٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، وَالْجَرَّاحُ بْنُ الْمِنْهَالِ- أَبُو الْعَطُوفِ-، وَعَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، وَحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ صُهْبَانَ، وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ فِي رِوَايَةِ الْمُنْكَرِ مِنْ الْحَدِيثِ، فَلَسْنَا نُعَرِّجُ عَلَى حَدِيثِهِمْ، وَلا نَتَشَاغَلُ بِهِ؛ لأَنَّ حُكْمَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالَّذِي نَعْرِفُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِي قَبُولِ مَا يَتَفَرَّدُ بِهِ الْمُحَدِّثُ مِنْ الْحَدِيثِ: أَنْ يَكُونَ قَدْ شَارَكَ الثِّقَاتِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحِفْظِ فِي بَعْضِ مَا رَوَوْا، وَأَمْعَنَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُوَافَقَةِ لَهُمْ، فَإِذَا وُجِدَ كَذَلِكَ، ثُمَّ زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا لَيْسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ قُبِلَتْ زِيَادَتُهُ.\nفَأَمَّا مَنْ تَرَاهُ يَعْمِدُ لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ فِي جَلالَتِهِ وَكَثْرَةِ أَصْحَابِهِ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ لِحَدِيثِهِ وَحَدِيثِ غَيْرِهِ، أَوْ لِمِثْلِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَحَدِيثُهُمَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَبْسُوطٌ مُشْتَرَكٌ قَدْ نَقَلَ أَصْحَابُهُمَا عَنْهُمَا حَدِيثَهُمَا عَلَى الاتِّفَاقِ مِنْهُمْ فِي أَكْثَرِهِ فَيَرْوِي عَنْهُمَا، أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا الْعَدَدَ مِنْ الْحَدِيثِ، مِمَّا لا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِمَا، وَلَيْسَ مِمَّنْ قَدْ شَارَكَهُمْ فِي الصَّحِيحِ مِمَّا عِنْدَهُمْ فَغَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُ حَدِيثِ هَذَا الضَّرْبِ مِنْ النَّاسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَدْ شَرَحْنَا مِنْ مَذْهَبِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ بَعْضَ مَا يَتَوَجَّهُ بِهِ مَنْ أَرَادَ سَبِيلَ","vol":"1","page":12},{"text":"الْقَوْمِ، وَوُفِّقَ لَهَا، وَسَنَزِيدُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى- شَرْحًا وَإِيضَاحًا فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْكِتَابِ عِنْدَ ذِكْرِ الأَخْبَارِ الْمُعَلَّلَةِ، إِذَا أَتَيْنَا عَلَيْهَا فِي الأَمَاكِنِ الَّتِي يَلِيقُ بِهَا الشَّرْحُ وَالإِيضَاحُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.\nوَبَعْدُ- يَرْحَمُكَ اللَّهُ- فَلَوْلا الَّذِي رَأَيْنَا مِنْ سُوءِ صَنِيعِ كَثِيرٍ مِمَّنْ نَصَبَ نَفْسَهُ مُحَدِّثًا فِيمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ طَرْحِ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ، وَالرِّوَايَاتِ الْمُنْكَرَةِ، وَتَرْكِهِمْ الاقْتِصَارَ عَلَى الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ، مِمَّا نَقَلَهُ الثِّقَاتُ الْمَعْرُوفُونَ بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ، بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ وَإِقْرَارِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا يَقْذِفُونَ بِهِ إِلَى الأَغْبِيَاءِ مِنْ النَّاسِ هُوَ مُسْتَنْكَرٌ، وَمَنْقُولٌ عَنْ قَوْمٍ غَيْرِ مَرْضِيِّينَ، مِمَّنْ ذَمَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، مِثْلُ: مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ الأَئِمَّةِ- لَمَا سَهُلَ عَلَيْنَا الانْتِصَابُ لِمَا سَأَلْتَ مِنْ التَّمْيِيزِ وَالتَّحْصِيلِ، وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ مَا أَعْلَمْنَاكَ مِنْ نَشْرِ الْقَوْمِ الأَخْبَارَ الْمُنْكَرَةَ بِالأَسَانِيدِ الضِّعَافِ الْمَجْهُولَةِ، وَقَذْفِهِمْ بِهَا إِلَى الْعَوَامِّ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ عُيُوبَهَا خَفَّ عَلَى قُلُوبِنَا إِجَابَتُكَ إِلَى مَا سَأَلْتَ.\nقوله: «فَإِنَّكَ- يَرْحَمُكَ اللَّهُ بِتَوْفِيقِ خَالِقِكَ- ذَكَرْتَ أَنَّكَ هَمَمْتَ بِالْفَحْصِ عَنْ تَعَرُّفِ جُمْلَةِ الأَخْبَارِ الْمَأْثُورَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سُنَنِ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صُنُوفِ الأَشْيَاءِ بِالأَسَانِيدِ الَّتِي بِهَا نُقِلَتْ، وَتَدَاوَلَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ»: هذا بيان سبب تأليفه لكتابه الصحيح، وهو: أنه سُئل كتابة جملة الأخبار المأثورة في سنن الدين وأحكامه، وفي الثواب والعقاب، والترغيب والترهيب ملخصة أسانيدها من التكرار.\nوقوله: «إِلا أَنَّ جُمْلَةَ ذَلِكَ أَنَّ ضَبْطَ الْقَلِيلِ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ وَإِتْقَانَهُ أَيْسَرُ عَلَى الْمَرْءِ مِنْ مُعَالَجَةِ الْكَثِيرِ مِنْهُ، وَلا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ لا تَمْيِيزَ عِنْدَهُ مِنْ الْعَوَامِّ إِلا بِأَنْ يُوَقِّفَهُ عَلَى","vol":"1","page":13},{"text":"التَّمْيِيزِ غَيْرُهُ، فَإِذَا كَانَ الأَمْرُ فِي هَذَا كَمَا وَصَفْنَا فَالْقَصْدُ مِنْهُ إِلَى الصَّحِيحِ الْقَلِيلِ أَوْلَى بِهِمْ مِنَ ازْدِيَادِ السَّقِيمِ»: وفي هذا بيان وإرشاد لطالبِ العلمِ المبتدئِ التدرجَ في طلب العلم، فإذا أرآد أخذ الحديث- مثلًا- فعليه أن يبتدئ بحفظ عمدة الأحكام، ثُمَّ ينتقل إلى بلوغ المرام، ثُمَّ يتوسع فينتقل إلى منتقى الأخبار ... وهكذا.\nوقوله: «نَعْمِدُ إِلَى جُمْلَةِ مَا أُسْنِدَ مِنْ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَقْسِمُهَا عَلَى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ، وَثَلاثِ طَبَقَاتٍ مِنْ النَّاسِ، عَلَى غَيْرِ تَكْرَارٍ»: وقد فعل ﵀، فإنه اعتنى بالأحاديث عناية عظيمة، وجمع طرقها في مكان واحد من غير تكرار.\nوقوله: «فَإِنَّ اسْمَ السَّتْرِ»: الستر- بفتح السين-: المصدر، وبالكسر: الاسم، والمراد هنا: الأول.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>بَابُ وُجُوبِ الرِّوَايَةِ عَنْ الثِّقَاتِ، وَتَرْكِ الْكَذَّابِينَ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ</span>\nوَاعْلَمْ- وَفَّقَكَ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ عَرَفَ التَّمْيِيزَ بَيْنَ صَحِيحِ الرِّوَايَاتِ وَسَقِيمِهَا، وَثِقَاتِ النَّاقِلِينَ لَهَا مِنْ الْمُتَّهَمِينَ: أَنْ لا يَرْوِيَ مِنْهَا إِلا مَا عَرَفَ صِحَّةَ مَخَارِجِهِ، وَالسِّتَارَةَ فِي نَاقِلِيهِ، وَأَنْ يَتَّقِيَ مِنْهَا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ أَهْلِ التُّهَمِ، وَالْمُعَانِدِينَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الَّذِي قُلْنَا مِنْ هَذَا هُوَ اللازِمُ دُونَ مَا خَالَفَهُ: قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ﴾، وَقَالَ ﷿: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.\nفَدَلَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الآيِ: أَنَّ خَبَرَ الْفَاسِقِ سَاقِطٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَأَنَّ شَهَادَةَ غَيْرِ الْعَدْلِ مَرْدُودَةٌ، وَالْخَبَرُ وَإِنْ فَارَقَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الشَّهَادَةِ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ فَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي أَعْظَمِ مَعَانِيهِمَا؛ إِذْ كَانَ خَبَرُ الْفَاسِقِ غَيْرَ مَقْبُولٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَمَا أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ، وَدَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى نَفْيِ رِوَايَةِ الْمُنْكَرِ مِنْ الأَخْبَارِ، كَنَحْوِ دَلالَةِ الْقُرْآنِ عَلَى نَفْيِ خَبَرِ الْفَاسِقِ، وَهُوَ الأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- أَيْضًا- حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ، وَسُفْيَانَ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ.","vol":"1","page":15},{"text":"قوله: «وَالْخَبَرُ وَإِنْ فَارَقَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الشَّهَادَةِ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ فَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي أَعْظَمِ مَعَانِيهِمَا»: فيجتمعان في: العقل، والبلوغ، والإسلام، والعدالة، وضبط الخبر، أو الشهادة حين السماع، والأداء، ويفترقان في: الحرية، والذكورية، والعدد، ومراعاة الأهلية، والعداوة.\nوهنا أمر مهم، وهو: أن الشهادة تتعلق بواحد، أو اثنين، أما الخبر فإنه يتعلق بالأمة كلها وبدينها؛ فهو أهم من الشهادة من هذه الجهة.\nوقوله: «الأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»: الأثر: يطلق على المروي عن رسول الله ﷺ، أَوْ عن صحابي، أَوْ تابعي، أَوْ من بعده عند الجمهور، وهو الصحيح.\nوقيل: الأثر هو: المروي عن صحابي، أَوْ تابعي (^١).\nوقوله: «يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ»: يُرَى- بضم الياء المثناة- بمعنى: يُظَنُّ، وذكر بعضهم جواز فتح الياء، بمعنى: يَعلم، والأول أبلغ، وهو المشهور.\nوقوله: «فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ»: الْكَاذِبِينَ- بكسر الباء الموحدة وفتح النون على الجمع- أي: هو أحد الكذبة، ورواه بعضهم بفتح الباء الموحدة وكسر النون على التثنية، أي: الراوي له يشارك البادئ بهذا الكذب.\n_________\n(^١) الباعث الحثيث، لابن كثير (ص ٤٥)، تدريب الراوي، للسيوطي (١/ ٢٠٢).","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>بَابُ تَغْلِيظِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ</span>\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ: أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا ﵁ يَخْطُبُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَكْذِبُوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَكْذِبْ عَلَيَّ يَلِجِ النَّارَ».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ قَالَ: أَتَيْتُ الْمَسْجِدَ- وَالْمُغِيرَةُ أَمِيرُ الْكُوفَةِ- قَالَ: فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ؛ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ».\nوَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ الأَسْدِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الأَسَدِيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ».\nقوله:  «عَنْ أَبِي حَصِينٍ»: حَصِين- بفتح الحاء المهملة وكسر الصاد المهملة.\nوقوله:  «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»: هذا من الحديث","vol":"1","page":17},{"text":"المتواتر، وهو قسمان: متواتر لفظًا ومعنًى، ومتواتر معنًى فقط، وهذا الحديث من القسم الأول.\nوالأحاديث المتواترة ليست كثيرة، وهي تقارب خمسة عشر حديثًا، منها: هذا الحديث، وحديث الشفاعة، وحديث الحوض، وحديث النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>بَابُ النَّهْيِ عَنْ الْحَدِيثِ بِكُلِّ مَا سَمِعَ</span>\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَنَا أَبِي ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنْ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلا يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ يَقُولُ: لَا يَكُونُ الرَّجُلُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ حَتَّى يُمْسِكَ عَنْ بَعْضِ مَا سَمِعَ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّمٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ: سَأَلَنِي إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: إِنِّي أَرَاكَ قَدْ كَلِفْتَ بِعِلْمِ الْقُرْآنِ، فَاقْرَأْ عَلَيَّ سُورَةً وَفَسِّرْ حَتَّى أَنْظُرَ فِيمَا عَلِمْتَ، قَالَ: فَفَعَلْتُ، فَقَالَ لِيَ: احْفَظْ عَلَيَّ مَا أَقُولُ لَكَ: إِيَّاكَ وَالشَّنَاعَةَ فِي الْحَدِيثِ! فَإِنَّهُ قَلَّمَا","vol":"1","page":19},{"text":"حَمَلَهَا أَحَدٌ إِلا ذَلَّ فِي نَفْسِهِ وَكُذِّبَ فِي حَدِيثِهِ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً.\nوقوله:  «إِيَّاكَ وَالشَّنَاعَةَ فِي الْحَدِيثِ!»، أي: احذر أن تحدث بالأحاديث المنكرة التي يُشنَّعُ بها عليك، أو أن يتسرب الكذب في روايتك، فتسقط منزلتك، وتذل في نفسك.\nهذه الأحاديث فيها: زجرٌ للإنسان عن التحديث بكل ما يسمع؛ لأنه في العادة يسمع الصدق والكذب والباطل؛ وحتى لا يحدِّث بما سمع من الكذب والباطل، لا بد له أن ينتقي ما يحدِّث به إذا أراد التحديث.\nوقوله:  «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً»: هذا الحديث مثل الحديث الذي رواه البخاري عن علي ﵁:  «حَدِّثُوا النَّاسَ، بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»   (^١) .\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٧).","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>بَابُ النَّهْيِ عَنْ الرِّوَايَةِ عَنْ الضُّعَفَاءِ وَالاحْتِيَاطِ فِي تَحَمُّلِهَا</span>\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي أُنَاسٌ يُحَدِّثُونَكُمْ مَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ؛ فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ!».\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو شُرَيْحٍ: أَنَّهُ سَمِعَ شَرَاحِيلَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ يَأْتُونَكُمْ مِنْ الأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ؛ فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ لا يُضِلُّونَكُمْ وَلا يَفْتِنُونَكُمْ!».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبَدَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ الشَّيْطَانَ لِيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ، فَيَأْتِي الْقَوْمَ فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنْ الْكَذِبِ، فَيَتَفَرَّقُونَ فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلًا- أَعْرِفُ وَجْهَهُ، وَلا أَدْرِي مَا اسْمُهُ- يُحَدِّثُ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: إِنَّ فِي الْبَحْرِ شَيَاطِينَ مَسْجُونَةً- أَوْثَقَهَا سُلَيْمَانُ- يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ فَتَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرْآنًا! .\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَسَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ سَعِيدٌ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: جَاءَ هَذَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- يَعْنِي: بُشَيْرَ بْنَ كَعْبٍ- فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ، فَقَالَ لَهُ","vol":"1","page":21},{"text":"ابْنُ عَبَّاسٍ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ، ثُمَّ حَدَّثَهُ، فَقَالَ لَهُ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ فَقَالَ لَهُ: مَا أَدْرِي أَعَرَفْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ، وَأَنْكَرْتَ هَذَا؟ ! أَمْ أَنْكَرْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ، وَعَرَفْتَ هَذَا؟ ! فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا كُنَّا نُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ تَرَكْنَا الْحَدِيثَ عَنْهُ! .\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا كُنَّا نَحْفَظُ الْحَدِيثَ وَالْحَدِيثُ يُحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَّا إِذْ رَكِبْتُمْ كُلَّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ فَهَيْهَاتَ! .\nوَحَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْغَيْلانِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ- يَعْنِي: الْعَقَدِيَّ- حَدَّثَنَا رَبَاحٌ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: جَاءَ بُشَيْرٌ الْعَدَوِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَجَعَلَ يُحَدِّثُ وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَأْذَنُ لِحَدِيثِهِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ مَا لِي لَا أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِي، أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلا تَسْمَعُ؟ ! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ لَمْ نَأْخُذْ مِنْ النَّاسِ إِلا مَا نَعْرِفُ.\nحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابًا وَيُخْفِي عَنِّي، فَقَالَ: وَلَدٌ نَاصِحٌ، أَنَا أَخْتَارُ لَهُ الأُمُورَ اخْتِيَارًا وَأُخْفِي عَنْهُ! قَالَ: فَدَعَا بِقَضَاءِ عَلِيٍّ فَجَعَلَ يَكْتُبُ مِنْهُ أَشْيَاءَ، وَيَمُرُّ بِهِ الشَّيْءُ فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا قَضَى بِهَذَا عَلِيٌّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَلَّ.\nحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: أُتِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِكِتَابٍ فِيهِ قَضَاءُ عَلِيٍّ ﵁ فَمَحَاهُ إِلَّا قَدْرَ- وَأَشَارَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِذِرَاعِهِ.","vol":"1","page":22},{"text":"حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: لَمَّا أَحْدَثُوا تِلْكَ الأَشْيَاءَ بَعْدَ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ: قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَيَّ عِلْمٍ أَفْسَدُوا! .\nحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ- يَعْنِي: ابْنَ عَيَّاشٍ- قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ يَصْدُقُ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ إِلا مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.\nقوله:  «إِنَّ الشَّيْطَانَ لِيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ، فَيَأْتِي الْقَوْمَ فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنْ الْكَذِبِ، فَيَتَفَرَّقُونَ فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلًا- أَعْرِفُ وَجْهَهُ، وَلا أَدْرِي مَا اسْمُهُ- يُحَدِّثُ»:\nهذا الحديث فيه: بيان أنه لا يُقبَل الحديث من مجهول؛ لأنه قد يكون كذابًا، وقد يكون شيطانًا يتمثَّل في صورة رجل، كما قاله عبد الله بن عمرو بن العاص، وهذا أعظم.\nوقوله:  «إِنَّ فِي الْبَحْرِ شَيَاطِينَ مَسْجُونَةً- أَوْثَقَهَا سُلَيْمَانُ- يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ فَتَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرْآنًا!»: هذا الحديث من الزاملتين (^١) اللتين أخذهما عبد الله بن عمرو بن العاص عن أهل الكتاب من الإسرائيليات.\n_________\n(^١) من الزاملتين: الزاملتان: تثنية زاملة، وهي بعيرٌ يَستظهِر به الرجل، يحمل متاعَه وطعامَه عليه، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص عثر على حمل بعيرين مِن كتب أهل الكتاب في اليرموك، فكان يُحَدِّثُ ببعض ما فيها من غير أن يرفعه إلى النَّبِي ﷺ، ومن ثُمَّ تحاشى بعض الرواة الرواية عنه احتياطًا. الصحاح، للجوهري (٤/ ١٧١٨)، النقض على المريسي، للدارمي (ص ٢٤٠).","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>بَابُ بَيَانِ أَنَّ الإِسْنَادَ مِنْ الدِّينِ، وَأَنَّ الرِّوَايَةَ لا تَكُونُ إِلا عَنْ الثِّقَاتِ، وَأَنَّ جَرْحَ الرُّوَاةِ بِمَا هُوَ فِيهِمْ جَائِزٌ، بَلْ وَاجِبٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ، بَلْ مِنْ الذَّبِّ عَنْ الشَّرِيعَةِ الْمُكَرَّمَةِ</span>\nحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ، وَهِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَحَدَّثَنَا فُضَيْلٌ عَنْ هِشَامٍ قَالَ: وَحَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ؛ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ! .\nحَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنْ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَخْبَرَنَا عِيسَى- وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ- حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى قَالَ: لَقِيتُ طَاوُسًا، فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي فُلانٌ كَيْتَ وَكَيْتَ، قَالَ: إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ مَلِيًّا فَخُذْ عَنْهُ.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيَّ- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى قَالَ: قُلْتُ لِطَاوُسٍ: إِنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ: إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ مَلِيًّا فَخُذْ عَنْهُ.\nحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَدْرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ مِائَةً كُلُّهُمْ مَأْمُونٌ مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمْ الْحَدِيثُ، يُقَالُ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ عَنْ مِسْعَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ: لا يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلا الثِّقَاتُ.","vol":"1","page":24},{"text":"وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ- مِنْ أَهْلِ مَرْوَ- قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَانَ بْنَ عُثْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: الإِسْنَادُ مِنْ الدِّينِ، وَلَوْلا الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ.\nوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ أَبِي رِزْمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْقَوَائِمُ- يَعْنِي: الإِسْنَادَ.\nوَقَالَ مُحَمَّدٌ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عِيسَى الطَّالَقَانِيَّ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ: إِنَّ مِنْ الْبِرِّ بَعْدَ الْبِرِّ أَنْ تُصَلِّيَ لأَبَوَيْكَ مَعَ صَلاتِكَ، وَتَصُومَ لَهُمَا مَعَ صَوْمِكَ، قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، عَمَّنْ هَذَا؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: هَذَا مِنْ حَدِيثِ شِهَابِ بْنِ خِرَاشٍ، فَقَالَ: ثِقَةٌ، عَمَّنْ؟ قَالَ: قُلْتُ: عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: ثِقَةٌ، عَمَّنْ؟ قَالَ: قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، إِنَّ بَيْنَ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مَفَاوِزَ تَنْقَطِعُ فِيهَا أَعْنَاقُ الْمَطِيِّ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الصَّدَقَةِ اخْتِلافٌ.\nوَقَالَ مُحَمَّدٌ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ شَقِيقٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ- عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ-: دَعُوا حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَسُبُّ السَّلَفَ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ صَاحِبُ بُهَيَّةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَقَالَ يَحْيَى لِلْقَاسِمِ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّهُ قَبِيحٌ عَلَى مِثْلِكَ عَظِيمٌ أَنْ تُسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ هَذَا الدِّينِ فَلا يُوجَدَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلْمٌ، وَلَا فَرَجٌ- أَوْ: عِلْمٌ وَلا مَخْرَجٌ- فَقَالَ لَهُ الْقَاسِمُ: وَعَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: لِأَنَّكَ ابْنُ إِمَامَيْ هُدًى: ابْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، قَالَ: يَقُولُ لَهُ الْقَاسِمُ: أَقْبَحُ مِنْ ذَاكَ عِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ أَنْ أَقُولَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوْ آخُذَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ، قَالَ: فَسَكَتَ فَمَا أَجَابَهُ.","vol":"1","page":25},{"text":"وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: أَخْبَرُونِي عَنْ أَبِي عَقِيلٍ- صَاحِبِ بُهَيَّةَ-: أَنَّ أَبْنَاءً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهِ عِلْمٌ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُعْظِمُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُكَ- وَأَنْتَ ابْنُ إِمَامَيْ الْهُدَى- يَعْنِي: عُمَرَ، وَابْنَ عُمَرَ- تُسْأَلُ عَنْ أَمْرٍ لَيْسَ عِنْدَكَ فِيهِ عِلْمٌ، فَقَالَ: أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ- وَاللَّهِ- عِنْدَ اللَّهِ، وَعِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ: أَنْ أَقُولَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوْ أُخْبِرَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ، قَالَ: وَشَهِدَهُمَا أَبُو عَقِيلٍ يَحْيَى بْنُ الْمُتَوَكِّلِ حِينَ قَالَا ذَلِكَ.\nوَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ أَبُو حَفْصٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: سَأَلْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَشُعْبَةَ، وَمَالِكًا، وَابْنَ عُيَيْنَةَ عَنْ الرَّجُلِ لا يَكُونُ ثَبْتًا فِي الْحَدِيثِ، فَيَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيَسْأَلُنِي عَنْهُ، قَالُوا: أَخْبِرْ عَنْهُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ.\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّضْرَ يَقُولُ: سُئِلَ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ حَدِيثٍ لِشَهْرٍ- وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ- فَقَالَ: إِنَّ شَهْرًا نَزَكُوهُ، إِنَّ شَهْرًا نَزَكُوهُ.\nقَالَ مُسْلِم ﵀: يَقُولُ: أَخَذَتْهُ أَلْسِنَةُ النَّاسِ، تَكَلَّمُوا فِيهِ.\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ قَالَ: قَالَ شُعْبَةُ: وَقَدْ لَقِيتُ شَهْرًا فَلَمْ أَعْتَدَّ بِهِ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ- مِنْ أَهْلِ مَرْوَ- قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: إِنَّ عَبَّادَ بْنَ كَثِيرٍ مَنْ تَعْرِفُ حَالَهُ، وَإِذَا حَدَّثَ جَاءَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، فَتَرَى أَنْ أَقُولَ لِلنَّاسِ: لا تَأْخُذُوا عَنْهُ؟ قَالَ سُفْيَانُ: بَلَى، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَكُنْتُ إِذَا كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ ذُكِرَ فِيهِ عَبَّادٌ أَثْنَيْتُ عَلَيْهِ فِي دِينِهِ، وَأَقُولُ: لا تَأْخُذُوا عَنْهُ.\nوَقَالَ مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ أَبِي: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: انْتَهَيْتُ إِلَى شُعْبَةَ فَقَالَ: هَذَا عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ فَاحْذَرُوهُ! .","vol":"1","page":26},{"text":"وَحَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: سَأَلْتُ مُعَلًّى الرَّازِيَّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ- الَّذِي رَوَى عَنْهُ عَبَّادٌ- فَأَخْبَرَنِي عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ قَالَ: كُنْتُ عَلَى بَابِهِ- وَسُفْيَانُ عِنْدَهُ- فَلَمَّا خَرَجَ سَأَلْتُهُ عَنْهُ، فَأَخْبَرَنِي: أَنَّهُ كَذَّابٌ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَتَّابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَفَّانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمْ نَرَ الصَّالِحِينَ فِي شَيْءٍ أَكْذَبَ مِنْهُمْ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ ابْنُ أَبِي عَتَّابٍ: فَلَقِيتُ أَنَا مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهُ فَقَالَ: عَنْ أَبِيهِ: لَمْ تَرَ أَهْلَ الْخَيْرِ فِي شَيْءٍ أَكْذَبَ مِنْهُمْ فِي الْحَدِيثِ. قَالَ مُسْلِم: يَقُولُ: يَجْرِي الْكَذِبُ عَلَى لِسَانِهِمْ، وَلا يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ.\nحَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنِي خَلِيفَةُ بْنُ مُوسَى قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى غَالِبِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ فَجَعَلَ يُمْلِي عَلَيَّ: حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ، حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ، فَأَخَذَهُ الْبَوْلُ فَقَامَ، فَنَظَرْتُ فِي الْكُرَّاسَةِ فَإِذَا فِيهَا: حَدَّثَنِي أَبَانٌ عَنْ أَنَسٍ، وَأَبَانٌ عَنْ فُلانٍ، فَتَرَكْتُهُ وَقُمْتُ.\nقَالَ: وَسَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيَّ يَقُولُ: رَأَيْتُ فِي كِتَابِ عَفَّانَ حَدِيثَ هِشَامٍ أَبِي الْمِقْدَامِ حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ هِشَامٌ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ- يُقَالُ لَهُ يَحْيَى بْنُ فُلانٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَفَّانَ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هِشَامٌ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، فَقَالَ: إِنَّمَا ابْتُلِيَ مِنْ قِبَلِ هَذَا الْحَدِيثِ، كَانَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ادَّعَى بَعْدُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ.\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ يَقُولُ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي رَوَيْتَ عَنْهُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَوْمُ الْفِطْرِ يَوْمُ الْجَوَائِزِ؟ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَجَّاجِ: انْظُرْ مَا وَضَعْتَ فِي يَدِكَ مِنْهُ، قَالَ ابْنُ قُهْزَاذَ: وَسَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ زَمْعَةَ يَذْكُرُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ- يَعْنِي: ابْنَ الْمُبَارَكِ- رَأَيْتُ","vol":"1","page":27},{"text":"رَوْحَ بْنَ غُطَيْفٍ- صَاحِبَ الدَّمِ قَدْرِ الدِّرْهَمِ- وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ مَجْلِسًا، فَجَعَلْتُ أَسْتَحْيِي مِنْ أَصْحَابِي أَنْ يَرَوْنِي جَالِسًا مَعَهُ، كُرْهَ حَدِيثِهِ.\nحَدَّثَنِي ابْنُ قُهْزَاذَ قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبًا يَقُولُ: عَنْ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ: بَقِيَّةُ صَدُوقُ اللِّسَانِ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ عَمَّنْ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ الْهَمْدَانِيُّ- وَكَانَ كَذَّابًا.\nحَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ مُفَضَّلٍ عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ- وَهُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ عَلْقَمَةُ: قَرَأْتُ الْقُرْآنَ فِي سَنَتَيْنِ، فَقَالَ الْحَارِثُ: الْقُرْآنُ هَيِّنٌ، الْوَحْيُ أَشَدُّ.\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ- يَعْنِي: ابْنَ يُونُسَ- حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: أَنَّ الْحَارِثَ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْقُرْآنَ فِي ثَلاثِ سِنِينَ، وَالْوَحْيَ فِي سَنَتَيْنِ- أَوْ قَالَ: الْوَحْيَ فِي ثَلاثِ سِنِينَ، الْقُرْآنَ فِي سَنَتَيْنِ.\nتراجع فلعلها: وَالْقُرْآنَ\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ- وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ- حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ مَنْصُورٍ وَالْمُغِيرَةِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: أَنَّ الْحَارِثَ اتُّهِمَ.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ قَالَ: سَمِعَ مُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ مِنَ الْحَارِثِ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ: اقْعُدْ بِالْبَابِ، قَالَ: فَدَخَلَ مُرَّةُ، وَأَخَذَ سَيْفَهُ، قَالَ: وَأَحَسَّ الْحَارِثُ بِالشَّرِّ فَذَهَبَ.\nوَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ- حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: قَالَ لَنَا إِبْرَاهِيمُ: إِيَّاكُمْ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ، وَأَبَا عَبْدِ الرَّحِيمِ؛ فَإِنَّهُمَا كَذَّابَانِ! .\nحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ: كُنَّا نَأْتِي أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ- وَنَحْنُ غِلْمَةٌ أَيْفَاعٌ- فَكَانَ يَقُولُ لَنَا:","vol":"1","page":28},{"text":"لَا تُجَالِسُوا الْقُصَّاصَ، غَيْرَ أَبِي الأَحْوَصِ، وَإِيَّاكُمْ وَشَقِيقًا! قَالَ: وَكَانَ شَقِيقٌ هَذَا يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ، وَلَيْسَ بِأَبِي وَائِلٍ.\nحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرًا يَقُولُ: لَقِيتُ جَابِرَ بْنَ يَزِيدَ الْجُعْفِيَّ، فَلَمْ أَكْتُبْ عَنْهُ- كَانَ يُؤْمِنُ بِالرَّجْعَةِ.\nحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ مَا أَحْدَثَ.\nوَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَحْمِلُونَ عَنْ جَابِرٍ قَبْلَ أَنْ يُظْهِرَ مَا أَظْهَرَ، فَلَمَّا أَظْهَرَ مَا أَظْهَرَ اتَّهَمَهُ النَّاسُ فِي حَدِيثِهِ، وَتَرَكَهُ بَعْضُ النَّاسِ، فَقِيلَ لَهُ: وَمَا أَظْهَرَ؟ قَالَ: الإِيمَانَ بِالرَّجْعَةِ.\nوَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ وَأَخُوهُ: أَنَّهُمَا سَمِعَا الْجَرَّاحَ بْنَ مَلِيحٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: عِنْدِي سَبْعُونَ أَلْفَ حَدِيثٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهَا.\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: سَمِعْتُ زُهَيْرًا يَقُولُ: قَالَ جَابِرٌ- أَوْ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: إِنَّ عِنْدِي لَخَمْسِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ مَا حَدَّثْتُ مِنْهَا بِشَيْءٍ، قَالَ: ثُمَّ حَدَّثَ يَوْمًا بِحَدِيثٍ، فَقَالَ: هَذَا مِنْ الْخَمْسِينَ أَلْفًا.\nوَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ الْيَشْكُرِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْوَلِيدِ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَلامَ بْنَ أَبِي مُطِيعٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا الْجُعْفِيَّ يَقُولُ: عِنْدِي خَمْسُونَ أَلْفَ حَدِيثٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ.\nوَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا سَأَلَ جَابِرًا عَنْ قَوْلِهِ ﷿: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾، فَقَالَ جَابِرٌ: لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ، قَالَ سُفْيَانُ: وَكَذَبَ!، فَقُلْنَا لِسُفْيَانَ: وَمَا أَرَادَ بِهَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ الرَّافِضَةَ تَقُولُ: إِنَّ عَلِيًّا فِي السَّحَابِ، فَلا نَخْرُجُ مَعَ مَنْ خَرَجَ مِنْ وَلَدِهِ حَتَّى","vol":"1","page":29},{"text":"يُنَادِيَ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ- يُرِيدُ: عَلِيًّا أَنَّهُ يُنَادِي-: اخْرُجُوا مَعَ فُلانٍ، يَقُولُ جَابِرٌ: فَذَا تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ، وَكَذَبَ! كَانَتْ فِي إِخْوَةِ يُوسُفَ ﷺ.\nوَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرًا يُحَدِّثُ بِنَحْوٍ مِنْ ثَلاثِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ، مَا أَسْتَحِلُّ أَنْ أَذْكُرَ مِنْهَا شَيْئًا، وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا.\nقَالَ مُسْلِمٌ: وَسَمِعْتُ أَبَا غَسَّانَ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو الرَّازِيَّ قَالَ: سَأَلْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ، فَقُلْتُ: الْحَارِثُ بْنُ حَصِيرَةَ لَقِيتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، شَيْخٌ طَوِيلُ السُّكُوتِ، يُصِرُّ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ! .\nحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: ذَكَرَ أَيُّوبُ رَجُلًا يَوْمًا، فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ بِمُسْتَقِيمِ اللِّسَانِ، وَذَكَرَ آخَرَ، فَقَالَ: هُوَ يَزِيدُ فِي الرَّقْمِ.\nحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ أَيُّوبُ: إِنَّ لِي جَارًا، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَوْ شَهِدَ عِنْدِي عَلَى تَمْرَتَيْنِ مَا رَأَيْتُ شَهَادَتَهُ جَائِزَةً.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: قَالَ مَعْمَرٌ: مَا رَأَيْتُ أَيُّوبَ اغْتَابَ أَحَدًا قَطُّ، إِلَّا عَبْدَ الْكَرِيمِ- يَعْنِي: أَبَا أُمَيَّةَ؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ، فَقَالَ ﵀: كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ، لَقَدْ سَأَلَنِي عَنْ حَدِيثٍ لِعِكْرِمَةَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ.\nحَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو دَاوُدَ الْأَعْمَى، فَجَعَلَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِقَتَادَةَ، فَقَالَ: كَذَبَ مَا سَمِعَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَائِلًا يَتَكَفَّفُ النَّاسَ زَمَنَ طَاعُونِ الْجَارِفِ.\nوَحَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ قَالَ: دَخَلَ أَبُو دَاوُدَ الْأَعْمَى عَلَى قَتَادَةَ، فَلَمَّا قَامَ قَالُوا: إِنَّ هَذَا","vol":"1","page":30},{"text":"يَزْعُمُ أَنَّهُ لَقِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ بَدْرِيًّا، فَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا كَانَ سَائِلًا قَبْلَ الْجَارِفِ، لا يَعْرِضُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَلا يَتَكَلَّمُ فِيهِ، فَوَاللَّهِ مَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ عَنْ بَدْرِيٍّ مُشَافَهَةً، وَلَا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ بَدْرِيٍّ مُشَافَهَةً إِلَّا عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ.\nحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ رَقَبَةَ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيَّ الْمَدَنِيَّ كَانَ يَضَعُ أَحَادِيثَ كَلامَ حَقٍّ، وَلَيْسَتْ مِنْ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ يَرْوِيهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ.؟؟؟؟؟ يراجع النص\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: كَانَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ يَكْذِبُ فِي الْحَدِيثِ.\nحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ أَبُو حَفْصٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاذَ بْنَ مُعَاذٍ يَقُولُ: قُلْتُ لِعَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، قَالَ: كَذَبَ- وَاللَّهِ- عَمْرٌو، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَحُوزَهَا إِلَى قَوْلِهِ الْخَبِيثِ.\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ قَدْ لَزِمَ أَيُّوبَ وَسَمِعَ مِنْهُ، فَفَقَدَهُ أَيُّوبُ، فَقَالُوا: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّهُ قَدْ لَزِمَ عَمْرَو بْنَ عُبَيدٍ، قَالَ حَمَّادٌ: فَبَيْنَا أَنَا يَوْمًا مَعَ أَيُّوبَ، وَقَدْ بَكَّرْنَا إِلَى السُّوقِ، فَاسْتَقْبَلَهُ الرَّجُلُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ أَيُّوبُ وَسَأَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ أَيُّوبُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ لَزِمْتَ ذَاكَ الرَّجُلَ، قَالَ حَمَّادٌ: سَمَّاهُ- يَعْنِي: عَمْرًا- قَالَ: نَعَمْ يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّهُ يَجِيئُنَا بِأَشْيَاءَ غَرَائِبَ، قَالَ: يَقُولُ لَهُ أَيُّوبُ: إِنَّمَا نَفِرُّ- أَوْ: نَفْرَقُ- مِنْ تِلْكَ الْغَرَائِبِ.\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا ابْنُ زَيْدٍ- يَعْنِي: حَمَّادًا- قَالَ: قِيلَ لأَيُّوبَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ رَوَى عَنِ الْحَسَنِ","vol":"1","page":31},{"text":"قَالَ: لا يُجْلَدُ السَّكْرَانُ مِنَ النَّبِيذِ، فَقَالَ: كَذَبَ، أَنَا سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: يُجْلَدُ السَّكْرَانُ مِنَ النَّبِيذِ.\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَلامَ بْنَ أَبِي مُطِيعٍ يَقُولُ: بَلَغَ أَيُّوبَ أَنِّي آتِي عَمْرًا، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ يَوْمًا، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا لا تَأْمَنُهُ عَلَى دِينِهِ، كَيْفَ تَأْمَنُهُ عَلَى الْحَدِيثِ؟ ! .\nوَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ.\nحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى شُعْبَةَ أَسْأَلُهُ عَنْ أَبِي شَيْبَةَ- قَاضِي وَاسِطٍ- فَكَتَبَ إِلَيَّ: لا تَكْتُبْ عَنْهُ شَيْئًا- وَمَزِّقْ كِتَابِي.\nوَحَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَفَّانَ قَالَ: حَدَّثْتُ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ بِحَدِيثٍ عَنْ ثَابِتٍ، فَقَالَ: كَذَبَ، وَحَدَّثْتُ هَمَّامًا عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ بِحَدِيثٍ، فَقَالَ: كَذَبَ.\nوَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: قَالَ لِي شُعْبَةُ: ائْتِ جَرِيرَ بْنَ حَازِمٍ فَقُلْ لَهُ: لا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ؛ فَإِنَّهُ يَكْذِبُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قُلْتُ لِشُعْبَةَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَنِ الْحَكَمِ بِأَشْيَاءَ لَمْ أَجِدْ لَهَا أَصْلًا، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: بِأَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَكَمِ: أَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ؟ فَقَالَ: لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَيْهِمْ وَدَفَنَهُمْ، قُلْتُ لِلْحَكَمِ: مَا تَقُولُ فِي أَوْلادِ الزِّنَا؟ قَالَ: يُصَلَّى عَلَيْهِمْ، قُلْتُ: مِنْ حَدِيثِ مَنْ يُرْوَى؟ قَالَ: يُرْوَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ عَنْ عَلِيٍّ.\nوَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ، وَذَكَرَ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ، فَقَالَ: حَلَفْتُ أَلَّا أَرْوِيَ عَنْهُ شَيْئًا، وَلَا عَنْ خَالِدِ بْنِ مَحْدُوجٍ،","vol":"1","page":32},{"text":"وَقَالَ: لَقِيتُ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ حَدِيثٍ، فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنْ بَكْرٍ الْمُزَنِيِّ، ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِ، فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنْ مُوَرِّقٍ، ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِ، فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنْ الْحَسَنِ، وَكَانَ يَنْسُبُهُمَا إِلَى الْكَذِبِ، قَالَ الْحُلْوَانِيُّ: سَمِعْتُ عَبْدَ الصَّمَدِ، وَذَكَرْتُ عِنْدَهُ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ، فَنَسَبَهُ إِلَى الْكَذِبِ.\nوَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ: قَدْ أَكْثَرْتَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، فَمَا لَكَ لَمْ تَسْمَعْ مِنْهُ حَدِيثَ الْعَطَّارَةِ الَّذِي رَوَى لَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ؟ قَالَ لِيَ: اسْكُتْ، فَأَنَا لَقِيتُ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ فَسَأَلْنَاهُ فَقُلْنَا لَهُ: هَذِهِ الأَحَادِيثُ الَّتِي تَرْوِيهَا عَنْ أَنَسٍ، فَقَالَ: أَرَأَيْتُمَا رَجُلًا يُذْنِبُ فَيَتُوبُ، أَلَيْسَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ؟ ! قَالَ: قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ أَنَسٍ مِنْ ذَا قَلِيلًا وَلا كَثِيرًا، إِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ النَّاسُ فَأَنْتُمَا لَا تَعْلَمَانِ أَنِّي لَمْ أَلْقَ أَنَسًا! قَالَ أَبُو دَاوُدَ: فَبَلَغَنَا بَعْدُ أَنَّهُ يَرْوِي، فَأَتَيْنَاهُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: أَتُوبُ، ثُمَّ كَانَ بَعْدُ يُحَدِّثُ، فَتَرَكْنَاهُ. تراجع فلعلها زائدة\nحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ شَبَابَةَ قَالَ: كَانَ عَبْدُ الْقُدُّوسِ يُحَدِّثُنَا، فَيَقُولُ: سُوَيْدُ بْنُ عَقَلَةَ، قَالَ شَبَابَةُ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ الْقُدُّوسِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُتَّخَذَ الرَّوْحُ عَرْضًا، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: أَيُّ شَيْءٍ هَذَا؟ قَالَ: يَعْنِي: تُتَّخَذُ كُوَّةٌ فِي حَائِطٍ لِيَدْخُلَ عَلَيْهِ الرَّوْحُ.\nقَالَ مُسْلِم: وَسَمِعْت عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ- لِرَجُلٍ بَعْدَ مَا جَلَسَ مَهْدِيُّ بْنُ هِلالٍ بِأَيَّامٍ-: مَا هَذِهِ الْعَيْنُ الْمَالِحَةُ الَّتِي نَبَعَتْ قِبَلَكُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا أَبَا إِسْمَاعِيلَ.\nوَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَفَّانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَوَانَةَ قَالَ: مَا بَلَغَنِي عَنِ الْحَسَنِ حَدِيثٌ إِلَّا أَتَيْتُ بِهِ أَبَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ، فَقَرَأَهُ عَلَيَّ.\nوَحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَا وَحَمْزَةُ الزَّيَّاتُ مِنْ أَبَانَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ نَحْوًا مِنْ أَلْفِ حَدِيثٍ، قَالَ عَلِيٌّ: فَلَقِيتُ","vol":"1","page":33},{"text":"حَمْزَةَ، فَأَخْبَرَنِي: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَا سَمِعَ مِنْ أَبَانَ، فَمَا عَرَفَ مِنْهَا إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا؛ خَمْسَةً، أَوْ سِتَّةً.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ: اكْتُبْ عَنْ بَقِيَّةَ مَا رَوَى عَنِ الْمَعْرُوفِينَ، وَلا تَكْتُبْ عَنْهُ مَا رَوَى عَنْ غَيْرِ الْمَعْرُوفِينَ، وَلَا تَكْتُبْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ مَا رَوَى عَنِ الْمَعْرُوفِينَ، وَلَا عَنْ غَيْرِهِمْ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: نِعْمَ الرَّجُلُ بَقِيَّةُ، لَوْلَا أَنَّهُ كَانَ يَكْنِي الْأَسَامِيَ، وَيُسَمِّي الْكُنَى، كَانَ دَهْرًا يُحَدِّثُنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْوُحَاظِيِّ، فَنَظَرْنَا فَإِذَا هُوَ عَبْدُ الْقُدُّوسِ.\nوَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّزَّاقِ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يُفْصِحُ بِقَوْلِهِ: كَذَّابٌ، إِلا لِعَبْدِ الْقُدُّوسِ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ لَهُ: كَذَّابٌ.\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نُعَيْمٍ، وَذَكَرَ الْمُعَلَّى بْنَ عُرْفَانَ، فَقَالَ: قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا ابْنُ مَسْعُودٍ بِصِفِّينَ، فَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: أَتُرَاهُ بُعِثَ بَعْدَ الْمَوْتِ؟ ! .\nحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، كِلاهُمَا عَنْ عَفَّانَ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، فَحَدَّثَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِثَبْتٍ، قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ: اغْتَبْتَهُ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: مَا اغْتَابَهُ، وَلَكِنَّهُ حَكَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الدَّارِمِيُّ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- الَّذِي يَرْوِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ- فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَالِحٍ- مَوْلَى التَّوْأَمَةِ- فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ، فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ شُعْبَةَ- الَّذِي","vol":"1","page":34},{"text":"رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ-، فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ، فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَؤُلاءِ الْخَمْسَةِ، فَقَالَ: لَيْسُوا بِثِقَةٍ فِي حَدِيثِهِمْ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ آخَرَ نَسِيتُ اسْمَهُ، فَقَالَ: هَلْ رَأَيْتَهُ فِي كُتُبِي؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: لَوْ كَانَ ثِقَةً لَرَأَيْتَهُ فِي كُتُبِي.\nوَحَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ- وَكَانَ مُتَّهَمًا.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الطَّالَقَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: لَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَبَيْنَ أَنْ أَلْقَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَرَّرٍ لاخْتَرْتُ أَنْ أَلْقَاهُ، ثُمَّ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ كَانَتْ بَعْرَةٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ.\nوَحَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ حَدَّثَنَا وَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: قَالَ زَيْدٌ- يَعْنِي: ابْنَ أَبِي أُنَيْسَةَ-: لا تَأْخُذُوا عَنْ أَخِي.\nحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ السَّلامِ الْوَابِصِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ كَذَّابًا.\nحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: ذُكِرَ فَرْقَدٌ عِنْدَ أَيُّوبَ، فَقَالَ: إِنَّ فَرْقَدًا لَيْسَ صَاحِبَ حَدِيثٍ.\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ ذُكِرَ عِنْدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ فَضَعَّفَهُ جِدًّا، فَقِيلَ لِيَحْيَى: أَضْعَفُ مِنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ أَحَدًا يَرْوِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ.\nحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ ضَعَّفَ حَكِيمَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَعَبْدَ الأَعْلَى، وَضَعَّفَ يَحْيَى مُوسَى بْنِ دِينَارٍ قَالَ: حَدِيثُهُ رِيحٌ، وَضَعَّفَ مُوسَى بْنَ دِهْقَانَ، وَعِيسَى بْنَ أَبِي عِيسَى الْمَدَنِيَّ، قَالَ: وَسَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عِيسَى يَقُولُ: قَالَ لِي ابْنُ الْمُبَارَكِ: إِذَا قَدِمْتَ","vol":"1","page":35},{"text":"عَلَى جَرِيرٍ فَاكْتُبْ عِلْمَهُ كُلَّهُ، إِلَّا حَدِيثَ ثَلاثَةٍ؛ لَا تَكْتُبْ حَدِيثَ عُبَيْدَةَ بْنِ مُعَتِّبٍ، وَالسَّرِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ. برغم أن الاسمين مقصوران فلا تظهر عليهما علامات الضبط الثلاث، فلا يعرف في العبارة الفاعل من المفعول، ولكن القاعدة: أن الجملة لو كانت هكذا فيلزم فيها الترتيب، بمعنى عدم جواز التقديم والتأخير فيكون يحيى فاعلًا وموسى مفعولًا به؛ وعليه فضبط (بْنِ) هكذا بالكسر خطأ، وهي بالفتح (بْنَ).\nقَالَ مُسْلِم: وَأَشْبَاهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ كَلامِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مُتَّهَمِي رُوَاةِ الْحَدِيثِ وَإِخْبَارِهِمْ عَنْ مَعَايِبِهِمْ كَثِيرٌ، يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِ عَلَى اسْتِقْصَائِهِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ لِمَنْ تَفَهَّمَ، وَعَقَلَ مَذْهَبَ الْقَوْمِ فِيمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ وَبَيَّنُوا، وَإِنَّمَا أَلْزَمُوا أَنْفُسَهُمُ الْكَشْفَ عَنْ مَعَايِبِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ وَنَاقِلِي الأَخْبَارِ، وَأَفْتَوْا بِذَلِكَ حِينَ سُئِلُوا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ الْخَطَرِ؛ إِذْ الأَخْبَارُ فِي أَمْرِ الدِّينِ إِنَّمَا تَأْتِي بِتَحْلِيلٍ، أَوْ تَحْرِيمٍ، أَوْ أَمْرٍ، أَوْ نَهْيٍ، أَوْ تَرْغِيبٍ، أَوْ تَرْهِيبٍ.\nفَإِذَا كَانَ الرَّاوِي لَهَا لَيْسَ بِمَعْدِنٍ لِلصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ، ثُمَّ أَقْدَمَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ مَنْ قَدْ عَرَفَهُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا فِيهِ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ جَهِلَ مَعْرِفَتَهُ كَانَ آثِمًا بِفِعْلِهِ ذَلِكَ غَاشًّا لِعَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ؛ إِذْ لا يُؤْمَنُ عَلَى بَعْضِ مَنْ سَمِعَ تِلْكَ الْأَخْبَارَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا، أَوْ يَسْتَعْمِلَ بَعْضَهَا، وَلَعَلَّهَا- أَوْ أَكْثَرَهَا- أَكَاذِيبُ لا أَصْلَ لَهَا، مَعَ أَنَّ الأَخْبَارَ الصِّحَاحَ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ.\nوَأَهْلِ الْقَنَاعَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى نَقْلِ مَنْ لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَلَا مَقْنَعٍ، وَلَا أَحْسِبُ كَثِيرًا مِمَّنْ يُعَرِّجُ مِنْ النَّاسِ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الضِّعَافِ وَالْأَسَانِيدِ الْمَجْهُولَةِ، وَيَعْتَدُّ بِرِوَايَتِهَا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِمَا فِيهَا مِنَ التَّوَهُّنِ وَالضَّعْفِ، إِلَّا أَنَّ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى رِوَايَتِهَا، وَالاعْتِدَادِ بِهَا إِرَادَةُ التَّكَثُّرِ بِذَلِكَ عِنْدَ الْعَوَامِّ، وَلأَنْ يُقَالَ: مَا أَكْثَرَ مَا جَمَعَ فُلانٌ مِنْ الْحَدِيثِ، وَأَلَّفَ مِنْ الْعَدَدِ، وَمَنْ ذَهَبَ فِي الْعِلْمِ هَذَا الْمَذْهَبَ، وَسَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ فَلَا نَصِيبَ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ بِأَنْ يُسَمَّى جَاهِلًا أَوْلَى مَنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى عِلْمٍ.\nوَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ مُنْتَحِلِي الْحَدِيثِ مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا فِي تَصْحِيحِ الْأَسَانِيدِ وَتَسْقِيمِهَا بِقَوْلٍ لَوْ ضَرَبْنَا عَنْ حِكَايَتِهِ، وَذِكْرِ فَسَادِهِ صَفْحًا لَكَانَ رَأْيًا مَتِينًا، وَمَذْهَبًا صَحِيحًا؛ إِذِ الْإِعْرَاضُ عَنِ الْقَوْلِ الْمُطَّرَحِ أَحْرَى لِإِمَاتَتِهِ، وَإِخْمَالِ ذِكْرِ قَائِلِهِ، وَأَجْدَرُ أَنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لِلْجُهَّالِ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّا لَمَّا تَخَوَّفْنَا مِنْ شُرُورِ الْعَوَاقِبِ، وَاغْتِرَارِ الْجَهَلَةِ بِمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، وَإِسْرَاعِهِمْ","vol":"1","page":36},{"text":"إِلَى اعْتِقَادِ خَطَإِ الْمُخْطِئِينَ وَالأَقْوَالِ السَّاقِطَةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ- رَأَيْنَا الْكَشْفَ عَنْ فَسَادِ قَوْلِهِ، وَرَدَّ مَقَالَتِهِ- بِقَدْرِ مَا يَلِيقُ بِهَا مِنْ الرَّدِّ- أَجْدَى عَلَى الأَنَامِ وَأَحْمَدَ لِلْعَاقِبَةِ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ.\nوَزَعَمَ الْقَائِلُ- الَّذِي افْتَتَحْنَا الْكَلامَ عَلَى الْحِكَايَةِ عَنْ قَوْلِهِ وَالإِخْبَارِ عَنْ سُوءِ رَوِيَّتِهِ- أَنَّ كُلَّ إِسْنَادٍ لِحَدِيثٍ فِيهِ فُلانٌ عَنْ فُلانٍ، وَقَدْ أَحَاطَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُمَا قَدْ كَانَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَى الرَّاوِي عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ وَشَافَهَهُ بِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لا نَعْلَمُ لَهُ مِنْهُ سَمَاعًا، وَلَمْ نَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمَا الْتَقَيَا قَطُّ، أَوْ تَشَافَهَا بِحَدِيثٍ أَنَّ الْحُجَّةَ لا تَقُومُ عِنْدَهُ بِكُلِّ خَبَرٍ جَاءَ هَذَا الْمَجِيءَ، حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ الْعِلْمُ بِأَنَّهُمَا قَدْ اجْتَمَعَا مِنْ دَهْرِهِمَا مَرَّةً فَصَاعِدًا، أَوْ تَشَافَهَا بِالْحَدِيثِ بَيْنَهُمَا، أَوْ يَرِدَ خَبَرٌ فِيهِ بَيَانُ اجْتِمَاعِهِمَا وَتَلاقِيهِمَا مَرَّةً مِنْ دَهْرِهِمَا، فَمَا فَوْقَهَا.\nفَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمُ ذَلِكَ، وَلَمْ تَأْتِ رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ تُخْبِرُ أَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ عَنْ صَاحِبِهِ قَدْ لَقِيَهُ مَرَّةً، وَسَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا، لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِهِ الْخَبَرَ عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ عِلْمُ ذَلِكَ، وَالأَمْرُ كَمَا وَصَفْنَا حُجَّةٌ، وَكَانَ الْخَبَرُ عِنْدَهُ مَوْقُوفًا حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِ سَمَاعُهُ مِنْهُ لِشَيْءٍ مِنْ الْحَدِيثِ- قَلَّ، أَوْ كَثُرَ- فِي رِوَايَةٍ مِثْلِ مَا وَرَدَ.\nقوله:  «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنْ الْإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ»: المراد بالفتنة هنا: الخروجُ على عثمانَ ﵁ وقتلُه.\nوقوله:  «إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ مَلِيًّا فَخُذْ عَنْهُ»، أي: إن كان ثقةً ضابطًا، يوثق بدينه ومعرفته، فخذ عنه.\nوقوله:  «أَدْرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ مِائَةً كُلُّهُمْ مَأْمُونٌ مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمْ الْحَدِيثُ، يُقَالُ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ»، يعني: لا يؤخذ منهم الحديث؛ لغفلتهم وعدم ضبطهم، أَوْ لسوء حفظهم؛ ولأنهم ليسوا من أهل الحديث الثقاة العدول المتيقظين.","vol":"1","page":37},{"text":"وقوله:  «وَقَالَ مُحَمَّدٌ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عِيسَى الطَّالَقَانِيَّ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ: إِنَّ مِنْ الْبِرِّ بَعْدَ الْبِرِّ أَنْ تُصَلِّيَ لأَبَوَيْكَ مَعَ صَلاتِكَ، وَتَصُومَ لَهُمَا مَعَ صَوْمِكَ، قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، عَمَّنْ هَذَا؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: هَذَا مِنْ حَدِيثِ شِهَابِ بْنِ خِرَاشٍ، فَقَالَ: ثِقَةٌ، عَمَّنْ؟ قَالَ: قُلْتُ: عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: ثِقَةٌ، عَمَّنْ؟ قَالَ: قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، إِنَّ بَيْنَ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مَفَاوِزَ تَنْقَطِعُ فِيهَا أَعْنَاقُ الْمَطِيِّ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الصَّدَقَةِ اخْتِلافٌ»: معني هذه الحكاية: أنه لا يقبل الحديث إلا بإسناد صحيح، والحجاج بن دينار هذا من تابعي التابعين، وأقل ما يمكن أن يكون بينه وبين النبي ﷺ اثنان تابعي وصحابي.\nوقوله:  «وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الصَّدَقَةِ اخْتِلافٌ»، أي: أن الصدقة تصل إلى الميت، وينتفع بها بلا خلاف بين المسلمين؛ لثبوت ذلك في الأحاديث الصحيحة، وأما الصلاة والصوم فلم يثبت فيها دليل؛ ولذلك اختلف العلماء فيها، والصواب: عدم إهدائها لعدم الدليل.\nوقوله:  «قَالُوا: أَخْبِرْ عَنْهُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ»؛ لأن هذا من النصيحة لله ولرسوله وللمسلمين، وليس من الغيبة.\nوقوله:  «إِنَّ شَهْرًا نَزَكُوهُ، إِنَّ شَهْرًا نَزَكُوهُ»، أي: طعَنوا فيه وتكلموا بجرحه، كأنه يقول: طعنوه بالنَّيْزك، وهو رمح قصير.\nوقوله:  «فَتَرَى أَنْ أَقُولَ لِلنَّاسِ: لا تَأْخُذُوا عَنْهُ؟»: فترى: على حذف حرف الاستفهام، أي: أَفَتَرَى؟\nوقوله:  «لَمْ نَرَ الصَّالِحِينَ فِي شَيْءٍ أَكْذَبَ مِنْهُمْ فِي الْحَدِيثِ»: هذه العبارة ليست على إطلاقها؛ وإنما المراد بها العُبَّاد المغفَّلون؛ لأنهم يكذبون- والمراد بالكذب: الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه، سواء تعمد ذلك، أم جهله- بسبب غفلتهم، وعدم ضبطهم، وإن كانوا لا يتعمدون الكذب.\nوقوله:  «لَقِيتُ جَابِرَ بْنَ يَزِيدَ الْجُعْفِيَّ، فَلَمْ أَكْتُبْ عَنْهُ- كَانَ يُؤْمِنُ بِالرَّجْعَةِ»:","vol":"1","page":38},{"text":"معنى إيمان جابر بن يزيد الجعفي بالرجعة: هو ما تعتقده الرافضة من رجوع عليٍّ ﵁، وأنه في السحاب.\nوقوله:  «الْجَرَّاحَ بْنَ مَلِيحٍ»: هو والد وكيع، شيخ الشافعي وأحمد ﵏، ووكيع هذا: ضعيف عند المحدِّثين، لكن ذكره مسلم ﵀ في المتابعات.\nوقوله:  «عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ»: قدري معتزلي، كان صاحب الحسن البصري قبل الاعتزل، ويعتبر هو وواصل بن عطاء رئيسَيِ المعتزلةِ.\nوقوله:  «كَذَبَ- وَاللَّهِ- عَمْرٌو، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَحُوزَهَا إِلَى قَوْلِهِ الْخَبِيثِ»: هذا الحديث ثابت من غير طريق عمرو بن عبيد، وكذبه هنا؛ لنسبته إلى الحسن، ومعناه: كذب في هذه الرواية؛ ليؤيد بها مذهبه الاعتزالي في القول بتكفير العاصي، مستدلًّا بقوله:  «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا»  .\nوقوله:  «وَمَزِّقْ كِتَابِي»: أمر شعبةَ بتمزيق كتابه بعد قراءته؛ خشية أن يصل الكتاب إلى أبي شيبة، فيناله أذًى منه.\nوقوله:  «حَدَّثْتُ هَمَّامًا عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ بِحَدِيثٍ، فَقَالَ: كَذَبَ»: معناه: أن صَالِحًا الْمُرِّيَّ من العُبَّاد والزُّهَّاد، وفيه غفلة الصالحين؛ فيجري الكذب على لسانه من غير تعمد، والمراد بالكذب هنا: الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه سهوًا، أَوْ عمدًا.\nوقوله:  «أَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ؟ فَقَالَ: لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ»: هذا القول هو الصواب فهو ﷺ لم يُصَلِّ عليهم.\nوقوله:  «قُلْتُ لِلْحَكَمِ: مَا تَقُولُ فِي أَوْلادِ الزِّنَا؟ قَالَ: يُصَلَّى عَلَيْهِمْ»: هذا هوالصواب من كلام أهل العلم أن أولاد الزنا يُصَلَّى عليهم، بل ويؤمُّون الناسَ إذا كانوا صالحين، والإثم على الزاني، قال الله تعالى: ﴿لا تزرو وازرة وزر أخرى﴾ [النجم: ٣٨].\nوقوله:  «قُلْتُ: مِنْ حَدِيثِ مَنْ يُرْوَى؟ قَالَ: يُرْوَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، فَقَالَ","vol":"1","page":39},{"text":"الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ عَنْ عَلِيٍّ»، يعني: أن الحسن بن عمارة كذب، فروى هذا الحديث عن الحكم عن يحيى عن علي، وإنما هو عن الحسن البصري من قوله.\nوقوله:  «سُوَيْدُ بْنُ عَقَلَةَ»: قال النووي ﵀: «سويد بن عقلة- بالعين المهملة، والقاف- وهو تصحيف ظاهر، وخطأ بيِّن؛ وإنما هو غفلة: بالغين المعجمة، والفاء المفتوحتين، وأما المتن فقال: الرَّوحُ، بفتح الراء، وعَرْضًا: بالعين المهملة، وإسكان الراء، وهو تصحيف قبيح، وخطأ صريح، وصوابه: الرُّوح بضم الراء، وغَرَضًا- بالغين المعجمة، والراء المفتوحتين- ومعناه: نهى أن نتخذ الحيوان الذي فيه الرُّوح غَرَضًا، أي: هدفًا للرمي، فيرمى إليه بالنشاب وشبهه» (^١).\nوقوله:  «سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ- لِرَجُلٍ بَعْدَ مَا جَلَسَ مَهْدِيُّ بْنُ هِلالٍ بِأَيَّامٍ-: مَا هَذِهِ الْعَيْنُ الْمَالِحَةُ الَّتِي نَبَعَتْ قِبَلَكُمْ؟»: الْعَيْنُ الْمَالِحَةُ: كناية عن ضعف مهدي بن هلال وجرحه، وقوله:  «قَالَ: نَعَمْ، يَا أَبَا إِسْمَاعِيلَ»: هذه موافقة صريحة له على جرحه، وأبو إسماعيل: كنية حماد بن زيد.\nوقوله:  «اكْتُبْ عَنْ بَقِيَّةَ»: هو بقية بن الوليد، وهو ثقة، لكنه مدلس.\nوقوله:  «حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا ابْنُ مَسْعُودٍ بِصِفِّينَ، فَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: أَتُرَاهُ بُعِثَ بَعْدَ الْمَوْتِ؟ !»: قال النووي ﵀: «معنى هذا الكلام: أن المعلى كذب على أبي وائل في قوله هذا؛ لأن بن مسعود ﵁ توفي سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين، والأول قول الأكثرين، وهذا قبل انقضاء خلافة عثمان ﵁ بثلاث سنين، وصفين كانت في خلافة علي ﵁ بعد ذلك بسنتين، فلا يكون ابن مسعود ﵁ خرج عليهم بصفين إلا أن يكون بُعث بعد الموت! وقد علمتم أنه لم يبعث بعد الموت، وأبو وائل- مع جلالته، وكمال فضيلته، وعلو مرتبته، والاتفاق على صيانته- لا يقول: خرج علينا\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١/ ١١٤).","vol":"1","page":40},{"text":"مَن لم يخرج عليهم، هذا ما لا شك فيه، فتعين أن يكون الكذب من المعلى بن عرفان مع ما عُرف مِن ضعفه» (^١).\nوقوله:  «إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِثَبْتٍ، قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ: اغْتَبْتَهُ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: مَا اغْتَابَهُ، وَلَكِنَّهُ حَكَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ»: مثل هذا يعتبر من النصيحة، وليس من الغيبة.\nوقوله:  «وَحَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الدَّارِمِيُّ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- الَّذِي يَرْوِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ- فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَالِحٍ- مَوْلَى التَّوْأَمَةِ- فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ، فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ شُعْبَةَ- الَّذِي رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ-، فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ، فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَؤُلاءِ الْخَمْسَةِ، فَقَالَ: لَيْسُوا بِثِقَةٍ فِي حَدِيثِهِمْ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ آخَرَ نَسِيتُ اسْمَهُ، فَقَالَ: هَلْ رَأَيْتَهُ فِي كُتُبِي؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: لَوْ كَانَ ثِقَةً لَرَأَيْتَهُ فِي كُتُبِي»: هذا فيه نظر فإن مالكًا لم يستقصِ الثقاة.\nوقوله:  «لَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَبَيْنَ أَنْ أَلْقَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَرَّرٍ لاخْتَرْتُ أَنْ أَلْقَاهُ، ثُمَّ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ كَانَتْ بَعْرَةٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ»: هذه مبالغة من عبد الله بن المبارك.\nقلت: والأولى عدمُ قول مثل هذا الكلام.\nوقوله:  «أَضْعَفُ مِنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ؟»: هذا استفهام، أي: أهو أضعف من يعقوب بن عطاء؟\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١/ ١١٨).","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>بَابُ صِحَّةِ الاحْتِجَاجِ بِالْحَدِيثِ الْمُعَنْعَنِ</span>\nوَهَذَا الْقَوْلُ- يَرْحَمُكَ اللَّهُ- فِي الطَّعْنِ فِي الأَسَانِيدِ قَوْلٌ مُخْتَرَعٌ مُسْتَحْدَثٌ، غَيْرُ مَسْبُوقٍ صَاحِبُهُ إِلَيْهِ، وَلا مُسَاعِدَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَيْهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ الشَّائِعَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ وَالرِّوَايَاتِ- قَدِيمًا وَحَدِيثًا-: أَنَّ كُلَّ رَجُلٍ ثِقَةٍ رَوَى عَنْ مِثْلِهِ حَدِيثًا، وَجَائِزٌ مُمْكِنٌ لَهُ لِقَاؤُهُ، وَالسَّمَاعُ مِنْهُ؛ لِكَوْنِهِمَا جَمِيعًا كَانَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فِي خَبَرٍ قَطُّ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا، وَلا تَشَافَهَا بِكَلامٍ، فَالرِّوَايَةُ ثَابِتَةٌ، وَالْحُجَّةُ بِهَا لازِمَةٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ أَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ لَمْ يَلْقَ مَنْ رَوَى عَنْهُ، أَوْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا.\nفَأَمَّا وَالأَمْرُ مُبْهَمٌ- عَلَى الإِمْكَانِ الَّذِي فَسَّرْنَا- فَالرِّوَايَةُ عَلَى السَّمَاعِ أَبَدًا حَتَّى تَكُونَ الدَّلالَةُ الَّتِي بَيَّنَّا، فَيُقَالُ- لِمُخْتَرِعِ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي وَصَفْنَا مَقَالَتَهُ، أَوْ لِلذَّابِّ عَنْهُ-: قَدْ أَعْطَيْتَ فِي جُمْلَةِ قَوْلِكَ: أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ عَنْ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ حُجَّةٌ، يَلْزَمُ بِهِ الْعَمَلُ، ثُمَّ أَدْخَلْتَ فِيهِ الشَّرْطَ بَعْدُ، فَقُلْتَ: حَتَّى نَعْلَمَ أَنَّهُمَا قَدْ كَانَا الْتَقَيَا مَرَّةً فَصَاعِدًا، أَوْ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا، فَهَلْ تَجِدُ هَذَا الشَّرْطَ الَّذِي اشْتَرَطْتَهُ عَنْ أَحَدٍ يَلْزَمُ قَوْلُهُ؟، وَإِلا فَهَلُمَّ دَلِيلًا عَلَى مَا زَعَمْتَ.\nفَإِنْ ادَّعَى قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ بِمَا زَعَمَ مِنْ إِدْخَالِ الشَّرِيطَةِ فِي تَثْبِيتِ الْخَبَرِ طُولِبَ بِهِ، وَلَنْ يَجِدَ هُوَ- وَلا غَيْرُهُ- إِلَى إِيجَادِهِ سَبِيلًا، وَإِنْ هُوَ ادَّعَى فِيمَا زَعَمَ دَلِيلًا يَحْتَجُّ بِهِ، قِيلَ لَهُ: وَمَا ذَاكَ الدَّلِيلُ؟ فَإِنْ قَالَ: قُلْتُهُ لأَنِّي وَجَدْتُ رُوَاةَ الأَخْبَارِ- قَدِيمًا وَحَدِيثًا- يَرْوِي أَحَدُهُمْ عَنْ الْآخَرِ الْحَدِيثَ، وَلَمَّا يُعَايِنْهُ، وَلا سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا قَطُّ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ اسْتَجَازُوا رِوَايَةَ الْحَدِيثِ بَيْنَهُمْ هَكَذَا عَلَى الْإِرْسَالِ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ، وَالْمُرْسَلُ مِنْ الرِّوَايَاتِ فِي أَصْلِ قَوْلِنَا وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ- احْتَجْتُ","vol":"1","page":42},{"text":"لِمَا وَصَفْتُ مِنْ الْعِلَّةِ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ سَمَاعِ رَاوِي كُلِّ خَبَرٍ عَنْ رَاوِيهِ، فَإِذَا أَنَا هَجَمْتُ عَلَى سَمَاعِهِ مِنْهُ- لأَدْنَى شَيْءٍ- ثَبَتَ عَنْهُ عِنْدِي بِذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَرْوِي عَنْهُ بَعْدُ.\nفَإِنْ عَزَبَ عَنِّي مَعْرِفَةُ ذَلِكَ أَوْقَفْتُ الْخَبَرَ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي مَوْضِعَ حُجَّةٍ؛ لإِمْكَانِ الإِرْسَالِ فِيهِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ فِي تَضْعِيفِكَ الْخَبَرَ، وَتَرْكِكَ الاحْتِجَاجَ بِهِ إِمْكَانَ الإِرْسَالِ فِيهِ- لَزِمَكَ أَنْ لا تُثْبِتَ إِسْنَادًا مُعَنْعَنًا حَتَّى تَرَى فِيهِ السَّمَاعَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ.\nوَذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ عَلَيْنَا بِإِسْنَادِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، فَبِيَقِينٍ نَعْلَمُ أَنَّ هِشَامًا قَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ، وَأَنَّ أَبَاهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ، كَمَا نَعْلَمُ أَنَّ عَائِشَةَ قَدْ سَمِعَتْ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ يَجُوزُ إِذَا لَمْ يَقُلْ هِشَامٌ فِي رِوَايَةٍ يَرْوِيهَا عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ، أَوْ أَخْبَرَنِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ إِنْسَانٌ آخَرُ أَخْبَرَهُ بِهَا عَنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَسْمَعْهَا هُوَ مِنْ أَبِيهِ، لَمَّا أَحَبَّ أَنْ يَرْوِيَهَا مُرْسَلًا، تراجع فلعلها بكسر السين وَلا يُسْنِدَهَا إِلَى مَنْ سَمِعَهَا مِنْهُ، وَكَمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ، فَهُوَ- أَيْضًا- مُمْكِنٌ فِي أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ.\nوَكَذَلِكَ كُلُّ إِسْنَادٍ لِحَدِيثٍ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ سَمَاعِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عُرِفَ- فِي الْجُمْلَةِ- أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ سَمِعَ مِنْ صَاحِبِهِ سَمَاعًا كَثِيرًا، فَجَائِزٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْزِلَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَةِ، فَيَسْمَعَ مِنْ غَيْرِهِ عَنْهُ بَعْضَ أَحَادِيثِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَهُ عَنْهُ- أَحْيَانًا- وَلا يُسَمِّيَ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ، وَيَنْشَطَ أَحْيَانًا فَيُسَمِّيَ الرَّجُلَ الَّذِي حَمَلَ عَنْهُ الْحَدِيثَ، وَيَتْرُكَ الإِرْسَالَ.\nوَمَا قُلْنَا مِنْ هَذَا مَوْجُودٌ فِي الْحَدِيثِ مُسْتَفِيضٌ مِنْ فِعْلِ ثِقَاتِ الْمُحَدِّثِينَ وَأَئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَسَنَذْكُرُ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا عَدَدًا يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا- إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى- فَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيَّ، وَابْنَ الْمُبَارَكِ، وَوَكِيعًا، وَابْنَ نُمَيْرٍ، وَجَمَاعَةً غَيْرَهُمْ رَوَوْا عَنْ","vol":"1","page":43},{"text":"هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِحِلِّهِ، وَلِحِرْمِهِ بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ.\nفَرَوَى هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِعَيْنِهَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَدَاوُدُ الْعَطَّارُ، وَحُمَيْدُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَوُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ، فَأُرَجِّلُهُ، وَأَنَا حَائِضٌ.\nفَرَوَاهَا بِعَيْنِهَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَرَوَى الزُّهْرِيُّ، وَصَالِحُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ- فِي هَذَا الْخَبَرِ فِي الْقُبْلَةِ-: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا، وَهُوَ صَائِمٌ.\nوَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الْخَيْلِ، وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، فَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرٍو عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ.\nوَهَذَا النَّحْوُ فِي الرِّوَايَاتِ كَثِيرٌ يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا كِفَايَةٌ لِذَوِي الْفَهْمِ، فَإِذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ- عِنْدَ مَنْ وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ فِي فَسَادِ الْحَدِيثِ وَتَوْهِينِهِ، إِذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ شَيْئًا- إِمْكَانَ الإِرْسَالَ فِيهِ لَزِمَهُ تَرْكُ الاحْتِجَاجِ فِي قِيَادِ قَوْلِهِ بِرِوَايَةِ مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ إِلَّا فِي نَفْسِ الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ السَّمَاعِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ عَنِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ نَقَلُوا الْأَخْبَارَ: أَنَّهُمْ كَانَتْ لَهُمْ تَارَاتٌ يُرْسِلُونَ فِيهَا الْحَدِيثَ إِرْسَالًا، وَلَا يَذْكُرُونَ مَنْ سَمِعُوهُ مِنْهُ، وَتَارَاتٌ يَنْشَطُونَ فِيهَا، فَيُسْنِدُونَ الْخَبَرَ عَلَى هَيْئَةِ مَا سَمِعُوا، فَيُخْبِرُونَ بِالنُّزُولِ فِيهِ إِنْ نَزَلُوا، وَبِالصُّعُودِ إِنْ صَعِدُوا، كَمَا شَرَحْنَا ذَلِكَ عَنْهُمْ.","vol":"1","page":44},{"text":"وَمَا عَلِمْنَا أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ مِمَّنْ يَسْتَعْمِلُ الأَخْبَارَ وَيَتَفَقَّدُ صِحَّةَ الْأَسَانِيدِ وَسَقَمَهَا- مِثْلَ: أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، وَابْنِ عَوْنٍ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ- فَتَّشُوا عَنْ مَوْضِعِ السَّمَاعِ فِي الْأَسَانِيدِ، كَمَا ادَّعَاهُ الَّذِي وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ، وَإِنَّمَا كَانَ تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ مِنْهُمْ سَمَاعَ رُوَاةِ الْحَدِيثِ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُمْ إِذَا كَانَ الرَّاوِي مِمَّنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ فِي الْحَدِيثِ، وَشُهِرَ بِهِ، فَحِينَئِذٍ يَبْحَثُونَ عَنْ سَمَاعِهِ فِي رِوَايَتِهِ، وَيَتَفَقَّدُونَ ذَلِكَ مِنْهُ؛ كَيْ تَنْزَاحَ عَنْهُمْ عِلَّةُ التَّدْلِيسِ، فَمَنْ ابْتَغَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُدَلِّسٍ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي زَعَمَ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ فَمَا سَمِعْنَا ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ سَمَّيْنَا، وَلَمْ نُسَمِّ مِنْ الأَئِمَّةِ.\nفَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الأَنْصَارِيَّ- وَقَدْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ- قَدْ رَوَى عَنْ حُذَيْفَةَ، وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ، وَعَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثًا يُسْنِدُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُمَا ذِكْرُ السَّمَاعِ مِنْهُمَا، وَلا حَفِظْنَا فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ شَافَهَ حُذَيْفَةَ، وَأَبَا مَسْعُودٍ بِحَدِيثٍ قَطُّ، وَلَا وَجَدْنَا ذِكْرَ رُؤْيَتِهِ إِيَّاهُمَا فِي رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا، وَلَمْ نَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ- مِمَّنْ مَضَى، وَلا مِمَّنْ أَدْرَكْنَا-: أَنَّهُ طَعَنَ فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ اللَّذَيْنِ رَوَاهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ عَنْ حُذَيْفَةَ، وَأَبِي مَسْعُودٍ بِضَعْفٍ فِيهِمَا، بَلْ هُمَا- وَمَا أَشْبَهَهُمَا عِنْدَ مَنْ لاقَيْنَا مَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ- مِنْ صِحَاحِ الْأَسَانِيدِ وَقَوِيِّهَا، يَرَوْنَ اسْتِعْمَالَ مَا نُقِلَ بِهَا، وَالِاحْتِجَاجَ بِمَا أَتَتْ مِنْ سُنَنٍ وَآثَارٍ.\nوَهِيَ فِي زَعْمِ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ وَاهِيَةٌ مُهْمَلَةٌ حَتَّى يُصِيبَ سَمَاعَ الرَّاوِي عَمَّنْ رَوَى، وَلَوْ ذَهَبْنَا نُعَدِّدُ الْأَخْبَارَ الصِّحَاحَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ يَهِنُ بِزَعْمِ هَذَا الْقَائِلِ وَنُحْصِيهَا لَعَجَزْنَا عَنْ تَقَصِّي ذِكْرِهَا، وَإِحْصَائِهَا كُلِّهَا، وَلَكِنَّا أَحْبَبْنَا أَنْ نَنْصِبَ مِنْهَا عَدَدًا يَكُونُ سِمَةً لِمَا سَكَتْنَا عَنْهُ مِنْهَا.","vol":"1","page":45},{"text":"وَهَذَا أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، وَأَبُو رَافِعٍ الصَّائِغُ، وَهُمَا مَنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَصَحِبَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْبَدْرِيِّينَ هَلُمَّ جَرًّا، وَنَقَلَا عَنْهُمُ الْأَخْبَارَ حَتَّى نَزَلَا إِلَى مِثْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ وَذَوِيهِمَا، قَدْ أَسْنَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا، وَلَمْ نَسْمَعْ فِي رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا: أَنَّهُمَا عَايَنَا أُبَيًّا، أَوْ سَمِعَا مِنْهُ شَيْئًا.\nوَأَسْنَدَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ- وَهُوَ مِمَّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَكَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلًا- وَأَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَخْبَرَةَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرَيْنِ، وَأَسْنَدَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وُلِدَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nوَأَسْنَدَ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ- وَقَدْ أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ- عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثَلاثَةَ أَخْبَارٍ، وَأَسْنَدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى- وَقَدْ حَفِظَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَصَحِبَ عَلِيًّا- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا، وَأَسْنَدَ رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثَيْنِ، وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا.\nوَقَدْ سَمِعَ رِبْعِيٌّ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَرَوَى عَنْهُ، وَأَسْنَدَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا، وَأَسْنَدَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ثَلاثَةَ أَحَادِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَسْنَدَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا، وَأَسْنَدَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا، وَأَسْنَدَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثَ.\nفَكُلُّ هَؤُلاءِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ نَصَبْنَا رِوَايَتَهُمْ عَنِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُمْ سَمَاعٌ عَلِمْنَاهُ مِنْهُمْ فِي رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا، وَلا أَنَّهُمْ لَقُوهُمْ فِي نَفْسِ خَبَرٍ بِعَيْنِهِ، وَهِيَ أَسَانِيدُ عِنْدَ ذَوِي الْمَعْرِفَةِ بِالأَخْبَارِ وَالرِّوَايَاتِ مِنْ صِحَاحِ الأَسَانِيدِ، لا نَعْلَمُهُمْ وَهَّنُوا مِنْهَا شَيْئًا قَطُّ، وَلا الْتَمَسُوا فِيهَا سَمَاعَ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ؛ إِذْ السَّمَاعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُمْكِنٌ مِنْ","vol":"1","page":46},{"text":"صَاحِبِهِ، غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ؛ لِكَوْنِهِمْ جَمِيعًا كَانُوا فِي الْعَصْرِ الَّذِي اتَّفَقُوا فِيهِ.\nوَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي أَحْدَثَهُ الْقَائِلُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ فِي تَوْهِينِ الْحَدِيثِ بِالْعِلَّةِ الَّتِي وَصَفَ أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُعَرَّجَ عَلَيْهِ، وَيُثَارَ ذِكْرُهُ؛ إِذْ كَانَ قَوْلا مُحْدَثًا، وَكَلامًا خَلْفًا، لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ سَلَفَ، وَيَسْتَنْكِرُهُ مَنْ بَعْدَهُمْ خَلَفَ، فَلا حَاجَةَ بِنَا فِي رَدِّهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا شَرَحْنَا؛ إِذْ كَانَ قَدْرُ الْمَقَالَةِ وَقَائِلِهَا الْقَدْرَ الَّذِي وَصَفْنَاهُ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ- عَلَى دَفْعِ مَا خَالَفَ مَذْهَبَ الْعُلَمَاءِ- وَعَلَيْهِ التُّكْلانُ.\nقوله:  «وَأَسْنَدَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ- وَهُوَ مِمَّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَكَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلًا»، أي: أن أبا عمرٍو الشيباني بلغ مبلغ الرجال في زمن النبي ﷺ.\nوقوله:  «وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي أَحْدَثَهُ الْقَائِلُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ فِي تَوْهِينِ الْحَدِيثِ بِالْعِلَّةِ الَّتِي وَصَفَ أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُعَرَّجَ عَلَيْهِ، وَيُثَارَ ذِكْرُهُ؛ إِذْ كَانَ قَوْلا مُحْدَثًا»: قال النووي ﵀: «حاصل ما ذكره مسلم: أنه ادعى إجماع العلماء- قديمًا وحديثًا- على أن المعنعن محمول على الاتصال إذا أمكن لقاء من أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضًا مع براءتهم من التدليس.\nونقل مسلم عن بعض أهل عصره أنه قال: لا تقوم الحجة بها، ولا تحمل على الاتصال حتى يثبت تلاقيهما مرة فأكثر، ولا يكفي إمكان تلاقيهما.\nقال مسلم: وهذا قول ساقط مخترع مستحدث، لم يُسبق قائله إليه، ولا مساعد له من أهل العلم عليه، وإن القول به بدعة باطلة.\nوأطنب مسلم ﵀ في الشناعة على قائله، واحتج مسلم ﵀ بكلام مختصره: أن المعنعن- عند أهل العلم- محمول على الاتصال إذا ثبت التلاقي مع احتمال الإرسال، وكذا إذا أمكن التلاقي، وهذا الذي صار إليه مسلم قد أنكره المحققون، وقالوا: هذا الذي صار إليه ضعيف، والذي رده هو المختار الصحيح، الذي عليه أئمة هذا الفن: علي بن المديني،","vol":"1","page":47},{"text":"والبخاري، وغيرهما». (^١)\nقال بعضهم: لعله أراد بذلك الإمام البخاري- وهو شيخه- ولكنَّ مسلمًا أضرب صفحًا عن تسمية هذا القائل.\nوالصواب: أن الإمام مسلمًا لا يعني بذلك البخاريَّ، وعليَّ بنَ المديني وغيرَهما؛ لأنهم يقولون: يحتج بحديث المعنعن غيرِ المدلس؛ ولهذا يحتج البخاري بالحديث المعنعن في الأدب المفرد، وفي التاريخ، لكنه في الجامع الصحيح شرط شرطًا متينًا أقوى من شرط مسلم، وهو ثبوت التلاقي بين الراويين، ولو مرة، واكتفى مسلم بإمكان اللقاء؛ ولهذا قُدِّم صحيحُ البخاري على صحيح مسلم عند المحققين؛ لقوة شرطه على شرط مسلم؛ وإنما شنَّع مسلم على بعض أهل العلم الذين لا يحتجُّون بالحديث المعنعن من غير المدلس؛ لاحتمال الانقطاع، والجمهور- من السلف والخلف من أصحاب الحديث والفقه والأصول- على أن الحديث المعنعن محمول على الاتصال بشرطه، وهو أن يكون من غير المدلس، فشنَّع مسلم على من خالفهم؛ لضعفِ قولهم وردِّ السلف والخلف له.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١/ ١٢٨).","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>كِتَابُ الإِيمَانِ</span>","vol":"1","page":50},{"text":"كِتَابُ الإِيمَانِ\nبدأ الإمام مسلم بكتاب الإيمان، وهكذا كتب الجوامع، فالبخاري ﵀ ابتدأ بكتاب بدء الوحي؛ لأن الهدى والخير والعلم إنما جاء من طريق الوحي، ولأن الإيمان إنما يُعلَم بالوحي، والعلم إنما طريقه الوحي.\nومسلم ﵀ يجعل الحديث في سياق واحد ويجمع طرقه في مكان واحد، فتحصل بذلك فوائد متعددة، مما يظهر قوة الحديث، ويسهل الاستنباط، ويبين المبهم، ويوضح المشكل، ويبين الزيادة والنقص ويوضح ما خفي، ويُظهِر اسم مَن لم يُسَمَّ.\nبينما الإمام البخاري ﵀ يكثر التراجم، ويقطع الأحاديث للاستدلال بها على التراجم؛ ولهذا قال العلماء: فقه البخاري في تراجمه، وبهذا فاق الإمام مسلم ﵀ الإمام البخاري ﵀ في الصنعة الحديثية، وإن كان البخاري ﵀ قد فاقه من جهة الصحة.\nولهذا قال القائل- لما سُئل عن الشيخين البخاري ومسلم (^١) -:\nتَشَاجَرَ قَوْمٌ فِي البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ ... لَدَيَّ وَقَالُوا أَيَّ ذَيْنِ تُقَدِّمُ\nفَقَلْتُ لَقَدْ فَاقَ البُخَارِي صِحَّةً ... كَمَا فَاقَ فِي حُسْنِ الصِّنَاعَةِ مُسْلِمُ\nوالنسائي ﵀ جمع بين طريقة البخاري في كثرة التراجم للفقه في الأحكام، وطريقة الإمام مسلم في جمع طرق الحديث في مكان واحد.\n_________\n(^١) قاله ابن علي الديبع الشيباني العبدري (ت ٩٤٤ هـ)، فيما نقله عنه عبد القادر العيدروس في: النور السافر عن أخبار القرن العاشر (ص ١٩٧).","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>بَابُ بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ، وَالْإِحْسَانِ، وَوُجُوبِ الْإِيمَانِ بِإِثْبَاتِ</span>\nقَدَرِ اللَّهِ ﷾ وَبَيَانِ الدَّلِيلِ عَلَى التَّبَرِّي مِمَّنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ، وَإِغْلَاظِ الْقَوْلِ فِي حَقِّهِ\nقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِيُّ ﵀: بِعَوْنِ اللَّهِ نَبْتَدِئُ، وَإِيَّاهُ نَسْتَكْفِي، وَمَا تَوْفِيقُنَا إِلَّا بِاللَّهِ ﷻ.\n\n[٨] حَدَّثَنِي أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ كَهْمَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ.\nح، وَحَدَّثَنَا- وَهَذَا حَدِيثُهُ- عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ: مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ، حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ، فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا، وَصَاحِبِي، أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَن، إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ، وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ، قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَأَئُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ، حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ؛ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ\nكَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ","vol":"1","page":52},{"text":"إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ، وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ، قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ، قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا، قَالَ: «أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ»، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟» قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ، أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ».\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ وَأَحْمَدُ بْن عَبْدَةَ قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ: لَمَّا تَكَلَّمَ مَعْبَدٌ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ فِي شَأْنِ الْقَدَرِ أَنْكَرْنَا ذَلِكَ، قَالَ: فَحَجَجْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَجَّةً، وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ كَهْمَسٍ وَإِسْنَادِهِ، وَفِيهِ بَعْضُ زِيَادَةٍ، وَنُقْصَانُ أَحْرُفٍ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَا: لَقِينَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَذَكَرْنَا الْقَدَرَ وَمَا يَقُولُونَ فِيهِ، فَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ كَنَحْوِ حَدِيثِهِمْ عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَفِيهِ شَيْءٌ مِنْ زِيَادَةٍ، وَقَدْ نَقَصَ مِنْهُ شَيْئًا.\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.","vol":"1","page":53},{"text":"قوله: «حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ»، هذا السند سند متابع للحديث السابق، وفيه مطر الوراق، وهو ليس من الأثبات، ويعتبر من الطبقة الثانية التي وصفها الإمام مسلم ﵀ في مقدمته بأن رواتها فيهم: «من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان، كالصنف المقدم قبلهم، على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم، فإن اسم الستر، والصدق، وتعاطي العلم يشملهم» (^١).\nوقد ذكره المؤلف ﵀ من باب المتابعة والتقوية، وإلا فالعمدة على السند الأول.","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>بَابُ الْإِيْمَانِ مَا هُو؟ وَبَيَانِ خِصَالِهِ</span>\n\n[٩] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيْعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تؤمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكِتَابِهِ، وَلِقَاءِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخِرِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: «الإِسْلَامُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ، كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا كَانَتِ الْعُرَاةُ الْحُفَاةُ رُءُوسَ النَّاسِ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ الْبَهْمِ فِي الْبُنْيَانِ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ»، ثُمَّ تَلَا صلى الله\nعليه وسلم: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ، فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَذَا جِبْرِيل جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ: إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ بَعْلَهَا- يَعْنِي: السَّرَارِيَّ-.\nحديث أبي هريرة ﵁ في قصة جبريل رواه البخاري في صحيحه (^١)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠).","vol":"1","page":55},{"text":"مختصرًا، وأما الرواية المطولة السابقة عن عمر بن الخطاب فقد انفرد بها مسلم ﵀، ولم يروها الإمام البخاري.\nوحديث أبي هريرة ﵁ فيه: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، ومَلَائِكَتِهِ، وَكِتَابِهِ» بإفراد «وَكِتَابِهِ»، وأما حديث عمر ﵁ فورد فيه مجموعًا: «وَكُتُبِهِ»، وهما بمعنى واحد، فقوله: «وَكِتَابِهِ» جنس، والمراد: الكتب؛ لأن المفرد إذا أضيف أفاد العموم (^١).\nثم قال: «واليَوْمِ الآخِرِ»، ويوم القيامة سمي اليوم الآخِر؛ لأنه في مقابلة اليوم الأول، فالدنيا هي اليوم الأول، والآخرة هي اليوم الآخر.\nوفي رواية أبي هريرة ﵁ لما سأله عن الإسلام قال: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ، وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا»، وأما في رواية عمر بن الخطاب ﵁ فقال: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ»، وهذا يدل على أن المراد بالشهادتين: توحيد الله ﷿، ونفي الشرك، وليس المراد: لفظهما، ومجرد النطق بهما؛ لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا.\nوالتوحيد: إفراد الله ﵎ بالعبادة، وعدم إشراك غيره معه، كما جاء في هذه الرواية: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ، وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا»، وفي حديث عمر ﵁: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ»، والمعنى واحد، فالمراد: توحيد الله وإخلاص الدين له، ونفي الشرك، فتشهد لله بالوحدانية، ولنبيه ﷺ بالرسالة، مع العلم واليقين والإخلاص والصدق والمحبة والانقياد والقبول.\nوهنا لما سأله عن الساعة قال: «سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا»، وفي رواية عمر ﵁ قال: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا»، وفي الرواية الأخرى «بَعْلَهَا».\nومعنى ربها وربتها: سيدها ومالكها وسيدتها ومالكتها، أو زوجها، أو بمعنى: ابن سيدها، وبنت سيدها.\n_________\n(^١) البحر المحيط، للزركشي (٤/ ١٤٧)، روضة الناظر، لابن قدامة (٢/ ١١).","vol":"1","page":56},{"text":"فإن قيل: كيف تلد زوجها؟ قلنا: فسَّره العلماء بكثرة السراري والإماء، فيتبادلهنَّ الناس، فيتسرَّى أحدهم الأمة حتى تلد منه، ثم يبيعها، ولا تزال تتداولها الأيدي حتى ترجع إلى ابنها، وهو لا يعلم أنها أمه، فيتزوجها، فتكون الأمة ولدت زوجها، وهذا على تفسير أن تلد الأمة بعلها- أي: زوجها.\nوأما بمعنى: أنها تلد سيدها، فمعناه: أن الإماء يلدن الملوك، فيكون ولدها هو سيدها؛ لأنه يملكها، وهو الملِك على أمه وعلى غير أمه؛ لأن ابن الملِك يكون ملِكًا بعد أبيه.\nوأما بمعنى ابن سيدها، فمعناه: أن تلد الأمَة من الملك ابنًا له، وابنها- ابن الملك- سيد كالملك، فتكون المرأة ولدت ابن سيدها، أو ولدت سيدها؛ لأنه سيكون مَلِكًا فيما بعد.\nوقوله: «وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ البَهْم يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ» المراد: أنَّ أسافلَ الناس يصيرون رؤساءهم، وتكثر أموالهم حتّى يتباهون بطول البنيان وزخرفته وإتقانه (^١)، قال القاضي: «قيل: هو تنبيه على فشو النعمة آخر الزمان، وكثرة السبي، كما قال في بقية الحديث عن تطاول رعاء الشاء في البنيان. وقيل: المراد به: ارتفاع أسافل الناس، وأن الإماء والسبايا يلدن من ساداتهن أمثالهم، فشرفن بسببهم، كما قال- فى الحديث الآخر-: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعٍ» (^٢») (^٣)، وهذه بعض أشراط الساعة.\nقوله: «ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَليًّا»، يعني: بقيت مدة طويلة، قيل: ثلاثة أيام، قال النووي: «وفي رواية أبي داود (^٤) والترمذي (^٥) أنه قال ذلك بعد ثلاث،\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١/ ١٤٨).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٣٣٠٣).\n(^٣) إكمال المعلم، للقاضي عياض (١/ ٢٠٦).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٤٦٩٥).\n(^٥) أخرجه الترمذي (٢٦١٠).","vol":"1","page":57},{"text":"وفي شرح السنة للبغوي (بعد ثالثة) (^١)، وظاهر هذا: أنه بعد ثلاث ليالٍ، وفي ظاهر هذا مخالفة لقوله في حديث أبي هريرة بعد هذا: (ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا جِبْرِيلُ)، فيحتمل الجمع بينهما أن عمر ﵁ لم يحضر قول النبي ﷺ لهم في الحال، بل كان قد قام من المجلس، فأخبر النبي ﷺ الحاضرين في الحال، وأخبر عمر ﵁ بعد ثلاث؛ إذ لم يكن حاضرًا وقت إخبار الباقين، والله أعلم» (^٢).\nثُمّ لعل النبي ﷺ لقي عمر ﵁ فيما بعد وسأله: «يَا عُمَرُ أتَدْرِيْ من السَّائِل؟»، أي: أتعلم من هو؟ فقال عمر: «اللهُ وَرَسُوْله أَعْلَمُ»، وهذا يدل على أن عمر ﵁ لم يكن عنده علم بهذا السائل، فقال النبي ﷺ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيْلُ»، وفي الرواية الأخرى: «هَذَا جِبْرِيل جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ»، والإشارة إلى شيء معلوم في الذهن.\nقوله: «أتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِيْنَكَمُ» جاء التعليم بصيغة السؤال والجواب؛ لأنه أمكن في النفس وأقوى في التأثير.\nوالدين هو الإسلام والبر والتقوى والهدى والإيمان، إذا أُطلق واحد منها شمل أمور الدين: الاعتقادية والعملية، وإذا قرن مع غيره كان له معنى آخر.\nوقد سمى النبي ﷺ الإسلامَ والإيمانَ والإحسانَ دينًا «أتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِيْنَكَمُ»؛ لأن الدين على هذه المراتب الثلاث: الإسلامُ والإيمانُ والإحسانُ.\n_________\n(^١) أخرجه البغوي في شرح السنة (٢).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١/ ١٦٠).","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>بَابُ الْإِسْلَامِ مَا هُو؟ وَبَيَانِ خِصَالِهِ</span>\n\n[١٠] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ- وَهُوَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ- عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَلُونِي؟»، فَهَابُوهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَجَلَسَ عِنْدَ رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: «لَا تُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكِتَابِهِ، وَلِقَاءِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تَخْشَى اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، إِذَا رَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ مُلُوكَ الأَرْضِ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ رِعَاءَ الْبَهْمِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ، لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ\nوَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، قَالَ: ثُمَّ قَامَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رُدُّوهُ عَلَيَّ»، فَالْتُمِسَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَذَا جِبْرِيلُ، أَرَادَ أَنْ تَعَلَّمُوا إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا».\nفي هذا الحديث: بيان سبب مجيء جبريل ﵇، وهو أن النبي ﷺ قال: «سَلُونِي، فَهَابُوا أَنْ يَسْأَلُوهُ»، فأرسل الله جبريل- وهو ملَك له ستمائة جناح- في صورة رجل، والله تعالى أعطاه القدرة على التشكُّل والتصوُّر، حتى إنه","vol":"1","page":59},{"text":"تصور يومها بصورة آدمي ورآه الصحابة ﵃، فجاء للرسول ﷺ، فسأله عن هذه المسائل.\nوفيه: بيان الحكمة الإلهية من إرساله جبريل ﵇، وذلك في قول النبي ﷺ: «أَرَادَ أَنْ تَعَلَّمُوا إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا»، أي: لتتعلموا أمور دينكم.\nوفيه: أنه لما سأله عن الإسلام قال: «لَا تُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا»، وإذا انتفى الشرك جاء التوحيد، وهذه الرواية تبين أن المراد في حديث عمر بن الخطاب ﵁ في قوله ﷺ: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»: التوحيد ونفي الشرك؛ لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا.\nوفيه: أنه قال: «لَا تُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ»، وفي بعض الروايات ذكر له التوحيد والصلاة والزكاة فقط، ولم يذكر الصوم والحج.\nوالحكمة من ذلك: أنه إذا استقام المسلم على هذه العبادات الثلاث، وأقام الصلاة وآتى الزكاة بإخلاص وصدق؛ فلا بد أن يؤدي الواجبات الأخرى.\nوقوله ﷺ: «وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ مُلُوكَ الأَرْضِ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا» معناه: أنه يتولى على الناس السفلةُ الذين ليس عندهم بصيرة، وسماهم: صمًّا بكمًا؛ لأنهم لا ينتفعون بأسماعهم ولا بأبصارهم وإن كانوا يسمعون ويبصرون؛ ذلك أنهم لم يستعملوها في طاعة الله، فلا يتكلمون بالحق، ولا يسمعون الحق، ولا ينظرون للحق، فصاروا صمًّا بكمًا عُميًا، وإن كانوا يسمعون في أمور دنياهم، ويعقلون، وينظرون، فهم كما قال تعالى:﴾ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعًا وأبصارًا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ﴿، وكقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ","vol":"1","page":60},{"text":"آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴿.\nقال الإمام النووي: «قد أجاب القاضي عياض وغيره عن اختلاف الروايات للحديث الواحد بجواب لخصه الشيخ ابن الصلاح وهذبه، فقال: ليس هذا باختلاف صادر من رسول الله ﷺ، بل هو من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فمنهم من قصَّر فاقتصر على ما حفظه، فأداه ولم يتعرض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات، وإن كان اقتصاره على ذلك يشعر بأنه الكل، فقد بان بما أتى به غيره من الثقات أن ذلك ليس بالكل، وأن اقتصاره عليه كان لقصور حفظه عن تمامه، ألا ترى حديث النعمان بن قوقل الآتي قريبًا اختلفت الروايات في خصاله بالزيادة والنقصان، مع أن راوي الجميع راوٍ واحد، وهو جابر بن عبد الله ﵄ في قضية واحدة، ثم إن ذلك لا يمنع من إيراد الجميع في الصحيح لما عرف في مسألة زيادة الثقة من أنا نقبلها. هذا آخر كلام الشيخ ﵀، وهو تقرير حسن» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١/ ١٦٨).","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>بَابُ بَيَانِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الإِسْلَامِ</span>\n\n[١١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ- فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ- عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأْسِ، نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ، وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ، وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ»، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ»، وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الزَّكَاةَ»، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ»، قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ».\nفي هذا الحديث: سؤال الرجل للنبي ﷺ فيما أوجبه الله عليه، فذكر له الصلاة، والزكاة، والصيام.\nوقوله: «هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ» استدل به العلماء على أن الفريضة الواجبة هي الصلوات الخمس، وليس منها تحية المسجد، فدل على أنها مستحبة، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء (^١)، وذهب الظاهرية إلى أنها واجبة (^٢)؛ لأن لها سببًا، والرسول ﷺ ذكر هنا الواجبات اليومية فقط.\nوكذلك استدل به الجمهور على أن صلاة العيد ليست واجبة، وإنما هي\n_________\n(^١) بدائع الصنائع، للكاساني (١/ ٢٦٤)، الشرح الكبير، للدردير (١/ ٣١٣)، المجموع، للنووي (٤/ ٥٢)، كشاف القناع، للبهوتي (٣/ ١١١).\n(^٢) المحلى، لابن حزم (٢/ ٢٣١).","vol":"1","page":62},{"text":"مستحبة (^١)، والصواب: أنها فرض كفاية؛ ولهذا أمر النبي ﷺ بإخراج النساء والعواتق والحُيَّض، فدل على أنها فرض كفاية، ولما سألت إحداهن وقالت: «إِحْدَانَا لَا تَجِدُ جِلْبَابًا، قال رسول الله ﷺ: «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، وَلْتَشْهَدِ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ»» (^٢).\nوكذلك- أيضًا- استدل به الجمهور على أن صلاة الوتر ليست بواجبة (^٣)؛ لأنها زائدة عن الصلوات الخمس، وهو الصواب، واستدل البخاري بحديث: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَيَّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ عَلَيْهَا» (^٤) على أن الوتر ليس بواجب (^٥)، وذهب الإمام أبو حنيفة وجماعة إلى أن الوتر واجب (^٦)، لكن الصواب: أنه مستحب.\nوكذلك استُدلَّ بهذا الحديث على أن صيام عاشوراء ليس بواجب؛ لأنه ﷺ أخبره أنه لا يجب عليه إلا صوم رمضان.\n_________\n(^١) المجموع، للنووي (٥/ ٢ - ٣)، التاج والإكليل، للمواق (٢/ ٥٦٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٢٤)، ومسلم (٨٩٠).\n(^٣) الشرح الكبير، للدردير (١/ ٣١٧)، روضة الطالبين، للنووي (١/ ٣٢٨)، مسائل الإمام أحمد رواية ابنه أبي الفضل صالح (١/ ٣٣٣).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٠٩٨)، ومسلم (٧٠٠).\n(^٥) صحيح البخاري (٢/ ٤٥).\n(^٦) الاختيار لتعليل المختار، لأبي المودود الموصلي (١/ ٥٤)، تبيين الحقائق، للزيلعي (١/ ١٦٨).","vol":"1","page":63},{"text":"حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ، أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ».\nقوله: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ»: فيه إشكال؛ لأن النبي ﷺ نهى عن الحلف بغير الله، فكيف يحلف بغيره؟ !\nواختلف العلماء في هذه اللفظة، فمن العلماء من قال: هذه اللفظة جرت مما يجري على اللسان بغير قصد، وليس المقصود بها الحلف، كقوله ﷺ في الحديث: «عَقْرَى حَلْقَى» (^١) فهذا دعاء، لكن ليس المراد به الشر، ومثله- أيضا- قوله: «تَرِبَتْ يَدَاكَ» (^٢)، وقوله: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ» (^٣)، ومعناه: فقدتك أمك، وهو دعاء عليه أن تفقده أمه، لكن ليس المراد المعنى الحقيقي للعبارة، بل ذلك مما يجري على اللسان بغير قصد.\nوقد يكون المقصود به: الحث على الشيء والترغيب فيه، وليس المقصود منه الحلف.\nوقال آخرون: إنها تَصَحَّفت على الراوي، فالرواية: «أَفْلَحَ واللهِ إِنْ صَدَقَ»، والراوي قال: «أَفْلَحَ، وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ».\nوقال آخرون- وهذا هو الصواب-: إن هذا كان قبل النهي عن الحلف بغير الله، وهذا في أول الإسلام، حيث كان الناس يحلفون بآبائهم، ثم جاء النهي في عدة أحاديث، كما في حديث عمر ﵁ لما جاءه النبي ﷺ وهو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٦١)، ومسلم (١٢١١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢٢٠١٦)، والترمذي (٢٦١٦)، وابن ماجه (٣٩٧٣).","vol":"1","page":64},{"text":"يحلف، فناداه، فقال: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٢٤٨)، والنسائي (٣٧٦٩).","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>بَابٌ فِي بَيَانِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَشَرَائِعِ الدَّينِ</span>\n\n[١٢] حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ، فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ، فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ، قَالَ: «صَدَقَ»، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: «اللَّهُ»، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الأَرْضَ؟ قَالَ: «اللَّهُ»، قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: «اللَّهُ»، قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ، وَخَلَقَ الأَرْضَ، وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا؟ قَالَ: «صَدَقَ»، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا؟ قَالَ: «صَدَقَ»، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي سَنَتِنَا؟ قَالَ: «صَدَقَ»، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا؟ قَالَ: «صَدَقَ»، قَالَ: ثُمَّ وَلَّى، قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ، وَلَا أَنْقُصُ\nمِنْهُنَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَئِنْ صَدَقَ، لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ».\nحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُهِينَا فِي الْقُرْآنِ أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ.","vol":"1","page":66},{"text":"في هذا الحديث: بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من الأدب مع رسول الله ﷺ، وقد كان منهم ﵃ من لا يرفع طرف عينه إلى النبي ﷺ، حتى قال عمرو بن العاص: «وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ» (^١).\nوقد كانوا ﵃ نُهوا أن يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي ﷺ، ونُهوا أن يسألوه، فكانوا يهابون أن يسألوا النبي ﷺ، وكان يعجبهم أن يأتي رجل من البادية حتى يسأل فيستمعون ويستفيدون، فجاء أحد الأعراب يومًا، فسأل النبي ﷺ فأجابه، واستفاد الصحابة من أجوبته ﷺ، أما الأعرابي فكان لا يهاب، وليس عنده من الإجلال مثل ما عند الصحابة ﵃، فيأتي ويسأل عن كل شيء، وعن جميع ما في نفسه.\nقوله: «أَتَانَا رَسُولُكَ، فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ، قالَ: صَدَق»: الزعم يطلق ويراد به القول المحقق، كما في قوله ﷺ: «كَمَا زَعَمَ لِي جِبْرِيلُ ﵇» (^٢)، ويطلق ويراد به القول المكذوب، كما في قوله تعالى:﴾ زعم الذين كفروا ألن يُبعثوا﴾، معناه: قالوا قولًا كذبوا فيه، ويطلق ويراد به القول المشكوك فيه، وهو مراد السائل هنا، فقوله: «زَعَمَ رَسُولُك»، يعني: قال رسولك قولًا نشك فيه.\nوفي هذا الحديث: دليل للعلماء القائلين: إن من أدى الفرائض وانتهى عن المحارم دخل الجنة، ولو لم يكن عنده نشاط في عمل النوافل والمستحبات، وهؤلاء هم أصحاب اليمين المقتصدون، الذين يؤدون الفرائض والواجبات، وينتهون عن المحرمات فقط، ولا يزيدون، وهم من أهل الجنة، ولكن أفضل منهم السابقون المقربون، الذين يأتون بالواجبات والفرائض، وعندهم نشاط\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢١).\n(^٢) أخرجه الدارمي (٢٤٥٦).","vol":"1","page":67},{"text":"في فعل النوافل والمستحبات، ويتركون المحرمات، كما يتركون المكروهات- أيضًا- ويتركون التوسع في المباحات خشية وقوعهم في المكروهات؛ فهؤلاء يقال لهم: السابقون المقربون.\nوهناك صنف ثالث أقل من المقتصدين، وهم الظالمون لأنفسهم، الذين يُقصِّرون في بعض الواجبات، أو يفعلون بعض المحرمات، وهم موحدون مؤمنون، لم يتلبسوا بشرك، لكنهم قصَّروا في بعض الواجبات، أو فعلوا بعض المحرمات، فهم ظالمون لأنفسهم، وكلُّ هؤلاء من أصحاب الجنة، وكلُّهم ممن اصطفاهم الله ﷿، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾.\nلكنَّ الظالمين لأنفسهم الذين قصَّروا في الواجبات وفعلوا بعض المحرمات، وماتوا عليها من غير توبة، كمن مات على الزنا، أو على السرقة، أو على شرب الخمر، أو على عقوق الوالدين- على خطر من عذاب القبر، ومن الأهوال التي تصيبهم في موقف القيامة، وعلى خطر من دخول النار، وهم تحت المشيئة، قد يُعفى عنهم، وقد يعذبون، قال تعالى:﴾ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، فإذا عُذبوا فإنهم يُعذبون على حسب جرائمهم، ثم يشفع فيهم الشفعاء، فيشفع فيهم نبينا ﷺ أربع مرات، يحد الله له حدًّا في كل مرة، ثم يشفع بقية الأنبياء، ويشفع الملائكة، ويشفع الشهداء، ويشفع المؤمنون، وتبقى البقية لا تنالهم الشفاعة وهم عصاة الموحدين، ثم تنالهم رحمة رب العالمين، فيقول الحق ﵎: «شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ كَمَا","vol":"1","page":68},{"text":"تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ» (^١)، يعني: البذرة، فإذا عُذبوا ونُقُّوا أُذن لهم بدخول الجنة، فإذا تكامل خروج العصاه الموحدين أطبقت النار على الكفرة بجميع أصنافهم- والعياذ بالله- فلا يخرجون منها أبدًا.\nوقوله: «نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ»: يحمل على قوله تعالى:﴾ لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ﴿.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢).","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>بَابُ بَيَانِ الإِيمَانِ الَّذِي يُدْخَلُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ</span>\n\n[١٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ- أَوْ بِزِمَامِهَا- ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ- أَوْ: يَا مُحَمَّدُ- أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَا يُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَكَفَّ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ نَظَرَ فِي أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ وُفِّقَ- أَوْ: لَقَدْ هُدِي-»، قَالَ: «كَيْفَ قُلْتَ؟»، قَالَ: فَأَعَادَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ. دَعِ النَّاقَةَ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ.\nقوله: «دَعِ النَّاقَّة»، أي: اتركها؛ لأنه كان ممسكًا بزمام ناقة النبي ﷺ.\nوقوله: «الخِطَام»: هو الحبل الذي يربط به ويكون في أنف البعير.\nقوله: «أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَا يُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَكَفَّ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ نَظَرَ فِي أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ وُفِّقَ- أَوْ: لَقَدْ هُدِي»؛ لأنه سأل عن سبب السعادة في الدنيا والآخرة.\nوقوله: «أن تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»: هذا يفسِّر رواية: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»، وأن المرادَ: توحيدُ الله ﷿، وليس المراد: النطق بالشهادتين باللسان فقط.","vol":"1","page":70},{"text":"[١٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الأَحْوَصِ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْنِينِي مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ، قَالَ: «تَعْبُدُ اللَّهَ، لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ ذَا رَحِمِكَ»، فَلَمَّا أَدْبَرَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ»، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: «إِنْ تَمَسَّكَ بِهِ».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: «تَعْبُدُ اللَّهَ، لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ»، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئًا أَبَدًا، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا».\nقوله: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا»: فيه دليل على أن هذا الرجل التزم بما فُرض عليه، والظاهر أنها شهادة له بالجنة، وأن الرجل التزم، وأن النبي ﷺ قال هذا بوحي من الله.\nوفي هذه الأحاديث: بيان أن من أتى بالفرائض فهو ناجٍ، وسيدخل الجنة؛ لأنه يكون من المقتصدين، إن أدى ما عليه من الواجبات، وانتهى عن المحرمات، ويكون من أصحاب اليمين- أيضًا-؛ لأن الله تعالى لم يوجب على الإنسان أكثر من الواجبات.","vol":"1","page":71},{"text":"[١٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيْتُ الْمَكْتُوبَةَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ، وَأَحْلَلْتُ الْحَلَالَ، أَأَدْخُلُ الْجَنَّة؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «نَعَمْ».\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنِ شَيْبَانَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَأَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِمِثْلِهِ وَزَادَ فِيهِ: وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا.\nوَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ- وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ- عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيْتُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ، وَصُمْتُ رَمَضَانَ، وَأَحْلَلْتُ الْحَلَالَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ، وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا، أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا.\nفي هذا الحديث: بيان فائدة جمع الإمام مسلم للطرق؛ إذ فيه تسمية الرجل وأنه النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَل ﵁.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ»</span>\n\n[١٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ- يَعْنِي: سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ الأَحْمَرَ- عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسَةٍ، عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ»، فَقَالَ رَجُلٌ: الْحَجِّ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ؟ قَالَ: لا، صِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ، هَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nفي هذا الحديث: بيان أركان الإسلام الخمسة، وهو حديث اتفق عليه الشيخان عن ابن عمر ﵄.\nوقوله: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسَةٍ، عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ» هذا يفسر ما جاء به جبريل ﵇ «شَهَادَة أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»، بأن المراد بها: التوحيد، فلو قالها بلسانه، وخالفها بفعاله فوقع في عمل الشرك، فلا تنفعه، فلا بد أن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ينطق بها بلسانه، ويلتزم بالتوحيد، ويبتعد عن الشرك؛ لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا.\nوقوله: «الْحَجِّ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ؟ قَالَ: لا، صِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ، هَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»: فيه دليل لمن قال: لا تجوز الرواية بالمعنى، بل باللفظ، ولكن قد يقال: إن المعنى هنا مختلف؛ لأن الصوم مقدم على الحج، وهو الركن الرابع.\nثم إن العلماء اختلفوا في إنكار ابن عمر ﵄ على الرجل الذي قدَّم الحج، مع أن ابن عمر ﵄ رواه كذلك، كما وقع في الطريقين المذكورين، والأظهر- والله أعلم-: أنه يحتمل أن ابن عمر ﵄ سمعه من النبي ﷺ","vol":"1","page":73},{"text":"مرتين، مرة بتقديم الحج، ومرة بتقديم الصوم، فرواه على وجهين، فلما رد عليه الرجل بتقديم الحج، قال ابن عمر ﵄: لا تردَّ على ما لا علم لك به، ولا تعترضن بما لا تعرفه، ولا تقدح فيما لا تتحققه، بل هو بتقديم الصوم، هكذا سمعت من رسول ﷺ، وليس في هذا نفي لسماعه على هذا الوجه.\nقال الإمام النووي: «قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح رحمه الله تعالى: محافظة ابن عمر ﵄ على ما سمعه من رسول الله ﷺ، ونهيه عن عكسه، تصلح حجة لكون الواو تقتضي الترتيب، وهو مذهب كثير من الفقهاء الشافعيين، ومن قال: لا تقتضي الترتيب- وهو المختار، وقول الجمهور- فله أن يقول: لم يكن ذلك لكونها تقتضي الترتيب؛ بل لأن فرض صوم رمضان نزل فى السنة الثانية من الهجرة، ونزلت فريضة الحج سنة ست، وقيل: سنة تسع، والصواب: في آخر السنة التاسعة سنة تسع بعد غزوة تبوك» (^١).\nوَحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ السُّلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ، وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ».\nقوله: «أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ، وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ»، أي: أن يوحَّد الله ﷿.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١/ ١٧٨).","vol":"1","page":74},{"text":"حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ- وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَر- عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ».\nوَحَدَّثَنِي ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ، يُحَدِّثُ طَاوُسًا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَر: أَلَا تَغْزُو؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الإِسْلَامَ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ».\nفي رد ابن عمر ﵄ على من سأله: «أَلَا تَغْزُو؟»: بيان أن الغزو ليس من أركان الإسلام، أو أن معناه: ليس الغزو بلازم على الأعيان؛ لأن الجهاد من فروض الكفاية، وقد يكون واجبًا عينيًّا، وذلك في إحدى حالات ثلاث:\n١ - إذا داهم العدو البلاد.\n٢ - إذا استنفر الإمام طائفة، أو بعض الناس.\n٣ - من وقف في الصف.\nوأما غير ذلك فهو مستحب.\nوإنما خص هذه الأركان الخمسة بالذكر، ولم يذكر معها الجهاد- مع أنه به أُظهر الدين وكُسرت شوكة الكافرين-؛ لأن هذه الخمسةَ فرائضُ دائمةٌ على الأعيان، لا تسقط عمن اتصف بشروطها، أما الجهاد فمن فروض الكفايات، وقد يسقط في بعض الأوقات، بل ذهبت جماعة كبيرة إلى أن فرض الجهاد سقط بعد فتح مكة، وذُكر أنه مذهب ابن عمر ﵄، والثوري ﵀، وابن معمر ﵀، وابن سحنون ﵀، إلا في حالة أن ينزل العدو","vol":"1","page":75},{"text":"بقوم من المسلمين، فيلزم عند ذلك دفعه، الأقرب فالأقرب (^١).\nوأما قوله: «شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» فإنه إذا أُطلقت شهادة ألا إله إلا الله دخلت فيها: شهادة أن محمدًا رسول الله، فإحداهما لازمة للأخرى.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (١/ ٢٢٧).","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>بَابُ الأَمْرِ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَرَسُولِهِ ﷺ، وَشَرَائِعِ الدِّينِ، وَالدُّعَاءِ إِلَيْهِ، وَالسُّؤَالِ عَنْهُ، وَحِفْظِهِ، وَتَبْلِيغِهِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ</span>\n\n[١٧] حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا هَذَا الْحَيَّ مِنْ رَبِيعَةَ، وَقَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، فَلَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي شَهْرِ الْحَرَامِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَعْمَلُ بِهِ، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا، قَالَ: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، الإِيمَانِ بِاللَّهِ»، ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ، فَقَالَ: «شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُقَيَّرِ».\nزَادَ خَلَفٌ فِي رِوَايَتِهِ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بشار- وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَة- قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ يَدَيْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَيْنَ النَّاسِ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَسْأَلُهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ، فَقَالَ: إِنَّ وفدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ الْوَفْدُ، أَوْ مَنِ الْقَوْمُ؟»، قَالُوا: رَبِيعَةُ، قَالَ: «مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ، أَوْ بِالْوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا النَّدَامَى»، قَالَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَإِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرِ الْحَرَامِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، قَالَ: «أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ»، وَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:","vol":"1","page":77},{"text":"«شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسًا مِنَ الْمَغْنَمِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ».\nقَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ: «النَّقِيرِ»، قَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ: «الْمُقَيَّرِ»، وَقَالَ: «احْفَظُوهُ، وَأَخْبِرُوا بِهِ مِنْ وَرَاءِكُمْ»، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: «مَنْ وَرَاءَكُمْ»، وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ: الْمُقَيَّر.\nوَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَحْوَ حَدِيثِ شُعْبَةَ، وَقَالَ: «أَنْهَاكُمْ عَمَّا يُنْبَذُ فِي الدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ».\nوَزَادَ ابْنُ مُعَاذٍ فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْأَشَجِّ أَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ، وَالأَنَاةُ».\n\n[١٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْ لَقِيَ الْوَفْدَ، الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، قَالَ سَعِيدٌ: وَذَكَر قَتَادَةُ أَبَا نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي حَدِيثِهِ هَذَا: أَنَّ أُنَاسًا مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّا حَيٌّ مِنْ رَبِيعَةَ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، وَلَا نَقْدِرُ عَلَيْكَ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحُرُمِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَأْمُرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ إِذَا نَحْنُ أَخَذْنَا بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: اعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَآتُوا الزَّكَاةَ، وَصُومُوا رَمَضَانَ، وَأَعْطُوا الْخُمُسَ مِنَ الْغَنَائِمِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَالنَّقِيرِ» قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا عِلْمُكَ بِالنَّقِيرِ؟ قَالَ: «بَلَى، جِذْعٌ تَنْقُرُونَهُ فَتَقْذِفُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاءِ»، قَالَ سَعِيدٌ: أَوَ قَالَ: «مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ تَصُبُّونَ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا سَكَنَ غَلَيَانُهُ شَرِبْتُمُوهُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَكُمْ- أَوْ: إِنَّ أَحَدَهُمْ- لَيَضْرِبُ ابْنَ عَمِّهِ بِالسَّيْفِ»، قَالَ: وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ","vol":"1","page":78},{"text":"أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ كَذَلِكَ، قَالَ: وَكُنْتُ أَخْبَأُهَا حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: فَفِيمَ نَشْرَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «فِي\nأَسْقِيَةِ الأَدَمِ الَّتِي يُلَاثُ عَلَى أَفْوَاهِهَا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَرْضَنَا كَثِيرَةُ الْجِرْذَانِ، وَلَا تَبْقَى بِهَا أَسْقِيَةُ الأَدَمِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ»، قَالَ: وَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: «إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ، وَالأَنَاةُ».\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ لَقِيَ ذَاكَ الْوَفْدَ، وَذَكَرَ أَبَا نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، غَيْرَ أَنَّ فِيهِ: «وَتَذِيفُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاءِ، أَوِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ»، وَلَمْ يَقُلْ: قَالَ سَعِيد، أَوَ قَالَ: مِنَ التَّمْرِ.\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو قَزَعَةَ أَنَّ أَبَا نَضْرَةَ أَخْبَرَهُ، وَحَسَنًا أَخْبَرَهُمَا أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ، لَمَّا أَتَوْا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ- جَعَلَنَا اللَّهُ فِدَاءَكَ- مَاذَا يَصْلُحُ لَنَا مِنَ الأَشْرِبَةِ؟ فَقَالَ: «لَا تَشْرَبُوا فِي النَّقِيرِ» قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، جَعَلَنَا اللَّهُ فِدَاءَكَ، أَوَ تَدْرِي مَا النَّقِيرُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، الْجِذْعُ يُنْقَرُ وَسَطُهُ، وَلَا فِي الدُّبَّاءِ، وَلَا فِي الْحَنْتَمَةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالْمُوكَى».\nقوله: «النَّقِيرُ»: خشبة تُنْقَرُ، ثم تُطْلَى بالقار وهو الزِّفت، فيُنْبَذُ فيه فيشتدُّ نبيذُهُ (^١).\n_________\n(^١) المحكم، لابن سيده (٦/ ٣٦٩)، النهاية، لابن الأثير (٥/ ١٠٤).","vol":"1","page":79},{"text":"وقوله: «الدُّبَّاءِ»: هو القَرعُ، وكانوا ينتبذون فيه فتُسرع الشدةُ في الشراب (^١).\nوقوله: «الْحَنْتَمَةِ»: كلُّ فخَّارٍ طُلِيَ بالخزف وهو الزجاج (^٢).\nوإنما نهى عن ذلك لسرعة الانتباذ فيهما، وقيل: نهى عن ذلك لئلَّا يبادرهم فيصير خمرًا فيشربونه وهم لا يظنُّون أنَّه خمر، فيواقعون ما نهى الله ﷿ عنه، وما فيه- أيضًا- من إضاعة المال إذا صار خمرًا.\nقوله: «وَعَلَيْكُمْ بِالْمُوكَى»، أي: بالأسقية التى توكأ، أى: تُربَط أفواهها بالوكاء، وهو الخيط الذى يربط به، وإنَّما حضَّهم ﷺ على الشراب فيها؛ لرقة جلودها فلا يمكن أن يتم فيها فسادُ الأشربة وتخميرها حتى تتشقق ويظهر فيها، بخلاف غيرها من الأواني.\nوفي هذا الحديث: فسر النبي ﷺ الإيمان بالأعمال، فالإسلام إذا أُطلق شمل الأمور الاعتقادية والعلمية، وكذلك الإيمان شمل الأمور الاعتقادية والعلمية، وإذا قُرن بينهما كان لكل واحد منهما معنى، فالإسلام للأمور العملية، والإيمان للأمور الاعتقادية.\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (٢/ ٩٦)، الصحاح، للجوهري (٦/ ٢٣٣٤).\n(^٢) غريب الحديث، للخطابي (١/ ٣٦١)، الفائق، للزمخشري (١/ ٤٠٧)، النهاية، لابن الأثير (٣/ ١٣١٣).","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>بَابُ الدُّعَاءِ إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإِسْلَامِ</span>\n\n[١٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رُبَّمَا قَالَ وَكِيعٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُعَاذًا قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ».\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ. ح، حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا»، بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيعٍ.\nحَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ- وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ- عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ ﷿، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ».","vol":"1","page":81},{"text":"في هذا الحديث: بيان أن أول شيء هو عبادة الله وحده، وهذا من العقيدة، ثم انتقلت الروايات بعد ذلك لِتُعلم عن مطالب هذه العقيدة، وهي: الصلاة والزكاة، والصوم، والحج.\nفالإيمان عقيدة: قول وعمل، وهذا ما تظاهرت عليه الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والذي يجب أن يعتقده كل مسلم؛ فلا بد من العقيدة الصحيحة التي يُبتنى عليها العمل، وأن يأتي العمل وفق الشرع، وأن يكون خالصًا لله ﷾.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>بَابُ الأَمْرِ بِقِتَالِ النَّاسِ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، وَيُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَصَمَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَوُكِلَتْ سَرِيرَتُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقِتَالِ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ، أَوْ غَيْرَهَا مِنْ حُقُوقِ الإِسْلَامِ، وَاهْتِمَامِ الإِمَامِ بِشَعَائِرِ الإِسْلَامِ</span>\n\n[٢٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْر بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي، مَالَهُ، وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَوَاللَّهِ، مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ ﷿ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ.\n\n[٢١] وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ، وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ».\nحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنِ الْعَلَاءِ. ح، وَحَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ أَبِي","vol":"1","page":83},{"text":"هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ»، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ- قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾.\n\n[٢٢] حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ».\n\n[٢٣] وَحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ- يَعْنِيَانِ: الْفَزَارِيَّ- عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَرُمَ مَالُهُ، وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ.","vol":"1","page":84},{"text":"قوله: «وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مَنْ دُونِ اللهِ»، أي: كفر بالطاغوت، فمن لم يكفر به لا يكون موحدًا، بل يكون مشركًا، كما قال الله تعالى: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾، فلا بد من البراءة من كل معبود سوى الله؛ لأن التوحيد لا يتحقق إلا بالإيمان بالله، والكفر بالطاغوت، وهذا من شروط لا إله إلا الله.\nوقوله: «مَنْ وَحَّدَ اللهَ»: دليل على أن المراد من كلمة الشهادة: التوحيد، وليس المراد قولها باللسان فقط، وهذا يعتبر تفسيرًا لقوله ﷺ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»؛ لأن النصوص يفسر بعضها بعضًا.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>بَابٌ أَوَّلُ الإِيمَانِ قَوْلُ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهِ</span>\n\n[٢٤] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ»، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ- آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ-: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر. ح، وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ صَالِحٍ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ فِيهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الآيَتَيْنِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: وَيَعُودَانِ فِي تِلْكَ الْمَقَالَةِ، وَفِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ مَكَانَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ: فَلَمْ يَزَالَا بِهِ.\n\n[٢٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ يَزِيدَ- وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمِّهِ عِنْدَ الْمَوْتِ: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَأَبَى،","vol":"1","page":86},{"text":"فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآيَةَ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ الأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمِّهِ: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ؛ يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.\nفي هذه الأحاديث: دليل على أن الكافر إذا أسلم عند الموت فإسلامه صحيح- ما لم تصل الروح إلى الحلقوم-؛ لهذا عرض النبي ﷺ الإسلام على عمه أبي طالب وهو في مرض الموت.\nودليل قبول التوبة قبل وصول الروح للحلقوم: قول الله تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم﴾.\nقال العلماء: كل شيء قبل الموت فهو قريب، ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن﴾، يعني: إذا بلغت الروح الحلقوم قال: إني تبت الآن.\nوأوضح من هذا: ما ثبت من قول النبي ﷺ: «إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» (^١).\nوفيها: تأثير قرناء السوء على المرء، فأبو جهل وعبد الله بن أبي أمية قالا لأبي طالب: «أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟»، فذكَّراه بالحجة الملعونة: وهي اتباع الآباء، والأجداد على الباطل، فأعاد عليه النبي ﷺ طلبَ قولِ: لا إله إلا الله، فما زالا به حتى كان آخر ما قال: «هُوَ عَلَى مِلَّةِ أَبِي عَبْدِ المُطَّلِبِ»،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦١٦٠)، والترمذي (٣٥٣٧)، وابن ماجه (٤٢٥٣).","vol":"1","page":87},{"text":"وأبى أن ينطق بكلمة التوحيد.\nوفيها: دليل على أنه ينبغي للمرء أن يحذر من قرناء السوء؛ لهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالجَلِيسِ السَّوْءِ، كَمَثَلِ صَاحِبِ المِسْكِ وَكِيرِ الحَدَّادِ» (^١)، فالجليس الصالح يرغبك في الخير وفي المعروف، وجليس السوء يزهدك في المعروف، ويرغبك في الشر- نسأل الله العافية.\nوفيها: دليل على أن الذي منع أبا طالب من الإيمان بالله تعالى ليس الجهل بأَحَقِّيَة هذا الدين، وإنما منعه التعصب، والحمية لقومه، وآبائه وأجداده؛ ولذلك لم يستطع أن يشهد عليهم بالكفر.\nوفيها: دليل على أنه لا يجوز اتباع الآباء والأجداد على الباطل، بل على الإنسان أن يُعمل عقله وألّا يلغيه ويقلد الآباء والأجداد مطلقا، سواء أكانوا على الحق، أم كانوا على الباطل، بل ينظر فإن كانوا على الحق اتبعهم؛ لأن الحق أحق أن يتبع، وإلا فلا.\nوفيها: بيان حجة الكفار التي تتابعوا عليها، وهي اتباع الآباء والأجداد على الباطل، قال الله تعالى- حاكيًا قول المشركين-: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾، يعني: على دين، ﴿وإنا على آثارهم﴾، أي: وراءهم ﴿مهتدون﴾، وهي دعوى منهم بلا دليل.\nوفيها: أن هداية القلوب لله لا يملكها غيره، حتى ولو كان أشرفَ الخلق ﵊.\nوفيها: تسلية لمن بعد الرسول ﷺ من الدعاة وغيرهم، فالرسول ﷺ أشرف الخلق، وأقربهم منزلةً إلى الله تعالى، ولم يستطع هداية عمه مع شدة حرصه ﷺ على ذلك، فالدعاة بعده من باب أولى.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٠١)، ومسلم (٢٦٢٨).","vol":"1","page":88},{"text":"وأما هداية الدلالة والإرشاد والوعظ فيملكها الرسول ﷺ، والدعاة كذلك، قال تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾.\nوفيها: دليل على أنه لا يجوز الاستغفار للمشركين لمن مات منهم على الشرك؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»، فنهي ﷺ بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.\nوفيها: دليل على أن أول واجب على العبد هو كلمة التوحيد، خلافًا لأهل البدع القائلين: إن أولَ واجب الشكُّ، أو النظرُ، أو القصدُ إلى النظر (^١)، فكل هذه الأقوال باطلة ما أنزل الله بها من سلطان؛ بل أول واجب على الإنسان التوحيد، والدليل على ذلك: أنه لما بعث الرسول ﷺ معاذًا إلى اليمن قال له: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ ﷿» (^٢)، وقال ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» فلم: يقل حتى يشُكُّوا، أو ينظروا، أو يتأملوا.\nوقوله: «فَلَمْ يَزَالَا بِهِ»، يعني: أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية.\nوفيها: دليل على أن معرفة الإنسان للحق لا ينفعه إذا لم يعمل به، فأبو طالب عرف الحق ولم ينفعه، وهو القائل في قصيدته المعروفة:\nوَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ... مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ البَرِيَّةِ دِينَا\nلَوْلَا المَلَامَةُ أَوْ حَذَارِي سُبَّةً ... لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِينًا\nوكذلك فرعون عرف أن موسى ﵇ صادق، لكن لم يتبعه، فلم تنفعه معرفته، فكفره كفر إباء واستكبار، وكذلك شأن إبليس واليهود.\n_________\n(^١) الإرشاد، للجويني (ص ٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٤٥٨)، ومسلم (١٩).","vol":"1","page":89},{"text":"والمعرفة لا بد لها من المتابعة والعمل؛ لأن المعرفة وحدها لا تكفي، والقائل بأن الإيمان هو المعرفة في القلب فقط الجهم بن صفوان (^١) (^٢)، وهذا من أبطل الباطل، فلا بد للمعرفة من متابعة وعمل، وإلا فلن تغنيَ عن صاحبها شيئًا.\nوفيها: بيان أن كلمةَ التوحيد شهادةٌ عند الله تعالى للموحِّد؛ لهذا قال النبي ﷺ: «أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\n_________\n(^١) جَهْمُ بنُ صَفْوَانَ أَبُو مُحْرِزٍ الرَّاسِبِيُّ مَوْلاهُم، المُتَكَلِّمُ، أُسُّ الضَّلالَةِ، وَرَأْسُ الجَهْمِيَّةِ، وكَانَ يُنْكِرُ الصِّفَاتِ، وَيَقُوْلُ بِخَلْقِ القُرْآنِ، وَيَقُوْلُ: إِنَّ اللهَ فِي الأَمكِنَةِ كُلِّهَا، وَكَانَ يَقُوْلُ: الإِيْمَانُ عَقدٌ بِالقَلْبِ، وَإِن تَلَفَّظَ بِالكُفْرِ.\n\nقِيْلَ: إِنَّ سَلْمَ بنَ أَحْوَزَ قَتَلَ الجَهْمَ؛ لإِنْكَارِه أَنَّ اللهَ كَلَّمَ مُوْسَى. سير أعلام النبلاء، للذهبي (٦/ ٢٦).\n(^٢) مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري (١/ ٢١٩)، الملل والنحل، للشهرستاني (١/ ٨٨)، الفرق بين الفرق، للبغدادي (ص ١٩٩).","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>بَابُ مَنْ لَقِيَ اللَّهِ بَالإِيمَانِ وَهُوَ غَيْرُ شَاكٍّ فِيهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَحَرُمَ عَلَى النَّارِ</span>\n\n[٢٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنِ الْوَلِيدِ أَبِي بِشْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، مِثْلَهُ سَوَاءً.\nفي هذا الحديث: بيان اشتراط العلم المنافي للجهل، واليقين المنافي للشك والريب؛ لتحقيق التوحيد، فمن مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله، وقالها عن يقين بلا شك وريب دخل الجنة، ومن قالها عن يقين وإخلاص لا يقع في الشرك، فإذا وقع في الشرك دل على ضعف الإخلاص واليقين، وإذا ضعف اليقين جاءت الغفلة، فيقع في المعاصي، وإذا قوي اليقين ذهبت الغفلة؛ ولذلك فإن الإنسان قد يؤتى من ضعف يقينه.\nقال النووي رحمه الله تعالى: «قال القاضي عياض ﵀: اختلف الناس فيمن عصى الله تعالى من أهل الشهادتين: فقالت المرجئة: لا تضره المعصية مع الإيمان، وقالت الخوارج: تضره ويكفر بها، وقالت المعتزلة: يخلد في النار إذا كانت معصيته كبيرة، ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر، ولكن يوصف بأنه فاسق، وقالت الأشعرية: بل هو مؤمن، وإن لم يغفر له وعذب فلا بد من إخراجه من النار وإدخاله الجنة. قال: وهذا الحديث حجة على","vol":"1","page":91},{"text":"الخوارج والمعتزلة» (^١).\nوأفسد ما قيل في تعريف الإيمان هو تعريف الجهم؛ حيث قال: «الإيمان هو المعرفة» (^٢)، والخوارج يرون أن الإيمان هو جميع الأعمال، فإن ترك واحدًا منها كفر، والمعتزلة يوافقونهم في الحكم عليه في الآخرة، أما في الدنيا فيقولون: هو في منزلة بين منزلتين (^٣).\nووفق الله أهل السنة للحق فقالوا: الإيمان قول وعمل- قول القلب، وقول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح- يزيد وينقص، والفاسق ناقص الإيمان.\n\n[٢٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الأَشْجَعِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسِيرٍ، قَالَ: فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ، قَالَ: حَتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِمْ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ جَمَعْتَ مَا بَقِيَ مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْمِ، فَدَعَوْتَ اللَّهَ عَلَيْهَا، قَالَ: فَفَعَلَ، قَالَ: فَجَاءَ ذُو الْبُرِّ بِبُرِّهِ، وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ، قَالَ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ، قُلْتُ: وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَى؟ قَالَ: كَانُوا يَمُصُّونَهُ وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهَا حَتَّى مَلَأَ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ، قَالَ: فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ».\nقوله: «فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ»، أي: نفد طعامهم، حتى هموا بذبح بعض\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١/ ٢١٩).\n(^٢) مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري (١/ ٢١٩)، الملل والنحل، للشهرستاني (١/ ٨٨)، الفرق بين الفرق، للبغدادي (ص ١٩٩).\n(^٣) الملل والنحل، للشهرستاني (١/ ٤٨).","vol":"1","page":92},{"text":"الإبل ليأكلوا منها لقلة الطعام.\nوفي هذا الحديث: دليل من دلائل النبوة، كما أن فيه دليلًا على قدرة الله ﷿، وذلك أنهم في بعض الغزوات قلَّ طعامهم، فأرادوا أن ينحروا بعض الإبل ليأكلوا منها، «فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ جَمَعْتَ مَا بَقِيَ مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْمِ، فَدَعَوْتَ اللَّهَ عَلَيْهَا، قَالَ: فَفَعَلَ»، فأخذ النبي ﷺ بمشورة عمر ﵁، وفعل ما أشار به.\nوفيه: جواز إشارة المفضول على الفاضل بما يراه مناسبًا.\nوقوله: «وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَى؟ قَالَ: كَانُوا يَمُصُّونَهُ وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ» فيه دليل على ما أصاب الصحابة ﵃ من شدة الجوع، ولم يضرهم ذلك، بل عبدوا الله ﷿ على حالتهم تلك، وجاهدوا في سبيله، ونصروا دينه، وأعلَوا كلمته.\nوقوله ﵊: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» فيه اشتراطُ اليقين في الإيمان، وهذا معنى قوله في الحديث السابق: «وَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ».","vol":"1","page":93},{"text":"حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، جميعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ- شَكَّ الأَعْمَشُ- قَالَ: لَمَّا كَانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَذِنْتَ لَنَا، فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا، فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «افْعَلُوا»، قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ، وَلَكِنِ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْعُ اللَّهَ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَدَعَا بِنِطَعٍ فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، قَالَ: وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، قَالَ: وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكَسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: «خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ»، قَالَ: فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ، حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلَّا مَلَئُوهُ، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضِلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ، فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ».\nقوله: «نَوَاضِحَنَا»، يعني: الإبل.\nوقوله: «قَلَّ الظَّهْرُ»، أي: الإبل التي تحملهم، وسميت بالظهر؛ لأنهم يركبون على ظهورها.\nوفي هذا الحديث: أن طلب الدعاء من النبي ﷺ في حياته جائز، وعمر ﵁ أمر العباس عم النبي ﷺ أن يدعو الله أن يمطرهم لما أصابهم القحط (^١)، فطلبُ الدعاء من الحي الحاضر لا بأس به، وهو جائز.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠١٠).","vol":"1","page":94},{"text":"وقوله: «فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ»، أي: أكلوا، وشبعوا، وبقي شيء زيادة على حاجتهم.\n\n[٢٨] حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ مُسْلِمٍ- عَنِ ابْنِ جَابِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ، وَابْنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ».\nوَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ: مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ.\nفي هذا الحديث: بشارة للمؤمن بأنه لو مات على التوحيد دخل الجنة.\nوقوله: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ» هذا مقيَّد بالأحاديث السابقة، أي: مَن شهد على ذلك بصدق، وإخلاص، ويقين منافٍ للشك والريب، وأدى حقوق التوحيد، ولم يفعل ناقضًا من نواقض الإسلام، فإن الله يحرمه على النار، فليس المرادُ مجردَ النطق؛ لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضًا.\nوقوله: «وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ، وَابْنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ»: فيه البراءة من عقيدة النصارى.\nوفيه: الإيمان بالجنة، والنار، والبعث.\nوقوله: «أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ»، وفي رواية: «أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ» بمعنى: أنه من مات على التوحيد فهو من أهل","vol":"1","page":95},{"text":"الجنة، لكن بشرط أن يموت على التوحيد الخالص من البدع والمعاصي، فإن مات على ذلك دخل الجنة من أول وهلة دون سابقةِ عذابٍ، وإن مات وهو مُصِرٌّ على بعض المعاصي فهو داخل تحت مشيئته تعالى، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه، قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾.\n\n[٢٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ عَنِ الصُّنَابِحِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: مَهْلًا، لِمَ تَبْكِي؟ فَوَاللَّهِ لَئِنِ اسْتُشْهِدْتُ لَأَشْهَدَنَّ لَكَ، وَلَئِنِ شُفِّعْتُ لَأَشْفَعَنَّ لَكَ، وَلَئِنِ اسْتَطَعْتُ لَأَنْفَعَنَّكَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا مِنْ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ إِلَّا حَدَّثْتُكُمُوهُ، إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، وَسَوْفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ الْيَوْمَ وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ».\nقوله: «وَسَوْفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ الْيَوْمَ وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِي»، أي: أنه أخَّر التحديث بهذا الحديث إلى قرب وفاته خوفًا من أن يفتتن الناس، ويتركوا العمل اتكالًا على رحمة الله تعالى.\nقال القاضي عِيَاضٌ ﵀: «فيه دليل على أنه كتم ما خشى عليهم الْمُضِيَّ فيه، والفتنة مما لا يحتمله كل أحدٍ، وذلك فيما ليس بحجةِ عملٍ، ولا فيه حدٌّ من حدود الشريعة، ومثل هذا عن الصحابة كثير من ترك الحديث مما ليس بحجة عمل ولا تدعو إليه ضرورة، أو لا تحمله عقول الكافة، أو خشيت مضرته على قائله أو سامعه» (^١).\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (١/ ٢٥٩).","vol":"1","page":96},{"text":"وفي هذا الحديث: بيان تحريم دخول المسلم إلى النار إن مات على التوحيد الخالص من الشرك، إما تحريمُ دخول أو تحريم خلود، تحريمُ دخول إذا مات على التوحيد الخالص ولم يصرَّ على الكبائر، وإما تحريمُ خلود إن مات على التوحيد الخالص مع إصراره على بعض الكبائر، فهو حينئذٍ تحت مشيئته تعالى، كما سبق بيانه قريبًا.\n\n[٣٠] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: «يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟»، قَالَ: قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ: أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، قَالَ: «يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ».\nفي هذا الحديث: جوازُ ركوبِ أكثر من واحد على الدابة إن كانت تطيق ذلك.\nوقوله: «لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْل» قال النووي: «أراد المبالغة في شدة قربه ليكون أوقعَ في نفس سامعه؛ لكونه أضبطَ ... وأما (مُؤْخِرَة الرحل): فبضم الميم بعده همزة ساكنة، ثم خاء مكسورة، هذا هو الصحيح، وفيه لغة أخرى (مُؤَخِّرة) بفتح الهمزة والخاء المشددة ... وهي","vol":"1","page":97},{"text":"العود الذي يكون خلف الراكب» (^١).\nوقوله: «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ» إنما كرره ليهتم معاذ ﵁ بما يقال له وينتبه إليه، ولتستشرف نفسه إلى هذا الأمر العظيم.\nوقوله: «هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟» فيه تشويق آخر؛ حيث إنه ﷺ أخرجه بصيغة السؤال، فلو أنه ﷺ أخبر معاذا ﵁ ما أراد إخباره به من أول الأمر ابتداء من غير تَكرار، ولا سؤال ما كان ذلك ليكون له وقعه في السمع والقلب، كما إذا كرره، وأخرجه في صورة سؤال.\nفيستفاد من هذا: أن العالم له أن يخرج المسألة العلمية على صيغة سؤال؛ حتى ينبه الطلاب والمتعلمين إليها، ويزداد حرصهم على تعلمها.\nوقوله: «فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ، أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»: فيه بيان حق الله تعالى على عباده، وهو أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وهذا هو الأمر الذي من أجله خلقهم، قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، وهو الأمر الذي من أجله بعث الرسل، وأنزل الكتب، قال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾، وقال: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾، وهذا يفسر الحديث السابق: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ»، فحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.\nوقوله: «أَلَا يُعَذِّبَهُمْ» هذا حق العباد على الله، إذا قاموا بالتوحيد الخالص من الشرك لم يعذبهم.\nلكن هناك فرق بين الحقين: فالحق الأول حق إلزام وإيجاب، ليس للعباد الخِيَرة فيه؛ لأنهم خُلِقوا لذلك.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١/ ٢٣٠).","vol":"1","page":98},{"text":"والحق الثاني: حق تفضل وإكرام، أوجبه الله على نفسه، ولم يوجبه عليه أحد؛ لأنه ليس فوقه ﷾ أحدٌ يوجب عليه شيئا، فهو أوجب على نفسه تكرمًا ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا، كما قال الشاعر (^١):\nمَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبُ ... كَلَّا وَلَا سَعْيٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ\nإِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ، أَوْ نُعِّمُوا ... فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الكَرِيمُ الوَاسِعُ\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى حِمَارٍ، يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ، قَالَ: فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟»، قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ: أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ ﷿ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي حَصِينٍ وَالأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ أَنَّهُمَا سَمِعَا الأَسْوَدَ بْنَ هِلَالٍ يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟»، قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ وَلَا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ»، قَالَ: «أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟»، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ».\nحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاذًا يَقُولُ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى النَّاسِ، نَحْوَ حَدِيثِهِمْ\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز (١/ ٢٣٦).","vol":"1","page":99},{"text":"قوله: «يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ» قال النووي ﵀: «بعين مهملة مضمومة، ثم فاء مفتوحة، هذا هو الصواب في الرواية، وفي الأصول المعتمدة وفي كتب أهل المعرفة بذلك، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀: وقول القاضي عياض ﵀ إنه بغين معجمة متروك. قال الشيخ: وهو الحمار الذي كان له ﷺ، قيل: إنه مات في حجة الوداع» (^١).\nوقد صُرح في هذا الحديث أنهما كانا راكبَينِ على حمار، وورد في الحديث السابق ما يُفهَم منه أنهما كانا راكبَينِ على راحلة، فلعلهما واقعتان منفصلتان؛ لأن المؤخرة تكون على الإبل، لا على الحمار، وقيل: إن المراد بالحديث الأول: ليس بين معاذ ﵁ وبين الرسول ﷺ إلا مقدار مؤخرة الرحل، قال النووي: «قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀: ... هذا الحديث يقتضي أن يكون هذا في مرة أخرى غير المرة المتقدمة في الحديث السابق؛ فإن مؤخرة الرحل تختص بالإبل، ولا تكون على حمار. قلت [أي: النووي]: ويحتمل أن يكونا قضيةً واحدة، وأراد بالحديث الأول قدر مؤخرة الرحل، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» (^٢).\nوفي هذا الحديث: بيان أن معاذًا ﵁ أخبر بهذا الحديث عند موته، خروجًا من إثم كتمان العلم؛ لأنه فهم من قول النبي ﷺ: «لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُو» أنه ليس المرادُ المنعَ مطلقًا، بل المراد: في وقت دون وقت؛ فلهذا كتمها مدةَ حياته ﵁، ثم أخبر بها عند موته؛ خروجًا من الإثم.\nوقال بعض أهل العلم: إنه لم يكتمها عن الأخيار الذين يستكثرون من الأعمال الصالحة، وإنما كتمها عمن يخشى منه أن يغتر ويتكل؛ وهذا لما عُلم من النصوص الأخرى التي فيها وجوب تبليغ العلم، والنهي عن كتمانه.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١/ ٢٣٢).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١/ ٢٣٢).","vol":"1","page":100},{"text":"[٣١] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا، وَفَزِعْنَا فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطًا لِلأَنْصَار لِبَنِي النَّجَّارِ، فَدُرْتُ بِهِ، هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا؟ فَلَمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِي جَوْفِ حَائِطٍ مِنْ بِئْرٍ خَارِجَةَ، وَالرَّبِيعُ: الْجَدْوَلُ، فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَبُو هُرَيْرَةَ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟» قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مِنْ فَزِعَ، فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطَ فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، وَهَؤُلَاءِ النَّاسُ وَرَاءِي، فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ»، وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ، قَالَ: «اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ»، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعْلَانِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنِي بِهِمَا\nمَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَخَرَرْتُ لِاسْتِي، فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَجْهَشْتُ بُكَاءً، وَرَكِبَنِي عُمَرُ، فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثْتَنِي بِهِ، فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ضَرْبَةً خَرَرْتُ لِاسْتِي، قَالَ: ارْجِعْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: «يَا عُمَرُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟» قَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ- بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي- أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ، مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ؛ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُون، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَخَلِّهِمْ».","vol":"1","page":101},{"text":"قوله: «فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ»، أي: جمع نفسه حتى يدخل من هذه الفتحة؛ لأن البستان لم يكن له أبواب، ولا منافذ، إلا منفذ الماء هذا، فدخل منه أبو هريرة ﵁.\nوفي رواية بالراء (فاحتفرت) يعني: حاول أن يدخل، وكانت الفتحة غيرَ واسعة، فحفر ودخل البستان. ورواية الزاي «فَاحْتَفَزْتُ» هي الصواب، والأقرب من حيث المعنى، ويدل عليه تشبيهه لفعله بفعل الثعلب (^١).\nوقوله: «فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» هذه بشارة عظيمة لأهل التوحيد، ولكن لا بد من هذا القيد «مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ»، أما من قالها بشك وريب فلا تنفعه يوم القيامة، لكن تنفع من عرف معناها وعمل بمقتضاها، وعَبَد اللهَ بإخلاص، ولم يقع في عمله شرك، ولم يفعل ناقضًا من نواقض الإسلام، فهذا الذي بشره الرسول ﷺ بالجنة.\nوأما من مات من أهل التوحيد على كبيرة من الكبائر فهو من أهل الوعيد، وتحت مشيئة الله سبحانه، قال تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلًا كريمًا﴾، وقال النبي ﷺ في الحديث الآخر من حديث أبي هريرة ﵁: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» (^٢).\nوفي هذا الحديث: بيان نظر عمر ﵁ القوي في المصلحة العامة، لمَّا رأى أبا هريرة ﵁ يبشر الناس بأن من قال: (لا إله إلا الله) دخل الجنة، فخشي أن يتكل الناس، ويتركوا العمل، فأراد أن يرد أبا هريرة ﵁ عن هذا؛ فلهذا ضربه في صدره ضربة سقط على أثرها للخلف على استه.\nوفيه: دليل على أن عمر ﵁ اجتهد في هذه المسألة، وأقره النبي ﷺ على هذا الاجتهاد.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١/ ٢٣٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٣٣).","vol":"1","page":102},{"text":"وأما دفعُ عمر ﵁ أبا هريرة فلم يقصد بِهِ سقوطه وإيذاءه، بل قصد رده عما هو عليه.\nوفيه: أن الإمام والكبير مطلقًا إذا رأى أمرا، ورأى بعض أتباعه خلافه، فلهم أن يعرضوه عليه لينظر فيه، فإن ظهر له أن ما قالوه هو الصواب رجع إليه.\nوفيه: أنه لا بأس أن يعرض الإنسان على رئيسه أوعلى كبير قومه المشورة في الأمور المهمة.\n\n[٣٢] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ- وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ- قَالَ: «يَا مُعَاذ»، قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ»، قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ»، قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا»، فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا.\n\n[٣٣] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ الْمُغِيرَةِ- قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَلَقِيتُ عِتْبَانَ، فَقُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ، قَالَ: أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْضُ الشَّيْءِ، فَبَعَثْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنِي فَتُصَلِّيَ فِي مَنْزِلِي، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلَ وَهُوَ يُصَلِّي فِي مَنْزِلِي، وَأَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ أَسْنَدُوا عُظْمَ ذَلِكَ، وَكِبْرَهُ إِلَى مَالِكِ بْنِ دُخْشُمٍ، قَالُوا: وَدُّوا أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ، وَوَدُّوا أَنَّهُ أَصَابَهُ شَرٌّ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ، وَقَالَ: «أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟» قَالُوا: إِنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ، وَمَا هُوَ فِي قَلْبِهِ، قَالَ: «لَا يَشْهَدُ أَحَدٌ أَنْ لَا إِلَهَ","vol":"1","page":103},{"text":"إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَيَدْخُلَ النَّارَ أَوْ تَطْعَمَهُ»، قَالَ أَنَسٌ: فَأَعْجَبَنِي هَذَا الْحَدِيثُ، فَقُلْتُ لِابْنِي: اكْتُبْهُ، فَكَتَبَهُ.\nحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ عَمِيَ، فَأَرْسَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَال: تَعَالَ، فَخُطَّ لِي مَسْجِدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَجَاءَ قَوْمُهُ وَنُعِتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ- يُقَالُ لَهُ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ-، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ.\nفي هذا الحديث: دليل على أنه لا بأس بصلاة النافلة في جماعة بعض الأحيان، لغير العادة.\nوفيه: جواز كتابة الحديث، وهذا أمر استقر عليه الإجماع، وأما ما ورد من نهي الرسول ﷺ الصحابةَ ﵃ عن كتابة الحديث، (^١) فقد كان في أول الأمر؛ لئلا يختلط بالقرآن، ثم رخص لهم في ذلك.\nوفيه: أن النبي ﷺ رخص لعتبان ﵁ بأن يصلي في بيته، ولكن جاء في حديث آخر عدم ترخيصه ﷺ لابن أم مكتوم ﵁- وهو رجل ضرير أيضا- في الصلاة في بيته، فعَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ شَاسِعُ الدَّارِ، وَلِي قَائِدٌ لَا يُلَائِمُنِي فَهَلْ لِي رُخْصَةٌ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي؟ قَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «لَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً» (^٢)، فكيف يجمع بينهما؟\nنقول: إن عذر عتبان واضح هنا، وهو أنه ضعف بصره، وبينه وبين المسجد وادٍ، والسيل إذا سال لا يستطيع الوصول إلى المسجد، أما ابن أم مكتوم ﵁ فما ذكر شيئًا من الأعذار غير العمى، والعمى ليس عذرًا على الإطلاق لكل أحد.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٠٠٤).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٥٥٢)، وابن ماجه (٧٩٢).","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>بَابُ ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا</span>\n\n[٣٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ وَبِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ- عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ، مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا».\nفي هذا الحديث: أن الرضا يكون في القلب، فمن رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا- انشرح صدره، واطمأنت نفسه، وانقادت جوارحه بالعمل الصالح، وذاق حلاوة الإيمان ووجد لذته؛ بسبب صحة إيمانه، وانشراح صدره، وطمأنينة قلبه، ثم تنبعث الجوارح بالأعمال؛ لأن القلب هو ملك الأعضاء، فإذا اطمأن القلب وحل فيه الرضا والانشراح انقادت الجوارح بالأعمال.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>بَابُ بَيَانِ عَدَدِ شُعَبِ الإِيمَانِ، وَأَفْضَلِهَا، وَأَدْنَاهَا، وَفَضِيلَةِ الْحَيَاءِ، وَكَوْنِهِ مِنَ الإِيمَانِ</span>\n\n[٣٥] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ بْنُ حميد قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ».\nفي هذا الحديث: بيان أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأنها بضع وسبعون شعبة، وفي رواية «بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ»، والأصل أن كل ما زاد عن العدد فإنه يؤخذ بالزائد، ورواه البخاري بلفظ: «بِضْعٌ وَسِتُّونَ» دون شك (^١)، وفي رواية أخرى: «الْإِيمَانُ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ بَابًا، أَرْفَعُهَا وَأَعْلَاهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» (^٢).\nوهذه الشُّعب كلها من الإيمان، ففيه: الرد على المرجئة القائلين بأن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، وأنها شرط في كماله (^٣).\nوجعل النبي ﷺ أعلى شعب الإيمان وأفضلَها كلمةَ التوحيد، وهي من قول اللسان، وجعل لأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وهي عملٌ بدني، ومثَّل بالحياء، وهو عملٌ قلبي، وهذا يدل على ما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة من أن الإيمان يشمل الاعتقاد والقول والعمل.\nوفيه: أن بين أعلاها وأدناها شعبًا متفاوتة، منها ما يقرب من شعبة الشهادة، ومنها ما يقرب من شعبة الإماطة، فالصلاة شعبة من شعب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩).\n(^٢) أخرجه أحمد (٨٩٢٦)، والترمذي (٢٦١٤).\n(^٣) مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري (١/ ١١٤).","vol":"1","page":106},{"text":"الإيمان، والزكاة شعبة، والصوم شعبة، والحج شعبة، والأمر بالمعروف شعبة، والنهي عن المنكر شعبة، والجهاد في سبيل الله شعبة، وبر الوالدين شعبة، والإحسان إلى الجار شعبة، وإطعام الطعام شعبة، وإفشاء السلام شعبة، وهكذا، حتى إن البيهقي ﵀ ألَّف كتابًا سماه: (شعب الإيمان) جمع فيه ما جاء في النصوص الشرعية أنه من الإيمان.\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ».\nقال النووي ﵀: «قال الإمام الحافظ أبو حاتم بن حبان: تتبعت معنى هذا الحديث مدة، وعدَّدت الطاعات فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئًا كثيرًا، فرجعت إلى السُّنن، فعدَّدت كل طاعة عدَّها رسول الله ﷺ من الإيمان، فإذا هي تنقص عن البضع وسبعين، ورجعت إلى كتاب الله فقرأته بتدبر، وعدَّدت كل طاعة عدَّها الله تعالى من الإيمان، فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فضممت الكتاب إلى السنن، وأسقطت الْمُعاد، فإذا كل شيء عدَّه الله تعالى ونبيه ﷺ من الإيمان تسعٌ وسبعون شعبة، لا يزيد عليها ولا تنقص، فعلمت أن مراد النبي ﷺ أن هذا العدد في الكتاب والسنن» (^١).\nونقل النووي- أيضًا- عن أبي حاتم ﵀ قوله: «إن رواية من روى: «بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً» - أيضًا- صحيحة؛ فإن العرب قد تذكر للشيء عددًا، ولا تريد نفي ما سواه، وله نظائر كثيرة» (^٢).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٤).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٥).","vol":"1","page":107},{"text":"وأما تعريف الحياء فهو: «الخلق الذي يبعث ويحمل على ترك القبيح من الصفات والأفعال والأقوال، ويمنع من التقصير في حق الله المتفضل المنعم سبحانه، والتقصير في حق ذي الحق» (^١).\nأما الخلق الذي يمنع الإنسان عن السؤال عما أشكل عليه، أو عن تعلم دينه، والتفقه فيه، أو يمنعه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن الدعوة إلى الله سبحانه- فهذا ليس بحياء، وإنما هو في الحقيقة جبنٌ وخَوَر وضعف؛ فأم سُليم ﵂ لم يمنعها الحياء من التفقه في الدين، فقد جاءت إلى النبي ﷺ، فقالت: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ» (^٢)؛ ولذلك قالت عائشة ﵂: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ» (^٣).\n\n[٣٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ: «الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ».\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ يَعِظُ أَخَاهُ.\nقوله: «مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ يَعِظُ أَخَاهُ»، يعني: يعظه في ترك الحياء، كأنه يقول له: إن الحياء قد أثر عليك، فنهاه النبي صلى الله وسلم، يعني: لا تنهَه عن الحياء؛ فإن الحياء خيرٌ كله، فدعه، فإن الاتصاف بخلق الحياء من الإيمان.\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٥٢٢)، شرح مسلم، للنووي (٢/ ٦)، مشارق الأنوار، للقاضي عياض (١/ ٢١٨)، النهاية، لابن الأثير (١/ ٤٧٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٨٢)، ومسلم (٣١٣).\n(^٣) أخرجه مسلم (٣٣٢).","vol":"1","page":108},{"text":"[٣٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّارِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ»، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ أَنَّ مِنْهُ وَقَارًا، وَمِنْهُ سَكِينَةً، فَقَالَ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ؟\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ إِسْحَاقَ- وَهُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ- أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ حَدَّثَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي رَهْطٍ مِنَّا، وَفِينَا بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ، فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ يَوْمَئِذٍ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ»، قَالَ: أَوَ قَالَ: «الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ»، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَوِ الْحِكْمَةِ أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً وَوَقَارًا لِلَّهِ، وَمِنْهُ ضَعْفٌ، قَالَ: فَغَضِبَ عِمْرَانُ، حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ، وَقَالَ: أَلَا أُرَانِي أُحَدِّثُكَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُعَارِضُ فِيهِ؟ قَالَ: فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَأَعَادَ بُشَيْرٌ، فَغَضِبَ عِمْرَانُ، قَالَ: فَمَا زِلْنَا نَقُولُ فِيهِ: إِنَّهُ مِنَّا يَا أَبَا نُجَيْدٍ، إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا أَبُو نَعَامَةَ الْعَدَوِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ حُجَيْرَ بْنَ الرَّبِيعِ الْعَدَوِيَّ يَقُولُ: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ.\nقوله: «حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ» جاء على لغة: أكلوني البراغيثُ، وهي لغة حي من أحياء العرب، ومذهبهم: أنهم يلتزمون إلحاقَ الفعل علامةً تدل على التثنية مع فاعله المثنى، وعلامةً تدل على الجمع مع فاعله المجموع، تمامًا كما يجردونه من هذه العلامة مع فاعله المفرد، فيقولون: قاما الزيدان، وقاموا الزيدون، وقمن الهندات، كما يقولون: قام زيد.","vol":"1","page":109},{"text":"فالأصل- على اللغة المشهورة- أن يقول: حتى احمرت عيناه، بإفراد الفعل ولو كان فاعله مثنى، أو مجموعًا، وقد خُرِّج على هذه اللغة قوله تعالى: ﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾، وقوله ﷺ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ» (^١).\nوفي هذا الحديث: أن عمران بن حصين ﵁ حدث عن الرسول ﷺ أنه قال: «الحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ»، فقال بشير بن كعب: «إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: أَنَّ مِنْهُ وَقَارًا، وَمِنْهُ سَكِينَةً»، فغضب عليه عمران ﵁، وقال: «أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ؟»، يعني: أنه ينبغي للمرء إذا ذُكر له حديث رسول الله ﷺ ألَّا يعارضه بكلام غيره، ما دام الحديث ثابتا عن النبي ﷺ.\nوفيه: الغضب لأجل السُّنة النبوية إذا ما قُوبلت برأي غيره ﷺ، أو عورضت بكلام غيره، حتى ولو كان ذلك صادرا ممن هو معروف بالخير، وقد حدث مثل هذا مع عدد من الصحابة رضوان الله عنهم، فمن ذلك ما حَدَث لابن عمر ﵄ لما قال: إن النبي ﷺ قال: «لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ» فَقَالَ ابْنٌ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: لَا نَدَعُهُنَّ يَخْرُجْنَ فَيَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا. قَالَ فَزَبَرَهُ ابْنُ عُمَرَ وَقَالَ: «أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وَتَقُولُ: لَا نَدَعُهُنَّ» (^٢)، ومن ذلك- أيضًا-: أَنَّ قَرِيبًا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ خَذَفَ، قَالَ: فَنَهَاهُ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ، وَقَالَ: «إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا، وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ»، قَالَ: فَعَادَ، فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْهُ، ثُمَّ تَخْذِفُ، لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٥٥)، ومسلم (٦٣٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٤٤٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٩٥٤).","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>بَابُ جَامِعِ أَوْصَافِ الإِسْلَامِ</span>\n\n[٣٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جميعًا عَنْ جَرِيرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي فِي الإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: غَيْرَكَ، قَالَ: «قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ».\nوورد في الرواية الأخرى: «قُلْ: آمَنْتُ بِالله، ثُمَّ اسْتَقِمْ».\nهذا الحديث: من جوامع الكلم الذي أوتيه النبي ﵊؛ فإن هاتين الكلمتين: «قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ» تجمعان الدين كله، فمن آمن بالله ووحده، ثم استقام بالعمل الصالح، حصل على كل خير؛ لأن الاستقامة تشمل أداء الفرائض، والانتهاء عن المحارم، والثبات على الدين، فالاستقامة هي الدين كله.\nوهذا الحديث موافق لقوله تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾، يعني: قالوا: معبودنا وإلهنا بالحق هو الله، ثم استقاموا بالعمل الصالح ﴿تتنزل عليهم الملائكة ألَاّ تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾، وقال سبحانه: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاءً بما كانوا يعلمون﴾.\nوالله تعالى أمرنا أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم، وذلك في قوله: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾، فمن هُدي الصراط المستقيم فقد استقام، ومن استقام حصل على خيرَي الدنيا والآخرة، ولا شك أن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام في الدرجة العليا من الهداية والاستقامة.","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>بَابُ بَيَانِ تَفَاضُلِ الإِسْلَامِ، وَأَيِّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ</span>\n\n[٣٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ».\nفي هذا الحديث: دليل على أن الإسلام تتفاوت أعماله، وأن الإسلام له خصال، وأن من خير خصاله: إطعامَ الطعام، وإفشاءَ السلام.\nفإذا كنت في بلاد الإسلام، فألق السلام على من عرفت ومن لم تعرف، فالأصل أنه مسلم، إلا إذا كان الأكثرُ غيرَ مسلمين، فنعمل بالأغلب، ولكن في بلاد الإسلام الأصل أنه مسلم، فلا تنتقل عن هذا الأصل إلا بيقين، وإذا أيقنت أنه غير مسلم فلا تبدأه بالسلام.\nوأما المصافحة فشيء زيادة على السلام، وهي من أسباب حط الذنوب والخطايا.\nوفيه: أنه إذا أطلق الإسلام فقد دخل فيه الإيمان، كما أن الإيمان إذا أطلق دخل فيه الإسلام، لكن إذا اجتمعا اختص الإسلام بالأعمال الظاهرة، واختص الإيمان بالأعمال الباطنة، كما في حديث جبريل الطويل (^١).\nوالدليل على هذا ما تقدم: أن النبي ﷺ فسر الإيمان في حديث وفد عبد القيس بالأعمال الظاهرة، فقال: أمَرَهُمْ: بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟»، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨).","vol":"1","page":112},{"text":"إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الخُمُسَ» (^١)، ففسره بخصال الإسلام، فالإيمان إذا أطلق دخل فيه الإسلام، والإسلام إذا أطلق دخل فيه الإيمان، فخصال الإسلام هي خصال الإيمان، وخصال الإيمان هي خصال الإسلام.\nوما ذكر في الحديث من إطعام الطعام وإفشاء السلام هو من الأسباب الجالبة للمحبة، وفي الحديث الصحيح: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٤).","vol":"1","page":113},{"text":"[٤٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ، وَيَدِهِ».\n\n[٤١] حَدَّثَنَا حسن الحلواني وَعَبْدُ بْنُ حميد، جميعًا عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، قَالَ عبد: أَنْبَأَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الزُّبَيْرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ، وَيَدِهِ».\n\n[٤٢] وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الإِسْلامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ، وَيَدِهِ».\nوَحَدَّثَنِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ المُسْلِمِينَ أَفْضَلُ؟ فَذَكَرَ مِثْلَهُ.\nقوله: «أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ»، أي: أكملهم إسلامًا، وهو من سلم المسلمون من لسانه بالسب، أو بالغيبة والنميمة، وسلموا- أيضًا- من يده بالاعتداء، أو بأخذ المال بغير حق أو غير ذلك، ومن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده فهو ناقص الإسلام والإيمان.\nوفي هذا الحديث: دليل على أن خصال الإسلام تتفاوت، فهو كالإيمان في تفاوت خصاله.","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>بَابُ بَيَانِ خِصَالٍ مَنِ اتَّصَفَ بِهِنَّ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ</span>\n\n[٤٣] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ طَعْمَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَمَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ كَانَ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ».\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ أَنْ يَرْجِعَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا.\nقوله: «طَعْمَ الإِيمَانِ» معناه: أن لذة الإيمان وحلاوته معنوية، وهي الطمأنينة وانشراح الصدر.\nوفي هذا الحديث: شدة محبة المؤمنين لله ﷾، كما قال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله﴾، فذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا، حيث جعلوا له أندادًا، أي: أمثالًا ونظراء، يعبدونهم معه، ويحبونهم كحبه، وهو","vol":"1","page":115},{"text":"الله لا إله إلا هو، ولا ضد له، ولا ند له، ولا شريك معه، ثم قال: ﴿والذين آمنوا أشد حبًّا لله﴾، فلحبهم لله تعالى وتمام معرفتهم به، وتوقيرهم وتوحيدهم له، لا يشركون به شيئًا، بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه، ويلجؤون في جميع أمورهم إليه.\nوقوله: «مِنْ أَنْ يَرْجِعَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا»، يعني: خير له من أن يصير كذلك، قال النووي ﵀: «وأما قوله ﷺ: (يعود) أو (يرجع) فمعناه: يصير، وقد جاء العود والرجوع بمعنى الصيرورة» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ١٤).","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>بَابُ وُجُوبِ مَحَبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرَ مِنَ الأَهْلِ وَالْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَإِطْلَاقِ عَدَمِ الإِيمَانِ عَلَى مَنْ لَمْ يُحِبَّهُ هَذِهِ الْمَحَبَّةَ</span>\n\n[٤٤] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ. ح، وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ- وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ: الرَّجُلُ- حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِدِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».\nقوله: «لَا يُؤْمِنُ»، يعني: لا يؤمن الإيمان الكامل الواجب، حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من ماله، وأهله وولده، وفي اللفظ الآخر: «حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»، وهذا كمال الإيمان الواجب، فإذا لم يكن كذلك نقص إيمانه، ويأثم إذا قدم محبة المال، أو محبة الولد، أو الأهل على محبة الرسول ﷺ، وينقص إيمانه، ويضعف إيمانه، كما قال الله تعالى في الآية الكريمة: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾.\nفالإيمان الكامل الواجب، أن يقدم محبة الله ومحبة الرسول ﷺ على","vol":"1","page":117},{"text":"محبة المال والأهل والولد والنفس؛ ولذلك لما قال عمر ﵁ للنبي ﷺ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ» فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ، وَاللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الآنَ يَا عُمَرُ» (^١)، يعني: الآن بلغت المحبة، أو الإيمان الكامل.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٣٢).","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مِنْ خِصَالِ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ</span>\n\n[٤٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ- أَوَ قَالَ: لِجَارِهِ- مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ- أَوَ قَالَ: لِأَخِيهِ- مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».\nقوله: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ»، يعني: لا يؤمن الإيمان الكامل حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، أو يحب لجاره ما يحب لنفسه، فإذا كان يحب لنفسه شيئًا ولا يحبه لجاره أو لأخيه- دل ذلك على نقص إيمانه، وضعف إيمانه، فكمال الإيمان أن تحب لأخيك أو لجارك ما تحبه لنفسك من الخير، وتكره له من الشر ما تكرهه لنفسك، فإن لم تكن كذلك دل ذلك على نقص الإيمان، والله تعالى يقول: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، وقال: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾، فالولي يحب لوليّه الخير، وينصره، كما يحب المؤمن للعاصي ضعيف الإيمان أن يهديه الله تعالى، وأن يوفقه للمحافظة على الطاعات وغيرها.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>بَابُ بَيَانِ تَحْرِيمِ إِيذَاءِ الْجَارِ</span>\n\n[٤٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جميعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ».\nقوله: «بَوَائِقَهُ»، أي: غوائله وشره.\nوفي هذا الحديث: الوعيد الشديد على إيذاء الجار، وأنه من كبائر الذنوب، ومن المتوعَّد عليه بعدم دخول الجنة.\nوإذا كان الجار لا يأمنه جاره، دل على فسقه، وعلى تعديه وإيذائه، ففي الحديث الآخر: «واللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ» قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» (^١)، وهذا يدل على نقص إيمانه وضعفه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠١٦).","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>بَابُ الْحَثِّ عَلَى إِكْرَامِ الْجَارِ، وَالضَّيْفِ، وَلُزُومِ الصَّمْتِ إِلَّا عَنِ الْخَيْرِ، وَكَوْنِ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الإِيمَانِ</span>\n\n[٤٧] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيى، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَسْكُتْ».\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي حَصِينٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ».\n\n[٤٨] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، جميعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ يُخْبِرُ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ».\nفي هذه الأحاديث: الوصية بالجار، بالحث على إكرامه، والإحسان إليه، وعدم إيذائه، وقد ورد ذلك في ثلاث جمل: «فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ»، و«فَلا يُؤْذِ جَارَهُ»، و«فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ»، كل هذا يدل على عظم حق الجار وخطره.","vol":"1","page":121},{"text":"وفيها: بيان أنه من أخل بواحدة من هذه الشعب والخصال نقص إيمانه وضعف.\nوإن المتأمل في حال الناس اليوم يجد أن إكرام الضيف في المدن يكاد يكون مفقودًا؛ لأن المدن الآن صارت فيها الكثير المطاعم، فلا يحتاج الغريب القادم إلى تلك المدن طلب الضيافة من أحد، بخلافه في القرى والبوادي؛ فإنه لا يزال موجودًا، فيأتي الضيف ويطرق الباب، فيدخله صاحب البيت، ويكرمه، ويضيفه- على الأقل- يومًا وليلة، وهي الضيافة الواجبة.","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>بَابُ بَيَانِ كَوْنِ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ، وَأَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَأَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبَانِ</span>\n\n[٤٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ، قَبْلَ الصَّلَاةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ».\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فِي قِصَّةِ مَرْوَانَ وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ، وَسُفْيَانَ.\nفي هذا الحديث: دليل على أن إنكار المنكر واجب، وأن هذا الإنكار على ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: باليد، والثانية: باللسان، والثالثة: بالقلب؛ ولهذا قال النبي ﷺ في هذا الحديث الذي رواه أبو سعيد ﵁: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ».\nولكل مرتبة من هذه المراتب الثلاث أصحابُها الذين تجب عليهم، فلا يجوز لهم أن يتجاوزوها إلى مرتبة غيرها، وبيان ذلك كالآتي:","vol":"1","page":123},{"text":"المرتبة الأولى: الإنكار باليد: وهي للسلطان، وعمَّاله، وكل من كان يستطيع التغيير باليد، ويدخل في ذلك رب البيت مع أهل بيته، فيجب عليه أن يغير المنكر بيده إذا رآه منهم.\nالمرتبة الثانية: الإنكار باللسان: وهي لمن عنده علم أن هذا الأمر منكر، فعليه أن ينكره بلسانه، ولا ينتقل عن هذه المرتبة إلى مرتبة الإنكار بالقلب إلا إذا عجز عن الإنكار باللسان.\nالمرتبة الثالثة: الإنكار بالقلب، بمعنى: أنه يكره هذا المنكر ويبغضه في قرارة نفسه، ولا يجالس أهله، فإن ابتلي بهم فليظهر علامة الإنكار عليه، من تعبيس الوجه وتقطيبه؛ حتى يُعلم أنه منكر لهذا الشيء، وهذا أضعف الإيمان.\nفمن لم ينكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه فإن إيمانه ضعيف، ويكون ناقصَ الإيمان مقرًّا للمنكر، وهو حينها كفاعل المنكر، وفاعل المنكر- كالزاني والسارق وشارب الخمر- إيمانه ضعيف، ومن أقره على منكره ولم ينكر عليه فهو مثله ضعيف الإيمان، وفي لفظ الحديث الآتي: «وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ»، وليس معنى ذلك: أنه كافر ليس عنده إيمان، بل عنده أصل الإيمان، وإنما قُصَارى الأمر أن هذا هو أضعف الإيمان بالنسبة لدرجات الإنكار.\nوفي هذا الحديث: أن مروان بن الحكم قدم خطبة العيد على الصلاة، فأنكر عليه رجل، وقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد ترك ما هنالك، يريد أن يقول: إن الناس لا يجلسون هنالك، فهو يريد أن يُسمعهم الخطبة؛ لأنه إذا صلى صلاة العيد، ثم خطب، انصرف الناس، فقال أبو سعيد: «أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ»، أي: أدى الواجب المفروض عليه.\nوأما حكم إنكار المنكر فله اعتباران، فإن كان المنكر في المسائل المتفق عليها، فقد قال العلماء: إنه فرض على الكفاية، إذا قام به من يكفي سقط","vol":"1","page":124},{"text":"الإثم عن الباقين، ودليله: قول الله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾، وهذا متفق عليه، ولم يخالف في هذا إلا الرافضة، فقالوا: ليس بواجب (^١)، ولا عبرة بخلافهم.\nوأما المنكر في المسائل المختلف فيها اختلافا قويا فقد ذهب العلماء إلى عدم الإنكار على صاحبها، كما لو رأيت شخصا يصلي وقد أكل لحم جزور ولم يتوضأ، فلا تنكر عليه؛ لأن المسألة خلافية بين أهل العلم، فقد يكون فاعل ذلك يرى أن أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء، أو مقلدًا لمن يرى ذلك.\nوأما إذا كان المنكر في المسائل المختلف فيها اختلافا ضعيفًا، ليس له حظ من النظر، فحينئذٍ يحب الإنكار.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٢٢)، إحياء علوم الدين، للغزالي (٢/ ٣١٥).","vol":"1","page":125},{"text":"[٥٠] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ- وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ».\nقَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَحَدَّثْتُهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَأَنْكَرَهُ عَلَيَّ، فَقَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَنَزَلَ بِقَنَاةَ، فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَعُودُهُ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا جَلَسْنَا سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، حَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثْتُهُ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ صَالِحٌ: وَقَدْ تُحُدِّثَ بِنَحْوِ ذَلِكَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ.\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ الْفُضَيْلِ الْخَطْمِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ- مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا كَانَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ كَانَ لَهُ حَوَارِيُّونَ، يَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِ، وَيَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِهِ»، مِثْلَ حَدِيثِ صَالِحٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ: قُدُومَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَاجْتِمَاعِ ابْنِ عُمَرَ مَعَهُ.\nفي هذا الحديث: دليل على أن الأنبياء السابقين كان لكل واحد منهم حواريون وأصحاب، والحواري: الصاحب الناصح المخلص الصادق، ومن ذلك: قول النبي ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ» (^١)، فالزبير\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٨٤٦)، ومسلم (٢٤١٥).","vol":"1","page":126},{"text":"﵁ من خواص النبي ﷺ، وممن ناصره، ومنه الحواريون أصحاب عيسى ﵊، قال تعالى: ﴿إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم﴾.\nوقوله: «خُلُوفٌ»، أي: عقب فاسد، يقول تعالى: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات﴾، فالخَلْف بإسكان اللام: العقِب الفاسد، وأما الخلَف بفتحها: فهو العقب الصالح (^١).\nوقوله: «ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ»، أي: تخالف أقوالُهم أفعالَهم، ويفعلون ما لم يأمرهم الله تعالى به، ولا رسوله ﵊؛ لانحرافهم، فهم عصاة يجب الإنكار عليهم، كما قال النبي ﷺ: «فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ».\nوفيه: دليل على أن إنكار المنكر نوع من الجهاد، فقد سمى النبي ﷺ إنكار المنكر جهادًا، وإنما يكون الجهاد باليد، ويكون الجهاد باللسان، ويكون الجهاد بالقلب، وأعلى مراتب الجهاد قتال أعداء الله في سبيل الله بالسيف، وكل ما يقوم مقامه من آلات الحرب في العصر الحديث.\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (٢/ ٦٩)، لسان العرب، لابن منظور (١٤/ ٢٢٩).","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِيهِ وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ</span>\n\n[٥١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا يَرْوِي عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ: نَحْوَ الْيَمَنِ، فَقَالَ: «أَلَا إِنَّ الإِيمَانَ هَا هُنَا، وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ، وَمُضَرَ».\n\n[٥٢] حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح، وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَضْعَفُ قُلُوبًا، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الْفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ».\nقوله: «هَا هُنَا»، يعني: أشار إلى جهة اليمن وجهة تهامة.\nوقوله: «الفَدَّادِينَ» بتشديد الدال جمع فداد، وهو من الفديد، وهو الصوت الشديد، فهم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم ومواشيهم ونحو","vol":"1","page":128},{"text":"ذلك، أو الذين لهم جلبة وصياح عند سوقهم (^١).\nوقوله: «وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ، وَمُضَرَ»، يعني: في قبائل المشرق، قبائل نجد وغيرها، فهؤلاء عندهم غلظةُ أصحابِ الإبلِ الفدادين.\nوقوله: «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَضْعَفُ قُلُوبًا، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً» المراد بـ (اليمن): تهامة، وكل ما كان عن يمين الكعبة، ومِن ذلك سمي الركن اليماني، كما أن المراد بجهة تهامة: كل تهامة، وليس المراد الجهة الجغرافية المعروفة.\nوالمراد بأهل اليمن في الحديث: خصوصُ من كانوا في ذلك الوقت، أما من جاء بعدهم فقد توجد الرقة فيهم إذا سلموا من الشبهات والشهوات وقبلوا الحق، وقد توجد فيهم القسوة، إذا لم يسلموا من ذلك، وأَبَوا قبول الحق واتباعه.\nوقد اختُلف في تحديد المقصود من ذِكر النبي ﷺ لأهل اليمن في الحديث، من حيث إن مبدأ الإيمان من مكة، ثم من المدينة، على عدة أقوال:\nالأول: أنه أراد بذلك مكة؛ لأن مكة من تهامة، وتهامة من أرض اليمن.\nالثاني: أن المراد: مكة والمدينة؛ فإنه يروى أن النبي ﷺ قال هذا الكلام وهو بتبوك (^٢)، ومكة والمدينة حينئذٍ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد مكة والمدينة، فقال: «الإيمَانُ يَمَانٍ»، ونسبهما إلى اليمن؛ لكونهما حينئذٍ إلى ناحية اليمن، كما قالوا: الركن اليماني، وهو بمكة؛ لكونه إلى ناحية اليمن.\nالثالث: ما ذهب إليه كثير من الناس، أن المراد بذلك: الأنصار؛ لأنهم يمانيون في الأصل، فنسب الإيمان إليهم لكونهم أنصارَه، ويرده قوله ﷺ «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ»، والأنصار من جملة المخاطبين بذلك؛ فهم إذًا غيرهم.\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (٣/ ٤١٩)، لسان العرب، لابن منظور (٣/ ٣٣٠).\n(^٢) فتح الباري، لابن حجر (٦/ ٥٣٢).","vol":"1","page":129},{"text":"والصواب: أن المراد بأهل اليمن: الوفود الذين وفدوا عليه في ذلك الوقت من اليمن، وهم أهل تهامة كلها، وليس المرادُ بلادَ اليمن الواقعة بين الحدود الجغرافية المعروفة الآن.\nولا منافاة بين هذا الحديث، وبين قوله ﷺ: «الإِيمَانُ فِي أَهْلِ الحِجَازِ»؛ لأن المرادَ بهؤلاء: الموجودون منهم حينئذٍ، لا كل أهل اليمن في كل زمان؛ فإنه لا يقتضيه، وهذا هو الحق- إن شاء الله- في هذه المسألة، ونحمد الله تعالى على هدايتنا له، والله أعلم.\nوقوله: «الْفِقْهُ يَمَانٍ» الفقه هنا عبارة عن الفهم في الدين، ثم اصطلح بعد ذلك الفقهاء والأصوليون على تخصيصه بـ: إدراك الأحكام الشرعية العملية بالاستدلال على أعيانها (^١).\nوقوله: «الْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ» في المراد بالحكمة أقوالٌ كثيرة، وقد اقتصر كل قول على بعض صفات الحكمة، وقد صفي لنا منها: أن الحكمة عبارة عن العلم المقرون بالعمل، وهو قول النبي ﷺ في الحديث: «لا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» (^٢).\nوقال النووي ﵀: «قال أبو بكر بن دريد: كل كلمة وعظتك وزجرتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح، فهي حِكمة وحُكْمٌ، ومنه قول النبي ﷺ: «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً» (^٣)، وفي بعض الروايات «حُكْمًا» (^٤)، والله أعلم» (^٥).\nوفي الحديث- أيضًا-: منقبة لأولئك الذين قدموا على النبي ﷺ.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٣٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٣)، ومسلم (٨١٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦١٤٥).\n(^٤) أخرجه أحمد (٢٤٢٤)، وأبو داود (٥٠١١)، والترمذي (٢٨٤٥)، وابن ماجه (٣٧٥٦).\n(^٥) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٣٣).","vol":"1","page":130},{"text":"حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ».\nوَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْكُفْرُ قِبَلَ الْمَشْرِقِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ، وَالْفَخْرُ وَالرِّيَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْوَبَرِ».\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ».\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ.\nفي هذه الأحاديث: بيان أن السكينة في أهل الغنم، وهذا ملاحظ خاصة عند رعاة الغنم، وأما أهل الإبل وأهل الخيل فعندهم- في الغالب- كبر وخيلاء واستعلاء على عباد الله؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ، وَالإِبِلِ الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ».\nفتخصيص الخيلاء بأصحاب الإبل، والوقار بأهل الغنم، يدل على أن مخالطة الحيوان مما يؤثر في النفس، فتنتقل إليها هيئاتُ وأخلاقُ وطباعُ ذلك الحيوان المخالَط، فكلٌّ يرث من صفاتِ وطباعِ ما يرعاه ويخالطه؛ فلأجل ذلك ورث رعاة الغنم من صفاتها: الدعة والسكينة، وورث رعاة الإبل من صفاتها: الخيلاء والفخر.\nوقد ورد وصف أهل الخيل وأهل الإبل بروايتين: الأُولى: «وَالْفَخْرُ","vol":"1","page":131},{"text":"وَالْخُيَلَاءُ»، والثانية: «والْفَخْرُ وَالرِّيَاءُ»، وكلٌّ من هاته الصفات- أعني: الفخر والخيلاء والرياء- موجود- في الغالب- عند أهل الخيل وأهل الإبل.\nوقوله: «أَهْل الْوَبَرِ» المرد بهم: أهل الإبل؛ لأن ما يؤخذ من الإبل يسمى وبرًا، وما يؤخذ من الغنم يسمى صوفًا وشَعرًا.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ عَنْ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، وَأَضْعَفُ قُلُوبًا، الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ، السَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ، وَالْفَخْرُ، وَالْخُيَلَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ قِبَلَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَلْيَنُ قُلُوبًا، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ، يَمَانِيَةٌ، رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ».\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح، وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَزَادَ: وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَصْحَابِ الْإِبِلِ، وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَصْحَابِ الشَّاءِ.\nقوله: «قِبَلَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ»، أي: الشرق، والمقصود: جهة الشرق كلها.\nوقوله: «الشَّاء»، أي: الغنم.","vol":"1","page":132},{"text":"[٥٣] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «غِلَظُ الْقُلُوبِ وَالْجَفَاءُ فِي الْمَشْرِقِ، وَالإِيمَانُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ».\nفي هذا الحديث: بيانُ أنَّ الإيمان في أهل الحجاز، والحديث الأول فيه أن الإيمان في أهل اليمن، ولا مانع من أن ينطبق هذا الوصف على أهل الحجاز، وأهل اليمن، ومكة، والمدينة؛ لأن الحجاز من اليمن.\nوفيه: أن الفتن تأتي من قِبَل المشرق، وفي اللفظ الآخر: «أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا» (^١)، وأشار بيده إلى المشرق، حيث يطلع قرنا الشيطان.\nوالمشرق يشمل: المشرق الأعلى، والمشرق الأدنى.\nفأما المشرق الأدنى: فهو نجد، ومنه جاءت الفتن؛ فارتد العرب، وارتدت بنو حنيفة- وهم من نجد-، وخرج منهم مسيلمة الكذاب، وصار لهم شوكة قوية، حتى كسرها أبو بكر ومن معه من الصحابة ﵃ يوم اليمامة (^٢)، وكذلك ارتد طليحة الأسدي، وسجاح وادعيا النبوة وصار لهما أتباع، ولا شك أن هذا من أعظم الفتن.\nوأما المشرق الأقصى: فهو العراق وخراسان وما وراءها، وقد حصلت فيها فتن عظيمة، كفتن الفرق الضالة، من الجهمية، والمعتزلة وغيرهما، وكلهم خرجوا من هناك، وكذلك- أيضًا- الدجال يخرج من هناك، ويأجوج ومأجوج، كلهم من جهة المشرق، فكل هذا يشمل فتنة المشرق وداخل فيها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٠٩٣)، ومسلم (٢٩٠٥).\n(^٢) السيرة النبوية وأخبار الخلفاء، لابن حبان (٢/ ٤٣٦).","vol":"1","page":133},{"text":"وليس معنى ذلك أن بقية الجهات سالمة من الفتن، بل قد تكون الفتن في المغرب، وفي الشمال، وفي الجنوب، لكن ما ورد في هذه الأحاديث يدل على أن هذا هو الأغلب والأكثر، وهو أن تكون الفتن من جهة الشرق.","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ، وَأَنَّ مَحَبَّةَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ إِفْشَاءَ السَّلَامِ سَبَبٌ لِحُصُولِهَا</span>\n\n[٥٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ، أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا»، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٍ.\nفي هذا الحديث: دليل على أن الجنة لا يدخلها إلا مؤمن؛ لقوله ﷺ: «لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا»، وقد ثبت- أيضًا- عن النبي ﷺ أنه أمر مناديًا ينادي في بعض الغزوات: «أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ» (^١)، وكذلك أمر عليًّا ﵁ المؤذنين في السنة التاسعة أن يؤذنوا من مِنًى بأربع كلمات، ومنها: «وَأَنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» (^٢).\nوفيه: دليل على أن إفشاء السلام من أسباب المحبة، التي هي دليل على الإيمان، الذي هو سبب في دخول الجنة.\nوالمحبة سبب في الإيمان، وسببها: إفشاء السلام، وإفشاء السلام من الإيمان، ومن خصال الإسلام والإيمان، فينبغي للمسلم أن يفشي السلام، ويسلم على كل أحد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٦٢)، ومسلم (١١١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٦٥٦)، ومسلم (١٣٤٧).","vol":"1","page":135},{"text":"وإفشاء السلام: أن تسلم على من عرفت، ومن لم تعرف، وبعض الناس لا يسلم إلا على من يعرف، وذلك مخالف للسنة، وفي الحديث الآخر: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» (^١)، وذلك إذا كنت في بلد من بلاد المسلمين، فَسَلِّمْ حتى تعلم أنه غير مسلم، فإذا عرفت أنه غير مسلم أو غلب على ظنك أنه ليس من المسلمين فلا تبدأه بالسلام؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الآخر: «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ» (^٢).\nوفيه: دليل على أن الفُرقة تدل على عدم المحبة، ومن ذلك عدم إفشاء السلام؛ فإنه يؤدي إلى التهاجر والتقاطع.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢)، ومسلم (٣٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢١٦٧).","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ</span>\n\n[٥٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قُلْتُ لِسُهَيْلٍ: إِنَّ عَمْرًا حَدَّثَنَا عَنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِيكَ، قَالَ: وَرَجَوْتُ أَنْ يُسْقِطَ عَنِّي رَجُلًا، قَالَ: فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنَ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ أَبِي، كَانَ صَدِيقًا لَهُ بِالشَّامِ، ثُمَّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ».\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا رَوْحٌ- وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ- حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ- سَمِعَهُ وَهوُ يُحَدِّثُ أَبَا صَالِحٍ- عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nهذا حديث عظيم، ومن أفراد مسلم، رواه أبو تميم الداري ﵁، وليس له إلا هذا الحديث.\nوهذا الحديث من جوامع الكلم التي أوتيها النبي ﵊، لو كتب شرحه في مجلدات لكان حريًّا بذلك.\nقال النووي ﵀ عن هذا الحديث: «هذا حديث عظيم الشأن وعليه مدار الإسلام، وأما ما قاله جماعات من العلماء أنه أحد أرباع الإسلام- أي: أحد الأحاديث الأربعة التي تجمع أمور الإسلام- فليس كما قالوه، بل المدار على هذا وحده» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٣٧).","vol":"1","page":137},{"text":"وقوله: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» النصيحة من النصح، والنصح في الأصل: خلوص الشيء وصفاؤه، وأصله مأخوذ من: نَصَحَ الإنسانُ الثوبَ إذا خاطه، ويقال: ذهب خالص إذا لم يكن فيه غش، ويقال: عسل خالص إذا لم يكن فيه شمع (^١).\nوهذه كلمة عظيمة جامعة، تشمل الدين كله، ككلمة الفلاح، فهي كلمة عامة تشمل خير الدنيا والآخرة؛ ولهذا عممها النبي ﷺ لما سئل: «لِمَنْ»؟ قال: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ».\nفالنصيحة لله: بتوحيده، وإخلاص العبادة له، والإيمان به ﷾ وبأسمائه وصفاته وأفعاله، وأداء حقه.\nوالنصيحة لكتاب الله: بالإيمان به، وتلاوته، وتدبره، والعمل بما فيه، وتنفيذ أحكامه، وتصديق أخباره، والاتعاظ بمواعظه.\nوالنصيحة للرسول ﷺ: بالإيمان به ﷺ، وتصديقه ﵊ في أخباره، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتعبد لله بما شرعه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ.\nوالنصح لأئمة المسلمين: وهم ولاة الأمور، بمحبة الخير لهم، وإسداء النصيحة لهم، وتنبيههم على أمور الخير، وتحذيرهم من أسباب الشر، وتبليغهم المظالم حتى ينصفوا المظلوم من الظالم، وموالاتهم، وعدم الخروج عليهم، فكل هذا من النصح لهم.\nوأما النصح لعامة المسلمين: فتكون بأن يحب لهم الخير، ويكره لهم الشر، وبأن يعظ الجاهل، ويطعم الجائع، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، إلى غير ذلك.\nوالدين إذا أطلق يشمل الإيمان، وهذا هو الشاهد لذكر الإمام مسلم ﵀\n_________\n(^١) الصحاح، للجوهري (١/ ٤١١)، القاموس المحيط، للفيروز آبادي (١/ ٢٤٤).","vol":"1","page":138},{"text":"له في كتاب الإيمان، فالنصيحة من الإيمان، ومن الدين، ومن الإسلام، فالنصيحة إيمان وإسلام ودين، كما قال النبي ﷺ في حديث جبريل لما ذكر مراتب الإيمان، والإسلام، والإحسان: «أَتَاكُمْ جِبْرِيلُ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»، فسماه دينًا، فالدين يشمل: الإيمان، والإسلام، والإحسان.\nوالدين إذا أطلق يشمل الأقوال والأفعال، ويشمل الأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة.\n\n[٥٦] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، سَمِعَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.\nحَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ سَيَّارٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَلَقَّنَنِي فِيمَا اسْتَطَعْتَ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، قَالَ يَعْقُوبُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ.\nقوله: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ» هذه بيعة خاصة، حيث بايع النبي ﷺ جريرًا ﵁ على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، فأعمال الجوارح هذه من الإيمان؛ فالإيمان كما يطلق على أعمال القلوب، يطلق- أيضًا- على أعمال الجوارح، وهذا هو الشاهد من إيراد الإمام مسلم لهذا الحديث في كتاب الإيمان، فإذا قصر الإنسان في إقامة الصلاة، أو في إيتاء الزكاة، أو قصر في النصيحة- ضعف إيمانه، ونقص.","vol":"1","page":139},{"text":"وفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ بايع جريرًا ﵁: «عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ»، أي: على أن يطيع ولاة الأمور في طاعة الله، ولا يخرج عليهم، كما جاء في الحديث الآخر: «اسْمَعْ وَأَطِعْ وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» (^١)، وفي حديث آخر لأبي ذر ﵁: «إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ» (^٢)، يعني: في طاعة الله ﷿، وفي الأمور المباحة، أما المعاصي فلا يطاع فيها أحد؛ لقول النبي ﷺ: «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» (^٣).\nوفيه: أن النبي ﷺ لقَّن جريرًا ﵁- بعد أن بايعه على السمع والطاعة لولاة الأمور- كلمةَ: «فِيمَا اسْتَطَعْتُ»، وهذا القيد لا بد منه؛ لأن الإنسان لا يُكَلَّف إلا ما يستطيع، وقد دل على هذا القيد نصوصٌ أُخَرُ، مثل قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، وقوله ﵊: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم» (^٤).\nوالولاية إذا أُطلقت قُصد بها الولاية العامة ابتداءً، كولاية الأب والزوج.\nفولي الأمر- مطلقًا- يطاع فيما أَمر به من طاعة الله، كما يطاع في المباحات، ولا ينفذ أمره في معصية الله، كما إذا أمر مَن كان تحت ولايته بشرب الخمر، أو بقتل مسلم بغير حق، فإنه لا يطاع؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٩٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٦٤٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٢٥٧)، ومسلم (١٨٤٠).\n(^٤) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧).\n(^٥) أخرجه أحمد (٢٠٦٥٣).","vol":"1","page":140},{"text":"مسألة: هل يطاع ولي الأمر في المسائل المختلف فيها؟\nإذا كان الأمر مختلفًا فيه، وأمر ولي الأمر به، فيجب طاعته في هذا الأمر؛ لأنه اختار أحد القولين، فحكم القاضي والحاكم يرفع الخلاف.\nمثل تارك الصلاة كسلًا: اختُلف فيه، هل هو كافر أم ليس بكافر؟ ثم رُفع شخص تارك للصلاة للقاضي، فحكم عليه بأنه مرتد، وقتله، فهنا ارتفع الخلاف.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِالْمَعَاصِي، وَنَفْيِهِ عَنِ الْمُتَلَبِّسِ بِالْمَعْصِيَةِ عَلَى إِرَادَةِ نَفْيِ كَمَالِهِ</span>\n\n[٥٧] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولَانِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ»، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُحَدِّثُهُمْ هَؤُلَاءِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُلْحِقُ مَعَهُنَّ: وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ.\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي»، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، يَذْكُرُ مَعَ ذِكْرِ: النُّهْبَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: ذَاتَ شَرَفٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ هَذَا إِلَّا: النُّهْبَةَ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَذَكَرَ: النُّهْبَةَ، وَلَمْ يَقُلْ: ذَاتَ شَرَفٍ.\nوَحَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا","vol":"1","page":142},{"text":"عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطَّلِبِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ- مَوْلَى مَيْمُونَةَ- وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّ هَؤُلَاءِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، غَيْرَ أَنَّ الْعَلَاءَ وَصَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ، وَفِي حَدِيثِ هَمَّامٍ: يَرْفَعُ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ أَعْيُنَهُمْ فِيهَا، وَهُوَ حِينَ يَنْتَهِبُهَا مُؤْمِنٌ، وَزَادَ: وَلَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ حِينَ يَغُلُّ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَإِيَّاكُمْ، إِيَّاكُمْ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ».\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رَفَعَهُ- قَالَ: لَا يَزْنِي الزَّانِي، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ.\nقوله: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» النفي هنا لكمال الإيمان، وليس نفيًا لأصله، فالزاني يُنفى عنه الإيمان، وكذا السارق، وشارب الخمر، ومن انتهب نهبة، فهؤلاء عندهم أصل الإيمان، فلا نقول عن أحدهم: إنه مؤمن بإطلاق، كما لا نقول: إنه ليس بمؤمن، بل نقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن ضعيف الإيمان، أو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته.\nوعند النفي نقول: ليس بصادق الإيمان، أو ليس بمؤمن حقًّا، ولا نقول:","vol":"1","page":143},{"text":"ليس بمؤمن، ونسكت؛ لأنك إذا قلت: ليس بمؤمن، فأطلقت النفي فقد وافقت الخوارج والمعتزلة، وإذا قلت: مؤمن، فأطلقت الإثبات وافقت المرجئة، فلا بد من القيد فتقول: مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن ضعيف الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.\nوالذي يدل على أن معهم أصل الإيمان: أن الزناة والسُّرَّاق لا يُقتلون، ولو كان هؤلاء مرتدين لوجب قتلهم؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (^١).\nوقوله: «لَا يَغُلُّ»: الغُلُول هو: الأخذ من الغنيمة قبل القسمة، ومثلها الأخذ من بيت المال، أو من الصدقات التي تُجمع (^٢)، ومن فعل هذا نقص إيمانُه.\nوقوله: «وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ» من فضل الله وإحسانه أن التوبة معروضة للعاصي وغيره، حتى الكافرُ معروضةٌ له، إذا تاب قبل الموت تاب الله عليه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠١٧).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٢/ ١٢٧)، فتح الباري، لابن حجر (٦/ ١٨٥).","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>بَابُ بَيَانِ خِصَالِ الْمُنَافِقِ</span>\n\n[٥٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا، إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ»، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ.\n\n[٥٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُهَيْلٍ نَافِعُ ابْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ- مَوْلَى الْحُرَقَةِ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مِنْ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِ ثَلَاثَةٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ».\nحَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ أَبُو زُكَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو نَصْرٍ التَّمَّار وَعَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْعَلَاءِ، ذَكَرَ فِيهِ: «وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى، وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ».","vol":"1","page":145},{"text":"قوله: «آية»، أي: علامة.\nوقوله: «إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ»، يعني: ديدنه وعادته الكذب في الحديث.\nوقوله: «وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ»، أي: دأبه إخلاف الوعد، وعدم الوفاء به.\nفي هذه الأحاديث: بيان خصال النفاق، فالحديث الأول ذكر أربع خصال، والحديث الثاني ذكر ثلاث خصال، فمجموع الحديثين فيهما ذِكرُ خمس خصال من خصال المنافقين.\nوفيها: أن الفجور في الخصومة، والخيانة في الأمانة، والغدر في العهود كذلك من خصال المنافقين، وهي معاصٍ، وهذه المعاصي من النفاق العملي، وهي تجر صاحبها إلى النفاق الأكبر، فمن كانت فيه خصلة منهن كان ذلك دليلًا على ضعف إيمانه، ونقصه، وهذا هو الشاهد من إيراد هذه الأحاديث في كتاب الإيمان.\nوقوله: «كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا»، وقوله: «وَإِذَا كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا» قال العلماء: المعنى: أن كل واحدة من هذه الخصال معصية، وكذلك إذا اجتمعت، لكن في الغالب إذا اجتمعت هذه الخصال في صاحبها، واستحكمت منه، وكملت فيه- جرَّته إلى النفاق الأكبر، وهو نفاق الاعتقاد، وهو كفر، والعياذ بالله.\nوالنفاق في الشرع ينقسم إلى قسمين:\nأحدهما: النفاق الأكبر: هو نفاق الاعتقاد، وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ويبطنَ ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله ﷺ، ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم، وأخبر أن أهله في الدرك الأسفل من النار.\nالثاني: النفاق الأصغر: وهو نفاق العمل، وهو أن يظهر الإنسان علانية صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك، وأصول هذا النفاق يرجع إلى الخصال المذكورة في هذه الأحاديث.","vol":"1","page":146},{"text":"وقوله: «وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ» دليل على أنه مسلم معه أصل الإسلام، لكن يعتبر ضعيفَ الإيمان والإسلام.","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>بَابُ بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ: يَا كَافِرُ</span>\n\n[٦٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ».\nقوله: «وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ»، وفي لفظ الحديث الآتي: «إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ»، أي: رجع عليه، وهذا فيه وعيد شديد لمن كفَّر أخاه، بأن قال له: يا كافر، أو: يا مشرك، أو: يا يهودي، ومثله: قوله: يا خبيث، أو: يا فاسق، فإن كان أهلًا لذلك وقعت المقالة على المقول له، وإن لم يكن أهلًا لها رجعت على الذي قالها.\nوهذا الحكم إذا كفر المسلم أخاه بغير تأويل، أما إذا كان بتأويل فهو مستثنى من ذلك، ودليله: قول عمر بن الخطاب ﵁ لحاطب بن أبي بلتعة ﵁ لما كتب كتابه لكفار قريش: «يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ» (^١)، فعمر بن الخطاب ﵁ أطلق عليه اسم النفاق متأولًا.\nوكذلك: ما حصل في قصة الإفك، لما خطب النبي ﷺ قال: «مَنْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٠٧).","vol":"1","page":148},{"text":"يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي، فَواللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي»، فقام سعد بن معاذ ﵁، فقال: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا- واللهِ- أَعْذِرُكَ مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا، فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ- وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ- فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ، لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ، واللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ (^١). فهذا من باب التأويل الذي لا يدخل في الوعيد.\nوهذا الحديث يدل على أن قول الرجل لأخيه: ياكافر، من كبائر الذنوب، فإذا قال ذلك لأخيه دون سبب فهو ضعيف الإيمان؛ لأنه مرتكب لكبيرة، وهذا هو وجه إيراد هذا الحديث في كتاب الإيمان.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٦١)، ومسلم (٢٧٧٠).","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>بَابُ بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ</span>\n\n[٦١] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ».\nفي هذا الحديث: الوعيد لمن ادعى لغير أبيه، أي: انتسب لغيره.\nوقوله: «إِلَّا كَفَرَ» الكفر كفران: أكبرُ: وهو المخرج لصاحبه من الملة، وهو الذي يتضمن ناقضًا من نواقض الإسلام، كالاستهزاء بالدين، أو سبِّ الله، أو كتابه، أو رسوله ﷺ، أو دينه.\nوأما إذا أطلق الكفر على المعصية- كما في هذا الحديث- فيكون كفرًا أصغرَ، لا يخرج صاحبه من الملة؛ لأنه وعيد على معصية، مثل: قوله ﷺ: «أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا»، فهذا يدل على أنه من كبائر الذنوب.\nوقوله: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ» هذا قيد في تحقق الكفر وعدمه، فمن انتسب لغير أبيه وهو يعلم كفر كفرًا أصغر، لا يخرجه من الملة، ومن انتسب لغيره وهو لا يعلم، لم يكفر.\nيقول النبي ﷺ: «لَا حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ» (^١)، أي: لا حلف\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢٩٤)، ومسلم (٢٥٢٩).","vol":"1","page":150},{"text":"على الأشياء التي كانت في الجاهلية، مثل: الانتساب، والتوارث، وقد كانوا في الجاهلية يتحالفون، فيأتي الرجل يحالف الرجل، فيقول: دمي دمُك، وهدمي هدمك، وترثني وأرثك، فلما جاء الإسلام أنهى هذا النوع من التحالف، وصار عقد الإسلام كافيًا.\nوقد يترتب على الانتساب إلى غير الأب مفاسدُ عظيمة، لها تعلق بالمحارم، والرضاع، والمصاهرة، والميراث، وغير ذلك، كاستحقاقِ أشياءَ لا يستحقها من انتسب لغير أبيه، واطلاعه على محارم لا يحل له الاطلاع عليها.\nوقوله: «وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا»، أي: من المسلمين، وبعض أهل العلم ألحق صيغة «فَلَيْسَ مِنَّا» بالكبائر، وكذلك ما نفى فيه النبي ﷺ الإيمانَ عن صاحبه.\nوأصح ما قيل في ضابط الكبيرة: إنها كل ذنب ترتب عليه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة بالنار، أو اللعنة، أو الغضب (^١).\nوقوله: «إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ»، أي: إلا رجع عليه، وهذا وعيد شديد يدل على أنه من الكبائر.\n\n[٦٢] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ».\nقوله: «لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ»، يعني: الانتساب إلى غير الأب، «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ» فقد أتى بعمل من الأعمال الكفرية، فهذا من كفر الإحسان، وجحد نعمة الوالدين، وهذا وجه إدخاله في كتاب الإيمان، كما مر في الأحاديث السابقة.\n_________\n(^١) التعريفات، للجرجاني (ص ١٨٣).","vol":"1","page":151},{"text":"[٦٣] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: لَمَّا ادُّعِيَ زِيَادٌ لَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؟ إِنِّي سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: سَمِعَ أُذُنَايَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ يَقُولُ: «مَنِ ادَّعَى أَبًا فِي الإِسْلَامِ غَيْرَ أَبِيهِ- يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ- فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ سَعْدٍ وأبي بكرة، كِلَاهُمَا يَقُولُ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي مُحَمَّدًا ﷺ يَقُولُ: «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ- وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ- فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ».\nفي هذا الحديث: أن زيادا هذا المذكور هو المعروف بزياد بن أبي سفيان، ويقال فيه زياد ابن أبيه، وكان أميرًا على العراق في زمن معاوية ﵁، ثم ادعاه معاوية وألحقه بأبيه أبي سفيان، وصار من جملة أصحابه، بعد أن كان من أصحاب علي بن أبي طالب ﵁.\nوفيه: أن أبا عثمان قال لأبي بكرة: «مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؟» - لأن زيادًا هو أخو أبي بكرة لأمه- أي: نسبتم زيادًا إلى غير أبيه، فقلتم: زياد بن أبي سفيان، قال النووي ﵀: «ولعل أبا عثمان لم يبلغه إنكارُ أبي بكرة حين قال له هذا الكلام، وكان أبو بكرة ﵁ ممن أنكر ذلك وهجر بسببه زيادًا، وحلف أن لا يكلمه أبدًا، أو يكون مراده بقوله: (ما هذا الذي صنعتم؟)، أي: ما هذا الذي جرى من أخيك ما أقبحه وأعظم عقوبته!؛ فإن النبي ﷺ حرَّم على فاعله الجنة» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٥٢).","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>بَابُ بَيَانِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ</span>\n\n[٦٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، وَعَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ زُبَيْدٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»، قَالَ زُبَيْدٌ: فَقُلْتُ لِأَبِي وَائِلٍ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ يَرْوِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ قَوْلُ زُبَيْدٍ لِأَبِي وَائِلٍ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ الْمُثَنَّى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nالفسق في اللغة: الخروج، والمراد به في الشرع: الخروج عن الطاعة (^١).\nوفي هذا الحديث: الوعيد الشديد على قتال المؤمن، وأنه من الأعمال الكفرية.\nوقوله: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ»، أي: سبابه بدون حق، أما إذا سبه، ثم رد عليه سُبَّتَه فله ذلك، لكن إذا عفا فهو أفضل، كما بين الله تعالى بقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٥٢).","vol":"1","page":153},{"text":"فإذا قال له: يا فاسق، ثم رد عليه سُبَّتَه، فهذا معذور، وإذا زاد وقال: يا فاسق، أخزاك الله، فالكلمة الثانية ظلم، يؤاخذ بها، كما جاء في قوله ﷺ: «الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ، مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ» (^١)، يعني: أن المتسابَّين على ما قالا، فالأول هو الظالم، وهو المعتدي، فإذا رد الثاني عليه السب فقد اقتص، أي: أخذ بحقه، فإذا اعتدى المظلوم وزاد صار مؤاخذًا بتلك الزيادة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٨٧).","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>بَابُ بَيَانِ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ</span>\n\n[٦٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، سَمِعَ أَبَا زُرْعَةَ يُحَدِّثُ عَنْ جَدِّهِ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: اسْتَنْصِتِ النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».\n\n[٦٦] وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «وَيْحَكُمْ»، أَوَ قَالَ: «وَيْلَكُمْ، لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ وَاقِدٍ.\nقوله: «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ» معناه: مُرهم بالإنصات؛ ليسمعوا هذه الأمور المهمة، والقواعد التي سأقررها لكم، وأُحملكموها (^١).\nوقوله: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا»: معناه: بعد فراقي من موقفي هذا، وكان\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٥٢).","vol":"1","page":155},{"text":"هذا يوم النحر بمنى في حجة الوداع.\nوفي هذا الحديث: بيان حكم القتال بين المسلمين، وأنه كفر دون كفر، فهو من كبائر الذنوب، وهذا إذا كان القتال من أجل هوًى، أو مشاحناتٍ، أو تأوُّلٍ، ولم يُستحَلَّ، قال تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾، فسماهم (مؤمنين) وهم يقتتلون، ثم قال بعد ذلك: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾.\nأما إذا استحَلَّ شخصٌ قتالَ المسلمين ففعله هذا كفر وردة.\nوفيه: رد على المرجئة الذين يقولون: إن الكفر في مثل هذه المواضع مجازي، والمرجئة لا يقسمون الكفر إلى أصغر، وأكبر، بل عندهم الكفر قسم واحد فحسب، هو الكفر الأكبر المخرج من الملة، ويجيبون عن هذه الأحاديث بأن تسمية الكفر فيها تسمية مجازية (^١)، وهذا غلط؛ لأن القرآن ليس فيه مجاز، فالكفر في القرآن حقيقي، لكن في مثل هذه المواضع المراد به: الكفرُ الأصغرُ غيرُ الناقل من الملة.\n_________\n(^١) شرح الطحاوية، لابن أبي العز (ص ٣٢٣).","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>بَابُ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى الطَّعْنِ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ</span>\n\n[٦٧] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ».\nقوله: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ» هاتان الثنتان من الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة؛ لأنهما معصيتان، والوعيد إذا كان على المعصية فالكفر يكون أصغر، كما مر.\nوقوله: «الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ»، يعني: عيب الأنساب، وتنقُّصها، وذمها، والله تعالى بيَّن أنه جعل الناس شعوبًا وقبائل؛ ليتعارفوا، لا ليتفاخروا، ولا ليذم بعضهم بعضًا، قال تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾، فذمُّ الأنساب من أعمال أهل الجاهلية.\nقوله: «وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» هو رفع الصوت بالبكاء على الميت، والصياح، والعويل، فهذا هو الممنوع، أما البكاء بدمع العين، فهذا لا يلام عليه الإنسان؛ لهذا بكى النبي ﷺ على أحد أولاد بناته لما توفي (^١)، وقال-أيضًا﵊- لما مات ابنه إبراهيم-: «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٨٤)، ومسلم (٩٢٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٠٣)، ومسلم (٢٣١٥).","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>بَابُ تَسْمِيَةِ الْعَبْدِ الآبِقِ كَافِرًا</span>\n\n[٦٨] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَرِيرٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: «أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ»، قَالَ مَنْصُورٌ: قَدْ- وَاللَّهِ- رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُرْوَى عَنِّي هَا هُنَا بِالْبَصْرَةِ.\n\n[٦٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ».\n\n[٧٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ».\nقوله: «أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ»، يعني: شرد وهرب، والمراد بالعبد: المملوك الذي يباع ويشترى، والعبيد كانوا موجودين لما كان المسلمون أقوياء، يقاتلون الكفرة وينتصرون عليهم، ويسترقون نساءهم، وأطفالهم، وكذلك رجالهم.\nوفي هذا الحديث: الوعيد الشديد للعبد المملوك إذا هرب من سيده؛ لأنه تجب عليه طاعته، وليس له أن يهرب منه.\nوقول منصور بن عبد الرحمن: «وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُرْوَى عَنِّي هَا هُنَا بِالْبَصْرَةِ» معناه: أنه كان يكره أن يحدِّث بهذا الحديث بالبصرة؛ خوفًا من أن يتعلق به الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون بالمعاصي، فإذا سمعوا هذا الحديث صار حجة لهم على باطلهم في تكفير المسلمين بالمعاصي.","vol":"1","page":158},{"text":"وقوله: «لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ»، أي: أنه لا يثاب عليها، لكن صلاته صحيحة، فلا يؤمر بالإعادة، مثل قوله ﵊: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٢٣٠).","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>بَابُ بَيَانِ كُفْرِ: مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ</span>\n\n[٧١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إِثْرِ السَّمَاءِ، كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي، كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي، مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ».\n\n[٧٢] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، قَالَ الْمُرَادِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَمْ تَرَوْا إِلَى مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالَ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ، إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ، يَقُولُونَ: الْكَوَاكِبُ، وَبِالْكَوَاكِبِ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ. ح، وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا يُونُسَ- مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ- حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يُنْزِلُ اللَّهُ الْغَيْثَ، فَيَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ كَذَا وَكَذَا»، وَفِي حَدِيثِ الْمُرَادِيِّ: بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا.\nقوله: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» هذا من باب التشويق، حيث أخرج الموعظة مخرج السؤال.","vol":"1","page":160},{"text":"وقوله: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ»، أي: أن الناس انقسموا إلى قسمين بعد نزول هذا المطر، فمنهم مؤمن، ومنهم كافر.\nوقوله: «مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا»، قال النووي ﵀: «وأما النَّوء ففيه كلام طويل، قد لخصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀ فقال: النَّوْءُ في أصله ليس هو نفسَ الكوكب؛ فإنه مصدر ناء النجم ينوء نوءًا، أي: سقط وغاب، وقيل: أي نهض وطلع ... وكان أهل الجاهلية إذا كان عند ذلك مطر ينسبونه إلى الساقط الغارب منهما، وقال الأصمعي: إلى الطالع منهما ... ثم إن النجم نفسه قد يسمى نوءًا، تسمية للفاعل بالمصدر» (^١).\nوفي هذا الحديث: أنه إذا نُسب المطر إلى النجوم، والأنواء، فهذا من الأعمال الكفرية.\nوالحكم فيمن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، لا يخلو:\n- إما أن يعتقد أن النجم له تأثير في إنزال المطر، وأنه هو الذي يتصرف في ذلك، فهذا شركٌ أكبرُ مخرج من الملة.\n- وأما إذا كان يعتقد أن المدبر هو الله، ومنزل المطر هو الله، وأما النجم فهو سبب في ذلك- فهذا كفر أصغر، وهكذا إذا قال: مُطرنا بنوء كذا أو بنجم كذا، بالباء.\n- أما إذا قال: مطرنا في نوء كذا، أو في نجم كذا، أي: في وقت كذا، فهذا لا بأس به.\nوقوله: «أَلَمْ تَرَوْا إِلَى مَا قَالَ رَبُّكُمْ»، يعني: أن القول لله تعالى لفظًا ومعنًى، فالحديث القدسي من الله لفظًا ومعنًى.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٦١).","vol":"1","page":161},{"text":"[٧٣] وَحَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ- وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ- حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ، وَمِنْهُمْ كَافِرٌ قَالُوا: هَذِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا»، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾.\nقوله: «وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا»، يعني: صدق النجم الفلاني، أي: لما طلع نزل المطر.\nوقوله: «﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾»: المراد به: النجوم التي في السماء، وقيل: المراد: نجوم القرآن المنجمة على حسب الحوادث.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ حُبَّ الأَنْصَار وَعَلِيٍّ ﵃ مِنَ الإِيمَانِ وَعَلَامَاتِهِ، وَبُغْضَهُمْ مِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ</span>\n\n[٧٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ الْمُؤْمِنِ حُبُّ الأَنْصَارِ».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «حُبُّ الأَنْصَارِ آيَةُ الإِيمَانِ، وَبُغْضُهُمْ آيَةُ النِّفَاقِ».\n\n[٧٥] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الأَنْصَارِ: «لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ»، قَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ لِعَدِيٍّ: سَمِعْتَهُ مِنَ الْبَرَاءِ؟ قَالَ: إِيَّايَ حَدَّثَ.\n\n[٧٦] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُبْغِضُ الأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ».\n\n[٧٧] وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يُبْغِضُ الأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر».\nقوله: «آيَةُ المُنَافِقِ»، يعني: علامة المنافق.","vol":"1","page":163},{"text":"وقوله: «لَا يُبْغِضُ الأَنْصَارَ»، المراد بالأنصار في الحديث: الأوس والخزرج، سماهم رسول الله ﷺ بذلك؛ لأنهم نصروا الله ورسوله، ونصروا دينه ﷿، فصار هذا الاسم علمًا عليهم دون غيرهم، وإن كان من شاركهم في معنى ذلك ممن نصر دين الله في كل زمان ومكان، كالعلماء، والدعاة، والآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر مشاركًا لهم في الفضل المذكور، كلٌّ بقسطه.\nفإذا أبغضهم المرءُ لدينهم فهذا لا إيمان عنده، وأما إذا أبغضهم لشيء آخر فهذا قد لا يكون كفرًا أكبر، قال الحافظ ابن حجر ﵀: «إن الحديث محمول على تقييد البغض بالجهة، فمن أبغضهم من جهة هذه الصفة- وهي كونهم نصروا رسول الله ﷺ- أَثَّر ذلك في تصديقه، فيصح أنه منافق، ويُقرِّب هذا الحملَ زيادةُ أبي نعيم في المستخرج في حديث البراء بن عازب: «مَنْ أَحَبَّ الأَنْصَارَ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَ الأَنْصَارَ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ» (^١) ... ويحتمل أن يقال: إن اللفظ خرج على معنى التحذير، فلا يراد ظاهره، ومن ثَمَّ لم يقابل الإيمان بالكفر الذي هو ضده» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٤١٧٥)، والطبراني في الأوسط (٩٩٩)، وفي الكبير (٧٨٩).\n(^٢) فتح الباري، لابن حجر (١/ ٦٣).","vol":"1","page":164},{"text":"[٧٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ. ح، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ زِرٍّ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ ﷺ إِلَيَّ: «أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِق».\nقوله: «وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ»: فَلَقَ الحَبَّةَ، أي: شقها بالنبات، وبَرَأَ النَّسَمَةَ، أي: خلق كُلَّ ذات فيها روح.\nوفي هذا الحديث: بيان أن حب علي ﵁ دليل على الإيمان، وبغضه دليل على النفاق، وكذلك بقية المهاجرين، وبقية الصحابة من الأنصار، والمهاجرين.\nوالرافضة يبغضونهم، ويسبونهم؛ ولهذا يدخل النفاق الاعتقادي فيهم.","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ، وَبَيَانِ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْكُفْرِ عَلَى غَيْرِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ، كَكُفْرِ النِّعْمَةِ وَالْحُقُوقِ</span>\n\n[٧٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، وَأَكْثِرْنَ الِاسْتِغْفَارَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ»، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ: وَمَا لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ»، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟ قَالَ: «أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ: فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ، فَهَذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ، وَتَمْكُثُ اللَّيَالِي مَا تُصَلِّي، وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ، فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ».\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ عَنِ ابْنِ الْهَادِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\n\n[٨٠] وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nقوله: «فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ» قال النووي ﵀: «جَزْلَة بفتح الجيم وإسكان الزاي، أي: ذات عقل ورأي، قال ابن دريد: الجزالة: العقل، والوقار» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٦٦).","vol":"1","page":166},{"text":"وقوله: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ»، يعني: السباب، والشتم.\nوقوله: «وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ» العشير، بمعنى: المعاشِر، وهذا كفر الإحسان، إذا أحسن إليها الدهر، ثم رأت منه شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط.\nوقوله: «فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ: وَمَا لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ؟ !» هذا يدل على وفور عقلها؛ حيث إنها سألت عن سبب كون النساء أكثرَ أهل النار، وذلك يعني: أنها تريد أن تعرف السبب لتتجنبه.\nوقوله ﷺ: «وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ»، يعني: مع كونها ناقصة عقل ودين، إلا أنها تأخذ بلب الرجل الحازم العاقل.\nوقد بيَّن لهن النبي ﷺ وجه نقصان عقلهن، بأن شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد، قال تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾.\nكما بين لهن النبي ﵊ وجه نقصان دينهن، بأن إحداهن تمكث الليالي لا تصلي، وتفطر في رمضان إذا جاءها الحيض، وهذا النقصان لا حيلة فيه.\nوفي هذا الحديث: أمرُ النبي ﷺ للنساء بالصدقة.\nوفيه: دليل على أن الصدقة تخفف العقوبة، وتدفع وهجَ النار ولهيبها؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «تَصَدَّقْنَ»، ثم بيَّن ذلك السبب، فقال: «فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلَ النَّارِ»؛ لأن النساء يتعرضن لأسباب دخول النار أكثر.\nوفيه: ما يدل على أن نقصان الدين يكون بنقص الأعمال، وهذا دليل واضح على أن الإيمان يزيد وينقص، ويقوى ويضعف.\nوفيه: الرد على المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان لا يزيد، ولا ينقص.","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>بَابُ بَيَانِ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ</span>\n\n[٨١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا وَيْلَهُ»، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: «يَا وَيْلِي، أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ، فَلِي النَّارُ».\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فَعَصَيْتُ، فَلِي النَّارُ».\nفي هذا الحديث: أن كفرَ إبليس كفرُ إباء واستكبار؛ لامتناعه من السجود الذي أُمر به، قال تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾.\nوفيه: أن الشيطان تحسَّر بقوله: «يَا وَيْلَهُ»، لكن ذلك لن يفيده شيئًا- نسأل الله العافية.\n\n[٨٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ».\nحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَ الرَّجُلِ، وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، تَرْكُ الصَّلَاةِ».\nفي هذا الحديث: بيان أن ترك الصلاة كفر، فمن تركها جاحدًا لوجوبها","vol":"1","page":168},{"text":"فهو كافر بإجماع المسلمين (^١)، أما إذا تركها كسلًا، وتهاونًا، ويعلم أنها واجبة، فهذا كفر على الصحيح من أقوال العلماء؛ لأن النبي ﷺ جعل الصلاةَ الحدَّ الفاصلَ بين الكفر وبين الإيمان، والبينية تفصل بين الشيء، وبين الآخر، وهذا الذي أجمع عليه الصحابة، كما نقل الإجماع عبد الله بن شقيق ﵀ (^٢)، وإسحاق بن راهويه (^٣)، وابن حزم ﵀ (^٤)، ونقله غيرهم من العلماء، وهو الذي تدل عليه النصوص الكثيرة، وهو الذي عليه المحققون من أهل العلم.\nوقال بعض أهل العلم (^٥): إنه كافر كفرًا أصغر، لا يخرج من الملة، لكن هذا القول ضعيف.\nوالصواب: أن ترك الصلاة كفر أكبر، ولو لم يجحد وجوبها.\nومن الأدلة على أنه من الكفر الأكبر: مجيء الكفر معرفًا بـ (أل)؛ لأن (أل) للاستغراق، أما الكفر الأصغر فيأتي منكَّرًا، مثل ما سبق: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ».\n_________\n(^١) تعظيم قدر الصلاة، للمروزي (٢/ ٩٢٤)، شرح اعتقاد أهل السنة، للالكائي (٤/ ١٧٥، ١٨٥).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٦٢٢).\n(^٣) تعظيم قدر الصلاة، للمروزي (٢/ ٩٢٩).\n(^٤) المحلى، لابن حزم (١١/ ٣٧٦).\n(^٥) حاشية الدر المختار، لابن عابدين (١/ ٣٥٢)، مواهب الجليل، للحطاب (١/ ٤٢٠)، المجموع، للنووي (٣/ ١٦).","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ الأَعْمَالِ</span>\n\n[٨٣] وَحَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ- يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ- عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ» قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ»، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ».\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nهذا الحديث فيه: بيان أن أفضل الأعمال هو الإيمان بالله ورسوله، وهو التصديق والاعتراف بربوبية الله، ووحدانيته، وألوهيته، وأنه مستحق للعبادة، وهذا أفضل الأعمال، وهو أساس الدين، وأساس الملة، وهو إقرار باللسان، وتصديق بالقلب، ثم يتبعها عمل الجوارح، وعمل القلب اعتراف يتمِّمه المحبة، والانقياد، والنية، والإخلاص، فهذا أفضل الأعمال، ثم يليه الجهاد في سبيل الله، ثم يليه الحج المبرور، وهو الذي ليس فيه إثم.\nوقُدِّم الجهاد في سبيل الله على الحج لأن نفعه متعدٍّ؛ إذ به تصان الحرمات، وبه يذاد عن الإسلام وأهله، وبه تعلو كلمة الله ﷿، ثم يليه الحج؛ لأن الحج نفعه قاصر؛ فلذلك قُدِّم الجهاد على الحج.","vol":"1","page":170},{"text":"[٨٤] حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ»، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا»، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: «تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ؟ قَالَ: «تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد، قَالَ عبد: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَبِيبٍ- مَوْلَى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ- عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فَتُعِينُ الصَّانِعَ، أَوْ تَصْنَعُ للأَخْرَقَ».\nقوله: «أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قال: الإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ» فجعل الإيمان عملًا، وهو عمل قلبي، ويتبعه أعمال الجوارح؛ ولهذا قال: «الإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ»، فالإيمان هو أساس الدين، وأساس الملة، وليس إقرارًا باللسان فقط، وإنما هو إقرار باللسان، وتصديق بالقلب، ويتبعه عمل القلب، وعمل الجوارح.\nوقوله: «وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ»، أي: لما فيه من النفع المتعدي، وإعلاء كلمة الله ﷿، والذود عن الإسلام وأهله، وصيانة حرمات الإسلام.\nوقوله: «قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا» الرقاب جمع رقبة، والرقبة هي: العبد الذي يُعتَق، يقال له: رقبة، كما قال الله ﷾: ﴿فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة﴾","vol":"1","page":171},{"text":"يقتحم بها الإنسان العقبة- وهي النار- بهذه الأعمال الصالحة.\nوقوله: «أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا» هذا أفضل ما يعتق من الرقاب، كلما كانت الرقبة نفيسة، وثمنها كثير كلما كانت أفضل، وكذلك الأضحية أو غيرها أفضلها أنفسها وأغلاها عند أهلها.\nوقوله: «تُعِينُ صَانِعًا، أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ»، أي: تعين الصانع صاحب الصنعة، فقد قال الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ فتساعد صاحب المهنة؛ أيَّ مهنة، سواء كانت تجارة، أو حدادة، أو خرازة، أو خياطة.\nوالأخرق هو الذي ليس بصانع، ولا يحسن الصنعة، يقال له: أخرق، يعني: لا يعرف شيئًا.\nفالأخرق تقوم له بكل العمل، وأما الصانع إذا كان يعرف وعنده بصيرة ويحتاج إلى مساعدة، فتساعده.\nوقوله: «تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ»، أي: حينما تكف الأذى والشر عن الناس، فلا يأتيهم منك أذى، لا بالقول، ولا بالفعل- تكون صدقة تصدقت بها عن نفسك، حيث لم تحمِّلها الآثام والأوزار.\n\n[٨٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِيَاسٍ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا»، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، فَمَا تَرَكْتُ أَسْتَزِيدُهُ، إِلَّا إِرْعَاءً عَلَيْهِ.\nهذا الحديث فيه: دليل على فضل الصلاة في وقتها، وأنها أفضل الأعمال؛ لأنها أفضل الفرائض وأوجب الواجبات بعد الإيمان بالله ورسوله ﷺ.","vol":"1","page":172},{"text":"وأداء الصلاة في وقتها من أفضل الأعمال، وكذلك يدخل في هذا أداؤها في الجماعة للرجل القادر.\nوفي الحديث السابق قدم الجهاد على الحج، وهنا قدم بر الوالدين على الجهاد؛ وذلك لأن بر الوالدين فرض، بخلاف الجهاد في سبيل الله ﷿، فقد يكون فرضًا، وقد يكون نفلًا، والأصل أنه مستحب إلا في حالات ثلاث:\nالأول: إذا داهم العدو بلاد المسلمين، صار فرضًا على كل أحد.\nالثاني: إذا استنفر الإمام طائفة أو شخصًا صار فرضًا عليه.\nالثالث: إذا وقف في الصف.\nففي هذه الحالات الثلاث يكون الجهاد فرضًا، وما عداها يكون نفلًا، بخلاف بر الوالدين فهو فرض في كل حال؛ ولهذا قدم بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله، وما كان فرضًا في جميع الأحوال مقدم على ما كان فرضًا في بعض الأحوال، ثم إن هذه الحالات الثلاث ليست على كل أحد، بخلاف بر الوالدين فهو فرض على كل أحد؛ ولهذا جاء في الحديث الآخر لما جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد قال: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قال: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» (^١)، فدل على أن بر الوالدين مقدم على الجهاد في سبيل الله؛ لأنه فرض في جميع الأحوال.\nوترتيب أفضل الأعمال عند الله في هذين الحديثين كالتالي:\nالإيمان بالله ورسوله ﷺ.\nثم الصلاة على وقتها.\nثم بر الوالدين.\nثم الجهاد في سبيل الله.\nثم الحج المبرور الذي ليس فيه إثم، ولا كبيرة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٠٤)، ومسلم (٢٥٤٩).","vol":"1","page":173},{"text":"وقوله: «فَمَا تَرَكْتُ أَسْتَزِيدُهُ، إِلَّا إِرْعَاءً عَلَيْهِ»، يعني: إلا شفقة عليه من المشقة.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْفُورٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيُّ الأَعْمَالِ أَقْرَبُ إِلَى الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا»، قُلْتُ: وَمَاذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»، قُلْتُ: وَمَاذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».\nقوله: «الصَّلَاةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا» المواقيت جمع ميقات، وقوله: «مَوَاقِيتِهَا»، أي: بالنسبة للصلوات، وبالنسبة للصلاة الواحدة، وقدم هنا الجمع؛ لأن المراد: جنس الصلاة، فتدخل فيه الصلوات كلها.\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ قَالَ: حَدَّثَنِي صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ- وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ- قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ: وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ، وَمَا سَمَّاهُ لَنَا.\nقوله: «وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ»، يعني: عبد الله بن مسعود ﵁.","vol":"1","page":174},{"text":"حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَفْضَلُ الأَعْمَالِ- أَوِ الْعَمَلِ-: الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ».\nهذا الحديث فيه: الجمع بالواو، والواو لا تقتضي الترتيب، ولكن العمدة على الأحاديث السابقة في الترتيب.","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>بَابُ كَوْنِ الشِّرْكِ أَقْبَحُ الذُّنُوبِ، وَبَيَانِ أَعْظَمِهَا بَعْدَهُ</span>\n\n[٨٦] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ»، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ».\nحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ»، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ تَصْدِيقَهَا: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾.\nقوله: «أَنْ تَجْعَلَ لِلهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»، والند هو المثيل، فالندية لله هي: أن تجعل له مثيلًا في الربوبية، أو في الأسماء والصفات، أو في الألوهية، «وَهُوَ خَلَقَكَ»، أي: أنه يدعي أن هناك مدبرًا مع الله، أو أن هناك خالقًا أو محييًا أو مميتًا، ويجعل لله نديدًا في الأسماء والصفات، أو يجعل لله ندًّا في العبادة، يدعوه من دون الله، أو يذبح له، أو ينذر له، فهذه أعظم الذنوب، وأشدها، وأكبرها، وهو الذنب الذي إذا لقي الإنسان ربه به فإنه لا يغفر له، وليكونن","vol":"1","page":176},{"text":"من أهل النار، قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، والجنة على صاحبه حرام، قال تعالى: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار﴾.\nوالشرك أعظم الذنوب؛ لأن الإنسان بصرفه العبادة لغير الله، حينها يسوي الكامل- وهو الرب ﷾- بالناقص- وهو المخلوق- وهذا أعظم الذنوب.\nوحينما يعبد غير الله فقد وضع العبادة في غير موضعها، فوقع في أعظم الظلم، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وأشده وأعظمه أن توضع العبادة في غير محلها.\nفالعبادة محلها واستحقاقها للرب ﷿، فهو المستحق للعبادة، وإذا صرفها العبد لغيره وقع في أعظم الظلم، وأعظم الذنب، وهو الذنب الأكبر، وهو الشرك الذي لا يُغْفَر.\nوقد يكون التنديد شركًا أصغر، كما لو قال: ما شاء الله وشئت، وحلف بغير الله، فهذا تنديد أصغر، لا يخرج من الملة.\nوقوله: «ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» قتل الولد خشية النفقة من أعظم الذنوب؛ لأنه جمع ذنوبًا عداة:\nأولًا: أنه قَتْلٌ بغير حق.\nثانيًا: أن فيه قطيعة رحم.\nثالثًا: أن فيه سوء ظن بالله ﷿؛ لأنه قتله من أجل ألا يطعم معه.\nوقوله: «ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ»، أي: زوجة الجار، وهذا أعظم الذنوب؛ لأنه جمع شرَّين: الشر الأول: الزنا، والشر الثاني: إيذاء الجار، وإلحاق الضرر به، وجاء في الحديث الآخر: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا؟»، قَالُوا: حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرَةِ","vol":"1","page":177},{"text":"نِسْوَةٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ»، قَالَ: فَقَالَ: «مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ؟»، قَالُوا: حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَهِيَ حَرَامٌ، قَالَ: «لَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ» (^١) فالزنا بحليلة الجار، أو السرقة من بيت الجار ذنبه مضاعف؛ لما فيه من إيذاء الجار، وقد أُمر بالإحسان إليه.\nوهذا الحديث فيه: بيان مراتب الذنوب، وقد سبق معنا بيان تفاضل الأعمال الصالحة وترتيبها، وأن أفضلها الإيمان بالله ورسوله، ثم الصلاة، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد، ثم الحج.\nوفيه: بيان أي الذنب أعظم، ثم ترتيب بعض الذنوب، فأعظمها: الشرك بالله ﷿، وهو ضد الإيمان بالله ورسوله ﷺ، فأفضل الأعمال الإيمان بالله ورسوله ﷺ، وأكبر الذنوب والمعاصي الشرك بالله، ثم يليه قتل الولد، ثم يليه الزنا بحليلة الجار.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٣٨٥٤)، والبخاري في الأدب المفرد (١٠٣).","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>بَابُ بَيَانِ الْكَبَائِرِ وَأَكْبَرِهَا</span>\n\n[٨٧] حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، ثَلَاثًا: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَوْ قَوْلُ الزُّورِ»، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ.\nهذا الحديث فيه: بيان أكبر الكبائر، وهو الشرك بالله ﷿، وهذا أكبر الكبائر على الإطلاق.\nوفيه: دليل على أن الشرك يسمى كبيرة، لكنه أعظم الكبائر، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور- أيضًا- من الكبائر، لكن قتل النفس، والزنا بحليلة الجار- كما سبق- مقدم على عقوق الوالدين، وشهادة الزور؛ ولهذا عطفها بالواو، ولم يرتبها، بينما حديث ابن مسعود ﵁ السابق ذُكرت فيه الكبائر مرتبة فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ»، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ».\nوفيه: أن عقوق الوالدين من أعظم الذنوب؛ لما فيه من إنكار الجميل، وإنكار الإحسان، وقطيعة الرحم.\nوفيه: أن شهادة الزور من كبائر الذنوب، والزور هو: الميل (^١)، ومنه قوله تعالى: ﴿تزاور عن كهفهم﴾، يعني: تميل؛ وسمي شاهدَ الزور؛ لأنه مال عن الحق إلى الباطل.\n_________\n(^١) الصحاح، للجوهري (٢/ ٦٧٣)، المحكم، لابن سيده (٩/ ٩٩).","vol":"1","page":179},{"text":"وقوله: «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ»، يعني: رحمةً به وشفقةً عليه، فقد رأوا أنه تكلف ﵊، فأرادوا أن لا يشق على نفسه، فقالوا: «لَيْتَهُ سَكَتَ» عن تكرارها، وليس ذلك لأن شهادة الزور أكبر من غيرها، كالشرك، فالشرك أكبر وأعظم منها، وعقوق الوالدين كذلك، لكن كررها ﵊؛ لأن شهادة الزور ينتج عنها مفاسد كثيرة، فقد يشهد الإنسان الزور على شخص؛ فيُقتَل بغير حق، وقد يشهد الإنسان زورًا على شخص بأنه زانٍ، فيجلد، أو يرجم، وقد يشهد زورًا على شخص بأن له كذا وكذا عند شخص، فيلزم بدفع مال بسبب هذه الشهادة، فلهذا كررها النبي ﷺ واهتم بالزجر عنها؛ لأن الداعي إليها كثير، ولما يترتب عليها من المضار والمفاسد.\nوشهادة الزور تدل على ضعف الإيمان ونقصه، وهذا هو وجه إدخال المؤلف هذه الأحاديث في كتاب الإيمان، وهو أن من فعل الكبيرة نقُص إيمانه، وإذا فعل الشرك خرج من الإيمان.\nوفيه: دليل على أن الإيمان يزيد، وينقص، فالمؤمن الذي يؤدي الواجبات وينتهي عن المحارم إيمانُه كامل، والمؤمن الذي يفعل الكبائر والمعاصي إيمانه ناقص وضعيف، فالإيمان يتفاوت، يزيد وينقص، ويقوى ويضعف.\nوإذا اجتنب الإنسان الكبائر وأدَّى الفرائض تُكَفَّر صغائر ذنوبه، قال سبحانه: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾، يعني: الصغائر، وقال ﵊: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ، والصَّوْمُ، والصَّدَقَةُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٥)، ومسلم (١٤٤).","vol":"1","page":180},{"text":"[٨٨] وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْكَبَائِرِ، قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَوْلُ الزُّورِ».\nهذا الحديث فيه: ذِكر أربع كبائر: الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور، وهي غير مرتبة، لكن أعظمها: الشرك بالله ﷿، ثم ترتيبها كما سبق.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَبَائِرَ، أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ، فَقَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَالَ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قَالَ: قَوْلُ الزُّورِ- أَوْ قَالَ: شَهَادَةُ الزُّورِ»، قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّهُ شَهَادَةُ الزُّورِ.\nقوله: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قَالَ: قَوْلُ الزُّورِ- أَوْ قَالَ: شَهَادَةُ الزُّور) هذا ليس على ظاهره المتبادر إلى الأذهان؛ وذلك لأن الشرك أكبر منه بلا شك، وكذا القتل، فلا بد من تأويله، وفي تأويله ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنه محمول على الكفر، فإن الكافر شاهد بالزور، وعامل به.\nالثاني: أنه محمول على المستحل، فيصير بذلك كافرًا.\nالثالث: أن المراد: أنه من أكبر الكبائر- وهو الصواب إن شاء الله تعالى- أنه على تقدير «مِنْ»، وهذا كثيرا ما تقدر به.","vol":"1","page":181},{"text":"أما التأويل الأول بأنه محمول على الكفر؛ إذ الكافر شاهد بالزور فهذا بعيد، وكذلك- أيضًا- التأويل على المستحل بعيد، والمستحل ليس خاصًّا بهذا، فمن استحل أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة كَفَرَ، وليس خاصًّا بشهادة الزور.\n\n[٨٩] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصِنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ».\nهذا الحديث فيه: تقديم أكل الربا، والرواية الثانية فيها تقديم أكل مال اليتيم على الربا، وهذا من الأحاديث التي أدرجها الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ تحت باب: «ما جاء في السحر»، في حديث أبي هريرة ﵁: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» قالوا: وَمَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قال: «الشِّرْكُ بِاللهِ ..» (^١).\nوقوله: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» الموبقات، يعني: المهلكات، وسميت مهلكات؛ لأنها تهلك صاحبها، وتوقعه في الإثم، ثم في النار.\nوأعظمها وأشدها الشرك بالله، ثم السحر؛ لأنه نوع من الشرك، فالسحر الذي يتصل صاحبه بالشياطين لا بد أن يقع فيه في الشرك، ثم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، ثم أكل الربا، ثم أكل مال اليتيم، ثم التولي يوم الزحف، والتولي، يعني: الفرار من الصف؛ إذا صُفَّ المسلمون حين\n_________\n(^١) كتاب التوحيد، لمحمد بن عبد الوهاب (ص ٧٢).","vol":"1","page":182},{"text":"يلتقي الصفان للقتال، يهرب ويفر، فيخذل إخوانه المؤمنين، فهذا من الكبائر إلا في حالتين:\nالحالة الأولى: أن يفر من طائفة إلى طائفة أخرى من المسلمين، حتى يقويهم.\nالحالة الثانية: أن يفر ليوهم العدو أنه فرَّ، ثم يكرُّ عليهم مرة أخرى، وقد قال ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذٍ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾ وهذا توعد بالنار والغضب، فدل على أنه من الكبائر.\nومن الكبائر المذكورة في الحديث: «وَقَذْفُ الْمُحْصِنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ»، والقذف، يعني: الرمي بالزنا، أو باللواط، يقذف امرأة محصنة عفيفة، حرة، غافلة، لا تخطر الفاحشة ببالها، ومثله إذا قذف رجلًا حرًّا محصنًا عفيفًا لا تخطر الفاحشة بباله، والحكم واحد، وهذا من أعظم الكبائر السبع.\n\n[٩٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقوله: «مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ","vol":"1","page":183},{"text":"وَالِدَيْهِ؟»، يعني: أنهم استغربوا، كيف يمكن هذا؟ وهل يحصل هذا؟ فالوالدان أحسنا إليه، وهما السبب في وجوده، وربياه، ثم يشتمهما؟ ! فبين لهم النبي ﷺ أن هذا يكون بالتسبُّب، فقال: «يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ»، يعني: يتسبب في شتمهما، فيكون كأنه ساب لهما؛ لأنه إذا سب آباء الناس سبوا أباه، وإذا سب أمهاتهم سبوا أمه.\nهذا الحديث فيه: أن من أعظم العقوق شتم الرجل والديه، وصاحبه ضعيف الإيمان؛ ولهذا أدخله المؤلف في كتاب الإيمان.\nوفيه: دليل على أن الوسائل لها حكم الغايات.\nوفيه: تحريم سب آباء الناس وأمهاتهم، قال تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم﴾ وإذا سبهما مباشرة فهذا أعظم، ويوجد في هذا الزمن من يسب أبويه مباشرة وليس تسببًا، وهذا أعظم وأعظم، فالصحابة رضوان الله عليهم استنكروا كيف يشتم الرجل والديه؟\nوأعظم من العقوق والسب: ضربهما، أو قتلهما، أو قتل واحد منهما عياذا بالله.","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>بَابُ تَحْرِيمِ الْكِبْرِ وَبَيَانِهِ</span>\n\n[٩١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، جميعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنِي يَحْيَى ابْنُ حَمَّادٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ فُضَيْلٍ الْفُقَيْمِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ».\nقوله: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»: فيه دليل على عظم الكبر، وأنه من كبائر الذنوب، وقد يكون كفرًا، وقد يكون معصية، فإن كان الكبر عن الإيمان والتوحيد وطاعة الله ﷿ وعبادته صار كفرًا، وإن كان باحتقار الناس، ورد الحق الذي هو دون الإيمان والتوحيد صار معصية كبيرة.\n\nوقوله: «بَطَرُ الْحَقِّ»: البَطرُ أن يتكبر عن الحق فلا يقبله.\nوقوله: «غَمْطُ النَّاسِ»، أي: استحقارهم.\nوفي هذا الحديث: أنه ليس من الكبر أن يلبس الإنسان ثيابًا حسنة أو نعلًا حسنة، فقد ظن الصحابة ﵃ هذا، فقال رجل منهم: «إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ».\nوفيه: إثبات اسم الله الجميل.","vol":"1","page":185},{"text":"حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، قَالَ مِنْجَابٌ: أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنَ إِيمَانٍ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرِيَاءَ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ فُضَيْلٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ».\nقوله: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» هذا لأن الكبر والإيمان متقابلان، وإن كان هذا الكبر تكبرًا عن التوحيد والإيمان، فهذا لا يدخلها أبدًا، وإن كان الكبر دون التوحيد والإيمان، فهذا من باب الوعيد، ويكون كبيرة من كبائر الذنوب.\nوهذا الحديث فيه: أن الإيمان يزيد وينقص؛ ولهذا ينقص الإيمان حتى يكون مثقال حبة من خردل، ولا ينتهي الإيمان بالمعاصي ولو عظمت، لكن ينتهي إذا جاء الكفر والشرك بالله.","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>بَابُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ مُشْرِكًا دَخَلَ النَّارَ</span>\n\n[٩٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ وَكِيعٌ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ»، وَقُلْتُ أَنَا: وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ.\nهذا الحديث فيه: بيان عظم الشرك، وأن من مات على الشرك فهو من أهل النار، يدخلها دخول خلود.\nوقول ابن مسعود ﵁: «وَقُلْتُ أَنَا: وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، دَخَلَ الْجَنَّةَ» هذا الذي قاله ابن مسعود ﵁ أخذه من النصوص، والتي من بينها قوله ﷺ في الحديث التالي: «مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ»، وقول الله ﷾: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار﴾، فالجنة حرام على المشرك، وقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، ومفهوم الآيتين: أن من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، والنصوص الأخرى صرحت بهذا كما سيأتي.","vol":"1","page":187},{"text":"[٩٣] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ فَقَالَ: «مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا قُرَّةُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ»، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: قَال أَبُو الزُّبَيْر: عَنْ جَابِرٍ.\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُعَاذٌ- وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ- قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ، بِمِثْلِهِ.\nقوله: «مَا الْمُوجِبَتَانِ» هما: الشرك الذي يوجب دخول النار، والتوحيد الذي يوجب دخول الجنة، أي: أن الشرك سبب في دخول النار، والتوحيد سبب في دخول الجنة، قال تعالى: ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾، فدخول الجنة برحمة الله، وسببه التوحيد، ودخول النار بعدله ﵎، وسببه الشرك.\nهذا الحديث فيه: بيان عظم التوحيد، فمن مات على التوحيد فهو من أهل الجنة والسلامة، لكن من مات على توحيد خالص ولم يلطخ بالكبائر دخل الجنة من أول وهلة، وإلا فهو تحت المشيئة؛ إن شاء الله عذبه قبل دخول الجنة، وإن شاء غفر له.","vol":"1","page":188},{"text":"[٩٤] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇، فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ»، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ».\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ حَدَّثَهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ نَائِمٌ، عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ»، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ»، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ» ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: «عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ»، قَالَ: فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ يَقُولُ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ.\nوقوله: «عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ»: قال النووي: «وأما قوله ﷺ: (عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ) فَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا وَكَسَرِهَا. قَوْلُهُ: (وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ) هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَكَسْرِهَا. ذَكَرَ هَذَا كُلَّهَ الْجَوْهَرِيُّ، وَغَيْرُهُ. وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّغَامِ- بِفَتْحِ الرَّاءِ- وَهُوَ: التُّرَابُ. فَمَعْنَى: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَهُ، أَيْ: أَلْصَقَهُ بِالرَّغَامِ، وَأَذَلَّهُ، فَمَعْنَى قَوْلُهُ ﷺ: (عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ)، أَيْ: عَلَى ذُلٍّ مِنْهُ؛ لِوُقُوعِهِ مُخَالِفًا لِمَا يُرِيدُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: عَلَى كَرَاهَةٍ مِنْهُ، وَإِنَّمَا قَالَهُ لَهُ ﷺ ذَلِكَ؛ لِاسْتِبْعَادِهِ الْعَفْوَ عَنِ الزَّانِي السَّارِقِ الْمُنْتَهِكِ لِلْحُرْمَةِ، وَاسْتِعْظَامِهِ ذَلِكَ، وَتَصَوُّرُ أَبِي ذَرٍّ بِصُورَةِ الْكَارِهِ الْمُمَانِعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَانِعًا، وَكَانَ","vol":"1","page":189},{"text":"ذَلِكَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ لِشِدَّةِ نَفْرَتِهِ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَهْلِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» (^١).\nهذا الحديث فيه: بشارة عظيمة للمؤمنين، حيث بشر جبريل ﵇ النبي ﷺ، وقال: «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ».\nوفيه: الرد على الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون المسلمين بالمعاصي، ويقولون: إن زنى أو سرق أو شرب الخمر أو تعامل بالربا، كَفَرَ وخلد في النار، فهذا نص صريح في الرد عليهم، والمعنى: أن المعاصي لا تمنع من دخول الجنة، إذا لم يستحلها، لكن هو على خطر من دخول النار إذا مات عليها من غير توبة.\nفالزاني والسارق وشارب الخمر والعاق وقاطع الرحم، كل هؤلاء على خطر من دخول النار، إذا ماتوا من غير توبة، فمنهم من يُعفَى عنه، ومنهم ومن يُعذَّب، وقد تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عيه وسلم أنه يدخل النارَ جملةٌ من أصحاب الكبائر، فعلى المسلم أن يتباعد عن الكبائر، ومن يتحمل دخول النار ولو لحظة؟ ! هل يستطيع أن يضع إصبعه في النار؟ ! وقد ثبت أن جملة من العصاة يمكثون مدة طويلة، حتى أن الله تعالى أخبر عن بعضهم أنه يُخلَّد، كالقاتل، والخلود هنا معناه: المكث الطويل، فعلينا الحزم كل الحزم على اجتناب الكبائر، والمبادرة بالتوبة، والبعد عن المعاصي.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٩٦).","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>بَابُ تَحْرِيمِ قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَا اللَّهُ</span>\n\n[٩٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ رُمْحٍ- وَاللَّفْظُ مُتَقَارِبٌ- أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ عَنِ الْمِقْدَادِ ابْنِ الأَسْوَدِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِي، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ، أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَقْتُلْهُ»، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا، أَفَأَقْتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ».\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حميد قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ، أَمَّا الأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ فَفِي حَدِيثِهِمَا قَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ، كَمَا قَالَ اللَّيْثُ فِي حَدِيثِهِ، وَأَمَّا مَعْمَرٌ فَفِي حَدِيثِهِ: فَلَمَّا أَهْوَيْتُ لِأَقْتُلَهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، ثُمَّ الْجُنْدَعِيُّ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الأَسْوَدِ الْكِنْدِيَّ- وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ؟ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ.\nقوله: «فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَال»","vol":"1","page":191},{"text":"المعنى: أنك إذا قتلته أنت تكون بمنزلته، بمعنى: أنك تكون غير معصوم الدم، وهو يكون بمنزلتك قبل أن تقتله، أي: معصوم الدم، بعد أن قال: لا إله إلا الله.\nوقيل: المعنى: أنك مثله في الخطأ، وأن كلًّا منكما يكون مخطئًا، وإن كان الخطأ يختلف، فخطؤه هو خطأ كفر قبل أن يسلم، وأنت خطؤك خطأ معصية.\nلكن القول الأول هو المتبادر.\nودلت النصوص على أنه إن قتله بعد أن قال: لا إله إلا الله، لا يُقتَل؛ لأنه قتله متأولًا، وظن أنه قالها تأولًا، وأنها لا تنفعه في هذه الحالة، ولا تفيده في الإسلام، فيكون من أجل التأويل معذورًا، ولولا التأويل لوجب قتله قصاصًا، كما فعل النبي ﷺ مع المقداد ﵁ (^١)، وكما فعل مع أسامة ﵁ (^٢)، وكما فعل مع خالد ﵁ (^٣)، وهذا أصح ما قيل في معناه (^٤).\nولكن هذا القاتل المتأول عليه دية، والدية مسكوت عنها، ولم تُذكر في الحديث، فيحتمل أن الدية تكون في هذه الحالة من بيت المال، كما أن النبي ﷺ ودى بني جريمة لما قتلهم خالد ﵁ متأولًا، فَوَدَاهم كلَّهم، ودفع دِيَتهم حتى ميلغة (^٥) الكلب دفعها النبي ﷺ بنفسه، ورفع يديه، وقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ» (^٦)؛ لأنهم لما جاؤوا إليه قالوا: صبأنا، صبأنا، وما أحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعل خالد يقتل منهم، ويأسر لظنه،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٣٣٩).\n(^٤) شرح مسلم، للنووي (٢/ ١٠٦).\n(^٥) الميلغة: الإناء الذي يلغ فيه الكلب. ينظر: النهاية، لابن الأثير (٥/ ٢٢٦).\n(^٦) أخرجه البخاري (٤٣٣٩).","vol":"1","page":192},{"text":"بقاؤهم على الكفر، فالنبي ﷺ لما بلغه الخبر رفع يديه، وقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ».\nهذا الحديث فيه: أنه ينبغي الكف عن الكافر إذا نطق بالشهادتين، بأن قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أو قال: أسلمت لله، فيجب الكف عنه، ثم ينظر، فإن التزم بالإسلام فالحمد لله، وإلا فإنه يقتل بعدُ إذا لم يلتزم؛ لكونه مرتدًّا.\n\n[٩٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظِبْيَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهَذَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَطَعَنْتُهُ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَتَلْتَهُ؟»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ، قَالَ: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ، حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟»، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: فَقَالَ سَعْدٌ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ مُسْلِمًا حَتَّى يَقْتُلَهُ ذُو الْبُطَيْنِ- يَعْنِي: أُسَامَةَ- قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾؟ فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَأَنْتَ وَأَصْحَابُكَ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ.\nقول سعد ﵁: «قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ» يقصد بالفتنة: الشرك، أي: حتى زال الشرك.\nوقوله «وَأَنْتَ وَأَصْحَابُكَ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونُ فِتْنَةٌ» يريد الخوارج،","vol":"1","page":193},{"text":"أي: أنتم تقاتلون المسلمين، فقتالكم فيه فتنة.\nوهذا كما قال ابن عمر ﵄، لما جاءه رجل من الخوارج يسأله: «يا أبا عبد الرحمن ألا تقاتل؟ ألا تجاهد؟ وسأله عن أشياء، وسأله عن عثمان ﵁، وقال له: ألم يقل الله ﷿: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾؟ فقال له ابن عمر ﵄: «قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، وَكَانَ الدِّينُ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ» (^١).\nوقوله: «حَتَّى يَقْتُلَهُ ذُو الْبُطَيْنِ» هذا وصف أسامة ﵁ في جسمه؛ لأن له بطنًا.\nحَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، حَدَّثَنَا أَبُو ظِبْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ يُحَدِّثُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِيَّ، وَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ لِي: «يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا، قَالَ: فَقَالَ: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟»، قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.\n\n[٩٧] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو ابْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِر قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ أَنَّ خَالِدًا الأَثْبَجَ- ابْنَ أَخِي صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ- حَدَّثَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ بَعَثَ إِلَى عَسْعَسِ بْنِ سَلَامَةَ زَمَنَ فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: اجْمَعْ لِي نَفَرًا مِنْ إِخْوَانِكَ حَتَّى أُحَدِّثَهُمْ، فَبَعَثَ رَسُولًا إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا، جَاءَ جُنْدَبٌ وَعَلَيْهِ بُرْنُسٌ أَصْفَرُ، فَقَالَ: تَحَدَّثُوا بِمَا كُنْتُمْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥١٣).","vol":"1","page":194},{"text":"تَحَدَّثُونَ بِهِ، حَتَّى دَارَ الْحَدِيثُ، فَلَمَّا دَارَ الْحَدِيثُ إِلَيْهِ، حَسَرَ الْبُرْنُسَ عَنْ رَأْسِهِ، فَقَالَ: إِنِّي أَتَيْتُكُمْ وَلَا أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بَعْثًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّهُمُ الْتَقَوْا، فَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ، وَإِنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلَتَهُ، قَالَ: وَكُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ، فَقَتَلَهُ، فَجَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ كَيْفَ صَنَعَ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «لِمَ قَتَلْتَهُ؟»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهَ، أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَقَتَلَ فُلَانًا وَفُلَانًا، وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا، وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،\nقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَقَتَلْتَهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: «وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟»، قَالَ: فَجَعَلَ لَا يَزِيدُهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ: «كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ !».\nهذا الحديث فيه: دليل على أن الكافر إذا نطق بالشهادتين يجب أن يكف عنه، وأن هذا دليل على إسلامه، ثم ينطر بعد ذلك إن التزم فالحمد لله، وإن لم يلتزم قتل مرتدًّا، كما مر.\nأما إذا كان يقولها في كفره، فلا يُكَفُّ عنه، كمن كان كفره ليس بعدم النطق بالشهادتين، بل بعبادة الأصنام والأوثان، بأن يدعو غير الله، ويذبح للأولياء، فإنه لو قالها ألف مرة لا تفيده، لكن عليه أن يترك الشيء الذي كفر به، وإذا كان كفره- مثلًا- بجحد الصلاة، أو بجحد تحريم شيء محرم من الدين بالضرورة، أو كان يقول: لا إله إلا الله، لكنه لم يلتزم بأداء ما أوجب الله عليه، فإنه لا يُكَفُّ عنه حتى يلتزم.","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا»</span>\n\n[٩٨] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ-.ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا».\n\n[٩٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُصْعَبٌ- وَهُوَ ابْنُ الْمِقْدَامِ- حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ إِيَاسِ ابْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيْفَ فَلَيْسَ مِنَّا».\n\n[١٠٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا».\nقوله: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ، فَلَيْسَ مِنَّا»: فيه دليل على أن حمل السلاح على المسلمين من الكبائر، وقتالهم من الكبائر، كما جاء في الحديث الآخر: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»، فلا يجوز أن يحمل السلاح على المسلم، فالمسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، وحمل السلاح عليه لقتاله أو ترويعه كل ذلك حرام.\nوهذا الحكم ينطبق حتى على المزاح، وقد يقابله ما يفعله بعض السفهاء في السيارات الآن، يلاحق شخص جماعةً بالسيارة ويمزح، فهذا لا يجوز؛ لأن السيارات حديد ونار، وجاء في الحديث الآخر: «لا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلاحِ، فَإِنَّهُ لا يَدْرِي، لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٠٧٢)، ومسلم (٢٦١٧).","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»</span>\n\n[١٠١] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ-.ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ مُحَمَّدُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا».\nهذا الحديث من جوامع الكلم، وفيه: دليل على أن الغش يدل على ضعف الإيمان، وأنه من الكبائر، وهذا عام في جميع أنواع الغش، سواء الغش في المعاملات، أو في البيوع، وكذلك يشمل الغش في الامتحانات، والغش في الولايات، وفي الوظائف، كتسليمها لغير أهلها.\nقال النووي ﵀: «وقيل: معناه: ليس على سيرتنا الكاملة وهدينا، وكان سفيان بن عيينة ﵀ يكره ما يفسره بـ: ليس على هدينا، ويقول: بئس هذا القول، يعني: فليمسك عن تأويله؛ ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر» (^١).\nوهو من باب الوعيد الشديد، أما المستحل، وهو من استحل أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة، فإنه يكفر، سواء استحل الزنا، أو الربا، أو غش المسلمين، أو إيذاءهم، أو قتلهم، أو أكل أموالهم.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ١٠٨).","vol":"1","page":197},{"text":"[١٠٢] وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟»، قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي».\nقوله: «أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ»، أي: هذا مطر جاء من السماء.\nوقوله: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ؟»، يعني: أمره أن يجعل المبتل فوق الطعام حتى يراه الناس.\nومثل هذا ما يفعله بعض الناس، حينما يجعل الأسفل معيبًا، والأعلى غير معيب، كأصحاب الخضراوات والفواكه، يجعل الشيء المعيب أسفل، والجيد والسليم أعلى، فهذا من الغش، ويجب أن يخرج الرديء فيكون فوق؛ حتى يراه الناس، مثل صاحب الطعام، لما أصابه المطر جعل فوقه الحبوب اليابسة، وجعل المبتل أسفل؛ ولهذا لما أدخل أصابعه ﵊ في الطعام نال أصابعه البلل.","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>بَابُ تَحْرِيمِ ضَرْبِ الْخُدُودِ، وَشَقِّ الْجُيُوبِ، وَالدُّعَاءِ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ</span>\n\n[١٠٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعًا عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، أَوْ شَقَّ الْجُيُوبَ، أَوْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ»، هَذَا حَدِيثُ يَحْيَى، وَأَمَّا ابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو بَكْرٍ، فَقَالَا: وَشَقَّ وَدَعَا بِغَيْرِ أَلِفٍ.\nوَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَا: وَشَقَّ وَدَعَا.\nهذا الحديث فيه: بيان شيء من الكبائر، وهو النياحة، وضرب الخدود، وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية بالويل والثبور، وكل هذا من النياحة المحرمة.\nومن الناس من إذا أصابته مصيبة ومات له أحد- ضرب خده، أو نتف شعره، أو شق ثوبه، وجيبه، والواجب على المسلم أن يقول: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾، ويقول: «اللَّهُمَّ أجرنِي فِي مُصِيبَتِي، واخْلُف لِي خَيْرًا مِنْهَا» (^١)، أما كونه يرفع صوته بالصياح والعويل، أو الدعاء بالويل والثبور، أو الندب، وتعداد محاسن الميت، أو ضرب الخد، أو شق الجيب، أو نتف الشعر، فكل هذا من النياحة، ومن الكبائر.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩١٨).","vol":"1","page":199},{"text":"[١٠٤] حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْقَنْطَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى قَالَ: وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا، فَغُشِيَ عَلَيْهِ، وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَصَاحَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ، وَالْحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَخْرَةَ يَذْكُرُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، وأبى بردة بن أبي موسى قَالَا: أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى، وَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ تَصِيحُ بِرَنَّةٍ قَالَا: ثُمَّ أَفَاقَ، قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمِي- وَكَانَ يُحَدِّثُهَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ، وَسَلَقَ، وَخَرَقَ».\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عِيَاضٍ الأَشْعَرِيِّ عَنِ امْرَأَةِ أَبِي مُوسَى عَنِ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا دَاوُدُ- يَعْنِي: ابْنَ أَبِي هِنْدٍ- حَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عِيَاضٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: لَيْسَ مِنَّا، وَلَمْ يَقُلْ: بَرِيءٌ.\nقوله: «الصَّالِقَةِ» هي التي ترفع صوتها عند المصيبة.\nوقوله: «والْحَالِقَةِ» هي التي تحلق شعرها عند المصيبة.\nوقوله: «والشَّاقَّةِ» هي التي تشق ثوبها عند المصيبة.","vol":"1","page":200},{"text":"وقوله: «أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ، وَسَلَقَ، وَخَرَقَ»، أي: حلق الشعر، وسلق، يعني: رفع صوته، وخرق، يعني: شق ثوبه، وهذا من النياحة، وهي من الكبائر؛ لأن الرسول ﷺ تبرأ منها.\nوفي هذا الحديث: دليل على أن من فعل ذلك فهو ضعيف الإيمان، وهذا هو الشاهد لدخوله في كتاب الإيمان، ففاعل هذه الكبائر ضعيف الإيمان، ناقصه.\nوفيه: أنه على الإنسان أن ينهى أهله عن النياحة.","vol":"1","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ</span>\n\n[١٠٥] حَدَّثَنِي شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ- وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ- حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا يَنُمُّ الْحَدِيثَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ».\nحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَنْقُلُ الْحَدِيثَ إِلَى الأَمِيرِ، فَكُنَّا جُلُوسًا فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ الْقَوْمُ: هَذَا مِمَّنْ يَنْقُلُ الْحَدِيثَ إِلَى الأَمِيرِ، قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ. ح، وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ حُذَيْفَةَ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَاءَ رَجُلٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا، فَقِيلَ لِحُذَيْفَةَ: إِنَّ هَذَا يَرْفَعُ إِلَى السُّلْطَانِ أَشْيَاءَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: إِرَادَةَ أَنْ يُسْمِعَهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ».\nقوله: «قَتَّاتٌ» القتات هو النمام، والنمام هو: الذي ينقل الكلام من شخص إلى شخص، أو من جماعة إلى جماعة، أو من قبيلة إلى قبيلة، أو من قرية إلى قرية، على وجه الإفساد، وهذا مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب.\nوقوله: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ» هذا توعُّد بأنه لا يدخل الجنة، وهذا من باب الوعيد، ويدل على أنه ضعيف الإيمان، ولا يدل على أنه كافر.","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الإِزَارِ، وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ، وَتَنْفِيقِ السِّلْعَةِ بِالْحَلِفِ، وَبَيَانِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ</span>\n\n[١٠٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ثَلَاثَ مِرَارًا، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا، وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْمَنَّانُ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إِلَّا مَنَّهُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ، وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ».\nوَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ».\nقوله: «وَلَا يُزَكِّيهِمْ»، أي: لا يطهرهم من الذنوب.\nوقوله: «الْمُسْبِلُ» هو الذي يترك ثوبه ينزل تحت الكعب، فيقال له: مسبل، سواء ثوبه، أو سرواله، فكل هذا يقال له: مسبل.\nوالصواب: أن هذا الحكم عام في كل مسلم، سواء أسبل إزاره لكبر، أو","vol":"1","page":203},{"text":"لغير كبر، لكن إن كان لكبره يكون أعظم، ويكون له عقوبة أخرى، كما في الحديث الآخر: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (^١)، فإذا كان لخيلاء لم ينظر الله إليه، وإن لم يكن لخيلاء فهو متوعد بحديث آخر: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فَفِي النَّار» (^٢).\nوقوله: «وَالْمَنَّانُ» هو الذي يمن على الفقير، يقول: أعطيتك وأعطيتك، وهذا فيه إبطال للصدقة، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾، فالكريم هو الذي يعطي، وينسى عطيته، لكن المنان يقول للفقير: أعطيتك وأعطيتك.\nوقوله: «وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ»، يعني: يروجها بالحلف الكاذب، يحلف ويقول: والله ما اشتريت السلعة إلا بكذا، والله ما دخلت علينا بكذا، والله ما بعت على غيرك إلا بكذا، وهو في كل ذلك كاذب.\nهذا الحديث فيه: الوعيد الشديد على هؤلاء الثلاثة المذكورين، وهو أنه: «لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» فهذه أربع عقوبات، وأن كل واحد منهم قد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب.\nوفيه: أن كل واحد من هؤلاء ضعيف الإيمان، ولا يدل على أنهم كفار، ولكنهم عصاة، وهذا من باب الوعيد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٦٥)، ومسلم (٢٠٨٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٧٨٧).","vol":"1","page":204},{"text":"[١٠٧] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ»، قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: «وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ».\nهذا الحديث فيه: بيان لثلاثة آخرين متوعدين بالوعيد الشديد، وفي ذلك دلالة على أنهم ضعفاء الإيمان، وذلك لأن كل واحد منهم اقترف المعصية مع ضعف الداعي إليها.\nفالأول: «شَيْخٌ زَانٍ»: والزنا حرام على الشاب والشيخ، ولكن الشاب قد تحمله قوة الشهوة على الزنا، أما الشيخ فقد ضعفت الشهوة عنده؛ لكبر سنه، فإذا زنى دل على أن ذلك سجية له وطبيعة، ودل على حبه للمعصية؛ فلذلك تُوُعِّد بهذا الوعيد.\nوالثاني: «مَلِكٌ كَذَّابٌ» فالكذب حرام، ولا يجوز الكذب- إلا ما استثني- على المَلِك، والمملوك، لكن الواحد من الناس قد تدعوه الحاجة إلى الكذب، أما الملك فما الداعي إلى كذبه؟، فإذا كذب مع أنه ليس هناك أحد يمنعه من تنفيذ ما أراد، دل على حبه للكذب، وأنه سجية له وطبيعة، فلهذا توعد بهذا الوعيد.\nوالثالث: «عَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» العائل هو الفقير، والكِبْر حرام على الفقير، وعلى الغني، لكن الغني قد يحمله غناه على الكبر، وأما الفقير فما الذي يحمله على الكبر؟، وهذا يدل على أن الكبر سجية له وطبيعة له؛ فلذلك توعد بهذا الوعيد.","vol":"1","page":205},{"text":"[١٠٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ثَلَاثٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَحَلَفَ لَهُ بِاللَّهِ لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا، لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: «وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ».\nوَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- قَالَ: أُرَاهُ مَرْفُوعًا- قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ فَاقْتَطَعَهُ»، وَبَاقِي حَدِيثِهِ نَحْوُ حَدِيثِ الأَعْمَشِ.\nهذا الحديث فيه: بيان لثلاثة آخرين توعدوا بهذا الوعيد الشديد، وبهذه العقوبات الأربع: «لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» فيكون العدد تسعة، كلهم توعدوا بهذا الوعيد الشديد؛ لأنهم فعلوا هذه الكبائر.\nالأول: «رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ»، يعني: عنده ماء فاضل عن حاجته، يمنعه من ابن السبيل، والسبيل: الطريق، سمي ابن السبيل؛ لأنه غريب، وجاء من بلده مسافرًا؛ ولهذا يعطى ابن السبيل من الزكاة ما يوصله لبلده- ولو كان غنيًّا- إذا انقطعت نفقته.","vol":"1","page":206},{"text":"فهذا الرجل عنده فضل ماء يمنعه من ابن السبيل، كأن يكون له بئر مثلًا في البرية، يمنعه من أن يدلي دلوه، ويأخذ ماءً، والماء كثير زائد عن حاجته، أو عنده ماء على غدير، فهذا عليه الوعيد الشديد.\nأما إذا استخرج الإنسان الماء من دلوه، وحازه، فهذا يكون ملكه، لكن كلامنا في البئر المشترك بينك وبين الناس، أنت مثل غيرك، تدلي دلوك، وتأخذ ماءً، والثاني يدلي دلوه ويأخذ ماءً، هذا الماء مشترك، فإذا كان يمنع أحدًا من أن يأخذ من الماء، فعليه الوعيد الشديد، إذا كان فاضلًا عن حاجته، إما إذا كان لا يكفي إلا لحاجته فلا يسمى فضلًا، ولا يتناوله هذا الوعيد.\nوقد جاء في الحديث: «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّارِ» (^١).\nفإذا كان عندك نار، ويريد أحد أن يأخذ من النار، فلا تمنعه، فماذا يضرك؟ نار مشتعلة، وجاء إنسان يريد أن يأخذ منها، وكذلك الكلأ وهو الحشيش في البرية، الناس شركاء فيه.\nوالثاني: «وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَحَلَفَ لَهُ بِاللَّهِ لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ» رجل باع سلعة، وحلف كذبًا، فهذا عليه الوعيد الشديد؛ لأنه ختم يومه بالكذب- والعياذ بالله- والعصر آخر النهار، وينبغي للإنسان أن يختمه بالعمل الصالح، والاستغفار.\nوالثالث: «وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا، لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا، وَفَى وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ» هذا بايع الإمام أن يكون أميرًا أو وليًّا لأمر المسلمين، ولكنه لا يفي بالبيعة إلا إن أعطي شيئًا من الدنيا، وإن لم يعط خان، ونقض عهد البيعة، وخرج عليه؛ لأن هذا غاش للمسلمين، فهذا عليه الوعيد الشديد.\nوالخروج على ولاة الأمور من كبائر الذنوب، والدليل على هذا قول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٣٠٨٢).","vol":"1","page":207},{"text":"فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ» (^١)، فهذا وعيد شديد، وأهل الجاهلية ماتوا على الشرك، فظاهره الكفر، لكن ليس المراد هذا، والمراد: الوعيد الشديد.\nوالخروج على ولاة الأمور من شعار أهل البدع: الخوارج، والمعتزلة، والروافض.\nفالخوارج لا يرون السمع والطاعة لولاة الأمور؛ لأنهم يرون أن ولي الأمر إذا فعل معصية أو كبيرة كفر، ووجب قتله، فيستحلون دمه، وماله، ويخلدونه في النار.\nوالمعتزلة كذلك يجيزون الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي؛ لأن هذا داخل تحت أصل من أصول الدين عندهم، وهو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهو يندرج تحته الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي.\nوالروافض كذلك يخرجون على ولاة الأمور؛ لأنهم لا يرون الإمامة إلا للإمام المعصوم، والمعصوم- عندهم- نص عليه النبي ﷺ، وعلى هذا فتكون ولاية الصديق وعمر وعثمان ﵃ ولاية باطلة عند الرافضة، وهي ولاية جور وظلم؛ لأنهم مغتصبون، وظلمة، وكفروا وارتدوا بعد موت النبي ﷺ، وتكون ولاية خلفاء الدولة الأموية، وخلفاء الدولة العباسية، إلى يوم القيامة، كلها ولايات باطلة- نسأل الله العافية من المذاهب الردية.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٠٥٤).","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ، وَأَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي النَّارِ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ</span>\n\n[١٠٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ، فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ. ح، وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ.\nهذا الحديث فيه: بيان الوعيد الشديد على قتل النفس، وأن قتل النفس من الكبائر، وأن قاتل نفسه يعذب بالشيء الذي قتل به نفسه.\nوقوله: «وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا» تُروى مثلثة، بضم السين، وفتحها، وكسرها.\nوقوله: «خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» هذا وعيد شديد، وهذا له عند أهل العلم محملان:\nالمحمل الأول: أن هذا في المستحلِّ، إذا استحلَّ قتل نفسه، فإنه يكون كافرًا؛ لأنه استحل كبيرة من كبائر الذنوب.\nالمحمل الثاني: أن هذا في غير المستحل، فيكون مرتكبًا للكبيرة، ويكون الخلود خلودًا له نهاية، والتأبيد تأبيدًا له نهاية، فيكون هذا من المشتبه الذي","vol":"1","page":209},{"text":"يُرد إلى المحكم، والقاعدة: أن النصوص المشتبهة ترد إلى المحكمة، ولا يتعلق بمشتبه إلا أهل الزيغ، كما قال الله تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾، فأهل الزيغ تعلقوا بالمشتبه، وتركوا المحكم الواضح، وأهل الحق يرُدُّون المشتبه إلى المحكم.\nوهذا مشتبه نرده إلى محكم نصوصه، وقد دلت النصوص المُحكمة على أن الإنسان لا يكفر بالمعاصي، فالعاصي تحت المشيئة، قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء﴾، وتواترت الأخبار عن النبي ﷺ بأنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، والقاتل نفسه لا يعتبر كافرًا إذا لم يستحله، فيكون الخلود والتأبيد له نهاية.\n\n[١١٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامِ بْنِ أَبِي سَلَّامٍ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ أَبَا قِلَابَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِي شَيْءٍ لَا يَمْلِكُهُ».\nهذا الحديث دل على ثلاثة أحكام:\nالأول: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ»: كأن يقول: هو يهودي إن لم يفعل كذا، أو هو نصراني إن فعل كذا، فإن كان يعتقد الكفر فهو كافر، أما إذا كان لا يعتقد فإنه لا يكفر، وإنما يكون مرتكبًا لكبيرة من كبائر الذنوب، ويكون هذا من المشتبه- أيضًا- الذي يرد إلى","vol":"1","page":210},{"text":"المحكم، وقد دلت النصوص المحكمة على أن الإنسان لا يكفر إلا إذا اعتقد الكفر، أو أشرك بالله، أو فعل ناقضًا من نواقض الإسلام، وهذا ليس واحدًا منها، فلا يكفر إلا إذا اعتقد أنه يهودي، واعتقد اليهودية، أو يقول: هو نصراني، واعتقد النصرانية.\nوهل تجب عليه كفارة أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك، فروي عن ابن المبارك فيما ورد فى مثل هذا مما ظاهره تكفير أصحاب الذنوب أن ذلك عن طريق التغليظ، ولا كفارة على من حلف بذلك وإن كان آثمًا (^١)، والجمهور على أنه يكفر (^٢)، وهو الصحيح؛ لقوله ﷺ: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ» (^٣).\nالثاني: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وذلك كما ورد بالحديث السابق، والجزاء من جنس العمل.\nالثالث: «َلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِي شَيْءٍ لَا يَمْلِكُهُ» فمن نذر أن يعتق عبد فلان وهو لا يملكه، فليس عليه نذر؛ لأنه ليس ملكًا له، ومن نذر أن يتصدق- مثلًا- بحديقة فلان، أو ببستان فلان، وهو لا يملكه، فليس عليه شيء.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (١/ ٣٨٩)، شرح مسلم، للنووي (٢/ ١٢٦).\n(^٢) الشرح الكبير، للدردير (٢/ ١٢٨ - ١٢٩)، المجموع، للنووي (١٨/ ١٩ - ٢١)، المغني، لابن قدامة (٧/ ٥٠٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٨٦٠)، ومسلم (١٦٤٧).","vol":"1","page":211},{"text":"حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ- قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا قِلَّةً، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْر فَاجِرَةٍ».\nقوله: «لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ» مر بيانه سابقًا.\nوقوله: «وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» مر بيانه سابقًا.\nوقوله: «وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا قِلَّةً» هو عام في كل دعوى يتشبع بها المرء بما لم يعط، من مال يحتال في التجمل به من غيره، أو نسب ينتمي إليه، أو علم يتحلى به وليس هو من جملته، أو دين يظهره وليس هو من أهله، فقد أُعْلِمَ أنه غير مبارك له في دعواه.\nوقوله: «وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، فَاجِرَةٍ»: هنا إشكال، فقد اقتصر النبي ﷺ على ذكر جملة الشرط، من غير ذكر جملة الجزاء:\nفيحتمل: أنه سكت عنه؛ لأنه عطفه على مَنْ التي قبلها، فكأنَّه قال: ومن حلف يمينًا فاجرة كان كذلك، أي: لم يزده اللهُ بها إلا قلة.\nويحتمل: أن يكون الجزاء محذوفًا، ويكونَ تقديره: من فعل ذلك غضب الله عليه، أو عاقَبَهُ، أو نحوَ ذلك.","vol":"1","page":212},{"text":"حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ الأَنْصَارِيِّ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهْوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عَذَّبَهُ اللَّهُ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ»، هَذَا حَدِيثُ سُفْيَانَ، وَأَمَّا شُعْبَةُ فَحَدِيثُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهْوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ ذُبِحَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\n\n[١١١] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد، جميعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يُدْعَى بِالإِسْلَامِ: «هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّار»، فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ، قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ آنِفًا: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَدْ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِلَى النَّارِ»، فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ، إِذْ قِيلَ إِنَّهُ: لَمْ يَمُتْ، وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ: «أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ».\nقوله: «وأَنَّ الله يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» الفاجر يشمل الكافر، والعاصي، لكن هذا الحديث يدل على أن هذا الرجل ليس مرتكبًا للكبيرة،","vol":"1","page":213},{"text":"وإنما هو كافر، ويدل على ذلك أمران:\nالأمر الأول: أن النبي ﷺ قال لما قُتل الرجل: «إِلَى النَّارِ»، ولو كان عاصيًا لكان قتاله في سبيل الله، واستشهاده يكفِّر عنه خطاياه، كما في الحديث الآخر: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ قال: «نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ»، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ فَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ وَأَنْتَ صَابِرٌ، وَمُحْتَسِبٌ، وَمُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، ثُمَّ قَالَ: إلا الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ آنِفًا» (^١).\nوالأمر الثاني: أنه ﷺ: «أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِر»، فدل على أنه ليس بمؤمن.\nوقيل: إن هذا الرجل يسمى: «قزمان»، وأنه كان من المنافقين، وهذا هو الأقرب، كما ذكره عبد القاهر البغدادي ﵀ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨٨٥).\n(^٢) الفرق بين الفرق، للبغدادي (ص ٣٤٤).","vol":"1","page":214},{"text":"[١١٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، حَيٌّ مِنَ الْعَرَبِ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عَسْكَرِهِ، وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ، فَقَالُوا: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ أَبَدًا، قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَي سَيْفِهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟»، قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنَ أَهْلِ النَّار، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ، فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ، حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ- فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ- وَهُوَ مِنْ\nأَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ- فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ- وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ».\nوقوله: «فِيمَا يَبْدُو للِنَّاسِ»، يعني: لأنه غير مؤمن بالباطن، بشكه ونفاقه، فهو يظهر الإسلام وهو في الباطن منافق شاك، والعكس.\nهذا الحديث فيه: ما يؤيد ما جاء في الحديث السابق أن الرجل الذي قتل نفسه ليس بمؤمن، قال ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ»، فهذا قاتل في سبيل الله فيما يبدو للناس، وهو منافق؛ ولهذا قتل نفسه، «فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ»","vol":"1","page":215},{"text":"وهذا دليل على أنه هو الذي قتل نفسه، وكان منافقًا.\nومما يدل على ذلك- أيضًا- قوله ﵊: «وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ» (^١).\nوفيه: أن ذلك الرجل لم يكن مخلصًا في جهاده، وقد صرح الرجل بذلك فيما يروى عنه أنه قال: «فَوَاللهِ إنْ قَاتَلْتُ إلَّا عَنْ أَحْسَابِ قَوْمِي» (^٢).\n\n[١١٣] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرِيُّ- وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ- حَدَّثَنَا شَيْبَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بِهِ قُرْحَةٌ، فَلَمَّا آذَتْهُ انْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَنَكَأَهَا، فَلَمْ يَرْقأِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَبُّكُمْ: قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: إِيْ- وَاللَّهِ- لَقَدْ حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ جُنْدَبٌ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبيِ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدَبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَرَجَ بِرَجُلٍ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خُرَاجٌ»، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.\nقوله: «خَرَجَتْ بِهِ قُرْحَةٌ»: القرحة: واحدة القروح، وهي الجراح، وقالوا: منه قرِح جلده بالكسر، يقرح قرحًا، والقُرح والقَرح لغتان، مثل الضُّعف والضَّعف (^٣)، ومنه: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للهِ وَالرَّسُولِ مِن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٦٢)، ومسلم (١١١).\n(^٢) أخرجه ابن جرير في التاريخ (٢/ ٥٣١).\n(^٣) الصحاح، للجوهري (١/ ٣٩٥)، القاموس المحيط، للفيروز آبادي (١/ ٢٣٥).","vol":"1","page":216},{"text":"بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾، يعني: الجراحات.\nوقوله: «فَنَكَأَهَا»: يعني: نقش الجرح، فخرج الدم، فلم ينقطع الدم حتى مات.\nقال النووي ﵀: «يحتمل أنه كان مستحِلًّا، أو يحرمها حين يدخلها السابقون والأبرار، أو يطيل حسابه، أو يحبس في الأعراف، وهذا محمول على أنه نكأها استعجالًا للموت» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ١٢٧).","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ</span>\n\n[١١٤] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ أَبُو زُمَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فُلَانٌ شَهِيدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَلَّا، إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا، أَوْ عَبَاءَةٍ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ»، قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَنَادَيْتُ: أَلَا إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ.\nهذا الحديث فيه: دليل على الوعيد الشديد على الغلول، وأن من غلَّ من الغنيمة فإنه يكون مرتكبًا لكبيرة من كبائر الذنوب.\nوالغلول هو: الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها، فإذا قاتل المسلمون الكفار، ثم غنموا شيئًا من أموالهم، تجمع هذه الأموال، ثم يؤخذ الخمس، ويقسم خمسة أخماس، قسم لله ﷿، ولرسوله ﷺ، ولقرابة الرسول ﷺ، ولليتامى، والمساكين، والمسلمين، وأربعة أخماس تكون للغانمين توزع عليهم.\nوالغالُّ يأخذ من الغنيمة قبل أن توزع، والغلول من الغنيمة من كبائر الذنوب، ومثلها- أيضًا-: الأخذ من الأموال المشتركة، كأن يأخذ من بيت مال المسلمين، أو من صدقات جُمِعَت، أو أوقاف جُمِعَت، فيسمى هذا غلولًا.\nوفيه: أن المقاتل من المؤمنين إذا قُتِلَ في المعركة قالوا له: شهيد في","vol":"1","page":218},{"text":"أحكام الدنيا، أما في الآخرة فأمره إلى الله؛ ولهذا أقرهم الإجماع على قولهم: فلان شهيد، وبوب البخاري ﵀: «باب: لا يقول: فلان شهيد» (^١)، فهو لا يقال له: شهيد في أحكام الآخرة؛ لأن هذا أمره إلى الله، ويقال له: شهيد في أحكام الدنيا، وهذا هو الجمع بينهما، فإذا قُتل المسلم المجاهد في المعركة يسمى شهيدًا، وتجرى عليه أحكام الشهداء، لا يُغَسَّل، ولا يُصَلَّى عليه، ويدفن في ثيابه ودمائه؛ لأن النبي ﷺ لم يُصَلِّ على قتلى أُحد، بل أمر بدفنهم بدمائهم وثيابهم، ولم يغسلهم (^٢)، أما في الآخرة فأمر الشهيد إلى الله ﷿، إذا كان صادقًا فله حكم الشهادة؛ ولهذا لما سئل النبي ﷺ عن رجل يقاتل شجاعة، ورجل يقاتل حمية، ورجل يقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ» (^٣).\nوفيه: أن الغالَّ لا يسمى شهيدًا؛ ولهذا لما ذكروا فلانًا، وقالوا: فلان شهيد، قال ﷺ: «كَلَّا، إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ»، يعني: أخذ بردة، أو عباءة من الغنيمة، قبل أن تقسم، فصارت تشتعل عليه نارًا.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤/ ٣٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٤٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤).","vol":"1","page":219},{"text":"[١١٥] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدُّؤَلِيِّ عَنْ سَالِمٍ أَبِي الْغَيْثِ- مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ- وَهَذَا حَدِيثُهُ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنْ ثَوْرٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا، فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا، وَلَا وَرِقًا، غَنِمْنَا الْمَتَاعَ، وَالطَّعَامَ، وَالثِّيَابَ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الْوَادِي، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَبْدٌ لَهُ وَهَبَهُ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُذَامٍ يُدْعَى رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا الْوَادِي، قَامَ عَبْدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحُلُّ رَحْلَهُ، فَرُمِيَ بِسَهْمٍ فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ، فَقُلْنَا: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَلَّا- وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ- إِنَّ الشَّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارًا، أَخَذَهَا مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ»، قَالَ: فَفَزِعَ النَّاسُ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ، أَوْ شِرَاكَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «شِرَاكٌ مِنَ نَارٍ- أَوْ: شِرَاكَانِ مِنَ نَارٍ».\nقوله: «فَفَزِعَ النَّاسُ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ، أَوْ شِرَاكَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: شِرَاكٌ مِنَ نَارٍ- أَوْ: شِرَاكَانِ مِنَ نَارٍ» الشِّراك هو سير النعل.\nوقوله: «وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَبْدٌ لَهُ»: فيه جواز قول: عبد فلان، وأما قوله ﷺ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي، وَأَمَتِي» (^١)، فهذا النهي للتنزيه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩).","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ قَاتِلَ نَفْسَهُ لَا يَكْفُرُ</span>\n\n[١١٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ، أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنْعَةٍ؟ قَالَ: حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ لِلَّذِي ذَخَرَ اللَّهُ لِلأَنْصَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَأَهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَأَهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَأَىهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ، فَاغْفِرْ».\nقوله: «هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ» الحصن هو: القصر المسور بسور خاص لحماية مَن به من الأعداء ويكون مرتفعًا لا يُقدَر عليه، وقوله: (حصين) للتأكيد، أي: محصِّن لمن بداخله، ويقصد بذلك: حصن قومه دوس في اليمن.\nوقوله: «وَمَنْعَةٍ» بفتح الميم وفتح النون ويجوز فيها الإسكان، والفتح أفصح (^١)، والمنعة: العز والامتناع برجال يمنعون من يقصدك بمكروه.\nوقوله: «حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ»، أي: أن الحصن الذي أدعوك له\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (٤/ ٣٦٥).","vol":"1","page":221},{"text":"هو حصن كان لقبيلتي دوس.\nوقوله: «فَأَبَى ذلِكَ النَّبِيُّ ﷺ»، أي: امتنع من إجابة الطفيل.\nوقوله: «لِلَّذِي ذَخَرَ الله لِلأَنْصَارِ»، أي: رفض عرض الطفيل، لأن الله تعالى أراد أن يكرم الأنصار بهجرته إليهم، فلم يشرح صدره ﷺ بالهجرة لغيرهم.\nوقوله: «فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ»، أي: كرهها، قالوا: اجتويت المدينة إذا كرهتها، قال المازري: «قال أبو عبيد: يقال اجتويت البلاد إذا كرهتها وإن كَانَتْ موافقة لك في بدنك. واستوبلتها إذا أحببتها وإن لم توافقك في بدنك» (^١).\nوقوله: «فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ» المشاقص جمع مشقص، وهو السهم العريض، وقال الداودي: «هو السكين، والبراجم والرواجب مفاصل الأصابع كلها» (^٢)، وقيل: البراجم رءوس السلاميات والرواجم بطونها وظهورها (^٣).\nهذا الحديث فيه: الوعيد الشديد على من قتل نفسه.\nوفيه: دليل على أن عقوبة الكبائر قد تسقط، وقد تُغفر بشفاعة النبي ﷺ، وهذه شفاعة له في الدنيا، وقد يشفع له في الآخرة، ويشفع الأنبياء، ويشفع الأبرار لقوم استحقوا دخول النار فلا يدخلونها، بشفاعة الأنبياء والصالحين أو الأبرار.\nوفيه: بيان أن هذا الرجل ممن شاء الله أن يغفر له؛ لأنه إنما أتى بما دون الشرك، وهذا بخلاف القاتل نفسه المذكور في حديث جندب ﵁ (^٤).\n_________\n(^١) المعلم، للمازري (١/ ٣٠٧).\n(^٢) المفهم، للقرطبي (٢/ ٣٢٣).\n(^٣) المصباح المنير، للفيومي (١/ ٤٢).\n(^٤) أخرجه مسلم (١١٣).","vol":"1","page":222},{"text":"وفيه: بيان فضل الهجرة في سبيل الله، والهجرة باقية من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، وفي صحيح البخاري: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» (^١)، يعني: لا هجرة واجبة، فقد انتهت الهجرة لما فُتحت مكة، وصارت دارَ إسلام، فالمراد: لا هجرة من مكة بالخصوص.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٨٣)، ومسلم (١٣٥٣).","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>بَابُ فِي الرِّيحِ الَّتِي تَكُونُ قُرْبَ الْقِيَامَةِ تَقْبِضُ مَنْ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ الإِيمَانِ</span>\n\n[١١٧] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ابْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَبُو عَلْقَمَةَ الْفَرْوِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ رِيحًا مِنْ الْيَمَنِ، أَلْيَنَ مِنَ الْحَرِيرِ، فَلَا تَدَعُ أَحَدًا فِي قَلْبِهِ»، قَالَ أَبُو عَلْقَمَةَ: «مِثْقَالُ حَبَّةٍ»، وقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: «مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ إِيمَانٍ، إِلَّا قَبَضَتْهُ».\nهذا الحديث فيه: بيان ما يكون في آخر الزمان عند أشراط الساعة، وهو أنه تأتي ريح طيبة تقبض أرواح المؤمنين والمؤمنات، ولا يبقى إلا الكفرة، وعليهم تقوم الساعة، وهي ريح طيبة ألين من الحرير، جاء في الحديث الآخر أنها من قبل الشام (^١)، وقيل: إنهما ريحان، وقيل: إنها ريح واحدة، تخرج من إحداهما، ثم تعتدل للجهة الأخرى.\nوفي الحديث نفسه: «حَتَّى لَوْ أن أَحَدَكُمْ دخل فِي كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْه عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٤٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٤٠).","vol":"1","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>بَابُ الْحَثِّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِالأَعْمَالِ قَبْلَ تَظَاهُرِ الْفِتَنِ</span>\n\n[١١٨] حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا».\nهذا الحديث فيه: بيان الحث على المبادرة بالأعمال الصالحة قبل أن تأتي العوائق، والصوارف، والفتن التي تصرف، ولا يستطيع المسلم معها العمل.\nومن الصوارف والعوائق ما جاء في الحديث من قوله ﷺ: «هَلْ تُنْظَرُونَ إِلَاّ إِلَى فَقْرٍ مُنْسٍ، أَوْ غِنًى مُطْغٍ، أَوْ مَرَضٍ مُفْسِدٍ، أَوْ هَرَمٍ مُفَنِّدٍ، أَوْ مَوْتٍ مُجْهِزٍ، أَوِ الدَّجَّالِ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةِ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٣٠٦).","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>بَابُ مَخَافَةِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ</span>\n\n[١١٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ، جَلَسَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِي بَيْتِهِ، وَقَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَاحْتَبَسَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، فَقَالَ: «يَا أَبَا عَمْرٍو، مَا شَأْنُ ثَابِتٍ، اشْتَكَى؟» قَالَ سَعْدٌ: إِنَّهُ لَجَارِي، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى، قَالَ: فَأَتَاهُ سَعْدٌ، فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ ثَابِتٌ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَنَا مِنَ أَهْلِ النَّارِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّة».\nوَحَدَّثَنَا قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ خَطِيبَ الأَنْصَار، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، بِنَحْوِ حَدِيثِ حَمَّادٍ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِ ذِكْر سَعْدِ ابْنِ مُعَاذٍ.\nوَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي الْحَدِيثِ.\nوَحَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَزَادَ: فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.","vol":"1","page":226},{"text":"قوله: «بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّة»: فيه شهادة ومنقبة لثابت بن قيس بن شماس ﵁؛ ولهذا قال أنس ﵁: «فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ».\nوقوله: «يَا أَبَا عَمْرٍو، مَا شَأْنُ ثَابِتٍ، اشْتَكَى؟ قَالَ سَعْدٌ: إِنَّهُ لَجَارِي، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى»: هذا وهمٌ من بعض الرواة، ورواية حماد معلولة، وإن كانت في مسلم، وهذه من الروايات التي انتُقدت على مسلم ﵀؛ لأن هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إنما نزلت في السنة التاسعة عام الوفود، وسعد بن معاذ ﵁ توفي قبل ذلك في السنة الخامسة من الهجرة، في غزوة الخندق، فما حضر هذه القصة؛ ولهذا قال الحافظ ابن كثير في التفسير: «والصحيح: أن حال نزول هذه الآية لم يكن سعد بن معاذ موجودًا؛ لأنه كان قد مات بعد بني قريظة بأيام قلائل، سنة خمس، وهذه الآية نزلت في وفد بني تميم، والوفود إنما تواتروا في سنة تسع من الهجرة» (^١).\nوثابت بن قيس ﵁ قُتل شهيدًا يوم اليمامة ﵁، وهو الذي له قصة الخلع من زوجته جميلة بنت أُبي سلول، لما كرهته؛ لأنها جميلة الخلقة، «جاءت إلى رسول الله، فقالت: يارسول الله، ثابت بن قيس لا أعيب عليه في خلق ولا دين- وكان أصدقها حديقة- وإني أكره الكفر بعد الإسلام، إذا رأيته كرهته، فهو قصير القامة بين الناس، فقال ﷺ: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟» قالت: نَعَمْ، قال: «اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (^٢).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٧/ ٣٦٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٢٧٣).","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>بَابُ هَلْ يُؤَاخَذُ بِأَعْمَالِ الْجَاهِلِيَّةِ</span>؟\n\n[١٢٠] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ أُنَاسٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: «أَمَّا مَنْ أَحْسَنَ مِنْكُمْ فِي الإِسْلَامِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا، وَمَنْ أَسَاءَ أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلَامِ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَوَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: «مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلَامِ أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ».\nحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nهذا الحديث فيه: بيان أن من أسلم فإن الله تعالى يكفر عنه الشرك وأعماله السيئة السابقة، إذا كان قد أحسن في الإسلام، وحسن إسلامه، أما إذا أسلم ولم يحسن إسلامه، فإن الله تعالى يغفر الشرك، وتبقى سيئاته السابقة يؤاخذ بها.\nمثال ذلك: أسلم شخص، وتاب من الشرك، وكان يشرب الخمر في كفره، وكان يسرق، وكان يزني، ثم تاب من الشرك، ومن الزنا، والسرقة، والخمر، فهذا أحسن في الإسلام؛ فيمحو الله تعالى الشرك، ويمحو الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وشخص آخر أسلم وتاب من الشرك، وكان يزني في الجاهلية، ويسرق، ويشرب الخمر، لكنه لم يتب من الزنا، ولا من","vol":"1","page":228},{"text":"السرقة، ولا من شرب الخمر، فاستمر على الزنا، واستمر على السرقة، واستمر على شرب الخمر، فهذا أساء في الإسلام؛ يمحو الله بإسلامه الشرك، ويبقى عليه الزنا، يؤاخذ بفعل الزنا في الإسلام وفي الجاهلية، ويؤاخذ بفعل السرقة في الإسلام وفي الجاهلية، ويؤاخذ بشرب الخمر في الإسلام وفي الجاهلية.","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>بَابُ كَوْنِ الإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ</span>\n\n[١٢١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، وَأَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: أَبَا عَاصِمٍ- قَالَ: أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ، فَبَكَى طَوِيلًا، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا؟ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا؟ قَالَ: فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلَاثٍ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي، وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ، فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الإِسْلَامَ فِي قَلْبِي، أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قَالَ: «مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟»، قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: «تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟»، قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ»، وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى\nالله عليه وسلم، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ، وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا، فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ، وَلَا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا؛ حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ، وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي.","vol":"1","page":230},{"text":"هذا الحديث فيه: بيان أفضل ما يعده الإنسان لما بعد الموت، وهو التوحيد والإيمان، ولما سئل النبي ﷺ: أي الأعمال أفضل؟ قال: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ» (^١).\nوفيه: دليل على أن الإسلام يهدم ما قبله، ولكن بالتفصيل السابق؛ إذا أسلم، وحسن إسلامه هدم الإسلامُ الشركَ والمعاصي، وإذا أسلم وساء إسلامه هدم الإسلامُ الشركَ وبقيت عليه المعاصي التي استمر عليها، ولم يتب منها، وكذلك الهجرة تهدم ما قبلها، وكذلك الحج الذي ليس فيه فسوق ولا عصيان يهدم ما قبله من المعاصي.\nوقوله: «ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا»، أي: حصل له أشياء بعد وفاة النبي ﷺ، من اتصاله بمعاوية ﵁، ومسألة التحكيم، والخلاف الذي حصل بين الصحابة، والقتال بينهم.\nوقوله: «فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا فَإِذَا فَرَغْتُمْ مِنْ دَفْنِي، فَامْكُثُوا حَوْلِي قَدْرَ مَا يُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا فَإِنِّي آنَسُ بِكُمْ حَتَّى أَعْلَمَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي» وهذا اجتهاد منه ﵁؛ لأن هذه المدة مدة طويلة، فمقدار ما تنحر الجزور، ويقسم لحمها ساعتان أو ثلاث، وهذا وقت طويل، والصواب: أنه لا يشرع الجلوس عند الميت هذه المدة الطويلة؛ لما فيها من المشقة، وهي غير مشروعة، ولا دليل عليها في السنة، فإذا دفن الميت يقف الإنسان عند قبره قليلًا ويدعو له، وينصرف، كما في حديث عثمان ﵁ قال ﷺ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ؛ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥١٩)، ومسلم (٨٣).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٢٢١)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (٤٠).","vol":"1","page":231},{"text":"[١٢٢] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ- وَاللَّفْظُ لِإِبْرَاهِيمَ- قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ- وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ قَتَلُوا، فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا، فَأَكْثَرُوا، ثُمَّ أَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ، فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو لَحَسَنٌ، وَلَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً، فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾، وَنَزَلَ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.\nهذا الحديث فيه: بيان خبر التائبين، وهم أناس كانوا على الشرك، فزنوا، وسرقوا، ثم تابوا، وجاءوا إلى النبي ﷺ، وقالوا: «إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو لَحَسَنٌ، وَلَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً»، فنزلت هذه الآية: أن من تاب من الشرك، والزنا، والسرقة، كفَّر الله ذنوبه، وإذا أتبعها بالعمل الصالح بُدِّلت السيئات حسنات، كما قال تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾.\nولما سئل العلامة ابن باز ﵀: كيف نجمع بين هاتين الآيتين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) وقوله تعالى:) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾، وهل بينهما تعارض؟\nفأجاب ﵀ فقال: ليس بينهما تعارض، فالآية الأولى في حق من مات على الشرك ولم يتب منه فإنه لا يغفر له ومأواه النار كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾،","vol":"1","page":232},{"text":"وقال ﷿: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة. أما الآية الثانية وهي قوله سبحانه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ فهي في حق التائبين، وهكذا قوله سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أجمع العلماء على أن هذه الآية في التائبين. والله ولي التوفيق (^١).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز (٤/ ٤١٩).","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>بَابُ بَيَانِ حُكْمِ عَمَلِ الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَهُ</span>\n\n[١٢٣] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، هَلْ لِي فِيهَا مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ»، وَالتَّحَنُّثُ: التَّعَبُّدُ.\nوَحَدَّثَنَا حسن الحلواني، وَعَبْدُ بْنُ حميد، قَالَ الْحُلْوَانِيُّ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ عَبد: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَن صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ، أَوْ عَتَاقَةٍ، أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ، أَفِيهَا أَجْرٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْر».\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حميد قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَشْيَاءَ كُنْتُ أَفْعَلُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ هِشَامٌ، يعني: أَتَبَرَّرُ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ لَكَ مِنَ الْخَيْرِ»، قُلْتُ: فَوَاللَّهِ لَا أَدَعُ شَيْئًا صَنَعْتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَّا فَعَلْتُ فِي الإِسْلَامِ مِثْلَهُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ، أَعْتَقَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، ثُمَّ أَعْتَقَ فِي الإِسْلَامِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.","vol":"1","page":234},{"text":"وقوله: «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ»، يعني: إذا أسلم الكافر وكان هناك أعمال صالحة يعملها في كفره، يقصد بها التقرب إلى الله، يكتب له أجرها في إسلامه، بشرط أن يكون قاصدًا بها التقرب إلى الله، فإذا كان يعتق الرقاب في الجاهلية، أو ينصر المظلوم، وينوي بهذه الأعمال التقرب إلى الله، فإنه تكتب له كل تلك الأعمال، ويحرزها بإسلامه، هذا المعنى الظاهر للحديث وهو الراجح، وإليه ذهب ابن بطال (^١).\nوقيل في معناه أقوال أخرى:\nقال النووي ﵀: «وقال الإمام أبو عبد الله المازري ﵀: ظاهره خلاف ما تقتضيه الأصول؛ لأن الكافر لا يصح منه التقرب، فلا يثاب على طاعته، ويصح أن يكون مطيعًا غير متقرب، كنظيره في الإيمان، فإنه مطيع فيه من حيث كان موافقًا للأمر والطاعة عندنا موافقة الأمر ولكنه لا يكون متقربا لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفا بالمتقرب إليه وهو في حين نظره لم يحصل له العلم بالله تعالى بعد فإذا تقرر هذا علم أن الحديث متأول وهو يحتمل وجوها أحدها أن يكون معناه اكتسبت طباعا جميلة وأنت تنتفع بتلك الطباع في الإسلام وتكون تلك العادة تمهيدا لك ومعونة على فعل الخير والثاني معناه اكتسبت بذلك ثناء جميلا فهو باق عليك في الإسلام والثالث أنه لا يبعد أن يزاد في حسناته التي يفعلها في الإسلام ويكثر أجره لما تقدم له من الأفعال الجميلة وقد قالوا في الكافر إذا كان يفعل الخير فإنه يخفف عنه به فلا يبعد أن يزاد هذا في الأجور» (^٢).\nقلت: قوله: الكافر لا يصح منه التقرب، مراده: أنه لا يعتد له به في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرض لثواب الآخرة، فإن أقدَمَ قائل على التصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة رُدَّ قوله بهذه السنة الصحيحة.\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٧/ ٥١ - ٥٢).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٢/ ١٤٠ - ١٤١).","vol":"1","page":235},{"text":"وقال النووي ﵀: «قال القاضي عياض ﵀: وقيل معناه ببركة ما سبق لك من خير هداك الله تعالى إلى الإسلام وأن من ظهر منه خير في أول أمره فهو دليل على سعادة آخره وحسن عاقبته هذا كلام القاضي وذهب بن بطال وغيره من المحققين إلى أن الحديث على ظاهره وأنه إذا أسلم الكافر ومات على الإسلام يثاب على ما فعله من الخير في حال الكفر واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب الله تعالى له كل حسنة زلفها ومحا عنه كل سيئة زلفها وكان عمله بعد الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله ﷾ ذكره الدارقطني في غريب حديث مالك ورواه عنه من تسع طرق وثبت فيها كلها أن الكافر إذا حسن إسلامه يكتب له في الإسلام كل حسنة عملها فى الشرك قال بن بطال رحمه الله تعالى بعد ذكره الحديث ولله تعالى أن يتفضل على عباده بما يشاء لا اعتراض لأحد عليه قال وهو كقوله ﷺ لحكيم بن حزام ﵁ أسلمت على ما أسلفت من خير والله أعلم» (^١).\nهذا الحديث فيه: أن الأعمال الصالحة التي كان يعملها العبد في الجاهلية تكتب له في إسلامه بعد الإسلام.\nوفيه: بيان همة حكيم بن حزام ﵁ العالية، فمائة رقبة أعتقها في الجاهلية، وحمل على مائة بعير، وقال: «فَوَاللَّهِ لَا أَدَعُ شَيْئًا صَنَعْتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَّا فَعَلْتُ فِي الإِسْلَامِ مِثْلَهُ».\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ١٤١ - ١٤٢).","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>بَابُ صِدْقِ الإِيمَانِ وَإِخْلَاصِهِ</span>\n\n[١٢٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾».\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى- وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ-.ح، وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ. ح، وحَدَّثَنا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: حَدَّثَنِيهِ أَوَّلًا أَبِي عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ عَنِ الأَعْمَشِ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ مِنْهُ.\nهذا الحديث فيه: بيان ما ظنه الصحابة ﵃ من أن المراد بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ هو مطلق الظلم، وهو المعاصي، فبين لهم الرسول ﷺ أن المراد بالظلم: الشرك، واستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.\nوالظلم ثلاثة أقسام:\nالأول: ظلم شرك.\nالثاني: ظلم العباد في أموالهم، ودمائهم، وأعراضهم.\nالثالث: ظلم النفس بالمعاصي.\nوفيه: فضل التوحيد، وأن من مات على التوحيد فله الأمن والهداية في","vol":"1","page":237},{"text":"الدنيا، وفي الآخرة، وأهل التوحيد على قسمين:\nالقسم الأول: أهل التوحيد الذين ماتوا على التوحيد الخالص، ولم يصروا على الكبائر، وهؤلاء لهم هداية كاملة، وأمن كامل، ولهم الهداية في الدنيا، والأمن في الآخرة، يأمنون من دخول النار، ومن العذاب فيها.\nالقسم الثاني: أهل التوحيد الذين ماتوا على الكبائر، ولم يتوبوا منها، فماتوا على الزنا، أو السرقة، أو شرب الخمر، أو عقوق الوالدين، أو قطيعة الرحم، فهؤلاء لهم هداية ناقصة، وأمن ناقص، هدايتهم في الدنيا ناقصة، وأمنهم ناقص، فلهم الأمن من الخلود في النار، لكن ليس لهم أمن من دخولها.","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>بَابُ قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾</span>\n\n[١٢٥] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، وَأُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ- وَاللَّفْظُ لِأُمَيَّةَ- قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ- وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَال: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، كُلِّفْنَا مِنَ الأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلَاةُ، وَالصِّيَامُ، وَالْجِهَادُ، وَالصَّدَقَةُ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةُ، وَلَا نُطِيقُهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ» قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي إِثْرِهَا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ، نَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى،\nفَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قَالَ: «نَعَمْ»، ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، قَالَ: «نَعَمْ»، ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾، قَالَ: «نَعَمْ»، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾، قَالَ: «نَعَمْ».\n\n[١٢٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ-","vol":"1","page":239},{"text":"وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ- مَوْلَى خَالِدٍ- قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، قَالَ: دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قُولُوا: سَمِعْنَا، وَأَطَعْنَا، وَسَلَّمْنَا»، قَالَ: فَأَلْقَى اللَّهُ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قَالَ: «قَدْ فَعَلْتُ»، ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، قَالَ: «قَدْ فَعَلْتُ»، ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا﴾، قَالَ: «قَدْ فَعَلْتُ».\nهذا الحديث فيه: بيان فضل الله تعالى وإحسانه، بأن نَسَخَ هذه الآية التي فيها تقرير لشيء لا يطيقونه، وهي في قوله تعالى: ﴿وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾.\nوقول الله ﷿: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾، أي: إلا ما تطيق، والوسَاوِس لا يطيقها الإنسان، فلا يُكلَّف بها، وفي الحديث الآتي يقول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَتَكَلَّمْ به»، فالوسَاوِس معفوٌّ عنها.","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>بَابُ تَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَالْخَوَاطِرِ بِالْقَلْبِ إِذَا لَمْ تَسْتَقِرَّ</span>\n\n[١٢٧] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وُمُحَمَّدُ ابْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ- وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا، أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ».\nحَدَّثَنَا عمرو الناقد، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كُلُّهُمْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ وَهِشَامٌ. ح، وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ شَيْبَانَ، جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nهذا الحديث فيه: بيان فضل الله تعالى وإحسانه لعباده، بأنه لا يؤاخذهم بحديث النفس، ما لم يتكلموا، أو يعملوا؛ لأن حديث النفس لا يستطيع الإنسان دفعه.\nوفيه: دليل على أن الكلام إنما هو الذي يتلفظ به الإنسان، وينطق به، لا ما يكون بالنفس، ففيه الرد على الأشاعرة الذين يقولون: الكلام هو المعنى القائم بالنفس، فالنبي ﷺ فرَّق بين ما يكون بالنفس، وبين ما يتكلم به","vol":"1","page":241},{"text":"الإنسان، فأخبر أن الكلام إنما يكون بما ينطق به باللسان، أو يعمل به، أما حديث النفس فليس كلامًا، والأشاعرة يقولون: الكلام هو المعنى القائم بالنفس.\nوفيه: دليل على أن الله تعالى لا يؤاخذ بوساوس النفس وحديث النفس، لكن ما استقر في القلوب واعتقده الإنسان، أو عزم عليه يؤاخذ به؛ ولهذا قال ﷾: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، فرتب العقوبة على الإرادة والتصميم، فالإرادة الجازمة والتصميم الجازم غير حديث النفس، فحديث النفس الذي لا يستقر لا يؤاخذ به الإنسان، أما ما استقر في النفوس فإنه يؤاخذ به.\nفالإنسان يؤاخذ بما استقر في قلبه جازمًا به، من النفاق، أو الشرك، أو التكذيب،\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، فالظن الذي ليس عليه دليل إثم، أما الوساوس التي لا تستقر فليست تكذيبًا، ولا كفرًا، ولا شركًا، ولا تصميمًا، ولا عزمًا، ولا إرادة جازمة، ولا شيئًا مستقرًّا، وإنما هو حديث يدور في النفس، فهذا لا يؤاخذ به الإنسان، وهو من فضل الله تعالى وإحسانه.","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ</span>\n\n[١٢٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً، وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْرًا».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبْتُهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ أَكْتُبْهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً».\nهذا الحديث فيه: بيان فضل الله تعالى وإحسانه، بأن الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها، وإذا «هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبْتُهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ أَكْتُبْهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً»، وهذا موافق لقول الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، فيكتب على العبد ما يتلفظ به اللسان، وما يعمل به، ويكتب- أيضًا- أعمال القلوب، وأفضلها: التوحيد والإيمان، وأعمال الإنسان كلها تكتب، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.","vol":"1","page":243},{"text":"[١٢٩] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَمْ يَعْمَلْ، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا»، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: رَبِّ ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً وَهُوَ أَبْصَرُ بِهِ، فَقَالَ: ارْقُبُوهُ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً؛ إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ»، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ».\nقوله: «تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ»، يعني: من أجلي.\nوهذا الحديث فيه: دليل على أن الإنسان إذا ترك السيئة خوفًا من الله وطمعًا فيما عنده تكتب له حسنة، ولا تكتب عليه سيئة؛ ولهذا قال الله تعالى: «ارْقُبُوهُ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً؛ إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ».\nوالحديث الذي قبله فيه: أن الله تعالى قال: «إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبْتُهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ أَكْتُبْهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً»، والحديث الثالث فيه: «الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟» قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨).","vol":"1","page":244},{"text":"ويؤخذ من مجموع هذه الأحاديث الثلاثة: أن العبد إذا هم بالسيئة فتركها فله أحوال ثلاث:\nالحال الأولى: أن يتركها غفلة وإعراضًا عنها، فهذا لا تكتب عليه.\nالحال الثانية: أن يهم بالسيئة، ثم يتركها خوفًا من الله، فهذا تكتب له حسنة.\nالحال الثالثة: أن يهم بالسيئة، ويعزم عليها، ويصمم عليها، ويفعل الأسباب التي توصله إليها، لكن يتركها عجزًا عنها، فهذا تكتب عليه سيئة الهم والتصميم، ومن ذلك: حديث: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟» قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»، فعوقب المقتول بهمِّه وحرصه على قتل صاحبه، وبذله للأسباب، وأنه ما منعه إلا العجز، لم يمنعه الخوف، ولا الغفلة.","vol":"1","page":245},{"text":"[١٣٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ عَنْ هِشَامٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَعَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ، وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ».\n\n[١٣١] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنِ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ﵎- قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ ﷿ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ فِي هَذَا الإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ وَزَادَ: وَمَحَاهَا اللَّهُ، وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا هَالِكٌ.\nهذا الحديث فيه: أن مضاعفة الحسنات لا يقف عند حد؛ ولهذا قال: «كَتَبَهَا اللَّهُ ﷿ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ» وهذا دليل على أن المضاعفة لا تقف عند حد، ولا تقف عند السبعمائة، وهذا على حسب ما يكون بالقلوب من تعظيم الله ﷾ وإجلاله، وبحسب هذه الحسنة، وتأثيرها وتعدي نفعها، ويدل على هذا حديث: «إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٌ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقَّهُ، قَالَ: فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، قَالَ: وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا؟ قَالَ: فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ عَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، قَالَ: فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، قَالَ: وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ","vol":"1","page":246},{"text":"رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقَّهُ، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، قَالَ: وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ اللهُ مَالًا، وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، قَالَ: هِيَ نِيَّتُهُ، فَوِزْرُهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ» (^١)، فهذا يدل على: أن تمني الخير يؤجر عليه صاحبه، وتمني الشر يعاقب عليه، وكأن هذا التمني ليس حديث النفس، وإنما هو زائد عن ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٨٠٣١)، والترمذي (٢٣٢٥).","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>بَابُ بَيَانِ الْوَسْوَسَةِ فِي الإِيمَانِ، وَمَا يَقُولُهُ مَنْ وَجَدَهَا</span>\n\n[١٣٢] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: «وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ !» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ.\n\n[١٣٣] حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ ابْنُ عَثَّامٍ عَنْ سُعَيْرِ بْنِ الْخِمْسِ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْوَسْوَسَةِ قَالَ: «تِلْكَ مَحْضُ الإِيمَانِ».\nقوله: «ذَاكَ صَرِيحُ الإيمَانِ»، «تِلْكَ مَحْضُ الإِيمَانِ»: ليس المراد: أن الوسوسة صريح الإيمان، إنما كتم الوسوسة، واستعظامها، وكراهتها، وعدم التكلم بها.","vol":"1","page":248},{"text":"[١٣٤] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ- وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ، حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ».\nوَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ مَنْ خَلَقَ الأَرْضَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ»، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ، وَزَادَ: وَرُسُلِهِ.\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد، جميعًا عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ، فَيَقُولَ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ».\nحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَأْتِي الْعَبْدَ الشَّيْطَانُ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟»، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ.\n\n[١٣٥] حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَسْأَلُونَكُمْ عَنِ الْعِلْمِ، حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ خَلَقَنَا، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ قَالَ: وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ رَجُلٍ، فَقَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، قَدْ سَأَلَنِي اثْنَانِ، وَهَذَا الثَّالِثُ- أَوْ قَالَ: سَأَلَنِي وَاحِدٌ، وَهَذَا الثَّانِي».\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا يَزَالُ النَّاسُ،","vol":"1","page":249},{"text":"بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ النَّبِيَّ ﷺ فِي الإِسْنَادِ، وَلَكِنْ قَدْ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرُّومِيِّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ- وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ- حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَزَالُونَ يَسْأَلُونَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟»، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ؛ إِذْ جَاءَنِي نَاسٌ مِنَ الأَعْرَابِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَذَا اللَّهُ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ قَالَ: فَأَخَذَ حَصًى بِكَفِّهِ فَرَمَاهُمْ، ثُمَّ قَالَ: قُومُوا قُومُوا، صَدَقَ خَلِيلِي.\nقوله: «قُومُوا قُومُوا، صَدَقَ خَلِيلِي»، يعني: رسول الله ﷺ.\nوهذا الحديث فيه: إشارة إلى ذم كثرة السؤال، والاستفتاء عن الأمور التي لا يحتاج إليها، وأن ذلك يجر إلى السؤال عما لا يجوز، فينبغي للإنسان اجتنابه؛ حذرًا مما يجر إليه.","vol":"1","page":250},{"text":"حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيَسْأَلَنَّكُمُ النَّاسُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى يَقُولُوا: اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، فَمَنْ خَلَقَهُ؟».\n\n[١٣٦] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ مُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يَزَالُونَ يَقُولُونَ: مَا كَذَا، مَا كَذَا، حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟».\nحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُخْتَارِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، غَيْرَ أَنَّ إِسْحَاقَ لَمْ يَذْكُرْ: قَالَ: قَالَ اللَّهُ: إِنَّ أُمَّتَك.\nهذه الأحاديث فيها: دليل على أن الشيطان يوسوس للإنسان في التوحيد، والإيمان بالجنة، والنار، وفي الله ﷿، وفي الرسول ﷺ؛ حتى يؤذيه؛ لأن الشيطان حريص على إيذاء بني آدم، وإفساد دينهم عليهم، ولكن الرسول ﷺ بين لنا العلاج من هذه الوساوس، فالشيطان إذا أتى للإنسان وقال له: من خلق كذا؟ ومن خلق كذا؟ ثم قال: من خلق الله؟ فعلى المسلم أن يفعل أمورًا خمسة:\nالأمر الأول: أن يقول «آمَنْتُ باللهِ وَرُسُلِهِ» ففي لفظ قال: «آمَنْتُ باللهِ»، وفي لفظ آخر قال: «وَرُسُلِهِ»، فبالروايتين يقول: «آمَنْتُ باللهِ ورُسُلِهِ».\nالأمر الثاني: أن يستعيذ بالله من الشيطان؛ لأن هذه الوساوس من الشيطان، ومعنى «أعوذ بالله»، أي: ألتجأ إلى الله، وأحتمي به من شر هذا الشيطان العدو اللدود.","vol":"1","page":251},{"text":"الأمر الثالث: أن ينتهي، فيقرأ التفسير مثلًا، ولا يسترسل في هذه الوساوس، ويشتغل بعمله الديني أو الدنيوي، فهذه ثلاثة أمور جاءت في الأحاديث.\nالأمر الرابع: يتقل عن يساره ثلاثا، كما في المسند وسنن أبي داود: «فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ فَقُولُوا: اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، ثُمَّ لِيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ مِنَ الشَّيْطَانِ» (^١).\nالأمر الخامس: وهو ما ورد في الحديث السابق؛ أن يقول: «اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ».\nفهذه أمور خمسة، كلها علاج لهذه الوساوس التي ترد من الشيطان عند قوله: من خلقك؟ ومن خلق الله؟ وما أشبه ذلك من الوساوس.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٩٠٢٧)، وأبو داود (٤٧٢٢).","vol":"1","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>بَابُ وَعِيدِ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ فَاجِرَةٍ بِالنَّارِ</span>\n\n[١٣٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جميعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَلَاءُ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- مَوْلَى الْحُرَقَةِ- عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ السَّلَمِيِّ عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاك».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ يُحَدِّثُ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ الْحَارِثِيّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nهذا الحديث فيه: الوعيد الشديد على من اقتطع مال مسلم بيمينه، وأن هذا من الكبائر، ولو كان قليلًا، سواء عند القاضي أو غيره، كأن يكون إنسان عنده حق لشخص، فينكر، ولا يكون لصاحب الحق بينة، فيقول له القاضي: ليس لك إلا يمين، فيحلف، فإذا حلف انتهت الخصومة، واقتطع مال أخيه بهذه اليمين.\nوفيه: أن هذا يدل على ضعف الإيمان، ونقصه؛ ولذا جاء ذكره في كتاب الإيمان.","vol":"1","page":253},{"text":"[١٣٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»، قَالَ: فَدَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالُوا: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فِيَّ نَزَلَتْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ أَرْضٌ بِالْيَمَنِ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟»، فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَيَمِينُهُ»، قُلْتُ: إِذَنْ يَحْلِفُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ.\nقوله: «يَمِين صَبْرٍ»، أي: حبس، وكأنه حينما يحلف ويقتطع ماله وليس معه بينة، كأنه حبسه، وأخذ ماله، فهذا من الصبر؛ لأنه لا حيلة حينئذٍ لصاحب الحق.\nولذا يقال: فلان قُتِل صبرًا، يعني: قُتل، وهو لا يستطيع الدفاع عن نفسه.\nوقوله: «أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ» هي كنية عبد الله بن مسعود ﵁.","vol":"1","page":254},{"text":"حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا، وهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الأَعْمَشِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ».\nقوله: «شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ»، يعني: صاحب الحق إما أن يأتي بالبينة، فإن لم يكن له بينة فليس له إلا يمين صاحبه مسلمًا كان أو كافرًا، ليس له إلا ذلك، وتنتهي الخصومة في الدنيا.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَن، سَمِعَا شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقِّهِ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ.\nقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: هذا وعيد شديد للذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا، فهذا الذي حلف وهو فاجر اشترى بيمينه هذا المال الذي أكله، فعليه الوعيد الشديد في قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.","vol":"1","page":255},{"text":"وفي هذا الحديث قال ﷺ: «لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»، وفي الحديث الأول وعيد بأن الله لا يدخله الجنة، وهذا يدل على أنه من الكبائر العظيمة.\n\n[١٣٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وَأَبُو عاصم الحنفي- وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ، إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي، كَانَتْ لِأَبِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي، أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْحَضْرَمِيِّ: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَكَ يَمِينُهُ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: «لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِك» فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَدْبَرَ: «أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جميعًا عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ وَائِلِ ابْنِ حُجْرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَتَاهُ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ فِي أَرْضٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّ هَذَا انْتَزَى عَلَى أَرْضِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ عَابِسٍ الْكِنْدِيُّ، وَخَصْمُهُ رَبِيعَةُ بْنُ عِبْدَانَ قَالَ: «بَيِّنَتُكَ»، قَالَ: لَيْسَ لِي بَيِّنَةٌ، قَالَ: «يَمِينُهُ»، قَالَ: إِذًا يَذْهَبُ بِهَا، قَالَ: «لَيْسَ لَكَ إِلَّا ذَاكَ»، قَالَ: فَلَمَّا قَامَ لِيَحْلِفَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ أَرْضًا ظَالِمًا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»، قَالَ إِسْحَاقُ فِي رِوَايَتِهِ: رَبِيعَةُ بْنُ عَيْدَانَ.\nهذا الحديث فيه: أنه ليس للمدعي إذا لم يكن عنده بينة إلا يمين الخصم، مسلمًا كان أو كافرًا.","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَصَدَ أَخْذَ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ كَانَ الْقَاصِدُ مُهْدَرَ الدَّمِ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ قُتِلَ كَانَ فِي النَّارِ، وَأَنَّ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ</span>\n\n[١٤٠] حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ مَخْلَدٍ- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: «فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: «قَاتِلْهُ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: «هُوَ فِي النَّارِ».\n\n[١٤١] حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ- وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ أَنَّ ثَابِتًا- مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَبَيْنَ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مَا كَانَ تَيَسَّرُوا لِلْقِتَالِ، فَرَكِبَ خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَوَعَظَهُ خَالِدٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»؟\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nهذا الحديث فيه: أن من قُتل دون ماله فهو شهيد.\nوفيه: دليل على مشروعية الدفاع عن المال، كما في حديث: «أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: «قَاتِلْهُ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ","vol":"1","page":257},{"text":"قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: «هُوَ فِي النَّارِ» فهذا فيه: دليل على أنه يجوز للإنسان الدفاع عن ماله، وأنه إن قُتل دون ماله فهو شهيد، وإذا قتل الصائلَ فالصائلُ في النار.\nوفيه: أنه لو ترك ماله حقنًا لدمه فلا بأس.","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>بَابُ اسْتِحْقَاقِ الْوَالِي الْغَاشِّ لِرَعِيَّتِهِ النَّارَ</span>\n\n[١٤٢] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: عَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزنِيَّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، قَالَ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: دَخَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ عَلَى مَعْقَلِ بْنِ يَسَارٍ، وَهُوَ وَجِعٌ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا لَمْ أَكُنْ حَدَّثْتُكَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَسْتَرْعِي اللَّهُ عَبْدًا رَعِيَّةً، يَمُوتُ حِينَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهَا، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»، قَالَ: أَلَّا كُنْتَ حَدَّثْتَنِي هَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ؟ قَالَ: مَا حَدَّثْتُكَ، أَوْ لَمْ أَكُنْ لَأُحَدِّثَكَ.\nوَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ- يَعْنِي: الْجُعْفِيَّ- عَنْ زَائِدَةَ عَنْ هِشَامٍ قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: كُنَّا عِنْدَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ نَعُودُهُ، فَجَاءَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي سَأُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ فِي مَرَضِهِ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ، لَوْلَا أَنِّي فِي الْمَوْتِ لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ، إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ».","vol":"1","page":259},{"text":"هذا الحديث فيه: الوعيد الشديد على غش الوالي للرعية، وأنه من كبائر الذنوب؛ لأنه توعد عليه بعدم دخول الجنة، ولا يدل على أنه كافر؛ لأن غش الرعية ليس شركًا في العبادة، ولا ناقضًا من نواقض الإسلام، لكنه من الكبائر؛ للوعيد عليه في عدم دخول الجنة، وهو معصية تُنقص وتُضعف الإيمان، وهذا هو وجه إدخال الإمام مسلم ﵀ هذا الحديث في كتاب الإيمان.\nولا يكفر غاش الرعية إلا إذا استحله، فاعتقد أن غش الرعية حلال.\nوهذه قاعدة عامة في جميع الكبائر: أن من استحل أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة الشرعية- كفر، لكن إذا لم يستحل ذلك يكون عاصيًا وناقص الإيمان.\nوفيه: أن معقل بن يسار ﵁ حدث عبيد الله بن زياد أمير العراق بهذا الحديث، ولعله ما حدثه إلا في الموت؛ ليريه ظلمه، فهو خشي من شره؛ فلذلك حدثه عند الموت، فقال: «إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ»، وإنما حدَّثه إبراءًا للذمة، وخروجًا من إثم كتم العلم، ولعله يرتدع ويرعوي عن ظلمه.","vol":"1","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>بَابُ رَفْعِ الأَمَانَةِ وَالإِيمَانِ مِنْ بَعْضِ الْقُلُوبِ، وَعَرْضِ الْفِتَنِ عَلَى الْقُلُوبِ</span>\n\n[١٤٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ، قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ، فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ، ثُمّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الأَمَانَةِ، قَالَ: «يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ، فَنَفِطَ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ أَخَذَ حَصًى فَدَحْرَجَهُ عَلَى رِجْلِهِ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، لَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ، مَا أَظْرَفَهُ، مَا أَعْقَلَهُ، وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنَ إِيمَانٍ، وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ، وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ، وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا، أَوْ يَهُودِيًّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ لِأُبَايِعَ مِنْكُمْ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي وَوَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقوله: «حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ»، يعني: حديثين في الأمانة، أحدهما في نزول الأمانة في قلوب الرجال، والثاني في رفع الأمانة، وإلا فله أحاديث كثيرة.","vol":"1","page":261},{"text":"وقوله: «أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ» فكانوا أمناء، فنزلت الأمانة في قلوبهم، ونزل القرآن، وجاءت السنة، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة، فعملوا بالأمانة، والمراد بالأمانة: الأمانة العامة، وهي أمانة التكليف، وليس المراد الوديعة، فالوديعة نوع من الأمانة، وتفسر الأمانة بالتكليف؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، فهي أمانة التكليف من صلاة، وصيام، وزكاة، وحج.\nومن ذلك: الأمانة في البيع والشراء التي تكون بينك وبين الناس، بألا تخفي عيوب السلعة، ولا تنفق السلعة بالحلف الكاذب، ولا تغش الأمانة فيما بينك وبين جيرانك، والأمانة بينك وبين أهلك، ومن الأمانة أن لا تأكل مال اليتيم، ومن الأمانة ألا تأكل الرشوة، ومن الأمانة ألا تتعامل بالربا، ومن الأمانة الوديعة وصيانتها.\nوقوله: «مِثْلَ الْوَكْتِ» هو الشيء اليسير الذي يكون في الجسد يغاير لون الجسد.\nوقوله: «مثلَ المَجْلِ، كجَمْرٍ دَحْرَجْتَه على رجلِك، فنَفِطَ، فتَراه مُنْتَبِرًا» التنفُّط هو الذي يصير في اليد ويظَهَر فيها ما يشبه البَثْر من العمَل بِالأشياء الصلبة الخَشِنَة، قال النووي ﵀: «نفط، بفتح النون وكسر الفاء، ويقال: تنفط، بمعناه، والتنفط: الذي يصير في اليد من العمل بفأس، أو نحوها، ويصير كالقبة فيه ماء قليل» (^١).\nوقوله: «فتَراه مُنْتَبِرًا»، يعني: منتفخًا.\nوقوله: «وليس فيه شيءٌ»، أي: فقاقيع، قد تكون مياهًا بيضاء.\nوقوله: «فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، لَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ! مَا أَظْرَفَهُ! مَا أَعْقَلَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ١٦٩).","vol":"1","page":262},{"text":"مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ»، يعني: أنك تجد الناس كلهم يغشون، فإذا باعك يغشك، وإذا ائتمنته في شيء يغشك، ولا تجد أمينًا في التكاليف التي بينه وبين الله، بخلاف الجيل الأول.\nوقوله: «وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ، وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ لِأُبَايِعَ مِنْكُمْ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا» هذا كان يقوله حذيفة ﵁ في الصدر الأول، فكيف لو رأى حال الناس في القرن الخامس عشر؟ !\nوقوله: «لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ»، أي: إن كان مسلمًا يرده عليه دينُه، فهو مسلم، ودينه يأمره بأداء الأمانة.\nوقوله: «وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ»، أي: واليه، فيكون واليه مسؤولًا عنه، وهو الذي يرد عليه.\nوهذا الحديث فيه: أن رفع الأمانة يدل على ضعف الإيمان، ونقص الإيمان، وهذا هو الشائع في أحاديث كتاب الإيمان.\nورفع الأمانة يختلف حكمه، فقد يكون كفرًا، وقد يكون معصية، والأصل أنه معصية تُنقص الإيمان، إلا إذا كان هذا الشيء الذي خانه يؤدي إلا الكفر، فيكون كافرًا.","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>بَابُ بَيَانِ أَنَّ الإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا، وَأَنَّهُ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ</span>\n\n[١٤٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ- يَعْنِي: سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ- عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ الْفِتَنَ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: نَحْنُ سَمِعْنَاهُ، فَقَالَ: لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَجَارِهِ؟ قَالُوا: أَجَلْ، قَالَ: تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ، وَالصِّيَامُ، وَالصَّدَقَةُ، وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ الْفِتَنَ الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ، فَقُلْتُ: أَنَا، قَالَ: أَنْتَ لِلَّهِ أَبُوكَ، قَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ». قَالَ حُذَيْفَةُ وَحَدَّثْتُهُ: أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا يُوشِكُ أَنْ يُكْسَرَ، قَالَ عُمَرُ: أَكَسْرًا، لَا أَبَا لَكَ، فَلَوْ أَنَّهُ فُتِحَ لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ؟ قُلْتُ: لَا، بَلْ يُكْسَرُ، وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ رَجُلٌ يُقْتَلُ أَوْ يَمُوتُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ.\nقَالَ أَبُو خَالِدٍ: فَقُلْتُ لِسَعْدٍ: يَا أَبَا مَالِكٍ، مَا أَسْوَدُ مُرْبَادًّا؟ قَالَ: شِدَّةُ الْبَيَاضِ فِي سَوَادٍ، قَالَ: قُلْتُ: فَمَا الْكُوزُ مُجَخِّيًا؟ قَالَ: مَنْكُوسًا.\nوَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الأَشْجَعِيُّ عَنْ رِبْعِيٍّ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ حُذَيْفَةُ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ جَلَسَ فَحَدَّثَنَا، فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمْسِ لَمَّا جَلَسْتُ إِلَيْهِ سَأَلَ أَصْحَابَهُ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْفِتَنِ؟ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي خَالِدٍ، وَلَمْ","vol":"1","page":264},{"text":"يَذْكُرْ تَفْسِيرَ أَبِي مَالِكٍ لِقَوْلِهِ: مُرْبَادًّا مُجَخِّيًا.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: مَنْ يُحَدِّثُنَا، أَوْ قَالَ: أَيُّكُمْ يُحَدِّثُنَا- وَفِيهِمْ حُذَيْفَةُ- مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ كَنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ عَنْ رِبْعِيٍّ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ حُذَيْفَةُ: حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ، وَقَالَ، يعني: أَنَّهُ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nقوله: «فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَجَارِهِ»،\nفيه: بيان فضل الله تعالى وإحسانه لعباده، وهذه لا يخلو منها أحد، يعني: ما يحصل بين الإنسان وبين أهله من كلام قد يكون فيه تجاوز، وما يحصل بينه وبين ولده، وما يحصل بينه وبين جيرانه من الكلام، وما يحصل بينه وبين أقاربه، هذه هي الفتنة، يعني: المعاصي، والمعاصي الصغائر تكفر بالصلاة، والصيام، والصدقة، وهذه لا يخلو منها إنسان، وفي ماله- أيضًا- فتنة، فقد يكون في كسبه للمال تقصير، فهذه تكفرها الصلاة، والصيام، والصدقة.\nوقوله: «فَقَالَ عُمَرُ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، إِنَّمَا أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ»، يعني: هي فتن الحروب، والشهوات، والشبهات، فهذه الفتن هي التي تموج كموج البحر، فتنة تنشأ من الحروب الطاحنة، وفتنة الشهوات التي تنشأ منها المعاصي، والكبائر.\nوقوله: «فَقُلْتُ: أَنَا، قَالَ: أَنْتَ لِلَّهِ أَبُوكَ» هذا من باب التكريم له، والتكريم لأبيه الذي أنجبه، والتعجب معناه: إنك رجل ذكي، حفظت هذا الحديث.\nوقوله: «لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ»، يعني: يتبع الهوى، ولا يفرق بين الحسن والقبيح، والخبيث والطيب، والمنكر","vol":"1","page":265},{"text":"والمعروف، إلا ما وافق هواه.\nوقوله: «قَالَ حُذَيْفَةُ: وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا يُوشِكُ أَنْ يُكْسَرَ، قَالَ عُمَرُ: أَكَسْرًا لَا أَبَا لَكَ» قول عمر: «لا أبا لك» هي كلمة تقال، وليس المقصود منها: الدعاء عليه بفقد أبيه، لكنها كلمة تجري على اللسان، مثل قوله ﷺ: «عَقْرى حَلْقَى»، فهي تجري على اللسان، ولا يراد بها حقيقتها.\nوقوله: «فَلَوْ أَنَّهُ فُتِحَ لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ، قُلْتُ: لَا، بَلْ يُكْسَرُ»، يعني: إذا كسر كانت مصيبة، فإنه لا يمكن أن يعالج، لكن إذا فتح يغلق مرة ثانية.\nوالمعنى: أن الفتن إذا فُتح بابها استمرت، والباب هو قتل عمر ﵁، فبقتله ﵁ انفتح باب الفتن، فتولى عثمان ﵁ بعد ذلك، ثم في آخر حياته حصلت الفتن، وجاء الثوار، وثاروا على أمير المؤمنين ﵁، وقتلوه، وهو شهيد المحراب ﵁، ثم حصل الاختلاف بعد ذلك لما بُويع للخلافة علي ﵁، فحصل خلاف وانشقاق ونزاع بينه وبين أهل الشام ومعاوية ﵁، وبينه وبين الخوارج، وحصلت الحروب.\nوقوله: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا» قال النووي: «ومعنى تعرض أنها تلصق بعرض القلوب أي جانبها كما يلصق الحصير بجنب النائم ويؤثر فيه شدة التصاقها به قال ومعنى عودا عودا أي تعاد وتكرر شيئا بعد شيء» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ١٧١).","vol":"1","page":266},{"text":"[١٤٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ، قَالَ ابْنُ عَبَّادٍ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ يَزِيدَ- يَعْنِي: ابْنَ كَيْسَانَ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَدَأَ الإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ».\n\n[١٤٦] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَالْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الأَعْرَجُ قَالَا: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ- وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ- عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا».\n\n[١٤٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا».\nقوله: «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا» الغرابة هنا: القلة، فبدأ الإسلام بعدد قليل، والرسول ﷺ هو أول المؤمنين في هذه الأمة، ثم آمن به أبو بكر ﵁، وهو أول من آمن به من الرجال، وأول من آمن به من النساء زوجته خديجة ﵂، وأول من آمن من الصبيان علي بن أبي طالب ﵁، وأول من آمن به من الموالي زيد بن حارثة ﵁، وأول من أسلم به من العبيد بلال ﵁، فهم أشخاص معدودون، ثم تزايد العدد.\nوقوله: «وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ»، يعني: في آخر الزمان يقل أهل الإسلام، فلا يبقى إلا العدد القليل.\nوقوله: «فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» شرح النووي على مسلم (٢/ ١٧٦)\nقال النووي ﵀: «وأما معنى طوبى فاختلف","vol":"1","page":267},{"text":"المفسرون في معنى قوله تعالى ﴿طوبى لهم وحسن مآب﴾ فروى عن بن عباس ﵄ أن معناه فرح وقرة عين وقال عكرمة نعم ما لهم وقال الضحاك غبطة لهم وقال قتادة حسنى لهم وعن قتادة أيضا معناه أصابوا خيرا وقال ابراهيم خير لهم وكرامة وقال بن عجلان دوام الخير وقيل الجنة وقيل شجرة في الجنة وكل هذه الأقوال محتملة في الحديث والله أعلم» (^١).\nوجاء في الحديث الآخر تفسير الغرباء: قِيلَ: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: «الَّذِينَ يَصْلُحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ» (^٢)، وفي لفظ: «النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ» (^٣)، فهؤلاء الغرباء نُزَّاع، ينزع من القبيلة الفلانية واحد، ومن القبيلة الفلانية آخر.\nوقوله: «بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ»، يعني: مسجد مكة، ومسجد المدينة (الحرم المكي، والحرم المدني).\nوقوله: «إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا»: أي ينضَمَّ ويجتمع بعضه إلى بعض، كما تنضم الحيَّة في جحرها.\nوهذا الحديث فيه: الحث على لزوم الإسلام، والثبات عليه.\nوفيه: علامة من علامات النبوة، أنه سيقع ما أخبر به ﵊، فكما أن الإسلام بدأ غريبًا، فسيكون غريبًا في آخر الزمان.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ١٧٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣٠٥٦)، والدولابي في الكنى والأسماء (١٠٦٩).\n(^٣) أخرجه أحمد (٣٧٨٤)، وابن ماجه (٣٩٨٨).","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>بَابُ ذَهَابِ الإِيمَانِ آخَرِ الزَّمَانِ</span>\n\n[١٤٨] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ، حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ».\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللَّهُ اللَّهُ».\nهذا الحديث فيه: بيان أن الساعة لا تقوم إلا على الكفار، كما في الحديث الآخر: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَمَنْ يَتَّخِذ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ» (^١)، وذلك لأنه في آخر الزمان تأتي ريح طيبة تقبض روح المؤمنين والمؤمنات، كما جاء في الحديث: «حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْه عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَه» (^٢)، فلا يبقى إلا الكفار الذين لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، وفي ذلك حسن رزقهم وعيشهم جارٍ، فعليهم تقوم الساعة.\nوقوله: «لَا تُقَامُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللهُ اللهُ» قيل: المعنى: أنهم لا يقولون: لا إله إلا الله، فلا يعرفون لا إله إلا الله، وقيل: المعنى: لا يقولون حتى لفظ الجلالة، ويأمرهم الشيطان بعبادة الأصنام، إلى أن تقوم الساعة، فلا تقوم الساعة على موحدين.\nوأما الحديث الآخر: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» فليس مخالفًا لهذه الأحاديث؛ لأن معنى هذا: أنهم لا يزالون على\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (٧٨٩)، والطبراني في الكبير (١٠٤١٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٤٠).","vol":"1","page":269},{"text":"الحق حتى تقبضهم هذه الريح اللينة قرب القيامة، وعند تظاهر أشراطها، فأطلق في هذا الحديث بقاءهم إلى قيام الساعة على أشراطها، ودنوها المتناهي في القرب.","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>بَابُ جَوَازِ الِاسْتِسْرَارِ لِلْخَائِفِ</span>\n\n[١٤٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- واللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ، قَال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَحْصُوا لِي كَمْ يَلْفِظُ الإِسْلَامَ؟»، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ مَا بَيْنَ السِّتِّ مِائَةِ إِلَى السَّبْعِ مِائَةِ؟ قَالَ: «إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْا»، قَالَ: فَابْتُلِيَنَا حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لَا يُصَلِّي إِلَّا سِرًّا.\nقوله: «فَابْتُلِيَنَا حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لَا يُصَلِّي إِلَّا سِرًّا» قد يكون قصده ما حدث بينهم وبين الخوارج، أو بين غيرهم، فكانوا يختفون، حتى يصلوا سرًّا، ويمكن أن يكون قصده الحروب بين علي ﵁، ومعاوية ﵁.\nهذا الحديث فيه: بيان لبعض الفتن التي حدثت بعد الرسول ﵊.\nوفيه: جواز الاستسرار بالصلاة للخائف عند الفتن.","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>بَابُ تَأَلُّفِ قَلْبِ مَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ لِضَعْفِهِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْقَطْعِ بِالإِيمَانِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ قَاطِعٍ</span>\n\n[١٥٠] حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَسْمًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِ فُلَانًا فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَوْ مُسْلِمٌ»، أَقُولُهَا ثَلَاثًا، وَيُرَدِّدُهَا عَلَيَّ ثَلَاثًا، «أَوْ مُسْلِمٌ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ».\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ ابْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا، وَسَعْدٌ جَالِسٌ فِيهِمْ، قَالَ سَعْدٌ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُعْطِهِ وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَوْ مُسْلِمًا»، قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَوْ مُسْلِمًا»، قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا عَلِمْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَوْ مُسْلِمًا، إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ».\nحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حميد قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ، وَزَادَ: فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟","vol":"1","page":272},{"text":"هذا الحديث فيه: دليل لما قال به العلماء: إن الإيمان أخص من الإسلام، وأن الإنسان قد يطلق عليه الإسلام، ولا يطلق عليه الإيمان، وذلك كما إذا كان شخص مقصرًا في بعض الواجبات أو مرتكبًا لبعض المحرمات، فإنه يسمى مسلمًا، ولا يسمى مؤمنًا، كما في هذا الحديث.\nولا يطلق الإيمان إلا على من أدى الواجبات، وابتعد عن المحرمات، أما المقصر فلا يطلق عليه لفظ الإيمان، وإن كان معه أصل الإيمان الذي لا يصح إسلامه إلا به، قال الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿إ نَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾، هؤلاء المؤمنون حقًّا، الذين أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وتوكلوا على الله، ووجلت قلوبهم عند ذكر الله، ويزدادون إيمانًا عند تلاوة القرآن، هؤلاء هم المؤمنون بإطلاق، وكما قال ﷾ في سورة الحجرات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، أما المؤمن العاصي فهذا لا يطلق عليه الإيمان المطلق، لكن معه أصل الإيمان، فيقال: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو: مؤمن ضعيف الإيمان، أو: مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وهو الصواب الذي عليه جمهور أهل السنة، كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (^١).\nوذهب الإمام البخاري ﵀ وجماعة إلى أن الإيمان هو الإسلام، ولا فرق بينهما (^٢)، وقرر هذا في صحيحه ﵀ في: «كتاب الإيمان» (^٣)، وذهب\n_________\n(^١) العقيدة الواسطية، لابن تيمية (ص ١١٤).\n(^٢) صحيح البخاري (١/ ١٩).\n(^٣) صحيح البخاري (١/ ١٩).","vol":"1","page":273},{"text":"إلى هذا طائفة من أهل العلم (^١)، واستدلوا بمثل قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، قالوا: هذا بيت واحد، وُصف بالإيمان، ووُصف بالإسلام، فدل على أنهما بمعنى واحد.\nوأجيب بأن أهل بيت لوط اتصفوا بالإسلام واتصفوا بالإيمان.\nومن الأدلة على أن لفظ الإسلام يغاير لفظ الإيمان: قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فأثبت لهم الإسلام، ونفى عنهم الإيمان.\nوعند اجتماع الإسلام والإيمان يفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالإعمال الباطنة، أما إذا افترقا فالإيمان يشمل الأعمال الظاهرة والباطنة، وكذلك الإسلام يشملهُما.\nوقوله ﷺ: «إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ»، يعني: أن هذا الشخص ضعيف الإيمان، فلو لم يعطه النبي ﷺ من الدنيا ارتد عن دينه، فكبه الله في النار، فهو يعطيه حتى يثبت الإيمان في قلبه، ويتألفه على الإسلام.\nوَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ، يُحَدِّثُ هَذَا، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي، ثُمَّ قَالَ: «أَقِتَالًا، أَيْ سَعْدُ؟ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ».\nقوله: «أَقِتَالًا»، أي: أتقاتل قتالًا؟ أي: أى مدَافَعَةً ومكابَرةً، ولما كررَ سعدٌ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٧/ ١٥٤ - ١٨٦)، شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز (٢/ ٤٨٨).","vol":"1","page":274},{"text":"كلامه على النبى مرة بعد أخرى، وكل ذلك لا يقبله النبى ﷺ منه وهو يردده، أشبه المدافعة (^١).\nوقوله: «أَيْ سَعْدُ» بمعنى يا سعد، وهي حرف نداء.\nوهذا الحديث فيه: دليل على أنه لا بأس أن يراجَع الكبير والفاضل لبعض الأحيان للتأكد من الأمر.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (١/ ٤٦٣).","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>بَابُ زِيَادَةِ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ بِتَظَاهُرِ الأَدِلَّةِ</span>\n\n[١٥١] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ﵇؛ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، قَالَ: وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ».\nوَحَدَّثَنِي بِهِ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ: وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ حَتَّى جَازَهَا.\nحَدَّثَنَاه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَرِوَايَةِ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ، وَقَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ حَتَّى أَنْجَزَهَا.\nقوله: «وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ»: وذلك لما جاءته الملائكة في صورة أضياف، وجاء أهل القرية يراودونه عنهم.\nوقوله: «رُكْن شَدِيد»: وهو الله ﷾.\nفبعد أن ساقت الملائكة الكرام بشرى الولد إلى إبراهيم - ﵇ -، جاءوا لوطًا - ﵇ - في صورة بشر، ولم يعرف أنهم ملائكة، فجاءه قومه يهرعون إليه، فشق ذلك على لوط - ﵇ - وفي قصة لوط قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾، جاءته الملائكة","vol":"1","page":276},{"text":"فظن أنهم من بني آدم، وقبل أن يعلم حقيقتهم خاف عليهم من هؤلاء الفسقة الظالمين، فاشتد به الكرب، كيف أمنع أضيافي من هؤلاء الفسقة؟ فلما رأوا شدة كربه: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إليك﴾، ثم إن لوطًا ﵊ خاف عليهم، واشتد به الأمر، وقال- من شدة حذره من هؤلاء واهتمامه بالأمر-: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، أي: من البشر، فليس له عشيرة تمنعه وتحميه من أن يُنال بسوء أو يُقصد بأذى.\nوقوله: «وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ» هذا من تواضعه ﵊، والمعنى: أن يوسف ﵊ مكث مدة طويلة في السجن؛ ما يقارب سبع سنين، ولما كان عنده الفتيان قال لأحدهما- وهو الذي ظن أنه ناجٍ منهما-: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، فلما خرج من السجن نسيه، ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾، والبضع من ثلاثة إلى عشرة، ثم لما رأى الملك الرؤيا تذكر الذي خرج من السجن يوسف ﵇ الذي عبر له الرؤيا في السجن هو وصاحبه.\nفلما قيل له: إن يوسف ﵇ في السجن، وهو يعبر الرؤيا، جاءوا به وقالوا له: اخرج، قال: لا، لن أخرج، ﴿وَقَالَ الملك ائتونى بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرسول﴾ ليخرجه من السجن، ﴿قَالَ ارجع إلى رَبّكَ﴾، أي: الملك، ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النسوة﴾، أي: حال النسوة ﴿اللاتي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، وإنما تثبت يوسف وتأنى في إجابة الملك، وقدَّم سؤال النسوة ليظهر برءاة ساحته عما رُمي به وسُجن فيه، فلما تبينت براءته خرج.\nفالنبي ﷺ من تواضعه قال: «وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ»، أي: لخرجت، وما قلت له: ارجع، وهذا من تواضع نبينا ﷺ؛ لأنه لا شك أن النبي ﷺ أفضل من يوسف وسائر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.","vol":"1","page":277},{"text":"هذا الحديث فيه: بيان تواضع النبي ﷺ، فمن تواضعه ﵇ ما قاله عن الأنبياء، وعن جده إبراهيم ﵇، قال: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ﷺ» إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، فإبراهيم ﵇ لم يشك، والرسول ﷺ لم يشك، ومعروف أن الشك في البعث كفر، فالمراد بالشك هنا: أنه أحب الانتقال من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين؛ لأن اليقين على ثلاث مراتب:\nعلم اليقين: وهي ما يعلمه الإنسان بقلبه ويتصوره، فهذا علم، كما لو أخبرك ثقة أنت تتيقن أنه صادق.\nوعين اليقين: ما يشاهده الإنسان بعينه ويبصره، وهذا حينما تشاهد الشيء، ولو كان الذي أخبرك صادق.\nحق اليقين: وهو أن تباشره بجسمك، أو بيدك، مثال ذلك: أخبرك إنسان أن الوادي سال، وأنت تعلم هذا وتتيقن؛ لأنك تعلم أن المخبر ثقة وصدوق، فإذا أخبرك بعد ذلك ثقتان زاد اليقين، فإذا لقيت بعدهما عشرة زاد، فإذا لقيت بعدهم مائة زاد، لكن إذا ذهبت أنت وأبصرت بعينك الوادي يجري فهذا أقوى من العلم الذي بلغك، فلقد وصلتَ إلى درجة عين اليقين، فإذا نزلتَ في الوادي وباشرته فهذا حق اليقين.\nوإبراهيم ﵊ مؤمن ومصدق بأن الله تعالى يحيي الموتى، وما سأل ربه كيف يحيي الموتى إلا لأنه أراد أن ينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين، ينتقل من درجة إلى درجة، ومن مرتبة إلى مرتبة.\nقال تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾، فهذه عين اليقين، وقال في سورة الواقعة: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾، فالمؤمنون يؤمنون بما أخبر الله تعالى به من حقائق الآخرة كالجنة والنار، ولا يعتري الشك مسلم، فإذا رأى المؤمنون الجنة وصلوا لمرتبة عين اليقين، فإذا دخلوها وصلوا إلى مرتبة حق اليقين.","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>بَابُ وُجُوبِ الإِيمَانِ بِرِسَالَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، وَنَسْخِ الْمِلَلِ بِمِلَّتِهِ</span>\n\n[١٥٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nقوله: «وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» المراد به: القرآن، وهو المعجزة المستمرة الخالدة إلي يوم القيامة، وإلا فقد أوتي ﷺ معجزات أخرى، فلقد أوتي ﷺ تكثير الطعام، ونبع الماء من بين أصابعه، وحنين الجذع إليه، وغيرها، فهناك معجزات كثيرة، لكن المراد المعجزة المستمرة الخالدة وهي الوحي.\nوقوله: «فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» هذا رجاء حق، فالنبي ﷺ أكثر الأنبياء تابعًا، وهذا يدل على أن الله تعالى أزال المعذرة، وقطع الحجة، وليس لأحد حجة على الله، فكل نبي أعطاه الله من المعجزات ما على مثله آمن البشر، حتى ما يكون هناك عذر لأحد، ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.\nهذا الحديث فيه: بيان أن كل نبي أوتي من الآيات والمعجزات الدالة على نبوته ما على مثله آمن البشر.","vol":"1","page":279},{"text":"[١٥٣] حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ».\nوقوله: «لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» ذلك لأنه قامت عليه الحجة، أما من لم يسمع بالرسول ﵊ ومات فهذا من أهل الفترة، وأهل الفترات يمتحنون يوم القيامة، وهذا أصح ما قيل فيهم.\nوأما حديث: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي» (^١).\nفيجاب عنه بأن الظاهر: أنها بلغتها دعوة إبراهيم ﵇، وذلك كحديث: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ»، (^٢)، ويحتمل أنها ماتت في الجاهلية، وأهل الجاهلية لا يُستغفر لهم، ولا يدعى لهم، وأمرُهم إلى الله.\nهذا الحديث فيه: أنه ﷺ نبي الثقلين: الإنس، والجن.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٧٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٠٣).","vol":"1","page":280},{"text":"[١٥٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، سَأَلَ الشَّعْبِيَّ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرٍو، إِنَّ مَنْ قِبَلَنَا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ يَقُولُونَ فِي الرَّجُلِ إِذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَهُوَ كَالرَّاكِبِ بَدَنَتَهُ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ، رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ، وَاتَّبَعَهُ، وَصَدَّقَهُ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَقَّ سَيِّدِهِ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَغَذَّاهَا فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا، ثُمَّ أَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ».\nثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ لِلْخُرَاسَانِيِّ: خُذْ هَذَا الْحَدِيثَ بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيمَا دُونَ هَذَا إِلَى الْمَدِينَةِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nقوله: «يَا أَبَا عَمْرٍو» هذه كنية الشعبي ﵀.\nوقوله: «خُذْ هَذَا الْحَدِيثَ بِغَيْرِ شَيْءٍ»، يعني: خذ هذا الحديث بدون تعب، أو مشقة، وقد كان الإنسان يرحل في هذا الأمر إلى المدينة وهو في خراسان، وربما كانت المسافة أكثر من شهر من أجل طلب حديث واحد، وأنت أخذت الحديث بدون تعب، فلا سافرتَ، ولا تعبتَ!\nوما حالنا الآن والكتب موجودة بين أيدينا مطبوعة طباعة فاخرة، ولا قراءة، وإن كانت القراءة فأين الفهم؟ فإن كانا فأين العمل؟ !\nوقوله: «ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ» وذلك لأن كل واحد عمل عملين.","vol":"1","page":281},{"text":"والنفر الثلاثة هم:\nالأول: «رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ، وَاتَّبَعَهُ، وَصَدَّقَهُ فَلَهُ أَجْرَانِ» وأجره الأول: في إيمانه بنبيه، وأجره الثاني: في إيمانه بنبينا محمدٍ ﷺ.\nوالثاني: «وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقَّ سَيِّدِهِ، فَلَهُ أَجْرَانِ» أجره الأول: لأنه أدى حق الله تعالى، وأجره الثاني: أنه أدى حق أسياده.\nوالثالث: «وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ، فَغَذَّاهَا فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا، ثُمَّ أَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا، وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ» أجره الأول: أجر التأديب والإحسان، وأجره الثاني: أجر العتق والزواج.","vol":"1","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>بَابُ نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ حَاكِمًا بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ</span>\n\n[١٥٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ، حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ».\nوَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ. ح، وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: إِمَامًا مُقْسِطًا وَحَكَمًا عَدْلًا، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ: حَكَمًا عَادِلًا، وَلَمْ يَذْكُرْ: إِمَامًا مُقْسِطًا، وَفِي حَدِيثِ صَالِحٍ: حَكَمًا مُقْسِطًا، كَمَا قَالَ اللَّيْثُ، وَفِي حَدِيثِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ: وَحَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآيَةَ.\nقوله: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» قَسَم فيه إثبات اليد لله ﷿، وهو الصادق ﷺ وإن لم يحلف.\nوقوله: «لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ ﵇»، يعني: يقرب أن ينزل فيكم ابن مريم ﵇.\nوقوله: «حَكَمًا مُقْسِطًا»، يعني: عادلًا؛ لأنه يحكم بالشريعة الإسلامية، إذا نزل في آخر الزمان، ويكون فردًا من أفراد الأمة المحمدية؛ لأن شريعته","vol":"1","page":283},{"text":"نُسخت بعد النبي ﷺ، وكل نبي بعثه الله أخذ الله عليه العهد والميثاق لئن بُعِثَ محمد ﷺ وأنت حي لتتبعنه، وعيسى ﵇ هو أفضل هذه الأمة بعد نبينا ﷺ، ثم يليه الصديق ﵁.\nوعيسى ﵇ ينزل في آخر الزمان، يحكم بالشريعة، في وقت ولاية المهدي، ويكون هو الحاكم بعد أن يتخلى المهدي عن الولاية، ويقتل المسيحَ الدجالَ مسيحَ الضلالة، ويخرج يأجوج ومأجوج في زمانه ﵇.\nوقوله: «فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ»، أي: يكسر الصليب الذي يزعم النصارى أن عيسى ﵇ صُلب عليه؛ مبالغة في إبطال ما عليه النصارى الذين يزعمون أنهم على دين عيسى ﵇.\nوهذا الصليب يدل على جهل النصارى وسخافة عقولهم؛ فإن النصارى يجعلون الصليب شعارهم، ويعبدونه، ويعتقدون أن عيسى ﵇ صُلب عليه، وأنه قُتِل، فيقال لهم: إذا كنتم تعتقدون بصلبه فكيف تعبدون الصليب؟ يفترض عليكم أن تكسروا الصليب، ولا تعبدونه.\nوقوله: «وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ» هذا حيوانٌ يشبه الكلب، حتى قال بعض العلماء: إن ما ولغ فيه الخنزير يُغسل كالذي ولغ فيه الكلب سبع مرات، إحداهن بالتراب (^١)، وهو يأكل الجيف والخبائث.\nوقتل الخنزير من قبيل إنكار المنكر؛ لأن النصارى يأكلونه.\nوقوله: «وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ»، أي: لا يقبل الجزية من اليهود والنصارى.\nواليهود والنصارى الآن يخيَّرون بين الإسلام، وبين الجزية، وبين القتال، فإذا نزل عيسى ﵇ لا يبقى لهم إلا الإسلام أو السيف، ولا يقبل الجزية من يهودي ولا نصراني؛ لأن نبينا ﷺ أخبرنا بأنه ينتهي وقتها بنزول عيسى ﵇.\nوقوله: «حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» يحتمل: أنه\n_________\n(^١) المجموع، للنووي (٢/ ٥٨٥ - ٥٨٦)، المغني، لابن قدامة (١/ ٤٢).","vol":"1","page":284},{"text":"أراد السجدة على ظاهرها، ويحتمل أن المراد: الصلاة، فمعناه: تكون الصلاة أحب إليه من الدنيا وما فيها؛ لأمرين:\nالأمر الأول: أن الناس تكثر رغبتهم في الصلاة وسائر الطاعات لعلمهم بقرب الساعة.\nوالأمر الثاني: أن أجرها خير لمصليها من صدقته بالدنيا وما فيها لفيض المال حينئذٍ وهوانه، وقلة الشح به، وقلة الحاجة إليه.\nهذا الحديث فيه: بيان ما يكون من أشراط الساعة، وهو نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾، وفي قراءة: «وإِنَّهُ لعَلَمٌ»، يعني: علامة.\nوفيه: مشروعية قتل الخنزير.\nوالجمهور على جواز قتل الخنزير الآن إذا تمكنا منه (^١)، ومن قال: إنه لا يُقتل إلا إذا حصل منه أذى، فهذا قولٌ شاذ (^٢).\nقال النووي ﵀: «فيه دليلٌ للمختار من مذهبنا ومذهب الجمهور: أنا إذا وجدنا الخنزير فى دار الكفر أو غيرها وتمكنا من قتله قتلناه، وإبطالٌ لقول من شذ من أصحابنا وغيرهم فقال: يترك إذا لم يكن فيه ضراوة» (^٣).\nوقال الخطابي: «وفي قوله: «ويقتل الخنزير» فيه دليل على وجوب قتل الخنازير، وبيان أن أعيانها نجسة» (^٤).\nوقال ابن حجر رحمه الله تعالى: «والجمهور على جواز قتله مطلقًا» (^٥).\n_________\n(^١) شرح صحيح البخارى، لابن بطال (٦/ ٣٤٤)، فتح الباري، لابن حجر (٤/ ٤١٤)، شرح مسلم، للنووي (٢/ ١٩٠).\n(^٢) فتح الباري، لابن حجر (٤/ ٤١٤).\n(^٣) شرح مسلم، للنووي (٢/ ١٩٠).\n(^٤) معالم السنن، للخطابي (٤/ ٣٤٧).\n(^٥) فتح الباري، لابن حجر (٤/ ٤١٤).","vol":"1","page":285},{"text":"لكن يَرِدُ على هذا: أن الكلب لا يُقتل الآن؛ لما ثبت أن النبي ﷺ نهى عن قتل الكلاب، بعد أن أمر بقتلها، وقال ﷺ: «لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ» (^١)، وإذا كانت الكلاب مثل الخنازير، فلماذا تقتل الخنازير إذن؟\nالجواب: تقتل لإبطال دين النصارى؛ لأنهم يأكلونها.\nوهذه المسألة تحتاج إلى مزيد بحث وتأمل؛ لأن فعل عيسى ﵇ ليس صريحًا في جواز قتل الخنزير الآن.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَاللَّهِ لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلًا، فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ، وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاصُ، فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا، وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ، وَالتَّبَاغُضُ، وَالتَّحَاسُدُ، وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَالِ، فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ».\nقوله: «وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاصُ» هذا عَلم من أعلام النبوة، والقلاص هي: الإبل الفتية الشابة، تترك «فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا»، أي: فما يركب عليها، ولا يستخدم عليها، مع أنها هي الراحلة، وهي التي يشد الناس عليها في الأسفار، وحمل الأثقال، فأخبر النبي ﷺ أنها تترك.\nوالعلماء ﵏ اجتهدوا في فهم هذا النص: «وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاصُ» فقالوا: المعنى زهد الناس فيها، وفي كثرة المال، وقلة رغبتهم في الدنيا، ورؤيتهم علامات الساعة، فهم لا يحتاجون إليها، هكذا فسرها العلماء، ولم يدر بخلدهم ما نحن فيه الآن، وذلك أن الله جل شأنه ألهم الناس أن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٠٥٤٧)، وأبو داود (٢٨٤٥)، والترمذي (١٤٨٦)، والنسائي (٤٢٨٠)، وابن ماجه (٣٢٠٥).","vol":"1","page":286},{"text":"يصنعوا هذه المركوبات الحديثة من سيارات وطائرات وقطارات وغيرها، فهي داخلة في قول الله ﷿: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، فالناس الآن تركت الإبل، فلا يركب عليها، ولا يسعى عليها، والآن في عصرنا ظهر لنا مصداق هذا الحديث، وهذه الأمور عَلَم من علامات النبوة، ومعجزة له ﵊.\nويحتمل أن هذه المركوبات تنتهي، وأن البترول ينضب، ويرجع الناس إلى ما كانوا عليه سابقًا، ويدل على هذا ما جاء في الأحاديث، في بيان الغزوات التي يعقبها الدجال، قال النبي ﷺ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ، وَأَلْوَانَ خُيُولِهِمْ» (^١)، وهذا دليل على أنهم يقاتلون على الخيل، وأنها هذه المركوبات الجديدة انتهت، وكذلك- أيضًا- ما جاء أنه عند فتح القسطنطينية «فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ، قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ» (^٢)، فدل على أنهم يرجعون للسلاح القديم، السيف، والخيول.\nوالآن يقر العلماء أن البترول سينضب، وأنه لن يبقى، والله أعلم بما يؤول إليه الحال.\nومن علامات النبوة التي أخبر بها النبي ﷺ بعد نزول عيسى ﵇ قوله: «وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ»، أي: بين الناس.\nومنها: قوله ﷺ: «تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنْ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا، وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ، حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ مِنْ الْإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنْ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنْ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنْ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنْ الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنْ النَّاسِ» (^٣)، أي: جماعات من الناس.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٩٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٨٩٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٩٣٧).","vol":"1","page":287},{"text":"حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ- مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ- أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ- مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ- أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ، وَأَمَّكُمْ؟».\nوَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ نَافِعٍ- مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ، فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟».\nفَقُلْتُ لِابْنِ أَبِي ذِئْبٍ: إِنَّ الأَوْزَاعِيَّ حَدَّثَنَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ، قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: تَدْرِي مَا أَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ قُلْتُ: تُخْبِرُنِي، قَالَ: فَأَمَّكُمْ بِكِتَابِ رَبِّكُمْ ﵎، وَسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ ﷺ.\nقوله: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟»، يعني: يحكم فيكم بالكتاب والسنة؛ لأنه فرد من أفراد الأمة المحمدية، يحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ، ولا يأتي بشريعة جديدة، فشريعة نبينا محمد ﷺ هي آخر الشرائع، وهو آخر الأنبياء ﵊، ولا نبي بعده.","vol":"1","page":288},{"text":"[١٥٦] حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ قَالُوا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ- وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، قَالَ: «فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ؛ تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الأُمَّةَ».\nقوله: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» هذه بشارة بأن الحق لا يزول، وأنه باقٍ في هذه الأمة إلى قرب قيام الساعة، وهذه الطائفة هم أهل الحق، وهم أهل السنة والجماعة، تقل وتكثر، تقل في بعض الأزمنة، وتكثر في بعض الأزمنة، وتتنقل، وقد تكون متفرقة، وقد يكون منها جزء في القطر الثاني، وقد يكون منها جزء في القطر الثالث، وهم الذين أخبر عنهم النبي ﷺ بقوله: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» (^١)، وقد يكون منهم الفقير، والمحدِّث، والمزارع، والتاجر.\nوقوله: «تَعَالَ صَلِّ لَنَا»، يعني: تقدم فصلِّ بنا إمامًا.\nهذا الحديث فيه: بشارة لهذه الأمة أنه: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، يعني: حتى تقرب الساعة؛ لأن الساعة لا تقوم إلا على الكفرة، وأنه تأتي ريح طيبة فتأخذ كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيهم، فعليهم تقوم الساعة.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٦٤١)، والطبراني في الكبير (٦٢).","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>بَابُ بَيَانِ الزَّمَنِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ فِيهِ الإِيمَانُ</span>\n\n[١٥٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ وأبو كريب قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كِلَاهُمَا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ العَلاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nقوله: «حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»: فيه أن طلوع الشمس من مغربها من أشراط الساعة الكبرى، وهي الاشراط المتأخرة التي تكون قرب قيام الساعة، وأما المهدي، والدجال، ونزول عيسى ﵇، فهذه من أشراط الساعة الكبرى المتقدمة، وهي عشرة أشراط، منها أربعة متوالية مرتبة، وهي: خروج المهدي، ثم خروج الدجال، ثم نزول عيسى ﵇، ثم خروج يأجوج ومأجوج.\nومن آخر علامات الساعة: طلوع الشمس من مغربها، والدابة، فإذا","vol":"1","page":290},{"text":"طلعت الشمس من مغربها أُغلق باب التوبة، فيبقى كلٌّ على ما كان عليه، فالمؤمن يبقى على إيمانه، والكافر يبقى على كفره، فليس هناك إيمان جديد؛ ولهذا قال ﷾: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾، فالمراد بآيات ربك: طلوع الشمس من مغربها، كما فُسِّر ذلك بهذا الحديث.\n\n[١٥٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ، جَمِيعًا عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا، إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأَرْضِ».\nقوله: «ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأَرْضِ» المراد: إذا خرجن مجتمعات لا ينفع الإيمان الجديد، والحكم معلق بطلوع الشمس من مغربها، والدابة قرينة لطلوع الشمس من مغربها، فأَيَّتُهَا خَرَجَتْ فَالأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا، أي: قريبًا.","vol":"1","page":291},{"text":"[١٥٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ ابْنُ أَيُّوب: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ التَّيْمِيِّ، سَمِعَهُ فِيمَا أَعْلَمُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمًا: «أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ، حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي لَا يَسْتَنْكِرُ النَّاسَ مِنْهَا شَيْئًا، حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي، أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتَدْرُونَ مَتَى ذَاكُمْ؟ ذَاكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا، لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا». [خ ٣١٩٩]\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ- عَنْ يُونُسَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمًا: «أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟»، بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لَأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ، فَلَمَّا غَابَتِ الشَّمْسُ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، هَلْ تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟»، قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهَا تَذْهَبُ، فَتَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُودِ، فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا»، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (وَذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا). [خ ٧٤٢٤]","vol":"1","page":292},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاق: أَخْبَرَنَا، وَقَال الأَشَجُّ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، قَالَ: «مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ».\nقوله: «حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً»، يعني: تسجد تحت العرش عند محاذاتها وسطه بعد الغروب كل ليلة، وليس في سجودها كل ليلة ما يعيق عن دورانها في سيرها، والله أعلم بكيفية السجود، فنحن لا نعلم كيفية السجود، ولا يخفى أن العرش محيط بالعالم فكيف تسجد تحت العرش والعرش تحته العالم كله؟ ! لكن المعنى أنها إذا حاذت وسطه سجدت على كيفية الله أعلم بها.\nوجاء في الحديث الآخر: أنه في آخر الزمان تستأذن الشمس فلا يؤذن لها، ويقال لها: ارجعي من حيث جئت فتطلع من المغرب، وهذا الشرط من أشراط الساعة الكبار، وإذا طلعت الشمس من مغربها آمن الناس بالله، وحينئذٍ لا ينفع نفس إيمانها.\nوقد قال الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ فالشمس تشرق من المشرق وتغرب من المغرب، فهي تدور وليست ثابتة، وهذا واضح من نص القرآن.","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>بَابُ بَدْءِ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ</span>\n\n[١٦٠] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ يَتَحَنَّثُ فِيهِ، وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ أُولَاتِ الْعَدَدِ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، قَالَ: «فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ»، قَالَ: «قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، قَالَ: «فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ، فَقَالَ: «زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي»، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ\nالرَّوْعُ، ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ: «أَيْ خَدِيجَةُ، مَا لِي؟»، وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، قَالَ: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي!»، قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ، حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى- وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي أَبِيهَا- وَكَانَ امْرًا تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ، وَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ","vol":"1","page":294},{"text":"يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيْ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: يَا ابْنَ أَخِي، مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَىهُ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى ﵇، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ !»، قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. [خ ٣].\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَوَاللَّهِ لَا يُحْزِنُكَ اللَّهُ أَبَدًا، وَقَالَ: قَالَتْ خَدِيجَةُ: أَيِ ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ.\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ- زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ-: فَرَجَعَ إِلَى خَدِيجَةَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ وَمَعْمَرٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ حَدِيثِهِمَا مِنْ قَوْلِهِ، أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ، وَتَابَعَ يُونُسَ عَلَى قَوْلِهِ، فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، وَذَكَرَ قَوْلَ خَدِيجَةَ: أَيِ ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ.\n\n[١٦١] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ- وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- كَانَ يُحَدِّثُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ قَالَ فِي حَدِيثِهِ-: «فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي، سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ، جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ»، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَجُئِثْتُ مِنْهُ فَرَقًا، فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَلَ","vol":"1","page":295},{"text":"اللَّهُ ﵎: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، وَهِيَ الأَوْثَانُ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْيُ».\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنِّي فَتْرَةً، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي»، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فَجُثِثْتُ مِنْهُ فَرَقًا حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الأَرْضِ»، قَالَ: وقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرُّجْزُ: الأَوْثَانُ، قَالَ: ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ بَعْدُ وَتَتَابَعَ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ يُونُسَ، وَقَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، إِلَى قَوْلِهِ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ، وَهِيَ الأَوْثَانُ، وَقَالَ: فَجُثِثْتُ مِنْهُ، كَمَا قَالَ عُقَيْلٌ.\nقولها: «ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ» هي الخلوة عن الناس، والتعبد.\nوقولها: «فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ يَتَحَنَّثُ فِيهِ»، يعني: يتعبد فيه.\nوقولها: «وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ أُوْلَاتِ الْعَدَدِ» الأقرب أنه كان يتعبد على ما توارثه الناس عن دين إبراهيم ﵇، كما كان العرب في الجاهلية في مناسك الحج يتعبدون على ما توارثه الناس من دين إبراهيم، وقال بعضهم: على ما توارثه الناس من دين نوح، وقيل غير ذلك، لكن الأقرب الأول.\nوقولها: «قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أهله»، أي: فإذا انتهى ذهب إلى زوجه خديجة ﵂، فيتزود لمثل هذه الليالي.\nوهذه الأحاديث فيها: دليل على أن الرؤيا نوع من أنواع الوحي؛ ولهذا أول ما بدئ به ﷺ من الوحي الرؤية الصادقة، والرؤية الصادقة هي التي يراها الإنسان في الليل، ثم تقع في النهار، فيقال: رؤيا صادقة.","vol":"1","page":296},{"text":"وقولها: «فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ»، يعني: ظاهرة واضحة، وكانت مدة الرؤيا ستة أشهر من ربيع إلى رمضان، حتى جاءه الوحي بغتةً، فنزل عليه جبريل ﵇ وهو بغار حراء.\nوالظاهر: أن عبادته ﷺ كانت على ما عَلِمَ من دين إبراهيم ﵇، فيصلي على ما بلغه، وكانوا في الجاهلية يتوارثون أشياء من دين إبراهيم ﵊، وكان هذا على رأس الأربعين من عمره ﵊.\nقوله: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»: ليس هذا امتناعًا منه ﵊، وإنما هذا بيان له أنه لم يتعلم القراءة والكتابة، والمعنى: لست قارئًا، وما تعلمتُ القراءة؛ فقد كان أميًّا ﵊.\nوقوله: «فأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ»، يعني: عصرَه وضمَّه حتى بلغ منه المشقة، فعل هذا ثلاث مرات، والحكمة من ذلك- والله أعلم- حتى يتهيأ ويستعد لتحمل أعباء الرسالة، والقيام بثقلها، كما أن رعيه ﷺ للغنم قبل ذلك كان فيه- أيضًا- تمرين له، وتدريب على سياسة الأمة، فهو ينتقل من سياسة الغنم ورعايتها إلى سياسة الأمة ورعايتها، فكذلك هنا غطَّه جبريل، وضمه، وعصره؛ كي يتهيأ ويتحمل همَّ هذا العبء الثقيل، والرسالة وتكاليفها، والدعوة وتبليغ الناس، وهذا كله يحتاج إلى جهد وتحمل.\nوقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾: فيه: دليل على أن هذا أول ما نزل من القرآن،\nوبهذا كان نبينا ﵊ نُبِّئ بـ ﴿اقرأ﴾، ثم بعد ذلك فتر الوحي، ونزل ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، فكان بذلك رسولًا ﵊، فقد نُبِّئ بـ ﴿اقرأ﴾، وأُرسل بـ ﴿المدثر﴾ ﵊.\nوقوله: «فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ»، يعني: ترعد وتضطرب ركائزه من شدة وهوْل ما رآه، فلقد رأى جبريل على","vol":"1","page":297},{"text":"صورته التي خُلق عليها، يملأ ما بين السماء والأرض، كما أنه ضمه، وعصره ثلاث مرات، وقد رجع النبي ﷺ إلى خديجة زوجه ﵂- وهي امرأة دينة عاقله نبيلة، كان عندها من الحصافة وأصول العقل والأمانة شيء عظيم فهدّأت من روعه وكانت له سندًا.\nقولها: «فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا»، وفي بعض النسخ: «لَا يُحْزِنُكَ» (^١)، أي: فلا يمكن أن يصيبك شر، ولا يمكن أن تخزى، وأنت تتَّصِف بهذه الصفات العظيمة: «إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ»، «وَتَحْمِلُ الْكَلَّ»، وهو: الثقل، والقيام بحقوق الضيف، والضعيف، والفقير، «وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ»، أي: الفقير، «وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ»، وهذه صفات عظيمة، من اتصف بها لا يمكن أن يُخزى، وبهذه الصفات استدلت خديجة ﵂ على نبوته، وعلى صدقه ﷺ.\nوقولها: «فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى- وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي أَبِيهَا- وَكَانَ امْرًا تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ، وَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيْ عَمِّ» هو ابن عمها؛ لكن العرب يسمون ابن العم عمًّا، فقالت: أي عمِّ؛ تساهلًا منها.\nقولها: «فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى» والناموس هو: صاحب سر الخير (^٢)، والجاسوس صاحب سر الشر (^٣).\nونبوة عيسى ﵇ بعد نبوة موسى ﵇، لكن شريعة موسى ﵇ هي الأصل، وشريعة عيسى ﵇ تابعة لها، ولم تكن شريعةً مستقلة، كما أخبر الله تعالى أنه خفف فيها بعض الأحكام التي كانت في التوراة، قال الله\n_________\n(^١) إرشاد الساري، للقسطلاني (١٠/ ١٢٠).\n(^٢) القاموس المحيط، للفيروز آبادي (١/ ٥٧٩)، النهاية، لابن الأثير (٥/ ١١٩).\n(^٣) النهاية، لابن الأثير (١/ ٢٧٢).","vol":"1","page":298},{"text":"تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾، فأحل بعض المحرمات، وأما بقية الأحكام فباقية، وكما أخبر الله تعالى عن الجن أنهم لما سمعوا قراءة النبي ﷺ: ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، مع أن عيسى ﵇ نزل عليه الإنجيل بعده، لكن الإنجيل كتاب مواعظ وعبر، والتوراة كتاب أحكام.\nوقوله: «يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا»: فيه دليل أن ورقة ﵁ آمن، فيكون أول من آمن من هذه الأمة ورقة بن نوفل، وجاء في السيرة أبيات لورقة، قال فيها (^١):\nيَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ ... أَخُبُّ فِيهَا وَأَضَعْ\nوذكر أبياتًا له فيها أنه يعلم أنه كبير السن، وأنه على قرب الوفاة؛ ولهذا ما لبث أن توفي ﵁، لكنه آمن، وتمنى أن ينصر النبي ﷺ حين يخرجه قومه.\nوقوله: «فَجُئِثْتُ مِنْهُ فَرَقًا» على صيغة المجهول من الجأث، بالجيم والهمزة والثاء المثلثة، جئث جأثا: فزع، وقد جُئث إذا أُفزع، فهو مجؤوث أي: مذعور، والمعنى: رعبت وفزعت (^٢).\nوقوله: «زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي»، يعني: غطوني، غطوني، وفيه: دليل على أن ﴿يا أيها المدثر﴾ نزلت بعد فترة الوحي، وأن أول ما نزل: ﴿اقرأ باسم ربك﴾.\nوقوله: «﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾»، أي: عظم ربك بالتوحيد.\n_________\n(^١) البداية والنهاية، لابن كثير (٧/ ٨)، السيرة النبوية، لابن هشام (٥/ ١٠٧).\n(^٢) لسان العرب، لابن منظور (٢/ ١٢٦).","vol":"1","page":299},{"text":"وقوله: «﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾»، يعني: أعمالك طهرها من الشرك؛ لأن الثياب النجسة تحريمها جاء في المدينة، والثياب تطلق على الأعمال.\nوقوله: «﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾»، يعني: اهجر الأصنام، وهجرها: تركها، والبراءة منها ومن أهلها.\nوقوله: «حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ»، أي: سقطت على الأرض.\nوَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ: أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، فَقُلْتُ: أَوِ اقْرَأْ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ: أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، فَقُلْتُ: أَوِ اقْرَأْ؟ قَالَ جَابِرٌ: أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي، نَزَلْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِي، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ أَمَامِي، وَخَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِي الْهَوَاءِ- يَعْنِي: جِبْرِيلَ ﵇- فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. [خ ٤٩٢٤].\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: «فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ».\nقوله: «أيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾» المراد بالأولية هنا أولية مخصوصة، يعني بعد فترة الوحي أي أن أول ما أنزل إليه بعد فترة","vol":"1","page":300},{"text":"الوحي: ﴿يا أيها المدثر﴾ نزلت بعدها، جمعا بين الأدلة، وإلا فإن أول ما أنزل إليه قطعا قوله تعالى: ﴿اقرأ﴾.\nوقوله: «فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً»: فيه دليل على أن صب الماء يخفف الفزع والرعب.\nوقوله: «جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا» المجاورة تطلق إذا كان فيها ملازمة، كأنه كان يتعبد في هذا المكان وكأنه معتكف.\n\n* * *","vol":"1","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>بَابُ الإِسْرَاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى السَّمَاوَاتِ، وَفَرْضِ الصَّلَوَاتِ</span>\n\n[١٦٢] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ، طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ، وَدُونَ الْبَغْلِ يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، قَالَ: فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، قَالَ: فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الأَنْبِيَاءُ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ ﵇ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ فَرَحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِابْنَيِ الْخَالَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، فَرَحَّبَا وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا\nأَنَا بِيُوسُفَ ﵇، إِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟","vol":"1","page":302},{"text":"قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ ﵇، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى ﵇، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ ﵇ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ\nالْفِيَلَةِ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَالِ، قَالَ: فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى، فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى ﵇، فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي ﵎، وَبَيْنَ مُوسَى ﵇، حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً، قَالَ: فَنَزَلْتُ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى ﵇، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ».","vol":"1","page":303},{"text":"قوله: «يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ»، يعني: المسافة التي يقطعها في خطوة واحدة كالمسافة التي بينه وبين آخر مكان يقع عليه بصره؛ ولهذا قطع هذه المسافة الطويلة بسرعة، وقد يكون بصره أقوى من إبصار الآدمي، فيكون سريعًا جدًّا، ينتقل من مكان لمكان بسرعة هائلة.\nوقوله: «فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ ﵇ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ» هذا قبل أن تحرم الخمر، ومعلوم أنه كان هناك خمر بالمدينة، وإلا لو كان محرمًا لما أتى جبريل ﵇ بالخمر.\nوقوله: «فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ ﷺ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ» وفي اللفظ الآخر: «أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الخَمْرَ لَغَوَتْ أُمَّتُكَ» (^١) قال الله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، وفيه: أن اللبن يناسب الفطرة، فقد فُطر الناس على الميل إلى اللبن، وهو فيه غذاء، بخلاف الخمر؛ لذلك حُبِّب إليهم.\nوقد فسروا الفطرة هنا بالإسلام، والاستقامة، فمعناه: اخترت علامة الإسلام والاستقامة، وجُعل اللبن علامة على هذا؛ لكونه سهلًا طيبًا طاهرًا للشاربين، وأما الخمر فإنها أم الخبائث، والجالبة لأنواع من الشر في الحال والمآل.\nوقوله: «ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ» العروج: الصعود من أسفل إلى أعلى، وأنه كهيئة الدَّرَج يصعد فيه، ولم يركب ﷺ البراق في المعراج، فالبراق أسري به فقط.\nهذا الحديث فيه الكثير من الفوائد، منها:\n١. إثبات الإسراء والمعراج للنبي ﷺ، والإسراء هو السفر من مكة إلى بيت المقدس، وقد جاء هذا في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٩٤)، ومسلم (١٦٨).","vol":"1","page":304},{"text":"٢. من أنكر الإسراء كفر؛ لأنه مكذبٌ لله ﷿، إلا إذا كان لا يعلم، فيُعلَّم ويبيَّن له، فإن أصر كفر؛ لأنه مكذبٌ للقرآن، ومن كذب بحرف من حروف القرآن كفر.\n٣. أن البراق يركبه الأنبياء السابقون؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ» فربطه بحلقة باب من أبواب بيت المقدس.\n٤. أنه صلى في بيت المقدس، ودليله قوله: «ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ» وجاء في الروايات الأخرى أنه صلى بالأنبياء، وأن الأنبياء جُمعوا له، وصلى بهم إمامًا ﵊، كما في الحديث «فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ».\nثم أُتي بالمعراج، وهو كهيئة الدَّرَج، يصعد فيه من بيت المقدس إلى السماء.\nثم أتي بالبراق، والبراق: دابة فوق الحمار ودون البغل، يعني: أكبر من الحمار، وأصغر من البغل.\n٥ - دلالة على قدرة الله العظيمة، وأن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾، وهذه المسافة الطويلة بين السماء والأرض مسيرة خمس مئة عام، قطعها في وقت وجيز، وبين كل سماء وسماء خمس مائة عام، وهي سبع سماوات، تجاوزها حتى وصل إلى سدرة المنتهى، وتردد، فنزل من عند ربه ﷿ إلى موسى ﵇ في السماء السادسة مرات، يتردد بين ربه وبين موسى ﵇، ثم نزل إلى الأرض قبيل الفجر، فقطع كل هذه المسافات الطويلة في ليلة واحدة، كل هذا يدل على قدرة الله ﷿، وأن الله لا يعجزه من في الأرض ولا من في السماء.\n٦ - إثبات المعراج، وأن النبي ﷺ عُرج بروحه وجسده ﵊، وهذا هو الصواب، وأنه في اليقظة، وليس في المنام.\nوقد أنكر بعض الناس المعراج، فقالوا: لا يمكن أن يقطع هذه المسافة","vol":"1","page":305},{"text":"الطويلة، ولا يمكن أن يعرج الجسد، فالجسد شيء ثقيل، فكيف يصعد الجسد هذه المسافات الطويلة؟ وإنما الذي يصعد الأشياء الخفيفة والذوات الخفيفة، مثل الملائكة؛ لأن أرواحهم بلا أجساد، أما الأجساد فإنها ثقيلة، فلا يمكن أن تصعد هذه المسافات، فهؤلاء حكَّموا عقولهم، والله ﷾ لا يعجزه شيء، وهو قادر على كل شيء، ﴿إنما قوله إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾.\nوفي هذا الزمان نحن نرى بأنفسنا كيف تصعد الطائرات في الفضاء وهي ثقيلة، بل محملة بالحديد الثقيل، ومحملة بالبضائع، وبالآدميين، ومع ذلك تصعد.\nواختلف الناس في عروجه ﵊:\nفمنهم من قال: إنه عُرج بروحه دون جسده.\nومنهم من قال: إن العروج كان في المنام لا في اليقظة.\nومنهم من قال: كان المعراج مرارًا، مرة بروحه وجسده، ومرة يقظة، ومرة منامًا، وهذا يفعله بعض الضعفاء في الحديث، إذا أشكل عليهم شيء عدَّدوا.\nوالصواب: أن العروج كان بروحه وجسده ﵊، مرة واحدة في مكة قبل الهجرة، يقظة لا منامًا، ولم يتكرر بعد البعثة، وهذا الذي تدل عليه النصوص، وجماهير الصحابة على أن النبي ﷺ لم يرَ ربَّهُ ليلة المعراج (^١)، وهذا هو الصواب الذي عليه المُحقِّقُون كشيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، أما القول بأنه عرج بروحه دون جسده، أو أن المعراج كان منامًا، أو أن المعراج كان مرارًا، فهذه أقوال ضعيفة (^٣).\n_________\n(^١) حكى إجماع الصحابة على أنه لم يَرَ ربَّه ليلة المعراج عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الرؤية. اجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم (ص ٢/ ٤٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٥١٠ - ٥١١).\n(^٣) زاد المعاد، لابن القيم (٣/ ٣٦)، تفسير ابن كثير (٥/ ٤٣).","vol":"1","page":306},{"text":"٧ - دليل على أدب الاستئذان، وأنه ينبغي للإنسان أن يستأذن إذا جاء إلى زيارة أحد، فجبريل ﵇ كان يستأذن، «فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ».\n٨ - أن المستأذن يسمي نفسه، فلا يقول: أنا؛ ولهذا لما جَاءَ جَابِرٌ ﵁، ودَقَّ البابَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ؟» قَالَ: أنا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَنَا، أَنَا- كَأَنَّهُ كَرِهَهَا» (^١)؛ أي: أظهر كرهه لهذه اللفظة (أنا) لأنها لا تعرف بالمستأذن؛ ولهذا لما استأذن جبريل ﵇ قيل: «مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ».\n٩ - دليل على أن السماوات لها حراس، ولها أبواب، ولا يدخل أحد إلا بإذن؛ ولهذا كان جبريل ﵇ كلما أراد أن يستفتح يقال: «مَنْ هَذَا؟ فيقولُ: جِبْرِيلُ»، فيقال: «مَنْ مَعَكَ؟»، فيقول: «مُحَمَّدٌ ﷺ»، فهذا استئذان بعد استئذان.\n١٠ - دليل أنه ﵊ رأى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في كل سماء، كل واحد منهم يقر بنبوته، ويقول: «مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ، والنَّبِيِّ الصَّالِحِ»، إلا آدم ﵇، فإنه قال: «مَرْحَبًا بِالابْنِ الصَّالِحِ، والنَّبِيِّ الصَّالِحِ» - كما سيأتي في الروايات التالية- لأنه من ذريته، وكذلك قال إبراهيم ﵇، فدل على أن إبراهيم ﵇ من الآباء، وهو من سلالته، وأما إدريس ﵇، فقال: «مَرْحَبًا بالأَخِ الصَّالِحِ، والنَّبِيِّ الصَّالِحِ»، فدل على أن إدريس ﵇ ليس من سلسلة الآباء، كما يقوله بعضهم، فبعضهم يرى أن إدريس هو جد نوح ﵇، وأنه من سلسلة الآباء ﵈، والأقرب: أنه من بني إسرائيل.\n١١ - دليل على أن إبراهيم ﵇ رآه النبي ﷺ مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، والبيت المعمور كعبة سماوية في السماء السابعة، يحاذي الكعبة، يذكر أنه لو سقط لسقط على الكعبة، فهو كعبة لأهل السماء. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٢٥٠)، ومسلم (٢١٥٥).\n(^٢) تفسير ابن جرير (١٤/ ٤٣٦).","vol":"1","page":307},{"text":"وقوله: «يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ»، يعني: أنهم لا يصلهم الدور؛ من كثرة الملائكة.\n١٢ - فضل نبينا ﷺ، وأنه تجاوز الأنبياء جميعًا، حتى أباه إبراهيم ﵇ تجاوزه، ووصل إلى مكان- كما سيأتي في اللفظ الآخر- قال: «حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ»، أي: كتابة أقلام القدر.\n١٣ - أن رؤية النبي ﷺ للأنبياء كانت بأرواحهم، كما ذكر شيخ الإسلام ﵀ (^١)، فقد ذكر أن النبي ﷺ رآهم بأرواحهم مصورة بصور أجسامهم، يعني: أخذت الروح شكل أجسادهم، وأجسادهم مدفونة في الأرض، وقال بعض الناس: إن النبي ﷺ رأى أجسادهم المدفونة في الأرض، وهذا ليس بشيء، وأمر الأرواح أمر عظيم، وفي بعض أحاديث الإسراء أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِمُوسَى ﵇، «وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ» (^٢)، ثم كلمه في السماء السادسة، وليست الروح كالأجساد، فالروح تهبط وتنزل بسرعة عظيمة، فهو رآه قائمًا يصلي في قبره، ثم صعدت روحه وكانت في السماء السادسة، وهذا معروف الآن، فالنائم روحه لها تعلق بالجسد، وقد تجول وتلتقي مع الأرواح، وقد تكون في مكان بعيد، فلو ضربتَ رجله انتبه، وجاءت روحه بسرعة.\nأما عيسى ابن مريم ﵉، فإن نبينا ﷺ رآه بروحه وجسده؛ لأن الله رفعه بروحه وجسده، وسينزل في آخر الزمان.\n١٤ - أنه رأى سدرة المنتهى، وقد غشيها ألوان من الله، قال: «وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَالِ، قَالَ: فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا» والقلال: جمع قُلَّة، وهي جَرَّة عظيمة تسع قربتين أو أكثر.\n١٥ - إثبات العلو، وأن الله تعالى في العلو فوق المخلوقات كلها، فوق\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٤/ ٣٢٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٣٧٥).","vol":"1","page":308},{"text":"العرش، والعرش هو سقف المخلوقات.\n١٦ - إثبات كلام الله ﷿، وأنه سبحانه تكلم بكلام، بحرف، وصوت، وأنه سمعه نبينا ﵊ بدون واسطة، لكن من وراء حجاب، وسمعه موسى ﵇- أيضًا- بالواسطة.\nوالصواب: أن نبينا ﷺ لم ير ربه ﷿، ولا غيرُه رأى الله ﷿، وهو الذي عليه المحققون (^١)، وذهب بعض العلماء مثل النووي ﵀ (^٢)، وجماعة إلى أن نبينا ﷺ رأى الله ﷿، وقالوا: إن الخلة لإبراهيم ﵇، والتكليم لموسى ﵇، والرؤية لمحمد ﷺ، والصواب: أنه ﷺ لم ير ربه ﷿؛ ولهذا جاء في صحيح مسلم أن النبي ﷺ لما سألوه «هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قال: نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ؟»، وفي رواية: «رَأَيْتُ نُورًا»، يعني: النور حجاب يمنعني من رؤيته، وفي الحديث الآخر في صحيح مسلم- أيضًا-: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» وهذا عام، فلا يستطيع أحد من خلقه أن يتحمل رؤيته ﵎ في الدنيا، والرسول ﷺ من خلقِهِ، وإنما كلَّم الله نبيه محمدًا ﷺ من دون واسطة، ومن وراء حجاب، ويدل عليه- أيضًا- قوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء﴾.\n١٧ - عظم شأن الصلاة، وأن الله تعالى فرض على نبينا الكريم الصلاة في المحل الأعلى، وقد فرضت الصلاة من دون واسطة، وفرضت في أول الأمر خمسين صلاة، فهذا كله يدل على عظم شأنها، وأن لها من مزايا عظيمة ليست في غيرها؛ ولذلك صارت فارقة بين المسلم وبين الكافر، يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٦/ ٥٠٩ - ٥١٠)، اجتماع الجيوش، لابن القيم (٢/ ٤٨).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٣/ ٥).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٦٧٨)، والترمذي (٢٦٢٠)، وابن ماجه (١٠٧٨).","vol":"1","page":309},{"text":"١٨ - أن هذا التكرار في نزول النبي ﷺ إلى موسى ﵇ ورجوعه إلى الله ﷿ يدل على عظم الأمر، وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه إلى عباده، والله تعالى هو الذي ألهم موسى حتى يقول لنبينا ﷺ: «ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ»، ووُفِّق نبينا ﷺ إلى ما وفُقِّه، وهذا من فضله تعالى، والأمر كله إليه ﷾ أولًا وآخرًا.\n١٩ - أنه لما قال له لما وصلت إلى خمس أمره موسى ﵇- أيضًا- بسؤاله التخفيف، فاستحى النبي ﷺ، وفي الحديث الآخر: «فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي» (^١)، وفي رواية في المسند «وَأَجْزِي بِالْحَسَنَةِ عَشْرَ أَمْثَالِهَا» (^٢) فتكون خمسًا في العدد، وخمسين في الأجر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، كما في قول الله ﷿ في الحديث القدسي: «قَالَ اللهُ ﷿: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبْتُهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ أَكْتُبْهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٨٨٧).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٧٨٣٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٢٨).","vol":"1","page":310},{"text":"حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُتِيتُ فَانْطَلَقُوا بِي إِلَى زَمْزَمَ، فَشُرِحَ عَنْ صَدْرِي، ثُمَّ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُنْزِلْتُ».\nحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ- يَعْنِي: ظِئْرَهُ- فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ، قَالَ أَنَسٌ: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ.\nوقوله: «ظِئْرَهُ»: أي مرضعته.\nقوله: «وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ»، أي: متغير لونه بسبب التعب.\nوقوله: «كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ»، أي: أثر الإبرة، وكأن جبريل ﵇ شقه، وخاطه في الحال، وهذا من باب فعل الأسباب، ومن سنن الله الكونية، وإلا فالله تعالى قادر على أن يجعل الجرح يلتئم بدون خياطة.\nهذا الحديث فيه: أن النبي ﷺ شُقَّ عن صدره مرتين:\nالمرة الأولى: وهو يلعب مع الغلمان: «أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ»، من غير عملية جراحية ولا شيء، هذا أمر الله، ﴿إنما أمره إذا راد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾، ومعروف أن هذا لو فُعل بغيره","vol":"1","page":311},{"text":"سيموت في الحال.\nالمرة الثانية: بعد البعثة، وقبل الإسراء، شُقَّ صدره مرة أخرى، وغُسل- أيضًا- بماء زمزم، «واسْتُخْرِجَ قَلْبُهُ، وغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَم، وَمُلِئَ حِكْمَةً وعِلْمًا وإِيمانًا ويَقِينًا»، ثم عُرِج به ﷺ.\nوفيه: جواز نظر الرجل إلى صدر الرجل، ولا خلاف في جوازه، وكذا يجوز أن ينظر إلى ما فوق سرته وما تحت ركبته، إلا أن ينظر بشهوة؛ فإنه يحرم النظر بشهوة إلى كل آدمي، إلا الزوج لزوجته أو مملوكته والعكس، وأما الأمرد الحسن فإنه يحرم النظر إليه، سواء كان النظر إلى وجهه، أوسائر بدنه، وبشهوة كان أو بغيرها، إلا أن يكون لحاجة البيع، والشراء، والتطبُّب، والتعليم ونحوها، بشرط أن يكون بغير شهوة؛ ولهذا يُروَى عن سفيان الثوري أنه قال: «مع الجارية شيطان، ومع الغلام شيطانان» (^١).\nحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ- وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ- قَالَ: حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُنَا عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ نَحْوَ حَدِيثِ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، وَقَدَّمَ فِيهِ شَيْئًا وَأَخَّرَ، وَزَادَ وَنَقَصَ.\nهذا الحديث فيه: بيان بعض أوهام شريك بن أبي نمر ﵀، وهو قوله: «قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» وهذا غلط، والصواب: أنه بعد البعثة، وفي اليقظة، لا في النوم.\n_________\n(^١) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٢/ ٤٣٦).","vol":"1","page":312},{"text":"[١٦٣] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا جِئْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، قَالَ جِبْرِيلُ ﵇ لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا: افْتَحْ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ قَالَ: فَأُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَفَتَحَ، قَالَ: فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، قَالَ: فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، قَالَ: فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ ﵇ وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، قَالَ: ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ، حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا: مِثْلَ مَا قَالَ خَازِنُ السَّمَاءِ\nالدُّنْيَا، فَفَتَحَ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ، آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَعِيسَى، وَمُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ آدَمَ ﵇ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، قَالَ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِدْرِيسَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ، قَالَ: ثُمَّ مَرَّ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى ﵇، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى، قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ","vol":"1","page":313},{"text":"الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إبْرَاهِيمُ».\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَارِيَّ، كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ثُمَّ عَرَجَ بِي، حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ»، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى ﵇: مَاذَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ لِي مُوسَى ﵇: فَرَاجِعْ رَبَّكَ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، قَالَ: فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَوَضَعَ شَطْرَهَا، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ﵇ فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، قَالَ: فَرَاجَعْتُ رَبِّي، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ، حَتَّى نَأْتِيَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، قَالَ: ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ».\nقوله: «جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ»، يعني: قباب اللؤلؤ.\nوهذا الحديث فيه: إثبات الجنة، وأنها مخلوقة، وأنها في السماء.","vol":"1","page":314},{"text":"[١٦٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ- لَعَلَّهُ قَالَ-: عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ- رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ- قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ؛ إِذْ سَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: أَحَدُ الثَّلَاثَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَأُتِيتُ فَانْطُلِقَ بِي، فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، فَشُرِحَ صَدْرِي إِلَى كَذَا وَكَذَا، قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لِلَّذِي مَعِي: مَا يَعْنِي؟ قَالَ: إِلَى أَسْفَلِ بَطْنِهِ، فَاسْتُخْرِجَ قَلْبِي، فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ، ثُمَّ حُشِيَ إِيمَانًا وَحِكْمَةً، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ، يُقَالُ لَهُ: الْبُرَاقُ- فَوْقَ الْحِمَارِ، وَدُونَ الْبَغْلِ- يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفَتَحَ لَنَا، وَقَالَ: مَرْحَبًا بِهِ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، قَالَ: فَأَتَيْنَا عَلَى آدَمَ ﵇، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَقِيَ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ عِيسَى، وَيَحْيَى ﵉، وَفِي الثَّالِثَةِ يُوسُفَ، وَفِي الرَّابِعَةِ إِدْرِيسَ، وَفِي الْخَامِسَةِ هَارُونَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى عليه\nالسلام، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ بَكَى، فَنُودِيَ مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: رَبِّ، هَذَا غُلَامٌ بَعَثْتَهُ بَعْدِي يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: وَحَدَّثَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَةَ أَنْهَارٍ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا نَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، وَنَهْرَانِ بَاطِنَان، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذِهِ الأَنْهَارُ؟ قَالَ: أَمَّا النَّهْرَانِ الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ، ثُمَّ رُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا","vol":"1","page":315},{"text":"خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا فِيهِ آخِرُ مَا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ أَحَدُهُمَا خَمْرٌ وَالآخَرُ لَبَنٌ، فَعُرِضَا عَلَيَّ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقِيلَ: أَصَبْتَ، أَصَابَ اللَّهُ بِكَ أُمَّتُكَ عَلَى الْفِطْرَةِ، ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسُونَ صَلَاةً»، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّتَهَا إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ.\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ: «فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ الْبَطْنِ، فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا».\nقوله: «بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ» لعله في أول الأمر، ثم بعد ذلك استيقظ، وإلا فإن الإسراء كان في اليقظة، كما أثبتته الأحاديث الأخرى.\nوسبق ذكر شرح صدره ﵊، وأنه حصل مرتين: مرة وهو صبي يلعب مع الغلمان، ومرة قبيل الإسراء بعد البعثة وبعد الوحي، وهذا من آيات الله العظيمة.\nوقوله: «فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَشُقَّ مِنْ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ الْبَطْنِ، فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا» هذا تهيئة من الله تعالى لعبده ورسوله ﷺ، فقد هيأه بشق صدره وتنظيفه، وإزالة ما فيه من حظ الشيطان، ثم مُلئ حكمة وإيمانًا ويقينًا؛ لأن الله تعالى أدَّب نبيه ﷺ، وهيئة للكمال، فهو أكمل الناس ﵊ خَلْقًا، وخُلُقًا، وإيمانًا، ويقينًا ﵊.\nوقوله: «فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ بَكَى، فَنُودِيَ مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: رَبِّ، هَذَا غُلَامٌ بَعَثْتَهُ بَعْدِي يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي» هذا البكاء ليس حسدًا، وإنما تألم على بني إسرائيل، لما فاتهم من الخير، وغبطة لنبينا ﷺ لكثرة أتباعه؛ لأنه إذا كثر أتباعه كثر أجره، لأن: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ","vol":"1","page":316},{"text":"مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» (^١)، فنبينا ﷺ أكثر الأنبياء أتباعًا، وأكثرهم أجرًا، فموسى ﵇ تألم من بني إسرائيل، وإن كان أتباع موسى كثيرين، كما في حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ أُمَّتِي هَذِهِ؟ قِيلَ: بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ» (^٢).\nوقوله: «وَحَدَّثَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَةَ أَنْهَارٍ، يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا نَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، وَنَهْرَانِ بَاطِنَانِ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذِهِ الْأَنْهَارُ؟ قَالَ: أَمَّا النَّهْرَانِ الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ»: هذه أربعة أنهار تخرج من أصل سدرة المنتهى، نهران باطنان في الجنة، وهما: الكوثر، والسلسبيل، ونهران ظاهران، وهما: النيل، والفرات، النيل في مصر، والفرات في العراق.\nقال القاضي عياض: «وقوله: «وأما النهران الظاهران»: فالنيل والفرات: يُشْعِرُ أن أصْلَ سدرة المنتهى فى الأرض، والله أعلم» (^٣)، لكن رد هذا النووي ﵀، وقال: «هذا الذي قاله ليس بلازم، بل معناه: أن الأنهار تخرج من أصلها ثم تسير حيث أراد الله تعالى حتى تخرج من الأرض وتسير فيها وهذا لا يمنعه عقل ولا شرع وهو ظاهر الحديث فوجب المصير إليه، والله أعلم» (^٤).\nوهذا الذي قاله النووي ﵀ جيد، أما قول القاضي ﵀: إن أصل سدرة المنتهى في الأرض، فهو بعيد.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٧٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٧٠٥).\n(^٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٠٣).\n(^٤) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٢٢٥).","vol":"1","page":317},{"text":"وسميت سدرة المنتهى بهذا الاسم؛ لأنه تنتهي إليها الأمور التي شاء الله أن تنتهي إليها.\nوقوله: «هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يَدْخُلهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرُ مَا عَلَيْهِمْ»، يعني: كل يوم بمقدار أيام الدنيا، وإلا فليس هناك ليل ولا نهار عند الملائكة، كما في الأثر عن ابن مسعود ﵁ قال: «إِنَّ رَبَّكُمْ تَعَالَى لَيْسَ عِنْدَهُ لَيْلٌ، وَلَا نَهَارٌ» (^١)؛ وذلك لأن الليل والنهار من دوران الشمس، وفوقُ لا شمس ولا قمر، ولا يوجد ليل ولا نهار، كذلك الجنة ليس فيها ليل ولا نهار، أما قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾، فالمعنى: بمقدار البكرة والعشي، وكذلك اجتماع المؤمنين يوم القيامة في يوم المزيد، يوم الجمعة، بارزين لله ﷿، معناه: بمقدار يوم الجمعة في الدنيا.\nوقوله: «الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا فِيهِ آخِرُ مَا عَلَيْهِمْ»: فيه ما يدل على كثرة الملائكة.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٨٨٨٦).","vol":"1","page":318},{"text":"[١٦٥] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ ﷺ- يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ- قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ، فَقَالَ: «مُوسَى آدَمُ طُوَالٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ»، وَقَالَ: «عِيسَى جَعْدٌ مَرْبُوعٌ»، وَذَكَرَ مَالِكًا خَازِنَ جَهَنَّمَ، وَذَكَرَ الدَّجَّالَ.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ ﷺ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ ﵇، رَجُلٌ آدَمُ طُوَالٌ جَعْدٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَرْبُوعَ الْخَلْقِ إِلَى الْحُمْرَةِ، وَالْبَيَاضِ سَبِطَ الرَّأْسِ، وَأُرِيَ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ، وَالدَّجَّالَ فِي آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللَّهُ إِيَّاهُ، فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ»، قَالَ: كَانَ قَتَادَةُ يُفَسِّرُهَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَدْ لَقِيَ مُوسَى ﵇.\nقوله: «مُوسَى آدَمُ»، يعني: أسمر، من الأدمة، وهي السمرة.\nوقوله: «طُوَالٌ»، يعني: هو طويل.\nوقوله: «كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ» قبيلة معروفة، وأصولهم من اليمن.\nوقوله: «عِيسَى جَعْدٌ»، الْمُرَادُ بِالْجَعْدِ هُنَا: «جُعُودَةُ الْجِسْمِ، وَهُوَ اجْتِمَاعُهُ وَاكْتِنَازُهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ جُعُودَةُ الشَّعْرِ» (^١)، وقد يراد به: جعد الشعر؛ لأنه غير مصفف.\nوقوله: «مَرْبُوعٌ»، يعني: هو متوسط بين الرجلين، ليس بالقصير، ولا بالطويل البائن.\nوقوله- عن عيسى ابن مريم ﵇-: «سَبْطُ الرَّأْسِ»، أي: مسترسل الشعر.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٢٢٧).","vol":"1","page":319},{"text":"[١٦٦] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِوَادِي الأَزْرَقِ، فَقَالَ: «أَيُّ وَادٍ هَذَا؟» فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الأَزْرَقِ، قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى ﵇ هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ»، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى، فَقَالَ: «أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟» قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى، قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇، عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ، جَعْدَةٍ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ، وَهُوَ يُلَبِّي»، قَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ هُشَيْمٌ، يعني: لِيفًا.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ دَاوُدَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَمَرَرْنَا بِوَادٍ، فَقَالَ: «أَيُّ وَادٍ هَذَا؟» فَقَالُوا: وَادِي الأَزْرَقِ، فَقَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى ﵇»، فَذَكَرَ مِنْ لَوْنِهِ، وَشَعَرِهِ شَيْئًا لَمْ يَحْفَظْهُ دَاوُدُ، «وَاضِعًا إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ، مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي»، قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا، حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى ثَنِيَّةٍ، فَقَالَ: «أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟» قَالُوا: هَرْشَى، أَوْ لِفْتٌ، فَقَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ، عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ خُلْبَةٌ، مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي مُلَبِّيًا».\nقوله: «وَادِي الأَزْرَقِ»: وهو خلف أمج بينه وبين مكة ميل واحد، وأَمَجُّ بفتح الهمزة والميم وبالجيم قرية ذات مزارع هناك (^١).\nوقولهم: «قَالُوا: هَرْشَى، أَوْ لِفْتٌ»: أما هَرْشَى: بفتح الهاء وسكون الراء: فهو جبل من بلاد تهامة على طريق الشام والمدينة قريب من الجحفة.\nولِفْتٌ أو ثنية لفت- بكسر اللام وإسكان الفاء-: أرض مرتفعة بين مكة\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (٣/ ٤١٤).","vol":"1","page":320},{"text":"والمدينة تشرف على خليص من الشمال، وتسمى اليوم (الفيت)، وقد هجرت من زمن، ولم تعد مطروقة، وقد سلكها رسول الله ﷺ فى مهاجرته.\nوقوله: «خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ خُلْبَةٌ»: روي بتنوين ليف وروي بإضافته إلى خلبة، فمن نَوَّنَ جعل خلبة بدلا أو عطف بيان (^١)، والخلبة هو الليف.\nقوله: «وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ»، يعني: له صوت مرتفع بالتلبية.\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ، فَقَالَ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ قَالَ ذَاكَ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: أَمَّا إِبْرَاهِيمُ، فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ، وَأَمَّا مُوسَى، فَرَجُلٌ آدَمُ جَعْدٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، مَخْطُومٍ بِخُلْبَةٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذَا انْحَدَرَ فِي الْوَادِي يُلَبِّي.\n\n[١٦٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «عُرِضَ عَلَيَّ الأَنْبِيَاءُ، فَإِذَا مُوسَى ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ- يَعْنِي: نَفْسَهُ- وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ ﵇، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دَحْيَةُ»، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ: دَحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ.\n\n[١٦٨] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد- وتقاربا في اللفظ- قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ عَبد: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حِينَ أُسْرِيَ بِي لَقِيتُ مُوسَى ﵇»، فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَإِذَا رَجُلٌ- حَسِبْتُهُ قَالَ-: «مُضْطَرِبٌ رَجِلُ الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ مِنَ رِجَالِ شَنُوءَةَ، قَالَ: وَلَقِيتُ عِيسَى، فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَإِذَا رَبْعَةٌ، أَحْمَرُ، كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٢٣٠).","vol":"1","page":321},{"text":"دِيمَاسٍ- يَعْنِي: حَمَّامًا- قَالَ: وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ، قَالَ: فَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ، وَفِي الآخَرِ خَمْرٌ، فَقِيلَ لِي: خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ، فَقَالَ: هُدِيتَ الْفِطْرَةَ أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ، أَمَّا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ».\nأشكل على بعض العلماء هذا الحديث: فكيف رأى النبي ﷺ موسى ﵇ له جؤار يلبي، ورأى يونس بن متى يلبي ﵇، وهما قد ماتا؟ قال بعضهم: إن هذا لا مانع منه، وأن الشهداء إذا كانوا أحياء عند الله يرزقون، فحياة الأنبياء أكمل من حياة الشهداء.\nوقال آخرون: إنهم مُثِّلوا له، وأنه نقل له أحوالهم لما كانوا أحياء، ورآهم على هذه الحال.\nوقال النووي ﵀: قال القاضي عياض ﵀: «فإن قيل: كيف يحجون ويلبون وهم أموات، وهم في الدار الآخرة وليست دار عمل؟ فاعلم أن للمشايخ وفيما ظهر لنا عن هذا أجوبة:\nأحدها: أنهم كالشهداء، بل هم أفضل منهم، والشهداء أحياء عند ربهم، فلا يبعد أن يحجوا (^١)، ويصلوا كما ورد في الحديث الآخر (^٢)، وأن يتقربوا إلى الله تعالى بما استطاعوا؛ لأنهم وإن كانوا قد توفوا فهم في هذه الدنيا التي هي دار العمل حتى إذا فنيت مدتها وتعقبتها الآخرة التي هي دار الجزاء انقطع العمل» (^٣).\nقلتُ: هذا غير وجيه؛ فإن من مات فقد قامت قيامته، فحياتهم حياة برزخية لا كالحياة الدنيا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٥٥)، ومسلم (١٦٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٣٧٥).\n(^٣) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٢٢٨).","vol":"1","page":322},{"text":"قال ﵀: «الوجه الثاني أن عمل الآخرة ذكر ودعاء، قال الله تعالى: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام﴾» (^١).\nقلتُ: وقد خصه بعضهم بالذكر والتسبيح والدعاء وهذا في الآخرة، والكلام إنما هو في حياة البرزخ.\nقال ﵀: «الوجه الثالث: أن تكون هذه رؤية منام في غير ليلة الإسراء، أو في بعض ليلة الاسراء، كما قال فى رواية ابن عمر ﵄: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِى أَطُوفُ بِالكَعْبَةِ»، وذكر الحديث في قصة عيسى ﷺ» (^٢) حتى لو كانت رؤيا منام فرؤيا الأنبياء وحي، وأما ليلة الإسراء فكانت يقظة لا مناما، قوله: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ والعبد اسم لمجموع الروح والجسد كما أن الإنسان اسم لمجموع الروح والجسد، ثم إن التسبيح يكون عند الأمور العجيبة العظيمة الخارجة عن العادة، ومعلوم أن عامَّة الخلق يرى أحدهم في منامه الذهاب من مكة إلى الشام وليس هذا مما يُذكر على هذا الوجه من التعظيم.\nقال ﵀: «الوجه الرابع: أنه ﷺ أُري أحوالهم التي كانت في حياتهم، ومُثلوا له في حال حياتهم، كيف كانوا، وكيف حجهم، وتلبيتهم، كما قال ﷺ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسى»، و«كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عِيسَى»، و«كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ».\nخامسها: أن يكون أخبر عما أوحي إليه ﷺ من أمرهم، وما كان منهم، وإن لم يرهم رؤية عين» (^٣) والراجح أنه ﷺ رأى أرواحهم، فهم قد مثلوا له، إذ أخذت الروح شكل الجسد، كما كان في الإسراء (^٤).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٢٢٨).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٢٢٩).\n(^٣) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٢٢٨).\n(^٤) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٤/ ٣٢٩)، شرح حديث النزول، لابن تيمية (ص ١٥١).","vol":"1","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>بَابُ ذِكْرِ الْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ، وَالْمَسِيحِ الدَّجَّالِ</span>\n\n[١٦٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَرَانِي لَيْلَةً عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَمِ، قَدْ رَجَّلَهَا، فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ، أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ، قَطَطٍ أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ».\nقوله: «قَطَطٍ»: أي شديد جعودة الشعر مباعد للجعودة المحبوبة (^١).\nوقوله: «لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَمِ، قَدْ رَجَّلَهَا»: هو الشعر المتدلي الذي جاوز شحمة الأذنين، فإذا بلغ المنكبين فهو جمة، وأما رجَّلها فهو بتشديد الجيم، ومعناه سرَّحها بمشط مع ماء أو غيره (^٢).\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ- يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ- عَنْ مُوسَى- وَهُوَ ابْنُ عُقْبَةَ- عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﵎ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلَا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ»، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَرَانِي اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأَحْسَنِ مَا تَرَى مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ٦٥).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٢٣٣).","vol":"1","page":324},{"text":"مَنْكِبَيْهِ، رَجِلُ الشَّعْرِ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ، وَهُوَ بَيْنَهُمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَرَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلًا جَعْدًا قَطَطًا، أَعْوَرَ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ بِابْنِ قَطَنٍ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ».\nقوله: «كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ بِابْنِ قَطَنٍ»: قال الزهري: رجل من خزاعة، هلك في الجاهلية (^١)، وعلى هذا فيكون ابن قطن هو عبد العزى بن قطن.\nحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رَأَيْتُ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، رَجُلًا آدَمَ سَبِطَ الرَّأْسِ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى رَجُلَيْنِ، يَسْكُبُ رَأْسُهُ أَوْ يَقْطُرُ رَأْسُهُ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ أَوْ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ»، لَا نَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ: «وَرَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلًا أَحْمَرَ، جَعْدَ الرَّأْسِ، أَعْوَرَ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، أَشْبَهُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ ابْنُ قَطَنٍ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ».\n\n[١٧٠] حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ، فَجَلَا اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ».\n\n[١٧١] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُنِي أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبِطُ الشَّعْرِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً، أَوْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٤١).","vol":"1","page":325},{"text":"يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً، قُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ، فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ، جَسِيمٌ جَعْدُ الرَّأْسِ، أَعْوَرُ الْعَيْنِ، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الدَّجَّالُ أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ».\n\n[١٧٢] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- وَهُوَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ، وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ، فَسَأَلَتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا، فَكُرِبْتُ كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، قَالَ: فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ، كَأَنَّهُ مِنَ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ ﵇، قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ- يَعْنِي: نَفْسَهُ- فَحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنً الصَّلَاةِ قَالَ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ».\nقوله: «رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعدٌ»: الضرب من الرجال: هو الخفيف اللحم، فهو رجل نحيف، شعره مسترسل.","vol":"1","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>بَابُ فِي ذِكْرِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى</span>\n\n[١٧٣] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ- قَال ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الأَرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا، فَيُقْبَضُ مِنْهَا، قَالَ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾، قَالَ: فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ؟ قَالَ: فَأُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثًا، أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا الْمُقْحِمَاتُ.\nقوله: «انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ» سبق في حديث أنس ﵁ أنها في السماء السابعة، وهذا هو الصواب، وقول الأكثرين، ويفيده- أيضًا- قوله: «إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنْ الْأَرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا، فَيُقْبَضُ مِنْهَا»، فيحتمل أن يكون هذا وهم من بعض الرواة، أو أنه كما قال ابن حجر: «ولا يعارض قوله إنها في السادسة ما دلت عليه بقية الأخبار أنه وصل إليها بعد أن دخل السماء السابعة، لأنه يحمل على أن أصلها في السماء السادسة وأغصانها وفروعها في السابعة، وليس في السادسة منها إلا أصل ساقها» (^١).\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (٧/ ٢١٣).","vol":"1","page":327},{"text":"وقوله: «أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ» يحتمل أن الصلوات الخمس خاصة بهذه الأمة، وصحيح أن الصلوات كانت واجبة في الأمم السابقة، لكن كونها صلوات خمس فهو مما تختص به هذه الأمة، وقد كان الأنبياء ﵈ يصلون، لكن ليس كصلاة المسلمين، فكون النبي ﷺ أعطي هذه الصلوات الخمس فهذه من خصائصه ﷺ.\nوقوله: «وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ» جاء في الحديث الآخر «أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ» (^١)، وهي: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾، هذه الآيات أعطيها النبي ﷺ تحت العرش.\nوقوله: «غُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا الْمُقْحِمَاتُ» وهي الذنوب العظام الكبائر، كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، والتعامل بالربا، وسميت مقحمات؛ لأنها تقحم صاحبها في العذاب والمهالك، فمن لم يشرك بالله شيئا غُفِرَ له، ولكن هذا مقيد بالآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فالكبائر تُغفر، وتكون تحت المشيئة، والنصوص يُضَمُّ بعضها إلى بعض.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٠٦).","vol":"1","page":328},{"text":"[١٧٤] وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ الْعَوَّامِ- حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، قَالَ: رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ لَهُ سِتُّ مِائَة جَنَاحٍ.\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ، سَمِعَ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، قَالَ: رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ.\nقوله: «رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةُ جَنَاحٍ» هذه هي الصورة التي خُلق عليها جبريل ﵇، فلقد رآه مرتين على هذه الصورة:\nالمرة الأولى: في الأرض، في غار حراء، عند أول البعثة.\nالمرة الثانية: في ليلة المعراج، قال تعالى: ﴿ولَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، يعني: مرة أخرى، عند سدرة المنتهى، له ست مئة جناح، ورآه مرات في صور متعددة، فلقد رآه في صورة دحية الكلبي ﵁ (^١)، وفي صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر (^٢)، فهو ملَك يتشكل، وقد أعطاه الله تعالى قدرة على هذا التشكُّل.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٤٤٦٢)، والنسائي (٤٩٩١).\n(^٢) أخرجه مسلم (٨).","vol":"1","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>بَابُ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ وَهَلْ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ</span>؟\n\n[١٧٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، قَالَ: رَأَى جِبْرِيلَ.\n\n[١٧٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَىهُ بِقَلْبِهِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ الأَشَجُّ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحُصَيْنِ أَبِي جَهْمَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، قَالَ: رَأَىهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا أَبُو جَهْمَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ.\n\n[١٧٧] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنْتُ مُتَّكِئًا عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَت: يَا أَبَا عَائِشَةَ، ثَلَاثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، قَالَ: وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْظِرِينِي وَلَا تَعْجَلِينِي، أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾، ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾؟ فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ، سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ»، فَقَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾؟ أَوَلَمْ","vol":"1","page":330},{"text":"تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾؟ قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾\nقَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَة، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾.\nقولها: «أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ، سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، فَقَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾؟ أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾؟»، أي: أنه ﷺ محجوب عن رؤية الله تعالى في الدنيا، وأنه لم ير ربه ﷿ ليلة المعراج، وإنما كلمه الله تعالى من وراء حجاب، وهو قول عائشة ﵂، وهو الصواب.\nوالسلف ﵃ منهم من أثبت الرؤية، ومنهم من نفاها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وأما (الرؤية) فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: «رأى محمد ربه بفؤاده مرتين» وعائشة أنكرت الرؤية. فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد» (^١)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٦/ ٥٠٩).","vol":"1","page":331},{"text":"وممن ذهب إلى أن النبي ﷺ رأى ربه بعين رأسه: ابن خزيمة ﵀ في كتاب التوحيد (^١)، وأبو الحسن الأشعري ﵀ فيما نقله عنه السهيلي في الروض الأنف (^٢)، والقاضي عياض في الشفا (^٣)، والنووي (^٤)، ﵏، مع ورود الأحاديث الصريحة بأنه ﷺ لم يَرَ ربَّه ﷿، ومع ذلك فقد أوَّلوها، وهي صريحة كالشمس، مثل: حديث أبي ذر ﵁ قال: «هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟» قَالَ: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ؟»، وقال: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»، وهذا صريح بأنه لم يره ﷿.\nوجماهير الصحابة على أن النبي لم يرَ ربَّهُ ليلة المعراج (^٥).\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَزَادَ: قَالَتْ: وَلَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كَاتِمًا شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾.\nحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ! لَقَدْ قَفَّ شَعَرِي لِمَا قُلْتَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بقصته، وحديث داود أتم، وأطول.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ عَنْ عَامِرٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: فَأَيْنَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ\n_________\n(^١) التوحيد، لابن خزيمة (٢/ ٤٧٧).\n(^٢) الروض الأنف، للسهيلي (٣/ ٢٧١).\n(^٣) الشفا، للقاضي عياض (١/ ٣٨١).\n(^٤) شرح مسلم، للنووي (٣/ ٥).\n(^٥) اجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم (٢/ ٤٨).","vol":"1","page":332},{"text":"قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾؟ قَالَتْ: إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ ﵇، كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرِّجَالِ، وَإِنَّهُ أَتَاهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ فِي صُورَتِهِ، الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ، فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ.\nقولها: «وَلَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كَاتِمًا شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾» هو زيد بن حارثة ﵁، أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمتَ عليه بالعتق.\nوقوله: «﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾» هو على ظاهره، يعني: أن اللَّه أعلم نبيَّه ﷺ بأن زيدًا ﵁ سيطلِّق زينب ﵂، وأنه سيزوِّجها إيَّاه ﷺ، وهي في ذلك الوقت تحت زيد ﵁، فلما شكاها زيد إليه ﷺ قال له: أمسك عليك زوجك واتق اللَّه، فعاتبه اللَّه على قوله: أمسك عليك زوجك بعد علمه أنها ستصير زوجته هو ﷺ، وخشي مقالة الناس أن يقولوا- لو أظهر ما علم من تزويجه إياها-: إنه يريد أن يتزوج زوجة ابنه، في الوقت الذي هي فيه في عصمة زيد.","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>بَابٌ فِي قَوْلِهِ ﵇: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ؟»، وَفِي قَوْلِهِ: «رَأَيْتُ نُورًا»</span>\n\n[١٧٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ؟ !».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ: لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: عَنْ أَيِّ شَيْءٍ كُنْتَ تَسْأَلُهُ؟ قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُهُ، هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَدْ سَأَلْتُ، فَقَالَ: «رَأَيْتُ نُورًا».\nقوله: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ؟» هذا واضح في أن النبي ﷺ لم يَرَ ربه، وقصد بالنور: الحجاب الذي يمنعه من رؤيته؛ لأن الله تعالى احتجب من خلقه، وحجابه النور.","vol":"1","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>بَابٌ فِي قَوْلِهِ ﵇: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ»، وَفِي قَوْلِهِ: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»</span>\n\n[١٧٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ».\nوَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: «النَّارُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ عَنِ الأَعْمَشِ: وَلَمْ يَقُلْ: حَدَّثَنَا.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ: مِنْ خَلْقِهِ، وَقَالَ: «حِجَابُهُ النُّورُ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَرْبَعٍ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَرْفَعُ الْقِسْطَ وَيَخْفِضُهُ، وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ، وَعَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ».\nقوله: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ» المراد بالكلمات: الجمل المفيدة، والكلمة تطلق على الخطبة، كما يقال: ألقى فلان كلمة، أي: خطبة.\nوقوله: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ- وفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: النَّارُ- لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» ومحمد","vol":"1","page":335},{"text":"﵊ مِن خلقه، فلم يَرَ اللهَ ﷿، وهذا صريح في أن النبي ﷺ لم ير ربه ﷿.\nوفي هذا الحديث: أن الله تعالى احتجب من خلقه بالنور، وأنه لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، والمعنى: أنه محجوب من جميع خلقه، ومحمد ﷺ منهم، وهو محجوب بالنور.\nوفيه: إثبات النور لله تعالى، وأن النور صفة من صفاته ﷿.\nوأما ما ورد عن ابن عباس ﵄ من قوله: «رَأَىهُ بِقَلْبِهِ»، فمطلق يُحمل على المقيد، والنصوص يُضم بعضها إلى بعض، ولم يثبت عن ابن عباس ﵄ لفظ صريح بأنه رآه بعينه، وكذلك الإمام أحمد تارة يُطلق الرؤية، وتارة يقول: «رآه بفؤاده»، ولم يقل أحد أنه سمع أحمد يقول: «رآه بعينه» (^١)، فالصواب أن النبي ﷺ لم يرَ ربه بعين رأسه، والأدلة في هذا واضحة.\nوأما ما ذهب إليه النووي ﵀ من أن أكثر العلماء على أن الرسول الله ﷺ رأى ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء (^٢)، فقول ضعيف وليس بصحيح.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٦/ ٥٠٩).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٣/ ٥).","vol":"1","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>بَابُ إِثْبَاتِ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الآخِرَةِ رَبَّهُمْ ﷾</span>\n\n[١٨٠] حَدَّثَنَا نَصْر بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وأَبُو غَسَّانَ الْمَسْمَعِيُّ، وإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جميعًا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي غَسَّانَ- قَال: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ».\n\n[١٨١] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بن مَيْسَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ صُهَيْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا، أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ﷿».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ: ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾.\nقوله: «وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ»: فيه إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة.\nوقوله: «فِي جَنَّةِ عَدْنٍ»، أي: جنة إقامة، يقال: عدن بالمكان يعدن عدونًا، أي: أقام (^١).\nفالله ﵎ بكبريائه وعظمته بعد رؤية يوم القيامة يأذن للمؤمنين في دخول جنة عدن، فيروه فيها.\n_________\n(^١) الصحاح، للجوهري (٦/ ٢١٦٢)، النهاية، لابن الأثير (٣/ ١٩٢).","vol":"1","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>بَابُ مَعْرِفَةِ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ</span>\n\n[١٨٢] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَاسًا قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟» قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟» قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ ﵎ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمُ السَّعْدَانَ؟» قَالُوا:\nنَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا قَدْرُ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ بَقِيَ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمُ الْمُجَازَى حَتَّى يُنَجَّى، حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، مِمَّنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَرْحَمَهُ مِمَّنْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ، يَعْرِفُونَهُمْ بِأَثَرِ السُّجُودِ تَأْكُلُ النَّارُ مِنَ ابْنِ آدَمَ، إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ، حَرَّمَ اللَّهُ","vol":"1","page":338},{"text":"عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ، وَقَدِ امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ مِنْهُ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ- وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ- فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَيَدْعُو اللَّهَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَهُ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ ﵎: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ، وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الْجَنَّةِ وَرَأَىهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ\nيَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، قَدِّمْنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ، وَمَوَاثِيقَكَ، لَا تَسْأَلُنِي غَيْرَ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ؟ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ! فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، وَيَدْعُو اللَّهَ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَعِزَّتِكَ، فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا قَامَ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ انْفَهَقَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ، وَمَوَاثِيقَكَ، أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ، وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللَّهَ حَتَّى يَضْحَكَ اللَّهُ ﵎ مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ اللَّهُ مِنْهُ، قَالَ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللَّهُ لَهُ: تَمَنَّهْ، فَيَسْأَلُ رَبَّهُ وَيَتَمَنَّى، حَتَّى إِنَّ اللَّهَ لَيُذَكِّرُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ذَلِكَ لَكَ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ».\nقَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ: وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئًا، حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: وَمِثْلُهُ مَعَهُ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ، يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ أَبُو","vol":"1","page":339},{"text":"هُرَيْرَةَ: مَا حَفِظْتُ إِلَّا قَوْلَهُ: ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلَهُ: ذَلِكَ لَكَ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ أَخْبَرَهُمَا أَنَّ النَّاسَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ.\nقوله: «فَيَأْتِيهِمُ اللهُ ﵎ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ»: فيه إثبات الصورة لله ﷿.\nوقوله: «فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا»: فيه بيان أنهم رأَوا الله ﷿ مرتين:\nالمرة الأولى: في غير صورته التي يعرفون، فأنكروا، وقالوا: «نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ» فاستعاذوا بالله من الله، كما في حديث: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ» (^١)، أي: لا نستعيذ بغير الله؛ وذلك لأنه سبحانه جعل بينه وبينهم علامة، وهي الكشف عن ساقه تعالى (^٢)، فرأوه ﷿ المرة الثانية على الصورة التي يعرفون.\nوعند التفصيل فإن المؤمنين يرون الله يوم القيامة في صورة أربع مرات.\nالمرة الأولى: رؤية تعريف رأوه فعرفوا، وهذه الرؤية تكون قبل أن ينادي\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٨٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٩١٩).","vol":"1","page":340},{"text":"المنادي: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فإن هذا هو محاسبة العباد، فإذا حوسبوا أمروا بأن يتبعوا آلهتهم، ويتجلى الرب لعباده المؤمنين فيتبعونه، وينصب الجسر على ظهر جهنم فيعبر عليه المتقون ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ فالمرة الأولى لقوه وخاطبهم قبل المناداة، وذلك كان عامًّا للعباد، كما يدل عليه سائر الأحاديث ثم حجَب الكفار.\nالمرة الثانية: التي امتحنهم فيها فأنكروه وهي أدنى من التي رأوه فيها أول مرة، وهذا تفسير ما في حديث أبي هريرة مع أبي سعيد ﵄ حيث قال: «فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ» (^١).\nالمرة الثالثة: يكشف لهم عن ساقه حتى يسجدوا له، فهذه التي يعرفون هي التي يكشف فيها عن ساق فيسجدون له.\nالمرة الرابعة: حين يرفعون رءوسهم- أي: من السجود- كما في صحيح مسلم: «ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتَّبِعُونَهُ» (^٢).\nوقوله: «فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ»: فيه بيان فضل هذه الأمة؛ إذ إن الرسول ﷺ أول من يجيز على الصراط، وأمته أول الأمم التي تجتاز الصراط.\nوقوله: «فَمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ بَقِيَ بِعَمَلِهِ» وفي رواية في البخاري: «فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ» (^٣) أي: المهلك، وقيل: المحبوس المعاقب، ومنه قوله تعالى: ﴿أو يوبقهن بما كسبوا﴾، ويُقال: وبق يبق إذا هلك (^٤).\nوقوله: «فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ، يَعْرِفُونَهُمْ بِأَثَرِ السُّجُودِ»: فيه الرد على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٤٣٧)، ومسلم (١٨٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٤٣٧)، ومسلم (١٨٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (٨٠٦).\n(^٤) مطالع الأنوار، لابن قرقول (٦/ ١٦٦).","vol":"1","page":341},{"text":"الخوارج والمعتزلة الذين يقولون بخلود أهل الكبائر في النار (^١).\nوفيه: حجة لمن قال بأن الصلاة من شروط لا إله إلا الله؛ ولهذا إذا أراد الله أن يرحم الموحدين الذين يقولون: لا إله إلا الله، أمر الملائكة أن يخرجوهم بعلامة، وهي أثر السجود عند المصلي، فدل على أن الصلاة شرط في صحة التوحيد والشهادة، فمن لا يصلي لا تصح منه لا إله إلا الله.\nوفيه: دليل قوي على أن ترك الصلاة كفر، وأن من ترك الصلاة فقد أشرك، وأنه ليس بموحد، والله تعالى يخرج الموحدين العصاة من النار، يعرفونهم الملائكة بأثر السجود؛ ولهذا لا تأكل النار أثر السجود، وهذا من الأدلة على أن الصلاة شرط لصحة الشهادة.\nوقوله: «حَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ» وفي رواية أخرى: «فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ» يعني: وجوههم وأثر السجود، فلا تأكلها النار.\nوقوله: «فَيُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ وَقَدِ امْتَحَشُوا»، أي: احترقوا، وصاروا فحمًا، فالنار أمرها عظيم- نسأل الله العافية.\nوقوله: «فَيَنْبُتُونَ مِنْهُ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ» الحبة- بكسر الحاء- هي البِذرة.\nوقوله: «فِي حَمِيلِ السَّيْلِ»، يعني: محمول السيل، فالسيل إذا جرى في الوادي يحمل معه الغثاء والطين، ثم يكون على جانب الوادي، فإذا كانت هناك حبة تنبت بسرعة؛ لأنها مخدومة، فبمجرد ما يقف السيل تنبت خضراء، فكذلك هؤلاء الذين أُحرقوا بالنار ينبتون سريعًا.\nوقوله: «وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ، وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ» هذا آخر أهل النار خروجًا، وآخر أهل الجنة دخولًا، يخرج منها، ويوجه وجهه إلى النار، فيقول: «رَبِّ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٥/ ٢٩٤)، شرح العقيدة الأصفهانية، لابن تيمية (ص ١٩٨).","vol":"1","page":342},{"text":"اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَد قَشبَنِي رِيحُهَا، وأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَيُصْرَفُ وَجْهُهُ عَنِ النَّارِ».\nوقوله: «فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ» هذه غنيمة عظيمة، كونه يصرف وجهه عن النار، فلقد سلم من لهبها وشدتها.\nوقوله: «فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ لَا تَسْأَلُنِي غَيْرَ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ، وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ» وفي الحديث الآخر: «ورَبُّهُ يَعْذرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى شَيْئًا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ» (^١) يعطي عهوده ومواثيقه، فيسكت ما شاء الله، ثم يسأل ربه، وربه يعذره.\nوقوله: «لَا، وَعِزَّتِكَ»: فيه الحلف بالعزة، وهي صفة من صفات الله ﷿، ومنه: قول الله تعالى: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين﴾.\nوقوله: «فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللهَ حَتَّى يَضْحَكَ اللهُ ﵎ مِنْهُ» ضحك الله ﷿ صفة يثبتها أهل السنة، كما تليق بجلاله وعظمته.\nوفيه: الرد على من أنكر الضحك من الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، فكلهم ينكرونها، وهو من صفات الله الفعلية، فنثبتهاكما تليق بجلاله، فهو سبحانه لا يشبه أحدًا من خلقه ﷾.\nوقوله: «ذَلِكَ لَكَ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ» هذا آخر أهل الجنة دخولًا، ويعطى منها هذا الخير العظيم، فكيف بمن هو من السابقين والمقربين- نسأل الله من فضله.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨٧).","vol":"1","page":343},{"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَدْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى، وَيَتَمَنَّى، فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَمَنَّيْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ».\n\n[١٨٣] وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ نَاسًا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ، قَالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ، صَحْوًا لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ؟ وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، صَحْوًا لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ ﵎ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ لِيَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مِنَ الأَصْنَامِ، وَالأَنْصَابِ، إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ، وَفَاجِرٍ، وَغُبَّرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَيُدْعَى الْيَهُودُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ، وَلَا وَلَدٍ، فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ قَالُوا: عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا، فَاسْقِنَا، فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ، أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ، كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ:\nكَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ، وَلَا وَلَدٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَيَقُولُونَ: عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا، فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ، أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ، كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ بَرٍّ،","vol":"1","page":344},{"text":"وَفَاجِرٍ، أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﷾ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا، قَالَ: فَمَا تَنْتَظِرُونَ، تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ قَالُوا: يَا رَبَّنَا، فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا، أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ! لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ أَنْ يَنْقَلِبَ، فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ فَتَعْرِفُونَهُ بِهَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، إِلَّا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالسُّجُودِ، وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً وَرِيَاءً، إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً، كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ، خَرَّ عَلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ، وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، وَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْجِسْرُ؟ قَالَ: دَحْضٌ مَزِلَّةٌ فِيهِ خَطَاطِيفُ،\nوَكَلَالِيبُ، وَحَسَكٌ تَكُونُ بِنَجْدٍ فِيهَا شُوَيْكَةٌ، يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ، فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ الْعَيْنِ، وَكَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ، وَكَالطَّيْرِ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا، وَيُصَلُّونَ، وَيَحُجُّونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّار، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ، فَيَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنَ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا","vol":"1","page":345},{"text":"كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْر فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا»، وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَقُولُ: إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَاقْرَءُوا إِنْ\nشِئْتُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، «فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿: شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ، قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ، يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، أَلَا تَرَوْنَهَا تَكُونُ إِلَى الْحَجَرِ، أَوْ إِلَى الشَّجَرِ، مَا يَكُونُ إِلَى الشَّمْسِ أُصَيْفِرُ، وَأُخَيْضِرُ، وَمَا يَكُونُ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ يَكُونُ أَبْيَضَ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّكَ كُنْتَ تَرْعَى بِالْبَادِيَةِ؟ قَالَ: «فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ، يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، ثُمَّ يَقُولُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: لَكُمْ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا، فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا، أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: رِضَايَ، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا».\nقَالَ مُسْلِم: قَرَأْتُ عَلَى عِيسَى بْنِ حَمَّادٍ زُغْبَةَ الْمِصْرِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الشَّفَاعَةِ، وَقُلْتُ لَهُ: أُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْكَ أَنَّكَ سَمِعْتَ مِنَ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ لِعِيسَى بْنِ حَمَّادٍ: أَخْبَرَكُمُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ إِذَا كَانَ يَوْمٌ صَحْوٌ؟»، قُلْنَا: لَا، وَسُقْتُ الْحَدِيثَ، حَتَّى انْقَضَى آخِرُهُ، وَهُوَ نَحْوُ حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: «بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا قَدَمٍ قَدَّمُوهُ، فَيُقَالُ","vol":"1","page":346},{"text":"لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلُهُ مَعَهُ»، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ وَمَا بَعْدَهُ، فَأَقَرَّ بِهِ عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، بِإِسْنَادِهِمَا نَحْوَ حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ إِلَى آخِرِهِ، وَقَدْ زَادَ، وَنَقَصَ شَيْئًا.\nقوله: «فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللهِ سُبْحَانَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْصَابِ إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ»: فيه دليل صريح بأن هؤلاء سقطوا في النار قبل حساب الموحدين.\nوقوله: «وَغُبَّرِ أَهْلِ الْكِتَابِ»، يعني: بقايا أهل الكتاب، ومنهم من قال: «الغابرين»، يعني: الباقين. فالغابر يكون بمعنى الباقي وبمعنى الماضي، فهو من الأضداد، والإشارة إلى من لم يبدل.\nوقوله: «كَأَنَّهَا سَرَابٌ»، يعني: كأنها ماء، ثم يتساقطون فيها، نعوذ بالله!\nوقوله: «أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﷾ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا» فيه: إثبات هذه الرؤية، وهي هنا حصلت للمؤمنين للمرة الثانية.\nوقوله: «فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ فَتَعْرِفُونَهُ بِهَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ» وفيه إثبات الرؤية للمرة الثالثة.\nوقوله: «ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُؤوسَهُمْ، وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ» هذه المرة الرابعة التي تحصل للمؤمنين فيها الرؤية.\nوقوله: «فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ الْعَيْنِ، وَكَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ، وَكَالطَّيْرِ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ» هذا يكون على حسب الأعمال.\nوقوله: «فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ»: فيه إثبات اليد لله تعالى، فقد حلف النبي ﷺ، وقال: «والذي نفسي بيده»، وفيه: أن شؤون العباد بيد الله.","vol":"1","page":347},{"text":"وقوله: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمُ» المعنى: أن المؤمنين يناشدون الله تعالى بتخليص العصاة من النار.\nوقوله: «يَقُولُونَ: رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ» هذه مناشدة لله ﷿ أن يخرج إخوانهم الذين كانوا يصلون معهم، ويصومون معهم من النار، فَيُحرِّم الله وجوههم على النار.\nوقوله: «فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ» المراد بالصور: الوجوه؛ لأنها تسجد لله تعالى، يعني: لا تأكل النار وجوه العصاة، وهم في النار.\nوقوله: «فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ»، يعني: لم يعملوا من خير زيادة عن التوحيد والإيمان، إلا أنهم يقولون: لا إله إلا الله.\nوقوله: «قَالُوا: عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا، فَاسْقِنَا، فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ»، أي: يخيل إليهم أنها ماء، بعد أن يسلط عليهم العطش- والعياذ بالله.\nوقوله: «قَالُوا: عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا، فَاسْقِنَا، فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ» هكذا جميع الكفرة يساقون إلى النار سوقًا، لا يحاسبون، وليس لهم حسنات حتى يحاسبوا عليها، فكل أعمالهم سيئة؛ فلهذا يساقون إلى النار سوقًا كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: «وأما الكفار: فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنه لا حسنات لهم ولكن تعد أعمالهم وتحصى فيوقفون عليها ويقررون بها ويجزون بها» (^١).\nوقوله: «حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ تَعَالَى مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ»، يعني: أن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٣/ ١٤٦)، العقيدة الواسطية، لابن تيمية (ص ٩٨).","vol":"1","page":348},{"text":"الكفار كلَّهم يتساقطون في النار، ولا يبقى إلا مطيع وعاص من المسلمين، وهؤلاء لهم حسنات وسيئات.\nوقوله: «أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﷾ فِي أَدْنَى صُورَةٍ»: فيه إثبات صفة الإتيان للرب، كما يليق بجلاله وعظمته، كما قال ﷾: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، فأهل السنة والجماعة يثبتون صفات الذات، والأفعال، وصفة الإتيان من صفات الأفعال، نؤمن بها كما يليق بجلاله وعظمته، ولا نعلم كيفيتها، وهو سبحانه فوق العرش وفوق الخلق أجمعين.\nوقوله: «فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ لَا نُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا» استعاذوا بالله من الله؛ لأنه تجلى لهم في غير الصورة التي يعرفون، ثم تجلى لهم في الصورة التي يعرفون، وقد جعل بينهم علامة، وهي كشف الساق، فإذا كشف عن ساقه ﷾ سجدوا له، وهذه المرة الثالثة، فإذا رفعوا وجوههم من السجود تجلى لهم في الصورة التي رأوه فيها أول مرة، وهي المرة الرابعة.\nوقوله: «حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ أَنْ يَنْقَلِبَ»، أي: يرجع عن الصواب أو عن الحق، وهذا ابتلاء وامتحان، ولا ينتهي حتى يدخل الإنسان الجنة.\nوقوله: «فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ فَتَعْرِفُونَهُ بِهَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ» هذه هي العلامة التي بينهم وبينه ﷿، وهي كشف الساق.\nوالساق صفة من صفات الله تعالى كاليد، والرِّجل، وكلها صفات تليق بجلاله وعظمته.\nوالنووي ﵀ وجماعته، وكثير من الشراح يؤولون بأن المراد من كشف الساق: شدة الأمر (^١)، كما تقول العرب: كشفت الحرب عن ساقها، وهذا\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ٧٧)، فتح الباري، لابن حجر (٨/ ٦٦٤).","vol":"1","page":349},{"text":"وإن كان يرد في لغة العرب، لكن المراد في هذه الآية: ساقه ﷿، وليس المراد: شدة الأمر.\nوفي لفظ البخاري إضافتها إلى الله تعالى: «يكشف ربنا عَنْ سَاقِهِ» (^١).\nوقوله: «وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَقُولُ: إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيثِ فَاقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾» في هذه الآية دليل استدل به أبو سعيد الخدري ﵁ على موافقة السنة للكتاب، ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، فالله ﷿ لا يضيع عنده شيء، ولا مثقال ذرة من خير، ولا مثقال ذرة من شر، لا يفوت على الله ﷾ شيء.\nوظاهر الحديث: أن المنافقين يرون الله مع المؤمنين، ثم يحتجب عنهم.\nوقوله: «فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ»، يعني: مقدم الجنة.\nقال النووي ﵀: «وأما الأفواه فجمع فوهة بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة وهو جمع سمع من العرب على غير قياس وأفواه الأزقة والأنهار أوائلها قال صاحب المطالع كأن المراد في الحديث مفتتح من مسالك قصور الجنة ومنازلها» (^٢).\nوقوله: «فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ»، يعني: زيادة عن التوحيد والإيمان، ولكنهم موحدون، وهذا لا بد منه.\nوقوله: «قَطُّ» هذه كلمة تأكيد للخير، يعني: ما عملوا أيَّ خير.\nوقوله: «قَدْ عَادُوا حُمَمًا»، يعني: فحمًا من شدة لفح النار.\nوقوله: «فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ»، يعني: ما يحمله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٩١٩).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٣/ ٣٢).","vol":"1","page":350},{"text":"السيل من الغثاء، فيحمل الحبة، وقد تكون في طرف الوادي فتنبت بسرعة.\nوقوله: «فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّكَ كُنْتَ تَرْعَى بِالْبَادِيَةِ»، يعني: حيث عرفت هذا، فلا يعرفه إلا من في البادية، يرعى ويرى السيل والوديان.\nوقوله: «فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ، يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللهِ»، يعني: يعرفونهم بالخواتم التي في رقابهم، ثم تمحى عنهم بعد ذلك، والخواتم جمع ختم، كالذي يكون في الكتاب، فتوجد الأختام في رقابهم (هؤلاء عتقاء الله من النار).\nوقوله: «ثُمَّ يَقُولُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا، أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ» فما دام قد دخلوا الجنة، فقد ذهب عنهم كل سوء، وحصل لهم كل خير، وبدخولهم الجنة حصلوا على رضا الله، ومن حلَّ عليه رضا الله لا يسخط عليه بعده أبدًا.\nوقوله: «قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ» قول الصحابي: «بلغني» معناه: أنه مأخوذ عن رسول الله ﷺ، ولكن الصحابة ﵃ كانوا حريصين على أن ينسب الكلام إليهم أفضل من أن يقولوا: «عن رسول الله ﷺ».\nوهذا الحديث فيه: دليل صريح في إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وأنهم يرونه رؤية واضحة، وأنه لا يحصل عليهم ضرر، بل هم يرون ربهم ﷾ رؤية واضحة من غير تزاحم، وأنهم يرون ربهم من فوق كما تُرى الشمس، وكما يُرى القمر، فإننا نرى الشمس من فوقنا، ونرى القمر من فوقنا، وليس المراد تشبيه الله بالشمس والقمر، فالله تعالى لا يشبه أحدًا من خلقه، بل المراد تشبيه الرؤية بالرؤية، يعني: أن المؤمنين يرون ربهم برؤية واضحة من فوقهم، كما أنهم يرون الشمس رؤية واضحة من فوقهم، وكما يرون القمر رؤية واضحة من فوقهم.\nوالأدلة في إثبات رؤية المؤمنين لربهم متواترة، رواها نحو ثلاثين","vol":"1","page":351},{"text":"صحابيًّا في السنن والمسانيد الصحاح، وممن ذكرها من العلماء ابن القيم ﵀ في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (^١).\nومع كل هذه الأدلة الصريحة الواضحة فقد أوَّلها أهل البدع، فالمعتزلة أنكروا الرؤية، وقالوا: يقصد بها العلم (^٢)، وقالوا: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ» (^٣) أي: تعلمون ربكم كما تعلمون أن القمر قمر، لا تشكون فيه، وهذا من عمى البصيرة- نسأل الله السلامة والعافية- والرسول ﷺ يبين بيانًا واضحًا، فقال: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟» قَالُوا: «لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ»، قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ»، فهل يوجد بيان أوضح من هذا؟ !\nوقوله ﷺ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ» فهذه رؤية بالبصر، ومع ذلك فقد أوَّلوها، والأشاعرة قالوا: الرؤية صريحة بالبصر، لكن لا نحدد له جهة (^٤)، والرسول ﷺ يقول: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟» قَالُوا: «لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ»، قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ» والشمس نراها من فوقنا، والقمر كذلك نراه من فوقنا، والله ﵎ نراه من فوقنا، وقول الأشاعرة: لا نحدد الجهة غير معقول، فالشخص المرئي لا بد أن يكون في جهة من الرائي.\nوقد أنكروا الجهة لأنهم يزعمون أن إثبات الجهة يلزم منه التحيز، فأرادوا أن يكونوا مع أسيادهم المعتزلة في إنكار الفوقية، ولكن لم يجرؤوا على إنكار الرؤية، فأثبتوا الرؤية، وأنكروا الجهة (^٥)، وهذا غير معقول أن\n_________\n(^١) حادي الأرواح، لابن القيم (ص ٢٩٦ - ٣١٢).\n(^٢) شرح الأصول الخمسة، للقاضي عبد الجبار (ص ٢٣٢)، شرح الطحاوية، لابن أبي العز (١/ ٢٠٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣).\n(^٤) نهاية الإقدام في علم الكلام، للشهرستاني (ص ٢٠٠)، منهاج السنة النبوية، لابن تيمية (٣/ ٣٤٠ - ٣٥٢).\n(^٥) منهاج السنة النبوية، لابن تيمية (٣/ ٣٤٠ - ٣٥٢).","vol":"1","page":352},{"text":"شخصًا يُرى إلى غير جهة، لا من فوق، ولا من تحت، ولا من أمام، ولا من يمين، ولا من شمال، وهذا لا يمكن بحال؛ ولهذا أنكر عليهم جماهير العقلاء، وسخروا منهم، حيث أثبتوا رؤية من غير جهة، فإثبات موجود بغير جهة من الرائي غير معقول وغير متصور.\nوفي رؤية الله تعالى يوم القيامة خلاف بين أهل العلم على ثلاثة أقوال:\nفمنهم من قال: يراه أهل الموقف جميعًا، ثم يحتجب عن الكفار.\nومنهم من قال: لا يراه إلا المؤمنون، والمنافقون.\nومنهم من قال: لا يراه إلا المؤمنون فقط (^١).\nوفيه: كيفية حشر الكافرين، والمؤمنين، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾.\nوفيه: إثبات الساق لله ﷿، لكن الحديث ليس صريحًا في هذا، وكذلك الآية: ﴿يوم يكشف عن ساق﴾، لكن هناك رواية فيها: «يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ» (^٢).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٣/ ١٥ - ١٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٩١٩).","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>بَابُ إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ وَإِخْرَاجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ</span>\n\n[١٨٤] وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يُدْخِلُ اللَّهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِهِ، وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا، مَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنَ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا حُمَمًا قَدِ امْتَحَشُوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَاةِ أَوِ الْحَيَا، فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ إِلَى جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَوْهَا كَيْفَ تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً؟».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. ح، وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَا: فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ يُقَالَ لَهُ: الْحَيَاةُ، وَلَمْ يَشُكَّا، وَفِي حَدِيثِ خَالِدٍ: كَمَا تَنْبُتُ الْغُثَاءَةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ، وَفِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ: «كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِئَةٍ، أَوْ حَمِيلَةِ السَّيْلِ».\n\n[١٨٥] وَحَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْمُفَضَّلِ- عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ- أَوْ قَالَ: بِخَطَايَاهُمْ- فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً، حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: كَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ كَانَ بِالْبَادِيَةِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا","vol":"1","page":354},{"text":"شُعْبَةُ عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ، إِلَى قَوْلِهِ: فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.\nهذا الحديث فيه: بيان أن دخول الجنة برحمة الله، وأن المؤمنين يدخلون الجنة برحمة الله تعالى، كما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُدْخِلُهُ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، فَقِيلَ: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي رَبِّي بِرَحْمَةٍ» (^١)، فدخول الجنة إنما هو برحمة الله، لكن التفاوت بين أهل الجنة في الدرجات يكون بحسب الأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\nوقوله: «كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِئَةٍ» كما قال تعالى: ﴿من حمأ مسنون﴾، وهو الطين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٦٣)، ومسلم (٢٨١٦).","vol":"1","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>بَابُ آخِرِ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا</span>\n\n[١٨٦] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا، فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎ لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎ لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا، أَوْ إِنَّ لَكَ عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي، أَوْ أَتَضْحَكُ بِي وَأَنْتَ الْمَلِكُ؟»، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ، حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، قَالَ: فَكَانَ يُقَالُ: ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً.\nقوله: «فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا، أَوْ إِنَّ لَكَ عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيَا» هذا آخر أهل الجنة دخولًا، وآخر أهل النار خروجًا، جزاؤه أن له عشرة أمثال الدنيا، فكيف بالمتقدمين؟ !\nوقوله: «حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ»، يعني: أنيابه التي تلي الأضراس.\nوقوله: «فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي وَأَنْتَ الْمَلِكُ؟» هذا من أسماء الله تعالى، الله تعالى هو الملك، وهو ملك الملوك ﷾، وحاكم الحكام.","vol":"1","page":356},{"text":"وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ آخرُ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْهَا زَحْفًا، فَيُقَالُ لَهُ: انْطَلِقْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَيَذْهَبُ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ، فَيَجِدُ النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا الْمَنَازِلَ، فَيُقَالُ لَهُ: أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لَهُ: تَمَنَّ فَيَتَمَنَّى، فَيُقَالُ لَهُ: لَكَ الَّذِي تَمَنَّيْتَ وَعَشَرَةَ أَضْعَافِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي وَأَنْتَ الْمَلِكُ»، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ، حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ.\n\n[١٨٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿: يَا ابْنَ آدَمَ، لَعَلِّي إِنَّ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَى، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا، فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ، لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْه، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَيَيْنِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ\nهَذِهِ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا","vol":"1","page":357},{"text":"ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، هَذِهِ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ، لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْخِلْنِيهَا؟ فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَا يَصْرِينِي مِنْكَ، أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ، أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟»، فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مِنْ ضِحْكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ».\nقوله: «تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ» هذه البركة خاصة بالله تعالى، ومن صفاته ﷾.\nوقوله: «يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؟»، يعني: ما يقطع مسألتك مني؟ والصر: القطع، يعني: ما الذي يقطع مسألتك؟\nوقوله: «مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مِنْ ضَحِكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»: فيه إثبات الضحك لله ﷿، كما يليق بجلاله وعظمته، بخلاف المعتزلة والمعطلة، الذين ينكرون الضحك مع سائر الصفات، وضحكه تعالى يليق بجلاله وعظمته، ليس كضحك المخلوق.","vol":"1","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>بَابُ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا</span>\n\n[١٨٨] حَدّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَن النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً رَجُلٌ صَرَفَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ قِبَلَ الْجَنَّةِ، وَمَثَّلَ لَهُ شَجَرَةً ذَاتَ ظِلٍّ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، قَدِّمْنِي إِلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ، أَكُونُ فِي ظِلِّهَا»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَا يَصْرِينِي مِنْكَ، إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَزَادَ فِيهِ: «وَيُذَكِّرُهُ اللَّهُ: سَلْ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ، قَالَ اللَّهُ: هُوَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ، فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، فَتَقُولَانِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا، وَأَحْيَانَا لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُعْطِيتُ».\nقوله: «وَيُذَكِّرُهُ اللهُ: سَلْ كَذَا وَكَذَا» هذا من فضل الله تعالى أنه يذكرِّه، حتى يدخل بيته في الجنة الذي هو آخر أهل الجنة دخولًا لها.\nوقوله: «فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، فَتَقُولَانِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا، وَأَحْيَانَا لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُعْطِيتُ» هذا دليل على أن الجنة ما فيها هم ولا غم ولا حزن، يخيل إليه أنه أحسن الناس، وهناك غيره أحسن! لأن كل من كان في الجنة فهو راض بما حصل له فيها من النعيم.","vol":"1","page":359},{"text":"[١٨٩] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُطَرِّفٍ، وَابْنِ أَبْجَرَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ رِوَايَةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ بْنُ طَرِيفٍ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سَعِيدٍ، سمعا الشعبي يخبر عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُهُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَرْفَعُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ، وَابْنُ أَبْجَرَ، سَمِعَا الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَ سُفْيَانُ: رَفَعَهُ أَحَدُهُمَا- أُرَاهُ ابْنَ أَبْجَرَ- قَالَ: «سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ: مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟ ! فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، فَقَالَ: فِي الْخَامِسَةِ رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، قَالَ: رَبِّ فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً، قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ\nيَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، قَالَ: وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآيَة.\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الأَشْجَعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ- عَلَى الْمِنْبَرِ-: إِنَّ مُوسَى ﵇ سَأَلَ اللَّهَ ﷿ عَنْ أَخَسِّ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْهَا حَظًّا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ\nقوله: «فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ» يؤتى مثل مُلْك مَلِك من ملوك الدنيا خمس مرات.","vol":"1","page":360},{"text":"وقوله: «فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ»، يعني: آخر أهل الجنة دخولًا يعطى مثل مُلك مَلِك من ملوك الدنيا خمسين مرة، وله ما اشتهت نفسه ولذت عينه زيادة على ذلك، ومُلك مَلِك من ملوك الدنيا منغَّص ومكدَّر، يحصل له مرض، وهم، وغم، وخوف من زوال الملك، والنهاية إما الهرم أو الموت، فإذا صبر جاءه الهرم، ثم بعده الموت، فهذا المُلك ينغَّص بالآفات كلها، لكن هذا الذي له مثل ملوك الدنيا في الجنة؛ ملكُه ليس فيه شيء من هذا، لا هم، ولا غم، ولا كدر، ولا بول، ولا غائط، ولا نوم، ولا مرض، ولا ضعف، ولا هرم، ولا موت.","vol":"1","page":361},{"text":"[١٩٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ، كَذَا، وَكَذَا، كَذَا، وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ، كَذَا، وَكَذَا، كَذَا، وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ، وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فَيَقُولُ: رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَا هُنَا»، فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ، حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.\nهذا الحديث فيه: بيان أن هذا العبد كان خائفًا، فلما صارت مكان كل سيئةٍ حسنةً طمع، فقال: «رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا» يريد منها أن تكون حسنات، وهذا كله من باب الرجاء.\nلكن على المؤمن أن يجمع بين الخوف والرجاء، قال سبحانه: ﴿نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم﴾، فلا يتعلق الإنسان بنصوص الرجاء ويترك نصوص الخوف، بل يجب أن يجمع بينهما حتى يعبد الله بالخوف والرجاء.\nوقوله: «فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ» ضحك ﷺ من طمع ابن آدم، فهو خائف من كبار الذنوب، فلما جعل له مكان كل صغيرة حسنة طمع، وقال: هناك أشياء ما رأيتها، يعني: يود لو أنه يؤتى بها، وتبدل حسناتٍ.","vol":"1","page":362},{"text":"[١٩١] حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، كِلَاهُمَا عَنْ رَوْحٍ، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يُسْأَلُ عَنِ الْوُرُودِ، فَقَالَ: نَجِيءُ نَحْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ كَذَا وَكَذَا، انْظُرْ أَيْ ذَلِكَ فَوْقَ النَّاسِ، قَالَ: فَتُدْعَى الأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا، وَمَا كَانَتْ تَعْبُدُ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، ثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: مَنْ تَنْظُرُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نَنْظُرُ رَبَّنَا، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ، فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ، قَالَ: فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ، وَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مُنَافِقٍ، أَوْ مُؤْمِنٍ نُورًا، ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ وَعَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ، وَحَسَكٌ تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ، ثُمَّ يَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ، فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهُمْ، كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ سَبْعُونَ أَلْفًا لَا يُحَاسَبُونَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَضْوَإِ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ كَذَلِكَ، ثُمَّ تَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، وَيَشْفَعُونَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً،\nفَيُجْعَلُونَ بِفِنَاءِ الْجَنَّةِ وَيَجْعَلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ يَرُشُّونَ عَلَيْهِمُ الْمَاءَ، حَتَّى يَنْبُتُوا نَبَاتَ الشَّيْءِ فِي السَّيْلِ وَيَذْهَبُ حُرَاقُهُ، ثُمَّ يَسْأَلُ حَتَّى تُجْعَلَ لَهُ الدُّنْيَا وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهَا مَعَهَا.\nقوله: «نَجِيءُ نَحْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ كَذَا وَكَذَا، انْظُرْ أَيْ: ذَلِكَ فَوْقَ النَّاسِ» قال النووي: «هكذا وقع هذا اللفظ في جميع الأصول من صحيح مسلم، واتفق المتقدمون والمتأخرون على أنه تصحيف وتغيير واختلاط في اللفظ» (^١).\nقال القاضي عياض: «هذا صورة الحديث في جميع النسخ، وفيه تغيير كثير وتصحيف، وصوابه: «نحن يوم القيامة على كوم» هكذا رواه بعض أهل\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٣/ ٤٧).","vol":"1","page":363},{"text":"الحديث (^١)، وفى كتاب ابن أبى خيثمة من طريق كعب بن مالك: «يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلٍّ» (^٢).\nوذكر الطبري فى التفسير من حديث ابن عمر: «فيرقى هو- يعني محمدًا- وأمته على كوم فوق الناس» (^٣)، فهذا كله يبين ما تغير من الحديث، وأنه كأنه أظلم هذا الحرف على الراوي أو امحى عليه فعبر عنه بـ: كذا وكذا، وفسره بقوله، أي: فوق الناس، وكتب عليه: انظر- تنبيهًا- فجمع النقلة الكل ونسقوه على أنه من متن الحديث، كما تراه» (^٤).\nقال النووي: «هذا كلام القاضي وقد تابعه عليه جماعة من المتأخرين، والله أعلم» (^٥).\nوهذا الحديث موقوف على جابر ﵁ من قوله، ومثله لا يقال بالرأي، على أن بعضهم رواه مرفوعًا. (^٦)\nوهذا الحديث فيه: بيان شيء مما يحصل من موقف القيامة، وأن المؤمنين يتجلى لهم الرب ﷾، فينظرون إليه، وأن المنافقين يكونون مع المؤمنين في أول الأمر، ثم ينطفئ نورهم.\nوفيه: إثبات الضحك لله ﷿.\nوفيه: أن بعضًا من العصاة يدخلون النار، وأنهم يخرجون منها ولا يخلدون فيها.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٤٧٢١).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٥٧٨٣).\n(^٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٥٠).\n(^٤) إكمال المعلم، للقاضي عياض (١/ ٥٦٩).\n(^٥) شرح مسلم، للنووي (٣/ ٤٨).\n(^٦) أخرجه أحمد (١٤٧٢١).","vol":"1","page":364},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِأُذُنِهِ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ نَاسًا مِنَ النَّارِ، فَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ».\nحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَار: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ قَوْمًا مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ».\nحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ سُلَيْمٍ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَقِيرُ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ قَوْمًا يُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ، يَحْتَرِقُونَ فِيهَا، إِلَّا دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ، حَتَّى يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ».\nقوله: «إِنَّ اللهَ يُخْرِجُ نَاسًا مِنَ النَّارِ فَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ»: فيه إثبات إخراج العصاة من النار، وفيه الرد على الخوارج والمعتزلة الذين ينكرون خروج العصاة من النار، والأحاديث في هذا متواترة، وهذا كله داخل في كتاب الإيمان؛ لأن العصاة الذين يدخلون النار معهم شيء من الإيمان، ولا يبقى في النار إلا الكفرة.\nوقوله: «إِنَّ قَوْمًا يُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ يَحْتَرِقُونَ فِيهَا، إِلَّا دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ» لأن الله حرم على النار وجوههم، ومواضع السجود، وفي لفظ آخر: «فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ»، وصورهم يعني: وجوههم، فالوجه يسمى صورة، ويسمى- أيضًا- سائر الجسم صورة، فحرَّم الله صورهم عن النار؛ لأن فيها موضع السجود، بخلاف الكفرة فتغمرهم النار من جميع الجهات.","vol":"1","page":365},{"text":"وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ- يَعْنِي: مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي أَيُّوبَ- قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَقِيرُ قَالَ: كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِي رَأْيٌ مِنْ رَأْيِ الْخَوَارِجِ، فَخَرَجْنَا فِي عِصَابَةٍ ذَوِي عَدَدٍ، نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ، ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ، قَالَ: فَمَرَرْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ، فَإِذَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جَالِسٌ إِلَى سَارِيَةٍ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الْجَهَنَّمِيِّينَ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ، مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُونَ! وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، وَ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾، فَمَا هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ سَمِعْتَ بِمَقَامِ مُحَمَّدٍ ﷺ؟ - يَعْنِي: الَّذِي يَبْعَثُهُ اللَّهُ فِيهِ- قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ ﷺ الْمَحْمُودُ الَّذِي يُخْرِجُ اللَّهُ بِهِ مَنْ يُخْرِجُ، قَالَ: ثُمَّ نَعَتَ وَضْعَ الصِّرَاطِ، وَمَرَّ النَّاسِ عَلَيْهِ، قَالَ: وَأَخَافُ أَنْ لَا أَكُونَ أَحْفَظُ ذَاكَ، قَالَ: غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ زَعَمَ أَنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا، قَالَ: يعني: فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ، قَالَ: فَيَدْخُلُونَ نَهَرًا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ الْقَرَاطِيسُ، فَرَجَعْنَا، قُلْنَا: وَيْحَكُمْ أَتُرَوْنَ الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه\nوسلم؟ فَرَجَعْنَا، فَلَا وَاللَّهِ مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ، أَوْ كَمَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ.\nقوله: «كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِي رَأْيٌ مِنْ رَأْيِ الْخَوَارِجِ» وهو القول بخلود العصاة الموحدين في النار، والقائل هو: يزيد الفقير.\nوقوله: «فَخَرَجْنَا فِي عِصَابَةٍ ذَوِي عَدَدٍ»، يعني: خرجوا جماعة.\nوقوله: «فَخَرَجْنَا فِي عِصَابَةٍ ذَوِي عَدَدٍ نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ، ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ»، يعني: بعد الحج نخرج على الناس، نظهر رأي الخوارج، وهو القول بخلود","vol":"1","page":366},{"text":"العصاة في النار، يعني: أنه كان في الأول يؤيد هذا الرأي، ثم بعد ذلك هداه الله للحق بقول جابر ﵁، فبيَّن له جابر ﵁ أن هذا القول باطل، فرجع عنه؛ ويستفاد من ذلك أنه ينبغي للإنسان أن يبتعد عن قرناء السوء، وأن يصحب الأخيار، فهذا يزيد الفقير صاحَب الأشرار، فاعتنق رأي الخوارج، ثم صاحب الأخيار، فتبين له الحق، فرجع عن القول الباطل.\nوقوله: «فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الْجَهَنَّمِيِّينَ»: وهم من قال فيهم رسول الله ﷺ: «يخرج قوم من النار بعد ما مسهم منها سفع، فيدخلون الجنة، فيسميهم أهل الجنة: الجهنميين» (^١).\nوقوله: «فَقُلْتُ لَهُ: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ، مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُونَ؟ وَاللهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾» هذه الآية من أدلة مذهب الخوارج على تخليد العصاة في النار، قالوا: من دخل النار لا يخرج منها، فقد أخزاه الله، والصحيح: أن المراد هنا بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾، يعني: دخولها دخول خلود.\nوقوله: «فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ الْقَرَاطِيسُ» القراطيس: جَمْعُ قِرْطَاسٍ بِكَسْرِ الْقَافِ وَضَمِّهَا، لُغَتَانِ، وَهُوَ الصَّحِيفَةُ الَّتِي يُكْتَبُ فِيهَا (^٢)، والمعنى: أنهم يصيرون كالورقة البيضاء بعد أن احترقوا في نار جهنم، وصاروا فحمًا، قد اغتسلوا في هذا، النهر وخرجوا بيضًا كأنهم القراطيس، شَبَّهَهُمْ بها لِشِدَّةِ بَيَاضِهِمْ بَعْدَ اغْتِسَالِهِمْ، وَزَوَالِ مَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّوَادِ.\nوقوله: «فَرَجَعْنَا قُلْنَا: وَيْحَكُمْ أَتُرَوْنَ الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؟»، يعني: لما سمعوا الحديث خرجوا من عند جابرٍ ﵁، وجعلوا يتحدثون يقولون: أترون هذا الشيخ يكذب على رسول الله ﷺ، وقد أخبرنا بالحديث الذي فيه إخراج العصاة من الموحدين عن رسول الله ﷺ، فكان هذا سببًا في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٥٩).\n(^٢) الصحاح، للجوهري (٣/ ٩٦٢)، القاموس المحيط، للفيروز آبادي (١/ ٥٦٥).","vol":"1","page":367},{"text":"خروجهم عن مذهب الخوارج، ولم يبق منهم إلا واحد، كما قال: «فَلَا وَاللَّهِ مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ، أَوْ كَمَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ» هو الفضل بن دكين.\nوفيه: أن ينبغي نصيحة من اعتقد اعتقادا مخالفا للحق، ومجادلته بالتي هي أحسن، ليثوب إلى رشده ويرجع عن غيّه.\n\n[١٩٢] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، وَثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ أَرْبَعَةٌ، فَيُعْرَضُونَ عَلَى اللَّهِ، فَيَلْتَفِتُ أَحَدُهُمْ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ؛ إِذْ أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا فَلَا تُعِدْنِي فِيهَا، فَيُنْجِيهِ اللَّهُ مِنْهَا».\n\n[١٩٣] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْن الْجَحْدَرِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كَامِلٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَهْتَمُّونَ لِذَلِكَ، وقَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ: فَيُلْهَمُونَ لِذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، قَالَ: فَيَأْتُونَ آدَمَ ﵇، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو الْخَلْقِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ، قَالَ: فَيَأْتُونَ نُوحًا ﵇، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ ﵇ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى ﵇ الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ، وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ، قَالَ: فَيَأْتُونَ مُوسَى ﵇، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ،\nفَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنْ ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ عَبْدًا، قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ","vol":"1","page":368},{"text":"ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ»، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَيَأْتُونِي، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي، فَإِذَا أَنَا رَأَيْتُهُ، وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، قُلْ تُسْمَعْ سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ رَبِّي، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَقَعُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ، أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ، قُلْ تُسْمَعْ سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَلَا أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ، قَالَ: فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا بَقِيَ فِي النَّارِ، إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ»، أَيْ: وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ، قَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ: وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، ومُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَهْتَمُّونَ بِذَلِكَ، أَوْ يُلْهَمُونَ ذَلِكَ»، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: «ثُمَّ آتِيهِ الرَّابِعَةَ، أَوْ أَعُودُ الرَّابِعَةَ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا بَقِيَ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَجْمَعُ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُلْهَمُونَ لِذَلِكَ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، وَذَكَرَ فِي الرَّابِعَةِ: فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا بَقِيَ فِي النَّارِ، إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، أَيْ: وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ».\nهذا الحديث فيه: أن الأنبياء أولي العزم الخمسة ﵈، ومعهم آدم ﵇ يتدافعون الشفاعة حتى تصل إلى نبينا محمد ﷺ، وأولو العزم الخمسة هم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد ﷺ، وقبلهم آدم أبو البشر ﵇.","vol":"1","page":369},{"text":"وقوله: «فَيَأْتُونِي فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي»: فيه أنه لا تأتي الشفاعة بدون إذن، قال تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾، حتى نبينا ﷺ لا يشفع إلا بإذن، فلا يستطيع أحد أن يشفع حتى يؤذن له، والرسول ﵊- وهو أشرف الخلق- لا يشفع أولًا، بل يبدأ بالسجود، فيسجد لله، ويحمد الله بالمحامد الذي يُلهمُها في ذلك الموقف، ثم يؤذن له من ربه، فيقول: «ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ، قُلْ تُسْمَعْ سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ» هذا هو الإذن، وعند ذلك يسأل ربه الشفاعة.\nوقوله: «مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ» هم الكفرة الذين يجب عليهم الخلود في النار، وهذا فيه الشك، فهل يقولها بعد الثالثة، أو الرابعة؟ ولكن في الطريق الثانية قال: «ثُمَّ آتِيهِ الرَّابِعَةَ، أَوْ أَعُودُ الرَّابِعَةَ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا بَقِيَ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ» ففيها الجزم أنه يقولها بعد أربع مرات.\nوفيه: أنه في كل مرة يحد الله له حدًّا، فيجعل لهم علامة ليخرجهم من النار، أو يكون هذا هو الرضى الذي قال الله تعالى فيه: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾، هؤلاء الذين ﵃ يحد الله حدًّا للنبي ﵊، فيعرفهم بالصفة، فيخرجهم.\nوجاء في الأحاديث الأخرى أن الله ﷿ يقول: «شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ».","vol":"1","page":370},{"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، وَهِشَامٌ صَاحِبُ الدَّسْتَوَائِيِّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ- قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَخْرُجُ منَ النَّارِ، مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ، مَنْ قَال: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ، مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً»، زَادَ ابْنُ مِنْهَالٍ فِي رِوَايَتِهِ، قَالَ يَزِيدُ: فَلَقِيتُ شُعْبَةَ فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ، فَقَالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا بِهِ قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْحَدِيثِ، إِلَّا أَنَّ شُعْبَةَ جَعَلَ مَكَانَ الذَّرَّةِ، ذُرَةً، قَالَ يَزِيدُ: صَحَّفَ فِيهَا أَبُو بِسْطَام.\nقوله: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً»، يعني: حبة شعير.\nوقوله: «وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً»، يعني: حبة برة.\nوقوله: «ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ، مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً»، يعني: النملة الصغيرة.\nحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنَزِيُّ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنَزِيُّ قَالَ: انْطَلَقْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَتَشَفَّعْنَا بِثَابِتٍ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي الضُّحَى، فَاسْتَأْذَنَ لَنَا ثَابِتٌ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَأَجْلَسَ ثَابِتًا مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، إِنَّ إِخْوَانَكَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَسْأَلُونَكَ أَنْ تُحَدِّثَهُمْ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ، قَالَ:","vol":"1","page":371},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ لَهُ: اشْفَعْ لِذُرِّيَّتِكَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ ﵇، فَإِنَّهُ خَلِيلُ اللَّهِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى ﵇، فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ، فَيُؤْتَى مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى ﵇، فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ، فَيُؤتَى عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَأُوتَى، فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ الآنَ يُلْهِمُنِيهِ اللَّهُ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ: يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: رَبِّ أُمَّتِي،\nأُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ بُرَّةٍ أَوْ شَعِيرَةٍ مِنَ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ: يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: أُمَّتِي، أُمَّتِي، فَيُقَالُ لِي: انْطَلِقْ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنَ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَى رَبِّي، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ: يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي، أُمَّتِي، فَيُقَالُ لِي: انْطَلِقْ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ، أَدْنَى، أَدْنَى، أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنَ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ»، هَذَا حَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي أَنْبَأَنَا بِهِ، فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا كُنَّا بِظَهْرِ الْجَبَّانِ، قُلْنَا: لَوْ مِلْنَا إِلَى الْحَسَنِ، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ وَهُوَ مُسْتَخْفٍ فِي دَارِ أَبِي خَلِيفَةَ، قَالَ: فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا سَعِيدٍ، جِئْنَا مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ أَبِي حَمْزَةَ، فَلَمْ نَسْمَعْ مِثْلَ حَدِيثٍ حَدَّثَنَاهُ فِي الشَّفَاعَةِ، قَالَ: هِيَهِ فَحَدَّثْنَاهُ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: هِيَهِ، قُلْنَا: مَا زَادَنَا؟ قَالَ:","vol":"1","page":372},{"text":"قَدْ حَدَّثَنَا بِهِ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ جَمِيعٌ، وَلَقَدْ تَرَكَ شَيْئًا مَا أَدْرِي أَنَسِيَ\nالشَّيْخُ، أَوْ كَرِهَ أَنْ يُحَدِّثَكُمْ فَتَتَّكِلُوا، قُلْنَا لَهُ: حَدِّثْنَا فَضَحِكَ، وَقَالَ: ﴿خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ مَا ذَكَرْتُ لَكُمْ هَذَا، إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ: «ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي فِي الرَّابِعَةِ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ: يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ لَكَ- أَوْ قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ إِلَيْكَ- وَلَكِنْ، وَعِزَّتِي، وَكِبْرِيَائِي، وَعَظَمَتِي، وَجِبْرِيَائِي، لَأُخْرِجَنَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، قَالَ: فَأَشْهَدُ عَلَى الْحَسَنِ أَنَّهُ حَدَّثَنَا بِهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ- أُرَاهُ قَالَ: قَبْلَ عِشْرِينَ سَنَةً- وَهُوَ يَوْمِئِذٍ جَمِيعٌ.\nقوله: «فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَأَجْلَسَ ثَابِتًا مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ: لَهُ يَا أَبَا حَمْزَةَ» أبو حمزة كنية أنس بن مالك ﵁، وأجلسه على السرير أي خصه من بين الزائرين، وكان سبب زيارتهم وهم تابعون وهو صحابي جليل ليستفيدوا ويسمعوا منه الحديث الذي سمعه من رسول الله ﷺ، وكان قد طالت به الحياة ﵁ حتى جاوز المائة عام.\nوقوله: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ»، يعني: إذا وُجد يوم القيامة.\nوفي هذه الرواية: «فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ لَهُ: اشْفَعْ لِذُرِّيَّتِكَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ ﵇» فيها نقص، فقد ورد في الأحاديث أنهم يأتون نوحًا قبل إبراهيم ﵉، كما سبق.\nوقوله: «فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ الْآن»، يعني: أن هذه المحامد تُفتح عليه في ذلك الموقف.\nوقوله: «فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ: يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ» هذا هو الإذن من الله تعالى.","vol":"1","page":373},{"text":"وقوله: «فَيُقَالُ: انْطَلِقْ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ بُرَّةٍ، أَوْ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ» هذه علامة يجعلها الله له، فيخرجهم بها، وهذه المرة الأولى يخرج من في قلبه مثقال برة، أو مثقال شعيرة.\nوقوله: «فَيُقَالُ لِي: انْطَلِقْ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا» هذه مثقال حبة من خردل، فهذه أقل من الأولى.\nوقوله: «فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ» هذا المرة الثالثة، في الأولى: أخرج من كان في قلبه مثقال حبة من برة، أو شعيرة، والثانية: أخرج من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، والثالثة: من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان.\nوقوله: «فَلَمَّا كُنَّا بِظَهْرِ الْجَبَّانِ»، يعني: الصحراء.\nوقوله: «لَوْ مِلْنَا إِلَى الْحَسَنِ» هو الحسن البصري ﵀، تابعي جليل، وكان مختفيًا عن الحجاج؛ لأنه كان ظالمًا، فاختفى عنه يتقي شره.\nوقوله: «فَقُلْنَا: يَا أَبَا سَعِيدٍ» هي كنية الحسن البصري ﵀.\nوقوله: «قَالَ: هِيَهِ»، يعني: قولوا الحديث الذي عندكم.\nوقوله: «مَا زَادَنَا، قَالَ: قَدْ حَدَّثَنَا بِهِ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ جَمِيعٌ»، يعني: أنه ﵁ كان مجتمع القوة والحفظ قبل عشرين سنة.\nوقوله: «فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ لَكَ أَوْ قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ إِلَيْكَ وَلَكِنْ وَعِزَّتِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي وَكبْرِيَائِي، لَأُخْرِجَنَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» المراد: من قال: لا إله إلا الله قولَ المؤمن الموحد، قالها مؤمنًا بها موحدًا، ولم يفعل شيئًا من نواقض الإسلام، وهذا جمعًا بينه وبين الأدلة الأخرى، أما من قال: لا إله إلا الله بلسانه، ولم يعمل بمقتضاها، أو نقضها بأفعاله، فإنها لا تفيده، ولا تنفعه إن قالها في حال كفره؛ فالإنسان إذا قال: لا إله إلا الله في حال كفره لا تنفعه، حتى يترك","vol":"1","page":374},{"text":"الشيء الذي كفر به، فإن كان أشرك بالله فعليه ترك الشرك الذي فعله، أو كان أنكر أمرًا معلومًا في الإسلام بالضرورة فلا بد أن يقر بالشيء الذي أنكره، فمن أنكر وجوب الصلاة مثلًا أو أنكر وجوب الزكاة، وأسلم، وقال: لا إله إلا الله، لا تفيده حتى يقر بالشيء الذي أنكره.\nوقوله: «لَأُخْرِجَنَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» فمن قالها، ثم مات في الحال دخل الجنة من أول وهلة، ومن قالها تائبًا من الشرك، لكنه أصر على المعاصي فهو تحت مشيئة الله تعالى.\nولا بد إذا كان المسلم في حال الحياة وقال: لا إله إلا الله، أن يعمل أعمالًا يتحقق بها إيمانه، وإلا صار كإيمان إبليس.\nولا بُد له من أن يقولها قبل الغرغرة وإلا كان إيمانه كإيمان فرعون.\nكما أن من عمل ولم يصدق، وأتى بالإسلام الظاهر كان إسلامه كإسلام المنافقين.\nوقوله: «ثُمَّ آتِيهِ الرَّابِعَةَ، أَوْ أَعُودُ الرَّابِعَةَ»: فيه التصريح بالرابعة، وأنه يشفع الشفاعة الرابعة، بخلاف الحديث السابق، ففيه الشك، وهنا فيه الجزم بأنه يشفع أربع مرات.","vol":"1","page":375},{"text":"[١٩٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ نُمَيْرٍ- وَاتَّفَقَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ، إِلَّا مَا يَزِيدُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْحَرْفِ بَعْدَ الْحَرْفِ- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا بِلَحْمٍ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً، فَقَالَ: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ بِمَ ذَاكَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَمَا لَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَلَا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ، أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ، أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: ائْتُوا آدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا، لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ\nالشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي، نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الأَرْضِ، وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا، لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ، دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي، نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا، لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ، نَفْسِي، نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيَأْتُونَ","vol":"1","page":376},{"text":"مُوسَى ﵇، فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِتَكْلِيمِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا، فَيَقُولُ لَهُمْ مُوسَى ﵇: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا، لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَتَلْتُ: نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي، نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ﵇، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ\nوَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ، وَكَلِمَةٌ مِنْهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ عِيسَى ﵇: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا، لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَنْبًا، نَفْسِي، نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَأْتُونِّي، فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، وَغَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَأَنْطَلِقُ، فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ، وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا، لَمْ يَفْتَحْهُ لِأَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ البَابِ الأَيْمَنِ مِنَ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَصْعَةٌ مِنْ ثَرِيدٍ وَلَحْمٍ، فَتَنَاوَلَ الذِّرَاعَ، وَكَانَتْ أَحَبَّ الشَّاةِ إِلَيْهِ، فَنَهَسَ نَهْسَةً، فَقَالَ: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، ثُمَّ نَهَسَ أُخْرَى، فَقَالَ: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابَهُ لَا يَسْأَلُونَهُ، قَالَ: «أَلَا تَقُولُونَ: كَيْفَهْ؟» قَالُوا: كَيْفَهْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ»،","vol":"1","page":377},{"text":"وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ وَزَادَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: وَذَكَرَ قَوْلَهُ: فِي الْكَوْكَبِ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾، وقَوْله لِآلِهَتِهِمْ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وقَوْله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ إِلَى عِضَادَتَيِ الْبَابِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ، أَوْ هَجَرٍ وَمَكَّةَ، قَالَ: لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ.\nقوله: «فَنَهَسَ نَهْسَةً» النهس هو القطع بأطراف الأسنان.\nوفيه: أن النبي ﷺ كان يرفع إليه الذراع؛ لأنه كانت تعجبه الذراع من الشاة؛ لأنها ألذ لحمًا، وأسرع هضمًا.\nوقوله: «فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ»: فيه إثبات الغضب لله ﷿ كما يليق بجلاله وعظمته، وفيه الرد على الأشاعرة الذين فسروا الغضب بالانتقام (^١)، وهذا غلط، والصواب: إثبات الغضب لله كما يليق بجلاله وعظمته، وأن غضب الله تعالى لا يشبه غضب المخلوق.\nوقوله: «نَفْسِي نَفْسِي» في رواية أخرى أنه كرَّر «نَفْسِي، نَفْسِي، نَفْسِي» (^٢) ثلاث مرات.\nوقوله: «فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ نَبِيُّ اللهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ» ونبينا ﷺ خليله- أيضًا- قال ﵊: «فَإِنَّ اللهِ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا» (^٣).\nوقوله: «إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ» هَجَر\n_________\n(^١) الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال، لابن تيمية (ص ٥٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٧١٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (٥٣٢).","vol":"1","page":378},{"text":"بلدة في المدينة، وبلدة في الأحساء، لكن المراد بها هنا: بلدة الأحساء، فقوله: «إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى» هما فتحتان للباب بينهما كما بين مكة والشام، أو كما بين مكة والأحساء.\nوقوله: «اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى كَلِمَةِ اللهِ وَرُوحِهِ»، يعني: هو مخلوق بكلمة الله وروحه، وهي منسوبة لله تعالى من باب التشريف، مثل ناقة الله، وبيت الله.\nوقوله: «فَيَقُولُ: وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدَمَ»: فيه بيان عمله ﵇ الذي عمله، وليس يحتج بالقدر، إنما يحتج بعمله والخطيئة التي باشرها وكسبها.\nهذا الحديث فيه: دليل على أن النبي ﷺ هو سيد الناس وأفضل الناس ﵊، وإنما قال هذا ﵊ لا فخرًا، ولكن ليبين للأمة مكانته ومنزلته؛ لأنه لا يأتي بعده نبي، يبين ذلك، فهذا من تبليغ الشريعة.\nوفيه: أنه ﵊ قال: «أَلَا تَقُولُونَ كَيْفَهْ؟ قَالُوا: كَيْفَهْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، ثم بين لهم ﵊ أنه هو الشافع في المحشر، وهذا قدره أنه سيد الناس وأعظم الناس ﵊.\nوفيه: أنه لم يذكر الشفاعة العظمى، وهي أن الناس جاؤوا إلى النبي ﷺ في الموقف، فالإمام مسلم ﵀ اختصره، فلم يذكر الشفاعة العظمى؛ لأنها معروفة؛ لأن المراد ذكر الشفاعة للعصاة، أما الشفاعة العظمى فلا ينكرها أحد.\nوفيه: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يعتذرون ويتدافعون الشفاعة حتى تصل إلى نبينا محمد ﷺ.\nوفيه: بيان فضله ﵊، وهذا من الحِكم في أنهم لا يأتون إليه أولًا، حتى يظهر فضل نبينا ﷺ.\nوقيل: إتيانهم النبي ﷺ آخرًا، مع ورود الأحاديث التي معنا، والتي","vol":"1","page":379},{"text":"يعلمها أهل العلم، ذلك لأمرين:\nقيل: لأنهم ينسون يوم القيامة من هول ما يكونون فيه.\nوقيل: لأنهم من الأمم السابقة؛ وهم كثيرون، وأن الغلبة تكون لهم لكثرتهم.\n\n[١٩٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفِ بْنِ خَلِيفَةَ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الأَشْجَعِيُّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبُو مَالِكٍ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَجْمَعُ اللَّهُ ﵎ النَّاسَ، فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ، حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الْجَنَّةُ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا، اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدَمَ، لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ، قَالَ: فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ، وَرَاءَ، اعْمِدُوا إِلَى مُوسَى ﵇، الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا، فَيَأْتُونَ مُوسَى ﵇، فَيَقُولُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى، كَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحِهِ، فَيَقُولُ عِيسَى ﵇: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ، وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ، قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ وَشَدِّ الرِّجَالِ تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ، وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ؟ يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ، سَلِّمْ، حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ، فَلَا\nيَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفًا، قَالَ: وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ»، وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا.","vol":"1","page":380},{"text":"قوله: «فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ» هذا المرور السريع يكون بحسب الأعمال، وليس بحسب الأجساد.\nوقوله: «أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ؟ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَشَدِّ الرِّجَالِ» فأول زمرة تمر كالبرق الخاطف على الصراط ولا يضرها شيء، ثم الزمرة الثانية كمر الريح، ثم كالطير، ثم كشد الرجال، وفي اللفظ الآخر: «كَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ» ثم «أَشَد الرِّجَالِ»، وهذا على حسب الأعمال.\nوقوله: «وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا»، وفي لفظ يقول: «وواللهِ لَتُمْلَأَنَّ» (^١): يحلف أبو هريرة ﵁ يقول: إن قعر جهنم سبعون خريفًا، ووالله لتملأن.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٦٧).","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>بَابٌ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ وَأَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعًا»</span>\n\n[١٩٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعًا».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ».\nقوله: «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ وَأَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا» هذا من خصائصه ﵊، وكذلك هو أول من يفتح أبواب الجنة، وأول من يدخل الجنة ﵊ كما سيأتي، وكذلك يشفع لأهل الجنة بدخولها بإذن الله.\nومن خصائصه ﷺ: ثلاث شفاعات خاصة به ﷺ، الشفاعة العظمى في الموقف، والشفاعة الثانية شفاعة لأهل الجنة بالإذن لهم في دخولها، والشفاعة الثالثة شفاعة تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب.\nأما بقية الشفاعات فيشاركه فيها غيره من الأنبياء، كشفاعة من يستحق النار ألا يدخلها، والشفاعة لمن دخلوها أن يخرجوا منها، والشفاعة في زيادة درجات قوم من أهل الجنة.","vol":"1","page":382},{"text":"وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ، لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ، وَإِنَّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ».\n\n[١٩٧] وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ، لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ».\nقوله: «وَإِنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ» والمعنى: ما اتبعه إلا واحد، وهذا واقع لبعض الأنبياء، فيعضهم لا يأتي معه أحد، وبعضهم تبعه واحد، وبعضهم تبعه اثنان، وبعضهم تبعه الرهيط، والرهيط: جماعة أقل من عشرة، كما في حديث عرض الأمم على النبي ﷺ، قال: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ».\nوهذا لا يضر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقد أدوا ما عليهم، أدَّوا رسالة ربهم، والنتيجة ليست إليهم، فبعض الأنبياء لا يتبعه أحد مطلقًا، وبعض الأنبياء قُتلوا ككثير من أنبياء بني إسرائيل، كما قال الله تعالى: ﴿ففريقًا كذبتم وفريقًا تقتلون﴾، فزكريا ويحيى ﵉ وغيرهم قُتلوا.","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>بَابُ اخْتِبَاءِ النَّبِيِّ ﷺ دَعْوَةَ الشَّفَاعَةِ لِأُمَّتِهِ</span>\n\n[١٩٨] حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُوهَا، فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وعَبْدُ بْنُ حميد، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ، وَأَرَدْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ، مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ لِكَعْبِ الأَحْبَارِ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُوهَا، فَأَنَا أُرِيدُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فَقَالَ كَعْبٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ.\n\n[١٩٩] حَدَّثَنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا».","vol":"1","page":384},{"text":"حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ- وَهُوَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ- عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بِهَا، فَيُسْتَجَابُ لَهُ فَيُؤْتَاهَا، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدٍ- وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ دَعَا بِهَا فِي أُمَّتِهِ، فَاسْتُجِيبَ لَهُ، وَإِنِّي أُرِيدُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- أَنْ أُؤَخِّرَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\n\n[٢٠٠] حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وابْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَانَا- وَاللَّفْظُ لِأَبِي غَسَّانَ- قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- يَعْنُونَ: ابْنَ هِشَامٍ- قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ دَعَاهَا لِأُمَّتِهِ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وابْنُ أَبِي خَلَفٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، جَمِيعًا عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ قَالَ: قَالَ: أُعْطِيَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فِي أُمَّتِهِ، وَخَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nقوله: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُوهَا، فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ","vol":"1","page":385},{"text":"الْقِيَامَةِ» المراد: لكل نبي دعوة مستجابة أجابها الله ﷿، والنبي ﷺ أخَّر دعوته ليوم القيامة.\nوكل الأنبياء لهم دعوات، قد تستجاب، وقد لا تستجاب، فقد دعا النبي ﷺ على قوم، فقال الله له: ﴿ليس لك من الأمر من شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾، وكل نبي قد تَعَجَّلَ دعوته، وأما نبينا ﷺ فقد أخَّرها لأشد الحاجة يوم القيامة.\nوقوله: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وهذا مقيد، وإلا فإن لهم دعواتٍ أخرى كثيرة، لكن «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ»، يعني: في الدنيا، «وَخَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nوقوله: «فَهِيَ نَائِلَةٌ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا» وهم الموحدون الذي ماتوا على التوحيد، ولم يقع في عملهم شرك، من أهل الكبائر الذين ماتوا من غير توبة.\nولكن يبقى إشكال، وهو: أنه جاء في الحديث الآخر: أن النبي ﷺ يشفع أربع شفاعات، وأنه تبقى بقية لا تنالهم الشفاعة، يخرجهم رب العالمين، بعد شفاعة الملائكة، وشفاعة النبيين، وشفاعة المؤمنين، فلا يبقى إلا رحمة أرحم الراحمين، فيُخرج قومًا من النار لم يعملوا خيرًا قط، كما مر، يعني: زيادة عن الإيمان، فكيف الجمع بينه وبين هذا الحديث: «فَهِيَ نَائِلَةٌ- إِنْ شَاءَ اللهُ- مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا» وإن هذا الحديث معناه العموم، وهو أنه يعم كل من مات لا يشرك بالله شيئًا، والحديث السابق فيه: أنه تبقى بقية لا تنالهم الشفاعة.\nولنا في الجمع بين الحديثين جوابان:\nالجواب الأول: إن معنى «مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئًا» أنه تنال الشفاعة أغلبهم، ويبقى بقية يخرجهم رب العالمين برحمته، وقوله: «فَهِيَ","vol":"1","page":386},{"text":"نَائِلَةٌ- إِنْ شَاءَ اللهُ- مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا»، أي: على حسب ما ظهر له ﵊؛ ولهذا جاء في الحديث أن النبي ﷺ يقول: «وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ» وهم المشركون.\nوالجواب الثاني: أن الذين تنالهم الشفاعة هم العصاة من أمته، والباقون من الأمم السابقة يُخرجهم رب العالمين برحمته ﷾.\nوالمراد بالمشيئة في قوله ﷺ: «فَهِيَ نَائِلَةٌ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ-» أنها على التحقيق، كما في قوله تعالى: ﴿لتدخلن إن شاء الله آمنين ...﴾ وقوله ﷺ في دعاء الزائر للقبور: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون».","vol":"1","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>بَابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لِأُمَّتِهِ وَبُكَائِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ</span>\n\n[٢٠٢] حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: تَلَا قَوْلَ اللَّهِ ﷿ فِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ الآيَةَ، وَقَالَ عِيسَى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ، أُمَّتِي، أُمَّتِي، وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ ﷿: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوؤُكَ».\nقوله: «تَلَا قَوْلَ اللهِ ﷿- فِي إِبْرَاهِيمَ-: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾» الضمير في: ﴿إِنَّهُنَّ﴾ يعود إلى الأصنام.\nوفيه: دليل على أن فتنة الأصنام من أعظم الفتن؛ ولهذا قال تعالى: ﴿رب إنهن أضللن كثيرًا من الناس﴾، فدعا إبراهيم ﵇ أن يجنبه وبنيه أن يعبد الأصنام، قال: ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس﴾، فقد ضلوا بسبب عبادة الأصنام، وعبادة القبور، وتصوير الصور، وهذه من أسباب ضلال كثير من الناس.\nوقوله: «فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: اللهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي، وَبَكَى» رفع يديه ﷺ، ودعا لأمته؛ ولهذا قال الله ﷿: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ وهذا وعد من الله ﷿، ومن هذا أن الله يشفعه في العصاة الموحدين، فيشفع","vol":"1","page":388},{"text":"أربع مرات، يحد الله ﷿ له كل مرة حدًّا يخرجهم من النار، حتى يقول: «فَأَقُولُ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ» (^١)، فالكفرة الذين حبسهم القرآن لا حيلة في خروجهم من النار.\nوفيه: فضل هذه الأمة، وأنهم ثلث أهل الجنة، وثبت في الحديث عن بريدة ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَانُونَ صَفًّا» (^٢)، وهذا من إرضاء الله تعالى لنبيه ﵊.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٣٠٠٢).","vol":"1","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>بَابُ بَيَانِ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَلَا تَنَالُهُ شَفَاعَةٌ وَلَا تَنْفَعُهُ قَرَابَةُ الْمُقَرَّبِينَ</span>\n\n[٢٠٣] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: «فِي النَّارِ»، فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ».\nهذا الحديث فيه: دليل على أن من مات على الشرك لا حيلة فيه، وأنه لا تنفعه قرابته من الأنبياء؛ ولهذا فإن إبراهيم ﵇ ما نفع أباه، كما ورد «يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لا تَعْصِنِي، فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَاليَوْمَ لا أَعْصِيكَ، فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلَى الكَافِرِينَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ، فَيُلْقَى فِي النَّارِ» (^١)، والذيخ الملتطخ هو: ذَكَرُ الضبع الكثير الشعر متلطخ بالرجيع أو بالطين أو بالدم، مسخه الله ﷿، حتى تزول الرقة التي في قلب إبراهيم ﵊.\nوكذلك نوح ﵇ كان ولده كافرًا، قال: ﴿يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين﴾، فلما راجع نوح ربه ﴿قال رب إن ابني من أهلي﴾، فقال الله له: ﴿إنه ليس من أهلك﴾، وكذلك نبينا ﷺ لن ينفع عمَّه أبا طالب في الآخرة، وأبو طالب كان يحميه وينصره في الدنيا، ولا حيلة للنبي ﷺ فيه في الآخرة، قال: «أَمَا وَاللَّهِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٥٠).","vol":"1","page":390},{"text":"لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» (^١) فَنُهِيَ عَن ذلك.\nولم ينفع لوطٌ ونوحٌ ﵉ زوجتيهما، قال تعالى: ﴿وضرب الله مثلًا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئًا وقيل ادخلا النار مع الدخلين﴾.\nكما أن قرب آسيا امرأة فرعون من فرعون لم يضرَّها لما تبرأت منه ومن دينه، قال الله تعالى: ﴿وضرب الله مثلًا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابني لي عندك بيتًا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين﴾.\nوكذلك هنا لما سأل النبيَّ ﷺ رجلٌ وقال: أين أبي؟ قال: «فِي النَّارِ»، فكأنما صار في نفس هذا الرجل شيء، فدعاه، فقال له: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ»؛ وذلك لأنه مات في الجاهلية، فهذا محمول على أن دعوة إبراهيم ﵇ قد بلغتهم؛ ولهذا قال: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ»، ولما سئل النبي ﷺ عن ابن جدعان، وكان رجلًا في الجاهلية له جفنة عظيمة، يُطعمها الناسَ، فهل ينفعه ذلك؟ قال: «لا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ»، يعني: لم يؤمن بيوم القيامة.\nأما من لم تبلغه الدعوة من أهل الجاهلية فالصواب الذي عليه أهل العلم أنهم يمتحنون يوم القيامة، وذهب إلى ذلك أبو العباس ابن تيمية ﵀ (^٢)، وابن القيم ﵀ (^٣) وأنه يجرى لهم امتحان، وهناك من أهل الفترة من طلب دين إبراهيم ﵇ ومات على التوحيد، مثل: قس بن ساعدة الإيادي، وزيد بن عمرو بن نفيل، ويقابلهم من بلغته الدعوة، وقامت عليه الحجة، فهؤلاء يصح فيهم حكم: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤).\n(^٢) الجواب الصحيح، لابن تيمية (٢/ ٢٩٨).\n(^٣) طريق الهجرتين، لابن القيم (ص ٣٩٦)، أحكام أهل الذمة، لابن القيم (٢/ ١١٣٧).","vol":"1","page":391},{"text":"وفيه: أن توحيد الربوبية من أقر به وحده فلا ينفعه، ويدخل صاحبه النار، فكفار قريش آمنوا بتوحيد الربوبية، ولم ينفعهم، فالربوبية وحدها لا يحصل بها الخلاص من النار، حتى يوحد توحيد العبادة؛ لأن توحيد الربوبية مفطورة عليه جميع الأمم إلا من شذ، وليس هناك نزاع بين الأمم وبين الرسل فيه، وكفار قريش- وهم أشد عداوة للرسول ﷺ- كانوا يقرون بالربوبية، إنما النزاع في توحيد العبادة، وقد يوجد بعض أهل الجاهلية ممن يشرك في الربوبية، كمن يعتقد أن روح الميت تخرج، وأنها تجيب من دعاها، وتنصر من لاذ في حماها، فهذا نوع من شرك الربوبية، ولكنه قليل.\nيقول النبي ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» (^١)، وقال الله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾، أي: إذا أُنزل القرآن، وأُرسل الرسول فقد قامت الحجة.\nومن مات على الشرك فيُشهد عليه على العموم بقوله ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ» (^٢).\nكما أنه لا يُشهد لمؤمن بعينه بالجنة، إلا من شهدت لهم النصوص كالعشرة المبشرين بالجنة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٠٦٢)، ومسلم (١١١).","vol":"1","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾</span>\n\n[٢٠٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا، فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ، وَخَصَّ، فَقَالَ: «يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا».\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَحَدِيثُ جَرِيرٍ: أَتَمُّ وَأَشْبَعُ.\nقوله: «غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا»، يعني: سأصلها بصلتها، شبَّه قطيعة الرحم بالحرارة، وشبه صلة الرحم بالماء الذي يخفف هذه الحرارة، وهو دليل على امتثاله ﵇ لقول الله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾.\nوهذا الحديث فيه: دليل على أنه ﵊ لا يملك أن يخرج أحدًا من النار، ولا أن يدخل أحدًا الجنة، وأن هذا ليس بيده، بل بيد الله ﷿، ولهذا قال: «لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا» حتى أقرب الناس إليه فاطمة ﵂ قال فيها كما في رواية أخرى: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ، سَلِينِي بِمَا شِئْتِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»، فأنقذي نفسك من النار.","vol":"1","page":393},{"text":"وفيه: الرد على من عبد الرسول ﷺ، وظنوا أنه يملك شيئًا من هداية القلوب، وتفريج الكروب، وهذا كله بيد الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي﴾ فهو نبي كريم ﷺ يوحى إليه، وهو مبلغ عن الله، لكن ليس بيده شيء من هداية القلوب، وليس باستطاعته أن يخرج أحدًا من النار، ولا يدخل أحدًا الجنة، وإذا شفع ﵊ فإن الله يحدُّ له حدًّا.\n\n[٢٠٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَيُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الصَّفَا، فَقَالَ: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، يَا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ».\nقوله: «لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ»، يعني: اسألوني الدنيا، أما الآخرة فلا أستطيع أن أنقذكم فيها من النار.\nوهذا الحديث فيه: الرد على الغلاة القائلين: إن الرسول ﷺ يملك الدنيا والآخرة، كما يقول البوصيري يخاطب الرسول ﷺ (^١):\nيَا أَكْرَمَ الخَلْقِ مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ ... سِوَاكَ عِنْدَ حُدُوثِ الحَادِثِ العَمَمِ\nيقول: ما لي إلا أنت إذا عمَّ الحادثُ العمِمُ، وهو يوم القيامة.\nويقول (^٢):\nفَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَهَا ... وَمِنْ عُلُومِكِ عِلْمُ اللَّوْحِ والقَلَمِ\nوهذا من أعظم الشرك! يقول: من جودك- يا محمد ﷺ- الدنيا\n_________\n(^١) البردة، للبوصيري (ص ٢٢).\n(^٢) البردة، للبوصيري (ص ٢٢).","vol":"1","page":394},{"text":"وضرتها، وهي الآخرة، فأنت تملك الدنيا والآخرة، فماذا أبقى لله؟ ! لم يُبقِ شيئًا لله، فإن كان له الدنيا والآخرة، ومن علومه علم اللوح المحفوظ، والقلم الذي يكتب! وكيف يقال هذا والنبي ﷺ يقول: «لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا»، ويقول الله تعالى: ﴿وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذٍ لله﴾، ولكنه عمى البصيرة- والعياذ بالله!\n\n[٢٠٦] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللَّهِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ، سَلِينِي بِمَا شِئْتِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا».\nوَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ هَذَا.\n\n[٢٠٧] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ، وَزُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو قَالَا: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾، قَالَ: انْطَلَقَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَضْمَةٍ مِنْ جَبَلٍ، فَعَلَا أَعْلَاهَا حَجَرًا، ثُمَّ نَادَى: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافَاهْ، إِنِّي نَذِيرٌ، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ، فَانْطَلَقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ، فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ فَجَعَلَ يَهْتِفُ: يَا صَبَاحَاهْ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو وَقَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ.","vol":"1","page":395},{"text":"[٢٠٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا، فَهَتَفَ: «يَا صَبَاحَاهْ»، فَقَالُوا: مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: «يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا، قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ»، قَالَ: فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ أَمَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا؟ ! ثُمَّ قَامَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ وَقَدْ تَبَّ، كَذَا قَرَأَ الأَعْمَشُ، إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وأَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ- بِهَذَا الإِسْنَادِ- قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ الصَّفَا، فَقَالَ: «يَا صَبَاحَاهْ»، بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ نُزُولَ الآيَةِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾.\nقوله: «إِلَى رَضْمَةٍ مِنْ جَبَلٍ»، أي: إلى صخرة من صخور عظام بعضها فوق بعض.\nقوله: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا»، يعني: اشتروا أنفسكم بالتوحيد والأعمال الصالحة التي ينقذكم الله بسببها من النار، ولا تقولوا: إن قُرْبَنَا من محمد ﷺ سينقذنا من النار، فلن ينقذكم قربكم مني إلا بالعمل الصالح.","vol":"1","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>بَابُ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي طَالِبٍ، وَالتَّخْفِيفِ عَنْهُ بِسَبَبِهِ</span>\n\n[٢٠٩] وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المقدمي، ومحمد بن عبد الملك الأموي قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ».\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَنْصُرُكَ، فَهَلْ نَفَعَهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَجَدْتُهُ فِي غَمَرَاتٍ مِنَ النَّارِ، فَأَخْرَجْتُهُ إِلَى ضَحْضَاحٍ».\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ.\n\n[٢١٠] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ نَارٍ، يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ».\nفي هذه الأحاديث: بيان أن النبي ﷺ يشفع لعمه أبي طالب؛ وذلك لأن أبا طالب كان يحوط النبي ﷺ، ويغضب له، وينصره، فخف كفره، فلما خف كفره شفع له النبي ﷺ شفاعة خاصة به، وهي مستثناة من قوله تعالى:","vol":"1","page":397},{"text":"﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾، وهي ليست شفاعة في إخراجه من النار، وإنما شفاعة في تخفيف العذاب، وهي خاصة بالنبي ﷺ، وخاصة بأبي طالب، فلا يشفع أحد في الكفار، ولا يُشفع في غير أبي طالب، ومع ذلك فهي شفاعة تخفيف العذاب، لا شفاعة إخراج من النار، فهو «فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ نَارٍ، يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ» وفي لفظ آخر، كما سيأتي: «مَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا، وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذابًا»، وهو أهون أهل النار عذابًا- نسأل الله السلامة والعافية.\nوقوله: «وَلَوْلَا أَنَا» يحتمل أنه تصرفٌ من بعض الرواة، وأنه روى الحديث بالمعنى، ويحتمل أن هذا كان أولًا، ثم نهي عن ذلك.\nوقوله: «فَأَخْرَجْتُهُ إِلَى ضَحْضَاحٍ» يطلق الضحضاح على الماء القليل الذي يكون في قعر الإناء (^١)، فأخرجه الله بشفاعة النبي ﷺ من غمرات النار التي كان منغمسًا فيها إلى ضحضاح قليل، يغلي منها دماغه.\nوقوله: «فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ» الكعب هو العظمتان الناتئان في جنب القدم، فالضحضاح يصل إلى الكعب، ومع ذلك يغلي دماغه من هذا الضحضاح- نسأل الله العافية.\nوقوله: «يَغْلِي»، يعني: يضطرب ويتحرك، كما يغلي الماء الذي يكون في القدر الذي تحته النار، فإذا كان هذا في ضحضاح من نار فكيف بالذي في وسط الغمرات؟ ! - نسأل الله تعالى السلامة والعافية.\n_________\n(^١) الصحاح، للجوهري (١/ ٣٨٥)، المحكم، لابن سيده (٢/ ٤٩٠).","vol":"1","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>بَابُ أَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا</span>\n\n[٢١١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا، يَنْتَعِلُ بِنَعْلَيْنِ مِنَ نَارٍ، يَغْلِي دِمَاغُهُ مِنْ حَرَارَةِ نَعْلَيْهِ».\n\n[٢١٢] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ».\n\n[٢١٣] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَرَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا، مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنَ نَارٍ، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِ الْمِرْجَلُ مَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا، وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا».\nفي هذه الأحاديث: بيان أهون أهل النار عذابًا، وأنهم أربعة:\nالأول: مَن في ضحضاح من نار يغلي منها دماغه.\nالثاني: مَن له نعلان من نار يغلي منهما دماغه.","vol":"1","page":399},{"text":"الثالث: مَن في أخمص قدميه جمرتان من نار يغلي منهما دماغه.\nالرابع: مَن له شراكان من نار يغلي منهما دماغه، والشراكان هما السيران اللذان يكونان على ظهر القدم، ويكون على نعل القدم في كل رجل سير، فسير نعله يكون من نار يغلي منهما دماغه.\nوقوله: «أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ» الظاهر: أنه أخف أهل النار من الكفرة، أما العصاة الموحدون فلا يقال عنهم: أهل النار؛ لأن دخولهم للتطهير.\nوقوله: «أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَرَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» الأخمص هو أسفل القدم في وسط الرِّجل بعد الأصابع وقبل آخر الرجل المنخفض في وسط الرجل (^١).\nوقوله: «يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِ الْمِرْجَلُ» المرجل: القدر الذي تحته النار.\nوقوله: «أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا» يدل على أن كل واحد من هذه الأنواع مقارب للآخر، فهؤلاء الأربعة كلُّهم أخفُّ أهل النار عذابًا، ولا ينفي أن يكون هناك أحد يساويه، فهو أهونهم، لكن هناك من يساويه، فمن هو في ضحضاح يساويه، ومن له نعلان يساويه، ومن له شراكان يساويه، كقوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه﴾، وقوله تعالى: ﴿ومن أظلم من افترى على الله كذبًا﴾ فهذا أظلم الناس، ولا أحد أظلم منه، لكن هناك من يساوي له، كما في الآيات الأخرى التي فيها: ﴿ومن أظلم﴾، و﴿فمن أظلم﴾.\n_________\n(^١) الصحاح، للجوهري (٣/ ١٠٣٨)، النهاية، لابن الأثير (٢/ ٨٠).","vol":"1","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>بَاب الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ لَا يَنْفَعُهُ عَمَلٌ</span>\n\n[٢١٤] حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: «لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ».\nقوله: «لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ» المعنى: أنه لم يؤمن بيوم القيامة، وهذا كفر، والكافر لا ينفعه أي عمل، فابن جدعان كان لا يؤمن بيوم القيامة، ولا يؤمن باليوم الآخر، فلا ينفعه أي عمل.\nوالكفر أنواع: منه: عدم الإيمان بالله تعالى، وعدم الإيمان بالملائكة، أو الكتب، أو الرسل، أو اليوم الآخر، أو القدر.\nوأهل الجاهلية كانوا يتفاوتون، لكن أغلبهم كان يعبد الأصنام والأوثان، ومنهم من يجمع بين ذلك كله، ومنهم من لا يؤمن بيوم القيامة كابن جدعان، ومنهم من كان يجمع بين الأمرين، فيعبد الأصنام، ولا يؤمن بالآخرة؛ ولهذا لم ينفعه عمله.\nوإن كان عمله هذا ينفعه في الدنيا، فهو في الآخرة لا حسنات له.\nفالأعمال شرط نفعها وشرط صحتها الإيمان، فإذا لم يكن الإنسان مؤمنًا فلا ينفعه أي عمل؛ كصلة الرحم، والصدقات، لكنها تنفعه في الدنيا، فَيُعجَّل له ثوابه.\nهذا الحديث فيه: بيان أن ابن جدعان قد بلغته الدعوة؛ ولهذا لم تنفعه أعماله الصالحة، فظاهر الحديث: أنه بلغته الدعوة مثل والد الرسول ﷺ، الذي قال فيه: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ».","vol":"1","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>بَابُ مُوَالَاةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمُقَاطَعَةِ غَيْرِهِمْ، وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ</span>\n\n[٢١٥] حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ- جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ- يَقُولُ: «أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي- يَعْنِي: فُلَانًا- لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ، وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ».\nقوله: «أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي- يَعْنِي: فُلَانًا- لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ»، يعني: ليسوا بأصحاب ولا أصدقاء ولا أهل مودة؛ لأنهم كفار.\nوقوله: «إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ»: فيه أن أولياء النبي ﷺ هم المؤمنون، وإن بعدوا منه نسبًا، وأن غير المؤمنين ليسوا أولياءه، وإن قربوا منه نسبًا، فأولياء المؤمن هم المؤمنون، وإن بعُد نسبهم، وغير المؤمنين ليسوا له بأولياء، وإن قربوا نسبًا، وإن كانوا أباءه، أو إخوانه، أو أمهاته.\nوقوله: «أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي- يَعْنِي: فُلَانًا- لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ» قال الراوي: «آلَ أَبِي- يَعْنِي: فُلَانًا»؛ لأنه يحتمل أن يترتب على تسميته مفسدة، وقال أبو بكر ابن العربي: المراد: آل أبي طالب، وقال غيره: المراد: آل أبي العاص بن أمية (^١).\nوهذا الحديث فيه: دليل على أن ولي الإنسان هم المؤمنون، أما الكفار فليسوا أولياء وإن كانوا أقارب، لكن لا يمنع هذا من كون الإنسان يحسن إلى أقاربه الكفار إن كانوا غير حربيين، كما قال الله تعالى- في الوالدَين الكافرَين-: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما﴾،\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (١/ ٣٣١).","vol":"1","page":402},{"text":"ثم قال: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾، وثبت في الصحيحين أن أسماء بنت أبي بكر ﵂ استفتت النبي ﷺ، وقالت: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا؟» قَالَ: «نَعَمْ صِلِيهَا» (^١)، وقال تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم﴾ فالإحسان الدنيوي شيء، والموالاة والمحبة شيء آخر.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١٨٣)، ومسلم (١٠٠٣).","vol":"1","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى دُخُولِ طَوَائِفَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ</span>\nحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ- يَعْنِي: ابْنَ مُسْلِمٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ»، ثُمَّ قَامَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ الرَّبِيعِ.\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا، تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأَسَدِيُّ، يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ»، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ».\nقوله: «فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيُّ يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ» النمرة: قطعة من القماش مخططة (^١).\n_________\n(^١) الصحاح، للجوهري (٢/ ٨٣٨)، النهاية، لابن الأثير (٤٢/ ٣٥٤).","vol":"1","page":404},{"text":"وقوله: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» هذا من الآداب الحسنة التي يعلمنا إياها النبي ﷺ، فإن الرجل الآخر الذي قال: «ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ» يحتمل أن يكون منهم، ويحتمل أن لا يكون منهم، لكن النبي ﷺ سدَّ الباب؛ لأنه لو قال للآخر: أنت منهم، لقام ثالث، ثم رابع، وهكذا يتتابع الناس، ويحتمل أن يقوم من ليس منهم فيسأله مثلما سألوا فيكون رسول الله ﷺ حينها بين خيارين؛ الأول: أن يخبره بأنه ليس منهم، وهذا فيه جرح لمشاعره، والنبي ﷺ ليس من خلقه أن يواجه أحدا بمثل ذلك، والثاني: ألا يخبره ولا يدعو له، فيبقى في نفس السائل مترددا بين الأمرين، وفي كلتا الحالتين يسبب له إحراجا وهو ما لا يفعله رسول الله ﷺ لما أوتي من خلق كريم وأدب عظيم.\nفسدَّ النبي ﷺ الباب بأسلوب مناسب، وقال: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ»، حتى صار هذا مثلًا من الأمثال، يقال: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» لمن أتى بعد الأول.\nهذا الحديث فيه: الشهادة لعكاشة بن محصن ﵁ بأنه من أهل الجنة، وأنه من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة من غير سابقة حساب ولا عذاب.\nوفيه: بيان أن من هذه الأمة سبعون ألفًا يدخلون الجنة بلا حساب، وأنهم أول زمرة يدخلون الجنة، وأن وجوههم على صورة القمر ليلة البدر في الإضاءة، وجاء في حديث آخر: «وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَلَا عَذَابٍ مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سبعين أَلْفًا، وَثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي» (^١)، ثلاث حثيات لا يعلم عددها إلا الله تعالى، وفي ذلك فضل عظيم.\nوفيه: دليل على أن من يدخل الجنة بغير حساب ليسوا قليلين، فهم سبعون ألفًا، مع كل ألف منهم سبعون ألفًا، وثلاث حثيات من حثيات الله تعالى، فإذا ضربت سبعين ألفًا في سبعين فيكون الناتج: أربعة آلاف ألف وتسعمائة ألف، أي: حوالي خمسة ملايين، أضف إليها ثلاث حثيات من حثيات الله ﷿، وهذا لا يعلم مقداره إلا الله، فالحثيات غير معلومة، فهذا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٢٣٠٣)، والطبراني في الكبير (٧٥٢٠).","vol":"1","page":405},{"text":"فضل الله الكبير، وجاء في حديث آخر من حديث المسعودي، قال: حدثني بكير بن الأخنس، عن رجل عن أبي بكر الصديق، قال: قال رسول الله ﷺ: «فَزَادَنِي مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعِينَ أَلْفًا» (^١) لكنه حديث ضعيف لا تقوم به الحجة، فإن فيه من لم يسم، وفيه المسعودي وقد اختلط.\n\n[٢١٧] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو يُونُسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا زُمْرَةٌ، وَاحِدَةٌ مِنْهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ».\n\n[٢١٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدٍ- يَعْنِي: ابْنَ سِيرِينَ- قَالَ: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ» قَالُوا: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»، فَقَامَ عُكَّاشَةُ، فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: «أَنْتَ مِنْهُمْ»، قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ».\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ عُمَرَ أَبُو خُشَيْنَةَ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ الأَعْرَجِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ» قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «هُمُ الَّذِينَ، لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ».\nقوله: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» أضف إليه ما جاء في الحديث الآخر: «وَلَا يَتَطَيَّرُونَ»، فتكون أعمالهم أربعة، وهي\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٢)، وأبو يعلى (١١٢).","vol":"1","page":406},{"text":"أعمال السبعين ألفًا.\nوقوله: «وَلَا يَسْتَرْقُونَ»، أي: لا يطلبون من أحدٍ أن يرقيهم؛ لأن الرقية فيها ميل إلى الغير، والتفات القلب إلى المخلوق، وإن كان الاسترقاء جائزًا، وهؤلاء الذين يدخلون الجنة بلا حساب لأنهم لا يفعلون الذي هو خلاف الأولى، فلا يطلبون من أحد أن يرقيهم، والهمزة والسين والتاء في الفعل: (اسْتَرقَى) وهو الماضي من قوله: «يَسْتَرْقُونَ» للطلب، يعني: لا يطلبون أحدًا أن يرقيهم، ولكن إذا دعت الحاجة إلى ذلك وتعيَّن طريقا للعلاج فلا بأس، فَيُحمل هذا على أنه يكون عند عدم الحاجة؛ لأن النبي ﷺ رقاه جبريل ﵇ (^١)، وأمر أسماء بنت عميس ﵂ أن تسترقي لأولاد جعفر من العين (^٢)، وإن لم يطلب جبريل من النبي ﷺ أن يرقيه، كما يقال: آخر الطب الكي.\nوقوله: «لَا يَكْتَوُونَ» الكي فيه تعذيب بالنار، فهم يجعلون الكيَّ آخِرَ الأمر، إذا لم يجدوا غيره في الطب يستعملونه؛ وذلك لما فيه من التعذيب بالنار، كما يقال: آخِرُ الطبِّ الكيُّ، إذا لم تجد غيره فلا بأس؛ لما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ- أَوْ: يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ- خَيْرٌ، فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ تُوَافِقُ الدَّاءَ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ» (^٣)، فإذا دعت الحاجة إليه بأن تعيَّن للعلاج فلا بأس، لكن لا يبدأ به الإنسان، بل يجعله آخِرَ العلاج.\nوقوله: «وَلَا يَتَطَيَّرُونَ» هذا من الأعمال الشركية، والتطير هو: التشاؤم بالمرئيات أو المسموعات، بأن يتطير بشيء فيرده عن حاجته، أو يمضيه في حاجة بعد عدوله عنها، وهذا هو التطير، كما في الحديث: «إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢١٨٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢١٩٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٦٨٣)، ومسلم (٢٢٠٥).","vol":"1","page":407},{"text":"أَمْضَاكَ، أَوْ رَدَّكَ» (^١).\nوالطِّيَرَة شرك أصغر، وقد تكون شركًا أكبر إذا اعتقد أن لها تأثيرًا في الأشياء، أو أن لها تصرفًا في الكون، أو صرف إليها شيئًا من أنواع العبادة، وإلا فإن الأصل أن الطيرة شرك أصغر، وهو ينافي التوكل.\nوقوله: «وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» هذا ختام أعمالهم، أنهم يتوكلون على الله، ويفوضون أمورهم إليه، مع فعل الأسباب النافعة، فالتوكل يشمل أمرين: فعل الأسباب المشروعة والمباحة، وتفويض الأمر إلى الله في حصول النتيجة.\n\n[٢١٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ أَبِي حَازِمٍ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا، أَوْ سَبْعُ مِائَةِ أَلْفٍ»، لَا يَدْرِي أَبُو حَازِمٍ أَيَّهُمَا قَالَ: «مُتَمَاسِكُونَ، آخِذٌ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، لَا يَدْخُلُ أَوَّلُهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ، وُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ».\n\n[٢٢٠] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: أَنَا، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ، وَلَكِنِّي لُدِغْتُ، قَالَ: فَمَاذَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: اسْتَرْقَيْتُ، قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعْبِيُّ، فَقَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمْ الشَّعْبِيُّ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ حُصَيْبٍ الأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ، فَقَالَ: قَدْ أَحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ، وَلَكِنْ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى ﵇ وَقَوْمُهُ،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٨٢٤).","vol":"1","page":408},{"text":"وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ الآخَرِ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَلَا عَذَابٍ»، ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَلَا عَذَابٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلَامِ وَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ، وَذَكَرُوا\nأَشْيَاءَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ؟»، فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»، فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «أَنْتَ مِنْهُمْ»، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ نَحْوَ حَدِيثِ هُشَيْمٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ حَدِيثِهِ.\nقوله: «أَيُّكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: أَنَا، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ، وَلَكِنِّي لُدِغْتُ» لما قال: أنا، خشي أن يُظَنَّ أنه يصلي، فأراد أن يبعد عن نفسه شبهة الرياء، فقال: لم أكن أصلي، ولكن الذي جعلني أستيقظ في منتصف الليل أنه لدغتني عقرب.\nوفيه: بعد السلف عن الرياء، وحذرهم من أن يتزين الإنسان بما ليس فيه.\nوقوله: «فَمَاذَا صَنَعْتَ؟»، يعني: ماذا عملت حين لدغت؟\nوقوله: «قُلْتُ: اسْتَرْقَيْتُ»، يعني: طلبت أحدًا يقرأ عليَّ الرقية.\nوقوله: «قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟»: فيه مطالبة الإنسان بالدليل فيما لا","vol":"1","page":409},{"text":"يعلمه، فكأنه قال: هاتِ الدليل، لماذا استرقيت؟ قال حصين: «قُلْتُ: حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعْبِيُّ، فَقَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمْ الشَّعْبِيُّ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ حُصَيْبٍ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ، فَقَالَ: قَدْ أَحْسَنَ مَنْ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ»، يعني: من بلغه الدليل فعمل به فقد أحسن، لكن عندنا دليل آخر سأورده عليك.\nوقوله: «لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ، أَوْ حُمَةٍ»، أي: لا رقية أشفى وأولى من الرقية في العينِ والحُمَةِ.\nوالعين: إصابة العائن غيرَه بعينه، والعائن هو الذي تتكيف نفسه فيخرج من نفسه شيء، فتساعده الأرواح الشيطانية فيصاب المعين بالعين.\nوالحُمَةُ: سُمُّ كلِّ شيءٍ يلدغ، أو يلسع.\nوليس معناه: أن الرقية لا تكون إلا في هذين النوعين، بل المعنى: أن الرقية في هذين النوعين أولى وأشفى من غيرها، وأما ما عداها من الأمراض فلا بأس في الرقية؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (^١) فالرقية في كل شيء جائزة، ما لم يكن فيها شرك، لكن في هذين النوعين من المرض تكون أولى وأشفى.\nوقوله: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ»: فيه بيان عرض الأمم، وأنهم عرضوا على النبي ﷺ، وهذا في ليلة الإسراء، عرضت عليه الأمم وأتباعهم، وأن بعضهم عرض عليه ومعه الرهيط، وهي تصغير رهط، والرهط من الثلاثة إلى العشرة، وبعضهم عرض عليه ليس معه إلا رجلان، وبعضهم ليس معه إلا رجل، وبعضهم ليس معه أحد، فهم يتفاوتون، ومع ذلك فقد بلَّغوا رسالة ربهم، وأدوا ما عليهم، قال تعالى: ﴿ليس عليك هداهم ولكن الله\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٢٠٠).","vol":"1","page":410},{"text":"يهدي من يشاء﴾.\nوقوله: «إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى ﵇ وَقَوْمُهُ»: فيه دليل على أن أتباع موسى كثيرون.\nوقوله: «فَنَظَرْتُ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ الآخَرِ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ»: فيه دليل على كثرة أتباع نبينا ﷺ، وأنه أكثر الأنبياء تبعًا، كما قال ﵊: «مَا مِنَ الأَنْبِياءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ أُومِنَ- أو: آمَنَ- عَلَيهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ؛ فَأَرْجُو أَنِّي أَكْثَرُهُمْ تَابِعًا يَومَ القِيَامَةِ» (^١)، وهذا الذي حصل، فهو أكثر الأنبياء أتباعًا ﷺ.\nوهذا الحديث ساقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب: (التوحيد)، باب: «من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب» (^٢).\nوقوله: «فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ»: فيه حرص الصحابة على الخير، فهم يقولون: من هم الذين يدخلون الجنة من غير حساب! حتى ذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ، فأخبرهم بصفاتهم.\nوهذه الرواية فيها زيادة: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، ولا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون» فالأحاديث السابقة فيها أربع صفات، وهنا زيادة: «لا يَرْقُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ».\nولفظة: «لَا يَرْقُونَ» ذهب بعض المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أنها وهمٌ من الرواة (^٣)، وهكذا قرر سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز ﵀؛ لأنه خلا منها أكثر الأحاديث، قال ابن القيم ﵀: «زاد مسلم وحده «ولا يَرْقُون» فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذه الزيادة وهم من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٧٤).\n(^٢) كتاب التوحيد، لمحمد بن عبد الوهاب (ص ١٥).\n(^٣) مفتاح دار السعادة، لابن القيم (٢/ ٢٣٤).","vol":"1","page":411},{"text":"الراوي لم يقل النبيﷺ-: «ولا يرقون»، لأن الراقي محسن إلى أخيه، وقد قال النبي ﷺ وقد سئل عن الرقى فقال: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل» (^١)، وقال: «لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك» (^٢)، والفرق بين الراقي والمسترقي أن المسترقي سائل مستعط ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن نافع» (^٣).\nويمكن توجيه الراقي كما وُجِّه المسترقي، وذهب إلى هذا الحافظ ابن حجر في فتح الباري، قال: «وقد أنكر الشيخ تقي الدين ابن تيمية هذه الرواية، وزعم أنها غلط من راويها، واعتل بأن الراقي يحسن إلى الذي يرقيه، فكيف يكون ذلك مطلوبَ الترك؟ ! وأيضًا فقد رقى جبريل النبي ﷺ، ورقى النبي أصحابه، وأذن لهم في الرقى، وقال: «من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل»، والنفع مطلوب، قال: وأما المسترقي فإنه يسأل غيره، ويرجو نفعه، وتمام التوكل ينافي ذلك، قال: وإنما المراد وصف السبعين بتمام التوكل، فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم، ولا يكويهم، ولا يتطيرون من شيء، وأجاب غيره بأن الزيادة من الثقة مقبولة، وسعيد بن منصور حافظ، وقد اعتمده البخاري ومسلم، واعتمد مسلم على روايته هذه، وبأن تغليط الراوي مع إمكان تصحيح الزيادة لا يصار إليه، والمعنى الذي حمله على التغليط موجود في المسترقي؛ لأنه اعتل بأن الذي لا يطلب من غيره أن يرقيه تامُّ التوكل، فكذا يقال له، والذي يفعل غيرُه به ذلك ينبغي أن لا يمكنه منه؛ لأجل تمام التوكل، وليس في وقوع ذلك من جبريل دلالة على المدَّعَى، ولا في فعل النبي ﷺ له- أيضًا- دلالة؛ لأنه في مقام التشريع وتبيين الأحكام، ويمكن أن يقال: إنما ترك المذكورون الرقى والاسترقاء\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢١٩٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٢٠٠).\n(^٣) مفتاح دار السعادة، لابن القيم (٢/ ٢٣٤).","vol":"1","page":412},{"text":"حسمًا للمادة؛ لأن فاعل ذلك لا يأمن أن يكل نفسه إليه، وإلا فالرقية في ذاتها ليست ممنوعة، وإنما مُنع منها ما كان شركًا، أو احتمله» (^١)، هذا توجيه الحافظ ﵀، لكن الأقرب ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية أن لفظة: «لَا يَرْقُونَ» وهمٌ، وأيضا فالقول بأن الزيادة من الثقة مقبولة هذا على طريقة المتأخرين، وأما على طريقة المتقدمين فيرون أن كل زيادة لها حكم.\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (١١/ ٤٠٨ - ٤٠٩).","vol":"1","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>بَابُ كَوْنِ هَذِهِ الأُمَّةِ نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ</span>\n\n[٢٢١] حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟»، قَالَ: فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: «أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟»، قَالَ: فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، مَا الْمُسْلِمُونَ فِي الْكُفَّارِ، إِلَّا كَشَعْرَةٍ بَيْضَاءَ فِي ثَوْرٍ أَسْوَدَ أَوْ كَشَعْرَةٍ سَوْدَاءَ فِي ثَوْرٍ أَبْيَضَ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا، فَقَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟»، قَالَ: قُلْنَا: نَعَمْ، فَقَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟»، فَقُلْنَا: نَعَمْ، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَذَاكَ أَنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكٌ- وَهُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ- عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى قُبَّةِ أَدَمٍ، فَقَالَ: «أَلَا لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، أَتُحِبُّونَ أَنَّكُمْ رُبُعُ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟»، فَقُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «أَتُحِبُّونَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟» قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، مَا أَنْتُمْ فِي سِوَاكُمْ مِنَ الأُمَمِ، إِلَّا كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَبْيَضِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ».","vol":"1","page":414},{"text":"هذا الحديث فيه: بيان فضل هذه الأمة، وأنها نصف أهل الجنة، حيث قال ﷺ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ».\nولا منافاة بين قوله هنا: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ»، وبين حديث: «أنهم ثلثا أهل الجنة» (^١)، فيكون النبي ﷺ قد أخبر أولًا أن هذه الأمة نصف أهل الجنة، ثم زاده الله خيرًا، فأخبر أنهم ثلثا أهل الجنة.\nوقوله: «قَالَ: فَكَبَّرْنَا»: فيه مشروعية التكبير عند رؤية ما يسر، فالسنة إذا رأى الإنسان ما يعجبه أن يكبِّر، أو يسبِّح، كما في حديث أطيط العرش، قال: وَنَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا تَقُولُ؟ !» وَسَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ (^٢) - إنكارًا وتعجبًا- ولم يفعل ما يفعله بعض الناس من التصفيق، فالتصفيق من أخلاق الكفار، ومن أخلاق النساء؛ لذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾، فالمكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، وقد كان المشركون يتعبدون بذلك، فلا ينبغي للمسلم أن يشاركهم.\nوقوله: «أَلَا لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ»: فيه أن الجنة لا يدخلها إلا مسلم، وهذا مجمع عليه من أهل العلم.\n_________\n(^١) أخرجه الخطيب البغدادي في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٣٩٣).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٧٢٦)، والطبراني في الكبير (١٥٤٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٨٣).","vol":"1","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>بَابُ قَوْلِهِ: يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ</span>\n\n[٢٢٢] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ الْعَبْسِيُّ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ ﷿: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، قَالَ: يَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، قَالَ: فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ»، قَالَ: فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: «أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا، وَمِنْكُمْ رَجُلٌ»، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالَا: مَا أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ فِي النَّاسِ، إِلَّا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَبْيَضِ، وَلَمْ يَذْكُرَا: أَوْ كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ.\nهذا الحديث فيه: إثبات الكلام لله ﷿، وأن الله تعالى تكلم بحرف وصوت يُسمع، وهو ﷾ ينادي يوم القيامة: «يَا آدَمُ» فيسمع آدم الصوت،","vol":"1","page":416},{"text":"فيقول: «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ»، فيقول الله ﷿: «أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ»، يعني: الذين هم مهيئون وموجهون إلى النار، فيقول: «وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ»، فاشتد ذلك على الصحابة ﵃، فقالوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: «أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا، وَمِنْكُمْ رَجُلٌ».\nويأجوج ومأجوج أمتان كافرتان من ولد آدم، أمة يقال لها: يأجوج، والأمة الثانية يقال لها: مأجوج، وهو من الأجيج واختلاط الأصوات واللغط؛ لكثرتهم.\nويأجوج ومأجوج هم الذين بنى ذو القرنين السد بينهم وبين الناس، ويقال: هم من الصين، وما حولها من الشرق، فإنهم يبلغون في الإحصائيات أكثر من مليار وثلث المليار، وأكثرهم كفار، فَمَن تركهم ذو القرنين خارج السد فهؤلاء سُموا: التُّرك، وهم من يأجوج ومأجوج، ومن كانوا داخل السد فهم يأجوج ومأجوج، فهاتان الأمتان الكافرتان منهم ألف في النار، ومن هذه الأمة واحد.\nوالصواب: أنهم من ولد آدم وحواء، أما ما ذكره النووي ﵀ (^١) عن كعب الأحبار أنهم ليسوا من حواء، وأن آدم احتلم، فاختلطت نطفته بالتراب، فخلق الله يأجوج ومأجوج- فهذا من أخبار بني إسرائيل، ولا وجه له، وهو قول باطل.\n* * *\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٣/ ٩٨).","vol":"1","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>كِتَاب الطَّهَارَةِ</span>","vol":"1","page":419},{"text":"٢ - كِتَاب الطَّهَارَةِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>بَاب فَضْلِ الْوُضُوءِ</span>\n\n[٢٢٣] حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا أَبَانٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى أَنَّ زَيْدًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَلَّامٍ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ- أَوْ: تَمْلَأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ، أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا، أَوْ مُوبِقُهَا».\nالطهارة لغة: النظافة، والطهارة من الأقذار (^١)، وشرعًا: استعمال الماء، أو ما يقوم مقامه عند عدمه، أو العجز عَنْ استعماله على صفة خاصة بنية (^٢).\nوكتاب الطهارة قصد به الإمام مسلم أن يذكر ما يتعلق بالطهارة في الوضوء والغسل من الجنابة، أو من الحيض والنفاس، وكذلك التيمم؛ لأنه طهارة، وكل ما يتعلق بها من أحكام.\nوهذا الحديث الذي صدر به كتاب الطهارة حديث عظيم، كل جملة منه تحتوي على معانٍ عظيمة، وقاعدة من قواعد الشرع.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ٩٩).\n(^٢) المجموع، للنووي (١/ ٧٩٨)، المغني، لابن قدامة (١/ ٧).","vol":"1","page":421},{"text":"يقول النبي ﷺ: «الطهور شطر الإيمان» الطُّهور بالضم: اسم للفعل، والطَّهور بالفتح: الماء الذي يُتطهر به، هذا هو المشهور، وقيل: يطلق كل منهما على الآخر، ومنه الوُضوء والوَضوء؛ فبالضم اسم للفعل، وبالفتح اسم للماء المتطهَر به، والشطر: النصف، ومعنى الطهور نصف الإيمان: أن الإيمان ينقسم إلى قسمين:\nطهارة ظاهرة، وطهارة باطنة؛ فالطهارة الباطنة هي سلامة المعتقد بالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، والسلامة من البدع والشرك.\nوالطهارة الظاهرة هي استعمال الماء في تطهير الجسد والأعضاء، ولا يلزم من كونهما نصفين التساوي بينهما.\n«والحمد لله تملأ الميزان» هو الميزان الذي توزن به الأعمال يوم القيامة، وهو ميزان حسي له كفتان أعظم من السموات والأرض، وله لسان، خلافًا للمعتزلة وأهل البدع القائلين أن المراد بالميزان ميزان معنوي وهو العدل؛ فأنكروا الميزان الحسي، وقالوا: لا يحتاج للميزان إلا البقال والفوال، أما الله فلا يحتاج إلى ميزان، هكذا أوّلوا النصوص بآرائهم وعقولهم وزبالة أذهانهم وأفكارهم، وهذا من أبطل الباطل؛ لأن المعتزلة دينهم مبني على العقل، حتى فسر بعضهم قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾ قال: الرسول هو العقل.\nوالصواب أنه ميزان حسي توزن فيه الأعمال، ويوزن فيه الأشخاص على حسب أعمالهم، قال الله تعالى عن الكفار: ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا﴾، وقال تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئًا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾،","vol":"1","page":422},{"text":"وفي الحديث: «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة» (^١)، وثبت- أيضًا- في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ كان جالسًا ومعه بعض أصحابه فقام عبد الله بن مسعود ﵁ فكشفت الريح عن ساقيه فإذا هما دقيقتان، فضحك الصحابة، فقال النبي ﷺ: «مم تضحكون» قالوا: يا نبي الله، من دقة ساقيه، قال: «والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد» (^٢).\n«الحمد لله تملأ الميزان» أي: أجرها وثوابها يملأ الميزان، وفي الحديث دليل على عظم هاتين الكلمتين «الحمد لله» و«سبحان الله»؛ فجميع أنواع المحامد ملك لله، وهو المستحق لها دون غيره، بخلاف المخلوق فإن له من المدح ما يليق به.\n«تملآن - أو: تملأ - ما بين السماء والأرض» شك من الراوي.\n«والصلاة نور» أي: للعبد تنهاه عن الفحشاء والمنكر، وتمنعه من المعاصي والموبقات، فالصلاة إذا أداها صاحبها كما أمر الله، وكما أمر رسوله ﷺ تنير للعبد الطريق، وتمنعه من الفحشاء والمنكر؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾.\n«والصدقة برهان» أي: حجة ودليل على إيمان صاحبها، والبرهان هو الدليل القوي.\n«والصبر ضياء» يستضيء به صاحبه حتى يؤدي ما أوجب الله عليه، وينتهي عما حرم الله عليه فلا يتسخط قضاء الله وقدره.\nوالضياء: نور فيه حرارة؛ كالشمس فيها نور وحرارة، والقمر فيه نور بلا حرارة، فالصبر قال فيه النبي ﷺ «والصبر ضياء»؛ لما يجده الإنسان الصابر من حرارة الصبر حيث\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٧٢٩)، ومسلم (٢٧٨٥).\n(^٢) أخرجه أحمد (٣٩٩١).","vol":"1","page":423},{"text":"يجد قوة ومشقة؛ لأن الصبر يحتاج إلى القوة والتحمل، ولا بد فيه من مجاهدة النفس، ومجاهدة النفس فيها مشقة وتعب، كالضياء الذي فيه حرارة، بخلاف الصلاة، قال عنها نور، كالقمر له نور بلا حرارة.\n«والقرآن حجة لك، أو عليك» القرآن حجة لك إن عملت به، وحجة عليك إن أعرضت عنه، وأهملته ولم تعمل به.\n«كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها» يعني: كل الناس يذهبون ويروحون ويتعامل بعضهم مع بعض؛ فمنهم من يبيع نفسه لله فيعتقها من النار فتسلم، ومنهم من يوبقها ويهلكها بعذاب الله فيبيعها للشيطان والهوى، فالناس نوعان: أناس يغدون في هذه الحياة يعملون ويكدحون ليكون عملهم لله، وأناس يبيعون أنفسهم للهوى وللشيطان ويهلكونها بالمعاصي، فيكون مصيرهم العذاب في النار- نسأل الله السلامة والعافية.","vol":"1","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>بَاب وُجُوبِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ</span>\n\n[٢٢٤] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَلَى ابْنِ عَامِرٍ، يَعُودُهُ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَقَالَ: أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لِي يَا ابْنَ عُمَرَ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ»، وَكُنْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ. ح قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَوَكِيعٌ عَنْ إِسْرَائِيلَ كُلُّهُمْ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nهذا الحديث فيه أن عبد الله بن عمر زار ابن عامر، وكان أميرًا على البصرة، وفيه أنه لا بأس أن يزور العلماء الأمراء لنصيحتهم؛ لأن الدين النصيحة، ولا سيما عند الموت لعله يتوب.\n«لا تقبل صلاة بغير طهور» في هذا الحديث دليل على وجوب الطهارة للصلاة، وأنه لا تصح الصلاة إلا بطهارة، وعليه الإجماع.","vol":"1","page":425},{"text":"«ولا صدقة من غلول» الغلول: هو الخيانة، والأخذ من مال الغنيمة قبل قسمتها، فإذا قاتل المسلمون الكفار وغنموا شيئًا من الأموال فإن هذه الغنائم تجمع ويخرج الخمس منها، ويقسم هذا الخمس إلى خمسة أخماس؛ لله ولرسوله، ولقرابة الرسول، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وأربعة أخماس يقسمها قائد الجيش، أو ولي الأمر على الغانمين؛ فلا يجوز للإنسان أن يأخذ شيئًا من الغنيمة قبل أن تقسم، وإن أخذ منها قبل القسمة يسمى غلولًا، وهو من كبائر الذنوب، ولما قتل مولى للرسول ﷺ في إحدى الغزوات قال الناس: هنيئًا له الجنة! فقال الرسول ﷺ: «كلا، والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم- لم تصبها المقاسم- لَتشتعلُ عليه نارًا» (^١)، والشملة قطعة قماش أخذها من الغنيمة فالتهبت عليه نارًا، وهذا الغلول لو تُصُدِّق به لا يُقبل؛ لأنه مال حرام مسروق وسحت، ويُلحق به ما أُخذ من بيت المال بغير حق، وكذلك ما اختُلس من أموال الصدقات والأوقاف فهو غلول وخيانة؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «لا تُقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول».\nقوله: «وكنتَ على البصرة» أي: وكنتَ يا ابن عامر واليًا على البصرة؛ فتعلقت بك أمور وتبعات، فكيف أدعو لك وأنت توليت ما توليت من أمور المسلمين، وحصل منك ظلم للرعية، فلا بد لك من التوبة- وكان معروفًا عنه الظلم - وإنما قال ابن عمر ذلك لابن عامر حثًّا له على التوبة، وزجرًا له عن ظلم الرعية، وإلا فلا بأس بالدعاء للفاسق، بل ويدعى للكافر، فإنه لما امتنعت دوس عن الدخول في الإسلام، فقالوا: يا رسول الله، إن دوسًا عصت وأبت، فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس، قال: «اللهم اهدِ دوسًا وأت بهم» (^٢)، فهداهم الله وأتى بهم، ودخلوا في الإسلام.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٧٠٧)، ومسلم (١١٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٩٣٧)، ومسلم (٤٥٢٤).","vol":"1","page":426},{"text":"[٢٢٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَخِي وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ، حَتَّى يَتَوَضَّأَ».\nهذا الحديث أخرجه البخاري- أيضًا- في صحيحه، وفيه دليل على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة وأن الصلاة لا تصح إلا بطهارة، وهذا إجماع من أهل العلم، فإذا صلى بغير طهارة ناسيًا فإنه يعيد ولا يعذر ولو بعد يوم، أو يومين؛ لأنها من باب الإيجاب، بخلاف النجاسة إذا كانت في الثوب أو في البدن، ثُمَّ نسيها وصلى، فالصواب أن الصلاة صحيحة ولا يعيد؛ لأن هذا من باب التروك.","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>بَاب صِفَةِ الْوُضُوءِ وَكَمَالِهِ</span>\n\n[٢٢٦] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁، دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ عُلَمَاؤُنَا، يَقُولُونَ: هَذَا الْوُضُوءُ أَسْبَغُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ أَحَدٌ لِلصَّلَاةِ.\nهذا الحديث في ذكر أسبغ وأكمل وضوء؛ لأن فيه غسل الأعضاء كلها ثلاث مرات فيغسل الكفين ثلاثًا، ثُمَّ يتمضمض ثلاثًا، ويستنشق ثلاثًا، ثُمَّ يغسل وجهه ثلاثًا، ثُمَّ يغسل يده اليمنى ثلاثًا، ثُمَّ يغسل يده اليسرى ثلاثًا، ثُمَّ يمسح رأسه مرة، وأذنيه مرة، ثُمَّ يغسل رجله اليمنى ثلاثًا، ثُمَّ يغسل رجله اليسرى ثلاثًا.\nوالمراد بالغسلة: التعميم، فإذا عمم العضو بغرفة فتعتبر هذه واحدة، وإذا لم يعممه بغرفة يأخذ غرفة ثانية فتكون غرفتين غسلة، وهذه تعتبر مرة واحدة.","vol":"1","page":428},{"text":"وقد جاء عن النبي ﷺ أنه توضأ: ثلاثًا ثلاثًا، وجاء عنه أنه توضأ: ثنتين ثنتين، غسل وجهه مرتين، ويده اليمنى مرتين، ويده اليسرى مرتين، ورجله اليمنى مرتين، ورجله اليسرى مرتين، وجاء نوع ثالث أن النبي ﷺ توضأ: مرة مرة، غسل وجهه مرة، ويده اليمنى مرة، ويده اليسرى مرة، ورجله اليمنى مرة، ورجله اليسرى مرة، أما الرأس فيمسح مرة واحدة ولا يكرر، وجاء عنه ﷺ نوع رابع أنه توضأ مُخالِفًا، يعني: غسل وجهه ثلاثًا، وغسل يده اليمنى مرتين وغسل رجله مرة، كل هذا جاء عن النبي ﷺ.\nوفي هذا الحديث دليل على أن من توضأ وأسبغ الوضوء، ثُمَّ صلى ركعتين يُقبل فيهما بقلبه على ربه ولا يحدث نفسه بشيء من الوساوس من أمور الدنيا يُغفر له ما تقدم من ذنبه، لكن هذا مشروط باجتناب الكبائر على الصحيح من أقوال أهل العلم، فإذا أدى الإنسان الفرائض واجتنب الكبائر كفرت الصغائر، وإن لم يجتنب الكبائر تبقى عليه الصغائر والكبائر، ويعطى حسنات بفعله هذا، ويبقى تحت مشيئة الله، كما قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾.\nوالكبائر هي التي توعد الله عليها بالنار، أو اللعنة، أو الغضب، أو وجب فيها حد في الدنيا؛ كالزنا والسرقة وشرب الخمر وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم والغيبة والنميمة، فهذه لا بد فيها من توبة، يقول الله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلًا كريمًا﴾، وقال ﵊ في حديث أبي هريرة الذي سيأتي: «الصلوات الخمس،","vol":"1","page":429},{"text":"والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبَ الكبائر»، وفي حديث آخر قال ﷺ: «ما لم تصب المقتلة» (^١)، والمقتلة: الكبيرة.\n\nوحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ، أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».\n\nفيه استحباب غسل الكفين ثلاثًا قبل الوضوء، كما في حديث عثمان أن النبي ﷺ غسل كفيه ثلاث مرار (^٢)، ومن المستحب قبل أن يتوضأ أن يسمي الله، والتسمية جاءت في أحاديث فيها ضعف (^٣) ولهذا ذهب الجمهور إلى أن التسمية مستحبة، وذهب الإمام أحمد إلى أنها واجبة مع التذكر؛ لأن أحاديث الباب يقوي بعضها بعضًا، فينوي- والنية محلها القلب- ثم يسمي، ثُمَّ يغسل كفيه ثلاث مرات، وهذا مستحب.\nأما إذا استيقظ من نوم الليل فهذا يتأكد فيه غسل الكفين، كما سيأتي تفصيله في بابه.\nوفيه استحباب تقديم المضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه، ولكن لو\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٦٠٥١)، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٣٠٠): ورجاله موثّقون.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٩)، ومسلم (٢٢٦).\n(^٣) أخرجه أحمد (١١٣٧١)، وأبو داود (١٠١)، وابن ماجه (٣٩٩)، وحسنه الألباني في الإرواء (٨١).","vol":"1","page":430},{"text":"غسل وجهه، ثُمَّ تمضمض واستنشق فلا حرج.\nوفيه: أن مسح الرأس لا يكرر، فيمسح مرة واحدة وما جاء أنه ثلَّث فضعيف (^١)، ويجزئه تعميم الرأس بالمسح على أي وجه، والسنة أن يبدأ بمقدم الرأس، ثُمَّ يرده إلى القفا، ثُمَّ يردهما إلى المكان الذي بدأ منه (^٢).\nوفيه أنه إذا صلى ركعتين بعد هذا الوضوء الذي أسبغه يقبل فيهما بقلبه على الله، ولا يحدث نفسه فيهما بشيء من أمور الدنيا، وفي لفظ آخر: «مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا غفر الله له» (^٣)، أي: مع اجتناب الكبائر، كما سيأتي.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤٣٦)، وأبو داود (١٠٧)، وقال الألباني في صحيح أبي داود (٩٥): حسن صحيح.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٥)، ومسلم (٢٣٥).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٣٤).","vol":"1","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>بَاب فَضْلِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ عَقِبَهُ</span>\n\n[٢٢٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ، وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ إِسْحَاق: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَهُوَ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ عِنْدَ الْعَصْرِ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا، لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، فَيُصَلِّي صَلَاةً، إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِيهَا».\nوحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ.\nقوله: «لولا آية من كتاب الله ما حدثتكم» أي: لولا الوعيد على كتمان العلم في هذه الآية ما حدثتكم: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾.\nوفيه أن الوضوء والصلاة من أسباب المغفرة، وأنه يُغفر له ما بين الصلوات إذا اجتنب الكبائر، فإذا صلى الظهر غفر الله له ذنوبه إلى صلاة العصر، وإذا صلى العصر غفر الله له ذنوبه إلى صلاة المغرب، وإذا صلى المغرب غفر الله ذنوبه إلى صلاة العشاء.\nقوله: «لا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَيُحْسِنُ» فيه أن الإيمان والإسلام شرط في","vol":"1","page":432},{"text":"صحة العبادة، فلو توضأ كافر فلا يعتد بوضوئه، وفيه شرط أن يحسن الوضوء، وإحسان الوضوء إسباغه وإكماله.\n«ثم يصلي المكتوبة» يعني: الفريضة، والرواية السابقة يصلي ركعتين وهي تشمل الفريضة والنافلة.\n\nوحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَكِنْ عُرْوَةُ يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانَ، أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ قَالَ: وَاللَّهِ لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا، وَاللَّهِ لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلَاةَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِيهَا»، قَالَ عُرْوَةُ الآيَةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿اللَّاعِنُونَ﴾.\n\nوهذا من فضل الله تعالى وإحسانه إلى عباده أن المسلم إذا توضأ وأحسن الوضوء، ثُمَّ صلى ركعتين غفر له ما تقدم من ذنبه.\nوفيه أن عثمان ﵁ والصحابة وأهل العلم إنما يبلغون الناس ما عندهم ولا يكتمونه، فأهل العلم أحرص الناس على تبليغ العلم ونشره، وأبعد الناس عن كتم العلم.\nوفيه الوعيد الشديد لمن كتم العلم، قال الله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما يشترون﴾ وهذه وإن كانت لبني إسرائيل فهي تشمل من كتم العلم من هذه الأمة، وورد في الحديث- وإن كان فيه ضعف-: «من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٧٥٧١)، وأبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٥١) وحسنه.","vol":"1","page":433},{"text":"وفيه أن من صفات الرابحين: العلم والعمل، ثُمَّ الدعوة والصبر، ولا بد من نشر العلم على حسب الحاجة، فإذا كان الناس محتاجين إليه ولم ينشره أثم، وكذلك إذا سئل وهو يعلم وكتم أثم، أما إذا قام غيره بنشر العلم فلا يأثم، لكن ينقص أجره إذا كان عنده علم؛ لذلك كان الصحابة يتدافعون الفتوى، وإذا أفتى واحد منهم أجزأ عن الباقين.\nقوله: «فيحسن الوضوء» أي: يأتي به تامًّا بكمال صفته وآدابه، وفيه الحث على الاعتناء بتعلم آداب الوضوء وشروطه، والعمل بذلك، والاحتياط فيه، والحرص على أن يتوضأ على وجه يصح عند جميع العلماء، ولا يترخص بالاختلاف؛ فينبغي أن يحرص على التسمية والنية والمضمضة والاستنشاق والاستنثار واستيعاب مسح جميع الرأس ومسح الأذنين، ودلك الأعضاء، والتتابع في الوضوء، وترتيبه، وغير ذلك.\nقال القاضي عياضٌ: «للباجي في الحديث الأول «لولا أنه» بالنون، وقد اختلف رواة الموطأ عن مالك في هذين اللفظين، واختلف تأويل العلماء في ذلك، ففي الأم قول عُروة: الآية قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا﴾، وعلى هذا لا تصح الرواية إِلَّا «لولا آية» بالياء» (^١).\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ١٦).","vol":"1","page":434},{"text":"[٢٢٨] حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، قَالَ عَبْدُ، حَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُثْمَانَ فَدَعَا بِطَهُورٍ، فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا، وَخُشُوعَهَا، وَرُكُوعَهَا، إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ، مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ».\n«دعا بطَهور» بفتح الطاء يعني: بماء يتطهر ويتوضأ به.\n«ما لم يؤتِ كبيرةً» وفيه تقييد تكفير الذنوب بعدم إتيان الكبيرة، والمعنى أنها تكفر الصغائر، أما الكبائر فلا بد لها من توبة؛ لقوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلًا كريمًا﴾، ولحديث: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتَنب الكبائرَ» (^١)، وهذه النصوص الثلاثة وأمثالها تقيد النصوص المطلقة التي فيها مغفرة الذنوب وتكفير السيئات، كالحديث السابق «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^٢)، وهذا مذهب الجمهور، وهو الصواب جمعًا بين النصوص، وعليه فإذا كان مرتكبًا لكبيرة، ثُمَّ فعل ما يوجب المغفرة، فإن ما فعله يُكفر الصغائر، أو يُكتب له حسناته، أما الكبائر فإنها تبقى عليه حتى يتوب، أو يعفو الله عنه، وقال بعض أهل العلم: إنها تكفر الكبائر والصغائر (^٣).\nوفيه تقييد المغفرة بإحسان وضوئها وخشوعها وركوعها.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٣٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٩)، ومسلم (٢٢٦).\n(^٣) انظر: فتح الباري (١٠/ ٣٤٦)، وإكمال المعلم (٢/ ١٨).","vol":"1","page":435},{"text":"قوله: «وذلك الدهر كله» أي: ما دام كلما توضأ أحسن الوضوء والركوع والخشوع، ولم يرتكب كبيرة، يكفر الله خطاياه الصغار ما دام يأتي بهذا القيد أبد الدهر.\n\n[٢٢٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- وَهُوَ الدَّرَاوَرْدِيُّ- عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَادِيثَ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ، وَمَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ نَافِلَةً»، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدَةَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ فَتَوَضَّأَ.\nقوله: «وَكَانَتْ صَلَاتُهُ، وَمَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ نَافِلَةً»، يعني غفر الله له بهذا الوضوء، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد زيادة في الأجر والثواب بحسنات تُكتب له في صحيفته.\n\n[٢٣٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ، وَأَبُو بَكْرِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي أَنَسٍ، أَنَّ عُثْمَانَ تَوَضَّأَ بِالْمَقَاعِدِ، فَقَالَ: أَلَا أُرِيكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَزَادَ قُتَيْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ أَبُو النَّضْرِ: عَنْ أَبِي أَنَسٍ، قَالَ: وَعِنْدَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nقوله: «عن أبي أنس» هو مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، وهو جد الإمام مالك بن أنس.","vol":"1","page":436},{"text":"[٢٣١] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيْعًا عَنْ وَكِيْعٍ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيْعٌ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ أَبِي صَخْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ، قَالَ: كُنْتُ أَضَعُ لِعُثْمَانَ طَهُورَهُ فَمَا أَتَى عَلَيْهِ يَوْمٌ، إِلَّا وَهُوَ يُفِيضُ عَلَيْهِ نُطْفَةً، وَقَالَ عُثْمَانُ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ انْصِرَافِنَا مِنْ صَلَاتِنَا هَذِهِ- قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهَا الْعَصْرَ- فَقَالَ: «مَا أَدْرِي أُحَدِّثُكُمْ بِشَيْءٍ، أَوْ أَسْكُتُ»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَ خَيْرًا فَحَدِّثْنَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَطَهَّرُ، فَيُتِمُّ الطُّهُورَ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَاتٍ لِمَا بَيْنَهَا».\n\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَا جَمِيعًا، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ، يُحَدِّثُ أَبَا بُرْدَةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فِي إِمَارَةِ بِشْرٍ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ، كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ»، هَذَا حَدِيثُ ابْنِ مُعَاذٍ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ غُنْدَرٍ: فِي إِمَارَةِ بِشْرٍ، وَلَا ذِكْرُ الْمَكْتُوبَاتِ.\n«يفيض»: يعني: يغتسل، من باب تفويض الوضوء.\n«والنطفة»: الماء القليل، والمعنى: لم يكن يمر عليه يوم إلا اغتسل فيه؛ محافظة على تكثير الطهر.\nوهذا فيه الفضل العظيم لعثمان.\nقوله: «فيتم الطهور الذي كتب الله عليه» فيه بيان أنه لو اقتصر على الوضوء الواجب كفاه، فلو اقتصر على مرة وعمم كل عضو مرة كفاه، وكان هذا من أسباب المغفرة.","vol":"1","page":437},{"text":"وفيه فائدة نفيسة: وهي أن هذا الفضل يحصل لمن أتى بالطهارة الواجبة وصلى الفروض المكتوبة، ولو ترك السنن والمستحبات، وإن كان الإتيان بالمستحبات والنوافل أشدَّ تكفيرًا للسيئات ورفعةً للدرجات.\nقوله: «في إمارة بشر» هو بشر بن مروان (^١)، وكان أمير العراق من قبل أخيه الخليفة عبد الملك بن مروان.\nقوله: «فَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ» وهذا من فضل الله على عباده أن الصلوات كفارة إذا اجتُنبت الكبائر، ولكن بشرط إسباغ الوضوء، والإتيان بالصلاة على وجهها الشرعي الصحيح مع الخشوع فيها.","vol":"1","page":438},{"text":"[٢٣٢] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: تَوَضَّأَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَوْمًا، وُضُوءًا حَسَنًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ، لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، غُفِرَ لَهُ مَا خَلَا مِنْ ذَنْبِهِ».\n\nوحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ الْحُكَيْمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيّ حَدَّثَهُ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَاهُ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُمَا عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَصَلَّاهَا مَعَ النَّاسِ، أَوْ مَعَ الْجَمَاعَةِ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ».\n\n«لا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ» يعني: لا يدفعه ويبعثه من مكانه إلا الصلاة، فما خرج من بيته إلا للصلاة، وهذا فيه معنى عظيم.\nوقوله: «ما خلا»: أي: ما مضى من ذنبه.","vol":"1","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>بَاب الصَّلَوَاتِ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ</span>\n\n[٢٣٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيل، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ مَوْلَى الْحُرَقَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الصَّلاةُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ».\n\nحَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ».\n\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أَبِي صَخْرٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ إِسْحَاق مَوْلَى زَائِدَةَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ».\n\nمن ميزات صحيح مسلم: أنه يسوق الحديث برواياته وطرقه في مكان واحد، وهذا من حسن الصناعة، وفيه فوائد عظيمة؛ إذ يتبين بجمع الطرق الزيادة والنقص ويتضح به بعض المشكل، أو يتقوى الحديث بجمع طرقه المتعددة، ويقيد بهذه الطريقة المطلق، كما ورد في هذا الباب، والبخاري امتاز عَنْ مسلم بالقوة والصحة والتراجم العظيمة التي فاق بها غيره.","vol":"1","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>بَاب الذِّكْرِ الْمُسْتَحَبِّ عَقِبَ الْوُضُوءِ:</span>\n\n[٢٣٤] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ رَبِيعَةَ يَعْنِي ابْنَ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الإِبِلِ، فَجَاءَتْ نَوْبَتِي، فَرَوَّحْتُهَا بِعَشِيٍّ، فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ»، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا أَجْوَدَ هَذِهِ؟ فَإِذَا قَائِلٌ بَيْنَ يَدَيَّ، يَقُولُ: الَّتِي قَبْلَهَا أَجْوَدُ، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا عُمَرُ، قَالَ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ جِئْتَ آنِفًا، قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُبْلِغُ، أَوْ فَيُسْبِغُ الْوَضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ».\nوحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، وَأَبِي عُثْمَانَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ بْنِ مَالِكٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».\nفيه أن من توضأ وأسبغ الوضوء، ثُمَّ صلى ركعتين أقبل فيهما بقلبه وووجهه على الله كان هذا سببًا لتكفير ذنوبه، وهذا فضل عظيم وفي لفظ آخر: «لا يحدث فيهما نفسه بشيء» (^١)، أي: فلا يكون فيهما\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٠٦)، والنسائي (٨٥).","vol":"1","page":441},{"text":"وساوس ولا خواطر تشغله فيقبل بقلبه ووجهه على ربه، أما الصلاة التي تخالطها الوساوس والتي لا يدري صاحبها ما يقول فلا تكون سببًا لتكفير السيئات؛ إذ ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها.\nوهذا الحديث من أحاديث الرجاء، فمن توضأ وأحسن الوضوء، ثُمَّ قال هذا الذكر: «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله»، وفي لفظ آخر: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» إذا فعل ذلك فُتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء. وهذا اللفظ أبلغ وأوفى من اللفظ في الرواية السابقة وفيه زيادة «وحده لا شريك له».\nوجاء في رواية الترمذي بسند لا بأس به «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين» (^١) فيستحب أن يقوله، وجاء- أيضًا- في لفظ: «سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك» (^٢).\n\nمسألة: ما ضابط إسباغ الوضوء؟\nوالجواب: ورد ضابط إسباغ الوضوء في حديث عثمان: «أنه دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرار، فغسلهما، ثُمَّ أدخل يمينه في الإناء، فمضمض، واستنشق، ثُمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار ...» (^٣)، فالإسباغ: هو إبلاغ الماء إلى مواضعه، ويغسل كل عضو ثلاث مرات.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٥٥).\n(^٢) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (٨١، ٨٣)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٣٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٥٩).","vol":"1","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>بَاب فِي وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ</span>\n\n[٢٣٥] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الأَنْصَارِيِّ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: تَوَضَّأْ لَنَا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَكْفَأَ مِنْهَا عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، مَرَّتَيْنِ، مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nوحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: الْكَعْبَيْنِ، وحَدَّثَنِي إِسْحَاق بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، وَلَمْ يَقُلْ: مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَأَقْبَلَ بِهِمَا، وَأَدْبَرَ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، وَغَسَلَ.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، بِمِثْلِ إِسْنَادِهِمْ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ، وَقَالَ- أَيْضًا-: فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِهِ، وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، قَالَ بَهْزٌ: أَمْلَى عَلَيَّ وُهَيْبٌ هَذَا الْحَدِيثَ، قَالَ وُهَيْبٌ: أَمْلَى عَلَيَّ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى هَذَا الْحَدِيثَ مَرَّتَيْنِ.","vol":"1","page":443},{"text":"فيه جواز المخالفة بين أعضاء الوضوء في عدد الغسلات، فيغسل بعضها ثلاثًا، وبعضها مرتين، وبعضها مرة، إلا الرأس فإنه يمسح مرة واحدة، فقد غسل وجهه ثلاثًا، وغسل يديه مرتين، ولكن الأكمل أن يغسل وجهه ثلاثًا ويديه ثلاثًا وهكذا.\nوفيه أنه توضأ واستنشق من كف واحدة، وهذا هو السنة، فيأخذ كفًّا ويتمضمض منه ويستنشق باليمين، ثُمَّ يستنثر بيده اليسرى، ويستحب أن يفعل ذلك ثلاث مرات، وإذا فعلها مرة واحدة كفى، وإن تمضمض من كفٍّ، واستنشق من كفٍّ أخرى فلا حرج، ولكن السنة أن يتمضمض ويستنشق بغرفة واحدة كما ورد.\nوالسنة في مسح الرأس أن يبدأ بمقدم رأسه، ثُمَّ يذهب بهما إلى قفاه، ثُمَّ يردهما إلى المكان الذي بدأ منه، وهذا يعتبر مرة واحدة، وإن عكس فلا بأس، وإن مسح بيد واحدة من جميع الجهات فلا بأس.","vol":"1","page":444},{"text":"[٢٣٦] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ. ح وحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَأَبُو الطَّاهِرِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ حَبَّانَ بْنَ وَاسِعٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيَّ يَذْكُرُ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ فَمَضْمَضَ، ثُمَّ اسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، وَالأُخْرَى ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدِهِ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ.\nهذا فيه أنه غسل كل عضو ثلاثًا، وسكب على رجليه حتى أنقاهما، والثلاث هي الأفضل، وهذا هو الإسباغ.\nقوله: «ثم أدخل يده» هكذا وقع في صحيح مسلم بلفظ الإفراد، وكذا في أكثر روايات البخاري، ووقع في رواية للبخاري في حديث عبد الله بن زيد هذا «ثم أدخل يديه» (^١)، وفي صحيح البخاري- أيضًا- من رواية ابن عباس ﵄: «ثم أخذ غرفةً فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى» (^٢)، فغسل اليدين له أنواع أخرى كأن يدخل يديه في الإناء، أو يغسل يده ويصب على الأخرى، وإن غسل بيد واحدة فلا بأس، ولكن إذا أفرغ على الأخرى يكون أبلغ في الغسل، أو يأخذ بيده اليمنى ويفرغ على اليسرى، ثُمَّ يمسح وإن أخذ بيد واحدة فلا بأس، ولكن الغالب بيد واحدة لا يبلغ.\nورد في رواية البيهقي: «فأخذ لأذنيه ماء خلاف الماء الذي أخذ لرأسه». (^٣)\n_________\n(^١) قال الحافظ ابن حجر: «قوله: ثم أدخل يده فغسل وجهه، بين في هذه الرواية تجديد الاغتراف لكل عضو، وأنه اغترف بإحدى يديه، وكذا هو في باقي الروايات، وفي مسلم وغيره، لكن وقع في رواية ابن عساكر وأبي الوقت من طريق سليمان بن بلال الآتية: ثم أدخل يديه بالتثنية، وليس ذلك في رواية أبي ذر، ولا الأصيلي، ولا في شيء من الروايات خارج الصحيح»، فتح الباري (١/ ٢٩٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٤٠).\n(^٣) أخرجه البيهقي في الكبرى (١/ ١٠٧).","vol":"1","page":445},{"text":"وقال ابن حجر- في البلوغ-: «وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ: ومسح برأسه بماء غير فضل يديه، وهو المحفوظ». (^١)\nوفيه أنه يستحب أخذ ماء جديد لمسح الرأس غير ما بقي في اليد من ماء غسل اليدين، وأما الأذنان فهما تبع للرأس، فهما كعضو واحد، وإن كان بعض العلماء يستحب أن يأخذ ماءً جديدًا للأذنين، لكن الصواب أنهما شيء واحد.\n_________\n(^١) بلوغ المرام حديث رقم (٤٢).","vol":"1","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>بَاب الإِيتَارِ فِي الِاسْتِنْثَارِ وَالِاسْتِجْمَارِ</span>\n\n[٢٣٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ جَمِيْعًا، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ وِتْرًا، وَإِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلِيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً، ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ».\nوفيه الأمر بالإيتار في الاستجمار، والأمر بالاستنشاق، ثُمَّ الاستنثار، والاستنثار غير الاستنشاق، فالاستنشاق هو أن يجذب الماء بطرف أنفه، والاستنثار هو أن يخرج الماء بيده اليسرى.\nأما الإيتار في الاستجمار فمحمول على الاستحباب؛ لما في الحديث الآخر: «من استجمر فليوتر، ومن فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج» (^١)، والاستجمار: هو مسح محل القبل أو الدبر بعد الغائط أو البول بالأحجار، والمراد بالإيتار: أن يكون عدد المسحات ثلاثًا أو خمسًا أو فوق ذلك من الأوتار.\nفإذا أراد أن يكتفي بالأحجار دون الماء فلا بد أن تكون ثلاثة أحجار فأكثر، بشرط أن تكون منقية، سواء كانت بالأحجار أو بالطين المتحجر أو بمناديل الورق، وأما الأثر اليسير الذي لا يزيله إلا الماء فهذا يعفى عنه، بشرط ألا يتجاوز الخارج موضع العادة، فلا ينتشر البول إلى حشفته، ولا ينتشر الغائط إلى الصفحتين، فإذا استجمر وأنقى بثلاث كان ذلك، وإن لم ينق بثلاث زاد رابعًا، فإن أنقى بالرابع فيستحب أن يزيد خامسًا حتى يستجمر وترًا، فإن لم ينق زاد حجرًا سادسًا فإن أنقى فيستحب أن يوتر،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٨٨٣٨)، وأبو داود (٣٥).","vol":"1","page":447},{"text":"ويأتي بحجر سابع، وإن لم يفعل فلا حرج.\nوأما إذا تجاوز الخارج موضع العادة، أو كان حجران فأقل فإنه لا يكفي الاستجمار بحجرين، ولا بد من الماء، وإن جمع بين الحجارة والماء فهو أفضل.\nقال النووي: «وقال بعض أصحابنا: يجب الإيتار مطلقًا؛ لظاهر هذا الحديث» (^١).\n\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرَيْهِ مِنَ الْمَاءِ، ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ».\n\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ».\n\nحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ. ح وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يَقُولَانِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِهِ.\n\n«فَلْيَسْتَنْشِقْ» فيه الأمر بالاستنشاق، وتمسك به القائلون بوجوب الاستنشاق في الوضوء والغسل، وهم الحنابلة.\nفي هذا الحديث أمران نبويان: لكن أحدهما محمول على الاستحباب، وهو\n_________\n(^١) شرح صحيح مسلم (٣/ ١٢٦).","vol":"1","page":448},{"text":"الاستجمار كما تقدم، والثاني: استدل به الظاهرية على وجوب الاستنثار.\nوأما قوله ﷺ: «فليجعل في أنفه ماءً، ثُمَّ لينتثر» ففيه دلالةٌ ظاهرةٌ على أن الاستنثار غير الاستنشاق.\nقوله: «لينتثر» فيه متمسك لأحمد وإسحاق على وجوب الاستنشاق في الوضوء والغسل، والجمهور على أن ذلك من السنن فيهما متمسكين فيه بأن فروض الوضوء محصورة في آية الوضوء، بدليل قول النبي ﷺ للأعرابي: «فتوضأ كما أمرك الله» (^١) وليس في الآية ذكر الاستنشاق، وبدليل أنه قد صح عن النبي ﷺ أنه اقتصر في وضوئه على الأعضاء الأربعة، ولم يزد عليها، وذلك يدل على أن غيرها من الأعضاء ليس فعله بواجب، وبدليل أن المأمور به حقيقةً في قوله: «ثم لينتثر» هو الاستنثار، وليس بواجب بالاتفاق.\nواستدل الموجبون- أيضًا- بالرواية الأخرى «إذا توضأ فليستنشق بمنخريه من الماء، ثُمَّ لينثر» (^٢) وفيها دلالةٌ ظاهرةٌ على وجوب الاستنشاق، ولكن حمله على الندب محتملٌ؛ ليجمع بينه وبين الأدلة الدالة على الاستحباب، والله أعلم.\nوهذا عمدة أحكامنا في قولهم بحصر الوضوء في ستة، فإن النية مفهومة من قوله تعالى: ﴿إذا قمتم﴾ أي: إذا أردتم القيام، والماء المطلق في قوله: ﴿ولم تجدوا ماء﴾، والأربعة الأعضاء نص عليها في الآية، وما عدا ذلك من أحكام الوضوء فمأخوذ من فعل رسول الله ﷺ، ومنها متأكَّد ويسمى سنةً، وغير متأكد ويسمى فضيلة، كما هو معروف في كتب أصحابنا.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٨٦١)، والترمذي (٣٠٢) وحسنه.\n(^٢) فتح الباري (١/ ٢٦٣).","vol":"1","page":449},{"text":"[٢٣٨] حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ، فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيَاشِيمِهِ».\n\n[٢٣٩] حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُوتِرْ».\n\nوهذا فيه أمر بالاستنثار ثلاثًا عند الاستيقاظ من نوم الليل؛ لقوله: «فإن الشيطان يبيت على خياشيمه»، والبيتوتة تكون بالليل، والأمر هنا للوجوب.\nمسألة: هل هذه الثلاث قبل الوضوء، أم في الوضوء؟\nوالجواب: ظاهره أنها قبل الوضوء وخارجة عن ماهيته، وقال بعضهم: لعل المراد بها الاستنثار في الوضوء إذا استيقظ، وقد يقال للحائض والنفساء إذا قامت من نومها لا تريد الصلاة حسن لها أن تستنثر ثلاثًا.\nوفيه أن الشيطان يبيت على خيشوم الإنسان على حقيقته، وما قاله بعضهم: إنه عبارة عن جراثيم وغير ذلك فهذا تأويل، والأصل الحقيقة، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، والخيشوم منفذ من المنافذ، كما ورد في الحديث: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب كل عقدة عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيبَ النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٤٢)، ومسلم (٧٧٦).","vol":"1","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>بَاب وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ بِكَمَالِهِمَا</span>\n\n[٢٤٠] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَأَبُو الطَّاهِرِ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالُوا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى شَدَّادٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَدَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَتَوَضَّأَ عِنْدَهَا، فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أَسْبِغِ الْوُضُوءَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ».\nوحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، حَدَّثَهُ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِه، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَأَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي، أَوْ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي سَالِمٌ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ، قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي جَنَازَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَمَرَرْنَا عَلَى بَابِ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَذَكَرَ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنِي نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا مَعَ عَائِشَةَ ﵂، فَذَكَرَ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nتوفي سعد بن أبي وقاص ﵁ في المدينة النبوية سنة خمس وخمسين من الهجرة النبوية، وهو آخر من مات من العشرة المبشرين بالجنة، ودفن في البقيع، وقد حضرت عائشة ﵂ صلاة الجنازة على سعد بن أبي وقاص في المسجد مع الناس، فلما أنكر بعض الناس صلاة الجنازة في المسجد قالت عائشة: «ما أسرع ما نسي الناس، ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل","vol":"1","page":451},{"text":"ابن بيضاء إلا في المسجد» (^١).\nدخل عبد الرحمن بن أبي بكر على عائشة أخته يوم وفاة سعد بن أبي وقاص فقالت له: يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ويل للأعقاب من النار»، ولما جاء النبي ﷺ إلى الصحابة وهم يتوضؤون عجالَى ليلحقوا الصلاة وأعقابهم تلوح نادى فيهم: «ويل للأعقاب من النار»، كما سيأتي.\nوالويل: شدة الهلاك والعذاب، والعقب: هو مؤخر القدم، وهذا فيه دليل على أن الإسباغ: الإتمام، وإمرار الماء على العضو كاملًا؛ ولهذا قالت: «أسبغ الوضوء» فالذي يترك شيئًا من الرجل أو أي عضو من الأعضاء ما أسبغ الوضوء، وفي لفظ «ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار» (^٢).\nوما ورد عن أسامة بن زيد قال: «دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال، ثُمَّ توضأ ولم يسبغ الوضوء، فقلت: الصلاة يا رسول الله» فقال: «الصلاة أمامك» فركب، فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء ...» (^٣)، أريد به الإسباغ الكامل وهو أن يغسل كل عضو ثلاث مرات، وليس المراد أنه ترك بعض أعضاء الوضوء دون غسل.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٧٣).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٧٧١٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٣٩)، ومسلم (١٢٨٠).","vol":"1","page":452},{"text":"[٢٤١] وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاق، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يسَافٍ عَنْ أَبِي يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ، تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ، فَتَوَضَّئُوا وَهُمْ عِجَالٌ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ، لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ، أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ».\nوحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ: أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، وَفِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي يَحْيَى الأَعْرَجِ.\n\nحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ﷺ فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ».\n\n[٢٤١] حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا لَمْ يَغْسِلْ عَقِبَيْهِ، فَقَالَ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ».\n\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يَتَوَضَّئُونَ مِنَ الْمِطْهَرَةِ، فَقَالَ: أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: «وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ».\n\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ».","vol":"1","page":453},{"text":"في هذا الحديث: الرد على من لم يرَ غسل الرجلين مثل الرافضة، وهذا من أبطل الباطل، وهو من المسائل العقدية التي خالفت فيها الرافضة أهل السنة والجماعة؛ ولهذا ذكرها العلماء في كتب العقائد، فإن أهل السنة يرون غسل الرجلين المكشوفتين والمسح عليهما إن كانتا في الخفين، أما الرافضة فلا ترى هذا ولا ذاك، وسيأتي تفصيل ذلك في باب المسح على الخفين.\n* * *","vol":"1","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>بَاب وُجُوبِ اسْتِيعَابِ جَمِيعِ أَجْزَاءِ مَحَلِّ الطَّهَارَةِ</span>\n\n[٢٤٣] حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ، فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفُرٍ عَلَى قَدَمِهِ، أَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ»، فَرَجَعَ، ثُمَّ صَلَّى.\nفي الحديث دليل على أن من ترك شيئًا من أعضاء الوضوء فلم يغسله فلا يعذر ولا تصح صلاته ولو كان جاهلًا؛ لأن هذا من باب الإيجاد، بخلاف النجاسة فلو صلى وفي ثوبه نجاسة جاهلًا أو ناسيًا صحت صلاته؛ لأن هذا من باب التروك، وفرق بين الإيجاد والتروك، أما الوضوء فهو من باب الإيجاد فلا بد منه إذا ترك شيئا من الوضوء أو صلى بغير وضوء ولو كان جاهلًا أن يعيد الوضوء والصلاة ولا يعذر بجهله.\nوفيه دليل على وجوب الموالاة بين أعضاء الوضوء، ومعنى الموالاة أن لا: يؤخر غسل عضو حتى يجف الذي قبله في الوقت المعتاد؛ لأن النبي ﷺ قال: «ارجع فأحسن وضوءك» ولم يقل له: ارجع واغسل اللمعة، وعلى هذا فينظر إن كان الوقت قريبًا ولم يطل الفصل؛ فإنه يغسل اللمعة، فإذا كانت اللمعة في يده غسلها، ثُمَّ مسح رأسه وغسل رجليه، وإن كانت اللمعة في رجله اليمنى غسلها، ثُمَّ غسل اليسرى، وإذا كانت اللمعة في رجله اليسرى غسلها واكتفى، أما إن طال الفصل فإنه يعيد الوضوء لفوات الموالاة.\nوعلى هذا تكون فروض الوضوء ستة: غسل الوجه، ثُمَّ غسل اليدين، ثُمَّ مسح الرأس، ثُمَّ غسل الرجلين والترتيب الخامس والموالاة السادس.","vol":"1","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>بَاب خُرُوجِ الْخَطَايَا مَعَ مَاءِ الْوُضُوءِ</span>\n(٣٦٥) -[٢٤٦] حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ، أَوِ الْمُؤْمِنُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ، كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ، خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاء، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ».\n(٣٦٦) -[٢٤٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيٍّ الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ».\nوهذا الحديث فيه فضل الوضوء وأنه من أسباب المغفرة لكن هذا مقيد باجتناب الكبائر كما سبق، فمن توضأ وغسل وجهه خرجت خطاياه التي نظر إليها بعينيه مع الماء، وإذا غسل يديه غفرت خطاياه التي بطشتها يداه، وإذا غسل رجليه غفرت خطاياه التي مشتها رجلاه، حتى يخرج نقيًّا من الذنوب.","vol":"1","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>بَاب اسْتِحْبَابِ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ</span>\n(٣٦٧) -[٢٤٧] حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ دِينَارٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد، قَالُوا: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ الأَنْصَارِيُّ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِنْ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ، فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ».\nوهذا الحديث فيه إسباغ الوضوء وإتمامه، وهذا أكمل الوضوء وأسبغه، وفيه أن النبي ﷺ غسل يديه اليمنى حتى أشرع في العضد حتى يتمكن من غسل المرفقين، ثُمَّ اليسرى كذلك، ثُمَّ غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق حتى تجاوز الكعبين، ثُمَّ غسل رجله اليسرى كذلك.\nوهذا أصرح دليل على أن المرفقين والكعبين داخلان في الوضوء والغسل وأنه لا بد منهما، وفيه دليل على أن (إلى) بمعنى (مع) في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ أي: مع المرافق، ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾.\nوقد تأتي (إلى) ويكون ما بعدها داخلًا فيها، كما في قوله تعالى: ﴿إلى الكعبين﴾ فالكعب داخل في الغسل، والمرفق داخل في الغسل،","vol":"1","page":457},{"text":"ومثله قوله تعالى في أموال اليتامى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ أي: لا تأكلوا أموالهم مع أموالكم، وقد يكون ما بعد (إلى) ليس داخلًا فيما قبلها مثل: قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ فالليل ليس فيه صيام.\nوهذا الوضوء الكامل من آثاره الغرة والتحجيل؛ ولهذا قال في رواية البيهقي: «أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء» (^١).\nوالغرة بياض في وجه الفرس، والتحجيل بياض في قوائمه، والمعنى: أن هذه الأمة تبعث يوم القيامة عليها علامات النور في وجوهها وأيديها وأرجلها علامةً وتمييزًا لها بين الأمم.\nوالراجح أن الوضوء ليس خاصًّا بهذه الأمة، وأنه عام، كما في الحديث: «هذا وضوئي ووضوء المرسلين من قبلي» (^٢)، وفي قصة سارة امرأة الخليل إبراهيم ﵇ أنها قامت تتوضأ (^٣)، لكن اختصت هذه الأمة بالغرة والتحجيل، فقد سئل النبي ﷺ: «كيف تعرف أمتك فيما بين الأمم» قال: «هم غر محجلون من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم يسعى بين أيديهم ذريتهم» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الكبرى (٣٦٣)، وأصله عند البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٤٠)، والدارقطني (٢٦٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٢١٧)، ومسلم (٢٣٧١).\n(^٤) أخرجه أحمد (٢١٧٣٧).","vol":"1","page":458},{"text":"(٣٦٨) -[٢٤٨] وحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى رَفَعَ إِلَى السَّاقَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ، فَلْيَفْعَلْ».\n(٣٦٩) -[٢٤٩] حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ جَمِيعًا عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ، لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ، وَلَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ، وَإِنِّي لَأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ، كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ، لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ».\nقوله ﷺ: «إِنَّ حَوْضِي» يدل على أن هذا الحوض خاص بنبينا محمد ﷺ وأمته، ولكل نبي من الأنبياء حوض.\nوفيه إثبات الحوض للنبي ﷺ، وأنه من أيلة الشام إلى عدن اليمن، طوله مسافة شهر، وعرضه مسافة شهر، وأوانيه عدد نجوم السماء، وهو أحلى من العسل، وأبرد من الثلج، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا (^١) نسأل الله من فضله.\nوفيه أنه يذاد عن حوضه الذين بدلوا وغيروا بعده، يذادون كما تذاد الإبل الغريبة.\nوالسمة: العلامة، مثل: قوله تعالى: ﴿سيماهم في وجوههم﴾.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦١٦٢).","vol":"1","page":459},{"text":"(٣٧٠) -[٢٥٠] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى وَاللَّفْظُ لِوَاصِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَرِدُ عَلَيَّ أُمَّتِي الْحَوْضَ، وَأَنَا أَذُودُ النَّاسَ عَنْهُ، كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ إِبِلَ الرَّجُلِ عَنْ إِبِلِهِ»، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتَعْرِفُنَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا، مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، وَلَيُصَدَّنَّ عَنِّي طَائِفَةٌ مِنْكُمْ، فَلَا يَصِلُونَ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، هَؤُلَاءِ مِنْ أَصْحَابِي، فَيُجِيبُنِي مَلَكٌ، فَيَقُولُ: وَهَلْ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ؟».\nقوله: «وَلَيُصَدَّنَّ عَنِّي طَائِفَةٌ مِنْكُمْ» فيه أنه يذاد عن الحوض قوم غيَّروا وبدَّلوا، كالمرتدين من الأعراب، «أعرفهم ويعرفوني» (^١)، فأقول: «يا ربِّ أصحابي أصحابي» (^٢) وفي لفظ آخر يقول: «ربِّ أُصيحابي أُصيحابي، فَلَيُقالَنَّ لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (^٣).\nوفي قوله: «وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟» دليل على أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، ويرد على من قال: إن الرسول ﷺ يعلم مفاتيح الغيب من الطوائف التي غلت، فهو لا يدري ما تعمله أمته من بعده، مثل الأعراب الذين ارتدوا وقاتلهم الصديق والصحابة وغير ذلك.\nمسألة: مَن الذين يذادون عن الحوض، وهل هم أهل البدع والمعاصي، أم غيرهم؟\nوالجواب: اختلف في ذلك العلماء، والأقرب أن أهل المعاصي والبدع الذين لا تصل بدعتهم إلى الكفر لا يذادون عن الحوض؛ لأنهم مؤمنون، وإنما يذاد عن الحوض المنافقون الذين كانوا مع المسلمين في الدنيا،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٨٣)، ومسلم (٢٢٩٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٢٩٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٣٠٤).","vol":"1","page":460},{"text":"والمرتدون، والكفار الذين يكفِّرون الصحابة ويفسِّقونهم وقد زكَّاهم الله، فهم مكذِّبون لله، ويعبدون آل البيت فهؤلاء الرافضة لا شك أنهم يذادون عن الحوض، وأما الخوارج فهم عند الجمهور مبتدعة، وكفَّرهم بعض العلماء.\nوقال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر: «كلُّ من أحدث في الدين ما لا يرضاه الله ولم يأذن به فهو من المطرودين عن الحوض؛ كالخوارج والروافض وأصحاب الأهواء، وكذلك الظلمة المترفون في الجور وطمس الحق وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستخِفُّون بالمعاصى، وجميع أهل الزيغ والأهواء والبدع، فكُلّ هؤلاء يخافُ عليهم أن يكونوا ممن عُنُوا بهذا الخبر، ولا يخلد في النار إلا كافر جاحد ليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان» (^١).\n_________\n(^١) التمهيد، لابن عبد البر (٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣).","vol":"1","page":461},{"text":"(٣٧١) -[٢٥١] وحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ حَوْضِي لَأَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَذُودُ عَنْهُ الرِّجَالَ، كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الإِبِلَ الْغَرِيبَةَ عَنْ حَوْضِهِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَتَعْرِفُنَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا، مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ».\n(٣٧٢) -[٢٥٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ جميعا عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى الْمَقْبُرَةَ، فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا»، قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ»، فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ، مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟»، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا، مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي، كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ، أَلَا هَلُمَّ؟ فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا، سُحْقًا».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ. ح وحَدَّثَنِي إِسْحَاق بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ جَمِيعًا عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبُرَةِ، فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ»، بِمِثْلِ حَدِيثِ إِسْمَاعِيل بْنِ جَعْفَرٍ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ مَالِكٍ: فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي.","vol":"1","page":462},{"text":"الفرط: السابق، وهو الذي يتقدم القوم ليعد لهم الماء، ففرطكم يعني: متقدمكم، وقوله: «سُحْقًا، سُحْقًا» أي: بعدًا بعدًا.\nوفيه أن الصحابة يسمون أصحابًا وإخوانًا، وأما من يأتون من بعدهم فيسمون إخوانًا، وليسوا أصحابًا، فالصحبة خاصة بالصحابة والأخوة لمن بعدهم.\nوفيه استحباب هذا الدعاء للموتى عند المرور بالمقبرة، وإذا دخل عليهم يسلم.","vol":"1","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>بَاب تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوَضُوءُ</span>\n(٣٧٣) -[٢٥٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا خَلَفٌ يَعْنِي ابْنَ خَلِيفَةَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، فَكَانَ يَمُدُّ يَدَهُ حَتَّى تَبْلُغَ إِبْطَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا هَذَا الْوُضُوءُ؟ فَقَالَ: يَا بَنِي فَرُّوخَ، أَنْتُمْ هَاهُنَا، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ هَاهُنَا مَا تَوَضَّأْتُ هَذَا الْوُضُوءَ، سَمِعْتُ خَلِيلِي ﷺ يَقُولُ: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ، حَيْثُ يَبْلُغُ الْوَضُوءُ».\nوهذا يدل على أن أبا هريرة فعل ذلك باجتهاده، أما فعل النبي ﷺ فإنه يغسل يده حتى يشرع في العضد، ويغسل رجله حتى يشرع في الساق، كما ورد في الباب السابق، فهذا هو السنة، وأما ما فعله أبو هريرة باجتهاده فإنه لا يستحب.\nقوله: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ» الحلية: ما يُتحلى به من الذهب والفضة للتزين والتجمل، ومنه تحلي المرأة بالذهب والفضة في يديها ورجليها وعنقها وأذنيها، والمراد: أن المؤمن في الجنة تبلغ حليته التي يتحلى بها في الجنة في يديه ورجليه حيث يبلغ الوضوء، قال تعالى: ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤًا﴾، فأراد أبو هريرة أن يزيد من الوضوء حتى تزيد حليته في الجنة، وأهل الجنة جرد مرد مكحلون، ليس لهم لحى طول الواحد منهم ستون ذراعًا (^١)، وجاء في حديث آخر: «سبعة أذرع» وفيه ضعف (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢١٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٠٠٦).","vol":"1","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>بَاب فَضْلِ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ</span>\n(٣٧٤) -[٢٥٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ».\nهذا حديث عظيم يبين فيه النبي ﷺ ما يحصل به تكفير السيئات، ورفع الدرجات، فيدفع الله عنه شر الخطايا وآثارها بمحوها، وأما الدرجات فيحصِّل بها الإنسان مرضاة الله، ويتحصل بها على الثواب العظيم.\nقوله: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ» أي: إبلاغه مواضعه على وصف الشدة والكراهة؛ بأن يكون الماء باردًا في الشتاء، وكذلك إذا كان الماء حارًّا، فإن الإنسان يشق عليه مس الماء البارد وكذلك الحار، فإذا أسبغ أو أبلغ أو خلَّل مابين الأصابع فإن هذا مما يكفر الله به السيئات، ويرفع به الدرجات.\nقوله: «وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ» المعنى: انتظار الصلاة بقبله، واهتمامه ومراقبته للصلاة حتى يعود إليها في المسجد إذا جاء وقتها، وليس المراد أنه يجلس في المسجد ويعطل أعماله وواجباته، والنبي ﷺ أفضل الخلق ما كان يجلس في المسجد، بل كان يخرج للدعوة إلى الله، وزيارة المريض، واتباع الجنائز، وزيارة بعض أصحابه، وقضاء حوائج أهله وحوائج الناس، بل لو جلس في المسجد وعطل الواجبات لكان آثمًا، بل إن هذا جريمة ومنكر.\nفانتظار الصلاة بعد الصلاة نوع من الرباط والمرابطة في سبيل الله،","vol":"1","page":465},{"text":"والمرابط في سبيل الله ليس ملازمًا للمكان، يذهب ليأكل، ويبيع ويشتري، ويقضي حوائجه، لكنه مستعد للدفاع عند الحاجة ومنتبه ومهتم ومراقب، وكذلك المنتظر للصلاة، ينتظرها بقلبه، وإن كان يخرج من المسجد لقضاء حوائجه وأداء الواجبات والمستحبات، وإذا جلس بين العشاءين في المسجد بعض الأحيان للتلاوة، أو لطلب العلم، فهذا نوع من المرابطة.\nحَدَّثَنِي إِسْحَاق بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ جَمِيعًا عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ ذِكْرُ: الرِّبَاطِ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ ثِنْتَيْنِ: «فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ».\nقوله: «فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» التكرار في هذه الرواية للتأكيد.","vol":"1","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>بَاب السِّوَاكِ</span>\n(٣٧٥) -[٢٥٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ»، وَفِي حَدِيثِ زُهَيْر: «عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ».\n«والسواك»: عود لين يشوص به الإنسان فاه، يدلك به فاه وطرف لسانه، وعود الأراك من أحسن وألين ما يتسوك به، وإلا فليس التسوك خاصًّا بعود الأراك، وقال بعض العلماء: إنه إذا لم يجد شيئًا تسوك ولو بإصبعه؛ لأن المقصود إزالة الرائحة.\nقوله: «لأمرتهم بالسواك» أي: لأمرتهم أمر إيجاب، وإلا فقد أمرهم ﷺ بالسواك أمر استحباب، وحثهم عليه.\nوفيه فضيلة السواك، وأنه مستحب ومتأكد عند الصلاة، وعند الوضوء، وعند دخول البيت، وعند الاستيقاظ من النوم، وعند تغير رائحة الفم، وروى أحمد بسند جيد: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب» (^١)، أي: يرضي الله، ويطهر الفم بإزالة الرائحة الكريهة.\nوذكر العلماء للسواك فوائد كثيرة تزيد على مائة فائدة، منها: أنه يذكر الشهادة عند الموت (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٤٢٠٣).\n(^٢) الطب النبوي، لابن القيم (ص ٢٤٣).","vol":"1","page":467},{"text":"(٣٧٦) -[٢٥٥] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَرٍ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ.\n(٣٧٧) -[٢٥٥] حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ، بَدَأَ بِالسِّوَاكِ.\nوهذا يدل على تأكد استعمال السواك عند دخول البيت.\n(٣٧٨) -[٢٥٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلَانَ وَهُوَ ابْنُ جَرِيرٍ الْمَعْوَلِيُّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ.\nوهذا من محبته ﷺ للسواك، بل إنه كان آخر فعله ﷺ قبل أن تخرج روحه إلى بارئها، قالت عائشة: «دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي ﷺ وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به، فأبدَّه رسول الله ﷺ بصره، فأخذت السواك فقصمته، ونفضته وطيبته، ثُمَّ دفعته إلى النبي ﷺ فاستن به، فما رأيت رسول الله ﷺ استن استنانًا قط أحسن منه، فما عدا أن فرغ رسول الله ﷺ رفع يده أو إصبعه» ثم قال: «في الرفيق الأعلى» «ثلاثًا، ثُمَّ قضى» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤٣٨).","vol":"1","page":468},{"text":"(٣٧٩) -[٢٥٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ لِيَتَهَجَّدَ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ.\nوفيه أن السواك مشروع عند الصلاة وعند القيام من النوم، ويتسوك- أيضًا- عند التهجد، وهو القيام لصلاة الليل بعد النوم.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَقُولُوا: لِيَتَهَجَّد.\n(٣٨٠) -[٢٥٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ، وَحُصَيْنٌ، وَالأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ.\nقوله: «يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ»: أي: يدلك فمه وأسنانه بالسواك.","vol":"1","page":469},{"text":"(٣٨١) -[٢٥٨] حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَخَرَجَ فَنَظَرَ فِي السَّمَاء، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ فِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَيْتِ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ اضْطَجَعَ، ثُمَّ قَامَ فَخَرَجَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَتَلَا هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ رَجَعَ فَتَسَوَّكَ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى.\nوفي هذا الحديث استحباب قراءة هذه الآيات العشر الأخيرة من سورة آل عمران ﴿إن في خلق السموات والأرض﴾ إلى قوله: ﴿فقنا عذاب النار﴾، وفي رواية: أنه ختمها إلى آخر السورة: ﴿يا أيها الذين آمنوا واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ (^١).\nوفيه تكرار قراءة هذه الآيات إذا كرر القيام من الليل؛ لأنه ﷺ قام فقرأ الآيات، ثُمَّ توضأ وتسوك وصلى، ثُمَّ نام، ثُمَّ قام فقرأ الآيات وتسوك وصلى، وفيه تكرار التسوك عند الاستيقاظ من النوم.\nوالظاهر من الحديث: أنه ينظر إلى السماء أثناء التلاوة؛ لأن فيه تطبيقًا للآيات: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾، فينظر إلى السماء، وينظر إلى الأرض، وينظر إلى الليل، وهذا هو الجمع بين القراءة والعمل بالمعنى، وهذا هو التدبر، وهذا مطلوب في جميع القرآن في هذه الآيات وغيرها، قال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾، وقال تعالى: ﴿كتاب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥٧٠)، ومسلم (٧٦٣).","vol":"1","page":470},{"text":"أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب﴾.\nمسألة: هل الأفضل التسوك باليد اليمنى، أم باليسرى؟\nوالجواب: اختلف في ذلك أهل العلم، فبعضهم يرى التسوك باليد اليمنى؛ لأنه من باب التجمل، وسيأتي معنا شرح قول عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يحب التيمن في شأنه كله، في نعليه، وترجله، وطهوره»، وبعضهم يرى التسوك باليد اليسرى؛ لأنه إزالة أذى، وهذا هو الأقرب.","vol":"1","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>بَاب خِصَالِ الْفِطْرَةِ</span>\n(٣٨٢) -[٢٥٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جميعا، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ، أَوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ، الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ».\nقوله: «الفطرة» هي السنة والدين والتوحيد، قال تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾.\nوقوله: «خمس من الفطرة»، وفي رواية ستأتي: «عشر من الفطرة»، أي: من الدين ومن الإسلام، وهي سنن فطر الله الناس على استحسانها والعمل بها.\nهذه الخمس، أو العشر من الفطرة بعضها واجب وبعضها مستحب، فالختان واجب في حق الذكور مستحب في حق الإناث في أصح أقوال أهل العلم، و«الختان»: هو قطع قطعة الجلد التي تغطي الحشفة من ذكر الرجل، وكذلك قطعة الجلد التي هي أعلى فرج الأنثى، وهو سنة في حق الرجال والنساء عند الجمهور، وإذا ترك ختان الأنثى فلا حرج على الصحيح، أما الذكر فإنه يجب عند البلوغ، ويستحب كونه في الصغر؛ لأنه أسرع وأبرأ، ولأنه إذا بقيت الجلدة فإنها تحمل شيئًا من البول، وقد وقع الإجماع على أنه مشروع للرجال والنساء.\nوأما «الاستحداد»: فهو حلق شعر العانة الذي ينبت حول الفرج من قُبُل الذكر والأنثى، وسمي استحدادًا؛ لأنه تُستخدم فيه الحديدة، وهي الموسى، وإذا أزاله بشيء من الأدهان فلا بأس، لكن الأفضل أن يكون","vol":"1","page":472},{"text":"الاستحداد بالموسى.\nوأما بشأن الإبط فالأفضل أن يكون بالنتف؛ لأنه شعر رقيق خفيف، وإذا نتف الإنسان مرة بعد مرة وتعود عليه صار خفيفًا سهلًا، وإذا صعب عليه وأزاله بشيء آخر فلا بأس.\nوأما قص الشارب وإعفاء اللحية فسيأتي تفصيل القول فيهما.\n(٣٨٣) -[٢٥٩] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الِاخْتِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ».\n(٣٨٤) -[٢٥٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ كلاهما عَنْ جَعْفَرٍ، قَالَ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً.\nقوله: «وقَّت لنا» يعني: أن الحد الأقصى في ترك حلق العانة وتقليم الأظفار وقص الشارب ونتف الإبط أربعين يومًا، فينبغي أن يتعهده ولا يتركه إلى الأربعين فلا يزيد على تلك المدة، وأما من تجاوز هذه المدة فالظاهر أنه يأثم أو يكره له كراهة شديدة؛ لأن هذا له حكم الرفع؛ لأن الموقت هو الرسول ﷺ، فالصحابي إذا قال: وقَّت لنا فالمراد رسول الله ﷺ.","vol":"1","page":473},{"text":"(٣٨٥) -[٢٦٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى».\n«أحفوا الشوارب» أي: قصوها، والحف يعني الأخذ منها حتى يبدو طرف الشفة العليا، والحف يكون بالمقص، ولا يكون بالموسى.\nوفيه دليل على وجوب قص الشارب، ووجوب إعفاء اللحية، كما سيأتي.\n(٣٨٦) -[٢٦١] وحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ أَمَرَ بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ، وَإِعْفَاءِ اللِّحْيَةِ.\n(٣٨٧) -[٢٦٢] حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى».\n(٣٨٨) -[٢٦٢] حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاق، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ مَوْلَى الْحُرَقَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا الْمَجُوسَ».\nوقد ورد في السنة ألفاظ عديدة تأمر بإعفاء اللحية، كهذا اللفظ: «َأَرْخُوا اللِّحَى»، واللفظ الذي في أول حديث في الباب: «أعفوا»، وورد: «أوفوا»، وجاء في صحيح البخاري: «وفروا» (^١)، وجاء في لفظ آخر: «وأرجوا» (^٢) قال\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٨٩٢).\n(^٢) قال القاضي عياض: «وفي رواية ابن ماهان أرجوا بالجيم وهو بعيد». مشارق الأنوار (٢/ ١٠٦)، وقال النووي: «قيل: هو بمعنى الأول، وأصله (أرجئوا) بالهمزة، فحذفت الهمزة تخفيفًا، ومعناه: أخروها واتركوها». شرح مسلم (١/ ٤١٨).","vol":"1","page":474},{"text":"القاضي عياض: \"وفي رواية ابن ماهان: (أرجوا) بالجيم وهو بعيد\" وقال النووي: \"قيل: هو بمعنى الأول، وأصله (أرجئوا) بالهمزة، فحذفت الهمزة تخفيفا، ومعناه: أخروها واتركوها\" (^١).\nفهذه خمسة ألفاظ، وكلها تدل على وجوب ترك اللحية، وتحريم الأخذ منها، وقد نقل ابن حزم (^٢) الإجماع على أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض.\nقوله: «جزوا الشوارب»، وقوله: «أحفوا» والحف يكون باستئصال الشعر فلا يبقى إلا أصوله، وليس في الحديث احلقوا؛ فلا ينبغي حلق الشارب بالماكينة، أو بالموسى، بل يكون بالمقص.\nقوله: «خالفوا المجوس» فيه أمر بمخالفة المجوس الذين يحلقون لحاهم ويتركون شواربهم، وقد ورد أن النبي ﷺ جاءه رجلان من الفرس قد حلقا لحيتيهما، وتركا شاربيهما، فقال: «من أمركما بهذا؟ !» قالا: أمرنا بهذا ربنا- يعنيان كسرى- قال ﷺ: «لكن ربي قد أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي» (^٣).\nوكثير من الناس في هذا الزمن يتشبهون بالمجوس فتجدهم يحلقون اللحى، ويتركون الشوارب! نسأل الله السلامة والعافية.\n_________\n(^١) مشارق الأنوار، للقاضي عياض (٢/ ١٠٦)، شرح مسلم، للنووي (١/ ٤١٨).\n(^٢) مراتب الإجماع (ص ١٥٧).\n(^٣) أخرجه ابن جرير في تاريخه (١/ ٦٥٥)، وأخرجه ابن بشران في أماليه (١٢٨).","vol":"1","page":475},{"text":"(٣٨٩) -[٢٦٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ».\nقَالَ زَكَرِيَّاءُ: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ: الْمَضْمَضَةَ، زَادَ قُتَيْبَةُ، قَالَ وَكِيعٌ: انْتِقَاصُ الْمَاءِ يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ. حَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَبُوهُ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ.\nوالعشر المذكورة في الحديث بعضها واجب، وبعضها مستحب.\nقوله: «انتقاص الماء» يعني: الاستنجاء بالماء؛ وهو واجب لا بد منه، والاستجمار داخل في الاستنجاء، وإذا استجمر بالأحجار فيكون بثلاث مسحات منقية فأكثر، بشرط ألا يتجاوز الخارج موضع العادة، وله أن يستنجي بالماء فقط، أو الحجر فقط، أو يجمع بينهما.\n«وغسل البراجم» البراجم: هي عُقد ومفاصل الأصابع، فيجب غسلها.\nوالسواك مستحب وليس بواجب، وأما المضمضة فهي واجبة في الوضوء والغسل، وإعفاء اللحية وقص الشارب واجب، وقص الأظافر واجب لتوقيت النبي فيه «أربعين ليلة»، ونتف الإبط كذلك واجب، وحلق العانة واجب- أيضًا.\nقوله: «وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ: الْمَضْمَضَةَ» وقد تكون الختان.","vol":"1","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>بَاب الِاسْتِطَابَةِ</span>\n(٣٩٠) -[٢٦٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ. ح وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَي وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ، أَوْ بِعَظْمٍ.\nفيه تحريم استقبال القبلة واستدبارها عند الغائط، أو البول في الصحراء، وتحريم الاستنجاء باليمين، وتحريم الاستنجاء برجيع دابة أو عظم، وتحريم الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار إذا أراد الاكتفاء بها عن الماء، أما من أراد أن يستنجي بالماء فله أن يستجمر بحجر أو بحجرين، ثُمَّ يتبعه بالماء كما مر مفصَّلا.\nقوله: «أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ، أَوْ بِعَظْمٍ» فيه النهي عن الاستجمار بالروث، أو العظم، وقد سأل أبو هريرة ﵁ رسول الله ﷺ فقال: «ما بال العظم والروثة؟ !» فقال: «هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين- ونعم الجن- فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم، ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعامًا» (^١).\nوفي رواية: «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ». فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا؛ فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٨٦٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (٤٥٠).","vol":"1","page":477},{"text":"(٣٩١) -[٢٦٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قَالَ لَنَا الْمُشْرِكُونَ: إِنِّي أَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ حَتَّى يُعَلِّمَكُمُ الْخِرَاءَةَ، فَقَالَ: أَجَلْ إِنَّهُ نَهَانَا أَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِيَمِينِهِ، أَوْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالْعِظَامِ، وَقَالَ: «لَا يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ».\n«الخراءة»: بكسر الخاء، ممدود مهموز، التخلي والقعود للحاجة؛ فهي اسم لهيئة الحدث، وأما نفس الحدث فهو الخراء فبحذف التاء وبالمد مع فتح الخاء وكسرها، والخرء بضم الخاء وسكون الراء العذرة (^١).\nقوله: «قَالَ لَنَا الْمُشْرِكُونَ: إِنِّي أَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ حَتَّى يُعَلِّمَكُمُ الْخِرَاءَةَ» يعني: علَّمكم نبيُّكم كل شئ حتى أحكام الاستنجاء والاستجمار!، فقال سلمان: «أجل علَّمنا رسول الله كيف نستنجي وكيف نستجمر، ونهانا عن استقبال القبلة واستدبارها، ونهانا أن نستنجي باليمين، ونهانا أن نستجمر بأقل من ثلاثة أحجار إذا اقتصر عليها، ونهانا أن نستنجي برجيع دابة، أو عظم»، كما في الحديث.\n(٣٩٢) -[٣: ١٥٢] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاق، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُتَمَسَّحَ بِعَظْمٍ، أَوْ بِبَعْرٍ.\nقوله: «ببعر» البعر: هو روث الدواب من الإبل والبقر والغنم.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٧)، لسان العرب (١/ ٦٥).","vol":"1","page":478},{"text":"(٣٩٣) -[٢٦٦] وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح قَالَ: وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، سَمِعْتَ الزُّهْرِيَّ يَذْكُرُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ، وَلَا غَائِطٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا، أَوْ غَرِّبُوا، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا، وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، قَالَ: نَعَمْ».\nفي هذا الحديث دليل على تحريم استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء عند قضاء الحاجة.\nوقوله: «وَلَكِنْ شَرِّقُوا، أَوْ غَرِّبُوا» هذا لأهل المدينة أما أهل نجد فيجنبِّون، أو يشملون؛ لأن جهة القبلة تختلف باختلاف المكان، والمعنى: وجوب الانحراف عن جهة القبلة.\nوقوله: «فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا، وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ» وهذا دليل على أن أبا أيوب ﵁ يرى المنع من استقبال القبلة، أو استدبارها في البنيان عند قضاء الحاجة، والصواب الذي تدل عليه أحاديث الباب أنه لا بأس باستقبال القبلة، أو استدبارها في البنيان؛ جمعًا بين هذا الحديث وحديث ابن عمر ﵄ قال: «رَقِيتُ عَلَى بَيْتِ أُخْتِي حَفْصَةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَاعِدًا لِحَاجَتِهِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ، مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ» (^١)، وكان هذا في البنيان، أما في الصحراء فهو ممنوع؛ ولهذا بوب البخاري في صحيحه باب: لا تُستقبل القبلة بغائط، أو بول، إلا عند البناء، جدار، أو نحوه (^٢)؛ وعلى هذا فأصح الأقوال: جواز استقبال القبلة واستدبارها في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٨)، ومسلم (٢٦٦).\n(^٢) صحيح البخاري (١/ ٤١).","vol":"1","page":479},{"text":"البنيان، وأنه لايجوز استقبال القبلة، أو استدبارها في الصحراء.\n(٣٩٤) -[٢٦٧] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا».\n(٣٩٥) -[٣: ١٥٣] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَلَمَّا قَضَيْتُ صَلَاتِي، انْصَرَفْتُ إِلَيْهِ مِنْ شِقِّي، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَقُولُ نَاسٌ: «إِذَا قَعَدْتَ لِلْحَاجَةِ تَكُونُ لَكَ، فَلَا تَقْعُدْ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَلَا بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَلَقَدْ رَقِيتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ، مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ».\n(٣٩٦) -[٢٦٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَقِيتُ عَلَى بَيْتِ أُخْتِي حَفْصَةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا لِحَاجَتِهِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ، مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ.\nوهذا الحديث هو الذي دل على جواز استقبال القبلة واستدبارها في البنيان عند قضاء الحاجة، وهو الصارف للنهي الوارد إلى الصحراء فقط.","vol":"1","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>بَاب النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ</span>\n\n[٢٦٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنَ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ».\n\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ، فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ».\n\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَنَفَّسَ فِي الإِنَاءِ، وَأَنْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَأَنْ يَسْتَطِيبَ بِيَمِينِهِ.\nوهذا الحديث يدل على تحريم هذه الأمور الثلاثة: مس الذكر باليمين أثناء البول، والتمسح من الخلاء باليمين، والتنفس في الإناء.\nفهو إذا مس ذكره بيمينه، أو تمسح من الخلاء بيمينه ربما وصله شئ من البول، واليد اليمنى للتكريم، وإنما يمس ذكره بيده اليسرى، ويستنجي بيده اليسرى؛ لأن اليد لليسرى للتنظف ونحوه، وكذلك نهى عن التنفس في الإناء؛ لأنه ربما خرج منه شئ فقذَّره على غيره، فإذا أراد أن يتنفس فإنه يزيل القدح ويبعده عن فمه، ثم يتنفس.\nقوله: «وَهُوَ يَبُولُ» أي: في وقت البول؛ لأن الواو للحال، وجملة «وهو يبول» جملة حالية، أما في غير حالة البول فالمحظور قد زال، فلا يحرم مس الذكر باليمين.","vol":"1","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>بَاب التَّيَمُّنِ فِي الطُّهُورِ وَغَيْرِهِ</span>\n\n[٢٦٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي طُهُورِهِ إِذَا تَطَهَّرَ، وَفِي تَرَجُّلِهِ إِذَا تَرَجَّلَ، وَفِي انْتِعَالِهِ إِذَا انْتَعَلَ.\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَشْعَثِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ، فِي نَعْلَيْهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ.\n«وَتَرَجُّلِهِ» أي: تسريح شعره، فإذا سرح شعره بدأ بالشق الأيمن، وإذا انتعل بدأ بالرجل اليمنى، وإذا تطهر يبدأ بيده اليمنى، وإذا لبس ثوبه بدأ باليد اليمنى، والخلع بالعكس.\n***","vol":"1","page":482},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>بَاب النَّهْيِ عَنِ التَّخَلِّي فِي الطُّرُقِ وَالظِّلَالِ</span>\n\n[٢٦٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ»، قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ».\nقوله: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ» اللاعنان: هما ما يتسببان في اللعن؛ لأن الناس يلعنون من يقضي حاجته في طريقهم، وفي ظلهم، والمعنى: أن الناس يلعنون من يفعل ذلك غالبًا، وليس المراد الإذن باللعن.","vol":"1","page":483},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>بَاب الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ مِنَ التَّبَرُّزِ</span>\n\n[٢٧٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ حَائِطًا، وَتَبِعَهُ غُلَامٌ مَعَهُ مِيضَأَةٌ هُوَ أَصْغَرُنَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ سِدْرَةٍ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجَتَهُ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا وَقَدِ اسْتَنْجَى بِالْمَاء.\n\n[٢٧١] وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَغُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ.\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنِي رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَبَرَّزُ لِحَاجَتِهِ، فَآتِيهِ بِالْمَاءِ فَيَتَغَسَّلُ بِهِ.\nقوله: «الخلاء»: المكان المعد لقضاء الحاجة، وأصل الخلاء: الصحراء التي ليس فيها أحد، ثُمَّ أطلقت على المكان المعد لقضاء الحاجة.\nوفي هذا الحديث أن من قضى حاجته فإن عليه أن يستنجي بالماء، أو يستجمر قبل أن يتوضأ؛ ولهذا يقول العلماء: لا يصح وضوء ولا تيمم قبل الاستنجاء أو الاستجمار، وقال بعض الفقهاء: إنه يجوز الاستنجاء بعد التوضؤ، فيضع على يده قفاز أو حائل فيستجمر أو يستنجي بعد الوضوء،","vol":"1","page":484},{"text":"لكن هذا التصرف لا ينبغي، والصواب أن على الإنسان أن يستنجي أويستجمر قبل الوضوء.\nولهذا كان النبي ﷺ يدخل الخلاء «مَعَهُ مِيضَأَةٌ» وهو إناء صغير فيه ماء ليستنجي به، وفي الحديث الثاني: «إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ» والإداوة: إناء صغير قد يكون من جلد، أو من غيره يوضع فيه الماء.\nقوله: «وَعَنَزَةً» وهي: عصا في طرفها حديدة يركزها في الأرض فتكون سترة له في الصلاة.\nقوله: «فَيَتَغَسَّلُ بِهِ» يعني: يستنجي به، فالمعنى: أنه لا بد من تنقية المحل بعد قضاء الحاجة، سواء أراد الوضوء والصلاة، أم لم يرد، فلو تركه فلم يستنج قد يصيب ثوبه شيء من النجاسة.","vol":"1","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>بَاب الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ</span>\n\n[٢٧٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامٍ، قَالَ: بَالَ جَرِيرٌ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقِيلَ: تَفْعَلُ هَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ.\nوحَدَّثَنَاه إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عِيسَى، وَسُفْيَانَ، قَالَ: فَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لأن إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ.\nقَالَ الأَعْمَشُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لأن إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ.\nوهذا الحديث فيه دليل على مشروعية المسح على الخفين؛ فإذا لبس الخفين، أو الجوربين فإنه يمسح عليهما بشروط، منها:\nأن يلبس الخفين على طهارة، وأن يكون الخف، أو الجورب ساترًا لمحل الفرض بأن يتجاوز الكعبين، وأن يكون ثخينًا يمكن تتابع المشي به، وأن يكون المسح في حدث أصغر، أما الجنابة فلا بد من خلع الخفين، كما في حديث صفوان بن عسال: «ولكن من غائط وبول ونوم» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٨٠٩١)، والترمذي (٩٦)، والنسائي (١٥٩)، وابن ماجه (٤٧٨)، وقال الترمذي: حسن صحيح.","vol":"1","page":486},{"text":"وفي الحديث رد على الرافضة الذين لا يرون المسح على الخفين؛ ولهذا أدخل العلماء هذه المسألة- وإن كانت تتعلق بالفروع والفقه- في كتب العقائد، يقولون: «ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر، كما جاء في الأثر» (^١)؛ لأن الرافضة لا يرون غسل الأقدام في الوضوء إذا كانتا مكشوفتين، ويرون مسح ظهور القدمين فقط، وإذا كان عليهما خفان وجب خلعهما ومسح ظهور القدمين؛ فهم يقولون: أعضاء الوضوء أربعة: اثنان تغسلان، وهما الوجه واليدان، واثنان تمسحان وهما الرأس والرجلان، واستدلوا بقراءة الجر في قوله تعالى: «فامسحوا برؤوسكم وأرجلِكم» وأجاب الجمهور عَنْ قراءة الجر بجوابين:\nالجواب الأول: أنها محمولة على المسح على الخفين، وقراءة النصب محمولة على غسل الرجلين المكشوفتين؛ لأن القراءة مع القراءة كالآية مع الآية.\nالجواب الثاني: أن قراءة الخفض إنما هي لمجاورة المخفوض مع أنها في الأصل منصوبة بدليل قراءة النصب، والعرب تخفض الكلمة لمجاورتها للمخفوض، وما ذكره بعضهم من أن الخفض بالمجاورة معدود من اللحن الذي يتحمل لضرورة الشعر خاصة، وأنه غير مسموع في العطف، وأنه لم يجز إلا عند أمن اللبس، فهو مردود بأن غير واحد من أئمة اللغة العربية قد صرح بجوازه.\nوالقراءة المشهورة في قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلَكم إلى الكعبين﴾ ﴿أرجلَكم﴾ بالفتح، فتكون ﴿وأرجلكم﴾ عطفًا على\n_________\n(^١) متن العقيدة الطحاوية (ص ٧٠).","vol":"1","page":487},{"text":"الأيدي والوجوه، والمعنى: فاغسلوا وجوهَكم وأيديَكم وأرجلَكم، وامسحوا برؤوسِكم، والله تعالى أدخل الممسوح بين المغسولات؛ لبيان وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء.\nوالكعبان عند أهل السنة: العظمان الناتئان على جانبي القدمين، وأما الرافضة فقالوا: ليس في كل رجل إلا كعب واحد وهو الذي في ظاهر القدم، ولكن هذا لا يسمى كعبًا في اللغة، فالكعب في اللغة هو الشيء البارز الناتئ، وسمي كعبًا لبروزه وهذا مذهب أهل السنة والجماعة.\nقوله: «قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة»، وذلك؛ لأن آية المائدة فيها آية الوضوء، وهي قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾، وجرير أسلم بعد نزول المائدة ومسَح على الخفين؛ فلو كان المسح قبل نزول المائدة لقال قائل: إن المسح على الخفين منسوخ بآية المائدة؛ لأن آية المائدة فيها الأمر بغسل الرجلين، فدلت رواية جرير على أن المسح على الخفين باقٍ، وحكمه غير منسوخ.\n\n[٢٧٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا فَتَنَحَّيْتُ، فَقَالَ: «ادْنُهْ»، فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ، فَتَوَضَّأَ، فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ.\nفيه جواز البول قائمًا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، كأن يكون المكان غير مناسب للجلوس لنجاسته، أو لا يأمن من رشاش البول، بشرط العناية بستر العورة والأمن من نظر أحد إليه، والبول قاعدًا أفضل،","vol":"1","page":488},{"text":"وهو غالب فعل النبي ﷺ كما قالت عائشة ﵂: «من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا» (^١).\nوالجواب عن هذا الاعتراض: أن من عَلِم فهو حجة على من لم يعلم، وإنما أخبرت ﵂ عما رأته يفعله ﷺ في البيوت، فأخبرت على حد علمها، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فحذيفة حفظ بأنه بالَ قائمًا وعائشة لم تعلمه، والجمع بين حديث حذيفة وبين قول عائشة: «ما كان يبول إلا قاعدًا» أن هذا محمول على الأحسن والأحوط والأفضل.\nقال النووي: «وقد روي في النهي عن البول قائمًا أحاديث لا تصح، ولكن حديث عائشة هذا ثابت؛ فلهذا قال العلماء: يكره البول قائمًا إلا لعذر، وهي كراهة تنزيه لا تحريم» (^٢).\nوحجة المانعين من البول قائمًا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال لعمر وقد رآه يبول قائمًا: «يا عمر لا تبل قائمًا» قال: «فما بلت قائمًا بعد» (^٣).\nواختلف العلماء في سبب كونه ﷺ بال قائمًا فقال بعضهم: إن هذا لوجع في صلبه، وأن العرب كانت تستشفي بالبول قائمًا من وجع الصلب، وقال آخرون: إنه لوجع بمؤدبه، والمؤدب هو باطن القدم فهو لا يستطيع الجلوس من هذا الوجع، وقال آخرون: إنه بالَ قائمًا؛ لأن المكان كان غير مناسب؛ لأن السباطة كانت مرتفعة فلو جلس لارتد البول عليه، وقال آخرون: إنه بالَ قائمًا؛ لأن البول قائم أحصن للدبر فلا يخرج منه شيء إذا كان قائمًا، أما إذا كان جالسًا فقد يخرج الحدث من الدبر، ولهذا قال عمر: «البول قائمًا أحصن للدبر» (^٤)، وقال آخرون: إنه بالَ قائمًا لبيان الجواز، وهذا هو\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٥٠٤٥)، والترمذي (١٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٦٦).\n(^٣) أخرجه الترمذي (١٢) معلقًا، ووصله ابن ماجه (٣٠٨).\n(^٤) أخرجه البيهقي في الكبرى (٤٩٨).","vol":"1","page":489},{"text":"الصواب، وبالجملة فالحديث دليل على جواز البول قائمًا إذا أمن من نظر أحد إلى عورته، ولو بال بدون حاجة؛ لفعله ﷺ الدال على الجواز.\nوفي الحديث جواز المسح على الخفين بعد الحدث؛ كبول أو غائط أو نوم أو أكل لحم جزور، أما الجنابة فلا بد في الغسل منها من خلع الخفين، كما تقدم.\nوقوله «ادنه» أي: اقترب، ويقف خلفه موليًا ظهره ووجهه إلى الجهة الأخرى، ليستره عن أعين الناس.\nوقوله: «إلى سباطة قوم» السباطة: ملقى القمامة والكناسة، فالكناسة تستره من أمامه، وحذيفة قائم خلفه يستره من الجهة الأخرى.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى، يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ، وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ، وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَانَ إِذَا أَصَابَ جِلْدَ أَحَدِهِمْ بَوْلٌ، قَرَضَهُ بِالْمَقَارِيضِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَوَدِدْتُ أَنَّ صَاحِبَكُمْ، لَا يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةً خَلْفَ حَائِطٍ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ، فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَجِئْتُ فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ، حَتَّى فَرَغَ.\nوهذا المنقول عَنْ أبي موسى ﵁ فلعله لم يبلغه حديث حذيفة ﵁.","vol":"1","page":490},{"text":"[٢٧٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَةُ بِإِدَاوَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ، فَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ.\nوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ: مَكَانَ حِينَ، حَتَّى.\nوحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَيَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ.\nفيه دليل على جواز إعانة المتوضئ، والصب عليه، وفيه المسح على الخفين، وجاء في لفظ آخر: «فأهويت لأنزع الخفين» فقال: «دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين» «فمسح عليهما» (^١)، فدل على أنه يشترط للمسح على الخفين أن يلبسهما على طهارة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٦).","vol":"1","page":491},{"text":"حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَشْعَثَ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، إِذْ نَزَلَ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ مِنْ إِدَاوَةٍ كَانَتْ مَعِي، فَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ.\nقوله: «ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ» أي: صب عليه للوضوء حين فرغ من حاجته بعد انفصاله عن موضع قضاء حاجته وانتقاله إلى موضع آخر.\nأما رواية: «حتى فرغ» (^١) فلعل معناها: أنه صب عليه في وضوئه حتى فرغ من الوضوء، فيكون المراد بالحاجة هنا الوضوء.\nوالمعاونة على الوضوء لها أحوال:\nالحالة الأولى: أن يعينه في الإتيان بالماء ويضعه عنده، فهذا لا كراهة فيه.\nالحالة الثانية: أن يعينه في أن يصب عليه الماء، وهذه- أيضًا- لا كراهة فيها، قال النووي: «وبعضهم كرهه، لكن لا وجه لهذه الكراهة» (^٢).\nالحالة الثالثة: أن يوضئه وضوءًا كاملًا، بأن ينوي المتوضئ الوضوء، ثُمَّ يغسل له وجهه ويديه، ويمسح له رأسه، ويغسل له يديه، وهذا يباح إذا كان مريضًا، وكذلك التيمم ينوي المريض التيمم، ثُمَّ ييممه، فيضرب بيديه الأرض، ويمسح له وجهه، ويمسح له على كفيه.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (١٢٤)، وابن ماجه (٥٤٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٦٨).","vol":"1","page":492},{"text":"وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: يَا مُغِيرَةُ، خُذْ الإِدَاوَةَ، فَأَخَذْتُهَا، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ، فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا، فَضَاقَتْ عَلَيْهِ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى.\nفي الحديث أدب من آداب قضاء الحاجة، وهو أنه ينبغي للإنسان إذا كان يقضي حاجته في البرية أن يبتعد عن الناس ويتوارى حتى ما يرآه أحد، فقد كان النبي ﷺ إذا قضى حاجته أبعد حتى لا يُرى، ولا يُسمع له صوت.\nوفي الحديث دليل على جواز لبس ما جاء من بلاد الكفار، فقد لبس جبة شامية جاءت من بلاد الشام، وبلاد الشام في ذلك الوقت كانت بلاد كفار، ولم تفتح في عهد النبي ﷺ.\nوفيه دليل- أيضًا- على جواز لبس شيء من ثياب الكفار بدون غسل ولا بأس بذلك؛ لأن الأصل في الثياب الطهارة، ولهذا لبس النبي ﷺ هذه الجبة الشامية من بلاد الشام وهي بلاد كفار ولم يغسلها.\nوفيه دليل على جواز لبس الضيق الكمين؛ لأن الجبة كانت ضيقة الكمين، وإن كان الواسع الكمين أولى وأسرع.","vol":"1","page":493},{"text":"وحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ جميعا عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، قَالَ إِسْحَاق، أَخْبَرَنَا عِيسَى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ تَلَقَّيْتُهُ بِالإِدَاوَةِ، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَغْسِلَ ذِرَاعَيْهِ، فَضَاقَتِ الْجُبَّةُ، فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، فَغَسَلَهُمَا، وَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى بِنَا.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ ابْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي مَسِيرٍ، فَقَالَ لِي: «أَمَعَكَ مَاء؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَمَشَى حَتَّى تَوَارَى فِي سَوَادِ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ، فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْهَا، حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ، فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا.\nقوله: «توارى في سواد الليل» أي: ليقضي حاجته بعيدًا عن أعين الناس.\nقوله: «أَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ» أي: أردت أن أخلع خفيه ليغسل الرجلين، فقال: «دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين» واستدل به العلماء على أنه يشترط في المسح على الخفين أن يدخلهما على طهارة، كما تقدم في أول الباب.\nوحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ وَضَّأَ النَّبِيَّ ﷺ فَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ: فَقَالَ: «إِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ».\nقوله: «وَضَّأَ النَّبِيَّ ﷺ» يعني: صبَّ عليه، فلا بأس إذا صبَّ عليه.","vol":"1","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>بَاب الْمَسْحِ عَلَى النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ</span>\nوحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيع، حَدَّثَنَا يَزِيدُ يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَخَلَّفْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ، قَالَ: «أَمَعَكَ مَاءٌ؟»، فَأَتَيْتُهُ بِمِطْهَرَةٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يَحْسِرُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَضَاقَ كُمُّ الْجُبَّةِ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ، وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى الْعِمَامَةِ، وَعَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ رَكِبَ، وَرَكِبْتُ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْمِ، وَقَدْ قَامُوا فِي الصَّلَاةِ يُصَلِّي بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ، فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقُمْتُ، فَرَكَعْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي سَبَقَتْنَا.\n«المطهرة»: بفتح الميم وكسرها، هي الميضأة، يعني: الإناء الصغير فيه ماء، فيسمى مطهرة، ويسمى ميضأة، ويسمى إداوة.\nوفيه جواز الاكتفاء بالاستجمار بالحجارة عن الماء، ولو مع وجود الماء، بشرط أن ينقي المستجمر المحل بثلاثة أحجار فأكثر؛ لقوله في الحديث: فلما قضى حاجته قال: «أمعك ماء؟»، فأتيته بمطهرة فتوضأ.\nوفيه مشروعية المسح على العمامة وعلى الناصية، فيمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام، إذا كانت العمامة محنكة، أي: أدارها على الحنك؛ لأنه يشق عليه نزعها، بشرط أن يلبسها على طهارة، بعكس الجبيرة التي تكون على الجرح؛ لأن الجرح ليس باختيار الإنسان قد يصاب وهو على غير طهارة، لذا لا يشترط أن تكون على طهارة على الراجح؛ ولذا","vol":"1","page":495},{"text":"خالف حكم الجبيرة حكم العمامة والخف.\nوكذلك لا يمسح على العمامة إذا كانت ذات ذؤابة، يعني: لها طرف على الخلف؛ لأنه لا يشق نزعها فينبغي نزعها ويمسح على الرأس، وكذلك العمامة الصماء، أي: التي ليست محنكة ولا ذات ذؤابة، مثل: العقال الذي يوضع على الرأس فهذه لا تمسح عليها، بل تخلع ويمسح على الرأس مباشرة؛ لأنه لا يشق نزعها.\nوفيه أنه إذا بدت الناصية مسح على العمامة وأكمل على الناصية، أما إذا كانت ساترة للناصية كفاه المسح على العمامة إذا كانت ساترة للمفروض.\nوفيه أن الإمام إذا تأخر عن المعتاد فلا يحبس الجماعة، بل يُقدمون أحدهم ويصلون؛ ولهذا لم ينكر النبي ﷺ على عبد الرحمن بن عوف أن صلى بالناس لما شق عليهم الانتظار، فلما سلموا ورأوا الرسول شق عليهم ذلك وحزنوا، فقال: «أحسنتم» (^١).\nوفيه أن الإمام إذا جاء وقد تقدم غيره فإن كان قد صلى بهم ركعة أو أكثر فيستحب ألا يتقدم، وإنما يصلي خلفه، أما إذا لم يكن قد صلى شيئًا من الصلاة، فهو بالخيار إن شاء تقدم وتأخر النائب ليكون أمامه كما فعل في قصة أبي بكر الصديق لما ذهب النبي ﷺ يصلح في بني عوف وتأخر، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: «أتصلي للناس فأقيم؟» قال: «نعم» فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله ﷺ، فأشار إليه رسول الله ﷺ: «أن امكث مكانك»، فرفع أبو بكر ﵁ يديه، فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثُمَّ استأخر أبو بكر\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٨١٦٠).","vol":"1","page":496},{"text":"حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله ﷺ، فصلى، فلما انصرف قال: «يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟» فقال أبو بكر: «ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ ...» (^١).\nأما إذا جاء الإمام وقد فاتته ركعة أو أكثر وأراد أن يتقدم فيأتي بالركعة التي فاتته وينتظرونه ويصلي بهم، لكن الأولى ألا يتقدم لكي لا يشوش على الناس فلا تختل صلاتهم.\nوفيه أنه إذا قام وهناك اثنان فاتتهم الصلاة وقاما يصليان ما فاتهما فالأفضل أن يصلي كل لنفسه كما فعل النبي ﷺ وعبد الرحمن بن عوف، ويجوز أن يأتم أحدهما بالآخر، لكنه خلاف الأولى.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨٤)، ومسلم (٤٢١).","vol":"1","page":497},{"text":"حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وَعَلَى عِمَامَتِهِ.\nوحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَكْرٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nوحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ جميعا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ التَّيْمِيِّ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ بَكْرٌ: وَقَدْ سَمِعْتَ مِنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى الْعِمَامَةِ، وَعَلَى الْخُفَّيْنِ.\n\n[٢٧٥] وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاق، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ بِلَالٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَالْخِمَارِ.\nوَفِي حَدِيثِ عِيسَى، حَدَّثَنِي الْحَكَمُ، حَدَّثَنِي بِلَالٌ، وحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ يَعْنِي ابْنَ مُسْهِرٍ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.\nقوله: «مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَالْخِمَارِ» المراد بالخمار: العمامة، وسميت خمارا لأنها تخمر الرأس أي تغطيه، ويطلق- أيضًا- الخمار على ما تغطي به المرأة رأسها لذلك قال عامر الشعبي: «أخبرني من سمع عليًّا، وسئل عن المسح على الخفين؟ فقال: نعم، وعلى النعلين، وعلى الخمار» (^١)، فلها أن تمسح على الخمار إذا كانت أدارته تحت حلقها فيكون حكمه حكم العمامة تمسح عليه يومًا وليلةً للمقيمة، وثلاثةَ أيامٍ للمسافرة.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٧٥٥).","vol":"1","page":498},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>بَاب التَّوْقِيتِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ</span>\n\n[٢٧٦] وحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَسَلْهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ، قَالَ: وَكَانَ سُفْيَانُ إِذَا ذَكَرَ عَمْرًا أَثْنَى عَلَيْهِ.\nوحَدَّثَنَا إِسْحَاق، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنِ الْحَكَمِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ الْحَكَمِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: ائْتِ عَلِيًّا، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنِّي، فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nفي هذا الحديث أرشدت عائشة ﵂ السائل إلى علي بن أبي طالب ﵁؛ لأن عليًّا يسافر مع النبي ﷺ فيعلم الأحكام في السفر، وهي تعلم الأحكام التي في البيوت، فأخبره أنه جعل للمسافر أن يمسح على خفيه ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يومًا وليلة.","vol":"1","page":499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>بَاب جَوَازِ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ</span>\n\n[٢٧٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ. ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ؟ قَالَ: «عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ».\nهذا الحديث يبين جواز أن تُصلى الصلوات الخمس كلها بوضوء واحد، وإن كان الغالب من فعل النبي ﷺ أنه كان يتوضأ لكل صلاة، والمقصود: أن النبي ﷺ فعل ذلك يوم الفتح؛ لبيان الجواز.","vol":"1","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>بَاب كَرَاهَةِ غَمْسِ الْمُتَوَضِّئِ وَغَيْرِهِ يَدَهُ الْمَشْكُوكَ فِي نَجَاسَتِهَا فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا ثَلَاثًا</span>\n\n[٢٧٨] وحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ؟».\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ، وَأَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ، قَالَ: يَرْفَعُهُ بِمِثْلِهِ، وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. ح وحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nهذا الحديث فيه الأمر بغسل الكفين ثلاثًا إذا استيقظ من نوم الليل قبل أن يدخلهما في الإناء، ودل على خصوصية هذا بنوم الليل قوله: «باتت يده» والبتوتة تكون بالليل، وهذا الأمر عند الجمهور للاستحباب، وذهب آخرون أنه للوجوب وهذا هو الصواب؛ لأن الأصل في الأمر أنه للوجوب، فيجب على الإنسان إذا استيقظ من نومه أن يغسل كفيه ثلاثًا قبل أن يغمسهما في الإناء، والعلة في ذلك «فإنه لا يدري أين باتت يده» فالإنسان حينما ينام ما يدري أين كانت يده؛ فقد يمس فرجه وقد يمس دبره وما أشبه ذلك، أما في","vol":"1","page":501},{"text":"غير الاستيقاظ من نوم الليل فيستحب غسلها قبل الوضوء ثلاثًا ولا يجب، فغسل اليدين ثلاثًا قبل الوضوء من نوم النهار مستحب.\nولو غمس يده في الإناء قبل أن يغسلهما ثلاثًا قال بعض أهل العلم: إن الماء إذا صار مستعملًا فلا يتوضأ به؛ لكونه طاهرًا غير طهور، والصواب أنه طاهر وطهور، لكنه خالف الأمر فيأثم إذا كان متعمدًا.\nوقال بعض أهل العلم كالنووي وغيره في مسألة ورود النجاسة على الماء: «ومنها الفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه، وأنها إذا وردت عليه نجسته، وإذا ورد عليها أزالها» (^١) وهذا ليس كذلك، بل الصواب أن الماء لا ينجس إلا إذا تغيرت أوصافه قليلًا كان أو كثيرًا، وأما حديث القلتين: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» (^٢) فهذا مفهومه أنه إذا لم يبلغ قلتين فإنه يحمل الخبث، وهذا المفهوم ملغى بمنطوق حديث أبي سعيد: «الماء طهور لا ينجسه شيء» (^٣)، وشرط العمل بالمفهوم ألَّا يعارضه منطوق صحيح.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٧٩)، المجموع شرح المهذب (١/ ١١٨)، فتح الباري (١/ ٢٧٦).\n(^٢) أخرجه أحمد (٤٩٦١)، وأبو داود (٦٣)، والترمذي (٦٧)، والنسائي (٥٢).\n(^٣) أخرجه أحمد (١١٢٥٧)، وأبو داود (٦٧)، والترمذي (٦٦)، والنسائي (٣٢٦).","vol":"1","page":502},{"text":"وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُفْرِغْ عَلَى يَدِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي إِنَائِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِيمَ بَاتَتْ يَدُه؟».\nوحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ يَعْنِي الْحِزَامِيَّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح وحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح وحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ مَخْلَدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح وحَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ، وَابْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَا جَمِيعًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي زِيَادٌ، أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ فِي رِوَايَتِهِمْ جَمِيعًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، كُلُّهُمْ يَقُولُ: حَتَّى يَغْسِلَهَا، وَلَمْ يَقُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: ثَلَاثًا، إِلَّا مَا قَدَّمْنَا مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، وَأَبِي رَزِينٍ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِمْ ذِكْرَ: الثَّلَاثِ.\nقوله: «فَلْيُفْرِغْ عَلَى يَدِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» أي: يغسل يديه ثلاثًا، وهذا عند إرادة الوضوء وهو من المستحبات عند الجمهور، ويتأكد عند الاستيقاظ من نوم الليل، وحمله بعض أهل العلم على الوجوب، كما تقدم.","vol":"1","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>بَاب حُكْمِ وُلُوغِ الْكَلْبِ</span>\n\n[٢٧٩] وحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ وَأَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيُرِقْهُ، ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ».\nوحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: فَلْيُرِقْهُ.\nوقوله ﷺ: «فليرقه» دليل على أن الماء القليل الذي في الأواني الصغيرة يتنجس بالنجاسة ويراق، بخلاف الماء الكثير فإنه لا ينجس إلا إذا تغيرت أحد أوصافه الثلاثة؛ لقوله ﷺ في حديث أبي سعيد: «الماء طهور لا ينجسه شيء» (^١)، وهذا اختيار شيخنا ابن باز ﵀، وقيل: بشذوذها.\nوفيه دليل على أن نجاسة لعاب الكلب نجاسة مغلظة، وبوله وعذرته من باب أولى، وأن الإناء إذا ولغ فيه الكلب فإنه يغسل سبع مرات.\nوإذا كان الكلبُ كلبَ صيدٍ فإنه يعفى عن لعابه إذا أصاب الصيد، وأثر عضته للصيد تزيلها النار فتقتل الجراثيم.\nوأما نجاسة لعاب الخنزير فهي كنجاسة الكلب مغلظة- أيضًا- فتغسل سبع مرات إحداهن بالتراب، وهذا مذهب الحنابلة وجماعة، قياسًا على الكلب، والقول الثاني: أنه لا يقاس عليه.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١١٢٥٧)، وأبو داود (٦٧)، والترمذي (٦٦)، والنسائي (٣٢٦).","vol":"1","page":504},{"text":"حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ».\nوحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ، أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ».\nقوله: «طهور إناء أحدكم» أي: تطهيره أن يغسل سبع مرات، وفيه أن الإناء المتنجس يكون تطهيره بالتراب؛ ففي هذه الرواية: «أولاهن بالتراب»، وفي الرواية السابقة: «وعفروه الثامنة بالتراب» وسماها ثامنة؛ لأنها غسلة مع الماء، وفي رواية أخرى: «إحداهن بالتراب» (^١)، والأولى أن يكون التراب في الغسلة الأولى حتى يزيل الترابَ الغسلُ الذي يأتي بعده.\nوفيه الرد على مالك والبخاري رحمها الله فيما ذهبا إليه من طهارة الكلب (^٢).\nمسألة: هل يجزئ غير التراب في التطهير، وما يقوم مقامه كالصابون والأشنان؟ والجواب: الراجح أنه لا بد من أن يغسل الإناء بالتراب، ولا يجزئه غير التراب؛ لأن لعاب الكلب فيه فيروسات وأمراض لا يزيلها إلا التراب، وهذا من معجزات النبي ﷺ؛ لأنه أمرٌ لا يُعلم إلا بالوحي.\n_________\n(^١) أخرجه الحميدي (٩٦٨)، وابن الجارود (٥٢).\n(^٢) فتح الباري (١/ ٢٧٨ - ٢٧٩)، المدونة (١/ ١١٥).","vol":"1","page":505},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ، أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ».\n\n[٢٨٠] وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ سَمِعَ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ الْمُغَفَّلِ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُهُمْ، وَبَالُ الْكِلَابِ»، ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبِ الْغَنَمِ، وَقَالَ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإِنَاءِ، فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ».\nوحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ. ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: مِنَ الزِّيَادَةِ، وَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الْغَنَمِ، وَالصَّيْدِ، وَالزَّرْعِ، وَلَيْسَ ذَكَرَ: الزَّرْعَ، فِي الرِّوَايَةِ غَيْرُ يَحْيَى.\nقوله: «ما بالهم وما بال الكلاب» دليل على أن الأمر بقتل الكلاب قد نُسخ؛ لأنه قد جاء في حديث عبد الله بن عمر ﵄: «أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب (^١)، ثم نهى عن ذلك، وقال: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها الأسود البهيم» (^٢»)، والأسود البهيم يعني: الخالص السواد، وأمر النبي ﷺ بقتل الكلب الأسود البهيم ذي النقطتين؛ لأنه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٢٣)، ومسلم (١٥٧٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٨٤٥)، والترمذي (١٤٨٦)، والنسائي (٤٢٨٠)، وابن ماجه (٣٢٠٥)، وقال الترمذي: حسن صحيح.","vol":"1","page":506},{"text":"شيطان (^١)، أما المؤذي من الكلاب فإنه يقتل، ولو لم يكن أسودَ، كالكلب العقور، والذي يعدو على الناس، أو يؤذيهم، وكذلك القط إذا كان يؤذي الناس ويأكل الحمام ونحو ذلك فيقتل.\nثم رخص في كلب الصيد والماشية والزرع (^٢)، فهذه الأنواع الثلاثة من الكلاب مستثناة من تحريم الاقتناء، وإن اقتنى الإنسان غيرها ينقص من أجره كل يوم قيراطان، كما جاء في الحديث: «من اقتنى كلبًا لا يغني عنه زرعًا، ولا ضرعًا نقص كل يوم من عمله قيراط» (^٣).\nولا يباع الكلب؛ لأن ثمن الكلب خبيث، ولو كان كلبَ صيد أو ما شابه، فكلب الصيد يُهدى ولا يباع، قال النبي ﷺ: «ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث» (^٤)، والخبيث معناه هنا: الحرام.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٧٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٣٢٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٣٢٣)، ومسلم (١٥٧٦).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٥٦٨).","vol":"1","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>بَاب النَّهْيِ عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ</span>\n\n[٢٨١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ.\n\n[٢٨٢] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ».\nوحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَبُلْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ تَغْتَسِلُ مِنْهُ».\nهذا الباب يفيد تحريم البول في الماء الراكد الذي لا يجري، فيحرم على الإنسان أن يبول فيه؛ لنهيه ﷺ، ولأن الأصل في النهي التحريم.\nوالحديث الأول مطلق، وليس فيه ما يقيده؛ لأن التبول فيه يقذِّره على الآخرين، فإذا بال في الماء الراكد وهو دون القلتين، أي: خمس قرب، أي: ما يقارب مائتي لتر بمقاييس الأحجام المعروفة الآن.\nقال أهل العلم: ولا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه، لكنه نهى عن البول فيه؛ لأن كثرة البول تؤدي إلى التنجيس، وعند الكثير من الفقهاء أنه إذا كان دون القلتين فإنه ينجس بمجرد البول فيه، سواء تغير، أو لم يتغير، كما تقدم تفصيل الخلاف في ذلك.\nوالمقصود: أنه يحرم على الإنسان أن يبول في الماء الراكد، أما الماء","vol":"1","page":508},{"text":"الذي يجري فلا بأس بالبول فيه؛ لأنه يجري ويذهب ولا يبقى، وفي الحديث الثاني: «لا تبل في الماء الراكد الذي لا يجري، ثُمَّ تغتسل منه» أي: فالبول في الماء الراكد حرام؛ لأن بوله فيه قد يؤدي إلى تنجيسه على نفسه وعلى غيره، لكن كونه يبول فيه، ثُمَّ يغتسل منه فهو أشد حرمة.","vol":"1","page":509},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>بَاب النَّهْيِ عَنِ الِاغْتِسَالِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ</span>\n\n[٢٨٣] وحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَأَبُو الطَّاهِرِ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى جَمِيعًا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، أَنَّ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ»، فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا.\nهذا الحديث فيه النهى عن الاغتسال في الماء الراكد وهو جنب؛ لأنه إذا انغمس فيه وهو جنب فقد يكون فيه أثر احتلام فيقذِّره على نفسه، أو على غيره، أما إذا اغتسل ليوم الجمعة، أو للتبرد فلا محظور فيه.","vol":"1","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>بَاب وُجُوبِ غَسْلِ الْبَوْلِ وَغَيْرِهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ إِذَا حَصَلَتْ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَّ الأَرْضَ تَطْهُرُ بِالْمَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى حَفْرِهَا</span>\n\n[٢٨٤] وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا، بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَعُوهُ وَلَا تُزْرِمُوهُ»، قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ، دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ. ح وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ جَمِيْعًا عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَذْكُرُ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا، قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَبَالَ فِيهَا فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَعُوهُ»، فَلَمَّا فَرَغَ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَنُوبٍ فَصُبَّ عَلَى بَوْلِهِ.\nهذا الحديث فيه دليل على أن بول الآدمي نجس؛ لأنه لو لم يكن نجسًا لما أمر النبي ﷺ بصب الماء عليه، وفيه دليل على أن النجاسة إذا وقعت على الأرض فإنها تُكاثَرُ بالماء، ولا يجب أن تُحجَّر ولا تحفر، خلافًا لأبي حنيفة الذي يقول: «إذا أصابت النجاسة الأرض الصلبة فتحفر البقعة التي أصابتها النجاسة وتلقى، أو يُحجَّر عليها» (^١).\nوإذا كان للنجاسة جِرم فإنه ينقل الجِرم ويزال أثره، ثُمَّ يصب على مكانها الماء كالعذرة، وقِطَع الدم.\n_________\n(^١) بدائع الصنائع، للكاساني (١/ ٨٩)، شرح معاني الآثار، للطحاوي (١/ ١٤).","vol":"1","page":511},{"text":"وفيه دليل على أن المساجد يجب أن تصان عن بول الآدمي، وعن سائر الأقذار، وفيه دليل- أيضًا- على حسن خلقه ﷺ، وأن الجاهل يُعلَّم برفق، وفيه ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما؛ فإن الأعرابي بال في المسجد وتنجست بقعة من المسجد فلو ترك النبي ﷺ الصحابة ليزجروه لقام، وإذا قام تنجست عدة مواضع من المسجد، وقد يلطخ ثيابه وفخذيه بالنجاسة، وقد يضر به صحيًّا عندما يقطع بوله، فالنبي ﷺ تلافى هذه المفاسدَ كلَّها، واحتمل المفسدة الصغرى لدفع المفسدة الكبرى.\n\n[٢٨٥] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَهُوَ عَمُّ إِسْحَاق، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَهْ، مَهْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُزْرِمُوهُ، دَعُوهُ»، فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ، لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ، وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ ﷿ وَالصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ»، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَأَمَرَ رَجُلًا مِنَ الْقَوْمِ، فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَشَنَّهُ عَلَيْهِ.\nقوله: «مَهْ، مَهْ» هي كلمة زجر.\nومن حسن خلقه ورحمته ﷺ: أن الصحابة لما أرادوا منعه، وفي رواية: «ليقعوا به» (^١)، فقال النبي ﷺ: «لا تزرموه» أي: اتركوه، ولا تقطعوا عليه بوله، فلما قضى بوله علَّمه النبي ﷺ برفق قال: «إن هذه المساجد لا تصلح\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦١٢٨).","vol":"1","page":512},{"text":"لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن».\nولما تكلم معاوية بن الحكم السلمي في الصلاة لما عطس رجل في الصلاة، وقال: الحمد لله، فقال له معاوية: يرحمك الله! فجعل الصحابة ينظرون إليه يسكتونه فقال: «واثكلى أمياه»، يعني: ما الذي فعلته؟! فجعل الصحابة يضربون أفخاذهم يسكتونه، فلما انتهى النبي ﷺ علَّمه، فقال معاوية ﵁: «فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله، ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني» قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن» (^١).\nقوله: «فَشَنَّهُ عَلَيْهِ» يعني: صبَّه عليه.\nوفيه دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يبدأ بالرفق واللين أولًا؛ لأن الأمر بالعنف والشدة يؤدي إلى العناد؛ ولهذا قال ﷾- في أهل الكتاب-: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم﴾.\nوفيه أن نجاسة البول لا تزول إلا بالماء المطلق، فلو غسلها بماء الورد، أو بماء عصير، أو بماء الشاي فلا تطهر، فكما أن الماء المطلق لا بد منه في الوضوء فكذلك لا تطهر الأرض التي أصابتها النجاسة إلا بالماء المطلق.\nوهذا الحديث من الأدلة التي ردت على الأحناف الذين ذهبوا إلى أن النجاسة تزول وتطهر بالشمس والريح (^٢)؛ لأنها لو كانت تزول بالشمس والريح لما أمر النبي ﷺ بصب الماء عليه، ولتركها حتى تيبس وتزول بالريح، أو تجف بالشمس.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٣٧).\n(^٢) حاشية ابن عابدين (١/ ٣١٠).","vol":"1","page":513},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>بَاب حُكْمِ بَوْلِ الطِّفْلِ الرَّضِيعِ وَكَيْفِيَّةِ غَسْلِهِ</span>\n\n[٢٨٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ، فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ، وَيُحَنِّكُهُمْ، فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَيْهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ.\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَبِيٍّ يَرْضَعُ، فَبَالَ فِي حَجْرِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ.\nوحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ.\n\n[٢٨٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِابْنٍ لَهَا، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، فَوَضَعَتْهُ فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ، قَالَ: فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ نَضَحَ بِالْمَاءِ.\nوحَدَّثَنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: فَدَعَا بِمَاءٍ، فَرَشَّهُ.\nوحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أُمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنٍ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلِ، اللَّاتِي بَايَعْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ أُخْتُ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ أَحَدُ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي: أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِابْنٍ لَهَا، لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَأْكُلَ","vol":"1","page":514},{"text":"الطَّعَامَ، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَتْنِي أَنَّ ابْنَهَا ذَاكَ، بَالَ فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَاءٍ، فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِهِ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلًا.\n«التحنيك»: هو أن يمضغ التمر ويدلك في حنك الصبي، وظاهر الحديث أنه سنة، فقد كان النبي ﷺ يؤتى بالصبيان فيحنكهم، ويدعو لهم بالبركة، وهذا خاص بالنبي ﷺ، أما الدعاء فهو عام فإذا دعي لولي الصبي، أو للمولود بالبركة فلا بأس فيه.\nوفيه دليل على أن بول الصبي الذي لم يأكل الطعام نجاسته مخففة يكفي فيها النضح بصب الماء عليه، ولا يجب غسله، فإذا أكل الصبي الطعام فلا بد من غسله ولا يكفي فيه النضح، وكذلك إذا كان يشرب من حليب صناعي يتغذى به.\nأما إذا كانت جارية فإنه لا بد من غسل بولها، كما قال في الحديث الآخر: «إنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأُنْثَى، وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذكر» (^٢).\nقال بعض أهل العلم في حكمة التفريق بينهما: أن بول الصبي يكون في مكانه لا ينتشر بخلاف بول الصبية فإنه ينتشر، وقال آخرون: إن الحكمة أن الناس يحبون الصبي فيأخذونه ويحملونه، فالبلوى تعم ببوله فخفف من أجل ذلك، بخلاف الصبية وقيل لغير ذلك من الحكم، والله أعلم.","vol":"1","page":515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>بَاب حُكْمِ الْمَنِيِّ</span>\n\n[٢٨٨] وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالأَسْوَدِ، أَنَّ رَجُلًا، نَزَلَ بِعَائِشَةَ، فَأَصْبَحَ يَغْسِلُ ثَوْبَهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّمَا كَانَ يُجْزِئُكَ إِنْ رَأَيْتَهُ أَنْ تَغْسِلَ مَكَانَهُ، فَإِنْ لَمْ تَرَ، نَضَحْتَ حَوْلَهُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرْكًا، فَيُصَلِّي فِيهِ.\nوحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ، وَهَمَّامٍ عَنْ عَائِشَةَ، فِي الْمَنِيِّ، قَالَتْ: كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ جَمِيعًا عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مُغِيرَةَ. ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ. ح وحَدَّثَنِي ابْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ مَنْصُورٍ وَمُغِيرَةَ، كل هؤلاء عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ، فِي حَتِّ الْمَنِيِّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ عَائِشَةَ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.\n\n[٢٨٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: سَأَلْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنِ الْمَنِيِّ، يُصِيبُ ثَوْبَ الرَّجُلِ، أَيَغْسِلُهُ، أَمْ يَغْسِلُ الثَّوْبَ؟ فَقَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَغْسِلُ الْمَنِيَّ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى أَثَرِ","vol":"1","page":516},{"text":"الْغَسْلِ فِيهِ.\nوحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَابْنُ أَبِي زَائِدَةَ كلهم عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، أَمَّا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ فَحَدِيثُهُ، كَمَا قَالَ ابْنُ بِشْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَغْسِلُ الْمَنِيَّ، وَأَمَّا ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ، فَفِي حَدِيثِهِمَا، قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\n\n[٢٩٠] وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنَفِيُّ أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الْخَوْلَانِيِّ، قَالَ: كُنْتُ نَازِلًا عَلَى عَائِشَةَ، فَاحْتَلَمْتُ فِي ثَوْبَيَّ، فَغَمَسْتُهُمَا فِي الْمَاءِ، فَرَأَتْنِي جَارِيَةٌ لِعَائِشَةَ، فَأَخْبَرَتْهَا، فَبَعَثَتْ إِلَيَّ عَائِشَةُ، فَقَالَتْ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ بِثَوْبَيْكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: رَأَيْتُ مَا يَرَى النَّائِمُ فِي مَنَامِهِ، قَالَتْ: هَلْ رَأَيْتَ فِيهِمَا شَيْئًا؟ قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: فَلَوْ رَأَيْتَ شَيْئًا غَسَلْتَهُ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لَأَحُكُّهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَابِسًا بِظُفُرِي.\nهذه الأحاديث تدل على طهارة المني؛ لأنه أصل الولد؛ ولهذا كانت عائشة تفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ فيصلي فيه، وفي حديث آخر قالت: «كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي ﷺ، فيخرج إلى الصلاة، وإن بقع الماء في ثوبه» (^١).\nقال العلماء: يستحب غسل المني الرطْب، وفرك اليابس من باب النظافة، وليس لكونه نجسًا، بل هو طاهر، بخلاف المذي فهو نجس، والمذي: ماء أصفر لزج يخرج عند اشتداد الشهوة، أو عند التفكر أو (النفكير) في الجماع، وأما الودْي فهو الذي يخرج بعد البول، وهو نجس- أيضًا.","vol":"1","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>بَاب نَجَاسَةِ الدَّمِ وَكَيْفِيَّةُ غَسْلِهِ</span>\n\n[٢٩١] وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ. ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، كَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ».\nوحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. ح وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ كلهم عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيد.\nهذا الحديث في حكم دم الحيض، وفيه أرشد النبي ﷺ إلى طريقة غسله، وهو أنْ تَحُتَّهُ، ثُمَّ تقرصه، ثُمَّ تنضحه بالماء، ومعنى تحتُّه يعني تحكُّه وتنحته بظفرها، أو بشي آخر حتى يزول الجِرم، ثُمَّ تقرصه أي: بأناملها حتى يتحلل، ثُمَّ تنضحه يعني: تغسله، وهذا يدل دلالة واضحة على أن دم الحيض دم نجس.\nوفيه دليل على أن الثوب إذا أصابته نجاسة يغسل مكان النجاسة فقط، ولا يغسل الثوب كله كما يفعله بعض الموسوسين، إلا إذا غسله من باب النظافة فلا بأس بذلك، ولو بقي لون النجاسة ما يضره إذا عجز عن إزالته، أما الرائحة فلا بد أن تزول كما ذكر في بعض الروايات في غسل دم الحيض قال النبي صلي الله عليه وسلم: «يكفيكِ الماءُ، ولا يضركِ أثره» (^١) فبقاء الأثر بعد الغسل لا يضر.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٨٧٦٧)، وأبو داود (٣٦٥).","vol":"1","page":518},{"text":"مسألة: من الدماء النجسة الدم المسفوح.\nكالذي يخرج من الذبيحة وقت الذبح، وكذا الذي يخرج من جسد الآدمي، إلا أن العلماء ذكروا أنه يعفى عن اليسير من الدم، كالذي يكون في العين أو اللثة أو بين الأسنان، أما الدم الذي يكون في اللحم، أو في العروق من الذبيحة فليس بنجس.","vol":"1","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ وَوُجُوبُ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْهُ</span>\n\n[٢٩٢] حَدَّثَنا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاق: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، قَالَ: فَدَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ، فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ، ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا».\nحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ، قَالَ: «وَكَانَ الآخَرُ لَا يَسْتَنْزِهُ عَنِ الْبَوْلِ، أَوْ مِنَ الْبَوْلِ».\nفي الحديث دليل على أن بول الآدمي نجس، وأنه يجب التحرز منه، وفيه دليل على أن عدم التنزه من البول من أسباب عذاب القبر، وأن النميمة- أيضًا- من أسباب عذاب القبر، وأنه واقع على الروح والبدن جميعًا، وكذلك نعيم القبر يكون للروح والبدن جميعًا، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافًا للمعتزلة القائلين بأن الروح هي التي تنعم وتعذب مفردة، وفيه الرد على منكري عذاب القبر، وفيه دليل على أن النميمة من الكبائر، قال ﷺ: «لا يدخل الجنة قتات» (^١) أي: نمام.\nوقوله: «لَا يَسْتَتِرُ من بوله» معناه: أنه يكشف عورته فلا يستتر عَنْ أعين الناس، أو لا يجعل بينه وبين بوله سترة، ولا يتحفظ منه ولا يتباعد عنه،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٥٦)، ومسلم (١٠٥).","vol":"1","page":520},{"text":"وهذا يدل على أن القليل من النجاسة والكثير سواء.\nوفي الرواية السابقة عند مسلم: «لَا يَسْتَنْزِهُ عَنِ البَولِ»، وفي لفظ: «لا يستبرئ من بوله» (^١) فهذه ثلاثة ألفاظ متقاربات جاء بها الحديث.\nواستُدل بظاهر هذا الحديث على نجاسة جميع الأبوال، حيث جعل (ال) للجنس فشملت أبوال الإبل والبقر والغنم، وهذا ليس بصحيح، فإن (ال) هنا للعهد، يعني: بول الآدمي المعهود، أما أبوال ما يؤكل لحمه فهي طاهرة، والدليل على هذا حديث أنس: «أن النبي ﷺ أمر العرنيين الذين اجتووا المدينة أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها ولم يأمرهم بغسل أفواههم» (^٢)، فدل على أنها طاهرة.\nأما إزالة النجاسة فإنها لا تحتاج إلى نية، فلو كانت النجاسة على الأرض ونزل المطر عليها وغَسَلها طَهُرت الأرض بدون نية، بخلاف الزكاة فإذا وجبت على الإنسان زكاة، وأداها عنه شخص فلا تصح؛ لأنها تحتاج إلى نية إلا إذا وكَّل إنسانًا في أدائها، فينوي الأداء عن الموكل.\nقوله: «فَدَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ، فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ» هذا من خصائص النبي ﷺ، وقال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا» ولا يقاس عليه غيره، أما ما روي عن بعض الصحابة أنه وضع جريدة فهذا من باب الاجتهاد.\nقوله: «وما يعذبان في كبير» قال بعض العلماء: أي: كبير في اعتقادهما، وإن كان كبيرًا عند الله، وقيل: ما يعذبان في كبير يشق عليهما الاحتراز منه، فليس التحرز عن هذا الأمر بالكبير الشاق عليهما.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٢٠٦٨)، وابن الجارود (١٣٠)، وابن جرير في تهذيب الآثار (٣٢٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٣٣)، ومسلم (١٦٧١).","vol":"1","page":521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>كِتَاب الحَيْضِ</span>","vol":"1","page":523},{"text":"كِتَاب الحَيْضِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>بَابُ مُبَاشَرَةِ الحَائِضِ فَوْقَ الإِزَارِ</span>\n\n[٢٩٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَأْتَزِرُ بِإِزَارٍ، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا.\n[خ: ٣٠٢]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ. ح، وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَأْتَزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا، قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟ .\n\n[٢٩٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ فَوْقَ الإِزَارِ وَهُنَّ حُيَّضٌ.\n[خ: ٣٠٣]\n- في هذا الحديث: أنه لا بأس للرجل أن يستمتع بزوجته إذا كانت حائضًا، والأحوط أن يأمرها بالاتزار ما بين السرة إلى الركبة؛ حتى يأمن من الدم، ويأمن- أيضًا- من أن تغلبه الشهوة.","vol":"1","page":525},{"text":"- واحتلف العلماء في جواز مباشرة الحائض تحت الإزار على قولين:\nالقول الأول- وهو الصواب-: أنه يجوز له أن يباشرها بدون إزار، لكن يتقي الفرج، كما سيأتي في حديث أنس ﵁: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ»، يعني: الجماع، ويكون الأمر بالاتزار محمولًا على الاستحباب.\nالقول الثاني: أنه لا يجوز له أن يباشرها إلا بإزار، وهذا أحوط وأفضل، خاصة إذا خشى الإنسان أن لا يملك نفسه، فيجب عليه والحالة هذه ألا يباشرها إلا يإزار.\n- وفيه: أن بدن الحائض وعرقها ولعابها طاهر، وأن لها أن تطبخ وتعجن وتغسل وتصنع كل شيء، فالنجاسة إنما هي مخصوصة بالدم فقط، خلافًا لليهود الذين كانوا لا يأكلون مع المرأة الحائض، ولا يجالسونها، ولا يؤاكلوها ولا بشاربوها، فقال النبي ﷺ- كما سيأتي-: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ، إِلَّا النِّكَاحَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ اليَهُودَ، فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا، إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ».","vol":"1","page":526},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>بَابُ الِاضْطِجَاعِ مَعَ الحَائِضِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ</span>\n\n[٢٩٥] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ كُرَيْبٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْطَجِعُ مَعِي وَأَنَا حَائِضٌ، وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ ثَوْبٌ.\n- في هذا الحديث: أنه لا بأس أن يضطجع الزوج مع امرأته الحائض، ويضع بينه وبين جسمها ثوبًا؛ حتى يأمن من الدم، وإن لم يضع فلا حرج عليه.\n\n[٢٩٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهَا قَالَتْ: بَيْنَمَا أَنَا مُضْطَجِعَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الخَمِيلَةِ، إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنَفِسْتِ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي، فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ، قَالَتْ: وَكَانَتْ هِيَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلَانِ فِي الإِنَاءِ الوَاحِدِ مِنَ الجَنَابَةِ.\n[خ: ٣٢٢]\n- في هذا الحديث: أن نساء النبي ﷺ كن يجعلن ثيابًا للحيض، وثيابًا للطهر، وهذا من باب الأفضل والأكمل، وإن كان يجوز لها أن تصلي في ثوب حيضها إن لم يكن فيه نجاسة، فإذا رأت في ثوبها نجاسة غسلته، ولها","vol":"1","page":527},{"text":"أن تصلي فيه بعد الغَسل.\n- وفيه: جواز اغتسال الرجل وزوجته في الإناء الواحد، ومعلوم أنهما في حالة الاغتسال يكونان عاريين، فيجوز للإنسان أن يغتسل عاريًا إذا لم يكن عنده أحد، كما سيأتي في بابه.","vol":"1","page":528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>بَابُ جَوَازِ غَسْلِ الحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا، وَتَرْجِيلِهِ، وَطَهَارَةِ سُؤْرِهَا، وَالِاتِّكَاءِ فِي حِجْرِهَا، وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ فِيهِ</span>\n\n[٢٩٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ، فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ البَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ.\n[خ: ٢٠٣١]\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أن عائشة- زوج النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: إِنْ كُنْتُ لَأَدْخُلُ البَيْتَ لِلْحَاجَةِ وَالْمَرِيضُ فِيهِ، فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إِلَّا وَأَنَا مَارَّةٌ، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ البَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا. وَقَالَ ابْنُ رُمْحٍ: إِذَا كَانُوا مُعْتَكِفِينَ.\nحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخْرِجُ إِلَيَّ رَأْسَهُ مِنَ المَسْجِدِ وَهُوَ مُجَاوِرٌ، فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ.\n[خ: ٢٠٣١]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ هِشَامٍ، أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَأَنَا فِي حُجْرَتِي، فَأُرَجِّلُ رَأْسَهُ وَأَنَا حَائِضٌ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا حَائِضٌ.\nقولها: «فَأُرَجِّلُه» الترجيل: تسريح الشعر وغسله.\nوقولها: «وهو مجاور»، يعني: وهو معتكف.","vol":"1","page":529},{"text":"يستفاد من هذه الأحاديث:\n١ - أن بدن الحائض طاهر؛ ولهذا كانت ﵂ تُرَجِّلُ شعره ﷺ وهي حائض.\n٢ - أنه لا ينبغي للمعتكف أن ينشغل بأمور الدنيا؛ فينبغي للمعتكف أن يخلو بربه، ولا يجعل مكان الاعتكاف مكانًا للتحدث، إلا ما كان قليلا فيعفى عنه، فقد ثبت أن النبي ﷺ كان يزوره بعض نسائه وهو معتكف، فيتحدث إليها، فعنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ أَنَّ صَفِيَّةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزُورُهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي المَسْجِدِ، فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ (^١).\n٣ - أن الإنسان إذا أخرج رأسه من المسجد فلا يعتبر خارجًا عنه، ولا يخل هذا باعتكافه، وعليه: فإذا حلف الإنسان أن لا يخرج من المسجد هذه الساعة- مثلًا- ثم أخرج يده، أو رجله، أو رأسه، لا يحنث؛ لأنه لا يعتبر خروجًا.\n٤ - أن المعتكف لا يخرج من معتكفه إلا لحاجة، من بول، أو غائط، أو غسل إذا لزمه غسل، وكذا الأكل والشرب إذا لم يكن عنده في المسجد من يأتي له بالأكل والشرب.\n٥ - أن المعتكِف لا يزور مريضًا، ولا يتبع جنازة إلا إذا اشترط.\n٦ - أن المعتكِف إذا دخل بيته وسأل عَنِ المريض وهو مارٌّ فلا يضر سؤاله، كما كانت عائشة ﵂، تفعله-كما تقدم- قَالَتْ: فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ، إِلَّا وَأَنَا مَارَّةٌ.\n٧ - أن النبي ﵊ كان يكرم شعره، وما كان يحلق شعر رأسه إلا في حج، أو عمرة، وكان يترك شعره حتى يكون وفرة ويكون جمَّة، وسئل الإمام أحمد عن اتخاذ الشعر، فقَالَ: «سنة حسنة، ولو أمكننا لا تخذناه»، وفي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١٠١).","vol":"1","page":530},{"text":"رواية أخرى: «لو كنا نقوى عليه لاتخذناه، ولكن له كلفة ومؤنة» (^١)، وفي الحديث: «مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ» (^٢).\nوحلق الشعر جائز: فقد فعله عمر ﵁، وأمر بحلق شعور بعض الناس إذا كان فيه فتنة، أو كان فيه تشبهًا ببعض الكفرة (^٣).\n٨ - جواز استخدام الزوجة للغسل والطبخ والخبز وغيره برضاها، ولو كانت شريفة، وعلى هذا تظاهرت دلائل السنة وأئمة السلف وإجماع الأمة، وأما بغير رضاها فلا يجوز؛ لأن الواجب عليها تمكين الزوجة من نفسها فقط، وهذا هو المقصود من عقد النكاح، وما زال المسلمون يستخدمون زوجاتهم، وعلى هذا جرت الأعراف، وكانت بنت النبي ﷺ فاطمة ﵂ تخدم زوجها عليًّا ﵁، وكانت تطحن، فشَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ سَبْيٌ فَانْطَلَقَتْ، فَلَمْ تَجِدْهُ، فَوَجَدَتْ عَائِشَةَ، فَأَخْبَرَتْهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْنَا، وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْتُ لِأَقُومَ، فَقَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمَا»، فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي، وَقَالَ: «أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَتُسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ» (^٤).\nوكذلك زوجةُ الزبيرِ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ، وَمَا لَهُ فِي الأَرْضِ مِنْ مَالٍ، وَلَا مَمْلُوكٍ، وَلَا شَيْءٍ، غَيْرَ نَاضِحٍ، وَغَيْرَ فَرَسِهِ، فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ، وَأَسْتَقِي المَاءَ، وَأَخْرِزُ غَرْبَهُ وَأَعْجِنُ، وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ، وَكَانَ يَخْبِزُ جَارَاتٌ لِي مِنْ الأَنْصَارِ، وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ، وَكُنْتُ أَنْقُلُ\n_________\n(^١) المغني، لابن قدامة (١/ ٦٦)، الآداب الشرعية، لابن مفلح (٣/ ٣٢٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤١٦٣)، والبيهقي في الآداب (٥٦٠).\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ٣١٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٢/ ٢١).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣١١٣)، ومسلم (٢٧٢٧).","vol":"1","page":531},{"text":"النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَأْسِي، وَهِيَ مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ، فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي، فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ الأَنْصَارِ، فَدَعَانِي، ثُمَّ قَالَ: «إِخْ إِخْ»، لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ، وَذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وَغَيْرَتَهُ، وَكَانَ أَغْيَرَ النَّاسِ، فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي قَدِ اسْتَحْيَيْتُ، فَمَضَى، فَجِئْتُ الزُّبَيْرَ، فَقُلْتُ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى رَأْسِي النَّوَى وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَنَاخَ لِأَرْكَبَ فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى كَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ، قَالَتْ: حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ يَكْفِينِي سِيَاسَةَ الفَرَسِ، فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٢٤)، ومسلم (٢١٨٢).","vol":"1","page":532},{"text":"[٢٩٨] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَاوِلِينِي الخُمْرَةَ مِنَ المَسْجِدِ»، قَالَتْ: فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ».\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ حَجَّاجٍ، وَابْنِ أَبِي غَنِيَّةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُنَاوِلَهُ الخُمْرَةَ مِنَ المَسْجِدِ، فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: «تَنَاوَلِيهَا؛ فَإِنَّ الحَيْضَةَ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ».\n\n[٢٩٩] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كَامِلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، نَاوِلِينِي الثَّوْبَ»، فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ، فَنَاوَلَتْهُ».\nقوله: «نَاوِلِينِي الخُمْرَةَ مِنَ المَسْجِدِ» الخُمرَةُ: المصلى الصغير من سعف النخل، تكون على قدر الوجه والكفين؛ سميت بذلك لأنها تخمِّر الوجه، أي: تستره، يضعها المصلي لتقيه الحر والبرد، فإذا كانت كبيرة تسمى حصيرًا.\nفي هذه الأحاديث: دليل على أن بدن الحائض طاهر؛ فلا بأس بمرور الحائض في المسجد، قال تعالى: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾، لكن المكث في المسجد هو الممنوع.\nقوله: «مِنَ المَسْجِدِ» قال القاضي عياض: «إن النبي ﷺ قال هذا وهو في المسجد؛ لتناوله إياها من خارج المسجد، لا أن النبي ﷺ أمرها أن تخرجها","vol":"1","page":533},{"text":"له من المسجد؛ لأنه ﷺ كان في المسجد معتكفًا، وكانت عائشة في حجرتها وهي حائض؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ»، فإنما خافت من إدخال يدها المسجد، ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنًى، والله أعلم» (^١).\nقال النووي: «وقد اختلف في متعلق الجار المجرور «مِنَ المَسْجِدِ»؛ فعلقته طائفة بـ «نَاوِلِينِي»، واستدلوا به على جواز دخول الحائض المسجد للحاجة تَعْرِض لها، إذا لم يكن على جسدها نجاسة، وأنها لا تُمنع من المسجد إلا مخافة ما يكون منها، وإلى هذا نحى محمد بن مسلمة من أصحابنا وبعض المتأخرين إذا استثفرت، ومتى خرج منها شيء لم تدخله.\nوعلقته طائفة أخرى على التقديم والتأخير، وعليه المشهور من مذاهب العلماء أنها لا تدخل المسجد لا مقيمة ولا عابرة؛ لقوله ﵊: «فَإِنِّي لَا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِحَائِضٍ، وَلَا جُنُبٍ» (^٢)، ولأنَّ حدثها أفحش من حدث الجنابة، وقد اتفق على أن الجنب لا يمكث فيه، وإنما اختلفوا في جواز عبوره فيه، والمشهور من مذاهب العلماء منعه، والحائض أولى بالمنع» (^٣).\nواستُدِلَّ بقوله تعالى: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾: على أن الصواب جواز عبور الحائض المسجد كالجنب، ولا بأس بذلك إذا أمنت تلويث المسجد، وكانت متحفظة، وظاهر الحديث يدل على أنه لا بأس بمرور الحائض في المسجد.\nوأما قول القرطبي: «الوضوء لا يرفع حدث الجنابة، وكل موضع وضع للعبادة وأكرم عَنِ النجاسة الظاهرة ينبغي ألا يدخله من لا يُرضى لتلك\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٣/ ٢٢٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٣٢)، وابن خزيمة (١٣٢٧)، والبيهقي في الكبرى (٤٣٢٣).\n(^٣) شرح مسلم، للنووي (٣/ ٢١٠ - ٢١١).","vol":"1","page":534},{"text":"العبادة، ولا يصح له أن يتلبس بها» (^١)، فهو قول مخالف للنص.\nوما ذُكر عن عطاء بن يسار أنه قَالَ: «كان رجال من أصحاب النبي ﷺ تصيبهم الجنابة، فيتوضؤون ويأتون المسجد فيتحدثون فيه» (^٢)؛ فهذا اجتهاد من بعض الصحابة رضوان الله عليهم، والأقرب المنع، كما قال الله تعالى: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾، فالمكث في المسجد ممنوع للجنب والحائض.\nوقوله: «تَنَاوَلِيهَا» فيه: دليل على أنها كانت في المسجد، وهي تأخذها من المسجد، فالروايات تفسر بعضها بعضًا، وهذا من فوائد الروايات المتعددة.\n\n[٣٠٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ، وَسُفْيَانَ عَنِ المِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ، فَيَشْرَبُ، وَأَتَعَرَّقُ العَرْقَ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ.\nوَلَمْ يَذْكُرْ زُهَيْرٌ: فَيَشْرَبُ.\nفي هذا الحديث: حسن خلقه ﵊، وإيناسه لأهله، فكانت عائشة ﵂- وهي حائض- تشرب من الإناء، فتناوله النبيَّ ﷺ، فيضع فمه مكان فمها، وكانت تتعرق العَرْقَ- وهو العظم الذي فيه بقية من لحم- ثم تناوله النبي ﷺ، فيضع فمه مكان فمها.\nوفيه: أن بدن الحائض ولعابها وعَرَقها طاهر، كما سبق قريبًا.\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٥/ ٢٠٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٥٥٧) عن زيد بن أسلم بنحوه.","vol":"1","page":535},{"text":"[٣٠١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَكِّيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ، فَيَقْرَأُ القُرْآنَ.\n\n[٣٠٢] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ اليَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي البُيُوتِ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ ...﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ، إِلَّا النِّكَاحَ»، فَبَلَغَ ذَلِكَ اليَهُودَ، فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا، إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ، فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اليَهُودَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، فَلَا نُجَامِعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا، فَخَرَجَا، فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمَا فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا.\nقوله: «يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ، فَيَقْرَأُ القُرْآنَ» فيه: أنه لا بأس بقراءة القرآن للمتكئ في حجر الحائض؛ لأن بدنها طاهر.\nوقوله: «فَلَا نُجَامِعُهُنَّ؟»، يعني: أفَلَا نُجَامِعُهُنَّ؟ على حذف حرف الاستفهام.\nوقوله: «لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا»، يعني: لم يغضب عليهما.\nوقوله: «إَنَّ اليَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ فِيهِمْ، لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي البُيُوتِ» في هذا دليل على تشدد اليهود، فإنهم كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجامعوها في البيوت، بل يجعلوها في غرفة خاصة مستقلة، ويعزلوها، فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عَنِ المحيض","vol":"1","page":536},{"text":"قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾، فقال النبي ﷺ: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ».\nوقوله: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ» فيه: أنه يجوز للإنسان أن يباشر زوجته الحائض، ولو بدون إزار، مع اجتناب الفرج.\nواختلف العلماء فيمن جامع زوجته الحائض هل عليه كفارة أو لا؟ على قولين:\nالقول الأول: ليس عليه شيء عند الجمهور، ولكنه ارتكب إثمًا وذنبًا عظيما، عليه التوبة والندم والاستغفار منه، وعدم العودة إليه.\nالقول الثاني: أن عليه كفارة مقدارها دينار، أو نصف دينار، واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَإِنْ كَانَ الدَّمُ عَبِيطًا فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ، وَإِنْ كَانَتْ صُفْرَةً فَلْيَتَصَدَّقْ بِنِصْفِ دِينَارٍ» (^١).\nولا تحل المرأة الحائض إذا طهرت لزوجها إلا بشرطين:\nالشرط الأول: انقطاع الدم.\nالشرط الثاني: الاغتسال.\nقال تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾، أي: حتى ينقطع الدم، ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، أي: فإذا تطهرن بالاغتسال.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣٤٧٣)، وأبو داود (٢١٦٨)، والترمذي (١٣٧)، والنسائي في الكبرى (٩٠٥٨)، وابن ماجه (٦٤٠)، والدارمي (١١٥١)، والدارقطني (٣٧٠٦).","vol":"1","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>بَابُ المَذْيِ</span>\n\n[٣٠٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَهُشَيْمٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُنْذِرِ بْنِ يَعْلَى- وَيُكْنَى أَبَا يَعْلَى- عَنِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ».\n[خ: ١٧٨]\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يعني: ابْنَ الحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ قَالَ: سَمِعْتُ مُنْذِرًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ المَذْيِ، مِنْ أَجْلِ فَاطِمَةَ، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «مِنْهُ الوُضُوءُ».\nوَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَرْسَلْنَا المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ عَنِ المَذْيِ يَخْرُجُ مِنَ الإِنْسَانِ، كَيْفَ يَفْعَلُ بِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَوَضَّأْ، وَانْضَحْ فَرْجَكَ».\nالمذي: ماء لزج يخرج على رأس الذكر عند الملاعبة، أو تذكُّر الجماع، أو عند اشتداد الشهوة، أما المني فهو: ماء غليظ أبيض، يخرج دفقًا بلذة في اليقظة، أو في النوم، وهذا يوجب غسل البدن كاملًا، وأما الودي فهو يخرج بعد البول، وفيه الوضوء.\nفي هذه الأحاديث: بيان حكم المذي، وهو يوجب الوضوء، ولا يوجب الغسل؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «مِنْهُ الوُضُوءُ».\nوقوله: «تَوَضَّأْ، وَانْضَحْ فَرْجَكَ»: المراد بالنضح هنا: الغَسل؛ لأن النضح","vol":"1","page":538},{"text":"يطلق على الغسل، ويطلق على الرش أيضا؛ فإذا أصاب الثوبَ بول الصبي الذي لم يأكل الطعام فإنه يُنضح بدون غسل.\nوالمذي يوجب- أيضًا- غسل الذكر كاملًا، وغسل الأنثيين- يعني: الخصيتين- والدليل هنا قوله: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ» فهو دليل على أن الذكر يُغسل كله، وفي رواية: «فَتَغْسِلُ مِنْ ذَلِكَ فَرْجَكَ وَأُنْثَيَيْكَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٩٠٠٧)، وأبو داود (٢١١)، والترمذي (١٣٣)، وابن ماجه (٦٥١).","vol":"1","page":539},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>بَابُ غَسْلِ الوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ النَّوْمِ</span>\n\n[٣٠٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ نَامَ.\nفي هذا الحديث: أن العبد إذا قام فقضى حاجته، غسل وجهه ويديه، ولا يكمل الوضوء، بخلاف ما إذا كان عليه جنابة وأراد أن ينام، فإنه يشرع له أن يتوضأ وضوءًا كاملًا، يخفف الجنابة، كما سيأتي.\nقوله: «فَقَضَى حَاجَتَهُ» أي من بول ونحوه، ويحتمل أن المراد: الجماع؛ فيدل على أنه يكتفي بغسل يديه ووجهه أحيانًا ولا يتوضأ، ويتوضأ أحيانًا أخرى.","vol":"1","page":540},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>بَابُ جَوَازِ نَوْمِ الجُنُبِ، وَاسْتِحْبَابِ الوُضُوءِ لَهُ، وَغَسْلِ الفَرْجِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ، أو يَشْرَبَ، أو يَنَامَ، أو يُجَامِعَ</span>\n\n[٣٠٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، قَبْلَ أَنْ يَنَامَ.\n[خ: ٢٨٨]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، وَوَكِيعٌ، وَغُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ جُنُبًا، فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ، أو يَنَامَ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ- بِهَذَا الإِسْنَادِ- قَالَ ابْنُ المُثَنَّى فِي حَدِيثِهِ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ، سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ.\nفي هذا الحديث: استحباب الوضوء للجُنب عند جماهير العلماء إذا أراد أن يأكل، أو ينام، أو يعاود الوطء.\nوقد روى النسائي عن عائشة ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ يَشْرَبَ، قَالَتْ: غَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَأْكُلُ، أَوْ يَشْرَبُ» (^١)، فإن ثبتت رواية النسائي هذه فتكون محمولة على أنه ﷺ كان يتوضأ تارة، ويغسل يديه تارة أخرى.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٤٨٧٢)، وأبو داود (٢٢٣)، والنسائي (٢٥٧)، وابن ماجه (٥٩٣).","vol":"1","page":541},{"text":"[٣٠٦] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ- واللفظ لهما- قال ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ».\n[خ: ٢٨٧]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: هَلْ يَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، لِيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لِيَنَمْ، حَتَّى يَغْتَسِلَ إِذَا شَاءَ».\nقوله: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ» المراد: الوضوء الشرعي، وليس المراد غسل اليدين بالماء فقط.\nقوله: «لِيَتَوَضَّأْ» الأصل في الأوامر الوجوب، وقال به الظاهرية (^١) وهو قول قوي، لكن الصحيح مذهب الجمهور وهو حمله على الاستحباب؛ لأنه من الآداب، ولقول عَائِشَةَ ﵂: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنَامُ جُنُبًا كَهَيْئَتِهِ، لا يَمَسُّ مَاءً» (^٢)، وفي هذه الرواية ضعف (^٣)، ولو صحت هذه الرواية فإنها تحمل على أنه لم يمس ماء للغسل، أو أنه لم يمس ماء مطلقا؛ وتكون بيانا لجواز نوم الجنب من غير وضوء، أو غسل.\n_________\n(^١) التمهيد، لابن عبدالبر (١٧/ ٣٤)، بداية المجتهد، لابن رشد (١/ ٤٢).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٤١٦١)، والترمذي (١١٨)، والنسائي في الكبرى (٩٠٥٣)، وابن ماجه (٥٨١)، وأبو يعلى (٤٧٢٩).\n(^٣) قال الترمذي (١/ ١٧٩): وقد روى عن أبي إسحاق هذا الحديثَ شعبة، والثوري، وغير واحد، ويرون أن هذا غلط من أبي إسحاق.","vol":"1","page":542},{"text":"حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ تُصِيبُهُ جَنَابَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَوَضَّأْ، وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثُمَّ نَمْ».\n[خ: ٢٩٠]\nقوله: «تَوَضَّأْ، وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ» الواو تفيد مطلق الجمع بين الأمرين وليست للترتيب، يعني: اجمع بين الأمرين؛ اغسل ذكرك، وتوضأ.\n\n[٣٠٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ، قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِي الجَنَابَةِ، أَكَانَ يَغْتَسِلُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ؟، أَمْ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ؟ قَالَتْ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ يَفْعَلُ، رُبَّمَا اغْتَسَلَ، فَنَامَ، وَرُبَّمَا تَوَضَّأَ، فَنَامَ، قُلْتُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةً.\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، جَمِيعًا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nفي هذا الحديث: أنه يجوز للجنب أن يغتسل في أول الليل، وأن له أن يؤخر الغسل لآخر الليل، فإذا اغتسل كان أفضل، وإذا أخر الغسل وتوضأ ونام فلا حرج.","vol":"1","page":543},{"text":"[٣٠٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الفَزَارِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأْ».\nزَادَ أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِيثِهِ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا، وَقَالَ: «ثم أَرَادَ أَنْ يُعَاوِدَ».\nفي هذا الحديث: أن السنة إذا جامع الرجل أهله، ثُمَّ أراد أن يعاود الوطء مرة أخرى أن يتوضأ، وهذا الأمر للاستحباب عند الجمهور.\nالقول الثاني: حمل الظاهرية الأمر على الوجوب؛ لأن الأصل في الأوامر الوجوب، وذكر النبي ﷺ الحكمة في ذلك، فقَالَ: إنه «أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ» (^١)، أي: يُحدِث له نشاطًا وقوةً.\n\n[٣٠٩] حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ الحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ- يعني: ابْنَ بُكَيْرٍ الحَذَّاءَ- عَنْ شُعْبَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، بِغُسْلٍ وَاحِدٍ.\n[خ: ٢٨٤]\nفي هذا الحديث: دليل على القوة التي أوتيها ﵊؛ ولهذا قال أنس ﵁: «كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ» (^٢)، وقد ثبت أنه ﷺ طاف على نسائه بغسل واحد في المدينة، وفعله- أيضًا- لما أراد أن يحرم في حجة الوداع، لكن هل يتوضأ بعد كل جماع، أو لا يتوضأ؟\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (٢٢١)، وابن حبان (١٢١١)، والحاكم (٥٤٢)، والبيهقي في الكبرى (٩٨٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٦٨).","vol":"1","page":544},{"text":"الجواب: الظاهر أنه ﷺ كان يتوضأ بعد كل جماع؛ لما سبق قريبًا.\nوقد جاء في حديث آخر عَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ فِي يَوْمٍ، فَجَعَلَ يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ، وَعِنْدَ هَذِهِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ جَعَلْتَهُ غُسْلًا وَاحِدًا؟ قَالَ: «هَذَا أَزْكَى، وَأَطْيَبُ، وَأَطْهَرُ» (^١)، وعلى هذا يكون حديث الباب لبيان الجواز وهذا الحديث فيه بيان الأفضل والأكمل.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٣٨٦٢)، وأبو داود (٢١٩)، والنسائي (٨٩٨٦)، وابن ماجه (٥٩٠).","vol":"1","page":545},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>بَابُ وُجُوبِ الغَسْلِ عَلَى المَرْأَةِ بِخُرُوجِ المَنِيِّ مِنْهَا</span>\n\n[٣١٠] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ- وَهِيَ جَدَّةُ إِسْحَاقَ- إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ لَهُ- وعَائِشَةُ عِنْدَهُ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، المَرْأَةُ تَرَى مَا يَرَى الرَّجُلُ فِي المَنَامِ، فَتَرَى مِنْ نَفْسِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ مِنْ نَفْسِهِ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، فَضَحْتِ النِّسَاءَ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَقَالَ لِعَائِشَةَ: «بَلْ أَنْتِ، فَتَرِبَتْ يَمِينُكِ، نَعَم، فَلْتَغْتَسِلْ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، إِذَا رَأَتْ ذَاكِ».\n\n[٣١١] حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ حَدَّثَتْ: أَنَّهَا سَأَلَتْ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ عَنِ المَرْأَةِ، تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا رَأَتْ ذَلِكِ المَرْأَةُ، فَلْتَغْتَسِلْ»، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: وَاسْتَحْيَيْتُ مِنْ ذَلِكَ! قَالَتْ: وَهَلْ يَكُونُ هَذَا؟ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «نَعَمْ، فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟ إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَاءَ المَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ، فَمِنْ أَيِّهِمَا عَلَا- أو سَبَقَ- يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ».\n\n[٣١٢] حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الأَشْجَعِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ المَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ فِي مَنَامِهِ؟ فَقَالَ: «إِذَا كَانَ مِنْهَا مَا يَكُونُ مِنَ الرَّجُلِ فَلْتَغْتَسِلْ».\n\n[٣١٣] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ أَمُّ سُلَيْمٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، فَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:","vol":"1","page":546},{"text":"«نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ»، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَتَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟ فَقَالَ: «تَرِبَتْ يَدَاكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا».\n[خ: ١٣٠]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ مَعْنَاهُ وَزَادَ قَالَتْ: قُلْتُ: فَضَحْتِ النِّسَاءَ.\n\n[٣١٤] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ أُمَّ بَنِي أَبِي طَلْحَةَ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِمَعْنَى حَدِيثِ هِشَامٍ، غَيْرَ أَنَّ فِيهِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: أُفٍّ لَكِ، أَتَرَى المَرْأَةُ ذَلِكِ؟ ! .\nحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، وَسَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قال سَهْلٌ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ مُسَافِعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ امْرَأَةً قالت لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَلْ تَغْتَسِلُ المَرْأَةُ إِذَا احْتَلَمَتْ وَأَبْصَرَتِ المَاءَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ»، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: تَرِبَتْ يَدَاكِ وَأُلَّتْ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَعِيهَا، وَهَلْ يَكُونُ الشَّبَهُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ ذَلِكِ؟ إِذَا عَلَا مَاؤُهَا مَاءَ الرَّجُلِ أَشْبَهَ الوَلَدُ أَخْوَالَهُ، وَإِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَهَا أَشْبَهَ أَعْمَامَهُ».\nفي هذه الأحاديث:\n١. بيان أن المرأة تحتلم كالرجل، وأنه يجب عليها الغسل إذا رأتِ الماء، والمراد بالماء: المني.\n٢. أن عائشة ﵂ أنكرت احتلام المرأة، وقالت لأم سليم: «فَضَحْتِ النِّسَاءَ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ»، فقال لها النبي ﷺ: «بَلْ أَنْتِ، فَتَرِبَتْ يَمِينُكِ» وتربت،","vol":"1","page":547},{"text":"أي: التصقت بالتراب من الفقر، وهي كلمة تقال للزجر، تجري على ألسنة العرب لا يراد منها حقيقتها، مثل: «عَقْرَى حَلْقَى» (^١).\nوكأن إنكار عائشة ﵂ يدل على أن الاحتلام قليل الوقوع في النساء، فبعض النساء تحتلم، وبعضهن لا تحتلم.\n٣. بيان أن الولد مخلوق من ماء الذكر وماء الأنثى، وماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، وأنه إذا علا ماءُ الرجل ماءَ المرأة أو سبق كان لأبيه الشبه أو لأعمامه، وإذا علا ماءُ المرأة ماءَ الرجل أو سبق كان الشبه لأمه أو لأخواله.\n٤. أنه لا ينبغي للإنسان أن يستحي في دينه، بل عليه أن يسأل عما أشكل عليه؛ ولذا قالت أم سلمة: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ».\n٥. إثبات صفة الحياء لله ﷿، كما يليق بجلاله وعظمته.\nقولها: «وَأُلَّتْ» المراد: أصابتها الأَلَّة، وهي: الحربة، وهذه الكلمة جارية على ألسنة العرب، لا يريدون بها الدعاء على المخاطب، ولا وقوع الأمر به.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٦١)، ومسلم (١٢١١).","vol":"1","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>بَابُ بَيَانِ صِفَةِ مَنِيِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَأَنَّ الوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِمَا</span>.\n\n[٣١٥] حَدَّثَنِي الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، وَهُوَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ- يعني: ابْنَ سَلَّامٍ- عَنْ زَيْدٍ- يعني: أَخَاهُ- أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِيُّ: أَنَّ ثَوْبَانَ- مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- حَدَّثَهُ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ اليَهُودِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً كَادَ يُصْرَعُ مِنْهَا، فَقَالَ: لِمَ تَدْفَعُنِي؟، فَقُلْتُ: أَلَا تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ اليَهُودِيُّ: إِنَّمَا نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اسْمِي مُحَمَّدٌ الَّذِي سَمَّانِي بِهِ أَهْلِي»، فَقَالَ اليَهُودِيُّ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيَنْفَعُكَ شَيْءٌ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟» قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ، فَنَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعُودٍ مَعَهُ، فَقَالَ: «سَلْ»، فَقَالَ اليَهُودِيُّ: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الجِسْرِ»، قَالَ: فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟ قَالَ: «فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ»، قَالَ: اليَهُودِيُّ: فَمَا تُحْفَتُهُمْ حِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ؟ قَالَ: «زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ»، قَالَ: فَمَا غِذَاؤُهُمْ عَلَى إِثْرِهَا؟ قَالَ: «يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا»، قَالَ: فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: «مِنْ عَيْنٍ\nفِيهَا، تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: وَجِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، إِلَّا نَبِيٌّ، أو رَجُلٌ، أو رَجُلَانِ قَالَ: «يَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟»، قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ، قَالَ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الوَلَدِ قَالَ: «مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ، وَمَاءُ المَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ المَرْأَةِ أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ المَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ آنَثَا بِإِذْنِ اللَّهِ»، قَالَ: اليَهُودِيُّ: لَقَدْ صَدَقْتَ، وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَذَهَبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ سَأَلَنِي هَذَا عَنِ الذِي سَأَلَنِي عَنْهُ،","vol":"1","page":549},{"text":"وَمَا لِي عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى أَتَانِيَ اللَّهُ بِهِ».\nوَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ: «زَائِدَةُ كَبِدِ النُّونِ»، وَقَالَ: «أَذْكَرَ، وَآنَثَ»، وَلَمْ يَقُلْ: «أَذْكَرَا، وَآنَثَا».\nقوله: «هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الجِسْرِ»، يعني: يكون الناس يوم تبدل الأرض في الظلمة التي دون الجسر، وهو الصراط.\nوتبديل الأرض: ليس المراد تبديل ذاتها، وإنما هو تبديل صفاتها على الصحيح، فتمد ويزال ما على ظهرها من دابة، كما أن الإنسان حينما يُبعث تبقى ذاته وتبدل صفاته فينشأ تنشأة قوية يتحمل فيها رؤية الله ﷿.\nقال تعالى: ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾، وورد في الحديث: إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^١).\nوقوله: «فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟ قَالَ: فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ»، يعني: أن فقراء المهاجرين أول الناس جوازًا وعبورًا على الصراط؛ لأنهم ليس عندهم أموال يحاسبون عليها، أما الأغنياء فإنهم يُحبسون ويحاسبون بأموالهم.\nوقوله: «فَمَا تُحْفَتُهُمْ حِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ؟ قَالَ: زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ» التحفة:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٨١١)، ومسلم (٢٧٨٦).","vol":"1","page":550},{"text":"الهدية، والزيادة: أطراف الكبد، وهو أطيبها، والنون: الحوت، فالمعنى: أن أطراف كبد الحوت أول تحفة يُتحف بها أهل الجنة، ثُمَّ يُنحر لهم ثور.\nوقوله: «أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللَّهِ»، أي: صار الولد ذكرًا.\nوقوله: «آنَثَا بِإِذْنِ اللهِ»، أي: صار الولد أنثى.\nأو يكون معنى أذكرا، أي: صار الشبه للوالد، وآنثا، أي: صار الشبه للأم.","vol":"1","page":551},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>بَابُ صفَةِ غُسْلِ الجَنَابَةِ</span>\n\n[٣١٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ المَاءَ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ، حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدِ اسْتَبْرَأَ، حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ.\n[خ: ٢٤٨]\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ: غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، فَبَدَأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ: غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ.\nحَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِهِ لِلصَّلَاةِ.\n\n[٣١٧] وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَالَتِي مَيْمُونَةُ، قَالَتْ: أَدْنَيْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُسْلَهُ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ، أو ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، ثُمَّ أَفْرَغَ بِهِ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ الأَرْضَ، فَدَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ مِلْءَ","vol":"1","page":552},{"text":"كَفِّهِ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ، فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ.\n[خ: ٢٥٩]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَالأَشَجُّ، وَإِسْحَاقُ، كُلُّهُمْ عَنْ وَكِيعٍ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: إِفْرَاغُ ثَلَاثِ حَفَنَاتٍ عَلَى الرَّأْسِ، وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: وَصْفُ الوُضُوءِ كُلِّهِ، يَذْكُرُ: المَضْمَضَةَ، وَالِاسْتِنْشَاقَ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ذِكْرُ: المِنْدِيلِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَالِمٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِمِنْدِيلٍ، فَلَمْ يَمَسَّهُ، وَجَعَلَ يَقُولُ: بِالْمَاءِ هَكَذَا، يعني: يَنْفُضُهُ.\n\n[٣١٨] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى العَنَزِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو عَاصِمٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنِ القَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الحِلَابِ، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، بَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ.\n[خ: ٢٥٨]\nفي هذه الأحاديث: بيان الغسل الكامل من الجنابة، وهو: أن يبدأ بالنية، والنية محلها القلب، يقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (^١).\nأما التلفظ بالنية فهو بدعة كما عليه المحققين من أهل العلم.\nالقول الثاني: قول بعض المتأخرين من الفقهاء أنه يستحب له أن ينطق بالنية، وهذا الاستحباب لا دليل عليه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولكن التلفظ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧).","vol":"1","page":553},{"text":"بها هل هو مستحب، أم لا؟ هذا فيه قولان معروفان للفقهاء، منهم من استحب التلفظ بها كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وقَالُوا: التلفظ بها أوكد، واستحبوا التلفظ بها في الصلاة، والصيام، والحج، وغير ذلك، ومنهم من لم يستحب التلفظ بها، كما قال ذلك من قاله من أصحاب مالك، وأحمد وغيرهما، وهذا هو المنصوص عن مالك، وأحمد، سئل: تقول قبل التكبير شيئًا؟ قَالَ: لا.\nوهذا هو الصواب؛ فإن النبي ﷺ لم يكن يقول قبل التكبير شيئًا، ولم يكن يتلفظ بالنية، لا في الطهارة، ولا في الصلاة، ولا في الصيام، ولا في الحج، ولا غيرها من العبادات، ولا خلفاؤه، ولا أمر أحدًا أن يتلفظ بالنية» (^١).\nوبالنية تتميز العبادات من العادات، وبها تتميز الفريضة من النافلة.\nثم بعد ذلك يسمي الله تعالى، والتسمية مستحبة عند جمهور العلماء؛ لأن الأحاديث التي وردت في هذا الباب فيها ضعف (^٢)، وحسنها ابن الصلاح (^٣)، فتكون من باب الحسن لغيره.\nالقول الثاني: ذهب الحنابلة إلى أنها واجبة مع التذكر (^٤).\nفلا ينبغي للإنسان أن يخل بالتسمية في الوضوء، ولا في الغسل، وإذا نسي سقطت، وإن تذكر في أثناء الوضوء، أو في أثناء الغسل سَمَّى.\nوأما الاستنشاق والمضمضة: فالأرجح وجوبهما في الغسل وفي الوضوء؛ لأنهما تبع للوجه.\nثم يغسل كفيه ثلاثًا في الوضوء، وفي الغسل، ثُمَّ يغسل فرجه وما حوله، ثُمَّ يتوضأ وضوءه للصلاة، وهو مخير بين أن يكمل الوضوء، أو يؤخر غسل\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٢/ ٢٢١).\n(^٢) أخرجه أحمد (٩٤١٨)، وأبو داود (١٠١)، وابن ماجه (٣٩٩).\n(^٣) شرح مشكل الوسيط، لابن الصلاح (١/ ١٤٩).\n(^٤) المغني، لابن قدامة (١/ ٧٦)، الإنصاف، للمرداوي (١/ ١٢٨).","vol":"1","page":554},{"text":"الرجلين إلى آخر الغسل، والأفضل: أن يكمل الوضوء، ثُمَّ يحثو على رأسه ثلاث حثيات، يروي بهن أصول شعره، ثُمَّ يغسل شقه الأيمن، ثُمَّ يغسل شقه الأيسر، فهذا هو الغسل الكامل.\nوأما الغسل المجزئ فهو: أن يعمم جسده بالماء مرة واحدة، وحينئذٍ هل يجزئ هذا الغسل عَنِ الوضوء، أم لا بد من الوضوء؟\nالجواب: اختلف فيه أهل العلم:\nالقول الأول: إذا نوى رفع الحدثين ارتفعا، أو نوى رفع الحدث الأكبر ارتفع، ويندرج الحدث الأصغر تحت الحدث الأكبر.\nالقول الثاني: لا يرتفع الحدث الأصغر، بل لا بد من الوضوء.\nمسألة: في مس الذكر، هل ينقض الوضوء أم لا؟\nالقول الأول: إن مس الذكر لا ينقض الوضوء بحال من الأحوال.\nالقول الثاني: إن مس الذكر ينقض إذا كان بشهوة، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية (^١).\nوالصواب: أنه ينقض مطلقًا؛ لحديث بسرة ﵂ مرفوعًا: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» (^٢).\nواحتج القائلون بعدم النقض بحديث طلق بن علي ﵁: «إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ أَوْ جَسَدِكَ» (^٣)، أي: قطعة منك، والصحيح: أن حديث طلق منسوخ، قاله النبي ﷺ قديمًا عند بنائه المسجد في أول قدومه المدينة، وحديث بسرة بنت صفوان ﵂ متأخر، فعليه العمل، قال الترمذي ﵀: «وسألت\n_________\n(^١) شرح العمدة، لابن تيمية (ص ٣٠٥).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٧٢٩٤)، والنسائي (٤٤٤).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٦٢٨٦)، وأبو داود (١٨٢)، والترمذي (٨٥)، والنسائي (١٦٥).","vol":"1","page":555},{"text":"محمدا عن أحاديث مس الذكر فقَالَ: أصح شيء عندي في مس الذكر حديث بسرة ابنة صفوان» (^١).\nفإذا مس فرجه بظاهر كفه، أو بباطنه انتقض وضوؤه، بقصد أو من دون قصد، بشهوة أو بغير شهوة، سواء أكان فرجه، أو فرج غيره، كالأم إذا كانت تغسل طفلها، ثُمَّ مست فرجه تتوضأ على الصحيح.\nوقولها: «ثم أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ» فيه: أن الأفضل عدم التنشف، وإن تنشف فلا حرج، وهذا في الغُسل، أما في الوضوء فمسكوت عنه، فمن تنشف فلا بأس، وفي لفظ: «فَنَاوَلْتُهُ المِنْدِيلَ فَلَمْ يَأْخُذْهُ، وَجَعَلَ يَنْفُضُ المَاءَ عَنْ جَسَدِهِ» (^٢).\nقوله: «دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الحِلَابِ»، يعني: طلب إناءًا قريب من الإناء الذي يسمى الحلاب قال الحافظ ابن حجر: (وقد وصفه أبو عاصم بأنه أقل من شبر في شبر) (^٣)، يسع ثلاثة آصع، مملوءًا ماءًا ليغتسل منه.\n_________\n(^١) العلل الكبير، للترمذي (ص ٤٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٥٩)، ومسلم (٣١٧)، واللفظ لأبي داود (٢٤٥).\n(^٣) فتح الباري (١/ ٤٤٠).","vol":"1","page":556},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>بَابُ القَدْرِ المُسْتَحَبِّ مِنَ المَاءِ فِي غُسْلِ الجَنَابَةِ، وَغُسْلِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَغُسْلِ أَحَدِهِمَا بِفَضْلِ الآخَرِ</span>.\n\n[٣١٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ إِنَاءٍ هُوَ الفَرَقُ مِنَ الجَنَابَةِ.\n[خ: ٢٥٠]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلُ فِي القَدَحِ- وَهُوَ الفَرَقُ- وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَهُوَ فِي الإِنَاءِ الوَاحِدِ.\nوَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، قَالَ قُتَيْبَةُ: قَالَ سُفْيَانُ: وَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ.\nقوله: «هُوَ الفَرَقُ» الفَرَق: إناء يسع ثلاثة آصع، وهذا يؤيد أن الحلاب ثلاثة آصع، وورد أنه ﵊ كان «يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ» (^١)، وعلى هذا فيحمل حديث الباب أنه كان يغتسل هو وزوجه من الفَرَق.\nفي هذا الحديث: جواز اغتسال الرجل وامرأته جميعًا، ولو كانا عاريين، كما كانت عائشة ﵂ تغتسل هي والنبي ﷺ من إناء واحد، حتى كانت تقول له ﷺ: «دَعْ لِي، دَعْ لِي»، يعني: اترك لي شيئًا من الماء؛ لأن الماء قليل، وأما حديث عائشة ﵂: «مَا رَأَيْت ذَلِك من رَسُول الله ﷺ، وَمَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠١)، ومسلم (٣٢٥).","vol":"1","page":557},{"text":"رأى مني قطُّ» (^١)، يعني: العورة، ففيه ضعف، والصحيح ما ذكر هنا.\n\n[٣٢٠] وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ العَنْبَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، أَنَا وَأَخُوهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَسَأَلَهَا عَنْ غُسْلِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الجَنَابَةِ: فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ قَدْرِ الصَّاعِ، فَاغْتَسَلَتْ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا سِتْرٌ، وَأَفْرَغَتْ عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثًا، قَالَ: وَكَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ يَأْخُذْنَ مِنْ رُءُوسِهِنَّ، حَتَّى تَكُونَ كَالْوَفْرَة.\n[خ: ٢٥١]\nقوله: «وَكَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ يَأْخُذْنَ مِنْ رُءُوسِهِنَّ، حَتَّى تَكُونَ كَالْوَفْرَة»، يعني: أن أزواج النبي ﷺ كن بعد وفاة النبي ﷺ يتخففن من التكلف في غسل الشعر وتسريحه، فيأخذن من شعورهن حتى تكون كالوفرة، ففيه: أنه إذا أخذت المرأة من رأسها شيئًا- إذا كان طويلًا ثقيلًا يتعبها، لا من باب التشبه بالكافرات- فلا بأس، أما إذا كان تشبهًا فلا يجوز، وكذا إن كان قصه قصًّا فاحشًا حتى يكون مثل شعر رأس الرجل، فهذا- أيضًا- لا يجوز.\nوظاهر الحديث أنهما رأيا شعر رأسها وأعلى جسدها مما يحل للمحرم النظر إليه، وقد كان أحدهما أخاها من الرضاعة، وهو- كما ذكر في لفظ-: ابن عبد الله بن يزيد، وأبو سلمة ابن عبدالرحمن ابن أختها من الرضاعة، أرضعته أم كلثوم بنت أبي بكر، فليس فيه إشكال.\n_________\n(^١) أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٢/ ٥٣)، وفيه: بركة بن محمَّد الحلبي. قال عنه ابن عَدِيٍّ- وساق له هذا الحديث-: وسائر أحاديث بركة مناكير- أيضًا- باطلٌ كلُّها، لا يرويها غيره. ا. هـ. الكامل (٢/ ٤٧).","vol":"1","page":558},{"text":"[٣٢١] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ بَدَأَ بِيَمِينِهِ، فَصَبَّ عَلَيْهَا مِنَ المَاءِ، فَغَسَلَهَا، ثُمَّ صَبَّ المَاءَ عَلَى الأَذَى الَّذِي بِهِ بِيَمِينِهِ، وَغَسَلَ عَنْهُ بِشِمَالِهِ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ، صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، قَالَتْ: عَائِشَةُ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَنَحْنُ جُنُبَانِ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عِرَاكٍ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ- وَكَانَتْ تَحْتَ المُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ- أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهَا: أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ، يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ، أو قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ مِنَ الجَنَابَةِ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ عَنْ مُعَاذَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ، بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَاحِدٍ، فَيُبَادِرُنِي حَتَّى أَقُولَ: دَعْ لِي، دَعْ لِي. قَالَتْ: وَهُمَا جُنُبَانِ.\n\n[٣٢٢] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ: أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ.\nفي هذه الأحاديث: أن النبي ﷺ كان هو وزوجه يغتسلان وهما جنبان من إناء واحد؛ لأن كلًّا منهما حل للآخر.\nوفيها: أن غمس الإنسان يده في الماء لا يجعله مستعملًا، فها هو النبي ﷺ يغمس يده ويأخذ لنفسه، وهي ﵂ تغمس يدها، وهكذا تختلف أيديهما في الإناء.","vol":"1","page":559},{"text":"[٣٢٣] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَكْبَرُ عِلْمِي، وَالَّذِي يَخْطِرُ عَلَى بَالِي أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ أَخْبَرَنِي: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ.\nفي هذا الحديث: جواز اغتسال الرجل من فضل المرأة، فكانت تغتسل ﵂ لرفع الحدث، ثُمَّ إذا بقي من غسلها بقية اغتسل بها ﷺ، ويجمع بينه وبين الحديث الآخر: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ مِنْ فَضْلِ طَهُورِ المَرْأَةِ» (^١)، بأن النهي للتنزيه وليس للتحريم.\nوفيه: الرد على من قَالَ: إن المرأة إذا خلت بالماء، ثُمَّ توضأت منه، وبقيت منه بقية، لا يجزئ أن يتوضأ منها أحد؛ فإنه يكون مستعملًا، وهذا مذهب الحنابلة (^٢)، وهذا ليس بصواب، ويكفي في رده حديث ابن عباس ﵄ السابق.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٠٦٥٥)، وأبو داود (٨٢)، والترمذي (٦٣).\n(^٢) منتهى الإرادات، لابن النجار (١/ ١١). الإنصاف، للمرداوي (١/ ٤٨).","vol":"1","page":560},{"text":"[٣٢٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهَا قَالَتْ: كَانَتْ هِيَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلَانِ فِي الإِنَاءِ الوَاحِدِ مِنَ الجَنَابَةِ.\n\n[٣٢٥] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يعني: ابْنَ مَهْدِيٍّ- قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلُ بِخَمْسِ مَكَاكِيكَ، وَيَتَوَضَّأُ بِمَكُّوكٍ.\nوَقَالَ ابْنُ المُثَنَّى: بِخَمْسِ مَكَاكِيّ، وَقَالَ ابْنُ مُعَاذٍ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنَ جَبْرٍ.\n[خ: ٢٠١]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ عَنِ ابْنِ جَبْرٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ.\n\n[٣٢٦] وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الجَحْدَرِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ بِشْرِ بْنِ المُفَضَّلِ، قَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو رَيْحَانَةَ عَنْ سَفِينَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُغَسِّلُهُ الصَّاعُ مِنَ المَاءِ مِنَ الجَنَابَةِ، وَيُوَضِّؤُهُ المُدُّ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ. ح، وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ عَنْ سَفِينَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ- صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، وَيَتَطَهَّرُ بِالْمُدِّ.\nوَفِي حَدِيثِ ابْنِ حُجْرٍ، أو قَالَ: وَيُطَهِّرُهُ المُدُّ، وقَالَ: وَقَدْ كَانَ كَبِرَ، وَمَا كُنْتُ أَثِقُ بِحَدِيثِهِ.\nقوله: «يَغْتَسِلُ بِخَمْسِ مَكَاكِيكَ» المكوك: هو المد، والجمع: المكاكيك (^١)، والمد: ملء كفي الرجل المتوسط.\n_________\n(^١) القاموس المحيط، للفيروز آبادي (١/ ٩٥٤)، لسان العرب، لابن منظور (١٠/ ٤٩١).","vol":"1","page":561},{"text":"في هذه الأحاديث: استحباب الاقتصاد وعدم الإسراف في استعمال الماء، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُجْزِئُ مِنَ الوَضُوءِ المُدُّ مِنَ المَاءِ، وَمِنَ الجَنَابَةِ الصَّاعُ»، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي، فَقَالَ جَابِرٌ: قَدْ كَفَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، وَأَكْثَرُ شَعْرًا، رَسُولَ اللَّهِ (^١).\nوفيها: أن من اغتسل بقنطار فهذا شيء كثير وإسراف، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄ أَنّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِسَعْدٍ ﵁ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: «مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟ !» قَالَ: أَفِي الوُضُوءِ سَرَفٌ؟ ! قَالَ: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٤٩٧٦).\n(^٢) أخرجه أحمد (٧٠٦٥)، وابن ماجه (٤٢٥).","vol":"1","page":562},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>بَابُ اسْتِحْبَابِ إِفَاضَةِ المَاءِ عَلَى الرَّأْسِ وَغَيْرِهِ ثَلَاثًا</span>\n\n[٣٢٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: تَمَارَوْا فِي الغُسْلِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: أَمَّا أَنَا: فَإِنِّي أَغْسِلُ رَأْسِي كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَّا أَنَا، فَإِنِّي أُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ أَكُفٍّ».\n[خ: ٢٥٤]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ الغُسْلُ مِنَ الجَنَابَةِ، فَقَالَ: «أَمَّا أَنَا فَأُفْرِغُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثًا».\n\n[٣٢٨] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالُوا: إِنَّ أَرْضَنَا أَرْضٌ بَارِدَةٌ، فَكَيْفَ بِالْغُسْلِ؟ فَقَالَ: «أَمَّا أَنَا، فَأُفْرِغُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثًا».\nقَالَ ابْنُ سَالِمٍ فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، وَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ.\n\n[٣٢٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ- يعني: الثَّقَفِيَّ- حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ جَنَابَةٍ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ مِنَ مَاءٍ، فَقَالَ لَهُ الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ: إِنَّ شَعْرِي كَثِيرٌ، قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي، كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرَ مِنْ شَعْرِكَ، وَأَطْيَبَ.\n[خ: ٢٥٢]\nفي هذه الأحاديث: استحباب غسل الرأس ثلاثًا في غسل الجنابة، والإفراغ عليه بثلاث حفنات حتى يروي أصول شعره، وإن كان الواجب تعميمه مرة واحدة.","vol":"1","page":563},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>بَابُ حُكْمِ ضَفَائِرِ المُغْتَسِلَةِ</span>\n\n[٣٣٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ- مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ- عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي، فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الجَنَابَةِ؟ قَالَ: «لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ المَاءَ فَتَطْهُرِينَ».\nوَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَا: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، فِي هَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: فَأَنْقُضُهُ لِلْحَيْضَةِ وَالْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ: «لَا»، ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.\nوَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يعني: ابْنَ زُرَيْعٍ- عَنْ رَوْحِ بْنِ القَاسِمِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: أَفَأَحُلُّهُ، فَأَغْسِلُهُ مِنَ الجَنَابَةِ؟، وَلَمْ يَذْكُرِ: الحَيْضَةَ.\n\n[٣٣١] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جميعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: بَلَغَ عَائِشَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ، فَقَالَتْ: يَا عَجَبًا لِابْنِ عَمْرٍ هَذَا، يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ، أَفَلَا يَأْمُرُهُنَّ أَنْ يَحْلِقْنَ رُءُوسَهُنَّ؟ لَقَدْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَلَا أَزِيدُ عَلَى أَنْ أُفْرِغَ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ إِفْرَاغَاتٍ.\nفي هذا الحديث: أنه لا يجب على المرأة نقض شعر رأسها من الجنابة،","vol":"1","page":564},{"text":"وإنما يكفيها أن تفيض الماء على رأسها ثلاثًا، وقيل: يستحب نقضه في غسل الحيض والنفاس.\nوفيه: أن عائشة ﵂ قَالَتْ: «أَفَلَا يَأْمُرُهُنَّ أَنْ يَحْلِقْنَ رُءُوسَهُنَّ؟» وهذا لشدة إنكارها على عبد الله بن عمرو ﵄ هذه المسألة، ولعل السُّنَّة لم تبلغه فيها؛ ولهذا كان يأمر النساء بنقض شعورهن.\nوفيه: أن حلق شعر المرأة مكروه كراهة شديدة؛ لأنه جمال للمرأة.","vol":"1","page":565},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>بَابُ اسْتِحْبَابِ اسْتِعْمَالِ المُغْتَسِلَةِ مِنَ الحَيْضِ فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فِي مَوْضِعِ الدَّمِ</span>\n\n[٣٣٢] حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ، كَيْفَ تَغْتَسِلُ مِنَ حَيْضَتِهَا؟ قَالَ: فَذَكَرَتْ أَنَّهُ عَلَّمَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرُ بِهَا، قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَ: «تَطَهَّرِي بِهَا، سُبْحَانَ اللَّهِ!»، وَاسْتَتَرَ- وَأَشَارَ لَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِيَدِهِ عَلَى وَجْهِهِ- قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاجْتَذَبْتُهَا إِلَيَّ، وَعَرَفْتُ مَا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ: فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا آثَارَ الدَّمِ.\n[خ: ٣١٤]\nوَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ امْرَأَةً، سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ كَيْفَ أَغْتَسِلُ عِنْدَ الطُّهْرِ؟ فَقَالَ: «خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فَتَوَضَّئِي بِهَا»، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُفْيَانَ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ المُهَاجِرِ قَالَ: سَمِعْتُ صَفِيَّةَ تُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِ المَحِيضِ؟ فَقَالَ: «تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا، فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا، فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا، حَتَّى تَبْلُغَ شُئُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا المَاءَ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فَتَطَهَّرُ بِهَا»، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: وَكَيْفَ تَطَهَّرُ بِهَا؟ فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ، تَطَهَّرِينَ بِهَا»، فَقَالَتْ عَائِشَةُ- كَأَنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ-: تَتَبَّعِينَ أَثَرَ الدَّمِ، وَسَأَلَتْهُ عَنْ غُسْلِ الجَنَابَةِ، فَقَالَ: «تَأْخُذُ مَاءً،","vol":"1","page":566},{"text":"فَتَطَهَّرُ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ- أو: تُبْلِغُ الطُّهُورَ- ثم تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا، فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ شُئُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا المَاءَ»، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ، لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ.\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَقَالَ: قَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِي بِهَا»، وَاسْتَتَرَ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ شَكَلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَغْتَسِلُ إِحْدَانَا إِذَا طَهُرَتْ مِنَ الحَيْضِ؟ وَسَاقَ الحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: غُسْلَ الجَنَابَةِ.\nقوله ﷺ: «حَتَّى تَبْلُغَ شُئُونَ رَأْسِهَا» معناه: حتى يصل الماء إلى أصول شعر رأسها.\nفي هذه الأحاديث: بيان كيفية التطهر من الحيض، وهي: أنه إذا طهرت المرأة من الحيضة تأخذ فِرصة، يعني: قطعة، وتجعل فيها شيئًا من الطيب، وتدخلها في فرجها كي تطيب المحل.","vol":"1","page":567},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>بَابُ المُسْتَحَاضَةِ وَغُسْلِهَا وَصَلَاتِهَا</span>\n\n[٣٣٣] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ، فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: «لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ، فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي».\n[خ: ٢٢٨]\nقوله: «فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ»، يعني: إذا كانت عادتها مثلًا من كل شهر خمسة أيام، أو سبعة أيام، ثُمَّ أطبق عليها الدم، فتجلس أيام عادتها، ثُمَّ تغتسل من دم الحيض، ويكون الدم الزائد دم استحاضة، وتصلي وتصوم ويجامعها زوجها.\nأما إذا لم تكن لها عادة، وكانت تعلم بتمييز الدم من غيره- فدم الحيض أسودُ ثخينٌ ومنتنٌ، أما دم الاستحاضة فأحمرُ رقيقٌ، أو أصفرُ رقيقٌ- فالأيام التي يكون فيها الدمُ أسودَ ثخينًا ومنتنًا، تجلس تلك الأيام فلا تصلي، ولا تصوم، واليوم الذي يكون فيه أحمرَ أو أصفر رقيقًا فإنها تصلي وتصوم.\nوالخلاصة: أن المستحاضات على أنواع ثلاثة:\nالنوع الأول: المعتادة كما في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، فإذا كانت تعرف العادة فتجلس أيام العادة، فإذا انتهت أيام عادتها فإنها تغتسل وتصلي وتصوم.\nالنوع الثاني: إذا لم يكن لها عادة، أو نسيت عادتها، فإنها تعمل بالتمييز.\nالنوع الثالث: إذا لم يكن لها تمييز، ولا عادة، فتسمى بالمتحيرة، وهذه تجلس- في علم الله- ستة أيام، أو سبعة أيام، على عادة نسائها؛ تطبيقًا","vol":"1","page":568},{"text":"لحديث حمنة ﵂ قَالَتْ: قال النبي ﷺ: «فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ» (^١).\nوقوله ﷺ: «فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» دليل على نجاسة دم الحيض؛ ووجوب غسله والتنزه عنه.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيعٍ وَإِسْنَادِهِ، وَفِي حَدِيثِ قُتَيْبَةَ عَنْ جَرِيرٍ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنَّا قَالَ: وَفِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ زِيَادَةُ حَرْفٍ، تَرَكْنَا ذِكْرَهُ.\nالحرف الذي تركه مسلم هو قول حماد بن زيد: «تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ»، وحماد بن زيد هو راوى الزيادة، وتركها مسلم خشية أن تكون وهمًا، ومن ثم تكون شاذة، وقد ذكر هذه الزيادة البخاري (^٢)، وتركها مسلم، وحمادُ بن زيد ثقة، وقد أتى بهذه الزيادة وهي غير منافية فتُقبل؛ إذ زيادة الثقة مقبولة.\nوتفيد هذه الزيادة «تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» أن المستحاضة تتوضأ بعد دخول الوقت لكل صلاة، بعد أن تتلجم وتتحفظ، وكذلك من به سلس بول يتوضأ لكل صلاة، وكذلك من به سلس ريح، أو من به جروح سيالة تأتيه دائمًا، فكل هؤلاء لا يتوضؤون إلا بعد دخول الوقت، ويصلي ما شاء من الفروض والنوافل، فإذا جاء الوقت الثاني فلا بد من الوضوء له، إلا إذا لم يخرج منه شيء بعد وضوئه الأول، فهنا يكتفي بوضوئه السابق.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨)، وابن ماجه (٦٢٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٨).","vol":"1","page":569},{"text":"[٣٣٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: اسْتَفْتَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ صَلِّي، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ».\nقال اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ.\nوَقَالَ ابْنُ رُمْحٍ فِي رِوَايَتِهِ: ابْنَةُ جَحْشٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ: أُمَّ حَبِيبَة.\n[خ: ٣٢٧]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ المُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ- خَتَنَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ- اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا عِرْقٌ، فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ فِي مِرْكَنٍ فِي حُجْرَةِ أُخْتِهَا زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، حَتَّى تَعْلُوَ حُمْرَةُ الدَّمِ المَاءَ.\nقال ابْنُ شِهَابٍ: فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ هِنْدًا، لَوْ سَمِعَتْ بِهَذِهِ الفُتْيَا! وَاللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَتَبْكِي؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ لَا تُصَلِّي.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ- يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ- عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَتِ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، إِلَى قَوْلِهِ: «تَعْلُوَ حُمْرَةُ الدَّمِ المَاءَ»، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَه.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ ابْنَةَ جَحْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ سَبْعَ سِنِينَ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.","vol":"1","page":570},{"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ عِرَاكٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ أَمَّ حَبِيبَةَ، سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الدَّمِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: رَأَيْتُ مِرْكَنَهَا مَلآنَ دَمًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي».\nحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ قُرَيْشٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ- التِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ- شَكَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الدَّمَ، فَقَالَ لَهَا: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ».\nفي هذه الأحاديث: أن الرسول ﷺ لم يأمر أم حبيبة بنت جحش ﵂ أن تغتسل عند كل صلاة، ولكن هي فعلته من نفسها، وإنما الواجب عليها أن تغتسل مرة واحدة عند انقطاع الدم، ثُمَّ تتوضأ لكل صلاة، ولها الجمع بين الصلاتين، فتجمع بين الظهر والعصر، فتغتسل لهما غسلًا، وتجمع بين المغرب والعشاء، فتغتسل لهما غسلًا، وتصلي الفجر، وتغتسل له غسلًا؛ لأن الاستحاضة نوع من المرض.\nوبنات جحش كلهن صحابيات: زينب بنت جحش- أم المؤمنين زوجة النبي ﷺ- وأختها أم حبيبة- زوجة عبد الرحمن بن عوف- وأختهما الثالثة حمنة بنت جحش- زوجة طلحة بن عبيد الله ﵅.\nوفيها: أن المرأة لها أن تستفتي الرجال بنفسها للحاجة.\nوفيها: أن صوت المرأة ليس بعورة، لكن إذا كان فيه فتنة فالمرأة ممنوعة من رفع صوتها أمام الرجال؛ خشية أن يفتتن بها؛ ولهذا قال الله تعالى- لنساء","vol":"1","page":571},{"text":"النبي ﷺ-: ﴿ولا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض﴾، وهي ممنوعة- أيضًا- من رفع صوتها بالتكبير والتلبية في الحج؛ خشية أن يفتتن بصوتها، وللمرأة أن تبيع وتشتري مع الحذر من الخضوع بالقول، والخلوة بالأجنبي، ومن سائر أسباب الفتنة.","vol":"1","page":572},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>بَابُ وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّوْمِ عَلَى الحَائِضِ دُونَ الصَّلَاةِ</span>\n\n[٣٣٥] حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ مُعَاذَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ عَنْ مُعَاذَةَ: أَنَّ امْرَأَةً، سَأَلَتْ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: أَتَقْضِي إِحْدَانَا الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِهَا؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قَدْ كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ لَا تُؤْمَرُ بِقَضَاءٍ.\n[خ: ٣٢١]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاذَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ: أَتَقْضِي الحَائِضُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ ! قَدْ كُنَّ نِسَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحِضْنَ، أَفَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَجْزِينَ.\nقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: تَعْنِي: يَقْضِينَ.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: مَا بَالُ الحَائِضِ، تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ ! قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ، قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ.\nقولها: «أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟» نسبة إلى قرية حروراء (^١)، وهي قرية قرب العراق تجمع فيها الخوارج، والمعنى: هل أنتِ من الخوارج؟ !\nفي هذا الحديث: أن الحائض لا تقضي الصلاة، وإنما تقضي الصوم، وهذا إجماع المسلمين (^٢) خلافًا للخوارج الذين يشددون ويأمرون المرأة\n_________\n(^١) الحرورية فرقة من الخوارج منسوبون إلى موضع بظاهر الكوفة، وبها كان أول تحكيمهم واجتماعهم حين خالفوا عليًّا ﵁. معجم البلدان (٢/ ٢٤٥).\n(^٢) الإجماع، لابن المنذر (ص ٤٢)، الإقناع، لابن القطان (١/ ١٠٣).","vol":"1","page":573},{"text":"بقضاء الصلاة أيام الحيض؛ لأنهم لا يقبلون خبر الواحد، ولا يقبلون إلا القرآن والسنة المتواترة.\n- وفيه: بيان سعة رحمة الله تعالى، وإحسانه إلى عباده برفع المشقة عنهم؛ فإن الصلاة تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، فلو كُلِّفت المرأة بقضائها لشقَّ ذلك عليها، أما الصيام فإنه عبادة سنوية لا يكون إلا مرة في السنة، فلا يشق قضاؤه.","vol":"1","page":574},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>بَابُ تَسَتُّرِ المُغْتَسِلِ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ</span>\n\n[٣٣٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ- مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ- أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ.\n[خ: ٣٥٧]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ المُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ- مَوْلَى عَقِيلٍ- حَدَّثَهُ: أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ حَدَّثَتْهُ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَامُ الفَتْحِ، أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى غُسْلِهِ، فَسَتَرَتْ عَلَيْهِ فَاطِمَةُ، ثُمَّ أَخَذَ ثَوْبَهُ فَالْتَحَفَ بِهِ، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ سُبْحَةَ الضُّحَى.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: فَسَتَرَتْهُ ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا اغْتَسَلَ أَخَذَهُ فَالْتَحَفَ بِهِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانَ سَجَدَاتٍ، وَذَلِكَ ضُحًى.\n\n[٣٣٧] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا مُوسَى القَارِئُ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاءً، وَسَتَرْتُهُ، فَاغْتَسَلَ.\nقولها: «سُبْحَةَ»، يعني: سنة؛ وسميت سُبحة لأن فيها التسبيح.\nفي هذه الأحاديث: تصريح بأن هذه الصلاة هي صلاة الضحى، صلاها النبي ﷺ ثمان ركعاتٍ يوم الفتح، فاستدل بعض أهل العلم بذلك على أن سنة الضحى ثمانٍ ولا يزيد، لكن الصواب: أنه ليس لها حد، فأقلها ركعتان، ولا حدَّ لأكثرها.","vol":"1","page":575},{"text":"هذا ولم يعرف في حديث أنه ﷺ صلى الضحى إلا في هذا الحديث، لكن جاء أنه أوصى أبا هريرة ﵁ (^١)، وأبا الدرداء ﵁ (^٢)، وأبا ذر ﵁ (^٣)، بسنة الضحى، والسنة تثبت بالقول، أو بالفعل، أو بالتقرير.\nووقت صلاة الضحى يبدأ من ارتفاع الشمس قدر ربع ساعة، أو ثلث ساعة من طلوعها إلى قبيل الظهر.\nقوله: «فَصَلَّى ثَمَانَ سَجَدَاتٍ» سجدات، يعني: ركعات، وسميت الركعة سجدة؛ لأن السجدة أهم أركان الركعة.\nوفي هذه الأحاديث: مشروعية الاستتار عند الاغتسال عند المحارم والأقارب، أما إذا لم يكن عنده أحد فلا بأس بالاغتسال عريانًا كما سيأتي.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٧٨)، ومسلم (٧٢١).\n(^٢) أخرجه مسلم (٧٢٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (٧٢٠).","vol":"1","page":576},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَى العَوْرَاتِ</span>\n\n[٣٣٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحُبَابِ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا المَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ المَرْأَةِ، وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلَا تُفْضِي المَرْأَةُ إِلَى المَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ».\nوَحَدَّثَنِيهِ هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَا- مَكَانَ عَوْرَةِ-: «عُرْيَةِ الرَّجُلِ، وَعُرْيَةِ المَرْأَةِ».\nفي هذا الحديث: تحريم نظر الرجل إلى عورة الرجل، وعورةُ الرجل: من السرة إلى الركبة.\n\nوفيه: تحريم نظر المرأة إلى عورة المرأة، وقد دل ظاهر القرآن على أن المرأة لا تبدي للمرأة إلا ما تبديه لمحارمها مما جرت العادة بكشفه في البيت وحال المهنة كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، فينبغي للمرأة المسلمة الحرص على التستر والاحتشام فذلك أبعد عن أسباب الفتنة، وصيانة النفس عما تثيره دواعي الهوى الموقع في الفواحش، كما يجب الحذر من الوقوع فيما حرمه الله ورسوله من الألبسة التي فيها تشبه بالكافرات والعاهرات طاعة لله ورسوله ورجاء لثواب الله وخوفا من عقابه.","vol":"1","page":577},{"text":"وفيه: تحريم إفضاء الرجل إلى الرجل، وإفضاء المرأة إلى المرأة، ومعنى الإفضاء: ملامسة جسده جسدَ الآخر من غير حائل بينهما؛ لأنه يفضي إلى اللواط، أو السحاق - عياذًا بالله.","vol":"1","page":578},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>بَابُ جَوَازِ الِاغْتِسَالِ عُرْيَانًا فِي الخَلْوَةِ</span>\n\n[٣٣٩] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى ﵇ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا، إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ، قَالَ: فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِه، قَالَ: فَجَمَحَ مُوسَى بِإِثْرِهِ، يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْأَةِ مُوسَى، قَالُوا: وَاللَّهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، فَقَامَ الحَجَرُ حَتَّى نُظِرَ إِلَيْهِ، قَالَ: فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا»، قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ بِالْحَجَرِ نَدَبٌ سِتَّةٌ، أو سَبْعَةٌ ضَرْبُ مُوسَى بِالْحَجَرِ.\n[خ: ٢٧٨]\nقوله: «فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِه»، يعني: جرى، وهذا من آيات الله تعالى.\nوقوله: «فَجَمَحَ مُوسَى بِإِثْرِهِ»، يعني: قام مسرعًا يجري خلفه.\nوقوله: «نَدَبٌ»، يعني: أثر.\nفي هذا الحديث: دليل على جواز اغتسال الإنسان عريانًا إذا لم يكن عنده أحد.\nوفيه: أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون وهم عراة، وكان موسى ﵊ لا يغتسل عريانًا مثلهم، فقَالُوا: إن به عيبًا؛ لذا فهو يستتر عنا، فأراد الله أن يبرئه مما قالوا، فلما خلع موسى ثوبه ليغتسل وضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، وهذا من آيات الله تعالى! فجعل موسى يناديه: ثوبي يا","vol":"1","page":579},{"text":"حجر، حتى مر على بني إسرائيل ورأوه، فإذا هو من أحسن الناس خَلْقًا! فأخذ موسى ثوبه وجعل يضرب الحجر بالعصا، حتى أثَّر الضرب في الحجر، وهو من آيات الله العظيمة.\nوأيوب ﵇ كذلك اغتسل عريانًا، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ، وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٩).","vol":"1","page":580},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>بَابُ الِاعْتِنَاءِ بِحِفْظِ العَوْرَةِ</span>\n\n[٣٤٠] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، جميعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لَهُمَا- قال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: لَمَّا بُنِيَتْ الكَعْبَةُ، ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَبَّاسٌ يَنْقُلَانِ حِجَارَةً، فَقَالَ العَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى عَاتِقِكَ مِنَ الحِجَارَةِ، فَفَعَلَ، فَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ، وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: «إِزَارِي، إِزَارِي، فَشَدَّ عَلَيْهِ إِزَارَهُ».\nقَالَ ابْنُ رَافِعٍ فِي رِوَايَتِهِ: عَلَى رَقَبَتِكَ، وَلَمْ يَقُلْ: عَلَى عَاتِقِكَ.\n[خ: ٣٦٤]\nوَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ، وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ العَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابْنَ أَخِي، لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ، فَجَعَلْتَهُ عَلَى مَنْكِبِكَ دُونَ الحِجَارَةِ، قَالَ: فَحَلَّهُ، فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبِهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، قَالَ: فَمَا رُؤِيَ بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ عُرْيَانًا.\n\n[٣٤١] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ الأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: أَقْبَلْتُ بِحَجَرٍ أَحْمِلُهُ ثَقِيلٍ، وَعَلَيَّ إِزَارٌ خَفِيفٌ، قَالَ: فَانْحَلَّ إِزَارِي، وَمَعِيَ الحَجَرُ، لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَضَعَهُ، حَتَّى بَلَغْتُ بِهِ إِلَى مَوْضِعِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ارْجِعْ إِلَى ثَوْبِكَ، فَخُذْهُ، وَلَا تَمْشُوا عُرَاةً».","vol":"1","page":581},{"text":"- في هذا الباب: تحريم التعري، وحديث المسور بن مخرمة ﵁- وهو صحابي صغير- كان بعد البعثة، ولعل هذا كان في بناء المسجد النبوي، أما سقوطه ﷺ مَغشِيًّا عليه فكان قبل البعثة.","vol":"1","page":582},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>بَابُ مَا يُسْتَتَرُ بِهِ لِقَضَاءِ الحَاجَةِ</span>\n\n[٣٤٢] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ- وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ- مَوْلَى الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ، فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا، لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ، هَدَفٌ، أو حَائِشُ نَخْلٍ، قَالَ ابْنُ أَسْمَاءَ- فِي حَدِيثِهِ-: يعني: حَائِطَ نَخْلٍ.\nقوله: «هَدَفٌ» الهدف- بفتح الهاء والدال- هو: ما ارتفع من الأرض.\nوفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان يحتاط لبوله كما في هذا الحديث، كما ورد أيضًا أن النبي ﷺ كان يبعد عَنِ الأعين إذا أراد أن يقضي الحاجة (^١).\n- وفيه: أنه ينبغي الاستتار عند قضاء الحاجة بجدار، أو بحائش نخل، أو بحائط، يستره عَنِ الناس.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٨١٧١)، وأبو داود (١)، والترمذي (٢٠)، والنسائي (١٧)، وابن ماجه (٣٣١).","vol":"1","page":583},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>بَابُ إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ</span>\n\n[٣٤٣] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قال يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ شَرِيكٍ- يعني: ابْنَ أَبِي نَمِرٍ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ إِلَى قُبَاءَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي بَنِي سَالِمٍ، وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَابِ عِتْبَانَ، فَصَرَخَ بِهِ، فَخَرَجَ يَجُرُّ إِزَارَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَعْجَلْنَا الرَّجُلَ»، فَقَالَ عِتْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُعْجَلُ عَنْ امْرَأَتِهِ، وَلَمْ يُمْنِ، مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ».\nحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ».\n\n[٣٤٤] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ العَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو العَلَاءِ بْنُ الشِّخِّيرِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْسَخُ حَدِيثُهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَمَا يَنْسَخُ القُرْآنُ بَعْضُهُ بَعْضًا.\n\n[٣٤٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الحَكَمِ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَقَالَ: «لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ؟»، قَالَ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إِذَا أُعْجِلْتَ- أو: أَقْحَطْتَ- فَلَا غُسْلَ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ الوُضُوءُ».\n[خ: ١٨٠]\n\n[٣٤٦] حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبُو","vol":"1","page":584},{"text":"مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُصِيبُ مِنَ المَرْأَةِ، ثُمَّ يُكْسِلُ، فَقَالَ: «يَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنَ المَرْأَةِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي».\n[خ: ٢٩٣]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مَحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ المَلِيِّ عَنِ المَلِيِّ- يعني بِقَوْلِهِ: المَلِيِّ عَنِ المَلِيِّ- أَبُو أَيُّوبَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّهُ قَالَ- فِي الرَّجُلِ يَأْتِي أَهْلَهُ، ثُمَّ لَا يُنْزِلُ قال-: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ».\n\n[٣٤٧] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الوَارِثِ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ: أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الجُهَنِيَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، وَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ: يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ، قَالَ: عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\n[خ: ١٧٩]\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنِ الحُسَيْنِ قال يَحْيَى: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ: أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nقوله: «إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ» الماء الأول: ماء الغسل، والماء الثاني: ماء المني، أي: يجب الغسل إذا خرج المني، وهذا كان في أول الإسلام، كان الرجل إذا جامع زوجته ولم يُمْنِ غسل فرجه وتوضأ، وأجزأه ذلك عَنِ الغسل، ثُمَّ نُسخ هذا، فأوجب الله ﷾ الغسل بالجماع، بتغييب الحشفة في الفرج، أنزل أم لم يُنزل، كما سيأتي.\nقوله: «ثم يُكْسِلُ» الإكسال: عدم إنزال المني.","vol":"1","page":585},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>بَابُ نَسْخِ المَاءُ مِنَ المَاءِ، وَوُجُوبِ الغُسْلِ بِالْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ</span>\n\n[٣٤٨] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو غَسَّانَ المِسْمَعِيُّ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ، وَمَطَرٍ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الغُسْلُ».\nوَفِي حَدِيثِ مَطَرٍ: وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ قال زُهَيْرٌ: مِنْ بَيْنِهِمْ بَيْنَ أَشْعُبِهَا الأَرْبَعِ.\n[خ: ٢١٩]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ: ثم اجْتَهَدَ وَلَمْ يَقُلْ: وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ.\n\n[٣٤٩] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، وَهَذَا حَدِيثُهُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ رَهْطٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، وَالأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّونَ: لَا يَجِبُ الغُسْلُ إِلَّا مِنَ الدَّفْقِ، أو مِنَ المَاءِ، وَقَالَ المُهَاجِرُونَ: بَلْ إِذَا خَالَطَ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ، قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: فَأَنَا أَشْفِيكُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَقُمْتُ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَأُذِنَ لِي، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّاهْ- أو: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ- إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ شَيْءٍ، وَإِنِّي أَسْتَحْيِيكِ، فَقَالَتْ: لَا تَسْتَحْيِي أَنْ تَسْأَلَنِي عَمَّا كُنْتَ سَائِلًا عَنْهُ، أُمَّكَ الَّتِي وَلَدَتْكَ، أَنَا أُمُّكَ، قُلْتُ: فَمَا يُوجِبُ الغُسْلَ؟ قَالَتْ: عَلَى الخَبِيرِ سَقَطْتَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، وَمَسَّ الخِتَانُ الخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ».","vol":"1","page":586},{"text":"في هذا الحديث: بيان الناسخ لما سبق من الأحاديث السابقة، ويدل على أنه يجب الغسل بالجماع، ولو لم يُنزل.\nوقولها: «عَلَى الخَبِيرِ سَقَطْتَ»، يعني: وصلتَ إلى من يعرف الحكم، الخبير به، تعني: نفسها ﵂.\nوقولها: «وَمَسَّ الخِتَانُ الخِتَانَ»، يعني: ليس المراد منه حقيقة المس، بل المراد: تغييب رأس الذكر في الفرج، فهذا موجب للغسل أنْزل أم لم يُنزل.\n\n[٣٥٠] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُجَامِعُ أَهْلَهُ، ثُمَّ يُكْسِلُ، هَلْ عَلَيْهِمَا الغُسْلُ؟ وَعَائِشَةُ جَالِسَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَأَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا وَهَذِهِ، ثُمَّ نَغْتَسِلُ».\nفي هذا الحديث: أنه لا بأس أن يذكر مثل هذا عند بيان الحكم الشرعي، وإن كان يُستحيَى من مثله في العادة، لكنه يجوز عند الحاجة، للتأكيد على الحكم الشرعي.","vol":"1","page":587},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>بَابُ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ</span>\n\n[٣٥١] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ المَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَاهُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ».\n\n[٣٥٢] قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ وَجَدَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ عَلَى المَسْجِدِ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَتَوَضَّأُ مِنْ أَثْوَارِ أَقِطٍ أَكَلْتُهَا؛ لِأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ».\n\n[٣٥٣] قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ- وَأَنَا أُحَدِّثُهُ هَذَا الحَدِيثَ-: أَنَّهُ سَأَلَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنِ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، فَقَالَ عُرْوَةُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ».\nفي هذا الحديث: وجوب الوضوء مما مست النار، وكان هذا الحكم في أول الإسلام؛ ثم استقرت الشريعة على أنه لا يجب الوضوء مما مست النار كما سيأتي.\nوقوله: «إِنَّمَا أَتَوَضَّأُ مِنْ أَثْوَارِ أَقِطٍ أَكَلْتُهَا» أثوار الأقط: شيء مطبوخ من الأقط، وهو اللبن المتحجر، يجعل في الماء ويوضع على النار ليذوب، ثُمَّ يُشرب.","vol":"1","page":588},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>بَابُ نَسْخِ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ</span>\n\n[٣٥٤] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.\n[خ: ٢٠٧]\nوَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. ح، وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ عَرْقًا، أو لَحْمًا، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً.\n\n[٣٥٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفٍ، يَأْكُلُ مِنْهَا، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.\n[خ: ٢٠٨]\nحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَامَ، وَطَرَحَ السِّكِّينَ، وَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ.\n\n[٣٥٦] قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَنِي بُكَيْرُ بْنُ الأَشَجِّ عَنْ كُرَيْبٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنْ مَيْمُونَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ عِنْدَهَا كَتِفًا، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.\nقَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ الأَشَجِّ عَنْ كُرَيْبٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنْ مَيْمُونَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- بِذَلِكَ.","vol":"1","page":589},{"text":"[٣٥٧] قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي غَطَفَانَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: أَشْهَدُ لَكُنْتُ أَشْوِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَطْنَ الشَّاةِ، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.\nالعَرْق: هو العظم الذي بقي فيه شيء من لحم.\nاختلف العلماء في الجمع بين هذا الحديث، والحديث السابق «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» على قولين:\nالقول الأول: أن حديث: «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» منسوخ بهذا الحديث (^١)، ويؤيده حديث جابر ﵁ قَالَ: «كَانَ آخِرَ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: تَرْكُ الوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ» (^٢).\nالقول الثاني: الجمع بينهما بأن الأمر بالوضوء محمول على الاستحباب (^٣)، وهذا أرجح؛ لأنه إذا أمكن الجمع بين الحديثين فلا يُعدل إلى النسخ، وكونه ﷺ أكل كتف شاة ولم يتوضأ دليل على الجواز.\nوفي هذه الأحاديث: أنه لا بأس أن يُدعى الإمام والكبير إلى الصلاة \"فدعي إلى الصلاة\"؛ خشية أن ينشغل عنها.\nوفيها: أنه لا بأس من قطع اللحم بالسكين، وأنه ليس من فعل المترفين، وقد جاء في صحيح البخاري أن أبا هريرة ﵁ قَالَ: «وَاللهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ إِلَّا يَوْمَئِذٍ وَمَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا المُدْيَةُ» (^٤).\n_________\n(^١) التمهيد، لابن عبد البر (٣/ ٣٣٠)، المجموع، للنووي (٢/ ٥٩)، المغني، لابن قدامة (١/ ١٤١).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٩٢)، والنسائي (١٨٥).\n(^٣) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٠/ ٥٢٤).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٤٢٧).","vol":"1","page":590},{"text":"[٣٥٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَتَمَضْمَضَ، وَقَالَ: «إِنَّ لَهُ دَسَمًا».\n[خ: ٢١١]\nوَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، وَأَخْبَرَنِي عَمْرٌو. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ. ح، وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِإِسْنَادِ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَهُ.\n\n[٣٥٩] وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأُتِيَ بِهَدِيَّةٍ خُبْزٍ وَلَحْمٍ، فَأَكَلَ ثَلَاثَ لُقَمٍ، ثُمَّ صَلَّى بِالنَّاسِ، وَمَا مَسَّ مَاءً.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَاقَ الحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ حَلْحَلَةَ، وَفِيهِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، شَهِدَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ: «صَلَّى» وَلَمْ يَقُلْ: «بِالنَّاسِ».\nفي هذا الحديث: استحباب غسل الفم والمضمضة بالماء إذا أكل الإنسان شيئًا دسمًا.","vol":"1","page":591},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>بَابُ الوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ</span>\n\n[٣٦٠] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الغَنَمِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ، قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ، قَالَ: أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الإِبِلِ؟ قَالَ: لَا».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ سِمَاكٍ. ح، وَحَدَّثَنِي القَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ، وَأَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ كُلِّهُمْ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي كَامِلٍ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ.\nفي هذه الحديث: دليل على وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل، وأنه مستثنى من ترك الوضوء مما مسته النار (^١).\nالقول الثاني: أنه لا يجب الوضوء من أكل لحم الإبل، واستدلوا بحديث جابر ﵁: «كَانَ آخِرَ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: تَرْكُ الوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ» (^٢)، فجعلوا هذا شاملًا للحم الإبل وغيره (^٣).\n_________\n(^١) المغني، لابن قدامة (١/ ١٣٨ - ١٣٩)، الفتاوى الكبرى، لابن تيمية (١/ ٢٩٥ - ٢٩٧).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٩٢)، والنسائي (١٨٥).\n(^٣) بدائع الصنائع، للكاساني (١/ ٣٢)، المنتقى، للباجي (١/ ٦٥ - ٦٦)، المجموع، للنووي (٢/ ٥٦).","vol":"1","page":592},{"text":"والصواب: أن لحم الإبل مستثنى؛ لأن فيه خصوصية، وهي توجب الوضوء، سواء أكان نيئًا، أو مطبوخًا.\nمسألة: قال بعضهم: نقض الوضوء خاص باللحم الأحمر دون العصب والكبد والكرش ولحم الرأس، لكن الصواب: أنه عام، وهذا هو الأحوط؛ لأن الله تعالى لما حرم لحم الخنزير كان تحريمًا يشمل جميع بدن الخنزير، فلا يجوز الأكل من شحم الخنزير، ولا من عصبه، ورأسه (^١).\nمسألة: أما اللبن والمرق فلا يجب الوضوء منه، فإذا شرب من لبن الإبل، أو شرب من مرقها فلا يجب عليه الوضوء (^٢).\nوفيه: أنه يصلَّى في مرابض الغنم، ولا يصلَّى في مبارك الإبل، والمراد بمبارك الإبل: مكان إقامتها في الليل، أو مكان إقامتها عند الماء، والشيء العارض فلا بأس من الصلاة فيه، كأن يُنيخ البعير ثم يذهب، وهذا الموضع من المواضع السبعة التي نهى النبي ﷺ عَنِ الصلاة فيها، فقد جاء في بعض الأحاديث: «نهَى النبي ﷺ أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: فِي المَزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَفِي الحَمَّامِ، وَفِي مَعَاطِنِ الإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ» (^٣).\n_________\n(^١) الفروع، لابن مفلح (١/ ٢٣٦)، الإنصاف، للمرداوي (١/ ٢١٨).\n(^٢) المجموع، للنووي (٢/ ٦٠)، المغني، لابن قدامة (١/ ١٤٠)، كشاف القناع (١/ ٣٠٣).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣٤٦)، وابن ماجه (٧٤٦).","vol":"1","page":593},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، ثُمَّ شَكَّ فِي الحَدَثِ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِطَهَارَتِهِ تِلْكَ</span>\n\n[٣٦١] وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ، وَعَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ: شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أو يَجِدَ رِيحًا».\nقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ فِي رِوَايَتِهِمَا، هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ.\n[خ: ١٣٧]\n\n[٣٦٢] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ، أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ، أَمْ لَا، فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجِدِ، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أو يَجِدَ رِيحًا».\nهذا الحديث أصل من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعد الفقه، وهي: أن الأصل بقاء ما كان على ما كان، بمعنى: أن الأشياء تبقى على أصلها حتى يأتي ما يرفعها عن هذا الأصل، فالإنسان إذا تيقن الطهارة فهو يبقى على طهارته حتى يتيقن أنه أحدث، فإذا وجد في بطنه شيئًا، أو أشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرج حتى يتيقن بأن يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا، وهذا هو اليقين، واليقين لا يزول بالشك.","vol":"1","page":594},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>بَابُ طَهَارَةِ جُلُودِ المَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ</span>\n\n[٣٦٣] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ، فَمَاتَتْ، فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا، فَدَبَغْتُمُوهُ، فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟»، فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا».\nقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، فِي حَدِيثِهِمَا عَنْ مَيْمُونَةَ ﵂.\n[خ: ١٤٩٢]\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَدَ شَاةً مَيْتَةً- أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟ !»، قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ! فَقَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا».\nحَدَّثَنَا حَسَنٌ الحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حميد، جميعًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ بِنَحْوِ رِوَايَةِ يُونُسَ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ- وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَطْرُوحَةٍ، أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَلَّا أَخَذُوا إِهَابَهَا، فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ؟ !».\n\n[٣٦٤] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ- مُنْذُ حِينٍ- قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ مَيْمُونَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ دَاجِنَةً كَانَتْ لِبَعْضِ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَاتَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا، فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ؟».","vol":"1","page":595},{"text":"[٣٦٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ لِمَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ، فَقَالَ: «أَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟».\n[خ: ٢١٠]\nفي هذه الأحاديث: أن جلد الميتة يطهر إذا دُبغ، وأن الدباغ بمثابة الذكاة، فكما أن الذكاة تحل الذبيحة فكذلك الدباغ يُطهر الجلد، وهذا هو القول الأول.\nالقول الثاني: أن هذا خاص بمأكول اللحم، بخلاف السباع كالأسد والنمر والفهد والقرد وغيرها؛ فإن هذه لا تحلُّها الذكاة، فكذلك لا يطهر جلدها بالدباغ، وفسروا الإهاب بالجلد المعهود، وهو جلد مأكول اللحم.\nالقول الثالث: أن جلد الميتة لا يطهره الدباغ مطلقًا، وأنه لا يحل استعماله، ولعل هؤلاء لم يبلغهم الحديث.\nالقول الرابع: إن جلد الميتة من كل شيء يطهر بالدباغ، إلا جلد الكلب والخنزير.\nالقول الخامس: إلا الإنسان والخنزير (^١).\nوالقول بأن الحديث عام قول له وجاهته وقوته.\nمسألة: جلد الميتة إذا دبغ فإنه يطهر، وقد اختلف أهل العلم فيما يستعمل فيه، على قولين:\nالقول الأول: يستعمل في اليابسات دون المائعات.\nالقول الثاني: يستعمل في اليابسات والمائعات جميعًا، وهو الصواب،\n_________\n(^١) بدائع الصنائع، للكاساني (١/ ٨٥)، المجموع، للنووي (١/ ٢١٧)، الإفصاح عن معاني الصحاح، لابن هبيرة (٣/ ٢٥٢)، الاستذكار، لابن عبد البر (١٥/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، الإنصاف، للمرداوي (١/ ٨٧)، المحلى، لابن حزم (١/ ١٢٨)، مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢١/ ٩٥).","vol":"1","page":596},{"text":"يدل عليه قصة المرأة التي لقيها الصحابة حين نزلوا منزلًا وليس معهم ماء، فذهبوا يطلبون الماء، فوجدوا امرأة مشركة على بعير لها ومعها مزادتان (^١) من ماء، فأتوا بها إلى النبي ﷺ بمزادتي الماء وهي مشركة (^٢) ومعلوم أن ذبائح المشركين ميتة، ومع ذلك فإن النبي ﷺ أخذ من مائها، وهو مائع، فدل على جواز استعمال الجلد في المائع واليابس.\nقوله: «دَاجِنَة» الداجن هو: ما يألف البيوت من بهيمة الأنعام، أو من الطيور.\n_________\n(^١) المزادة معروفة، وهي أكبر من القربة، والمزادتان: حمل البعير؛ سميت مزادة لأنه يزاد فيها من جلد آخر من غيرها. شرح مسلم، للنووي (٥/ ١٩٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤٤)، ومسلم (٦٨٢).","vol":"1","page":597},{"text":"[٣٦٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ وَعْلَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُر».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ- يعني: ابْنَ مُحَمَّدٍ-.ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ- يعني: حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى.\nحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ ابْنُ مَنْصُور: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ أَبَا الخَيْرِ حَدَّثَهُ قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى ابْنِ وَعْلَةَ السَّبَئِيِّ فَرْوًا فَمَسِسْتُهُ، فَقَالَ: مَا لَكَ تَمَسُّهُ؟ قَدْ سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قُلْتُ: إِنَّا نَكُونُ بِالْمَغْرِبِ، وَمَعَنَا البَرْبَرُ، وَالْمَجُوسُ، نُؤْتَى بِالْكَبْشِ، قَدْ ذَبَحُوهُ وَنَحْنُ لَا نَأْكُلُ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَأْتُونَا بِالسِّقَاءِ، يَجْعَلُونَ فِيهِ الوَدَكَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «دِبَاغُهُ طَهُورُهُ».\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِي الخَيْرِ حَدَّثَهُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَعْلَةَ السَّبَئيُّ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قُلْتُ: إِنَّا نَكُونُ بِالْمَغْرِبِ، فَيَأْتِينَا المَجُوسُ بِالأَسْقِيَةِ، فِيهَا المَاءُ وَالْوَدَكُ، فَقَالَ: اشْرَبْ، فَقُلْتُ: أَرَأْيٌ تَرَاهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «دِبَاغُهُ طَهُورُهُ».\nقوله: «الإِهَابُ» اسم للجلد قبل أن يدبغ، فإذا دبغ فلا يسمى إهابًا.\nفي هذه الأحاديث: دليل للقائلين بأن جلد غير مأكول اللحم يطهر","vol":"1","page":598},{"text":"بالدباغ؛ لعموم كلمة الإهاب، ومن قَالَ: إنه خاص بمأكول اللحم قَالَ: اللام للعهد، فيكون الإهاب إهاب جلد مأكول اللحم.\nوفيها: دليل على استعمال الجلود في المائعات؛ لأن الودك- وهو السمن- مائع، والقول بأنه لا يستعمل إلا في اليابس قول ضعيف.","vol":"1","page":599},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>بَابُ التَّيَمُّمِ</span>\n\n[٣٦٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، أو بِذَاتِ الجَيْشِ، انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى التِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالُوا: أَلَا تَرَى إِلَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي، قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، قَالَتْ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ! وَجَعَلَ يَطْعُنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ- وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ-: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَعَثْنَا البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَوَجَدْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ.\n[خ: ٣٣٤]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ بِشْرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمَّا أَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا، وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً.","vol":"1","page":600},{"text":"في هذا الحديث فوائد عظيمة:\n١. جواز سفر الإنسان بزوجته، وأنه إذا كان له زوجات يقرع بينهن، فقد كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ (^١)، إلا إذا سمحنَ له بواحدة منهن.\n٢. جواز الاستعارة، والسفر بالعارية؛ لأن عائشة ﵂ استعارت عقدًا، وسافرت به.\n٣. عناية ولي الأمر بأصحابه، وعناية قائد الجيش بجنوده، والتماس حوائجهم؛ فإن النبي ﷺ أقام من أجل التماس العقد لما ضاع.\n٤. جواز وضع الرجل رأسه على فخذ زوجته أمام أبيها، وأنه لا حرج في ذلك.\n٥. جواز معاتبه الرجل ولده وتأديبه، ولو كان كبيرًا.\n٦. أن تكنية الإنسان أباه ليس من العقوق؛ لقول عائشة ﵂: عاتبني أبو بكر، ولم تقل: أبي.\n٧. أن الإنسان إذا فقد الماء والتراب فإنه يصلي بغير ماء، ولا تراب؛ ولا يعيد الصلاة؛ لأن الصلاة كانت قد حانت وليس عندهم ماء، ولم يكن قد شُرع وقتئذٍ التيمم، فصلوا بغير ماء، ولا تراب، فأقرهم النبي ﷺ.\n٨. أن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب، وأن هذا مما اختص الله به نفسه؛ ولهذا أرسل رسول الله ﷺ أناسًا يبحثون عَنِ العقد ولم يجدوه، فلما بعثوا البعير وجدوه تحته، فدل على أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٩٣)، ومسلم (٢٧٧٠).","vol":"1","page":601},{"text":"[٣٦٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، جميعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ المَاءَ شَهْرًا، كَيْفَ يَصْنَعُ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا يَتَيَمَّمُ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ شَهْرًا، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الآيَةِ، لَأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ المَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ المَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ، كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ»، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَوَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ؟ .\n[خ: ٣٤٧]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ، وَسَاقَ الحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ هَكَذَا»، وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ إِلَى الأَرْضِ، فَنَفَضَ يَدَيْهِ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ، وَكَفَّيْهِ.\nحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ العَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يعني: ابْنَ سَعِيدٍ القَطَّانَ- عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي الحَكَمُ عَنْ ذَرٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ مَاءً، فَقَالَ: لَا تُصَلِّ، فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ، فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدْ مَاءً، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ وَصَلَّيْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ","vol":"1","page":602},{"text":"الأَرْضَ»، ثُمَّ تَنْفُخَ، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ، وَكَفَّيْكَ، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ! قَالَ: إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ».\n[خ: ٣٣٨]\nقَالَ الحَكَمُ: وَحَدَّثَنِيهِ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ، مِثْلَ حَدِيثِ ذَرٍّ قَالَ: وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ عَنْ ذَرٍّ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَ الحَكَمُ، فَقَالَ عُمَرُ: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ.\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنِ الحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ ذَرًّا عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ: قَالَ الحَكَمُ: وَقَدْ سَمِعْتَهُ مِنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدْ مَاءً، وَسَاقَ الحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ: قال عَمَّارٌ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنْ شِئْتَ- لِمَا جَعَلَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ حَقِّكَ- لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا، وَلَمْ يَذْكُرْ: حَدَّثَنِي سَلَمَةُ عَنْ ذَرٍّ.\nفي هذه الأحاديث فوائد عظيمة:\n١. أن العالم الكبير قد يخطئ، ويعلمه من هو دونه، فإن عمر وابن مسعود ﵄ مع جلالة قدرهما قد خفيت عليهما هذه المسألة مع وضوحها في الكتاب والسنة، وذكر النووي ﵀ أنهما رجعَا عن هذا، ولعل هذا هو الأليق (^١)، فالحجة إنما هي في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فهما الحاكمان على كل أحد من الصحابة رضوان الله عليهم فمن دونهم، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾.\n٢. أن ولي الأمر إذا منع بعض الناس من التحديث لمصلحةٍ يراها، فإنه يجب امتثالُ أمره.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٤/ ٥٧).","vol":"1","page":603},{"text":"٣. أن التيمم ضربة واحدة للحدث الأكبر، أو الأصغر.\n٤. أنه لا يُمسح الذراعان في التيمم، خلافا للشافعية (^١)، بل يُمسح الوجه والكفان فقط، فقوله: «فَنَفَضَ يَدَيْهِ»، أي: فعل ذلك لتخفيف الغبار؛ إذ ليس المقصود تغبير الوجه، إنما المقصود الامتثال، فإذا كان في يديه غبار كثيف نفخ فيهما حتى يخفف الغبار.\n٥. أن مسح الكفين عام لظاهرهما وباطنهما، وليس للظاهر كما يظنه بعض الناس.\n٦. أنه لا بد من الترتيب في التيمم، فنبدأ أولًا بمسح الوجه، ثُمَّ نمسح الكفين، وذلك في الحدثين الأكبر والأصغر، وفي بعض الروايات تقديم اليدين على الوجه، ومسح الشمال، ثُمَّ الوجه (^٢)، وهذا من تصرف بعض الرواة في الرواية بالمعنى، وفي الحديث: «ابْدَأُوا بِمَا بَدَأ الله بِهِ» (^٣)، والله تعالى يقول: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾.\n_________\n(^١) المجموع، للنووي (٢/ ٢١٢)، مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (١/ ٢٦٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤٧)، ومسلم (٣٧٠).\n(^٣) أخرجه النسائي (٢٩٦٢).","vol":"1","page":604},{"text":"[٣٦٩] قَالَ مُسْلِم: وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ عُمَيْرٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَسَارٍ- مَوْلَى مَيْمُونَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي الجَهْمِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ أَبُو الجَهْمِ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَحْو بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ، حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الجِدَارِ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇.\n[خ: ٣٣٧]\nقوله: «بِئْرِ جَمَلٍ» اسم مكان قرب المدينة.\nوقوله: «فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇»، وفي لفظ آخر: «إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ ﷿ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ- أَوْ قَالَ: عَلَى طَهَارَةٍ» (^١): هذا من باب الاستحباب، وإلا فرد السلام وذكر الله ﷿ جائز، ولو كان على غير طهارة، كما في الحديث الآخر: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ (^٢).\nوفي هذا الحديث: أن الإنسان إذا عدم الماء فله أن يتيمم على الجدار، وفي لفظ آخر: «عَنِ ابْنِ الصِّمَّةِ ﵁ قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ حَتَّى قَامَ إِلَى جِدَارٍ فَحَتَّهُ بِعَصًا» (^٣)، وحينئذٍ لا يحتاج إلى استئذان صاحب الجدار، كما ذكر النووي ﵀ (^٤).\nأما من كان في البلد فليس له أن يتيمم، ولو فاتته صلاة الجماعة، أو خاف فوات صلاة الجماعة، وليس له- أيضًا- أن يتيمم في صلاة الجنازة، فلا يصح أن\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٧)، وابن حبان (٨٠٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٧٤).\n(^٣) أخرجه الشافعي في مسنده (٣٠)، والبيهقي في الكبرى (٩١٦).\n(^٤) شرح مسلم، للنووي (٤/ ٦٥).","vol":"1","page":605},{"text":"يصلي على الجنازة، ولا الجمعة، ولا الفريضة- عند وجود الماء- بالتيمم؛ لخوف خروج الوقت؛ لأن الوضوء شرط من شروط صحة الصلاة، ولا يصح التيمم إلا عند فقد الماء حقيقةً، أو حُكمًا.\nوفيه: حجة لمن قال: إن التيمم يرفع الحدث كالماء سواء بسواء، ولا يبطل إلا بالحدث، أو وجود الماء، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (^١)، وعلى هذا فله أن يتيمم قبل دخول الوقت، وإذا تيمم فله أن يصلي به فريضة، أو فريضتين، أو أكثر، إلى أن يُحدِثَ، أو يجد الماء.\n\n[٣٧٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا مَرَّ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبُولُ، فَسَلَّمَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ.\n- في هذا الحديث دليل على أن الذي يبول لا يُسَلَّم عليه، وإذا سُلِّمَ عليه فلا يرد؛ لأنه في حالة يُكره فيها ذكر اسم الله.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوي، لابن تيمية (٢١/ ٣٥٢).","vol":"1","page":606},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ المُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ</span>\n\n[٣٧١] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يعني: ابْنَ سَعِيدٍ- قَالَ حُمَيْدٌ: حَدَّثَنَا. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ لَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ المَدِينَةِ، وَهُوَ جُنُبٌ، فَانْسَلَّ، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ، فَتَفَقَّدَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقِيتَنِي وَأَنَا جُنُبٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سُبْحَانَ اللَّهِ! إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ».\n[خ: ٢٨٥]\n\n[٣٧٢] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَقِيَهُ وَهُوَ جُنُبٌ، فَحَادَ عَنْهُ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: كُنْتُ جُنُبًا! قَالَ: «إِنَّ المُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ».\nفي هذا الحديث: بيان مشروعية التسبيح عند التعجب؛ خلافًا لما يفعله بعض الناس من التصفيق؛ لأن التصفيق من أخلاق المشركين، ومن أخلاق النساء، وفي الحديث: «إِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» (^١)، والمشركون تعبدوا الله بالتصفيق، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وتَصْدِيَةً﴾، والمكاء: التصفير، والتصدية: التصفيق، وما يفعله البعض في الحفلات من التصفير والتصفيق لا يجوز، وينبغي للإنسان أن يسبح الله، ويكبر الله؛ ولهذا سبح النبي ﷺ، فقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨٤).","vol":"1","page":607},{"text":"وفيه: دليل على أن المؤمن طاهر ولو كان عليه حدث أكبر، والكافر طاهر أيضًا، وأما نجاسته فمعنوية، فقد صار نجسًا بالشرك، أما عَرَقه ولعابه فهو طاهر.","vol":"1","page":608},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَالِ الجَنَابَةِ وَغَيْرِهَا</span>\n\n[٣٧٣] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنِ البَهِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ.\n\nفي هذا الحديث: أن الإنسان لو كان عليه جنابة، فله أن يذكر الله ويدعو الله، إلا قراءة القرآن؛ لما جاء في الحديث: «فَأَمَّا الجُنُبُ فَلَا، وَلَا آيَةَ» (^١) وأما إذا قرأ آية ولم يُرد القراءة، بل أراد الدعاء، فلا بأس.\nمسألة: اختلف العلماء في الحائض والنفساء هل تقرآن القرآن، أو لا؟\nالقول الأول: أنهما لا تقرآن القرآن، قياسًا على الجنب، واستدلوا بحديث: «لا تَقْرَأِ الحَائِضُ وَلا النُّفَسَاءُ مِنَ القُرْآنِ شَيْئًا» (^٢)، لكنه حديث ضعيف.\nالقول الثاني: تجوز قراءة الحائض والنفساء للقرآن لكن لا تمسَّان المصحف، وفرق بينهما وبين الجنب بأن الجنب مدته لا تطول، فيستطيع أن يغتسل إذا فرغ من حاجته ويقرأ القرآن، أما الحائض والنفساء فليس ذلك من اختيارهما، ومدتهما تطول، ولا سيما النفساء، وإذا كانت حافظة للقرآن، فإنها تُعرضه للنسيان لطول المدة (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٩١٦).\n(^٢) أخرجه الدارقطني (١٨٦٠)، قَالَ: البيهقي- في السنن الكبرى (١/ ٨٩) -: فيه إسماعيل بن عياش وهو منكر الحديث.\n(^٣) المبسوط، للسرخسي (٣/ ١٥٢)، حاشية الدسوقي، للدسوقي (١/ ١٧٤)، المجموع، للنووي (١/ ١٠٦)، المغني، لابن قدامة (١/ ٣٨٧)، الاختيارات، لابن تيمية (ص ٤٠٠).","vol":"1","page":609},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>بَابُ جَوَازِ أَكْلِ المُحْدِثِ الطَّعَامَ، وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ الوُضُوءَ لَيْسَ عَلَى الفَوْرِ</span>\n\n[٣٧٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحُوَيْرِثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنَ الخَلَاءِ فَأُتِيَ بِطَعَامٍ، فَذَكَرُوا لَهُ الوُضُوءَ، فَقَالَ: «أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ، فَأَتَوَضَّأَ؟ !».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحُوَيْرِثِ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَ مِنَ الغَائِطِ، وَأُتِيَ بِطَعَامٍ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَوَضَّأُ؟ فَقَالَ: «لِمَ، أَأُصَلِّي، فَأَتَوَضَّأَ؟ !».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحُوَيْرِثِ- مَوْلَى آلِ السَّائِبِ- أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الغَائِطِ، فَلَمَّا جَاءَ قُدِّمَ لَهُ طَعَامٌ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَوَضَّأُ؟ قَالَ: «لِمَ أَلِلصَّلَاةِ؟ !».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ حُوَيْرِثٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى حَاجَتَهُ مِنَ الخَلَاءِ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ، فَأَكَلَ، وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً.\nقَالَ: وَزَادَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحُوَيْرِثِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَمْ تَوَضَّأْ؟ قَالَ: «مَا أَرَدْتُ صَلَاةً فَأَتَوَضَّأَ؟ !».\nوَزَعَمَ عَمْرٌو أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الحُوَيْرِثِ.\n- في هذه الأحاديث: أنه لا بأس بأن يأكل المحدث حدثًا أصغر ويشرب، بل لا يستحب له الوضوء، وإنما يستحب الوضوء لمن أراد أن يقرأ القرآن،","vol":"1","page":610},{"text":"أو يذكر الله، أو ينام، ويتأكد الوضوء في حقه عند النوم؛ ولهذا لما سأل عمر ﵁ النبي ﷺ كما سبق، فقَالَ: أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٠٦).","vol":"1","page":611},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا أَرَادَ دُخُولَ الخَلَاءِ</span>\n\n[٣٧٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَالَ يَحْيَى- أَيْضًا-: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ، فِي حَدِيثِ حَمَّادٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ، وَفِي حَدِيثِ هُشَيْمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ الكَنِيفَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ».\n[خ: ١٤٢]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ».\nفي هذا الحديث: أنه يستحب هذا الذكر لمن أراد دخول الخلاء: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ» والخبث بسكون الباء وبضمها، وجهان، وهو بالضم جمع خبيث، وهم: ذكران الشياطين، والخبائث: إناث الشياطين، جمع خبيثة، والمعنى: أنه استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم، فيستحب قوله هذا إذا أراد دخول الخلاء، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، يعني: إذا أردت.\nأما ما جاء في رواية ابن ماجه من قوله: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ، الخَبِيثِ المُخْبِثِ، الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (^١) فهذا حديث ضعيف. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٩٩)، والطبراني في الكبير (٧٨٤٩).\n(^٢) قال ابن الملقن- في البدر المنير (٢/ ٣٩٣) -: رواه ابن ماجه في سننه من حديث عبيد الله بن زحر الأفريقي، وهو مختلف فيه، وله مناكير، ضعفه أحمد.","vol":"1","page":612},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ نَوْمَ الجَالِسِ لَا يَنْقُضُ الوُضُوءَ</span>\n\n[٣٧٦] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ. ح، وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَجِيٌّ لِرَجُلٍ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الوَارِثِ: وَنَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يُنَاجِي الرَّجُلَ، فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، حَتَّى نَامَ القَوْمُ.\n[خ: ٦٤٢]\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ العَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ ﷺ يُنَاجِي رَجُلًا، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاجِيهِ، حَتَّى نَامَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى بِهِمْ.\nوَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- وَهُوَ ابْنُ الحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَان أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنَامُونَ، ثُمَّ يُصَلُّونَ، وَلَا يَتَوَضَّئُونَ قَالَ: قُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ أَنَسٍ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ.\nحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: أُقِيمَتِ صَلَاةُ العِشَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ: لِي حَاجَةٌ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُنَاجِيهِ حَتَّى نَامَ القَوْمُ، أو بَعْضُ القَوْمِ، ثُمَّ صَلَّوْا.\nفي هذه الأحاديث:\n١. أنه لا بأس بالمناجاة سرًّا بين الجماعة الكثيرين، إنما النهي مخصوص إذا كانوا ثلاثة، فيتناجى اثنان منهما دون الثالث (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٢٩٠)، ومسلم (٢١٨٤).","vol":"1","page":613},{"text":"٢. أنه لا بأس بالكلام بعد إقامة الصلاة.\n٣. أنه لا تعاد الإقامة، ولو طال الفصل بينها وبين الأذان.\nوالمراد بالنوم هنا: النعاس الذي لا يزول معه الإحساس، فهذا لا ينقض الوضوء، أما النوم المستغرِق الذي يزول معه الإحساس فهو الذي ينقض الوضوء، وهذا هو الصواب (^١)، كما في حديث صفوان بن عسال ﵁: «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ» (^٢)، وفي مسألة الباب أقوال كثيرة.\n* * *\n_________\n(^١) رد المحتار، لابن عابدين (١/ ١٤٣)، مواهب الجليل، للحطاب (١/ ٢٩٥)، المجموع، للنووي (٢/ ١٣ - ١٧)، روضة الطالبين، للنووي (١/ ٧٤).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٨٠٩١)، والترمذي (٩٦)، والنسائي (١٥٨)، وابن ماجه (٤٧٨).","vol":"1","page":614},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>كِتَابُ الصَّلَاةِ</span>","vol":"2","page":3},{"text":"كِتَابُ الصَّلَاةِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>بَابُ بَدْءِ الأَذَانِ</span>\n\n[٣٧٧] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ- مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ، فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَوَاتِ، وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَرْنًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا بِلَالُ، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ».\n[خ: ٦٠٤]\nفي هذا الحديث: أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتشاورون في التنبيه للصلاة: هل يتخذون ناقوسًا، أو قرنا مثل قرن اليهود، فيكون ذلك علامة لدخول الوقت، فقال عمر ﵄: تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة، ثُمَّ قال النبي ﷺ: «يَا بِلَالُ، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ».\nوجاء في حديث عبد الله بن زيد ﵁ قال: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنَّاقُوسِ لِيُضْرَبَ بِهِ للنَّاسِ فِي الجَمْعِ للصَّلَاةِ، طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: مَا تَصْنَعُ","vol":"2","page":5},{"text":"بِهِ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى، قَالَ: تَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ قَالَ: تَقُولُ- إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ-: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ، فَقَالَ: «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ- إِنْ شَاءَ اللهُ- فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ» قال: فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ، فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ، ويُؤَذِّنُ بِهِ، قَالَ: فَسَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ- وَهُوَ فِي بَيْتِهِ-، فَخَرَجَ يَجُرُّ\nرِدَاءَهُ يَقُوُل: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي أُرِي، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «فَلِلَّهِ الحَمْدُ» (^١).\nويجمع بين حديث ابن عمر وبين حديث عبد الله بن زيد ﵄: بأن كليهما أُرِي الأذان.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦٤٧٨)، وأبو داود (٤٩٩)، والترمذي (١٨٩)، وابن ماجه (٧٠٦).","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>بَابُ الأَمْرِ بِشَفْعِ الأَذَانِ، وَإِيتَارِ الإِقَامَةِ</span>\n\n[٣٧٨] حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، جَمِيعًا عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ.\n[خ: ٦٠٣]\nزَادَ يَحْيَى فِي حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، فَحَدَّثْتُ بِهِ أَيُّوبَ، فَقَالَ: إِلَّا الإِقَامَةَ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ذَكَرُوا أَنْ يُعْلِمُوا وَقْتَ الصَّلَاةِ، بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ، فَذَكَرُوا أَنْ يُنَوِّرُوا نَارًا، أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا، فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ بِهَذَا الإِسْنَادِ: لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ ذَكَرُوا أَنْ يُعْلِمُوا، بِمِثْلِ حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَنْ يُورُوا نَارًا.\nوَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ قَالَا: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُمِرَ بِلَالٌ، أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ.\nقوله: «أُمِرَ بِلَالٌ»، أي: أمره رسول الله ﷺ، فهذا له حكم الرفع، وهو الصواب الذي عليه جمهور العلماء.\nوقوله: «أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ» معنى الشفع: تثنية الأذان: فيقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أربع مرات، ثُمَّ تثنية الشهادتين: أشهد أن لا اله إلا الله، أشهد أن لا اله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثُمَّ حي على الصلاة، مثناة، ثُمَّ","vol":"2","page":7},{"text":"حي على الفلاح، مثناة، الله أكبر الله أكبر، مثنى، ويستثنى: لا إله إلا الله، فتقال مرة واحدة.\nومعنى الإيتار: إفراد الإقامة، فيُنادَى بألفاظ الإقامة مرة واحدة.\nوقوله: «إِلَّا الإِقَامَةَ»، أي: إلا قول: قد قامت الصلاةُ، فَتُشفع، أي: يُنادَى بها مرتين، وعلى هذا تكون الإقامة هكذا: يكون التكبير مرتين، والشهادتان مرةً واحدة، وحي على الصلاة، مرةً، وحي على الفلاح، مرةً، وقد قامت الصلاة، شفعًا، وكذلك الله أكبر الله أكبر، شفعًا.","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>بَابُ صِفَةِ الأَذَانِ</span>\n\n[٣٧٩] حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ أَبُو غَسَّانَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا مُعَاذُ ابْنُ هِشَامٍ صَاحِبِ الدَّسْتَوَائِيِّ، وَحَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَامِرٍ الأَحْوَلِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ عَلَّمَهُ هَذَا الأَذَانَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ يَعُودُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَرَّتَيْنِ، زَادَ إِسْحَاقُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ».\nفي هذا الحديث: أن هذا الأذان- الذي يُسمى أذان أبي محذورة- علَّمه إياه النبيُّ ﷺ أن يؤذِّنَ به لما فُتحت مكة، وجاء سبب اختياره في السنن عن أبي محذورة قال: خَرَجْتُ فِي عَشْرَةِ فِتْيَانٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ- وَهُوَ أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيْنَا- فَأَذَّنُوا، فَقُمْنَا نُؤَذِّنُ، نَسْتَهْزِئُ بِهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ائْتُونِي بِهَؤُلَاءِ الفِتْيَانِ»، فَقَالَ: «أَذِّنُوا» فَأَذَّنُوا، فَكُنْتُ أَحَدَهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «نَعَمْ، هَذَا الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ، اذْهَبْ فَأَذِّنْ لِأَهْلِ مَكَّةَ»، فَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ، وَقَالَ: «قُلْ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مَرَّتَيْنِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ ارْجِعْ، فَاشْهَدْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مَرَّتَيْنِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، مَرَّتَيْنِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ مَرَّتَيْنِ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَإِذَا أذَّنْتَ بِالأَوَّلِ مِنَ الصُّبْحِ فَقُلْ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَقُلْهَا مَرَّتَيْنِ،","vol":"2","page":9},{"text":"قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، أَسَمِعْتَ؟» قال: وكَانَ أَبُو مَحْذُورَةَ لَا يَجُزُّ نَاصِيَتَهُ وَلَا يَفْرِقُهَا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَسَحَ عَلَيْهَا» (^١).\nوهذا الأذان فيه الترجيع، وهو الإتيان بالشهادتين مرتين سرًّا، ثُمَّ يعود فيأتي بهما مرتين يرفع فيهما صوته.\nفتكون جمل الأذان عند أبي محذورة تسع عشرة، وأذان بلال خمس عشرة جملة؛ لأن في أذان أبي محذورة زيادة الشهادتين مرتين سرًّا.\nوهنا في صحيح مسلم لم يذكر التكبير في أذان أبي محذورة إلا مرتين: الله أكبر الله أكبر، لكن ذكر في غير صحيح مسلم في رواية أحمد (^٢) وأصحاب السنن (^٣) أن التكبير أربع في أوله، فالأذان جاء على أنواع، وكذلك الاستفتاح جاء على أنواع، وإذا اختار المسلم أيهما فله ذلك، لكن الأفضل أذان بلال؛ لأنه هو الذي كان يؤذن به عند النبي ﷺ، وقد لزمه ﵁ حتى وفاته ﷺ.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٥٣٧٦)، وأبو داود (٥٠١)، والنسائي (٦٣١).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٥٣٧٦).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٥٠١)، والنسائي (٦٣١).","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>بَابُ اسْتِحْبَابِ اتِّخَاذِ مُؤَذِّنَيْنِ لِلْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ</span>\n\n[٣٨٠] حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنَانِ: بِلَالٌ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ عَنْ عَائِشَةَ، مِثْلَهُ.\nفيه: جواز اتخاذ مؤذنين فأكثر في المسجد الواحد.","vol":"2","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>بَابُ جَوَازِ أَذَانِ الأَعْمَى إِذَا كَانَ مَعَهُ بَصِيرٌ</span>\n\n[٣٨١] حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ مَخْلَدٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ أَعْمَى.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nفي هذا الحديث: أنه لا بأس بأذان الأعمى، لكن ينبغي إذا كان المؤذن أعمى أن يكون معه آخر بصير، وكان النبي ﷺ يؤذن له بلال وابن أم مكتوم ﵄، وكان بلال ﵁ يؤذن قبل الفجر، وابن أم مكتوم ﵁ يؤذن الصبح؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِي ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»، ثُمَّ قال: وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى، لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحتَ (^١).\nوالأذان جائز قبل الوقت في الفجر فقط؛ أما في غير الفجر فلا يجوز الأذان إلا بعد دخول الوقت؛ ولهذا جاء في الحديث الآخر: «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ- أَوْ قَالَ: نِدَاءُ بِلَالٍ- مِنْ سُحُورِهِ؛ فَإِنَّه يُؤَذِّنُ- أو قَالَ: يُنَادِي- بِلَيْلٍ؛ لِيُرْجِعَ قَائِمَكُمْ، ويُوقِظَ نَائِمَكُمْ» (^٢)؛ فالأذان الأول يخبر بأن الفجر قريب حتى يستعد القائم ويخفف الصلاة ويوتر، ويوقظ النائم فيستعد ويتوضأ للصلاة ويوتر؛ ولهذا لا يؤذن للأذان الأول قبل أذان الفجر بكثير؛ لأنه إذا كان كذلك لم يحصل المقصود، فإنه ﷺ قد بين العلة «ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم»، فإنما تحصل الفائدة إذا أذن قريبًا من الفجر.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦١٧)، ومسلم (١٠٩٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٢١)، ومسلم (١٠٩٣).","vol":"2","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>بَابُ الإِمْسَاكِ عَنِ الإِغَارَةِ عَلَى قَوْمٍ فِي دَارِ الْكُفْرِ إِذَا سُمِعَ فِيهِمُ الأَذَانُ</span>\n\n[٣٨٢] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ- عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، وَكَانَ يَسْتَمِعُ الأَذَانَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وَإِلَّا أَغَارَ، فَسَمِعَ رَجُلًا، يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلَى الْفِطْرَةِ»، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ»، فَنَظَرُوا، فَإِذَا هُوَ رَاعِي مِعْزًى.\nفي هذا الحديث: أن الأذان دليل على الإسلام، وأنه لا بد منه في كل بلد، وأنه إذا تواطأ أهل بلد على تركه فإنهم يُقاتَلون.\nوفيه: أن من أذَّن يُحكم بإسلامه؛ لأنه ينطق بالشهادتين، ثُمَّ بعد ذلك يُنظر، إن التزم فالحمد لله، وإن لم يلتزم كان مرتدًّا.\nوفيه: إن إجابة المؤذن عن صدق وإخلاص من أسباب دخول الجنة.\nوفيه: مشروعية الأذان للمسافر، ولمن كان في البرية؛ ولهذا أوصى أبو سعيد الخدري عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ﵄، فقال: إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ والبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ، أَوْ بَادِيَتِكَ، فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ باِلنِّدَاءِ؛ فَإِنَّهُ: «لَا يَسْمَعُ مَدَىَ صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ، وَلَا إِنْسٌ، وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»، قالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ (^١).\nوفيه: أن إجابة المؤذن ليست واجبة، وإنما هي مستحبة، وأن الحديث\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٩).","vol":"2","page":13},{"text":"الآتي: «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ» على الاستحباب، وصُرف الأمر في هذا الحديث عن الوجوب بما ورد في حديث الباب ووجه ذلك: أن النبي ﷺ لم يقل مثل ما قال المؤذن.","vol":"2","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقَوْلِ مِثْلِ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ لِمَنْ سَمِعَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ لَهُ الْوَسِيلَةَ</span>\n\n[٣٨٣] حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ».\n[خ: ٦١١]\n\n[٣٨٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ حَيْوَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ وغيرهما عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ».\nقوله: «ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ» الوسيلة: أعلى منزلة في جنة الفردوس، وسقفها عرش الرحمن.\nوفي هذا الحديث: فضل إجابة المؤذن، ثُمَّ الصلاة على النبي ﷺ، ثُمَّ الدعاء، وفي الحديث: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، والصَّلَاةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ والفَضِيلةَ، وابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدتَّهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» (^١).\nوفيه: أن من أجاب المؤذن وصلى على النبي ﷺ، ودعا له بالوسيلة،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦١٤).","vol":"2","page":15},{"text":"نال الشفاعة، بشرط التوحيد والإخلاص واجتناب الشرك، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: يا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ؟ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ» (^١)، وقال الله تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾؛ والنصوص يُضم بعضها إلى بعض، فالنصوص التي فيها: أن من أجاب المؤذن حلت له الشفاعة، والنصوص الأخرى التي دلت على أن المشرك لا شفاعة له، يجمع بينها: بأن من أجاب المؤذن وكان موحِّدًا ومات على التوحيد بعيدًا عن الشرك حلت له الشفاعة، وأن مَن أجاب المؤذن وهو مشرك وأصر على الشرك، فليس له شفاعة - نعوذ بالله من ذلك-.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٩).","vol":"2","page":16},{"text":"[٣٨٥] حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسَافٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ أَحَدُكُمُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مِنْ قَلْبِهِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ».\nفي هذا الحديث: أن الأفضل في كيفية الأذان فصل التكبيرات، فيكبر كل تكبيرة على حدة: الله أكبر، الله أكبر؛ مثل الوقوف على رؤوس الآيات في قراءة القرآن، قال عمر بن عبد العزيز ﵀ لمؤذنه: «أذِّنْ أذانًا سمحًا، وإلا فاعتزلنا» (^١).\nويسن أن يكون المؤذن حسن الصوت، ولكن لا يشرع التكلف والتلحين مثل تلحين الغناء، أَوْ تكون جمل الأذان غير متناسبة، واحدة يطولها وواحدة يقصرها؛ ولهذا قيل: يكره الأذان الملحَّن.\nويسن إجابة المؤذن في الأذان والإقامة، فيقول السامع مثل ما يقول، إلا في الحيعلتين، فيقول: لا حول وَلَا قوة إلا بالله، ويقول في الفجر: الصلاة خير من النوم، كما يقول المؤذن.\n_________\n(^١) علَّقه البخاري في الصحيح (١/ ١٢٥) بصيغة الجزم، ووصله ابن أبي شيبة في المصنف (٢٣٧٥).","vol":"2","page":17},{"text":"[٣٨٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ الْحُكَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْقُرَشِيِّ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ الْحُكَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ».\nقَالَ ابْنُ رُمْحٍ فِي رِوَايَتِهِ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: وَأَنَا أَشْهَدُ»، وَلَمْ يَذْكُرْ قُتَيْبَةُ قَوْلَهُ: «وَأَنَا».\nقوله: «وَأَنَا أَشْهَدُ»، يعني: يقول حين يسمع الأذان: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، ويسن قول هذا الدعاء بعد الشهادتين، وقبل قول المؤذن: حي على الصلاة، وليس كما يظنه بعض الناس أنه يقال في آخر الأذان.","vol":"2","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>بَابُ فَضْلِ الأَذَانِ، وَهَرَبِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ سَمَاعِهِ</span>\n\n[٣٨٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَمِّهِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ يَدْعُوهُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nوَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nفي هذا الحديث: فضل المؤذنين، وأن الله ﷿ جعلهم أطولَ الناس أعناقًا يوم القيامة؛ لأنهم ينادون بالتكبير، ويرفعون بها أصواتهم، وينادون بالشهادتين، ويدعون إلى الصلاة.\nوورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالحًا﴾: أنه المؤذن (^١)، أي: أن المؤذن يدخل في هذه الآية.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٠/ ٤٣٠).","vol":"2","page":19},{"text":"[٣٨٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ، ذَهَبَ حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ»، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَسَأَلْتُهُ عَنِ الرَّوْحَاءِ؟ فَقَالَ: هِيَ مِنَ الْمَدِينَةِ، سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ مِيلًا.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.\nفي هذا الحديث: أن الشيطان حين الأذان يهرب إلى مكان بعيد؛ ليشوش على نفسه حتى لا يسمع صوت الأذان، ثُمَّ يرجع بعد الأذان ويشوِّش على الإنسان، حتى يخطر بينه وبين نفسه، وَلَا يمنعه من ذلك تشهد المصلي في الصلاة؛ لأنه لا يرفع بها صوته، بخلاف المؤذن الذي يجهر بالأذان.\nوهذا الشيطان الذي يهرب المراد به: جنس الشيطان، أما القرين فإن النصوص دلت على أنه ملازم للإنسان لا يفارقه.\nوقوله: «سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ مِيلًا»، أي: قريب من خمسين كيلو مترًا، أَوْ ثمان وأربعين كيلو مترًا.","vol":"2","page":20},{"text":"[٣٨٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- قَالَ إِسْحَاق: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ أَحَالَ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ صَوْتَهُ، فَإِذَا سَكَتَ رَجَعَ فَوَسْوَسَ، فَإِذَا سَمِعَ الإِقَامَةَ ذَهَبَ حَتَّى لَا يَسْمَعَ صَوْتَهُ، فَإِذَا سَكَتَ رَجَعَ فَوَسْوَسَ».\n[خ: ٦٠٨]\nحَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ حُصَاصٌ».\nحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا رَوْحٌ عَنْ سُهَيْلٍ قَالَ: أَرْسَلَنِي أَبِي إِلَى بَنِي حَارِثَةَ قَالَ: وَمَعِي غُلَامٌ لَنَا- أَوْ: صَاحِبٌ لَنَا- فَنَادَاهُ مُنَادٍ مِنْ حَائِطٍ بِاسْمِهِ، قَالَ: وَأَشْرَفَ الَّذِي مَعِي عَلَى الْحَائِطِ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي، فَقَالَ: لَوْ شَعَرْتُ أَنَّكَ تَلْقَ هَذَا لَمْ أُرْسِلْكَ، وَلَكِنْ إِذَا سَمِعْتَ صَوْتًا فَنَادِ بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ وَلَّى وَلَهُ حُصَاصٌ».\nقوله: «فَنَادَاهُ مُنَادٍ مِنْ حَائِطٍ بِاسْمِهِ» هذا المنادي شيطان؛ ولذلك لما أشرف الغلام على الحائط لم يَرَ شيئًا.\nوقوله: «لَوْ شَعَرْتُ أَنَّكَ تَلْقَ هَذَا لَمْ أُرْسِلْكَ»، أي: أنه خاف عليه أن يستوحش؛ لأنه صغير.\nوقوله: «وَلَكِنْ إِذَا سَمِعْتَ صَوْتًا فَنَادِ بِالصَّلَاةِ»، أي: ولو في غير وقت الصلاة؛ لأن الشيطان يفر من الأذان، وكما جاء في الحديث: «إِذَا تَغَوَّلَتْ","vol":"2","page":21},{"text":"لَكُمُ الغِيْلَانُ فَبَادِرُوا بالأَذَانِ» (^١).\nوفيه: أنه لا ينبغي للإنسان أن يستوحش؛ فإن شياطين الجن كشياطين الإنس إذا التفتَ إليها آذته، وإذا لم يهتم بها تركته وأعرضت عنه.\nوقوله: «وَلَهُ حُصَاصٌ» - بحاء وصاد مهملتين، أي: ضراط، وقيل: الحصاص: شدة العَدْو.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يَعْنِي: الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ؛ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّأْذِينُ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ لَهُ: اذْكُرْ كَذَا، وَاذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْلُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ مَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى؟».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَيْفَ صَلَّى؟».\nقوله: «حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ» التثويب: الإقامة، وسميت الإقامة تثويبًا؛ لأن مقيم الصلاة رجع إلى الدعاء إليها؛ فإن الأذان دعاء إلى الصلاة، والإقامة دعاء إليها، وأصله من ثاب: إذا رجع.\nوفي هذا الحديث: حرص الشيطان- عدو الله- على إفساد أعمال بني آدم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٤٢٧٧)، وابن ماجه (٣٢٩).","vol":"2","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>بَابُ اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ مَعَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ، وَالرُّكُوعِ، وَفِي الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ، وَأَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ إِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ</span>\n\n[٣٩٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ، حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ، وَقَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ، وَلَا يَرْفَعُهُمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.\n[خ: ٧٣٥]\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ لِلصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَا يَفْعَلُهُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ.\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ- وَهُوَ ابْنُ الْمُثَنَّى- حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، كَمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا قَامَ لِلصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ، حَتَّى تَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ كَبَّرَ.\nفي هذا الحديث: مشروعية رفع اليدين في ثلاثة مواضع:\nالموضع الأول: عند تكبيرة الإحرام.\nالموضع الثاني: عند الركوع.","vol":"2","page":23},{"text":"الموضع الثالث: عند الرفع من الركوع.\nوثمت موضع رابع ورد فيه الرفع وهو عند القيام للركعة الثالثة ودليله ما ثبت عند البخاري ﵀ أن ابن عمر ﵄ كَانَ إِذَا دَخَلَ في الصَّلَاةِ كبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى نَبِيِّ اللهِ ﷺ (^١).\nومشروعية رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام محل إجماع من العلماء (^٢)، وقيل: الحكمةُ في رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام رفعُ الحجاب بينه وبين ربه ﷿.\nوفيه: أنه لا يرفع يديه عند السجود، وَلَا عند الرفع منه، وأما ما جاء عن مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي صَلَاتِهِ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَإِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ، فحديث ضعيف (^٣).\n\n[٣٩١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: أَنَّهُ رَأَى مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ إِذَا صَلَّى كَبَّرَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَحَدَّثَ أَنَّ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٣٩).\n(^٢) الإجماع، لابن المنذر (ص ٣٩)، الإقناع، لابن القطان (١/ ١٢٦).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٥٦٠٤)، والنسائي (١٠٨٥)، وقال الحافظ ابن رجب- في فتح الباري (٦/ ٣٥٤) -: «ويجاب عن هذه الرويات كلها على تقدير أن يكون ذكر الرفع فيها محفوظًا، ولم يكن قد اشتبه [بذكر] التكبير بالرفع- بأن مالك بن الحويرث ووائل بن حجر لم يكونا من أهل المدينة، وإنما كانا قد قدما إليها مرة، أَوْ مرتين، فلعلهما رأيا النبي ﷺ فعل ذَلِكَ مرة، وقد عارض ذَلِكَ نفي ابن عمر، مع شدة ملازمته للنبي ﷺ، وشدة حرصه على حفظ أفعاله واقتدائه به فيها، فهذا يدل على أن أكثر أمر النبي ﷺ كانَ ترك الرفع فيما عدا المواضع الثلاثة، والقيام من الركعتين، وقد روي في الرفع عندَ السجود وغيره أحاديث معلولة».","vol":"2","page":24},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ هَكَذَا.\n[خ: ٧٣]\nحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ، حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ.\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ: أَنَّهُ رَأَى نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ: حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ.\nفي هذا الحديث: صفة من صفات المحاذاة وقد اختلف العلماء في الجمع بين حديث مالك بن الحويرث ﵁ هذا: «أَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ أُذُنَيْهِ» وبين حديث ابن عمر ﵄ السابق: «أنه يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ» فقيل: هذا يدل على التخيير، وأن الإنسان مخير بين أن يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه، كما في حديث ابن عمر ﵁، أَوْ يرفع يديه حتى يحاذي فروع أذنيه، كما في حديث مالك بن الحويرث ﵁، وهذا هو المعتمد، فيفعل هذه تارة، ويفعل هذه تارة أخرى.\nوقال آخرون من أهل العلم: الجمع بينهما أن يحاذي أطراف أصابعه أعلى أذنيه وإبهاماه شحمتي أذنيه وراحتاه منكبيه (^١).\nوقال آخرون: إن الإبهام يحاذي شحمة الأذنين، والكف يحاذي المنكب (^٢).\n_________\n(^١) المجموع، للنووي (٣/ ٣٠٥)، مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (١/ ٣٤٦) المغني، لابن قدامة (١/ ٣٣٩).\n(^٢) بدائع الصنائع، للكاساني (١/ ١٩٩).","vol":"2","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>بَابُ إِثْبَاتِ التَّكْبِيرِ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ فِي الصَّلَاةِ إِلَّا رَفْعَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَيَقُولُ فِيهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ</span>\n\n[٣٩٢] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ، فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\n[خ: ٧٨٥]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ- وَهُوَ قَائِمٌ-: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا، حَتَّى يَقْضِيَهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الْمَثْنَى بَعْدَ الْجُلُوسِ، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنِّي أَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ- حِينَ يَسْتَخْلِفُهُ مَرْوَانُ عَلَى الْمَدِينَةِ- إِذَا قَامَ لِلصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَبَّرَ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَفِي حَدِيثِهِ: فَإِذَا قَضَاهَا وَسَلَّمَ، أَقْبَلَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ","vol":"2","page":26},{"text":"عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا رَفَعَ وَوَضَعَ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا هَذَا التَّكْبِيرُ؟ ! قَالَ: إِنَّهَا لَصَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nفي هذا الحديث: أن السنة للمصلي التكبير في كل خفض ورفع، إلا في الرفع من الركوع يقول: سمع الله لمن حمده، وكان بعض بني أمية أحدثوا في الصلاة شيئًا، وهو أنهم لا يكبرون إلا تكبيرة الإحرام، فعن عكرمة قال: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: صَلَّيْتُ الظُّهْرَ بِالبطْحَاءِ خَلْفَ شَيْخٍ أَحْمَقَ، فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً: يُكَبِّرُ إِذَا سَجَدَ، وإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: تِلْكَ صَلَاةُ أَبِي القَاسِمِ ﵊ (^١).\nولا خلاف بين العلماء في مشروعية التكبير في كل خفض ورفع، ولكن اختلفوا في وجوب التكبير وعدمه على قولين:\nالقول الأول: أن التكبير ليس بواجب، فلو تركه عمدًا فلا شيء عليه، ما عدا تكبيرة الإحرام، فهي ركن لا تنعقد الصلاة بدونها (^٢).\nوالقول الثاني: إن التكبير واجب؛ فإذا تركه سهوًا سجد للسهو سجدتين، وإذا تركه عمدًا بطلت صلاته، وهذا قول أحمد وجماعة (^٣)، وهذا أرجح؛ لأمرين:\nأحدهما: أن النبي ﷺ كان يحافظ عليه، وقد قال ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (^٤).\nوالآخر: أن النبي ﷺ أمر به في قوله: «فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٨٨٦)، وابن خزيمة (٥٨٢)، وابن حبان (١٧٦٥)، وأصله عند البخاري (٧٨٧).\n(^٢) ينظر: المجموع، للنووي (٣/ ٣٩٧)، المغني، لابن قدامة (١/ ٣٣٩).\n(^٣) مسائل الإمام أحمد وإسحاق (٢/ ٥٢١).\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٣١).\n(^٥) أخرجه البخاري (٣٧٨)، ومسلم (٤١١).","vol":"2","page":27},{"text":"وهذا الخلاف يجري في تسبيحات الركوع والسجود، وقول: «رب اغفر لي»، بين السجدتين، وقول: «سمع الله لمن حمده»، فالجمهور يرونه سنة، وأحمد وجماعة يرونه واجبًا، وهذا أصح.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.\n\n[٣٩٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، جميعًا عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلَانَ عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ: أَخَذَ عِمْرَانُ بِيَدِي، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ- أَوَ قَالَ: قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ.\n[خ: ٧٦٨]\nفي هذا الحديث: بيان أن التكبيرات تكون في كل خفض ورفع فتكون في الصلاة الرباعية اثنتان وعشرون تكبيرة، وفي الثلاثية سبع عشرة تكبيرة، وفي الثنائية إحدى عشرة تكبيرة.\nوفيه: أنه لا يشرع رفع اليدين في الجلوس.\nوهل يكبر ثم يرفع يديه، أَوْ يرفع يديه ثم يكبر، أَوْ يتلازمان؟\nاختلف العلماء في هذه المسألة؛ ذلك أنه فقد جاء في بعض الأحاديث: أنه كبر ثم رفع يَدَيْهِ (^١)، وورد: أنه رفع ثم كبر (^٢)، والأقرب: أنه يبدأ الرفع مع التكبير، وينتهي معه، سواء في تكبيرة الإحرام أو في تكبيرات الانتقال.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٣٧)، ومسلم (٣٩١).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٧٣٠)، وابن ماجه (٨٠٣).","vol":"2","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>بَابُ وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يُحْسِنِ الْفَاتِحَةَ وَلَا أَمْكَنَهُ تَعَلُّمَهَا، قَرَأَ مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا</span>\n\n[٣٩٤] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جميعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ- يَبْلُغُ بِهِا النَّبِيَّ ﷺ-: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».\n[خ: ٧٥٦]\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ. ح، وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْتَرِئْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ».\nحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ- الَّذِي مَجّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَجْهِهِ مِنْ بِئْرِهِمْ- أَخْبَرَهُ: أَنَّ عُبَادَةَ ابْنَ الصَّامِتِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ».\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ وَزَادَ: «فَصَاعِدًا».\nفي هذا الحديث: أن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة في كل ركعة، وَلَا تصح الصلاة بدونها، وهذا مجمع عليه في حق الإمام والمنفرد (^١)، واختلفوا في وجوبها على المأموم على أربعة أقوال:\nأحدها: ذهب المالكية والحنابلة إلى أنه لا تجب القراءة على المأموم في\n_________\n(^١) الإقناع، لابن القطان (١/ ١٢٩).","vol":"2","page":29},{"text":"الصلاة الجهرية، ويتحملها الإمام عنه (^١)، واستدلوا بحديث: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَتُهُ لَهُ قِرَاءَةٌ» (^٢)، وهو حديث ضعيف.\nوعند المالكية يستحب قراءتها للمأموم في الصلاة السرية، دون الجهرية، وعند الحنابلة تجب (^٣).\nالثاني: ذهب الأحناف إلى أن المأموم لا يقرأ الفاتحة خلف الإمام مطلقا حتى في الصلاة السرية، ويكره تحريما أن يقرأ خلف الإمام (^٤).\nالثالث: ذهب الشافعية إلى أنها تجب قراءتها في السرية والجهرية، وهو قول الشافعية (^٥) وهذا أرجح الأقوال؛ لعموم هذا الحديث: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ».\nوأما آية: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾، وحديث: «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» (^٦)، فهما عامان يخصصهما هذا الحديث، وحديث: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟»، قالوا: نعم، قال: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ القُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» (^٧)، أخرجه أحمد وبعض أهل السنن بسند جيد.\nوقراءة الفاتحة في حق المأموم واجب مخفف، يسقط بالجهل والنسيان،\n_________\n(^١) الشرح الكبير، للدردير (١/ ٢٣٦ - ٢٣٧)، الإنصاف، للمرداوي (٢/ ٢٢٨).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٤٦٤٣)، وابن ماجه (٨٥٠)، قال الإمام البخاري ﵀- في خير الكلام في القراءة خلف الإمام (ص ٩) -: «هذا خبر لم يثبت عند أهل العلم من أهل الحجاز، وأهل العراق، وغيرهم؛ لإرساله وانقطاعه».\n(^٣) شرح مختصر خليل، للخرشي (١/ ٢٦٩)، الإنصاف، للمرداوي (٢/ ٢٢٨)، المبدع، لابن مفلح (٢/ ٤٩ - ٥٠).\n(^٤) الاختيار، لأبي الفضل الحنفي (١/ ٥٠)، تبيين الحقائق، للزيلعي (١/ ١٣١).\n(^٥) المجموع، للنووي (٣/ ٣٦٥)، أسنى المطالب، لزكريا الأنصاري (١/ ١٤٩).\n(^٦) أخرجه أحمد (٨٨٨٩)، وأبو داود (٦٠٤)، والنسائي (٩٢١)، وابن ماجه (٨٤٦).\n(^٧) أخرجه أحمد (٢٢٦٩٤)، والترمذي (٣١١).","vol":"2","page":30},{"text":"وكذا يسقط إذا أدرك الإمام راكعًا، وكذا إذا أدركه في آخر القيام ولم يتمكن من قراءتها؛ لحديث أبي بكرة حين أدرك النبي ﷺ راكعًا، وركع خلف الصف، فقال له النبي ﷺ: «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ» (^١)؛ فلم يأمره بقضاء الركعة.\nالرابع: ذهب الإمام البخاري إلى أن الفاتحة لا تسقط عن المأموم، حتى ولو أدرك الإمام راكعًا، فإنه يقضي الركعة، وكذا لو تركها نسيانًا أو جهلًا فإنه يقضيها، وهذا اختيار الإمام البخاري في كتابه: جزء القراءة (^٢).\nوسكتات الصلاة: سكتة أولى عند تكبيرة الإحرام، والسكتة الثانية قبل الركوع، وهي سكتة خفيفة حتى يرتد إليه نَفَسُهُ، أما السكتة الثالثة بعد الفاتحة، فمحل خلاف بين أهل العلم، وليس هناك دليل واضح على السكوت بعد الفاتحة.\nويؤخذ من الحديث: أنه تجب قراءة الفاتحة في كل صلاة، حتى في صلاة الجنازة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٨٣).\n(^٢) القراءة خلف الإمام، للبخاري (ص ٣٦).","vol":"2","page":31},{"text":"[٣٩٥] وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَهِيَ خِدَاجٌ» - ثَلَاثًا- غَيْرُ تَمَامٍ، فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ، فَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَقَالَ: مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ».\nقَالَ سُفْيَانُ: حَدَّثَنِي بِهِ الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ: «دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ مَرِيضٌ فِي بَيْتِهِ فَسَأَلْتُهُ أَنَا عَنْهُ».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ- مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ- يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ أَنَّ أَبَا السَّائِبِ- مَوْلَى بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ- أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً فَلَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ»، بِمِثْلِ حَدِيثِ سُفْيَانَ وَفِي حَدِيثِهِمَا، «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي، وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي».","vol":"2","page":32},{"text":"حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ أَبِي، وَمِنْ أَبِي السَّائِبِ- وَكَانَا جَلِيسَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ- قَالَا: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ» - يَقُولُهَا ثَلَاثًا، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ.\nقوله: «خِدَاجٌ»، أي: نقصان، أي: فهي ناقصة غير تامة، وقد دلت النصوص الأخرى على أنها باطلة؛ فهذا النقصان يبطلها.\nوفي هذا الحديث: تسمية الفاتحة بأنها صلاة، يقول الرب ﷿: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» وسميت الفاتحة صلاةً؛ لأنها أعظم أركان الصلاة؛ حيث تُقرأ في كل ركعة؛ ولأن الصلاة في اللغة: الدعاء، والفاتحة فيها الدعاء، وَلَا تصح الصلاة إلا بها، والفاتحة لها عدة أسماء، فهي تسمى: الفاتحة، وأم القرآن، والسبع المثاني.\nوقوله: «فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾» دليل على أن أول آية من الفاتحة ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، وأن البسملة ليست آية من الفاتحة، ولو كانت من الفاتحة لقال: فإذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم.\nوقوله: «حَمِدَنِي عَبْدِي» الحمد: هو الثناء على المحمود بصفاته الجليلة مع حبه وتعظيمه وإجلاله.\nوقوله: «أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي»، أي: كرر الثناء، من التثنية للشيء، فهو ثناء بعد ثناء.\nوقوله: «مَجَّدَنِي عَبْدِي»، أي: توسَّع في الثناء، واستكثر منه، ومن أسماء الله الحسنى: المجيد، أي: العظيم، ذو الصفات العظيمة الجليلة.\nوقوله: «فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾» هذا اعتراف بحق الله ﷿، وأنه المستحق للعبادة وحده، وأنه مخصوص بها","vol":"2","page":33},{"text":"دون سواه، وهو توكل عليه وتخصيص الاستعانة به سبحانه، والاعتماد عليه وحده في أداء العبادة، وفي الأمور كلها.\nوقوله: «فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾» هذا أفضل وأجمع وأنفع دعاء، أن تسأل الله أن يوفقك وأن يرشدك ويثبتك على الصراط المستقيم، وهو صراط المنعَم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ﴿غير المغضوب عليهم﴾ وهم الغاوون الذين ضلوا، فعلموا ولم يعملوا بالعلم، ﴿ولا الضالين﴾ الذين يتعبدون على جهل وضلال، والصراط المستقيم: هو طريق الرشد والهداية، ولو كان هناك دعاء أفضل من هذا لأوجبه الله في الفاتحة؛ فدعاءٌ يجب على كل مسلم أن يقرأه في كل ركعة دعاءٌ عظيمٌ.\nوفيه: إثبات الكلام لله، وهذا فيه الرد على الأشاعرة الذين يقولون: إن الكلام معنى قائم بالنفس، وأنه ليس بحرف وَلَا صوت، والنووي ﵀ وابن حجر قد يؤولونه أحيانًا، ويقولون: هذه الصفات - ومنها الكلام- تنسب للعبد المخلوق وَلَا يليق ظاهرها بجلال الله (^١).\nفمذهب أهل السنة والجماعة أن كلام الله تعالى بحرف وصوت، وقد دلت على ذلك نصوص القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾، والنداء يكون بالصوت، فهو رفع الصوت بالكلام للبعيد، وقوله: ﴿وقربناه نجيًّا﴾: من المناجاة، وهو الكلام من قرب.\nوجاء في الصحيحين أن الله تعالى ينادي آدم يوم القيامة، فيقول: «يا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ»، فَيَقُولُ: «أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ،» (^٢)، وفي الحديث الآخر:\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (١٣/ ٤٥٣)، شرح مسلم، للنووي (٦/ ٣٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢).","vol":"2","page":34},{"text":"«يَحْشُرُ اللهُ العِبَادَ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ» (^١).\nوكلامه ﷾ وإن كان بحرف وصوت، لكنه ليس ككلام المخلوقين، وَلَا يشبهه، فهو سبحانه ليس كمثله شيء.\nوفيه: أن القراءة إنما تكون بحركة اللسان، حيث يسمع نفسه، وأن الذي يقرأ بقلبه وينظر بعينيه لا يعتبر قارئًا، ولكن هذا تدبُّر وتأمُّل، كما قال النووي: ««اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ» فمعناه: اقرأها سرًّا بحيث تُسمع نفسك، وأما ما حمله عليه بعض المالكية وغيرهم أن المراد تدبر ذلك وتذكره فلا يقبل؛ لأن القراءة لا تطلق إلا على حركة اللسان بحيث يسمع نفسه؛ ولهذا اتفقوا على أن الجُنُب لو تدبر القرآن بقلبه من غير حركة لسانه لا يكون قارئًا مرتكبًا لقراءة الجنب المحرمة» (^٢).\n\n[٣٩٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمَا أَعْلَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْلَنَّاهُ لَكُمْ، وَمَا أَخْفَاهُ أَخْفَيْنَاهُ لَكُمْ.\n\n[٧٧٢]\nقوله: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ»، أي: أن القراءة لا بد منها، إما سرًّا أو جهرًا.\n_________\n(^١) علَّقه البخاري في الصحيح (٩/ ١٤١) بصيغة التمريض، ووصله أحمد (١٦٠٤٢).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٤/ ١٠٣).","vol":"2","page":35},{"text":"حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فِي كُلِّ الصَّلَاةِ يَقْرَأُ، فَمَا أَسْمَعنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى مِنَّا أَخْفَيْنَا مِنْكُمْ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنْ لَمْ أَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: إِنْ زِدْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ خَيْرٌ، وَإِنِ انْتَهَيْتَ إِلَيْهَا أَجْزَأَتْ عَنْكَ.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فِي كُلِّ صَلَاةٍ قِرَاءَةٌ، فَمَا أَسْمَعَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى مِنَّا أَخْفَيْنَاهُ مِنْكُمْ، وَمَنْ قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ فَقَدْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَمَنْ زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ.\nفي هذا الحديث: أن الصلوات منها ما سُترّ فيها القراءة كلها، كالظهر والعصر، ومنها ما يجتمع فيها قراءة سرية، وقراءة جهرية؛ القراءة الجهرية في المغرب، والعشاء، وذلك في الركعتين الأوليين كالفجر، والجمعة، والاستسقاء، والكسوف، ومنها ما يُجهر فيها بالقراءة كلها، أما في الركعتين الأخريين فهي سرية.\nوفيه: أن الواجب قراءة الفاتحة في كل ركعة، وأن الزيادة عليها في الركعتين الأوليين ليس بواجب، بل نافلة وخير وفضيلة، وأما الركعتان الأُخْرَيان فيقتصر فيهما على الفاتحة.","vol":"2","page":36},{"text":"[٣٩٧] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّلَامَ قَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَصَلَّى كَمَا كَانَ صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَعَلَيْكَ السَّلَامُ»، ثُمَّ قَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا، عَلِّمْنِي، قَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا».\n[خ: ٧٩٣]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَاحِيَةٍ، وَسَاقَا الْحَدِيثَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَزَادَا فِيهِ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ».\nهذا الحديث يسمى عند أهل العلم: حديثَ المسيء صلاته.\nوفي هذا الحديث: وجوب تعليم الجاهل؛ لأن النبي ﷺ علَّمه كيفية الصلاة؛ لأنه صلى صلاة سريعة، ولم يُصَلِّ صلاة شرعية.\nوقوله: «ارْجِعْ فَصَلِّ»، أي: صل صلاة صحيحة شرعًا، ففيه دليل على وجوب الطمأنينة، وأنها ركن من أركان الصلاة، وأن من لم يطمئن في صلاته فصلاته باطلة يؤمر بإعادتها، والطمأنينة معناها: السكون والخشوع","vol":"2","page":37},{"text":"في كل ركن من أركان الصلاة، حتى يعود كل مفصل إلى موضعه.\nوفيه: أنه لم يأمره النبي ﷺ بإعادة الصلوات الماضية مع أنه لا يحسن غيرها؛ لأنه معذور بالجهل فيها، لكنه لم يعذره بالصلاة الحاضرة، فإذا كان الإنسان يُخِلُّ بصلاته وهو جاهل لسنين طويلة، فإنه يؤمر بإعادة الصلاة الحاضرة، وَلَا يؤمر بإعادة ما مضى.\nوالحكمة من عدم أمره بإعادة الصلوات السابقة: أن قضائها مشقة عظيمة، والله عزو جل يقول: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾.\nوفيه: مشروعية السلام، وأنه يشرع تكرار السلام إذا اشتغل الإنسان بشيء.\nوفيه: أن النبي ﷺ لم يبين له في أول الأمر؛ لعله ينتبه، فيعرف الخطأ، وَلَا شك أن البيان لا يؤخَّر عن وقت الحاجة، وقد يؤخَّر إلى وقت الحاجة.\nوقوله: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ» فيه: أنه زاده خيرًا على خير؛ لأنه كان يخل بالصلاة، فخشي أنه يخل بالوضوء؛ ولهذا وجَّهَه إلى الإسباغ، ففيه: أن المسؤول قد يزيد على سؤال السائل، فيجيبه عن شيء لم يسأل عنه؛ لأنه قد يحتاج إليه، ومثله قول النبي ﷺ لمن سأل عن ماء البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٨٧٣٥)، وأبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)، والنسائي (٥٩).","vol":"2","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>بَابُ نَهْيِ الْمَأْمُومِ عَنْ جَهْرِهِ بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَ إِمَامِهِ</span>\n\n[٣٩٨] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الظُّهْرِ، أَوِ الْعَصْرِ، فَقَالَ: «أَيُّكُمْ قَرَأَ خَلْفِي، بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾؟»، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا، وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلَّا الْخَيْرَ قَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا».\nزرارة بن أوفى تابعي، أما عبد الله بن أبي أوفى ﵁: فصحابي، والفرق بينهما: أن الصحابي ابن أبي أوفى، والتابعي زرارة بن أوفى، بدون أبي.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى يُحَدِّثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ، فَجَعَلَ رَجُلٌ يَقْرَأُ خَلْفَهُ، بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «أَيُّكُمْ قَرَأَ- أَوْ: أَيُّكُمُ الْقَارِئُ؟» - فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، فَقَالَ: «قَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ، وَقَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا».\nقوله: «خَالَجَنِيهَا»، أي: شوَّش عليَّ فيها.\nوفي هذا الحديث: أن المأموم لا يقرأ مع الإمام إلا الفاتحة، وأنه يجب عليه الإنصات لقراءة إمامه فيما عدا ذلك.","vol":"2","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>بَابُ حُجَّةِ مَنْ قَالَ: لَا يُجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ</span>\n\n[٣٩٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، كِلَاهُمَا عَنْ غُنْدَرٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَال: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\n[خ: ٧٤٣]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ أَنَسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَنَحْنُ سَأَلْنَاهُ عَنْهُ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ عَبْدَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَجْهَرُ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، يَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ.\nوعن قتادة أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِـ ﴿الْحَمْد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لَا يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ، وَلَا فِي آخِرِهَا.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَذْكُرُ ذَلِكَ.\nقوله: «لَا يَذْكُرُونَ»، أي: لا يجهرون، كما في الروايات الأخرى، بل يُسِرُّون بها، فعن أنس ﵁ قال: صليت خلف رسول الله ﷺ، وخلف أبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا لا يجهرون: بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٢٨٤٥)، وابن خزيمة (٤٩٥)، وابن حبان (١٨٠٢)، والبيهقي في الكبرى (٢٤٢١).","vol":"2","page":40},{"text":"وقوله: «عَنْ عَبْدَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» منقطع؛ لأن عبدة بن أبي لبابة لم يسمع من عمر ﵁ (^١)، وبعضهم يسمي المنقطع مرسلًا، لكن الجمهور على أن المرسل هو ما سقط فيه الصحابي، فيقول التابعي: قال رسول الله ﷺ.\nومقصود الإمام مسلم في هذا الحديث بقوله: «وعن قتادة»، أي: الأوزاعي عن قتادة عن أنس، فهو حديث متصل.\nأما دعاء الاستفتاح: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ...» فهو ثابت في غير الصحيحين أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: «سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» (^٢)، وكذلك عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄.\nوهذا الدعاء من أفضل الاستفتاحات؛ لما فيه من تنزيه الله ﷿: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ» فيه الجمع بين التسبيح والتحميد، «تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ»، يعني: لا معبود بحق سواك.\nوأصح من هذا الدعاء: ما رواه الشيخان عن أبي هريرة قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيَّةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ والقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: «أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ والمَاءِ وَالبَرَدِ» (^٣).\nوتسن البسملة في كل ركعة قبل السورة وقبل الفاتحة، وأما التعوذ فيسن في الركعة الأولى بعد الاستفتاح.\n_________\n(^١) عبدة بن أبي لبابة رأى عمر، ولم يسمع منه. انظر: المراسيل، لابن أبي حاتم (٤٩٠)، وتهذيب التهذيب (٦/ ٤٦١).\n(^٢) وقال البيهقي- في الكبرى (٢/ ٣٤) -: «وأصحُّ ما روى فيه الأثر الموقوف على عمر بن الخطاب ﵁».\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨).","vol":"2","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>بَابُ حُجَّةِ مَنْ قَالَ: الْبَسْمَلَةُ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، سِوَى بَرَاءَة</span>\n\n[٤٠٠] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الْمُخْتَارِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا، فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ، فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾»، ثُمَّ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟»، فَقُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: «فَإِنَّهُ نَهْرٌ، وَعَدَنِيهِ رَبِّي ﷿، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ، فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ، فَأَقُولُ: رَبِّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي، فَيَقُولُ: مَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَتْ بَعْدَكَ؟».\nزَادَ ابْنُ حُجْرٍ فِي حَدِيثِهِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فِي الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: «مَا أَحْدَثَ بَعْدَكَ؟».\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ مُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: أَغْفَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِغْفَاءَةً، بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي ﷿ فِي الْجَنَّةِ، عَلَيْهِ حَوْضٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ: آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ».\nفي هذا الحديث: فرحه ﷺ لما يعطى من الخير لأمته.\nوفيه: دليل على أن البسملة آية من أول كل سورة، وهذا ليس بظاهر، بل هي آية مستقلة، يسن الابتداء بها في أول كل سورة.\nوفيه: إثبات الحوض للنبي ﷺ، وأنه يصب فيه ميزابان، كما في الحديث","vol":"2","page":42},{"text":"الآخر عن ثوبان أن نبي الله ﷺ قال: «إِنِّي لَبِعُقْرِ حَوْضِي، أَذُودُ النَّاسَ لِأَهْلِ اليَمَنِ، أَضْرِبُ بِعَصَايَ حَتَّى يَرْفَضَّ عَلَيْهِم»، فَسُئِلَ عَنْ عَرْضِهِ، فَقَالَ: «مِنْ مَقَامِي إِلَى عُمَانَ»، وَسُئِلَ عَنْ شَرَابِهِ، فَقَالَ: «أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَن، وأَحْلَى مِنَ العَسَلِ، يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ يُمِدَّانِهِ مِنَ الجَنَّةِ، أَحَدُهُمَا: مِنْ ذَهَبٍ، والآخَرُ: مِنْ وَرِقٍ» (^١).\nوالكوثر نهر في الجنة يصب منه ميزابان في الحوض، تَرِدُ عليه أمته ﷺ، وقد سبق بيان صفة الحوض، ومَن الذين يذادون عنه يوم القيامة في كتاب الطهارة (^٢).\nوالحوض ثابت بالتواتر، وجُلُّ السنة ثابتة بأخبار الآحاد، ومن الثابت بالتواتر: أحاديث الشفاعة (^٣)، وحديث: «مَنْ بَنَى للهِ مَسْجِدًا ...» (^٤)، وحديث: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (^٥)، وكذلك حديث النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر (^٦).\nوخبر الآحاد: هو كل ما لم يصل إلى حد التواتر، كالعزيز، والمشهور، والغريب، وخبر الآحاد إذا اتصل سنده وعدلت رواته وتم ضبطهم، ولم يكن فيه علة وَلَا شذوذ، فإنه يفيد العلم على الصحيح، ويعمل به في العقائد وسائر الأعمال، خلافًا لأهل البدع الذين يقولون: لا نؤمن بالآحاد في العقائد.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٣٠١).\n(^٢) سبق في شرح حديث رقم (٢٤٩) من كتاب الطهارة.\n(^٣) نظم المتناثر، للكتاني (ص ١٨).\n(^٤) أخرجه أحمد (٤٣٤)، والترمذي (٣١٨)، وابن ماجه (٧٣٦).\n(^٥) أخرجه البخاري (١١٠)، ومسلم (٣).\n(^٦) أخرجه البخاري (٥٨١)، ومسلم (٨٢٦).","vol":"2","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>بَابُ وَضْعِ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ تَحْتَ صَدْرِهِ فَوْقَ سُرَّتِهِ، وَوَضْعِهِمَا فِي السُّجُودِ عَلَى الأَرْضِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ</span>\n\n[٤٠١] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِلٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، وَمَوْلًى لَهُمْ، أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ أَبِيهِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ، وَصَفَ هَمَّامٌ حِيَالَ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْبِ، ثُمَّ رَفَعَهُمَا، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ، فَلَمَّا قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ»، فَلَمَّا سَجَدَ سَجَدَ بَيْنَ كَفَّيْهِ.\nفي هذا الحديث: أنه يرفع المصلي يديه حيال أذنيه، وسبق الجمع بين هذه الرواية وبين رواية الرفع حذو المنكبين، والأرجح: أنه نوعان، فله أن يرفعهما حيال أذنيه، وله أن يرفعها حذو منكبيه (^١).\nوفيه: أنه لا بأس أن يغطي يديه في الصلاة إذا كان يحتاج إلى ذلك؛ لبرد ونحوه، وأنه إذا أراد أن يركع كشفهما، ثُمَّ رفعهما حذو منكبيه، كما في هذا الحديث.\nوفيه: استحباب وضع الكفين في السجود محاذيتين لمنكبيه، ويجعل رأسه بين كفيه، كما جاء في قوله: «فَلَمَّا سَجَدَ سَجَدَ بَيْنَ كَفَّيْهِ»، يعني: أطراف أصابع يديه، فهما نوعان من السنة الفعلية في السجود.\n_________\n(^١) سبق تفصيل القول في ذلك في شرح حديث رقم (٣٩٢).","vol":"2","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>بَابُ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ</span>\n\n[٤٠٢] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِذَا قَالَهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ».\n[خ: ٦٢٣٠]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: «ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ».\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِهِمَا، وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ: «ثُمَّ ليَتَخَيَّرْ بَعْدُ مِنَ المَسْأَلَةِ، مَا شَاءَ أَوْ مَا أَحَبَّ».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا إِذَا جَلَسْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَنْصُورٍ، وَقَالَ: «ثُمَّ يَتَخَيَّرُ بَعْدُ مِنَ الدُّعَاءِ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَخْبَرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ، كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ، كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَاقْتَصَّ التَّشَهُّدَ بِمِثْلِ مَا اقْتَصُّوا.","vol":"2","page":45},{"text":"في هذا الحديث: أن رسول الله ﷺ علَّمهم التشهد، ويسمى هذا التشهد تشهد ابن مسعود ﵁، وورد غيره في روايات التشهد: تشهد ابن عباس ﵄ (^١)، وتشهد أبي موسى ﵁ (^٢)، وكلها مشروعة، كما جاء في كيفيات الأذان، وهذا من اختلاف التنوع، فللمصلي أن يتخير بين هذه الصيغ، وَلَا يجمعها في صلاة واحدة.\nوهذه الصيغة هي أصح الصيغ؛ لأن ابن مسعود ﵁ قال: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ، كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ، كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ».\nوفيه: أن الصحابة ﵃ كانوا يقولون قبل ذلك: السلام على الله، فنهاهم النبي ﷺ، وقال: «لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللهِ؛ فَإِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ» (^٣) والسلام: اسمه ﷾، ومنه السلام، فهو يدعى به ﷾، وَلَا يدعى له؛ إذ ليس فوقه أحد ﷾ حتى يطلب منه، وهو ﷾ سالم من النقائص والعيوب، وَلَا يحتاج إلى أحد.\nوفيه: أن التحيات وجميع التعظيمات، والصلوات الخمس، والطيبات من الأعمال والأقوال الطيبة ملكٌ لله وحده، واستحقاق خالص له سبحانه.\nوقوله: «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» بدأ أولًا بتعظيم الله ﷿ وتمجيده، ثُمَّ ثنى بالسلام على النبي ﷺ في حياته وبعد مماته، وهو من باب الاستحضار.\nثم بعد ذلك يسلم على نفسه، وعلى كل عبد صالح في السماء والأرض؛ فيقول: «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ».\nثم بعد ذلك الشهادة لله بالوحدانية، والشهادة للنبي ﷺ بالرسالة.\nوقوله: «ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ»، أي: يدعو بما يشاء من حوائج\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٠٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (٤٠٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٨٣٥).","vol":"2","page":46},{"text":"الآخرة والدنيا، لكن يبدأ بالدعاء الوارد فيقدمه.\nوقد ورد في الحديث: أنه يستعيذ بالله من أربع: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْرِ، ومِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا والمَمَاِت، وَمِنْ فِتْنَةِالمَسِيحِ الدَّجَّالِ» (^١)، وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ: «علمني دعاء أدعو به في صلاتي» فقال ﷺ: «قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ؛ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ» (^٢)، وفي الحديث الآخر: أنه يدعو، فيقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ والهَرَمِ، والمَأْثَمِ والمَغْرَمِ، ومِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ، وعَذَابِ القَبْرِ، ومِنْ فِتْنَةِ النَّارِ، وعَذَابِ النَّارِ، ومِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الغِنَى، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الفَقْرِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ والبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الخَطَايَا، كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وبَاعِدْ بَيْنِي وبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ» (^٣) فهذه كلها أدعية مأثورة، وإن دعا بغير المأثور فلا حرج، فالناس لهم حاجات، فيجوز الدعاء بسؤال مال حلال، أَوْ زوجة صالحة، أَوْ مسكن حسن، أَوْ نصرة على من ظلمه، وغير ذلك.\nوالتشهد الأخير ركن من أركان الصلاة، والصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد واجبة، والدعاء عقب التشهد مستحب.\nوخالف طاوسُ بنُ كيسان اليماني الجمهورَ، وذهب إلى أن الاستعاذة بالله من أربع بعد التشهد واجبة؛ وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: «بلغني أن طاوسًا قال لابنه: أدعوتَ بها في صلاتك؟ فقال: لا، قال: أَعِدْ صلاتك» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٧٧)، ومسلم (٥٨٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٣٦٨)، ومسلم (٥٨٩).\n(^٤) صحيح مسلم (١/ ٤١٣).","vol":"2","page":47},{"text":"[٤٠٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَانَ يَقُولُ: «التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ، الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ».\nوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ: كَمَا يُعَلِّمُنَا الْقُرْآنَ.\nفي هذا الحديث: ذكر تشهد ابن عباس ﵄، وورد هنا في صحيح مسلم: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»، وجاء في غير الصحيحين عَنِ ابْنِ عمر عن رسول الله ﷺ في التشهد: «التَّحِيَّاتُ للهِ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ «- قال: قال ابن عمر ﵄: زدت فيها: وبَرَكَاتُهُ- السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ- قال ابن عمر ﵄: زدت فيها: وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (^١)، وكلها ثابتة.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٩٧١)، والبيهقي في الكبرى (٢٨٢١)، والدارقطني (١٣٢٩).","vol":"2","page":48},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ.\n\n[٤٠٤] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كَامِلٍ- وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَوِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ صَلَاةً، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أُقِرَّتِ الصَّلَاةُ بِالْبِرِّ وَالزَّكَاةِ؟ قَالَ: فَلَمَّا قَضَى أَبُو مُوسَى الصَّلَاةَ وَسَلَّمَ، انْصَرَفَ، فَقَالَ: أَيُّكُمُ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمُ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ يَا حِطَّانُ قُلْتَهَا، قَالَ: مَا قُلْتُهَا، وَلَقَدْ رَهِبْتُ أَنْ تَبْكَعَنِي بِهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا قُلْتُهَا، وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلَّا الْخَيْرَ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَمَا تَعْلَمُونَ كَيْفَ تَقُولُونَ فِي صَلَاتِكُمْ؟ رَسُول اللَّهِ ﷺ خَطَبَنَا، فَبَيَّنَ لَنَا سُنَّتَنَا، وَعَلَّمَنَا صَلَاتَنَا، فَقَالَ: «إِذَا صَلَّيْتُمْ، فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، ثُمَّ ليَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذْ قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فَقُولُوا: آمِينَ، يُجِبْكُمُ اللَّهُ، فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ، فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا؛ فَإِنَّ الإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَتِلْكَ بِتِلْكَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، يَسْمَعُ اللَّهُ لَكُمْ؛ فَإِنَّ\nاللَّهَ ﵎ قَالَ- عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ-: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ، فَكَبِّرُوا، وَاسْجُدُوا؛ فَإِنَّ الإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَتِلْكَ بِتِلْكَ، وَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ، فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلِ قَوْلِ أَحَدِكُمْ: التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا","vol":"2","page":49},{"text":"إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ- كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ قَتَادَةَ- فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ، وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ قَتَادَةَ: مِنَ الزِّيَادَةِ، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ: فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ- عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ-: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، إِلَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي كَامِلٍ وَحْدَهُ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: قَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أُخْتِ أَبِي النَّضْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَقَالَ مُسْلِمٌ: تُرِيدُ أَحْفَظَ مِنْ سُلَيْمَانَ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: هُوَ صَحِيحٌ- يَعْنِي: وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا- فَقَالَ: هُوَ عِنْدِي صَحِيحٌ، فَقَالَ: لِمَ لَمْ تَضَعْهُ هَا هُنَا؟ قَالَ: لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدِي صَحِيحٍ وَضَعْتُهُ هَا هُنَا، إِنَّمَا وَضَعْتُ هَا هُنَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ قَضَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ».\nقوله: «القَعْدَة» بفتح القاف: المرة الواحدة من القعود، والمراد التشهد، بخلاف القِعدة بالكسر، فهي اسم لهيئة الجلوس.\nوقوله: «أُقِرَّتِ الصَّلَاةُ بِالْبِرِّ وَالزَّكَاةِ؟»، أي: قُرنت بهما.\nوقوله: «فأرمَّ القومُ»، أي: سكتوا.\nوقوله: «رَهِبْتُ أنْ تَبْكَعَني»، أي: خفتُ أن تُوبِّخَني.\nوقوله: «ليَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ» فيه وجوب صلاة الجماعة.\nوفي هذا الحديث: دليل على أن من تكلم ناسيًا، أَوْ جاهلًا فهو معذور،","vol":"2","page":50},{"text":"وَلَا يعيد الصلاة- كما سيأتي- في حديث كلام معاوية بن الحكم السلمي ﵁ لما عطس رجل، وشمَّته، فلما قضى الصلاة علَّمه النبي ﷺ ولم يأمره بالإعادة؛ لأنه معذور بجهله (^١).\nوفيه: دليل لبعض العلماء القائلين بوجوب تسوية الصفوف (^٢)، وإن كانت التسوية عند الجمهور مستحبة (^٣).\nوفيه: وجوب متابعة الإمام، وعدم سبقه والتقدم عليه، بأن يكون تكبير المأموم عقب تكبير الإمام، فلا يكبر قبله وَلَا معه.\nوفيه: أنه لو كبر المأموم تكبيرة الإحرام قبل أن ينتهي الإمام من تكبيرة الإحرام ولو كان سبقه بحرف منها، لم تصح صلاته بلا خلاف (^٤)؛ لأنه نوى الاقتداء بمن لم يصر إمامًا، بل بمن سيصير إمامًا إذا فرغ من التكبير، وهذه مسألة مهمة؛ لأنه قد يطيل بعض الأئمة الله أكبر، ثُمَّ يكبر المأموم بعد أن يشرع الإمام في التكبير فينقطع صوت المأموم قبل أن ينتهي صوت الإمام.\nوقوله: «فَتِلْكَ بِتِلْكَ»، أي: كما أن الإمام يتقدم في التكبير ويتأخر المأموم، فكذلك الإمام يتقدم في الركن الثاني ويتأخر المأموم، فتقدُّم الإمام في التكبير مقابل تأخُّر المأموم في الركن الثاني الذي يليه.\nوفيه: فضل قول: «آمين» بعد قول: ﴿ولا الضالين﴾، وأن هذا من أسباب الإجابة؛ ولهذا قال: «يُجِبْكُمُ اللهُ».\nوفيه: أن المأموم يقول: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» إذا قال الإمام: «سَمِعَ اللهُ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٣٧).\n(^٢) فتح الباري، لابن حجر (٢/ ٢١٠).\n(^٣) تبيين الحقائق، للزيلعي (١/ ١٣٦)، الفواكه الدواني، للنفراوي (١/ ٢١١)، مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (١/ ٤٩٤)، كشاف القناع، للبهوتي (٤/ ١٢٤).\n(^٤) المبسوط، للسرخسي (١/ ٣٧)، والمنتقى، للباجي (١/ ١٧٢)، ومغني المحتاج، للشربيني (١/ ٢٥٦)، والإنصاف، للمرداوي (٤/ ٣٢٢).","vol":"2","page":51},{"text":"لِمَنْ حَمِدَهُ» وَلَا يجمع بينهما، كما سيأتي تفصيله في بابه.\nوقول الإمام مسلم ﵀: «لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدِي صَحِيحٍ وَضَعْتُهُ هَا هُنَا، إِنَّمَا وَضَعْتُ هَا هُنَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ»، أي: ما أردت استيعاب الأحاديث الصحيحة، وإنما أردت أن أضع ما أجمعوا على ثبوته، كما أن البخاري ﵀ لم يستوعب الأحاديث الصحيحة في كتابه الصحيح.","vol":"2","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ التَّشَهُّدِ</span>\n\n[٤٠٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ- وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ هُوَ الَّذِي كَانَ أُرِيَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ- أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ».\nأصح ما قيل في الصلاة من الله على النبي ﷺ: أنها الثناء على عبده في الملأ الأعلى وتعظيمه، ومعنى صلاة الملائكة وغيرهم عليه: طلبهم من الله الزيادة من الثناء والتعظيم للنبي ﷺ، كما جاء ذلك في رواية البخاري عن أبي العالية (^١).\nوالصلاة على النبي ﷺ أفضل من إهداء ثواب الأعمال الصالحة للنبي ﷺ، وبعض العلماء يرى أن ثناء الله عليه في الملأ الأعلى يكفي الرسول ﷺ؛ فإن له مثل أجر الأمة؛ لأن كل خير آتٍ للأمة فبسببه ﵊، فإذا دعوتَ فله مثل أجرك، أَوْ صليتَ فله مثل أجرك.\n_________\n(^١) علَّقه البخاري في الصحيح (٦/ ١٢٠) بصيغة الجزم، ووصله إسماعيل القاضي في كتاب الصلاة على النبي ﷺ (ص ٨٠).","vol":"2","page":53},{"text":"وبعض المتأخرين يقولون بوصول الثواب للنبي ﷺ، والصواب: أن هذا من البدع.\nقوله: «وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ»، أي: صيغة السلام الواردة في التشهد.\nوالصلاة على النبي ﷺ فيها روايات، منها: رواية بشير بن سعد ﵁ هذه، ومنها: رواية كعب بن عجرة ﵁ في الحديث الآتي، ومنها: رواية أبي حميد الساعدي ﵁ في الحديث الذي بعده، وكل هذه الروايات من اختلاف التنوع، كصيغ التشهد، فللمصلي أن يأتي بواحدة منها، وَلَا يجمع بين صيغتين في صلاة واحدة.\nواختلف العلماء في حكم الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير على ثلاثة أقوال (^١):\nأحدها: أنها ركن في الصلاة.\nوالثاني: أنها واجبة.\nوالثالث: أنها سنة.\nوأرجح هذه الأقوال: القول بالوجوب، ومن قال: إنها سنة، قال: إن الأمر بالصلاة على النبي ﷺ ما جاء ابتداء، بل جوابًا لهم حين سألوه: كيف نصلي عليك؟\nوجميع روايات الصلاة على النبي ﷺ ليس فيها: «سيدنا»، فالأفضل تركها وعدم ذكرها في التشهد؛ لأن النبي ﷺ لم يعلمنا ذلك، لكن لا بأس أن تذكر في الخطب والمواعظ، والمؤلفات والرسائل.\n_________\n(^١) رد المحتار (١/ ٣٤٣)، ومواهب الجليل (١/ ٥٤٣)، ومغني المحتاج (١/ ١٧٢)، وكشاف القناع (١/ ٣٨٨).","vol":"2","page":54},{"text":"[٤٠٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً؟ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْنَا: قَدْ عَرَفْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: قُولُوا: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ، وَمِسْعَرٍ عَنِ الْحَكَمِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ مِسْعَرٍ، أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً؟\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنِ الأَعْمَشِ، وَعَنْ مِسْعَرٍ، وَعَنْ مَالِكِ ابْنِ مِغْوَلٍ عَنِ الْحَكَمِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ»، وَلَمْ يَقُلْ: «اللَّهُمَّ».\nفي هذا الحديث: رواية كعب بن عجرة ﵁ في صفة الصلاة على النبي ﷺ، وفيها ذكر: «إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» بعد الصلاة، وبعد التبريك، وفي حديث بشير ﵁ ذكرها مرة واحدة بعد التبريك آخر التشهد.","vol":"2","page":55},{"text":"[٤٠٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ. ح، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحٌ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».\n\n[٤٠٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا».\nفي هذا الحديث: آخر الروايات الثابتة في صحيح مسلم عن الصلاة على النبي ﷺ، وهي رواية أبي حميد الساعدي ﵁.\nوأكمل أنواع الصلاة على النبي ﷺ: ما ثبت في صحيح البخاري في كتاب الأنبياء، من الجمع بين محمد وآل محمد ﷺ في الصلاة، والجمع بين إبراهيم وآل إبراهيم ﵇ في الصلاة- أيضًا- والجمع بين محمد وآل محمد ﷺ في التبريك، والجمع بين إبراهيم وآل إبراهيم ﵇ في التبريك (^١).\nوهذه الرواية الرابعة قد خفيت على بعض الأئمة، مثل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، مع قدره العظيم، فإنه قال: «فهذه الأحاديث التي في الصحاح: لم أجد فيها، وَلَا فيما نُقل، لفظ: (إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ)، بل المشهور في أكثر الأحاديث والطرق لفظ: (آلِ إبْرَاهِيمَ)، وفي بعضها لفظ: (إبْرَاهِيمَ)،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٧٠).","vol":"2","page":56},{"text":"وقد يجيء في أحد الموضعين لفظ: (آلِ إبْرَاهِيمَ) وفي الآخر لفظ: (إبْرَاهِيمَ) (^١»)، وكذلك خفيت هذه الرواية على العلامة ابن القيم ﵀، (^٢) وهذا يدل على أن الكمال لله وحده، وأن البشر مهما أوتوا من العلم فإنهم محل للنسيان.\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى، لابن تيمية (٢/ ١٩١ - ١٩٢).\n(^٢) جلاء الأفهام، لابن القيم (ص ٢٩٢).","vol":"2","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>بَابُ التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّأْمِينِ</span>\n\n[٤٠٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ؛ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».\n[خ: ٧٩٦]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ سُمَيٍّ.\nفي هذا الحديث: أن المأموم يقول: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» إذا قال الإمام: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» وَلَا يجمع بينهما، وإنما يجمع بين التسميع والتحميد الإمامُ والمنفردُ.\nوفيه: الرد على من قال: يجمع بينهما، وهم الشافعية (^١)، واختاره النووي بأن المأموم يجمع بينهما، فيقول: «سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد» (^٢).\nوالتحميد جاء فيه أربعة ألفاظ، كلها ثابتة:\nالأول: «ربنا ولك الحمد» (^٣) بالواو.\nوالثاني: «ربنا لك الحمد» (^٤) بحذف الواو.\nوالثالث: «اللهم ربنا ولك الحمد» (^٥) بالواو مع ذكر «اللهم».\nوالرابع: «اللهم ربنا لك الحمد» (^٦) بحذف الواو، وذكر «اللهم».\n_________\n(^١) المجموع، للنووي (٣/ ٤١٩ - ٤٢٠)، روضة الطالبين، للنووي (١/ ٢٥٢).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٤/ ١٩٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٨٩)، ومسلم (٣٩٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (٧٢٢).\n(^٥) أخرجه البخاري (٧٩٦).\n(^٦) أخرجه البخاري (٣٢٢٨)، ومسلم (٤٠٩).","vol":"2","page":58},{"text":"[٤١٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: آمِينَ.\n[خ: ٧٨٢]\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ ابْنِ شِهَابٍ.\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ: آمِينَ، وَالْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ، فَوَافَقَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ، وَالْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ، فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ الْقَارِئُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فَقَالَ مَنْ خَلْفَهُ: آمِينَ، فَوَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».\nظاهر هذه الروايات: أن الملائكة يقولون: «ربنا ولك الحمد» ويؤمنون.","vol":"2","page":59},{"text":"وفي هذا الحديث: استحباب قول: (آمين) بعد قراءة الفاتحة، وأن التأمين خلف الإمام من أسباب المغفرة إذا وافق تأمينه تأمين الملائكة.\nومعنى آمين: اللهم استجب، وفيها لغات: آمين بالمد، وبالقصر، وآمين بالمد مع تشديد الميم (^١).\nوقوله: «إِذَا قَالَ الْقَارِئُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فَقَالَ مَنْ خَلْفَهُ: آمِينَ» القارئ هو: الإمام في الصلاة، ويحتمل- أيضًا- أنه في خارج الصلاة، والأقرب أنه في الصلاة؛ لأن الأحاديث يقوي بعضها بعضًا.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات، للنووي (٣/ ١٢ - ١٤).","vol":"2","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>بَابُ ائْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِالإِمَامِ</span>\n\n[٤١١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وأبو كريب، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سَقَطَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ فَرَسٍ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُون».\n[خ: ٨٠٥]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: خَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ فَرَسٍ، فَجُحِشَ، فَصَلَّى لَنَا قَاعِدًا، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ.\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صُرِعَ عَنْ فَرَسٍ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا، وَزَادَ: «فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا، فَصَلُّوا قِيَامًا».\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ فَرَسًا، فَصُرِعَ عَنْهُ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، وَفِيهِ: «إِذَا صَلَّى قَائِمًا، فَصَلُّوا قِيَامًا».\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَنَسٌ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَقَطَ مِنْ فَرَسِهِ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَلَيْسَ فِيهِ زِيَادَةُ يُونُسَ، وَمَالِكٍ.","vol":"2","page":61},{"text":"قوله: «فَجُحِشَ»، يعني: جُرِحَ، وقد جُرح شقُّه الأيمنُ ﵊؛ لأنه سقط عن فرسه، وورد أنه قد سقط عن ناقته في بعض الغزوات هو وزوجته صفية ﵂ (^١)، وهذا فيه دليل على أن النبي ﷺ ليس بإله، لكنه بشر، يصيبه ما يصيب البشر من الأسقام والأمراض والسقوط، ويحتاج ما يحتاجه البشر من الأكل والشرب والبول، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾.\nوفي هذا الحديث: رد على من قال: إنه ﷺ نور، وإنه جزء من نور الله، فبعض الغلاة يقولون: إنه ليس بشرًا، وأقبح من ذلك وأشد من قال: إنه جزء من الله ﷿- نعوذ بالله- وهذا قول الملاحدة الكفار.\nومنهم من قال: إنه ﷺ سراج حسي: والرد عليه، أنه كان ﷺ يصلي في غرفة في بيته، وفقدته عائشة ﵂، فقد قالت: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ورِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلِي، وَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا، قَالَتْ: والبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ (^٢).\nفلو كانت تراه ﵂ ما احتاجت إلى أن يغمز ﷺ، فهو- إذن- نور معنوي، هو نور الإيمان الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور، بإذن الله.\nومنهم من يعبد الرسول ﷺ، ويزعم أنه يعلم الغيب، فكل هذا كفر بالله- نسأل الله العافية، قال الله تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.\nفالرسول ﷺ نبي كريم، اختاره الله واصطفاه بالرسالة فوجبت محبته وطاعته، وهو نبي كريم تصيبه الأمراض والأسقام؛ ليعظم الله له الأجر، ولتقتدي به أمته.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٦٨)، ومسلم (١٣٤٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٨٢)، ومسلم (٥١٢).","vol":"2","page":62},{"text":"وفيه: أنه يجب متابعة الإمام، فيأتي المأموم بأفعاله بعد أفعال الإمام؛ ولهذا قال النبي: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» والائتمام هو أن تأتي بأفعالك بعد أفعاله؛ إذا كبر فكبِّر، «وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ» فلا تتأخر عنه، وَلَا تتقدم عليه، وَلَا توافقه.\nوأحوال المأموم مع الإمام أربع:\nالأولى: مسابقة الإمام: وهي: أن يسبق المأموم الإمام بركن أو بركنين، فهذا حرام، ويبطل الصلاة إن كان عن عمدٍ، وفيه الوعيد الشديد «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ؟» (^١)، أما إذا كان ناعسًا فإنه يكون معذورًا.\nوالثانية: يتأخر الماموم عن الإمام كثيرًا، مثل ما يفعل بعض الناس، يجلس والإمام في السجود، ويتأخر حتى يقرأ الإمام الفاتحة أو نصفها وهو ساجد، أَوْ إذا قام الإمام للركعة الثانية جلس حتى يقرب الإمام من الركوع، وهذا يبطل الصلاة إن كان عن عمد؛ لأنه ترك القيام مع القدرة، إلا إذا كان مريضًا أو عاجزًا أو به علة فهذا معذور، وإلا فليس له أن يجلس والإمام واقف.\nوالثالثة: الموافقة، فيوافق الإمام كحال كثير من الناس يسجد معه ويركع معه، وهذا مكروه.\nوالرابعة: المتابعة، وهي: أن تأتي بأفعالك بعد أفعال الإمام، وهذا هو المشروع.\nوفيه: أنه إذا صلى الإمام قاعدًا فإن المأمومين يصلون قعودًا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٢٧).","vol":"2","page":63},{"text":"[٤١٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَعُودُونَهُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا، فَصَلُّوا بِصَلَاتِهِ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَجَلَسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا.\n[خ: ٦٨٨]\nحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ-.ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\n\n[٤١٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا، فَرَآنَا قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْنَا، فَقَعَدْنَا فَصَلَّيْنَا بِصَلَاتِهِ قُعُودًا، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: «إِنْ كِدْتُمْ آنِفًا لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ، يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ، فَلَا تَفْعَلُوا، ائْتَمُّوا بِأَئِمَّتِكُمْ إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ خَلْفَهُ، فَإِذَا كَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ؛ لِيُسْمِعَنَا، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ.\n\n[٤١٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يَعْنِي: الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ».\n[خ: ٧٣٤]","vol":"2","page":64},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nقوله: «فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا» هذا الالتفات للحاجة، ولعل هذا قبل أن يمكنه الله ﷿ من رؤيتهم من وراء ظهره، كما في حديث: «إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» (^١)، أَوْ أن الالتفات للتأكُّد.\nوفي هذا الحديث: أن أبا بكر ﵁ كان يُبَلِّغ تكبير النبي ﷺ، وهذا هو الأصل في التبليغ، فإذا كان الإمام صوته لا يبلغ فيرفع أحد المأمومين الصوت؛ ليبلغ الناس صوته.\nوفيه: أن النبي ﷺ نهاهم أن يقوموا وهو قاعد، فعن جابر ﵁ قال: «اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ، وأبو بكر يُسمِع الناسَ تكبيرَهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا، فرآنا قِيَامًا، فَأَشارَ إِلَيْنَا فَقَعَدْنَا، فَصَلَّيْنَا بِصَلَاتِهِ قُعُودًا، فَلَمَّا سَلَّمَ قال: «إِنْ كِدْتُمْ آنِفًا لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِس والرُّومِ، يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ، وَهُمْ قُعُودٌ، فَلَا تَفْعَلُوا، ائْتَمُّوا بِأَئِمَّتِكُمْ، إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا».\nفنهى النبي ﷺ الصحابة أن يصلوا قيامًا وهو قاعد؛ لئلا يتشبهوا بالأعاجم، فلا ينبغي للإنسان أن يكون جالسًا ومن خلفه واقف على رأسه، كما يفعل بعض الناس، يصب القهوة واقفًا، ثُمَّ يبقى واقفًا، وينبغي له أن يجلس إلا عند الحاجة، كما وقف المغيرة بن شعبة ﵁ فوق رأس النبي ﷺ في صلح الحديبية للحراسة (^٢).\nويحتمل أن النبي ﷺ كان قاعدًا في بيته مجاورًا للمسجد في غرفة، وهم خارج الغرفة في المسجد؛ لأن بيوت النبي ﷺ كان لها أبواب للمسجد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤١٨)، ومسلم (٤٢٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٧٣٢).","vol":"2","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>بَابُ النَّهْيِ عَنْ مُبَادَرَةِ الإِمَامِ بِالتَّكْبِيرِ وَغَيْرِهِ</span>\n\n[٤١٥] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ خَشْرَمٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا، يَقُولُ: «لَا تُبَادِرُوا الإِمَامَ، إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾، فَقُولُوا: آمِينَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ، إِلَّا قَوْلَهُ: «﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾، فَقُولُوا: آمِينَ»، وَزَادَ: «وَلَا تَرْفَعُوا قَبْلَهُ».\nقوله: «لَا تُبَادِرُوا»، يعني: لا تسابقوا الإمام.\nوفي هذا الحديث: دلالة على وجوب المتابعة، فينبغي للإنسان أن ينتظر ويتمهل حتى ينقطع صوت الإمام.\nوفيه: أنه يقول: «آمين» بعد قول: ﴿ولا الضالين﴾، وَلَا ينتظر قول الإمام، وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: ﴿غير المغضوب عليهم وَلَا الضالين﴾ فَقُولُوا: آمِينَ؛ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^١)؛ فيقول: «آمين»، سواء قالها الإمام، أم لم يقلها.\nوفيه: الرد على من أنكر قول: «آمين»، وقد جاء في الحديث عن عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا حَسَدَتْكُمُ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ، مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٨٢).","vol":"2","page":66},{"text":"السَّلَامِ وَالتَّأْمِينِ» (^١).\nوالشيعة لا يجهرون ب «آمين»، بل وَلَا يقولونها، وينكرون على من قالها بعد الإمام، وهذا من موافقتهم لليهود.\n\n[٤١٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَعْلَى- وَهُوَ ابْنُ عَطَاءٍ- سَمِعَ أَبَا عَلْقَمَةَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فَإِذَا وَافَقَ قَوْلُ أَهْلِ الأَرْضِ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».\n\n[٤١٧] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ حَيْوَةَ أَنَّ أَبَا يُونُسَ- مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ- حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلَّوْا قُعُودًا أَجْمَعُونَ».\nقوله: «إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ»، أي: هو سترة للمأموم.\nوهذا يفيد أمرين:\nالأول: إذا مر أحد بين الإمام وبين المأموم فلا يضره هذا المرور.\nوالثاني: أنه إذا حصل للمأموم خلل أو سهو، أَوْ تَرَك واجبًا سهوًا، أَوْ ترك التسبيح، فيتحمله عنه الإمام.\nوقوله: «وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» جاء في\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٨٥٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٩٨٨).","vol":"2","page":67},{"text":"فضل التحميد حديثُ عن رفاعة بن رافع الزرقي ﵁ قال: «كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قال رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «مَنِ المُتَكَلِّمُ؟» قال: أَنَا، قال: «رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبتَدِرُونها أيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٩٩).","vol":"2","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ إِذَا عَرَضَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ، وَسَفَرٍ، وَغَيْرِهِمَا مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، وَأَنَّ مَنْ صَلَّى خَلْفَ إِمَامٍ جَالِسٍ لِعَجْزِهِ عَنِ الْقِيَامِ لَزِمَهُ الْقِيَامُ، إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَنَسْخِ الْقُعُودِ خَلْفَ الْقَاعِدِ فِي حَقِّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ</span>\n\n[٤١٨] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ لَهَا: أَلَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟»، قُلْنَا: لَا، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ»، فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟»، قُلْنَا: لَا، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ»، فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟»، قُلْنَا: لَا، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ»، فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟»، فَقُلْنَا: لَا، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَتْ: وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ، يَنْتَظِرُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ، قَالَتْ: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا: يَا عُمَرُ، صَلِّ بِالنَّاسِ قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ قَالَتْ: فَصَلَّى بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ\nتِلْكَ الأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ، ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ","vol":"2","page":69},{"text":"إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ، وَقَالَ لَهُمَا: «أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ»، فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَاعِدٌ، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ: هَاتِ، فَعَرَضْتُ حَدِيثَهَا عَلَيْهِ، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ؟ قُلْتُ: لَا قَالَ: هُوَ عَلِيٌّ.\n[خ: ٦٨٧]\nفي هذا الحديث: بيان ما أصابه ﵊ من المرض، فقد أغمي عليه ﷺ ثلاث مرات، وهو أشرف الخلق، وليس ذلك لهوان به على ربه، ولكن ليعظم الله له الأجر، وليرفع درجته، ولتقتدي به أمته.\nوقوله: «المِخْضَب» هو مثل الطست الذي تُغسل فيه الثياب.\nوالنبي ﷺ اغتسل حتى يخف المرض والحمى التي أصابته، لكن ذلك لم يخفف عنه، وما استطاع الصلاة.\nوفيه: مزيد عنايته ﵊ بالجماعة وهو مريض، فثلاث مرات يغمى عليه، وهو يريد الصلاة.\nوكثير من الناس الآن- والعياذ بالله- لا يبالي بالجماعة، فتراه قويًّا نشيطًا، وليس به علة، ويصلي في البيت! !\nوفيه: أنه إذا كان الإمام به علة فإنه يُنيب من يصلي عنه؛ ولهذا أوصى النبي ﷺ أبا بكر ﵁ أن يصلي بالناس.\nوفيه: أن الإغماء مثل النوم في نقض الوضوء، فمن غاب شعوره فالأقرب أنه يتوضأ.\nوفيه: أن المريض إذا تجشم وصلى مع الجماعة فهذا هو الأفضل.\nوفيه: أن أبا بكر ﵁ كان يقتدي بصلاة النبي ﷺ، فجاء النبي ﷺ","vol":"2","page":70},{"text":"وجلس عن يسار أبي بكر.\nوفيه: أن الإمام إذا جاء وخليفته يصلي فله أن يدخل، وله أن يصلي معه؛ بدليل أن الرسول ﷺ جاء وأبو بكر ﵁ يصلي بهم قائمًا، ثُمَّ جلس عن يسار أبي بكر، فالنبي قاعد وأبو بكر قائم والناس قيام، وأبو بكر يقتدي بصلاة النبي ويبلغ الناس، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر.\nوفيه: أن النبي ﷺ أقرهم على صلاتهم خلفه قيامًا، وهو قاعد.\nوللعلماء ثلاثة أقوال في الجمع بين الأحاديث التي فيها صلاته قاعدًا وهم قيام، وبين الأحاديث السابقة التي صلى فيها وهو قاعد، وأمرهم بالقعود:\nأحدها: القول بالنسخ، وأن أمره لهم بالقعود كان أولًا، ثُمَّ نُسخ، فوجب القيام خلف الإمام الراتب إذا صلى قاعدًا؛ لأن هذا هو الآخِر من فعله ﷺ، وإنما يؤخذ بالآخِر فالآخِر، وبهذا قال الثوري، وأبو حنيفة، وأبو ثور، والحميدي (^١).\nوالثاني: الجمع بين الأحاديث، بحمل الأمر بالقعود على الاستحباب، والأمر بالقيام على الجواز، وهذا هو الأرجح؛ لأن الجمع بين النصوص مقدم على القول بالنسخ؛ لأن فيه عملًا بها كلها (^٢).\nوالثالث: أنه إذا ابتدأ الصلاة قاعدًا وجب عليهم القعود، وإذا ابتدأ الصلاة قائمًا، ثُمَّ اعتلَّ فجلس وجب عليهم القيام؛ جمعًا بين الأحاديث؛ لأنه ﵊ في مرضه الأول ابتدأ الصلاة قاعدًا، وفي مرضه الأخير ابتدأ أبو بكر ﵁ بالناس الصلاة قائمًا، ثُمَّ جاء النبي ﷺ فصلى بهم جالسًا وهذا نقل عن الإمام أحمد وغيره (^٣).\nوأرجح هذه الأقوال الثاني ثم الثالث.\n_________\n(^١) الاختيار لتعليل المختار، لابن مودود الموصلي (١/ ٦٠)، الأم، للشافعي (٢/ ٣٤١)، المغني، لابن قدامة (٢/ ١٦٢ - ١٦٣).\n(^٢) المغني، لابن قدامة (٢/ ١٦٢ - ١٦٣).\n(^٣) الأوسط، لابن المنذر (٤/ ٢٠٦)، والمعني (٢/ ١٦٣).","vol":"2","page":71},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: أَوَّلُ مَا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَاسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِهَا، وَأَذِنَّ لَهُ قَالَتْ: فَخَرَجَ، وَيَدٌ لَهُ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَيَدٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ، وَهُوَ يَخُطُّ بِرِجْلَيْهِ فِي الأَرْضِ، فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَتَدْرِي مَنَ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ هُوَ عَلِيٌّ.\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ أخذ بيد الفضل وعلي ﵄، وفي الحديث الأول أنه ﷺ أخذ بيد العباس ﵁، وهذا دليل على أنهم كانوا يتناوبون ﵃، فمرة الفضل، ومرة العباس، ومرة أسامة ﵃.\nوفيه: أن الرجل إذا كان له عدة زوجات ثم مرض، واستأذن أن يُمَرَّضَ في بيت واحدة فأذِنَّ له، فلا بأس، أَوِ استأذن أن يسافر بواحدة، أَوْ يبيت عند واحدة ليلة أخرى، فأذِنَّ له- عن رضًا وقناعة- فلا بأس؛ لأن الحق لهن؛ ولهذا لما مرض النبي ﷺ واستأذن أزواجه أن يُمَرَّضَ في بيت عائشة ﵂ فأذِنَّ له، وبقي في بيت عائشة ﵂ حتى توفي.","vol":"2","page":72},{"text":"حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ، اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الأَرْضِ، بَيْنَ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَأَخْبَرْتُ عَبْدَ اللَّهِ بِالَّذِي قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الآخَرُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ عَلِيٌّ.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: لَقَدْ رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَةِ مُرَاجَعَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا، وَإِلَّا أَنِّي كُنْتُ أَرَى أَنَّهُ لَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ أَحَدٌ إِلَّا تَشَاءَمَ النَّاسُ بِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ يَعْدِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَبِي بَكْرٍ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ- قَالَ عَبدُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتِي قَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ، فَلَوْ أَمَرْتَ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا بِي إِلَّا كَرَاهِيَةُ أَنْ يَتَشَاءَمَ النَّاسُ بِأَوَّلِ مَنْ يَقُومُ فِي مَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَتْ: فَرَاجَعْتُهُ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ: «لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ أَبُو بَكْرٍ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا","vol":"2","page":73},{"text":"يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، إِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعِ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»، قَالَتْ: فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، إِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعِ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ، فَقَالَتْ لَهُ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»، قَالَتْ: فَأَمَرُوا أَبَا بَكْرٍ، يُصَلِّي بِالنَّاسِ، قَالَتْ: لَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الأَرْضِ، قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِد سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ، ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُمْ مَكَانَكَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ.\nحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِر: فَأُتِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أُجْلِسَ إِلَى جَنْبِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُهُمُ التَّكْبِيرَ، وَفِي حَدِيثِ عِيسَى: فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، وَأَبُو بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ- وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ، قَالَ عُرْوَةُ: فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ","vol":"2","page":74},{"text":"ﷺ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ، وَإِذَا أَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ اسْتَأْخَرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ كَمَا أَنْتَ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ.\n\n[٤١٩] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَعَبْدُ بْنُ حميد، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، قَالَ عَبد: أَخْبَرَنِي، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ-، وَحَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فِي وَجَعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْإِثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ، كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِتْرَ الْحُجْرَةِ، فَنَظَرَ إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ، كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَاحِكًا قَالَ: فَبُهِتْنَا وَنَحْنُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ فَرَحٍ بِخُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَارِجٌ لِلصَّلَاةِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ: أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَرْخَى السِّتْرَ، قَالَ: فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ.\n[خ: ٦٨٠]\nوَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: آخِرُ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَشَفَ السِّتَارَةَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، وَحَدِيثُ صَالِحٍ أَتَمُّ، وَأَشْبَعُ.\n[خ: ٦٨١]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْإِثْنَيْنِ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثًا، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَقَدَّمُ، فَقَالَ","vol":"2","page":75},{"text":"نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِالْحِجَابِ فَرَفَعَهُ، فَلَمَّا وَضَحَ لَنَا وَجْهُ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، مَا نَظَرْنَا مَنْظَرًا قَطُّ كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ وَضَحَ لَنَا، قَالَ: فَأَوْمَأَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ، وَأَرْخَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ الْحِجَابَ، فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ.\n\n[٤٢٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ: «مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ؛ فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ»، قَالَ: فَصَلَّى بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\n[خ: ٦٧٨]\nفي هذه الأحاديث: استدلال الصحابة ﵃ على أن أبا بكر ﵁ هو الخليفة بعد النبي ﷺ؛ وذلك أن أبا بكر ﵁ كان أولى الناس بالإمامة بعد النبي ﷺ في الصلاة؛ ولهذا قدموه في الخلافة، فعن الحسن ﵁ قال: «قَالَ عَلِيٌّ ﵁: قَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ ﵁ يُصَلِّي بالنَّاسِ، وَقَدْ رَأَى مَكَانِي، ومَا كُنْتُ غَائِبًا وَلَا مَرِيضًا، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُقَدِّمَنِي لَقَدَّمَنِي، فَرَضِينَا لِدُنْيَانَا مَنْ رَضِيَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِدِينِنَا» (^١).\nوفيها: أنه ينبغي للإنسان أن يتأمل في مشورة المرأة، فإذا تبين أنها رشدٌ أخذ به، وإلا فلا، سواء كانت زوجة أو غيرها، ومشورة أم سلمة ﵂ في صلح الحديبية كانت على الهدى والصواب، فإنه ورد أنه: لَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الكِتَابِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا»،\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٣/ ١٨٣)، والآجري في الشريعة (١١٩٣).","vol":"2","page":76},{"text":"قَالَ: فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَتُحِبُّ ذَلكِ؟ اخْرُجْ، ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أحدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ؛ نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا (^١)، فهذه مشورة من أم سلمة ﵂ ورشدها.\nوفيها: خوف عائشة ﵂ أن يتشاءم الناس بأبي بكر ﵁، إذا صلى بالناس في مرضه ﷺ، والنبي ﷺ لم يقبل مشورتها، قال: «فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ»، يعني: في الكيد، وذلك بانهن يتوهمن أمرًا ويُردن غيره.\nقوله: «لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ أَبُو بَكْرٍ» فيه: أن ما رأته عائشة ﵂ ليس بمحله.\nوفيه: فضل أبي بكر ﵁ ومحله ومكانته عند الناس، وأنه الخليفة بعد رسول الله ﷺ.\nوفيها: أن الحركة اليسيرة في الصلاة لا بأس بها عند الحاجة.\nوفيها: جواز خرق الصفوف للحاجة.\nوفيها: جواز رفع اليدين، وحمد الله في الصلاة عند تجدد نعمة، كما فعل أبو بكر ﵁ لما علم أن النبي ﷺ يصلي خلفه.\nوفيها: أن الإمام إذا جاء وقد أقيمت الصلاة فله أن يصلي مع الناس مأمومًا، وله أن يتقدم ويصلي بالناس إمامًا؛ ولهذا لما جاء النبي ﷺ وأبو بكر ﵁ يصلي بالناس تخلف في الصف، فأراد أبو بكر أن يتأخر، فأشار إليه النبي ﷺ أن امكث مكانك، ففهم أبو بكر ﵁ أن هذا ليس حتمًا وإلزامًا، فتأخر، وتقدم النبي ﷺ، وصلى بالناس.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٣١)، مطوَّلًا.","vol":"2","page":77},{"text":"وفيها: أن الإمام يبني على صلاة نائبه، لكن إن كان في أول الصلاة، فهذا لا إشكال فيه، وإن كان فاته شيء من الصلاة فإنه يأتي بما فاته وينتظره المأمومون، ثُمَّ يسلم ويسلمون بعده، لكن الأولى في هذه الحالة أنه إذا فات الإمام شيء من الصلاة أن لا يتقدم، كما فعل النبي ﷺ في تبوك لما تأخر هو والمغيرة بن شعبة ﵁، وقدَّم الصحابة عبد الرحمن بن عوف ﵁ (^١).\nوفيها: جواز الالتفات في الصلاة بالعنق والرأس عند الحاجة؛ وكان أبو بكر ﵁ لا يلتفت، فلما أكثروا من التصفيق التفت، فقد جاء في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَن الالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ، فقال: «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ» (^٢).\nوأما الالتفات لغير الحاجة فهو مكروه، كأن يسمع صوتًا قويًّا، فيريد أن ينظر أو ما أشبه ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٥١).","vol":"2","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>بَابُ تَقْدِيمِ الْجَمَاعَةِ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ إِذَا تَأَخَّرَ الْإِمَامُ، وَلَمْ يَخَافُوا مَفْسَدَةً بِالتَّقْدِيم</span>\n\n[٤٢١] حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: أَتُصَلِّي بِالنَّاسِ فَأُقِيمُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ، فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ ﷿ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ؛ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ».\n[خ: ٦٨٤]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ أَبِي حَازِمٍ- وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ، حَتّى قَامَ فِي الصَّفِّ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: ذَهَبَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ، وَزَادَ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَرَقَ الصُّفُوفَ حَتَّى قَامَ عِنْدَ الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، وَفِيهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ: رَجَعَ الْقَهْقَرَى.","vol":"2","page":79},{"text":"في هذا الحديث: أنه ينبغي للعلماء والأئمة أن يكونوا قدوة في الإصلاح بين الناس، فبنو عمرو بن عوف حصل بينهم شر وخلاف، فذهب النبي ﷺ؛ ليصلح بينهم والإصلاح بين الناس من الحسنات العظيمة التي اعتنى بها الشرع قال الله تعالى: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء وجه الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا﴾؛ ولهذا جعل الشرع للمصلح بين الناس الذي يتحمل بذمته أموالًا جزءًا من الزكاة، ولو كان غنيًّا، فيعطى من الزكاة ما يسدد به دينه لقاء هذا العمل النبيل.\nوفيه: أن الإمام إذا تخلف يصلي أحد الناس وَلَا يحبسهم.\nوفيه: أن الإقامة تكون قريبة من الصلاة.\nوفيه: أن الإمام له أن يتخلف للحاجة أو للمصلحة الراجحة عن الإمامة؛ ولهذا ترك النبي ﷺ الإمامة وذهب يصلح بين الناس.\nفي هذين الحديثين: جواز أن يقلب الإمام نيته في الصلاة فيصير مأمومًا، والعكس، كما في قصة تقدم أبي بكر ﵁ في مرض موت النبي ﷺ، فقد كان إمامًا، ثُمَّ جاء النبي ﷺ، وصفَّ إلى جنبه، فصار مأمومًا بعدها.","vol":"2","page":80},{"text":"[٢٧٤] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ حَدِيثِ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَبُوكَ، قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَتَبَرَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ الْغَائِطِ، فَحَمَلْتُ مَعَهُ إِدَاوَةً قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيَّ، أَخَذْتُ أُهَرِيقُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ، وَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ جُبَّتَهُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَضَاقَ كُمَّا جُبَّتِهِ، فَأَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي الْجُبَّةِ، حَتَّى أَخْرَجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ، قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَأَقْبَلْتُ مَعَهُ، حَتَّى نَجِدُ النَّاسَ قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَصَلَّى لَهُمْ، فَأَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ، فَصَلَّى مَعَ النَّاسِ الرَّكْعَةَ الآخِرَةَ، فَلَمَّا سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُتِمُّ صَلَاتَهُ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاتَهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ: أَحْسَنْتُمْ- أَوَ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمْ- يَغْبِطُهُمْ، أَنْ صَلَّوْا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَالْحُلْوَانِيُّ قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، نَحْوَ حَدِيثِ عَبَّادٍ، قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَأَرَدْتُ تَأْخِيرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «دَعْهُ».\n\nوفيها: أن الحركة اليسيرة في الصلاة لا تضر، كما فعل ﵊، فمن تقدم لسد فُرجة فهو ليس من العبث الذي يبطل الصلاة، فعن أبي قتادة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَب بِنْتِ","vol":"2","page":81},{"text":"رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلِأَبِي العَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا، وَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا» (^١) وكذلك عن عَائِشَةَ قَالَتِ: «اسْتَفْتَحْتُ الْبَابُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي تَطَوُّعًا، وَالْبَابُ عَلَى الْقِبْلَةِ، فَمَشَى عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ يَسَارِهِ، فَفَتَحَ الْبَابَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُصَلَّاهُ» (^٢).\nوفي صلاة الكسوف: عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: خُسِفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَصَلَّى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ، قَالَ: «إِنِّي أُرِيتُ الجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا» (^٣).\nوفي هذا الحديث: جواز الاستعانة بالغير في الوضوء، وأنه لا بأس بأن يصب على المتوضئ ماء ويتوضأ إن كان لا يستطيع، وأما إذا كان مستطيعًا فلا ينبغي؛ لأن الوضوء عبادة، فهي بالقائم بها أولى.\nوفيه: جواز وضع الماء في إناء ضيق الرأس، كالإبريق والإداوة ليتوضأ منه.\nوفيه: مشروعية المسح على الخفين؛ ولهذا هوى المغيرة ﵁ بيده، فقال ﷺ «دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» (^٤).\nوفيه: جواز لبس الجبة الضيقة الأكمام، وأنه لا يُنكَر على لابسها.\nوفيه: جواز لبس الثياب التي جاءت من الكفار؛ لأن الجبة شامية وكانت بلاد الشام في ذلك الوقت بلاد كفار.\nوفيه: أن النبي ﷺ لم ينكر عليهم صلاتهم في وقتها المعتاد؛ لأنه هو الذي تأخر، فقال: «أَحْسَنْتُمْ- أَوَ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمْ».\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٤٣).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٥٩٧٢)، والترمذي (٦٠١)، وأبو داود (٩٢٢)، والنسائي في الكبرى (٥٢٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٤٨)، ومسلم (٩٠٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٠٦)، ومسلم (٢٧٤).","vol":"2","page":82},{"text":"فلا ينبغي للإنسان أن يغضب من الإمام إذا تأخر، فقد يكون الإمام معذورًا؛ لأنه بشر يصيبه ما يصيب غيره، وقد يكون مشتغلًا أو حاقنًا فيشتغل بشرط الصلاة من الاستنجاء والوضوء.\nوفيه: دليل على حسن خلق النبي ﷺ؛ لأنه لم يُنكِر عليهم، ولم يُعَنِّفْهم، بل صوَّبهم.\nوفيه: أنه لم يُصَلِّ النبي ﷺ خلف أحد من الصحابة، سوى عبد الرحمن بن عوف، وأبي بكر ﵄.","vol":"2","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>بَابُ تَسْبِيحِ الرَّجُلِ، وَتَصْفِيقِ الْمَرْأَةِ إِذَا نَابَهُمَا شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ</span>\n\n[٤٢٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ».\nزَادَ حَرْمَلَةُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَقَدْ رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُسَبِّحُونَ وَيُشِيرُونَ.\n[خ: ١٢٠٣]\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ- يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ-.ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَزَادَ: «فِي الصَّلَاةِ».\nفي هذا الحديث: أن الإمام إذا نابه شيء في الصلاة فإن الرجال يسبحون وَلَا يصفقون، وأما النساء فيصفقن وَلَا يتكلَّمن؛ لأنه قد يخشى أن يفثن بعض الناس بصوتهن، كما أن تصفيق الرجال من أخلاق الجاهلية التي كانوا يتعبدون بها، قال الله ﷿ عن المشركين: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءًا وتصدية﴾ فالمكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، ولكن إذا أعجب الإنسانَ شيء يُكبر، يقول: الله أكبر، أَوْ يقول: سبحان الله.","vol":"2","page":84},{"text":"والتصفيق: أن تضرب المرأة بيدها اليمنى على ظهر كفها اليسرى، ويسمى تصفيحًا وتصفيقًا.\nولا بأس للمصلي بالتسبيح والإشارة في الصلاة، وكذا لو سلم عليه أحد فإنه يشير إليه بالرد، أَوْ سأله أحد عن فِعْلَ شيء فيشير بالرأس بنعم أو لا، فعَنْ أَسْمَاءَ ﵂ قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَيْ نَعَمْ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٦)، ومسلم (٩٠٥).","vol":"2","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>بَابُ الأَمْرِ بِتَحْسِينِ الصَّلَاة، وَإِتْمَامِهَا، وَالْخُشُوعِ فِيهَا</span>\n\n[٤٢٣] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الْوَلِيدِ- يَعْنِي: ابْنَ كَثِيرٍ- حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ يَوْمًا، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: «يَا فُلَانُ، أَلَا تُحْسِنُ صَلَاتَكَ؟ أَلَا يَنْظُرُ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى كَيْفَ يُصَلِّي؟ فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ، إِنِّي وَاللَّهِ لَأُبْصِرُ مِنْ وَرَائِي، كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ».\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ قال هذا الكلام لرجل رآه لا يحسن صلاته، فنصحه، وهي نصيحة له وللأمة كلها، قال: «أَلَا تُحْسِنُ صَلَاتَكَ؟ أَلَا يَنْظُرُ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى كَيْفَ يُصَلِّي؟ فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ» وإلا فعادة النبي ﷺ أن يُعَمِّم في النصيحة، فقد كان أكثر كلامه: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ؟» (^١)، و«فَمَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ؟» (^٢) وهذا في الأمور العامة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١٥٠٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٥٦٣)، ومسلم (١٠٧٥).","vol":"2","page":86},{"text":"[٤٢٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا؟ فَوَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ وَلَا سُجُودُكُمْ، إِنِّي لَأَرَاكُمْ وَرَاءَ ظَهْرِي».\n[خ: ٤١٨]\n\n[٤٢٥] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ؛ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي، وَرُبَّمَا قَالَ: مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي إِذَا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ».\n[خ: ٧٤٢]\nحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- يَعْنِي: ابْنَ هِشَامٍ- حَدَّثَنِي أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَتِمُّوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ؛ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي إِذَا مَا رَكَعْتُمْ، وَإِذَا مَا سَجَدْتُمْ، وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ: إِذَا رَكَعْتُمْ، وَإِذَا سَجَدْتُمْ».\nقوله ﵊: «فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي» هذا خاص بالصلاة، وَلَا غرابة في هذا أن خُرقت له العادة، وأما في غير الصلاة فلا؛ لأنه ثبت: أن النبيَّ ﷺ كَانَ يَمْشِي، فَرَأَى رَجُلًا في ظِلِّ القَمَرِ، فقال: «مَنْ هَذَا؟»، فقلت: أَبُو ذَرٍّ (^١)، فلو كان يراه لما سأله!\nوقوله: «إِذَا مَا رَكَعْتُمْ، وَإِذَا مَا سَجَدْتُمْ» هذه (ما) الزائدة، ويسمونها كذلك، وهي تأتي بعد إذا:\nيَا طَالِبًا خذ فَائِدَهْ ... (مَا) بَعْدَ (إِذَا) زَائِدَهْ (^٢)\nفقوله: «إِذَا مَا رَكَعْتُمْ، وَإِذَا مَا سَجَدْتُمْ»، يعني: إذا ركعتم وسجدتم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٤٣)، ومسلم (٩٤).\n(^٢) شرح الألفية، لابن عثيمين (٢/ ١٥).","vol":"2","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>بَابُ النَّهْيِ عَنْ سَبْقِ الإِمَامِ بِرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ وَنَحْوِهُمَا</span>\n\n[٤٢٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَ ابْنُ حُجْرٍ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي إِمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالِانْصِرَافِ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي، وَمِنْ خَلْفِي، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ، جَمِيعًا عَنِ الْمُخْتَارِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: وَلَا بِالِانْصِرَافِ.\nفي هذا الحديث: وجوب متابعة الإمام، وأنه تحرم مسابقته، والنهي هنا للتحريم.\nوقوله: «فَلَا تَسْبِقُونِي»، أي: بالركوع وَلَا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف كما هو نص الحديث، فمن تعمد مسابقة الإمام في ركن من الأركان بطلت صلاته.","vol":"2","page":88},{"text":"[٤٢٧] حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ خَلَفٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ؟».\n[خ: ٦٩١]\nحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ يُونُسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «مَا يَأْمَنُ الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ فِي صَلَاتِهِ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ صُورَتَهُ فِي صُورَةِ حِمَارٍ؟».\nحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ، جَمِيعًا عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ: «أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَجْهَ حِمَارٍ».\nفي هذه الأحاديث: وعيد شديد لمن سابق الإمام، فيدل هذا على أنه محرم، وهذا الفعل تبطل به صلاة من تعمده.","vol":"2","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>بَابُ النَّهْيِ عَنْ رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ</span>\n\n[٤٢٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ».\n\n[٤٢٩] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى السَّمَاءِ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ».\nفي هذا الحديث: وعيد شديد، يدل على تحريم رفع البصر إلى السماء في الصلاة خاصة، والصواب: أن ينظر إلى موضع سجوده، أما في غير الصلاة فلا بأس، قال تعالى: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلفت وإلى السماء كيف رفعت﴾، وكذلك يجوز رفع البصر إلى السماء في الدعاء خارج الصلاة، فقد جاء في بعض الآثار أنه ﷺ «رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ» (^١) بعد الدعاء في الوضوء.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٢١)، وأبو داود (١٧٠).","vol":"2","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>بَابُ الأَمْرِ بِالسُّكُونِ فِي الصَّلَاةِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الإِشَارَةِ بِالْيَدِ وَرَفْعِهَا عِنْدَ السَّلَامِ، وَإِتْمَامِ الصُّفُوفِ الأُوَلِ وَالتَّرَاصِّ فِيهَا، وَالأَمَرِ بِالِاجْتِمَاعِ</span>\n\n[٤٣٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ؟ اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ»، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَرَآنَا حَلَقًا، فَقَالَ: «مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ؟»، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: «يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأُوَلَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\n\n[٤٣١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ مِسْعَرٍ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْقِبْطِيَّةِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْجَانِبَيْنِ، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلَامَ تُومِئُونَ بِأَيْدِيكُمْ، كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ؟ إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ».\nوَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ فُرَاتٍ- يَعْنِي: الْقَزَّازَ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكُنَّا إِذَا سَلَّمْنَا، قُلْنَا بِأَيْدِينَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، السَّلَامُ","vol":"2","page":91},{"text":"عَلَيْكُمْ، فَنَظَرَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ تُشِيرُونَ بِأَيْدِيكُمْ، كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ؟ إِذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ فَلْيَلْتَفِتْ إِلَى صَاحِبِهِ، وَلَا يُومِئْ بِيَدِهِ».\nقوله: «شُمْسٍ» بضم الشين، وإسكان الميم وضمها: هي التي لا تستقر، بل تضطرب وتتحرك بأذنابها وأرجلها.\nوالمراد بالرفع المنهي عنه هنا: رفع أذناب الخيل، يعني: تحركها، كأن المصلي عند السلام إذا سلم يقول: السلام عليكم ورحمه الله، السلام عليكم ورحمة الله، يشير بيده فيرفعها كذَنَب الخيل، ويشير عند الصلاة بيديه يمينًا وشمالًا.\nوفي هذه الأحاديث: مشروعية إتمام الصف الأول فالأول، ومشروعية المراصَّة في الصف، كما تصف الملائكة عند ربها.\nوفيها: أن الملائكة هكذا تصفُّ عند ربها، يتمون الصف الأول فالأول.\nوفيها: أنه لا يزيد «وَبَرَكَاتُهُ» وأنها زيادة ضعيفة (^١).\nوفيها: النهي عن التشبه بالحيوانات في الصلاة، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَلَا يُوَطِّنِ الرَّجُلُ الْمَكَانَ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٩٩٧)، وابن خزيمة (٧٢٨)، وابن حبان (١٩٩٣)، وعلقمة بن وائل بن حجر، قال ابن معين: «لم يسمع من أبيه شيئًا». جامع التحصيل، للعلائي (ص ٥٣٧).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٥٥٣٢)، وأبو داود (٨٦٢)، والنسائي (١١١٢)، وابن ماجه (١٤٢٩).","vol":"2","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ مِنْهَا، وَالِازْدِحَامِ عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ، وَالْمُسَابَقَةِ إِلَيْهَا، وَتَقْدِيمِ أُولِي الْفَضْلِ وَتَقْرِيبِهِمْ مِنَ الإِمَامِ</span>\n\n[٤٣٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ: «اسْتَوُوا، وَلَا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا.\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى- يَعْنِي: ابْنَ يُونُسَ- قَالَ: ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، وَصَالِحُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ وَرْدَانَ قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنِي خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ- ثَلَاثًا- وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الأَسْوَاقِ».\nقوله: «أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى»، أي: أصحاب العقول، قال تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات لأولي النهى﴾.\nوفي هذه الأحاديث: أن تقديم أولي الأحلام والنهى يترتب عليه مصالح، منها:\nأولًا: أن يكون العلماء والعقلاء في مقدمة الناس ليقتدوا بهم.","vol":"2","page":93},{"text":"وثانيًا: أنه يحتاج الإمام إليهم إذا استغلق عليه القرآن، أن يفتح عليه أحدهم، وإذا احتاج إلى استخلاف يستخلف أحدًا منهم.\nوفيها: الأمر بتسوية الصفوف، وأنه تجب تسويتها.\nوفيها: أن اختلاف الصفوف يؤدي إلى اختلاف القلوب، واختلاف الوجهات.\nوقوله: «وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الأَسْوَاقِ» الهيشات هي: الأصوات والصياح، فينبغي أن يكون السكون في المسجد.\n\n[٤٣٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ؛ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ».\n[خ: ٧٢٣]\nفي هذا الحديث: أمر يفيد الوجوب، وهو قوله: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ؛ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ»، وفي لفظ: «فإنَّ إقامةَ الصَّفِّ مِن حُسْنِ الصلاةِ» (^١)، وفي لفظ: «فإنَّ تسويةَ الصفوفِ مِن إقامةِ الصلاةِ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٢)، ومسلم (٤١٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٢٣)، ومسلم (٤٣٣).","vol":"2","page":94},{"text":"[٤٣٤] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ- وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ- عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتِمُّوا الصُّفُوفَ؛ فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي».\n\n[٤٣٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ: «أَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ».\n\n[٤٣٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ الْغَطَفَانِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ».\n[خ: ٧١٧]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا، حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ، حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا، فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ، فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَقَالَ: «عِبَادَ اللَّهِ، لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ».\nحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nقوله: «الْقِدَاحَ»، أي: السهام.","vol":"2","page":95},{"text":"[٤٣٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ- مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا».\n[خ: ٦١٥]\nفي هذا الحديث: بيان عظيم فضل الأذان، والصف الأول.\nوقوله: «لَاسْتَهَمُوا»، يعني: لفصلت بينهم القرعةُ والسهم.\nوقوله: «وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ»، يعني: التبكير للصلوات، ومنه: صلاة الظهر؛ لأنها تصلى في الهاجرة.\nوقوله: «لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ» فيه المسابقة في التبكير إلى الصلاة.\nوقوله: «وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ»، يعني: لو علموا ما فيهما من الأجر والثواب.\n\n[٤٣٨] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا، فَقَالَ لَهُمْ: «تَقَدَّمُوا، فَأْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ».\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْمًا فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.\nفي هذا الحديث: وعيد شديد لمن تأخر عن الجماعة، وفي رواية أبي","vol":"2","page":96},{"text":"داود: «حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ في النَّار» (^١)، وفيه: أن مَن يتأخر يتشبه بالمنافقين، أَوْ يتشبه بالشيطان شيئًا فشيئًا، فيتأخر أولًا عن الجماعة، ثُمَّ يتأخر عن الوقت، ثُمَّ لا يؤديها بعد ذلك- عياذًا بالله -.\n\n[٤٣٩] حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو قَطَنٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ- أَوْ: يَعْلَمُونَ- مَا فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ لَكَانَتْ قُرْعَةً».\nوقَالَ ابْنُ حَرْبٍ: «الصَّفِّ الأَوَّلِ، مَا كَانَتْ إِلَّا قُرْعَةً».\n\n[٤٤٠] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.\nقوله: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا» هذه الخيرية في صفوف الرجال؛ لأنه كلما قربت الصفوف من الإمام فهو أفضل، فالصف الأول له أجره وأجر مَن خلفه.\nوقوله: «وَشَرُّهَا آخِرُهَا»، أي: لبعدها عن الإمام، وقربها من النساء- إذا كان هناك نساء-.\nوقوله: «وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا»، أي: من أجل بعدها عن الرجال؛ خوفًا من الفتنة وخشية التعلق.\nوقوله: «وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا»، أي: لقربها من الرجال.\nأما إذا كان النساء يصلين منعزلاتٍ بعيداتٍ لا يرين الرجال؛ فالظاهر- والله أعلم- أن حكم صفوفهن حكم صفوف الرجال.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٦٧٩)، وابن خزيمة (١٥٥٩)، وابن حبان (٢١٥٦).","vol":"2","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>بَابُ أَمْرِ النِّسَاءِ الْمُصَلِّيَاتِ وَرَاءَ الرِّجَالِ أَنْ لَا يَرْفَعْنَ رُءُوسَهُنَّ مِنَ السُّجُودِ حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ</span>\n\n[٤٤١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ الرِّجَالَ عَاقِدِي أُزُرِهِمْ فِي أَعْنَاقِهِمْ، مِثْلَ الصِّبْيَانِ مِنْ ضِيقِ الأُزُرِ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ.\n[خ: ٣٦٢]\nفي هذا الحديث: بيان ما أصاب الصحابةَ رضوان الله عليهم ومعهم النبي ﷺ في أول الأمر- وَلَا سيما في أول الهجرة- من الشدة وضيق الحال، حتى إن هناك جماعة ما كان لهم أهل وَلَا مال، سكنوا في غرفة في المسجد يُسمَّون أصحاب الصُّفَّة، يعيشون على الصدقات التي تأتي من النبي ﷺ ومن المسلمين، كما ورد عن أبي هريرة قال: «لَقَدْ رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِن أَصْحَابِ الصُّفَّةِ ما منهم رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّا إِزَارٌ، وَإِمَّا كِسَاءٌ، قَد رَبَطُوا فِي أَعْنَاقِهِم، فَمِنْهَا ما يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الكَعْبَيْنِ، فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ، كَرَاهِيَةَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ» (^١)؛ ولهذا قيل هكذا في صفوف النساء إذا كن يصلين خلف الرجال، وليس بينهما حجاب.\nوعن سهل بن سعد ﵁ قال: «كانَ رِجَالٌ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَاقِدِي أُزْرِهِم عَلَى أَعْنَاقِهِم، كَهَيْئَةِ الصِّبْيَانِ، وَيُقَالُ لِلنِّسَاءِ: لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٦٢)، ومسلم (٤٤١).","vol":"2","page":98},{"text":"وهذا الأمر لهن إذا لم يكن هناك حاجز؛ لأن النساء كن يصلين مع النبي ﷺ خلف الرجال، وليس بينهم حاجز، والآن في مؤخر المساجد مصلى خاص منفصل للنساء، وفي بعض المساجد يضعون مشراعًا، ففي هذه الصورة لا يستحب لهن التأخر.","vol":"2","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ إِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ، وَأَنَّهَا لَا تَخْرُجْ مُطَيَّبَةً</span>\n\n[٤٤٢] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جميعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، سَمِعَ سَالِمًا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمُ امْرَأَتُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا».\n[خ: ٥٢٣٨]\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا»، قَالَ: فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ، فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا، مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ؟ .\nفي هذا الحديث: الإنكار الشديد على من عارض السنة، وهذا الحديث مقيد بما إذا لم يكن هناك ما يمنع النساء من الخروج إلى المساجد.\nوهنا لما قال عبد الله بن عمر ﵄- راوي هذا الحديث-: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا» رد عليه ابنه قائلًا: «وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ» فسبه عبد الله سبًّا قبيحًا سيئًا، وفي لفظ: «فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ» (^١)؛ وذلك لأنه عارض السنة، وقد يكون قصده حسنًا، لكن كان تعبيره سيئًا.\nوفيه: تأديب الوالد ولده، ولو كان كبيرًا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٤٣).","vol":"2","page":100},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَابْنُ إِدْرِيسَ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ».\n[خ: ٩٠٠]\nقوله: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» ظاهر الحديث: أن النهي هنا للتحريم، فيحرم منعهن، ويجب الإذن لهن إذا وُجدت الشروط، من الحشمة، والحجاب، وعدم الطيب كما ورد في الحديث: «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ المَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا» وسيأتي بعده، وعدم التعرض للفتنة والريبة، سواء كانت شابة أو عجوزًا.","vol":"2","page":101},{"text":"حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمًا يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ إِلَى الْمَسَاجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنّ».\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ»، فَقَالَ ابْنٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: لَا نَدَعُهُنَّ يَخْرُجْنَ فَيَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا، قَالَ: فَزَبَرَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَقَالَ: أَقُول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: لَا نَدَعُهُنَّ! ! .\nحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَابْنُ رَافِعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ»، فَقَالَ ابْنٌ لَهُ- يُقَالُ لَهُ وَاقِدٌ-: إِذًا يَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا، قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ، وَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: لَا! ! .\nقوله: «فَيَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا»، يعني: حيلة للفساد والشر.\nوقوله: «فَزَبَرَهُ ابْنُ عُمَرَ»، يعني: زجره ونهره.\nوفي هذا الحديث: أن الواجب على المسلم أن يسمع ويطيع لأمر الله وأمر رسوله.\nوصلاة المرأة في البيت خير لها من الصلاة في مكة وفي غيرها، والرسول ﷺ قال هذا في مسجد المدينة، والصلاة فيه خير من ألف صلاة، قال ﷺ: «فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلاةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ» (^١)،\nيعني: أفضل من صلاته في المسجد النبوي.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٩٠).","vol":"2","page":102},{"text":"وفي القصة الأولى أن ولد ابن عمر ﵄ الذي قال «وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ» هو بلال، وهنا أن اسمه واقد، فيحتمل أنهما قصتان.\nحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ- يَعْنِي ابْنَ أَبِي أَيُّوبَ- حَدَّثَنَا كَعْبُ بْنُ عَلْقَمَةَ عَنْ بِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ حُظُوظَهُنَّ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِذَا اسْتَأْذَنُوكُمْ»، فَقَالَ بِلَالٌ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ أَنْتَ: لَنَمْنَعُهُنَّ! ! .\n\n[٤٤٣] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةَ كَانَتْ تُحَدِّثُ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْعِشَاءَ، فَلَا تَطَيَّبْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، حَدَّثَنِي بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ، فَلَا تَمَسَّ طِيبًا».\n\n[٤٤٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الآخِرَةَ».\nفي هذا الحديث: جواز تسمية العشاء بالآخرة، وتسمية المغرب العشاء الأولى، وهما العشاءان، كما في صحيح البخاري (^١).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١/ ١١٧).","vol":"2","page":103},{"text":"[٤٤٥] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- تَقُولُ: لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ، كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ: فَقُلْتُ لِعَمْرَةَ: أَنِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُنِعْنَ الْمَسْجِدَ؟ ! قَالَتْ: نَعَمْ.\n[خ: ٨٦٩]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: الثَّقَفِيَّ- قَالَ: ح، وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقوله: «لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ» هذا كلام مسند إلى عائشة ﵂، وإلا فالرسول ﷺ مُشَرِّع، وهو إنما يشرِّع بوحي من الله تعالى، قال تعالى: ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾، والله تعالى يعلم ما سيكون في آخر الزمان، فهذا التشريع عام إلى يوم القيامة، فإذا لم يوجد محظور فلا تمنع المرأة في أول الزمان وفي آخر الزمان، وإذا وجد المحظور مُنعت.","vol":"2","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>بَابُ التَّوَسُّطِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالإِسْرَارِ إِذَا خَافَ مِنَ الْجَهْرِ مَفْسَدَةً</span>\n\n[٤٤٦] حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنْ هُشَيْمٍ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ - قَالَ: نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَارٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالقُرْآنِ، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى- لِنَبِيِّهِ ﷺ-: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾، فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ قِرَاءَتَكَ، ﴿وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ، أَسْمِعْهُمُ الْقُرْآنَ، وَلَا تَجْهَرْ ذَلِكَ الْجَهْرَ، وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، يَقُولُ: بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ.\n[خ: ٧٤٩٠]\nقوله تعالى: «﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾»، يعني: لا تجهر بقراءتك، حتى يسمعه المشركون، فيسبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، ﴿وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾، فتكون القراءة سرًّا فلا يسمعها أصحابك، بل تكون بين الجهر وبين الإخفاء، وهذا من التوجيهات الربانية للنبي ﷺ.","vol":"2","page":105},{"text":"[٤٤٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ- فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ - قَالَتْ: أُنْزِلَ هَذَا فِي الدُّعَاءِ.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ-.ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَوَكِيعٌ. ح، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقول عائشة: «أُنْزِلَ هَذَا فِي الدُّعَاءِ» تقصد قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ وهذا أحد القولين في تفسير الآية.\nوالقول الثاني: نزلت في الصلاة، وهو مروي عَنِ ابْنِ عباس ﵄ (^١)، وهو أرجح.\n_________\n(^١) تفسير ابن جرير (١٥/ ١٢٩).","vol":"2","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>بَابُ الِاسْتِمَاعِ لِلْقِرَاءَةِ</span>\n\n[٤٤٨] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كُلُّهُمْ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿فلا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ، كَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ، فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ يُعْرَفُ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أَخْذَهُ، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ﴾ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ وَقُرْآنَهُ فَتَقْرَؤُهُ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ﴾ قَالَ: أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ لَهُ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ، فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ.\n[خ: ٤٩٢٩]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- فِي قَوْله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، كَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَقَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ﴾، قَالَ: جَمْعَهُ فِي صَدْرِكَ، ثُمَّ تَقْرَؤُهُ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ﴾ قَالَ: فَاسْتَمِعْ، وَأَنْصِتْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ، قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا أَقْرَأَهُ.\n[خ: ٥]","vol":"2","page":107},{"text":"قوله تعالى: «﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ﴾» كان ﵊ في بداية الوحي يحرك لسانه بالقرآن إذا قرأ جبريل حتى يحفظه، فوعده الله بأن يثبت القرآن في صدره ﵊.","vol":"2","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ</span>\n\n[٤٤٩] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْجِنِّ، وَمَا رَآهُمْ، انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا ذَاكَ إِلَّا مِنْ شَيْءٍ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَانْطَلَقُوا يَضْرِبُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَمَرَّ النَّفَرُ الَّذِينَ أَخَذُوا نَحْوَ تِهَامَةَ، وَهُوَ بِنَخْلٍ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ، وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾.\n[خ: ٧٧٣]\nفي هذا الحديث: بيان لما حصل بعد بعثة النبي ﷺ، فقد شُدِّدت تحركات السماء، وأُرسِلت الشهب على الشياطين؛ ولهذا قال الله تعالى- عن الجن-: ﴿وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسًا شديدًا وشهبًا﴾، وكانوا قبل بعثة النبي ﷺ يسترقون السمع، أي: يتلصصون أخبار السماء.","vol":"2","page":109},{"text":"[٤٥٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَلْقَمَةَ: هَلْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ قَالَ: فَقَالَ عَلْقَمَةُ: أَنَا سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، فَقُلْتُ: هَلْ شَهِدَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَفَقَدْنَاهُ، فَالْتَمَسْنَاهُ فِي الأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ، فَقُلْنَا: اسْتُطِيرَ أَوِ اغْتِيلَ، قَالَ: فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا هُوَ جَاءٍ مِنْ قِبَلِ حِرَاءٍ، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَدْنَاكَ، فَطَلَبْنَاكَ فَلَمْ نَجِدْكَ، فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، فَقَالَ: «أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ»، قَالَ: فَانْطَلَقَ بِنَا، فَأَرَانَا آثَارَهُمْ، وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، وَسَأَلُوهُ الزَّادَ، فَقَالَ: «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا؛ فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ».\nوَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ دَاوُدَ بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَسَأَلُوهُ الزَّادَ، وكانوا من جن الجزيرة، إلى آخر الحديث، من قول الشعبي، مفصلًا من حديث عبد الله، وَحَدَّثَنَاهُ أبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى قَوْلِهِ: «وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ»، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.\nقوله: «اسْتُطِيرَ»، يعني: طارت به الشياطين.\nوقوله: «واغتِيلَ»، يعني: قُتل خفية؛ فقد خافوا على الرسول ﷺ؛ لأنهم فقدوه ولم يجدوه.\nوفي الحديث الأول- حديث ابن عباس ﵄-: أن النبي ﷺ لم يعلم","vol":"2","page":110},{"text":"بالجن، وفي حديث علقمة ﵁: أنه علم وقرأ عليهم القرآن، فهما قصتان: القصة الأولى قديمة، والقصة الثانية متأخرة.\nوقصة ابن مسعود ﵁ فيها: أنه أتاه داعي الجن، وعلم بهم، وأما في القصة الأولى في مكة ففيها أنه جاءه الجن واستمعوا له، ولم يعلم بهم ﵊.\nوفي هذه الأحاديث: تحريم الاستجمار بالعظم والروث، والحكمة في هذا ذُكرت في هذا الحديث: أن العظم يعود إليه اللحم فيكون زادًا للجن، والبعر يكون علفًا للدواب، وجاء في حديث آخر- أيضًا-: حكمة أخرى، قال ﷺ: «إِنَّهُمَا لا يُطَهِّرَانِ» (^١).\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمْ أَكُنْ لَيْلَةَ الْجِنِّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَهُ.\nفي هذا الحديث: أن عبد الله ودَّ أن يكون مصاحبًا للنبي ﷺ؛ لما يحصل له من الخير بصحبة الأخيار، ففيها خير عظيم، ونبينا ﷺ أفضل الناس.\n_________\n(^١) أخرجه الدارقظني (١٥٢).","vol":"2","page":111},{"text":"حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ مَعْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَأَلْتُ مَسْرُوقًا: مَنْ آذَنَ النَّبِيَّ ﷺ بِالْجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُوكَ- يَعْنِي: ابْنَ مَسْعُودٍ- أَنَّهُ آذَنَتْهُ بِهِمْ شَجَرَةٌ.\nقوله: «آذَنَتْهُ»، يعني: أعلمتهم به شجرة، فجعل الله فيها التمييز، كما جعل في الجبال تمييزًا، قال تعالى: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ وكما جعل في الحجر تمييزًا، فسلم على الرسول ﷺ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٢٧٩).","vol":"2","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ</span>\n\n[٤٥١] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ الْحَجَّاجِ- يَعْنِي: الصَّوَّافَ- عَنْ يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا، فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الأُولَى مِنَ الظُّهْرِ، وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ، وَكَذَلِكَ فِي الصُّبْحِ.\n[خ: ٧٥٩]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ، وَأَبَانُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا، وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ.\nفي هذا الحديث: أنه تُقرأ السورة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر، وأما في الأخريين فظاهر الحديث أنه يقتصر على الفاتحة.\nوفيه: مشروعية تطويل الركعة الأولى، كما جاء في الحديث عنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قال: «فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، قَدْرَ قِرَاءَةِ الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الأُخْرَيَيْنِ، قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ، عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ فِي الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَفِي الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: الم تَنْزِيلُ، وَقَالَ: قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٥٢).","vol":"2","page":113},{"text":"وأحيانًا كان يُسمِع ﷺ بجملة أو بكلمة ليُعلِم أنه يقرأ، وهذا مشروع لمن كان في الليل، أَوْ لم يكن هناك محظور، أَوْ كان هناك أحد يؤذيه.\n\n[٤٥٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، جَمِيعًا عَنْ هُشَيْمٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا نَحْزِرُ قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ قِرَاءَةِ: ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ فِي الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَفِي الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: ﴿الم تَنْزِيلُ﴾، وَقَالَ: قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً.\nقوله: «نَحْزِرُ»، أي: نُقَدِّرُ.\nوفي هذا الحديث: دليل على أنه يُقرأ- أحيانًا- في الركعتين الأخريين قدر سورة السجدة، أو «قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً»، أو «عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ»، يعني: قدر خمس عشرة آية، سبع منها الفاتحة، ومعها نحو ثماني آيات؛ فدل على أنه ربما قرأ في الركعتين الأخريين من الظهر زيادة على الفاتحة.\nوفيه: دليل على أنه ﷺ اقتصر على الفاتحة في العصر، يقرأ في الأوليين قدر خمس عشر آية، وفي الأخريين على النصف من ذلك، فدل على أن العصر أخفُّ من الظهر.","vol":"2","page":114},{"text":"حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْوَلِيدِ أَبِي بِشْرٍ عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ- فِي كُلِّ رَكْعَةٍ- قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً، وَفِي الأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً- أَوَ قَالَ: نِصْفَ ذَلِكَ- وَفِي الْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، قَدْرَ قِرَاءَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً، وَفِي الأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ نِصْفِ ذَلِك.\n\n[٤٥٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ شَكَوْا سَعْدًا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَذَكَرُوا مِنْ صَلَاتِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ لَهُ مَا عَابُوهُ بِهِ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: إِنِّي لَأُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، إِنِّي لَأَرْكُدُ بِهِمْ فِي الأُولَيَيْنِ، وَأَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَيْنِ، فَقَالَ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ أَبَا إِسْحَاقَ.\n[خ: ٧٥٥]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.\nقوله: «أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ شَكَوْا سَعْدًا»، أي: ابن أبي وقاص ﵁، وكان أميرًا عليهم.\nوقوله: «وَأَحْذِفُ»، يعني: أختصر.\nوفي هذا الحديث: أن سعدًا ﵁ كان أميرًا على الكوفة، فشكاه أهل الكوفة، وظلموه، حتى قالوا: لا يحسن الصلاة، مع أنه صحابي جليل من السابقين الأولين.\nوفيه: أن السنة في الركعتين الأخريين أن يكونا أخفَّ من الركعتين الأوليين.","vol":"2","page":115},{"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عَوْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِسَعْدٍ: قَدْ شَكَوْكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي الصَّلَاةِ! قَالَ: أَمَّا أَنَا، فَأَمُدُّ فِي الأُولَيَيْنِ، وَأَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَيْنِ، وَمَا آلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ- أَوْ: ذَاكَ ظَنِّي بِكَ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ، وَزَادَ فَقَالَ: تُعَلِّمُنِي الأَعْرَابُ بِالصَّلَاةِ! .\n\n[٤٥٤] حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ مُسْلِمٍ- عَنْ سَعِيدٍ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ العَزِيزِ- عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ قَزْعَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَقَدْ كَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقْضِي حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَأْتِي وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، مِمَّا يُطَوِّلُهَا.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ رَبِيعَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَزْعَةُ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ- وَهُوَ مَكْثُورٌ عَلَيْهِ- فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ، قُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْأَلُكَ عَمَّا يَسْأَلُكَ هَؤُلَاءِ عَنْهُ، قُلْتُ: أَسْأَلُكَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: مَا لَكَ فِي ذَاكَ مِنْ خَيْرٍ! فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: كَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ، فَيَنْطَلِقُ أَحَدُنَا إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقْضِي حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَأْتِي أَهْلَهُ، فَيَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى.\nقوله: «قَدْ شَكَوْكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي الصَّلَاةِ!» فيه: أن أهل الكوفة من قديم كانوا مشاغبين، وذلك منذ عهد عمر ﵁.\nقوله: «أَبَا إِسْحَاقَ» هي كنيته.\nوجاء أنهم لما شكوه أرسل عمر ﵁ رجلًا إلى الكوفة، فمر على ما","vol":"2","page":116},{"text":"يقارب الثلاثين مسجدًا، وقيل: على مائة مسجد، ولم يدع مسجدًا إلا سأل عنه، وكان الناس يثنون على سعد خيرًا، حتى دخل مسجدًا لبني عبس، فقام رجل منهم، يقال له: أسامة بن قتادة، يكنى أبا سعدة، قال: «أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ، قَالَ سَعْدٌ: أَمَا وَاللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَأَطِلْ عُمْرَهُ وَأَطِلْ فَقْرَهُ وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ، وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ» (^١).\nفتن بدعوة سعد، فدعوة المظلوم مستجابة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥٥).","vol":"2","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ</span>\n\n[٤٥٥] وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ سُفْيَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ المسيب العابدي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ ﷺ الصُّبْحَ بِمَكَّةَ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ، حَتَّى جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى، وَهَارُونَ، أَوْ ذِكْرُ عِيسَى- مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ يَشُكُّ، أَوِ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ- أَخَذَتِ النَّبِيَّ ﷺ سَعْلَةٌ، فَرَكَعَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ حَاضِرٌ ذَلِكَ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاق: فَحَذَفَ، فَرَكَعَ، وَفِي حَدِيثِهِ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَلَمْ يَقُلْ: ابْنِ الْعَاصِ.\nفي هذا الحديث: بيان ما كان يقرأ به النبي ﷺ في صلاة الفجر، وأنه ﵊ قرأ سورة: ﴿المؤمنون﴾ وقسمها بين الركعتين، وكان هذا في مكة عام الفتح.\nوقد ورد عنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ»، فَطُفْتُ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله وعليه وسلم يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَقْرَأُ بِالطُّورِ، وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (^١).\nوقوله: «وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ» هذا خطأ، فهذا عمرو آخر، كما قال النووي ﵀: «قال الحفاظ: قوله ابن العاص غلط، والصواب حذفه وليس هذا عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي؛ بل هو عبد الله بن عمرو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٨٥٣).","vol":"2","page":118},{"text":"الحجازي كذا ذكره البخارى في تاريخه وابن أبي حاتم وخلائق من الحفاظ المتقدمين والمتأخرين» (^١).\n\n[٤٥٦] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا ابْنُ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ سَرِيعٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾.\nقوله: «سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾»، يعني: سورة التكوير، وفيه: أنه ﷺ كان يقرأ- أحيانًا- في الفجر بأنصاف المفصل، كسورة التكوير، وفيها: ﴿والليل إذا عسعس﴾، لكنه في الغالب كان يقرأ من الطوال.\n\n[٤٥٧] حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّيْتُ وَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَرَأ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ حَتَّى قَرَأَ: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ قَالَ: فَجَعَلْتُ أُرَدِّدُهَا، وَلَا أَدْرِي مَا قَالَ.\nقوله: «فَجَعَلْتُ أُرَدِّدُهَا، وَلَا أَدْرِي مَا قَالَ» كأنه ما فهم معناها، فجعل يرددها.\nوالظاهر من كلام قطبة بن مالك ﵁: أن هذا اجتهاد منه، أَوْ أنه كان يريد فهم معناها، فجعل يرددها دون انتباه، وذكر ابن رجب الحنبلي ﵀\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٤/ ١٧٧).","vol":"2","page":119},{"text":"أن الإمام أحمد ﵀ قال: في هذه الآية: ﴿وإذا قرأ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ «أجمعوا أن هذه الآية نزلت في الصلاة، وفي الخطبة.» (^١).\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ: سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنْ عَمِّهِ: أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الصُّبْحَ، فَقَرَأَ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾، وَرُبَّمَا قَالَ: «ق «.\n\n[٤٥٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بـ ﴿ق وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾، وَكَانَ صَلَاتُهُ بَعْدُ تَخْفِيفًا.\nقوله: «وَكَانَ صَلَاتُهُ بَعْدُ تَخْفِيفًا» المعنى يحتمل أمرين:\nأحدهما: أن المراد أن الصلوات التي بعد الفجر: وهي الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، كانت أخفَّ من الفجر.\nوالثاني: أن المراد أن صلاته الفجرَ بعد ذلك كانت تخفيفًا.\nوالمعنى الأول أرجح؛ لأن النبي ﷺ استمر على قراءة هذه السور إلى وفاته، وقرأ بالطور في الفجر في حجة الوداع، وهي في آخر حياته.\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن رجب (٨/ ٢٦٩).","vol":"2","page":120},{"text":"وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ سِمَاكٍ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ عَنِ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: كَانَ يُخَفِّفُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُصَلِّي صَلَاةَ هَؤُلَاءِ، قَالَ: وَأَنْبَأَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بـ ﴿ق وَالْقُرْءَانِ﴾ وَنَحْوِهَا.\n\n[٤٥٩] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بِـ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، وَفِي الْعَصْرِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَفِي الصُّبْحِ أَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ.\nقوله: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بِـ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾»، يعني: أن هذا كان في بعض الأحيان، فإنه كان يقرأ في الظهر ﴿الم تنزيل﴾ السجدة، أَوْ قدر ثلاثين آية كما سبق، وربما قرأ بـ ﴿والليل إذا يغشى﴾.\n\n[٤٦٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وَفِي الصُّبْحِ بِأَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ.\nقوله: «وَفِي الصُّبْحِ بِأَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ» فيه: بيان أن صلاة الصبح أطول الصلوات، قال تعالى: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودًا﴾ فسمَّى الله صلاة الفجر قرآنًا؛ لأن أطول ما فيها القراءة، قوله: ﴿وقرآن الفجر﴾، يعني: وصلاة الفجر ﴿كان مشهودًا﴾ أي: تشهدها الملائكة.","vol":"2","page":121},{"text":"[٤٦١] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، مِنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ.\nقوله: «صَلَاةِ الْغَدَاةِ» هي صلاة الفجر.\nوقوله: «مِنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ»، يعني: يقرأ في الركعة الواحدة من ثلاثين إلى خمسين آية.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ آيَةً.\n\n[٤٦٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ، سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إِنَّهَا لَآخِرُ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ.\n[خ: ٧٦٣]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حميد قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ صَالِحٍ: ثُمَّ مَا صَلَّى بَعْدُ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ﷿.\n\n[٤٦٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ","vol":"2","page":122},{"text":"بِـ ﴿الطُّورِ﴾، فِي الْمَغْرِبِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حميد قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nفي هذا الحديث: أن أم الفضل ﵂ سمعت النبي صى الله عليه وسلم يقرأ بـ ﴿والمرسلات﴾ في المغرب، وحديث جبير ﵁ السابق أنه كان يقرأ بـ ﴿الطور﴾، فدل على أنه ﵊ كان يقرأ أحيانًا في المغرب الطوال من المفصل كـ ﴿والمرسلات﴾، و﴿والطور﴾، و﴿اقتربت﴾ كما كان يقرأ كثيرًا بالقصار.\nوقيل: إنه داوم على قراءة القصار في المغرب.\nوينبغي للإمام أن يقرأ كثيرًا بالقصار في المغرب، وأحيانًا بـ ﴿والمرسلات﴾، ﴿والطور﴾، ﴿اقتربت الساعة﴾ وما أشبهها.","vol":"2","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الْعِشَاءِ</span>\n\n[٤٦٤] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ كَانَ فِي سَفَرٍ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ الآخِرَةَ، فَقَرَأَ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ، فَقَرَأَ بِـ ﴿التِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾.\n[خ: ٧٦٧]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي الْعِشَاءِ بِـ ﴿التِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ.\nفي هذه الأحاديث: أنه ﷺ ربما قرأ في العشاء بالقصار من المفصل، وكان في الغالب يقرأ بأوساط المفصل، وفي حديث معاذ أنه قرأ بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، و﴿والشمس وضحاها﴾، و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ (^١).\nوطوال المفصل تبدأ من: ﴿ق﴾ إلى ﴿عم﴾، وأنصافه من: ﴿عم﴾ إلى ﴿الضحى﴾، والقصار من: ﴿الضحى﴾ إلى آخر القرآن.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٠٥).","vol":"2","page":124},{"text":"[٤٦٥] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَأْتِي فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ فَأَمَّهُمْ، فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَانْحَرَفَ رَجُلٌ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ وَانْصَرَفَ، فَقَالُوا لَهُ: أَنَافَقْتَ يَا فُلَانُ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَأُخْبِرَنَّهُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَصْحَابُ نَوَاضِحَ، نَعْمَلُ بِالنَّهَارِ، وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى مَعَكَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مُعَاذٍ، فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ اقْرَأْ بِكَذَا، وَاقْرَأْ بِكَذَا».\n[خ: ٦١٠٦]\nقَالَ سُفْيَانُ: فَقُلْتُ لِعَمْرٍو: إِنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ حَدَّثَنَا عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: اقْرَأْ: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، فَقَالَ عَمْرٌو: نَحْوَ هَذَا.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ الأَنْصَارِيُّ لِأَصْحَابِهِ الْعِشَاءَ، فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ، فَانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَّا، فَصَلَّى، فَأُخْبِرَ مُعَاذٌ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ، دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ مُعَاذٌ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ فَتَّانًا يَا مُعَاذُ؟ ! إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ، فَاقْرَأْ بِـ ﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، وَ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وَ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ «.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ الآخِرَةَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ،","vol":"2","page":125},{"text":"حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ.\nفي هذا الحديث: أنه لا بأس بإعادة الجماعة، فالإنسان إذا صلى في مسجد، ثُمَّ ذهب إلى مسجد آخر ووجدهم يصلون يصلي معهم، وتكون له نافلة، حتى صلاة العصر وصلاة الفجر؛ لأن النبي ﷺ أنكر على من رآه جالسًا لما صلى بالناس في مِنًى، فقال: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟» قَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا. قَالَ: «فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ، فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَمَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» (^١).\nوهذا معاذ ﵁ كان يصلي مع النبي ﷺ العشاء، فكانت له فريضة، ثُمَّ يذهب إلى قومه فيؤمهم؛ لأنه أقرأَهم، فتكون له نافلة، ولهم فريضة.\nوفيه: جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، والرد على مَن أنكر ذلك من الحنابلة وغيرهم؛ لاختلاف نية الإمام والمأموم (^٢)، واستدلوا بقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ»، لكن هذا لا يدل على أن الاختلاف المنهي عنه هنا هو اختلاف النية.\nفمن صلى الظهر خلف من يصلي العصر فلا بأس، أَوِ العكس، كمن صلى العصر خلف من يصلي الظهر، أَوْ صلى فريضة خلف من يصلي نافلة، أَوْ جاء في صلاة التراويح والناس قد صلوا فيصلي معهم، فإذا سلم الإمام يتم صلاته، فلا بأس بهذا.\nوفيه: أن معاذًا ﵁ كان يطيل الصلاة، وأنه من حرصه وحفظه للقرآن افتتح البقرة، يريد أن يقرأ البقرة كاملة، لكن هذا الرجل جاء متعبًا منهكًا،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧٤٧٤)، والترمذي (٢١٩)، والنسائي (٨٥٨).\n(^٢) الإنصاف، للمرداوي (٢/ ٢٧٦)، مطالب أولي النهى، للرحيباني (١/ ٤١١).","vol":"2","page":126},{"text":"فلما رأى معاذًا افتتح البقرة وعرف أنه سيطيل انحرف وسلم وصلى وحده، فقيل له: نافقتَ، لماذا تترك الجماعة وتصلي وحدك؟ فقال: والله لآتين رسول الله عليه وسلم فأخبره، فأتى النبيَّ ﷺ فأخبره، فأنكر النبي ﷺ على معاذ ﵁ تطويله.\nوبعض الناس يتعلق بقوله ﷺ: «يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟» فيستدل به على التخفيف المفرِط، وهذا غلط؛ فالصلاة لا بد فيها من الإتمام والطمأنينة، والنبي ﷺ كانت صلاته تخفيفًا في إتمام، بخلاف بعض الناس الذين ينقرون الصلاة نقر الغراب؛ وهذا منهي عنه لحديث: «أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ صَلَاتَهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَسْرِقُ صَلَاتَهُ؟ قَالَ: «لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا» (^١).\n\nوكان ﷺ له في الركوع والسجود عشر تسبيحات مع التدبر، وكان يقرأ في الفجر بالستين آية، وهذا تخفيف، فما زاد عن صلاة النبي ﷺ فهو فضل، وأما صلاة النبي ﷺ فهي عين التخفيف.\nوفيه: أنه من طرأت عليه مشقة، أَوْ كان مريضًا متعبًا، وَلَا يستطيع الإتمام، فيجوز أن ينفرد لعذره.\nوفيه: استحباب قراءة هذه السور وأمثالها من الطوال في صلاة العشاء.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١١٥٣٢)، والدارمي (١٣٦٧)، وابن خزيمة (٦٦٣)، وابن حبان (١٨٨٨).","vol":"2","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>بَابُ أَمْرِ الأَئِمَّةِ بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ فِي تَمَامٍ</span>\n\n[٤٦٦] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ؛ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُوجِزْ؛ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ، وَذَا الْحَاجَةِ».\n[خ: ٧١٥٩]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، وَوَكِيعٌ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ هُشَيْمٍ.\n\n[٤٦٧] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمْ الصَّغِيرَ، وَالْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ، وَالْمَرِيضَ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ».\n[خ: ٧٠٣]\nحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا مَا قَامَ أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ الصَّلَاةَ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ، وَفِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَإِذَا قَامَ وَحْدَهُ فَلْيُطِلْ صَلَاتَهُ مَا شَاءَ».\nفي هذه الأحاديث: الإيجاز مع الطمأنينة في الصلاة، كما كانت صلاة النبي ﷺ، فقد كان يسبح عشر تسبيحات في الركوع، وعشر تسبيحات في السجود، وعليه فلو سبح المصلي خمسين تسبيحة- مثلًا- لكان هذا تطويلًا.","vol":"2","page":128},{"text":"وفيها: أنه من كان يصلي وحده فليطول ما شاء، فليس أحد متعلقًا به، ولو قرأ القرآن كله في ركعة؛ كما يروى عن عثمان ﵁: «أنه كان يقرأ القرآن كله في ركعة» (^١).\nوَحَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِي النَّاسِ الضَّعِيفَ، وَالسَّقِيمَ، وَذَا الْحَاجَةِ».\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ بَدَلَ السَّقِيمَ: «الْكَبِيرَ «.\n\n[٤٦٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «أُمَّ قَوْمَكَ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا، قَالَ: «ادْنُهْ»، فَجَلَّسَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ فِي صَدْرِي بَيْنَ ثَدْيَيَّ، ثُمَّ قَالَ: «تَحَوَّلْ»، فَوَضَعَهَا فِي ظَهْرِي بَيْنَ كَتِفَيَّ، ثُمَّ قَالَ: «أُمَّ قَوْمَكَ، فَمَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَإِنَّ فِيهِمُ ذَا الْحَاجَةِ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ».\nفي هذا الحديث: أن عثمان بن أبي العاص ﵁ كان في نفسه شيء من\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥٩٥٢)، والبيهقي في الكبرى (٤٧٨٢)، وفي الشعب (١٩٩٣)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (٣/ ٧٦).","vol":"2","page":129},{"text":"الوساوس، وفي اللفظ الآخر: «أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ ﵁، أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي» (^١).\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ: حَدَّثَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَمَمْتَ قَوْمًا فَأَخِفَّ بِهِمُ الصَّلَاةَ».\n\n[٤٦٩] وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُوجِزُ فِي الصَّلَاةِ وَيُتِمُّ.\n[خ: ٧٠٦]\nقوله: «كَانَ يُوجِزُ فِي الصَّلَاةِ وَيُتِمُّ»، يعني: أنه لا بد من الإيجاز مع الإتمام، أما إذا كان هناك إيجاز مع إخلال بالطمأنينة، فالصلاة باطلة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٢٠٣).","vol":"2","page":130},{"text":"حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مِنْ أَخَفِّ النَّاسِ صَلَاةً فِي تَمَامٍ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك أَنَّهُ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلَاةً، وَلَا أَتَمَّ صَلَاةً، مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\n[خ: ٧٠٨]\n\n[٤٧٠] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ مَعَ أُمِّهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ الْخَفِيفَةِ- أَوْ: بِالسُّورَةِ الْقَصِيرَةِ.\n[خ: ٧٠٩]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَأَدْخُلُ الصَّلَاةَ أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأُخَفِّفُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ بِهِ».\nفي هذا الحديث: أن النبي ﵊ كان أرحمَ الناس، ومن رحمته ﵊ وشفقته أنه كان إذا سمع بكاء الصبي قرأ بسورة قصيرة؛ مخافةَ أن يشقَّ على أمه من شدة وجدها به.\nوفيه: أن النساء كن يصلين مع النبي ﷺ في مسجده.","vol":"2","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>بَابُ اعْتِدَالِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَتَخْفِيفِهَا فِي تَمَامٍ</span>\n\n[٤٧١] وَحَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ قَالَ حَامِدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: رَمَقْتُ الصَّلَاةَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ، فَرَكْعَتَهُ، فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالِانْصِرَافِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ.\n[خ: ٧٩٢]\nفي هذا الحديث: أن صلاة الرسول ﷺ متناسبة في الأركان، فكلها كانت متقاربة، ما خلا القيام والقعود (^١)، فيكونان أطول من باقي الأركان.\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ قَالَ: غَلَبَ عَلَى الْكُوفَةِ رَجُلٌ، قَدْ سَمَّاهُ زَمَنَ ابْنِ الأَشْعَثِ، فَأَمَرَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَكَانَ يُصَلِّي، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ قَدْرَ مَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ، قَالَ الْحَكَمُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، فَقَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرُكُوعُهُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَسُجُودُهُ، وَمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ، قَالَ شُعْبَةُ: فَذَكَرْتُهُ لِعَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، فَلَمْ تَكُنْ صَلَاتُهُ هَكَذَا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٩٢).","vol":"2","page":132},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ: أَنَّ مَطَرَ بْنَ نَاجِيَةَ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى الْكُوفَةِ أَمَرَ أَبَا عُبَيْدَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ.\n\n[٤٧٢] حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنِّي لَا آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ، كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا، قَالَ: فَكَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئًا لَا أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَهُ، كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ انْتَصَبَ قَائِمًا حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ مَكَثَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ.\n[خ: ٨٢١]\n\n[٤٧٣] وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ خَلْفَ أَحَدٍ أَوْجَزَ صَلَاةً مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تَمَامٍ، كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَقَارِبَةً، وَكَانَتْ صَلَاةُ أَبِي بَكْرٍ مُتَقَارِبَةً، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، مَدَّ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، قَامَ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ، ثُمَّ يَسْجُدُ، وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ.\nقوله: «قَدْ أَوْهَمَ»، يعني: قد نسي، يقوم بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، حتى يقول القائل: قد نسي، أي: من طول القيام، وإذا رفع رأسه من السجود بين السجدتين جلس حتى يقول القائل: قد نسي، وهذان الركنان يخففهما كثير من الناس، والأحناف لا يطمئنون فيهما (^١)، وهذا غلط؛ فقد يؤدي التخفيف فيهما إلى بطلان الصلاة، وهو خلاف سنة الرسول ﷺ.\n_________\n(^١) بدائع الصنائع، للكاساني (١/ ١٠٥).","vol":"2","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>بَابُ مُتَابَعَةِ الإِمَامِ وَالْعَمَلِ بَعْدَهُ</span>\n\n[٤٧٤] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ- وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ-: أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ أَرَ أَحَدًا يَحْنِي ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَبْهَتَهُ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ يَخِرُّ مَنْ وَرَاءَهُ سُجَّدًا.\n[خ: ٨١١]\nوَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ- وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ- قَال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعَ سُجُودًا بَعْدَهُ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ الْأَنْطَاكِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ، يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا رَكَعَ رَكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، لَمْ نَزَلْ قِيَامًا، حَتَّى نَرَاهُ قَدْ وَضَعَ وَجْهَهُ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ نَتَّبِعُهُ.\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، وَغَيْرُهُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَحْنُو أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ، حَتَّى نَرَاهُ قَدْ سَجَدَ.\nفَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْكُوفِيُّونَ- أَبَانُ، وَغَيْرُهُ- قَالَ: حَتَّى نَرَاهُ يَسْجُدُ.","vol":"2","page":134},{"text":"في هذه الأحاديث: أن الصحابة ﵃ كانوا يتابعون النبي ﵊ وَلَا يسابقونه، فلا يتحركون حتى يضع جبهته على الأرض ساجدًا، فإذا تمكن وانقطع صوته تبعوه، وهكذا السنة.\nوفيها: مشروعية متابعة المأموم لإمامه، وأنه يأتي بالأفعال بعد انقطاع صوت تكبيره.\n\n[٤٧٥] حَدَّثَنَا مُحْرِزُ بْنُ عَوْنِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ الأَشْجَعِيُّ أَبُو أَحْمَدَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ سَرِيعٍ- مَوْلَى آلِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ- عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ الْفَجْرَ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾، وَكَانَ لَا يَحْنِي رَجُلٌ مِنَّا ظَهْرَهُ، حَتَّى يَسْتَتِمَّ سَاجِدًا.\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر بأوساط المفصل؛ كسورة التكوير، وقرأ مرة في الفجر بالزلزلة، كررها في الركعتين (^١)، ولكنه في الغالب كان يقرأ في الفجر من الستين إلى المائة آية كما سبق تفصيله في بابه.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٨١٦)، والبيهقي في الكبرى (٤٠٢١).","vol":"2","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ</span>\n\n[٤٧٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ».\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَجْزَأَةَ بْنِ زَاهِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاءِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ، اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الْوَسَخِ».\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، فِي رِوَايَةِ مُعَاذٍ: «كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّرَنِ»، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ: «مِنَ الدَّنَسِ».\n\n[٤٧٧] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ قَزْعَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ: وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللَّهُمَّ لَا","vol":"2","page":136},{"text":"مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ».\n\n[٤٧٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ».\nحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى قَوْلِهِ: «وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ»، وَلَمْ يَذْكُرْ: مَا بَعْدَهُ.\nفي هذه الأحاديث: استحباب هذا الذكر بعد ما يقول: «سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ»، والواجب أن يقول: «رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ»، وما زاد عليه فهو سنة.\nومن أكمل ما ورد في هذا: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ».\nوقد جاءت «أَهْلَ» بالنصب على تقدير منادى مضاف وأداة النداء محذوفة، أي: يا أهلَ الثناء والمجد، وجاءت بالرفع خبرًا لمبتدأ محذوف، أي: أنت أهلُ الثناء.\nوقوله: «لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ»، يعني: لا أحد يمنع ما أعطيتني يا الله، فإذا أعطى الله أحدًا فلا يستطيع أحد أن يمنعه، وَلَا معطي لما منعتني يا الله، فإذا منع الله أحدًا فلا يُعطَى، كما قال الله تعالى: ﴿ما يفتح لله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده﴾، وفي الحديث: «يَا غُلَامُ إِنِّي مُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ","vol":"2","page":137},{"text":"تُجَاهَكَ، وَإِذَا سَأَلْتَ فاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» (^١).\nوقوله: «وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» الجَدُّ: الحظ والغنى والجاه والمال والسلطة؛ فلا ينفع صاحب الحظ إلا طاعة الله ﷿، ومن يستعمل هذا الغنى والمال والجاه في طاعة الله نفعه، لكنه لا ينتفع بهذا المال أو الجاه والسلطان وحده بدلًا من العمل الصالح، وفي الحديث الآخر: «وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» (^٢).\nوالجَدُّ- بفتح الجيم- يطلق على الحظ وعلى العظمة، كما في دعاء الاستفتاح: «وتعالى جدك» (^٣)، أي: ارتفعت عظمتك، وكما في قوله تعالى: ﴿وأنه تعالى جد ربنا﴾، يعني: تعالت عظمته وكبرياؤه ﷾، ويطلق الجد على أب الأب، فيقال: هذا جد فلان، يعني: أبا أبيه، أما الجِدُّ- بكسر الجيم- فهو الاجتهاد.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٦٦٩)، والترمذي (٢٥١٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٦٩٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (٣٩٩).","vol":"2","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>بَابُ النَّهْيِ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ</span>\n\n[٤٧٩] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سُحَيْمٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السِّتَارَةَ، وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ، إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الْمُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ، أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ﷿، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ».\nقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سُحَيْمٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السِّتْرَ، وَرَأْسُهُ مَعْصُوبٌ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-؟ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا، يَرَاهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ، أَوْ تُرَى لَهُ»، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ سُفْيَانَ.\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ أخبر بانتهاء النبوة، وأنه لم يبق إلا المبشرات، وهي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له، وهو داخل في قوله تعالى: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ فالبشرى تكون للمؤمن بالرؤيا الصالحة وبثناء المؤمنين عليه في الحياة الدنيا، ولكن لا ينبغي للمؤمن أن يغتر بهذه الرؤيا، بل تزيده نشاطًا وقوة في العبادة.\nوفيه: النهي عن القراءة في حال الركوع والسجود؛ ولهذا قال ﷺ: «فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ﷿»، أي: تقول: سبحان رب العظيم، وكذا الدعاء","vol":"2","page":139},{"text":"التابع للتسبيح؛ كقولك: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» (^١).\nوفي السجود يكثر من الدعاء؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «وَأَمَّا السُّجُودُ، فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» والمعنى: حريٌّ أن يستجاب لكم.\nوفيه: أنه ﵊ يستشهد الله عليهم بأنه بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة يقول: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» وقد قال هذا ﷺ في أعظم مجمع، يوم عرفة، يوم خطب الناس فقال: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ»؟ (^٢) قالوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَرَفَعَ إِصْبَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَسْتَشْهِدُ اللهَ عَلَيْهِمْ، فشهد له الصحابة بالبلاغ، ونحن نشهد بأنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة ﵊، وجاهد في الله حق جهاده، فجزاه الله خير ما يجزي نبيًّا عن قومه، ورسولًا عن أمته ﵊، فقد بلغ وحذر وأنذر، ولم يترك خيرًا إلا دل الأمة عليه، ولم يترك شرًّا إلا حذر الأمة منه.\nوفي حديث حجة الوداع من الفوائد: أن الله في العلو؛ لأنه ﷺ رفع إصبعه إلى السماء.\nوفيه: أنه لا بأس بالإشارة إلى أن الله في العلو، خلافًا للجهمية والمعتزلة الذين ينكرون أن الله في العلو، ويقولون: أنتم تفعلون هذا لأنكم مشبهة، جعلتم الله متحيزًا محدودًا، وهذا من أبطل الباطل؛ فالله تعالى في العلو، وهو فوق، وعلمه في كل مكان ﷾.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٩٤)، ومسلم (٤٨٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٧٣٩).","vol":"2","page":140},{"text":"[٤٨٠] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنَ الْوَلِيدِ- يَعْنِي: ابْنَ كَثِيرٍ- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، يَقُولُ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَأَنَا رَاكِعٌ، أَوْ سَاجِدٌ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّهُ قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَلَا أَقُولُ: نَهَاكُمْ.\nقوله: «نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَلَا أَقُولُ: نَهَاكُمْ» هذا من ورع علي ﵁، وإلا فإن نهي النبي ﷺ للواحد هو نهي للأمة كلها؛ لأن الشريعة عامة، إلا ما ورد الدليل بخصوصه، كما في جذعة أبي نيار خال البراء بن عازب ﵄، لما ذبح الأضحية قبل الصلاة، فقال له النبي ﷺ: «شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ عِنْدَنَا عَنَاقًا لَنَا جَذَعَةً- هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ- أَفَتَجْزِي عَنِّي، قَالَ: «نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٥٥).","vol":"2","page":141},{"text":"حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَلِيٍّ قَال: نَهَانِي حِبِّي ﷺ أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ. ح، وَحَدَّثَنِي عِيسَى ابْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنَا الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى وَهُوَ الْقَطَّانُ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ. ح، وَحَدَّثَنِي هَارُونُ ابْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ- وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو- قَالَ: ح، وَحَدَّثَنِي هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ. ح، إِلَّا الضَّحَّاكَ، وَابْنَ عَجْلَانَ فَإِنَّهُمَا زَادَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، كُلُّهُمْ قَالُوا: نَهَانِي عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَأَنَا رَاكِعٌ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي رِوَايَتِهِمْ، النَّهْيَ عَنْهَا فِي السُّجُودِ، كَمَا ذَكَرَ الزُّهْرِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ، وَدَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ عَلِيٍّ، وَلَمْ يَذْكُرْ: فِي السُّجُودِ.\n\n[٤٨١] وَحَدَّثَنِي، عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ، وَأَنَا رَاكِعٌ، لَا يَذْكُرُ فِي الإِسْنَادِ عَلِيًّا.\nقوله: «نَهَانِي حِبِّي ﷺ» حبي: يعني: حبيبي، أَوْ محبوبي، وهو رسول الله ﷺ، وأسامة بن يزيد ﵁ حب رسول الله، وزيد بن حارثة أبوه ﵁ هو حب","vol":"2","page":142},{"text":"رسول الله كذلك، وقد كان ﵊ يحب كثيرين، فهو يحب عليًّا، ويحب أبا بكر، ويحب عائشة، ويحب أسامة ﵃ جميعًا، أما الخلة فإنه ﷺ لم يخالل أحدًا من الخلق، وإنما هو خليل لربه ﷿؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «أَلَا إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ خِلٍّ مِنْ خِلِّهِ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، إِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ» (^١)، وهذا يدل على أن المحبة أوسع من الخلة، والخلة هي نهاية المحبة، وأنه لا يتسع القلب لأكثر من خليل؛ ولهذا لما خالل النبي ﷺ ربه لم يتسع قلبه لخلة أحد، ولو كان فيه متسع لكان لأبي بكر ﵁.\nقوله: «نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ، وَأَنَا رَاكِعٌ» ظاهره التحريم، وأنه لا يجوز للإنسان أن يقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، حتى إن بعضهم قال: لو تعمد لبطلت صلاته (^٢)، إلا إذا كان ناسيًا فإنه يُعفى عنه.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٣٨٣).\n(^٢) المحلى، لابن حزم (٢/ ٣٦١).","vol":"2","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>بَابُ مَا يُقَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ</span>\n\n[٤٨٢] وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ سُمَيٍّ- مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ- أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ».\nفي هذا الحديث: استحباب الإكثار من الدعاء في السجود؛ فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، ولهذا قال سبحانه: ﴿واسجد واقترب﴾، لأن العبد يعفِّر وجهه وجبهته وأنفه في الرغام في الأرض.\n\n[٤٨٣] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ سُمَيٍّ- مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ، وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ، وَآخِرَهُ، وَعَلَانِيَتَهُ، وَسِرَّهُ».\n\n[٤٨٤] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ».\n[خ: ٨١٧]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ- قَبْلَ أَنْ يَمُوت-: «سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ»، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَرَاكَ","vol":"2","page":144},{"text":"أَحْدَثْتَهَا، تَقُولُهَا؟ قَالَ: جُعِلَتْ لِي عَلَامَةٌ فِي أُمَّتِي، إِذَا رَأَيْتُهَا قُلْتُهَا ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ...﴾، إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.\nقوله: «جُعِلَتْ لِي عَلَامَةٌ فِي أُمَّتِي» العلامة: فتح مكة، وقد فُتحت.\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُنْذُ نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ يُصَلِّي صَلَاةً، إِلَّا دَعَا، أَوْ قَالَ فِيهَا: «سُبْحَانَكَ رَبِّي وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي».\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ عَامِرٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ»، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَاكَ تُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ؟ فَقَالَ: «خَبَّرَنِي رَبِّي أَنِّي سَأَرَى عَلَامَةً فِي أُمَّتِي، فَإِذَا رَأَيْتُهَا أَكْثَرْتُ مِنْ قَوْلِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَدْ رَأَيْتُهَا ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، فَتْحُ مَكَّةَ، ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ «.\n\n[٤٨٥] وَحَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: كَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ فِي الرُّكُوعِ؟ قَالَ: أَمَّا سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، لا إله إلا أنت، فأخبرني ابن أبي مليكة عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: افْتَقَدْتُ النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَتَحَسَّسْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَإِذَا هُوَ رَاكِعٌ، أَوْ سَاجِدٌ، يَقُولُ: «سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ»، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنِّي لَفِي شَأْنٍ، وَإِنَّكَ لَفِي آخَرَ «.","vol":"2","page":145},{"text":"قوله: «يَتَأَوَّلُ القرآن»، يعني: يعمل بالقرآن، ويأتمر بما أُمر به في قوله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا﴾.\nقولها: «بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي»، يعني: أفديك بأبي وبأمي.\nوقولها: «إِنِّي لَفِي شَأْنٍ، وَإِنَّكَ لَفِي آخَرَ» تعني: أنها مهتمة بأمر، وهو في أمر آخر ﷺ؛ فقد ظنَّته ﷺ ذهب إلى بعض نسائه، فوجدته يصلي ويقول: «سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».\n\n[٤٨٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ، فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ، وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ، كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ».\nفي هذا الحديث: أن عائشة ﵂ وضعت يديها على بطن قدميه ﷺ، وقد احتج به بعضهم على أن الساجد يلاصق قدميه، والصحيح أنه لا يلزم منه هذا.\nوفيه: فضل هذا الدعاء وعظمته ومشروعيته، وهو: «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ، كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»، والمعنى: أستعيذ بصفة الرضا من صفة السخط، وأستعيذ بفعل المعافاة من فعل العقوبة، وأستعيذ بالله من الله، فلا أحد يستعاذ به غير الله، وَلَا يستعاذ بشيء خارج عن مشيئة الله وقدرته.","vol":"2","page":146},{"text":"[٤٨٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ أَنَّ عَائِشَةَ نَبَّأَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِه: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدَّثَنِي هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنِ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ.\nقوله: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ»، أي: يا سبوح يا قدوس، أي: يا مطهَّر عن النقائص، ويا مُقَدَّس ويا مُنَزَّه عما لا يليق بك سبحانك!","vol":"2","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>بَابُ فَضْلِ السُّجُودِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ</span>\n\n[٤٨٨] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الأَوْزَاعِيَّ قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ الْمُعَيْطِيُّ، حَدَّثَنِي مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيُّ قَالَ: لَقِيتُ ثَوْبَانَ- مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ، يُدْخِلُنِي اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ؟ أَوَ قَالَ: قُلْتُ: بِأَحَبِّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ، فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ، فَسَكَت، ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، إِلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً».\nقَالَ مَعْدَانُ: ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ لِي ثَوْبَانُ.\n\n[٤٨٩] حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ الأَوْزَاعِيَّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الأَسْلَمِيُّ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: سَلْ، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ»، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ، بِكَثْرَةِ السُّجُودِ».\nفي هذه الأحاديث: المراد بكثرة السجود: كثرة الصلاة؛ لأن السجود لا يكون إلا في الصلاة، فإنه في الحديث أطلق السجود وأراد به الصلاة.","vol":"2","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>بَابُ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، وَالنَّهْيِ عَنْ كَفِّ الشَّعْرِ، وَالثَّوْبِ، وَعَقْصِ الرَّأْسِ فِي الصَّلَاةِ</span>\n\n[٤٩٠] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ، وَنُهِيَ أَنْ يَكُفَّ شَعْرَهُ وَثِيَابَهُ، هَذَا حَدِيثُ يَحْيَى، وقَال أَبُو الرَّبِيعِ: عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ- وَنُهِيَ أَنْ يَكُفَّ شَعْرَهُ، وَثِيَابَهُ- الْكَفَّيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ، وَالْجَبْهَةِ.\n[خ: ٨٠٩]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ-، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا أَكُفَّ ثَوْبًا، وَلَا شَعْرًا».\nحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعٍ، وَنُهِيَ أَنْ يَكْفِتَ الشَّعْرَ وَالثِّيَابَ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ- الْجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ- وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ، وَلَا الشَّعْرَ».\nحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعٍ- وَلَا أَكْفِتَ الشَّعْرَ، وَلَا الثِّيَابَ-: الْجَبْهَةِ، وَالأَنْفِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالقَدَمَيْنِ».\n\n[٤٩١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ- وَهُوَ ابْنُ مُضَرَ- عَنِ ابْنِ","vol":"2","page":149},{"text":"الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا سَجَدَ الْعَبْدُ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ أَطْرَافٍ: وَجْهُهُ، وَكَفَّاهُ، وَرُكْبَتَاهُ، وَقَدَمَاهُ».\n\n[٤٩٢] حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ أَنَّ كُرَيْبًا- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ يُصَلِّي وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ مِنْ وَرَائِهِ، فَقَامَ فَجَعَلَ يَحُلُّهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَرَأْسِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا مَثَلُ هَذَا، مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكْتُوفٌ».\nفي هذه الأحاديث: وجوب السجود على هذه الأعضاء السبعة: اليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، هذه ستة، والجبهة والأنف واحد، وأنه إذا رفع واحدًا منها في جميع السجود متعمدًا بطلت صلاته، فإن كان ناسيًا، وأعاده في نفس السجود فصلاته صحيحة، وإلا يأتي به وبما بعده، فإن شرع في ركعة أخرى فقد بطلت تلك الركعة، وتكون التي بعدها عوضًا عنها، وإن رفع عضوًا في أثناء السجود لا في جميعه فصلاته صحيحة.\nوقوله: «يَكْفِتَ» الكفت: الضم والجمع.\nوفيها: النهي عن ضم الثياب وجمعها في الصلاة، بل يسجد على شعره وثيابه.","vol":"2","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>بَابُ الِاعْتِدَالِ فِي السُّجُودِ، وَوَضْعِ الْكَفَّيْنِ عَلَى الْأَرْضِ، وَرَفْعِ الْمِرْفَقَيْنِ عَنِ الْجَنْبَيْنِ، وَرَفْعِ الْبَطْنِ عَنِ الْفَخْذَيْنِ فِي السُّجُودِ</span>\n\n[٤٩٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ: وَلَا يَتَبَسَّطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ.\nفي هذا الحديث: النهي عن بسط الذراعين على الأرض، بل يرفع ذراعيه ويبتعد بهما عن جنبيه، وعن بطنه، وعن فَخِذيه، ويُبعد فخذيه عن ساقيه، كما سيأتي أن النبي ﷺ كان إذا سجد جنَّح وخوَّى.\n\n[٤٩٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِيَادٍ عَنْ إِيَادٍ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ».\nقوله: «إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ» لأنه إذا لم يرفع مرفقيه بسطهما، كما يبسطهما الكلب، وهذا منهي عنه.","vol":"2","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>بَابُ مَا يَجْمَعُ صِفَةَ الصَّلَاةِ، وَمَا يُفْتَتَحُ بِهِ، وَيُخْتَمُ بِهِ، وَصِفَةَ الرُّكُوعِ وَالِاعْتِدَالِ مِنْهُ، وَالسُّجُودِ وَالِاعْتِدَالِ مِنْهُ، وَالتَّشَهُّدِ بَعْدَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنَ الرُّبَاعِيَّةِ، وَصِفَةَ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَفِي التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ</span>\n\n[٤٩٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ- وَهُوَ ابْنُ مُضَرَ- عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى، فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ.\n[خ: ٣٩٠]\nحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَجَدَ يُجَنِّحُ فِي سُجُودِهِ حَتَّى يُرَى وَضَحُ إِبْطَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا سَجَدَ فَرَّجَ يَدَيْهِ عَنْ إِبْطَيْهِ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى بَيَاضَ إِبْطَيْهِ.\nفي هذه الأحاديث: أنه ﵊ كان في الغالب يكون عليه إزار ورداء، كما هي عادة العرب.\nوفيه: أنه كان ﷺ يتعاهد إبطه، وَلَا يُبقي فيه شعرًا؛ ولهذا كان يبدو بياضُ إبطيه.","vol":"2","page":152},{"text":"[٤٩٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَصَمِّ عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَجَدَ لَوْ شَاءَتْ بَهْمَةٌ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمَرَّتْ.\nقوله: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَجَدَ لَوْ شَاءَتْ بَهْمَةٌ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمَرَّتْ» البهمة: أولاد الغنم؛ وذلك لأنه ﷺ كان يُفَرِّج بين يديه.\n\n[٤٩٧] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَصَمِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ مَيْمُونَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَجَدَ خَوَّى بِيَدَيْهِ- يَعْنِي: جَنَّحَ- حَتَّى يُرَى وَضَحُ إِبْطَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ، وَإِذَا قَعَدَ اطْمَأَنَّ عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى.\nقوله: «خَوَّى»، يعني: جنَّح، ورفع.\nوفي هذا الحديث: أنه ﷺ كان إذا قعد للتشهد الأول وكذلك بين السجدتين جلس على فَخِذه اليسرى، ونصب رجله اليمنى.","vol":"2","page":153},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَجَدَ جَافَى حَتَّى يَرَى مَنْ خَلْفَهُ وَضَحَ إِبْطَيْهِ، قَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي: بَيَاضَهُمَا.\n\n[٤٩٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ- يَعْنِي: الأَحْمَرَ- عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا، وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ: التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ.\nوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ عَنْ أَبِي خَالِدٍ: وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ.\nفي هذا الحديث: مشروعية افتتاح الصلاة بالتكبير، وأن الصلاة لا تُفتتح إلابـ «الله أكبر»، وأنه لا يجزئ غيرها، وإلى هذا ذهب جماهير أهل العلم، فلو قال: «اللهُ أعظمُ، أَوِ اللهُ أجلُّ ...» إلخ فلا يجزئ، خلافًا لما جاء في مذهب أبي حنيفة ﵀، أنه يجزئ التعظيم (^١)، والصواب: أن الصلاة لا تنعقد به.\n_________\n(^١) بدائع الصنائع، للكاساني (١/ ١٣٠)، المبسوط، للسرخسي (١/ ٣٦).","vol":"2","page":154},{"text":"وفيه: أنه يستفتح القراءة بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، وهذا دليل على أن البسملة ليست من الفاتحة، ولو كانت من الفاتحة لجهر بها، وذهب الشافعية إلى أنها آية من الفاتحة (^١)، والصواب: أن الفاتحة سبع آيات بدون البسملة، خلافًا لما هو موجود في المصاحف مِن جعل البسملة في الآية الأولى، ويجعلون ﴿صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وَلَا الضالين﴾ آيةً، فالبسملة آية مستقلة، ليست من الفاتحة، وَلَا من غيرها، إلا أنها بعض آية من سورة النمل، قال تعالى: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحيم الرحيم﴾.\nولهذا كان النبي ﷺ يستفتح القراءة بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، وجاء في لفظ آخر: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» (^٢)، وفي لفظ عن أَنَس بْن مَالِكٍ ﵁ «قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِـ ﴿الْحَمْد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لَا يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ، وَلَا فِي آخِرِهَا.»، وفي لفظ: «كَانُوا يُسِرُّونَ بِـ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» (^٣)، فالأولى أن يسر المصلي بها، وإن جهر بها بعض الأحيان فلا حرج، كما فعل أبو هريرة ﵁ (^٤)، وكما هو مذهب الشافعية (^٥).\nوفيه: أن موضع الرأس في الركوع يكون محاذيًا للظهر إذا ركع، لا\n_________\n(^١) المجموع، للنووي (٣/ ٣٣٣)، أسنى المطالب، لزكريا الأنصاري (١/ ١٥٠).\n(^٢) أخرجه أحمد (١١٩٩١)، وأبو داود (٧٨٢)، والترمذي (٢٤٦)، والنسائي (٩٠٢)، وابن ماجه (٨١٣).\n(^٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١٢٠٣)، وابن خزيمة (٤٩٨).\n(^٤) أخرجه النسائي (٩٠٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١١٨٥)، وابن خزيمة (٤٩٩)، وابن حبان (١٧٩٧).\n(^٥) المجموع، للنووي (٣/ ٣٥٣ - ٣٥٥).","vol":"2","page":155},{"text":"يرفعه وَلَا يخفضه، وَلَا يشخصه وَلَا يصوبه، وهذه هي السنة.\nوفيه: مشروعية الاطمئنان والاستواء قائمًا بعد الرفع من الركوع، ومشروعية إطالة هذا الركن، خلافًا للأحناف الذين لا يطمئنون في هذا الركن (^١).\nوفيه: مشروعية الاستواء قاعدًا بعد السجدة الأولى من السجدتين، وأنه لا بد من الطمأنينة، وإطالة هذا الركن.\nوفيه: وجوب التحية في كل ركعتين؛ ولهذا قال: «وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ: التَّحِيَّةَ» وذهب بعض العلماء إلى أن التشهد الأول واجب مخفف يجبر بسجود السهو؛ ولهذا ففي حديث عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ، فَمَضَى فِي صَلاتِهِ، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ انْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، فَكَبَّرَ وَسَجَدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَسَلَّمَ» (^٢)،\nأما التشهد الثاني فهو ركن.\nوفيه: النهي عن افتراش الذراعين افتراش السَّبُعِ.\nوفيه: النهي عن عَقِبِ الشيطان، وهو الإقعاء، وهو أن ينصب ساقيه، ويجلس على أليتيه، ويضع يديه خلفه كالكلب.\nوفيه: صفة الافتراش؛ بأن ينصب رجله اليمنى وينصب اليسرى ويجلس عليها بين السجدتين وذلك في التشهد الأول، أما في التشهد الأخير الذي يعقبه السلام فإنه يتورك، والتورك هو: أن يجلس على أليتيه، ويخرج رجله اليسرى عن يمينه، وهو السنة، وقال بعض العلماء: يتورك في التشهدين، وقال آخرون: يفترش في التشهدين، والصواب: التفريق بينهما، كما في حديث أبي حميد ﵁ (^٣).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع، للكاساني (١/ ١٦٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٦٧٠).\n(^٣) أخرجه أحمد (٣٥٩٩)، وأبو داود (٧٣٠)، والترمذي (٣٠٤)، وابن ماجه (١٠٦١).","vol":"2","page":156},{"text":"وفيه: اختتام الصلاة بالتسليم، واختلف العلماء فيه:\nالقول الأول: وإليه ذهب الجمهور أن التسليمة الأولى هي الواجبة، والثانية مستحبة.\nالقول الثاني: أن التسليمتان واجبتان (^١).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع، للكاساني (١/ ١٩٤)، المغني، لابن قدامة (١/ ٣٩٦ - ٣٩٧)، المجموع، للنووي (٣/ ٤٧٣ - ٤٧٤).","vol":"2","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>بَابُ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي</span>\n\n[٤٩٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُبَالِ مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي وَالدَّوَابُّ تَمُرُّ بَيْنَ أَيْدِينَا، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ تَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ».\nوقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: «فَلَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ».\n\n[٥٠٠] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي، فَقَالَ: «مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عَنْ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي، فَقَالَ: «كَمُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ».\n\n[٥٠١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ، فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا، وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ، فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الأُمَرَاءُ.\n[خ: ٤٩٤]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ،","vol":"2","page":158},{"text":"حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْكُزُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَغْرِزُ الْعَنَزَةَ، وَيُصَلِّي إِلَيْهَا.\nزَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: وَهِيَ الْحَرْبَةُ.\n\n[٥٠٢] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْرِضُ رَاحِلَتَهُ وَهُوَ يُصَلِّي إِلَيْهَا.\n[خ: ٥٠٧]\nفي هذه الأحاديث: مشروعية السترة للمصلي، يضعها أمامه، عَنَزَةً كانت، أَوْ عصا، أَوْ جدارًا، أَوْ ساريةً، أَوْ بعيرًا، أَوْ غيرَ ذلك، والسترة مستحبة عند الجمهور (^١)، وهو الصواب، وقال بعض العلماء بوجوبها (^٢).\nوالرَّحل هو: العصا هي التي تكون خلف الراكب، وهي تقارب ثلثي ذراع.\nوفيها: أنه إذا كان أمام المصلي سترة، فلا يضره مَن مَرَّ مِن ورائها.\nوفيها: أنه ينبغي للمصلي أن لا يترك أحدًا يمر بين يديه، سواء كان إنسانًا أو حيوانًا، وَلَا يضره من مر بين يديه بعد ذلك.\nوالحربة: عصا في طرفها حديدة، فإذا كانت صغيرة يقال لها: عَنَزَة، وتوضع بين يديه، تركز على الأرض بطرف الحديدة، فتكون قائمة يصلي إليها في السفر، وفي غيره، ومن ثم اتخذها الأمراء؛ اقتداءً بالنبي ﷺ.\nوفيها: أنه لا بأس أن تكون الراحلة، أَوِ السيارة، أَوِ الدابة سترةً يصلي إليها.\n_________\n(^١) بدائع الصنائع، للكاساني (١/ ٢١٧)، مواهب الجليل، للحطاب (١/ ٥٣٢)، المجموع، للنووي (٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩)، المغني، لابن قدامة (٢/ ١٧٤)، .\n(^٢) نيل الأوطار، للشوكاني (٣/ ٥)، وصفة صلاة النبي (ص ٨١).","vol":"2","page":159},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي إِلَى رَاحِلَتِهِ، وقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى إِلَى بَعِيرٍ.\n\n[٥٠٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِمَكَّةَ، وَهُوَ بِالأَبْطَحِ، فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، قَالَ: فَخَرَجَ بِلَالٌ بِوَضُوئِهِ، فَمِنْ نَائِلٍ وَنَاضِحٍ، قَالَ: فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ سَاقَيْهِ، قَالَ: فَتَوَضَّأَ وَأَذَّنَ بِلَالٌ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ، هَا هُنَا، وَهَا هُنَا، يَقُولُ: يَمِينًا وَشِمَالًا، يَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ: ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ، فَتَقَدَّمَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْحِمَارُ وَالْكَلْبُ، لَا يُمْنَعُ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ.\n[خ: ٦٣٤]\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ: أَنَّ أَبَاهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخْرَجَ وَضُوءًا، فَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَلِكَ الْوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالًا أَخْرَجَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا، فَصَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيِ الْعَنَزَة.\n[خ: ٣٧٦]\nفي هذا الحديث: جواز التبرك بالنبي ﷺ؛ ولهذا لما أُتي ﷺ بوضوء فمن ناضح ومن نائل، منهم من يأخذ قطرات الوضوء، ومنهم من ينضح على أخيه من الماء، فيتبرك به، يمسح به وجهه ويديه؛ لما جعل الله في جسده ﵊","vol":"2","page":160},{"text":"من البركة، وهذا خاص به ﵊ لا يقاس به غيره؛ لأن الصحابة لم يفعلوه مع غير النبي ﷺ، ولأن فعله مع غيره من وسائل الشرك.\nوفيه: مشروعية اتخاذ العنزة سترة.\nوجاء في رواية: «فَلْيَخُطَّ خَطًّا، وَلَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» (^١)، وفيه خلاف بين أهل العلم، وعليه فإذا لم يجد شيئًا فليس أمامه إلا أن يضع خطًّا.\nوفيه: جواز لبس الأحمر؛ فإن النبي ﷺ لبس حلة حمراء، وكذلك اتخذ قبة حمراء، وكره ذلك بعض العلماء (^٢)، وقالوا: لا يجوز لبس الأحمر، وأجابوا عن الحديث بأن الحلة كان فيها خطوط، فهي ليست مصمتة، بينما الأحمر المنهي عنه إذا كان مصمتًا.\nوفيه: جواز الاستعانة في الوضوء بالغير ليحضر له الماء ويصب عليه، كما فعل المغيرة بن شعبة ﵁ حين صب على النبي ﷺ في غزوة تبوك (^٣).\nوفيه: أنه ﵊ كان يرفع ثوبه حتى يبدو ساقاه، وفي الحديث الآخر إلى نصف ساقيه، ففيه: استحباب تشمير الثياب، وهو رفعها إلى نصف ساقيه، لكن إذا خشي من استنكار بعض الناس فلا بأس بإرخائه إلى الكعبين.\nوفيه: مشروعية الأذان للصلاة في السفر، ومشروعية الالتفات في الأذان يمينًا حتى يُسمع أهل هذه الجهة في: حي على الصلاة، ويلتفت شمالًا في: حي على الفلاح، لكن مكبر الصوت الآن يبلِّغ، فإذا التفت يختلُّ الصوت، أَوْ يضعف.\nوالحديث ليس صريحًا في الجمع بين الصلاتين، والجمع جائز للمسافر،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٧٣٩٢)، وأبو داود (٦٩٠)، وابن ماجه (٩٤٣).\n(^٢) حاشية ابن عابدين (٦/ ٣٥٨)، وتحفة المحتاج، لابن حجر الهيثمي (٣/ ٢٧)، وكشاف القناع، للبهوتي (١/ ٢٨٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٦٣)، ومسلم (٢٧٤).","vol":"2","page":161},{"text":"ولو كان نازلًا، كما فعله ﷺ في تبوك، وتركه أفضل إذا كان نازلًا، ويحتمل أنه جمع في تبوك؛ لكثرة الجمع، أَوْ لقلة الماء.\nحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِ سُفْيَانَ، وَعُمَرَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ: فَلَمَّا كَانَ بِالْهَاجِرَةِ خَرَجَ بِلَالٌ، فَنَادَى بِالصَّلَاةِ.\nقوله: «فَلَمَّا كَانَ بِالْهَاجِرَةِ» الهاجرة: اشتداد الحرارة بالظهر، وظاهره: أنه جَمَعَ جَمْعَ تقديم، فصلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ إِلَى الْبَطْحَاءِ، فَتَوَضَّأَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ.\nقَالَ شُعْبَةُ: وَزَادَ فِيهِ عَوْنٌ عَنْ أَبِيهِ أَبِي جُحَيْفَةَ: وَكَانَ يَمُرُّ مِنْ وَرَائِهَا الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ.\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا مِثْلَهُ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ الْحَكَمِ: فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ.\n\n[٥٠٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى،","vol":"2","page":162},{"text":"فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ، فَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ.\n[خ: ٧٦]\nحَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ أَقْبَلَ يَسِيرُ عَلَى حِمَارٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي بِمِنًى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، يُصَلِّي بِالنَّاسِ، قَالَ: فَسَارَ الْحِمَارُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، ثُمَّ نَزَلَ عَنْهُ، فَصَفَّ مَعَ النَّاسِ.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ قَالَ: وَالنَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِعَرَفَةَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حميد قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: مِنًى، وَلَا عَرَفَةَ، وَقَالَ: فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ- أَوْ: يَوْمَ الْفَتْحِ.\nقوله: «أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ» الأتان: الأنثى من الحمير.\nوفي هذا الحديث: أن ابن عباس ﵄ ذكر أن الرسول ﷺ كان يصلي بالناس في مِنًى، والصفوف خلفه، فجاء ابن عباس ﵄- وكان قد ناهز الاحتلام- راكبًا الحمار، فمرَّ بين الصفوف، ثُمَّ نزل وترك الحمار يرتع، ودخل ابن عباس معهم يصلي، فلم ينكر عليه أحد، وقد احتج به العلماء على أن سترة الإمام سترة للمأموم، فإذا مرت امرأة، أَوْ حمار، أَوْ كلب بين الصفوف وهم يصلون خلف الإمام فلا يضر؛ لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه، وقد جاء في الحديث الآخر: «يَقْطَعُ صَلَاةَ المَرْءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ مِثْلُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ: المَرْأَةُ، والحِمَارُ، والكَلْبُ الأَسْوَدُ»، وذلك إذا مروا أمام الإمام أو المنفرد، أما المأموم فلا يضره إذا مر بينه وبين قبلته شيء؛ لأنه تابع لإمامه.","vol":"2","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>بَابُ مَنْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي</span>\n\n[٥٠٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلْيَدْرَأْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ».\n[خ: ٥٠٩]\nقوله: «وَلْيَدْرَأْهُ»، أي: ليمنعهُ ما استطاع.\nوقوله: «فَلْيُقَاتِلْهُ» المراد بالمقاتلة هنا: المدافعة.\nوقوله: «فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ»، يعني: جنسًا متمردًا.\nحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ابْنُ هِلَالٍ- يَعْنِي: حُمَيْدًا- قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا وَصَاحِبٌ لِي نَتَذَاكَرُ حَدِيثًا؛ إِذْ قَالَ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ: أَنَا أُحَدِّثُكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَرَأَيْتُ مِنْهُ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَبِي سَعِيدٍ يُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ؛ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ، أَرَادَ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَفَعَ فِي نَحْرِهِ، فَنَظَرَ، فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا، إِلَّا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي سَعِيدٍ، فَعَادَ فَدَفَعَ فِي نَحْرِهِ أَشَدَّ مِنَ الدَّفْعَةِ الأُولَى، فَمَثَلَ قَائِمًا، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ زَاحَمَ النَّاسَ، فَخَرَجَ، فَدَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ، فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ، قَالَ: وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: مَا لَكَ وَلِابْنِ أَخِيكَ، جَاءَ يَشْكُوكَ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْ فِي نَحْرِهِ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ؛ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ».","vol":"2","page":164},{"text":"قوله: «وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ عَلَى مَرْوَانَ» هو: مروان بن الحكم، أي: وهو خليفة.\nوقوله: «فَمَثَلَ قَائِمًا» مَثَل- بفتح الميم والثاء، وبضم الثاء- أي: انتصب.\n\n[٥٠٦] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ؛ فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ».\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، بِمِثْلِهِ.\nقوله: «فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ» القرين: هو الشيطان الذي أغواه وأمره بالمرور.","vol":"2","page":165},{"text":"[٥٠٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ، أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ: مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي؟ قَالَ أَبُو جُهَيْمٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ، مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ»، قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لَا أَدْرِي قَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ حَيَّانَ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ، أَرْسَلَ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ الأَنْصَارِيِّ، مَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ.\nقوله: «مَاذَا عَلَيْهِ»، أي: ماذا عليه من الإثم، ولفظة: «من الإثم» ليست ثابتة، وقد وهم الحافظ ﵀ فذكرها في البلوغ (^١)، وهي ليست في الحديث.\n_________\n(^١) بلوغ المرام، لابن حجر (ص ١٢١).","vol":"2","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>بَابُ دُنُوِّ الْمُصَلِّي مِنَ السُّتْرَةِ</span>\n\n[٥٠٨] حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ.\n[خ: ٤٩٦]\nقوله: «مَمَرُّ الشَّاةِ»، يعني: يكون بينه وبين السترة مسافة يسيرة مقدار ممرِّ الشاة؛ لئلَّا يصطدم بالسترة.\n\n[٥٠٩] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ عَنْ يَزِيدَ- يَعْنِي: ابْنَ أَبِي عُبَيْدٍ- عَنْ سَلَمَةَ- وَهُوَ ابْنُ الأَكْوَعِ-: أَنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّى مَوْضِعَ مَكَانِ الْمُصْحَفِ يُسَبِّحُ فِيهِ، وَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَحَرَّى ذَلِكَ الْمَكَانَ، وَكَانَ بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقِبْلَةِ قَدْرُ مَمَرِّ الشَّاةِ.\n[خ: ٤٩٧]\nحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مَكِّيٌّ قَالَ يَزِيدُ: أَخْبَرَنَا قَالَ: كَانَ سَلَمَةُ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ الأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الأُسْطُوَانَةِ؟ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا.\n[خ: ٥٠٢]\nقوله: «يَتَحَرَّى مَوْضِعَ مَكَانِ الْمُصْحَفِ»، يعني: فيما بعد، فالمصحف لم يُجمع إلا بعد وفاة النبي ﷺ، لكن لما جمع أبو بكر ﵁ المصحف صار في مكان هناك، فكان سلمة ﵁ يتحرى هذا المكان يصلي فيه النافلة؛ لأن النبي ﵊ كان يصلي فيه.\nوقوله: «يُسَبِّحُ فِيهِ»، يعني: كان يصلي فيه صلاة السبحة، وهي صلاة النافلة.","vol":"2","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>بَابُ قَدْرِ مَا يَسْتُرُ الْمُصَلِّي</span>\n\n[٥١٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ يُونُسَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْحِمَارُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالْكَلْبُ الأَسْوَدُ»، قُلْتُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا بَالُ الْكَلْبِ الأَسْوَدِ، مِنَ الْكَلْبِ الأَحْمَرِ، مِنَ الْكَلْبِ الأَصْفَرِ؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ: «الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ».\n[خ: ٥٠٧]\nحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ- أَيْضًا- أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ سَلْمَ بْنَ أَبِي الذَّيَّالِ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ الْبَكَّائِيُّ عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، بِإِسْنَادِ يُونُسَ كَنَحْوِ حَدِيثِهِ.\n\n[٥١١] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ- وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَصَمِّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ، وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ».\nفي هذا الحديث: أن المصلي إذا لم يكن له سترة ومر بين يديه- بنحو","vol":"2","page":168},{"text":"أقل من ثلاثة أذرع- امرأة بالغة، أَوْ حمار، أَوْ كلب أسود؛ فإن الصلاة تبطل، وعليه أن يستأنفها، وهذا هو الصواب.\nوذهب الجمهور إلى أن الصلاة لا تبطل، ولكن ينقص ثوابها (^١)، وتأوَّلوا قوله: «يَقْطَعُ صَلَاتَهُ»، بمعنى: ينقص ثوابها، واستدلوا بأحاديث، منها: «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ، وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» (^٢)، ولكنه حديث ضعيف، والصواب: أنها تبطل.\nوذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود، أما المرأة والحمار فلا يقطعانها (^٣)، واستدلوا بحديث عائشة الآتي أنها قالت: «عَدَلْتُمُونَا بِالكِلَابِ وَالحُمُرِ»، وأن النبي ﷺ كان يصلي وهي أمامه، كما سيأتي تفصيله، ولحديث ابن عباس لما مر بين يدي بعض الصف وأرسل الأتان ترتع.\nوقوله: «الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ»، يعني: من جنسه؛ فالمتمرد من كل شيء يسمى شيطانًا.\nوالمراد بالمرأة: المرأة البالغة، كما في الحديث «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ الْحَائِضُ وَالْكَلْبُ» (^٤).\nولم تُذكر العلةُ في المرأة والحمار كما ذُكرت في الكلب بأنه شيطان، ويحتمل أن المرأة تلهي، والحمار معه شيطان؛ ولهذا إذا نهق تُشرع الاستعاذة بالله من الشيطان، والله أعلم.\n_________\n(^١) المبسوط، للسرخسي (١/ ١٩١)، المدونة، لمالك بن أنس (١/ ٢٠٣)، مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (١/ ٤٢١)، شرح منتهى الإرادات، للبهوتي (١/ ٢١٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٧١٩)، والبيهقي في الكبرى (٣٥١٠)، وضعَّفه الزيلعي في نصب الراية (٢/ ٧٦).\n(^٣) مسائل الإمام أحمد، للكوسج (٢/ ٦٤١ - ٦٤٢)، المغني، لابن قدامة (٢/ ١٨٣ - ١٨٤).\n(^٤) أخرجه أحمد (٣٢٤١)، وأبو داود (٧٠٣)، والنسائي (٧٥١).","vol":"2","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>بَابُ الِاعْتِرَاضِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي</span>\n\n[٥١٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، كَاعْتِرَاضِ الْجَنَازَةِ.\n[خ: ٣٨٣]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي صَلَاتَهُ مِنَ اللَّيْلِ كُلَّهَا، وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي، فَأَوْتَرْتُ.\nوَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: فَقُلْنَا: الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، فَقَالَتْ: إِنَّ الْمَرْأَةَ لَدَابَّةُ سَوْءٍ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعْتَرِضَةً كَاعْتِرَاضِ الْجَنَازَةِ، وَهُوَ يُصَلِّي.\nفي هذا الحديث: أن عائشة ﵂ تريد أن تقول: إن مرور المرأة بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة؛ لأنها تكون- إذن- هي والدابة سواء، بل تكون دابة سوء، وهذا اجتهاد منها ﵂.\nوقولها: «وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ» المعترض لا يسمى مارًّا، والمرور هو الذي يكون من جانب إلى جانب، فالاعتراض- إذن- لا يؤثر، وَلَا يقطع الصلاة، وإنما الذي يقطعها المرور.","vol":"2","page":170},{"text":"حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ قَالَا: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ. ح، قَالَ الأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنِي مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ- وَذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ: الْكَلْبُ، وَالْحِمَارُ، وَالْمَرْأَةُ، فَقَالَتْ-: قَدْ شَبَّهْتُمُونَا بِالْحَمِيرِ وَالْكِلَابِ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، وَإِنِّي عَلَى السَّرِيرِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مُضْطَجِعَةً، فَتَبْدُو لِي الْحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ، فَأُوذِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: عَدَلْتُمُونَا بِالْكِلَابِ وَالْحُمُرِ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي مُضْطَجِعَةً عَلَى السَّرِيرِ، فَيَجِيءُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيرَ، فَيُصَلِّي، فَأَكْرَهُ أَنْ أَسْنَحَهُ، فَأَنْسَلُّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيِ السَّرِيرِ حَتَّى أَنْسَلَّ مِنْ لِحَافِي.\n[خ: ٥٠٨]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، وَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا، قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ.\n[خ: ٥١٣]\nفي هذا الحديث: أن مس المرأة لا ينقض الوضوء؛ لأنه ﷺ غمزها بدون حائل، فلو كان مس المرأة ينقض الوضوء لبطل وضوؤه، وفي المسألة ثلاثة مذاهب للعلماء:\nالمذهب الأول: أنَّ مسَّها لا ينقض الوضوء، سواء كان بشهوة أو بغير شهوة، إلا إذا خرج منه شيء، وهو مذهب الحنفية (^١).\n_________\n(^١) الاختيار لتعليل المختار، لأبي الفضل الحنفي (١/ ١٠)، البحر الرائق، لابن نجيم (١/ ٤٧).","vol":"2","page":171},{"text":"والمذهب الثاني: أنه ينقض مطلقًا سواء أكان بشهوة، أو بغير شهوة، وهذا هو مذهب الشافعية (^١).\nوالمذهب الثالث: أن مس المرأة بشهوة ينقض الوضوء، وبدون شهوة لا ينقض الوضوء، وهذا مذهب الحنابلة (^٢)، والصواب: القول الأول أنه لا ينقض مطلقًا إلا إذا خرج منه شيء.\nوأما قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ فالمراد: الجماع، والله تعالى يكني عن الجماع باللمس وبالمس وبالمسيس، ومنه قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾.\nوقولها: «وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ»، يعني: هي ظلام، فهي لا ترى ما فيها.\nوفيه: الرد على من قال: إن النبي ﷺ سراج، وأنه يضيء البيت المظلم، فلو كان يضيء لرأته عائشة ﵂، وإنما الرسول ﷺ سراج معنوي، بما أعطاه الله من النور الرباني والهداية الإلهية.\n\n[٥١٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، جَمِيعًا عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ- زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا حِذَاءَهُ، وَأَنَا حَائِضٌ، وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ.\n[خ: ٣٧٩]\nفي هذا الحديث: أنه لا بأس بكون الإنسان يصلي والمرأة حذاءه، ولو\n_________\n(^١) المجموع، للنووي (٢/ ٢٣).\n(^٢) المغني، لابن قدامة (١/ ١٤١).","vol":"2","page":172},{"text":"كانت حائضًا، ولو كان على المصلي ثوب وعلى الحائض بعضه؛ فلا يضر هذا؛ لأنه ليس حاملًا للنجاسة.\n\n[٥١٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ، وَأَنَا حَائِضٌ، وَعَلَيَّ مِرْطٌ، وَعَلَيْهِ بَعْضُهُ إِلَى جَنْبِهِ.\nقولها: «وَعَلَيَّ مِرْطٌ» المرط: الكساء المخطط.","vol":"2","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>بَابُ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَصِفَةِ لِبْسِهِ</span>\n\n[٥١٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ؟ فَقَالَ: «أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟ !».\n[خ: ٣٥٨]\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، وَحَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَادَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: أَيُصَلِّي أَحَدُنَا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: «أَوَ كُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟ !».\nقوله: «أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟» المراد بالثوبين، مثل: الإزار والرداء، فالإزار ثوب، والرداء ثوب.\nوفي هذا الحديث: أن الناس كانوا- وَلَا سيما في أول الهجرة- قد أصابتهم شدة، وأهل الصُّفة كما سبق يصلون في غرفة في المسجد، كما في الحديث: «وَنَحْنُ بِضْعَةَ عَشَرَ، مَا عَلَيْنَا نِعَالٌ وَلَا خِفَافٌ وَلَا قَلَانِسُ وَلَا قُمُصٌ» (^١)، فبعضهم له إزار، فإذا أراد أن يسجد جمعه بيده كراهيةَ أن تُرى عورته؛ ولهذا قال: «أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟»؟ لما سُئل عن الصلاة في الثوب الواحد، أي: وهل كل واحد منكم يملك ثوبين؟ ! والخلاصة أنه: إذا صلى في قطعة واحدة وستر عورته صحت صلاته.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٢٥).","vol":"2","page":174},{"text":"وفيه: جواز صلاة المرء وعاتقاه مكشوفان، وأنه لو صلى وليس عليه رداء صحت صلاته، وقد احتج به الجمهور (^١).\n\n[٥١٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ».\n[خ: ٣٥٩]\nفي هذا الحديث: أنه لو صلى وليس على عاتقه شيء لم تصح صلاته.\nوسيأتي قريبًا تفصيل القول في هذه المسألة.\n\n[٥١٧] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ.\n[خ: ٣٥٤]\nحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ وَكِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: مُتَوَشِّحًا، وَلَمْ يَقُلْ: مُشْتَمِلًا.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي ثَوْبٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ.\nقوله: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي ثَوْبٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ»، يعني: هو ثوب من قطعة واحدة خالف بين طرفيها، فإذا كانت القطعة\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١/ ٤٠٤)، والمجموع، للنووي (٣/ ١٧٥)، ونهاية المحتاج، للرملي (٢/ ٧ - ٩).","vol":"2","page":175},{"text":"ضيقة يشد بها النصف الأسفل، وإذا كانت واسعة يشد بها النصف الأسفل ويضع على عاتقه بقيته مثل الشرشف (^١) الكبير، ويخالف بين الطرفين.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعِيسَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَا: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُلْتَحِفًا، مُخَالِفًا بَيْنَ طَرَفَيْهِ.\nزَادَ عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، فِي رِوَايَتِهِ قَالَ: عَلَى مَنْكِبَيْهِ.\n\n[٥١٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ.\n[خ: ٣٥٣]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ، جَمِيعًا بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ الْمَكِّيّ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ رَأَى جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ، وَعِنْدَهُ ثِيَابُهُ، وَقَالَ جَابِرٌ: إِنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ ذَلِكَ.\n\n[٥١٩] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حَصِيرٍ، يَسْجُدُ عَلَيْهِ»، قَالَ: وَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، مُتَوَشِّحًا بِهِ.\nفي هذا الحديث: جواز الصلاة على الحصير، وفي الثوب الواحد.\n_________\n(^١) الشرشف: ملاءة تُبسط فوق الفراش لتقيه من الوسخ، أَوْ ملحفة، والجمع: شَرَاشِف. تكملة المعاجم العربية (٦/ ٢٨٩).","vol":"2","page":176},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ، وَرِوَايَةُ أَبِي بَكْرٍ، وَسُوَيْدٍ: مُتَوَشِّحًا بِهِ.\nاختلف العلماء في الجمع بين هذا الحديث بروايتيه: «أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟»، و«أَوَ كُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟»، وبين قوله: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ»:\nالقول الأول: وإليه ذهب الجمهور إلى صحة صلاة المصلي، ولو لم يكن على عاتقيه شيء (^١)، وأجابوا عن حديث: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ» بأن النهي للتنزيه؛ فالأفضل أن يستر كتفيه، وإن لم يستر كتفيه صحت صلاته.\nالقول الثاني: وإليه ذهب الإمام أحمد أنه لا تصح الصلاة إذا لم يكن على عاتقيه شيء، وأجابوا بأن قوله: «أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟» منسوخ (^٢).\nفعند الإمام أحمد أن الصلاة لا تصح إذا كان الكتفان مكشوفين إذا كان يجد ثيابًا تسترهما؛ لأن النهي يقتضي الفساد (^٣)، والجمهور على أن النهي لا يقتضي الفساد، فإذا صلى وليس على عاتقيه شيء صحت صلاته ويأثم (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) المجموع، للنووي (٣/ ١٧٥)، والمغني، لابن قدامة (١/ ٤١٥ - ٤١٦).\n(^٢) مسائل الإمام أحمد، للكوسج (٩/ ٤٨٠٩).\n(^٣) المغني، لابن قدامة (١/ ٤١٦)، الفروع، لابن مفلح (٣/ ٣٧ - ٣٩)، الإنصاف، للمرداوي (١/ ٤٥٤ - ٤٥٥)، .\n(^٤) المجموع، للنووي (٣/ ١٧٥)، المغني، لابن قدامة (١/ ٤١٥ - ٤١٦)، .","vol":"2","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ</span>","vol":"2","page":179},{"text":"كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ\n\n[٥٢٠] حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الأَقْصَى»، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ، فَهُوَ مَسْجِدٌ».\n[خ: ٣٣٦]\nفي هذا الحديث: بيان فضل الله تعالى وإحسانه لعباده من هذه الأمة: حيث جعل لهم الأرض مسجدًا وطهورًا، بخلاف الأمم السابقة؛ فإنهم لا يصلون إلا في أماكن العبادة الخاصة كالكنائس، وإذا كانوا بعيدين عنها جمعوا الصلوات حتى يصلوها في مكان عبادتهم.\nأما هذه الأمة فإن الله تعالى تفضل عليها، وأحسن إليها، وجعل الأرض كلها لها مسجدًا وطهورًا، كما قال ﷺ: «وَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ»، أي: في أي أرض من أرض الله.\nوهناك مواضع مستثناة من هذا التعميم، وردت في قوله ﷺ: «سَبْعُ مَوَاطِنَ لَا تَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ: ظَاهِرُ بَيْتِ اللَّهِ، وَالْمَقْبَرَةُ، وَالْمَزْبَلَةُ، وَالْمَجْزَرَةُ، وَالْحَمَّامُ، وَعَطَنُ الْإِبِلِ، وَمَحَجَّةُ الطَّرِيقِ» (^١)، فهذه المواضع لا يصلَّى فيها.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٧٤٧)، والبزار (١٦١ (البحر الزخار.","vol":"2","page":181},{"text":"وفيه: أن أول مسجد وضع في الأرض: المسجد الحرام، وبناه إبراهيم الخليل ﵇، وبنى الكعبة هو وابنه إسماعيل ﵇، ثُمَّ المسجد الأقصى، بناه حفيدُ إبراهيمَ يعقوبُ ﵈، وبينهما أربعون سنة، ثُمَّ ثالث المساجد: مسجد النبي ﷺ، وهو آخرها بناءً.\nحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ التَّيْمِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى أَبِي الْقُرْآنَ فِي السُّدَّةِ، فَإِذَا قَرَأْتُ السَّجْدَةَ سَجَدَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ، أَتَسْجُدُ فِي الطَّرِيقِ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يقول: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ، قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الأَقْصَى»، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ عَامًا، ثُمَّ الأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ، فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ».\nقوله: «السُّدَّةِ» مكان رحب حول المسجد، ومنه سمي السُّدِّي (^١)؛ لأنه كان يبيع في سدة المسجد مما حوله، كما يبيع الناس الآن حول المساجد.\n_________\n(^١) إسماعيل بن عبد الرحمن ابن أبي كريمة السُّدِّي- بضم المهملة وتشديد الدال- أبو محمد الكوفي، صدوق مات سنة ١٢٧ هـ، روى له مسلم، وأصحاب السنن. تقريب التهذيب، لابن حجر (ص ٤٦٣).","vol":"2","page":182},{"text":"[٥٢١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ سَيَّارٍ عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسْجِدًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ صَلَّى حَيْثُ كَانَ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ بَيْنَ يَدَيْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ».\n[خ: ٤٣٨]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الْفَقِيرُ، أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَذَكَرَ نَحْوَهُ.\n\n[٥٢٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ، وَذَكَرَ خَصْلَةً أُخْرَى».\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ سَعْدِ ابْنِ طَارِقٍ، حَدَّثَنِي رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\n\n[٥٢٣] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ ابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ».\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ","vol":"2","page":183},{"text":"خَزَائِنِ الأَرْضِ، فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيَّ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا.\n[خ: ٢٩٧٧]\nوَحَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\n\n[٥٢٤] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي يُونُسَ- مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ-: أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ عَلَى الْعَدُوِّ، وَأُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَبَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ، فَوُضِعَتْ فِي يَدَيَّ».\n[خ: ٤٢٨]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ».\nفي هذه الأحاديث: بيان ذكر خصائص النبي ﷺ.\nوقوله: «أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ» في المراد بالأحمر والأسود قولان (^١):\nالقول الأول: أن المراد بالأحمر: العجم، والأسود: العرب؛ لأن فيهم سمرة.\nالقول الثاني: أن المراد بهم: الجن، والإنس.\nوكل هذا صحيح، فهو ﷺ مبعوث إلى العرب والعجم، وإلى الجن والإنس.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٥/ ٥).","vol":"2","page":184},{"text":"وفيها: أن حل الغنائم من خصائص هذه الأمة، وكانت الأمم السابقة تجمع الغنائم، فإذا قبلها الله جاءت نار من السماء فأكلتها.\nوقوله: «وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ بَيْنَ يَدَيْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ»، أي: أنه إذا كان بينه وبين العدو مسافة شهر خاف العدو ورعب، وكذلك من تبع النبي ﷺ، واقتدى به، واتبع سنته، وعمل بشرعه، ونصر دينه- ينصره الله على عدوه بالرعب.\nوفيها: أن النبي ﷺ أعطي الشفاعة العظمى يوم القيامة.\nوقوله: «وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا» استدل به المحققون على أن الماء مطهر، وأنه رافع للحدث، وأن التراب- أيضًا- مطهر كالماء إذا عدم الماء، وأن التيمم يرفع الحدث، فلا يبطل إلا إذا وجد ناقض من نواقض الوضوء، أو وجد الماء.\nوذهب جمهور الفقهاء إلى أن التيمم مبيح لا رافع، وأنه يبطل بخروج الوقت (^١)، والصواب: أنه كالماء يرفع ويصلي به وقتًا، ووقتين، وثلاثة، وأربعة، ما لم يُحدث.\nوقوله: «تَنْتَثِلُونَهَا»، يعني: تستخرجون ما في خزائن الأرض من الكنوز في الفتوحات، ومن ذلك: كنوز كسرى وقيصر لما فُتحت، كأن أبا هريرة ﵁ يقول: مضى النبي ﷺ إلى ربه، وأنتم الآن تستخرجون هذه الكنوز بالفتوحات.\nوقوله: «وَأُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ» جوامع الكلم: القرآن والسنة، كقول الرسول ﷺ: «قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ» (^٢)، فهذا من جوامع الكلم، لأنه يجمع الدين كله؛ ومنه: قوله ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» (^٣).\n_________\n(^١) حاشية الدسوقي، للدردير (١/ ١٥٥)، مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (١/ ٢٦٢ - ٢٦٣)، الإنصاف، للمرداوي (١/ ٢٩٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٨).\n(^٣) أخرجه مسلم (٥٥).","vol":"2","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>بَابُ ابْتِنَاءِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ</span>\n\n[٥٢٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ الضُّبَعِيِّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلَ فِي عُلْوٍ، وَالْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ، يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسِلَ إِلَى مَلَأِ بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِينَ بِسُيُوفِهِمْ، قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ، وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِالْمَسْجِدِ، قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى مَلَأِ بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاءُوا، فَقَالَ: «يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا؟»، قَالُوا: لَا وَاللَّهِ، لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ، قَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ، كَانَ فِيهِ نَخْلٌ وَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ وَخِرَبٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، وَبِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، قَالَ: فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةً، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً، قَالَ: فَكَانُوا يَرْتَجِزُونَ- وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمْ- وَهُمْ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ؛ فَانْصُرِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ.\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يقول: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nقوله: «مَلَأ بَني النَّجَّارِ» الملأُ هم: الأشراف، وبنو النجار هم: أخوال جد","vol":"2","page":186},{"text":"رسول اللهﷺ- لأن والدة عبد المطلب منهم؛ ولهذا نزل النبي ﷺ عند أبي أيوب ﵁ لأنه قريبه من جهة جده.\nوقوله: «وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ» هو الشاهد من ذكره في هذا الموضع، فهو يعني: أن الصلاة جائزة في أي مكان في الأرض، وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه لعباده، عدا ما ورد النهي عنه كما تقدم.\nوقوله: «ثَامِنُونِي»، يعني: اطلبوا ثمنه حتى أدفعه إليكم.\nفي هذا الحديث:\n١. فضل الأنصار ﵃، فقد تبرعوا بالحائط، ولم يأخذوا عوضًا، وإنما طلبوا العوض من الله ﷿.\n٢. أن الظاهر أن المكان كان واسعًا، فقد كان نخلًا وقبورًا للمشركين وأرضًا، فسواها جميعًا، وصارت مسجدًا.\n٣. فيه دليل على أنه لا بأس بالارتجاز؛ ليساعد على العمل، كما ارتجزوا هنا: «اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ؛ فَانْصُرِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ»، فخير الآخرة هو الدائم، أما الدنيا فخيرها زائل.\n٤. فيه دليل على أنه لا بأس بنبش القبور، وأنه لا بأس أن يكون بعد ذلك مسجد، ومن ذلك ما فعله النبي ﷺ، فلقد هدم صنم اللات في الطائف وجعل مكانه مسجدًا، هو مسجد العباس ﵁، وكان مسجد النبي ﷺ مكان قبور المشركين.\n٥. أنه لا بأس بقطع النخل للمصلحة، وأن قبور المسلمين محترمة لا تُنبش.","vol":"2","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>بَابُ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مِنَ الْقُدْسِ إِلَى الْكَعْبَةِ</span>\n\n[٥٢٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، حَتَّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، فَنَزَلَتْ بَعْدَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَمَرَّ بِنَاسٍ مِنَ الأَنْصَار- وَهُمْ يُصَلُّونَ- فَحَدَّثَهُمْ، فَوَلَّوْا وُجُوهَهُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ.\n[خ: ٣٣٩]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، جَمِيْعًا عَنْ يَحْيَى، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي أبو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يقول: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صُرِفْنَا نَحْوَ الْكَعْبَةِ.\n[خ: ٤٤٩٢]\n\n[٥٢٦] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ؛ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبَلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ.\nحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ؛ إِذْ جَاءَهُمْ رَجُلٌ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ.\n\n[٥٢٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَنَزَلَتْ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ","vol":"2","page":188},{"text":"وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، فَنَادَى أَلَا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ، فَمَالُوا كَمَا هُمْ نَحْوَ الْقِبْلَةِ.\nقوله: «وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ» المعنى: أنهم كانوا في أول الصلاة متجهين إلى بيت المقدس، وفي آخرها إلى الكعبة، فهي صلاة واحدة صلوا فيها إلى قبلتين.\nفي هذه الأحاديث: دليل لمن احتج من العلماء على أن الإنسان إذا صلى في الصحراء إلى جهة، ثُمَّ تبين له بعد الصلاة أنها غير جهة القبلة، فصلاته صحيحة، وإن تبين له أثناء الصلاة فإنه يستدير إلى القبلة وصلاته صحيحة، كما فعل أهل القبلتين، أما إذا كان في البلد، أو في المدن والقرى الإسلامية وصلى إلى غير القبلة فإنه يعيد؛ لأنه يستطيع أن يسأل، ويستطيع أن يرى المسجد ومحرابه.\nوقوله: «بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ» من أسماء صلاة الفجر.\nقوله: «فَنَادَى أَلَا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ، فَمَالُوا» دليل على قبول خبر الواحد؛ ولهذا قبل به أهل مسجد قباء.","vol":"2","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>بَابُ النَّهْيِ عَنْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، وَاتِّخَاذِ الصُّوَرِ فِيهَا، وَالنَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ</span>\n\n[٥٢٨] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ- فِيهَا تَصَاوِيرُ- لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكِ الصُّوَرَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\n[خ: ٤٢٧]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهُمْ تَذَاكَرُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ، فَذَكَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ، كَنِيسَةً، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ.\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ذَكَرْنَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ.\n\n[٥٢٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالَا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ-: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، قَالَتْ: فَلَوْلَا ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.\nوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: «وَلَوْلَا ذَاكَ»، وَلَمْ يَذْكُرْ: «قَالَتْ».\n[خ: ١٣٣٠]\n\n[٥٣٠] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، وَمَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ","vol":"2","page":190},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».\nوَحَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْفَزَارِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الأَصَمِّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».\nفي هذا الباب: تحريم اتخاذ القبور مساجد، والتحذير من ذلك في ثلاثة أوجه:\nالأول: قوله ﷺ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ».\nوالثاني: قوله ﷺ: «أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ».\nوالثالث: قوله ﷺ: «إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ»، وما ذاك إلا؛ لأن اتخاذ القبور مساجد من أسباب الشرك، ومن وسائله القريبة.\nوفيه: أن المصورين الذين يصورون التماثيل ويعكفون عند القبور هم من شرار الخلق.\nوقوله: «وَصَالِحِيهِمْ» يبين أن البناء على القبور كان غير قاصر على قبور الأنبياء فقط.\nوقوله: «ذَكَرْنَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ» هذه اللغة يسمونها لغة: «أكلوني البراغيث»، وهي أن الفعل فيها يُثنى ويُجمع مع فاعله المثنى والمجموع.","vol":"2","page":191},{"text":"[٥٣١] وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَائِشَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَا: لَمَّا نَزَلَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ- وَهُوَ كَذَلِكَ-: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ- يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا».\n[خ: ٤٣٦]\n\n[٥٣٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي جُنْدَبٌ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ- وَهُوَ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ؛ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ».\nقوله: «لَمَّا نَزَلَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ»، أي: المنية، وفي رواية أخرى في الصحيحين: «لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ» (^١) بالبناء للمجهول، أي: مَلَكُ الموت.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٥)، ومسلم (٥٣١).","vol":"2","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>بَابُ فَضْلِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْحَثِّ عَلَيْهَا</span>\n\n[٥٣٣] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو: أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ: أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ الْخَوْلَانِيَّ يَذْكُرُ: أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ- عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ، حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ ﷺ-: إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ تَعَالَى» - قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: «يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ- بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ».\nقَالَ ابْنُ عِيسَى فِي رِوَايَتِهِ: «مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ».\n[خ: ٤٥٠]\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَرَادَ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ، فَكَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَأَحَبُّوا أَنْ يَدَعَهُ عَلَى هَيْئَتِهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَهُ».\nفي هذا الحديث: بيان فضل من بنى لله مسجدًا، وأنه موعود بأن يبني الله له بيتًا في الجنة، لكن بشرط أن يبتغي به وجه الله، أما من بناه رياءً وسمعةً فلا يتحقق فيه هذا الوعد، ومن شارك في البناء فله نصيب من الأجر.\nوعمارة المساجد نوعان:\nالنوع الأول: عمارة حسية، وهي: العمارة بالبناء باللبن والإسمنت وغيره.\nالنوع الثاني: عمارة معنوية، وهي: عمارتها بالذكر، والدعاء، والصلاة، وتعلم العلم، وتعليمه، وتلاوة القرآن، وهذه هي الأصل، والعمارة الحسية تبعٌ، قال الله تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر","vol":"2","page":193},{"text":"وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾.\nوفيه: أن عثمان ﵁ أراد أن يجدد بناء مسجد النبي ﷺ، ومع ذلك استدل بهذا الحديث، فدل على أن تجديد المساجد يدخل في هذا، وبعض الصحابة كره ذلك، وأحبوا أن يدعه كما كان في زمن النبي ﷺ والخليفتين من بعده، فقال: «إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ تَعَالَى- قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ- بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» فبناه باللبن، وسقفه بالساج.","vol":"2","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>بَابُ النَّدْبِ إِلَى وَضْعِ الأَيْدِي عَلَى الرُّكَبِ فِي الرُّكُوعِ وَنَسْخِ التَّطْبِيقِ</span>\n\n[٥٣٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ قَالَا: أَتَيْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فِي دَارِهِ، فَقَالَ: أَصَلَّى هَؤُلَاءِ خَلْفَكُمْ؟ فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: فَقُومُوا فَصَلُّوا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا بِأَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، قَالَ: وَذَهَبْنَا لِنَقُومَ خَلْفَهُ، فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا، فَجَعَلَ أَحَدَنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ، قَالَ: فَلَمَّا رَكَعَ وَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا قَالَ: فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا، وَطَبَّقَ بَيْنَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ، قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: إِنَّهُ سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا، وَيَخْنُقُونَهَا إِلَى شَرَقِ الْمَوْتَى، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ قَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِمِيقَاتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً، وَإِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَصَلُّوا جَمِيعًا، وَإِذَا كُنْتُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، وَإِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْرِشْ ذِرَاعَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَلْيَجْنَأْ وَلْيُطَبِّقْ بَيْنَ كَفَّيْهِ، فَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى اخْتِلَافِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَرَاهُمْ.\nوَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، ح، قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالأَسْوَدِ: أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى عَبْدِ اللهِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ، وَجَرِيرٍ: فَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى اخْتِلَافِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ رَاكِعٌ.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ: أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ: أَصَلَّى مَنْ خَلْفَكُمْ؟ قَالَا: نَعَمْ، فَقَامَ بَيْنَهُمَا، وَجَعَلَ","vol":"2","page":195},{"text":"أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ رَكَعْنَا، فَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا، فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا، ثُمَّ طَبَّقَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nفي هذه الأحاديث: أن السنة خفيت على ابن مسعود ﵁ في مواضع ثلاثة، وهي:\nالموضع الأول: أنه أمرهم أن يصلوا بلا أذان ولا إقامة، اكتفاءً بأذان الجماعة وإقامتهم، والصواب: أن المنفرد لا يكتفي بإقامة الجماعة، بل لا بد أن يقيم الصلاة، أما الأذان فإذا أُذِّن في البلد ففيه خلاف: هل يؤذن إذا فاتته الصلاة، أو لا يؤذن؟ فقيل: يؤذن، وقيل: لا يؤذن، وقيل: إذا لم يسمع من الجماعة فإنه يؤذن، وخفي هذا على عبد الله بن مسعود ﵁، فأمرهم أن يصلوا بلا أذان ولا إقامة.\nالموضع الثاني: خفيت عليه السنة في أنهم إذا كانوا ثلاثة يقف الإمام أمامهم، والمأمومان خلفه، فوقف هو بينهم، فجعل واحدًا عن يمينه وواحدًا عن شماله.\nالموضع الثالث: هو أنه لما ركع طبق بين كفيه ووضعهما بين ركبتيه، وهذا كان أولًا، ثُمَّ نسخ، كما سيأتي في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.\nوفيه: دليل على أن السنة قد تخفى على الإمام والعالم الكبير، كما خفيت السنة على عبد الله بن مسعود ﵁، وهو حبر من أحبار الصحابة، وعالم كبير، ومع ذلك فقد خفيت عليه السنة في هذه المواضع، والسنة حاكمة على كل أحد، ومن حفظ فهو حجة على من لم يحفظ.\nوفيه: عَلَمٌ من أعلام النبوة، وهو أن النبي ﷺ قد أخبر أنه يأتي بعده ناس يؤخرون الصلاة عن وقتها، وأمراء بني أمية كانوا يؤخرونها عن وقتها، ويخنقونها حتى تكاد الشمس أن تغرب.","vol":"2","page":196},{"text":"وقوله: «وَيَخْنُقُونَهَا إِلَى شَرَقِ الْمَوْتَى» فيه معنيان:\nالأول: أن الشمس لم يبق عليها إلا شيء قليل، ثُمَّ تغيب.\nالثاني: أن الإنسان إذا شرق بريقه لم يبقَ عليه إلا قليل، ثُمَّ يموت، والمعنى: أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها المختار إلى وقت الضرورة.\nوفيه: أن النبي ﷺ أخبر أنه إذا كان الأمراء يصلون الصلاة في غير أوقاتها، فإن على المسلم أن يصلي الصلاة في وقتها المختار، ثُمَّ يصلي معهم، ويجعل الصلاة معهم سبحة- يعني: نافلة- حتى لا يشق عصا الطاعة، ولا يحصل خلاف؛ درءًا للفتنة.\nوقوله: «وَإِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَصَلُّوا جَمِيعًا»، أي: فيكون الإمام في الوسط، وإذا كنتم أكثر من ذلك فصلوا خلف إمامكم، وهذا اختيار عبد الله بن مسعود ﵁، والسنة أن يكونوا خلفه إذا كانوا اثنين فأكثر، وإذا كان واحد وقف عن يمين الإمام، وهذه هي السنة، إلا إذا كان المكان ضيقًا فلا بأس أن يصلي أحدهم عن يمينه، والآخر عن يساره.\nقوله: «وَلْيَجْنَأْ»، يعني: يجافي بين يديه.\nقوله: «هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» فعله رسول الله ﷺ أولًا، ثُمَّ نسخ، فكانوا في أول الإسلام يضعون أيديهم بين الركبتين، أو بين الفخذين، ثُمَّ أُمروا بوضع الأيدي على الركب إذا ركعوا.","vol":"2","page":197},{"text":"[٥٣٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ- وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي، قَالَ: وَجَعَلْتُ يَدَيَّ بَيْنَ رُكْبَتَيَّ، فَقَالَ لِي أَبِي: اضْرِبْ بِكَفَّيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ، قَالَ: ثُمَّ فَعَلْتُ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَضَرَبَ يَدَيَّ، وَقَالَ: إِنَّا نُهِينَا عَنْ هَذَا، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضْرِبَ بِالأَكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ.\nحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: فَنُهِينَا عَنْهُ، وَلَمْ يَذْكُر مَا بَعْدَهُ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: رَكَعْتُ، فَقُلْتُ بِيَدَيَّ هَكَذَا- يَعْنِي: طَبَّقَ بِهِمَا، وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ- فَقَالَ أَبِي: قَدْ كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا، ثُمَّ أُمِرْنَا بِالرُّكَبِ.\nحَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي، فَلَمَّا رَكَعْتُ شَبَّكْتُ أَصَابِعِي وَجَعَلْتُهُمَا بَيْنَ رُكْبَتَيَّ، فَضَرَبَ يَدَيَّ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: قَدْ كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا، ثُمَّ أُمِرْنَا أَنْ نَرْفَعَ إِلَى الرُّكَبِ.\nقوله: «وَأُمِرْنَا أَنْ نَضْرِبَ بِالأَكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ» هذا هو ناسخ تطبيق اليدين، ووضعهما بين الركبتين.\nوقوله: «ثُمّ أُمِرْنَا بِالرُّكَبِ»، يعني: أُمرنا بوضع الأيدي على الركب.","vol":"2","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>بَابُ جَوَازِ الإِقْعَاءِ عَلَى الْعَقِبَيْنِ</span>\n\n[٥٣٦] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالَا جَمِيعًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا يقول: قُلْنَا لِابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ، فَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ ﷺ.\nفي هذا الحديث: مشروعية الإقعاء بين السجدتين، وهو نصب القدمين والجلوس على العقبين، وهذه سنة كان يفعلها النبي ﷺ، لكن على قلة، والغالب أنه كان يفترش، فينصب رجله اليمنى، ويفرش اليسرى، ويجلس عليها بين السجدتين وفي التشهد الأول، والإقعاء في هذا الحديث غير الإقعاء المنهي عنه، وهو إقعاء الكلب، فقد روى ابن ماجه عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «يَا عَلِيُّ: لَا تُقْعِ إِقْعَاءَ الْكَلْبِ» (^١).\nوالإقعاء المنهي عنه هو أن يلصق إليتيه بالأرض، وينتصب على ساقيه ويضع يديه بالأرض، وقال أبو عبيدة: الإقعاء: جلوس الإنسان على إليتيه ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٠٠٤)، والترمذي (٢٨٢)، وابن ماجه (٨٩٥).\n(^٢) السنن الكبرى، للبيهقي (٢٧٤٣).","vol":"2","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ</span>\n\n[٥٣٧] حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ- قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَا ثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ، لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» - أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ قَالَ: «فَلَا تَأْتِهِمْ» قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ قَالَ: «ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ، فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ» - قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ: «فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ» - قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ قَالَ: «كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» قَالَ:\nوَكَانَتْ لِي جَارِيَةٌ، تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: «ائْتِنِي بِهَا»، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: «أَيْنَ اللَّهُ؟»، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: «أَعْتِقْهَا؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ».","vol":"2","page":200},{"text":"حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nفي هذا الحديث:\n١ - أن الجاهل إذا تكلم في الصلاة- ومثله الناسي- فإن صلاتهما صحيحة لا تبطل؛ ولهذا لما تكلم معاوية بن الحكم السلمي ﵁ وكان جاهلا بالحكم-لأنهم كانوا في أول الإسلام يتكلمون في الصلاة، ثُمَّ نهوا عن الكلام- لم يأمره النبي ﷺ بإعادة الصلاة، فدل على أن الجاهل إذا تكلم في الصلاة فصلاته صحيحة، ومثله الناسي- أيضًا- فقد جاء في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ انْصَرَفَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ، أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ !» (^١)، ثُمَّ لم يعد رسول الله ﷺ الصلاة ولم يأمرهم بإعادة.\nأما إذا تكلم المصلي عالمًا عامدًا فبان منه حرفان- لأنه أقل الكلام- بطلت صلاته، لقوله ﷺ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ»، حتى قال بعض العلماء: إذا تنحنح فبان منه حرفان بطلت صلاته، لكن الأقرب أن النحنحة يُعفى عنها.\n٢ - حسنُ خلق النبي ﷺ، فقد قال معاوية بن الحكم ﵁: «فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي، وَلَا ضَرَبَنِي، وَلَا شَتَمَنِي»، يعني: ما انتهره ولا زجره؛ فينبغي للدعاة أن يتأسوا به ﵊ في دعوتهم إلى الله، والأصل أن تكون الدعوة بالرفق واللين، كما قال الله تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾؛ لأن هذا أدعى إلى القبول، إلا من ظلم وتعدى الحد فإنه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١٤)، ومسلم (٥٧٤).","vol":"2","page":201},{"text":"يُسلَكُ معه مسلكُ الشدة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم﴾.\n٣ - فيه دليل على أن الإشارة في الصلاة والعمل القليل لا يبطلها، ومن الإشارة اليسيرة التي لا تبطل الصلاة: رد السلام، فعنْ أَسْمَاءَ ﵂، قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ! قُلْتُ: آيَةٌ، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَيْ نَعَمْ (^١).\n٤ - تحريم الكهانة، وهي: ادعاء العلم بمغيبات المستقبل؛ فقد جاء في الحديث الصحيح قوله ﷺ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (^٢)، وقال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا، أَوْ كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ فِيمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﵌» (^٣).\nولما سئل النبي ﷺ عن الكهان، قال: «لَيْسُوا بِشَيْءٍ» (^٤)، يعني: أن أخبارهم لا يوثق بها، ولا ينبغي سؤالهم، ولا الإتيان إليهم.\n٥ - تحريم التطير، وهو التشاؤم بالطيور، أو بالأسماء، أو بالألفاظ، أو بالبقاع، أو بالأشخاص، قال النبي ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ، أَوْ تُطِيَّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ، أَوْ تُكِهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ، أَوْ سُحِرَ لَهُ، وَمَنْ عَقَدَ عُقْدَةً، وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» (^٥).\nومن الشعوذة والكهانة: الخط في الأرض للإخبار عن المغيبات في المستقبل، والإخبار عن مكان المسروق، كل هذا من أنواع الكهانة المحرمة، فلا يجوز أن يخط خطًّا في الأرض يستدل به على علم الغيب، أو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٦)، ومسلم (٩٠٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٢٣٣).\n(^٣) أخرجه أحمد (٩٠٨٢)، وابن ماجه (٦٣٩)، والحاكم (١٤).\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٢١٣)، ومسلم (٢٢٣١).\n(^٥) أخرجه البزار في مسنده (٣٥٧٨) البحر الزخار. والطبراني في الكبير (٣٥٥).","vol":"2","page":202},{"text":"يرمي بالحصى، ومثله الذي يقرأ الفنجان، ومثله الذي يفتح الكتاب، ويُحضِّر الجنَّ، كل هذا من أنواع الشعوذة والسحر والكهانة.\nوقوله: «كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» معناه: من وافق خطه فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة، فلا يباح، فالمقصود: أنه حرام؛ لأنه لا يباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها، وإنما قال النبي ﷺ: «فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» ولم يقل: هو حرام، بغير تعليق على الموافقة؛ لئلا يتوهم متوهم أن هذا النهي يدخل فيه ذاك النبي الذي كان يخط، فحافظ النبي ﷺ على حرمة ذاك النبي، مع بيان الحكم في حقنا.\nوقوله: «وَالْجَوَّانِيَّةِ» مكان قِبَلَ أحد.\n٦ - دليل على أنه لا يجوز ضرب الخادمة والعبد إذا لم يقصر في حفظ ما وُكِلَ إليه رعايته، وأنه لا يلام ولا يضرب، ما لم يفرِّط.\n٧ - دليل على أن الكفارة لمن ضرب عبده أن يعتقه، وجاء في حديث آخر أنه ضرب أحدهم عبده وأعتقه، فقال له النبي ﷺ: «أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ- أَوْ: لَمَسَّتْكَ النَّارُ» (^١).\n٨ - فائدة عظيمة تتعلق بالعقيدة، والرد على أهل البدع من الجهمية والمعتزلة، وهي: أن الله تعالى في السماء، وأن الله في العلو.\nوالسماء تطلق على:\nأالعلو، وله سبحانه أعلى العلو، وهو فوق العرش.\nب الأجرام المبنية وهي السماوات وفوقها العرش.\nفهذا رد على المبتدعة القائلين: إن الله في كل مكان، تعالى الله عما يقولون، وهذا كفر وردة، وبعضهم ينفون ويقولون: لا هو داخل العالم ولا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٦٦١).","vol":"2","page":203},{"text":"خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مغاير له ولا مخالط، ولا متصل به ولا منفصل عنه، وهذا قول طائفة أخرى من المبتدعة، وكلاهما ينفون العلو، نعوذ بالله من ذلك.\n٩ - فيه دليل على أنه يسأل عن الله بـ «أين»، و«أين» يسأل بها عن المكان، والجهمية والمعتزلة يقولون: لا يسأل عن الله بـ «أين»، ويقولون: إن الرسول ﷺ وجه الخطاب إلى الجارية يخاطبها على مقدار عقلها، وإلا فإن إثبات المكان لله فيه تنقص منه؛ فالسؤال فاسد لا يصلح، والجواب كذلك- والعياذ بالله-، ويقولون: إن مقصد الرسول: «مَنِ الله؟» وليس مقصده أن يقول: «أين الله؟».\nوللرد عليهم نقول: إن الرسول ﷺ هو أفصح الناس، فكيف لا يستطيع أن يقول: «من الله؟» بدلًا من: «أين الله؟»، لكنهم قالوا هذا فرارًا من إثبات المكان، وأن الله في العلو، والله ﷾ له علو الذات، فقد علا بذاته، وله علو القدر والشأن، وله علو القهر والسلطان والعظمة، وهذه هي أنواع العلو الثلاثة.\nقال ابن القيم ﵀:\nوالفوقُ أنواعٌ ثلاثةُ كلُّها ... للهِ ثابتةٌ بلا نُكْرانِ (^١)\nوقد صنف العلماء مؤلفات في الرد على الجهمية في إنكار العلو، كشيخ الإسلام ابن تيمية، فله: «الحموية»، و«التدمرية»، و«الواسطية»، وغيرها في الرد على الجهمية، وكلها رد على هؤلاء في إنكار العلو، والرؤية، والاستواء، وهذه الصفات الثلاث من أنكرها فهو من أهل البدع، ومن أثبتها فهو من أهل السنة.\n١٠ - أن النبي ﷺ شهد لهذه الجارية بالإيمان لما أخبرت وآمنت أن الله\n_________\n(^١) الكافية الشافية، لابن القيم (ص ٧٥).","vol":"2","page":204},{"text":"في السماء، فدل على أن القول بأن الله في السماء إيمان.\n١١ - أن من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، حُكم له بالإيمان وشُهد له به، كما شهد النبي ﷺ لهذه الجارية.\n\n[٥٣٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأبو سعيد الأشج- وألفاظهم متقاربة- قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ، سَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فِي الصَّلَاةِ، فَتَرُدُّ عَلَيْنَا؟ فَقَالَ: «إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا».\n[خ: ١١٩٩]\nحَدَّثَنِي ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُولِيُّ، حَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nقوله: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فِي الصَّلَاةِ، فَتَرُدُّ عَلَيْنَا؟» كانوا يتكلمون في الصلاة في أول الإسلام، كان يسلم بعضهم على بعضهم، ويردون السلام، ثُمَّ نُسخ ذلك ونهوا عن الكلام، وصار رد السلام بالإشارة.\nفَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قال: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى قُبَاءَ يُصَلِّي فِيهِ قَالَ: فَجَاءَتْهُ الْأَنْصَارُ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي قَالَ: فَقُلْتُ لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَالَ: يَقُولُ هَكَذَا: وَبَسَطَ كَفَّهُ، وَبَسَطَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ كَفَّهُ، وَجَعَلَ بَطْنَهُ أَسْفَلَ، وَجَعَلَ ظَهْرَهُ إِلَى فَوْقٍ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٩٢٧)، والبيهقي في الكبرى (٣١٥٨).","vol":"2","page":205},{"text":"[٥٣٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ وَهُوَ إِلَى جَنْبِهِ فِي الصَّلَاةِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ.\n[خ: ٥٤٣٤]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَوَكِيعٌ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\n\n[٥٤٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنِي لِحَاجَةٍ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ وَهُوَ يَسِيرُ، قَالَ قُتَيْبَةُ: يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي، فَقَالَ: «إِنَّكَ سَلَّمْتَ آنِفًا وَأَنَا أُصَلِّي»، وَهُوَ مُوَجِّهٌ- حِينَئِذٍ- قِبَلَ الْمَشْرِقِ.\nحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَأَتَيْتُهُ- وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى بَعِيرِهِ- فَكَلَّمْتُهُ، فَقَالَ لِي بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَوْمَأَ زُهَيْرٌ بِيَدِهِ، ثُمَّ كَلَّمْتُهُ، فَقَالَ لِي: هَكَذَا، فَأَوْمَأَ زُهَيْرٌ- أيضًا- بِيَدِهِ نَحْوَ الأَرْضِ، وَأَنَا أَسْمَعُهُ يَقْرَأُ يُومِئُ بِرَأْسِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: «مَا فَعَلْتَ فِي الَّذِي أَرْسَلْتُكَ لَهُ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُكَلِّمَكَ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي»، قَالَ زُهَيْرٌ: وَأَبُو الزُّبَيْرِ جَالِسٌ مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ بِيَدِهِ أَبُو الزُّبَيْرِ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَقَالَ بِيَدِهِ إِلَى غَيْرِ الْكَعْبَةِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ كَثِيرٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَبَعَثَنِي فِي حَاجَةٍ، فَرَجَعْتُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَوَجْهُهُ عَلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَلَمَّا","vol":"2","page":206},{"text":"انْصَرَفَ قَالَ: «إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ، بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّاد.\n[خ: ١٢١٧]\nفي هذه الأحاديث:\n١ - بيان مشروعية صلاة النافلة على الراحلة دون التوجه إلى القبلة، فيصلي إلى جهة سيره، فإذا كان السير طريقه إلى جهة الشرق صلى إلى الشرق، وإذا كان جهة الغرب صلى إلى الغرب، أما الفريضة فلا بد أن ينزل ويصلي على الأرض.\nمسألة: اختلف العلماء: هل يجب استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام أم لا؟\nالجواب: جاء في الحديث أن النبي ﷺ: «كَانَ إِذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ» (^١)، وهذا أحسن وأحوط.\nفرع: أما إذا كان يصلي في السيارة، أو يصلي في الطائرة نافلةً فالظاهر أنه لا بد أن يستدير مع القبلة؛ لأنها ليست مثل الراحلة؛ لاستقرارها، فقد ذكر العلماء أنه إذا كان يصلي في المحفة- التي مثل الهودج- فإنه يستدير مع القبلة، والطائرة والسيارة مثل المحفة فيستدير مع القبلة حيث دارت (^٢).\n٢ - دليل على أنه لا بأس من الإشارة بالرأس، أو باليد في الصلاة.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٢٢٥)، والبيهقي في الكبرى (٢٠١١).\n(^٢) درر الحكام، لملا خسرو (١/ ١٣١)، المدونة، لمالك بن أنس (١/ ٢١٠)، كفاية الأخيار، لتقي الدين الشافعي (ص ١٠١)، شرح منتهى الإرادات، للبهوتي (١/ ١٦٩)، الإنصاف، للمرداوي (٢/ ٤)، بدائع الفوائد، لابن القيم (٤/ ١٠٨)، فتاوى ابن باز (٢٩/ ٢١١)، فتاوى نور على الدرب، لابن باز (١٣/ ٧٨ - ٨١).","vol":"2","page":207},{"text":"٣ - أن العمل القليل لا يؤثر في الصلاة؛ كالإشارة باليد، والإشارة بالرأس، والخطوات اليسيرة، فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جِئْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي فِي الْبَيْتِ، وَالْبَابُ عَلَيْهِ مُغْلَقٌ، فَمَشَى حَتَّى فَتَحَ لِي، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ، وَوَصَفَتِ الْبَابَ فِي الْقِبْلَةِ (^١).\nوعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ، بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا، وَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا (^٢).\nوكذلك لما صلى ﵊ على المنبر سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ، فكان إذا أراد أن يسجد تأخر وسجد على الأرض، فإذا قام تقدم على المنبر، وقال النبي ﷺ: «إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا، وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٥٤٤٠)، والترمذي (٦٠١).\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٤٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٩١٧)، ومسلم (٥٤٦).","vol":"2","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>بَابُ جَوَازِ لَعْنِ الشَّيْطَانِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَالتَّعَوُّذِ مِنْهُ، وَجَوَازِ الْعَمَلِ الْقَلِيلِ فِي الصَّلَاةِ</span>\n\n[٥٤١] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ جَعَلَ يَفْتِكُ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمْكَنَنِي مِنْهُ فَذَعَتُّهُ، فَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى جَنْبِ سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى تُصْبِحُوا تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ أَجْمَعُونَ- أَوْ: كُلُّكُمْ-، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا».\n[خ: ٤٦١]\nوَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ شُعْبَةُ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ-.ح، قَالَ: حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ قَوْلُهُ: «فَذَعَتُّهُ»، وَأَمَّا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: «فَدَعَتُّهُ».\nقوله: «ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ»، يعني: ذكر أن تسخير الشياطين من خصائص سليمان ﵇، فلقد سُخِّرت له الشياطين والريح، قال تعالى: ﴿والشياطين كل بناء وغواص﴾، وقال تعالى على لسان سليمان: ﴿رب هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾، فخشي ﵊ أن يكون إذا ربط هذا العفريت من الجن أن يكون شارك سليمان ﵇ في تسخير الجن، فتركه.\nوقوله: «فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا» فيه: دليل على أن الشيطان قد يسلَّط على الإنسان، وعلى الرجل الصالح، بل على النبي ﷺ.","vol":"2","page":209},{"text":"[٥٤٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ يقول: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ»، ثُمَّ قَالَ: «أَلْعَنُكَ بِلَعْنَة اللَّهِ» - ثَلَاثًا- وَبَسَطَ يَدَهُ، كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ، شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ قَالَ: «إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنَ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي، فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-، ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ، فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-، ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ، وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ، لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ».\nفي هذا الحديث: عتو هذا الشيطان- والعياذ بالله- لما يلي:\nأولًا: أنه جاء بشهاب من نار؛ ليحرق وجه النبي ﷺ.\nثانيًا: أن النبي ﷺ لعنه ثلاثًا، واستعاذ ثلاثًا، ولم يستأخر.\nوفيه: دليل على أنه لا بأس بالاستعاذة من الشيطان في الصلاة، فإذا كثرت الوساوس على الإنسان جاز له أن يستعيذ بالله من الشيطان، كما قال النبي ﷺ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-، ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ، فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ».","vol":"2","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>بَابُ جَوَازِ حَمْلِ الصِّبْيَانِ فِي الصَّلَاةِ</span>.\n\n[٥٤٣] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ، بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا، وَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا؟ قَالَ يَحْيَى: قَالَ: مَالِكٌ: نَعَمْ! .\n[خ: ٥١٦]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَابْنِ عَجْلَانَ، سَمِعَا عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَؤُمُّ النَّاسَ، وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ- وَهِيَ ابْنَةُ زَيْنَبَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ- عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ، وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ، أَعَادَهَا.\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ الأَنْصَارِيَّ يقول: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي لِلنَّاسِ، وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عُنُقِهِ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، جَمِيْعًا عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ يقول: بَيْنَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ جُلُوسٌ، خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: أَنَّهُ أَمَّ النَّاسَ فِي تِلْكَ الصَّلَاة.","vol":"2","page":211},{"text":"في هذه الأحاديث:\n١. أن العمل القليل لا يؤثر في صحة الصلاة.\n٢. أن ثياب الصبي محمولة على الطهارة، إذا لم يُعْلَمْ فيها نجاسة، ولا ينظر إلى احتمال أنها نجسة، ولو قدر أنها نجسة ولم يعلم فصلاته صحيحة، كما أن الإنسان إذا صلى وفي ثوبه نجاسة ولم يعلم فصلاته صحيحة، ولا يعيدها، أو كان يعلمها، ثُمَّ نسيها، ولم يعلم إلا بعد انتهاء الصلاة فصلاته صحيحة لا يعيدها، وإذا علم أثناء الصلاة فإنه لا بد أن يتخلص من النجاسة، فإن كانت النجاسة في الثوب ويمكن إلقاؤها ألقاها، وإذا كان في غترة، أو في منديل، فيلقيه ويستمر في صلاته، أو كانت في نعليه، أو خفيه فيخلعهما، أما إذا كانت في ثوبه الذي عليه ولا يمكن التخلص منه فإنه يقطع الصلاة ويغسلها؛ والدليل على ذلك قول أبي سعيد الخدري: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ خَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ خَلَعُوا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: «مَا بَالُكُمْ أَلْقَيْتُمْ نِعَالَكُمْ؟ !»، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ، فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا- أَوْ قَالَ: أَذًى- فَأَلْقَيْتُهُمَا، فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلْيَنْظُرْ فِي نَعْلَيْهِ، فَإِنْ رَأَى فِيهِمَا قَذَرًا- أَوْ قَالَ: أَذًى- فَلْيَمْسَحْهُمَا، وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا» (^١).\n٣. بيان رفق النبي ﷺ، وشفقته على الأطفال، وعنايته، ورحمته بهم، وتواضعه ﵊؛ فإنه لم يأنف من حمل حفيدته، وثبت أن الحسن أو الحسين ركب عليه وهو ساجد فأطال السجود، ولما سلم قال: «ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ» (^٢)، يعني: جعلني راحلة، وهذا خلاف صنيع المتكبرين، فإنهم يأنفون مثل هذا الصنيع.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١١٤٦٧)، وأبو داود (٦٥٠).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٥٦٠٣)، والنسائي (١١٤١).","vol":"2","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>بَابُ جَوَازِ الْخُطْوَةِ وَالْخُطْوَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ</span>\n\n[٥٤٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ نَفَرًا جَاءُوا إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَدْ تَمَارَوْا فِي الْمِنْبَرِ مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْرِفُ مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ، وَمَنْ عَمِلَهُ، وَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ، فَحَدِّثْنَا قَالَ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ، قَالَ أَبُو حَازِمٍ: إِنَّهُ لَيُسَمِّهَا يَوْمَئِذٍ، «انْظُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا أُكَلِّمُ النَّاسَ عَلَيْهَا»، فَعَمِلَ هَذِهِ الثَّلَاثَ دَرَجَاتٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَوُضِعَتْ هَذَا الْمَوْضِعَ، فَهِيَ مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَيْهِ، فَكَبَّرَ، وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى، حَتَّى سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلَاتِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّموا صَلَاتِي».\n[خ: ٩١٧]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيُّ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ: أَنَّ رِجَالًا أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، ابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، فَسَأَلُوهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ مِنْبَرُ النَّبِيِّ ﷺ؟ وَسَاقُوا الْحَدِيثَ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ.\nفي هذا الحديث:\n١. أن النبي ﷺ فعل هذا؛ ليأتم به من يراه فيتعلموا الصلاة، قال: «إِنِّي","vol":"2","page":213},{"text":"صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّموا صَلَاتِي».\n٢. أن الخطوة والخطوتين وما أشبهها لا تؤثر في الصلاة ولا تبطلها، وإنما يبطلها العمل الكثير إذا توالى.\n٣. استحباب اتخاذ المنبر في الخطبة، حتى يكون الإمام على موضع عالٍ؛ ليراه المأمومون.\n٤. أن منبر النبي ﷺ كان فيه ثلاث درجات، وقد أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ- قَالَ أَبُو حَازِمٍ: إِنَّهُ لَيُسَمِّهَا يَوْمَئِذٍ- «انْظُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا أُكَلِّمُ النَّاسَ عَلَيْهَا»، فَعَمِلَ هَذِهِ الثَّلَاثَ دَرَجَاتٍ. وفي لفظ آخر: أَنَّ امْرَأَةً، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتِ»، فَعَمِلَتِ الْمِنْبَرَ (^١)، ويجمع بينهما: أنها أرسلت إليه أولًا، ثُمَّ لما تأخرت عليه أرسل ﷺ إليها (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤٩).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٥/ ٣٤).","vol":"2","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>بَابُ كَرَاهَةِ الاخْتِصَارِ فِي الصَّلَاةِ</span>\n\n[٥٤٥] وَحَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْقَنْطَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، أَبُو أُسَامَةَ، جَمِيْعًا عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا.\nوَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\n[خ: ١٢٢٠]\nقوله: «مُخْتَصِرًا»، يعني: يجعل يده على خاصرته في مؤخر الأضلاع، ولعل الحكمة من النهي أنه فعل اليهود، وهذا هو الأرجح في تفسير النهي عنه.","vol":"2","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>بَابُ كَرَاهَةِ مَسْحِ الْحَصَى وَتَسْوِيَةِ التُّرَابِ فِي الصَّلَاةِ</span>\n\n[٥٤٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ مُعَيْقِيبٍ قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَسْحَ فِي الْمَسْجِدِ- يَعْنِي: الْحَصَى- قَالَ: «إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً».\n[خ: ١٢٠٧]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ مُعَيْقِيبٍ: أَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْمَسْحِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: «وَاحِدَةً».\nوَحَدَّثَنِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا هِشَامٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ فِيهِ: حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ- فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قَالَ-: «إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً».\nقوله: «فَوَاحِدَةً»، يعني: ولا تزد أثناء الصلاة، فلا ينبغي المسح إلا بعد الانتهاء من الصلاة، فإذا كان في محل سجوده شيء يؤذيه فيزيله بفعلة واحدة، ولا يزيد عليها، أو يزيله قبل الصلاة ويهيئ موضع صلاته.","vol":"2","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا</span>\n\n[٥٤٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ، فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى».\n[خ: ٤٠٦]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيْعًا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ أَيُّوبَ. ح، حَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: ابْنَ عُثْمَانَ- ح، حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّد قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، إِلَّا الضَّحَّاكَ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ: نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ.\nفي هذا الحديث: تحريم البصاق في المسجد؛ فهو خطيئة، ويجب عليه إزالته، ويجب على من رأى البصاق أن يزيله.\nوفيه: أن الله تعالى قِبَلَ وجه المصلي، وهو فوق العرش ﷾، وهو أمام المصلي؛ فلهذا نهي عن البزاق أمامه، وإذا جاء الوعيد يكون المتوعَّدُ عليه من الكبائر.","vol":"2","page":217},{"text":"[٥٤٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيْعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَحَكَّهَا بِحَصَاةٍ، ثُمَّ نَهَى أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ أَمَامَهُ، وَلَكِنْ يَبْزُقُ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى.\n[خ: ٤١٤]\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.\n[خ: ٤٠٩]\nقوله: «وَلَكِنْ يَبْزُقُ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى»، يعني: إذا كان في غير المسجد.\nفي هذا الحديث: تحريم بصاق المصلي أمامه، وعن يمينه، ولكن يبصق عن يساره، أو تحت قدمه إذا لم يكن في المسجد، فإن كان في المسجد فإنه يبصق في ثوبه، يرد بعضه إلى بعض- كما سيأتي، أو في منديل؛ لأن النبي ﷺ نهى عن البصاق في المسجد.\n\n[٥٤٩] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ، أَوْ مُخَاطًا، أَوْ نُخَامَةً، فَحَكَّهُ.\n[خ: ٤٠٧]\n\n[٥٥٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيْعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ، أَيُحِبُّ","vol":"2","page":218},{"text":"أَحَدُكُمْ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟ فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ، تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَلْيَقُلْ هَكَذَا»، وَوَصَفَ الْقَاسِمُ، فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ.\nوَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ هُشَيْمٍ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَرُدُّ ثَوْبَهُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ.\n\n[٥٥١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ، تَحْتَ قَدَمِهِ».\n[خ: ٤١٣]\nقوله: «فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَلْيَقُلْ هَكَذَا، وَوَصَفَ الْقَاسِمُ، فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ»، يعني: يتفل في ثوبه، ثُمَّ يرد بعضه إلى بعض، والآن يُفعل هذا بالمنديل.\nوقوله: «فَيُتَنَخَّعَ» بالعين، أو بالميم- يتنخم، والمعنى واحد. والبصاق والبزاق والمخاط من الفم، والنخام من الأنف، والنخاع أو النخامة من الحلق، أو من الصدر، وكلها طاهرة.\nفي هذه الأحاديث: أن البصاق إذا كان خارج الصلاة فلا بأس؛ لأنه لا يناجي ربه، فالمناجاة إنما تكون في الصلاة؛ ولهذا بوب الإمام البخاري ﵀ بهذا في ترجمته قال: باب لا يبصق عن يمينه في الصلاة (^١).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١/ ٩٠).","vol":"2","page":219},{"text":"[٥٥٢] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا».\n[خ: ٤١٥]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَأَلْتُ قَتَادَةَ عَنِ التَّفْلِ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يقول: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «التَّفْلُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا».\n\n[٥٥٣] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ قَالَا: حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ- مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ- عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا: الْأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِي أَعْمَالِهَا: النُّخَاعَةَ، تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ، لَا تُدْفَنُ».\n\n[٥٥٤] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَأَيْتُهُ تَنَخَّعَ، فَدَلَكَهَا بِنَعْلِهِ.\nوَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فَتَنَخَّعَ، فَدَلَكَهَا بِنَعْلِهِ الْيُسْرَى».\nفي هذه الأحاديث: أنه إذا كان في المسجد تراب فإن النخامة تدفن، أما إذا لم يكن فيه تراب فتحك وينظف محلها، وهذا مخاطَب به كل أحد، سواء المتنخم وغيره، من باب إزالة الأذى، وإنكار المنكر، وهو إثم في حق المتنخِّم، وعليه التوبة، والمساجد سابقًا فيها تراب، ولا يوجد فيها فرش، فكان يصلَّى فيها بالنعال، لكنها الآن مفروشة فينبغي أن تُتَعهد بالنظافة.","vol":"2","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>بَابُ جَوَازِ الصَّلَاةِ فِي النَّعْلَيْنِ</span>\n\n[٥٥٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي النَّعْلَيْنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ».\n[خ: ٣٨٦]\nحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ- أَبُو مَسْلَمَةَ- قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا، بِمِثْلِهِ.\nفي هذا الحديث: بيان سنة الصلاة بالنعلين، وجاء في حديث آخر: «خَالِفُوا الْيَهُودَ، فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ، وَلَا خِفَافِهِمْ» (^١)، لكن ينبغي للإنسان أن يتفقد نعليه عند دخول المسجد، فإذا لم يكن فيهما أذى فإنه يصلي فيهما، أما إذا كان فيهما أذى فلا يدخل بهما المسجد، ويحكهما حتى يزول الأذى عنهما، لكن إذا كانت المساجد مفروشة وبعض الناس يتأذى فينبغي أن يخلعهما عند باب المسجد دفعًا للمفسدة؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٦٥٢)، والبزار في مسنده (٣٤٨٠) البحر الزخار.","vol":"2","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>بَابُ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ</span>\n\n[٥٥٦] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، وَقَالَ: «شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ، فَاذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيِّهِ».\n[خ: ٧٥٢]\nحَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي خَمِيصَةٍ ذَاتِ أَعْلَامٍ، فَنَظَرَ إِلَى عَلَمِهَا، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: «اذْهَبُوا بِهَذِهِ الْخَمِيصَةِ إِلَى أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ، وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيِّهِ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا فِي صَلَاتِي».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَتْ لَهُ خَمِيصَةٌ، لَهَا عَلَمٌ، فَكَانَ يَتَشَاغَلُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ، فَأَعْطَاهَا أَبَا جَهْمٍ، وَأَخَذَ كِسَاءً لَهُ أَنْبِجَانِيًّا.\nقوله: «خَمِيصَةٍ»، أي: كساء له أعلام.\nوقوله: «أَنْبِجَانِيِّه» وهو كساء غليظ ليس له أعلام.\nفي هذه الأحاديث: دليل على أنه ينبغي للمصلي أن يُبعد عنه كل ما يشغله عن الصلاة، أو عن كمال الخشوع فيها، ويتذكر القيام بين يدي الله ﷿، فلا ينشغل بالنقوش التي تكون في محاريب المساجد أو في سجادها، أو النقوش التي تكون في ثوبه، والصلاة والحالة هكذا صحيحة مع الكراهة.","vol":"2","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>بَابُ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ الَّذِي يُرِيدُ أَكْلَهُ فِي الْحَالِ، وَكَرَاهَةِ الصَّلَاةِ مَعَ مُدَافَعَةِ الأَخْبَثَيْنِ</span>\n\n[٥٥٧] أَخْبَرَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ».\n[خ: ٥٤٦٣]\nحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قُرِّبَ الْعَشَاءُ، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ».\n[خ: ٦٧٢]\n\n[٥٥٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَحَفْصٌ، وَوَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ.\n[خ: ٦٧١]\n\n[٥٥٩] حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ، وَلَا يَعْجَلَنَّ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ».\n[خ: ٦٧٣]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ- يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ- عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ أَيُّوبَ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِنَحْوِهِ.","vol":"2","page":223},{"text":"في هذا الحديث: دليل على أنه ينبغي للإنسان أن لا يأتي الصلاة وهو مشغول.\nوفيه: أنهم كانوا يتعشون قبل صلاة المغرب، فقوله: «فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ»، أي: قبل أن تصلوا المغرب.\nفطعام العشاء يكون بعد العصر، وقبل المغرب، وربما تأخر العشاء إلى بعد المغرب؛ ولهذا كان الناس في نجد قبل أن توجد الوظائف يتعشون بعد العصر، وقد يتأخرون إلى بعد المغرب، فبعد صلاة العشاء ليس إلا النوم، فكانوا ينامون مبكرين ويستيقظون في آخر الليل، فلما وجدت الوظائف، واتسعت البلدان، وانشغل الناس صعب عليهم الاجتماع إلا بعد العشاء فصار العَشاء بعد العِشاء، وصار بعض الناس يتأخر كثيرًا إلى ساعة متأخرة من الليل، وقد ورد عن عبدالرحمن بن أبي بكر قال: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِضَيْفٍ لَهُ- أَوْ بِأَضْيَافٍ لَهُ- فَأَمْسَى عِنْدَ النَّبِيِّ فَلَمَّا جَاءَ قَالَتْ لَهُ أُمِّي: احْتَبَسْتَ عَنْ ضَيْفِكَ، أَوْ عَنْ أَضْيَافِكَ اللَّيْلَةَ قَالَ: مَا عَشَّيْتِهِمْ؟ فَقَالَتْ: عَرَضْنَا عَلَيْهِ- أَوْ عَلَيْهِمْ- فَأَبَوْا- أَوْ فَأَبَى ... (^١)، فهذا واضح أن أبا بكر ﵁ تعشى مع النبي ﷺ بعد المغرب، وربما تعشى قبل المغرب.\nوالمقصود: أنه إذا قُدِّمَ العَشاء أو الغداء مثلًا قبل العصر، ونفسه متشوقة فقد تشوش، فإنه يبدأ بالعَشاء ولو فاتته الجماعة، ويكون هذا عذرًا له، لكن لا ينبغي أن يتعمد وضع العشاء، فلو تعمد وضعه فإنه يأثم لترك الجماعة، لكن إذا قُدِّم من دون اختياره، أو كان محتاجًا إليه فإنه يبدأ بالعَشاء.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦١٤١).","vol":"2","page":224},{"text":"[٥٦٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ قَالَ: تَحَدَّثْتُ أَنَا وَالْقَاسِمُ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ حَدِيثًا- وَكَانَ الْقَاسِمُ رَجُلًا لَحَّانَةً، وَكَانَ لِأُمِّ وَلَدٍ- فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: مَا لَكَ، لَا تَحَدَّثُ كَمَا يَتَحَدَّثُ ابْنُ أَخِي هَذَا؟ أَمَا إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ مِنْ أَيْنَ أُتِيتَ هَذَا، أَدَّبَتْهُ أُمُّهُ، وَأَنْتَ أَدَّبَتْكَ أُمُّكَ؟ قَالَ: وَأَضَبَّ عَلَيْهَا، فَلَمَّا رَأَى مَائِدَةَ عَائِشَةَ قَدْ أُتِيَ بِهَا قَامَ، فَغَضِبَ الْقَاسِمُ، قَالَتْ: أَيْنَ؟ قَالَ: أُصَلِّي، قَالَتْ: اجْلِسْ؟ قَالَ: إِنِّي أُصَلِّي، قَالَتْ: اجْلِسْ غُدَرُ؛ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- أَخْبَرَنِي أَبُو حَزْرَةَ الْقَاصُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةَ الْقَاسِمِ.\nقوله: «وَكَانَ الْقَاسِمُ رَجُلًا لَحَّانَةً»، أي: كثير اللحن في كلامه.\nوالقاسم بن محمد أمه أم ولد، فأبوه تزوج مَن وليها من بنات كسرى، والثاني أمه عربية من قريش (^١).\nوقولها: «وَأَنْتَ أَدَّبَتْكَ أُمُّكَ؟»، يعني: وهي أم ولد أعجمية.\nوقوله: «وَأَضَبَّ عَلَيْهَا»، يعني: غضب على عائشة ﵂، وهي عمته، وهذا كأنه يشبه المزاح، قالت: هذا أدبته أمه، وأنت أدبتك أمك، تقصد أنك تلحن كثيرًا؛ لأن أمك أعجمية، وهذا أمه عربية.\nوقولها: «غُدَر»، يعني: يا غادر، من باب الشدة عليه؛ لأنه لما قدم العشاء قال: أريد أن أصلي، فكأنه لا يريد أن يأكل غضبًا مما قالت.\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى، لابن سعد (٥/ ١٨٧).","vol":"2","page":225},{"text":"وقوله ﷺ: «الأَخْبَثَانِ» هما: البول والغائط.\nمسألة: وقد اختلف العلماء في معنى قوله: «لَا صَلَاةَ»:\nالقول الأول: أنه إذا ذهب يصلي وهو بحضرة الطعام، أو وهو يدافِع الأخبثين فلا تصح الصلاة، وذهب إلى هذا أهل الظاهر وجماعة (^١)؛ لأنه يكون منشغلًا مشوش الذهن، يدافعه البول والغائط، فعليه أن يستفرغ من البول والغائط، ويتوضأ ولو فاتته الجماعة؛ ولهذا أنكرت عائشة ﵂ على القاسم.\nالقول الثاني: وإليه ذهب الجمهور إلى أن النفي للكمال، بمعنى: لا صلاة كاملة، فإذا صلى وهو يدافع الأخبثين، أو صلى بحضرة طعام، فصلاته صحيحة مع الكراهة (^٢).\n_________\n(^١) المحلى، لابن حزم (٤/ ٤٦)، نيل الأوطار، للشوكاني (٢/ ٩).\n(^٢) رد المختار، لابن عابدين (١/ ٦٥٤)، المدونة، لمالك بن أنس (١/ ١٣٩)، مغني المحتاج، للشربيني (١/ ٤٧٥)، كشاف القناع، للبهوتي (٢/ ٤١٠).","vol":"2","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>بَابُ نَهْيِ مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا أَوْ كُرَّاثًا أَوْ نَحْوَهَا مِمَّا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ عَنْ حُضُورِ الْمَسْجِدِ، حَتَّى تَذْهَبَ تِلْكَ الرِّيحُ، وَإِخْرَاجِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ</span>\n\n[٥٦١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ- فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ-: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ- يَعْنِي: الثُّومَ- فَلَا يَأْتِيَنَّ الْمَسَاجِدَ».\nقَالَ زُهَيْرٌ: فِي غَزْوَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ خَيْبَرَ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا، حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا- يَعْنِي: الثُّومَ».\n[خ: ٨٥٣]\n\n[٥٦٢] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ- وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ- قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ عَنِ الثُّومِ، فقالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّا، وَلَا يُصَلِّي مَعَنَا».\n[خ: ٨٥٦]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد، قَالَ عَبْدُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، وَلَا يُؤْذِيَنَّا بِرِيحِ الثُّومِ».\n\n[٥٦٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ، وَالْكُرَّاثِ، فَغَلَبَتْنَا الْحَاجَةُ فَأَكَلْنَا مِنْهَا، فَقَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإِنْسُ».","vol":"2","page":227},{"text":"[٥٦٤] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ- وَفِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ: وَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ-: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا، أَوْ بَصَلًا، فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ، وَإِنَّهُ أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ»، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ، فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ، فَقَالَ: «قَرِّبُوهَا إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ»، فَلَمَّا رَأَىهُ كَرِهَ أَكْلَهَا قَالَ: «كُلْ، فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ- الثُّومِ- وَقَالَ مَرَّةً: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ، وَالثُّومَ، وَالْكُرَّاثَ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ».\n[خ: ٨٥٥]\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَا جَمِيْعًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ- يُرِيدُ الثُّومَ- فَلَا يَغْشَنَا فِي مَسْجِدِنَا»، وَلَمْ يَذْكُرْ: «الْبَصَلَ وَالْكُرَّاثَ».\n\n[٥٦٥] وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: لَمْ نَعْدُ أَنْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ، فَوَقَعْنَا- أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- فِي تِلْكَ الْبَقْلَةِ: الثُّومِ، وَالنَّاسُ جِيَاعٌ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا أَكْلًا شَدِيدًا، ثُمَّ رُحْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرِّيحَ، فَقَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ شَيْئًا، فَلَا يَقْرَبَنَّا فِي الْمَسْجِدِ»، فَقَالَ النَّاسُ: حُرِّمَتْ، حُرِّمَتْ، فَبَلَغَ ذَاكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَيْسَ بِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لِي، وَلَكِنَّهَا شَجَرَةٌ أَكْرَهُ رِيحَهَا».\n\n[٥٦٦] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ عَنِ ابْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى زَرَّاعَةِ بَصَلٍ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَنَزَلَ","vol":"2","page":228},{"text":"نَاسٌ مِنْهُمْ، فَأَكَلُوا مِنْهُ، وَلَمْ يَأْكُلْ آخَرُونَ، فَرُحْنَا إِلَيْهِ، فَدَعَا الَّذِينَ لَمْ يَأْكُلُوا الْبَصَلَ، وَأَخَّرَ الآخَرِينَ، حَتَّى ذَهَبَ رِيحُهَا.\nفي هذه الأحاديث: بيان أن من أكل الكرَّاث أو الثوم أو البصل، وكان له رائحة، فلا يقرب المسجد، ولا يصلي مع الجماعة؛ لأنه يؤذي الآدميين، ويؤذي الملائكة، فلا يدخل المسجد إلا إذا أزال الرائحة، ولكن إذا تعمد أكل الكراث حتى يترك الجماعة يكون آثمًا، فإذا أكلها محتاجًا ولم يتعمد فإنه يكون عذر له في ترك الجماعة، ومثله كل ما فيه رائحة كريهة، فلا يجوز للإنسان أن يؤذي الناس مثل رائحة الدخان فهي أعظم، أو رائحة الأسنان، أو رائحة الإبطين.\nوهذا الأمر للوجوب، فيجب عليه أن يقعد في بيته لئلَّا يؤذي الناس، وقد حدثني بعض الناس أنه قطع صلاته لما صلى بجوار أحدهم وقد تأذى من رائحته.\nويدل على أن أكل هذه الأشياء ليست محرمة أنه ﷺ قربها لبعض أصحابه، وقال «كُلْ»، وهذا يحمل على أنه لم يكن قريبًا من المسجد، أو من وقت صلاة.\nوقوله: «فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي»، أي: هو ﷺ يناجي المَلَكَ، فلا يأكل ما له رائحة كريهة.\nوالمرأة- ولو كانت في البيت- لا تأكل ما له رائحة قبل الصلاة؛ لأنها تؤذي الملائكة، إلا أن تزيل رائحته.\nوفيها: أن المحرِّم والمحلِّل هو الله، وأن النبي ﷺ مبلغ عن الله، فهو يحرم بوحي من الله، قال الله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾.\nقوله: «حَتَّى ذَهَبَ رِيحُهَا» فيه: أنه إذا أزال ريحها بشيء فلا يضر؛ كإزالتها بالبقدونس، أو ما أشبه ذلك.","vol":"2","page":229},{"text":"[٥٦٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَذَكَرَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ، وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنَّ دِيكًا نَقَرَنِي ثَلَاثَ نَقَرَاتٍ، وَإِنِّي لَا أُرَاهُ إِلَّا حُضُورَ أَجَلِي، وَإِنَّ أَقْوَامًا يَأْمُرُونَنِي أَنْ أَسْتَخْلِفَ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيُضَيِّعَ دِينَهُ، وَلَا خِلَافَتَهُ، وَلَا الَّذِي بَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ، فَإِنْ عَجِلَ بِي أَمْرٌ فَالْخِلَافَةُ شُورَى بَيْنَ هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ، الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، وَإِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَقْوَامًا يَطْعَنُونَ فِي هَذَا الأَمْرِ، أَنَا ضَرَبْتُهُمْ بِيَدِي هَذِهِ عَلَى الإِسْلَامِ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَأُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللَّهِ الْكَفَرَةُ الضُّلَّالُ، ثُمَّ إِنِّي لَا أَدَعُ بَعْدِي شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِي مِنَ الْكَلَالَةِ، مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلَالَةِ، وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي، فَقَالَ: يَا عُمَرُ، أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ؟ وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ، أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقْضِي بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَمَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ عَلَى أُمَرَاءِ الأَمْصَارِ، وَإِنِّي إِنَّمَا بَعَثْتُهُمْ عَلَيْهِمْ لِيَعْدِلُوا عَلَيْهِمْ، وَلِيُعَلِّمُوا النَّاسَ\nدِينَهُمْ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِمْ ﷺ، وَيَقْسِمُوا فِيهِمْ فَيْئَهُمْ، وَيَرْفَعُوا إِلَيَّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِهِمْ، ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ، لَا أَرَاهُمَا إِلَّا خَبِيثَتَيْنِ- هَذَا الْبَصَلَ وَالثُّومَ- لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ، أَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ، فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ. ح، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، جَمِيْعًا عَنْ قَتَادَةَ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nفي هذا الحديث: أن عمر ﵁ لم يستخلف، قال: «وَإِنَّ أَقْوَامًا يَأْمُرُونَنِي","vol":"2","page":230},{"text":"أَنْ أَسْتَخْلِفَ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيُضَيِّعَ دِينَهُ، وَلَا خِلَافَتَهُ» وفي أثر آخر قال: «إنْ أَسْتَخْلِفْ، فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي: أَبُو بَكْرٍ، وَإِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» (^١)، فدل على أن النبي ﵊ لم يستخلف، وإنما ثبتت خلافة أبي بكر ﵁ بمبايعة أهل الحل والعقد، وأما أبو بكر ﵁ فإنه استخلف عمر ﵁، وعمر- كذلك- جعل الأمر شورى بين ستة، وهم: عثمان، وعلي، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح ﵃ جميعًا.\nولم يجعل معهم سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁؛ لأنه من قبيلة عمر ﵁، كما أنه لم يجعل معهم عبد الله بن عمر ﵂.\nفتشاور عبد الرحمن بن عوف، والزبير، وطلحة، وعثمان، وعلي، وسعد بن أبي وقاص ﵃ جميعًا، وجعلوا أمرهم إلى ثلاثة، كل واحد جعل أمره إلى واحد، ثُمَّ أخرج عبد الرحمن بن عوف نفسه من الخلافة، واختار أحد الشيخين بعد المشاورة الطويلة، وبعد العناية العظيمة، حتى رأى وجوه الناس كلها إلى عثمان ﵁، فاختاره وبايعه بقية العشرة، ثُمَّ بايعه من ورائه الأجناد والأنصار وتمت له البيعة.\nوفيه: أن حكم الكَلالة أُشكل على عمر ﵁ إشكالًا شديدًا، وتمنى أن يكون النبي ﷺ بيَّن فيها، وهي واضحة بحمد الله؛ ولهذا قال له ﵊: «أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ؟» فهي آخر آية في سورة النساء، وهي قوله تعالى: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾.\nوالكلالة: من لا ولد له، ولا والد، فإذا مات إنسان ليس له أولاد، وليس له آباء، ولا أجداد، فهذه المسألة تسمى الكلالة؛ لهذا قال الله تعالى: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك، وهو يرثها إن لم يكن لها ولد﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢١٨)، ومسلم (٣٤٠٥).","vol":"2","page":231},{"text":"وقوله: «أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ؟» فيه: دليل على أنه لا بأس أن يقال: «سورة النساء»، و«سورة البقرة»؛ خلافًا للحجاج بن يوسف، فإنه كان يتورع في ذلك، وكان يقول: «السورة التي تذكرها فيها البقرة والسورة التي يذكر فيها آل عمران والسورة التي تذكر فيها النساء» (^١).\nوفيه: أن العالم الكبير قد تشكل عليه بعض المسائل ولو كان صحابيًّا.\nوقوله: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ، فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا» فيه: دليل على أنه يجوز أن يُخرَج من وجد له رائحة كريهة، إلا إذا ترتب على هذا مفسدة، فإنه يكتفى بالنصيحة، أما إذا كان هناك سلطان أو أمير أو إنسان له مكانة أو شيخ قبيلة، ولا يترتب على هذا مفسدة، فله أن يُخرج من وجد له رائحة؛ للحديث الذي معنا.\n_________\n(^١) تهذيب التهذيب، لابن حجر (٢/ ٢١٢).","vol":"2","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>بَابُ النَّهْيِ عَنْ نَشْدِ الضَّالَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَا يَقُولُهُ مَنْ سَمِعَ النَّاشِدَ</span>\n\n[٥٦٨] حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ حَيْوَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ- مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ-: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ؛ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا».\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الأَسْوَدِ يقول: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ- مَوْلَى شَدَّادٍ-: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، بِمِثْلِهِ.\n\n[٥٦٩] وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا نَشَدَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الأَحْمَرِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ أَبِي سِنَانٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا صَلَّى قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الأَحْمَرِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ عَلْقَمَةَ ابْنِ مَرْثَدٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ بَعْدَ مَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا.\nقَالَ مُسْلِم: هُو وَشَيْبَةُ بْنُ نَعَامَةَ أَبُو نَعَامَةَ، رَوَى عَنْهُ مِسْعَرٌ، وَهُشَيْمٌ، وَجَرِيرٌ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْكُوفِيِّينَ.","vol":"2","page":233},{"text":"في هذا الحديث: تحريم نشد الضالة في المسجد، وأنه لا يجوز للإنسان أن يقول: من وجد الضائعة؟\nوفيه: أن مَن نشد ضالة في المسجد فإنه يدعى عليه، ويقال له: لا وجدتَ، أو يقال: لا ردها الله عليك؛ تعزيرًا وردعًا له ولأمثاله.\nمسألة: يحرم كذلك- أيضًا- البيع والشراء في المسجد، وكذلك الإجارة، وإذا باع في المسجد يقال له: لا أربح الله تجارتك؛ لأن المساجد لم تُبن للبيع ولا للشراء، ولا نشدان الضالة، وإنما بنيت لذكر الله.\nوكذا من نشد في المسجد طفلًا، أو ساعة، أو غيرها يُمنع، ويقال: لا ردها الله عليك، ولو أَسَرَّ إلى شخص وسأله فيخشى أن يكون من ذلك، فالأولى الترك، أما وضع صندوق في المسجد يجعل للضائع فلا حرج- إن شاء الله-؛ لأنه ليس فيه كلام.","vol":"2","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ وَالسُّجُودِ لَهُ</span>\n\n[٣٨٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَهُ الشَّيْطَانُ، فَلَبَسَ عَلَيْهِ، حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ».\n[خ: ١٢٣١]\nحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ- وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ-.ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ ابْنِ سَعْدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا نُودِيَ بِالأَذَانِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ الأَذَانَ، فَإِذَا قُضِيَ الأَذَانُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ، يَخْطُرُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يقول: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ».\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ وَلَّى، وَلَهُ ضُرَاطٌ»، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَزَادَ: فَهَنَّاهُ وَمَنَّاهُ وَذَكَّرَهُ مِنْ حَاجَاتِهِ، مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ.\nهذا الحديث ورد مجملًا في مشروعية سجود السهو، وقد بينته الأحاديث الأخرى كما سيأتي، والقاعدة: أن المجمل من النصوص تبينه النصوص الأخرى المفصلة.","vol":"2","page":235},{"text":"قوله: «التَّثْوِيبُ»، يعني: الإقامة، وسميت تثويبًا؛ لأنه رجوع إلى الأذان مرة أخرى؛ فالأذان إعلام بدخول الوقت، والإقامة إعلام بإقامة الصلاة، فهي أذانٌ ثانٍ.\nفي هذا الحديث:\n١. أن الشيطان يولي إذا سمع الأذان وإذا سمع الإقامة؛ لأنه يشق عليه ويؤذيه سماع الأذان، فيولي وله ضراط؛ حتى يشوش على نفسه ولا يسمع، فإذا انتهى الأذان أقبل، فإذا أُقيمت الصلاة ولى هاربًا.\n٢. أن الشيطان له ضراط، وهو الريح التي لها صوت؛ لأنه يأكل ويشرب مثل بني آدم، ويخرج منه الحدث كالإنسان.\n٣. أنه ينبغي للإنسان ألا يشابه الشيطان، فإذا سمع الأذان يقبل على الصلاة، ويعتني ولا يتأخر، ولا يدبر كالشيطان.\n٤. حرص الشيطان على ابن آدم، فهو يخطر بينه وبين نفسه ويقول: اذكر كذا، اذكر كذا، يُذَكِّره الأشياء التي نسيها حتى يلبس عليه صلاته؛ فلا يدري كم صلى.\nوقوله: «فَهَنَّاهُ وَمَنَّاهُ»، يعني: هنَّاه بإسعاد، ومنَّاه وذكَّره بالأشياء التي نسيها، حتى يلبس عليه صلاته، يريد أن يفسدها عليه؛ لأن الشيطان حريص على إفساد عبادة ابن آدم، وقد أخذ على نفسه العهد وأقسم لما أهبطه الله على إغواء بني آدم، وقال: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين﴾.","vol":"2","page":236},{"text":"[٥٧٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، قَبْلَ التَّسْلِيمِ، ثُمَّ سَلَّمَ.\n[خ: ١٢٢٤]\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الأَسْدِيِّ حَلِيفِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِب: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ، سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ، وَهُوَ جَالِسٌ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ، مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ بْنِ بُحَيْنَةَ الأَزْدِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي الشَّفْعِ، الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَجْلِسَ فِي صَلَاتِهِ، فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ، سَجَدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ.\nقوله: «وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ»، يعني: انتظرنا.\nفي هذا الحديث: أن التشهد الأول واجب مخفَّف، ليس كالأركان؛ لأنه يسقط بالنسيان، ويجبر بسجود السهو، أما الأركان فهي لا تسقط لا سهوًا، ولا عمدًا، ولا جهلًا، ولا بد من الإتيان بها، ولو تركها بطلت صلاته.\nوقال العلماء (^١): من نسي التشهد الأول فله أحوال ثلاثة:\nالحالة الأولى: أن يذكر قبل أن يستتم قائمًا، فهنا يرجع.\nالحالة الثانية: أن يستتم قائمًا ولم يشرع في القراءة، فهذا يكره له الرجوع.\n_________\n(^١) شرح منتهى الإرادات، للبهوتي (١/ ٢٢٩).","vol":"2","page":237},{"text":"الحالة الثالثة: أن يشرع في القراءة، وهذا يحرم عليه الرجوع.\nوالجمهور عندهم: أن سجود السهو سنة (^١)، ولها تكبير، فيكبر إذا سجد، وإذا رفع كبر، وإذا سجد كبر، والسجدة الثانية كذلك، وهكذا- أيضًا- سجدة التلاوة.\n\n[٥٧١] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ ابْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى، ثَلَاثًا، أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا، شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ، كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ».\nحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي مَعْنَاهُ قَالَ: «يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ، قَبْلَ السَّلَامِ»، كَمَا قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ.\nفي هذا الحديث: أنه إذا حصل للمصلي شك- ولم يكن عنده غلبة ظن- فإنه يبني على اليقين، وهو الأقل، فاليقين إذا شك أصلى ثلاث ركعات، أم أربع، فيجعلها ثلاثًا، فيتمم صلاته، ثُمَّ يسجد سجدتين قبل أن يسلم، ومثله لو شك في الطواف هل طاف شوطين أو ثلاثة فيبني على اليقين، وهو الأقل، ويجعله شوطين.\n_________\n(^١) مواهب الجليل، للحطاب (٢/ ١٤)، المجموع، للنووي (٤/ ١٥١)، حاشية ابن عابدين (٢/ ٧٨)، كشاف القناع، للبهوتي (١/ ٤٠٩، ٤٠٨).","vol":"2","page":238},{"text":"[٥٧٢] وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ، وَأَبُو بَكْرِ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيْعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: زَادَ أَوْ نَقَصَ: فَلَمَّا سَلَّمَ، قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟»، قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ: فَثَنَى رِجْلَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ».\n[خ: ٤٠١]\nحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، كِلَاهُمَا عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.\nوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ بِشْرٍ: «فَلْيَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ لِلصَّوَابِ»، وَفِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ: «فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ».\nوَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وقَالَ: مَنْصُورٌ: «فَلْيَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ لِلصَّوَابِ».\nحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: «فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ».\nحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: «فَلْيَتَحَرَّ أَقْرَبَ ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ».\nحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: «فَلْيَتَحَرَّ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ الصَّوَابُ».\nحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ عَنْ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادِ هَؤُلَاءِ، وَقَالَ: «فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ».","vol":"2","page":239},{"text":"في هذه الأحاديث: بيان أن النبي ﷺ بشر، ليس برب، ولا إله يعبد، بل هو بشر يصيبه ما يصيب البشر، كالنسيان والأمراض وغيرها، أما الرب ﷾ فلا ينسى، كما قال الله: ﴿لا يضل ربي ولا ينسى﴾، والله تعالى منزه لا يلحقه النسيان؛ لأنه كامل، ولا يحتاج إلى شيء، ولا يحتاج إلى أحد، فهو غني عن العالمين ﷾، بخلاف الرسول ﷺ؛ فإنه عبد، يأكل ويشرب، لكنه نبي كريم، يطاع ويتبع، ولا يعبد فالعبادة حق الله؛ ولهذا قال: «وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي»، وقال الله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾.\nوهذا من رحمة الله تعالى بعباده: أن جعل نبيه ينسى؛ حتى يكون فعله تشريعًا للأمة؛ ليعلمهم ماذا يعملون إذا حصل لهم النسيان.\nوقوله: «فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ» هذا إذا كان عنده غلبة ظن، فيبني على غلبة الظن، ويتحرى الصواب، وفي رواية النسائي: «فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ» (^١)؛ فإنه يبني على غلبة الظن، ويتم الصلاة، ثُمَّ يسلم، ثُمَّ يسجد سجدتين، ثُمَّ يسلم، بخلاف حديث أبي سعيد ﵁ الذي سبق فيما إذا كان عنده شك، ولم يكن عنده غلبة ظن؛ فيبني على اليقين، وهو الأقل، ويكون السجود قبل السلام.\nوفيه: دليل لمن يقول: إنه يعمل بغلبة الظن، ولا يبني على اليقين في هذه الحالة وهو الأقل، فيكون الجمع بينه وبين الحديث السابق أنه يعمل باليقين- وهو الأقل- إذا كان عنده شكٌ، فإن كان عنده غلبة ظن عمل به، ثُمَّ يسجد سجدتين بعد أن يسلم، كما في رواية النسائي، وهذا هو الصواب.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧٥٢)، والنسائي (١٢٤٨).","vol":"2","page":240},{"text":"حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَلَمَّا سَلَّمَ، قِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟»، قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنِ الْحَسَنِ ابْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ: أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ خَمْسًا.\nح، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا عَلْقَمَةُ الظُّهْرَ خَمْسًا، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَالَ الْقَوْمُ: يَا أَبَا شِبْلٍ، قَدْ صَلَّيْتَ خَمْسًا؟ قَالَ: كَلَّا مَا فَعَلْتُ؟ قَالُوا: بَلَى قَالَ: وَكُنْتُ فِي نَاحِيَةِ الْقَوْمِ وَأَنَا غُلَامٌ، فَقُلْتُ: بَلَى، قَدْ صَلَّيْتَ خَمْسًا، قَالَ لِي: وَأَنْتَ- أيضًا- يَا أَعْوَرُ، تَقُولُ ذَاكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: فَانْفَتَلَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسًا، فَلَمَّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «لَا»، قَالُوا: فَإِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَانْفَتَلَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ».\nوَزَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي حَدِيثِهِ: «فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ».\nحَدَّثَنَاهُ عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ الْكُوفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّهْشَلِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسًا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟»، قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَذْكُرُ كَمَا تَذْكُرُونَ، وَأَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ».\nوَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَزَادَ، أَوْ","vol":"2","page":241},{"text":"نَقَصَ- قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَالْوَهْمُ مِنِّي؟ - فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ»، ثُمَّ تَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ- أَبُو مُعَاوِيَةَ- عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ».\nفي هذه الأحاديث: أنه إذا نسي الإنسان فصلى خمسًا فإنه يسجد سجدتين، وصلاته صحيحة.\nقوله: «وَأَنْتَ- أيضًا- يَا أَعْوَرُ، تَقُولُ ذَاكَ؟» لعل هذا من باب الإدلال عليه وممازحته؛ لأنه من تلاميذه، وإلا فلا ينبغي للإنسان أن ينبَز باللقب، كأن يقول: يا أعور، ويا أحول ... إلخ، .\nقوله: «بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ» فيه: دليل لمن رأى أن الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها (^١)، ولأنه حينما تكلم اعتقد أنه انتهى من الصلاة؛ فالكلام إذا كان في مصلحة الصلاة بعد ما يسلم- وهو يعتقد أنه انتهى من الصلاة- لا يعتبر متعمدًا، إنما يبطل الصلاة الكلام العمد.\nوفيه: أنه يسجد سجدتين بعد ما يسلم وبعد ما يتكلم؛ لأن الكلام لا يمنع، وإن كان فاصلًا، إلا أن بعض الفقهاء يرى أنه إن طال الفصل، أو أحدث، أو تكلم بكلام سقطت السجدتان؛ لأنه ينافي الصلاة (^٢)، والأقرب: أنه يسجد، ولو طال الفصل.\n_________\n(^١) المجموع، للنووي (٤/ ٨٥)، المغني، لابن قدامة (٢/ ٣٦).\n(^٢) المجموع، للنووي (٤/ ١٢١)، المغني، لابن قدامة (٢/ ٢٨).","vol":"2","page":242},{"text":"وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِمَّا زَادَ أَوْ نَقَصَ- قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَايْمُ اللَّهِ، مَا جَاءَ ذَاكَ، إِلَّا مِنْ قِبَلِي- قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: «لَا» قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ الَّذِي صَنَعَ، فَقَالَ: «إِذَا زَادَ الرَّجُلُ، أَوْ نَقَصَ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» قَالَ: ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ.\nقوله: «فَإِمَّا زَادَ أَوْ نَقَصَ- قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَايْمُ اللَّهِ، مَا جَاءَ ذَاكَ، إِلَّا مِنْ قِبَلِي-»، أي: أن الشك من قبل إبراهيم، لا يدري هل زاد أو نقص.\nوفي هذا الحديث: مشروعية سجود السهو للزيادة والنقصان.","vol":"2","page":243},{"text":"[٥٧٣] حَدَّثَنِي، زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيْعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يقول: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ- إِمَّا الظُّهْرَ، وَإِمَّا الْعَصْرَ- فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَى جِذْعًا فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا مُغْضَبًا، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرَ، فَهَابَا أَنْ يَتَكَلَّمَا، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، قُصِرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ، أَمْ نَسِيتَ؟ فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ يَمِينًا، وَشِمَالًا، فَقَالَ: «مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟»، قَالُوا: صَدَقَ، لَمْ تُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَسَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَرَفَعَ، ثُمَّ كَبَّرَ، وَسَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ، وَرَفَعَ. قَالَ: وَأُخْبِرْتُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ قَالَ: وَسَلَّمَ.\n[خ: ٦٠٥١]\nحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ، بِمَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ.\nقوله: «سَرَعَان» بفتح السين والراء، أي: المسرعون إلى الخروج (^١)، وهؤلاء السرعان الذين خرجوا ولم يرجعوا يُنَبَّهون، فيقال لهم: من صلى معنا يوم كذا فرض كذا فإنه يعيد الصلاة.\nفي هذا الحديث: دليل على أن السجود يكون بعد السلام إذا سلم عن نقص.\nوفيه: أن سبب النسيان أن النبي ﷺ كان مغضَبًا.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٦٨).","vol":"2","page":244},{"text":"حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ- مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ-: أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ»، فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟»، فَقَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ التَّسْلِيمِ.\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيل الْخَزَّازُ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ- وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ- حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ، أَمْ نَسِيتَ؟، وَسَاقَ الْحَدِيثَ.\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ صَلَاةَ الظُّهْرِ سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ.\n\n[٥٧٤] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيْعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، يُقَالُ لَهُ: الْخِرْبَاقُ، وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ، وَخَرَجَ غَضْبَانَ، يَجُرُّ رِدَاءَهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «أَصَدَقَ هَذَا؟»، قَالُوا: نَعَمْ، فَصَلَّى رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ.","vol":"2","page":245},{"text":"وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- وَهُوَ الْحَذَّاءُ- عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنَ الْعَصْرِ، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ الْحُجْرَةَ، فَقَامَ رَجُلٌ بَسِيطُ الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَخَرَجَ مُغْضَبًا، فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِي كَانَ تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، ثُمَّ سَلَّمَ.\nفي هذا الحديث: بيان لواقعة أخرى غير الواقعة الأولى، ففي الأولى سلم من ركعتين، وفي هذه سلم من ثلاث ركعات.\nوفيه: أنه ﷺ دخل الحجرة، فهو قد قام، وخرج من المسجد، ودخل الحجرة، وجاءه الصحابي وأخبره، فرجع؛ فهنا حركة وكلام بينه وبين الصحابة، ومع ذلك بنى على صلاته، ولم يُعِدِ الصلاةَ؛ فدل على أن الفاصل إذا كان طويلًا فلا يؤثر.","vol":"2","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ</span>\n\n[٥٧٥] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَقْرَأُ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ، فَيَسْجُدُ، وَنَسْجُدُ مَعَهُ، حَتَّى مَا يَجِدُ بَعْضُنَا مَوْضِعًا لِمَكَانِ جَبْهَتِهِ.\n[خ: ١٠٧٥]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رُبَّمَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ، فَيَمُرُّ بِالسَّجْدَةِ، فَيَسْجُدُ بِنَا، حَتَّى ازْدَحَمْنَا عِنْدَهُ، حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا لِيَسْجُدَ فِيهِ، فِي غَيْرِ صَلَاةٍ.\nفي هذا الحديث: مشروعية قراءة القرآن في المجالس، فيقرأ واحد والبقية يستمعون، فتكون الفائدة عامة، وقد ثبت عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قال: قَالَ لِي النَّبِيُّ: «اقْرَأْ عَلَيَّ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَأَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ ! قَالَ: «نَعَمْ»، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قَالَ: «حَسْبُكَ الْآنَ»، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ (^١)؛ وذلك لأنه تذكَّر هذا الموقف العظيم.\nوفيه: استحباب سجدة التلاوة، وأن المسلم إذا قرأ القرآن ومر بالسجدة فإنه يسجد، ولو في غير الصلاة، وإذا قرأ وأتى إلى سجدة فإن القارئ يسجد، ويسجد المستمعون، وثبت عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أنه: قَرَأَ يَوْمَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥٨٣).","vol":"2","page":247},{"text":"الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ، وَسَجَدَ النَّاسُ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ ﵁، وَزَادَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ (^١).\n\n[٥٧٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الأَسْوَدَ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ قَرَأَ وَالنَّجْمِ، فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ، غَيْرَ أَنَّ شَيْخًا أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى، أَوْ تُرَابٍ، فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ، وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا.\n[خ: ١٠٦٧]\nقوله: «قُتِلَ كَافِرًا» هو أمية بن خلف؛ فقد قُتل كافرًا يوم أحد (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٧٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٨٦٣).","vol":"2","page":248},{"text":"[٥٧٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ الإِمَامِ، فَقَالَ: لَا قِرَاءَةَ مَعَ الإِمَامِ فِي شَيْءٍ، وَزَعَمَ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ فَلَمْ يَسْجُدْ.\n[خ: ١٠٧٣]\nقوله: «زَعَمَ» بمعنى: قال، والزعم يطلق على الكذب، ويطلق على الكلام المشكوك فيه.\nوفي هذا الحديث: دليل على أن سجود التلاوة ليس بواجب؛ ولهذا لم يسجد النبي ﷺ، هذه المرة، وسجد في غيرها.\nوقوله: «أنه سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ الإِمَامِ، فَقَالَ: لَا قِرَاءَةَ مَعَ الإِمَامِ فِي شَيْءٍ» هذا مذهب زيد ﵁، وبعض الصحابة (^١).\nالقول الثاني: وإليه ذهب الجمهور: أنه لا قراءة مع الإمام في الصلاة الجهرية (^٢).\nالقول الثالث: وإليه ذهب الشافعي وجماعة إلى أنه يقرأ الفاتحة، ولو كان الإمام يقرأ (^٣)؛ ولهذا قال أبو هريرة ﵁- لسائل يسأله عن قراءة الفاتحة في الصلاة-: «اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ» (^٤).\n_________\n(^١) القراءة خلف الإمام، للبخاري (ص ٧، ٣٦).\n(^٢) البحر الرائق، لابن نجيم (١/ ٣٦٣)، شرح مختصر خليل، للخرشي (١/ ٢٦٩)، المبدع، لابن مفلح (٢/ ٥٠)، الإنصاف، للمرداوي (٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩).\n(^٣) المجموع، للنووي (٣/ ٣٦٥).\n(^٤) أخرجه مسلم (٣٩٥).","vol":"2","page":249},{"text":"والصواب أن قراءة الفاتحة مستثناة؛ لحديث عبادة بن الصامت ﵁: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (^١)؛ ولقوله ﷺ: «إِنِّي لَأَرَاكُمْ تَقْرَءُونَ وَرَاءَ إِمَامِكُمْ \". قُلْنَا: نَعَمْ. وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَنَفْعَلُ هَذَا. قَالَ: \" فَلَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» (^٢)، ويكون هذا مخصِّصًا للآية الكريمة: ﴿وإذا قرأ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾.\nوهي واجبة على المصلي إلا أنه واجب مخفف، فتسقط بالنسيان إذا نسيها، أو إذا جاء المسبوق والإمام راكع؛ لحديث أبي بكرة: أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ، فَقَال: «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ» (^٣)، أو جاء في آخر القيام، ولم يتمكن من قراءتها، أو تركها اجتهادًا، ورأى أنها لا تجب، أو تقليدًا لمن قال بعدم وجوبها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٥).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٢٦٩٤)، والترمذي (٣١١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٨٣).","vol":"2","page":250},{"text":"[٥٧٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ- مَوْلَى الأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ- عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَرَأَ لَهُمْ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، فَسَجَدَ فِيهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَجَدَ فِيهَا.\nوَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عِيسَى عَنِ الأَوْزَاعِيِّ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ هِشَامٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ ابْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ- مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، وَ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾.\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِثْلَهُ.\n[خ: ٧٦٨]\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَكْرٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ، فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، فَسَجَدَ فِيهَا، فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ؟ فَقَالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ، فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ.\nوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الأَعْلَى: فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُهَا.","vol":"2","page":251},{"text":"حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ-.ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ، كُلُّهُمْ عَنِ التَّيْمِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا: خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَسْجُدُ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، فَقُلْتُ: تَسْجُدُ فِيهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، رَأَيْتُ خَلِيلِي ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا، فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ فِيهَا، حَتَّى أَلْقَاهُ، قَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ: النَّبِيَّ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ.\nفي هذه الأحاديث: بيان السجود في: ﴿إذا السماء انشقت﴾، وكذلك في: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾، وسبق في: ﴿والنجم إذا هوى﴾ وكلها من سور المفصل.\nوفيها: رد على من قال: إن السجدات التي في المفصل نُسخت (^١)، لأن إسلام أبي هريرة ﵁ كان متأخرًا في السنة السابعة من الهجرة؛ فشرعية السجود فيها باقية.\n_________\n(^١) وهو قول الشافعي في القديم، روضة الطالبين، للنووي (١/ ٣١٨).","vol":"2","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>بَابُ صِفَةِ الْجُلُوسِ فِي الصَّلَاةِ، وَكَيْفِيَّةِ وَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْفَخِذَيْنِ</span>\n\n[٥٧٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيٍّ الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ- وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ فِي الصَّلَاةِ جَعَلَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى بَيْنَ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ، وَفَرَشَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ.\nفي هذا الحديث: بيان صفة جلسة التورك، وفيها إشكال، وهو أنه ورد فيه: يضع قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، ويفرش قدمه اليمنى؛ لأن المعروف في الأحاديث الصحيحة الأخرى أن التورك يكون بأن يجلس على أليتيه، ويفرد رجله اليسرى، يفردها عن يمينه، ويجعلها تحت قدمه وساقه، لا أن يجعلها بين فخذه وساقه، وكذلك الرجل اليمنى لا تكون مفروشة، إنما تكون منصوبة، وفي الأحاديث أنه نصب قدمه اليمنى، والصواب: أن هذا وهمٌ من بعض الرواة، فقد جاء في الحديث: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ فِي الصَّلَاةِ، جَعَلَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى بَيْنَ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ، وَفَرَشَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ» (^١)، وأما في التشهد الأخير فإنه يتورك فيجلس على أليتيه، ويفرد رجله اليسرى عن يمينه.\nوالنووي ﵀- أيضًا- لم يستنكر قوله: «جَعَلَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى بَيْنَ فَخِذِهِ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٩٨٨)، والبيهقي في الكبرى (٢٧٨٢).","vol":"2","page":253},{"text":"وَسَاقِهِ» ولكن استنكر قوله: «فرش قدمه اليمنى» ونقل عن القاضي- أيضًا-: أنه وهمٌ، وأن الصواب: ونصب قدمه اليمنى (^١).\nأما صفة التورك فتكون: بأن يجعل رجليه معًا، ويخرجهما من تحت وركه اليسرى إلى اليمنى، ويفضي بمقعدته إلى الأرض، ويفرش اليسرى، وينصب قدمه اليمنى، ويضع بطون أصابعهما على الأرض، ويستقبل بأطرافهما القبلة.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظ لَهُ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ يَدْعُو، وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، وَوَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَى إِصْبَعِهِ الْوُسْطَى، وَيُلْقِمُ كَفَّهُ الْيُسْرَى رُكْبَتَهُ.\nفي هذا الحديث: وهمٌ أيضًا، وهو لا يُستَنكر في بعض الألفاظ، بل الوهم يقع ولو في الصحيحين، فقد جاء في صحيح مسلم في رواية كعب الأحبار عن أبي هريرة ﵁: «خَلَقَ اللَّهُ ﷿ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ» (^٢)، مع أن السبت ليس فيه خلق، وهو مخالف للقرآن، ووجه ذلك أن للحديث ذكر للخلق في سبعة أيام والآية في ستة أيام.\nوكذلك- أيضًا- في صحيح مسلم من الوهم: في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، في بعض الروايات: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٥/ ٧٩ - ٨٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧٨٩).","vol":"2","page":254},{"text":"بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ» (^١)، وقد انقلب على بعض الرواة، والصواب: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» (^٢).\nومن الوهم في الروايات في صحيح البخاري ما ورد أنه ﷺ: «احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ» (^٣).\n\n[٥٨٠] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد، قَالَ عَبْدُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ الْيُمْنَى- الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ- فَدَعَا بِهَا، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، بَاسِطُهَا عَلَيْهَا.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَعَدَ فِي التَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُعَاوِيِّ: أَنَّهُ قَالَ: رَأَىنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَنَا أَعْبَثُ بِالْحَصَى فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ نَهَانِي، فَقَالَ: اصْنَعْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ، فَقُلْتُ: وَكَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ؟ قَالَ: كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى.\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠٣١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٦٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٣٨).","vol":"2","page":255},{"text":"عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُعَاوِيِّ قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَزَادَ: قَالَ سُفْيَانُ: فَكَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا بِهِ عَنْ مُسْلِمٍ، ثُمَّ حَدَّثَنِيهِ مُسْلِمٌ.\nقوله: «وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ» هذه صفة مستحبة، في عقد الأصابع في التشهد، وليست بواجبة.\nقوله: «وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا»، أي: ويشير بالسبابة، وهذه صفة من الصفات، وفي الصفة الأولى قبض الخنصر والبنصر، وحلَّق الإبهام مع الوسطى، وأشار بالسبابة، وهذا إذا قعد للتشهد، ولم يكن يفعل ذلك بين السجدتين.\nوقوله: «كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ» هذا مطلق، وهناك رواية أخرى تقيد هذا المطلق، وهي: «كَانَ إِذَا قَعَدَ فِي التَّشَهُّدِ».\nفي هذه الأحاديث: بيان صفة وضع اليدين على الركبتين في الصلاة: فقد جاء في الأحاديث أن لها ثلاثَ حالات:\nالحالة الأولى: أن يضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، واليسرى على فخذه اليسرى.\nالحالة الثانية: أن يضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، ويده اليسرى على ركبته اليسرى.\nالحالة الثالثة: أن يضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأطراف أصابعه على ركبته اليمنى، ويضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، وأطراف الأصابع على ركبته اليسرى، وكل هذه الهيئات جائزة، وجاءت في الأحاديث.","vol":"2","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>بَابُ السَّلَامِ لِلتَّحْلِيلِ مِنَ الصَّلَاةِ عِنْدَ فَرَاغِهَا، وَكَيْفِيَّتِهِ</span>\n\n[٥٨١] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ، ومَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ: أَنَّ أَمِيرًا كَانَ بِمَكَّةَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَنَّى عَلِقَهَا؟ ! قَالَ الْحَكَمُ فِي حَدِيثِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ.\nوَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ شُعْبَةُ- رَفَعَهُ مَرَّةً-: أَنَّ أَمِيرًا- أَوْ: رَجُلًا- سَلَّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَنَّى عَلِقَهَا؟ ! .\nقوله: «أَنَّى عَلِقَهَا؟ !»، يعني: من أين له الدليل على هاتين التسليمتين؟\n\n[٥٨٢] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَامِرِ ابْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ، حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ.\nفي هذا الحديث: بيان وجوب التسليمتين، يسلم عن يمينه، وعن يساره، وهذا هو الصواب (^١).\nالقول الثاني: وإليه ذهب الجمهور إلى أن الواجب تسليمة واحدة، وأما الثانية فهي سنة، سواء سلم عن يمينه، أو عن شماله، أو عن أو تلقاء وجهه (^٢).\n_________\n(^١) المغني، لابن قدامة (١/ ٣٩٦)، كشاف القناع، للبهوتي (٢/ ٣٧٧).\n(^٢) المجموع، للنووي (٣/ ٤٧٧)، المغني، لابن قدامة (١/ ٣٩٦)، مواهب الجليل، للحطاب (١/ ٥٣٠).","vol":"2","page":257},{"text":"القول الثاني: وإليه ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجب التسليم مطلقًا، لا الأولى ولا الثانية، وإنما يخرج من الصلاة بالحدث، أو بالكلام، وهذا باطل (^١).\nكذلك يروى عن الأحناف أن قراءة الفاتحة لا تتعين بل تستحب، وأنه يكفي لو قرأ آية (^٢)، حتى قال بعضهم: ولو بغير اللغة العربية (^٣)، وكذلك تذكر مصادرهم أنه لا يسن تحريك اللسان بتكبيرة الإحرام (^٤)، وكل هذه الأمور أمور باطلة.\n_________\n(^١) تحفة الفقهاء، لعلاء الدين السمرقندي (١/ ١٣٩).\n(^٢) الاختيار لتعليل المختار، لأبي الفضل الحنفي (١/ ٥٦).\n(^٣) المبسوط، للسرخسي (١/ ٣٧).\n(^٤) المبسوط، للسرخسي (١/ ١٩).","vol":"2","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ</span>\n\n[٥٨٣] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو قَالَ: أَخْبَرَنِي بِذَا أَبُو مَعْبَدٍ، ثُمَّ أَنْكَرَهُ بَعْدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ.\n[خ: ٨٤٢]\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ-: أَنَّهُ سَمِعَهُ يُخْبِرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ.\nقَالَ عَمْرٌو: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي مَعْبَدٍ، فَأَنْكَرَهُ، وَقَالَ: لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهَذَا، قَالَ عَمْرٌو: وَقَدْ أَخْبَرَنِيهِ قَبْلَ ذَلِك.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ-: أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ، حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ، كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَّهُ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ، إِذَا سَمِعْتُهُ.\nفي هذا الباب: بيان ما كان يقوله رسول الله ﷺ عقب الصلاة، وهذا الحديث مجمل لا يعارض الأحاديث الصحيحة الأخرى في الاستغفار ثلاثًا بعد التسليم، ثُمَّ التهليل، ثُمَّ التسبيح، والتكبير، ويحمل هذا الحديث على أنه تختلط أصوات المصلين بالذكر؛ فهذا يسبح، وهذا يكبر، وهذا يهلل، أما ما يفعله بعض الناس من التكبير بعد السلام مباشرة فهذا لا وجه له.\nوفيه: استحباب رفع الصوت بالذكر والجهر به بعد الفرائض.","vol":"2","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ</span>\n\n[٥٨٤] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ حَرْمَلَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُور؟، قَالَتْ: فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ: «إِنَّمَا تُفْتَنُ يَهُودُ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ شَعَرْتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ، أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟ !»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدُ، يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.\n\n[٥٨٥] وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، قَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.\n\n[٥٨٦] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَتَا: إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، قَالَتْ: فَكَذَّبْتُهُمَا، وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا، فَخَرَجَتَا، وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ دَخَلَتَا عَلَيَّ، فَزَعَمَتَا: أَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَقَالَ: «صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ»، قَالَتْ: فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ، إِلَّا سَمِعْتُهُ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.\n[خ: ٦٣٦٦]\nحَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ","vol":"2","page":260},{"text":"مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، وفيه: قَالَتْ: وَمَا صَلَّى صَلَاةً بَعْدَ ذَلِكَ، إِلَّا سَمِعْتُهُ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.\nفي هذا الحديث: تصريح بأن الوحي نزل عند مجيء تلك المرأة اليهودية.\nوقولها: «فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ، إِلَّا سَمِعْتُهُ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»، أي: بعد نزول الوحي عليه بأن أهل القبور يُعذَّبون.\nوفيه: الاستعاذة من عذاب القبر، وأنه حق، وفي هذا رد على المعتزلة الذين ينكرون عذاب القبر، ويقولون: إن العذاب والنعيم يقع على الروح (^١).\nوالنبي ﷺ معصوم من الفتنة، ولكنه يستعيذ من عذاب القبر؛ تعبدًا لله، وتعليمًا للأمة؛ لتقتدي به ﵊.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٤/ ٢٨٢ - ٢٩٩).","vol":"2","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>بَابُ مَا يُسْتَعَاذُ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ</span>\n\n[٥٨٧] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَعِيذُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ.\n[خ: ٨٣٣]\n\n[٥٨٩] حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ»، قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ! فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ، حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ».\n[خ: ٨٣٢]\n\n[٥٨٨] وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيْعًا عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ؛ يقول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ».","vol":"2","page":262},{"text":"وَحَدَّثَنِيهِ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى- يَعْنِي: ابْنَ يُونُسَ- جَمِيْعًا عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ»، وَلَمْ يَذْكُرِ: «الآخِرِ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ هِشَامٍ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَشَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، مِثْلَهُ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ بُدَيْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ جَهَنَّمَ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ.\n\n[٥٩٠] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ- فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ- عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنِ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ، كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يقول: «قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ».\nقَالَ مُسْلِم بْن الْحَجَّاج: بَلَغَنِي أَنَّ طَاوُسًا قَالَ لِابْنِهِ: أَدَعَوْتَ بِهَا فِي صَلَاتِكَ؟ فَقَالَ: لَا قَالَ: أَعِدْ صَلَاتَكَ!؛ لِأَنَّ طَاوُسًا رَوَاهُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةٍ، أَوْ كَمَا قَالَ.","vol":"2","page":263},{"text":"قوله: «الْمَغْرَمِ»، أي: الدَّين.\nفي هذا الباب من الفوائد:\n١. مشروعية الاستعاذة من فتنة الدجال، وهو رجل من بني آدم يخرج في آخر الزمان، يدعي الصلاح أولًا، ثُمَّ يدعي النبوة، ثُمَّ يدعي الربوبية، ويقول للناس: أنا ربكم، ومعه الخوارق؛ صورة الجنة، وصورة النار، ويمكث في الأرض أربعين؛ يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وباقي أيامه كأيامنا، ويقتله عيسى ابن مريم حين ينزل من السماء في زمن المهدي.\n٢. أن المدين إذا تعثَّر فإنه يعد ويكذب؛ ولهذا كان النبي ﷺ يستعيذ من المغرم؛ لأنه سبب في الكذب، وسبب في خلف الوعد.\n٣. الاستعاذة من فتنة الممات، وقد روي عن عبد الله بن أحمد- ويروى عن صالح- أيضًا-: أنه قال: حين احتُضر أبي جعل يكثر أن يقول: لا، بعدُ، لا، بعدُ، فقلت: يا أبه، ما هذه اللفظة التي تلهج بها في هذه الساعة؟ فقال: يا بني إن إبليس واقف في زاوية البيت، وهو عاضٌّ على أصبعه، وهو يقول: فُتَّنِي يا أحمد؟ فأقول: لا، بعدُ، لا، بعدُ- يعني: لا يفوته حتى تخرج نفسه من جسده على التوحيد (^١).\nوقوله: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ» هذا الأمر بالاستعاذة من هذه الأربع بعد الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير وفيه قولان.\nالقول الأول: الاستحباب عند الجمهور (^٢).\nالقول الثاني: ذهب طاوس بن كيسان اليماني التابعي إلى أنه للوجوب، وهو قول قوي، وأمرُ طاوس لابنه بإعادة الصلاة رواه مسلم بلاغًا فهو\n_________\n(^١) البداية والنهاية، لابن كثير (١٤/ ٤٢٢).\n(^٢) مواهب الجليل، للحطاب (١/ ٥٤٣)، تحفة المحتاج، لابن حجر الهيثمي (٢/ ٨٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٢).","vol":"2","page":264},{"text":"منقطع (^١)، والمنقطع ضعيف، لكن أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ لِرَجُلٍ: أَقُلْتَهُنَّ فِي صَلَاتِكَ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَأَعِدْ صَلَاتَكَ (^٢).\nوقوله «أَعِدْ صَلَاتَكَ» دليل على أنه يرى أن الصلاة باطلة.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٥٩٠).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣٠٨٧).","vol":"2","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ</span>\n\n[٥٩١] حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ أَبِي عَمَّارٍ- اسْمُهُ شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ- عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ».\nقَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ: كَيْفَ الْاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.\n\n[٥٩٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ، لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ».\nوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ: «يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ».\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ- يَعْنِي: الأَحْمَرَ- عَنْ عَاصِمٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: «يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ».\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، وَخَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، كِلَاهُمَا عَنِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ».\n\n[٥٩٣] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ وَرَّادٍ- مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ- قَالَ: كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ».\n[خ: ٨٤٤]","vol":"2","page":266},{"text":"وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ وَرَّادٍ- مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ- عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- فِي رِوَايَتِهِمَا-: قَالَ: فَأَمْلَاهَا عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ، وَكَتَبْتُ بِهَا إِلَى مُعَاوِيَةَ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ: أَنَّ وَرَّادًا- مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ- قَالَ: كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، كَتَبَ ذَلِكَ الْكِتَابَ لَهُ وَرَّادٌ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ- حِينَ سَلَّمَ-، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، إِلَّا قَوْلَهُ: «وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ.\nوَحَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْمُفَضَّلِ-.ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي أَزْهَرُ، جَمِيْعًا عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ وَرَّادٍ- كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ- قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، سَمِعَا وَرَّادًا- كَاتِبَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ- يقول: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ، اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ».\n\n[٥٩٤] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ- حِينَ يُسَلِّمُ-: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ.","vol":"2","page":267},{"text":"وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ- مَوْلًى لَهُمْ-: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يُهَلِّلُ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ، ثُمَّ يَقُولُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ.\nوَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ- إِذَا سَلَّمَ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ، أَوِ الصَّلَوَاتِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ الْمَكِّيّ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَهُوَ يَقُولُ- فِي إِثْرِ الصَّلَاةِ، إِذَا سَلَّمَ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَكَانَ يَذْكُرُ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nفي هذه الأحاديث: بيان الأذكار التي يقولها المسلم بعد الفراغ من الصلوات، فحديث ثوبان، وحديث عائشة، وحديث المغيرة، وحديث ابن الزبير ﵃ أجمعين، يؤخذ منها مجتمعة كثرةُ الأذكار؛ ففي حديث ثوبان ﵁ أنه: «اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا»، وفي حديث عائشة ﵂: أنه لا يمكث إلا بمقدار هذا، يعني: بمقدار ما يقول: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ»، أو «يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ»، يقولها وهو مستقبل القبلة إذا كان إمامًا، ثُمَّ ينصرف إلى جهة المأمومين، ثُمَّ يقول ما في حديث المغيرة ﵁: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»، وثبت في الترمذي زيادة: «يُحْيِي وَيُمِيتُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢٧٩٦)، وأشار إليه الترمذي عقب حديث (٢٩٨).","vol":"2","page":268},{"text":"وثبت في مسند عبد بن حميد بسند صحيح زيادة: «وَلا رَادَّ لِمَا قَضَيْتَ» (^١).\nوفي حديث ابن الزبير ﵄ زيادة: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ».\nفهذه الأحاديث مجتمعة يؤخذ منها الأذكار التي يذكرها المسلم أولَ ما يُسَلِّم من صلاته.\nوقوله: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدّ»، يعني: لا أحد يمنع ما أعطاه الله، ولا أحد يعطي ما منعه الله، كما يقول الله: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾، وكما في حديث ابن عباس ﵄: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» (^٢).\nوقوله: «وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» الجد، يعني: الحظ، يعني: أن صاحب الحظ لا ينفعه حظه، ولا ينجيه من عذاب الله، إنما ينفعه عمله الصالح، واستعمَل هذا الجد في طاعة الله؛ فينفعه، وإلا فإنه يضره، فيصير المال والغنى والسلطان والجاه وبالًا على صاحبه.\nولهذا فمن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «إمام عادل» (^٣)، استعمل سلطانه في طاعة الله، فصار أول السبعة الذين يظلهم الله في ظله.\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد في مسنده (٣٩١).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٥١٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٨٠٦).","vol":"2","page":269},{"text":"[٥٩٥] حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذَا حَدِيثُ قُتَيْبَةَ: أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَقَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟»، قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ، إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟»، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً»، قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ».\nوَزَادَ غَيْرُ قُتَيْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ اللَّيْثِ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ قَالَ: سُمَيٌّ: فَحَدَّثْتُ بَعْضَ أَهْلِي هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: وَهِمْتَ، إِنَّمَا قَالَ: تُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَبِي صَالِحٍ، فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ.\nقَالَ ابْنُ عَجْلَانَ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ، فَحَدَّثَنِي بِمِثْلِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\n[خ: ٨٤٣]\nحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ قُتَيْبَةَ عَنِ اللَّيْثِ، إِلَّا أَنَّهُ أَدْرَجَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَوْلَ أَبِي صَالِحٍ، ثُمَّ رَجَعَ","vol":"2","page":270},{"text":"فُقَرَاءُ المهاجرين، إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ.\nوَزَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: يَقُولُ سُهَيْلٌ: إِحْدَى عَشْرَةَ، إِحْدَى عَشْرَةَ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ كُلِّهِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ.\n\n[٥٩٦] وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ- أَوْ: فَاعِلُهُنَّ- دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً».\nحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ- أَوْ: فَاعِلُهُنَّ- ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً، فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ».\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمُلَائِيُّ عَنِ الْحَكَمِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.\n\n[٥٩٧] حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْمَذْحِجِيِّ، قَالَ مُسْلِم أَبُو عُبَيْدٍ- مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ- عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِهِ.","vol":"2","page":271},{"text":"في هذه الأحاديث أنواع من الذكر بعد الصلاة، وهي:\nالنوع الأول: أنه يسبح الله ثلاثًا وثلاثين، ويحمد الله ثلاثًا وثلاثين، ويكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فتصير تسعة وتسعين، وليس فيه زيادة على هذا.\nوقد سأل سميٌّ أبا صالح في هذا، فذكر له أنه «يسبح الله، ويحمد الله، ويكبر الله ثلاثًا وثلاثين»، يعني: يجمعها فيقول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثًا وثلاثين، وفي رواية ابن حيوة قال: «تسبح الله ثلاثًا وثلاثين، وتحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وتكبر الله ثلاثًا وثلاثين» فكلها واردة.\nالنوع الثاني: يسبح الله ثلاثًا وثلاثين، ويحمد الله ثلاثًا وثلاثين، ويكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فتصير تسعة وتسعين، ويقول تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وهذا أكمل الأنواع الواردة.\nالنوع الثالث: أن يكون التسبيح ثلاثًا وثلاثين، والتحميد ثلاثًا وثلاثين، والتكبير أربعًا وثلاثين، فتكون مائة، وهذه كلها في الصحيحين (^١).\nالنوع الرابع: أن يكون التسبيح خمسًا وعشرين، والتحميد خمسًا وعشرين، والتهليل خمسًا وعشرين، والتكبير خمسًا وعشرين، فصارت مائة (^٢).\nالنوع الخامس: أن يكون التسبيح إحدى عشرة، والتحميد إحدى عشرة، والتكبير إحدى عشرة، فتكون ثلاثًا وثلاثين (^٣).\nالنوع السادس: أن يكون التسبيح عشرًا والتكبير عشرًا والتحميد عشرًا (^٤)\nوالصواب: أنه يستعمل هذا مرة، ويستعمل هذا مرة، لإصابة السنة جميعها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٤٣)، ومسلم (٥٩٥).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢١٦٠٠)، والنسائي (١٣٥٠).\n(^٣) أخرجه مسلم (٥٩٥).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٥٠٦٥).","vol":"2","page":272},{"text":"وقوله: «مُعَقِّبَاتٌ»، أي: عقب ودبر كل صلاة، وهذا النوع يكون فيه التسبيح ثلاثًا وثلاثين، والتحميد ثلاثًا وثلاثين، والتكبير أربعًا وثلاثين، وجاء هذا عند النوم، وعند أذكار الصلوات كذلك.\nوفيه: أنه ﷺ علَّم عليًّا وفاطمة أن يقولا ذلك عند النوم، فقال لهما: «أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي؟ ! إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَتُسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ» (^١).\nوفيه: أن المحافظة على هذا الذكر من أسباب مغفرة الذنوب، ولو كانت مثل زبد البحر، وهذا إذا اجتنب الكبائر، وأدى الفرائض، أما إذا لم يجتنب الكبائر فإن هذا الذكر لا يقوى على تكفيرها، قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١١٣)، ومسلم (٢٧٢٧).","vol":"2","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>بَابُ مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالقِرَاءَةِ</span>\n\n[٥٩٨] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ ابْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيَّةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: «أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ، كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ».\n[خ: ٧٤٤]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ- يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ- كِلَاهُمَا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ جَرِيرٍ.\nفي هذا الحديث: بيان أصح أدعية الاستفتاح الواردة في الصلاة، وهو ما رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁.\nوهناك استفتاحات أخرى سيأتي ذكرها، منها: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَجْهَرُ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، يَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» (^١) وهذا الاستفتاح اختاره الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ (^٢)، وهو أقصرها؛ ليحفظه العامة، وكان عمر ﵁ يلقنه الناس على المنبر، وهو أفضل الاستفتاحات في ذاته؛ لأنه ثناء على الله تعالى.\nوجاء في حديث عائشة ﵂: «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٩٩).\n(^٢) آداب المشي الى الصلاة، لمحمد بن عبد الوهاب (ص ٦).","vol":"2","page":274},{"text":"السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ؛ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (^١).\nوجاء عن ابن عباس ﵄ استفتاح طويل يُذكَر في قيام الليل (^٢)، وهناك استفتاح آخر: «اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا» (^٣).\n\n[٥٩٩] قَالَ مُسْلِم: وَحُدِّثْتُ عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ وَغَيْرِهِمَا، وَيُونُسَ الْمُؤَدِّبِ قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وَلَمْ يَسْكُتْ.\nهذا الحديث من الأحاديث المعلقة في صحيح مسلم التي سقط أول إسنادها.\nقال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀: «ما وقع في صحيحي البخاري ومسلم مما صورته صورة المنقطع ليس ملتحقًا بالمنقطع في خروجه من حيز الصحيح إلى حيز الضعيف، ويسمى هذا النوع تعليقًا، سماه به الإمام أبو الحسن الدارقطني، ويذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين، وكذا غيره من المغاربة، وهو في كتاب البخاري كثير جدًّا، وفي كتاب مسلم قليل جدًّا، فإذا كان التعليق منهما بلفظ فيه جزم بأن من بينهما وبينه الانقطاع قد قال ذلك، أو رواه واتصل الإسناد منه على الشرط،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٧٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (٧٦٣).\n(^٣) أخرجه مسلم (٦٠١).","vol":"2","page":275},{"text":"مثل: أن يقولا: روى الزهري عن فلان، ويسوقان إسناده الصحيح، فحال الكتابين يوجب أن ذلك من الصحيح عندهما، وكذلك ما روياه عمن ذكراه بلفظ مبهم لم يعرف به، وأورداه أصلًا محتجين به، وذلك مثل: حدثني بعض أصحابنا، ونحو ذلك» (^١).\n\n[٦٠٠] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ، وَثَابِتٌ، وَحُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا، مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟»، فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا»، فَقَالَ رَجُلٌ: جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسُ، فَقُلْتُهَا، فَقَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا».\n\n[٦٠١] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟»، قَالَ رَجُلٌ مِنِ الْقَوْمِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «عَجِبْتُ لَهَا، فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ».\nقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ.\nقوله: «فَأَرَمَّ الْقَوْمُ»، أي: سكتوا، وظنوا أنه أخطأ، فلما رآهم سكتوا قال: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا»، أي: لم يقل شيئًا مستنكرًا، فقال رجل: «جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسُ، فَقُلْتُهَا»، قال ﷺ: «لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١/ ١٦).","vol":"2","page":276},{"text":"يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا».\nفي هذا الحديث: فضل هذا الذكر الجليل.\nوقوله: «رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا» هذا لا ينافي أن الكتبة يكتبون، وإنما ابتدرها هؤلاء الاثنا عشر ملكًا لفضلها.\nوفيه: أن هناك بعض الأعمال يكتبها الحفظة، وأنهم لا يكتبون كل شيء، وقد ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ ومِن بعده العلامة الأمين الشنقيطي الخلاف في: هل يكتب الملَك كل شيء من الكلام؟ (^١)\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٧/ ٣٩٨)، أضواء البيان، للشنقيطي (٧/ ١٩٠).","vol":"2","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>بَابُ اسْتِحْبَابِ إِتْيَانِ الصَّلَاةِ بِوَقَارٍ وَسَكِينَةٍ، وَالنَّهْيِ عَنْ إِتْيَانِهَا سَعْيًا</span>\n\n[٦٠٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ- يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ- عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».\n[خ: ٩٠٨]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي العَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَهُوَ فِي صَلَاةٍ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ، فَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ- يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ- عَنْ هِشَامٍ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ-، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ","vol":"2","page":278},{"text":"قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ فَلَا يَسْعَ إِلَيْهَا أَحَدُكُمْ، وَلَكِنْ لِيَمْشِ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، صَلِّ مَا أَدْرَكْتَ، وَاقْضِ مَا سَبَقَكَ».\n\n[٦٠٣] حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الصُّورِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَمِعَ جَلَبَةً، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟»، قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا، إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا سَبَقَكُمْ فَأَتِمُّوا».\n[خ: ٦٣٥]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.\nقوله: «إِذَا ثُوِّبَ»، يعني: إذا أُقيمت الصلاة، وسميت الإقامة تثويبًا؛ لأنه رجوع إلى النداء.\nالحديث الأول هو الأصل عند مسلم، وهو من رواية أبي سلمة، ثُمَّ ذكر بعده رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، وهو صدوق، وقد تُكُلِّمَ فيه.\nوذكر الإمام مسلم في مقدمته: أنه يروي عن الثقات، ثُمَّ يروي عمن هم أقل درجة منهم (^١)، فيكون حديث العلاء حسنًا، والحديث الأول صحيحًا.\nوقوله: «فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ» النهي للتحريم، كما هو الأصل فيه.\nقوله: «فَلَا يَسْعَ»، يعني: فلا يسرع.\nوقوله: «السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ» قيل: المعنى واحد، وقيل: السكينة في الحركة، والوقار في الهيئة، والمعنى: لا تسرع، فما أدركتَ فصلِّ، وما فاتك فاقضِ، أو أتِمَّ.\n_________\n(^١) مقدمة صحيح مسلم (١/ ٥ - ٦).","vol":"2","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>بَابُ مَتَى يَقُومُ النَّاسُ لِلصَّلَاةِ</span>؟\n\n[٦٠٤] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي».\nوقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: «إِذَا أُقِيمَتْ، أَوْ نُودِيَ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ شَيْبَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَزَادَ إِسْحَاقُ فِي رِوَايَتِهِ حَدِيثَ مَعْمَرٍ وَشَيْبَانَ: «حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ».\n\n[٦٠٥] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَقُمْنَا، فَعَدَّلْنَا الصُّفُوفَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ، قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ، ذَكَرَ، فَانْصَرَفَ، وَقَالَ لَنَا: «مَكَانَكُمْ»، فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا نَنْتَظِرُهُ، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا، وَقَدِ اغْتَسَلَ يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً، فَكَبَّرَ، فَصَلَّى بِنَا.\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو- يَعْنِي: الأَوْزَاعِيَّ- حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَصَفَّ النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَامَ مَقَامَهُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ: أَنْ مَكَانَكُمْ فَخَرَجَ، وَقَدِ اغْتَسَلَ، وَرَأْسُهُ","vol":"2","page":280},{"text":"يَنْطُفُ الْمَاءَ، فَصَلَّى بِهِمْ.\nوَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ تُقَامُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَيَأْخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهُمْ، قَبْلَ أَنْ يَقُومَ النَّبِيُّ ﷺ مَقَامَهُ.\nفي هذا الحديث: أن الصحابة ﵃ وقفوا قيامًا ينتظرون النبي ﷺ حتى اغتسل، وهذا يحتاج إلى وقت، وكان بيت الرسول ﷺ بجوار المسجد، فاغتسل سريعًا وأتى؛ ولهذا قال: «فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي» من باب الرفق بهم، وليس على سبيل الوجوب، ودليل ذلك إقرار النبي ﷺ القيام للصلاة قبل مجيئه وخروجه، فدل على أن النهي ليس للتحريم، بل للرفق بهم.\n\n[٦٠٦] وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ إِذَا دَحَضَتْ، فَلَا يُقِيمُ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ، فَإِذَا خَرَجَ أَقَامَ الصَّلَاةَ حِينَ يَرَاهُ.\nقوله: «إِذَا دَحَضَتْ»، يعني: إذا زالت الشمس، ولا يقيم حتى يرى النبي ﷺ، فكان بلال ﵁ يرقب النبيَّ ﷺ، فإذا رآه أقام الصلاة.","vol":"2","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ تِلْكَ الصَّلَاةَ</span>\n\n[٦٠٧] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ».\n[خ: ٥٨٠]\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ مَعَ الإِمَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَيُونُسَ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، جَمِيْعًا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ: «مَعَ الإِمَامِ»، وَفِي حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: «فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ كُلَّهَا».\nفي هذه الأحاديث: دليل على أن الجماعة تدرك بإدراك ركعة مع الإمام.\nمسألة: هل تدرك الصلاة بإدراك ما دون ركعة؟\nالجواب: في المسألة قولان:\nالقول الأول: لا يدركها بأقل من ذلك، وهو ظاهر كلام الخرقي (^١)،\n_________\n(^١) المغني، لابن قدامة (١/ ٢٧٤).","vol":"2","page":282},{"text":"ومذهب مالك (^١)؛ لظاهر هذا الخبر، فإن تخصيصه الإدراك بركعة يدل على أن الإدراك لا يحصل بأقل منها؛ ولأنه إدراك للصلاة، فلا يحصل بأقل من ركعة كإدراك الجمعة.\nالقول الثاني: يدركها بإدراك أي جزء منها.\nقال ابن قدامة: «قال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه يكون مدركًا لها بإدراكه.\nوقال أبو الخطاب: من أدرك من الصلاة مقدار تكبيرة الإحرام قبل أن يخرج الوقت فقد أدركها وهذا مذهب أبي حنيفة، وللشافعي قولان كالمذهبين» (^٢).\nوالصواب: أنه لا يدركها إلا بإدراك الركعة، أما إذا أدرك أقل من ركعة فلا يدرك فضيلة الجماعة، لكن إن كان معذورًا فله أجره؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ أَقْوَامًا بِالْمَدِينَةِ خَلْفَنَا مَا سَلَكْنَا شِعْبًا، وَلَا وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَنَا فِيهِ؛ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ» (^٣) وكذلك الجمعة إذا أدرك ركعة يضيف إليها أخرى، فتحسب له جمعة، وإذا أدرك أقل من ركعة فيصليها ظهرًا.\n_________\n(^١) مواهب الجليل، للحطاب (٢/ ٨٢).\n(^٢) المغني، لابن قدامة (١/ ٢٧٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٨٣٩).","vol":"2","page":283},{"text":"[٦٠٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، وَعَنِ الأَعْرَجِ، حَدَّثُوهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ».\n\n[٦٠٩] وَحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. ح، قَالَ وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ- وَالسِّيَاقُ لِحَرْمَلَةَ- قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ سَجْدَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أَوْ مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا، وَالسَّجْدَةُ إِنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ».\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ ابْنِ أَسْلَمَ.\nوَحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ، وَمَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْفَجْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ».\nوَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ مَعْمَرًا، بِهَذَا الإِسْنَادِ.\nفي هذه الأحاديث: دليل على أنه إذا أدرك ركعة قبل طلوع الشمس أضاف إليها أخرى، وأدرك الوقت وصارت الصلاة كلها أداء.\nولا يجوز تأخير الفجر إلى قرب طلوع الشمس، فيأثم إذا أخرها عمدًا،","vol":"2","page":284},{"text":"وكذلك ليس له أن يؤخر العصر إلى قرب الغروب، لكن إذا كان معذورًا بنوم مثلًا، ثُمَّ استيقظ قبل طلوع الشمس، وصلى ركعة أدرك الوقت وإن طلعت الشمس؛ لأن وقتها في حقه حين يستيقظ.\nوقوله: «وَمَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْفَجْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ»، يعني: أدرك الصلاة في وقتها.\nوقوله: «ومَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ»، يعني: أدركها في الوقت.","vol":"2","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>بَابُ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ</span>\n\n[٦١٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ قَدْ نَزَلَ، فَصَلَّى إِمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يقول: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يقول: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «نَزَلَ جِبْرِيلُ، فَأَمَّنِي، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، يَحْسُبُ بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ».\n[خ: ٣٢٢١]\nأَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا- وَهُوَ بِالْكُوفَةِ- فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ؟ ! أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ صَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ صَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ صَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ صَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: بِهَذَا أُمِرْتُ، فَقَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ: انْظُرْ مَا تُحَدِّثُ يَا عُرْوَةُ، أَوَ إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇، هُوَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقْتَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ عُرْوَةُ: كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ.\n[خ: ٥٢١]\n\n[٦١١] قَالَ عُرْوَةُ: وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ- زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَليِّ الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا، قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ.\n[خ: ٥٢٢]\nفي هذه الأحاديث: بيان وجوب أداء الصلاة في وقتها؛ فإن الله تعالى","vol":"2","page":286},{"text":"حددها في أوقات محددة لا تتقدم ولا تتأخر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾، أي: مفروضة في الأوقات، فالصلاة محددة بأوقات جبريل حينما أَمَّ النبي ﷺ بوحي من الله ﷿.\nوفيه: نصيحة الأمراء إذا خالفوا السنة؛ فإن عروة دخل على عمر بن عبد العزيز لما أخَّر الصلاة على عادة بني أمية، وكان هذا لما كان أميرًا على المدينة، وبعد ذلك لما ظهرت له السنة لزمها - ﵀ -، وكذلك المغيرة عندما كان أميرًا على الكوفة لما أخَّر الصلاة أنكر عليه أبو مسعود الأنصاري (^١).\nوالنصيحة للأمراء وولاة الأمور والإنكار عليهم فيما يخالف شرع الله لا بد أن تكون دون فتنة، أو تشهير.\nوعن أبي أمامة سهل بن سعد قال: «صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الظُّهْرَ، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَقُلْتُ: يَا عَمِّ، مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّيْتَ؟ قَالَ: الْعَصْرُ، وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ الَّتِي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ» (^٢).\nوالثابت أن جبريل أَمَّ الرسول ﷺ، فصلى خمس صلوات، ثُمَّ نزل فصلى، ثُمَّ نزل فصلى، ثُمَّ نزل فصلى، ثُمَّ نزل فصلى، خمس صلوات، واللفظ الآخر في الحديث- كما سيأتي- في يومين: في اليوم الأول صلى في أول الوقت، وفي اليوم الثاني في آخر أوقات الصلوات الخمس، وقال النبي ﷺ للسائل الذي سأله عن أوقات الصلاة: «وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢١)، ومسلم (٦١٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٤٩)، ومسلم (٦٢٣).\n(^٣) أخرجه مسلم (٦١٣).","vol":"2","page":287},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِي حُجْرَتِي، لَمْ يَفِئْ الْفَيْءُ بَعْدُ.\nوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ بَعْدُ.\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا، لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ فِي حُجْرَتِهَا.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ وَاقِعَةٌ فِي حُجْرَتِي.\nفي هذا الحديث: مشروعية التبكير في صلاة العصر؛ ولذلك كان النبي يصلي والشمس في حجرة عائشة ﵂، يعني: والشمس مرتفعة؛ لأنها إذا كانت الشمس في الحجرة لم يظهر الفيء، وإذا كان وقت الغروب صارت الشمس في أطراف الجدران وخرجت من الحجرة.","vol":"2","page":288},{"text":"[٦١٢] حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ- حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّيْتُمُ الْفَجْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ قَرْنُ الشَّمْسِ الأَوَّلُ، ثُمَّ إِذَا صَلَّيْتُمُ الظُّهْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ الْعَصْرُ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْمَغْرِبَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَسْقُطَ الشَّفَقُ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعِشَاءَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ».\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ- وَاسْمَهْ: يَحْيَى بْنُ مَالِكٍ الأَزْدِيُّ، وَيُقَالُ: الْمَرَاغِيُّ، وَالْمَرَاغ: حَيٌّ مِنَ الأَزْدِ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ ثَوْرُ الشَّفَقِ، وَوَقْتُ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَوَقْتُ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ».\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمَا، قَالَ شُعْبَةُ: رَفَعَهُ مَرَّةً، وَلَمْ يَرْفَعْهُ مَرَّتَيْنِ.\nوَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ، مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنِ الصَّلَاةِ؛ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ».","vol":"2","page":289},{"text":"في هذه الأحاديث: بيان أوقات الصلاة:\nقال بعض العلماء: وقت الاختيار للفجر إلى الإسفار جدًّا، ثُمَّ بعد ذلك يخرج وقت الاختيار ووقت الاضطرار من الإسفار إلى طلوع الشمس، ثُمَّ وقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل الشيء مثله، ثُمَّ يأتي وقت العصر ليس بينهما فاصل، فإذا صار ظل الشيء مثله دخل وقت العصر، ثُمَّ يستمر إلى اصفرار الشمس، وما جاء في الحديث الآخر: «ثُمَّ صَلَّى بِي الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ» (^١)، فهذا كان أولًا، ثُمَّ زاد الله الوقت ساعة إلى اصفرار الشمس، ثُمَّ من اصفرار الشمس إلى غروبها هذا وقت ضرورة، ثُمَّ المغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر، والعشاء من مغيب الشفق إلى نصف الليل، وإذا خرج وقت المغرب دخل وقت العشاء، ليس بينهما فاصل، فإذا غاب الشفق خرج وقت المغرب، ودخل وقت العشاء.\nوجاء في صفة صلاته ﷺ: أنه جمع جمعًا صوريًّا، يعني: صلى الظهر في آخر وقته أربع ركعات، ثُمَّ دخل وقت العصر فصلى العصر أربع ركعات في آخره، فكل صلاة وقعت في وقتها فهو جمعٌ صوري؛ لأنه ليس بينهما فاصل، أما العشاء فوقت اختياره إلى نصف الليل، وبينه وبين وقت الفجر فاصل، ووقت الفجر إلى طلوع الشمس، وبينه وبين وقت الظهر فاصل.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣٠٨١)، والترمذي (١٤٩).","vol":"2","page":290},{"text":"وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَزِينٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ- يَعْنِي: ابْنَ طَهْمَانَ- عَنِ الْحَجَّاجِ- وَهُوَ ابْنُ حَجَّاجٍ- عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ، فَقَالَ: «وَقْتُ صَلَاةِ الْفَجْرِ مَا لَمْ يَطْلُعْ قَرْنُ الشَّمْسِ الأَوَّلُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ عَنْ بَطْنِ السَّمَاءِ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ وَيَسْقُطْ قَرْنُهَا الأَوَّلُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ مَا لَمْ يَسْقُطِ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ».\nفي هذا الحديث: بيان لوقت المغرب، ويجمع بين ما سبق من أن جبريل صلى بالنبي ﷺ وقت المغرب في يومين متواليين في وقت واحد: أن هذا كان أولًا، ثُمَّ زاد الله وقت المغرب ساعة، فاتسع إلى مغيب الشفق.\nوذكر النووي ﵀ أن مذهب الشافعي ﵀ أن وقت المغرب بمقدار ما يتوضأ الإنسان، ويستر عورته، ويصلي ثلاث ركعات (^١)، لكن هذا القول مرجوح، وهو على ما جاء أولًا، والصواب: أن وقت المغرب ممتد، كما في هذه الأحاديث، من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر، لكنه أقصر الأوقات، وكذلك وقت الفجر يقارب ساعة وثلث الساعة، من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٥/ ١١١).","vol":"2","page":291},{"text":"حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يقول: لَا يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ.\nهذا ليس بحديث، وقد رواه يحيى بن أبي كثير عن أبيه، قال الشراح: إن الإمام مسلم ﵀ ذكر هذا؛ لأنه تعب في سياق هذه الأسانيد وضبطها، وأعجبه- أيضًا- سياق أحاديث توقيت الصلوات، فأراد أن يبين لطالب العلم أنه لا بد أن يتعب، وأن هذا العلم الذي حصَّله مسلم في ضبط الأسانيد والعناية بها ما جاء بالنوم والكسل، وإنما جاء بالتعب؛ فالعلم لا ينال براحة الجسم، وكان العلماء يتعبون ويسهرون، ويسافرون على أقدامهم، ويطلبون العلم، ويأخذون عن المشايخ، فالإمام أحمد ﵀ خرج إلى طَرَسُوس ماشيًا، وخرج إلى اليمن ماشيًا (^١)، وقال بقي بن مخلد: «أتيت العراق، وقد مُنع أحمد بن حنبل من الحديث، فسألته أن يحدثني، وكان بيني وبينه خُلة، فكان يحدثني بالحديث في زي السؤال، ونحن خلوة، حتى اجتمع لي عنه نحو من ثلاثمائة حديث» (^٢).\nفينبغي أن يحرص طالب العلم على حضور الحلقات لتحصيل الفوائد، وعليه الانتباه والعناية، لا سيما وقد زال الآن التعب في تحصيل العلم وكل شيء أصبح ميسرًا، فالكتب كلها مدونة، وما على الإنسان إلا أن يعطيها وقته وعقله، وأعطِ العلم كلَّك يعطِكَ بعضه.\n_________\n(^١) مناقب الإمام أحمد، لابن الجوزي (ص ٣٨).\n(^٢) سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٣/ ٢٩١)، وقال: «قلت: هذه حكاية منقطعة».","vol":"2","page":292},{"text":"[٦١٣] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَزْرَقِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: «صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ» - يَعْنِي: الْيَوْمَيْنِ- فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالًا، فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ، فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي، أَمَرَهُ فَأَبْرَدَ بِالظُّهْرِ، فَأَبْرَدَ بِهَا، فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا، وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، أَخَّرَهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَصَلَّى الْفَجْرَ، فَأَسْفَرَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟»، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ».\nوَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ، حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَسَأَلَهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: «اشْهَدْ مَعَنَا الصَّلَاةَ»، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ بِغَلَسٍ، فَصَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالظُّهْرِ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ عَنْ بَطْنِ السَّمَاءِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعَصْرِ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْمَغْرِبِ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعِشَاءِ حِينَ وَقَعَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ الْغَدَ فَنَوَّرَ بِالصُّبْحِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالظُّهْرِ فَأَبْرَدَ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعَصْرِ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ، لَمْ تُخَالِطْهَا صُفْرَةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعِشَاءِ عِنْدَ ذَهَابِ ثُلُثِ اللَّيْلِ، أَوْ بَعْضِهِ- شَكَّ حَرَمِيٌّ- فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟ مَا بَيْنَ مَا رَأَيْتَ وَقْتٌ».","vol":"2","page":293},{"text":"[٦١٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا بَدْرُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّهُ أَتَاهُ سَائِلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا قَالَ: فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ، وَالنَّاسُ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، ثُمَّ أَمَرَهُ، فَأَقَامَ بِالظُّهْرِ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالْقَائِلُ يَقُولُ: قَدِ انْتَصَفَ النَّهَارُ، وَهُوَ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُمْ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالْعَصْرِ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالْمَغْرِبِ حِينَ وَقَعَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَخَّرَ الْفَجْرَ مِنَ الْغَدِ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا، وَالْقَائِلُ يَقُولُ: قَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، أَوْ كَادَتْ، ثُمَّ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالأَمْسِ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا، وَالْقَائِلُ يَقُولُ: قَدِ احْمَرَّتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعِشَاءَ حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلِ، ثُمَّ أَصْبَحَ، فَدَعَا السَّائِلَ، فَقَالَ: «الْوَقْتُ بَيْنَ هَذَيْنِ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَة، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ بَدْرِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، سَمِعَهُ مِنْه عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ سَائِلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي.\nقوله: «بِغَلَسٍ» الغلس: اختلاط ضوء الصبح بظلام الليل (^١)، يعني: مبكرًا.\nوقوله: «فَنَوَّرَ بِالصُّبْحِ»، يعني: أخَّرها حتى أسفر قبل طلوع الشمس.\nفي هذه الأحاديث من الفوائد ما يلي:\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (٣/ ٣٧٧).","vol":"2","page":294},{"text":"١ - بيان أن النبي ﷺ بيَّن الأوقات بالفعل لما جاءه السائل، قال: «صَلِّ مَعَنَا»، فصلى معه اليوم الأول الصلوات في أول أوقاتها، وفي اليوم الثاني صلى في آخر أوقاتها، ثُمَّ قال للسائل: «وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ»، وفي الرواية الأخرى: «الْوَقْتُ بَيْنَ هَذَيْنِ» إشارة إلى أن أوقات الصلوات محصورة بين هذين الوقتين، في اليوم الأول واليوم الثاني، وهو بيان لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾، أي: مفروضة في أوقات محددة بينها النبي ﵊، وهو يبين المجمل في القرآن العزيز، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾.\n٢ - أن النبي ﷺ كان يصلي الفجر بغلس، وأما حديث: «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ؛ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ- أَوْ لِأَجْرِهَا» (^١)، وأحاديث التغليس أصح، وعلى فرض صحة أحاديث الإسفار فيجمع بينها وبين أحاديث التغليس بأن المراد من الإسفار: التحقق من طلوع الفجر، ووضوحه وظهوره (^٢).\n٣ - التعليم بالفعل؛ فإنه لما سأل السائلُ رسولَ الله ﷺ عن الأوقات لم يقل له شيئًا، بل علمه بالفعل ﷺ، وهذا كما علَّم النبي ﷺ الناس الصلاة على المنبر وقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي صَنَعْتُ هَذَا؛ لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّموا صَلَاتِي».\n٤ - مسألة أصولية، وهي: أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، لكن يجوز تأخيره إلى وقت الحاجة.\nوقوله: «ثُمَّ أَخَّرَ الْفَجْرَ مِنَ الْغَدِ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا، وَالْقَائِلُ يَقُولُ: قَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، أَوْ كَادَتْ»، يعني: سلَّم من صلاة الفجر، والقائل يقول: طلعت الشمس، يعني: قد قربت أن تطلع، فصلَّاها في آخر الوقت.\nوقوله: «حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالأَمْسِ»، يعني: إذا صار ظل كل\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٥٨١٩)، والترمذي (١٥٤)، والنسائي (٥٤٨).\n(^٢) سنن الترمذي (١/ ٤٩).","vol":"2","page":295},{"text":"شيء مثله دخل وقت العصر، فصلى في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله، وفي اليوم الثاني صلاها في آخر وقتها قبل أن يصير ظل كل شيء مثليه.\nوقوله: «ثُمَّ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا، وَالْقَائِلُ يَقُولُ: قَدِ احْمَرَّتِ الشَّمْسُ» معناه: أنها ما زالت بيضاء، لكن قربت أن تحمرَّ، أو تصفرَّ.","vol":"2","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>بَابُ اسْتِحْبَابِ الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ لِمَنْ يَمْضِي إِلَى جَمَاعَةٍ، وَيَنَالُهُ الْحَرُّ فِي طَرِيقِهِ</span>\n\n[٦١٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ».\n[خ: ٥٣٦]\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِهِ سَوَاءً.\nوَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ عَمْرٌ: وَأَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، وَسَلْمَانَ الأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ الْيَوْمُ الْحَارُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ».\nقَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَنِي أَبُو يُونُسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ».\nقَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَحْوِ ذَلِكَ.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْحَرَّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ».\nحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا:","vol":"2","page":297},{"text":"وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَبْرِدُوا عَنِ الْحَرِّ فِي الصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ».\n\n[٦١٦] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ مُهَاجِرًا أَبَا الْحَسَنِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالظُّهْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَبْرِدْ، أَبْرِدْ- أَوَ قَالَ: انْتَظِرِ، انْتَظِرِ-، وَقَالَ: إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ»، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ.\n[خ: ٥٣٥]\nقوله: «شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ»، أي: أن جهنم تفوح كالبخار حين يخرج من القِدْر، وهذا الخبر على حقيقته لا يُؤول- نسأل الله العفو والعافية-.\nفي هذا الحديث: بيان وقت الإبراد، وهو فيء التلول للأشياء الشاخصة في الجداران، فيصير لها ظل، وهو وقت تخفُّ فيه الحرارة، ويجد الإنسان ما يستظل بظله وهو يمشي، وليس معناه أنه لا يذهب حتى يذهب الحر جملة.\n\n[٦١٧] وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ- أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ، أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهْوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ».\n[خ: ٥٣٧]\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ- مَوْلَى الأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ- عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، وَذَكَرَ أَنَّ النَّارَ","vol":"2","page":298},{"text":"اشْتَكَتْ إِلَى رَبِّهَا، فَأَذِنَ لَهَا فِي كُلِّ عَامٍ بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ».\nوَحَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَتِ النَّارُ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأْذَنْ لِي أَتَنَفَّسْ، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَمَا وَجَدْتُمْ مِنْ بَرْدٍ، أَوْ زَمْهَرِيرٍ، فَمِنْ نَفَسِ جَهَنَّمَ، وَمَا وَجَدْتُمْ مِنْ حَرٍّ، أَوْ حَرُورٍ فَمِنْ نَفَسِ جَهَنَّمَ».\nفي هذا الحديث من الفوائد:\n١. دليل على أن النار تكلمت واشتكت لربها، فقالت: «رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا»، فأذن الله لها بنفسين في كل عام، نفس في الشتاء ونفس في الصيف.\nوالقاعدة: أن الأصل في الكلام أن يكون على حقيقته، فلا يُؤول إلا بدليل، وليس هناك دليل يدعو إلى التأويل هنا.\n٢. أن النار قسمان: قسم حار، وقسم بارد- نسأل الله السلامة-.\n٣. أن الشخص إذا كان لا يخرج لصلاة الجماعة لعذر يمنعه، ولا يتعرض لشدة الحر، فالظاهر أنه لا يحتاج للإبراد.\n٤. أنه لا يبرد لصلاة الجمعة؛ لأن النبي ﷺ كان يصليها في أول وقتها.","vol":"2","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>بَابُ اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِ الظُّهْرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْحَرِّ</span>\n\n[٦١٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، وَابْنِ مَهْدِيٍّ. ح، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ. ح، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا دَحَضَتِ الشَّمْسُ.\n\n[٦١٩] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ فِي الرَّمْضَاءِ، فَلَمْ يُشْكِنَا.\nوَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَعَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ، قَالَ عَوْنٌ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ يُونُسَ- وَاللَّفْظُ لَهُ-: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أبو إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ حَرَّ الرَّمْضَاءِ، فَلَمْ يُشْكِنَا، قَالَ زُهَيْرٌ: قُلْتُ لِأَبِي إِسْحَاقَ: أَفِي الظُّهْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَفِي تَعْجِيلِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.\n\n[٦٢٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ.\n[خ: ١٢٠٨]\nقوله: «فَلَمْ يُشْكِنَا»، أي: لم يُزل شكوانا، والظاهر: أنهم طلبوا تأخيرًا زائدًا على قدر الإبراد، فلم يجبهم النبي ﷺ، وإنما أخَّرها حتى تخف شدة الحر بسقوط الفيء، يعني: الظل.","vol":"2","page":300},{"text":"في هذا الحديث: دليل على أنه لا بأس أن يبسط الإنسان ثوبه، أو غترته، ويصلي عليه، أو عليها، إذا كانت الأرض حارة، أو باردة، أو كانت صلبة، أما إذا كان ذلك بلا حاجة فلا داعي لذلك.","vol":"2","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ بِالْعَصْرِ</span>\n\n[٦٢١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي، فَيَأْتِي الْعَوَالِيَ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ.\nوَلَمْ يَذْكُرْ قُتَيْبَةُ: فَيَأْتِي الْعَوَالِيَ.\n[خ: ٥٥٠]\nوَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، بِمِثْلِهِ سَوَاءً.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى قُبَاءٍ، فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَيَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ.\nقوله: «إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ» هم حي من أحياء المدينة، بعيد عن مسجد النبي ﷺ، ذهب إليهم النبي ﷺ؛ ليصلح بينهم.\nوفي هذا الحديث: دليل أن النبي ﷺ كان يبكر بالصلاة، وهم يؤخِّرون الصلاة، فيصلي النبي ﷺ، ثُمَّ يذهب هذه المسافة إلى بني عوف فيجدهم يصلون العصر، ويحتمل أنهم كانوا أهلَ مزارعَ قد يؤخرون الصلاة؛ لانشغالهم بمزارعهم.","vol":"2","page":302},{"text":"[٦٢٢] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي دَارِهِ بِالْبَصْرَةِ، حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الظُّهْرِ، وَدَارُهُ بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ قَالَ: أَصَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ؟ فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّمَا انْصَرَفْنَا السَّاعَةَ مِنَ الظُّهْرِ قَالَ: فَصَلُّوا الْعَصْرَ، فَقُمْنَا فَصَلَّيْنَا، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا، إِلَّا قَلِيلًا».\n\n[٦٢٣] وَحَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُثْمَانِ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلٍ يقول: صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الظُّهْرَ، ثُمَّ خَرَجْنَا، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَقُلْتُ: يَا عَمِّ، مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّيْتَ؟ قَالَ: الْعَصْرُ، وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّتِي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ.\n[خ: ٥٤٩]\nقوله: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ»، أي: أن من صفاتهم تأخير الصلاة عن وقتها، فيرقب المنافق الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها، ولا يذكر الله فيها إلا قليلًا.\nوقوله: «قَامَ، فَنَقَرَهَا» فيه: دليل على وجوب الطمأنينة؛ لأن هذا الفعل ينافي الطمأنينة، والمطمئن لا ينقرها.\nوفيه: أنهم كانوا يؤخرون الصلاة في البصرة على عادة بني أمية.\nوقد كان عمر بن عبد العزيز ﵀ أميرًا للمدينة من قِبل الوليد بن عبد الملك خليفة المسلمين، وأنسُ بن مالك ﵁ كان في البصرة، ولعله","vol":"2","page":303},{"text":"قدم المدينة لحاجة، وهذا كان في آخر حياة أنس ﵁؛ لأن أنس قد طال عمره حتى جاوز المائة ﵁، وقد توفي سنة اثنتين وتسعين، أو ثلاث وتسعين من الهجرة، وكان عمره عندما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة عشر سنوات، فيكون عمره مائةً وسنتين أو ثلاثًا.\nوفيه: أنه لما صلى عمر بن عبد العزيز بالناس خرج العلاءُ بن عبد الرَّحمن وقد صلى الظهر مع عمر بن عبد العزيز، ثُمَّ دخل على أنس ووجده يصلي العصر، فقال: ما هذه الصلاة؟ ! قال: هذه صلاة العصر، وهي الصلاة التي كنا نصليها مع النبي ﷺ.\nوظاهره: أن عمر ﵀ أخَّر صلاة الظهر إلى قرب العصر على عادة بني أمية، ثُمَّ بعد ذلك ظهرت له السنة، فلزمها ﵀.\n\n[٦٢٤] حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى- وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ- قَالَ عَمْرٌو: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ: أَنَّ مُوسَى بْنَ سَعْدٍ الأَنْصَارِيّ حَدَّثَهُ عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَنْحَرَ جَزُورًا لَنَا، وَنَحْنُ نُحِبُّ أَنْ تَحْضُرَهَا قَالَ: «نَعَمْ»، فَانْطَلَقَ، وَانْطَلَقْنَا مَعَه، فَوَجَدْنَا الْجَزُورَ لَمْ تُنْحَرْ، فَنُحِرَتْ، ثُمَّ قُطِّعَتْ، ثُمَّ طُبِخَ مِنْهَا، ثُمَّ أَكَلْنَا قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ.\nوقَالَ الْمُرَادِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ.\nفي هذا الحديث: رواية ابن لهيعة، وهو ضعيف، والراوي عنه هنا هو عبد الله بن وهب، وروايته عن ابن لهيعة مستقيمة، غير أن مسلم ﵀ ذكره","vol":"2","page":304},{"text":"في الشواهد وليس في الأصول.\nوفيه: دليل على من قال: إن الإمام مسلمًا روى للطبقات الثلاث، ومنهم الضعفاء، لكنه أورد حديثهم مقرونًا بحديث غيرهم (^١).\n\n[٦٢٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يقول: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ تُنْحَرُ الْجَزُورُ، فَتُقْسَمُ عَشَرَ قِسَمٍ، ثُمَّ تُطْبَخُ فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا، قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ.\n[خ: ٢٤٨٥]\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نَنْحَرُ الْجَزُورَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَلَمْ يَقُلْ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ.\nقوله: «إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَنْحَرَ جَزُورًا لَنَا» فيه: دليل على أن النبي ﷺ كان يصلي العصر مبكرًا في أول وقتها، والوقت في الصيف طويل، فيمكن أن يُنحر الجزور، ويقطع، ويطبخ ويأكلوا منه قبل أن تغرب الشمس.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (١/ ٨٦).","vol":"2","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَفْوِيتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ</span>\n\n[٦٢٦] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ».\n[خ: ٥٥٢]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ.\nقَالَ عَمْرٌو: يَبْلُغُ بِهِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: رَفَعَهُ.\nوَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ فَاتَتْهُ الْعَصْرُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ».\n\n[٦٢٧] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الأَحْزَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا، كَمَا حَبَسُونَا وَشَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ».\n[خ: ٢٩٣١]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، جَمِيْعًا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.\nقوله: «فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» هذا وعيد شديد- نسأل الله السلامة والعافية- لمن فاتته صلاة العصر، كأنما سُلب أهلَه ومالَه، فماذا تكون حالة الإنسان إذا جاء بيته ولم يجد أهلًا ولا مالًا؟ ! هذه هي حال الذي تفوته صلاة العصر حتى يخرج الوقت المختار، فعليه هذا الوعيد ولو صلاها.\nأما إذا تركها بالكلية فعليه الوعيد الآخر: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ","vol":"2","page":306},{"text":"عَمَلُهُ» (^١)، والذي يحبط عمله هو الكافر، قال تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ فالذي يترك الصلاة ولا يصليها ولو فرضًا واحدًا يحبط عمله، فدل هذا الحديث على كفره، وهو ليس خاصًّا بصلاة العصر، بل يعم بقية الصلوات كذلك.\nوفيه: أهمية صلاة العصر؛ لأنها المذكورة في الحديث.\nأما من نام عن صلاة فنسيها، أو تركها متأولًا فيعذر ويصليها، مثل بعض المرضى في المستشفيات إذا مرض أخَّر الصلاة، يقول: لا أستطيع أن أتوضأ، فإذا شفيت من مرضي صليت، ثُمَّ يترك الصلاة متأولًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٥٣).","vol":"2","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>بَابُ الدَّلِيلِ لِمَنْ قَالَ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ</span>\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي حَسَّانَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- يَوْمَ الأَحْزَابِ-: «شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى آبَتِ الشَّمْسُ، مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ نَارًا- أَوْ: بُيُوتَهُمْ، أَوْ: بُطُونَهُمْ» - شَكَّ شُعْبَةُ فِي الْبُيُوتِ، وَالْبُطُونِ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: بُيُوتَهُمْ، وَقُبُورَهُمْ، وَلَمْ يَشُكَّ.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ عَنْ عَلِيٍّ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ يَحْيَى، سَمِعَ عَلِيًّا يقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- يَوْمَ الأَحْزَابِ، وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى فُرْضَةٍ مِنْ فُرَضِ الْخَنْدَقِ-: «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ- أَوَ قَالَ: قُبُورَهُمْ وَبُطُونَهُمْ- نَارًا».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمِ ابْنِ صُبَيْحٍ عَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ: «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى- صَلَاةِ الْعَصْرِ- مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ، وَقُبُورَهُمْ نَارًا، ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ- بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ».\n\n[٦٢٨] وَحَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ الْكُوفِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ طَلْحَةَ الْيَامِيُّ عَنْ زُبَيْدٍ عَنْ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى احْمَرَّتِ الشَّمْسُ، أَوِ اصْفَرَّتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى- صَلَاةِ الْعَصْرِ- مَلَأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ،","vol":"2","page":308},{"text":"وَقُبُورَهُمْ نَارًا- أَوَ قَالَ: حَشَا اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ، وَقُبُورَهُمْ نَارًا».\n\n[٦٢٩] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي يُونُسَ- مَوْلَى عَائِشَةَ-: أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا، وَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الآيَةَ فَآذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾، فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا فَأَمْلَتْ عَلَيَّ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nفي هذه الأحاديث:\n١ - دليل لجمع من أهل العلم على أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وهي صريحة في ذلك؛ لأن النبي ﷺ نص على أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، كما تقدم.\nالقول الثاني: أن الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح (^١).\nالقول الثالث: أنها صلاة الجمعة (^٢).\nوالذين قالوا: إنها صلاة الصبح تأولوا الصلاة الوسطى، وقالوا: هي وسط، ولكن المراد بالوسطى: الفضلى، وكذلك صلاة الجمعة، أي: لفضيلتها، ولكنها أقوال ضعيفة.\n٢ - دليل على جواز الدعاء على المشركين بالعموم من غير تعيين، قال: «مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ، وَقُبُورَهُمْ نَارًا» وفي لفظ آخر: «مَلَأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ، وَقُبُورَهُمْ نَارًا».\n٣ - ذهب الجمهور إلى أن النبي ﷺ أخَّر العصر؛ لانشغاله بالقتال، وهذا\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٢/ ١٧٨)، فتح الباري، لابن حجر (٨/ ١٩٦)، وهو قول مالك والشافي وكثير من الصحابة والتابعين.\n(^٢) الذخير، للقراني (٢/ ٣١).","vol":"2","page":309},{"text":"قبل تشريع صلاة الخوف، وأما بعدها فإنه يصلي الصلاة على أحد الأوجه التي وردت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\n٤ - أنه لا بد من الترتيب في الصلوات الفائتة؛ ولهذا صلى النبي ﷺ العصر، ثُمَّ صلى المغرب بعدها.\n\n[٦٣٠] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى ابْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ شَقِيقِ بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ)، فَقَرَأْنَاهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نَسَخَهَا اللَّهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾، فَقَالَ رَجُلٌ- كَانَ جَالِسًا عِنْدَ شَقِيقٍ لَهُ: هِيَ إِذًا صَلَاةُ الْعَصْرِ؟ فَقَالَ الْبَرَاءُ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ كَيْفَ نَزَلَتْ، وَكَيْفَ نَسَخَهَا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\nقَالَ مُسْلِم: وَرَوَاهُ الأَشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ شَقِيقِ بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَرَأْنَاهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ زَمَانًا، بِمِثْلِ حَدِيثِ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ.\nقوله: «حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ» هذا محمول على أنها تفسير من النبي ﷺ، أو أنها قراءة منسوخة.","vol":"2","page":310},{"text":"[٦٣١] وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ أَبُو غَسَّانَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ- يَوْمَ الْخَنْدَقِ- جَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ الْعَصْرَ، حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَوَاللَّهِ إِنْ صَلَّيْتُهَا»، فَنَزَلْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَوَضَّأْنَا، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ، بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ.\n[خ: ٥٩٦]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ.\nقوله: «فَوَاللَّهِ إِنْ صَلَّيْتُهَا» «إن»: نافية، والمعنى: والله ما صليتها، مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾، يعني: ما عندكم، ومثله قوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، يعني: ما الحكم إلا لله.\nوفي هذا الحديث: دليل على وجوب الترتيب بين الفوائت، وهذا هو الصواب (^١)، وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز تقديم الصلاة الحاضرة، وهو قول ضعيف (^٢).\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (٢/ ٦٥)، مواهب الجليل، للحطاب (٢/ ٩)، شرح منتهى الإرادات، للبهوتي (١/ ١٤٧).\n(^٢) تحة المحتاج، لابن حجر الهيتمي (١/ ٤٣٩).","vol":"2","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>بَابُ فَضْلِ صَلَاتَيِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا</span>\n\n[٦٣٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ- وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ-: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ».\n[خ: ٥٥٥]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَالْمَلَائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ»، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ.\nفي هذا الحديث: فضل صلاتي الفجر، والعصر، وأنهما الصلاتان اللتان تجتمع فيهما ملائكة الليل وملائكة النهار، قال الله تعالى- في صلاة الفجر-: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، وقرآن الفجر، يعني: صلاة الفجر، وسميت صلاة الفجر قرآنًا؛ لأن أفضل ما فيها القراءة، و﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾، أي: تشهده الملائكة، والله تعالى يسألهم- وهو أعلم-: «كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ»، وهذا في المصلين، أما غير المصلين فحالهم مختلف.\nوقوله: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ» جُمع الفعل على لغة قليلة تسمى لغة: أكلوني البراغيث، وقد سبق بيانها.","vol":"2","page":312},{"text":"[٦٣٣] وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ أَبِي خَالِدٍ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا- يَعْنِي: الْعَصْرَ، وَالْفَجْرَ» -، ثُمَّ قَرَأَ جَرِيرٌ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾».\n[خ: ٥٥٤]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ، وَوَكِيعٌ، بهذا الإسناد، وَقَالَ: «أَمَا إِنَّكُمْ سَتُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّكُمْ، فَتَرَوْنَهُ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ»، وَقَالَ: ثُمَّ قَرَأَ، وَلَمْ يَقُلْ: جَرِيرٌ.\nقوله: «لا تُضَامُّونَ» بالتخفيف والتشديد-: أي: لا يصيبكم ضيم.\nفي هذا الحديث من الفوائد:\n١. إثبات رؤية المؤمنين ربَّهم ﷿، وأنهم يرون ربهم رؤية واضحة، كما يُرَى القمرُ.\n٢. الرد على من أنكر الرؤية من الجهمية والمعتزلة وغيرهم (^١).\n٣. أن المحافظة على هاتين الصلاتين من أسباب التمتع برؤية الله ﷿.\n_________\n(^١) المختصر في أصول الدين، للقاضي عبد الجبار المعتزلي (١/ ٢٤٣)، نهاية الإقدام في علم الكلام، لعبد الكريم الشهرستاني (ص ٢٠٠)، متشابه القرآن، للقاضي عبد الجبار المعتزلي (١/ ٣٢١)، أساس التقديس، للفخر الرازي (٢/ ٥٣٧).","vol":"2","page":313},{"text":"[٦٣٤] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيْعًا عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، وَمِسْعَرٍ، وَالْبَخْتَرِيِّ بْنِ الْمُخْتَارِ، سَمِعُوهُ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا- يَعْنِي: الْفَجْرَ، وَالْعَصْرَ» - فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ الرَّجُلُ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي.\nوَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَلِجُ النَّارَ مَنْ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ: آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنِ النَّبِيِّ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَشْهَدُ بِهِ عَلَيْهِ قَالَ: وَأَنَا أَشْهَدُ، لَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُهُ بِالْمَكَانِ الَّذِي سَمِعْتَهُ مِنْهُ.\n\n[٦٣٥] وَحَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ».\n[خ: ٥٧٤]\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، قَالَا جَمِيْعًا: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَنَسَبَا أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَا: ابْنُ أَبِي مُوسَى.\nقوله ﷺ: «لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ»، يعني: لن يدخلها، وقد صار من أهل الجنة.\nقوله ﷺ: «مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ» هما العصر والفجر، وسُمِّيا البردين؛ لأن العصر يقع في آخر النهار، والفجر في أول النهار، وكلاهما يكونان حين يبرد الجو.","vol":"2","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>بَابُ بَيَانِ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ</span>\n\n[٦٣٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ.\n\n[٦٣٧] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ابْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو النَّجَاشِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ ابْنَ خَدِيجٍ يقول: كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا، وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ.\n[خ: ٥٥٩]\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو النَّجَاشِيِّ، حَدَّثَنِي رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ، بِنَحْوِهِ.\nقوله: «وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ»، يعني: من شدة تبكيره ﷺ بالمغرب حتى إنه ينصرف منها وهو يبصر مواقع نبله.\nوليس المراد أنه يصلي حين ينتهي المؤذن من الأذان، بل يتأخر بعض الشيء، كما جاء عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ كِبَارَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ (^١)، وفي الحديث الآخر: «صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً» (^٢).\nأما ما يفعله بعض الأئمة من كونهم يقفون عند المؤذن، وأول ما ينتهي من قول: «لا إله إلا الله» يدخل في صلاة الفريضة، فليس من السنة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٨٣).","vol":"2","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>بَابُ وَقْتِ الْعِشَاءِ وَتَأْخِيرِهَا</span>\n\n[٦٣٨] وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ- وَهِيَ الَّتِي تُدْعَى الْعَتَمَةَ-، فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ حِينَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ: «مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلَامُ فِي النَّاسِ».\nزَادَ حَرْمَلَةُ فِي رِوَايَتِهِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تَنْزُرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الصَّلَاةِ»، وَذَاكَ حِينَ صَاحَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.\n[خ: ٥٦٦]\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ الزُّهْرِيِّ، وَذُكِرَ لِي وَمَا بَعْدَهُ.\nحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ- وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ- قَالُوا جَمِيعًا: عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ، وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى، فَقَالَ: «إِنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي».\nوَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: «لَوْلَا أَنَّ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي».\n\n[٦٣٩] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ:","vol":"2","page":316},{"text":"أَخْبَرَنَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا، حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا نَدْرِي أَشَيْءٌ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَقَالَ حِينَ خَرَجَ: «إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ، وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ، ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَلَّى».\n[خ: ٥٧٠]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً فَأَخَّرَهَا، حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ رَقَدْنَا، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: «لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ اللَّيْلَةَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ».\nقولها ﵂: «أَعْتَمَ»، يعني: أخَّر صلاة العشاء حتى كانت العتمة، يعني: الظلمة، ولعل هذا كان لعارضٍ أن أخَّرها ﵊ إلى وقت متأخر قربَ نصفِ الليل.\nقوله ﷺ: «مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ» يحتمل أنه قال هذا بوحي من الله، وأن جميع المسلمين صلوا إلا أهل المدينة، ويحتمل- كما قالت عائشة ﵂-: أن هذا كان قبل أن يفشو الإسلام ويكثر، وكان المسلمون قلة، ولم يبقَ إلا هم.\nوقوله: «وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تَنْزُرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الصَّلَاةِ»، يعني: بسبب قول عمر ﵁: «نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ» لأن النبي ﷺ قد يأتيه الوحي فيتأخر، وقد تكون هناك أسباب أخرى منعته.\nوفيه: أن النبي ﷺ بيَّن أن الأفضل في صلاة العشاء أن تؤخَّر- إذا لم يشق على الناس- إلى قرب نصف الليل.","vol":"2","page":317},{"text":"قوله ﷺ: «إِنَّهُ لَوَقْتُهَا»، يعني: وقتها المختار، وهو وقت الفضيلة، وإلا فوقت العشاء من مغيب الشفق إلى نصف الليل، فلو كان جماعة في قرية، أو في مزرعة، واتفقوا إلى تأخيرها إلى ثلث الليل فلهم ذلك، وهو أفضل.\nقوله ﷺ: «مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ» لأن هناك أهل جواثى في الأحساء في البحرين، وكانوا أسلموا قديمًا، وكانوا يصلون.\nقوله: «حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ»، يعني: نعسنا النعاس الذي لا ينقض الوضوء، مثل ما جاءَ عنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَنَامُونَ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» (^١)، بخلاف النوم المستغرق الذي يزول معه الإحساس، بحيث لو خرج منه الحدث لا يشعر به.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٧٦).","vol":"2","page":318},{"text":"[٦٤٠] وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزُ ابْنُ أَسَدٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ: أَنَّهُمْ سَأَلُوا أَنَسًا عَنْ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، أَوْ كَادَ يَذْهَبُ شَطْرُ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: «إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَنَامُوا، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ، مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ»، قَالَ أَنَسٌ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ مِنْ فِضَّةٍ، وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ الْيُسْرَى بِالْخِنْصِرِ.\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: نَظَرْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً، حَتَّى كَانَ قَرِيبٌ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ فِي يَدِهِ مِنْ فِضَّةٍ.\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ.\nقوله: «نَظَرْنَا»، يعني: انتظرنا.\nوقوله: «أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ»، أي: أنظر إلى لمعان خاتمه.\nفي هذا الحديث: دليل على جواز لبس خاتم الفضة للرجل، وأن النبي ﷺ كان يلبس خاتمه في الخنصر في يده اليسرى، أو البنصر، وكذلك في اليد اليمنى في الخنصر، أو في البنصر، وإنما جاء النهي عن لبسه في الوسطى والسبابة، قَالَ عَلِيٌّ ﵁: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ أَنْ أَتَخَتَّمَ فِي إِصْبَعِي هَذِهِ أَوْ هَذِهِ قَالَ: فَأَوْمَأَ إِلَى الْوُسْطَى، وَالَّتِي تَلِيهَا (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٠٩٥).","vol":"2","page":319},{"text":"[٦٤١] وَحَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي فِي السَّفِينَةِ نُزُولًا فِي بَقِيعِ بُطْحَانَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَتَنَاوَبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ، قَالَ أَبُو مُوسَى: فَوَافَقْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَأَصْحَابِي، وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي أَمْرِهِ، حَتَّى أَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ، حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ- لِمَنْ حَضَرَهُ-: «عَلَى رِسْلِكُمْ: أُعْلِمُكُمْ وَأَبْشِرُوا أَنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ- أَوَ قَالَ: مَا صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ، لَا نَدْرِي أَيَّ الْكَلِمَتَيْنِ» - قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: فَرَجَعْنَا فَرِحِينَ بِمَا سَمِعْنَا مِنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\n[خ: ٥٦٧]\nقوله: «ابْهَارَّ اللَّيْلُ»، يعني: انتصف، والمعنى: كاد أن ينتصف؛ لأنه إذا انتصف الليل خرج الوقت.\nوقوله: «عَلَى رِسْلِكُمْ»، أي: على مهلكم.\nوقوله: «فَرَجَعْنَا فَرِحِينَ بِمَا سَمِعْنَا» وهذا الفرح داخل في قول الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، والفرح هنا بالثواب الذي أعده الله للمؤمنين بتوفيق الإنسان للعلم ولحفظ القرآن؛ ولهذا فرح أبو موسى ﵁ بهذه البشارة.\nوفي هذا الحديث: التناوب في طلب العلم، وأنه إذا لم يتيسر للإنسان أن يخرج كل يوم، فيكون له زميل يتناوب معه، كما فعل عمر ﵁ مع جاره الأنصاري (^١)، وكما في قصة أبي موسى ﵁ هنا، كل واحد ينزل يومًا،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٦٨)، ومسلم (١٤٧٩).","vol":"2","page":320},{"text":"ويخبر صاحبه بما قال النبي ﷺ وما استفاده من العلم.\n\n[٦٤٢] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَيُّ حِينٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أُصَلِّيَ الْعِشَاءَ، الَّتِي يَقُولُهَا النَّاسُ الْعَتَمَةَ إِمَامًا وَخِلْوًا؟ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يقول: أَعْتَمَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ الْعِشَاءَ قَالَ: حَتَّى رَقَدَ نَاسٌ، وَاسْتَيْقَظُوا، وَرَقَدُوا، وَاسْتَيْقَظُوا، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: الصَّلَاةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ الآنَ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى شِقِّ رَأْسِهِ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا كَذَلِكَ» قَالَ: فَاسْتَثْبَتُّ عَطَاءً، كَيْفَ وَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، كَمَا أَنْبَأَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَبَدَّدَ لِي عَطَاءٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئًا مِنْ تَبْدِيدٍ، ثُمَّ وَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ، ثُمَّ صَبَّهَا يُمِرُّهَا كَذَلِكَ عَلَى الرَّأْسِ، حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الأُذُنِ مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ، ثُمَّ عَلَى الصُّدْغِ، وَنَاحِيَةِ اللِّحْيَةِ، لَا يُقَصِّرُ، وَلَا يَبْطِشُ بِشَيْءٍ إِلَّا كَذَلِكَ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: كَمْ ذُكِرَ لَكَ أَخَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَتَئِذٍ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ عَطَاءٌ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَهَا إِمَامًا وَخِلْوًا مُؤَخَّرَةً، كَمَا صَلَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَتَئِذٍ، فَإِنْ شَقَّ عَلَيْكَ ذَلِكَ خِلْوًا، أَوْ عَلَى النَّاسِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَأَنْتَ إِمَامُهُمْ، فَصَلِّهَا وَسَطًا لَا مُعَجَّلَةً، وَلَا\nمُؤَخَّرَةً.\n[خ: ٥٧١]\n\n[٦٤٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سعيد، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤَخِّرُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ نَحْوًا مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَتَمَةَ بَعْدَ صَلَاتِكُمْ شَيْئًا، وَكَانَ يُخِفُّ الصَّلَاةَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كَامِلٍ: يُخَفِّفُ.","vol":"2","page":321},{"text":"قوله: «عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ»، يعني: على الناصية.\nوقوله: «خِلْوًا»، يعني: منفردًا.\nوفي هذا الحديث: بيان أن الأفضل لصلاة العشاء التأخير، وأنه إن شق ذلك فتصلَّى وسطًا.\n\n[٦٤٤] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ، أَلَا إِنَّهَا الْعِشَاءُ، وَهُمْ يُعْتِمُونَ بِالإِبِلِ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ؛ فَإِنَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعِشَاءُ، وَإِنَّهَا تُعْتِمُ بِحِلَابِ الإِبِلِ».\nقوله: «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ» لأن الأعراب يسمونها العتمة.\nولكن النبي ﷺ سماها العتمة، كما في الحديث الآخر: «وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا».\nواختلف العلماء في الجمع بين الحديثين:\nالقول الأول: النهي محمول على التنزيه، وتسميتها العتمة جائز.\nالقول الثاني: النهي محمول على الكثرة؛ ولهذا قال: «لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ»، أي: فلا تكثروا من تسميتها بالعتمة.\nأو أن المعنى: أن الأعراب يسمون المغرب العشاء؛ فإن الصلاة الأولى اسمها: المغرب، والثانية: العشاء.","vol":"2","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ بِالصُّبْحِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَهُوَ التَّغْلِيسُ، وَبَيَانِ قَدْرِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا</span>\n\n[٦٤٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ كُنَّ يُصَلِّينَ الصُّبْحَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ.\n[خ: ٥٧٨]\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ نِسَاءٌ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ الْفَجْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ، وَمَا يُعْرَفْنَ؛ مِنْ تَغْلِيسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّلَاةِ.\nوَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا مَعْنٌ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ، مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ.\nوَقَالَ الأَنْصَارِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: مُتَلَفِّفَاتٍ.\nفي هذه الأحاديث من الفوائد:\n١. دليل على استحباب التبكير في صلاة الفجر، لكن بعد أن يتحقق طلوعه، وكان النبي ﷺ يبكر بها، ويصليها بِغَلَس، كما سبق؛ ولهذا كانت النسوة يصلين مع النبي ﷺ، ثُمَّ ينصرفن متلفعات، وفي لفظ: «مُتَلَفِّفَاتٍ».\n٢. دليل على أن مذهب الأحناف في هذه المسألة مرجوح؛ لأنهم","vol":"2","page":323},{"text":"يؤخرون صلاة الفجر إلى وقت الإسفار الشديد (^١)، ويستدلون بحديث: «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ؛ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» (^٢)، وهذا إن صح فهو محمول على أن المراد بالإسفار: التحقق من طلوع الفجر.\n٣. جواز صلاة المرأة في المسجد جميع الأوقات إذا لم يخش عليها الفتنة، أما إذا خشي عليها الفتنة، أو خرجت متبرجة فإنها تمنع.\n\n[٦٤٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْحَجَّاجُ الْمَدِينَةَ، فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا يُؤَخِّرُهَا، وَأَحْيَانًا يُعَجِّلُ، كَانَ إِذَا رَأَىهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَأَىهُمْ قَدْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ كَانُوا، أَوَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ.\n[خ: ٥٦٠]\nوَحَدَّثَنَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدٍ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ الْحَجَّاجُ، يُؤَخِّرُ الصَّلَوَاتِ، فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ غُنْدَرٍ.\n\n[٦٤٧] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ ابْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَسْأَلُ أَبَا بَرْزَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قُلْتُ: آنْتَ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: فَقَالَ: كَأَنَّمَا أَسْمَعُكَ السَّاعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَسْأَلُهُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: كَانَ لَا يُبَالِي بَعْضَ تَأْخِيرِهَا- قَالَ: يَعْنِي الْعِشَاءَ- إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَلَا\n_________\n(^١) تبيين الحقائق، للزيلعي (١/ ٨٢).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٥٨١٩)، والترمذي (١٥٤)، والنسائي (٥٤٨).","vol":"2","page":324},{"text":"يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا، قَالَ شُعْبَةُ، ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدُ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: وَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ، حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ يَذْهَبُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ قَالَ: وَالْمَغْرِبَ، لَا أَدْرِي أَيَّ حِينٍ ذَكَرَ قَالَ: ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدُ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: وَكَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ، فَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ الَّذِي يَعْرِفُ فَيَعْرِفُهُ قَالَ: وَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ.\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ يقول: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُبَالِي بَعْضَ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَكَانَ لَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا.\nقَالَ شُعْبَةُ، ثُمَّ لَقِيتُهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ عَمْرٍو الْكَلْبِيُّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ الأَسْلَمِيَّ يقول: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَيَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنَ الْمِائَةِ إِلَى السِّتِّينَ، وَكَانَ يَنْصَرِفُ حِينَ يَعْرِفُ بَعْضُنَا وَجْهَ بَعْضٍ.\nفي هذه الأحاديث: دليل على التبكير بصلاة الصبح بعد تحقق طلوع الفجر؛ لأن المصلين كانوا ينصرفون والرجل يعرف جليسه، يعني: من ضوء الصبح؛ ولهذا قال النبي ﷺ في حديثه: «إنَّ أَثْقَلَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا»؛ لأن الناس لا يرونهم فيهما، بخلاف الظهر، والعصر، والمغرب، فهي تؤدى في النور، فالمنافقون يصلونها تقيةً.\nوفيها: كراهية السمر بعد العشاء والنوم قبلها، وهذه الكراهية كراهية","vol":"2","page":325},{"text":"تنزيه؛ لأنه قد يؤدي إلى تأخير صلاة العشاء، أو تضييعها، والحديث بعدها قد يؤدي إلى السهر الذي قد يخل بصلاة الفجر، ويستثنى من هذا: الحديث مع الضيف، والسمر مع الأهل، والسهر في مصالح المسلمين، وفي طلب العلم إذا لم يؤدِّ إلى تأخير صلاة الفجر.\nوجاء مما يدل على استثناء السهر في مصالح المسلمين: قولُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَسْمُرُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي الْأَمْرِ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَا مَعَهُمَا (^١).\nوجاء كذلك ما يدل على استثناء السهر مع الأهل، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً، ثُمَّ رَقَدَ (^٢).\nأما السمر في المجالس بعد العشاء فمكروه، إذا لم يكن فيها محظور، أما إذا كان فيها محظور فتكون محرمة، كمجالس الغيبة والنميمة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٥٦٩).","vol":"2","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>بَابُ كَرَاهِيَةِ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ، وَمَا يَفْعَلُهُ الْمَأْمُومُ إِذَا أَخَّرَهَا الإِمَامُ</span>\n\n[٦٤٨] حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ: «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟» قَالَ: قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ».\nوَلَمْ يَذْكُرْ خَلَفٌ: عَنْ وَقْتِهَا.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ، فَصَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ صَلَّيْتَ لِوَقْتِهَا كَانَتْ لَكَ نَافِلَةً، وَإِلَّا كُنْتَ قَدْ أَحْرَزْتَ صَلَاتَكَ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي: «أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الأَطْرَافِ، وَأَنْ أُصَلِّيَ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَ الْقَوْمَ وَقَدْ صَلَّوْا، كُنْتَ قَدْ أَحْرَزْتَ صَلَاتَكَ، وَإِلَّا كَانَتْ لَكَ نَافِلَةً».\nوَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ بُدَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- وَضَرَبَ فَخِذِي-: «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟» قَالَ: قَالَ: مَا تَأْمُرُ؟ قَالَ:","vol":"2","page":327},{"text":"«صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، ثُمَّ اذْهَبْ لِحَاجَتِكَ، فَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ، فَصَلِّ».\nفي هذا الحديث من الفوائد:\n١ - عَلَمٌ من أعلام النبوة، حيث وقع ما أخبر به النبي ﷺ، فإن ذلك حصل من أمراء بني أمية، فكانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، وكان عمر بن عبد العزيز ﵀ حين كان أميرًا على المدينة من قبل الخليفة الوليد بن عبد الملك يؤخرها على عادة أمراء بني أمية، ثُمَّ بعد ذلك استقام حاله ولزم السنة لما ولي الخلافة، وصار يصلي الصلاة في وقتها.\nوقوله ﷺ: «يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا» يحتمل احتمالين:\nالأول: أن المراد بتأخير الصلاة عن وقتها: تأخيرها عن وقتها المختار، كما قاله النووي ﵀ (^١)، فيجعلونها كالميت الذي خرجت روحه؛ لأن تأخيرها عن وقتها المختار وسيلة إلى تركها بالكلية.\nالثاني: أن المراد بتأخير الصلاة عن وقتها: تأخيرها عن وقتها بالكلية، حتى يخرج وقتها، فيؤخر الفجر حتى تطلع الشمس، والظهر حتى يدخل العصر، والعصر حتى تغرب الشمس، والمغرب حتى يغيب الشفق، والعشاء حتى بعد نصف الليل، هذا هو ظاهر اللفظ، والأصل: حمل اللفظ على ظاهره، ويدل عليه قوله ﷺ: «يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ».\n٢ - أجمع العلماء أجمعوا على أن وقت صلاة الفجر يخرج بطلوع الشمس، وهذا يفيد الحذر كثيرًا لبعض الذين ابتلوا في هذا الزمن، فلا يصلون الفجر إلا بعد الشمس، ولا يستيقظون إلا على العمل؛ خوفًا من أن يفوته شيء من الدنيا، وهذا يعتبر متعمِّدًا لترك الصلاة، حتى يخرج وقتها، وهو كفر في\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٥/ ١٤٧).","vol":"2","page":328},{"text":"أصح قولي العلماء.\nأما من جعل أسبابًا لليقظة كتعبئة المنبه، أو أن يطلب من أهله، أو من أصحابه إيقاظه للصلاة، ثُمَّ نام، فهذا لا لوم عليه، ولو تكرر، ففي حديث أبي قتادة ﵁: «أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ»، قَالَ بِلَالٌ: أَنَا أُوقِظُكُمْ، فَاضْطَجَعُوا وَأَسْنَدَ بِلَالٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَالَ: «يَا بِلَالُ، أَيْنَ مَا قُلْتَ؟» قَالَ: مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ» (^١)، فكان هذا من رحمة الله بالأمة لتشريع هذا الحكم.\nوقوله ﷺ: «وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الأَطْرَافِ» فيه وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر في طاعة الله، وفي الأمور المباحة، وأنه لا يجوز الخروج على ولي الأمر، أما المعاصي فلا يطاع فيها أحد، قال رسول الله ﷺ: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ» (^٢).\n٣ - دليل على أن الولاية تثبت بالقوة والغلبة؛ لأنها لو كانت بالاختيار وحده فلا أحد يختار للولاية عبدًا حبشيًّا مجدع الأطراف، بل يختاره من قريش؛ لقوله ﷺ: «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» (^٣)، وفي الصحيحين قال النبي ﷺ: «لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانِ» (^٤).\n٤ - دليل على أنه لا يجوز الخروج على ولاة الأمر إلا إذا وُجد منهم كفرٌ صريح واضح عندهم فيه من الله برهان، قال ﷺ: «وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» (^٥)، وكذلك عند القدرة على الخروج،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٥).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٠٩٨).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٢٤٨٩).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٨٢١).\n(^٥) أخرجه البخاري (٧٠٥٦)، ومسلم (١٨٤٣).","vol":"2","page":329},{"text":"ووجود البديل له، قال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾.\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ قَالَ: أَخَّرَ ابْنُ زِيَادٍ الصَّلَاةَ، فَجَاءَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ، فَأَلْقَيْتُ لَهُ كُرْسِيًّا، فَجَلَسَ عَلَيْهِ، فَذَكَرْتُ لَهُ صَنِيعَ ابْنِ زِيَادٍ، فَعَضَّ عَلَى شَفَتِهِ، وَضَرَبَ فَخِذِي، وَقَالَ: إِنِّي سَأَلْتُ أَبَا ذَرٍّ، كَمَا سَأَلْتَنِي، فَضَرَبَ فَخِذِي، كَمَا ضَرَبْتُ فَخِذَكَ، وَقَالَ: إِنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي، فَضَرَبَ فَخِذِي، كَمَا ضَرَبْتُ فَخِذَكَ، وَقَالَ: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ مَعَهُمْ فَصَلِّ، وَلَا تَقُلْ: إِنِّي قَدْ صَلَّيْتُ، فَلَا أُصَلِّي».\nوَحَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي نَعَامَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ أَوَ قَالَ: كَيْفَ أَنْتَ، إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، فَصَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، ثُمَّ إِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلِّ مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا زِيَادَةُ خَيْرٍ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ- حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ مَطَرٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ: نُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ خَلْفَ أُمَرَاءَ فَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ قَالَ: فَضَرَبَ فَخِذِي ضَرْبَةً أَوْجَعَتْنِي، وَقَالَ: سَأَلْتُ أَبَا ذَرٍّ عَنْ ذَلِكَ، فَضَرَبَ فَخِذِي، وَقَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً» قَالَ: وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ذُكِرَ لِي أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ فَخِذَ أَبِي ذَرٍّ.\nفي هذا الحديث: دليل على أنه إذا جاء إنسان وقد صلى الفريضة فوجد الناس يصلون يصلي معهم ولا يجلس؛ ولهذا لما جاء اثنان في منى في حجة الوداع بعد صلاة الفجر والنبي ﷺ يصلي بالناس، فلما سلم رآهما جالسين، فأتي بهما، فقال ﷺ: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟»، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ","vol":"2","page":330},{"text":"إِنَّا كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا قَالَ: «فَلَا تَفْعَلَا إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧٠٢٠)، والترمذي (٢١٩)، وأبو داود (٥٧٥)، والنسائي (٨٥٨).","vol":"2","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَبَيَانِ التَّشْدِيدِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْهَا</span>\n\n[٦٤٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا».\n[خ: ٦٤٨]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَفْضُلُ صَلَاةٌ فِي الْجَمِيعِ عَلَى صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً قَالَ: وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ، وَأَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا».\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ سَلْمَانَ الأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ».\nحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ: أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ جَالِسٌ مَعَ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ؛ إِذْ مَرَّ بِهِمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ- خَتَنُ زَيْدِ بْنِ زَبَّانَ- مَوْلَى الْجُهَنِيِّينَ-، فَدَعَاهُ نَافِعٌ، فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صَلَاةٌ مَعَ الإِمَامِ أَفْضَلُ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً يُصَلِّيهَا وَحْدَهُ».\n\n[٦٥٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ","vol":"2","page":332},{"text":"عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً».\n[خ: ٦٤٥]\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.\nقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ: «بِضْعًا وَعِشْرِينَ»، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: «سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً».\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ رَافِعٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بِضْعًا وَعِشْرِينَ».\n\n[٦٥١] وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَدَ نَاسًا فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ، فَقَالَ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْهَا، فَآمُرَ بِهِمْ، فَيُحَرِّقُوا عَلَيْهِمْ بِحُزَمِ الْحَطَبِ بُيُوتَهُمْ، وَلَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا لَشَهِدَهَا» - يَعْنِي: صَلَاةَ الْعِشَاءِ.\n[خ: ٦٤٤]\nحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ. ح، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُمَا- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ: صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ».\n[خ: ٦٥٧]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا:","vol":"2","page":333},{"text":"وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ فِتْيَانِي أَنْ يَسْتَعِدُّوا لِي بِحُزَمٍ مِنْ حَطَبٍ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ تُحَرَّقُ بُيُوتٌ عَلَى مَنْ فِيهَا».\nوَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ.\n\n[٦٥٢] وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أبو إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، سَمِعَهُ مِنْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ- لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ-: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ».\nفي هذه الأحاديث: أن صلاة المنفرد من غير عذر صحيحة مع الإثم.\nمسألة: اختلف العلماء في حكم صلاة الجماعة:\nالقول الأول: ذهب الظاهرية (^١)، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵏ (^٢)، إلى أن الجماعة شرط من شروط الصلاة، وأنه إذا صلى منفردًا من غير عذر لا تصح صلاته، وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ (^٣)، وهذا القول مرجوح.\nالقول الثاني: أن صلاة الجماعة واجبة يأثم تاركها من غير عذر، وليست بشرط في صحة الصلاة، وهذا هو الصواب الذي تدل عليه النصوص، إلا إذا وجد عذر من الأعذار التي تسقط بها الجماعة، كالخائف على نفسه أو ماله، وكذلك في المطر والمرض.\nوالأدلة على هذا القول كثيرة غير أحاديث الباب:\n١ - أن النبي ﷺ لم يرخص لعبد الله ابن أم مكتوم، وهو أعمى في ترك الجماعة، كما سيأتي.\n_________\n(^١) المحلى، لابن حزم (٣/ ١٠٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٣/ ٢٥٣).\n(^٣) الإنصاف، للمرداوي (٢/ ٢١٠).","vol":"2","page":334},{"text":"٢ - حديث: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ» (^١).\n٣ - أمرُ الله تعالى بصلاة الجماعة في الخوف.\n٤ - هَمُّ النبي ﷺ أن يحرق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة بالنار دليل على وجوبها أيضًا، فكل هذه الأدلة تدل على وجوب الجماعة.\nالقول الثالث: ذهب النووي إلى أن الجماعة فرض كفاية (^٢).\nالقول الرابع: أنها سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ (^٣).\nوقد ورد أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ: «بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ» وورد: «بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ».\nوللجمع بين الحديثين نقول: إن النبي ﷺ أخبر أولًا أن الجماعة أفضل من صلاة الفذ بخمس وعشرين، ثُمَّ زاده الله فضلًا وخيرًا، فأخبر أنها أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة.\nوقال بعضهم: إن المراد بالفذ في قوله: «مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ» هو المعذور، والصواب: أن المراد به غير المعذور، فيفوته هذا الأجر مع الإثم، أما المعذور فإن أجره تام غير ناقص؛ لحديث أبي موسى ﵁ مرفوعًا: «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ، أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» (^٤).\nوقوله: «بِحُزَمٍ» بضم الحاء المهملة وفتح الزاي، جمع حُزْمة، وهي: ما جُمع ورُبط من كلِّ شيءٍ.\nوقوله: «وَلَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا لَشَهِدَهَا»، يعني: لو يعلم أحدهم أنه يحصل على شيء من الدنيا ولو قليلًا لشهد العشاء، لكنه يزهد فيما عند الله من الثواب والأجر فيتخلف؛ ولهذا تجد بعض الناس لا يصلي\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٧٩٣)، وابن حبان (٢٠٦٤)، والحاكم (٨٩٤).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٥/ ١٥١).\n(^٣) التاج والإكليل، للمواق (٢/ ٣٩٥)، المجموع، للنووي (٤/ ١٨٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٩٩٦).","vol":"2","page":335},{"text":"الفجر، ولكن لو كان عنده عمل آخر الليل، أو عنده موعد طائرة تجده يستيقظ مرات متعددة حتى لا تفوته الرحلة، أو لا يفوته العمل.\nوفي هذه الأحاديث: دليل على جواز تخلف بعض رجال الحسبة والهيئة عن الجماعة، من أجل مداهمة المتخلفين عن الصلاة، وكذا مداهمة بيوت الدعارة، والخمور والمخدرات في وقت الصلاة، إذا اقتضى الأمر ذلك، ثُمَّ يصلون جماعة بعد ذلك.","vol":"2","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>بَابُ يَجِبُ إِتْيَانُ الْمَسْجِدِ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ</span>\n\n[٦٥٣] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا الْفَزَارِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الأَصَمِّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ، فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟» قَالَ: نَعَمْ قَالَ: «فَأَجِبْ».\nالأعمى في هذا الحديث هو: ابن أم مكتوم، وقد ورد التصريح باسمه عند أبي داود (^١).\nوفيه: أن من كان أعمى وعنده فطنة وذكاء فإنه يأتي وحده إلى المسجد،\nأما إذا لم يستطع الأعمى المجيء إلى المسجد، وعلم الله من نيته ذلك، ولم يجد أحدًا يأتي به، فهذا عذر له، وأمرُه ﷺ للأعمى بإجابة النداء دليل لمن قال بوجوب صلاة الجماعة، وأنها فرض على الأعيان.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٥٤٩٠)، وأبو داود (٥٥٢)، والنسائي (٨٥١)، وابن ماجه (٧٩٢).","vol":"2","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى</span>\n\n[٦٥٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنَ الصَّلَاةِ إِلَّا مُنَافِقٌ قَدْ عُلِمَ نِفَاقُهُ، أَوْ مَرِيضٌ، إِنْ كَانَ الْمَرِيضُ لَيَمْشِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ، حَتَّى يَأْتِيَ الصَّلَاةَ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَّمَنَا سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى: الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذَّنُ فِيهِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ؛ فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ ﷺ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً، وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ.\nفي هذه الأحاديث-أيضًا-: أدلة ظاهرة على وجوب صلاة الجماعة.\nوقوله: «قَالَ عَبْدُ اللهِ» هو عبد الله بن مسعود ﵁.\nوقوله: «وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ» فيه: أن تارك الجماعة من غير عذر يوصف بالنفاق، ويوصف- أيضًا- بالضلال، كما في","vol":"2","page":338},{"text":"قوله ﵁: «وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ»، وفي رواية أبي داود: «لَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَكَفَرْتُمْ» (^١)، وهذه الرواية- إن صحت- (^٢) فإنها تدل على أن تارك الجماعة يوصف بالكفر، لكنه كفرٌ دون كفرٍ، كقوله ﷺ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» (^٣).\nوفيه: دليل على أن المحافظة على الصلوات الخمس من أسباب حسن الخاتمة.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٥٠).\n(^٢) قال الألباني- في ضعيف الترغيب والترهيب (١/ ٢٧) -: «والمحفوظ بلفظ: (لضللتم)، وهو رواية مسلم وغيره».\n(^٣) أخرجه مسلم (٦٧).","vol":"2","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ</span>\n\n[٦٥٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ يَمْشِي، فَأَتْبَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بَصَرَهُ، حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ- وهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ- عَنِ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ الْمُحَارِبِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ- وَرَأَى رَجُلًا يَجْتَازُ الْمَسْجِدَ خَارِجًا بَعْدَ الأَذَانِ- فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ.\nفي هذا الحديث: دليل-أيضًا- على وجوب صلاة الجماعة، وإلا لما كان الخارج من المسجد عاصيًا لرسول الله ﷺ.\nوفيه: دليل على أنه لا يجوز الخروج بعد الأذان من المسجد إلا لعذر، كأن يخرج ليتوضأ، أو أن يكون إمامًا فيخرج ليصلي في مسجده بالناس.","vol":"2","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ فِي جَمَاعَةٍ</span>\n\n[٦٥٦] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ ابْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ- وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ قَالَ: دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ الْمَسْجِدَ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، فَقَعَدَ وَحْدَهُ، فَقَعَدْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ».\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ، ح. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيْعًا عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي سَهْلٍ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\n\n[٦٥٧] وَحَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُفَضَّلٍ- عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ، فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ».\nوَحَدَّثَنِيهِ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا الْقَسْرِيَّ يقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، يُدْرِكْهُ، ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا، وَلَمْ يَذْكُرْ: «فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ».","vol":"2","page":341},{"text":"في هذه الأحاديث: دليل على فضل صلاة الصبح والعشاء، ووجوب العناية بهما، وليس المراد أن الإنسان يصلي الصبح والعشاء في جماعة، وبقية الصلوات يصليها في البيت وحده، بل المراد أنه يعتني بها، وببقية الصلوات، لكن العناية بها آكد.\nوقوله: «فِي ذِمَّةِ اللَّهِ»، أي: في أمان الله وضمانه، فلا يؤذَى إلا بحق.","vol":"2","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>بَابُ الرُّخْصَةِ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِعُذْرٍ</span>\n\n[٣٣] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيّ حَدَّثَهُ أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ- وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصَارِ- أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي، وَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، وَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ لَهُمْ، وَدِدْتُ أَنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْتِي فَتُصَلِّي فِي مُصَلًّى، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَأَفْعَلُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ-»، قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟» قَالَ: فَأَشَرْتُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَبَّرَ، فَقُمْنَا وَرَاءَهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ قَالَ: وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرٍ صَنَعْنَاهُ لَهُ قَالَ: فَثَابَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ حَوْلَنَا، حَتَّى اجْتَمَعَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ ذَوُو عَدَدٍ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ، لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَقُلْ لَهُ ذَلِكَ، أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ: لَا إِلَهَ\nإِلَّا اللَّهُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ؟ !» قَالَ: قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: فَإِنَّمَا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ لِلْمُنَافِقِينَ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ».\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ، ثُمَّ سَأَلْتُ الْحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ- وَهُوَ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ- عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ- كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ- قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ رَبِيعٍ عَنْ عِتْبَانَ بْنِ","vol":"2","page":343},{"text":"مَالِكٍ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ- أَوِ الدُّخَيْشِنِ؟ وَزَادَ وِفِي الْحَدِيث: قَالَ مَحْمُودٌ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، نَفَرًا فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: مَا أَظُنُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا قُلْتَ قَالَ: فَحَلَفْتُ إِنْ رَجَعْتُ إِلَى عِتْبَانَ أَنْ أَسْأَلَهُ قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَوَجَدْتُهُ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، وَهُوَ إِمَامُ قَوْمِهِ، فَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثَنِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قَالَ الزُّهْرِيُّ، ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَائِضُ وَأُمُورٌ نَرَى أَنَّ الأَمْرَ انْتَهَى إِلَيْهَا، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَغْتَرَّ فَلَا يَغْتَرَّ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: إِنِّي لَأَعْقِلُ مَجَّةً مَجَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ دَلْوٍ فِي دَارِنَا، قَالَ مَحْمُودٌ: فَحَدَّثَنِي عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَصَرِي قَدْ سَاءَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، وَحَبَسْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَشِيشَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ مِنْ زِيَادَةِ يُونُسَ، وَمَعْمَرٍ.\nقوله: «وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرٍ صَنَعْنَاهُ لَهُ» الخَزِيرُ: العصيدة.\nوقوله: «فَثَابَ»، أي: اجتمع.\nفي هذا الحديث:\n١ - أن السيول والأمطار عذر في التخلف عن الجماعة؛ لأن عتبان بن مالك ﵁ قال: إن السيول تحول بينه وبين المسجد، فرخَّص له النبي ﷺ.\n٢ - أن عتبان ﵁ لم يكن يتخلف إلا في وقت العذر، بخلاف عبد الله ابن أم مكتوم ﵁، ففي حديث عتبان أن سيول الأمطار كانت له عذرًا في التخلف عن الجماعة، وسيول الأمطار عذر للمبصر وللأعمى جميعًا، أما ابن أم مكتوم فإن عذره أنه ليس له قائد، فلم يرخَّص له؛ لأنه يمكنه الإتيان للمسجد.","vol":"2","page":344},{"text":"٣ - جواز التبرك بالمكان الذي يصلي فيه النبي ﷺ، وهذا خاص به ﷺ؛ لما جعل الله في جسده وما مس جسده من البركة، ولا يقاس عليه غيره.\n٤ - أن من أظهر التوحيد والإسلام وعُرف منه الإخلاص فلا يرمى بالنفاق بغير دليل؛ ولهذا أنكر النبي ﷺ رميه بالنفاق بدون دليل؛ لأن الإخلاص الكامل يحرق الشبهات والشهوات، وإنما يعصي العبد إذا ضعف إخلاصه وتوحيده وإيمانه.\n٥ - دليل على أن من قال: «لا إله إلا الله»، مع كمال إخلاصه فإنه يحرم على النار، وقال بعض العلماء: معنى الحديث: أن الله يحرمه على النار تحريمَ خلودٍ، فقد يدخل النار إذا كان يصر على المعاصي من غير توبة، لكن ظاهر الحديث يدل على المعنى الأول، وهو أن المراد: تحريم الدخول ابتداء.\n٦ - وجوب الدفاع عن المسلم، ورد الغيبة عن عرضه، والذب عنه؛ ولهذا أنكر عليه النبي ﷺ وقال: «لَا تَقُلْ لَهُ ذَلِكَ، أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ؟ !».\nوأما قول الزهري ﵀: «ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَائِضُ وَأُمُورٌ نَرَى أَنَّ الأَمْرَ انْتَهَى إِلَيْهَا، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَغْتَرَّ فَلَا يَغْتَرَّ» فهذا القول صحيح من جهة أنه لا ينبغي للإنسان أن يغتر بهذا الفضل، لكنه ﷺ قال هذا بعد نزول الفرائض، وليس كما قال الزهري: أنها قبل الفرائض، والتوحيد الخالص يحمل المسلم على أداء الفرائض، فإذا ضعف الإخلاص ولم يؤدِّ الفرائض فإنه قد يدخل النار، لكن حديث عتبان بن مالك ﵁ يرده.","vol":"2","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>بَابُ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَةِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى حَصِيرٍ وَخُمْرَةٍ وَثَوْبٍ، وَغَيْرِهَا مِنَ الطَّاهِرَاتِ</span>\n\n[٦٥٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا فَأُصَلِّيَ لَكُمْ»، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا، قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَاءِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ.\n\n[٦٥٩] وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ شَيْبَانُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، فَرُبَّمَا تَحْضُرُ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي بَيْتِنَا، فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ، فَيُكْنَسُ، ثُمَّ يُنْضَحُ، ثُمَّ يَؤُمُّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَقُومُ خَلْفَهُ، فَيُصَلِّي بِنَا، وَكَانَ بِسَاطُهُمْ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ.\n\n[٦٦٠] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا وَمَا هُوَ إِلَّا أَنَا، وَأُمِّي، وَأُمُّ حَرَامٍ خَالَتِي، فَقَالَ: «قُومُوا فَلِأُصَلِّيَ بِكُمْ» - فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ- فَصَلَّى بِنَا، فَقَالَ رَجُلٌ لِثَابِتٍ: أَيْنَ جَعَلَ أَنَسًا مِنْهُ؟ قَالَ: جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ دَعَا لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ بِكُلِّ خَيْرٍ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَقَالَتْ أُمِّي: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خُوَيْدِمُكَ ادْعُ اللَّهَ لَهُ قَالَ: فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ: أَنْ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ».\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخْتَارِ سَمِعَ مُوسَى بْنَ أَنَسٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِ، وَبِأُمِّهِ، أَوْ خَالَتِهِ قَالَ: فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا.","vol":"2","page":346},{"text":"وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ- قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.\nفي هذه الأحاديث:\n١ - جواز صلاة النافلة جماعة.\n٢ - أن المأموم الواحد يكون عن يمين الإمام، ولو كان صبيًّا، كما فعل النبي ﷺ بابن عباس ﵄ في بيت ميمونة ﵂ في صلاة الليل، لما صف عن يساره، فأداره ﷺ عن يمينه (^١).\n٣ - أن الصبي المميز مع الرجل، أو مع صبي آخر يكونان خلف الإمام.\n٤ - أن المرأة تكون خلف الصف، ولو كانت وحدها، ولو كان الإمام زوجها، وليس معه أحد يصلي معه إلا هي، فإنها تكون خلفه، ولا تكون بجنبه أبدًا؛ لأن موقف المرأة يكون خلف الرجال مطلقًا.\n\n[٥١٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، كِلَاهُمَا عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ- زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يُصَلِّي وَأَنَا حِذَاءَهُ، وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ، وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَةٍ.\n[خ: ٣٧٩]\nقولها ﵂: «يُصَلِّي وَأَنَا حِذَاءَهُ»، أي: أمامه أو بجانبه، وهي لا تصلي.\nفي هذا الحديث: أن ثوب المصلي إذا أصاب المرأة فلا يؤثر ذلك على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٧)، ومسلم (٧٦٣).","vol":"2","page":347},{"text":"صحة صلاته، ولو كانت حائضًا.\n\n[٦٦١] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ ابْنُ مُسْهِرٍ، جَمِيْعًا عَنِ الأَعْمَشِ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَهُ يُصَلِّي عَلَى حَصِيرٍ يَسْجُدُ عَلَيْهِ.\nفي هذا الحديث: بيان عظيم تواضعه ﷺ في صلاته على الحصير، وهو من سعف النخل، وكان أهل نجد يصلون على الحصير من سعف النخل ويصنعونه.","vol":"2","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ</span>\n\n[٦٤٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيْعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً؛ وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ، لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ هِيَ تَحْبِسُهُ، وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ، مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ».\n[خ: ٤٧٧]\nحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ ابْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِ مَعْنَاهُ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، وَأَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي مُصَلَّاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، حَتَّى يَنْصَرِفَ، أَوْ يُحْدِثَ»، قُلْتُ: مَا يُحْدِثُ؟ قَالَ: «يَفْسُو،","vol":"2","page":349},{"text":"أَوْ يَضْرِطُ».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ، لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ».\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَحَدُكُمْ مَا قَعَدَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فِي صَلَاةٍ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَدْعُو لَهُ الْمَلَائِكَةُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ هَذَا.\nفي هذه الأحاديث:\n١ - ذكر فضل صلاة الجماعة، وأنها تفوق صلاة الفرد بخمس وعشرين، وفي لفظ آخر: بسبع وعشرين درجة.\n٢ - فضل المشي إلى المساجد، وكتابة الأجر للماشي ذهابًا وإيابًا.\n٣ - فضل الإخلاص؛ لقوله: «لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ»، يعني: لا يريد إلا وجه الله والدار الآخرة.\n٤ - فضل انتظار الصلاة، وأن المسلم الذي ينتظر الصلاة في حكم المصلي، وأن الملائكة تدعو لمن يفعل ذلك، وتقول: «اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ» إلا إذا فعل أحد أمرين فإن الملائكة تكف عن الدعاء له:\nالأمر الأول: الإيذاء، من غيبة، أو نميمة، أو سب.\nالأمر الثاني: أن يُحْدِثَ، بأن ينتقض وضوؤه.\nقوله: «وَأَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ»، يعني: في حكم المصلي؛ ولهذا جاء في","vol":"2","page":350},{"text":"اللفظ الآخر: «إذا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ» (^١)، فلا يشبك أصابعه في طريقه إلى المسجد؛ لأنه في حكم المصلي، أما بعد الصلاة فلا بأس من تشبيك الأصابع، كما ثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّهُ صَلَّى اثْنَتَيْنِ مِنْ إِحْدَى صَلَاةِ العشِيِّ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ خَلْفَ المَسْجِدِ، وشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٨٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٨٢).","vol":"2","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>بَابُ فَضْلِ كَثْرَةِ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ</span>\n\n[٦٦٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ إِلَيْهَا مَمْشًى، فَأَبْعَدُهُمْ، وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّيهَا، ثُمَّ يَنَامُ».\nوَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: «حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ فِي جَمَاعَةٍ».\n[خ: ٦٥١]\nفي هذا الحديث: فضل كثرة الخطا إلى المساجد، وأنه كلما بعد المصلي عن المسجد وكثر ممشاه زاد أجره.\nوقوله ﷺ: «وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّيهَا، ثُمَّ يَنَامُ» ليس المراد به: أن الجماعة غير واجبة، فأدلة وجوب الجماعة كثيرة كما سبق، لكن المراد جمعًا بين الأحاديث-: أن المصلي إن صلى الصلاة، ثُمَّ نام من عذر فله الأجر.","vol":"2","page":352},{"text":"[٦٦٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ لَا أَعْلَمُ رَجُلًا أَبْعَدَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ صَلَاةٌ قَالَ: فَقِيلَ لَهُ- أَوْ: قُلْتُ لَهُ-: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ فِي الظَّلْمَاءِ، وَفِي الرَّمْضَاءِ؟ قَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ كِلَاهُمَا عَنْ التَّيْمِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ بِنَحْوِهِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ ابْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بَيْتُهُ أَقْصَى بَيْتٍ فِي الْمَدِينَةِ، فَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ الصَّلَاةُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَتَوَجَّعْنَا لَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، لَوْ أَنَّكَ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا يَقِيكَ مِنَ الرَّمْضَاءِ، وَيَقِيكَ مِنْ هَوَامِّ الأَرْضِ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ بَيْتِي مُطَنَّبٌ بِبَيْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَالَ: فَحَمَلْتُ بِهِ حِمْلًا، حَتَّى أَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْبَرْتُهُ قَالَ: فَدَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ لَهُ: أَنَّهُ يَرْجُو فِي أَثَرِهِ الأَجْرَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ لَكَ مَا احْتَسَبْتَ».\nوَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَزْهَرَ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا أَبِي، كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nقوله ﷺ: «قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ»، يعني: كتبت له الخطوات ذهابًا وإيابًا، وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه.\nقوله: «أَمَا وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ بَيْتِي مُطَنَّبٌ بِبَيْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ»، أي: ما أحب أنه مشدود بالأطناب- وهي الحبال- إلى بيت النبي ﷺ، بل أحب أن يكون","vol":"2","page":353},{"text":"بعيدًا عنه؛ لتكثير ثوابي بِخُطاي إليه.\n\n[٦٦٤] وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَتْ دِيَارُنَا نَائِيَةً عَنِ الْمَسْجِدِ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَبِيعَ بُيُوتَنَا، فَنَقْتَرِبَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «إِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ خَطْوَةٍ دَرَجَةً».\n\n[٦٦٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ قَالَ: حَدَّثَنِي الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُمْ: «إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ؟»، قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ، فَقَالَ: «يَا بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ».\nحَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ كَهْمَسًا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ قَالَ: وَالْبِقَاعُ خَالِيَةٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: «يَا بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ»، فَقَالُوا: مَا كَانَ يَسُرُّنَا أَنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا.\nقوله ﷺ: «دِيَارَكُمْ» معناه: الزموا ديارَكم؛ فإنكم إذا لزمتموها كُتبت آثاركم وخطاكم إلى المسجد؛ ولذا قال بنو سلِمة لما سمعوا هذا الفضل: «مَا كَانَ يَسُرُّنَا أَنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا» وفرحوا ببقائهم في بيوتهم حتى يكتب لهم الأجر.","vol":"2","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>بَابُ الْمَشْيِ إِلَى الصَّلَاةِ تُمْحَى بِهِ الْخَطَايَا، وَتُرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتُ</span>\n\n[٦٦٦] حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ- يَعْنِي: ابْنَ عَمْرٍو- عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ الأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً».\n\n[٦٦٧] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُضَرَ- كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ- وَفِي حَدِيثِ بَكْرٍ-: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟»، قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا».\n[خ: ٥٢٨]\n\n[٦٦٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَن أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَثَلِ نَهْرٍ جَارٍ غَمْرٍ عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ» قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: وَمَا يُبْقِي ذَلِكَ مِنَ الدَّرَنِ.\nفي هذا الحديث: فضل الصلوات الخمس، وأن الله تعالى يمحو بها الخطايا.\nوقوله ﷺ: «يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا» المراد بالخطايا: الصغائر، وهذا","vol":"2","page":355},{"text":"مشروط بترك الكبائر، كما قال سبحانه: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلًا كريمًا﴾، وجاء في اللفظ الآخر: «الصَّلاةُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ» (^١).\nوفيه: ضرب الأمثال للتقريب إلى الذهن، وهو تمثيله ﷺ الصلوات الخمس في صورة محسوسة، كصورة الاغتسال من النهر، وهذا المثل كالأمثال التي يضربها الله تعالى في كتابه، قال تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾.\nقوله ﷺ: «وَمَا يُبْقِي ذَلِكَ مِنَ الدَّرَنِ»، يعني: ما يبقي من الوسخ.\n\n[٦٦٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ، أَوْ رَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ».\n[خ: ٦٦٢]\nفي هذا الحديث: فضل الذهاب إلى المسجد والإياب منه، والنزل: الضيافة، وهذا الأجر زيادة على تكفير السيئات، ورفع الدرجات.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٣٣).","vol":"2","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>بَابُ فَضْلِ الْجُلُوسِ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَفَضْلِ الْمَسَاجِدِ</span>\n\n[٦٧٠] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سِمَاكٌ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَثِيرًا، كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ- أَوِ الْغَدَاةَ- حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَيَضْحَكُونَ، وَيَتَبَسَّمُ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ، كِلَاهُمَا عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسَنًا.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ سِمَاكٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَقُولَا: حَسَنًا.\nقوله: «فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ» ليس فيه أنه صلى ركعتين، لكن هذا ثابت في غير الصحيحين، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ» قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ» (^١).\nوقوله: «فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ» هذا التبسم؛ لتذكر نعمة الله تعالى ومنته بالإسلام.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٥٨٦).","vol":"2","page":357},{"text":"قوله: «حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسَنًا»، يعني: حتى تطلع طلوعًا حسنًا، وترتفع.\nوربما خرج ﵊ من المسجد قبل ذلك، كما جاء عن جويرية ﵂: أَنّ النَّبِيَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟»، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ: «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» (^١).\n\n[٦٧١] وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذُبَابٍ فِي رِوَايَةِ هَارُونَ، وَفِي حَدِيثِ الأَنْصَارِيِّ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ- مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَحَبُّ البِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ البِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا».\nقوله: «أَحَبُّ البِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا» لأنها محل للذكر، والعبادة، والتعليم، والتعلم.\nوقوله: «وَأَبْغَضُ البِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا» لأنها محل للغش، والتدليس، والأيمان الكاذبة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٢٦).","vol":"2","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>بَابُ مَنْ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ</span>\n\n[٦٧٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ- حَدَّثَنِي أَبِي، كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ. ح، وَحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، جَمِيْعًا عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nفي هذا الحديث: وجوب الجماعة، وأنه ينبغي للجماعة أن يقدموا أحدهم، ولا يصلوا فرادى، ولو كانوا ثلاثة.\nوقوله ﷺ: «إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً» العدد لا مفهوم له، فلو كانوا اثنين- أيضًا- صلوا جماعة، كما في حديث مالك بن الحويرث ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَنْتُمَا خَرَجْتُمَا فَأَذِّنَا، ثُمَّ أَقِيمَا، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» (^١).\nوفي لفظ آخر: «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ لَا يُؤَذَّنُ وَلَا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَاةُ إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ؛ فَإِنَّ الذِّئْبَ يَأْكُلُ الْقَاصِيَة» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٣٠).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢١٧١٠)، وأبو داود (٥٤٧)، والنسائي (٨٤٧).","vol":"2","page":359},{"text":"[٦٧٣] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ عَنْ أَوْسِ بْنِ ضَمْعَجٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ».\nقَالَ الأَشَجُّ فِي رِوَايَتِهِ- مَكَانَ-: «سِلْمًا»: «سِنًّا».\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَوْسَ بْنَ ضَمْعَجٍ يقول: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يقول: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةً، فَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَتُهُمْ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا، وَلَا تَؤُمَّنَّ الرَّجُلَ فِي أَهْلِهِ، وَلَا فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا تَجْلِسْ عَلَى تَكْرِمَتِهِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَكَ- أَوْ: بِإِذْنِهِ».\nفي هذا الحديث: تقديم الأقرأ في الإمامة، والمراد بالأقرأ: الأفقه؛ لأن الصحابة والسلف كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا معانيها، والعمل بها، كما قال ابن مسعود ﵁: حَدَّثَنَا مَنْ كَانَ يُقْرِئُنَا مِنْ أَصْحَاب النَّبيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَرِئُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ عَشْرَ آيَاتٍ، فَلَا يَأْخُذُونَ فِي الْعَشْرِ الْأُخْرَى حَتَّى يَعْلَمُوا مَا فِي هَذِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، قَالُوا: فَعَلِمْنَا","vol":"2","page":360},{"text":"الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ (^١)، اما فيمن بعد الصحابة فيقجم الأفقه إذا كان فقهه فيما يتعلق بالصلاة.\nثم بعد ذلك يُقَدَّمُ الأكبر، ثُمَّ الأقدم هجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، ثُمَّ الأقدم سِلمًا، يعني: إسلامًا، أو سنًّا كما في اللفظ الآخر: «الْأَقْدَمُ سِنًّا»، يعني: الأكبر سنًّا.\nوفيه: دليل على جواز تقديم شخص في الإمامة على صاحب البيت، إذا أَذِنَ له، ويقاس عليه السلطان، فإذا أَذِنَ لأحد صلى عنه.\nوفيه: النهي أن يجلس الإنسان في بيت مضيفه أو في مكان تكرمته المخصص له إلا بإذنه.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٣٤٨٢).","vol":"2","page":361},{"text":"[٦٧٤] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ- وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ- فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَحِيمًا، رَقِيقًا، فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، فَسَأَلَنَا عَنْ مَنْ تَرَكْنَا مِنْ أَهْلِنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ، وَمُرُوهُمْ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ».\n[خ: ٦٢٨]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو قِلَابَةَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِي نَاسٍ- وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ- وَاقْتَصَّا جَمِيْعًا الْحَدِيثَ، بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ.\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي، فَلَمَّا أَرَدْنَا الإِقْفَالَ مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ لَنَا: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَذِّنَا، ثُمَّ أَقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ- يَعْنِي: ابْنَ غِيَاثٍ- حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ: قَالَ الْحَذَّاءُ: وَكَانَا مُتَقَارِبَيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ.\nقوله: «وَنَحْنُ شَبَبَةٌ» جمع شاب، مثل: قَتَلَةٍ جمع قاتلٍ، وكَمَلَةٍ جمع كاملٍ.\nفي هذا الحديث: إلغاء لمفهوم العدد في الحديث السابق الذي فيه اشتراط الثلاثة لصلاة الجماعة: «إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ» فدل على أن الجماعة للاثنين وللثلاثة.","vol":"2","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ إِذَا نَزَلَتْ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ</span>\n\n[٦٧٥] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ- حِينَ يَفْرُغُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَيُكَبِّرُ، وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ-: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: «اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ كَسِنِي يُوسُفَ، اللَّهُمَّ الْعَنْ لِحْيَانَ، وَرِعْلًا، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»، ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا أُنْزِلَ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.\n[خ: ٨٠٤]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ، إِلَى قَوْلِهِ: «وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ كَسِنِي يُوسُفَ»، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ بَعْدَ الرَّكْعَةِ فِي صَلَاةٍ شَهْرًا، إِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ يَقُولُ فِي قُنُوتِهِ: اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ الدُّعَاءَ بَعْدُ، فَقُلْتُ: أُرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ تَرَكَ الدُّعَاءَ لَهُمْ قَالَ: فَقِيلَ: وَمَا تُرَاهُمْ قَدْ قَدِمُوا.","vol":"2","page":363},{"text":"وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ؛ إِذْ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، ثُمَّ قَالَ- قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ-: «اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ»، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ الأَوْزَاعِيِّ، إِلَى قَوْلِهِ: «كَسِنِي يُوسُفَ»، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.\n\n[٦٧٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: وَاللَّهِ لَأُقَرِّبَنَّ بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقْنُتُ فِي الظُّهْرِ، وَالْعِشَاءِ الآخِرَةِ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ.\n\n[٦٧٧] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ، ثَلَاثِينَ صَبَاحًا، يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وَلِحْيَانَ، وَعُصَيَّةَ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ أَنَسٌ: أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ فِي الَّذِينَ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ، قُرْآنًا قَرَأْنَاهُ، حَتَّى نُسِخَ بَعْدُ: أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا: أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا، فَرَضِيَ عَنَّا، وَرَضِينَا عَنْهُ.\nوَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: هَلْ قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا.\nوَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، وأبو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى- وَاللَّفْظُ لِابْنِ مُعَاذٍ- حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وَيَقُولُ: عُصَيَّةُ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.\n[خ: ٦٣٩٤]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ،","vol":"2","page":364},{"text":"أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، يَدْعُو عَلَى بَنِي عُصَيَّةَ.\n[خ: ١٠٠٣]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْقُنُوتِ، قَبْلَ الرُّكُوعِ، أَوْ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَقَالَ: قَبْلَ الرُّكُوعِ قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَقَالَ: إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا، يَدْعُو عَلَى أُنَاسٍ قَتَلُوا أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ، يُقَالُ لَهُمْ: الْقُرَّاءُ.\n[خ: ١٠٠٢]\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يقول: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَدَ عَلَى سَرِيَّةٍ مَا وَجَدَ عَلَى السَّبْعِينَ الَّذِينَ أُصِيبُوا يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ، كَانُوا يُدْعَوْنَ الْقُرَّاءَ، فَمَكَثَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى قَتَلَتِهِمْ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ وَابْنُ فُضَيْلٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.\nوَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا يَلْعَنُ رِعْلًا، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ، عَصَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ.\nوَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِنَحْوِهِ.\n\n[٦٧٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَرَكَهُ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ، وَالْمَغْرِبِ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ","vol":"2","page":365},{"text":"عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْفَجْرِ، وَالْمَغْرِبِ.\n\n[٦٧٩] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ الْمِصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ خُفَافِ بْنِ إِيمَاءٍ الْغِفَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِي صَلَاةٍ-: «اللَّهُمَّ الْعَنْ بَنِي لِحْيَانَ، وَرِعْلًا، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ عَصَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ- وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو- عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرْمَلَةَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ خُفَافٍ: أَنَّهُ قَالَ: قَالَ خُفَافُ بْنُ إِيمَاءٍ: رَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ، وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، اللَّهُمَّ الْعَنْ بَنِي لِحْيَانَ، وَالْعَنْ رِعْلًا، وَذَكْوَانَ، ثُمَّ وَقَعَ سَاجِدًا». قَالَ خُفَافٌ: فَجُعِلَتْ لَعْنَةُ الْكَفَرَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: وَأَخْبَرَنِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ حَرْمَلَةَ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الأَسْقَعِ عَنْ خُفَافِ بْنِ إِيمَاءٍ، بِمِثْلِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: فَجُعِلَتْ لَعْنَةُ الْكَفَرَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ.\nفي هذه الأحاديث: دليل على مشروعية القنوت عند النوازل، فيدعو الإمام بعد أن يقول: «سمع الله لمن حمده» في الركعة الأخيرة في جميع الصلوات، ولا يشترط فيه إذن الإمام على الصحيح.\nأما قوله: «قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ» فيحتمل أن هذا فعله قليلًا، أو أنه وهمٌ من بعض الرواة، وإلا فأحاديث كثيرة فيها أن القنوت يكون بعد الركوع.\nواستدل الشافعية بحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قال: «مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ","vol":"2","page":366},{"text":"يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا» (^١) على مشروعية القنوت في الفجر مطلقًا، قال النووي ﵀: «إذا نزلت بالمسلمين نازلة والعياذ بالله واستحبابه في الصبح دائما وبيان أن محله بعد رفع الرأس من الركوع في الركعة الأخيرة واستحباب الجهر به مذهب الشافعي ﵀ أن القنوت مسنون في صلاة الصبح دائما» (^٢)، والصواب أن معنى يقنت: أنه يطيل القراءة في الصلاة.\nوفيه: دليل على أن النبي ﷺ كان يدعو للمؤمنين، ويلعن الكافرين.\nقوله: «دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ، ثَلَاثِينَ صَبَاحًا» لأنها كانت مصيبة عظيمة، قُتل فيها جماعة من القراء.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٢٦٥٧)، والبيهقي في الكبرى (٣١٠٤).\n(^٢) مواهب الجليل، للحطاب (١/ ٥٣٩).","vol":"2","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ وَاسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ قَضَائِهَا</span>\n\n[٦٨٠] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ، سَارَ لَيْلَهُ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى عَرَّسَ، وَقَالَ لِبِلَالٍ: اكْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ، فَصَلَّى بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ، وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ اسْتَنَدَ بِلَالٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ مُوَاجِهَ الْفَجْرِ، فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَا بِلَالٌ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا، فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَيْ بِلَالُ؟»، فَقَالَ بِلَالٌ: أَخَذَ بِنَفْسِي، الَّذِي أَخَذَ- بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، يَا رَسُولَ اللَّهِ- بِنَفْسِكَ قَالَ: «اقْتَادُوا»، فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: «مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾».\nقَالَ يُونُسُ: وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقْرَؤُهَا: «لِلذِّكْرَى».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى، قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: عَرَّسْنَا مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ بِرَأْسِ رَاحِلَتِهِ؛ فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ» قَالَ: فَفَعَلْنَا، ثُمَّ دَعَا بِالْمَاءِ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَقَالَ يَعْقُوبُ، ثُمَّ صَلَّى سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى الْغَدَاةَ.","vol":"2","page":368},{"text":"قوله: «قَفَلَ»، يعني: رجع، وكان هذا الرجوع في غزوة تبوك.\nوقوله: «أَدْرَكَهُ الْكَرَى»، يعني: النوم، أو النعاس.\nوقوله: «عَرَّسَ» من التعريس، وهو نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة.\nوقوله: «اكْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ»، يعني: ارقد واحفظ لنا الصبح.\nوقوله: «بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي»، يعني: أفديك بأبي وأمي.\nوقوله: «أَخَذَ بِنَفْسِي»، يعني: بروحي، قال تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ والروح يقال لها: النفس.\nفي هذا الحديث فوائد جليلة، منها:\n١ - أن الإنسان إذا نام فينبغي له أن يتخذ أسبابًا توقظه؛ ولذلك لما نام النبي ﷺ آخر الليل قال لبلال ﵁: «اكْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ»، فلما التزم بلال نام النبي ﷺ.\n٢ - أن الإنسان إذا نام عن الصلاة من دون تفريط فإنه لا يُلام ولا يأثم، وصلاته صحيحه ولو صلاها بعد خروج الوقت، وسيأتي ذكر قوله ﷺ: «أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ»، يعني: إذا لم يكن متعمَّدًا.\nوقوله ﷺ: «اقْتَادُوا»، أي: خذوا رواحلكم، وفي اللفظ الآخر: «لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ بِرَأْسِ رَاحِلَتِهِ؛ فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ» فتقدموا بعض الشيء، ثُمَّ صلى بهم ﷺ.\n٣ - أن الصلاة الفائتة يؤذَّن لها، كما سيأتي تفصيله آخر الباب.\n٤ - أنه يجب الوضوء للفائتة، ولو تأخر فليس له أن يتيمم، إذا كان عنده ماء.\n٥ - أن صلاة الفجر إذا فاتت فإنه يصلي الراتبة قبلها ولو كان خرج الوقت، كما فعل النبي ﷺ.\n٦ - بيان أن من نسي الصلاة فإنه يصليها إذا ذكرها، وليس عليه إثم.","vol":"2","page":369},{"text":"٧ - تسمية صلاة الفجر الغداة.\nوقوله ﷺ: «فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ»، فيه: أن النبي ﷺ بيَّن السبب في انتقالهم.\n\n[٦٨١] وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ الْمُغِيرَةِ- حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ، وَتَأْتُونَ الْمَاءَ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- غَدًا»، فَانْطَلَقَ النَّاسُ، لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ، حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ، وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ قَالَ: فَنَعَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَمَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَأَتَيْتُهُ، فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ، حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ قَالَ: ثُمَّ سَارَ حَتَّى تَهَوَّرَ اللَّيْلُ، مَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ قَالَ: فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ، حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ قَالَ: ثُمَّ سَارَ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ مَالَ مَيْلَةً هِيَ أَشَدُّ مِنَ الْمَيْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، حَتَّى كَادَ يَنْجَفِلُ، فَأَتَيْتُهُ، فَدَعَمْتُهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟»، قُلْتُ: أَبُو قَتَادَةَ قَالَ: «مَتَى كَانَ هَذَا مَسِيرَكَ مِنِّي؟»، قُلْتُ: مَا زَالَ هَذَا مَسِيرِي مُنْذُ اللَّيْلَةِ قَالَ: «حَفِظَكَ اللَّهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ»، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَرَانَا نَخْفَى عَلَى النَّاسِ؟»، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ؟»، قُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ، ثُمَّ قُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ آخَرُ، حَتَّى اجْتَمَعْنَا، فَكُنَّا سَبْعَةَ رَكْبٍ قَالَ: فَمَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الطَّرِيقِ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: «احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا»، فَكَانَ أَوَّلَ\nمَنِ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ قَالَ: فَقُمْنَا فَزِعِينَ، ثُمَّ قَالَ: «ارْكَبُوا»، فَرَكِبْنَا، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَلَ، ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ، كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مَنْ مَاءٍ قَالَ: فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ قَالَ: وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ قَالَ- لِأَبِي قَتَادَةَ-: «احْفَظْ عَلَيْنَا مِيضَأَتَكَ، فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ»، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ،","vol":"2","page":370},{"text":"ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ، فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ قَالَ: وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَكِبْنَا مَعَهُ قَالَ: فَجَعَلَ بَعْضُنَا يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ، مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنَا فِي صَلَاتِنَا؟، ثُمَّ قَالَ: «أَمَا لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ»، ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ، حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الأُخْرَى، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا، فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا»، ثُمَّ قَالَ: «مَا تَرَوْنَ النَّاسَ صَنَعُوا؟» قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «أَصْبَحَ النَّاسُ فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَكُمْ، لَمْ يَكُنْ لِيُخَلِّفَكُمْ، وَقَالَ النَّاسُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ، فَإِنْ يُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَرْشُدُوا قَالَ: فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّاسِ حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ، وَحَمِيَ كُلُّ شَيْءٍ، وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،\nهَلَكْنَا، عَطِشْنَا، فَقَالَ: «لَا هُلْكَ عَلَيْكُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «أَطْلِقُوا لِي غُمَرِي» قَالَ: وَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُبُّ، وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ، فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءً فِي الْمِيضَأَةِ تَكَابُّوا عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَحْسِنُوا الْمَلَأَ، كُلُّكُمْ سَيَرْوَى» قَالَ: فَفَعَلُوا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُبُّ وَأَسْقِيهِمْ، حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي، وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ثُمَّ صَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لِي: «اشْرَبْ»، فَقُلْتُ: لَا أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا» قَالَ: فَشَرِبْتُ، وَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ جَامِّينَ رِوَاءً قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ: إِنِّي لَأُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مَسْجِدِ الْجَامِعِ؛ إِذْ قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: انْظُرْ أَيُّهَا الْفَتَى، كَيْفَ تُحَدِّثُ، فَإِنِّي أَحَدُ الرَّكْبِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ قَالَ: قُلْتُ: فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ، فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ: حَدِّثْ، فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِحَدِيثِكُمْ قَالَ: فَحَدَّثْتُ الْقَوْمَ، فَقَالَ عِمْرَانُ: لَقَدْ شَهِدْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّ أَحَدًا حَفِظَهُ كَمَا حَفِظْتُهُ.","vol":"2","page":371},{"text":"قوله ﷺ: «لَا هُلْكَ عَلَيْكُمْ» بضم الهاء، أي: هلاك.\nوقوله: «تَكَابُّوا عَلَيْهَا»، يعني: من الانكباب.\nوقوله ﷺ: «إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ، وَتَأْتُونَ الْمَاءَ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- غَدًا» ولذا أسرعوا وسهروا ليلتهم حتى يصلوا إلى الماء.\nوقوله: «فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ» معناه: وضوءًا خفيفًا مع الإسباغ على الأعضاء.\nوقوله: «جَامِّينَ رِوَاءً»، يعني: نشطاء مستريحين.\nفي هذا الحديث من الفوائد:\n١ - أنه ليس في النوم تفريط، لمن أخذ بأسباب الاستيقاظ.\n٢ - وقد احتج بهذا الحديث بعض أهل العلم، فقالوا: إن الصلاة لا يخرج وقتها حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى، لكن هذا ليس بظاهر.\nخلاف في خروج وقت المغرب؛ هل هو بمغيب الشفق، أو قبله.\nوقوله: «فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا، فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا» ليس المراد أنه يعيدها غدًا، بل المراد: أنه يصلي الفريضة في اليوم التالي في وقتها.\n٣ - فضل الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، كما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا»، فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ، فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ! فَقَالَ: «فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَمَا هُمَا ثَمَّ» (^١)، وفي هذا الحديث قال: «فَإِنْ يُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَرْشُدُوا».\n٤ - بيان تواضعه ﵊ أنه يكون هو الأخير شربًا، كما في قصة إسقاء أبي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٧١)، ومسلم (٢٣٨٨).","vol":"2","page":372},{"text":"هريرة اللبن، فعن أبي هريرة ﵁: وَقَدْ رَوِيَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأَخَذَ الْقَدَحَ، فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَتَبَسَّمَ، فَقَالَ: «أَبَا هِرٍّ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ»، قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «اقْعُدْ فَاشْرَبْ»، فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ، فَقَالَ: «اشْرَبْ»، فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: «اشْرَبْ»، حَتَّى قُلْتُ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا قَالَ: «فَأَرِنِي»، فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَسَمَّى وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ (^١)؛ فمن صار رئيس قوم فينبغي له أن يأتسي به ﷺ فلا يشرب أولًا، بل يسقي من عنده، ثُمَّ يكون هو آخِرهم شربًا.\nوقد وردت حادثة النوم عدة مرات للنبي ﷺ، فجاءت في حديث أبي هريرة (^٢)، وحديث عمران بن حصين (^٣).\nوهذا من رحمة الله تعالى بعباده أن جعل نبيه ﷺ ينام عن الصلاة، حتى يعلم الناس حكم الشرع إذا ناموا عن الصلاة، وأنهم يصلونها على حالها، فيؤذن، ويقيم، ويصلي الراتبة، ثُمَّ يصلي الفريضة.\n٥ - أن الصحابة لم يوقظوا النبيَّ ﷺ؛ خشية أن يكون يوحى إليه.\n٦ - دليل على أن المرء إن كانت عليه جنابة فحضرت الصلاة ولم يكن هناك ماء، فإنه يتيمم، فيضرب كفيه بالتراب مفرجتي الأصابع، ويمسح وجهه وكفيه، فالتيمم للجنابة وللحدث واحد، ومن فضل الله تعالى وإحسانه: أن من عَدِم الماء صلى بالتيمم، قال تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٥٢).\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة (٩٨٨)، وأبو عوانة في المستخرج (٢١٤١).\n(^٣) أخرجه ابن خزيمة (٩٨٧).","vol":"2","page":373},{"text":"[٦٨٢] وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ الْعُطَارِدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيَّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فِي مَسِيرٍ لَهُ، فَأَدْلَجْنَا لَيْلَتَنَا، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ، عَرَّسْنَا فَغَلَبَتْنَا أَعْيُنُنَا، حَتَّى بَزَغَتِ الشَّمْسُ قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَّا أَبُو بَكْرٍ، وَكُنَّا لَا نُوقِظُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَنَامِهِ إِذَا نَامَ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ عُمَرُ، فَقَامَ عِنْدَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ يُكَبِّرُ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، حَتَّى اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ، وَرَأَى الشَّمْسَ قَدْ بَزَغَتْ قَالَ: «ارْتَحِلُوا»، فَسَارَ بِنَا حَتَّى إِذَا ابْيَضَّتِ الشَّمْسُ نَزَلَ فَصَلَّى بِنَا الْغَدَاةَ، فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، لَمْ يُصَلِّ مَعَنَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا فُلَانُ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَنَا؟» قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ، فَصَلَّى، ثُمَّ عَجَّلَنِي فِي رَكْبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ نَطْلُبُ الْمَاءَ، وَقَدْ عَطِشْنَا عَطَشًا شَدِيدًا، فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ، إِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ سَادِلَةٍ رِجْلَيْهَا بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ، فَقُلْنَا لَهَا: أَيْنَ الْمَاءُ؟ قَالَتْ: أَيْهَاهْ، أَيْهَاهْ، لَا مَاءَ لَكُمْ، قُلْنَا: فَكَمْ بَيْنَ أَهْلِكِ وَبَيْنَ\nالْمَاءِ؟ قَالَتْ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، قُلْنَا: انْطَلِقِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَتْ: وَمَا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَلَمْ نُمَلِّكْهَا مِنْ أَمْرِهَا شَيْئًا، حَتَّى انْطَلَقْنَا بِهَا، فَاسْتَقْبَلْنَا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهَا، فَأَخْبَرَتْهُ مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَتْنَا، وَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا مُوتِمَةٌ لَهَا صِبْيَانٌ أَيْتَامٌ، فَأَمَرَ بِرَاوِيَتِهَا، فَأُنِيخَتْ، فَمَجَّ فِي الْعَزْلَاوَيْنِ الْعُلْيَاوَيْنِ، ثُمَّ بَعَثَ بِرَاوِيَتِهَا، فَشَرِبْنَا- وَنَحْنُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا عِطَاشٌ- حَتَّى رَوِينَا، وَمَلَأْنَا كُلَّ قِرْبَةٍ مَعَنَا وَإِدَاوَةٍ، وَغَسَّلْنَا صَاحِبَنَا، غَيْرَ أَنَّا لَمْ نَسْقِ بَعِيرًا، وَهِيَ تَكَادُ تَنْضَرِجُ مِنَ الْمَاءِ- يَعْنِي: الْمَزَادَتَيْنِ-، ثُمَّ قَالَ: «هَاتُوا مَا كَانَ عِنْدَكُمْ»، فَجَمَعْنَا لَهَا مِنْ كِسَرٍ وَتَمْرٍ، وَصَرَّ لَهَا صُرَّةً، فَقَالَ لَهَا: «اذْهَبِي فَأَطْعِمِي هَذَا عِيَالَكِ، وَاعْلَمِي أَنَّا لَمْ نَرْزَأْ مِنْ مَائِكِ»، فَلَمَّا أَتَتْ أَهْلَهَا، قَالَتْ: لَقَدْ لَقِيتُ أَسْحَرَ","vol":"2","page":374},{"text":"الْبَشَرِ، أَوْ إِنَّهُ لَنَبِيٌّ- كَمَا زَعَمَ-، كَانَ مِنْ أَمْرِهِ ذَيْتَ وَذَيْتَ، فَهَدَى اللَّهُ ذَاكَ الصِّرْمَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ، فَأَسْلَمَتْ وَأَسْلَمُوا.\n[خ: ٣٥٧١]\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا عَوْفُ بْنُ أَبِي جَمِيلَةَ الأَعْرَابِيُّ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَسَرَيْنَا لَيْلَةً، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قُبَيْلَ الصُّبْحِ، وَقَعْنَا تِلْكَ الْوَقْعَةَ الَّتِي لَا وَقْعَةَ عِنْدَ الْمُسَافِرِ أَحْلَى مِنْهَا، فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ سَلْمِ بْنِ زَرِيرٍ، وَزَادَ وَنَقَصَ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ، وَكَانَ أَجْوَفَ جَلِيدًا، فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، حَتَّى اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِشِدَّةِ صَوْتِهِ بِالتَّكْبِيرِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا ضَيْرَ، ارْتَحِلُوا»، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ.\nوقوله: «بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ»، أي: بين قِربتين.\nوقولها: «أَيْهَاهْ، أَيْهَاهْ» كلمة قالتها المرأة استبعادًا للماء؛ لأنه كان بعيدًا عنهم، فبينهم وبين الماء يوم وليلة.\nوقوله: «فَأَمَرَ بِرَاوِيَتِهَا، فَأُنِيخَتْ» سَمَّى البعيرَ راويةً؛ لأنه تُحمل عليها الراوية، وهي القِربة.\nفي هذا الحديث من الفوائد:\n١ - دليل على أن صوت المرأة ليس بعورة؛ لهذا كلمها النبي ﷺ، وكلمها الصحابة ﵃.\n٢ - أن جلد الميتة إذا دُبغ طهُر بالدِباغ؛ فإن هذه المرأة مشركة، ومعها قِربتان، ومع ذلك أخذ النبي ﷺ من مائها؛ لكون القربتين مدبوغتين فهما طاهرتان.","vol":"2","page":375},{"text":"٣ - أن الإنسان إذا اشتد به العطش، أو جاع، ووجد من عنده طعام أو ماء فإنه يأخذ منه، ولو بغير رضاه، ولو بالقوة حتى ينقذ نفسه من الهلكة، واختلف العلماء هل يضمنه بعد ذلك، أو لا.\n٤ - مشروعية التبرك بآثار النبي ﷺ، وهذا خاص به لا يقاس عليه غيره.\n٥ - إثبات قدرة الله العظيمة، قال تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾.\n٦ - معجزة للنبي ﷺ في تكثير الماء، وكانوا أربعين رجلًا، فشربوا، وأُعطي الرجل الذي عليه جنابة فاغتسل، وملؤوا كل شيء معهم.\n٧ - دليل على مذهب الجمهور أن التيمم مبيح لا رافع (^١)، وأن النبي ﷺ أمر هذا الرجل الذي تيمم في الصلاة السابقة أن يغتسل.\nوأجاب المحققون بأن المتيمم إذا وجد الماء فإنه يعود إلى حدثه السابق، فإن كان حدثه أصغر فهو أصغر، وإن كان حدثه أكبر فهو أكبر؛ ولهذا أمر النبي ﷺ هذا الرجل الذي أصابته الجنابة أن يغتسل.\nوقوله: «وَاعْلَمِي أَنَّا لَمْ نَرْزَأْ مِنْ مَائِكِ»، يعني: لم ننقص من مائك، ولكن الله هو الذي سقانا.\n٨ - أن المرأة وقفت تتعجب من فعل النبي ﷺ، ولما جاءت أهلها قالت: جئتكم من عند رجل بين أحد أمرين: إما أنه أسحر الناس، أو أنه نبي- كما يزعم.\nوقوله: «فَهَدَى اللَّهُ ذَاكَ الصِّرْمَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ» الصرم: البيوت وما حولها.\n_________\n(^١) حاشية الدسوقي، للدسوقي (١/ ١٥٥)، مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (١/ ١٦٠)، الإنصاف، للمرداوي (١/ ٢٩٦).","vol":"2","page":376},{"text":"[٦٨٣] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَعَرَّسَ بِلَيْلٍ، اضْطَجَعَ عَلَى يَمِينِهِ، وَإِذَا عَرَّسَ قُبَيْلَ الصُّبْحِ نَصَبَ ذِرَاعَهُ، وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ.\n\n[٦٨٤] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ»، قَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.\n[خ: ٥٩٧]\nوَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيْعًا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَمْ يَذْكُرْ: «لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا».\nوَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ، أَوْ غَفَلَ عَنْهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يقول: ﴿أَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾».\nفي هذه الأحاديث: أنه ينبغي للإنسان إذا كان في آخر الليل وقرب وقت الصلاة وأراد أن يستريح، فلا ينبغي أن ينام نومًا مستغرقًا، ولكن ينام بحيث يستطيع أن يستيقظ، فينصب ذراعه ويضع رأسه عليه.\n* * *","vol":"2","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا</span>","vol":"2","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا</span>\n\n[٦٨٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ.\n[خ: ٣٥٠]\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا فِي الْحَضَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الأُولَى.\nوَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ الصَّلَاةَ أَوَّلَ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ؟ ! قَالَ: إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ.\nفي هذه الأحاديث: أن المسافر يصلي ركعتين في الصلاة الرباعية، وهي: الظهر، والعصر، والعشاء، أما المغرب والفجر فإنهما لا يُقصران.\nواختلف العلماء: هل القصر واجب، أم سنة؟\nفالجمهور على أن القصر مستحب، وأنه لو أتم صحت صلاته، وهو الصواب (^١).\n_________\n(^١) مواهب الجليل، للحطاب (٢/ ١٣٩)، الشرح الكبير، للدردير (١/ ٣٥٨)، المجموع، للنووي (٤/ ٣٢١ - ٣٢٢)، المغني، لابن قدامة (٢/ ١٩٧).","vol":"2","page":381},{"text":"واستدلوا على ذلك: بأن عثمان ﵁ قصر الصلاة صدرًا من إمارته، ثم أتمها في مِنًى، فصلى الصحابة ﵃ خلفه، ولو كان ذلك غير جائز لما أقروه، فعن عبد الله بن عمر ﵁ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا» (^١)، وكذلك أتمت عائشة ﵂ الصلاة في السفر، كما جاء في قول الزُّهْرِيُّ: «قُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ، تُتِمُّ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ، كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ».\nوذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ وجماعة: إلى أنه يجب قصر الصلاة الرباعية في السفر (^٢)، واستدلوا بقول عائشة ﵂: «أَنَّ الصَّلَاةَ أَوَّلَ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ».\nوتستمر مدة قصر الصلاة للمسافر أربعة أيام، فإذا نوى أن يقيم في مكان أكثر من أربعة أيام فإن أحكام السفر تنقطع عند جمهور العلماء (^٣).\nواستدل الجمهور على ذلك: بأن النبي ﷺ وصل إلى مكة في حجة الوداع في اليوم الرابع من ذي الحجة، وأقام بالأبطح يقصر الصلاة أربعة أيام، وارتحل إلى مِنًى في اليوم الثامن (^٤)، فقالوا: ما زاد على هذه الأربعة أيام فإنه لا يُترخَّص في القصر فيه.\nأما إذا لم ينوِ الإقامة، ولكن ينوي قضاء حاجة لا يدري متى تنتهي، فيقصر ولو أقام مدة طويلة، كما فعل النبي ﷺ في تبوك، فإنه أقام تسعة عشر يومًا وهو يقصر الصلاة؛ لأنه لم ينوِ إقامةً، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٨٢)، ومسلم (٦٩٦).\n(^٢) بدائع الصنائع، للكاساني (١/ ٩١).\n(^٣) بدائع الصنائع، للكاساني (١/ ٩٧)، التاج والإكليل، للمواق (٢/ ٥٠٣)، مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (١/ ٥١٩)، المغني، لابن قدامة (٢/ ٢١٥).\n(^٤) أخرجه ابن خزيمة (٩٠٨)، وابن المنذر في الأوسط (٢٢٩٣).","vol":"2","page":382},{"text":"«أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ، فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا» (^١)، وكذلك في فتح مكة أقام ﷺ مدة يقصر الصلاة.\nأما السفر الذي تُقصر فيه الصلاة: فهو عند جمهور العلماء: ما كان سفرًا طويلًا بمقدار مرحلتين، يعني: يومين بالإبل المحملة، وهذان اليومان قدَّرهما العلماء بأنهما أربعة بُرُدٍ، والبريد: أربعة فراسخ (^٢)، فتقارب ثمانين كيلو مترًا.\nوذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ وجماعة: إلى أنه ثلاثة مراحل، أي: يُقدر بثلاثة أيام (^٣).\nوذهب ابن حزم ﵀ إلى أن أقل مسافة القصر هو الميل.\nوذهب الظاهرية: إلى أن مسافة القصر ثلاثة أميال، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أن مسافة القصر لا تتحدد بمسافة ولا فرق بين سفر طويل، أو قصير ولو كان للسفر مسافة محددة لبينه الله ورسوله (^٤).\nوالجمهور على أنه: لا بد أن يكون السفر مباحًا ليُترخص فيه، فإن كان سفر معصية فلا، وقال آخرون: يترخص ولو كان سفر معصية (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٨٠).\n(^٢) المغني، لابن قدامة (٢/ ١٨٨).\n(^٣) الدر المختار، لابن عابدين (٢/ ١٢٠ - ١٢٣).\n(^٤) المحلى، لابن حزم (٥/ ٢)، مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٩/ ٢٤٣).\n(^٥) المجموع، للنووي (٤/ ٣٤٤)، البحر الرائق، لابن نجيم (٢/ ١٤٩)، الشرح الكبير، للدردير (١/ ٣٥٨)، مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (١/ ٥٢٥)، كشاف القناع، للبهوتي (١/ ٥٠٥).","vol":"2","page":383},{"text":"[٦٨٦] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ عَنْ يَعْلَى ابْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «صَدَقَةٌ، تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ عَنْ يَعْلَى ابْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ.\nفي هذا الحديث: جواز قصر الصلاة في السفر ولو في حالة عدم الخوف.\nوقد قال تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾، فاشتراط الخوف في السفر هو الأصل، ولكن السُّنة جاءت بالقصر دون خوف.\nفالجمع بين الآية والحديث: إما بالنسخ، وإما أنه وصف أغلبي في زمن النبي ﷺ؛ لأنهم كانوا يقصرون في الخوف.\nقوله: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»، يعني: أن الله ﷾ تفضَّل على عباده، فرخَّص لهم في قصر الصلاة في السفر ولو كانوا آمنين.","vol":"2","page":384},{"text":"[٦٨٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَخْنَسِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ عَائِذٍ الطَّائِيُّ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَخْنَسِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ: «عَلَى الْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ، وَعَلَى الْمُقِيمِ أَرْبَعًا، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً».\nفي هذا الحديث: أن صلاة الخوف تكون ركعة واحدة، وأخذ بهذا طائفة من السلف، وقالوا: يجوز في الخوف أن يصلي ركعة، حتى قال بعضهم: إذا اشتد الخوف فإنه يكفي أن يكبر تكبيرة واحدة، عن مجاهد، والحكم، قالا: «إذا كان عند الطراد، وعند سل السيوف، أجزأ الرجل أن تكون صلاته تكبيرًا، فإن لم يكن إلا تكبيرة واحدة أجزأته أينما كان وجهه» (^١)، وسيأتي الكلام على صفات صلاة الخوف.\nويرى البخاري ﵀ وجماعة من أهل العلم: أنه لا بأس إذا اشتد الخوف أن تؤخر الصلاة عن الوقت، قال البخاري ﵀ (^٢): «باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو»، وأورد قول الأوزاعي عقب الترجمة مما يدل على اختياره له، وهو قوله: «إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماءًا كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شبة (٨٢٦١).\n(^٢) البخاري (٢/ ١٥).","vol":"2","page":385},{"text":"ينكشف القتال، أو يأمنوا، فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا لا يجزئهم التكبير، ويؤخروها حتى يأمنوا»، وبه قال مكحول، وقال أنس بن مالك: «حضرت عند مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نُصَلِّ إلا بعد ارتفاع النهار، فصليناها ونحن مع أبي موسى ففتح لنا، وقال أنس بن مالك: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها»، يعني: أن أنسًا مطمئن لذلك ومنشرح صدره في تأخير الصلاة حتى الضحى؛ لأن الصلاة أُخرت من أجل نصرة دين الله وفي سبيل الله (^١).\nونقل النووي ﵀ عن الجمهور: أن صلاة الخوف كصلاة الأمن في عدد الركعات فإن كانت في الحضر وجب أربع ركعات، وإن كانت في السفر وجب ركعتان، ولا يجوز الاقتصار على ركعة واحدة في حال من الأحوال (^٢).\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (٢/ ٤٣٥).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٥/ ١٩٧).","vol":"2","page":386},{"text":"[٦٨٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: كَيْفَ أُصَلِّي إِذَا كُنْتُ بِمَكَّةَ، إِذَا لَمْ أُصَلِّ مَعَ الإِمَامِ؟ فَقَالَ: رَكْعَتَيْنِ، سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ.\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\n\n[٦٨٩] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ قَالَ: فَصَلَّى لَنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ، وَأَقْبَلْنَا مَعَهُ حَتَّى جَاءَ رَحْلَهُ وَجَلَسَ، وَجَلَسْنَا مَعَهُ، فَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ نَحْوَ حَيْثُ صَلَّى، فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا، فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ قُلْتُ: يُسَبِّحُونَ قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ صَلَاتِي، يَا ابْنَ أَخِي، إِنِّي صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْتُ عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.\n[خ: ١١٠١]\nقوله: «ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ»: لكن عثمان ﵁ لما مضت ست سنين من خلافته أتم الصلاة في منًى وتأول.\nقال بعض أهل العلم: إن سبب تأوُّل عثمان ﵁ لما أتمَّ الصلاة: أنه كان يحج معه بعض الأعراب في هذا العام، فأراد أن يُعَلِّمَهم الصلاةَ الرباعية، فقد روى أبو داود من طريق الزهري: «أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِمِنًى","vol":"2","page":387},{"text":"مِنْ أَجْلِ الْأَعْرَابِ؛ لِأَنَّهُمْ كَثُرُوا- عَامَئِذٍ- فَصَلَّى بِالنَّاسِ أَرْبَعًا؛ لِيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ الصَّلَاةَ أَرْبَعٌ» (^١).\nلكن الصواب: أنَّ السنةَ القصرُ في السفر؛ ولهذا فإن ابن مسعود والصحابة ﵃ صلوا خلفه، فقيل لابن مسعود ﵁: «عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ، ثُمَّ صَلَّيْتَ أَرْبَعًا قَالَ: الْخِلَافُ شَرٌّ» (^٢).\nوقوله: «لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ صَلَاتِي يَا ابْنَ أَخِي»، يعني: لو كنت متنفلًا لأتممت صلاة الفريضة، أما التسبيح الذي هو التهليل والتكبير بعد الصلوات فهذا مشروع بعد قصر الصلاة وإتمامها.\nوالسنة للمسافر ألا يصلي من النوافل، السنن إلا راتبة الفجر فإنها لا تُترك لا حضرًا ولا سفرًا، وكذلك الوتر.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: مَرِضْتُ مَرَضًا، فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ يَعُودُنِي قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنِ السُّبْحَةِ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ: صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ، فَمَا رَأَيْتُهُ يُسَبِّحُ، وَلَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.\n\n[٦٩٠] حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ-.ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ.\n[خ: ١٠٨٩]\nحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٩٦٤).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٩٦٠).","vol":"2","page":388},{"text":"وَإِبْرَاهِيمُ ابْنُ مَيْسَرَةَ، سَمِعَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّيْتُ مَعَهُ الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ.\n\n[٦٩١] وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ كِلَاهُمَا عَنْ غُنْدَرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الْهُنَائِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ- شُعْبَةُ الشَّاكُّ- صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.\n\n[٦٩٢] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ إِلَى قَرْيَةٍ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ، أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَقَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَقَالَ: إِنَّمَا أَفْعَلُ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ.\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: عَنِ ابْنِ السِّمْطِ، وَلَمْ يُسَمِّ شُرَحْبِيلَ، وَقَالَ: إِنَّهُ أَتَى أَرْضًا، يُقَالُ لَهَا: دُومِينَ مِنْ حِمْصَ، عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا.\n\n[٦٩٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ يَحْيَى ابْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى رَجَعَ، قُلْتُ: كَمْ أَقَامَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: عَشْرًا.\n[خ: ١٠٨١]\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ هُشَيْمٍ.\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: خَرَجْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْحَجِّ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ.","vol":"2","page":389},{"text":"وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، جَمِيعًا عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ: الْحَجَّ.\nفي هذه الأحاديث: أن المسافر لا يقصر الصلاة إلا إذا فارق البلد، أما إذا نوى السفر وهو في البلد فلا يقصر؛ فإن النبي ﷺ صلَّى في المدينة وهو يتجهز لحجة الوداع الظهرَ أربعًا؛ لأنه لم يفارق البلد، فلما ارتحل وفارق البلد وأدركه العصر في ذي الحليفة صلى ركعتين.\nوفيها: الرد على من قال من العلماء: إنه إذا نوى السفر فإنه يقصر ولو كان في البلد (^١)، والصواب الذي عليه الجماهير خلاف هذا (^٢).\n_________\n(^١) المجموع، للنووي (٤/ ٣٤٩).\n(^٢) مختصر خليل، لخليل (ص ٤٣ - ٤٤)، مواهب الجليل، للحطاب (٢/ ١٤٤)، المجموع، للنووي (٤/ ٣٤٩).","vol":"2","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ بِمِنًى</span>.\n\n[٦٩٤] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو- وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْمُسَافِرِ بِمِنًى وَغَيْرِهِ رَكْعَتَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، رَكْعَتَيْنِ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا أَرْبَعًا.\n[خ: ١٠٨٢]\nوَحَدَّثَنَاهُ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ قَالَ: بِمِنًى، وَلَمْ يَقُلْ: وَغَيْرِهِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَعُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ، ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدُ أَرْبَعًا، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَإِذَا صَلَّاهَا وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ-ح، وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعَ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى صَلَاةَ الْمُسَافِرِ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، ثَمَانِيَ سِنِينَ، أَوَ قَالَ: سِتَّ سِنِينَ، قَالَ حَفْصٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَأْتِي فِرَاشَهُ، فَقُلْتُ: أَيْ عَمِّ، لَوْ صَلَّيْتَ بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: لَوْ فَعَلْتُ لَأَتْمَمْتُ الصَّلَاةَ.\nوَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ-.ح،","vol":"2","page":391},{"text":"وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَقُولَا فِي الْحَدِيثِ: بِمِنًى، وَلَكِنْ قَالَا: صَلَّى فِي السَّفَرِ.\n\n[٦٩٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنِ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَاسْتَرْجَعَ، ثُمَّ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ح. وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، وَابْنُ خَشْرَمٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nفي هذه الأحاديث: مشروعية الاسترجاع عند ترك السنن.\nوفيها: أن قصر المسافر الرباعية ركعتين ليس بواجب.\nوفيها: أنه لا ينبغي للمأموم أن يخالف الإمام، بل يدع رأيَه لرأيِه؛ لأن هذا يؤدي إلى الخلاف وتنافر القلوب، وعلى المسلمين أن تكون كلمتهم واحدة.\nومن ذلك: أن أبا يوسف ﵀ كان يرى أن الحجامة تنقض الوضوء- وهي مسألة خلافية- والخليفة هارون الرشيد أفتاه الإمام مالك ﵀ بأن الحجامة لا تنقض الوضوء، وقد احتجم الخليفة وصلى بالناس، وصلى خلفه أبو يوسف ﵀، فترك رأيَه لرأيِه (^١).\nومن ذلك- أيضًا-: أن المأموم إذا صلى خلف شافعي يقنت في صلاة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٣/ ٣٧٥).","vol":"2","page":392},{"text":"الفجر قنت، كما فعل الإمام أحمد ﵀ (^١).\n\n[٦٩٦] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ وَأَكْثَرَهُ رَكْعَتَيْنِ.\n[خ: ١٦٥٦]\nحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي حَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ الْخُزَاعِيُّ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى، وَالنَّاسُ أَكْثَرُ مَا كَانُوا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.\nقَالَ مُسْلِم: حَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ الْخُزَاعِيُّ هُوَ أَخُو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِأُمِّهِ.\nفي هذا الحديث: بيان أن قصر الصلاة لا يختص بحال الخوف وحدها، كما مر.\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود السجستاني (ص ٩٥).","vol":"2","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>بَابُ الصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ فِي الْمَطَرِ</span>\n\n[٦٩٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ، فَقَالَ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ، ذَاتُ مَطَرٍ، يَقُولُ: «أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ».\n[خ: ٦٦٦]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ نَادَى بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ، وَرِيحٍ، وَمَطَرٍ، فَقَالَ- فِي آخِرِ نِدَائِهِ-: أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ، أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ فِي السَّفَرِ أَنْ يَقُولَ: «أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ نَادَى بِالصَّلَاةِ بِضَجْنَانَ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ، وَقَالَ: أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، وَلَمْ يُعِدْ ثَانِيَةً: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ.\n\n[٦٩٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَمُطِرْنَا، فَقَالَ: «لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فِي رَحْلِهِ».\n\n[٦٩٩] وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ- فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ-: إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَلَا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ قَالَ: فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَاكَ، فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا؟ قَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُخْرِجَكُمْ فَتَمْشُوا فِي","vol":"2","page":394},{"text":"الطِّينِ، وَالدَّحْضِ.\n[خ: ٩٠١]\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ- عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ: خَطَبَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ ذِي رَدْغٍ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ: الْجُمُعَةَ، وَقَالَ: قَدْ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي- يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ.\nقَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بِنَحْوِهِ.\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ- هُوَ الزَّهْرَانِيُّ- حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ- حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَعَاصِمٌ الأَحْوَلُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ: يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ.\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ- صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ- قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَوْمَ جُمُعَةٍ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَقَالَ: وَكَرِهْتُ أَنْ تَمْشُوا فِي الدَّحْضِ وَالزَّلَلِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَمَرَ مُؤَذِّنَهُ- فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ- فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، وَذَكَرَ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ: فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي- يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ.\nوَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ وُهَيْبٌ: لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ قَالَ: أَمَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ مُؤَذِّنَهُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.\nفي هذه الأحاديث: دليل على أن المطر عذر في ترك الجمعة والجماعة في الحضر والسفر، والمراد: المطر الذي يبل الثياب، وكذا الدحض","vol":"2","page":395},{"text":"الشديد، لا سيما إذا كان معه برد وريح شديدة.\nوفيها: دليل على أنه يشرع أن يقول في الأذان: «أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ»، أو يقول: «صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ».\nوقد اختلفت مواضع ذكر هذه العبارة في الأذان باختلاف الروايات (^١):\nالموضع الأول: أن يقولها بدل: «حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ».\nالموضع الثاني: أن يقولها بعد أن يقول: «حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ»، فيجمع بينها.\nالموضع الثالث: أن يكمل الأذان كما كان، ثم يقول بعد ما ينتهي منه: «صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، صَلُّوا فِي الرِّحَالِ».\nالموضع الرابع: أن يقولها في صلاة الفجر، بعد أن يقول: «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ» يقول: «صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، صَلُّوا فِي الرِّحَالِ».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦١٦، ٦٦٨، ٩٠١)، ومسلم (٦٩٩)، وأبو داود (١٠٦٦)، وابن ماجه (٩٣٩)، وأحمد (٥١٥١، ٥٨٠٠، ١٧٩٣٣)، ومسند الشافعي (١/ ١٠٩)، ومصنف عبد الرزاق (١٩٠١)، والأوسط، لابن المنذر (٣/ ٤٤)، (٤/ ٢٥، ١٤٣)، وشرح السنة (٤/ ٢١٥)، والمحلى (٢/ ١٩٥)، شرح مسلم، للنووي (٥/ ٢٠٧)، فتح الباري، لابن رجب (٥/ ٣٠٤)، فتح الباري، لابن حجر (٢/ ٩٨).","vol":"2","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>بَابُ جَوَازِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَّةِ فِي السَّفَرِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ</span>\n\n[٧٠٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي سُبْحَتَهُ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ نَاقَتُهُ.\n[خ: ١٠٠٠]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ.\nوَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَابْنُ أَبِي زَائِدَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُبَارَكٍ، وَابْنِ أَبِي زَائِدَةَ: ثُمَّ تَلَا ابْنُ عُمَرَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، وَقَالَ: فِي هَذَا نَزَلَتْ.\nفي هذه الأحاديث: أن النبي ﷺ كان يصلي سُبْحَتَهُ- أي: النافلة- على راحلته حيثما توجهت به- ولو إلى غير القبلة، فدل هذا على جواز صلاة النافلة على الدابة، وعلى الراحلة، وعلى المركوب حيثما توجهت به، سواء كان إلى جهة القبلة، أو إلى غير جهة القبلة، إلا أنه ورد حديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رَاحِلَتِهِ تَطَوُّعًا اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ خَلَّى عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَصَلَّى حَيْثُمَا","vol":"2","page":397},{"text":"تَوَجَّهَتْ بِهِ» (^١)، وهذا من باب الاستحباب.\nأما الفريضة فكان ﷺ ينزل على الأرض، ويصلي متجهًا للقبلة.\nوفيها: أنه فُسِّرَ قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ بتفسيرين:\nأحدهما: يثبت صفة الوجه لله تعالى؛ وأن الله تعالى قِبَل وجه المصلي، وهو فوق العرش.\nالثاني: أن المراد بوجه الله فيها: قبلته، فإذا صلى المسلم على الراحلة إلى غير جهة القبلة، وكذا إذا لم تُعرف القبلة في الصحراء واجتهد- فصلاته صحيحة، وثمَّ وجه الله وقبلته التي شرع.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ مُوَجِّهٌ إِلَى خَيْبَرَ.\nفي هذا الحديث: دليل على جواز الصلاة على الحمار وعلى البغل وعلى البعير.\nوفيه: دليل على أن عَرَق الحمار والبغل طاهر، وكذا سؤره طاهر، ولو شرب الحمار من ماء لم ينجس في أصح قولي العلماء، وإنما النجاسة في بوله وروثه.\nوفيه: تواضعه ﷺ في ركوبه الحمار، خلافًا لما عليه أهل الكبر من الأَنَفة من ركوب الحمار، بل كان النبي ﷺ يردف عليه أحيانًا.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٢٦٩٦)، وأبو داود (١٢٢٥).","vol":"2","page":398},{"text":"وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، قَالَ سَعِيدٌ: فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ، فَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: خَشِيتُ الْفَجْرَ، فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ؟ ! فَقُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ.\nقوله: «أُسْوَة»: بضم الهمزة، يعني: قدوة.\nفي هذا الحديث: أن الوتر ليس بواجب، ولكنه سنة مؤكدة؛ لأنه لو كان واجبًا لنزل النبي ﷺ وصلى بالأرض كما يفعل في الفريضة، وهذا هو مذهب الجمهور (^١)، وذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ إلى أن الوتر واجب (^٢)، والحديث حجة عليه.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ.\nقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.\nفي هذا الحديث: أن ابن عمر ﵄ كان يتحرى السنة، فصلى على راحلته كما صلى رسول الله ﷺ حيثما توجهة به، وقد كان ﵁ يتحرى السنة حتى\n_________\n(^١) المجموع، للنووي (٣/ ٣)، أسنى المطالب، لزكريا الأنصاري (٣/ ٩٨)، مواهب الجليل، للحطاب (٢/ ٧٥)، مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح (١/ ٣٣٣).\n(^٢) المبسوط، للسرخسي (١/ ١٥٦).","vol":"2","page":399},{"text":"فيما كان من ﵊ من الأمور العادية، وكان ينزل الأماكن التي صلى فيها النبي ﷺ فيصلي فيها ﵁ (^١).\nوَحَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ.\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ.\n\n[٧٠١] وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي السُّبْحَةَ بِاللَّيْلِ فِي السَّفَرِ، عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ.\n\n[٧٠٢] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ: تَلَقَّيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ قَدِمَ الشَّامَ، فَتَلَقَّيْنَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ، فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَوَجْهُهُ ذَلِكَ الْجَانِبَ- وَأَوْمَأَ هَمَّامٌ عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ- فَقُلْتُ لَهُ: رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ لَمْ أَفْعَلْهُ.\n[خ: ١١٠٠]\nقوله: «يُسَبِّحُ»، أي: يتنفل، والسُّبْحةُ بضم السين وإسكان الباء: النافلة، وليس المراد قوله: سبحان الله.\nوقوله: «قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ»، أي: إلى القبلة وإلى غير القبلة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٨٣، ٤٩٢).","vol":"2","page":400},{"text":"وقوله: «غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ»، يعني: غير أنه لا يصلي عليها الفريضة، وإنما ينزل في الأرض؛ لأن الفريضة أهم وآكد وتحتاج إلى عناية، فإذا صلى إنسان على السفينة أو الطائرة نافلةً جازت الصلاة عليها، في أي جهة توجهت.\nأما في الفريضة: فإذا اضطر إلى الصلاة فإنه يدور مع القبلة حيث دارت، وإن تيسر له أن يصلي قبل الركوب صلى وجوبًا.","vol":"2","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>بَابُ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ</span>\n\n[٧٠٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.\n[خ: ١٠٩١]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ.\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنَ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ، يُؤَخِّرُ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ.\n\n[٧٠٤] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ- يَعْنِي: ابْنَ فَضَالَةَ- عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ.\n[خ: ١١١٢]\nوَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ الْمَدَايِنِيُّ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا","vol":"2","page":402},{"text":"أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا عَجِلَ عَلَيْهِ السَّفَرُ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ، حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ.\nفي هذه الأحاديث: أن النبي ﷺ كان يجمع في السفر بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء جمع تأخير، وليس فيها أنه جمع بينهما جمع تقديم.\nلكن ثبت في رواية الطبراني في الأوسط بإسناد حسن أنه صلى الظهر والعصر ثم ركب، وهذا جمع تقديم (^١)، وكذلك جاء في مستخرج أبي نعيم أنه إذا كان في سفر وزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا ثم ارتحل (^٢).\nوعلى هذا: فالجمع بين الصلاتين جائز سواء كان جمع تقديم، أو جمع تأخير، ويختار المسافر ما هو أرفق به.\nفمثلًا: إذا جاء وقت الظهر وهو نازل فإن الأرفق أن يجمع جمع تقديم حتى لا يفوته وقت العصر، وإذا جاء وقت الظهر وهو جادٌّ به السير فالأصل في حقه أن يؤخر الظهر مع العصر، وكذلك إذا جاء المغرب وهو نازل فالأفضل أن يصلي المغرب ويقدم العشاء، وإذا جاء المغرب وهو جادٌّ به السير فالأفضل أن يؤخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وهذا هو مذهب الجمهور.\nقال النووي ﵀ «وقال أبو حنيفة: لا يجوز الجمع بين الصلاتين بسبب\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧٥٥٢).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في المستخرج (١٥٨٢).","vol":"2","page":403},{"text":"السفر ولا المطر ولا المرض ولا غيرها، إلا بين الظهر والعصر بعرفات بسبب النسك، وبين المغرب والعشاء بمزدلفة بسبب النسك- أيضًا- والأحاديث الصحيحة في الصحيحين وسنن أبي داود وغيره حجة عليه» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٥/ ٢١٣).","vol":"2","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ</span>\n\n[٧٠٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، فِي غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا سَفَرٍ.\nوَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَعَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ، جَمِيعًا عَنْ زُهَيْرٍ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا بِالْمَدِينَةِ فِي غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا سَفَرٍ. قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَسَأَلْتُ سَعِيدًا: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، كَمَا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِهِ.\n[خ: ١١٧٤]\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا قُرَّةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاةِ فِي سَفْرَةٍ سَافَرَهَا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. قَالَ سَعِيدٌ: فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ.\n\n[٧٠٦] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرٍ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا.\nفي هذه الأحاديث: أن النبي ﷺ جمع في غزوة تبوك وهو نازل بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ففيها دليل على جواز جمع المسافر بين الظهرين وبين العشاءين وهو نازل غير جادٍّ به السير، كما فعل النبي ﷺ في تبوك، لكن كونه يصلي هذه الصلاة قصرًا دون جمع هو الأفضل، كما","vol":"2","page":405},{"text":"فعل النبي ﷺ في مِنًى في اليوم الثامن من ذي الحجة، صلى الصلاة قصرًا دون جمع (^١).\nوفي هذا رد على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ القائل- مع جلالة قدره وإمامته- بأن المسافر لا يجمع إلا إذا جدَّ به السير (^٢)، ولعله ﵀ نسي هذا الحديث مع حرصه العظيم، أو لم يبلغه، أو تأوَّله، لكن هذا بعيد، والأغلب: أنه نسيه.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ أَبُو الطُّفَيْلِ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ قَالَ: فَقُلْتُ: مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ.\n\n[٧٠٥] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح. وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ، فِي غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا مَطَرٍ.\nفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: كَيْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا أَرَادَ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ عَمْرٍو عَنْ جَابِرِ ابْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِيًا جَمِيعًا،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٥٥)، ومسلم (٦٩٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٤/ ٢٧)، ومعنى جدَّ به السير، أي: اشتد واهتم به وأسرع.","vol":"2","page":406},{"text":"وَسَبْعًا جَمِيعًا، قُلْتُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ، أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ، وَعَجَّلَ الْعَصْرَ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ، وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ؟ قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّ ذَاكَ.\nفي هذه الأحاديث: أنه ﷺ جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف، ولا سفر، ولا مرض.\nقال العلماء في سببه: إما دحض، وإما مرض عام قال النووي ﵀: «ذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة وهو قول بن سيرين وأشهب من أصحاب مالك وحكاه الخطابي عن القفال والشاشي الكبير من أصحاب الشافعي عن أَبِي إِسْحَاقَ المروزي عن جماعة من أصحاب الحديث واختاره بن المنذر ويؤيده ظاهر قول بن عباس أراد أن لا يحرج أمته فلم يعلله بمرض ولا غيره والله أعلم» (^١).\nوإما أنه جمع بينها جمعًا صوريًّا، والجمع الصوري هو: أن يؤخر الأولى إلى آخر وقتها، ويعجل الثانية في أول وقتها، وهذا هو الأقرب، وقد جاء صريحًا في حديث النسائي الذي رواه في سننه عن ابن عباس ﵄ قال: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ ثَمَانِيًا جَمِيعًا، وَسَبْعًا جَمِيعًا، أَخَّرَ الظُّهْرَ، وَعَجَّلَ الْعَصْرَ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ، وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ» (^٢)، وسنده صحيح، وهو الذي اعتمده سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀.\nوقد يقال: يتعين المصير إليه، وعليه: فلا إشكال بينه وبين أحاديث توقيت الصلوات؛ لأن رواية النسائي تزيل الإشكال.\nوبكل حال: فتوقيت الصلوات هو الأصل، وهي أحكام محكمة، والقاعدة الشرعية: أن المتشابه يُرَدُّ إلى المحكم، ولا يجوز التعلق بالمتشابه\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٥/ ٢١٩).\n(^٢) أخرجه النسائي (٥٨٩).","vol":"2","page":407},{"text":"وترك المحكم، فإن هذه طريقة أهل الزيغ، قال الله تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه﴾، وأما العلماء الراسخون فيؤمنون بالجميع، ويعملون بالجميع، كما قال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَاب﴾.\nوالنبي ﷺ إنما فعل هذا مرة واحدة في المدينة، ويحتمل: أن هذا الجمع كان مرة واحدة ثم نسخ، والمعتمد هو أنه جمع صوري، كما تقدم.\nوقول ابن عباس ﵄: «قُلْتُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ، أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ، وَعَجَّلَ الْعَصْرَ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ، وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ؟ قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّ ذَاكَ»، هذا الظن الوارد في الحديث من ابن عباس، وأبي الشعثاء ﵄ جاء صريحًا في سنن النسائي كما مر (^١)، وهناك تعليق لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ لما سئل عن توضيح ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ صلى بالمدينة ثَمَانِيًا جَمِيعًا، وَسَبْعًا جَمِيعًا»، وجاء في رواية مسلم: أن المراد بذلك الظهر والعصر والمغرب والعشاء. (^٢) وقال في روايته: «من غير خوف ولا مطر» (^٣)، وفي لفظ آخر: «من غير خوف ولا سفر» (^٤)، فأجاب ﵀ بقوله: «سئل ابن عباس ﵄ عن ذلك، فقال: لئلَّا يحرج أمته. قال أهل العلم: معنى ذلك: لئلَّا يوقعهم في الحرج. وهذا محمول على أنه ﷺ جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة لسبب يقتضي رفع الحرج والمشقة عن الصحابة في ذلك اليوم؛ إما لمرض عام، وإما لدحض، وإما لغير ذلك من الأعذار التي يحصل بها المشقة على الصحابة ذلك اليوم. وقال بعضهم: إنه جمع صوري وهو أنه أخر الظهر إلى آخر\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٥٨٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (٧٠٥).\n(^٣) أخرجه مسلم (٧٠٥).\n(^٤) أخرجه مسلم (٧٠٥).","vol":"2","page":408},{"text":"وقتها وقدم العصر في أول وقتها وأخر المغرب إلى آخر وقتها وقدم العشاء في أول وقتها. وقد روى ذلك النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس راوي الحديث وهو محتمل». (^١)\nولما قرأنا سنن النسائي مع شيخنا العلامة ابن باز عليه رحمة الله، بحثت معه، وقلت له: هل يجمع بينهما بما دل عليه حديث النسائي، الذي رواه عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ ثَمَانِيًا جَمِيعًا وَسَبْعًا جَمِيعًا، أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعِشَاء» (^٢)، فقال: بلى، فقلت له: إنك علَّقتَ سابقًا على صحيح البخاري بغير هذا، فقال: هذا التعليق قبل أن يبلغني حديث النسائي هذا، فلما بلغني حديث النسائي فإني أقول به، ويهذا تجتمع الأحاديث ولا تختلف.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن باز (٢٥/ ١٦٧ - ١٦٨).\n(^٢) أخرجه النسائي (٥٨٩).","vol":"2","page":409},{"text":"وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًا، وَثَمَانِيًا: الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرِّيتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ يَوْمًا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَبَدَتِ النُّجُومُ، وَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: الصَّلَاةَ، الصَّلَاةَ قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، لَا يَفْتُرُ، وَلَا يَنْثَنِي: الصَّلَاةَ، الصَّلَاةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتُعَلِّمُنِي بِالسُّنَّةِ؟ لَا أُمَّ لَكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ: فَحَاكَ فِي صَدْرِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَأَتَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَسَأَلْتُهُ، فَصَدَّقَ مَقَالَتَهُ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ: الصَّلَاةَ، فَسَكَتَ، ثُمّ قَالَ: الصَّلَاةَ، فَسَكَتَ، ثُمّ قَالَ: الصَّلَاةَ، فَسَكَتَ، ثُمّ قَالَ: لَا أُمَّ لَكَ، أَتُعَلِّمُنَا بِالصَّلَاةِ؟ وَكُنَّا نَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nظاهر هذا الحديث: أن ابن عباس ﵄ يرى الجمع بين الصلاتين في الحضر للحاجة، وأنه جمع لأجل الخطبة التي استمرت من المغرب إلى العشاء، وصدَّقه أبو هريرة ﵁ في مقالته.\nوالصواب: أنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين إلا من عذر؛ كالخوف، أو المرض، أو السفر، أو أن المراد بالجمع: الجمع الصوري الذي فعله النبي ﷺ لحاجة دعته إلى ذلك.","vol":"2","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>بَابُ جَوَازِ الِانصِرَافِ مِنَ الصَّلَاةِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ</span>\n\n[٧٠٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَا يَجْعَلَنَّ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ مِنْ نَفْسِهِ جُزْءًا، لَا يَرَى إِلَّا أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ، أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ شِمَالِهِ.\n[خ: ٨٥٢]\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، جَمِيعًا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\n\n[٧٠٨] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا، كَيْفَ أَنْصَرِفُ إِذَا صَلَّيْتُ: عَنْ يَمِينِي، أَوْ عَنْ يَسَارِي؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، عَن السُّدِّيِّ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ.\nقوله: «عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ»: هو: عبد الله بن مسعود ﵁؛ لأن الأسود وهو ابن يزيد النخعي من تلاميذه.\nوقوله: «لَا يَجْعَلَنَّ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ مِنْ نَفْسِهِ جُزْءًا»؛ بأن يعتقد شيئًا مشروعًا، وهو ليس بمشروع، كأن يعتقد أن الأفضل أن ينصرف عن يمينه، ولم يدل الدليل على ذلك، فإذا اعتقد هذا الاعتقاد، كان هذا من حظ الشيطان.\nفي هذه الأحاديث: أن للإمام أن ينصرف عن يمينه وعن شماله، ولا يتحرى أحد الجانبين، ففي حديث ابن مسعود ﵁ أنه رأى الرسول ﷺ أكثر ما ينصرف عن يساره، وفي حديث أنس ﵁ أنه رآه أكثر ما ينصرف عن يمينه.","vol":"2","page":411},{"text":"والجمع بينهما: أن كل واحد أخبر بما رآه، فظن أنه هو الأكثر، والأمر في هذا واسع، فالإمام ينصرف عن يمينه وعن شماله، ولا يتحرى هذا ولا هذا، وقد بوب البخاري ﵀: (باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال) (^١).\n_________\n(^١) البخاري (١/ ١٧٠).","vol":"2","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>بَابُ اسْتِحْبَابِ يَمِينِ الإِمَامِ</span>\n\n[٧٠٩] وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ ابْنِ الْبَرَاءِ عَنِ البَرَاءِ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ، يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ- أَوْ: تَجْمَعُ- عِبَادَكَ».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ.\nفي هذا الحديث: أن هذا الدعاء: «رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ- أَوْ: تَجْمَعُ- عِبَادَكَ» مشروع بعد الصلاة، وعند النوم-كذلك- فَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَسَّدُ يَمِينَهُ عِنْدَ الْمَنَامِ، ثُمَّ يَقُولُ: رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٢٧٣٢)، والترمذي (٣٣٩٨).","vol":"2","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>بَابُ كَرَاهَةِ الشُّرُوعِ فِي نَافِلَةٍ بَعْدَ شُرُوعِ الْمُؤَذِّنِ</span>\n\n[٧١٠] وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَرْقَاءَ عَنِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ».\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَابْنُ رَافِعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ بِهَذَا الإِسْنَادِ.\nهذا الحديث رواه مسلم ﵀ عن أحمد ﵀، فهو من شيوخه، بخلاف البخاري ﵀، فإنه لم يروِ عن الإمام أحمد ﵀ إلا حديثين في المذاكرة وليس صريحًا، والسبب: أن البخاري ﵀ شارك الإمام أحمد ﵀ في شيوخه، أما مسلم ﵀ فإنه يروي عنه كثيرًا.\nوَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، قَالَ حَمَّادٌ: ثُمَّ لَقِيتُ عَمْرًا، فَحَدَّثَنِي بِهِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ.\nقوله: «فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ»، أي: لا ابتداء ولا استمرار فيها، بل يقطعها","vol":"2","page":414},{"text":"ويشتغل بالفريضة؛ لأن الفريضة أهم، و«فَلَا صَلَاةَ»: هنا معناها: نفي الصلاة، فتكون الصلاة باطلة إذا ابتدأها بعد الإقامة، وكذلك إذا كان في أثنائها، إلا إذا ركع الركوع الثاني فإنه يتمها؛ لأنه بقي عليه أقل من ركعة، وأقل الصلاة ركعة واحدة، وهذا اختيار سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (^١).\nوذهب كثير من الفقهاء: إلى أنه يتمها خفيفة ما لم يَخْشَ فوات الركعة الأولى، وقال آخرون: ما لم يَخْشَ فوات الركعة الثانية، وهذا باطل.\nوالأحناف: يرى بعضهم أن المصلي إذا لم يصل السنة الراتبة للفجر فإنه يصليها ولو بعد الإقامة، ثم يلحق الإمام (^٢)، وقال بعضهم: يصليها في غير المسجد ولو بعد الإقامة، وهذا باطل.\nوالصواب: أنه لا يجوز أن يصلي بعد الإقامة لا راتبة الفجر ولا غيرها، وإذا كان فيها يقطعها، إلا إذا بقي عليه أقل من ركعة، أو إذا كان يستطيع أن يتمها قبل تكبيرة الإحرام.\n_________\n(^١) فتاوى نور على الدرب، لابن باز (١٠/ ٣٠٤).\n(^٢) الدر المختار، لابن عابدين (١/ ٣٧٨).","vol":"2","page":415},{"text":"[٧١١] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ يُصَلِّي وَقَدْ أُقِيمَتِ صَلَاةُ الصُّبْحِ، فَكَلَّمَهُ بِشَيْءٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا، أَحَطْنَا نَقُولُ: مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: قَالَ لِي: «يُوشِكُ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ أَرْبَعًا».\nقَالَ الْقَعْنَبِيُّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ ابْنُ بُحَيْنَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمٌ: وَقَوْلُهُ عَنْ أَبِيهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ خَطَأٌ.\n[خ: ٦٦٣]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ: أُقِيمَتِ صَلَاةُ الصُّبْحِ، فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يُصَلِّي، وَالْمُؤَذِّنُ يُقِيمُ، فَقَالَ: «أَتُصَلِّي الصُّبْحَ أَرْبَعًا؟».\n\n[٧١٢] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ-.ح، وَحَدَّثَنِي حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ- يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ-.ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمٍ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَا فُلَانُ، بِأَيِّ الصَّلَاتَيْنِ اعْتَدَدْتَ؟ أَبِصَلَاتِكَ وَحْدَكَ، أَمْ بِصَلَاتِكَ مَعَنَا؟ !».\nفي هذا الحديث: إنكار منه ﵊ على من كان يصلي أربعًا، يعني: صلى ركعتين ثم صلى بعدهما ركعتين، فسأله: أيهما جعلتهما فريضة لك؟ الأولى، أم الثانية؟ وفي لفظ: «أَتُصَلِّي الصُّبْحَ أَرْبَعًا؟»، أي: أجعلت الصبح أربعًا؟ وهذا من باب الإنكار.\nوالذي في حديث عبد الله بن بحينة ﵁ أن الرجل يصلي والمؤذن يقيم،","vol":"2","page":416},{"text":"أو وقد أقيمت الصلاة، والذي في حديث عبد الله بن سرجِس أن الرجل دخل والنبي ﷺ في صلاة الغداة فصلى الركعتين، يحمل على أنه أراد الدخول في الصلاة بعد الإقامة، وإن كان في الصلاة فيُحمل على أنه ﷺ رآه من وراء ظهره.\nوأما ما في حديث عبد الله بن بحينة أن النبي ﷺ كلم الرجل قبل، وما في حديث عبد الله بن سرجِس من أنه كلمه بعد الصلاة، فلا تعارض بينهما، فيكون كلمه قبل بقوله: «أَتُصَلِّي الصُّبْحَ أَرْبَعًا؟»، وكلمه بعد بقوله: «يَا فُلَانُ، بِأَيِّ الصَّلَاتَيْنِ اعْتَدَدْتَ؟ أَبِصَلَاتِكَ وَحْدَكَ، أَمْ بِصَلَاتِكَ مَعَنَا؟ !».","vol":"2","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ</span>\n\n[٧١٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، أَوْ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ».\nقَالَ مُسْلِم: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى يَقُولُ: كَتَبْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ كِتَابِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ يَحْيَى الْحِمَّانِيَّ يَقُولُ: وَأَبِي أُسَيْدٍ.\nوَحَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، أَوْ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nفي هذا الحديث: مشروعية هذا الذكر عند دخول المسجد، وعند الخروج منه.\nوالسُّنة- أيضًا- أن يقدم رجله اليمنى عند الدخول، ويقدم الرجل اليسرى عند الخروج، عكس دخول الحمام، وكذلك عند لبسه النعل يقدم رجله اليمنى وعند لبس الثوب.\nوحكمة مشروعية هذا الذكر عند دخول المسجد وعند الخروج منه: أنه عند دخول المسجد يكون مقبلًا على أداء هذه العبادة، فيسأل الله من رحمته، وعند الخروج يسأل الله من فضله ورزقه، كقوله تعالى بعد صلاة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾.\nوجاءت أحاديث أخرى فيها زيادة على هذا الذكر، منها: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ","vol":"2","page":418},{"text":"قَالَ: أَقَطُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْم» (^١).\nومعنى: «قَالَ: أَقَطُ؟»: قال حيوة بن شريح لعُقبة بن مُسلم: أَقَطُ؟ أي: أَحَسْبُ، والهمزةُ فيه للاستفهام- وهو بفتح القاف وضم الطاء المخففة، ويجوز التشديد فيه- أيضًا- والمعنى: أهذا يكفيه عن غيره من الأذكار؟ أو أهذا يكفيه من شر الشيطان؟ فلهذا قال: قلت: نعَم، وفاعل قلتُ هو: عقبة بن مسلم إن كان السائل هو حيوة بن شريح، أو عبد الله بن عَمرو إن كان السائل هو عقبة بن مسلم؛ فعلى الوجه الثاني يكون فاعل «قَالَ: أقَطُ؟» - أيضًا- هو عقبة بن مسلم، قاله العيني ﵀ (^٢).\nوكذلك- أيضًا- أنه يصلي على النبي ﷺ، يقول «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى محمَّدٍ» (^٣)، وجاء أنه يقول: «بِسْمِ اللَّهِ، وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٤٦).\n(^٢) شرح سنن أبي داود، للعيني (٢/ ٣٧٦).\n(^٣) أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٨٨).\n(^٤) أخرجه أحمد (٢٥٨٧٧)، والترمذي (٣١٤)، وابن ماجه (٧٧١).","vol":"2","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>بَابُ اسْتِحْبَابِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ بِرَكْعَتَيْنِ، وَكَرَاهَةِ الْجُلُوسِ قَبْلَ صَلَاتِهِمَا، وَأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فِي جَمِيعِ الأَوْقَاتِ</span>\n\n[٧١٤] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ».\n[خ: ٤٤٤]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنِ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ بْنِ خَلْدَةَ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَانَي النَّاسِ قَالَ: فَجَلَسْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجْلِسَ؟» قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُكَ جَالِسًا، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ قَالَ: «فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ».\n\n[٧١٥] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنَفِيُّ أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الأَشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ لِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دَيْنٌ، فَقَضَانِي، وَزَادَنِي، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ لِي: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ».\n[خ: ٢٠٩٧]\nفي هذه الأحاديث: أن هاتين الركعتين تُسَمَّيَان تحية المسجد، وفي الحديث الأول؛ حديث أبي قتادة ﵁ أنه أمر بالإتيان بهما إذا دخل المسجد، وفي الحديث الثاني أنه نهى عن الجلوس حتى يصليهما.","vol":"2","page":420},{"text":"وقد اختلف العلماء في حكم صلاة تحية المسجد: فالجمهور على أن الأمر للاستحباب، والنهي للتنزيه، وذهبوا إلى أنهما سنة، وقالوا: إن الصارف للأمر عن الوجوب هنا هو سؤال الرجل الأعرابي الذي سأل النبي ﷺ عن الواجبات، فأخبره النبي ﷺ بأن عليه في اليوم والليلة خمس صلوات، والزكاة، والصيام، فقال الأعرابي: هل علي غيرها؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ» (^١)، فهذا الحديث قد صرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب (^٢).\nوذهب الظاهرية وجماعة إلى أنها واجبة (^٣)، وقالوا: الصلوات الخمس واجبة في اليوم والليلة، أما هذه فوجبت لسبب خاص، وهو دخول المسجد، والواجب السببي غير الواجب المطلق، وقولهم قوي.\nوهنا مسألة خلافية، وهي: أنه إذا دخل المسجد في وقت النهي- كما لو دخله بعد صلاة الفجر، أو بعد صلاة العصر- فهل يصلي التحية؟\nاختلف العلماء في الجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك، فهناك حديث: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ»، وحديث النهي: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ» (^٤)؛ فمن العلماء من قدَّم أحاديث النهي، وقالوا: إنها أصح وأكثر، فقالوا: يجلس ولا يصلي.\nقال النووي: «وفيه استحباب التحية في أي وقت دخل وهو مذهبنا وبه قال جماعة، وكرهها أبو حنيفة والأوزاعي والليث في وقت النهي، وأجاب أصحابنا أن النهي إنما هو عما لا سبب له؛ لأن النبي ﷺ صلى بعد العصر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٦)، ومسلم (١٣).\n(^٢) البحر الرائق، لابن نجيم (٢/ ٥٥)، حاشية الدر المختار، لابن عابدين (٢/ ١٨)، شرح مختصر خليل، للخرشي (٢/ ٦)، المجموع، للنووي (٤/ ٥١).\n(^٣) المحلى، لابن حزم (٥/ ٦٩).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٨٤)، ومسلم (٨٢٨).","vol":"2","page":421},{"text":"ركعتين قضاء سنة الظهر فخص وقت النهي وصلى به ذات السبب ولم يترك التحية في حال من الأحوال بل أمر الذي دخل المسجد يوم الجمعة وهو يخطب فجلس أن يقوم فيركع ركعتين مع أن الصلاة في حال الخطبة ممنوع منها إلا التحية، فلو كانت التحية تُترك في حال من الأحوال لَتُركت الآن؛ لأنه قعد وهي مشروعة قبل القعود؛ ولأنه كان يجهل حكمها؛ ولأن النبي ﷺ قطع خطبته وكلمه وأمره أن يصلي التحية فلولا شدة الاهتمام بالتحية في جميع الأوقات لما اهتم ﵇ هذا الاهتمام». (^١)\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٥/ ٢٢٦).","vol":"2","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-298>بَابُ اسْتِحْبَابِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ لِمَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَوَّلَ قُدُومِهِ</span>\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَارِبٍ، سَمِعَ جَابِرَ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: اشْتَرَى مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعِيرًا، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، أَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الْمَسْجِدَ، فَأُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: الثَّقَفِيَّ- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي وَأَعْيَا، ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلِي، وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ، فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ قَالَ: «الْآنَ حِينَ قَدِمْتَ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: «فَدَعْ جَمَلَكَ، وَادْخُلْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» قَالَ: فَدَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ.\n\n[٧١٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: أَبَا عَاصِمٍ-.ح، وَحَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَا جَمِيعًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، وَعَنْ عَمِّهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا نَهَارًا فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ.\nفي هذه الأحاديث: استحباب صلاة ركعتين للمسافر إذا قدم البلد؛ ولهذا كان النبي ﷺ إذا قدم من سفر أول ما يبدأ به يصلي في المسجد ركعتين.","vol":"2","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>بَابُ اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ، وَأَكْمَلَهَا ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، وَأَوْسَطَهَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، أَوْ سِتٌّ، وَالْحَثِّ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا</span>\n\n[٧١٧] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِه.\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَيْسِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ.\n\n[٧١٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعُ الْعَمَلَ- وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ-؛ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ، فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ.\n[خ: ١١٢٨]\nقولها: «وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا»، يعني: لأصليها.\n\n[٧١٩] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: الرِّشْكَ- حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ ﵂: كَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى؟ قَالَتْ: أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَزِيدَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: يَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ.\nوَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ: أَنَّ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةَ حَدَّثَتْهُمْ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ","vol":"2","page":424},{"text":"ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقولها: «وَيَزِيدُ مَا شَاءَ»: المشيئة هنا للرسول ﷺ، وفي الرواية الأخرى: «وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللهُ».\n\n[٣٣٦] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: مَا أَخْبَرَنِي أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى إِلَّا أُمُّ هَانِئٍ، فَإِنَّهَا حَدَّثَتْ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَصَلَّى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ، مَا رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ، وَالسُّجُودَ.\nوَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِ قَوْلَهُ: قَطُّ.\n[خ: ١١٠٣]\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ: سَأَلْتُ، وَحَرَصْتُ عَلَى أَنْ أَجِدَ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ يُخْبِرُنِي: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى، فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا يُحَدِّثُنِي ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَتْنِي: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى بَعْدَ مَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَأُتِيَ بِثَوْبٍ فَسُتِرَ عَلَيْهِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، لَا أَدْرِي أَقِيَامُهُ فِيهَا أَطْوَلُ، أَمْ رُكُوعُهُ، أَمْ سُجُودُهُ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْهُ مُتَقَارِبٌ، قَالَتْ: فَلَمْ أَرَهُ سَبَّحَهَا قَبْلُ، وَلَا بَعْدُ.\nقَالَ الْمُرَادِيُّ: عَنْ يُونُسَ، وَلَمْ يَقُلْ: أَخْبَرَنِي.\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ صلى الضحى أيام الفتح بعد ارتفاع الشمس،","vol":"2","page":425},{"text":"وهذا بداية وقت صلاة الضحى.\nوفيه: أنه لا بأس بالصلاة في الثوب الواحد؛ لأن النبي ﷺ اغتسل وصلى بثوب واحد خالف بين طرفيه.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ: أَنَّ أَبَا مُرَّةَ- مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ- أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ، قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قُلْتُ: أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: «مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ»، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا أَجَرْتُهُ- فُلَانُ ابْنُ هُبَيْرَةَ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ»، قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَلِكَ ضُحًى.\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُرَّةَ- مَوْلَى عَقِيلٍ- عَنْ أُمِّ هَانِئٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي بَيْتِهَا عَامَ الْفَتْحِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ.\nفي هذا الحديث: أنه لا بأس بتكنية الإنسان، سواء كان رجلًا أم أنثى، ككنية أم هانئ.\nوفيه: أنه لا بأس بسلام المرأة على الرجل من دون مصافحة، إذا لم يكن هناك ريبة، أما إذا كان هناك ريبة فلا تسلِّم عليه، لا سيما إذا كان وحده.\nوفيه: أن قول النبي ﷺ: «مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ» ترحيب بالقادم بعد السلام، يعني: على الرُّحب والسَّعَة.","vol":"2","page":426},{"text":"وفيه: أنه لا بأس بكلام المرأة مع الرجل وسؤالها إياه، وما زالت النساء يسألن النبي ﷺ والصحابة ﵃، ولا سيما إذا كانت مستفتية، أو محتاجة للبيع والشراء، إذا لم يكن هناك ريبة، وذلك إذا كان الصوت عاديًّا ليس فيه خضوع، أما الخضوع فلا يجوز؛ لأنه يُطمع الفاسد فيها، قال تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾.\nوهذه أم هانئ سلَّمت، وسألت النبي ﷺ، وقالت: «زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ»: وهو أخوها لأمها وأبيها، ولكن هذا من باب بيان صلة الرحم، كما قال هارون ﵇ لموسى: ﴿يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي﴾ وهو أخوه من أبيه وأمه، وذلك من باب الاستعطاف.\nوفيه: دليل على صحة إجارة المرأة، وأنه لا بأس أن تجير رجلًا، وكذلك العبد له أن يجير، ويدل على ذلك قول النبي ﷺ: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١٧٩)، ومسلم (١٣٧١).","vol":"2","page":427},{"text":"[٧٢٠] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ- وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ- حَدَّثَنَا وَاصِلٌ- مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ- عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ؛ فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى».\n\n[٧٢١] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ، حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ: بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ.\n[خ: ١١٧٨]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبَّاسٍ الْجُرَيْرِيِّ وَأَبِي شِمْرٍ الضُّبَعِيِّ، قَالَا: سَمِعْنَا أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّانَاجِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو رَافِعٍ الصَّائِغُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ بِثَلَاثٍ، فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي عُثْمَانَ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ.\n\n[٧٢٢] وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِي مُرَّةَ- مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ- عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: أَوْصَانِي حَبِيبِي ﷺ بِثَلَاثٍ، لَنْ أَدَعَهُنَّ مَا عِشْتُ: بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَبِأَنْ لَا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ.\nفي هذه الأحاديث: مشروعية صلاة الضحى، والقاعدة عند أهل العلم:","vol":"2","page":428},{"text":"أن السنة تثبت بالقول، وبالفعل، وبالتقرير، وأقواها: القول، ثم الفعل، ثم التقرير، فصلاة الضحى سنة ثابتة من قول النبي ﷺ وفعله.\nأما من قوله ﷺ، فالنبي ﷺ أوصى أبا هريرة وأبا الدرداء ﵄ بصلاة الضحى، والإيتار قبل النوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وكان أبو هريرة ﵄ يدرس الحديث، ويكتبه في الليل، فيخشى أن لا يقوم آخر الليل؛ فلهذا أوصاه أن يوتر أول الليل، أما من غلب على ظنه أنه يقوم في آخر الليل فالوتر في آخر الليل أفضل؛ لحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ» (^١)، وكذلك أوصى أبا الدرداء ﵁.\nوكذلك في حديث أبي ذر ﵁ أخبر النبي ﷺ أن صلاة ركعتين يركعهما من الضحى تجزئ عن السلاميَّات، وهي: عظام البدن، وأن الإنسان مركَّب من ستين وثلاثمائة مفصل، وعليه أن يتصدق عن كل مفصل، وله بكل تسبيحة صدقة، وبكل تكبيرة صدقة، وبكل تحميده صدقة، وبكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى، فدل ذلك على مشروعية الضحى.\nوأما من فعله ﷺ فقد ورد من حديث عائشة ﵂: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ».\nوكذلك في حديث أم هانئ أنه ﷺ «قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ»، ويصدق عليه صلاة الضحى، وقال القاضي عياض ﵀: «وتأولوا حديث أم هانئ أنها صلاة الفتح، وأنها من السنن ثمانى ركعات» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٥٥).\n(^٢) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٣/ ٥٢ - ٥٣).","vol":"2","page":429},{"text":"أما حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ أنه قَالَ: «قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ»، يعني: من سفره فهو يعارض قولها: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ».\nوقد حمل النووي ﵀ قول عائشة ﵂ الأول على أنها أرادت: ما كان يداوم ﷺ، فيكون نفيًا للمداومة، لا لأصلها (^١)، ويحتمل أنها نسيت ﵂؛ لأنها أخبرت قبل ذلك: أنه كان يصلي الضحى أربعًا، ويزيد ما شاء الله، وهذا الأخير ذكره سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، وكلام النووي ﵀ غير ظاهر.\nوالصواب: أن سنة الضحى مشروعة ومستحبة، وأن النبي ﷺ لم يكن يداوم عليها؛ لأنه ﵇ إما أنه كان مشغولًا بتبليغ الدعوة والرسالة، وإنفاذ الجيوش وقضاء حوائج الناس، وإما خشية أن تُفرض على الناس فيعجزوا عنها، قالت عائشة ﵂: «وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعُ الْعَمَلَ- وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ-؛ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ، فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ».\nواختلف العلماء: هل يستحب المداومة على صلاة الضحى؟\nعلى قولين، والصواب: أنه يستحب المداومة عليها، وهذا قول الجمهور (^٢)، وقال بعض أهل العلم: يكره المداومة عليها؛ لئلَّا يشبهها بالفرائض (^٣).\nووقت صلاة الضحى: من ارتفاع الشمس قدر رمح، أي: بعد طلوعها بربع ساعة، أو بثلث ساعة إلى قبيل الزوال.\nوأقلها: ركعتان، ولا حد لأكثرها، وقال النووي ﵀: إن أكثرها ثمان\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٥/ ٢٣٠).\n(^٢) بدائع الصنائع، للكاساني (١/ ٢٩٤)، مواهب الجليل، للحطاب (٢/ ٦٧)، المجموع، للنووي (٤/ ٣٧)، الإنصاف، للمرداوي (٢/ ١٩١)، المغني، لابن قدامة (٢/ ٩٧ - ٩٨).\n(^٣) زاد المعاد، لابن القيم (١/ ٣٤١ - ٣٤٣).","vol":"2","page":430},{"text":"ركعات (^١).\nوأفضل أوقاتها: حين ترمض الفصال، أي: حين تشتد الحرارة، والفصال جمع فصيل، وهو ولد الناقة، وترمض الفصال: تصيبها حرارة الرمضاء إذا اشتدت.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٤/ ٢٩).","vol":"2","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>بَابُ اسْتِحْبَابِ رَكْعَتَيْ سُنَّةِ الْفَجْرِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِمَا، وَتَخْفِيفِهِمَا، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا، وَبَيَانِ مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْرَأَ فِيهِمَا</span>\n\n[٧٢٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ حَفْصَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنَ الأَذَانِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ وَبَدَا الصُّبْحُ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ.\n[خ: ٦١٨]\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ.\nوَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ زَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، أَخْبَرَتْنِي حَفْصَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَضَاءَ لَهُ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.\n\n[٧٢٤] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ إِذَا سَمِعَ الأَذَانَ، وَيُخَفِّفُهُمَا.\n[خ: ٦١٩]\nوَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ يَعْنِي ابْنَ مُسْهِرٍ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، كُلُّهُمْ عَنْ","vol":"2","page":432},{"text":"هِشَامٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ.\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ هِشَامٍ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإِقَامَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُ سَمِعَ عَمْرَةَ تُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَيُخَفِّفُ، حَتَّى إِنِّي أَقُولُ: هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ؟ ! .\n[خ: ١١٧١]\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيِّ، سَمِعَ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، أَقُولُ: هَلْ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب؟ ! .\n[خ: ١١٦٩]\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءٌ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مُعَاهَدَةً مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَسْرَعَ مِنْهُ إِلَى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ.\n\n[٧٢٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: قَالَ أَبِي: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ- فِي شَأْنِ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ-: «لَهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا».","vol":"2","page":433},{"text":"[٧٢٦] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ يَزِيدَ- هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.\n\n[٧٢٧] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْفَزَارِيُّ- يَعْنِي: مَرْوَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ- عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ؛ فِي الأُولَى مِنْهُمَا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآيَةَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ، وَفِي الآخِرَةِ مِنْهُمَا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾، وَالَّتِي فِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾.\nوَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ.\nفي هذه الأحاديث من الفوائد:\n١. مشروعية سنة الفجر، وأنها آكد السنن الرواتب، وأن الأفضل أن يصليها الإنسان في بيته، لا سيما إن كان إمامًا، وإن صلاها في المسجد فلا حرج.\n٢. مشروعية تخفيف سنة الفجر.\n٣. أنه لا يصلى بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر.\n٤. أنه لم يكن ﷺ يدعهما لا حضرًا ولا سفرًا؛ لأهميتهما.","vol":"2","page":434},{"text":"٥. أنه ﷺ كان يستفتح بسورة الإخلاص حياته اليومية.\n٦. أنه ﷺ كان في سنة الفجر- أحيانًا- يقرأ سورة الكافرون، وسورة الإخلاص، وأحيانًا كان يقرأ آية البقرة، وآية آل عمران.","vol":"2","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>بَابُ فَضْلِ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ قَبْلَ الْفَرَائِضِ، وَبَعْدَهُنَّ، وَبَيَانِ عَدَدِهِنَّ</span>.\n\n[٧٢٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ- يَعْنِي: سُلَيْمَانَ ابْنَ حَيَّانَ- عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِحَدِيثٍ يَتَسَارُّ إِلَيْهِ قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ حَبِيبَةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ»، قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ عَنْبَسَةُ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ: مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَنْبَسَةَ، وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ سَالِمٍ: مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ.\nحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ: «مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَجْدَةً تَطَوُّعًا بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلَّا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ- أَوْ: إِلَّا بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ-» قَالَتْ أَمُّ حَبِيبَةَ: فَمَا بَرِحْتُ أُصَلِّيهِنَّ بَعْدُ، وقَالَ عَمْرٌو: مَا بَرِحْتُ أُصَلِّيهِنَّ بَعْدُ، وقَالَ النُّعْمَانُ مِثْلَ ذَلِكَ.\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ النُّعْمَانُ بْنُ سَالِمٍ: أَخْبَرَنِي قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ","vol":"2","page":436},{"text":"يُحَدِّثُ عَنْ عَنْبَسَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ»، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ.\nفي هذه الأحاديث: بشارة لكل مسلم؛ لما فيه من فضل الله ورحمته، وهذه الاثنتا عشرة ركعة تسمى: السنن الرواتب.\nوفيها: فضل أم حبيبة ﵂؛ لأنها حافظت على هذه الصلوات لما سمعتها من النبي ﷺ، وكذلك الرواة: عنبسة، والنعمان بن سالم، وعمرو بن أوس، كلهم حافظوا على هذه الصلوات لمَّا سمعوها؛ لما فيها من خير عظيم.\nوجاء في السنن تفسيرها: أنها: أربع ركعات قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، وهذه اثنتا عشرة ركعة.\nقال أهل العلم: والفضل في هذا الحديث لمن اجتنب الكبائر، أما من ارتكب الكبائر كالزنا، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، والتعامل بالربا، والسرقة وغيرها، أو ارتكب ما يوجب الحد في الدنيا فهو من أهل الوعيد.\nقوله: «بِحَدِيثٍ يَتَسَارُّ إِلَيْهِ»: قال القاضي عياض: «قيل: هو من السرور، أي: يُظهر السرورَ بما جاء فيه» (^١).\nقوله: «مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَجْدَةً تَطَوُّعًا»: السجدة هي الركعة، وسميت سجدة؛ لأن السجدة أهم أركانها.\nقولها: «فمَا بَرِحْتُ أُصَلِّيهِنَّ بَعْدُ»، يعني: ما زلت مستمرةً على صلاتها.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٣/ ٧١).","vol":"2","page":437},{"text":"[٧٢٩] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الظُّهْرِ سَجْدَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا سَجْدَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ سَجْدَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْعِشَاءِ سَجْدَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْجُمُعَةِ سَجْدَتَيْنِ، فَأَمَّا الْمَغْرِبُ، وَالْعِشَاءُ، وَالْجُمُعَةُ، فَصَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِهِ.\nفي هذا الحديث: ذكر من السنن الرواتب ثمان ركعات: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وهذا يُحمل على أنه اختصره، فلم يذكر هنا ركعتي الفجر، فتكون بذلك عشر ركعات، وفي حديث أم حبيبة المتقدم اثنتا عشرة ركعة.","vol":"2","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>بَابُ جَوَازِ النَّافِلَةِ قَائِمًا وَقَاعِدًا، وَفِعْلِ بَعْضِ الرَّكْعَةِ قَائِمًا</span>،\nوَبَعْضِهَا قَاعِدًا\n\n[٧٣٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَطَوُّعِهِ، فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ، وَيَدْخُلُ بَيْتِي فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ فِيهِنَّ الْوِتْرُ، وَكَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا، وَلَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَكَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ بُدَيْلٍ، وَأَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا رَكَعَ قَائِمًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا رَكَعَ قَاعِدًا.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ بُدَيْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: كُنْتُ شَاكِيًا بِفَارِسَ، فَكُنْتُ أُصَلِّي قَاعِدًا، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِك عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّيْلِ، فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا، وَلَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ قَائِمًا رَكَعَ قَائِمًا، وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ قَاعِدًا.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: سَأَلْنَا عَائِشَةَ عَنْ","vol":"2","page":439},{"text":"صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ قَائِمًا، وَقَاعِدًا، فَإِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَائِمًا رَكَعَ قَائِمًا، وَإِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَاعِدًا رَكَعَ قَاعِدًا.\nفي هذه الأحاديث: أنه ربما صلى ﵊ تسع ركعات في الليل، والغالب أنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة.\nوفيها: أن صلاة الليل متنوعة؛ فتارة يصلي ﵊ ليلًا طويلًا قائمًا، وتارة ليلًا طويلًا قاعدًا، وتارة يصلي قائمًا فيركع وهو قائم، وتارة يصلي وهو قاعد فيركع ويسجد وهو قاعد.\nوفيها: أنه لا بأس بأن يجلس المصلي في صلاة النافلة، كما كان النبي ﷺ يفعل، أما الفرائض فلا بد من القيام إلا عند العجز.\nوفيها: أن الأفضل أنه إذا افتتح الصلاة قائمًا أكملها قائمًا، وإذا افتتحها قاعدًا أكملها قاعدًا، كما يجوز له أن يجلس إذا تعب.","vol":"2","page":440},{"text":"[٧٣١] وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، أَخْبَرَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ-.ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ جَالِسًا، حَتَّى إِذَا كَبِرَ قَرَأَ جَالِسًا، حَتَّى إِذَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ السُّورَةِ ثَلَاثُونَ، أَوْ أَرْبَعُونَ آيَةً، قَامَ فَقَرَأَهُنَّ، ثُمَّ رَكَعَ.\n[خ: ١١٤٨]\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا، فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ، أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً، قَامَ فَقَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ.\n[خ: ١١١٩]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي هِشَامٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، قَامَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ إِنْسَانٌ أَرْبَعِينَ آيَةً.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ؟ قَالَتْ: كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ.\nفي هذه الأحاديث: حال أخرى لصلاته ﷺ، أنه كان يصلي قاعدًا في صلاة الليل، حتى إذا بقي عليه مقدار ثلاثين آية قام فقرأهن، ثم ركع، وهذا يدل على أنه قرأ قبل ذلك شيئًا كثيرًا ﵊.","vol":"2","page":441},{"text":"[٧٣٢] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ قَاعِدٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، بَعْدَ مَا حَطَمَهُ النَّاسُ.\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَمُتْ حَتَّى كَانَ كَثِيرٌ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ زَيْدٍ، قَالَ حَسَنٌ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا بَدَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَقُلَ، كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ جَالِسًا.\n\n[٧٣٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيِّ عَنْ حَفْصَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا، حَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ، فَكَانَ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا، وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسُّورَةِ فَيُرَتِّلُهَا حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالَا: بِعَامٍ وَاحِدٍ، أَوِ اثْنَيْنِ.\n\n[٧٣٤] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ حَسَنِ ابْنِ صَالِحٍ عَنْ سِمَاكٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَمُتْ حَتَّى صَلَّى قَاعِدًا.","vol":"2","page":442},{"text":"قولها: «بَعْدَ مَا حَطَمَهُ النَّاسُ»، يعني: بعد ما تعب بسبب تحمل أمورهم وأثقالهم.\nوفي هذا الحديث: بيان ما لحق من النبي ﷺ من التعب في آخر حياته بسبب اجتهاده في الدعوة إلى دين الله ﷿ وقضاء حوائج الناس.\n\n[٧٣٥] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ عَنْ أَبِي يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: حُدِّثْتُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ» قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي جَالِسًا، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ: «مَا لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو؟ !»، قُلْتُ: حُدِّثْتُ- يَا رَسُولَ اللَّهِ-: أَنَّكَ قُلْتَ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصْفِ الصَّلَاةِ»، وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا! قَالَ: «أَجَلْ، وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي يَحْيَى الأَعْرَجِ.\nفي هذا الحديث: أن من خصوصياته ﷺ أن صلاته وهو قاعد كصلاته وهو قائم تشريفًا له، ولأنه مشرِّع ﵊، وأما غيره فإذا صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم إذا كان يستطيع القيام، أما إذا كان عاجزًا عنه فله أجره كاملًا؛ لقول النبي ﷺ كما في صحيح البخاري: «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩٩٦).","vol":"2","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>بَابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَعَدَدِ رَكَعَاتِ النَّبِيِّ ﷺ فِي اللَّيْلِ، وَأَنَّ الْوِتْرَ رَكْعَةٌ، وَأَنَّ الرَّكْعَةَ صَلَاةٌ صَحِيحَةٌ</span>\n\n[٧٣٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ- وَهِيَ الَّتِي يَدْعُو النَّاسُ الْعَتَمَةَ- إِلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ وَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ.\nوَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَسَاقَ حَرْمَلَةُ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ، وَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: الإِقَامَةَ، وَسَائِرُ الْحَدِيثِ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَمْرٍ وَسَوَاءً.\n\n[٧٣٧] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عِرَاكِ","vol":"2","page":444},{"text":"بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ.\n\n[٧٣٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ؟ قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي».\n[خ: ١١٤٠]\nقول عائشة ﵂: «فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ»، تعني: أنه ﵊ كان يحسنها ويقيمها، وكانت صلاته طويلة ﵊.\nوقولها ﵂: «ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ»، يعني: يصلي أربع ركعات بسلامين، وليس المراد أنه كان يسردها بسلام واحد، كما دلت على ذلك الأحاديث الأخرى، والسنة يفسر بعضها بعضًا.\nوقولها ﵂: «اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ»: هذا الاضطجاع لا ينقض الوضوء؛ لأن عينيه تنام ولا ينام قلبه، وهذا من خصائصه ﷺ كما قال سفيان (^١)، أما غيره فإن النوم ناقض له؛ لقوله ﵊: «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ» (^٢)، ولقوله: «إنَّ الْعَيْنَيْنِ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتْ الْعَيْنَانِ اسْتُطْلِقَ الْوِكَاءُ» (^٣).\n_________\n(^١) مسلم (٧٦٣).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٧٦٢٥)، والترمذي (٩٦)، والنسائي (١٥٨).\n(^٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١٦٤٣٧).","vol":"2","page":445},{"text":"وفي هذه الأحاديث: بيان مشروعية قيام الليل، واستحباب الوتر، وأن صلاة الوتر تكون بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وصلاة الليل وصلاة الوتر واحدة، فتسمى صلاةَ الوتر، وتسمى قيامَ الليل.\nوكان النبي ﷺ يوتر بإحدى عشرة ركعة، أو بثلاث عشرة ركعة، وكان يحافظ على قيام الليل، وكان في الغالب يصلى إحدى عشرة ركعة، كما في حديث عائشة ﵂: «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً»، يعني: في الغالب، وربما زاد، كما سبق في حديث عائشة ﵂ أنه أوتر بثلاث عشرة ركعة صلاهن بتسليمة واحدة، وفي الحديث الآخر: أنه صلى ثلاث عشرة ركعة منهن ركعتا الفجر، وفي حديث آخر: أنه أوتر بتسع وبسبع، فدل على أن صلاة النبي ﵇ متنوعة، لكن الأفضل إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة.\nفلا بأس أن يوتر المسلم بثلاث ركعات يسردها سردًا، أو بخمس يسردهن سردًا، أو بسبع يسردهن سردًا، أو بتسع، لكن يجلس في الثامنة يتشهد، ثم يأتي بالتاسعة ثم يتشهد ويسلم، كل هذا ثابت عنه ﷺ.\nوفيها: مشروعية الاضطجاع على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر في البيت اضطجاعة خفيفة؛ لأنه لم ينقل عن الصحابة أنهم كانوا يضطجعون في مسجد النبي ﷺ.\nوهذه الاضطجاعة مستحبة عند الجمهور (^١)، وقال ابن حزم ﵀: إنها واجبة، وأن من لم يضطجع لا تصح صلاته (^٢)، وهذا القول مبالغة منه، والراجح: أنها مستحبة اقتداءً بالنبي ﷺ.\n_________\n(^١) حاشية الدر المختار، لابن عابدين (٢/ ٢١)، روضة الطالبينن، للنووي (١/ ٣٣٨)، المغني، لابن قدامة (٢/ ٩٤).\n(^٢) المحلى، لابن حزم (٣/ ١٩٦، ٢٠٠).","vol":"2","page":446},{"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ يُوتِرُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإِقَامَةِ مِنَ صَلَاةِ الصُّبْحِ.\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ الْحَرِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ- يَعْنِي: ابْنَ سَلَّامٍ- عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ: أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمَا: تِسْعَ رَكَعَاتِ قَائِمًا، يُوتِرُ مِنْهُنَّ.\nفي هذا الحديث: جواز الصلاة بعد الوتر؛ لأن النبي صلى ثلاث عشرة ركعة، ثم صلى ركعتين خفيفتين بعد الوتر، فإذا أوتر الإنسان في أول الليل، ثم يسر الله له القيام في آخر الليل فيقوم ويصلي بدون وتر، ويكفي الوتر السابق، وكذلك لو صلى في آخر الليل وأوتر وظن أن الفجر قرب، ثم تبين له أنه بقي بقية من الليل وأحب أن يصلي فلا بأس.","vol":"2","page":447},{"text":"وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: أَيْ أُمّهْ أَخْبِرِينِي عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: كَانَتْ صَلَاتُهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِاللَّيْلِ، مِنْهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ.\nحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ عَشَرَ رَكَعَاتٍ، وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَتْلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً.\n\n[٧٣٩] وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَأَلْتُ الأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ عَمَّا حَدَّثَتْهُ عَائِشَةُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتِ: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَيُحْيِي آخِرَهُ، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى أَهْلِهِ قَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَنَامُ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ النِّدَاءِ الأَوَّلِ قَالَتْ: وَثَبَ- وَلَا وَاللَّهِ مَا قَالَتِ: قَامَ- فَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ- وَلَا وَاللَّهِ مَا قَالَتِ: اغْتَسَلَ، وَأَنَا أَعْلَمُ مَا تُرِيدُ- وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُنُبًا تَوَضَّأَ وُضُوءَ الرَّجُلِ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ.\n[خ: ١١٤٦]\nقوله: «أَيْ أُمَّهْ» يناديها، «أي»: حرف نداء، يعني: يا أمي؛ لأنها أم المؤمنين ﵂.\nقولها: «عِنْدَ النِّدَاءِ الأَوَّلِ»، يعني: أذان الفجر، سمته النداء الأول؛ لأن الإقامة نداء آخر.\nوقولها: «وَثَبَ»، أي: قام بسرعة ونشاط، وفيه: الإقبال على العبادة بنشاط وهمة.","vol":"2","page":448},{"text":"[٧٤٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الأَسْوَدِ عَنِ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، حَتَّى يَكُونَ آخِرَ صَلَاتِهِ الْوِتْرُ.\nفي هذا الحديث: أن الأفضل أن يكون آخر الصلاة وترًا، ولقوله ﵇- أيضًا-: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» (^١)، وهذا الأمر للاستحباب وليس للوجوب؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ صلى بعد الوتر ركعتين، كما تقدم.\n\n[٧٤١] حَدَّثَنِي هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ عَمَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: كَانَ يُحِبُّ الدَّائِمَ قَالَ: قُلْتُ: أَيَّ حِينٍ كَانَ يُصَلِّي؟ فَقَالَتْ: كَانَ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ، قَامَ فَصَلَّى.\n[خ: ١١٣٢]\nقولها: «كَانَ يُحِبُّ الدَّائِمَ»: الدائم، أي: المستديم، وفي الحديث الآخر: «وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ» (^٢)، فالأفضل الاستدامة على الطاعة، ولو على القليل، وهو خير من أن يصلي بعض الليالي، ثم يترك.\nوقولها: «إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ»، أي: الديك باتفاق العلماء، قالوا وسمي بذلك لكثرة صياحه» ذكره النووي ﵀ (^٣)، وكانت الديكة لها معرفة بتقسيم الليل وترتيبه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٩٨)، ومسلم (٧٥٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٨٢٠).\n(^٣) شرح مسلم، للنووي (٦/ ٢٣).","vol":"2","page":449},{"text":"[٧٤٢] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا أَلْفَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ السَّحَرُ الأَعْلَى فِي بَيْتِي، أَوْ عِنْدِي، إِلَّا نَائِمًا.\n[خ: ١١٣٣]\nفي هذا الحديث: أنه ﷺ كان- أحيانًا- يكون في السحر نائمًا؛ لأنه يصلي السدس الرابع، والسدس الخامس، ثم ينام السدس السادس؛ حتى يستعين به على عمل النهار، على ما جاء في صلاة داود ﵇: «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا» (^١).\nوأحيانًا يأتي السَّحَر على رسول الله ﷺ وهو يصلي، فيقوم السدس الخامس، والسادس، وهو وقت التنزل الإلهي، يقول النبي ﷺ «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» (^٢)، وهو حديث عظيم متواتر.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٣١)، ومسلم (١١٥٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨).","vol":"2","page":450},{"text":"[٧٤٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي، وَإِلَّا اضْطَجَعَ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عَتَّابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.\nفي هذا الحديث: أنه لا بأس بالكلام بعد ركعتي الفجر، خلافًا لمن قال: إنه يكره الكلام بعد الفجر، وهو قول ابن مسعود ﵁ (^١) وسعيد بن المسيب وعطاء ابن أبي رباح رحمهم الله تعالى (^٢)؛ لأنه وقت استغفار.\n\n[٧٤٤] وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي منَ اللَّيْلِ، فَإِذَا أَوْتَرَ قَالَ: «قُومِي فَأَوْتِرِي يَا عَائِشَةُ».\nوَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي صَلَاتَهُ بِاللَّيْلِ، وَهِيَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا بَقِيَ الْوِتْرُ أَيْقَظَهَا فَأَوْتَرَتْ.\nفي هذا الحديث: استحباب إيقاظ الأهل للأمور المستحبة كالوتر، فالوتر ليس بواجب على الصحيح، كما مر.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٦٤٠٢).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٤٧٩٤).","vol":"2","page":451},{"text":"وفيه: أنه لا بأس باعتراض النائم أمام المصلي، سواء كان رجلًا أو امرأة، وأن هذا لا يعتبر مرورًا أمام المصلي، فالمرور أن يأتي من جانب إلى جانب.\n\n[٧٤٥] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ- وَاسْمُهُ وَاقِدٌ، وَلَقَبُهُ وَقْدَانُ-.ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، كِلَاهُمَا عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ.\n[خ: ٩٩٦]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ.\nحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ قَاضِي كِرْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُلَّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ.\nفي هذه الأحاديث: أن النبي ﷺ كان يوتر أحيانًا من أول الليل، وأحيانًا من وسطه، وأحيانًا من آخره، واستقر إلى آخر الليل، وهذا هو الأفضل، كما مر.","vol":"2","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>بَابُ جَامِعِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَمَنْ نَامَ عَنْهُ، أَوْ مَرِضَ</span>\n\n[٧٤٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَ عَقَارًا لَهُ بِهَا، فَيَجْعَلَهُ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ، وَيُجَاهِدَ الرُّومَ حَتَّى يَمُوتَ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، لَقِيَ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَنَهَوْهُ عَنْ ذَلِكَ، وَأَخْبَرُوهُ: أَنَّ رَهْطًا سِتَّةً أَرَادُوا ذَلِكَ فِي حَيَاةِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، فَنَهَاهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ: «أَلَيْسَ لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ؟»، فَلَمَّا حَدَّثُوهُ بِذَلِكَ، رَاجَعَ امْرَأَتَهُ- وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا- وَأَشْهَدَ عَلَى رَجْعَتِهَا، فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ، فَسَأَلَهُ عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ بِوِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: مَنْ؟ قَالَ: عَائِشَةُ، فَأْتِهَا فَاسْأَلْهَا، ثُمَّ ائْتِنِي فَأَخْبِرْنِي بِرَدِّهَا عَلَيْكَ، فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهَا، فَأَتَيْتُ عَلَى حَكِيمِ بْنِ أَفْلَحَ، فَاسْتَلْحَقْتُهُ إِلَيْهَا، فَقَالَ: مَا أَنَا بِقَارِبِهَا؛ لِأَنِّي نَهَيْتُهَا أَنْ تَقُولَ فِي هَاتَيْنِ الشِّيعَتَيْنِ شَيْئًا، فَأَبَتْ فِيهِمَا إِلَّا مُضِيًّا قَالَ: فَأَقْسَمْتُ عَلَيْهِ، فَجَاءَ فَانْطَلَقْنَا إِلَى عَائِشَةَ فَاسْتَأْذَنَّا عَلَيْهَا، فَأَذِنَتْ لَنَا، فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: أَحَكِيمٌ، فَعَرَفَتْهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَتْ: مَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قَالَ: ابْنُ عَامِرٍ،\nفَتَرَحَّمَتْ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ: خَيْرًا، قَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَ أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ: فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ كَانَ الْقُرْآنَ قَالَ: فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ، وَلَا أَسْأَلَ أَحَدًا عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أَمُوتَ، ثُمَّ بَدَا لِي، فَقُلْتُ: أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، وَأَمْسَكَ اللَّهُ","vol":"2","page":453},{"text":"خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ، وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ، لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ، وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ، وَلَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ، وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ، فَلَمَّا أَسَنَّ نَبِيُّ\nاللَّهِ ﷺ وَأَخَذَ اللَّحْمَ، أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ الأَوَّلِ، فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ، وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا، وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ، أَوْ وَجَعٌ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ، وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِهَا، فَقَالَ: صَدَقَتْ لَوْ كُنْتُ أَقْرَبُهَا- أَوْ: أَدْخُلُ عَلَيْهَا- لَأَتَيْتُهَا حَتَّى تُشَافِهَنِي بِهِ، قَالَ: قُلْتُ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهَا مَا حَدَّثْتُكَ حَدِيثَهَا.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَبِيعَ عَقَارَهُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّهُ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْوِتْرِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَقَالَ فِيهِ: قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قُلْتُ: ابْنُ عَامِرٍ قَالَتْ: نِعْمَ الْمَرْءُ كَانَ عَامِرٌ، أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ،","vol":"2","page":454},{"text":"أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى: أَنَّ سَعْدَ بْنَ هِشَامٍ كَانَ جَارًا لَهُ فَأَخْبَرَهُ: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ سَعِيدٍ، وَفِيهِ: قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قَالَ: ابْنُ عَامِرٍ، قَالَتْ: نِعْمَ الْمَرْءُ! كَانَ أُصِيبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَفِيهِ: فَقَالَ حَكِيمُ بْنُ أَفْلَحَ: أَمَا إِنِّي لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهَا مَا أَنْبَأْتُكَ بِحَدِيثِهَا.\nحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مِنَ اللَّيْلِ- مِنْ وَجَعٍ، أَوْ غَيْرِهِ- صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً.\nوَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى- وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ- عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَكَانَ إِذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ، أَوْ مَرِضَ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، قَالَتْ: وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ، وَمَا صَامَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا إِلَّا رَمَضَانَ.\nقوله: «لِأَنِّي نَهَيْتُهَا أَنْ تَقُولَ فِي هَاتَيْنِ الشِّيعَتَيْنِ شَيْئًا»: الشيعتان هما: شيعة علي ﵁، وشيعة معاوية ﵁، وعائشة ﵂ لم تكن مع هؤلاء ولا هؤلاء، بل كانت تطالب بدم عثمان ﵁.\nوقولها: «فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ كَانَ الْقُرْآنَ»، أي: أنه ﷺ كان متخلقًا بأخلاقه، يأتمر بأوامره، ويجتنب نواهيه، ويقف عند حدوده، ويتعظ بمواعظه، ويتصف بالصفات الحميدة التي رغب فيها.\nوقولها: «فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ»، يعني: نُسخ قيام","vol":"2","page":455},{"text":"الليل بعد أن كان واجبًا، فصار للأمة مستحبًّا في حقها، أما النبي ﷺ فهناك خلاف: هل هو واجب في حقه، أو نُسِخ وجوبه.\nوفي الحديث: أنه ﷺ أوتر بأقل من إحدى عشرة ركعة، فأوتر بتسع وسردها بسلام واحد، إلا أنه جلس في الثامنة وتشهد وقام، ثم صلى التاسعة ثم تشهد وسلم، فدل على أنه لا بأس أن يوتر بتسع يسردهن بسلام واحد لكن يتشهد تشهدين، وكذلك السبع له أن يسردها بسلام واحد، وهو مخير بأن يجلس في السادسة، وكذلك الخمس له أن يسردها بسلام واحد، لكن لا يجلس إلا في آخرها، والثلاث يسردها بسلام واحد، لكن لا يجلس إلا في آخرها.\nوذكر الفقهاء- أيضًا- أن له أن يسرد إحدى عشرة ركعة، يجلس في العاشرة، ثم يقوم فيأتي بالحادية عشرة، لكن الأفضل أن يسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة.\nوقولها: «وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ، أَوْ وَجَعٌ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً»، يعني: أنه ﷺ كان إذا نام عن صلاة الليل إما لمرض، أو انشغال، أو لغلبة النوم فإنه يقضي صلاته في الضحى، لكن لا يصلي وترًا، يصلي إحدى عشرة ركعة وزيادة ركعة فتصبح اثنتى عشرة ركعة.\nوهكذا إذا نام إنسان عن صلاة الليل فإنه يصليها في الضحى، لكن يشرع إذا كان يوتر بثلاث أن يزيد ركعة فتكون أربعًا، وإن كان يوتر بخمس يزيد ركعة، وهكذا.\nوقولها: «وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ»: يستثنى من ذلك العشر الأواخر من رمضان، كما ثبت في الحديث من قول عائشة ﵂: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٢٤)، ومسلم (١١٧٦).","vol":"2","page":456},{"text":"وقولها: «وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ»، يعني: أنه كان لا يحافظ على هذا ويديمه، ولا تعني: أنه لم يفعله قط، وإلا فقد قالت ﵂: «كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ (^١)، وكَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا» (^٢).\n\n[٧٤٧] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أخبراه عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ».\nفي هذا الحديث: فضل الله وإحسانه إلى عبده، وهو أن الإنسان إذا نام عن حزبه من الليل وقرأه فيما بين ارتفاع الشمس إلى أذان الظهر- كتبه الله له كأنما قرأه من الليل.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٧٠)، ومسلم (١١٥٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١١٥٧).","vol":"2","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>بَابُ صَلَاةِ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ</span>.\n\n[٧٤٨] وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنْ أَيُّوبَ عَنِ الْقَاسِمِ الشَّيْبَانِيِّ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ مِنَ الضُّحَى، فَقَالَ: أَمَا لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ».\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَهْلِ قُبَاءَ وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَقَالَ: «صَلَاةُ الأَوَّابِينَ إِذَا رَمِضَتِ الْفِصَالُ».\nفي هذا الحديث: أن أفضل أوقات صلاة الضحى حين ترمض الفصال، والفصال: جمع فصيل، وهو: ولد الناقة.\nوترمض: بفتح الميم، يعني: تسير في الرمضاء، فإذا اشتدت الشمس عليه أصابته الرمضاء، وهذا يكون عند ارتفاع الضحى في الساعة التاسعة، أو العاشرة تقريبًا.\nوالأوابون: الرَّجَّاعون إلى الله ﷿.\nووقت صلاة الضحى من ارتفاع الشمس قدر رمح، يعني: بعد طلوع الشمس بربع ساعة، أو ثلث ساعة إلى قبيل الزوال حين تقف الشمس، أو «حِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ» (^١)، وهو قبل الأذان بعشر دقائق تقريبًا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٣١).","vol":"2","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>بَاب صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَالْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ</span>.\n\n[٧٤٩] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى».\n[خ: ٩٩٠]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ح. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ح، وَحَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِرَكْعَةٍ».\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو: أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَحُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَدَّثَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَبُدَيْلٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ- وَأَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّائِلِ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ قَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَصَلِّ رَكْعَةً، وَاجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِكَ وِتْرًا»، ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ- عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ، وَأَنَا بِذَلِكَ الْمَكَانِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَا أَدْرِي هُوَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، أَوْ رَجُلٌ آخَرُ- فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَبُدَيْلٌ، وَعِمْرَانُ بْنُ","vol":"2","page":459},{"text":"حُدَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِّيتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَا بِمِثْلِهِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ، وَمَا بَعْدَهُ.\nفي هذه الأحاديث: جاء الخبر بمعنى الأمر، والمعنى: صلِّ صلاة الليل مثنى مثنى، وهذا الحديث متفق عليه من حديث عمر ﵁ (^١)، وفي اللفظ الآخر جاء بصيغة الأمر المباشر: «مَنْ صَلَّى فَلْيُصَلِّ مَثْنَى مَثْنَى» (^٢)، وفي اللفظ الآخر: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» (^٣).\nهذه ألفاظ ثلاثة بمعنى الأمر، وهو يفيد: أنه يجب أن تكون صلاة الليل مثنى مثنى، ولا يجوز أن يصلي صلاة الليل بثلاثية ولا رباعية بسلام واحد، والأمر للوجوب: فلا يجوز أن يصلي في الليل أربع ركعات بسلام واحد، أو ست ركعات بسلام واحد إلا إذا نوى وترًا، كما مر، أما إذا شفع فصلى أربعًا، أو ستًّا، أو ثمانيًا فهذا ممنوع في الليل للأحاديث المتقدمة.\nوأما صلاة النهار: فقد جاء في رواية أحمد وبعض السنن زيادة: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» (^٤)، لكن طعن بعض الحفاظ- مثل النسائي وجماعة- في زيادة: «وَالنَّهَارِ» (^٥)، قال النسائي: هذا الحديث عندي خطأ (^٦). وقالوا: إنها من رواية عروة البارقي، وانفرد بها وقد خالف الأكثرين، فهي ضعيفة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٧٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٧٥٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٩٩٥).\n(^٤) أخرجه أبو داود (١٢٩٥)، والترمذي (٥٩٧)، والنسائي (١٦٦٦)، وابن ماجه (١٣٢٢).\n(^٥) قال النسائي في الصغرى (٣/ ٢٢٧): هذا الحديث عندي خطأ.\n(^٦) الصغرى (٣/ ٢٢٧).","vol":"2","page":460},{"text":"كما طعن في هذه الزيادة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموع فتاويه، قال: «ومعلوم أنه لو قال: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، فإذا خفتَ الصبح فأوتِرْ بواحدة لم يجز ذلك، وإنما يجوز إذا ذكر صلاة الليل منفردة، كما ثبت في الصحيحين، والسائل إنما سأله عن صلاة الليل: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى»، وهذا لا يتناسب مع النهار» (^١).\nوسماحة الشيخ ابن باز ﵀ كان يرى أنها ثابتة، وأن البارقي ثقة، وأن الزيادة من الثقة مقبولة، ولا تخالف، وعلى هذا: فالمعنى: لا تصلِّ صلاة النهار إلا ركعتين كصلاة الليل (^٢).\nوقد تكلم النووي ﵀ عن حديث: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» (^٣)، وقال: «هذا هو الأفضل» (^٤).\nوالجمهور على أن الرواية لا بأس بها، وقالوا: صلاة النهار كذلك تكون مثنى مثنى، فلا يصلي أربع ركعات بسلام واحد.\nوقوله ﷺ: «وَاجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِكَ وِتْرًا»: هذا أمر للاستحباب، والذي صرفه عن الوجوب ما سبق في صحيح مسلم أن النبي ﷺ «كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ يُوتِرُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ» (^٥)، فدل هذا على أن الصلاة بعد الوتر ليست حرامًا، ولكن الأفضل أن يكون آخر الصلاة وترًا.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢١/ ٢٩٠).\n(^٢) نشرت في (مجلة الدعوة) العدد (١٥٦٠) في ١٤/ ٥/١٤١٧ هـ.\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٢٩٥)، والترمذي (٥٩٧)، والنسائي (١٦٦٦)، وابن ماجه (١٣٢٢).\n(^٤) شرح مسلم، للنووي (٦/ ٣٠).\n(^٥) أخرجه مسلم (٧٣٨).","vol":"2","page":461},{"text":"[٧٥٠] وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي عَاصِمٌ الأَحْوَلُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوِتْرِ».\n\n[٧٥١] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: مَنْ صَلَّى مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِهِ وِتْرًا؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا».\nوَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ صَلَّى مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِهِ وِتْرًا قَبْلَ الصُّبْحِ، كَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُهُمْ.\n\n[٧٥٢] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مِجْلَزٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ».\n\n[٧٥٣] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْوِتْرِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، وَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ».","vol":"2","page":462},{"text":"[٧٤٩] وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَجُلًا نَادَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ- وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أُوتِرُ صَلَاةَ اللَّيْلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى فَلْيُصَلِّ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِنْ أَحَسَّ أَنْ يُصْبِحَ سَجَدَ سَجْدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى».\nقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَلَمْ يَقُلْ: ابْنِ عُمَرَ.\nوَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ، أَأُطِيلُ فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ؟ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي لَسْتُ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ قَالَ: إِنَّكَ لَضَخْمٌ، أَلَا تَدَعُنِي أَسْتَقْرِئُ لَكَ الْحَدِيثَ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ، كَأَنَّ الأَذَانَ بِأُذُنَيْهِ.\nقَالَ خَلَفٌ: أَرَأَيْتَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ؟ وَلَمْ يَذْكُرْ: صَلَاة.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، بِمِثْلِهِ، وَزَادَ: وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، وَفِيهِ فَقَالَ: بَهْ، بَهْ، إِنَّكَ لَضَخْمٌ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ حُرَيْثٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا رَأَيْتَ أَنَّ الصُّبْحَ يُدْرِكُكَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ». فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: مَا مَثْنَى مَثْنَى؟ قَالَ: أَنْ تُسَلِّمَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ.\n\n[٧٥٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا».","vol":"2","page":463},{"text":"وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ شَيْبَانَ عَنْ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو نَضْرَةَ الْعَوَقِيُّ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُمْ: أَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْوِتْرِ، فَقَالَ: «أَوْتِرُوا قَبْلَ الصُّبْحِ».\nقوله: «أَلَا تَدَعُنِي أَسْتَقْرِئُ لَكَ الْحَدِيثَ؟»، يعني: أعطيك الحديث كاملًا وأعطيك فائدةً لم تسأل عنها، وفيه: أنه ينبغي للإنسان أن لا يتعجَّل، بل ينتظر حتى يعطيه المعلم، أو المحدث الفائدة؛ فإن العجلة قد تحرم الإنسان فوائد لم يسأل عنها.\nوقوله: «كَأَنَّ الأَذَانَ بِأُذُنَيْهِ»: المراد بالأذان هنا: الإقامة.\nوفيه: دليل على تخفيف ركعتي الفجر، قال القاضي عياض: «قوله: (يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ، كَأَنَّ الأَذَانَ بِأُذُنَيْهِ)، يعنى: من تخفيفهما، وأرى مراده بالأذان هنا: الإقامة؛ لأن عن هذا كان سؤال السائل» (^١).\nوقوله: «بَهْ بَهْ»: كلمة زجر.\nوقوله: «إِنَّكَ لَضَخْمٌ»: إشارة إلى البلادة وسوء الأدب، لمداخلته له فى الكلام وتركه تمامه، وقطعه عليه.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٣/ ١٠٤).","vol":"2","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>بَابُ مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ</span>\n\n[٧٥٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ».\nوَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: مَحْضُورَةٌ.\nوَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ- وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ- عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «أَيُّكُمْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ، ثُمَّ لِيَرْقُدْ، وَمَنْ وَثِقَ بِقِيَامٍ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ آخِرِهِ؛ فَإِنَّ قِرَاءَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَحْضُورَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ».\nقوله: «مَحْضُورَةٌ»، يعني: تحضرها الملائكة.\nوفي هذا الحديث: تفصيل، وهو: هل الأفضل الوتر أول الليل، أو آخر الليل؟\nوالتفصيل: أنه من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل؛ فإن صلاة آخر الليل مشهودة.\nوقد أوصى النبي ﷺ أبا الدرداء وأبا هريرة ﵄ بالوتر أول الليل، وكان أبو هريرة ﵁ يدرس الحديث، ويتأخر في الليل، فأوصاه النبي ﷺ أن يوتر أول الليل، فمن خشي فوات الوتر بأن كان لديه أعمال، أو لا ينام إلا متأخرًا، وخشي ألا يقوم آخر الليل فإنه يوتر أول الليل، أما إذا طمع أن يقوم، وكان له عادة أن يقوم آخر الليل فالأفضل أن يوتر آخر الليل، فيصلي ما قسم الله له، ثم يوتر.","vol":"2","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>بَابُ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ</span>\n\n[٧٥٦] حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «طُولُ الْقُنُوتِ».\nقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الأَعْمَشِ.\nقوله: «طُولُ الْقُنُوتِ»، يعني: طول القيام.","vol":"2","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>بَاب فِي اللَّيْلِ سَاعَةٌ مُسْتَجَابٌ فِيهَا الدُّعَاءُ</span>\n\n[٧٥٧] وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ».\nوَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ».\nفي هذا الحديث: أنه من فضل الله تعالى وإحسانه: أن جعل لنا ساعة استجابة، لا يسأل فيها عبدٌ اللهَ إلا أعطاه، وذلك إذا وُجدت شروط إجابة الدعاء، فلا يدعو بقطيعة رحم مثلًا.\nوهذه الساعة أخفاها الله تعالى؛ ليجتهد العباد في كل الليل، كما أن الله تعالى أخفى ساعة الجمعة يوم الجمعة؛ ليجتهد العباد جميع اليوم.","vol":"2","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَالإِجَابَةِ فِيهِ</span>\n\n[٧٥٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله الْأَغَرّ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟».\n[خ: ١١٤٥]\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ- عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ».\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ- أَوْ ثُلُثَاهُ- يَنْزِلُ اللَّهُ ﵎ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ».\nهذا الحديث من الأحاديث المتواترة، رواه الشيخان (^١)، وهو حديث عظيم فيه التنزل الإلهي.\nوفيه: إثبات النزول للرب ﷿ نزولًا يليق بجلاله وعظمته، فينزل كيف\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥٠٩)، ومسلم (٧٥٨).","vol":"2","page":468},{"text":"شاء ﷾، لا يشابه ولا يماثل المخلوقين في نزولهم، وهو ينزل وهو فوق العرش ﷾، كما يليق بجلاله وعظمته.\nوفيه: دليل على فضل الصلاة في ثلث الليل الآخر؛ لموافقة هذا الوقت الفضيل.\nحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا مُحَاضِرٌ أَبُو الْمُوَرِّعِ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ مَرْجَانَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَنْزِلُ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا لِشَطْرِ اللَّيْلِ- أَوْ لِثُلُثِ اللَّيْلِ الآخِرِ- فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ أَوْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ وَلَا ظَلُومٍ؟».\nقَالَ مُسْلِمٌ: ابْنُ مَرْجَانَةَ هُوَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمَرْجَانَةُ أُمُّهُ.\nحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ: «ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ ﵎، يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدُومٍ وَلَا ظَلُومٍ؟».\nحَدَّثَنَا عُثْمَانُ، وَأَبُو بَكْرِ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ- وَاللَّفْظُ لِابْنَي أَبِي شَيْبَةَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ مَنْصُورٍ أَتَمُّ وَأَكْثَرُ.\nقوله: «مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ وَلَا ظَلُومٍ؟»: قال النووي ﵀: «وفي الرواية","vol":"2","page":469},{"text":"الأخرى: (غير عدوم) هكذا هو في الأصول في الرواية الأولى (عديم) والثانية (عدوم)، وقال أهل اللغة: يقال: أعدم الرجل إذا افتقر فهو معدم وعديم وعدوم، والمراد بالقرض- والله أعلم-: عمل الطاعة سواء فيه الصدقة والصلاة والصوم والذكر وغيرها من الطاعات وسماه ﷾ قرضًا ملاطفةً للعباد وتحريضًا لهم على المبادرة إلى الطاعة فإن القرض إنما يكون ممن يعرفه المقترض وبينه وبينه مؤانسة ومحبة فحين يتعرض للقرض يبادر المطلوب منه بإجابته لفرحه بتأهيله للاقتراض منه، وإدلاله عليه وذكره له، وبالله التوفيق» (^١).\nوقوله في هذه الرواية: «لِشَطْرِ اللَّيْلِ، أَوْ لِثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخِرِ»: وهمٌ من بعض الرواة؛ فالأحاديث كلها في ثلث الليل الآخر.\nوأجاب عنها بعض العلماء بأنه: قد يكون النزول في نصف الليل، والنداء في الثلث الأخير، لكن الأحاديث كلها في ثلث الليل الآخر.\nوفي الحديث إشكال وهو: أن الأرض تختلف، وأنه قد يكون ثلث الليل في جزء من الأرض، ويكون في مكان آخر من الأرض نهار، أو قد يكون أول الليل، فما هو الجواب عن هذا؟\nجوابه: أن هذا ناشئ من كون الإنسان شبَّه نزول الخالق بنزول المخلوق؛ والأصل أن نقول: إنه ينزل، ولا نكيف، وهو أعلم كيف ينزل ﷾، ولا إشكال في ذلك، إنما يأتي الإشكال للإنسان إذا وقع في التشبيه أولًا.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٦/ ٣٨).","vol":"2","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، وَهُوَ التَّرَاوِيحُ</span>\n\n[٧٥٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».\n[خ: ٣٧]\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ، فَيَقُولُ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ.\n\n[٧٦٠] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَيُوَافِقُهَا- أُرَاهُ قَالَ: إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا- غُفِرَ لَهُ».\nقوله: «مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ»، أي: لم يأمرهم أمر إيجاب وحتم، بل أمر ندب وترغيب.\nفي هذه الأحاديث: بشارة للمؤمن أن من صام رمضان وقامه، وقام ليلة","vol":"2","page":471},{"text":"القدر غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ولكن بهذا القيد الذي جعله النبي ﷺ «إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا».\nوالإيمان معناه: الإيمان بالله ورسوله، والإيمان بهذا الفرض، والاحتساب معناه: احتساب الأجر والثواب، فلا يكون رياءً ولا تقليدًا ولا عادةً.\nوهذه الذنوب التي تُغفر هي الصغائر عند جمهور العلماء، أما الكبائر فلا بد لها من توبة.\nوأصح ما قيل في تعريف الكبيرة: إنها كل ذنب تُوُعِّد عليه بالنار، أو باللعنة، أو بالغضب في الآخرة، أو أوجب حدًّا في الدنيا، أو نفى عن صاحبه الإيمان، أو برئ منه النبي ﷺ، مثل: الزنا، والربا، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، والغيبة، والنميمة، وسفك الدماء، والعدوان على الأعراض، وقد قال الله ﷿: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾، فاشترط ﷾ لتكفير الصغائر اجتناب الكبائر، فقوله: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ يعني: الصغائر.\nوقال ﵊: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» (^١).\nوكذلك الصلوات الخمس مكفرات ما بينهن: إذا صلى الفجر كُفِّرت الخطايا إلى صلاة الظهر، وإذا صلى الظهر كُفِّرت الخطايا إلى صلاة العصر ... إلخ، وهذا كله إذا اجتنب الكبائر، وأدى الفرائض، أما من لم يؤدِّ الفرائض ولم يجتنب الكبائر فتبقى عليه الصغائر والكبائر، وإن كان يثاب على عمله.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٣٦).","vol":"2","page":472},{"text":"وهذا الثواب خاص بقيام رمضان، أما قيام غير رمضان فله ثواب آخر، قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nكما أن قيام الليل من أسباب حط الخطايا، كما في الحديث: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ» (^١).\nوجعل الله تعالى قيام الليل من صفات المحسنين، قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢١٦٢٧)، والترمذي (٢٦١٦)، والنسائي في الكبرى (١١٣٣٠)، وابن ماجه (٣٩٣٧).","vol":"2","page":473},{"text":"[٧٦١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: «قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ، إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ. قَالَ: وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ».\n[خ: ٩٢٤]\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ، فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ، عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَطَفِقَ رِجَالٌ مِنْهُمْ، يَقُولُونَ: الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنُكُمُ اللَّيْلَةَ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ، فَتَعْجِزُوا عَنْهَا».\nقوله: «فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ، إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ»: فيه: أنه لما زال ما خشيه النبي ﷺ جمعهم عمر ﵁ في خلافته؛ حيث انقطع الوحي من السماء، وأُمنت فرضية قيام الليل، ويخطئ من يقول: إنها سنة عمرية فقط، بل سنَّها الرسول ﵊.\nوفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ في رمضان صلى بأصحابه التراويح ثلاث ليالٍ متوالية، فصلى في الليلة الأولى وصلى الناس بصلاته، ثم في الليلة","vol":"2","page":474},{"text":"الثانية كثروا، ثم في الليلة الثالثة كثروا أكثر، ثم لم يخرج في الليلة الرابعة، وهذا من رأفته ورحمته ﵊ بالمؤمنين، فما منعه من الخروج في الليلة الرابعة والصلاة بهم إلا خشية أن يُفرض عليهم قيام الليل فيعجزوا عنه.\nفبقي الناس في آخر حياة النبي ﷺ يصلون فرادى، هذا يصلي وحده، وهذا يصلي مع اثنين، وكذلك في خلافة أبي بكر الصديق ﵁؛ لأن خلافته كانت قصيرة، سنتين وأربعة أشهر، أو ثلاثة أشهر، وكان مشغولًا ﵁ بحروب الردة، وكذلك كان الأمر في صدر خلافة عمر ﵁، ثم جمعهم عمر ﵁ على إمام واحد، واستمرت صلاة التراويح إلى اليوم.\nوفيه: مشروعية التشهد في أول الخطبة؛ لأن النبي ﷺ تشهد.\nوفيه: مشروعية قول: «أَمَّا بَعْدُ»، فقد كان النبي ﷺ يلازمها، فكان إذا أراد موعظة تشهد وحمد الله، وشهد لله بالوحدانية ولنفسه بالرسالة ﵊، ثم قال: «أَمَّا بَعْدُ».\n\n[٧٦٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدَةُ عَنْ زِرٍّ قَالَ: سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ- وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ قَامَ السَّنَةَ أَصَابَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَقَالَ أُبَيٌّ-: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ- يَحْلِفُ مَا يَسْتَثْنِي- وَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ، هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا.\nفي هذا الحديث: تحديد ليلة القدر، وكلام ابن مسعود ﵁: «مَنْ قَامَ السَّنَةَ أَصَابَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ»: ظاهره أنها في السنة كلها؛ ولذا قال بعض العلماء: إن ليلة القدر هي في السنة كلها في رمضان، أو في غير رمضان.","vol":"2","page":475},{"text":"وقال بعض العلماء: إنها رُفعت بعد عهد النبي ﷺ، وهذا قول ضعيف.\nوالصواب: أنها في رمضان، واختصت في العشر الأواخر؛ لقول النبي ﷺ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» (^١)، وليالي الوتر أرجى من غيرها؛ لقول النبي ﷺ «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» (^٢)، والسبع الأواخر أرجى من غيرها؛ لما ثبت في الحديث الصحيح أن رجالًا من أصحاب النبي ﷺ أُرُوا ليلة القدر من السبع الأواخر من رمضان، فقال الرسول ﷺ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» (^٣)، وأرجاها: ليلة سبع وعشرين.\nولكن لا يجزم بأنها ليلة بعينها، وأما قول أُبَيٍّ ﵁ إنه يحلف أنها في سبع وعشرين فهذا على حسب علمه وما ظهر له من أماراتها، ولا يلزم أنها لا تكون إلا في هذه الليلة.\nوالصواب: أنها متنقلة، وليست ثابتة، وفي زمن النبي ﷺ كانت في إحدى وعشرين؛ لأنه قال ﷺ: «إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، أَوْ نُسِّيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي الْوَتْرِ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ» (^٤)، فوصف المسجد ليلة إحدى وعشرين، فسجد النبي ﷺ في الماء والطين، قال الراوي: «حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي أَرْنَبَتِهِ وَجَبْهَتِه» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٢٠)، ومسلم (١١٧٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠١٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٠١٥)، ومسلم (١١٦٥).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٠١٦)، ومسلم (١١٦٧).\n(^٥) أخرجه البخاري (٢٠٣٦).","vol":"2","page":476},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَةَ بْنَ أَبِي لُبَابَةَ يُحَدِّثُ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ أُبَيٌّ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهَا، وَأَكْثَرُ عِلْمِي هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. وَإِنَّمَا شَكَّ شُعْبَةُ فِي هَذَا الْحَرْفِ: هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَحَدَّثَنِي بِهَا صَاحِبٌ لِي عَنْهُ.\nوَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: إِنَّمَا شَكَّ شُعْبَةُ، وَمَا بَعْدَهُ.\nقوله: «هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»: هذا اللفظ شك فيه شعبة؛ لأنه قال: «وَحَدَّثَنِي بِهَا صَاحِبٌ لِي عَنْهُ»، فليس هذا بثابت.","vol":"2","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>بَابُ الدُّعَاءِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَقِيَامِهِ</span>\n\n[٧٦٣] حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ حَيَّانَ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ فَأَتَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، فَأَتَى الْقِرْبَةَ فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ، وَلَمْ يُكْثِرْ، وَقَدْ أَبْلَغَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، فَقُمْتُ، فَتَمَطَّيْتُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَرَى أَنِّي كُنْتُ أَنْتَبِهُ لَهُ، فَتَوَضَّأْتُ فَقَامَ فَصَلَّى، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَتَتَامَّتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ- وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ- فَأَتَاهُ بِلَالٌ، فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ فَقَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَكَانَ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَعَظِّمْ لِي نُورًا».\nقَالَ كُرَيْبٌ: وَسَبْعًا فِي التَّابُوتِ، فَلَقِيتُ بَعْضَ وَلَدِ الْعَبَّاسِ فَحَدَّثَنِي بِهِنَّ، فَذَكَرَ: عَصَبِي، وَلَحْمِي، وَدَمِي، وَشَعْرِي، وَبَشَرِي. وَذَكَرَ: خَصْلَتَيْنِ.\n[خ: ٦٣١٦]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ كُرَيْبٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ- وَهِيَ خَالَتُهُ- قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ","vol":"2","page":478},{"text":"فَصَلَّى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ.\n[خ: ١٨٣]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيِّ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ: ثُمَّ عَمَدَ إِلَى شَجْبٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَسَوَّكَ، وَتَوَضَّأَ وَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، وَلَمْ يُهْرِقْ مِنَ الْمَاءِ إِلَّا قَلِيلًا، ثُمَّ حَرَّكَنِي فَقُمْتُ، وَسَائِرُ الْحَدِيثِ نَحْوُ حَدِيثِ مَالِكٍ.\nحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ كُرَيْبٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: نِمْتُ عِنْدَ مَيْمُونَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ نَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَفَخَ- وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ- ثُمَّ أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ فَخَرَجَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قَالَ عَمْرٌو: فَحَدَّثْتُ بِهِ بُكَيْرَ بْنَ الأَشَجِّ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي كُرَيْبٌ بِذَلِكَ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ عَنْ مَخْرَمَةَ ابْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ كُرَيْبٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، فَقُلْتُ لَهَا: إِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَيْقِظِينِي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ الأَيْسَرِ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَجَعَلَنِي مِنْ شِقِّهِ الأَيْمَنِ، فَجَعَلْتُ إِذَا أَغْفَيْتُ يَأْخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِي قَالَ: فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ احْتَبَى حَتَّى إِنِّي لَأَسْمَعُ نَفَسَهُ رَاقِدًا، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.","vol":"2","page":479},{"text":"في هذه الأحاديث: أن ابن عباس ﵄- وهو ابن عم النبي ﷺ، وكان ابن عشر سنين- أتى إلى النبي ﷺ، وبات عنده تلك الليلة في بيت خالته ميمونة- زوج النبي ﷺ-، وفي لفظ آخر: أنه ﷺ نام وأهله في طول الوسادة، ونام ابن عباس في عرضها (^١)، ولا بأس في ذلك فهي مَحْرَمُهُ.\nومن ذكائه وحرصه ﵁: أنه لم ينم؛ ليراقب النبي ﷺ، ويعلم كيف صلاة النبي ﷺ، وبهذا صار حبرَ هذه الأمة، وبدعوة النبي ﷺ «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» (^٢).\nولما قام النبي ﷺ وهو يراقبه قام إلى قربة فيها ماء، وأطلق شناقها، يعني: الرباط الذي تربط به، وصب ماء وتوضأ وضوءًا بين وضوءين، وأبلغ، يعني: لم يسرف ولم يقلل، كل هذا وابن عباس ﵄ يراقبه، قال: «فَقُمْتُ، فَتَمَطَّيْتُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَرَى أَنِّي كُنْتُ أَنْتَبِهُ لَهُ»: كأنه يتمغط ويوهم أنه نائم، وهو منتبه في الحقيقة.\nفقام النبي ﷺ وكبَّر للصلاة، فقام ابن عباس ﵄ وفعل كما فعل.\nوقوله: «فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ فَأَتَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ»: فيه: دليل على أن الإنسان إذا قام من النوم لا يلزمه الوضوء، فالنبي ﷺ قام وغسل وجهه ويديه، كأن هذا للنشاط، ثم نام.\nوفيه: دليل على أن موقف الواحد مع الإمام يكون عن يمينه، لا عن يساره.\nوفيه: دليل على أن من صلى على يسار الإمام إذا كان واحدًا لا تبطل صلاته، بدليل أن النبي ﷺ لم يأمره أن يعيد الركعة الأولى، لكن الأفضل أن يكون عن يمينه.\nوفيه: أن مَن صلى عن يسار الإمام يديره الإمام من خلفه، لا من أمامه.\nوفيه: دليل على صحة الائتمام بالمنفرد ولو لم يرد الإمامة، فإن النبي ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٣)، ومسلم (٧٦٣).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٧٩٣).","vol":"2","page":480},{"text":"صلى منفردًا، ثم جاء ابن عباس ﵄، فصاروا اثنين، أي: صاروا جماعة.\nوفيه: أن العمل القليل والحركة اليسيرة لا تؤثر في صحة الصلاة، وكذلك كما في قوله في الرواية الأخرى: «فَجَعَلْتُ إِذَا أَغْفَيْتُ يَأْخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِي»، أي: حتى يزول منه النعاس.\nوقوله: «وَكَانَ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَعَظِّمْ لِي نُورًا»: هذا الدعاء دعاء بالنور والضياء والهداية، وهو يشرع في الصلاة، ويشرع- أيضًا- في الذهاب إلى المسجد (^١).\nوقوله: «ثُمَّ عَمَدَ إِلَى شَجْبٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَسَوَّكَ»: الشجب: قربة قديمة (^٢)، وفيه: أنه لم يُصِبْ من الماء إلا قليلًا.\nوفي هذه الأحاديث- أيضًا-: أن صلاة النبي ﷺ طويلة، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَاّ قَلِيلا نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾.\nكما أن صبره عظيم ﵊، وجاء في الحديث: «فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ» (^٣).\nولهذا قالت عائشة ﵂: إنه كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ (^٤)، أي: تتورم، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لِمَ تَفْعَلْ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ، وَمَا تَأَخَّرَ؟ ! قال: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٦٣).\n(^٢) النهاية، لابن الأثير (٢/ ٤٤٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٩٩٤).\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٨٣٧).\n(^٥) أخرجه البخاري (١١٣٠)، ومسلم (٢٨٢١).","vol":"2","page":481},{"text":"وفي حديث حذيفة ﵁: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ، فَمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ»، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا، قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى»، فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِه (^١)؛ ولهذا تشققت قدماه وتورمت ﵊.\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ كُرَيْبٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا قَالَ: وَصَفَ وُضُوءَهُ وَجَعَلَ يُخَفِّفُهُ وَيُقَلِّلُهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخْلَفَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، فَخَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قَالَ سُفْيَانُ: وَهَذَا لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ.\nقول سفيان: «وَهَذَا لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ»: فيه: أن نوم النبي ﷺ لا ينقض الوضوء، وهذا من خصائصه ﷺ، بخلاف حالنا، فالواحد منا إذا نام نام قلبه وعيناه، فيخرج الريح ولا يشعر به.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٧٥).","vol":"2","page":482},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَبَقَيْتُ كَيْفَ يُصَلِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَقَامَ فَبَالَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْقِرْبَةِ فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا، ثُمَّ صَبَّ فِي الْجَفْنَةِ، أَوِ الْقَصْعَةِ، فَأَكَبَّهُ بِيَدِهِ عَلَيْهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا حَسَنًا بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَجِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ قَالَ: فَأَخَذَنِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَتَكَامَلَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ نَامَ حَتَّى نَفَخَ- وَكُنَّا نَعْرِفُهُ إِذَا نَامَ بِنَفْخِهِ- ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى، فَجَعَلَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ، أَوْ فِي سُجُودِهِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ شِمَالِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا- أَوَ قَالَ: وَاجْعَلْنِي نُورًا».\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ سَلَمَةُ: فَلَقِيتُ كُرَيْبًا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ غُنْدَرٍ، وَقَالَ: «وَاجْعَلْنِي نُورًا»، وَلَمْ يَشُكَّ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي رِشْدِينٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ: غَسْلَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ أَتَى الْقِرْبَةَ فَحَلَّ شِنَاقَهَا فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ، ثُمَّ أَتَى فِرَاشَهُ فَنَامَ، ثُمَّ قَامَ قَوْمَةً أُخْرَى، فَأَتَى الْقِرْبَةَ فَحَلَّ شِنَاقَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا هُوَ الْوُضُوءُ، وَقَالَ: «أَعْظِمْ لِي نُورًا»، وَلَمْ يَذْكُرْ: «وَاجْعَلْنِي نُورًا».","vol":"2","page":483},{"text":"قوله: «فَبَقَيْتُ كَيْفَ يُصَلِّي»: هو بفتح الباء الموحدة والقاف، أي: رقبت ونظرت، يقال: بقيت، وبقوت، بمعنى: رقبت، ورمقت.\nوفي هذا الحديث: أنه ﷺ لما قام أثناء الليل توضأ ثم نام، وفي الروايات الأخرى أنه غسل وجهه ويديه ثم نام، وعليه: فمن قام في الليل للحدث وقضى حاجته فله أن يتوضأ وينام، وله أن يغسل وجهه ويديه، وله أن ينام بدون شيء.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلْمَانَ الْحَجْرِيِّ عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ كُهَيْلٍ حَدَّثَهُ أَنَّ كُرَيْبًا حَدَّثَهُ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْقِرْبَةِ فَسَكَبَ مِنْهَا، فَتَوَضَّأَ وَلَمْ يُكْثِرْ مِنَ الْمَاءِ، وَلَمْ يُقَصِّرْ فِي الْوُضُوءِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ قَالَ: وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- لَيْلَتَئِذٍ- تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، قَالَ سَلَمَةُ: حَدَّثَنِيهَا كُرَيْبٌ- فَحَفِظْتُ مِنْهَا ثِنْتَيْ عَشْرَةَ وَنَسِيتُ مَا بَقِيَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ-: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي لِسَانِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَمِنْ فَوْقِي نُورًا، وَمِنْ تَحْتِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ شِمَالِي نُورًا، وَمِنْ بَيْنِ يَدَيَّ نُورًا، وَمِنْ خَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي نَفْسِي نُورًا، وَأَعْظِمْ لِي نُورًا».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: رَقَدْتُ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ- لَيْلَةَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا-؛ لِأَنْظُرَ كَيْفَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ قَالَ: فَتَحَدَّثَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً، ثُمَّ رَقَدَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَاسْتَنَّ.\nحَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ","vol":"2","page":484},{"text":"فَاسْتَيْقَظَ، فَتَسَوَّكَ، وَتَوَضَّأَ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾، فَقَرَأَ هَؤُلَاءِ الآيَاتِ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ، وَالرُّكُوعَ، وَالسُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، سِتَّ رَكَعَاتٍ كُلَّ ذَلِكَ، يَسْتَاكُ، وَيَتَوَضَّأُ، وَيَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الآيَاتِ، ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ، فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي لِسَانِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي سَمْعِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي بَصَرِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُورًا، وَمِنْ أَمَامِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِي نُورًا، وَمِنْ تَحْتِي نُورًا، اللَّهُمَّ أَعْطِنِي نُورًا».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مُتَطَوِّعًا مِنَ اللَّيْلِ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْقِرْبَةِ فَتَوَضَّأَ، فَقَامَ فَصَلَّى، فَقُمْتُ لَمَّا رَأَيْتُهُ صَنَعَ ذَلِكَ، فَتَوَضَّأْتُ مِنَ الْقِرْبَةِ، ثُمَّ قُمْتُ إِلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ، فَأَخَذَ بِيَدِي مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ يَعْدِلُنِي كَذَلِكَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ إِلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ. قُلْتُ: أَفِي التَّطَوُّعِ كَانَ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.\nوَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ، يُحَدِّثُ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَنِي الْعَبَّاسُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ- وَهُوَ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ- فَبِتُّ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَقَامَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَتَنَاوَلَنِي مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ، فَجَعَلَنِي عَلَى يَمِينِهِ.\nوَحَدَّثَنِي ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ.\n\n[٧٦٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي","vol":"2","page":485},{"text":"جَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً.\n[خ: ١١٣٧]\nقوله: «فَتَحَدَّثَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً»: فيه: أنه لا بأس بحديث الرجل مع أهله، أو مع الضيف بعد العشاء، وأن هذا ليس بمكروه.\nفي هذا الحديث: أن صلاة النبي ﷺ متنوعة، ففي هذه المرة أوتر بتسع، فصلى ركعتين طويلتين ثم نام، ثم قام فتوضأ، وقرأ الآيات من آخر سورة آل عمران، ثم صلى ركعتين طويلتين، ثم نام، ثم قام في المرة الثالثة وقرأ الآيات وتوضأ وصلى ركعتين، فهذه ست ركعات، ثم أوتر بثلاث فكانوا تسعًا.\nفدل قول عائشة ﵂- عندما سئلت: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ؟ -: مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً (^١) أنها أرادت: الأغلب.\nوفيه: استحباب تكرار قراءة خواتيم سورة آل عمران إذا قام، ثم نام، ثم قام، بعدد نومه وقيامه.\nوقوله: «بَعَثَنِي الْعَبَّاسُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ»: فيه: أن العباس ﵁ بعث ابنه عبد الله ﵁ ليبيت عند النبي ﷺ ليتعلم، وفيه حرص ابن عباس ﵄ على الخير مع صغر سنه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠١٣).","vol":"2","page":486},{"text":"[٧٦٥] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَأَرْمُقَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللَّيْلَةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، طَوِيلَتَيْنِ، طَوِيلَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ أَوْتَرَ، فَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً.\n\n[٧٦٦] وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَدَائِنِيُّ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَشْرَعَةٍ، فَقَالَ: «أَلَا تُشْرِعُ يَا جَابِرُ؟»، قُلْتُ: بَلَى قَالَ: فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَشْرَعْتُ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ، وَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا قَالَ: فَجَاءَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ.\nفي هذه الأحاديث: بيان أن صلاة النبي ﷺ متنوعة كما مر، وأنه ﵊ ربما صلى ثلاث عشرة ركعة، كما في حديث ابن عباس ﵄، وربما أوتر بإحدى عشرة ركعة، كما في حديث عائشة، وهذا في الأغلب، كما ثبت- أيضًا- عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَلَمَّا كَبِرَ وَضَعُفَ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ (^١)، وأوتر بسبع (^٢)، وربما غلبه نوم أو وجع فنام ﵊، ويصلي من النهار اثنتي عشرة ركعة؛ لأن النهار لا وتر فيه (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (١٧٠٨).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٦٧٣٨)، والترمذي (٤٥٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٧٤٦).","vol":"2","page":487},{"text":"ويظن بعض الأئمة أنه لا يجوز الزيادة في صلاة الليل في رمضان على إحدى عشرة ركعة، ويقول: هذا فعل النبي ﷺ، ولا أزيد عن فعله، وهذا من عدم علمه بالسنة؛ لأن صلاة الليل متنوعة، كما ثبت من فعله ﷺ.\n\n[٧٦٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، جَمِيعًا عَنْ هُشَيْمٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو حُرَّةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنِ اللَّيْلِ لِيُصَلِّيَ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.\n\n[٧٦٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ».\nفي هذا الحديث: استحباب افتتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين؛ لفعله ﵊، وللحديث الذي فيه: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ»؛ ولأنه إذا صلى انحلت العقد التي يعقدها الشيطان على الإنسان، فإذا صلى ركعتين خفيفتين بادر في حل العقد الثلاث، كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ- إِذَا هُوَ نَامَ- ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ: لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ» (^١).\nوهاتان الركعتان الخفيفتان اللتان يفتتح بهما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صلاته قد تحسب من قيام الليل، وقد لا تحسب، ويصلي من بعدها ثلاث عشرة ركعة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٤٢)، ومسلم (٧٧٦).","vol":"2","page":488},{"text":"[٧٦٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ- إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ-: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَأَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».\n[خ: ٧٤٩٩]\nفي هذا الحديث: أن هذا الدعاء من الاستفتاحات التي كان يستفتح بها النبي ﷺ في قيام الليل، وهي عدة استفتاحات، منها:\nالاستفتاح الوارد في حديث ابن عباس ﵄، والاستفتاح الوارد في حديث عائشة ﵂، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» (^١)، والاستفتاح الوارد في حديث علي ﵁ الآتي، ومن استفتح بأحد هذه الاستفتاحات فعل السنة.\nوقوله: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ»: فيه: إثبات النور لله ﷿، وأن من أسمائه النور، ومن صفاته أنه نور، وفي الحديث: «أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتِ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» (^٢)، وقال تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح﴾.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٧٧٦)، والترمذي (٢٤٣)، وابن ماجه (٨٠٦).\n(^٢) أخرجه ابن جرير في التاريخ (٢/ ٤٩٠).","vol":"2","page":489},{"text":"وقوله: «وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ»، وفي لفظ آخر: «أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ» (^١)، القيِّم والقيَّام والقيُّوم كما في قوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ هو: القائم بنفسه المقيم لغيره ﷾.\nوقوله: «وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ»: نص على ربوبية الله سبحانه.\nوقوله: «أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَأَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ»: هذا توسل عظيم بربوبية الله وقيوميته وصفاته، واعتراف بإلوهيته، وخضوع والتجاء إليه ﷾.\nوأصح الاستفتاحات: ما رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان إذا كَبَّر قال: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» (^٢)، وهذا يكون في الفريضة.\nوأفضل الاستفتاحات في ذات الله سبحانه، ما جاء في قوله ﷺ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» (^٣)؛ لأنه ثناء، وكان عمر ﵁ يَجْهَرُ بهذا الدعاء (^٤)، واختاره الشيخ محمد بن عبد الوهاب (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٢٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٦٠١).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢٤٢)، والترمذي (٢٤٢)، والنسائي (٨٩٩)، وابن ماجه (٨٠٤).\n(^٤) أخرجه مسلم (٤٠٢).\n(^٥) آداب المشي إلى الصلاة، لمحمد بن عبد الوهاب (ص ٦).","vol":"2","page":490},{"text":"حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وابن أبي عمر قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ فَاتَّفَقَ لَفْظُهُ مَعَ حَدِيثِ مَالِكٍ، لَمْ يَخْتَلِفَا إِلَّا فِي حَرْفَيْنِ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ- مَكَانَ قَيَّامُ-: قَيِّمُ، وَقَالَ: وَمَا أَسْرَرْتُ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ، فَفِيهِ بَعْضُ زِيَادَةٍ، وَيُخَالِفُ مَالِكًا، وَابْنَ جُرَيْجٍ فِي أَحْرُفٍ.\nوَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ- وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ- حَدَّثَنَا عِمْرَانُ الْقَصِيرُ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَاللَّفْظُ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفَاظِهِمْ.\n\n[٧٧٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، وأبو معن الرقاشي قَالُوا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ؛ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».\nفي هذا الحديث: هذا النوع من أنواع الاستفتاح، وهو ليس بالطويل.\nوفيه: التوسل لله تعالى بربوبيته لهؤلاء الملائكة الثلاثة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وذلك لأنهم وُكِّلوا بما فيه الحياة؛ فجبرائيل وكِّل بالوحي وهو حياة القلوب والأرواح، وميكائيل وُكِّل بالمطر الذي فيه حياة الخلائق من بني آدم والحيوان والنبات، وإسرافيل وُكِّل بالنفخ في الصور الذي فيه إعادة الأرواح إلى أجسادها، فيقوم الناس من قبورهم أحياء.","vol":"2","page":491},{"text":"[٧٧١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ الْمَاجِشُونُ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي، وَنُسُكِي، وَمَحْيَايَ، وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا؛ إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ». وَإِذَا رَكَعَ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِي». وَإِذَا رَفَعَ قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ».\nوَإِذَا سَجَدَ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ». ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».\nوَحَدَّثَنَاهُ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو النَّضْرِ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَمِّهِ الْمَاجِشُونِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنِ الأَعْرَجِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِي»، وَقَالَ: «وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ»، وَقَالَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ","vol":"2","page":492},{"text":"الرُّكُوعِ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، وَقَالَ: «وَصَوَّرَهُ فَأَحْسَنَ صُوَرَهُ»، وَقَالَ: «وَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ»، إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَقُلْ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ.\nفي هذا الحديث: الاستفتاح الوارد عن علي ﵁، وهو أطول الاستفتاحات.\nوقوله: «وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ»، وفي لفظ آخر: «وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ»؛ لأنه ﷺ أول مسلمي هذه الأمة، لكن الإنسان إذا استفتح يقول: وأنا من المسلمين.\nوكان هذا الاستفتاح الطويل في صلاة الليل؛ لأن صلاة الليل مبنية على التطويل، فيأتي بهذا الدعاء الطويل، وبقراءة طويلة، وبركوع طويل، وفيه يقول: «اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِي»، وبرفع طويل يقول فيه: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ»، وبسجود طويل يقول فيه: «اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ»، وبتشهد طويل- أيضًا- يقول فيه: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».\nقوله: «وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»: فيه: أن المنفرد وكذلك الإمام يجمع بين التسميع والتحميد، فيقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، أما المأموم فإنه يقتصر على قول: ربنا ولك الحمد، وهو الصواب خلافًا للشافعية القائلين بأن المأموم يجمع بينهما (^١).\n_________\n(^١) المجموع، للنووي (٣/ ٤١٧)، أسنى المطالب، لزكريا الأنصاري (١/ ١٥٨).","vol":"2","page":493},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>بَابُ اسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ</span>\n\n[٧٧٢] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنِ المُسْتَوْرِدِ بْنِ الأَحْنَفِ عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ- ذَاتَ لَيْلَةٍ- فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ، فَمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ»، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا، قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِه».\nقَالَ: وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ مِنَ الزِّيَادَةِ، فَقَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ».\nفي هذا الحديث: ذكر هذه الصلاة الطويلة للنبي ﵊، ذكرها حذيفة ﵁ قائلًا: إنه صلى معه ﵊ صلاة طويلة جدًّا، استفتح بالبقرة، فظن حذيفة أنه يركع عند المائة، فمضى، فقال في نفسه: إذا انتهى من البقرة ركع، فمضى، ثم استفتح النساء فقرأها كلها، ثم استفتح آل عمران فقرأها كلها، خمسة أجزاء وربع في ركعة واحدة قرأها النبي ﷺ مع الترتيل، إذا مر بآية فيها تسبيح وقف وسبح، وإذا مر بآية فيها تعوذ وقف وتعوذ، وإذا مر بآية فيها سؤال وقف وسأل، ثم ركع، فكان ركوعه قريبًا من قيامه- أيضًا-","vol":"2","page":494},{"text":"وقال: سبحان ربي العظيم، ودعا وأطال جدًّا، ثم قال: سمع الله لمن حمده، فكان قيامه قريبًا من ركوعه، ثم سجد فكان سجوده قريبًا من قيامه؛ ولما سئل ﷺ قال: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» (^١)، يفعل هذا شكرًا لله، ولتقتدي به أمته ﵊.\nوهذه الرواية احتج بها من قال: إن ترتيب السور بالاجتهاد لا بالنص؛ لأنه قدم ﷺ النساء على آل عمران، وقال آخرون: هو بالنص، ولكن الصواب: أن هذا كان أولًا قبل العرض الأخير للقرآن من جبريل ﵇، ثم بعد ذلك استقر ترتيب السور على عرضها الأخير كما هو عليه الآن في المصحف، بخلاف ترتيب الآيات فإنه بالنص، فلا يجوز تقديم آية على آية، وهذا بالإجماع (^٢).\n\n[٧٧٣] وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَطَالَ حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ قَالَ: قِيلَ: وَمَا هَمَمْتَ بِهِ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَجْلِسَ وَأَدَعَهُ.\n[خ: ١١٣٥]\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْخَلِيلِ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nفي هذا الحديث: أن عبد الله بن مسعود ﵁ صلى مع النبي ﷺ صلاة طويلة، فشق ذلك علي ابن مسعود ﵁ وهو شاب، والنبي ﷺ كان قد تقدم به السن، ومع ذلك أطال ﷺ حتى تعب عبد الله بن مسعود ﵁، وهمَّ بأمر سوء، وهو أن يجلس ويدعه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٣٠)، ومسلم (٢٨٢١).\n(^٢) الإتقان، للسيوطي (١/ ٢١١ - ٢١٦).","vol":"2","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>بَابُ مَا رُوِيَ فِيمَنْ نَامَ اللَّيْلَ أَجَمْعَ حَتَّى أَصَبْحَ</span>\n\n[٧٧٤] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ قَالَ: «ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ- أَوَ قَالَ: فِي أُذُنِهِ».\n[خ: ٣٢٧٠]\nفي هذا الحديث: أن العلماء اختلفوا في معنى قوله: «ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ»، فقيل: إنه نام عن صلاة العشاء، وقيل: نام عن صلاة الفجر، وقيل: إنه نام عن صلاة الليل، والأقرب: أنه نام عن صلاة الليل، وهذا ما فهمه الإمامان البخاري، ومسلم، فقد ذكراه في قيام الليل.\nوفيه: أنه ينبغي للإنسان أن يصلي من الليل ولو ركعة يوتر بها قبل أن يصبح، فإذا نام حتى أصبح ولم يصلِّ بعد صلاة العشاء شيئًا، فهذا مذموم، وينطبق عليه هذا الحديث.\nوقوله: «بال الشيطان»: هذا البول بول حقيقي، الله أعلم بكيفيته.","vol":"2","page":496},{"text":"[٧٧٥] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ: أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيّ حَدَّثَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَرَقَهُ، وَفَاطِمَةَ، فَقَالَ: «أَلَا تُصَلُّونَ؟ !»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ، وَهُوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ، وَيَقُولُ: «﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾».\n[خ: ١١٢٧]\nفي هذا الحديث: الأمر بقيام الليل، والتعاون على البر والتقوى؛ لطرقه ﷺ باب بيت علي وفاطمة ﵄، وقوله: «أَلَا تُصَلُّونَ؟ !»، وكما جاء في الحديث: «رَحِمَ اللهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، وَرَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَصَلَّى، فَإِنْ أَبَى، نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ» (^١)، قَالَ سُفْيَانُ: لَا يُرَشُّ فِي وَجْهِهِ، بل تَمْسَحُهُ (^٢)، فكل هذا من التعاون على البر والتقوى، ولو كان نافلة.\nوفيه: إثبات المشيئة لله ﷿ في قول علي ﵁: «إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا».\nوفيه: أن اليقظة من النوم تسمى بعثًا؛ لأن النوم موتة صغرى، واليقظة بعث أصغر، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾.\nوفيه: أن جواب علي ﵁ غير مناسب؛ ولهذا كان في نفس النبي ﷺ شيء لما أجاب به، وكان المناسب أن يقول ﵁: نسأل الله أن يعيننا، ادعُ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٧٤١٠)، وأبو داود (١٣٠٨)، والنسائي (١٦١٠)، وابن ماجه (١٣٣٦).\n(^٢) أخرجه أحمد (٧٣٢٢).","vol":"2","page":497},{"text":"الله لنا؛ لذا ولى النبي ﷺ مدبرًا وهو يضرب على فخذه، ويقول: «﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾»، يعني: أن هذا من الجدل المذموم.\nوفيه: أن الإنسان العظيم قد يقع منه بعض كلام خلاف الأولى، كما وقع من علي ﵁ مع جلالة قدره.\n\n[٧٧٦] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ عَمْرٌو، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ-: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ ثَلَاثَ عُقَدٍ إِذَا نَامَ، بِكُلِّ عُقْدَةٍ يَضْرِبُ: عَلَيْكَ لَيْلًا طَوِيلًا، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عَنْهُ عُقْدَتَانِ، فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتِ الْعُقَدُ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا، طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ».\n[خ: ١١٤٢]\nفي هذا الحديث: حِرص الشيطان- عدوِّ الله- على إيذاء ابن آدم، فإنه يعقد ثلاث عقد، ويضرب على كل عقدة: «عَلَيْكَ لَيْلًا طَوِيلًا».\nوفيه: أن الإنسان إذا لم يتوضأ، أو إذا لم يُصَلِّ، أو إذا لم يذكر الله أصبح خبيثَ النفس كسلانَ.\nوهذه العقد المذكورة في الحديث عقد حقيقية، الله أعلم بكيفيتها.","vol":"2","page":498},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>بَابُ اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ فِي بَيْتِهِ، وَجَوَازِهَا فِي الْمَسْجِدِ</span>\n\n[٧٧٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا».\n[خ: ٤٣٢]\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا».\n\n[٧٧٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًا».\nفي هذه الأحاديث: استحباب صلاة النوافل في البيت، وأنها أفضل من صلاتها في المسجد؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا»، يعني: لا تشبهوها بالقبور، فالقبور هي التي لا يصلى عندها، وإذا هجر الإنسان بيته ولم يُصَلِّ فيه جعل البيتَ مقبرةً، وبيَّن النبي ﷺ فضل صلاة النافلة في البيت، فقال: «فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًا».\nكما أن صلاة النوافل في البيوت أبعدُ عن الرياء، وفيها اقتداء أهل البيت به.\nوهذا الاستحباب يعم الصلاة القبلية والبعدية، فلو ركع ركعتي الفجر في بيته وجاء إلى المسجد ولم تُقَمِ الصلاة فإنه يصلي تحية المسجد.\nأما إذا خشي أن يتأخر عن الجماعة فإنه يصلي النافلة في المسجد، ولا سيما القبلية لما فيها من فضيلة، وحتى لا تفوته الجماعة.\nأما النافلة البعدية فالأفضل أن تكون في البيت إلا إذا كان هناك مصلحة","vol":"2","page":499},{"text":"أن يجلس في المسجد؛ لحضور درس، أو ما أشبه ذلك، أو أنه لا يريد أن يذهب إلى بيته، أو يخشى أن ينساها.\n\n[٧٧٩] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ».\n[خ: ٦٤٠٧]\n\n[٧٨٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ؛ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ».\nفي هذا الحديث: حث على الذكر العام، سواء أكان قراءة القرآن، أو الصلاة، أو الدعاء، أو التسبيح، أو قراءة كتب أهل العلم والرسائل المفيدة، فكل هذا من الذكر.\nوفيه: فضل قراءة سورة البقرة في البيت بخصوصها، فهي تطرد الشياطين.","vol":"2","page":500},{"text":"[٧٨١] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ- مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ- عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُجَيْرَةً بِخَصَفَةٍ- أَوْ: حَصِيرٍ- فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِيهَا قَالَ: فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ، وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ قَالَ: ثُمَّ جَاءُوا لَيْلَةً، فَحَضَرُوا وَأَبْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمْ قَالَ: فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَحَصَبُوا الْبَابَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُغْضَبًا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ؛ فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ، إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ».\n[خ: ٧٣١]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهَا لَيَالِيَ، حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ: «وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ».\nفي هذا الحديث: أن هذه الحجيرة التي احتجرها النبي ﷺ من خصفة: وهي ما صنع من خوص النخل، - الحصير -، وفي فعله ﷺ من المصالح: أنه يحتجر عن الناس، فلا يمر من ورائه أحد، وتكون سببًا في فراغ قلبه وخشوعه.\nوفيه: دليل على أنه لا بأس أن يقتدي المأموم بالإمام، ولو كان بينه حائل.\nوفيه: حرصه عليه الصلاة السلام وعنايته بأمته وشفقته عليهم، فقد وصفه ربه، فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.","vol":"2","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>بَابُ فَضِيلَةِ الْعَمَلِ الدَّائِمِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَغَيْرِهِ</span>\n\n[٧٨٢] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: الثَّقَفِيَّ- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَصِيرٌ، وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُصَلِّي فِيهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، فَثَابُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ: مَا دُووِمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّ». وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا أَثْبَتُوهُ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ».\n\n[٧٨٣] وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ؟ قَالَتْ: لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَطِيعُ؟ ! .\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى: أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ». قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ، إِذَا عَمِلَتِ الْعَمَلَ لَزِمَتْهُ.\nقولها: «كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً»، يعني: مستمرًّا.\nقوله: «فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا»: هذا وصف يليق بجلال الله، ولا يشبه","vol":"2","page":502},{"text":"مللَ المخلوق، فمللُ المخلوق يدل على ضعفه ونقصه، أما وصف الله فليس فيه نقص ولا ضعف- تعالى الله عن ذلك-، فله سبحانه الوصف الكامل والمثل الأعلى، وهو العزيز الحكيم.\nومن آثار هذه الصفة: أن الله تعالى لا يقطع الثواب عن العبد حتى يقطع العبد العمل.\nأما قول النووي ﵀ وجماعة: إن معنى قوله ﷺ: «فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا»، أي: لا يقطع الثواب حتى تقطعوا العمل، فهذا تفسير بالأثر، كتفسير الأشاعرة الغضبَ بالانتقام، والرضا بالثواب.\nوقال بعضهم: هذا من باب المشاكلة، مثل: قوله تعالى: ﴿وإذا خلو إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾.\nوفيه: أن أحب العمل إلى الله ما استمر صاحبه عليه، وأدامه ولو كان قليلًا.\nوقوله: «وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا أَثْبَتُوهُ»، يعني: استمروا عليه.\nوقول القاسم بن محمد: «وَكَانَتْ عَائِشَةُ، إِذَا عَمِلَتِ الْعَمَلَ لَزِمَتْهُ»: هذا اقتداء منها ﵂ بالنبي ﷺ، وامتثال لفعله ﵇.","vol":"2","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>بَابُ أَمْرِ مَنْ نَعَسَ فِي صَلَاتِهِ، أَوِ اسْتَعْجَمَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، أَوِ الذِّكْرُ بِأَنْ يَرْقُدَ، أَوْ يَقْعُدَ؛ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ ذَلِكَ</span>\n\n[٧٨٤] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ، وَحَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟ !»، قَالُوا: لِزَيْنَبَ تُصَلِّي، فَإِذَا كَسِلَتْ، أَوْ فَتَرَتْ أَمْسَكَتْ بِهِ، فَقَالَ: «حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا كَسِلَ، أَوْ فَتَرَ قَعَدَ».\nوَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ: «فَلْيَقْعُدْ».\n[خ: ١١٥٠]\nوَحَدَّثَنَاهُ شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.\n\n[٧٨٥] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ الْحَوْلَاءَ بِنْتَ تُوَيْتِ ابْنِ حَبِيبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى مَرَّتْ بِهَا، وَعِنْدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: هَذِهِ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ، وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَنَامُ اللَّيْلَ! خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَسْأَمُ اللَّهُ حَتَّى تَسْأَمُوا».\n[خ: ٤٣]\nفي هذه الأحاديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يشق على نفسه، فهذه المرأة التي يقال لها: الحولاء بنت تويت ﵂ كانت عابدة من العابدات، وكانت لا تنام الليل؛ فتقضيه في العبادة، وكذلك كانت تفعل زينب ﵂، فكانت تمد حبلًا بين الساريتين في المسجد، يعني: بين العمودين تصلي، فإذا تعبت تعلقت بالحبل حتى يذهب عنها النعاس، ثم تصلي، فإذا فترت تعلقت بهذا","vol":"2","page":504},{"text":"الحبل، فقال النبي ﷺ: «حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا كَسِلَ أَوْ فَتَرَ قَعَدَ».\nوفي الحديث الآخر قال ﷺ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ، وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» (^١).\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظ لَهُ- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي امْرَأَةٌ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟»، فَقُلْتُ: امْرَأَةٌ لَا تَنَامُ، تُصَلِّي! قَالَ: «عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ».\nوَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: أَنَّهَا امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ.\n\n[٧٨٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ، فَيَسُبُّ نَفْسَهُ».\n[خ: ٢١٢]\n\n[٧٨٧] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ، فَاسْتَعْجَمَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ فَلْيَضْطَجِعْ».\nفي هذا الحديث: أن المراد بهذه الصلاة: صلاة الليل، فإذا غلب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٩).","vol":"2","page":505},{"text":"الإنسانَ نعاسٌ فيها نام؛ حتى لا يسب نفسه بدل أن يستغفر.\nأما صلاة الفرائض فأوقاتها محددة، وهي مبنية على المسارعة في أدائها، فلو قيل لإنسان: نم في صلاة الفرائض فقد يؤخر الصلاة على نفسه.\nوقال النووي ﵀: «إن هذا عام في صلاة الفرض والنفل» (^١).\nقلت: وهذا لا يمكن، فإنا إذا قلنا لإنسان: نم بعد صلاة الظهر جاء العصر عليه وهو نائم، وهكذا في جميع الصلوات، فالحديث المراد به: نفل الليل؛ لأنه محل النوم غالبًا.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٦/ ٧٤).","vol":"2","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>كتابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ</span>","vol":"2","page":508},{"text":"كتابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>بَابُ الأَمْرِ بِتَعَهُّدِ الْقُرْآنِ، وَكَرَاهَةِ قَوْلِ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا</span>،\nوَجَوَازِ قَوْلِ: أُنْسِيتُهَا\n\n[٧٨٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: «يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً، كُنْتُ أَسْقَطْتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا».\n[خ: ٥٠٤٢]\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: «﵀، لَقَدْ أَذْكَرَنِي آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا».\nفي هذا الحديث: جواز رفع الصوت بالقرآن في المسجد إذا لم يكن ثَمَّ مصلٍّ، أو تالٍ، أو نائم.\nوفيه: أن نسيان النبي ﷺ لشيء من القرآن يكون على قسمين:\nأحدهما: نسيانه الذي يتذكره عن قرب، وذلك قائم بالطباع البشرية، وعليه يدل قوله ﷺ في حديث ابن مسعود ﵁: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢).","vol":"2","page":509},{"text":"الثاني: أن يرفعه الله عن قلبه على إرادة نسخ تلاوته، وهو المشار إليه بالاستثناء في قوله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله﴾.\nفأما القسم الأول فعارض سريع الزوال؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾، وأما الثاني فداخل في قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ على قراءة من قرأ بضم أوله من غير همزة (^١).\nوفيه: حجة لمن أجاز النسيان على النبي ﷺ فيما ليس طريقه البلاغ مطلقًا، وكذا فيما طريقه البلاغ.\nقال النووي ﵀: «قوله ﷺ كُنْتُ أُنْسِيتُهَا دليل على جواز النسيان عليه ﷺ فيما قد بلَّغه إلى الأمة، وقد تقدم في باب سجود السهو الكلام فيما يجوز من السهو عليه ﷺ وما لا يجوز، قال القاضي عياض ﵀: جمهور المحققين جواز النسيان عليه ﷺ ابتداء فيما ليس طريقه البلاغ، واختلفوا فيما طريقه البلاغ والتعليم ولكن من جوز قال: لا يُقَرُّ عليه، بل لا بد أن يتذكره، أو يذكره». (^٢)\nتنبيه: ما جاء في حديث: «مَا مِنَ امْرِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ يَنْسَاهُ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمَ» (^٣) فهو حديث ضعيف، والإنسان من طبيعته النسيان، لكن لا ينبغي للإنسان أن يهمل ما حفظه؛ لأن هذا من التفريط في خير كثير.\nمسألة: قول الله تعالى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُم﴾ المراد: بالنسيان هنا: نسيان الترك، وهو الإعراض عن العمل.\nوهذا لا ينافي ما كان النبي ﷺ يفعله في أول الأمر، حينما يأتيه جبريل\n_________\n(^١) حجة القراءات، لابن زنجلة (ص ١٠٩).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٦/ ٧٦ - ٧٧).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٤٧٤)، والدارمي (٣٣٤٠).","vol":"2","page":510},{"text":"﵇ بالوحي، فيحرك لسانه؛ خشية أن ينساه، فوعده الله تعالى أن يجعله في صدره في وقت النزول، ولا يضيع منه شيء، فجمعه الله في صدره، فكان بعد ذلك يسكت، فإذا ذهب جبريل قرأه، ولا يضيع منه شيء (^١).\n\n[٧٨٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ الإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ، إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ».\n[خ: ٥٠٣١]\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ-.ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ- يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ- جَمِيعًا عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: «وَإِذَا قَامَ صَاحِبُ الْقُرْآنِ فَقَرَأَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ذَكَرَهُ، وَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ».\n\n[٧٩٠] وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بِئْسَمَا لِأَحَدِهِمْ يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ، اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ، فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا».\n[خ: ٥٠٣٢]\nحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي وَأَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: قَالَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٤٥٠).","vol":"2","page":511},{"text":"عَبْدُ اللَّهِ: تَعَاهَدُوا هَذِهِ الْمَصَاحِفَ، وَرُبَّمَا قَالَ: الْقُرْآنَ، فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ مِنْ عُقُلِهِ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بِئْسَمَا لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ سُورَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، أَوْ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ».\n\n[٧٩١] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا»، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لِابْنِ بَرَّادٍ.\n[خ: ٥٠٣٣]\nقوله: «وَإِذَا قَامَ صَاحِبُ الْقُرْآنِ فَقَرَأَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ذَكَرَهُ، وَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ»، يعني: إذا قام به يبقى متذكرًا له، وإذا تركه نسيه.\nوقوله: «النَّعَمِ»: هي: الإبل.\nوقوله: «تَفَصِّيًا»، يعني: تفلُّتًا.\nوقوله: «بِعُقُلِهَا»: جمع عقال، وهو الحبل الذي يربط به البعير.\nوفي هذه الأحاديث: الحث على تعاهد القرآن، وأن من أعطاه الله القرآن وحفظه عن ظهر قلب عليه أن يتعاهده حتى لا ينساه، وبيَّن النبي ﷺ ذلك، فقال: «اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآن» أي: طلب ذُكره- بضم الذال- فينبغي استذكار القرآن وملازمة تلاوته، وقد بوب البخاري ﵀ على هذا الحديث بقوله: «استذكار القرآن وتعاهده» (^١).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦/ ١٩٣).","vol":"2","page":512},{"text":"قوله: «فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا»، فالإبل إذا عُقلت بالعقال- وهو الحبل الذي يربط به يد البعير وهي جالسة- تقوم واحدة بعد واحدة، فإذا قامت واحدة تحركت، ثم انفلت العقال، فإذا رأتها أختها قامت، ثم تتفلت، وهكذا صاحب القرآن.\nفالإبل المعقلة إذا كانت يدها مربوطة بالعقال فإنها تحركه، ثم ينفلت هذا العقال وتذهب، وهذا إذا لم يكن عندها صاحبها، أما إذا كان عندها فإنه إذا انفلتت قام وربط العقال مرة ثانية، وإذا تحركت ثانية ربطها فبقيت، وكذلك صاحب القرآن إن عاهد عليه فصار يقرؤه بقي، وإلا ذهب، وهذه نصيحة من النبي ﷺ لأمته.\nوقوله: «بِئْسَمَا لِأَحَدِهِمْ يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ»: هذا ذم لهذه المقالة، أن يقول: نَسيت، بل يقول: «نُسِّيت»، وهذا النهي للتنزيه، والصارف عن التحريم إلى الكراهة التنزيهية قول الله تعالى: ﴿سَنُقْرِئكَ فَلَا تَنسَى﴾، ولم يقل: فلا تُنَسَّى، فدل على أن النهي الوارد في الحديث للتنزيه.","vol":"2","page":513},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>بَابُ اسْتِحْبَابِ تَحْسِينِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ</span>\n\n[٧٩٢] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ- قَالَ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ».\n[خ: ٥٠٢٣]\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح، وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: كَمَا يَأْذَنُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ.\nحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- وَهُوَ ابْنُ الْهَادِ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ، يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ».\nوَحَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ ابْنُ مَالِكٍ، وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنِ ابْنِ الْهَادِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ سَوَاءً، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعَ.\nوَحَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِقْلٌ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ، كَأَذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ أَيُّوبَ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ: كَإِذْنِهِ.\nقوله: «مَا أَذِنَ»، يعني: ما استمع.","vol":"2","page":514},{"text":"وقوله: «يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ»، يعني: يحسن صوته بالقرآن، والمقصود بالتغني: تحسين الصوت بالقرآن مع الجهر به، وهو مستحب.\nوالتغني غير التمطيط والتلحين، فهما مكروهان، ومن اللحن المكروه إدغام ما لا يجوز إدغامه، ومد ما لا يجوز مده؛ ولهذا كره الإمام أحمد ﵀ قراءة الإدغام الكبير (^١)، وقال عمر بن عبد العزيز ﵀- لمؤذن أذن فطرب فى أذانه-: «أَذِّنْ آذَانًا سَمْحًا، وَإِلا فَاعْتَزِلْنَا» (^٢).\nوفي هذه الأحاديث: إثبات صفة الاستماع لله ﷿، وهو من الصفات الفعلية؛ كالغضب، والكراهة، والسخط، والخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وقال سبحانه: ﴿هَلْ تَعْلَم لَهُ سميًّا﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فالله تعالى لا يشبه أحدًا من خلقه، لا في ذاته، ولا في صفاته، وهو الكامل سبحانه في ذاته وصفاته وأفعاله.\n_________\n(^١) معونة أولي النهى، لابن النجار (٢/ ١٢٦).\n(^٢) أخرجه البخاري معلَّقًا مجزومًا به (١/ ١٣٥)، ووصله ابن أبي شيبة (٢٣٧٥).","vol":"2","page":515},{"text":"[٧٩٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكٌ- وَهُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ- أَوِ الأَشْعَرِيَّ- أُعْطِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ».\n[خ: ٥٠٤٨]\nوَحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي مُوسَى: «لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ».\nقوله: «مِزْمَارًا»: المزمار: الصوت الحسن.\nوقوله: «من مزامير آل داود»، أي: من أصواتهم الحسنة، وأصل الزمر: الغناء، والمعنى: أنه أُعطي صوتًا حسنًا من أصواتهم الحسنة، والمراد: داود ﵇ نفسه؛ لأنه أعطي صوتًا حسنًا.\nوفي رواية أخرى قال أبو موسى ﵁ لرسول الله ﷺ: «لَوْ عَلِمْتُ مَكَانَكَ، لَحَبَّرْتُ لَكَ تَحْبِيرًا» (^١)، أي: حسَّنته تحسينًا، وذلك من أجل استماعه ﷺ له.\nوفيه: فضل أبي موسى الأشعري ﵁ فقد كان حسنَ الصوت بالقراءة.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٣٤١)، وابن حبان (٧٣٥٣).","vol":"2","page":516},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>بَابُ ذِكْرِ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ سُورَةَ الْفَتْحِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ</span>\n\n[٧٩٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَوَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيَّ يَقُولُ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فِي مَسِيرٍ لَهُ سُورَةَ الْفَتْحِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَرَجَّعَ فِي قِرَاءَتِهِ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ يَجْتَمِعَ عَلَيَّ النَّاسُ لَحَكَيْتُ لَكُمْ قِرَاءَتَهُ.\n[خ: ٤٢٨١]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى نَاقَتِهِ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ قَالَ: فَقَرَأَ ابْنُ مُغَفَّلٍ، وَرَجَّعَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَوْلَا النَّاسُ لَأَخَذْتُ لَكُمْ بِذَلِكَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ مُغَفَّلٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nوَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: عَلَى رَاحِلَةٍ يَسِيرُ، وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ.\nقوله: «فَرَجَّعَ فِي قِرَاءَتِهِ»: الترجيع: الترديد والتكرار بالقراءة، بقصد التخشع والتحزن، مع تحسين الصوت.\nومنه: الترجيع في أذان أبي محذورة ﵁، وأما أذان بلال ﵁ فليس فيه ترجيع، وذلك لأن أبا محذورة ﵁ كان يأتي بالشهادتين سرًّا، ثم يأتي بهما جهرًا، وأما أذان بلال ﵁ فليس فيه ترجيع وقد سبق تفصيله في باب صفة الأذان.\nوقوله: «لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ يَجْتَمِعَ عَلَيَّ النَّاسُ، لَحَكَيْتُ لَكُمْ قِرَاءَتَهُ»، يعني: لولا","vol":"2","page":517},{"text":"أن يغشاني الناس لاستماع قراءتي لحكيت لكم قراءة النبي ﷺ، اقتداءً به.\nولم يرد عن النبي ﷺ أنه رجَّع في الفريضة، والظاهر: أنه كان يقرأ على راحلته في غير الصلاة، ويحتمل أنه في الصلاة يصلي على راحلته، أو أنه يقرأ بدون صلاة.","vol":"2","page":518},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>بَابُ نُزُولِ السَّكِينَةِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ</span>\n\n[٧٩٥] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ، وَعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدُورُ وَتَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنْهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ».\n[خ: ٣٦١٤]\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: قَرَأَ رَجُلٌ الْكَهْفَ، وَفِي الدَّارِ دَابَّةٌ فَجَعَلَتْ تَنْفِرُ، فَنَظَرَ، فَإِذَا ضَبَابَةٌ أَوْ سَحَابَةٌ قَدْ غَشِيَتْهُ قَالَ: فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «اقْرَأْ فُلَانُ، فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ عِنْدَ الْقُرْآنِ أَوْ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَأَبُو دَاوُدَ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ، فَذَكَرَا نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالَا: تَنْقُزُ.\n\n[٧٩٦] وَحَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ حَدَّثَهُ: أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ بَيْنَمَا هُوَ لَيْلَةً يَقْرَأُ فِي مِرْبَدِهِ إِذْ جَالَتْ فَرَسُهُ فَقَرَأَ، ثُمَّ جَالَتْ أُخْرَى فَقَرَأَ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضًا، قَالَ أُسَيْدٌ: فَخَشِيتُ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى، فَقُمْتُ إِلَيْهَا، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فَوْقَ رَأْسِي، فِيهَا أَمْثَالُ السُّرُجِ عَرَجَتْ فِي الْجَوِّ حَتَّى مَا أَرَاهَا قَالَ: فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَيْنَمَا أَنَا الْبَارِحَةَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ أَقْرَأُ فِي مِرْبَدِي، إِذْ جَالَتْ فَرَسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْرَأْ ابْنَ حُضَيْرٍ» قَالَ: فَقَرَأْتُ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ","vol":"2","page":519},{"text":"ﷺ: «اقْرَأْ ابْنَ حُضَيْرٍ» قَالَ: فَقَرَأْتُ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْرَأْ ابْنَ حُضَيْرٍ» قَالَ: فَانْصَرَفْتُ، وَكَانَ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا، خَشِيتُ أَنْ تَطَأَهُ، فَرَأَيْتُ مِثْلَ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ السُّرُجِ، عَرَجَتْ فِي الْجَوِّ حَتَّى مَا أَرَاهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَرَاهَا النَّاسُ مَا تَسْتَتِرُ مِنْهُمْ».\nقوله: «بِشَطَنَيْنِ»، يعني: بحبلين.\nوقوله: «تَنْفِرُ»، يعني: تتحرك وتهرب.\nقوله: «أَقْرَأُ فِي مِرْبَدِي»: المِرْبَد: على وزن مِغْزَل، وهو: الموضع الذي يُجمع فيه التمر.\nوقوله: «تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ»: يحتمل- كما قال النووي ﵀- أن يكون شيء من مخلوقات الله فيه طمأنينة ورحمة، ومعه الملائكة، ويؤيده حديث: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» (^١)، فذَكَر السكينة، وذَكَر الملائكة، فغاير بينهما، فدل على أن السكينة غير الملائكة.\nويحتمل أن السكينة هي الملائكة؛ لأن النبي ﷺ بيَّن في الحديث الآخر، وقال: «تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ»، وفي الأول قال: «تِلْكَ السَّكِينَةُ»، والحديث يفسر بعضه بعضًا (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٠٢).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٦/ ٨٢).","vol":"2","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>بَابُ فَضِيلَةِ حَافِظِ الْقُرْآنِ</span>\n\n[٧٩٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الأُتْرُجَّةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ التَّمْرَةِ، لَا رِيحَ لَهَا، وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ، لَيْسَ لَهَا رِيحٌ، وَطَعْمُهَا مُرٌّ».\n[خ: ٥٤٢٧]\nوَحَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ هَمَّامٍ بَدَلَ الْمُنَافِقِ: الْفَاجِرِ.\nفي هذا الحديث: فضل قراءة القرآن.\nوفيه: أن أقسام الناس أربعة:\nالأول: المؤمن الذي يقرأ القرآن: ولما كان طِيب المطعم وطِيب الرائحة فى النفس المؤمنة عقليَّين، وكانت الأمور العقلية لا تبرز عن موصوفها إلا بتصويرها بصورة المحسوس المشاهد شبَّهه ﷺ بالأترجة الموجود فيها ذلك حسًّا؛ تقريبًا للفهم والإدراك، فطيب المطعم فى النفس المؤمنة الإيمان؛ لأنه ثابت فى النفس، هى به طيبة الباطن كثبوته فى الأترجَّه، وطيب الرائحة فيه يرجع إلى قراءته القرآن؛ لأن القراءة قد يتعدى نفعها إلى الغير، فينتفع بها المستمع، كما أن طيب رائحة الأترجة تتعدى وينتفع بها الشامُّ لها.\nالثاني: المؤمن الذي لا يقرأ القرآن: حيث شبهه ﷺ بالتمرة التي لا ريح","vol":"2","page":521},{"text":"لها، وطعمها حلو، ومعنى لا ريح لها: أي لا ريح مشتهى، وإلا فللتمرة ريح.\nالثالث: المنافق الذي يقرأ القرآن: ومعناه: أن قراءة الفاجر والمنافق لا ترتفع إلى الله ولا تزكو عنده، وإنما يزكو عنده ما أريد به وجهه، وكان على نية التقرب إليه، وشبهه ﷺ بالريحانة، حين لم ينتفع ببركة القرآن ولم يفز بحلاوة أجره، فلم يجاوز الطيب موضع الصوت- وهو الحلق- ولا اتصل بالقلب.\nالرابع: المنافق الذي لا يقرأ القرآن: وقد مثَّله ﷺ بالحنظلة؛ ليس لها ريح، وطعمها مر، وهو شبهه في بيان عدم النَّفع لا له ولا لغيره، بل ربما كان مضرًّا.","vol":"2","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>بَابُ فَضْلِ الْمَاهِرِ فِي الْقُرْآنِ، وَالَّذِي يَتَتَعْتَعُ فِيهِ</span>\n\n[٧٩٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ».\n[خ: ٤٩٣٧]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وقَالَ فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: «وَالَّذِي يَقْرَأُ وَهُوَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ لَهُ أَجْرَانِ».\nقوله: «لَهُ أَجْرَانِ»، أي: أجر القراءة، وأجر المشقة.\nوفي هذا الحديث: بيان فضل قراءة القرآن، فالذي يتتعتع فيه له أجران، والماهر بالقراءة مع السفرة الكرام البررة، وهم: الملائكة.\nوفيه: أن الذي يشق عليه القرآن لا يُنهى عن القراءة، ولكن يُوجَّه ويُرشَد، ويَقرأ على بعض المقرئين الذين يُصلحون له قراءته.","vol":"2","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>بَابُ اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْحُذَّاقِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْقَارِئُ أَفْضَلَ مِنَ الْمَقْرُوءِ عَلَيْهِ</span>\n\n[٧٩٩] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأُبَيٍّ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ» قَالَ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: «اللَّهُ سَمَّاكَ لِي» قَالَ: فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي.\n[خ: ٣٨٠٩]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾» قَالَ: وَسَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: فَبَكَى.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ-، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيٍّ، بِمِثْلِهِ.\nقوله: «فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي»، أي: فَرَحًا وسرورًا، والبكاء قد يكون حزنًا، وقد يكون فرحًا، وهذا بكاء فرح؛ لأن الله تعالى سماه لنبيه ﷺ.\nوفي هذا الحديث: منقبة عظيمة لأبي بن كعب ﵁، أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يقرأ القرآن عليه.\nوفيه: أنه قرأ عليه سورة البينة، وسورة البينة فاصلة بين المؤمنين والكفار من أهل الكتاب ومن الوثنيين، فلا يجوز أن نوافقهم، لا في اعتقادهم، ولا في أخلاقهم، ولا في أعمالهم، وفيها جزاء للكفار، وجزاء للمؤمنين، فهي سورة عظيمة.","vol":"2","page":524},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>بَابُ فَضْلِ اسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ، وَطَلَبِ الْقِرَاءَةِ مِنْ حَافِظِهِ لِلِاسْتِمَاعِ، وَالْبُكَاءِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّدَبُّرِ</span>\n\n[٨٠٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ حَفْصٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ» قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: «إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي»، فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ رَفَعْتُ رَأْسِي، أَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِي، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ.\n[خ: ٥٠٥٥]\nحَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وَمِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، جميعًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ هَنَّادٌ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ-: «اقْرَأْ عَلَيَّ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي مِسْعَرٌ، وَقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «اقْرَأْ عَلَيَّ» قَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي» قَالَ: فَقَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾، فَبَكَى.\nقَالَ مِسْعَرٌ: فَحَدَّثَنِي مَعْنٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مَا دُمْتُ فِيهِمْ، أَوْ مَا كُنْتُ فِيهِمْ» شَكَّ مِسْعَرٌ.","vol":"2","page":525},{"text":"في هذا الحديث: ييان تذكر الرسول ﷺ لهذا الموقف العظيم الموضح في قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، فلما تذكره بكى ﵊، وسالت دموعه، وذلك لما قرأ عليه عبد الله ﵁ من أول سورة النساء إلى أن وصل إلى هذه الآية، وقد قرأ قريبًا من نصف جزء تقريبًا، وهذه منقبة لعبد الله بن مسعود ﵁ أنه قرأ القرآن على رسول الله ﷺ.\nوفيه: التخشُّع والتدبُّر للقراءة، والتحزُّن والبكاء، فكل هذا مطلوب.\nوالصحابة ﵃ كانوا يبكون بدموع العين، وكانت تَوْجَل قلوبهم وتلين وتخشع وتلين جلدوهم وقلوبهم، ولكن كان عندهم ثبات وقوة، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾.\nوحال التابعين لم يكن كذلك كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، قال: «وله (^١) في الجسد آثار محمودة؛ من خشوع القلب، ودموع العين، واقشعرار الجلد، وقد ذكر الله هذه الثلاثة في القرآن. وكانت موجودة في أصحاب رسول الله ﷺ وسلم الذين أثنى عليهم في القرآن ووجد بعدهم في التابعين آثار ثلاثة: الاضطراب والاختلاج والإغماء- أو الموت والهيام؛ فأنكر بعض السلف ذلك- إما لبدعتهم وإما لحبهم. وأما جمهور الأئمة والسلف فلا ينكرون ذلك؛ فإن السبب إذا لم يكن محظورًا كان صاحبه فيما تولد عنه معذورًا». (^٢)\n_________\n(^١) أي: للقرآن.\n(^٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١١/ ٥٩٠).","vol":"2","page":526},{"text":"[٨٠١] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّه قَالَ: كُنْتُ بِحِمْصَ، فَقَالَ لِي بَعْضُ الْقَوْمِ: اقْرَأْ عَلَيْنَا، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ سُورَةَ يُوسُفَ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: وَاللَّهِ مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ قَالَ: قُلْتُ: وَيْحَكَ! وَاللَّهِ لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لِي: أَحْسَنْتَ، فَبَيْنَمَا أَنَا أُكَلِّمُهُ إِذْ وَجَدْتُ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ قَالَ: فَقُلْتُ: أَتَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَتُكَذِّبُ بِالْكِتَاب؟ لَا تَبْرَحُ حَتَّى أَجْلِدَكَ قَالَ: فَجَلَدْتُهُ الْحَدَّ.\n[خ: ٥٠٠١]\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، جَمِيعًا عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لِي: أَحْسَنْتَ.\nفي هذا الحديث: أن عبد الله بن مسعود ﵁ قرأ القرآن، فاعترض عليه رجل من أهل حمص، وقال: ما هكذا أنزلت، فقال له عبد الله: «وَيْحَكَ! وَاللَّهِ لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»، ثم لما وجد منه ريح الخمر قال له: «أَتَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَتُكَذِّبُ بِالْكِتَاب؟»، أي: فجمعت بين السيئتين؟ ! «لَا تَبْرَحُ حَتَّى أَجْلِدَكَ»، يعني: لا تغادر هذا المكان حتى أجلدك، فجلده الحدَّ ﵁.\nوفيه: أن الصحابة ﵃ فيهم من القوة ما يقيمون به الحد من غير نكير.\nوفيه: أن من وُجد فيه ريح خمر فإنه يُجلد، وأن هذا علامة على شرب الخمر، وكذلك هناك علامة أخرى، وهي: تقيؤ الخمر؛ كما قال عمر بن الخطاب ﵁: «إنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْهَا حَتَّى شَرِبَهَا» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٦١٠١)، والدارقطني (٤٣٤).","vol":"2","page":527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ وَتَعَلُّمِهِ</span>\n\n[٨٠٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يَجِدَ فِيهِ ثَلَاثَ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ؟»، قُلْنَا: نَعَمْ قَالَ: «فَثَلَاثُ آيَاتٍ يَقْرَأُ بِهِنَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثِ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ».\n\n[٨٠٣] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنْ مُوسَى ابْنِ عُلَيّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ، أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ، فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ، فِي غَيْرِ إِثْمٍ، وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُحِبُّ ذَلِكَ قَالَ: «أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ، أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﷿ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ؟».\nقوله: «خَلِفَاتٍ»، يعني: الحوامل من الإبل.\nوقوله: «بُطْحَانَ»: هو وادٍ في المدينة.\nوقوله: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ، أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ، فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ، فِي غَيْرِ إِثْمٍ، وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟»، يعني: بناقتين لم يسرقهما، إنما جاءتاه رزقًا من الله تعالى.\nوفي هذين الحديثين: الحض على قراءة القرآن؛ لأنه ﷺ جعل قيمة ثلاث آيات أغلى من ثلاث ناقات أو خَلِفات، وأربع آيات أغلى من أربع، والنوق من أنفس أموال الأرض قديمًا، وهي بمعنى قولنا في زمننا هذا","vol":"2","page":528},{"text":"مثلًا: ثلاث سيارات.\nوفيهما: دليل على زهد كثير من الناس في الخير، فإنهم لو تعلموا هذه الآيات فهو خير لهم من الدنيا وما فيها.","vol":"2","page":529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَسُورَةِ الْبَقَرَةِ</span>\n\n[٨٠٤] حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ- وَهُوَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ-، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ- يَعْنِي: ابْنَ سَلَّامٍ- عَنْ زَيْدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ: الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ؛ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ»، قَالَ مُعَاوِيَةُ: بَلَغَنِي أَنَّ الْبَطَلَةَ: السَّحَرَةُ.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ حَسَّانَ-، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَكَأَنَّهُمَا فِي كِلَيْهِمَا، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ مُعَاوِيَةَ: بَلَغَنِي.\nفي هذا الحديث: فضل قراءة القرآن، وأن من عمل به يأتي له شفيعًا يوم القيامة.\nوفيه: فضل سورة البقرة وآل عمران؛ لما اشتملتا عليه من الأحكام العظيمة؛ ولهذا ورد في الموطأ أن عبد الله بن عمر ﵄ مكث في سورة البقرة ثمان سنين يتعملها (^١).\nوهذا الفضل هو لمن عمل بالقرآن، أما من لم يعمل به فيكون القرآن خصمًا له يوم القيامة- نسأل الله السلامة والعافية- والمؤمن يقوده القرآن إلى الجنة، والفاجر يقوده إلى النار- والعياذ بالله!\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ (٤٧٧).","vol":"2","page":530},{"text":"وفيه: أن أخْذ سورة البقرة بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها السحرة.\nوفيه: جواز قول: «سورة البقرة»، و«سورة آل عمران»، والرد على الحجاج بن يوسف الذي تورع عن قول: «سورة البقرة»، فقال في خطبة له: «لا تَقُولُوا: سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَلا سُورَةَ كَذَا وَكَذَا» (^١)، وهذا لا وجه له، فقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال- لما رمى جمرة العقبة-: «هَذَا- وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ- مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» (^٢).\n\n[٨٠٥] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ابْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُرَشِيِّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلَابِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ، تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ» وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَمْثَالٍ، مَا نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ قَالَ: «كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ، أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا».\nقوله: «فِرْقَان»، و«حِزْقَانِ»: معناهما واحد، وهما: الجماعتان.\nوقوله: «يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ»: فيه: أن أهل القرآن هم الذين يعملون به، سواء كانوا يقرؤونه عن ظهر غيب، أو من المصحف- نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل القرآن وخاصته.\nوأهل القرآن هم: الذين يصدقون أخباره، وينفذون أحكامه، ويمتثلون لأوامره، ويجتنبون نواهيه، ويعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويقفون عند حدوده، ويتعظون بمواعظه.\n_________\n(^١) أخرجه الفاكهي في أخبار مكة (٢٦٤٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٩٧).","vol":"2","page":531},{"text":"فتلاوة القرآن نوعان:\nتلاوة لفظية: وهي عبادة، وللتالي بكل حرف حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها.\nتلاوة حكمية: وهي تصديق أخباره، وتنفيذ أحكامه، وهذه الذي عليها الثواب والعقاب.\nوإن كانت تلاوة القرآن اللفظية فيها ثواب، لكنها وسيلة إلى التلاوة الحكمية، والتي هي الغاية، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾، أي: يعملون به حق العمل.","vol":"2","page":532},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-329>بَابُ فَضْلِ الْفَاتِحَةِ وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَالْحَثِّ عَلَى قِرَاءَةِ الآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ الْبَقَرَةِ</span>\n\n[٨٠٦] حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنْفِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ، فُتِحَ الْيَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ، لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ، وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ».\n\n[٨٠٧] وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبَيْتِ، فَقُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ فِي الآيَتَيْنِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ».\n[خ: ٤٠٠٨]\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ.\n\n[٨٠٨] وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَرَأَ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ».\nقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَلَقِيتُ أَبَا مَسْعُودٍ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَسَأَلْتُهُ، فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.","vol":"2","page":533},{"text":"وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى- يَعْنِي: ابْنَ يُونُسَ-.ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.\nقوله: «فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ»، أي: كفتاه من كل سوء، وقيل: كفتاه من قيام الليل، والأول أولى؛ لأن النبي ﷺ كان يقرأهما ويقوم الليل.","vol":"2","page":534},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>بَابُ فَضْلِ سُورَةِ الْكَهْفِ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ</span>\n\n[٨٠٩] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ الْغَطَفَانِيِّ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْف عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ شُعْبَةُ: مِنْ آخِرِ الْكَهْفِ، وقَالَ هَمَّامٌ: مِنْ أَوَّلِ الْكَهْف، كَمَا قَالَ هِشَامٌ.\nفي هذا الحديث: أن من حفظ عشر آيات من أول الكهف، أو من آخرها مع تدبرها؛ كان ذلك من أسباب عصمته من الدجال، فإذا خرج الدجال قرأها عليه.\n\n[٨١٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي السَّلِيلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قَالَ: «فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ».\nفي هذا الحديث: بيان أن آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله، كما أن الفاتحة أعظم سورة في القرآن.","vol":"2","page":535},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ</span>\n\n[٨١١] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟» قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ».\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانُ الْعَطَّارُ جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمَا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَزَّأَ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَجَعَلَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ».\n\n[٨١٢] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جميعًا عَنْ يَحْيَى، قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «احْشُدُوا، فَإِنِّي سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ»، فَحَشَدَ مَنْ حَشَدَ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، فَقَرَأَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثُمَّ دَخَلَ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: إِنِّي أُرَى هَذَا خَبَرٌ جَاءَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَذَاكَ الَّذِي أَدْخَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ: سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، أَلَا إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ».\nوَحَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ بَشِيرٍ أَبِي إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟»، فَقَرَأَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ حَتَّى خَتَمَهَا.","vol":"2","page":536},{"text":"قوله: «تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ»، يعني: في الثواب، وإن كان مَن قرأ القرآن كله له فضل زائد، كما أن: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ» (^١)، لكن من قام الليل له فضل زائد.\nوقوله: «تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ»: قيل: معنى ذلك: أن القرآن على ثلاثة أنحاء: قصص، وأحكام، وأوصاف لله جلَّت قدرته، و«قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» تشتمل على ذكر الصفات، فكانت ثلثًا من هذه الجهة.\nوقيل: معنى ثلث القرآن: لشخص بعينه قصده رسول الله ﷺ.\nوقيل: معناه: أن الله تعالى يتفضل بتضعيف الثواب لقارئها، ويكون منتهى التضعيف إلى مقدار ثلث ما يستحق من الأجر على قراءة القرآن من غير تضعيف أجر قاله المازري (^٢).\n\n[٨١٣] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ: أَنَّ أَبَا الرِّجَالِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- وَكَانَتْ فِي حَجْرِ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَلَمَّا رَجَعُوا، ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «سَلُوهُ، لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟»، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ».\nفي هذا الحديث: جواز تكرار السورة في كل ركعة، وجواز جمع السور في ركعة واحدة؛ لأن هذ الرجل كان يكرر: «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ» في كل\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤٩٣)، وأبو داود (٥٥٥).\n(^٢) المعلم، للمازري (١/ ٤٦١).","vol":"2","page":537},{"text":"ركعة، ويقرأ معها غيرها من السور.\nوفيه: أن حُبَّ «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ» من أسباب دخول الجنة.\nوفيه: إثبات صفة المحبة لله تعالى، والرد على من أنكر هذا من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، والأشاعرة يؤولون المحبة بالإرادة، وهذا من جهل أهل البدع.","vol":"2","page":538},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ</span>\n\n[٨١٤] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ بَيَانٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ، لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ؟ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ قَيْسٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُنْزِلَ- أَوْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ- آيَاتٌ، لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ: الْمُعَوِّذَتَيْنِ».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَه، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، وَكَانَ مِنْ رُفَعَاءِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ.\nقوله: «رُفَعَاء»: من الرفعة والشأن.\nوفي هذا الحديث: بيان فضل قراءة المعوذتين.","vol":"2","page":539},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>بَابُ فَضْلِ مَنْ يَقُومُ بِالْقُرْآنِ وَيُعَلِّمُهُ، وَفَضْلِ مَنْ تَعَلَّمَ حِكْمَةً مِنْ فِقْهٍ، أَوْ غَيْرِهِ فَعَمِلَ بِهَا وَعَلَّمَهَا</span>\n\n[٨١٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ».\n[خ: ٧٥٢٩]\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ هَذَا الْكِتَابَ فَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَتَصَدَّقَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ».\n\n[٨١٦] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَمُحَمَّدُ ابْنُ بِشْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا».\n[خ: ٧٣]\nقوله: «آنَاءَ الليل»، يعني: في أجزاء الليل.\nوقوله: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ»: المراد بالحسد هنا: الغبطة، وهو أن يتمنى أن يكون مثله، ولا يتمنى زوال النعمة عنه، أما تمني زوال النعمة فهو","vol":"2","page":540},{"text":"الحسد المذموم، وقال ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ؛ فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ- أَوْ قَالَ: الْعُشْبَ» (^١).\nوقوله: «فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ»، يعني: سلطه وأهلكه وأنفقه في وجوه الخير، وفي الوجوه المشروعة.\nوقوله: «الحِكْمَة»: هي العلم النافع المأخوذ من الكتاب والسنة.\nقوله: «رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ القُرْآنَ»، أو: «آتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ»: معناهما واحد، وهو: أن من آتاه الله القرآن آتاه الله الحكمة، واختلاف اللفظ في الحديث لا يؤثر، فالمعنى واحد، فصحابي يروي بلفظ، وصحابي آخر يروي نفس المعنى بلفظ مختلف.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٩٠٣)، وابن ماجه (٤٢١٠).","vol":"2","page":541},{"text":"[٨١٧] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ: أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ- وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَكَّةَ- فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي؟ فَقَالَ: ابْنَ أَبْزَى قَالَ: وَمَنْ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا، قَالَ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى؟ ! قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللَّهِ ﷿، وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ، قَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ ﷺ قَدْ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ».\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ اللَّيْثِيُّ: أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ الْخُزَاعِيَّ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِعُسْفَانَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ.\nقوله: «إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ»، يعني: بالعمل به، فمن عمل بهذا القرآن، وصدَّق أخبارَه، ونفَّذ أحكامَه، واتَّعظ بمواعظه، وعمل بمحكمه، وآمن بمتشابهه- رفعه الله، ومن تركه وأعرض عنه وضعه الله.","vol":"2","page":542},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-334>بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، وَبَيَانِ مَعْنَاهُ</span>\n\n[٨١٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْرَأَنِيهَا، فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَرْسِلْهُ، اقْرَأْ»، فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ»، ثُمَّ قَالَ لِي: «اقْرَأْ»، فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ».\n[خ: ٢٤١٩]\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخَرَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِيَّ أَخْبَرَاهُ: أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، وَزَادَ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، كَرِوَايَةِ يُونُسَ بِإِسْنَادِهِ.\n\n[٨١٩] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ ﵇ عَلَى حَرْفٍ، فَرَاجَعْتُهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ فَيَزِيدُنِي، حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ».\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: بَلَغَنِي أَنَّ تِلْكَ السَّبْعَةَ الأَحْرُفَ إِنَّمَا هِيَ فِي الأَمْرِ الَّذِي","vol":"2","page":543},{"text":"يَكُونُ وَاحِدًا، لَا يَخْتَلِفُ فِي حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ.\n[خ: ٣٢١٩]\nوَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.\nفي هذه الأحاديث: أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه على عباده؛ أن جعلهم يقرؤون القرآن على سبعة أحرف؛ فالله ﷾ وسَّع على عباده لاختلاف الناس ولغاتهم ولهجاتهم.\nوهذه الأحرف اختلف العلماء في المراد بها، فقال بعض أهل العلم: المراد بها سبعة معانٍ، وهي: الوعد، والوعيد، والحلال والحرام، والأمثال، والقصص، والأمر، والنهي، لكن هذا قول ضعيف مرجوح.\nوقيل: إن هذه الأحرف في أداء التلاوة وكيفية النطق بكلماتها، من إدغام، وإظهار، وتفخيم، وترقيق، ومد، وإمالة، مثل ﴿مُدَّكِر﴾ و«مُذَّكِر».\nوقيل: هي سبع في الألفاظ والحروف، كما قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: «بَلَغَنِي أَنَّ تِلْكَ السَّبْعَةَ الأَحْرُفَ، إِنَّمَا هِيَ فِي الأَمْرِ الَّذِي يَكُونُ وَاحِدًا لَا يَخْتَلِفُ فِي حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ».\nوقيل: هي سبع لغات، وقيل: سبعة وجوه.\nوالأقرب: أن يقال: إنها سبع في الألفاظ والحروف، في أداء التلاوة والنطق بكلماتها (^١).\nومن أجل عدم الاختلاف جمع عثمان ﵁ المصاحف بعد استشارة الصحابة، وجعلها على حرف واحد، وهو الحرف الذي كان في العرضة الأخيرة لجبريل على النبي ﷺ في السنة الأخيرة قبل وفاته.\nوعن محمد بن سيرين ﵀، عن كثير بن أفلح ﵀ قال: «لَمَّا أَرَادَ عُثْمَانُ أَنْ يَكْتُبَ المَصَاحِفَ جَمَعَ لَهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ والأَنْصَارِ، فِيهِمْ أُبَيُّ\n_________\n(^١) الإتقان، للسيوطي (١/ ١٧١).","vol":"2","page":544},{"text":"بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، قال: وَأَرْسَلَ إِلَى الرَّبْعَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي بَيْتِ عُمَرَ فِيهَا الْقُرْآنُ، فَكَانَ يَتَعَاهَدُهُمْ، قَالَ مُحَمَّدٌ: فَحَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ أَفْلَحَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ لَهُمْ فَرُبَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الشَّيْءِ فَأَخَّرُوهُ، فَسَأَلْتُ: لِمَ تُؤَخِّرُونَهُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ مُحَمَّدٌ: فَظَنَنْتُ فِيهِ ظَنًّا، فَلَا تَجْعَلُوهُ أَنْتُمْ يَقِينًا، ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا اخْتَلَفُوا فِي الشَّيْءِ أَخَّرُوهُ حَتَّى يَنْظُرُوا آخِرَهُمْ عَهْدًا بِالْعَرْضَةِ الْآخِرَةِ فَيَكْتُبُوهُ عَلَى قَوْلِهِ» (^١).\nوروى البخاري بسنده أن حذيفة بن اليمان ﵁ قدم على عثمان ﵁- وكان يغازي أهل الشأم في فتح أرمينية، وأذربيجان مع أهل العراق- فأفزع حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: «يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الكِتَابِ اخْتِلَافَ اليَهُودِ والنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ ﵁ إِلَى حَفْصَةَ ﵁: أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي المَصَاحِفِ، ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكَ، فَأَرْسَلَتْ بَها حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ العَاصِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي المَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ للرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي المَصَاحِفِ، رَدَّ عُثْمَانُ ﵁ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصةَ ﵂، وأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا، وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ القُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ» (^٢).\nولما كُتبت المصاحف أُرسلت إلى الأمصار: فأُرسل للمدينة مصحف، ولمكة مصحف، وللكوفة مصحف، وأُحرقت بقية المصاحف، فتذللت ألسن الناس بالقراءة التي جمعهم عليها عثمان ﵁ عليها.\n_________\n(^١) المصاحف، لابن أبي داود (ص ١٠٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٩٨٧).","vol":"2","page":545},{"text":"ولم يجمع القرآن في عهد النبي ﷺ في مصحف واحد؛ لأن القرآن كان ينزل، فلما توفي النبي ﷺ علم الصحابة أنه انتهى نزول القرآن، فجمعوه في مصحف واحد، ثم لما اختلفوا على سبعة أحرف في زمن عثمان بن عفان ﵁ جمعهم على حرف واحد،، وهذا الحرف تدخل فيه القراءات السبع، وهذا من المصالح المرسلة.","vol":"2","page":546},{"text":"[٨٢٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ جَدِّهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قَرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ، دَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَةً، أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَرَأَى، فَحَسَّنَ النَّبِيُّ ﷺ شَأْنَهُمَا، فَسَقَطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَدْ غَشِيَنِي ضَرَبَ فِي صَدْرِي، فَفِضْتُ عَرَقًا، وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ ﷿ فَرَقًا، فَقَالَ لِي: «يَا أُبَيُّ، أُرْسِلَ إِلَيَّ أَنِ اقْرأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ ﵇».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، أَخْبَرَنِي أُبَيُّ ابْنُ كَعْبٍ: أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَقَرَأَ قِرَاءَةً، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ.\n\n[٨٢١] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ قَالَ: فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَقَالَ: أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ»، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ","vol":"2","page":547},{"text":"يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَقَالَ: أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ»، ثُمَّ جَاءَهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ، فَقَالَ: أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ»، ثُمَّ جَاءَهُ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَأَيُّمَا حَرْفٍ قَرَءُوا عَلَيْهِ، فَقَدْ أَصَابُوا».\nوَحَدَّثَنَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقوله: «فَسَقَطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ»: معناه: وسوس لي الشيطان تكذيبًا للنبوة أشد مما كنت عليه في الجاهلية، لأنه في الجاهلية كان غافلًا أو متشككًا، فوسوس له الشيطان الجزم بالتكذيب، واعترته حيرة ودهشة، ثم زالت في الحال حين ضرب النبي ﷺ بيده في صدره، ففاض عرقًا.\nوقوله: «فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَدْ غَشِيَنِي، ضَرَبَ فِي صَدْرِي، فَفِضْتُ عَرَقًا، وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ ﷿ فَرَقًا»، أي: ضربه ﷺ في صدره تثبيتًا له، حين رآه قد غشيه ذلك الخاطر المذموم.\nوقوله: «عِنْدَ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ»: هي بفتح الهمزة وبضاد معجمة مقصورة، وهي الماء المستنقع كالغدير، وجمعها: أضا، كحصاة، وحصا (^١).\nوفي هذا الحديث: بيان فضل الله وإحسانه لتيسيره على عباده، فهم أيما قرؤوا أحد الأحرف فقد أصابوا فيه.\nوفيه: ذِكر أن جبريل ﵇ جاء النبي ﷺ أربع مرات، وفي الحديث السابق ذكر أنه جاء ثلاث مرات، ويحتمل أنه سقطت المرة الرابعة في الرواية الأولى.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٦/ ١٠٤).","vol":"2","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>بَابُ تَرْتِيلِ الْقِرَاءَةِ، وَاجْتِنَابِ الْهَذِّ، وَهُوَ: الإِفْرَاطُ فِي السُّرْعَةِ</span>،\nوَإِبَاحَةِ سُورَتَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي الرَّكْعَةِ\n\n[٨٢٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، جميعًا عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ، يُقَالُ لَهُ: نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَيْفَ تَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ؟ أَلِفًا تَجِدُهُ، أَمْ يَاءً؟ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، أَوْ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ يَاسِنٍ؟ قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَكُلَّ الْقُرْآنِ قَدْ أَحْصَيْتَ غَيْرَ هَذَا؟ قَالَ: إِنِّي لَأَقْرَأُ الْمُفَصَّلَ فِي رَكْعَةٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ؟ إِنَّ أَقْوَامًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ فَرَسَخَ فِيهِ نَفَعَ، إِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ، سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، ثُمَّ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ، فَدَخَلَ عَلْقَمَةُ فِي إِثْرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: قَدْ أَخْبَرَنِي بِهَا، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي بَجِيلَةَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، وَلَمْ يَقُلْ: نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ.\n[خ: ٧٧٥]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، يُقَالُ لَهُ: نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيعٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَجَاءَ عَلْقَمَةُ لِيَدْخُلَ عَلَيْهِ، فَقُلْنَا لَهُ: سَلْهُ عَنِ النَّظَائِرِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِي رَكْعَةٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: عِشْرُونَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ فِي تَأْلِيفِ عَبْدِ اللَّهِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا، وَقَالَ: إِنِّي لَأَعْرِفُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، اثْنَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ، عِشْرِينَ سُورَةً فِي عَشْرِ رَكَعَاتٍ.\nحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَوْمًا بَعْدَ مَا","vol":"2","page":549},{"text":"صَلَّيْنَا الْغَدَاة، فَسَلَّمْنَا بِالْبَابِ، فَأَذِنَ لَنَا قَالَ: فَمَكَثْنَا بِالْبَابِ هُنَيَّةً قَالَ: فَخَرَجَتِ الْجَارِيَةُ، فَقَالَتْ: أَلَا تَدْخُلُونَ؟ فَدَخَلْنَا فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ يُسَبِّحُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا وَقَدْ أُذِنَ لَكُمْ؟ فَقُلْنَا: لَا، إِلَّا أَنَّا ظَنَنَّا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبَيْتِ نَائِمٌ قَالَ: ظَنَنْتُمْ بِآلِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ غَفْلَةً قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ يُسَبِّحُ، حَتَّى ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ، فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ، انْظُرِي هَلْ طَلَعَتْ؟ قَالَ: فَنَظَرَتْ فَإِذَا هِيَ لَمْ تَطْلُعْ، فَأَقْبَلَ يُسَبِّحُ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ قَالَ: يَا جَارِيَةُ، انْظُرِي هَلْ طَلَعَتْ؟ فَنَظَرَتْ فَإِذَا هِيَ قَدْ طَلَعَتْ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَقَالَنَا يَوْمَنَا هَذَا، فَقَالَ: مَهْدِيٌّ، وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَلَمْ يُهْلِكْنَا بِذُنُوبِنَا قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ الْبَارِحَةَ كُلَّهُ قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ؟ إِنَّا لَقَدْ سَمِعْنَا الْقَرَائِنَ، وَإِنِّي لَأَحْفَظُ الْقَرَائِنَ الَّتِي كَانَ يَقْرَؤُهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنَ الْمُفَصَّلِ، وَسُورَتَيْنِ مِنْ آلِ، حم.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي بَجِيلَةَ، يُقَالُ لَهُ: نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: إِنِّي أَقْرَأُ الْمُفَصَّلَ فِي رَكْعَةٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ؟ لَقَدْ عَلِمْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهِنَّ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا وَائِلٍ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: إِنِّي قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ كُلَّهُ فِي رَكْعَةٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذًّا كَهَذِّا الشِّعْرِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ قَالَ: فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ، سُورَتَيْنِ، سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ.","vol":"2","page":550},{"text":"قوله: «النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»: النظائر، يعني: المتقاربات، فكل واحدة نظيرة للأخرى، ومتقاربة في الطول، وجاء في تفسيرها أنه: يجمع بين «الحاقة»، و«المرسلات»، وبين «الذاريات»، و«النجم» و«الرحمن».\nوقيل: المفصل من أول «الحجرات»، وقيل: من أول «ق»؛ لأن السور قصيرة.\nقال أوس بن حذيفة ﵀: «سألت أصحاب رسول الله ﷺ كيف يحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده» (^١).\nيعني: يقسمونه في صلاتهم، فكان في الأول ثلاث سور، ثم خمس، ثم سبع، ثم تسع، ثم إحدى عشرة، ثم ثلاث عشرة، وبعدها تصل إلى حزب المفصل، من أول «ق»، فيختم القرآن في سبعة أيام، مثل ما قال النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو ﵄: «فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ، وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ» (^٢).\nوفي هذا الحديث: بيان وجه من وجوه الاختلاف في القراءة، كقوله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾، و«مِنْ مَاءٍ غَيْرِ يَاسِنٍ».\nوفيه: أن من الناس من إذا قرأ القرآن لا يجاوز ترقوتيه، والترقوة: هي عظم الكتف، وممن اتصف بذلك الخوارج، وهم قوم ذوو عقيدة خبيثة، يكفرون الناس بالمعاصي، وحملوا نصوص وآيات الكفر على العصاة الموحدين، فصاروا يقاتلون أهل الإسلام، ويتركون أهل الأوثان، ولهم مع هذا عبادة عظيمة، يصلون الليل، ويصومون النهار، ويقرؤون القرآن، ولكن «لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ»؛ لخبث عقيدتهم، و«يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦١٦٦)، وأبو داود (١٣٩٣)، وابن ماجه (١٣٤٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٠٥٤)، ومسلم (١٠٥٩).","vol":"2","page":551},{"text":"مِنَ الرَّمِيَّةِ» (^١)، يعني: يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الصيد المرمي؛ والرمية: فعيلة- من الرمي- بمعنى: مفعولة.\nهذا، وقد اختلف العلماء في تكفير الخوارج على قولين: فقد صرح بكفرهم القاضي أبو بكر ابن العربي، كما نقل ذلك عنه الحافظ ابن حجر (^٢)، والجمهور على أنهم مبتدعة، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الصحابة عاملوهم معالمة المبتدعة (^٣).\nوالقول الثاني: هم كفار، كما روي عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال: «الخوارج مارقة» (^٤).\nوفيه: بيان رأي عبد الله بن مسعود ﵁، فلقد كان يرى أن أفضل الصلاة الركوع، أي: كثرة الركوع والسجود، وقال بعضهم: أفضل الصلاة إطالة القيام والقراءة.\nوفيه: جواز قراءة سورتين في ركعة واحدة، في الفريضة، وفي النافلة.\nوفيه: أن عبد الله بن مسعود ﵁ كان يسبح في بيته حتى تطلع الشمس، والأفضل: أن يكون هذا في المسجد؛ فإن لم يتيسر ففي البيت كما فعل ابن مسعود ﵁، وقد جاء في الحديث: «مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ» (^٥)، وثبت في صحيح مسلم: «أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسَنًا» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٤٤)، ومسلم (١٠٦٦).\n(^٢) فتح الباري، لابن حجر (١٢/ ٢٩٩).\n(^٣) منهاج السنة، لابن تيمية (٥/ ١٢، ٩٥، ٢٤١ - ٢٤٧).\n(^٤) مسائل حرب الكرماني (٢/ ٨٧٣).\n(^٥) أخرجه الترمذي (٥٨٦).\n(^٦) أخرجه مسلم (٦٧٣).","vol":"2","page":552},{"text":"واعتماد ابن مسعود ﵁ على خبر جاريته في طلوع الشمس- وهو يستطيع أن ينظر إلى الشمس بنفسه- فيه: دليل على اعتماد خبر الواحد إذا كان ثقة.\nوقوله: «وَسُورَتَيْنِ مِنْ آلِ، حم»، يعني: من الحواميم التي افتتحت بـ ﴿حم﴾، يقرن بينها.\nوفيه: أنه ينبغي للمسلم تدبر القرآن، وعدم هَذِّهِ كهذ الشعر، أي: سرده سردًا، لا يتدبره، بل يقرأ قراءة مرتلة، يتدبر ويتفهم المعاني، قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَاب﴾؛ فلهذا أنكر عبد الله بن مسعود ﵁ على من قرأ المفصل في ركعة واحدة.\nوفي رواية الترمذي قال عبد الله بن مسعود ﵁: «إِنَّ قَوْمًا يَقْرَءُونَهُ يَنْثُرُونَهُ نَثْرَ الدَّقَلِ، لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٦٠٢).","vol":"2","page":553},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>بَابُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقِرَاآتِ</span>\n\n[٨٢٣] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا سَأَلَ الأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ وَهُوَ يُعَلِّمُ الْقُرْآنَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: كَيْفَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أَدَالًا، أَمْ ذَالًا؟ قَالَ: بَلْ دَالًا، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مُدَّكِرٍ دَالًا».\n[خ: ٤٨٦٩]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ هَذَا الْحَرْف: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.\nفي هذا الحديث: بيان الاختلاف في القراءة، وفي الحروف، ﴿مُدَّكِرٍ﴾، بالدال، أو «مُذَّكِر» بالذال، وهي داخلة في الحرف الذي كان في العرضة الأخيرة من جبريل على النبي ﷺ، وهو الحرف الذي أجمع عليه عثمان والصحابة، ونسخوه في مصحف واحد، وجمعوا عليه الناس.\n\n[٨٢٤] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَدِمْنَا الشَّامَ، فَأَتَانَا أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ: أَفِيكُمْ أَحَدٌ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا، قَالَ: فَكَيْفَ سَمِعْتَ عَبْدَ اللَّهِ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ﴿وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى﴾ قَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ أَنْ أَقْرَأَ، ﴿وَمَا خَلَقَ﴾، فَلَا أُتَابِعُهُمْ.\n[خ: ٣٢٨٧]","vol":"2","page":554},{"text":"وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَتَى عَلْقَمَةُ الشَّامَ، فَدَخَلَ مَسْجِدًا فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ قَامَ إِلَى حَلْقَةٍ فَجَلَسَ فِيهَا قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ، فَعَرَفْتُ فِيهِ تَحَوُّشَ الْقَوْمِ وَهَيْئَتَهُمْ قَالَ: فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي، ثُمَّ قَالَ: أَتَحْفَظُ كَمَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقْرَأُ؟ فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ.\nحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ لِي: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالَ: مِنْ أَيِّهِمْ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ: هَلْ تَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ فَاقْرَأْ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ قَالَ: فَقَرَأْتُ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ ﴿وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى﴾ قَالَ: فَضَحِكَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: أَتَيْتُ الشَّامَ، فَلَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ.\nوقوله: «فَعَرَفْتُ فِيهِ تَحَوُّشَ الْقَوْمِ»، يعني: انقباضهم، أو فطنتهم وذكاءهم.\nفي هذا الحديث: بيان قراءة عبد الله بن مسعود ﵁: «واللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى والنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى والذَّكَرِ والأنثى»، فيكون القسم بالذكر والأنثى، وقراءة الجمهور قراءة مشهورة: ﴿وما خلق الذكر والأنثى﴾.\nوقد كان بقي لعبد الله بن مسعود ﵁ مصحف، لما زالت المصاحف، وعن خمير بن مالك قال: أُمر بالمصاحف أن تُغَيَّر، فقال ابن مسعود ﵁: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَغُلَّ مُصْحَفَهُ فَلْيَغُلَّهُ، فَإِنَّ مَنْ غَلَّ شَيْئًا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»، ثم قال: «قَرَأْتُ مِنْ فَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبْعِينَ سُورَةً، أَفَأَتْرُكُ مَا أَخَذْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ !» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣٩٢٩).","vol":"2","page":555},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-337>بَابُ الأَوْقَاتِ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا</span>\n\n[٨٢٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ابْنِ حَبَّانَ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.\n\n[٨٢٦] وَحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، وإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، جميعًا عَنْ هُشَيْمٍ، قَالَ دَاوُدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ غَيْر وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ- وَكَانَ أَحَبَّهُمْ إِلَيَّ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ.\n[خ: ٥٨١]\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ سَعِيدٍ، وهِشَامٍ: بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ.\n\n[٨٢٧] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ: أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ».\n[خ: ٥٨٦]\n\n[٨٢٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ","vol":"2","page":556},{"text":"ابْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، ومُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَلَا غُرُوبَهَا فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بِقَرْنَيْ شَيْطَانٍ».\n\n[٨٢٩] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وابْنُ بِشْرٍ، قَالُوا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ».\n[خ: ٣٢٧١]\nفي هذه الأحاديث: النهي عن الصلاة بعد الفجر، وبعد العصر، والأحاديث في هذا متواترة، رواها عدد من الصحابة، منهم: أبو سعيد، وعمر، وابن عباس، وجماعة ﵃ جميعًا (^١).\nفالصلاة بعد العصر وبعد الفجر- بدون سبب- لا تجوز بالإجماع، كأن يكون جالسًا في المسجد، أو في البيت فيقوم يصلي، وهو آثمٌ- حينئذٍ- وعاصٍ لله ورسوله، وأما حديث: «لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا» فمفهومه: أنه لا بأس بالصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، إلا أن هذا المفهوم ألغاه حديث: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ».\nوقد اختلف العلماء في ذوات الأسباب- كتحية المسجد، وسنة الوضوء، وسجدة التلاوة، وصلاة الجنازة، وصلاة الكسوف، وإعادة الجماعة- على قولين؛ فقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (^٢)، وطائفة: إلى جواز ذلك\n_________\n(^١) نظم المتناثر في الحديث المتواتر، للكتاني (٨٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٣/ ١٩١).","vol":"2","page":557},{"text":"كله بلا كراهة؛ لعموم قول النبي ﷺ «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ» (^١)، وحديث يزيد بن الأسود ﵁: «شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَجَّتَهُ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ قَالَ: فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَانْحَرَفَ، إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي أُخْرَى الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، فَقَالَ: «عَلَيَّ بِهِمَا»، فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟»، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا قَالَ: «فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُما نافلة» (^٢)، وكان ذلك بعد صلاة الفجر، فدل على تخصيص أحاديث النهي بغير ذوات الأسباب، وأما الصلوات ذوات الأسباب كإعادة الجماعة، وتحية المسجد، وسنة الوضوء، وصلاة الجنازة، وصلاة الكسوف، وسجدة التلاوة فلا تدخل فيما نُهِي عنه.\nقال النووي ﵀- لما تكلم عن قوله: ذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ-: «فيه استحباب التحية في أي وقت دخل وهو مذهبنا، وبه قال جماعة وكرهها أبو حنيفة والأوزاعي والليث في وقت النهي، وأجاب أصحابنا: أن النهي إنما هو عما لا سبب له؛ لأن النبي ﷺ صلى بعد العصر ركعتين قضاء سنة الظهر فخص وقت النهي، وصلى به ذات السبب، ولم يترك التحية في حال من الأحوال، بل أمر الذي دخل المسجد يوم الجمعة وهو يخطب فجلس أن يقوم فيركع ركعتين، مع أن الصلاة في حال الخطبة ممنوع منها إلا التحية، فلو كانت التحية تُترك في حال من الأحوال لَتُركت الآن؛ لأنه قعد وهي مشروعة قبل القعود، ولأنه كان يجهل حكمها، ولأن النبي ﷺ قطع خطبته، وكلمه وأمره أن يصلي التحية فلولا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٦٧)، ومسلم (٧١٥).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٧٠٢٠)، والترمذي (٢١٩)، والنسائي (٨٥٨).","vol":"2","page":558},{"text":"شدة الاهتمام بالتحية في جميع الأوقات لما اهتم ﵇ هذا الاهتمام» (^١).\nوقوله: «لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ»: هذا التحري أشد وأغلظ وأمكن في النهي، لأنه يشابه المشركين في هذا.\nوهذا نُهِي عنه من باب الوسيلة وسد الذريعة؛ لأنه وسيلة إلى مشابهة المشركين الذين يسجدون للشمس عند غروبها وعند طلوعها، فحينئذٍ يسجد لها الكفار، والنهي عن المشابهة مقصود.\nوقوله ﷺ: «فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بِقَرْنَيْ شَيْطَانٍ»: قيل: إنهما ناحيتا رأسه، وأنه يدني رأسه عند طلوعها وعند غروبها، حتى يكون في سجود المشركين صورة السجود له.\nوقوله ﷺ: «إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ»: فيه: النهي عن الصلاة في أول وقت طلوع الشمس، وأول وقت غروبها حتى تبرز، وترتفع قدر رمح عند طلوعها، وكذلك إذا غاب حاجب الشمس يتريث للغروب، فلا يصلى حتى يتم غروبها.\nوهما وقتان ضيقان، وهناك وقت ثالث، وهو عندما يقوم قائم الظهيرة قبيل الظهر، وهذه الأوقات الثلاثة ضيقة، لا يصلَّى ولا يدفَن فيها الموتى، كما سيأتي.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٥/ ٢٢٦).","vol":"2","page":559},{"text":"[٨٣٠] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ خَيْرِ بْنِ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنِ ابْنِ هُبَيْرَةَ عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ بِالْمُخَمَّصِ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ» وَالشَّاهِدُ: النَّجْمُ.\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ ابْنِ إسحاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ خَيْرِ بْنِ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُبَيْرَةَ السَّبَائِيِّ- وَكَانَ ثِقَةً- عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ بِمِثْلِهِ.\nفي هذا الحديث: فضل المحافظة على صلاة العصر، وأن من صلاها كان له الأجر مرتين، وأنه لا صلاة بعدها حتى تغرب الشمس.\nوقوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾: فيه: الأمر بالمحافظة عليها، وصيغة الأمر جاءت بصيغتين: مرة عمومًا، ومرة خصوصًا، فالعموم: ﴿حافظوا على الصلوات﴾، والعصر داخل فيها، والخصوص: ﴿والصلاة الوسطى﴾؛ ولهذا كان له الأجر مرتين، وهذا توجيه حسن.","vol":"2","page":560},{"text":"[٨٣١] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ يَقُولُ: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ.\nفي هذا الحديث: النهي عن الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة، وقد حصل خلاف لأهل العلم في يوم الجمعة في وقت قيام قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، هل يدخل فيه النهي، أم لا؟\nفبعض الأئمة- كالشافعي ﵀- قالوا: إن يوم الجمعة مستثنى، فيصلي ما كتب له حتى يخرج الإمام (^١).\n_________\n(^١) أسنى المطالب، لزكريا الأنصاري (١/ ١٢٣ - ١٢٤).","vol":"2","page":561},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>بَابُ إِسْلَامِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ</span>\n\n[٨٣٢] حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو عَمَّارٍ، ويَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ عِكْرِمَةُ: وَلَقِيَ شَدَّادٌ أَبَا أُمَامَةَ، ووَاثِلَةَ، وَصَحِبَ أَنَسًا إِلَى الشَّامِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَضْلًا وَخَيْرًا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ: كُنْتُ وَأَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَارًا، فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي، فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفِيًا جُرَأَئُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ، فَتَلَطَّفْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْتَ؟ قَالَ: «أَنَا نَبِيٌّ»، فَقُلْتُ: وَمَا نَبِيٌّ؟ قَالَ: «أَرْسَلَنِي اللَّهُ»، فَقُلْتُ: وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: «أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ، وَأَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ»، قُلْتُ لَهُ: فَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: «حُرٌّ، وَعَبْدٌ» قَالَ: وَمَعَهُ- يَوْمَئِذٍ- أَبُو بَكْرٍ، وَبِلَالٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ، فَقُلْتُ: إِنِّي مُتَّبِعُكَ قَالَ: «إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا، أَلَا تَرَى حَالِي وَحَالَ النَّاسِ، وَلَكِنْ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ، فَإِذَا سَمِعْتَ بِي قَدْ ظَهَرْتُ، فَأْتِنِي» قَالَ: فَذَهَبْتُ إِلَى أَهْلِي، وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَكُنْتُ فِي أَهْلِي، فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّرُ الْأَخْبَارَ، وَأَسْأَلُ\nالنَّاسَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيَّ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةَ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي قَدِمَ الْمَدِينَةَ؟ فَقَالُوا: النَّاسُ إِلَيْهِ سِرَاعٌ، وَقَدْ أَرَادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: «نَعَمْ، أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ» قَالَ: فَقُلْتُ: بَلَى، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ وَأَجْهَلُهُ، أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلَاةِ قَالَ: «صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ،","vol":"2","page":562},{"text":"حَتَّى تَرْتَفِعَ؛ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ، حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ، حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ» قَالَ: فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَالْوُضُوءَ، حَدِّثْنِي عَنْهُ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ، فَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ، وَفِيهِ، وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، إِلَّا\nخَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ، إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».\nفَحَدَّثَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا أُمَامَةَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ: يَا عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ انْظُرْ مَا تَقُولُ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ يُعْطَى هَذَا الرَّجُلُ! فَقَالَ عَمْرٌو: يَا أَبَا أُمَامَةَ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي وَرَقَّ عَظْمِي وَاقْتَرَبَ أَجَلِي، وَمَا بِي حَاجَةٌ أَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ وَلَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ مَا حَدَّثْتُ بِهِ أَبَدًا، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.\nقول عمر بن عبسة ﵁: «كُنْتُ وَأَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلَالَةٍ»، أي: بعقله، فقد كان يظن الناسَ وهم يعبدون الأوثان أنهم ليسوا على شيء.\nوقوله: «جُرَأَىءُ عَلَيْهِ قَوْمُه»: جُرَأَىء: على وزن فُعَلَاء كعلماء، وهي بالجيم","vol":"2","page":563},{"text":"المضمومة جمع جريء من الجراءة، وهي الإقدام والتسلط، فكان قومه متجرئين عليه، لا يؤمنون به، بل ويؤذونه، وقيل: «حِرَأَئ» (^١): بالحاء المهملة المكسورة، أي: غضاب عليه، وذوُو غم وغيظ وحنق؛ لأنه ﵊ لم يكن معه أحد إلا قلة من أصحابه، فلهذا تجرؤوا عليه.\nوقوله: «فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْتَ؟»، ولم يقل: «مَنْ أَنْتَ» مع أن (ما) يؤتى بها لغير العاقل، و(من) للعاقل؛ وذلك لأن المقصود الصفة، يعني: أنا الآن أسمع عنك أخبارًا، فما صفتك؟\nوقوله: «فَإِذَا سَمِعْتَ بِي قَدْ ظَهَرْتُ، فَأْتِنِي»: هذا فيه عَلَم من أعلام النبوة، وهو إخباره ﷺ أنه سيظهر، وفيه: ثقة النبي ﷺ بربه، وأن الله سيُظهر دينه، وسينصره على أعدائه.\nوقوله: «يَثْرِبَ»: اسم المدينة سابقًا، كانت تسمى يثرب، وهو اسم قديم جاهلي، وسماها النبي ﷺ «المدينة»، و«طيبة»، و«طابة» (^٢)، وأما قول الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ فهذا إخبار من الله تعالى أن المنافقين هم الذين قالوا ذلك.\nوقوله: «مَحْضُورَةٌ»، أي: تحضرها الملائكة.\nوقوله: «ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ»: أقصر- بكسر الصاد- يعني: أمسِك عن الصلاة.\nوقوله: «فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ»: الفيء: الظل بعد الزوال، يقال له: فيء، وأما الظل فيشمل ما قبل الزوال وما بعده.\nوقوله: «وَخَيَاشِيمِهِ»: جمع خيشوم، وهو أقصى الأنف.\nوفي هذا الحديث: أنه ﵊ أتى في إجابته بمهمات الأمور، ولم يأتِ\n_________\n(^١) الجمع بين الصحيحين، للحميدي (٣٠٧٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٤٨٢)، ومسلم (١٣٨٧).","vol":"2","page":564},{"text":"بالجزئيات، فقال: «أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ».\nوفيه: أن صلة الأرحام مقرونة بالتوحيد، وكسر الأوثان يلزم منه التوحيد، فلا توحيد إلا بكسر الأوثان.\nوهكذا: أولًا التخلية، ثم التحلية، تخلية بكسر الأوثان، وتحلية بالتوحيد، فإذا زال الشرك وُحِّد الله.\nوفيه: فضل الصِّديق ﵁، فهو أول من آمن به من الأحرار، وكذلك فضل بلال ﵁، وهو أول من آمن به من العبيد، وخديجة ﵂ أول من آمنت به من النساء، وعلي ﵁ أول من آمن من الصبيان.\nوفيه: أن الوضوء من الأسباب التي يكفر الله بها الصغائر، أما الكبائر فلا بد لها من توبة، قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.\nوالصلاة كذلك من أسباب المغفرة، فإذا مجَّد الله وأثنى عليه وفرَّغ قلبه من الوساوس والخواطر- غفر الله له، ويؤيد هذا الحديث الآخر عند أحمد ﵀، قال رسول الله ﷺ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَغُفِرَ لَه» (^١)، وفي لفظ آخر عند البخاري ﵀: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦٨٦٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٩).","vol":"2","page":565},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>بَابُ لَا تَتَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا</span>\n\n[٨٣٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: وَهِمَ عُمَرُ، إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُتَحَرَّى طُلُوعُ الشَّمْسِ وَغُرُوبُهَا.\nوَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمْ يَدَعْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ قَالَ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَتَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا، فَتُصَلُّوا عِنْدَ ذَلِكَ».\nفي هذا الحديث: بيان قول عائشة ﵂ بتوهيم عمر في روايته عن الرسول ﷺ، أنه قال: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» (^١)، وكأنها تقول: ذاك وهمٌ، وليس النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر؛ لأن النبي ﷺ ثبت أنه صلي بعد العصر ركعتين (^٢)، وإنما الذي نهي عنه هو التحري للصلاة عند طلوعها وعند غروبها، وهكذا فهمت عائشة ﵂.\nوالصواب: أنها هي الواهمة؛ لأن أحاديث النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر متواترة، ثبتت عن عدد من الصحابة كما سبق، وقد ظنت أن النهي خاص عند طلوع الفجر وعند غروبها، والصواب: أنه ممتد بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٨٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٣٣)، ومسلم (٨٣٥).","vol":"2","page":566},{"text":"وأما صلاة النبي ﷺ ركعتين بعد العصر فهذا من خصائصه ﵊؛ لأنه شُغل عن ركعتين بعد الظهر، فقضاهما بعد العصر فأثبتهما، «وكان إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ» (^١).\nوفيه: أن الإنسان- ولو كان كبير السن، أو عالمًا، أو فقيهًا- فإنه قد يَهِمُ، فهو ليس بمعصوم، وعائشة ﵂ أفقه النساء، ومع ذلك لها أوهام كغيرها، وجَلَّ من لا يَنسى ولا يخطئ ﷾.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٤٨).","vol":"2","page":567},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>بَابُ مَعْرِفَةِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَ يُصَلِّيهِمَا النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ الْعَصْرِ</span>\n\n[٨٣٤] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو- وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ-: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، وعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ، والْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- فَقَالُوا: اقْرَأْ ﵍ مِنَّا جَمِيعًا، وَسَلْهَا عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَقُلْ: إِنَّا أُخْبِرْنَا أَنَّكِ تُصَلِّينَهُمَا، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهُمَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكُنْتُ أَصْرِفُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ النَّاسَ عَنْهَا، قَالَ كُرَيْبٌ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا وَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي بِهِ، فَقَالَتْ: سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ فَأَخْبَرْتُهُمْ بِقَوْلِهَا، فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِمِثْلِ مَا أَرْسَلُونِي بِهِ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْهُمَا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا، أَمَّا حِينَ صَلَّاهُمَا فَإِنَّهُ صَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي حَرَامٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَصَلَّاهُمَا، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الْجَارِيَةَ، فَقُلْتُ: قُومِي بِجَنْبِهِ، فَقُولِي لَهُ: تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي أَسْمَعُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا، فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ قَالَ: فَفَعَلَتِ الْجَارِيَةُ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ\nفَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ».\n[خ: ١٢٣٣]\n\n[٨٣٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وقُتَيْبَةُ وعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ- وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ- قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ: أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنِ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَ","vol":"2","page":568},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ الْعَصْرِ، ثُمَّ إِنَّهُ شُغِلَ عَنْهُمَا أَوْ نَسِيَهُمَا فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، ثُمَّ أَثْبَتَهُمَا وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا.\nقَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ: تَعْنِي: دَاوَمَ عَلَيْهَا.\n[خ: ٥٩٢]\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: صَلَاتَانِ مَا تَرَكَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي قَطُّ سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ، ومَسْرُوقٍ، قَالَا: نَشْهَدُ عَلَى عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا كَانَ يَوْمُهُ الَّذِي كَانَ يَكُونُ عِنْدِي إِلَّا صَلَّاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي، تَعْنِي: الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ.\nقوله: «يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ»: فيه: أن النهي عن الصلاة بعد العصر باقٍ بحاله، وأما صلاة النبي ﷺ بعد العصر فإنما هو قضاء للركعتين بعد الظهر، وإطلاق القول بقضاء الفوائت بعد العصر غير صحيح، أما الفرائض فإنها تقضى من دون إشكال؛ لحديث: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها (^١)، وأما السنن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤).","vol":"2","page":569},{"text":"الرواتب فلا تقضى بعد العصر؛ لحديث أم سلمة ﵂، ولحديث عائشة أنها قالت لعروة: ابن أختي، ما ترك النبي ﷺ السجدتين بعد العصر عندي قط (^١)، فهذان الحديثان يدلان على أن قضاء النبي ﷺ راتبة الظهر بعد العصر من خصائصه، وكذا مواظبته عليها من خصائصه ﷺ.\nوفي هذا الحديث: أن عبد الرحمن بن أزهر، والمسور بن مخرمة، وابن عباس، ﵃ جميعًا، أرسلوا كُريبًا ﵀ إلى عائشة ﵂، وكانت عائشة تصلي ركعتين بعد العصر؛ اقتداء بالنبي ﷺ، فأرسلوه إليها، ليسألها عنهما، فقالت: «سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ»: ففيه: أن الإنسان ينبغي له أن يرشد غيره إلى من هو أعلم منه إذا كان هناك من عنده علم أكثر، أو تحقيق في مسألة بعينها، وذلك هو تواضع الصحابة وفقههم ﵃ أجمعين.\nوفيه: أنه ﷺ شُغل عن الركعتين قبل العصر، وفي الحديث قبله: أن الركعتين هما: اللتان بعد الظهر، أي: السُّنة الراتبة، وهو الأقرب؛ لأن صلاة الركعتين قبل العصر الأصل فيها أنها ليست سنة راتبة، ويحتمل أن المقصود ركعتا الظهر؛ لأنهما قبل العصر.\nوفيه: جواز قضاء الفوائت للمصلي إذا كان يواظب عليها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩١).","vol":"2","page":570},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>بَابُ اسْتِحْبَابِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ</span>\n\n[٨٣٦] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وأَبُو كُرَيْبٍ، جميعًا عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ مُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقَالَ: كَانَ عُمَرُ يَضْرِبُ الْأَيْدِي عَلَى صَلَاةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَكُنَّا نُصَلِّي عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَّاهُمَا؟ قَالَ: كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا.\n\n[٨٣٧] وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ- وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ، فَيَرْكَعُونَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ، فَيَحْسِبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا.\n[خ: ٦٢٥]\nقوله: «يَضْرِبُ الْأَيْدِي»، أي: لمنعهم ونهيهم عنها.\nوقوله: «كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا»: هذا إقرار منه ﷺ؛ فكونه يراهم يصلون بعد أذان المغرب ركعتين ويسكت فهذا تقرير، والسنة تثبت بالقول والفعل والتقرير، ثم إنه جاء- أيضًا- قوله ﷺ: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ عِنْدَ الثَّالِثَةِ: لِمَنْ شَاءَ؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً» (^١).\nفالسنة قبل صلاة المغرب ثابتة من قول النبي ﷺ، ومن تقريره، ولكنها\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٠٠٢٨)، وأبو داود (١٢٨١).","vol":"2","page":571},{"text":"ليست من الرواتب، وهي ثابتة كذلك في الحديث الآتي: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ ثَلَاثًا، لِمَنْ شَاءَ».\nوفي الحديث: دليل على أن وقت المغرب يتأخر بعض الشيء يقارب الساعة، أو الساعة والربع، خلافًا لقول بعضهم: إن وقت المغرب قصير لا يمتد وهو بمقدار صلاة ثلاث ركعات.","vol":"2","page":572},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>بَابُ بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ</span>\n\n[٨٣٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، ووَكِيعٌ عَنْ كَهْمَسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ»، قَالَهَا ثَلَاثًا، قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ».\n[خ: ٦٢٧]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنِ الجُرَيْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: «لِمَنْ شَاءَ».\nقوله: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ»، يعني: بين الأذان، والإقامة، فسمى الإقامة أذانًا، خبر بمعنى الأمر، والمعنى: صلوا بين الأذانين، فلو لم يأتِ قوله: «لِمَنْ شَاءَ»: لصار الأمر للوجوب، لكن دل الاختيار على الاستحباب؛ ولهذا جاء في اللفظ الآخر: كراهية أن يتخذها الناس سنة (^١)، أي: سنة لازمة، فمن أراد أن يصلي بعد الأذان فله أجره وله فضله، ومن لم يرد أن يصلي فلا حرج فليست لازمة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٨٣).","vol":"2","page":573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ</span>\n\n[٨٣٩] حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى مُوَاجِهَةُ الْعَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، وَقَامُوا فِي مَقَامِ أَصْحَابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلَى الْعَدُوِّ، وَجَاءَ أُولَئِكَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَهَؤُلَاءِ رَكْعَةً.\n[خ: ٤١٣٣]\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَوْفِ، وَيَقُولُ: صَلَّيْتُهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِهَذَا الْمَعْنَى.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُوسَى ابْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ذَهَبُوا، وَجَاءَ الْآخَرُونَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ قَضَتِ الطَّائِفَتَانِ رَكْعَةً رَكْعَةً قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَإِذَا كَانَ خَوْفٌ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَصَلِّ رَاكِبًا أَوْ قَائِمًا، تُومِئُ إِيمَاءً.\n\n[٨٤٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَصَفَّنَا صَفَّيْنِ، صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ، وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ","vol":"2","page":574},{"text":"وَقَامُوا، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ، وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ، ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نُحُورِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا. قَالَ جَابِرٌ: كَمَا يَصْنَعُ حَرَسُكُمْ هَؤُلَاءِ بِأُمَرَائِهِمْ.\nحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْمًا مِنْ جُهَيْنَةَ، فَقَاتَلُونَا قِتَالًا شَدِيدًا، فَلَمَّا صَلَّيْنَا الظُّهْرَ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَوْ مِلْنَا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً لَاقْتَطَعْنَاهُمْ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَقَالُوا: إِنَّهُ سَتَأْتِيهِمْ صَلَاةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ الْأَوْلَادِ»، فَلَمَّا حَضَرَتِ الْعَصْرُ قَالَ: صَفَّنَا صَفَّيْنِ وَالْمُشْرِكُونَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ قَالَ: فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَكَبَّرْنَا، وَرَكَعَ فَرَكَعْنَا، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الْأَوَّلُ، فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ وَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الثَّانِي، فَقَامُوا مَقَامَ الْأَوَّلِ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَبَّرْنَا، وَرَكَعَ فَرَكَعْنَا، ثُمَّ سَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الْأَوَّلُ وَقَامَ الثَّانِي، فَلَمَّا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي ثُمَّ جَلَسُوا جَمِيعًا سَلَّمَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: ثُمَّ خَصَّ جَابِرٌ أَنْ قَالَ: كَمَا يُصَلِّي أُمَرَاؤُكُمْ هَؤُلَاءِ.\n\n[٨٤١] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْخَوْفِ، فَصَفَّهُمْ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ يَلُونَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ خَلْفَهُمْ رَكْعَةً، ثُمَّ تَقَدَّمُوا وَتَأَخَّرَ الَّذِينَ كَانُوا قُدَّامَهُمْ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ قَعَدَ حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ تَخَلَّفُوا رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ.\n[خ: ٤١٣١]\n\n[٨٤٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ ابْنِ رُومَانَ","vol":"2","page":575},{"text":"عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ.\n[خ: ٤١٢٩]\n\n[٨٤٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ، فَأَخَذَ سَيْفَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرَطَهُ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَتَخَافُنِي؟ قَالَ: «لَا» قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: «اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ» قَالَ: فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَغْمَدَ السَّيْفَ وَعَلَّقَهُ قَالَ: فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ قَالَ: فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ.\n[خ: ٤١٣٦]\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ حَسَّانَ- حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ- وَهُوَ ابْنُ سَلَّامٍ- أَخْبَرَنِي يَحْيَى، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ جَابِرًا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ.\nفي هذا الباب ذكر صلاة الخوف وهي إنما تُصلى في الجهاد وقتال الأعداء، وكان النبي ﷺ يوم الأحزاب لم يُصلِّ صلاة الخوف، وأخَّر صلاة","vol":"2","page":576},{"text":"العصر، ولم يصلها إلا بعد غروب الشمس، ثم صلى بعدها المغرب، وثبت في سنن النسائي- أيضًا-: «أنَّ الْمُشْرِكِينَ شَغَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَأَمَرَ بِلَالًا، فَأَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ» (^١).\nوثبت- أيضًا-: أن عمر ﵁ جعل يسب المشركين، وقال: يا رسول الله، شغلونا عن الصلاة، ما كدت أن أصليها حتى غربت الشمس، فقال النبي ﷺ: «مَا إِنْ صَلَّيْتُهَا بَعْدُ»: فتوضأ، وصلاها بعد المغرب، فقال ﷺ: «مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا، كَمَا حَبَسُونَا وَشَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ» (^٢): يعني: العصر.\nقال الجمهور من العلماء: إن هذا قبل أن تشرع صلاة الخوف، ثم شرعت صلاة الخوف بعد ذلك، فكان النبي ﷺ لا يؤخر الصلاة عن وقتها، وإنما يصليها في وقتها على إحدى الصفات الواردة.\nوذهب المحققون من أهل العلم إلى أنه قد تؤخر الصلاة عن وقتها، ولو بعد شرعية صلاة الخوف، إذا لم يتمكن المسلمون من صلاتها في الوقت، وكما قال ابن عمر ﵄ هنا: «فَصَلِّ رَاكِبًا، أَوْ قَائِمًا»، ويصلون كلٌّ وحْدانًا، ولا يصلون جماعة، بل يصلون ركبانًا أو مشاة، ويومئون إيماءً، فإذا تمكنوا من صلاتها جماعة صلوا، وإذا لم يتمكنوا صلى كل واحد وحده، وقال بهذا البخاري ﵀ وجماعة من المحققين (^٣).\nواستدلوا على هذا بفعل بعض الصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاة النبي ﷺ لما فتحوا تُسْتَر، حضرت صلاة الفجر ولم يتم الفتح، والمجاهدون منهم من هو على الأبواب ومنهم من هو على الأسوار، ورأوا لو أنهم صلوا\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١٧٩)، والنسائي (٦٥٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٦٢٧).\n(^٣) صحيح البخاري (٢/ ١٤).","vol":"2","page":577},{"text":"الفجر في وقتها لم يتم الفتح، واستولى عليهم المشركون، فأخروا الصلاة حتى تم الفتح، وفتحت الأبواب، واطمأنوا، فصلوها ضحًى، وقال أنس ﵁: «شَهِدْتُ فَتْحَ تُسْتَرَ مَعَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيُّ، فَلَمْ يُصَلِّ صَلاةَ الصُّبْحِ، حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَار، قَالَ أَنَسٌ: وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (^١)، فدل هذا على أن صلاة الخوف تصلى إذا أمكن، وإن لم يمكن صلى كل واحد وحده.\nوصلاة الخوف جاءت على صفات متعددة، قال الإمام أحمد ﵀: «كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز، وقال: ستة أوجه أو سبعة يروى فيها، كلها جائزة» (^٢).\nوقال الأثرم: «قلت لأبي عبد الله: تقول بالأحاديث كلها كل حديث في موضعه، أو تختار واحدًا منها؟ قال: أنا أقول: من ذهب إليها كلها فحسن، وأما حديث سهل فأنا أختاره» (^٣).\nوذكر الإمام مسلم ﵀ في هذه الأحاديث خمس صفات لصلاة الخوف:\nالصفة الأولى: في حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ صلى بطائفة ركعة، وطائفة تحرس العدو، فلما صلى بهذه الطائفة ركعة، ذهبوا يحرسون، وجاءت الطائفة الأخرى التي تحرس فصلت معه ركعة، ثم سلم ﵊، وقضى هؤلاء ركعة، وقضى هؤلاء ركعة.\nالصفة الثانية: في حديث جابر ﵁، أن النبي ﷺ صفَّهم صفَّين، وكان العدو جهة القبلة، ثم كبر وكبروا جميعًا، ثم ركع وركعوا جميعًا، ثم رفع ورفعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وبقي الصف الثاني\n_________\n(^١) أخرجه البخاري معلَّقًا مجزومًا به عقب حديث (٩٤٤)، ووصله ابن أبي شيبة في المصنف (٣٣٨٢٢).\n(^٢) المغنى، لابن قدامة (٢/ ٣٠٦).\n(^٣) المغنى، لابن قدامة (٢/ ٣٠٦).","vol":"2","page":578},{"text":"يحرس، فلما قضى سجوده في السجدة الثانية وقاموا وقام الصف الأول، انحدر الصف الثاني، وسجدوا سجدتين، ثم قاموا، فلما قاموا تأخر الصف المقدم، وتقدم الصف المؤخر، ثم ركع وركعوا جميعًا، ثم رفع ورفعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه الذي كان هو الصف الثاني، وبقي الصف الثاني يحرس، فلما سجدوا سجدتين وقعدوا انحدر الصف الثاني، وسجد سجدتين، ثم تشهدوا جميعًا، وسلم بهم النبي ﷺ.\nالصفة الثالثة: في حديث جابر ﵁- أيضًا-: أن النبي ﷺ صلى بهم، وصفَّهم صفَّين، وكان العدو من جهة القبلة، ثم كبر وكبروا جميعًا، وركع وركعوا جميعًا، ورفع ورفعوا جميعًا، ثم سجد، فسجد الصف الذي يليه، وبقي الصف الثاني يحرس، حتى قام الصف الأول، ولم يسجد الصف الثاني في هذه الصفة، فلما قام الصف الأول تقدم الصف الثاني، وتأخر الصف الأول، ثم ركع وركعوا جميعًا، ثم رفع ورفعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه الذي كان هو الصف الثاني، ثم لما قاموا سلم النبي ﷺ، وقضى هؤلاء ركعة، وقضى هؤلاء ركعة.\nالصفة الرابعة: في حديث سهل بن أبي خيثمة ﵁: أن النبي ﷺ قسم الغزاة قسمين، جعل طائفة تحرس، وصلى بطائفة ركعة، فلما صلى بهم ركعة ثبت قائمًا، فأتموا لأنفسهم الركعة الثانية، ثم سلموا، فذهبوا يحرسون، وجاءت الطائفة الثانية وصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا، ثم قضوا الركعة التي عليهم، ثم سلَّم بهم.\nالصفة الخامسة: في حديث جابر ﵁- أيضًا- أنه صلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فتمت الصلاة لرسول الله ﷺ أربعَ ركعات، وللقوم ركعتين.\nوفي حديث أبي بكرة ﵁ عند أحمد وأبي داود زيادة على حديث جابر ﵁، عن أبي بكرة ﵁ قال: «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الخَوْفِ، فَصَلَّى","vol":"2","page":579},{"text":"بِبَعْضِ أَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَتَأَخَّرُوا، وَجَاءَ آخَرُونَ، فَكَانُوا فِي مَكَانِهِمْ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَصَارَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعُ رَكعاتٍ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ» (^١)، فتكون الأولى له فريضة، والثانية له نافلة، صلى بطائفة ركعتين وسلم، فهذه الفريضة، ثم جاءت الطائفة الثانية فصلى بهم ركعتين وسلم، وصارت الصلاة الثانية له نافلة، ولهم فريضة، وهذه من الأدلة على أنه يصح ائتمام المفترض بالمتنفل.\nفهذه خمس صفات ذكرها الإمام مسلم ﵀، وإذا صلى على أي صفة منها صحت صلاته، ويختار من الصفات ما يناسب حاله.\nالصفة السادسة: بيَّنها ابن عباس ﵄، فقال: «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً» (^٢).\nوذهب إلى هذا بعض العلماء أنه إذا اشتد الخوف صلَّى ركعة واحدة (^٣).\nالصفة السابعة: اتفقت عليها المذاهب الأربعة، وهي: الاكتفاء بالتكبير إلى القبلة، أو إلى غيرها، ويصلون رجالًا أو ركبانًا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، يومِئُون للركوع والسجود، وهذه الحالة تكون عند المسايفة أي عند اشتداد القتال، وقطع الرقاب بالسيوف، فهو إما يقطع رقبة العدو، أو يقطع العدو رقبته (^٤)، عن مجاهد، والحكم، قالا: إذا كان عند الطراد، وعند سل السيوف، أجزأ الرجل أن تكون صلاته تكبيرًا، فإن لم يكن إلا تكبيرة واحدة أجزأته أينما كان وجهه (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٠٤٩٧)، وأبو داود (١٢٤٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (٦٨٩).\n(^٣) بدائع الصنائع، للكاساني (١/ ٢٤٣)، بحر المذهب، للروياني (٢/ ٤٢٠).\n(^٤) تبيين الحقائق، للزيلعي (١/ ٢٣٣)، البحر الرائق، لابن نجيم (٢/ ١٨٣)، المدونة، للإمام مالك (١/ ٢٤١)، شرح مختصر خليل، للخرشي (٢/ ٩٣)، المجموع، للنووي (٤/ ٤٢٤ - ٤٢٥)، المغني، لابن قدامة (٢/ ٣٠٩).\n(^٥) مصنف ابن أبي شبة (٨٢٦١).","vol":"2","page":580},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>كِتَاب الْجُمُعَةِ</span>","vol":"2","page":582},{"text":"كِتَاب الْجُمُعَةِ\n\n[٨٤٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ».\n[خ: ٨٧٧]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ- وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَر-: «مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ، وعَبْدِ اللهِ ابني عبد الله بن عمر عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ بِمِثْلِهِ.\nفي هذه الأحاديث: استحباب الاغتسال للجمعة، وصَرَفَ الأمرَ عن الوجوب إلى الاستحباب- عند الجمهور- أحاديث سيأتي تفصيلها.","vol":"2","page":583},{"text":"[٨٤٥] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنَادَاهُ عُمَرُ، أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ فَقَالَ: إِنِّي شُغِلْتُ الْيَوْمَ فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي، حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ، فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ، قَالَ عُمَرُ: وَالْوُضُوءَ أَيْضًا؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَان يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ.\n[خ: ٨٧٨]\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ إِذْ دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَعَرَّضَ بِهِ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَأَخَّرُونَ بَعْدَ النِّدَاءِ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا زِدْتُ حِينَ سَمِعْتُ النِّدَاءَ أَنْ تَوَضَّأْتُ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ، فَقَالَ عُمَرُ: وَالْوُضُوءَ أَيْضًا؟ أَلَمْ تَسْمَعُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ».\nفي هذا الحديث: إنكار عمر ﵁ على من دخل، وهو عثمان ﵁، وهو من السابقين الأولين.\nوفيه: أنه ينبغي لأهل الفضل والأكابر أن يكونوا قدوة للناس، وأن يتقدموا إلى الجمعة، قال له عمر ﵁: «أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟»، يعني: تأخرتَ، فأنكر عليه تأخره عن الجمعة، كما أنكر عليه عدم الغسل، وقد احتج بهذا بعض العلماء على وجوب الغسل.\nوالمراد بالنداء: الأذان الثاني؛ لأن النداء هو الأذان بعد دخول الخطيب، وهذا هو النداء الذي كان على عهد النبي ﷺ، وعهد أبي بكر وعمر ﵄، وأما الأذان الأول فما شرع إلا في زمن عثمان ﵁؛ لأنه اجتهد","vol":"2","page":584},{"text":"وأمر المنادي بالأذان الأول لما كثر الناس في المدينة (^١).\nوفيه: أنه يجوز للمأموم أن يكلم الإمام وهو يخطب، والإمام له أن يكلم بعض الناس خاصة وهو يخطب.\nوقوله: «فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ» فيه دليل على أن غسل الجمعة ليس بواجب؛ حيث لم يأمر عمرُ عثمانَ ﵄ بالرجوع إلى بيته للاغتسال، وأقره الصحابة رضوان الله عليهم عليه.\nوقد اختلف العلماء في حكم غسل الجمعة على أقوال ثلاثة:\nالقول الأول: وهو مذهب الجمهور (^٢): أن غسل الجمعة سنة، والأمر في قوله ﷺ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ» مصروف عن الوجوب إلى الاستحباب، بأحاديث، منها:\nحديث عائشة ﵂: أن بعض الصحابة كانوا يأتون الجمعة من أشغالهم، وتكون لهم روائح، فقال لهم النبي ﷺ: «لَوِ اغْتَسَلْتُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» (^٣)، وهو يُشعر بعدم الوجوب، والتقدير: لكان أفضل.\nوبحديث سمرة ﵁ المشهور في السنن: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» (^٤).\nوبحديث أبي هريرة ﵁ الآتي: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا» (^٥)، لقوله: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» ولم يقل: من اغتسل غفر له ما بين\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩١٢).\n(^٢) بدائع الصنائع، للكاساني (١/ ٢٠)، التاج والإكليل، للمواق (٢/ ٥٤٣)، الحاوي الكبير، للماوردي (١/ ٣٧٢)، المجموع، للنووي (٢/ ٢٠١ (.\n(^٣) أخرجه البخاري (٩٠٣)، ومسلم (١٤٠٥).\n(^٤) أخرجه أحمد (١٩٥٨٤)، وأبو داود (٣٥٤)، والترمذي (٤٩٧)، والنسائي (١٣٨٠)، وابن ماجه (١٠٩١).\n(^٥) أخرجه مسلم (٨٥٩)، وأحمد (٩٢٨٠).","vol":"2","page":585},{"text":"الجمعة والجمعة الأخرى.\nواستدلوا بقصة عمر مع عثمان ﵄، فقالوا: إن عمر على عثمان ﵄ عدم الغسل، لكنه لم يأمره بالرجوع إلى بيته للاغتسال، ولو كان واجبًا لأمره بذلك.\nواستدلوا على مذهبهم بأن النبي ﷺ قرن غسل الجمعة بالطيب والسواك (^١) فدل على أنه مستحب؛ لأن السواك والطيب مستحبان.\nأما حديث أبي سعيد ﵁: «الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» فقالوا: واجب، يعني: متأكد، كما تقول العرب: «حقك عليَّ واجب»، أي: متأكَّد.\nوالقول الثاني: أن غسل الجمعة واجب، وهو قول لبعض الصحابة والتابعين والظاهرية (^٢)، واستدلوا بقوله ﷺ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ»، وقالوا: إن الأصل في الأمر الوجوب، واستدلوا كذلك بحديث أبي سعيد ﵁ الآتي: «الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ»، أي: بالغ.\nوالقول الثالث: أن غسل الجمعة واجب على أهل المهن والحرف الذين يكثر فيهم العرق والروائح بسبب أعمالهم دون غيرهم، واستدلوا بحديث عائشة ﵂: «كَانَ النَّاسُ أَهْلَ عَمَلٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ، فَكَانُوا يَكُونُ لَهُمْ تَفَلٌ، فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» (^٣)؛ فهذا دليل على أن الغسل واجب على أهل المهن، وأما غيرهم فهو مستحب في حقهم، واختار هذا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٨٣)، ومسلم (٨٤٨).\n(^٢) المحلى، لابن حزم (١/ ٢٥٥).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٤٠٥).\n(^٤) مجموع فتاوى ابن باز (١٠/ ١٧٠).","vol":"2","page":586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>بَابُ وُجُوبِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ بَالِغٍ مِنَ الرِّجَالِ، وَبَيَانِ مَا أُمِرُوا بِهِ</span>\n\n[٨٤٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ».\n[خ: ٨٧٩]\nحديث أبي سعيد ﵁ حديث قوي، وهو من أدلة أصحاب القول الثاني القائلين بأن غسل الجمعة واجب على كل محتلم، وقد اختاره فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ (^١).\n\n[٨٤٧] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ مِنَ الْعَوَالِي فَيَأْتُونَ فِي الْعَبَاءِ وَيُصِيبُهُمُ الْغُبَارُ، فَتَخْرُجُ مِنْهُمُ الرِّيحُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ أَهْلَ عَمَلٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ، فَكَانُوا يَكُونُ لَهُمْ تَفَلٌ، فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.\nقوله: «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا»، أي: اغتسلتم، وبه استدلوا على وجوب الغسل على أهل الحِرف دون غيرهم.\n_________\n(^١) الشرح الممتع، لابن عثيمين (٥/ ٨٣).","vol":"2","page":587},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>بَابُ الطِّيبِ وَالسِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ</span>\n\n[٨٤٦] وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي هِلَالٍ، وَبُكَيْرَ بْنَ الْأَشَجِّ، حَدَّثَاهُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ».\nإِلَّا أَنَّ بُكَيْرًا لَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَقَالَ- فِي الطِّيبِ-: وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ.\n[خ: ٨٨٠]\nقوله: «وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ» طيب المرأة: ما خفي ريحه، وظهر لونه، وطيب الرجل: ما خفي لونه، وظهر ريحه، يعني: إذا لم يجد من طيب الرجال، تطيب ولو من طيب المرأة مع خفاء رائحته، وهذا يدل على تأكد الطيب.\nوهذا الحديث من الأدلة على عدم وجوب غسل الجمعة؛ حيث قرنه بالسواك والطيب، وهما مستحبان.\n\n[٨٤٨] حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَالَ طَاوُسٌ: فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: وَيَمَسُّ طِيبًا، أَوْ دُهْنًا إِنْ كَانَ عِنْدَ أَهْلِهِ؟ قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ.\n[خ: ٨٨٥]\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nفي هذا الحديث: دليل على ورع ابن عباس ﵄، فكان لا يتكلم بشيء لا يعلمه.","vol":"2","page":588},{"text":"[٨٤٩] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «حَقٌّ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ».\n[خ: ٨٩٨]\nقوله: «حَقٌّ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ»، أي: ذكرًا كان، أو أنثى، فهو عام، ليس فيه تخصيص للجمعة، أو تخصيص للذكور؛ لأنه من باب النظافة.\n\n[٨٥٠] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ- فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ- عَنْ سُمَيٍّ- مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ».\n[خ: ٨٨١]\nقوله: «يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ»، أي: الخطبة.\nفي هذا الحديث: أن الملائكة يستمعون الذكر؛ لأنهم يتتبعون مجالس الذكر.\nوفيه: تفاوت الناس في الأجر والثواب على حسب تقدمهم يوم الجمعة.\nوقوله: «وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ»، يعني:، ثُمَّ يخرج الإمام في الساعة السادسة.","vol":"2","page":589},{"text":"وقول جمهور العلماء أنها خمس ساعات، مقسَّمة ما بين طلوع الشمس إلى وقت صلاة الجمعة.\nوقيل: تبدأ من طلوع الفجر؛ لأن اليوم يبدأ من طلوع الفجر.\nوالأول أقرب؛ لأنه إذا كان من طلوع الفجر فمعنى ذلك: أن المسلم يذهب إلى صلاة الفجر في المسجد الجامع الذي يصلي فيه الجمعة، ويبقى فيه حتى صلاة الجمعة.\nواستدل الإمام مالك ﵀ بقوله: «ثُمَّ رَاحَ» وقال: إن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال، وقال: هي خمس لحظات متواليات، ثُمَّ يخرج الإمام، وهذا قول غريب ضعيف، ومعناه: ليس هناك تقدم إلى الجمعة، وليس هناك فضيلة، فكل الناس يأتون في وقت واحد، في خمس لحظات متوالية، يعني: في أقل من خمس دقائق، ثُمَّ يدخل الخطيب، والصحيح أن الرواح يطلق على أول النهار وآخره، ولا يختص بالزوال (^١).\nوالمراد بالساعة: جزء من الوقت، قد تزيد عن الساعة المعروفة وقد تنقص، والنبي ﷺ قال يوم الفتح: «وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» (^٢)، وكانت هذه الساعة من الضحى إلى بعد العصر، وسماها ساعة.\nوفي بعض الروايات: «وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ عُصْفُورًا» (^٣)، وجاء في غير الصحيحين: «ثُمَّ كَالْمُهْدِي بَطَّةً، ثُمَّ كَالْمُهْدِي دَجَاجَةً، ثُمَّ كَالْمُهْدِي بَيْضَةً» (^٤).\n_________\n(^١) النَّوادر والزِّيادات، لابن أبي زيد القيرواني (١/ ٤٦٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٥).\n(^٣) أخرجه أحمد (١١٣٦٠)، والنسائي (١٣٨٧).\n(^٤) أخرجه أحمد (٢٧٨٦٩)، والنسائي (١٣٨٥).","vol":"2","page":590},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>بَاب فِي الْإِنْصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْخُطْبَةِ</span>\n\n[٨٥١] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ قَالَ ابْنُ رُمْحٍ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ».\n[خ: ٩٣٤]\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ، وَعَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ بِمِثْلِهِ، وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا، فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَارِظٍ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغِيتَ».\nقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: هِيَ لُغَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِنَّمَا هُوَ: فَقَدْ لَغَوْتَ.\nفي هذا الحديث: النهي عن الكلام والخطيب يخطب، وأن هذا من اللغو المحرم.\nوقوله: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ» وهو من إنكار المنكر، فكيف إذا كان الكلام بغيره؟ يعني: لا يتكلم، ولا يقول: أنصت، وإنما يشير إليه بالإشارة كما في الصلاة، ولا يرد السلام، لكن إذا","vol":"2","page":591},{"text":"أشار بيده فلا بأس، ولا يتسوَّك، لأن هذا يشغلك عن الاستماع للخطبة.\nتنبيه: ينبغي للإنسان أن يُحضر سمعه وقلبه للخطبة، وهذا المقصود، وليس المراد أن الإنسان لا يتكلم، ثُمَّ يسرح بفكره ولا يستمع للخطبة، فالمراد أن يستمع للخطبة وينتفع بها.\nقوله: «لَغَيْتَ» هي لغة في لغوت، وفيها لغات كثيرة (^١).\n_________\n(^١) لسان العرب، لابن منظور (١٥/ ٢٥٠).","vol":"2","page":592},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>بَابُ فِي السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ</span>\n\n[٨٥٢] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ابْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: «فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ».\nزَادَ قُتَيْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ: وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا.\n[خ: ٩٣٥]\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَال أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: «إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ»، وَقَالَ بِيَدِهِ، يُقَلِّلُهَا، يُزَهِّدُهَا.\nحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُفَضَّلٍ- حَدَّثَنَا سَلَمَةُ- وَهُوَ ابْنُ عَلْقَمَةَ- عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ- يَعْنِي: ابْنَ مُسْلِمٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ». قَالَ: وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ.\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَمْ يَقُلْ: وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ.\n\n[٨٥٣] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالَا:","vol":"2","page":593},{"text":"حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: أَسَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي شَأْنِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ».\nفي هذه الأحاديث: بيان ساعة الجمعة، وأن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه، وهذا من فضل الله وإحسانه، وهذه الساعة جزء من الزمن من طلوع الشمس إلى غروبها يوم الجمعة، وهي ساعة خفيفة؛ ولهذا «قَالَ بِيَدِهِ، يُقَلِّلُهَا، يُزَهِّدُهَا».\nواختلف العلماء في هذه الساعة، فذكر الحافظ ابن حجر ﵀ فيها أربعين قولًا (^١)، لكنَّ أرجحها قولان:\nالقول الأول: أنها آخر ساعة بعد العصر، كما روي ذلك عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللهَ ﷿ فِيهَا خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَهِيَ بَعْدَ الْعَصْرِ» (^٢)، وقد جاء في هذا أخبار عن الصحابة ﵃، كما روى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أناسا من الصحابة اجتمعوا، فتذاكروا ساعة الجمعة، ثم افترقوا، فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة. وأجابوا عن قوله: «وَهُوَ يُصَلِّي» بأن من انتظر الصلاة على طهارة فهو في حكم المصلي.\nالقول الثاني: أنها ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة، وقد نص على هذا حديث أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ﵁: «هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (٢/ ٤١٦).\n(^٢) أخرجه أحمد (٧٦٨٨).","vol":"2","page":594},{"text":"الْإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ»، قال النووي ﵀: «والصحيح بل الصواب ما رواه مسلم من حديث أبي موسى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنها ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة»» (^١)، ويكون الدعاء إذا سكت الخطيب بين الخطبتين، وإذا سكت بعد الخطبة الثانية، وفي الصلاة في السجود ونحوه، وهذا الحديث مما استدركه الدارقطني على الإمام مسلم (^٢).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٦/ ١٤٠).\n(^٢) الإلزامات والتتبع، للدارقطني (١/ ١٦٦ - ١٦٧).","vol":"2","page":595},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>بَابُ فَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ</span>\n\n[٨٥٤] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا».\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يَعْنِي: الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ».","vol":"2","page":596},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>بَابُ هِدَايَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ</span>\n\n[٨٥٥] وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَحْنُ الْآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُوتِيَتِ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، ثُمَّ هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا هَدَانَا اللَّهُ لَهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ».\n[خ: ٣٤٨٦]\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَحْنُ الْآخِرُونَ، وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَاخْتَلَفُوا، فَهَدَانَا اللَّهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، هَدَانَا اللَّهُ لَهُ، قَالَ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَالْيَوْمَ لَنَا، وَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَخِي وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ، فَهُمْ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، فَالْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ».\n\n[٨٥٦] وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ رِبْعِيِّ","vol":"2","page":597},{"text":"بْنِ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ، فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ وَالْأَحَدَ، وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ».\nوَفِي رِوَايَةِ وَاصِلٍ: «الْمَقْضِيُّ بَيْنَهُمْ».\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، حَدَّثَنِي رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هُدِينَا إِلَى الْجُمُعَةِ، وَأَضَلَّ اللَّهُ عَنْهَا مَنْ كَانَ قَبْلَنَا»، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ فُضَيْلٍ.\nقوله: «كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْنَا» بمعنى: فرضه الله علينا.\nوقوله: «نَحْنُ الْآخِرُونَ»، يعني: في الزمان والوجود.\nوقوله: «وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، أي: في دخول الجنة.\nوقوله: «اخْتَلَفُوا فِيهِ»، يعني: وُكِلوا إلى اجتهادهم لأنه لم يُعَيَّنْ لهم، فلم يهتدوا له، ونحن عيَّنه الله ﷿ لنا، ولم نُوكَلْ إلى اجتهادنا، فهدانا الله إلى يوم الجمعة، فيوم الجمعة للمسلمين، ويوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى.\nفي هذه الأحاديث: بيان أن هذه الأمة هي آخر الأمم وجودًا وزمانًا، ولكنهم السابقون يوم القيامة في دخول الجنة.\nوفيها: فضل الله تعالى وإحسانه أن قد هدانا للجمعة، وأضل اليهودَ والنصارى عنها.","vol":"2","page":598},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>بَابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ</span>\n\n[٨٥٠] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَغَرُّ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طَوَوْا الصُّحُفَ، وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي الْبَدَنَةَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْكَبْشَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الدَّجَاجَةَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْبَيْضَةَ».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَكٌ يَكْتُبُ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، مَثَّلَ الْجَزُورَ، ثُمَّ نَزَّلَهُمْ حَتَّى صَغَّرَ إِلَى مَثَلِ الْبَيْضَةِ، فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طُوِيَتِ الصُّحُفُ، وَحَضَرُوا الذِّكْرَ».\nقوله: «الْمُهَجِّرِ» هو الذي يبكِّر ليوم الجمعة، والتهجير: التبكير.\nفي هذه الأحاديث: فضل التبكير ليوم الجمعة، وأن الملائكة يجلسون على الأبواب يكتبون الأول فالأول، والمتقدم فالمتقدم.\nوفيها: أن المتقدم كالذي يُهدي بدنة، ثُمَّ كالذي يهدي بقرة، ثُمَّ كالذي يهدي كبشًا، ثُمَّ كالذي يُهدي دجاجة، ثُمَّ كالذي يُهدي بيضة.","vol":"2","page":599},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>بَابُ فَضْلِ مَنِ اسْتَمَعَ، وَأَنْصَتَ فِي الْخُطْبَةِ</span>\n\n[٨٥٧] حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا رَوْحٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كَريْب، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا».\nفي هذا الحديث: دليل على عدم وجوب الغسل يوم الجمعة لأنه رتَّب الفضل على الوضوء، فقال: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ» فدل على أن الغسل ليس بواجب، والأوامر التي جاءت بالغسل محمولة على الاستحباب.\nوقوله: «فَأَحْسَنَ»، يعني: أبلغ الوضوء، وأتمه، وغسل ثلاثًا، ثلاثًا.\nوقوله: «فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ»، أي: استمع لما يقوله الإمام.\nوقوله: «وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا» هذا مثال، والمراد: عدم العبث الذي يمنع الإنسان من الإنصات لما يقوله الإمام.","vol":"2","page":600},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-353>بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ</span>\n\n[٨٥٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنُرِيحُ نَوَاضِحَنَا. قَالَ حَسَنٌ: فَقُلْتُ لِجَعْفَرٍ: فِي أَيِّ سَاعَةٍ تِلْكَ؟ قَالَ: زَوَالَ الشَّمْسِ.\nوَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ. ح، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَأَلَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ: مَتَى كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ؟ قَالَ: كَانَ يُصَلِّي، ثُمَّ نَذْهَبُ إِلَى جِمَالِنَا فَنُرِيحُهَا. زَادَ عَبْدُ اللهِ فِي حَدِيثِهِ: حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، يَعْنِي: النَّوَاضِحَ.\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة بعد الزوال.\nوقوله: «النَّوَاضِح»، أي: الإبل؛ سميت نواضح لأنها يُنتضح عليها الماء.\n\n[٨٥٩] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ قَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ.\nزَادَ ابْنُ حُجْرٍ: فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.\n[خ: ٩٣٩]\nفي هذا الحديث: دليل على أنهم كانوا يتغدون في غير يوم الجمعة قبل صلاة الظهر، فيتغدون ويقيلون قبل الظهر؛ لأن النبي ﷺ كان يبرد بالظهر، أما في يوم الجمعة فإنه ﷺ يبادر أول الزوال، فلا يتغدون ولا يقيلون إلا بعد","vol":"2","page":601},{"text":"صلاة الجمعة، لأنهم مأمورون بالتبكير، فلو قدموا القيلولة والغداء لفاتهم التبكير ليوم الجمعة.\n\n[٨٦٠] وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ يَعْلَى بْنِ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيِّ عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ.\n[خ: ٤١٦٨]\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ الْحَارِثِ عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْجُمُعَةَ فَنَرْجِعُ، وَمَا نَجِدُ لِلْحِيطَانِ فَيْئًا نَسْتَظِلُّ بِهِ.\nقوله: «نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ»، أي: نمشي فيه، حتى يستظلوا بظله؛ فإذا بادر النبي ﷺ في أول الوقت صار الفيء قليلًا، وهذا فيه تصريح أنهم لا يصلون إلا بعد الزوال، وقد يفهم منها: أن الصلاة قبل الزوال، لكن الأحاديث كلها تدل على أن النبي ﷺ كان لا يصليها إلا بعد الزوال، ومنها: قوله ﷺ- في هذا الحديث-: «كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ».\nوهناك أحاديث كثيرة تدل على أن وقت صلاة الجمعة بعد الزوال؛ ولهذا ترجم البخاري ﵀ في صحيحه: بَابُ وَقْتِ الْجُمُعَةِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ (^١).\nالقول الثاني: وإليه ذهب الإمام أحمد وجماعة أن صلاة الجمعة يجوز أداؤها قبل الزوال (^٢)، وجاءت أحاديث في مسند الإمام أحمد وغيره تدل على الجواز (^٣)، لكن أكثر الأحاديث تدل على أنها بعد الزوال؛ لذلك ينبغي\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢/ ٧).\n(^٢) الإنصاف، للمرداوي (٢/ ٣٧٥)، المغني، لابن قدامة (٢/ ٢٦٤).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٥٥٦).","vol":"2","page":602},{"text":"للخطيب أن لا يدخل إلا بعد زوال الشمس؛ احتياطًا لهذه العبادة العظيمة، ولا ينبغي أن يخاطر بالجمعة ويتقدم في الوقت، وبعض الخطباء يتقدم عشر دقائق، أو ربع ساعة، ولكنه إذا تأخر يكون أحوط لهذه العبادة، أما إذا تقدم فكثير من العلماء يرون أن صلاته غير صحيحة.\nوقد ورد تعميم على الخطباء بالمملكة العربية السعودية بأن لا يدخلوا للجمعة إلا بعد الزوال، وأن يؤذَّن للجمعة في موعد أذان الظهر في كل يوم، وهذا التعميم مبني على فتوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (^١).\nثم إن في هذا قطعًا لأعذار بعض المتهاونين في أداء الصلاة، فإذا قيل لأحدهم: أصليت الجمعة؟ قال: صليتها مع الذي بكَّر قبل الزوال.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن باز (١٢/ ٣٩١).","vol":"2","page":603},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>بَابُ ذِكْرِ الْخُطْبَتَيْنِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَمَا فِيهِمَا مِنَ الْجَلْسَةِ</span>\n\n[٨٦١] وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، جَمِيعًا عَنْ خَالِدٍ، قَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ، قَالَ: كَمَا يَفْعَلُونَ الْيَوْمَ.\n[خ: ٩٢٠]\nفي هذا الحديث: أن السنة للخطيب أن يخطب قائمًا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وتركوك قائمًا﴾، فلا ينبغي للإنسان أن يخطب جالسًا، بل عليه أن يخطب قائمًا، ثُمَّ يجلس بعد الخطبة الأولى جلسة خفيفة، ثُمَّ يقوم فيخطب الخطبة الثانية.\n\n[٨٦٢] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُطْبَتَانِ، يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ سِمَاكٍ قَالَ: أَنْبَأَنِي جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ، فَقَدْ وَاللهِ صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ.\nفي هذا الحديث: أنه لا تصح الجمعة إلا بالخطبتين، يذكِّر فيها الخطيبُ الناسَ، ويعظهم، ويتلو آيات من القرآن، وكان النبي ﷺ يقرأ: ﴿ق","vol":"2","page":604},{"text":"والقرآن المجيد﴾، ويأمر الإمام المصلين بتقوى الله.\nوتشتمل الخطبة على الشهادتين: الشهادة لله بالوحدانية، والشهادة للنبي ﷺ بالرسالة، والصلاة على النبي ﷺ، وبعض الآيات والأحاديث؛ ليتعظ الناس.","vol":"2","page":605},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-355>بَابُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾</span>\n\n[٨٦٣] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنْ الشَّامِ، فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْجُمُعَةِ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ حُصَيْنٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ، وَلَمْ يَقُلْ: قَائِمًا.\n[خ: ٩٣٦]\nوَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: الطَّحَّانَ- عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَدِمَتْ سُوَيْقَةٌ، قَالَ: فَخَرَجَ النَّاسُ إِلَيْهَا، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا أَنَا فِيهِمْ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، وَسَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ قَائِمٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ إِذْ قَدِمَتْ عِيرٌ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَابْتَدَرَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فِيهِمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، قَالَ: وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾.\nقوله: «فَقَدِمَتْ سُوَيْقَةٌ»، أي: عير تحمل تجارة.\nوقوله: «﴿انفضوا﴾»، أي: خرجوا إلى العير التي جاءت من الشام، ولم","vol":"2","page":606},{"text":"يعلموا الحكم الشرعي أنه لا يجوز.\nوقيل: إن هذا لما كانت الخطبة بعد الصلاة (^١)، لكن هذا لا يصح له دليل.\nوقوله: «﴿وتركوك قائمًا﴾» هذا من شدة حاجتهم وفاقتهم التي أصابتهم فلم يبق مع رسول الله ﷺ إلا العدد القليل، ثم لما نهاهم الله وأدبهم تأدبوا، ولم يبق مع الرسول ﷺ وقتها إلا اثنا عشر رجلًا؛ لذا: اشترط المالكية في الجمعة اثنا عشر رجلًا، وهذا قول مرجوح (^٢)؛ لأن هذا وقع اتفاقًا.\nوقال بعضهم: لا بد في الجمعة أن يكون العدد أربعين، معهم الإمام (^٣)، أو ليس معهم، على خلاف بينهم، وهذا مذهب الحنابلة (^٤)؛ لحديث: «وَفِى كُلِّ أَرْبَعِينَ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ جُمُعَةٌ، وَفِطْرٌ، وَأَضْحًى؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ جَمَاعَةٌ» (^٥)، والأحاديث الواردة في الباب ضعيفة.\nالقول الثاني: أن أقل عدد تنعقد به الجمعة ثلاثة سوى الإمام، وأن يكون الإمام والثلاثة ممن يجوز الاقتداء بهم في غير الجمعة (^٦).\nوالصواب: أن أقل عدد للجمعة: ثلاثة وهو اختيار ابن حزم، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله تعالى، والثلاثة هم: مؤذن، وإمام، ومأموم مع المؤذن (^٧).\nوفي هذا الحديث: ثبات الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، وسبقهما إلى\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٨/ ١٢٤).\n(^٢) التاج والإكليل، للمواق (٢/ ٥٢٤).\n(^٣) المجموع، للنووي (٤/ ٤٨٧)، أسنى المطالب، لزكريا الأنصاري (١/ ٢٤٩).\n(^٤) الإقناع، للحجاوي (١/ ١٩٢)، المغني، لابن قدامة (٢/ ٢٤٢).\n(^٥) أخرجه البيهقي في الكبرى (٥٨١٥)، والدارقطني (١٥٧٩).\n(^٦) الاختيار لتعليل المختار، لأبي الفضل الحنفي (١/ ٨٣).\n(^٧) المحلى، لابن حزم (٣/ ٢٥٠ - ٢٥١)، الفتاوى الكبرى، لابن تيمية (٥/ ٣٥٥).","vol":"2","page":607},{"text":"الخير، وملازمتهما للنبي ﷺ في جميع أحواله؛ ولهذا قال النبي ﷺ- في بعض الأحاديث عن أشراط الساعة: «وَبَيْنَمَا رَجُلٌ فِي غَنَمِهِ إِذْ عَدَا الذِّئْبُ فَذَهَبَ مِنْهَا بِشَاةٍ، فَطَلَبَ حَتَّى كَأَنَّهُ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ: هَذَا اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي، فَمَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي، فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللهِ ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ! قَالَ: فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَمَا هُمَا ثَمَّ» (^١)، فالشيخان أبو بكر وعمر هما أفضل الصحابة، ولهما مزية على غيرهم، ولا يسبهما مَن مَسَّ الإيمانُ شغافَ قلبه.\n\n[٨٦٤] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أم الحكم يخطب قاعدًا، فقال: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْخَبِيثِ يَخْطُبُ قَاعِدًا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾.\nقوله: «انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْخَبِيثِ يَخْطُبُ قَاعِدًا» هو من كلام الصحابي كعب بن عجرة ﵁، وقاله من باب الإنكار، ولم يرفع به صوته، ولكن قاله فسمعه من حوله.\nوكعب بن عجرة ﵁ صحابي جليل، له مكانته ومنزلته عند الناس، وعند الأمراء، بخلاف غيره من الصحابة ﵃، فليس لهم هذه المنزلة؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن ينكر المنكر برفق، ولا ينكره بعنف، فيكون هذا أدعى إلى القبول، ولأن الشدة قد يحصل منها التنفير.\nوفي هذا الحديث: دليل على أن هذا الصحابي يرى أن القيام للخطبة واجب لا يجوز تركه، وأنه شرط لصحتها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٧١).","vol":"2","page":608},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ</span>\n\n[٨٦٥] وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ- وَهُوَ ابْنُ سَلَّامٍ- عَنْ زَيْدٍ- يَعْنِي: أَخَاهُ- أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ ابْنُ مِينَاءَ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَاهُ: أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ- عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ-: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ».\nقوله: «عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ» الوَدْعُ- بسكون الدال-: يعني: التَّرك.\nوفي هذا الحديث: الوعيد الشديد على من تساهل في ترك الجمعة وتهاون فيها، وقد توعد النبي ﷺ تاركيها، فقال: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ».\nوفيه: دليل على أن ترك الجمعة من أسباب الختم على القلوب، والختم هذا طبعٌ وغلاف معنوي يمنع من وصول الخير- نسأل الله العفو والعافية- كقوله تعالى عن الذين كفروا: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾، وقال الله: ﴿طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، وقال: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾.","vol":"2","page":609},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-357>بَابُ تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ</span>\n\n[٨٦٦] حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، حَدَّثَنِي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الصَّلَوَاتِ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا.\nوَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: زَكَرِيَّاءُ عَنْ سِمَاكٍ.\nقوله: «كَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا»، أي: متوسطة، وليست طويلة؛ لأنه ﵊ قد أوتي جوامع الكلم، فيجمع المعاني الغزيرة في ألفاظ قليلة.\nوفي حديث آخر: «أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لَأَحْصَاهُ» (^١)، فكلماته معدودة، بخلاف ما يفعله كثير من الناس من الثرثرة والتكرار، والمعنى قليل، وهذا عكس ما هو مطلوب، ولو طالت الخطبة أنسى بعضُها بعضًا، وسيأتي حديث: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا»، وهذا هو الغالب، ولكن قد تدعو الحاجة إلى الإطالة أحيانًا، كأن يكون الموضوع يحتاج إلى أن يستوفيه الخطيب، وقد تكون موعظة طويلة أحيانًا، كأن تحدث أمور مهمة لا بد للخطيب من أن يبينها، وقد ثبت في صحيح مسلم: «عن عَمْرَو بْنَ أَخْطَبَ ﵁ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الْفَجْرَ وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥٦٨)، ومسلم (٣٠١٤).","vol":"2","page":610},{"text":"حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ، فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا» (^١)، وقد حدث هذا لأمر عارض، وإلا فالغالب أن خطبته ﷺ كانت قصدًا، وصلاته كذلك كانت قصدًا.\n\n[٨٦٧] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ»، وَيَقُولُ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ» - وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ: السَّبَّابَةِ، وَالْوُسْطَى-، وَيَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»، ثُمَّ يَقُولُ: «أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ؛ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا، أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ».\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ.\nاستدل العلماء بهذا الحديث على اشتراط أن يأتي خطيب الجمعة بحمد الله والثناء عليه، والشهادة لله تعالى بالوحدانية، ولنبيه بالرسالة، والصلاة والسلام على نبيه، والأمر بتقوى الله في الخطبتين جميعًا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٩٤).","vol":"2","page":611},{"text":"وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ؛ يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: «مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَخَيْرُ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ»، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ.\n\n[٨٦٨] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى- وَهُوَ أَبُو هَمَّامٍ- حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ، سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ ضِمَادًا قَدِمَ مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَكَانَ يَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ، فَسَمِعَ سُفَهَاءَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ، فَقَالَ: لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ لَعَلَّ اللَّهَ يَشْفِيهِ عَلَى يَدَيَّ، قَالَ: فَلَقِيَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ، وَإِنَّ اللَّهَ يَشْفِي عَلَى يَدِي مَنْ شَاءَ، فَهَلْ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ»، قَالَ: فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، وَقَوْلَ السَّحَرَةِ، وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ، فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ، قَالَ: فَقَالَ: هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: فَبَايَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَعَلَى قَوْمِكَ»، قَالَ: وَعَلَى قَوْمِي، قَالَ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً فَمَرُّوا بِقَوْمِهِ، فَقَالَ صَاحِبُ السَّرِيَّةِ لِلْجَيْشِ: هَلْ\nأَصَبْتُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ شَيْئًا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَصَبْتُ مِنْهُمْ مِطْهَرَةً، فَقَالَ: رُدُّوهَا؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمُ ضِمَادٍ.\nقوله: «إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ»، أي: من مس الجن والجنون.","vol":"2","page":612},{"text":"وقوله: «وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ»، وفي رواية: «قَاعُوسَ الْبَحْرِ» (^١) يعني: لجة البحر وقعره.\nوقوله: «رُدُّوهَا؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمُ ضِمَادٍ»، أي: إكرامًا لهم.\nوفي هذا الحديث: أن السفهاء والمشركين قالوا لضماد: إن محمدًا مجنون، فقال ضماد: أنا أرقي من الجنون، يعني: عندي رقية أرقي بها، فلما قرأ عليه النبي ﷺ وسمع كلامه أسلم في الحال.\n\n[٨٦٩] حَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيَّانَ، قَالَ: قَالَ أَبُو وَائِلٍ: خَطَبَنَا عَمَّارٌ فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ، فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ، مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا».\nقوله: «يَا أَبَا الْيَقْظَانِ» هي كنية عمار بن ياسر ﵁.\nوقوله: «فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ»، يعني: لو أطلتَ الخطبة.\nوقوله: «مَئِنَّةٌ»، أي: علامة ومظنة.\nوفي هذا الحديث: بيان أن طول صلاة الرجل وقصر خطبته علامة على فقه الخطيب؛ وذلك لأن الفقيه والبليغ هو الذي يجمع المعاني الغزيرة في ألفاظ قليلة، كخطب النبي ﷺ، أما غير الفقيه وغير البليغ فيكون الكلام كثيرًا، والمعنى قليلًا، فيردد الكلام، ويعيده، وتكون خطبته ثرثرة فارغة.\nوقوله: «وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا» اختُلف فيه، هل هو ذم، أم مدح؟ فقال\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٣/ ٢٧١).","vol":"2","page":613},{"text":"بعضهم: إنه ذم للبيان (^١)، وقيل: بل هو مدح، وهو الأقرب؛ ولهذا فقد جعل النبي ﷺ طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، يعني: علامة على فقهه، ولا شك أن قصر الخطبة من البيان المحمود.\n\n[٨٧٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ».\nقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: فَقَدْ غَوِيَ.\nقوله: «فَقَدْ غَوَى» روي بفتح الواو، وبكسرها.\nوقوله: «بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» اختلف العلماء في الجمع بين هذا الحديث وحديثُ أنس في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ...» (^٢)، فقد جمع النبي ﷺ الضمير العائد على الله تعالى، والضمير العائد على رسوله ﷺ، فقال: «مِمَّا سِوَاهُمَا»، وهذا الخطيب لما قال: «وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى»، قال له النبي ﷺ: «بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»، أي: لا تجمع ضمير الرسول ﷺ مع ضمير الرب ﵎.\nفقيل: إن هذا الحديث منسوخ بحديث أنس: «أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا».\nوقيل: إن النهي عن جمع الضميرين معًا محمول على الأدب والتنزيه،\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٢٣٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٤).","vol":"2","page":614},{"text":"وحديث أنس ﵁ محمول على الجواز؛ فالأفضل والأولى أن يُفرد ضمير النبي ﷺ.\n\n[٨٧١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ عَطَاءً يُخْبِرُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾.\n[خ: ٣٢٣٠]\n\n[٨٧٢] وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُخْتٍ لِعَمْرَةَ قَالَتْ: أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ يَقْرَأُ بِهَا عَلَى الْمِنْبَرِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ.\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ أُخْتٍ لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْهَا- بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ.\n\n[٨٧٣] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ خُبَيْبٍ عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ عَنْ بِنْتٍ لِحَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ: مَا حَفِظْتُ ﴿ق﴾ إِلَّا مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، قَالَتْ: وَكَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاحِدًا.\nوَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاحِدًا سَنَتَيْنِ، أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ سَنَةٍ، وَمَا أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ.","vol":"2","page":615},{"text":"قولها: «يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ» لم ينقل عن غيرها من الصحابة ﵃ أن النبي ﷺ كان يقرأ سورة: «ق» على المنبر كل جمعة، وهذا يدل على أن أم هشام ﵂ قالت ذلك على سبيل المبالغة، وأن مرادها أنها سمعته يقرأها مراتٍ على المنبر.\nوفي هذه الأحاديث: بيان أن النبي ﷺ كان يقرأ الآيات على المنبر يوم الجمعة، يذكِّر الناس؛ لأن الخطبة موعظة وتذكير، والقرآن أعظم موعظة.\nوالخطيب يقرأ على الناس سورة: ﴿ق والقرآن المجيد﴾؛ لما فيها من الموعظة، ففيها إثبات القرآن، وإثبات البعث والمعاد، وفيها أمر العباد بالنظر إلى آيات الله والتفكر فيها، وفي السماء، والأرض، والنبات، وفيها بيان مشاهد القيامة، وبيان أن الله تعالى يعلم ما توسوس به نفس الإنسان، وفيها التذكير بالموت وبالجنة والنار؛ ولهذا كان النبي ﷺ يقرؤها.\nوقولها: «يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ» استدل به أهل العلم على أنه ينبغي أن تتضمن الخطبة آيات من القرآن.\nوقولها: «لَقَدْ كَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاحِدًا» التنور: هو الذي يخبز فيه الخبز، وإما أن يُحفَر في الأرض، أو يُبنى.","vol":"2","page":616},{"text":"[٨٧٤] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ قَالَ: رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ، فَقَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا- وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: رَأَيْتُ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، فَقَالَ عُمَارَةُ بْنُ رُؤَيْبَةَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.\nفي هذا الحديث: أن عمارة بن رؤيبة ﵁ أنكر على مروان لما رفع يديه، فالخطيب لا يرفع يديه، لكن يشير بإصبعه بالوحدانية.\nوقوله: «قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ» لعله كان يُسمع من حوله فقط، ولم يكن يرفع صوته فيسمعه الناس كلهم؛ لأن درء المفسدة يقتضي هذا؛ فإنكار المنكر إذا ترتب عليه مفسدة أكبر فلا ينبغي القيام به، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.\nوفيه: دليل على أن الخطيب لا يرفع يديه، وكذلك الناس لا يرفعون أيديهم يوم الجمعة، إلا في الاستسقاء، فيرفع يديه ويرفع الناس أيديهم، وفي غير الاستسقاء يشير بالمُسَبِّحة وهي الإصبع التي يُسبح بها، ويقال لها: السبابة؛ لأن الإنسان يشير بها إذا سب.","vol":"2","page":617},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-358>بَابُ التَّحِيَّةُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ</span>\n\n[٨٧٥] وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «قُمْ فَارْكَعْ».\n[خ: ٩٣١]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، كَمَا قَالَ حَمَّادٌ، وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّكْعَتَيْنِ.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: «أَصَلَّيْتَ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «قُمْ فَصَلِّ الرَّكْعَتَيْنِ». وَفِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ قَالَ: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ: «أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ؟»، قَالَ: لَا، فَقَالَ: «ارْكَعْ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ فَقَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَدْ خَرَجَ الْإِمَامُ، فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ».\n[خ: ١١٦٦]\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَاعِدٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَعَدَ سُلَيْكٌ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «قُمْ فَارْكَعْهُمَا».\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عِيسَى بْنِ","vol":"2","page":618},{"text":"يُونُسَ، قَالَ ابْنُ خَشْرَمٍ: أَخْبَرَنَا عِيسَى عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ فَجَلَسَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا سُلَيْكُ، قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا»، ثُمَّ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا».\nفي هذه الأحاديث: دليل على أنه إذا جاء المأموم والإمام يخطب فإنه يصلي تحية المسجد؛ لِما ورد في الروايات السابقة من أوامر كقوله ﷺ: «قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ»، وقوله: «قُمْ فَصَلِّ الرَّكْعَتَيْنِ»، وفي حديث آخر: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ- أَوْ: قَدْ خَرَجَ- فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» (^١).\nوفيها: أنه يشرع تخفيف ركعتي تحية المسجد؛ ولهذا قال: «وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا»، فالسنة لمن جاء والإمام يخطب أن يصلي ركعتي تحية المسجد، ولكن يخففهما؛ حتى يتمكن من سماع الخطبة.\nواستدل الظاهرية بهذه الأحاديث على أن تحية المسجد واجبة، وقالوا: هذه أوامر، والأصل في الأوامر الوجوب، وإذا كان النبي ﷺ أمر سُليك أن يصليهما وهو يخطب في هذا الوقت الذي يشرع للمأموم أن يستمع للخطبة، والخطبة متأكدة، وهي مرة في الأسبوع، ولا يجوز للإنسان أن يتكلم والإمام يخطب، ومع ذلك أمره النبي ﷺ أن يصلي ركعتين، فدل على وجوبهما، وهو قول قوي (^٢).\nوجمهور الفقهاء يرى أن تحية المسجد مستحبة، وليست واجبة (^٣)،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٧٠)، ومسلم (٨٧٦).\n(^٢) المحلى، لابن حزم (٥/ ٦٨).\n(^٣) مواهب الجليل، للحطاب (١/ ٣٨١) المجموع، للنووي (٤/ ٥١).","vol":"2","page":619},{"text":"واستدلوا بحديث: هَلْ عَلَيَّ غَيرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» (^١)، لكن ظاهره أن هذا دليل خاص، والأدلة الخاصة لها أسبابها الخاصة.\nفهذه الصلاة وجبت بسبب خاص، وهو دخول المسجد، كما أن الإنسان إذا نذر فعليه أن يفي بنذره، فكذلك إذا دخل المسجد يجب عليه أن يصلي، ومن دخل أثناء الأذان فهو مخير إن شاء صلى والمؤذن يؤذن؛ حتى يستمع الخطبة، وإن شاء استمع وأجاب المؤذن، ثُمَّ صلى ركعتين وخَفَّفَهما في أول الخطبة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٦)، ومسلم (١٣).","vol":"2","page":620},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>بَابُ حَدِيثِ التَّعْلِيمِ فِي الْخُطْبَةِ</span>\n\n[٨٧٦] وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ ابْنُ هِلَالٍ قَالَ: قَالَ أَبُو رِفَاعَةَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَجُلٌ غَرِيبٌ جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ، لَا يَدْرِي مَا دِينُهُ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، فَأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا، قَالَ: فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا.\nفي هذا الحديث: أن من جاء يسأل عن دينه، ويسأل عن كيفية الإسلام فإنه يُعَلَّمُ في الحال ولا يؤجل، ولو كان الخطيب يخطب؛ ولهذا أمر النبي ﷺ أن يضع له كرسيًّا وعلَّم هذا الرجل، ثُمَّ بعد ذلك أتم الخطبة.\nوفيه: دليل على أن هذا الفصل لا يقطع الخطبة، ولو كانت خطبةَ الجمعة، فإذا جاء إنسان يسأل، ثُمَّ أجابه الخطيب فلا بأس، أو كلم الإمام شخصًا، أو كلم شخصٌ الإمامَ، إنما الممنوع أن يكلم المأمومُ واحدًا من المأمومين، وهذه الخطبة يُحتمل أنها كانت خطبة جمعة، ويُحتمل أنها كانت غيرها، فليس فيه أنها خطبة الجمعة، لكن سياق الإمام مسلم ﵀ الحديث في كتاب الجمعة، يدل على ترجيحه كونها خطبة الجمعة.\nوالكلام مع الإمام ينبغي أن يكون من الكلام المهم، كما في حديث الرجل الذي قال: «يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكَتِ الْمَاشِيَةُ، هَلَكَ الْعِيَالُ، هَلَكَ النَّاسُ» (^١)؛ فهذا أمر مهم، فإذا دعت الحاجة إلى أن يُكلم الإمامُ أحدَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٣٠)، ومسلم (٨٩٩).","vol":"2","page":621},{"text":"المأمومين تكلم لإصلاح شيء، أو قال- مثلًا لبعض المأمومين-: تقدموا، أو تأخروا، أو أن هناك مكانًا داخل المسجد، أو ما أشبه ذلك.\nوفيه: أن يجب على من سمع النداء أن يجيب المؤذن.","vol":"2","page":622},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>بَابُ مَا يُقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَة</span>\n\n[٨٧٧] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ- عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى لَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْجُمُعَةَ، فَقَرَأَ بَعْدَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، قَالَ: فَأَدْرَكْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ حِينَ انْصَرَفَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ قَرَأْتَ بِسُورَتَيْنِ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَقْرَأُ بِهِمَا بِالْكُوفَةِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهِمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- كِلَاهُمَا عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ، بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ حَاتِمٍ: فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى، وَفِي الْآخِرَةِ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، وَرِوَايَةُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلُ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ.\nقوله: «فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى»، يعني: الركعة الأولى، وتسمى الركعة سجدة.\nوفي هذا الحديث: مشروعية قراءة سورة «الجمعة» بعد «الفاتحة» في الركعة الأولى، وفي الثانية سورة «المنافقون» في صلاة الجمعة.\nومروان كان أميرًا على المدينة، وكان هو الذي يصلي بالناس الجمعة على عادة الأمراء، فلما ذهب إلى مكة استخلف أبا هريرة ﵁ بالمدينة؛ ليصلي بالناس الجمعة، فقرأ في الركعة الأولى: «الفاتحة»، و«الجمعة»، وفي الركعة الثانية: «الفاتحة»، و«المنافقون».","vol":"2","page":623},{"text":"وسيأتي- أيضًا-: أنه يشرع قراءة: «سبح»، و«الغاشية»، ويشرع- أيضًا- قراءة «الجمعة»، و«الغاشية».\nفهذه ثلاث سنن وردت، وإن قرأ غيرها فلا حرج، لكن السنة هي الأفضل.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ- مَوْلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ- عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَفِي الْجُمُعَةِ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، قَالَ: وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ يَقْرَأُ بِهِمَا- أَيْضًا- فِي الصَّلَاتَيْنِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nوَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَتَبَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ يَسْأَلُهُ: أَيَّ شَيْءٍ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، سِوَى سُورَةِ الْجُمُعَةِ؟ فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ: ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾.\nفي هذا الحديث: مشروعية قراءة هاتين السورتين في يوم العيد، وفي الجمعة، وهما: «سبح»، و«الغاشية».\nوإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد قرأ بهما مرتين، فكررهما، فيقرؤهما في العيد وفي الجمعة كذلك؛ لما فيهما من الموعظة والتذكير: ففي سورة الأعلى الموعظة، وفي آخرها: أن الأشقى هو الذي يبتعد عن الموعظة، وفي «الغاشية» تقسيم الناس يوم القيامة إلى قسمين: ﴿وجوه يومئذٍ خاشعة﴾، و﴿وجوه يومئذٍ ناعمة﴾، والتركيز والنظر في آيات الله في الإبل والسماء والأرض والجبال.","vol":"2","page":624},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>بَابُ مَا يُقْرَأُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ</span>\n\n[٨٧٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُخَوَّلِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ، ﴿وَهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ سُورَةَ الْجُمُعَةِ، وَالْمُنَافِقِينَ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُخَوَّلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ فِي الصَّلَاتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا، كَمَا قَالَ سُفْيَانُ.\n\n[٨٨٠] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ﴿الم تَنْزِيلُ﴾، ﴿وَهَلْ أَتَى﴾.\n[خ: ٨٩١]\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: كَانَ يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِـ ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾.\nفي هذه الأحاديث: مشروعية قراءة سورتين في فجر يوم الجمعة، وهما: سورة «السجدة»، في الركعة الأولى، وفي الركعة الثانية: سورة «الإنسان»؛ لما فيهما من العظة والعبرة.","vol":"2","page":625},{"text":"ففي سورة «السجدة»:\n١. التذكير بمبدأ خلق الإنسان، وبدء خلق آدم من طين، ثُمَّ خلق الإنسان من سلالة من ماء مهين.\n٢. التذكير بخلق السموات والأرض والتذكير بيوم القيامة.\n٣. بيان حال الشاكر، وفيها قصة الأبرار، وثوابهم وجزاؤهم.\nفيشرع للإمام أن يقرأهما في فجر كل جمعة.\nوالسنة المداومة عليهما، لكن لو تركهما في بعض الأحيان حتى يعلم الناس أنهما ليستا واجبتين فلا بأس.\nوبعض الأئمة يَضْعُفُ فيقسم سورة السجدة على الركعتين، وهذا خلاف السنة (^١)، فينبغي أن يقرأ سورة السجدة كاملة في الركعة الأولى، ويقرأ في الثانية: ﴿هل أتى على الإنسان﴾ كاملة.\n_________\n(^١) زاد المعاد، لابن القيم (١/ ٢٠٢ - ٢٠٣).","vol":"2","page":626},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-362>بَابُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ</span>\n\n[٨٨١] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا صَلَّيْتُمْ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَصَلُّوا أَرْبَعًا».\nزَادَ عَمْرٌو فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: قَالَ سُهَيْلٌ: فَإِنْ عَجِلَ بِكَ شَيْءٌ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ، وَرَكْعَتَيْنِ إِذَا رَجَعْتَ.\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا».\nوَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: «مِنْكُمْ».\n\n[٨٨٢] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ ذَلِكَ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ وَصَفَ تَطَوُّعَ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: فَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ.\nقَالَ يَحْيَى: أَظُنُّنِي قَرَأْتُ: فَيُصَلِّي، أَوْ أَلْبَتَّةَ.","vol":"2","page":627},{"text":"في هذه الأحاديث: ما يدل على مشروعية صلاة أربع ركعات بعد صلاة الجمعة، وأنها سنة راتبة، وليست واجبة، سواء صلى في البيت، أو في المسجد.\nأما قبل الجمعة فليس لها راتبة، بل يصلي ما شاء أن يصلي حتى يخرج الإمام (^١).\nوقد جاء في الأحاديث: «من كان مصليًا فليصلِّ أربعًا»، وقوله: «إذا جاء أحدُكم الجمعةَ فليصلِّ أربعًا» وهذه أوامر، أما ما قاله ابن عمر: «لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ» (^٢)؛ فلعل هذا كان أولًا، أو لعل هذا من فعل النبي ﷺ، وهذا قوله، والقول مقدم على الفعل.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٤/ ١٩٣ - ١٩٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٨٤).","vol":"2","page":628},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ.\n\n[٨٨٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ: أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَرْسَلَهُ إِلَى السَّائِبِ ابْنِ أُخْتِ نَمِرٍ يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ رَأَىهُ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: نَعَمْ، صَلَّيْتُ مَعَهُ الْجُمُعَةَ فِي الْمَقْصُورَةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ قُمْتُ فِي مَقَامِي فَصَلَّيْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ: لَا تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ، إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ، أَوْ تَخْرُجَ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنَا بِذَلِكَ أَنْ لَا تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ، أَوْ نَخْرُجَ.\nوَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءٍ: أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَرْسَلَهُ إِلَى السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ابْنِ أُخْتِ نَمِرٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا سَلَّمَ قُمْتُ فِي مَقَامِي، وَلَمْ يَذْكُرِ: الْإِمَامَ.\nفي هذا الحديث: أن المصلي لا يَصِلُ صلاةَ الجمعة بصلاة، بل لا بد أن يتكلم، أو يخرج، وقوله: «حَتَّى نَتَكَلَّمَ، أَوْ نَخْرُجَ»، يعني: نسبح، أو نكبر، أو نهلل، أو نخرج، ثُمَّ نصلي ركعتين.\nأما ما يفعله بعض الناس بعد أن يسلم الإمام مباشرة من قيامه بصلاة ركعتين دون أن يتكلم، أو يخرج فهذا منهي عنه.\nفإذا فصل المصلي بكلام، كأن يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، أو يهلل، أو يخرج فلا بأس.","vol":"2","page":629},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-363>كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ</span>","vol":"2","page":631},{"text":"كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ\n\n[٨٨٤] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، جميعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ ابْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: شَهِدْتُ صَلَاةَ الْفِطْرِ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ يَخْطُبُ قَالَ: فَنَزَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَشُقُّهُمْ حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَقَالَ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ مِنْهَا: «أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكِ؟»، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا مِنْهُنَّ: نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَا يُدْرَى- حِينَئِذٍ- مَنْ هِيَ قَالَ: «فَتَصَدَّقْنَ»، فَبَسَطَ بِلَالٌ ثَوْبَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَلُمَّ فِدًى لَكُنَّ أَبِي وَأُمِّي، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخَ وَالْخَوَاتِمَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ.\n[خ: ٩٧٩]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ قَالَ: ثُمَّ خَطَبَ، فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَأَتَاهُنَّ فَذَكَّرَهُنَّ وَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، وَبِلَالٌ قَائِلٌ بِثَوْبِهِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْخَاتَمَ وَالْخُرْصَ وَالشَّيْءَ.\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. ح، وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\n\n[٨٨٥] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ابْنُ رافع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:","vol":"2","page":633},{"text":"سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَلَمَّا فَرَغَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ وَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ، وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ يُلْقِينَ النِّسَاءُ صَدَقَةً، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: زَكَاةَ يَوْمِ الْفِطْرِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ صَدَقَةً يَتَصَدَّقْنَ بِهَا- حِينَئِذٍ- تُلْقِي الْمَرْأَةُ فَتَخَهَا وَيُلْقِينَ وَيُلْقِينَ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَحَقًّا عَلَى الْإِمَامِ الْآنَ أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ حِينَ يَفْرُغُ فَيُذَكِّرَهُنَّ؟ قَالَ: إِي، لَعَمْرِي إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ.\n[خ: ٩٧٨]\nفي هذه الأحاديث: بيان مشروعية صلاة عيدي الفطر، والأضحى.\nوقد اختلف العلماء في حكم صلاة العيدين على أقوال:\nالقول الأول: الجمهور على أنها: سنة مؤكدة (^١).\nالقول الثاني: قول الحنابلة أنها فرض كفاية، إذا صلاها البعض سقطت عن الآخرين (^٢).\nالقول الثالث: قول عند الحنفية، يذهب إلى أنها فرض عين (^٣)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤)، وهذا هو الأقرب؛ لأنها صلاة سنوية، كما أن الصلوات الخمس فرائض يومية، وصلاة الجمعة فريضة أسبوعية.\nوالدليل على أنها فرض عين حديث أم عطية ﵂: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى: الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: يَا\n_________\n(^١) بدائع الصنائع، للكاساني (١/ ٢٧٤)، تاج الإكليل، للمواق (٢/ ٥٦٨)، المجموع، للنووي (٥/ ٣).\n(^٢) كشاف القناع، للبهوتي (٢/ ٥٠).\n(^٣) البحر الرائق، لابن نجيم (٢/ ١٧٠).\n(^٤) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٣/ ١٦١).","vol":"2","page":634},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ قَالَ: «لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا».\nوعلى هذا فإذا فاتت إنسانًا صلاها في بيته، أو في المصلى، وكذلك المرأة إذا لم تُصلِّها مع الناس صلَّتها في بيتها.\nوفيها: أن صلاة العيد تكون قبل الخطبة، بخلاف صلاة الجمعة، فالخطبة فيها قبل الصلاة، أما صلاة الاستسقاء فيجوز فيها الأمران؛ لأنه جاء ما يدل على أن النبي ﷺ صلى، ثم خطب بالناس (^١)، وجاء ما يدل أنه خطب ثم صلى (^٢)، لكن العمل الآن على أنها مثل صلاة العيد.\nوفيها: مشروعية توجيه الخطبة إلى النساء إذا لم يسمعن الخطبة؛ لهذا لما خطب النبي ﷺ الناس ذهب إلى النساء فخطب فيهن ووعظهن.\nوقوله ﷺ: «أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكِ؟»، يعني: أنتن تلتزمن بهذه الأمور التي ذكرت بالآية؟\nوقوله ﷺ: «هَلُمَّ فِدًى لَكُنَّ أَبِي وَأُمِّي»: الظاهر: أنه من كلام بلال، كما قال الحافظ النووي ﵀ (^٣).\nوقوله: «فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْخَاتَمَ وَالْخُرْصَ وَالشَّيْءَ»: الخرص: هو ما يكون في أذن المرأة من الحلي، وفيه: دليل على أن المرأة الرشيدة لها أن تتصرف بمالها ولو لم تستأذن زوجها، أو أباها؛ لأن النبي ﷺ أقرهن على الصدقة، ولكن إن استأذنت زوجها من باب تطييب النفس فلا بأس.\nوأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا» (^٤)، فيجاب عنه بجوابين:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٠٣٩)، وأبو داود (١١٦٥)، والترمذي (٥٥٨)، والنسائي (١٥٠٦)، وابن ماجه (١٢٦٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠١٢)، ومسلم (٨٩٤).\n(^٣) شرح مسلم، للنووي (٦/ ١٧٣).\n(^٤) أخرجه أحمد (٦٦٨٨)، وأبو داود (٣٥٤٧)، والنسائي (٢٥٤٠).","vol":"2","page":635},{"text":"أحدهما: أنه شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة، والشاذ ضعيف، فلا يعارض الأحاديث الصحيحة (^١).\nالثاني: أنه محمول على عطية المرأة من مال زوجها.\nوقوله: «يُلْقِينَ النِّسَاءُ صَدَقَةً»: هذا جائز على لغة قليلة، تسمى لغة: «أكلوني البراغيث»، مثل: قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، ومثل قوله ﷺ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَار» (^٢).\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْعِيدِ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلَالٍ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ، وَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، فَقَالَ: «تَصَدَّقْنَ، فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ»، فَقَامَتِ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ، فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ» قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ، يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ وَخَوَاتِمِهِنَّ.\nقوله: «أَقْرِطَتِهِنَّ»: جمع قرط، وهو ما يكون في أذن المرأة من الحلي.\nفي هذا الحديث: بيان أن الخطيب يأمر الرجال بتقوى الله، ويعظهم، وكذلك النساء.\nوقوله: «فَقَامَتِ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ»: يؤخذ منه أن هذه\n_________\n(^١) قال الشافعى: «يعني في هذا الحديث سمعناه، وليس بثابت، فيلزمنا أن نقول به، والقرآن يدل على خلافه، ثم السنة، ثم الأثر، ثم المعقول». السنن الكبرى، للبيهقي (٦/ ٦٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٥٥)، ومسلم (٦٣٢).","vol":"2","page":636},{"text":"المرأة كانت كاشفة وجهها، فقيل: يجوز للمرأة أن تكشف وجهها.\nويجاب عن هذا بجوابين:\nالأول: أنها من العجائز القواعد، وقد قال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾.\nالثاني: أن هذا قبل أن ينزل الحجاب؛ لأن الحجاب شُرع في السنة السابعة من الهجرة.\nوفيه: أن أكثر أهل النار النساء؛ لأنهن لا يسلمن من أمرين- غالبًا-:\nالأول: كثرة اللعن، والشكاية، والتسخط.\nالثاني: كفران العشير، والعشير: هو الزوج المعاشر، وفي لفظ آخر: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ، فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ، قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بَلَى قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ: بَلَى قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا» (^١).\nوجاء في لفظ آخر بيان كيفية كفران العشير، في قوله ﷺ: «يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ» (^٢).\nوالنساء- أيضًا- أكثر أهل الجنة؛ لأن الجنة فيها الحور العين، ولكل واحد من أهل الجنة زوجتان، وهناك من له العديد من الزوجات، كما أنه ليس في الجنة عَزَبٌ، فهذا يدل على أن النساء أكثر.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٧٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٩)، ومسلم (٩٠٧).","vol":"2","page":637},{"text":"[٨٨٦] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَا: لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَلَا يَوْمَ الْأَضْحَى، ثُمَّ سَأَلْتُهُ بَعْدَ حِينٍ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَنِي قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، أَنْ لَا أَذَانَ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ حِينَ يَخْرُجُ الْإِمَامُ، وَلَا بَعْدَ مَا يَخْرُجُ، وَلَا إِقَامَةَ، وَلَا نِدَاءَ، وَلَا شَيْءَ، لَا نِدَاءَ- يَوْمَئِذٍ- وَلَا إِقَامَةَ.\n[خ: ٩٥٩]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ أَوَّلَ مَا بُويِعَ لَهُ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَلَا تُؤَذِّنْ لَهَا، قَالَ: فَلَمْ يُؤَذِّنْ لَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ يَوْمَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّمَا الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ يُفْعَلُ، قَالَ: فَصَلَّى ابْنُ الزُّبَيْرِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ.\n\n[٨٨٧] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِيدَيْنِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ.\nقوله: «أَنْ لَا أَذَانَ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ حِينَ يَخْرُجُ الْإِمَامُ، وَلَا بَعْدَ مَا يَخْرُجُ، وَلَا إِقَامَةَ، وَلَا نِدَاءَ، وَلَا شَيْءَ، لَا نِدَاءَ- يَوْمَئِذٍ- وَلَا إِقَامَةَ»، يعني: أن صلاة العيد ليس لها إقامة، ولا أذان، ولا نداء، ولا يقال فيها: صلاة العيد أثابكم الله، وإنما يأتي الخطيب فيقوم الناس من دون أذان، وكذلك صلاة الاستسقاء ليس فيها نداء، ولا أذان، فالأذان والإقامة يكونان في صلاة الفرائض، والنداء يكون في صلاة الكسوف خاصة، فيقال: الصلاة جامعة، الصلاة جامعة.\nقال النووي ﵀: «يقول أصحابنا وغيرهم: إنه يستحب أن يقال: الصلاة جامعة، كما قدمنا، فيتأول على أن المراد: لا أذان ولا إقامة ولا نداء في","vol":"2","page":638},{"text":"معناهما، ولا شيء من ذلك» (^١).\nوهذا التأويل خالف فيه النص ﵀، ولا شك أنه ليس بصحيح.\n\n[٨٨٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ كَانُوا يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ.\n[خ: ٩٦٣]\n\n[٨٨٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ، فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّى صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ قَامَ، فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ جُلُوسٌ فِي مُصَلَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِبَعْثٍ ذَكَرَهُ لِلنَّاسِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَمَرَهُمْ بِهَا، وَكَانَ، يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا»، وَكَانَ أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى كَانَ مَرْوَانُ ابْنُ الْحَكَمِ، فَخَرَجْتُ مُخَاصِرًا مَرْوَانَ حَتَّى أَتَيْنَا الْمُصَلَّى، فَإِذَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ قَدْ بَنَى مِنْبَرًا مِنْ طِينٍ وَلَبِنٍ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُنَازِعُنِي يَدَهُ كَأَنَّهُ يَجُرُّنِي نَحْوَ الْمِنْبَرِ، وَأَنَا أَجُرُّهُ نَحْوَ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْهُ، قُلْتُ: أَيْنَ الِابْتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: لَا، يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ تُرِكَ مَا تَعْلَمُ، قُلْتُ: كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَأْتُونَ بِخَيْرٍ مِمَّا أَعْلَمُ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ.\n[خ: ٩٥٦]\nفي هذا الحديث: بيان أن أبا سعيد الخدري ﵁ أنكر على مروان بن الحكم، وكان مروان يريد أن يقدم الخطبة حتى يسمعها الناس؛ لأنهم كانوا ينصرفون بعد الصلاة.\nوقوله: «مُخَاصِرًا مَرْوَانَ»، أي: مماشيًا له.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٦/ ١٧٧).","vol":"2","page":639},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>بَاب ذِكْرِ إِبَاحَةِ خُرُوجِ النِّسَاءِ فِي الْعِيدَيْنِ إِلَى الْمُصَلَّى، وَشُهُودِ الْخُطْبَةِ مُفَارِقَاتٌ لِلرِّجَالِ</span>\n\n[٨٩٠] حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أَمَرَنَا- تَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ- أَنْ نُخْرِجَ فِي الْعِيدَيْنِ: الْعَوَاتِقَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، وَأَمَرَ الْحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ.\n[خ: ٣٥١]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْمُخَبَّأَةُ وَالْبِكْرُ، قَالَتْ: الْحُيَّضُ يَخْرُجْنَ فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ يُكَبِّرْنَ مَعَ النَّاسِ.\nوَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى: الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ، وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ قَالَ: «لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا».\nقولها: «أَمَرَنَا»: تَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ.\nقولها: «الْعَوَاتِقَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ»: العواتق جمع عاتق، وهي الجارية البالغة، وقال ابن دريد: هي التي قاربت البلوغ (^١).\nوقولها: «الْخُدُورِ»: هي البيوت، وقيل: الخدر: ستر يكون في ناحية البيت.\nفي هذا الباب: بيان مشروعية صلاة العيد في المصلى خارج المسجد،\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (٣/ ١٧٩)، الفائق، للزمخشري (٢/ ٣٨٩).","vol":"2","page":640},{"text":"ولا تصلى في المسجد إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك من مطر ونحوه.\nوقولها: «يَخْرُجْنَ فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ يُكَبِّرْنَ مَعَ النَّاسِ»؛ ذلك لئلَّا يقطعن الصفوف.","vol":"2","page":641},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>بَابُ تَرْكِ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا فِي الْمُصَلَّى</span>\n\n[٨٨٤] وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: خَرَجَ يَوْمَ أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا وَتُلْقِي سِخَابَهَا.\nوَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، جميعًا عَنْ غُنْدَرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nفي هذا الحديث: أن صلاة العيد ليس لها سنة قبلها ولا بعدها، لكن إذا كانت الصلاة في المسجد فتصلَّى تحية المسجد.\nوما يفعله بعض الناس إذا صلى العيد، أو الاستسقاء، أنه يذهب فيصلي سنة الضحى، فهذا تركُه أولى، والأفضل أن يصليها في البيت.","vol":"2","page":642},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>بَابُ مَا يُقْرَأُ بِهِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ</span>\n\n[٨٩١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ: مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: سَأَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَمَّا قَرَأَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمِ الْعِيدِ، فَقُلْتُ: بِـ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، وَ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾.\nفي هذا الحديث: بيان أن السنة قراءة هاتين السورتين في صلاة العيد؛ لما فيهما من الموعظة والتذكير بالقيامة، وأهوال يوم القيامة، وأقسام الناس.\nوثبت أن النبي ﷺ قرأ بسبح، والغاشية، وربما اجتمع جمعة وعيد فقرأ بهما فيهما كلتيهما (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٧٨).","vol":"2","page":643},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-367>بَابُ الرُّخْصَةِ فِي اللَّعِبِ الَّذِي لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ</span>\n\n[٨٩٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الْأَنْصَار، تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْر: أَبِمَزْمُورِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا».\n[خ: ٩٥٢]\nوَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: وَفِيهِ جَارِيَتَانِ تَلْعَبَانِ بِدُفٍّ.\nحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو: أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تُغَنِّيَانِ وَتَضْرِبَانِ- وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسَجًّى بِثَوْبِهِ- فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ، فَكَشَف رَسُولُ اللَّهِ عَنْهُ، وَقَالَ: «دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ؛ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ».\nوَقَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ وَأَنَا جَارِيَةٌ، فَاقْدِرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْعَرِبَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ.\nفي هذه الأحاديث: جواز غناء الجواري، والنساء بين النساء في الأعياد، والأعراس، إذا لم يكن فيها محذور شرعي، مثل ما ورد عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ عِنْدَ عَائِشَةَ يَتِيمَةٌ، فَزَوَّجَتْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَهْدَيْتُمُ الْفَتَاةَ؟ أَفَلا بَعَثْتُمْ مَعَهَا مَنْ يَقُولُ: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحَيُّونَا نُحَيِّيكُمْ» (^١).\nوفيها: جواز ضرب الدف إذا لم يكن فيه مخالفات شرعية.\n_________\n(^١) أخرجه البزار في مسنده (١٤٣٢) كشف الأستار.","vol":"2","page":644},{"text":"وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: يَقُومُ عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى لَعِبِهِمْ، ثُمَّ يَقُومُ مِنْ أَجْلِي حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِي أَنْصَرِفُ، فَاقْدِرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ حَرِيصَةً عَلَى اللَّهْوِ.\nحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى- وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ- قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا عَمْرٌو: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثٍ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي، وَقَالَ: مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا»، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا، وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَإِمَّا قَالَ: «تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟»، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ»، حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ: «حَسْبُكِ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: «فَاذْهَبِي».\n[خ: ٩٥٠]\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَ حَبَشٌ يَزْفِنُونَ فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَعَانِي النَّبِيُّ ﷺ، فَوَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى مَنْكِبِهِ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ، حَتَّى كُنْتُ أَنَا الَّتِي أَنْصَرِفُ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهِمْ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرَا: فِي الْمَسْجِدِ.\nوَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ كُلُّهُمْ، تراجع فلعلها: كِلَاهُمَا وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ- وَاللَّفْظُ لِعُقْبَةَ- قَال: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ","vol":"2","page":645},{"text":"جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ: أَنَّهَا قَالَتْ لِلَعَّابِينَ: وَدِدْتُ أَنِّي أَرَاهُمْ، قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقُمْتُ عَلَى الْبَابِ أَنْظُرُ بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ عَطَاءٌ: فُرْسٌ، أَوْ حَبَشٌ؟ قَالَ: وَقَالَ لِي ابْنُ عَتِيقٍ: بَلْ حَبَشٌ.\nقوله: «تُغَنِّيَانِ وَتَضْرِبَانِ»، يعني: تضربان الدف.\nقولها: «يَزْفِنُونَ فِي يَوْمِ عِيدٍ»، يعني: يرقصون، وهذا محمول على التوثب بالسلاح، واللعب به، والتوثب يشبه الرقص.\nوقولها: «العَرِبَة»، يعني المشتهية اللعب، المحبة له، وكانت عائشة ﵂ كذلك؛ لأنها كانت صغيرة السن.\nوقوله: «بِغِنَاءِ بُعَاثٍ»: بعاث هي: الحرب التي كانت بين الأوس والخزرج، والتي قضت على الأخضر، واليابس، وكان المنتصر فيها الأوس.\nقولها: «لِلَعَّابِينَ»، أي: للحبش الذين يلعبون في المسجد.\nفي هذه الأحاديث: جواز اللعب بالحراب في المسجد، ومثله ما يسمى بالعرضة: وهي عرض السيوف في المسجد، وكذلك عرض الرماح وآلات الحرب؛ لما فيه من التدرب على الجهاد في سبيل الله؛ لأن النبي ﷺ أقر الحبشة وهم يلعبون بحرابهم في المسجد، وهذا كله إذا كان في المسجد متسع.\nوفيها: جواز نظر المرأة إلى الرجال وهم يلعبون، أو يصلون، أو يمشون؛ لأن عائشة ﵂ كانت تنظر للحبشة، وأقرها النبي ﷺ على ذلك.\nونظر المرأة إلى عموم الرجال لا بأس به، بخلاف نظرها إلى الرجل الواحد والتأمل في محاسنه فلا يجوز؛ قال الله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾.","vol":"2","page":646},{"text":"وفيها: حسن خُلق النبي ﷺ، وحسن معاشرة أهله، وهواية ما يهوونه، إذا لم يكن فيه محذور شرعي؛ لهذا أذن النبي ﷺ لعائشة ﵂ أن تنظر إلى الحبشة، وهم يلعبون.\nوفيها: جواز إنكار التابع والتلميذ مع وجود شيخه ومعلمه، إذا كان يعتقد أن هذا الأمر الذي فُعل في حضور شيخه منكرًا، ثم إذا أخطأ سدده شيخه، أو خالفه، لهذا أنكر أبو بكر ﵁ على عائشة ﵂ وعلى الجاريتين الغناء؛ ظنًّا منه أن ذلك محرم، فبين له النبي ﷺ أن ذلك جائز.\nوقوله: «فُرْسٌ أَوْ حَبَشٌ؟»، يعني: من الفرس، أو الحبشة؟ وهذا شك من الراوي، والصواب: أنهم حبش.\nوقولها: «وَقُمْتُ عَلَى الْبَابِ أَنْظُرُ بَيْنَ أُذُنَيْهِ»، يعني: مرة بين الأذن اليمنى والعاتق الأيمن، ومرة بين الأذن اليسرى والعاتق الأيسر.\n\n[٨٩٣] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، قَالَ عَبْدُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا الْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحِرَابِهِمْ، إِذْ دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَهْوَى إِلَى الْحَصْبَاءِ يَحْصِبُهُمْ بِهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَعْهُمْ يَا عُمَرُ».\n[خ: ٢٩٠١]\nقوله: «إِذْ دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَهْوَى إِلَى الْحَصْبَاءِ يَحْصِبُهُمْ بِهَا»: الحصباء: الحصى الصغار.\nفي هذا الحديث: إنكار عمر اللعب في المسجد، مثل ما فعل أبو بكر ﵁ مع الجاريتين؛ ظنًّا منه أن ذلك لا يجوز، فقال له النبي ﷺ: «دَعْهُمْ يَا عُمَرُ»، أي: فإنهم لم يفعلوا شيئًا منكرًا.\nقال النووي ﵀- في إنكار عمر ﵁-: «وهو محمول على أن هذا لا","vol":"2","page":647},{"text":"يليق بالمسجد، وأن النبي ﷺ لم يعلم به، والله أعلم» (^١).\nوهذا ليس بصحيح، والصواب: أنه يُحمل على أن عمر ﵁ ظن أن لعبهم ممنوع في المسجد، فأنكر عليهم، فبين له النبي ﷺ، وأمره أن يتركهم.\n* * *\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٦/ ١٨٧).","vol":"2","page":648},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>كِتَاب صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ</span>","vol":"2","page":650},{"text":"كِتَاب صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ\n\n[٨٩٤] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ الْمَازِنِيَّ، يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى، فَاسْتَسْقَى، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ.\n[خ: ١٠١١]\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى، فَاسْتَسْقَى وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي، وَأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ.\nفي هذه الأحاديث: بيان مشروعية صلاة الاستسقاء عند حصول الجدب، والقحط.\nوفيها: أن النبي ﷺ لما أراد أن يدعو استقبل القبلة، وحوَّل رداءه، ورفع يديه.\nمسألة: هل للاستسقاء صلاة؟\nوالجواب في المسألة قولان:\nالقول الأول: ذهب الجماهير من أهل العلم: إلى أن للاستسقاء صلاة،","vol":"2","page":651},{"text":"وهو الصواب الذي دلت عليه النصوص (^١).\nالقول الثاني: ذهب الإمام أبو حنيفة: إلى أنه لا يسن للاستسقاء صلاة، وقال: إنه يستسقى بدون صلاة (^٢)؛ فلعله لم تبلغه الأحاديث، أو أنه تأولها.\nوقوله: «وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ»: فعل هذا تفاؤلًا بتغيير الحال، وأن الله يحول ما بهم من الجدب والقحط، إلى الخصب والسعة.\nوالاستسقاء على ثلاثة أحوال:\nالأولى: وهي أكملها، أن يصلى صلاة الاستسقاء، ثم يخطب، ويدعو.\nالثانية: أن يستسقي في خطبة الجمعة، ويرفع الإمام يديه للاستسقاء، ويرفع المأمومون أيديهم.\nالثالثة: أن يدعو بغير صلاة، وبغير خطبة الجمعة، وهو قول أبي حنيفة ﵀ (^٣)، وهو محجوج بالأحاديث.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ الْمَازِنِيُّ: أَنَّهُ سَمِعَ عَمَّهُ- وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا يَسْتَسْقِي، فَجَعَلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ يَدْعُو اللَّهَ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.\nقوله: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا يَسْتَسْقِي»، يعني: وعد الناس في يوم معين، وهذا هو الأفضل أن يحدد اليوم.\n_________\n(^١) الشرح الكبير على خليل، للدردير (١/ ٤٠٥)، المجموع، للنووي (٥/ ٦٣)، المغنى، لابن قدامة (٢/ ٣٢٠).\n(^٢) المبسوط، للسرخسي (١/ ٢٨٢)، الاختيار لتعليل المختار، لأبي الفضل الحنفي (١/ ٧١).\n(^٣) فتح القدير، لابن الهمام (٢/ ٩١).","vol":"2","page":652},{"text":"وقوله: «ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ»: فيه: دليل على أنه لا بأس بأن تقدم الخطبة والدعاء على الصلاة؛ لأن «ثُمَّ» تفيد الترتيب والتراخي.\nمسألة: متى يحول رداءه، قبل الدعاء، أو بعده؟\nوالجواب: الأمر في هذا واسع، فقد ورد أنه ﷺ حول رداءه، واستقبل القبلة، وورد أنه استقبل القبلة وقلب رداءه، والأقرب: أن يحول رداءه تفاؤلًا بتغيير الحال، ثم يتركه، ثم يدعو.","vol":"2","page":653},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>بَاب رَفْعِ الْيَدَيْنِ بِالدُّعَاءِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ</span>\n\n[٨٩٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ.\n[خ: ١٠٣١]\nفي هذا الحديث: بيان مشروعية المبالغة في رفع اليدين في دعاء الاستسقاء.\nوقوله: «حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ»: فيه: دليل على أنه ﷺ أبيض مشرب بحمرة، ولو كان غير أبيض لقيل: يرى سواد إبطيه.\nوفيه: أنه ﷺ يتعاهد شعر إبطيه، لهذا رؤي بياض إبطيه، فلو كان فيه شعر، لما قيل: يرى بياض إبطيه، والنبي ﵊ أرشد أمته إلى نتف الإبط، وأن لا يُترك أكثر من أربعين ليلة (^١)، وهو من سنن الفطرة (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٥٧).","vol":"2","page":654},{"text":"[٨٩٦] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ، إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ.\nغَيْرَ أَنَّ عَبْدَ الْأَعْلَى قَالَ: يُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ أَوْ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.\nقوله: «فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ»: هذا محمول على أنه بالغ في رفع اليدين، فصار- من شدة المبالغة- كأن ظهر كفيه إلى السماء، وإلا فإن السؤال يكون ببطون الأيدي لا بظهورها، كاستطعام المسكين.\nقول أنس ﵁: «كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ، إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ»: هذا محمول على المبالغة، يعني: أنه لا يرفع يديه مبالغةً إلا في الاستسقاء.\nأو أنه خفي على أنس ﵁، أو نسي المواضع، أو الأماكن التي رفع يديه ﷺ فيها في الدعاء؛ وإلا فإنه ثبت أن النبي ﷺ رفع يديه في عدة مواضع:\nمنها ستة مواضع في الحج: في عرفة، ومزدلفة، وبعد الجمرة الصغرى، وبعد الجمرة الوسطى، وعلى الصفا، والمروة (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٣١، ١٧٥١)، ومسلم (٨٩٥، ٨٩٦، ١٢١٨).","vol":"2","page":655},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-370>بَابُ الدُّعَاءِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ</span>\n\n[٨٩٧] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِثْنَا قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا»، قَالَ أَنَسٌ: وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ قَالَ: فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ حَوْلَنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ»، فَانْقَلَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ.\nقَالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَهُوَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.\n[خ: ٩٣٣]\nوَحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ قَامَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ، وَفِيهِ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، قَالَ","vol":"2","page":656},{"text":"فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ إِلَّا تَفَرَّجَتْ، حَتَّى رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ وَسَالَ وَادِي قَنَاةَ شَهْرًا، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا أَخْبَرَ بِجَوْدٍ.\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَامَ إِلَيْهِ النَّاسُ، فَصَاحُوا، وَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَحَطَ الْمَطَرُ، وَاحْمَرَّ الشَّجَرُ، وَهَلَكَتِ الْبَهَائِمُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْأَعْلَى: فَتَقَشَّعَتْ عَنِ المَدِينَةِ فَجَعَلَتْ تُمْطِرُ حَوَالَيْهَا، وَمَا تُمْطِرُ بِالْمَدِينَةِ قَطْرَةً، فَنَظَرْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَإِنَّهَا لَفِي مِثْلِ الْإِكْلِيلِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ بِنَحْوِهِ، وَزَادَ: فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ السَّحَابِ، وَمَكَثْنَا حَتَّى رَأَيْتُ الرَّجُلَ الشَّدِيدَ تَهُمُّهُ نَفْسُهُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أُسَامَةُ: أَنَّ حَفْصَ ابْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَزَادَ: فَرَأَيْتُ السَّحَابَ يَتَمَزَّقُ كَأَنَّهُ الْمُلَاءُ حِينَ تُطْوَى.\nقوله ﷺ: «اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ»: الآكام: هي الجبال الصغيرة، والظراب: الروابي الصغار.\nوقوله: «إِلَّا أَخْبَرَ بِجَوْدٍ»: الجود: المطر الكثيف.\nوقوله: «الْجَوْبَةِ»، أي: الفجوة بين البيوت.\nوقوله: «وَادِي قَنَاةَ شَهْرًا»: قناة: اسم واد في المدينة.\nوقوله: «فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ إِلَّا تَفَرَّجَتْ»، أي: ينقشع الغيم عنها، حتى صارت المدينة مثل الجوبة، وفي اللفظ الآخر: «مِثْلِ الْإِكْلِيلِ»، أي: ينزل المطر عن يمينها وشمالها، والمدينة دائرة لا يصيبها شيء.","vol":"2","page":657},{"text":"وقوله: «قَحَطَ»: بفتح القاف وكسر الحاء وفتحها، أي: أمسك.\nوفي هذا الحديث: قدرة الله العظيمة في إنزال المطر في الحال، وتوقيفه في الحال، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، ففي الجمعة الأولى لما دعا النبي ﷺ، وقال: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا» نزل المطر في الحال، وجاء في بعض الأحاديث: «رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ ﷺ» (^١)؛ ولهذا قال أنس ﵁: «وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ»، وفي الجمعة الثانية أقلعت في الحال؛ لهذا قال أنس ﵁: «فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ حَوْلَنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ»، فَانْقَلَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ».\nوفيه: أن المطر استمر أسبوعًا كاملًا؛ ولهذا قال أنس ﵁: «فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا»، يعني: أسبوعًا.\nوفيه: دليل وشاهد على نبوة النبي ﷺ، حيث استجاب الله دعاءه في الجمعة الأولى، وفي الجمعة الثانية، ولو كان كذابًا لما أيده الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾.\nوفيه: أن للمأموم أن يكلم الخطيب، وله أن يطلب بعض الحوائج التي تهم المسلمين، كطلب السقيا، والدعاء للمجاهدين مثلًا، والإمام يجيب طلبه إذا كان وجيهًا، وإنما يمنع الكلام مع غير الخطيب؛ لقول النبي ﷺ «وَمَنْ قَالَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِصَاحِبِهِ: صَهٍ، فَقَدْ لَغَا، وَمَنْ لَغَا فَلَيْسَ لَهُ فِي جُمُعَتِهِ تِلْكَ شَيْءٌ» (^٢)، وفي الحديث الآخر: «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَهُوَ كَمَثَلِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٣٣)، ومسلم (٨٩٧).\n(^٢) أخرجه أحمد (٧١٩)، وأبو داود (١٠٥١).","vol":"2","page":658},{"text":"الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ، لَيْسَ لَهُ جُمُعَةٌ» (^١).\nوفيه: مشروعية الاستسقاء يوم الجمعة عند الحاجة، واستحباب رفع اليدين.\nوفيه: أنه إذا دعا برفع المطر يقول: «اللَّهُمَّ حَوْلَنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ»، ولا يقول: اللهم أمسكها عنا.\nوفيه: أن الأنبياء والصالحين يُبتلون بالجدب، والقحط، والأمراض، فالنبي ﷺ أفضل الخلق، والصحابة أفضل الناس ﵃، ومجتمعهم أفضل المجتمعات، إلا أن الله ابتلاهم بالجدب والقحط والأمراض، ولا يدل هذا على نقصهم، بل يدل على كمالهم، كما في الحديث: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاء، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم» (^٢).\nوقوله: «وَمَكَثْنَا حَتَّى رَأَيْتُ الرَّجُلَ الشَّدِيدَ تَهُمُّهُ نَفْسُهُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ»، يعني: أن المطر اشتد وكثر حتى صار الرجل الشديد القوي يشق عليه الوصول إلى أهله من كثرة الأمطار، أما الرجل الضعيف فلا يستطيع أن يصل إلى أهله من الأمطار.\nوقوله: «فَرَأَيْتُ السَّحَابَ يَتَمَزَّقُ كَأَنَّهُ الْمُلَاءُ حِينَ تُطْوَى»، أي: تشبيه انقطاع السحاب بالملحفة، أو الشيء الذي يطوى.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٠٣٣)، والبزار (٢٧٤٥)، والطبراني في الكبير (١٢٥٦٣).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٧٠٧٩)، والنسائي في الكبرى (٧٤٥٤).","vol":"2","page":659},{"text":"[٨٩٨] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَطَرٌ قَالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: «لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى».\nفي هذا الحديث: بيان مشروعية كشف بعض الجسد ليصيبه المطر؛ اقتداء بالنبي ﷺ.\nقال النووي ﵀: «ومعنى «حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ»، أي: بتكوين ربه إياه، ومعناه: أن المطر رحمة، وهي قريبة العهد بخلق الله تعالى لها، فيتبرك بها» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٦/ ١٩٥).","vol":"2","page":660},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-371>بَاب التَّعَوُّذِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الرِّيحِ وَالْغَيْمِ، وَالْفَرَحِ بِالْمَطَرِ</span>\n\n[٨٩٩] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ جَعْفَرٍ- وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ- عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ الرِّيحِ وَالْغَيْمِ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرَّ بِهِ وَذَهَبَ عَنْهُ ذَلِكَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ عَذَابًا سُلِّطَ عَلَى أُمَّتِي»، وَيَقُولُ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ: «رَحْمَةٌ».\n[خ: ٣٢٠٦]\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ يُحَدِّثُنَا عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عَائِشَةَ- زَوْج النَّبِيِّ ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ»، قَالَتْ: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَخَرَجَ وَدَخَلَ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾.\nوَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ، قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَى النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عَرَفْتُ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ، قَالَتْ:","vol":"2","page":661},{"text":"فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؟ قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ، فَقَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا».\nفي هذا الحديث: بيان كمال معرفته ﷺ بربه وشدة خوفه منه؛ لأنه من كان بالله أعرف كان منه أخوف.\nوفيه: استحباب هذا الدعاء عند الريح إذا عصفت: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ».\nوفيه: أن المطر رحمة من الله ﷿ يصيب بها من يشاء من عباده.","vol":"2","page":662},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>بَاب فِي رِيحِ الصَّبَا وَالدَّبُورِ</span>\n\n[٩٠٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ».\n[خ: ١٠٣٥]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانٍ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ- يَعْنِي: ابْنَ سُلَيْمَانَ-، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مَسْعُودِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nقوله ﷺ: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ»: الصَّبَا: ريح شرقية، وهي رحمة، ويقال لها القبول؛ لأنها تقابل باب الكعبة (^١)، والدَّبُور: ريح غربية، وهي عذاب (^٢)، كانت تقلع أشجارهم وتهدم بيوتهم وترميهم بالحجارة، وهو تبشير للأمة، وأن المجاهدين إذا هبت الصبا كان علامة النصر والظفر لهم.\nقوله: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا»، أي: جعل الله هبوبَ ريح الصبا علامةً لنصره ﷺ في مواقف الجهاد وسببًا له.\nويحتمل أنه أُريد به في يوم الأحزاب؛ حيث قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيهمْ رِيحًا ...﴾ الآية [الأحزاب: ٩]، ويحتمل الأعم من ذلك.\nوقوله: «وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ»: كما حكاه الله ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيهمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [فصلت: ١٦].\n* * *\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (٢/ ٩٨).\n(^٢) لسان العرب، لابن منظور (٤/ ٢٧٢).","vol":"2","page":663},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>كِتَاب الْكُسُوفِ</span>","vol":"2","page":665},{"text":"كِتَاب الْكُسُوفِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ</span>\n\n[٩٠١] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَكَبِّرُوا، وَادْعُوا اللَّهَ، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، إِنْ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا،\nأَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟».\nوَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ».\n[خ: ١٠٤٤]\nوَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ»، وَزَادَ- أَيْضًا-: «ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».","vol":"2","page":667},{"text":"صلاة الكسوف: المشهور عند العلماء أنها سنة مؤكدة، وتشرع إقامتها جماعة وفرادى للمقيمين، والمسافرين، وللرجال والنساء.\nيقال: كَسَفت الشمس، وخَسَفت الشمس، ويقال- أيضًا-: كَسَف القمر، وخَسَف القمر، هذا هو الصواب الذي قاله المحققون من أهل اللغة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾.\nوقال بعضهم: المشهور في اللغة أن يقال للشمس: كَسفت، ويقال للقمر: خَسف، ولا يقال للشمس: خَسفت، ولا يقال للقمر: كَسف (^١).\nوقال آخرون: إذا ذهب بعض نور الشمس فهو الكسوف وإذا ذهب جميعه فهو الخسوف (^٢).\nوالصواب: أنه يقال لكل منهما: كَسَف، وخَسَف.\nوصلاة الكسوف مشروعة إذا وُجد السبب، وهو كسوف الشمس، أو خسوف القمر، سواء ذهب ضوء الشمس كاملًا، أو بعض ضوئها، وسواء أذهب ضوء القمر، أو بعض ضوئه.\nوصلاة الكسوف لها سببان:\nسبب شرعي: وهو تخويف الله لعباده، فهي من الآيات التي يخوف الله ﷿ بها عباده: كالزلازل والبراكين، والرياح، والعواصف.\nوقال كثير من العلماء: يصلَّى عند الزلزلة، وروي عن علي ﵁ أنه صلى لما حصلت زلزلة في الكوفة (^٣).\nوسبب حسي: وهو أن الكسوف والخسوف يُدرَك بالحساب، كما حقق\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (٢/ ٣١ - ٣٢).\n(^٢) لسان العرب، لابن منظور (٩/ ٦٩).\n(^٣) أخرجه الشافعي في الأم (٧/ ١٦٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٤٧٢)، والبيهقي في السنن (٣/ ٣٤٣).","vol":"2","page":668},{"text":"ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (^١)، والعلامة ابن القيم ﵀ (^٢).\nوصلاة الكسوف جاءت فيها أخبار متعددة، منها: حديث عائشة ﵂ وهو أول حديث في الباب، وحديث ابن عباس ﵄، كما سيأتي قريبًا، وحديث جابر ﵄ (^٣)، وجماعة من الصحابة.\nوفي هذا الحديث: وصفت صلاة الكسوف بأنها صلاة طويلة جدًّا، قيامها طويل، وركوعها طويل، وسجودها طويل، إلا أن كل قيام يكون أقل من القيام الذي قبله، وكل ركوع يكون أقل من الركوع الذي قبله، وكل سجود يكون أقل من السجود الذي قبله.\nوفيه: أن النبي ﷺ صلى صلاة الكسوف ركعتين: في كل ركعة ركوعان، وسجودان، فتكون أربع ركوعات في أربع سجدات، هذا هو الثابت عن النبي ﷺ، وهو الذي اتفق عليه الشيخان: البخاري، ومسلم في حديث عائشة وابن عباس ﵃ جميعًا.\nوفيه: مشروعية الخطبة بعد صلاة الكسوف، وليس من شروط هذه الخطبة أن يقف الإمام على المنبر.\nوفيه: رد على معتقَد أهل الجاهلية الذين كانوا يزعمون أن الكسوف والخسوف إنما يكونان لموت عظيم، أو ولادة عظيم، وقد صادف كسوف الشمس في عهد النبي ﷺ اليوم الذي مات فيه إبراهيم ابن النبي ﷺ، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فخطب النبي ﷺ الناسَ وبيَّن الحكمة من الكسوف والخسوف في حديث آخر، فقال: «وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ» (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٤/ ٢٤٦ - ٢٥٤).\n(^٢) مفتاح دار السعادة، لابن القيم (٢/ ٢٠٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٩٠٤).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٠٤٨).","vol":"2","page":669},{"text":"وفيه: مشروعية التكبير، والإكثار من الدعاء والتضرع إلى الله، والصلاة والصدقة، وعتق الرقاب.\nوقوله: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، إِنْ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ»: إن نافية، بمعنى: ما، يعني: ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده، أو تزني أمته، أي: أن الإنسان الذي عنده غيرة إذا رأى عبده يزني، أو أمته غار عليهما، فالله تعالى أغير منه، كما جاء في الحديث الآخر لما قال سعد بن معاذ ﵁: «لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي» (^١).\nوفيه: إثبات الغيرة لله ﷿، والغيرة من الصفات الفعلية على ما يليق بجلاله وعظمته سبحانه، فهو ﷿ لا يشابه المخلوقين في صفاتهم؛ خلافًا للجهمية، والأشاعرة، الذين أنكروا وصف الله تعالى بالغيرة وبالصفات الفعلية.\nوقوله: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا»، يعني: لو تعلمون ما أعلم ما عند الله من العقوبة للعاصي، ومن الشدائد التي في يوم القيامة لبكيتم كثيرًا، ولضحكتم قليلًا.\nوفيه: الرد على من عبد الشمس والقمر من دون الله؛ ولهذا ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يُكَوَّرَانِ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، وهذا زيادة في النكال بالكفرة الذين عبدوا الشمس والقمر- نسأل الله العافية والسلامة.\nوالشمس والقمر آيتان من آيات الله، مسخَّرات، ليس لهما من الأمر شيء، ولا يستحقان شيئًا من العبادة، قال الله تعالى: ﴿ومن آياته الليل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢١٩)، ومسلم (١٥٠١).\n(^٢) أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (٥٥).","vol":"2","page":670},{"text":"والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون﴾.\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ.\nح، وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ- زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَامَ، وَكَبَّرَ وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ قَامَ فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، هُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ سَجَدَ- وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو الطَّاهِرِ: ثُمَّ سَجَدَ-، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَافْزَعُوا لِلصَّلَاةِ»، وَقَالَ- أَيْضًا-: «فَصَلُّوا حَتَّى يُفَرِّجَ اللَّهُ عَنْكُمْ»، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُمْ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ\nرَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أُقَدِّمُ- وقَالَ الْمُرَادِيُّ: أَتَقَدَّمُ-، وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا ابْنَ لُحَيٍّ، وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ». وَانْتَهَى حَدِيثُ أَبِي الطَّاهِرِ عِنْدَ قَوْلِهِ: «فَافْزَعُوا لِلصَّلَاةِ»، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.\nقوله ﷺ: «فَافْزَعُوا لِلصَّلَاةِ»: لأن المقام مقام خوف؛ ولهذا جاء في","vol":"2","page":671},{"text":"الحديث الآخر: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا خَسَفتِ الشَّمْسُ قَامَ فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَقَامَ يُصَلِّي بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، مَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ فِي صَلَاةٍ قَطُّ».\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ كُشف له عن الجنة، وعن النار، وأنه لما كشف له عن الجنة تقدم، وتقدمت الصفوف، حتى كأنه يريد أن يتناول عنقودًا من العنب، كما سيأتي في الحديث الآخر، قال: «إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا، وَلَوْ أَصَبْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَأُرِيتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ» (^١).\nوفيه: جواز التقدم والحركة في الصلاة للحاجة، وأنه لا يبطل الصلاة؛ ولهذا تقدم النبي ﷺ، وتقدمت الصفوف، وتأخر، وتأخرت الصفوف، فإذا كان الإنسان في الصف وأمامه فرجة، ثم تقدم ليسدها فلا حرج، وجاء عن سهل بن سعد ﵁ في حديث المنبر: «فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ كَبَّرَ، وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ، وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى، فَسَجَدَ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ بِالْأَرْضِ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٥٢)، ومسلم (٩١٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٧٧)، ومسلم (٥٤٦).","vol":"2","page":672},{"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَبُو عَمْرٍو، وَغَيْرُهُ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ يُخْبِرُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعُوا، وَتَقَدَّمَ، فَكَبَّرَ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ».\n[خ: ١٠٤٦]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَبُو عَمْرٍو، وَغَيْرُهُ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ يُخْبِرُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعُوا، وَتَقَدَّمَ، فَكَبَّرَ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ».\n\n[٩٠٢] قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ».\nوَحَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ: «أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ».\nفي هذا الحديث: مشروعية النداء لصلاة الكسوف، فينادى لها: «الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ»، ويكرر هذا على حسب الحاجة.\nوفيه: أن صلاة الكسوف أربع ركعات وأربع سجدات في ركعتين.\nوفيه: جواز الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، على الصحيح، وكذلك في خسوف القمر، خلافًا للنووي ﵀، فإنه قال: «قوله: (جهر في صلاة الخسوف) هذا عند أصحابنا والجمهور محمول على كسوف القمر؛ لأن مذهبنا ومذهب مالك، وأبي حنيفة، والليث بن سعد، وجمهور الفقهاء: أنه","vol":"2","page":673},{"text":"يُسِرُّ في كسوف الشمس، ويجهر في خسوف القمر، وقال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق وغيرهم: يجهر فيهما، وتمسكوا بهذا الحديث، أنه جهر في صلاة الكسوف» (^١).\nوالصواب: مشروعية الجهر بالقراءة في كل من الخسوف، والكسوف، وقول الجمهور هذا فيه نظر، والقاعدة: أن السنة حاكمة على الأقوال وعلى المذاهب.\nوالأحاديث جاءت صريحة في أن النبي ﷺ جهر بالقراءة في صلاة الكسوف.\n\n[٩٠١] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي مَنْ أُصَدِّقُ- حَسِبْتُهُ يُرِيدُ عَائِشَةَ-: «أَنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَامَ قِيَامًا شَدِيدًا يَقُومُ قَائِمًا، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، فَانْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَرْكَعُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقَامَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَكْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ كُسُوفًا فَاذْكُرُوا اللَّهَ حَتَّى يَنْجَلِيَا».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ-، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ».\nفي هذا الحديث: أنه ﷺ صلى في الركعة الأولى ثلاث ركعات، وسجدتين، والثانية مثلها.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٦/ ٢٠٤).","vol":"2","page":674},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>بَابُ ذِكْرِ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ</span>\n\n[٩٠٣] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ يَحْيَى عَنْ عَمْرَةَ: «أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتْ عَائِشَةَ تَسْأَلُهَا، فَقَالَتْ: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يُعَذَّبُ النَّاسُ فِي الْقُبُورِ؟ قَالَتْ عَمْرَةُ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَائِذًا بِاللَّهِ، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا، فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجْتُ فِي نِسْوَةٍ بَيْنَ ظَهْرَيِ الْحُجَرِ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَرْكَبِهِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُصَلَّاهُ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ، فَقَامَ، وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَكَعَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ ذَلِكَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ رَفَعَ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ كَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ. قَالَتْ عَمْرَةُ: فَسَمِعْتُ عَائِشَةَ، تَقُولُ: فَكُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ».\n[خ: ١٠٥٠]\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. ح، وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ.\nفي هذا الحديث: أن عذاب القبر حق، دلت عليه نصوص القرآن، والسنة النبوية.\nفمن الأدلة من القرآن: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ","vol":"2","page":675},{"text":"تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.\nوقال سبحانه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، يعرضون على النار في قبورهم غدوًّا وعشيًّا.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾، والأدلة في كتاب الله تعالى كثيرة.\nومن السنة: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» (^١).\n\nوكان هذا الحديث أول ما جاء الوحي للنبي ﷺ في عذاب القبر.\nوذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أنه إذا أصاب الخيل مغل، أي: إمساك «ذهبوا بها إلى قبور اليهود والنصارى» (^٢) وبَيَّن سبب ذلك، فقال: «الكفار يعاقبون في قبورهم فتسمع أصواتهم البهائم، كما أخبر النبي ﷺ ... وإن البهائم إذا سمعت ذلك الصوت المنكر أوجب لها من الحرارة ما يذهب المغل» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٨٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٣٥/ ١٤٠).\n(^٣) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٣٥/ ١٤٠).","vol":"2","page":676},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-376>بَابُ مَا عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ مِنْ أَمْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ</span>\n\n[٩٠٤] وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ، فَأَطَالَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ، فَأَطَالَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَاكَ، فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ عُرِضَ عَلَيَّ كُلُّ شَيْءٍ تُولَجُونَهُ، فَعُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ، حَتَّى لَوْ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا أَخَذْتُهُ- أَوَ قَالَ: تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا، فَقَصُرَتْ يَدِي عَنْهُ-، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ، فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ، وَرَأَيْتُ أَبَا ثُمَامَةَ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُرِيكُمُوهُمَا، فَإِذَا خَسَفَا فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ».\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «وَرَأَيْتُ فِي النَّارِ امْرَأَةً حِمْيَرِيَّةً سَوْدَاءَ طَوِيلَةً»، وَلَمْ يَقُلْ: «مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ».\nقوله: «عُرِضَ عَلَيَّ كُلُّ شَيْءٍ تُولَجُونَهُ»، أي: كل شيء تدخلونه.\nوقوله: «فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ»، يعني: بسبب هرة، وهذا يدل على أن العدوان على البهائم من أسباب دخول النار، وإذا كان إيذاء البهيمة ومنعها من الطعام والشراب من أسباب دخول النار، فإيذاء","vol":"2","page":677},{"text":"الآدمي وقتله أعظم- نسأل الله العافية والسلامة.\nوقوله: «وَرَأَيْتُ أَبَا ثُمَامَةَ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ»؛ لأنه أول من جلب الأصنام إلى بلاد العرب، وكان رئيسًا في مكة.\nوقوله: «يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ»، يعني: يجر أمعاءه.\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ كُشف له في صلاة الكسوف، فرأى النار، ورأى هذه المرأة تعذب في هرة، ورأى عمرو بن لحي يجر أمعاءه في النار، وعُرضت عليه الجنة حتى تناول منها قطفًا.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ، بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، بَدَأَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ قَرَأَ، فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً دُونَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً دُونَ الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ- أيضًا- ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، لَيْسَ فِيهَا رَكْعَةٌ إِلَّا الَّتِي قَبْلَهَا أَطْوَلُ مِنَ الَّتِي بَعْدَهَا، وَرُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ سُجُودِهِ، ثُمَّ تَأَخَّرَ، وَتَأَخَّرَتِ الصُّفُوفُ خَلْفَهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا- وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَتَّى انْتَهَى إِلَى النِّسَاءِ-، ثُمَّ تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى قَامَ فِي مَقَامِهِ، فَانْصَرَفَ حِينَ انْصَرَفَ، وَقَدْ آضَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ- وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لِمَوْتِ\nبَشَرٍ-، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ، مَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ، لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ، وَذَلِكُمْ حِينَ","vol":"2","page":678},{"text":"رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ، فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي، وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ الَّتِي رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ حَتَّى قُمْتُ فِي مَقَامِي، وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا؛ لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ، فَمَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ».\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ تقدم، فتقدمت الصفوف، وتأخر، فتأخرت الصفوف، فدل على أن الحركة عند الحاجة إليها لا بأس بها.\nوقوله: «وَقَدْ آضَتِ الشَّمْسُ»: يعني: رجعت إلى حالها.\nوفيه: أن النبي ﷺ رأى صاحب المحجن يجر قصبه في النار، وصاحب المحجن: هو رجل معه عصا، طرفها منحنٍ، يسرق بها الحجاج، بأن يمد العصا، فيتعلق المتاع بالمحجن، فإن فطن له الناس قال: إن هذا المحجن تعلق دون اختياري، وإن لم يُفطن له أخذه.\nوفيه: أن النبي ﷺ صلى صلاة الكسوف ست ركوعات، في كل ركعة ثلاث ركوعات، وفي حديث آخر: أنه صلى في كل ركعة أربع ركوعات، وجاء في سنن أبي داود أنه صلى خمس ركوعات (^١).\nواختلف العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث في صلاة الكسوف:\nفذهب الجمهور إلى ما دل عليه حديث عائشة ﵂، وابن عباس ﵄ من أن صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات، وهذا الذي\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١١٨٢).","vol":"2","page":679},{"text":"اتفق عليه الشيخان: البخاري، ومسلم.\nوأما ما رواه مسلم وغيره من حديث عائشة ﵂، وابن عباس ﵄، وجابر ﵁: أنه في كل ركعة ثلاث ركوعات، أو في كل ركعة أربع ركوعات، أو في كل ركعة خمس ركوعات، أو في كل ركعة ست ركوعات، فقالوا: إن هذه الروايات شاذة، والشاذ ضعيف، بخلاف الرواية الأولى، فهي أصح وأحفظ وأفضل كما بين ذلك النووي رحمه الله تعالى (^١).\nوقالوا: الكسوف لم يقع إلا مرة واحدة في المدينة يوم مات إبراهيم، فكيف تأتي هذه الروايات الأخرى، والنبي ﷺ ما صلاها إلا مرة واحدة؟ !\nقال النووي ﵀: «وقال جماعة من أصحابنا الفقهاء المحدثين وجماعة من غيرهم: هذا الاختلاف في الروايات بحسب اختلاف حال الكسوف ففي بعض الأوقات تأخر انجلاء الكسوف فزاد عدد الركوع، وفي بعضها أسرع الانجلاء فاقتصر، وفي بعضها توسط بين الإسراع والتأخر فتوسط في عدده، واعترض الأولون على هذا بأن تأخر الانجلاء لا يعلم في أول الحال، ولا في الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدل على أنه مقصود في نفسه منوي من أول الحال، وقال جماعة من العلماء منهم إسحاق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر: جرت صلاة الكسوف في أوقات، واختلاف صفاتها محمول على بيان جواز جميع ذلك فتجوز صلاتها على كل واحد من الأنواع الثابتة» (^٢).\nقلت: هذا الجمع يفعله ضعفاء أهل الحديث، فكلما جاءهم حديث أشكل عليهم جعلوه نوعًا من أنواع صلاة الكسوف، كما فعل ضعفاء أهل الحديث في الإسراء والمعراج، والصواب: أن صلاة الكسوف ركعتان، في كل ركعة ركوعان وسجدتان.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٦/ ١٩٨).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٦/ ١٩٩).","vol":"2","page":680},{"text":"[٩٠٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، وَهِيَ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ يُصَلُّونَ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَطَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقِيَامَ جِدًّا، حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ، فَأَخَذْتُ قِرْبَةً مِنْ مَاءٍ إِلَى جَنْبِي، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي، أَوْ عَلَى وَجْهِي مِنَ الْمَاءِ، قَالَتْ: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا، حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَرِيبًا، أَوْ مِثْلَ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ، قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَيُؤْتَى أَحَدُكُمْ، فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، أَوِ الْمُوقِنُ- لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ، هُوَ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَأَطَعْنَا- ثَلَاثَ مِرَارٍ-، فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ، قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ\nإِنَّكَ لَتُؤْمِنُ بِهِ، فَنَمْ صَالِحًا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ- لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُ».\n[خ: ٨٦]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: «أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، وَإِذَا هِيَ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟» وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ.\nأَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: «لَا تَقُلْ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ، وَلَكِنْ قُلْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ».\nفي هذا الحديث: أنه لا بأس بالإشارة في الصلاة، سواء بالرأس، أو","vol":"2","page":681},{"text":"باليد؛ فإن عائشة ﵂ أَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ، وهي في الصلاة.\nوفيه: إثبات فتنة القبر، كما قال الرسول ﷺ: «وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَرِيبًا أَوْ مِثْلَ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ»، وفتنة القبر هي: السؤال عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه ﷺ، فيقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فالمؤمن يثبته الله بالقول الثابت، فيقول: الله ربي، ومحمد ﷺ نبيي، والإسلام ديني، وإذا سئل: ما علمك بهذا الرجل؟ يقول: هو رسول الله ﷺ، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا، وأطعنا، وأما المرتاب أو المنافق فإنه يقول: لا أدري، ولا يستطيع الإجابة، ويسأل عن نبيه، فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا، فقلته، وفي لفظ آخر: «ثمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٣٨).","vol":"2","page":682},{"text":"[٩٠٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ: «فَزِعَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا قَالَتْ- تَعْنِي: يَوْمَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ-: فَأَخَذَ دِرْعًا، حَتَّى أُدْرِكَ بِرِدَائِهِ، فَقَامَ لِلنَّاسِ قِيَامًا طَوِيلًا، لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا أَتَى لَمْ يَشْعُرْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَكَعَ مَا حَدَّثَ أَنَّهُ رَكَعَ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ».\nوَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: «قِيَامًا طَوِيلًا يَقُومُ، ثُمَّ يَرْكَعُ»، وَزَادَ: «فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَرْأَةِ أَسَنَّ مِنِّي، وَإِلَى الْأُخْرَى هِيَ أَسْقَمُ مِنِّي».\nوَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: «كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَفَزِعَ، فَأَخْطَأَ بِدِرْعٍ حَتَّى أُدْرِكَ بِرِدَائِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَتْ: فَقَضَيْتُ حَاجَتِي، ثُمَّ جِئْتُ وَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا، فَقُمْتُ مَعَهُ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ حَتَّى رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ أَجْلِسَ، ثُمَّ أَلْتَفِتُ إِلَى الْمَرْأَةِ الضَّعِيفَةِ، فَأَقُولُ: هَذِهِ أَضْعَفُ مِنِّي فَأَقُومُ، فَرَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى لَوْ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَرْكَعْ».\nفي هذا الحديث: أنه ﷺ فزع، ومن فزعه أخذ درعًا كان يظنه رداءه، والرداء هو الذي يضعه على كتفيه.\nوقوله: «حَتَّى أُدْرِكَ بِرِدَائِهِ»، أي: تبعه إنسان برداءه.\nوقول أسماء ﵂: «فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَرْأَةِ أَسَنَّ مِنِّي، وَإِلَى الْأُخْرَى هِيَ أَسْقَمُ مِنِّي»، يعني: أن أسماء ﵂ تعبت، وأرادت أن تجلس، فتنظر إلى المرأة التي بجانبها، فتقول: هذه ضعيفة قائمة، وأنا أريد أن أجلس؟ ! ثم تتجلد، وتقف.","vol":"2","page":683},{"text":"[٩٠٧] حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، قَدْرَ نَحْوِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَفَفْتَ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَرَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ، قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بِكُفْرِهِنَّ، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: بِكُفْرِ الْعَشِيرِ، وَبِكُفْرِ الْإِحْسَانِ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ\nرَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ».\n[خ: ١٠٥٢]\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ- يَعْنِي: ابْنَ عِيسَى- أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ».\nفي هذا الحديث: أن صلاة الكسوف صلاة طويلة، وأن الركعة الأولى بمقدار سورة البقرة، ولكن ينبغي مراعاة أحوال الناس في ذلك.\nوقوله: «بِكُفْرِ الْعَشِيرِ، وَبِكُفْرِ الْإِحْسَانِ»، العشير هو: الزوج، بمعني: المخالِط، وهذا وصف لأغلب النساء، أنهن يجحدن الإحسان، وينكرن الجميل، وإلا فهناك نساء دينات تقيات.","vol":"2","page":684},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-377>بَابُ ذِكْرِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ رَكَعَ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ</span>\n\n[٩٠٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ»، وَعَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ ذَلِكَ.\n\n[٩٠٩] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّهُ صَلَّى فِي كُسُوفٍ، قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ قَالَ: وَالْأُخْرَى مِثْلُهَا».\nفي هذا الحديث: بيان أنه صلى الكسوف ركعتين في كل ركعة أربع ركوعات، وسجدتان، وقد تقدم الكلام في الجمع بين الروايات المختلفة في هيئة صلاة الكسوف.","vol":"2","page":685},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>بَابُ ذِكْرِ النِّدَاءِ بِصَلَاةِ الْكُسُوفِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ</span>\n\n[٩١٠] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ- وَهُوَ شَيْبَانُ النَّحْوِيُّ- عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى ابْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ خَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ: «لَمَّا انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُودِيَ بِالصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَكَعْتُ رُكُوعًا قَطُّ، وَلَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهُ».\n[خ: ١٠٥١]\nفي هذا الحديث: مشروعية النداء لصلاة الكسوف.\nوفيه: أن السجود- أيضًا- يكون طويلًا كالركوع.\nوفيه: الرد على النووي ﵀ الذي قال: إن السجود لا يطول (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٦/ ١٩٩).","vol":"2","page":686},{"text":"[٩١١] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَصَلُّوا، وَادْعُوا اللَّهَ حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ».\n[خ: ١٠٤١]\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيْسَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَقُومُوا فَصَلُّوا».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَوَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَمَرْوَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ، وَوَكِيعٍ: «انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ».\n\n[٩١٢] حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَامَ فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَقَامَ يُصَلِّي بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، مَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ فِي صَلَاةٍ قَطُّ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي يُرْسِلُ اللَّهُ لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُرْسِلُهَا يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ، وَدُعَائِهِ، وَاسْتِغْفَارِهِ».\nوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْعَلَاءِ: «كَسَفَتِ الشَّمْسُ»، وَقَالَ: «يُخَوِّفُ عِبَادَهُ».\n[خ: ١٠٥٩]","vol":"2","page":687},{"text":"قوله: «فَقَامَ فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ»: أجيب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أن هذا كان قبل أن يوحى إليه أن الساعة لا تقوم إلا بعد أن تقوم أشراطها وعلاماتها.\nوالجواب الثاني: أن هذا ظن من الراوي أن النبي ﷺ خشي أن تكون الساعة لما رآه مسرعًا، ولا يلزم من ظنه وقوع ذلك من النبي ﷺ.\n\n[٩١٣] وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا أَرْمِي بِأَسْهُمِي فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ إِذْ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَنَبَذْتُهُنَّ، وَقُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ إِلَى مَا يَحْدُثُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي انْكِسَافِ الشَّمْسِ الْيَوْمَ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَدْعُو، وَيُكَبِّرُ، وَيَحْمَدُ، وَيُهَلِّلُ، حَتَّى جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ، فَقَرَأَ سُورَتَيْنِ، وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنِ الجُرَيْرِيِّ عَنْ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ- وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- قَالَ: «كُنْتُ أَرْتَمِي بِأَسْهُمٍ لِي بِالْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ إِذْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَنَبَذْتُهَا، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَنْظُرَنَّ إِلَى مَا حَدَثَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ قَالَ: فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ رَافِعٌ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يُسَبِّحُ، وَيَحْمَدُ، وَيُهَلِّلُ، وَيُكَبِّرُ، وَيَدْعُو حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا قَالَ: فَلَمَّا حُسِرَ عَنْهَا قَرَأَ سُورَتَيْنِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، أَخْبَرَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ حَيَّانَ ابْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا أَتَرَمَّى بِأَسْهُمٍ لِي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ إِذْ خَسَفَتِ الشَّمْسُ»، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمَا.\n\n[٩١٤] وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ الْقَاسِمِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ","vol":"2","page":688},{"text":"ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا».\n[خ: ١٠٤٢]\n\n[٩١٥] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُصْعَبٌ- وَهُوَ ابْنُ الْمِقْدَامِ- حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: قَالَ زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ: «انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللَّهَ، وَصَلُّوا حَتَّى تَنْكَشِفَ».\n[خ: ١٠٤٣]\nقوله: «رَافِعٌ يَدَيْهِ يَدْعُو، وَيُكَبِّرُ، وَيَحْمَدُ، وَيُهَلِّلُ، حَتَّى جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ، فَقَرَأَ سُورَتَيْنِ وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ»: في هذا الحديث: إجمال وإبهام، حيث إن ما ذكره هنا مجمل، والعمدة على الأحاديث الموضحة لصلاة الكسوف من أنها قراءتان، وقيامان، وركوعان في أربع سجدات، فلا بد أن يحمل هذا الحديث على ما يوافق الأحاديث السابقة.\nوالراوي هنا ذكر ما فعله النبي ﷺ عند الكسوف، وأنه: «رَافِعٌ يَدَيْهِ يَدْعُو، وَيُكَبِّرُ، وَيَحْمَدُ، وَيُهَلِّلُ، حَتَّى جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ، فَقَرَأَ سُورَتَيْنِ وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ»، وهذا هو المشروع عند الكسوف، كما في حديث أبي موسى ﵁: «إِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ، وَدُعَائِهِ، وَاسْتِغْفَارِهِ» (^١)، وحديث أبي مسعود ﵁: «فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَصَلُّوا، وَادْعُوا اللَّهَ حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ» (^٢)، وهذا مجمل توضحه الأحاديث السابقة، وأن النبي ﷺ جمع بين الدعاء، والصلاة، والذكر، والاستغفار.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٥٩)، ومسلم (٩١٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣١٣).","vol":"2","page":689},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-379>كِتَاب الْجَنَائِزِ</span>","vol":"3","page":3},{"text":"كِتَاب الْجَنَائِزِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>بَابُ تَلْقِينِ الْمَوْتَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ</span>\n\n[٩١٦] وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، وَعُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ بِشْرٍ، قَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُمَارَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ-.ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، جَمِيعًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\n\n[٩١٧] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، وَعُثْمَانُ ابنا أبي شيبة. ح، وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالُوا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ».\nالجنائز جمع جِنازة، أو جَنَازة، بالكسر، وبالفتح، والكسر أفصح، وقيل: جَنازة بالفتح للميت، وبالكسر للنعش الذي عليه الميت، وقيل: بالعكس (^١).\nفي هذا الحديث: مشروعية تلقين كلمة التوحيد: «لا إله إلا الله» للذي حضره الموت، وشهادة: «محمد رسول الله» داخلة فيها؛ لأن الشهادتين لا\n_________\n(^١) القاموس المحيط، للفيروز آبادي (١/ ٥٠٦)، لسان العرب، لابن منظور (٥/ ٣٢٤).","vol":"3","page":5},{"text":"تصح إحداهما بدون الأخرى، فمن شهد أن لا إله إلا الله، ولم يشهد أن محمدًا رسول الله لا يصح إيمانه، وكذلك من شهد أن محمدًا رسول الله، ولم يشهد أنه لا إله إلا الله لم يقبل منه، والحاصل: أنه إذا أُطلقت إحداهما دخلت فيها الأخرى.\nوفيه: أنه ينبغي لمن حضر الميت أن يلقنه كلمة التوحيد برفق، فيقول أمامه: «لا إله إلا الله»، ولا يضجره ويقول له: قل: «لا إله إلا الله»، بل يُذَكِّرُه بها حتى يقولها، فإذا قالها سكت، فإن تكلم بشيء من كلام الدنيا أعاد عليه التلقين، حتى يكون آخر كلامه: «لا إله إلا الله»؛ لما جاء في الحديث: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» (^١).\nوقوله: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ»، يعني: لقنوا مَن حضره الموت، وليس المراد بعد الموت.\nوهذا كقوله ﷺ في الحديث الآخر: «اقْرَءُوهَا عَلَى مَوْتَاكُمْ» (^٢)، يعني: سورة «يس»، أي: على محتضريكم، وليس المراد أن تُقرأ «يس» على الميت بعد الموت؛ لأن قراءة القرآن على الميت بعد الموت لا تشرع، وإنما تشرع قبل الموت.\nوقيل: إن القراءة على المحتضر تخفف عليه سكرات الموت، وكذلك تلقينه لا إله إلا الله.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢١٥٢٨)، وأبو داود (٣١١٦).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٩٧٨٩)، والنسائي في الكبرى (١٠٨٤٦).","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ</span>\n\n[٩١٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جميعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ عَنِ ابْنِ سَفِينَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا. قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا، فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَتْ: أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ يَخْطُبُنِي لَهُ، فَقُلْتُ: إِنَّ لِي بِنْتًا، وَأَنَا غَيُورٌ، فَقَالَ: أَمَّا ابْنَتُهَا فَنَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُغْنِيَهَا عَنْهَا، وَأَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَذْهَبَ بِالْغَيْرَةِ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ سَفِينَةَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ سَلَمَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا. قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي خَيْرًا مِنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي عُمَر- يَعْنِي: ابْنَ كَثِيرٍ- عَنِ ابْنِ سَفِينَةَ- مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ- عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، وَزَادَ قَالَتْ: «فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: مَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ لِي، فَقُلْتُهَا، قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ».","vol":"3","page":7},{"text":"في هذا الحديث: فضل قول: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا»، واستحبابه عند المصيبة، والله ﷾ وعد الصابرين وبشرهم ببشارة عظيمة، فقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.\nوفيه: أن هذا الدعاء دليل على الصبر.\nوفيه: أن من قال هذا الدعاء آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها، بشرط أن يقوله موقنًا بما قاله النبي ﷺ، فأم سلمة ﵂ قالته وهي موقنة، لما سمعت النبي ﷺ يقوله، ولكنها قالت في نفسها: «أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»، ولكن لما قالته عوضها الله، فقالت: «فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ».\nقوله: «ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ لِي» يقول شيخ الإسلام: «هل يجوز وصفه بالعزم؟ فيه قولان:\nأحدهما: المنع كقول القاضي أبي بكر، والقاضي أبي يعلى.\nوالثاني: الجواز، وهو أصح، فقد قرأ جماعة من السلف: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] بالضم، وفي الحديث الصحيح من حديث أم سلمة: «ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ لِي» وكذلك في خطبة مسلم: «فعزم لي»، وسواء سمي «عزما» أو لم يسم فهو سبحانه إذا قدرها علم أنه سيفعلها في وقتها وأراد أن يفعلها في وقتها، فإذا جاء الوقت فلابد من إرادة الفعل المعين ونفس الفعل ولابد من علمه بما يفعله»  (^١) .\n* * *\n_________\n(^١)  مجموع الفتاوى (١٦ - ٣٠٣).","vol":"3","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ الْمَرِيضِ وَالْمَيِّتِ</span>\n\n[٩١٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَرِيضَ، أَوِ الْمَيِّتَ فَقُولُوا خَيْرًا؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ. قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سَلَمَةَ قَدْ مَاتَ قَالَ: قُولِي: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلَهُ، وَأَعْقِبْنِي مِنْهُ عُقْبَى حَسَنَةً، قَالَتْ: فَقُلْتُ: فَأَعْقَبَنِي اللَّهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ لِي مِنْهُ، مُحَمَّدًا ﷺ».\nهذا في معنى الحديث السابق، وفيه زيادة: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلَهُ، وَأَعْقِبْنِي مِنْهُ عُقْبَى حَسَنَةً» أي: بدلًا صالحًا، وهذا الدعاء ظاهر بين الزوجين، ولا يمنع كونه بين الأصحاب والتلميذ مع شيخه ونحو ذلك.\n* * *","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-383>بَاب فِي إِغْمَاضِ الْمَيِّتِ، وَالدُّعَاءِ لَهُ إِذَا حُضِرَ</span>\n\n[٩٢٠] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ، فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَاخْلُفْهُ فِي تَرِكَتِهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَوْسِعْ لَهُ فِي قَبْرِهِ»، وَلَمْ يَقُلِ: «افْسَحْ لَهُ»، وَزَادَ: «قَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ: وَدَعْوَةٌ أُخْرَى سَابِعَةٌ نَسِيتُهَا».\nقوله: «وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ»: بصرُه- بالرفع- فاعل، وروي بالنصب، وهو الصحيح.\nوقوله: «وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ»، يعني: في الباقين، قال تعالى: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾، يعني: في الباقين.\nفي هذا الحديث: بيان أن الروح ذاتٌ تُقبض؛ لهذا وصفها النبي ﷺ بقوله: «إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ»، أي: خرج «تَبِعَهُ الْبَصَرُ»، معناه: إذا خرج الروح من الجسد يتبعه البصر ناظرًا أين يذهب؛ لهذا تبقى عينا الميت مفتوحتين،","vol":"3","page":10},{"text":"ويجب تغميضهما، ومما يدل على أنها تُقبض قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَتِي قَضَى عَلَيْهَا المَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسْمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾.\nوفيه: الرد على أهل الكلام الذين يخوضون في الروح، فبعضهم يقول: إنها صفة من صفات البدن، وبعضهم يقول: هي في الدم، وبعضهم يقول: هي طبيعة من طبيعة الجسد.\nوالله تعالى يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ منْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾، فقوله: ﴿من أمر ربي﴾، أي: من مخلوقاته التي خلقها، وسبب نزول هذه الآية سؤال اليهود النبي ﷺ عن الروح.\nوفيه: الرد على أهل البدع الذين يكيفون الصفات، ويشبهونها بصفات المخلوقين، فهذه الروح مخلوق موجود بين يدي الإنسان، ولا تُعلم كيفيتها، ولا كنهها، ولا حقيقتها، فكذلك هم أعجز من أن يعلموا كيفية صفات الله ﷿ وكنهها، وكذلك حقائق ما أخبر به الله ﷿ عن الآخرة.","vol":"3","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-384>بَاب فِي شُخُوصِ بَصَرِ الْمَيِّتِ يَتْبَعُ نَفْسَهُ</span>\n\n[٩٢١] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ العَلَاءِ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَمْ تَرَوْا الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ شَخَصَ بَصَرُهُ؟ قَالُوا: بَلَى قَالَ: فَذَلِكَ حِينَ يَتْبَعُ بَصَرُهُ نَفْسَهُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنِ العَلَاءِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nفي هذا الحديث: أن الروح تسمى نفسًا؛ لقوله ﷺ: «فَذَلِكَ حِينَ يَتْبَعُ بَصَرُهُ نَفْسَهُ»، والأغلب أنها لا تسمى نفسًا إلا إذا كانت مع الجسد، فإذا كانت مفردة يقال لها: روح، ولكن هنا جاءت على غير الغالب، فسماها نفسًا، وقال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى ربك راضية مرضية﴾، فسماها عند خروجها نفسًا.\nوقال تعالى- للمعذَّبين-: ﴿أخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾، فسماها نفسًا، وسماها روحًا.","vol":"3","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-385>بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ</span>\n\n[٩٢٢] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: «لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: غَرِيبٌ، وَفِي أَرْضِ غُرْبَةٍ، لَأَبْكِيَنَّهُ بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عَنْهُ، فَكُنْتُ قَدْ تَهَيَّأْتُ لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ؛ إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الصَّعِيدِ تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تُدْخِلِي الشَّيْطَانَ بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْهُ؟ - مَرَّتَيْنِ- فَكَفَفْتُ عَنِ الْبُكَاءِ، فَلَمْ أَبْكِ».\nقولها: «أَقَبَلَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الصَّعِيدِ»: المراد بالصعيد هنا: عوالي المدينة، وأصل الصعيد: ما كان على وجه الأرض، مثل: قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.\nوقولها: «تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي»، أي: تساعدني، وتبكي معي، فلما قال لها الرسول ﷺ: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تُدْخِلِي الشَّيْطَانَ بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْهُ؟ - مَرَّتَيْنِ» كفت عن البكاء.\nوفيه: استجابة الصحابة، والصحابيات ﵃ أجمعين لأمر الله، وأمر رسوله ﷺ، وهذا هو الواجب على المسلم أن يقبل أمر الله ﷿ وأمر رسوله ﷺ، وأن لا يكون له الخِيَرة في ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\nوفيه: أنه كان في الجاهلية إذا مات لهم أحد جاء من حولهم من الجيران- ولا سيما النساء- يبكون مع أهل البيت بكاءَ تصنُّع، ثم إذا حصل","vol":"3","page":13},{"text":"لأولئك- أيضًا- مصيبة ذهبوا معهم يبكون معهم، من باب المقاصَّة.\nوقولها: «فَكَفَفْتُ عَنِ الْبُكَاءِ»، أي: النياحة.\n\n[٩٢٣] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ- عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ تَدْعُوهُ وَتُخْبِرُهُ: أَنَّ صَبِيًّا لَهَا- أَوِ ابْنًا لَهَا- فِي الْمَوْتِ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: ارْجِعْ إِلَيْهَا، فَأَخْبِرْهَا: أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ، فَعَادَ الرَّسُولُ، فَقَالَ: إِنَّهَا قَدْ أَقْسَمَتْ لَتَأْتِيَنَّهَا قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الصَّبِيُّ، وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنَّةٍ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ».\n[خ: ١٢٨٤]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، جَمِيعًا عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ حَمَّادٍ أَتَمُّ وَأَطْوَلُ.\nقوله: «وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ»: تقعقع الشيء: أي: صوَّتَ عند التحريك (^١)، والشنة: هي القِربة البالية. (^٢)\nقوله: «ارْجِعْ إِلَيْهَا، فَأَخْبِرْهَا: أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ»: هذه هي التعزية الواردة عنه ﷺ، والتي ينبغي للمسلمين أن يعزي بعضهم بعضًا بها.\n_________\n(^١) لسان العرب، لابن منظور (٨/ ٢٨٦).\n(^٢) لسان العرب، لابن منظور (٥/ ١٢٣).","vol":"3","page":14},{"text":"وفي هذا الحديث: أنه إذا أراد إنسان أن يعزي أخاه وهو لا يتمكن من الحضور، أرسل إليه، ويقول له: «لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ».\nوفيه: حُسن خلقه ﵊، فإنه لما أرسلت ابنته إليه في الأول أرسل إليها يعزيها، فأرسلت إليه مرة أخرى، وهي تُقْسم عليه، فبرَّ قسمها ﵊.\nوفيه: مشروعية إبرار المقسم.\nوقوله: «فَرُفِعَ إِلَيْهِ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنَّةٍ»، والشن هو الجلد اليابس وهو يريد تصوير حركة خروج الروح.\nوقوله: «فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ»، أي: بكى ﵊ بدمع العين، رحمة له، ففيه: جواز البكاء بدمع العين بغير نوح.\nوقوله: «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ»: فيه: إثبات الرحمة لله سبحانه وأن الله يرحم من عباده الرحماء، وأن الجزاء من جنس العمل فمن رحم عباد الله ﵀.\n\n[٩٢٤] حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَشِيَّةٍ، فَقَالَ: أَقَدْ قَضَى؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَكَوْا، فَقَالَ: أَلَا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا- وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ».\n[خ: ١٣٠٤]\nفي هذا الحديث: أن البكاء بدمع العين بدون النياحة من الرحمة؛ ولهذا","vol":"3","page":15},{"text":"قال النبي ﷺ: «أَلَا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا، وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ»، يعني: الصياح والعويل والصراخ وقول ما فيه اعتراض، فهذا كله من التسخط على قضاء الله وقدره، وهو من الكبائر.\nوالبكاء بدمع العين من الرحمة، وليس من النياحة، وهو أفضل من التجلد، قال ابن تيمية ﵀: «البكاء على الميت على وجه الرحمة حسن مستحب وذلك لا ينافي الرضا؛ بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه وبهذا يعرف معنى قول النبي ﷺ لما بكى الميت، وقال: «إن هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» (^١) فإن هذا ليس كبكاء من يبكي لحظه لا لرحمة الميت؛ فإن الفضيل بن عياض لما مات ابنه علي ضحك وقال: رأيت أن الله قد قضى فأحببت أن أرضى بما قضى الله به، فحاله حال حسن بالنسبة إلى أهل الجزع، وأما رحمة الميت مع الرضا بالقضاء وحمد الله تعالى كحال النبي ﷺ فهذا أكمل، كما قال تعالى: ﴿ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة﴾ فذكر سبحانه التواصي بالصبر والمرحمة» (^٢).\nوالصبر واجب، وهو حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عما يغضب الله من لطم، أو شق، قال النبي ﷺ: «إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَرِيضَ- أَوِ الْمَيِّتَ- فَقُولُوا خَيْرًا؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ» (^٣).\nوأحوال الناس في المصيبة أربع:\nالحال الأولى: حال الجازع والساخط على قضاء الله وقدره، وصاحبها آثم.\nالحال الثانية: حال الصابر، لكنه ليس راضيًا بالمصيبة، وصاحبها أدى ما أوجب الله عليه، وحصَّل ثواب الصابرين.\nالحال الثالثة: حال الراضي بقضاء الله وقدره، وفعله هذا مستحب على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٨٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٠/ ٤٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٩٢٢).","vol":"3","page":16},{"text":"الصحيح، وقد يكون الإنسان راضيًا وتدمع عينه، ويحزن قلبه، فهذا لا ينافي الرضى؛ لأن البكاء رحمة جعلها الله في قلوب الرحماء.\nالحال الرابعة: حال الشاكر، وهي أن يشكر الله على المصيبة؛ لأنه يعتبرها نعمة؛ حيث إن الله يكفر بها الخطايا، ويرفع بها الدرجات، فهؤلاء تنقلب المحن في حقهم مِنَحًا، وهم عباد الله المخلَصون، ولا يقوى على هذا إلا القلة الموَفَّقون.\nوأما قول أبي العباس القرطبي: «فأما النياحة التي كانت الجاهلية تفعلها؛ من تعديد خصال الميت، والثناء عليه بما كان فيه من الخصال الدُّنيوية المذمومة، والصراخ الذي يُخرجه الجزع المفضي إلى السخط والعبث؛ من ضرب الخدود، وشق الجيوب؛ فكل ذلك محرَّم، من أعمال الجاهلية، ولا يختلف فيه، فأما بكاء وصراخ لا يكون معه شيء من ذلك فهو جائز قبل الموت، مكروه بعده» (^١).\nفهذا جوابه: أن الصراخ ليس عليه دليل، بل ممنوع قبل الموت، وبعده، وإنما الجائز: البكاء بدمع العين كفعل النبي ﷺ.\n_________\n(^١) المفهم، للقرطبي (٢/ ٥٧٧).","vol":"3","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-386>بَابٌ فِي عِيَادَةِ الْمَرْضَى</span>\n\n[٩٢٥] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ عُمَارَةَ- يَعْنِي: ابْنَ غَزِيَّةَ- عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُعَلَّى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَدْبَرَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا أَخَا الْأَنْصَارِ، كَيْفَ أَخِي سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ فَقَالَ: صَالِحٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ يَعُودُهُ مِنْكُمْ؟ فَقَامَ، وَقُمْنَا مَعَهُ، وَنَحْنُ بِضْعَةَ عَشَرَ، مَا عَلَيْنَا نِعَالٌ، وَلَا خِفَافٌ، وَلَا قَلَانِسُ، وَلَا قُمُصٌ، نَمْشِي فِي تِلْكَ السِّبَاخِ حَتَّى جِئْنَاهُ، فَاسْتَأْخَرَ قَوْمُهُ مِنْ حَوْلِهِ، حَتَّى دَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ».\nفي هذا الحديث: مشروعية زيارة المريض ماشيا، وله ان يركب، فقد جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ ركب على جمار على قطيفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة (^١).\nوفيه: زيارة الرئيس، والمتبوع، والعالم مع أصحابه للمريض، وإظهار السُّنة.\nوفيه: رحمة رسول الله ﷺ بأمته، وتفقده لأحوال أصحابه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥٦٦).","vol":"3","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-387>بَابٌ فِي الصَّبْرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى</span>\n\n[٩٢٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ-، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى».\n[خ: ١٢٨٣]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى عَلَى امْرَأَةٍ تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا، فَقَالَ لَهَا: اتَّقِي اللَّهَ، وَاصْبِرِي، فَقَالَتْ: وَمَا تُبَالِي بِمُصِيبَتِي؟ ! فَلَمَّا ذَهَبَ، قِيلَ لَهَا: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَخَذَهَا مِثْلُ الْمَوْتِ، فَأَتَتْ بَابَهُ، فَلَمْ تَجِدْ عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ، أَوَ قَالَ: عِنْدَ أَوَّلِ الصَّدْمَةِ».\nوَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ-.ح، وَحَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو. ح، وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالُوا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ بِقِصَّتِهِ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الصَّمَدِ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ».\nفي الحديث: بيان أن محل الصبر عند حدوث الصدمة الأولى من المصيبة لدى استقبال الخبر، ففيها يظهر مدى ثبات المرء ورسوخه وقوة تحمله، أما إذا طالت المدة وبعد العهد، فإن المصيبة يخف وقعها ويُسَرَّى عن الإنسان.\nوقد احتج الجمهور بهذا الحديث على جواز زيارة المرأة للقبور، لكن هذا ليس بظاهر، فيحتمل أنه كان قبل النهي.","vol":"3","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-388>بَابُ الْمَيِّتِ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ</span>\n\n[٩٢٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ بِشْرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ حَفْصَةَ بَكَتْ عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ: مَهْلًا يَا بُنَيَّةُ، أَلَمْ تَعْلَمِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ؟».\n[خ: ١٢٩٢]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ».\nوَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَصِيحَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ؟».\n[خ: ١٢٩٠]\nحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ، جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ: وَا أَخَاهْ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ؟».\nوَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ صَفْوَانَ أَبُو يَحْيَى عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: «لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ أَقْبَلَ صُهَيْبٌ مِنْ مَنْزِلِهِ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عُمَرَ، فَقَامَ بِحِيَالِهِ","vol":"3","page":20},{"text":"يَبْكِي، فَقَالَ عُمَرُ: عَلَامَ تَبْكِي؟ أَعَلَيَّ تَبْكِي؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ لَعَلَيْكَ أَبْكِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ يُبْكَى عَلَيْهِ يُعَذَّبُ. قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، فَقَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: إِنَّمَا كَانَ أُولَئِكَ الْيَهُودَ».\nوَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا طُعِنَ عَوَّلَتْ عَلَيْهِ حَفْصَةُ، فَقَالَ: يَا حَفْصَةُ، أَمَا سَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ. وَعَوَّلَ عَلَيْهِ صُهَيْبٌ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ؟ !».\nقوله: «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ»، يعني: يعذب بالنياحة، والنياحة هي: الصوت المرتفع.\nوقوله: «عَوَّلَتْ عَلَيْهِ حَفْصَةُ»، أي: بكت عليه برفع صوتها.\nوفي هذه الأحاديث: رد على من قال بجواز البكاء والعويل قبل الموت، فقد أنكر أنس ﵁ على حفصة ﵂ عويلها، وقد كان قبل الموت.\nوفيها: أن الشيء اليسير الذي يغلب على الإنسان بدون اختياره يعفى عنه، مثل: البكاء الذي غلب نساء جعفر ﵁ (^١)، ومثل: حفصة ﵂، فإنه سُمع لها بكاء من شدة هذا الأمر.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٩٩)، ومسلم (٩٣٥).","vol":"3","page":21},{"text":"[٩٢٨] حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: «كُنْتُ جَالِسًا إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ- وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ جَنَازَةَ أُمِّ أَبَانَ بِنْتِ عُثْمَانَ- وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، فَجَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُودُهُ قَائِدٌ، فَأُرَاهُ أَخْبَرَهُ بِمَكَانِ ابْنِ عُمَرَ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِي فَكُنْتُ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا صَوْتٌ مِنَ الدَّارِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ- كَأَنَّهُ يَعْرِضُ عَلَى عَمْرٍو أَنْ يَقُومَ فَيَنْهَاهُمْ-: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ. قَالَ: فَأَرْسَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ مُرْسَلَةً».\n[خ: ١٢٨٦]\n\n[٩٢٧] فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «كُنَّا مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ نَازِلٍ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ، فَقَالَ لِي: اذْهَبْ فَاعْلَمْ لِي مَنْ ذَاكَ الرَّجُلُ، فَذَهَبْتُ فَإِذَا هُوَ صُهَيْبٌ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: إِنَّكَ أَمَرْتَنِي أَنْ أَعْلَمَ لَكَ مَنْ ذَاكَ، وَإِنَّهُ صُهَيْبٌ قَالَ: مُرْهُ فَلْيَلْحَقْ بِنَا، فَقُلْتُ: إِنَّ مَعَهُ أَهْلَهُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَهْلُهُ- وَرُبَّمَا قَالَ أَيُّوبُ: مُرْهُ فَلْيَلْحَقْ بِنَا- فَلَمَّا قَدِمْنَا لَمْ يَلْبَثْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ أُصِيبَ، فَجَاءَ صُهَيْبٌ يَقُولُ: وَا أَخَاهْ وَاصَاحِبَاهْ، فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ تَعْلَمْ، أَوَ لَمْ تَسْمَعْ- قَالَ أَيُّوبُ: أَو قَالَ: أَوَ لَمْ تَعْلَمْ أَوَ لَمْ تَسْمَعْ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ؟ ! قَالَ: فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَأَرْسَلَهَا مُرْسَلَةً، وَأَمَّا عُمَرُ، فَقَالَ: بِبَعْضِ».\n\n[٩٢٩] فَقُمْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَحَدَّثْتُهَا بِمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَطُّ، إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْكَافِرَ يَزِيدُهُ اللَّهُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَذَابًا، وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾».\nقَالَ أَيُّوبُ: قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: «لَمَّا بَلَغَ عَائِشَةَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ قَالَتْ: إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونِّي عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ، وَلَا مُكَذَّبَيْنِ، وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ».","vol":"3","page":22},{"text":"[٩٢٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: «تُوُفِّيَتِ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِمَكَّةَ قَالَ: فَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا قَالَ: فَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ- وَهُوَ مُوَاجِهُهُ-: أَلَا تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ؛ فَإِنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ».\n\n[٩٢٧] فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «قَدْ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ، فَقَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ صُهَيْبٌ قَالَ: فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ادْعُهُ لِي قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ، فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا أَنْ أُصِيبَ عُمَرُ، دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ: وَاأَخَاهْ وَاصَاحِبَاهْ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، أَتَبْكِي عَلَيَّ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ؟ !».\n\n[٩٢٩] فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ عُمَرَ، لَا وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَحَدٍ، وَلَكِنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ قَالَ: وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ- عِنْدَ ذَلِكَ-: وَاللَّهُ أَضْحَكَ وَأَبْكَى».\nقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: «فَوَاللَّهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ شَيْءٍ».\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: «كُنَّا فِي جَنَازَةِ أُمِّ أَبَانَ بِنْتِ عُثْمَانَ»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَنُصَّ رَفْعَ الْحَدِيثِ عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا نَصَّهُ أَيُّوبُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَحَدِيثُهُمَا أَتَمُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرٍو.","vol":"3","page":23},{"text":"قوله: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ»: هذا البعض هو الذي يكون فيه الصياح ورفع الصوت، وأما البعض الآخر فلا يعذب به، وهو الذي يكون بدمع العين.\nفي هذه الأحاديث: أن عائشة ﵂ جزمت أن النبي ﷺ لم يقل: «إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»؛ لهذا قالت: «يَرْحَمُ اللَّهُ عُمَرَ، لَا وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَحَدٍ»، وهذا اجتهاد منها ﵂، واستدلت عليه بقوله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، وبالآية فقالت: «حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾»، فظنت أن تعذيب الميت ببكاء أهله عليه يعارض الآية.\nوعائشة ﵂ أفقه امرأة، ولكنها ليست معصومة، فقد أخطأت في تغليطها عمر ﵁، ثم هي- أيضًا- وقعت فيما فرت منه ﵂، فقالت: «إِنَّ اللَّهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، فكيف يعذب الكافر بعمل غيره؟\nواختلف العلماء في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، هل يكون مطلقًا؟\nفذهب الجمهور: إلى أنه لا يعذب إلا إذا أوصى أهله بالبكاء عليه، فإنه يعذب، وفي هذه الحالة يكون من عمله، ولا يعارض الآية (^١).\nوقال آخرون: يعذب إذا أوصى، أو سكت ولم ينههم عن النياحة، أما إذا نهاهم وحذرهم فلا يعذب.\nوالصواب: أن هذا مستثنى من الآية، وأن العذاب شيء خاص الله أعلم بكيفيته، وجاء في بعض الأحاديث: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ بِاكَيهِ، فَيَقُولُ: وَاجَبَلَاهُ وَاسَيِّدَاهُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، إِلَّا وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانِ يَلْهَزَانِهِ: أَهَكَذَا كُنْتَ؟» (^٢).\nوعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄، قَالَ: «أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ،\n_________\n(^١) البحر الرائق، لابن نجيم (٢/ ٢٠٧)، التاج والإكليل، للمواق (٣/ ٧٨)، المجموع، للنووي (٥/ ٣٠٨ - ٣٠٩)، المغني، لابن قدامة (٢/ ٤٠٨ - ٤٠٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٠٠٣)، وابن ماجه (١٥٩٤).","vol":"3","page":24},{"text":"فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي وَاجَبَلاهْ، وَاكَذَا وَاكَذَا، تُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلَّا قِيلَ لِي: آنْتَ كَذَلِكَ» (^١).\n\n[٩٣٠] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ».\n\n[٩٣١] وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، جميعًا عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ خَلَفٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعَ شَيْئًا فَلَمْ يَحْفَظْهُ، إِنَّمَا مَرَّتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنْتُمْ تَبْكُونَ، وَإِنَّهُ لَيُعَذَّبُ».\n\n[٩٣٢] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ يَرْفَعُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: وَهِلَ، إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ، أَوْ بِذَنْبِهِ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الْآنَ، وَذَاكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَى الْقَلِيبِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَفِيهِ قَتْلَى بَدْرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ: إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ، وَقَدْ وَهِلَ، إِنَّمَا قَالَ: إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، يَقُولُ: حِينَ تَبَوَّءُوا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ».\n[خ: ٣٩٨١]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، وَحَدِيثُ أَبِي أُسَامَةَ أَتَمُّ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٢٦٧).","vol":"3","page":25},{"text":"وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ- فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: «أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ- وَذُكِرَ لَهَا: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ، أَوْ: أَخْطَأَ، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا، فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا».\n\n[٩٣٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ الطَّائِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ بِالْكُوفَةِ قَرَظَةُ بْنُ كَعْبٍ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nوَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ الْأَسْدِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الْأَسْدِيِّ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ- يَعْنِي: الْفَزَارِيَّ- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.\nقولها: «وَقَدْ وَهِلَ»، يعني: غلط ونسي، والصواب: أنها ﵂ هي التي وهمت وغلطت، لا ابن عمر ﵄.\nفالأحاديث ثابتة من حديث عمر وابن عمر ﵄ وجماعة، ولا يُغلَّط الأثبات بالاجتهاد، فالحديث ثابت والآية لا تشكل، فالآية عامة والحديث خاص، وعائشة من أفقه النساء، لكن مع فقهها العظيم أخطأت، كما يخطئ غيرها، فليست معصومة، ولكل جواد كبوة.","vol":"3","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-389>بَابُ التَّشْدِيدِ فِي النِّيَاحَةِ</span>\n\n[٩٣٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ. ح، وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى أَنَّ زَيْدًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَلَّامٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ. وَقَالَ: النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ».\nفي هذا الحديث: دليل من دلائل نبوته ﷺ، وأن هذه الأمور الأربعة واقعة في الأمة.\nوفيه: التحذير من هذه الخصال حتى لا يقع فيها المسلم.\nوقوله: «الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ»، أي: التعاظم على الناس بالآباء والأجداد ومآثرهم.\nوقوله: «وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ»، أي: عيبها، وتنقصها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، ولم يقل: لتفاخروا وتعاظموا.\nوقوله: «وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ»، أي: طلب السقيا، ونسبة المطر إلى النجوم والأنواء.\nوقوله: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ»: هذا فيه وعيد شديد للنائحة، وأن هذا الفعل من الكبائر، وأنه إذا لم تتب النائحة فيوم القيامة تطلى بالقطران، ويُجعل عليها","vol":"3","page":27},{"text":"درع من جربٍ، ثم تُشعل فيها النار، فيكون اشتعال النار فيها أشد وأعظم- نسأل الله السلامة والعافية.\n\n[٩٣٥] وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ: «لَمَّا جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ قَالَتْ: وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ- شَقِّ الْبَابِ-، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ- وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَذْهَبَ فَيَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ فَأَتَاهُ فَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ، فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَنْ يَذْهَبَ فَيَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ، ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَتْ: فَزَعَمَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اذْهَبْ فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنَ التُّرَابِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ، وَاللَّهِ مَا تَفْعَلُ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَنَاءِ».\n[خ: ١٢٩٩]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ. ح، وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُسْلِمٍ-، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعِيِّ».\nفي هذا الحديث: أنه في غزوة مؤتة استشهد الأمراء الثلاثة: جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحة، ثم زيد بن حارثة ﵃ جميعًا، كان أَمَّرَهُم رسول الله ﷺ، وأمر إن قُتل فلان فالأمير فلان، فإن قُتل ففلان الأمير، فقتل الأمراء الثلاثة كلهم، ثم اصطلح الناس فيما بينهم على إمرة","vol":"3","page":28},{"text":"خالد بن الوليد ﵁، وفُتح له، فلما بلغ النبي ﷺ الخبر جلس على المنبر يُعرَف في وجهه الحزن.\nقوله ﷺ: «اذْهَبْ فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنَ التُّرَابِ»: فيه: دليل على أنه يُنكَر على من بكى بالصياح، وأن من الإنكار عليه: أن يحثى في وجهه التراب.\nوقولها: «فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ، وَاللَّهِ مَا تَفْعَلُ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَنَاءِ»، يعني: ثلاث مرات تذهب وتقول: ما أَطَعْنَنِي، فأتعبتَ الرسول ﵊، وأنت لم تفعل ما أمرك به النبي ﷺ؛ ولهذا دعت عليه، فقالت: «أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ»، تعني ﵄: أن عمر ما امتثل لأمر النبي ﷺ، ولم يرِح النبي ﷺ من العناء والتعب، بل أتعبته بكثرة التردد عليه، وهذا اجتهادها ﵂.\n\n[٩٣٦] حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- مَعَ الْبَيْعَةِ-: أَلَّا نَنُوحَ، فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ، إِلَّا خَمْسٌ: أُمُّ سُلَيْمٍ، وَأُمُّ الْعَلَاءِ، وَابْنَةُ أَبِي سَبْرَةَ امْرَأَةُ مُعَاذٍ- أَوْ ابْنَةُ أَبِي سَبْرَةَ، وَامْرَأَةُ مُعَاذٍ».\n[خ: ١٣٠٦]\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَسْبَاطٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِي الْبَيْعَةِ-: أَلَّا تَنُحْنَ، فَمَا وَفَتْ مِنَّا غَيْرُ خَمْسٍ، مِنْهُنَّ: أُمُّ سُلَيْمٍ».\nقولها: «فَمَا وَفَتْ مِنَّا غَيْرُ خَمْسٍ»؛ فلم يَفِ إلا هؤلاءِ الخمس، والبقية لم يستطعن أن يوفين؛ وذلك لما يغلب على النساء من سرعة الجزع وقلة الصبر.","vol":"3","page":29},{"text":"[٩٣٧] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قَالَتْ: كَانَ مِنْهُ النِّيَاحَةُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا آلَ فُلَانٍ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَسْعَدُونِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَا بُدَّ لِي مِنْ أَنْ أُسْعِدَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِلَّا آلَ فُلَانٍ».\n[خ: ٤٨٩٢]\nقول أم عطية ﵂: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا آلَ فُلَانٍ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَسْعَدُونِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَا بُدَّ لِي مِنْ أَنْ أُسْعِدَهُمْ»، يعني: لا بد لي من أن أجازيهم؛ لأنهم بكوا معي، فأريد أن أبكي معهم.\nوقولها: «إِلَّا آلَ فُلَانٍ»: قال النووي ﵀: «هذا محمول على الترخيص لأم عطية في آل فلان خاصة، كما هو ظاهر، ولا تحل النياحة لغيرها، ولا لها في غير آل فلان، كما هو صريح في الحديث، وللشارع أن يخص من العموم ما شاء، فهذا صواب الحكم في هذا الحديث» (^١).\nوهذا الكلام جيد من النووي ﵀، ولكن الحافظ ابن حجر ﵀ عقَّب على النووي ﵀، فقال: «وفيه نظر، إلا إن ادعى أن الذين ساعدتهم لم يكونوا أسلموا، وفيه بُعد، وإلا فليدَّع مشاركتهم لها في الخصوصية» (^٢)، ثم قال: «لكن لا يمتنع أن يكون النهي أولًا ورد بكراهة التنزيه، ثم لما تمت مبايعة النساء وقع التحريم، فيكون الإذن لمن ذكر وقع في الحالة الأولى؛\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٦/ ٢٣٨).\n(^٢) فتح الباري، لابن حجر (٨/ ٦٣٨).","vol":"3","page":30},{"text":"لبيان الجواز، ثم وقع التحريم، فورد- حينئذٍ- الوعيد الشديد» (^١).\nوالراجح: أن هذا خاص بأم عطية ﵂، كما ذكر ذلك النووي ﵀، أما تعقب الحافظ ابن حجر ﵀ فليس بظاهر.\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (٨/ ٦٣٨).","vol":"3","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-390>بَابُ نَهْيِ النِّسَاءِ عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ</span>\n\n[٩٣٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: «كُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا».\n[خ: ١٢٧٨]\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن اتباع الجنائز، والنهي للتحريم، وهذا هو الأصل، وأما قول أم عطية ﵂: «وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» فهذا اجتهاد منها، والحجة في روايتها، لا في اجتهادها.\nفالصواب: أن النهي للتحريم، وأنه يحرم على النساء اتباع الجنائز، وجاء في الحديث الآخر قول النبي ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ» (^١)، وفي اللفظ الآخر: «لَعَنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» (^٢)، فدل هذا على أن المرأة لا يجوز لها اتباع الجنائز، ولا زيارة القبور، وأما قوله ﷺ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا» (^٣)، فهذه رخصة في حق الرجال.\nقال العلماء: والحكمة من منع المرأة من زيارة القبور: أن المرأة ضعيفة، وقليلة التحمل، فلو سمح لها بزيارة القبور واتباع الجنائز لأفضى ذلك إلى النياحة، وعدم الصبر، فمن رحمة الله تعالى: أنها نُهيت عن اتباع الجنائز، وعن زيارة القبور.\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٣١٧٨)، وأبو يعلى في مسنده (٥٩٠٨).\n(^٢) أخرجه أحمد (٨٤٤٩)، وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (٣٠٥).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٩٧٧).","vol":"3","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>بَابٌ فِي غَسْلِ الْمَيِّتِ</span>\n\n[٩٣٩] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ، فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ- إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ- بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حَقْوَهُ، فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ».\n[خ: ١٢٥٣]\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «مَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ»، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، كُلُّهُمْ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ»، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ قَالَتْ: «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ»، وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ»، بِمِثْلِ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ بِنَحْوِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ- إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ- فَقَالَتْ حَفْصَةُ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ: وَجَعَلْنَا رَأْسَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، وأَخْبَرَنَا أَيُّوبُ قَالَ: وَقَالَتْ حَفْصَةُ: عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «اغْسِلْنَهَا وِتْرًا: ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا قَالَ: وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: مَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ","vol":"3","page":33},{"text":"عَمْرٌو: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «لَمَّا مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اغْسِلْنَهَا وِتْرًا: ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، وَاجْعَلْنَ فِي الْخَامِسَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا غَسَلْتُنَّهَا فَأَعْلِمْنَنِي، قَالَتْ: فَأَعْلَمْنَاهُ، فَأَعْطَانَا حَقْوَهُ، وَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ».\n[خ: ١٢٥٧]\nوَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَغْسِلُ إِحْدَى بَنَاتِهِ، فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا وِتْرًا خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ»، بِنَحْوِ حَدِيثِ أَيُّوبَ، وَعَاصِمٍ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ قَالَتْ: «فَضَفَرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ أَثْلَاثٍ: قَرْنَيْهَا، وَنَاصِيَتَهَا».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ أَمَرَهَا أَنْ تَغْسِلَ ابْنَتَهُ قَالَ لَهَا: ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُنَّ- فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ-: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا».\n[خ: ١٢٥٥]\nفي هذه الأحاديث: استحباب غسل الميت وترًا: ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، على حسب الحاجة إلى الزيادة للإنقاء، والإيتار مأمور به، والثلاث مأمور بها، فإن حصل الإنقاء بالثلاث اكتفى به، وإلا زاد وترًا حتى يحصل الإنقاء.\nوفيها: استحبابُ ضفْرِ شعر الميت، وجعلِهِ ثلاثةَ قرون؛ لقولها: «فَضَفَرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ أَثْلَاثٍ: قَرْنَيْهَا، وَنَاصِيَتَهَا»، وتُجعل خلفها، كما فعلت أم عطية ومن معها بزينب بنت النبي ﷺ، وكذلك الرجل لو كان له شعر كالمرأة يضفر ضفائر.","vol":"3","page":34},{"text":"وفيها: أن بنت النبي ﷺ المتوفاة هي زينب ﵂، كما دلت عليه الأحاديث.\nوفيها: استحباب جعل الكافور في الغسلة الأخيرة؛ لأنه يطيب الميت ويصلب بدنه، ويمنع إسراع الفساد إليه.\nوفيها: استحباب تطييب الميت كله، وهو أفضل، وإذا اكتفى بتطييب المغابن كطيات البدن، والإبطين، وما تحت الركبتين، فلا بأس بذلك.\nوقوله: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ»، أي: إن احتجتن إلى الزيادة، وليس معناه التخيير وتفويض ذلك إلى رأيهِنَّ.\nوالواجب في غسل الميت: مرة واحدة عامة للبدن، ويدل على ذلك: أن النبي ﷺ قال: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (^١)، ولم يذكر عددًا، فدل على أن الواجب مرة، وأما غسله ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا فهذا مستحب، والأفضل: أن يقطع على وتر، فإذا أنقى بغسلتين زاد ثالثة، وإذا أنقى بأربع غسلات زاد خامسة، وإذا أنقى بست غسلات زاد سابعة، والأفضل أن يكون مع الماء سدر، أو ما يقوم مقامه كالصابون؛ لما فيه من زيادة التنظيف.\nوكيفية الغسل: أن المغسل يضع خرقة على يده، أو يلبس قفازين، وينجي الميت أولًا، فيغسل القبل والدبر، ثم يوضئه وضوء الصلاة، ثم يغسل شقه الأيمن، ثم شقه الأيسر، مرة واحدة، وإن غسله ثلاثًا فهو أفضل، وإن كان فيه أوساخ فاحتاج إلى الزيادة غسله خمسًا، وإن احتاج إلى الزيادة غسله سبعًا.\nوغسل الميت وحمله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فرض كفاية، فيجب على المسلمين أن يقوموا بها، فلو فعلها البعض سقط الإثم عن الباقين، ولو تركوها أثموا جميعًا.\nوقولها: «فَأَعْطَانَا حَقْوَهُ»، بفتح الحاء وكسرها لغتان، يعني: إزاره، وأصل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦).","vol":"3","page":35},{"text":"الحقو: معقد الإزار، سمي به الإزار؛ لأنه يشد فيه.\nوقوله: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ»، يعني: اجعلنه شعارًا لها، والشعار: هو الثوب الذي يلي الجسد، وسمي شعارًا؛ لأنه يلي شعر الجسد.\nوالحكمة في إعطائهن هذا الإزار: التبرك بما لامس جسده ﵊، وهذا خاص به ﷺ، فلا يقاس عليه غيره؛ لِما جعل الله في جسده وملابسه جزءًا من البركة.\nوفيها: استحباب الابتداء بالميامن، وأعضاء الوضوء؛ لهذا قال النبي ﷺ- لأم عطية والغاسلات اللاتي يغسلن ابنته-: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا»، يعني: بعد الاستنجاء، يوضَّأ الميت، أو الميتة، ثم يغسل، فيبدأ بالشق الأيمن، ثم الشق الأيسر بعد غسل الرأس.","vol":"3","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-392>بَابٌ فِي كَفَنِ الْمَيِّتِ</span>\n\n[٩٤٠] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى-، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ: «هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ، فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا نَمِرَةٌ، فَكُنَّا إِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رَأْسِهِ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأْسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ الْإِذْخِرَ. وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا».\n[خ: ١٢٨٦]\nوَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح، وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جميعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nفي هذا الحديث: فضل الصحابة رضوان الله عليهم، وتذكرهم لحالهم السابقة.\nوفيه: أنهم كلهم ﵃ على خير، فمنهم من مات، ولم يأكل من أجره شيئًا، ومنهم من بقي ففتح الله على يديه الفتوح.\nوقوله: «نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ، فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ»، أي: ثبت أجرنا على الله؛ لأن الله أخبرنا بذلك، وهذا مثل قوله ﵊ في حديث آخر: «وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ: أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٨٥٦)، ومسلم (٣٢).","vol":"3","page":37},{"text":"وقوله: «فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا»، يعني: مات على الفقر، ولم يدرك الفتوح، ولم تنصبَّ عليهم الدنيا.\nوقوله: «فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا نَمِرَةٌ»، أي: قطعة قماش صغيرة.\nوقوله: «فَكُنَّا إِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رَأْسِهِ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ»، أي: لقصرها.\nوقوله: «ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأْسَهُ»: لأن الرأس أشرف.\nوقوله: «وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ الْإِذْخِرَ»: هو نبت طيب الرائحة، يسد به الخلل في القبور، ويجعل في السقوف بين الخشب، ويوقد به الحدادون النار.\nوقوله: «وَمِنَّا: مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا»، أي: يجتنيها ويقطفها.","vol":"3","page":38},{"text":"[٩٤١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى-، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ، وَلَا عِمَامَةٌ، أَمَّا الْحُلَّةُ فَإِنَّمَا شُبِّهَ عَلَى النَّاسِ فِيهَا أَنَّهَا اشْتُرِيَتْ لَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهَا، فَتُرِكَتِ الْحُلَّةُ، وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، فَأَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: لَأَحْبِسَنَّهَا حَتَّى أُكَفِّنَ فِيهَا نَفْسِي، ثُمَّ قَالَ: لَوْ رَضِيَهَا اللَّهُ ﷿ لِنَبِيِّهِ لَكَفَّنَهُ فِيهَا، فَبَاعَهَا، وَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا».\n[خ: ١٢٦٤]\nوَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أُدْرِجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حُلَّةٍ يَمَنِيَّةٍ، كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ نُزِعَتْ عَنْهُ، وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ سُحُولٍ يَمَانِيَةٍ، لَيْسَ فِيهَا عِمَامَةٌ، وَلَا قَمِيصٌ، فَرَفَعَ عَبْدُ اللَّهِ الْحُلَّةَ، فَقَالَ: أُكَفَّنُ فِيهَا، ثُمَّ قَالَ: لَمْ يُكَفَّنْ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأُكَفَّنُ فِيهَا؟ ! فَتَصَدَّقَ بِهَا».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وابن إدريس، وعبدة، ووكيع ح وَحَدَّثَنَاهُ يحيى بن يحيى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ قِصَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ.\nوَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- فَقُلْتُ لَهَا: فِي كَمْ كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ سَحُولِيَّةٍ».\nقوله: «مِنْ كُرْسُفٍ»، أي: من قطن.\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ كُفن «فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ»، وهذا هو الذي اختاره الله لنبيه ﷺ، أي: ثلاث قطع، بعضها فوق بعض، ثم أُدرج","vol":"3","page":39},{"text":"فيها النبي ﷺ.\nوفيه: الأفضل للرجل أن يكفن في البياض، وإن كفن في ثوب ملون فلا بأس.\nوقوله: «لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ، وَلَا عِمَامَةٌ»: هذا هو الأفضل، أن يكفن الميت في ثلاثة أثواب للذكر، وخمسة أثواب للأنثى؛ درع، وخمار، وثلاثة لفائف، كما سيأتي بيانه.\nوقوله: «فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ سُحُولٍ يَمَانِيَةٍ»، أي: نسبة إلى بلدة سحول في اليمن، نُسبت إليها هذه الثياب، والواجب: ثوب واحد يستر جميع البدن، والدليل على ذلك: أن النبي ﷺ قال- في الرجل الذي وقصته راحلته-: «وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ» (^١)، وهما: الإزار، والرداء، ويجعل رباط يعقد في الأسفل والوسط والأعلى، ثم تحل العقد إذا وُضع الميت في قبره.\nوقوله: «فِي حُلَّةٍ يَمَنِيَّةٍ»: الحلة تكون في إزار ورداء.\nوقوله: «فَرَفَعَ عَبْدُ اللَّهِ الْحُلَّةَ»؛ لأنه كان يريد أن يجعلها كفنًا له.\nوقوله: «ثُمَّ قَالَ: لَمْ يُكَفَّنْ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُكَفَّنُ فِيهَا؟ !»، أي: بعدما تأمل قال: لو كانت مناسبة لرضيها الله لنبيه ﷺ، فلما لم يرضها لنبيه ﷺ تركها وتصدق بها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦).","vol":"3","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>بَابُ تَسْجِيَةِ الْمَيِّتِ</span>\n\n[٩٤٢] وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، قَالَ عَبْدُ: أَخْبَرَنِي، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَائِشَةَ- أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ- قَالَتْ: «سُجِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ مَاتَ بِثَوْبِ حِبَرَةٍ».\n[خ: ٥٨١٤]\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَن الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ سَوَاءً.\nقوله: «سُجِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»، يعني: غطِّي جميع بدنه ﷺ.\nوقوله: «بِثَوْبِ حِبَرَةٍ»: الحبرة: ضرب من البرود اليمنية، وهي: قطعة فيها شيء من الخطوط، وهذه التغطية كانت قبل التكفين، والحكمة من هذا: صيانته ﷺ عن الانكشاف، وستر جسده الشريف عن الأعين.\nففي الحديث: تسجية الميت وتغطية جميع بدنه، كما سّجي النبي ﷺ حين مات.","vol":"3","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-394>بَابٌ فِي تَحْسِينِ كَفَنِ الْمَيِّتِ</span>\n\n[٩٤٣] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ، فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ، وَقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ، حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ».\nفي هذا الحديث: أنه ينبغي لولي الميت أن لا يعجل في تكفينه ودفنه حتى يقوم بما يلزم.\nوفيه: أن النهي عن الدفن ليلًا محمول على ما إذا حصل تقصير في حق الميت، بأن قصروا في تكفينه، أو في الصلاة عليه، أما إذا قضى الولي بما يلزم من التكفين والصلاة عليه فلا حرج في دفنه ليلًا؛ فعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَا عَلِمْنَا بِدَفْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى سَمِعْنَا صَوْتَ الْمَسَاحِي مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٤٣٣٣).","vol":"3","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-395>بَابُ الْإِسْرَاعِ بِالْجَنَازَةِ</span>\n\n[٩٤٤] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ- لَعَلَّهُ قَالَ-: تُقَدِّمُونَهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ تَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ».\n[خ: ١٣١٥]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ قَالَ: «لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا رَفَعَ الْحَدِيثَ».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَرَّبْتُمُوهَا إِلَى الْخَيْرِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ شَرًّا تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ».\nفي هذه الأحاديث: استحباب الإسراع بالجنازة؛ وقد نقل ابن قدامة أن الأمر فيه للاستحباب بلا خلاف بين العلماء (^١)، وشذ ابن حزم فقال بوجوبه (^٢)،\nهذه السرعة يراعى معها الوفاء بحق المتوفى من إحسان غسله وتكفينه، وتمكين الناس من الصلاة عليه.\n_________\n(^١) المغني، لابن قدامة (٢/ ٣٥٢).\n(^٢) المحلى، لابن حزم (٥/ ١٥٤).","vol":"3","page":43},{"text":"وأما مثل المطعون والمفلوج والمسبوت فينبغي أن لا يسرع بدفنهم حتى يتحقق من موتهم، وقيل: حتى يمضي يوم وليلة، قاله سماحة شيخنا: عبد العزيز بن باز ﵀.\nوفي الحديث: بيان الحكمة في الأمر بالإسراع: «فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَرَّبْتُمُوهَا إِلَى الْخَيْرِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ شَرًّا تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ».","vol":"3","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-396>بَابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ وَاتِّبَاعِهَا</span>\n\n[٩٤٥] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ- واللفظ لهارون، وحرملة- قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ، قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْن»، انْتَهَى حَدِيثُ أَبِي الطَّاهِرِ.\nوَزَادَ الْآخَرَانِ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: «وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي عَلَيْهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقَدْ ضَيَّعْنَا قَرَارِيطَ كَثِيرَةً».\n[خ: ١٣٢٤، ١٣٢٥]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى قَوْلِهِ: «الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ»، وَلَمْ يَذْكُرَا مَا بَعْدَهُ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْأَعْلَى: «حَتَّى يُفْرَغَ مِنْهَا»، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: «حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ»، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي رِجَالٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَعْمَرٍ، وَقَالَ: «وَمَنِ اتَّبَعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنِي سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ وَلَمْ يَتْبَعْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ تَبِعَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ، قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ».","vol":"3","page":45},{"text":"حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ يَزِيدَ ابْنِ كَيْسَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنِ اتَّبَعَهَا حَتَّى تُوضَعَ فِي الْقَبْرِ فَقِيرَاطَانِ قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَمَا الْقِيرَاطُ؟ قَالَ: مِثْلُ أُحُدٍ».\nحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ- يَعْنِي: ابْنَ حَازِمٍ-، حَدَّثَنَا نَافِعٌ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ مِنَ الْأَجْرِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَكْثَرَ عَلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَبَعَثَ إِلَى عَائِشَةَ فَسَأَلَهَا، فَصَدَّقَتْ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي حَيْوَةُ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ دَاوُدَ بْنَ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ إِذْ طَلَعَ خَبَّابٌ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ؟ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ، كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنْ أَجْرٍ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُحُدٍ»، فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ خَبَّابًا إِلَى عَائِشَةَ، يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ مَا قَالَتْ، وَأَخَذَ ابْنُ عُمَرَ قَبْضَةً مِنْ حَصْبَاءِ الْمَسْجِدِ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ، حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ، فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَضَرَبَ ابْنُ عُمَرَ بِالْحَصَى الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ.\n\n[٩٤٦] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي قَتَادَةُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ- مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى","vol":"3","page":46},{"text":"عَلَى جَنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ شَهِدَ دَفْنَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ، الْقِيرَاطُ مِثْلُ أُحُدٍ».\nوَحَدَّثَنِي ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، قال: وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانُ كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ، وَهِشَامٍ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْقِيرَاطِ؟ فَقَالَ: مِثْلُ أُحُدٍ».\nفي هذه الأحاديث: أن من صلى على الجنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى توضع فله قيراط آخر، فيكون له قيراطان إذا صلى عليها وتبعها.\nوفيها: تفسير للقيراطين، وأنهما: «مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْن»، وفي اللفظ الآخر: «مِثْلُ أُحُدٍ».\nوجاء في الحديث قبل الأخير: «مَنْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا»، وهذا القيد لم يُذكر في الأحاديث الأخرى، والأقرب- والله أعلم- أنه ليس قيدًا، ولا يشترط أن يخرج معها من بيتها؛ لأن الأحاديث الأخرى خلت من هذا الشرط؛ ولأن هذا فيه مشقة، ولا يستطيعه كل إنسان.\nوفي اتباع الجنائز فوائد ومصالح منها:\n١ - حصول قيراط من الأجر.\n٢ - جبر المصابين وتعزيتهم ولو لم يكن الميت معروفًا له، كما أن في التعزية إحياء لسنة الرسول ﷺ.\n٣ - إنكار ما قد يحصل من البدع في القبر وعند الدفن، كالأذان والإقامة، والتلقين الذي يفعله بعض الناس حيث يقول للميت: يا فلان اذكر ما كنت خرجت به من الدنيا أنك تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهذا لا يصح، وإنما ورد ذلك في حديث ضعيف (^١).\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (٨/ ٢٤٩).","vol":"3","page":47},{"text":"وفي الحديث: فضل ابن عمر ﵄ حيث تأسَّف على ما فاته من الخير، فقال: «لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ».\nوفيه: ما وهبه الله لأبي هريرة ﵁ من قوة الذاكرة التي حفظت لنا سنة الرسول ﷺ.","vol":"3","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-397>بَابُ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مِائَةٌ شُفِّعُوا فِيهِ</span>\n\n[٩٤٧] حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ- رَضِيعِ عَائِشَةَ- عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ تُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً، كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ».\nقَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ شُعَيْبَ بْنَ الْحَبْحَابِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي بِهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.","vol":"3","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-398>بَابُ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ شُفِّعُوا فِيهِ</span>\n\n[٩٤٨] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، والوليد بن شجاع السكوني، قال الْوَلِيدُ: حَدَّثَنِي، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ كُرَيْبٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّهُ مَاتَ ابْنٌ لَهُ بِقُدَيْدٍ- أَوْ بِعُسْفَانَ- فَقَالَ: يَا كُرَيْبُ انْظُرْ مَا اجْتَمَعَ لَهُ مِنَ النَّاسِ قَالَ: فَخَرَجْتُ فَإِذَا نَاسٌ قَدِ اجْتَمَعُوا لَهُ، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: تَقُولُ: هُمْ أَرْبَعُونَ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: أَخْرِجُوهُ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ».\nوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَعْرُوفٍ عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.\nفي هذه الأحاديث: أنه كلما زاد العدد الذي يصلي على الميت فهو خير.\nوفيها: فضيلة للميت، وأنه إذا صلى عليه أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا شفعهم الله فيه.","vol":"3","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-399>بَاب فِيمَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ خَيْرٌ أَوْ شَرٌّ مِنَ الْمَوْتَى</span>\n\n[٩٤٩] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «مُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، قَالَ عُمَرُ: فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي، مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرٌ، فَقُلْتَ: وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌّ، فَقُلْتَ: وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ».\n[خ: ١٣٦٧]\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ-.ح، وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِجَنَازَةٍ»، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَتَمُّ.\nفي هذا الحديث: أن من أظهر الشر، أو البدعة، أو الفسوق، أو الكفر، فإنه لا غيبة له حيًّا، أو ميتًا؛ ولهذا أُثني على هذا خيرا، وأُثني على الآخر شرا، ولم ينكر النبي ﷺ عليهم، وجاء في الحديث: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ» (^١)، فيكون هذا مستثنى من نصوص النهي عن الغيبة، ومستثنى من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٦٩).","vol":"3","page":51},{"text":"حديث: «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا» (^١).\nواستدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن من شهد له اثنان عدلان بخير وجبت له الجنة، أو شهد له عدلان بِشَرٍّ وجبت له النار، وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ (^٢)، وكان أبو ثور يشهد للإمام أحمد بالجنة أخذًا بهذا الحديث (^٣).\nوذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يُبَشَّر بالجنة إلا من شهدت له النصوص، كالعشرة المبشرين بالجنة، والحسن، والحسين، وثابت بن قيس ﵃.\nوأجابوا عن هذا الحديث: بأن النبي ﷺ أطلعه الله على حال هذين الشخصين بالوحي، فيكون هذا خاصًّا بهاتين الجنازتين.\nوذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يبشر بالجنة إلا الأنبياء فقط.\nوالصواب: مذهب الجمهور؛ لأنه لو أُخذ بعموم الحديث لما كان هناك ميزة لمن بشره النبي ﷺ بالجنة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٩٣).\n(^٢) مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، للكوسج (٩/ ٤٩٠٤).\n(^٣) مناقب أحمد بن حنبل، لابن الجوزي (ص ١٦٦).","vol":"3","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-400>بَابُ مَا جَاءَ فِي مُسْتَرِيحٍ وَمُسْتَرَاحٍ مِنْهُ</span>\n\n[٩٥٠] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ- فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ، فَقَالَ: مُسْتَرِيحٌ، وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْمُسْتَرِيحُ، وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ، وَالْبِلَادُ، وَالشَّجَرُ، وَالدَّوَابُّ».\n[خ: ٦٥١٢]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ ابْنٍ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَفِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: «يَسْتَرِيحُ مِنْ أَذَى الدُّنْيَا وَنَصَبِهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ».\nفي هذا الحديث: أن الميت إما مستريح، أو مستراح منه؛ لهذا قال النبي ﷺ- لما مر بجنازة-: «مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ»، فسئل عن ذلك، فقال: «الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا»، وأذاها، وعنائها، وأكدارها، «وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ، وَالْبِلَادُ، وَالشَّجَرُ، وَالدَّوَابُّ»، أي: يستريح العباد من ظلمه، وارتكابه للمنكرات، وضرره، وتستريح منه الدواب؛ لأنه كان يؤذيها ويضربها ويحملها ما لا تطيق، وقد يُمْنَع القطرُ بسببه، فإذا مات استراحت منه البلاد، والعباد، والشجر، والدواب- نسأل الله السلامة والعافية.","vol":"3","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-401>بَاب فِي التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَازَةِ</span>\n\n[٩٥١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ».\n[خ: ١٢٤٥، ١٣٢٧]\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهما حدثاه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: «نَعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّجَاشِيَ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ».\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَفَّ بِهِمْ بِالْمُصَلَّى، فَصَلَّى فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ».\nوَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ-، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَرِوَايَةِ عُقَيْلٍ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا.\n\n[٩٥٢] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا».\n[خ: ١٣٣٤]\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ صلى على النجاشي.\nوفيه: مشروعية الصلاة على الغائب إذا كان له شأن وقدم في الإسلام، من إمام عادل، أو أمير، أو عالم، أو داعية، وهذا هو الصواب.","vol":"3","page":54},{"text":"وذهب الشافعية، والحنابلة، وجماعة: إلى مشروعية الصلاة على الغائب مطلقًا (^١).\nوذهب بعض العلماء إلى أن الصلاة على الغائب خاصة بالنجاشي ﵁، وقالوا: إن النجاشي لم يصلِّ عليه أحد؛ لأنه أسلم في بلاد النصارى؛ فلهذا صلى عليه النبي ﷺ (^٢).\nوقالوا: إنه مات في زمن النبي ﷺ جمع غفير من الناس في مكة وغيرها، ولم يُصلِّ عليهم النبي ﷺ.\nوقالوا- أيضًا-: إنه كُشف له عن النجاشي، فكان يشاهده أمامه؛ فلهذا منعوا الصلاة على الغائب.\nوفيه: معجزة من معجزاته، ودليل من دلائل النبوة، حيث إنه أخبر بموت النجاشي في اليوم الذي مات فيه مع بُعد المسافة.\nوقوله: «فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ»، أي: صلى بهم في مكان الجنائز، وإن صُلِّي على الميت في المسجد فلا حرج، كما صلى النبي ﷺ على سهيل ابن البيضاء في المسجد (^٣).\nوالقول بأنه لم يصلِّ عليه أحد، وأنه لم يُسلِمْ أحد من قومه بعيد جدًّا؛ لأن الملوك لهم أتباع، فلا يمكن أن يكون ملك، أو رئيس دولة، ولا يتبعه أحد من الخدم وغيرهم، وإنما صلى عليه النبي ﷺ؛ لأن له قدمًا وشأنًا في الإسلام، ولأنه آوى الصحابة ﵃ مرتين، لما هاجروا الهجرة الأولى والثانية.\nوفيه: جواز الإخبار بموت الميت حتى يصلى عليه، وأن هذا ليس من\n_________\n(^١) المجموع، للنووي (٥/ ٢٥٠)، الإقناع، للحجاوي (١/ ٢٢٧)، الإنصاف، للمرداوي (٢/ ٥٣٣).\n(^٢) شرح مختصر خليل، للخرشي (٢/ ١٤٢ - ١٤٣)، البحر الرائق، لابن نجيم (٢/ ١٩٣)، المبسوط، للسرخسي (٢/ ٦٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٩٧٣).","vol":"3","page":55},{"text":"المنهي عنه؛ ولهذا نعى النبي ﷺ النجاشي في اليوم الذي مات فيه.\nوالنعي نعيان: نعي جائز، ونعي محرم.\n- فالنعي الجائز: هو الإخبار بموت الميت؛ كأن يخبر الجيران والأقارب ومن حوله فيصلون عليه.\n- والنعي المنهي عنه: هو ما يفعله أهل الجاهلية من الطواف في القبائل، يقولون: مات فلان، مات فلان، مات فلان.\nوأما الإعلان في الصحف: فإذا كان المراد به: مجرد الإخبار حتى يعلم الناس ويصلى عليه فأرجو ألا يكون فيه حرج.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَاتَ الْيَوْمَ عَبْدٌ لِلَّهِ صَالِحٌ أَصْحَمَةُ، فَقَامَ فَأَمَّنَا، وَصَلَّى عَلَيْهِ».\n[خ: ١٣٢٠]\nقوله: «أَصْحَمَةُ»: هو اسم النجاشي، وهو مؤمن وليس صحابيًّا؛ لأنه لم ير النبيَّ ﷺ، فلا يدخل في حكم الصحابي، ولكن حكمه حكم المخضرم.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَخًا لَكُمْ قَدْ مَاتَ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ. قَالَ: فَقُمْنَا فَصَفَّنَا صَفَّيْنِ».\nقوله: «فَصَفَّنَا صَفَّيْنِ»: كان مالك بن هبيرة ﵁ إذا تقالَّ الناس الذين يصلون على الميت، جزأهم، فجعلهم صفَّين، أو ثلاثة صفوف؛ أخذًا من","vol":"3","page":56},{"text":"هذا الحديث (^١).\nوأما حديث أبي داود: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَوْجَبَ» (^٢)، فهو حديث في سنده مقال.\n\n[٩٥٣] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إِنَّ أَخًا لَكُمْ قَدْ مَاتَ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ- يَعْنِي: النَّجَاشِيَ»، وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: «إِنَّ أَخَاكُمْ».\nقال النووي ﵀: «قوله في حديث النجاشي: «وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ»، وكذا في حديث ابن عباس ﵄، أنه كبر أربعًا، وفي حديث زيد بن أرقم ﵁ بعد هذا أنه كبر خمسًا، قال القاضي: اختلفت الآثار في ذلك، فجاء في رواية ابن أبي خيثمة ﵁ أن النبي ﷺ كان يكبر أربعًا، وخمسًا، وستًّا، وسبعًا، وثمانيًا، حتى مات النجاشي، فكبر عليه أربعًا، وثبت على ذلك حتى توفي ﷺ.\nقال: واختلف الصحابة في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع، وروي عن علي ﵁ أنه كان يكبر على أهل بدر ستًّا، وعلى سائر الصحابة خمسًا، وعلى غيرهم أربعًا، قال ابن عبد البر: (وانعقد الإجماع بعد ذلك على أربع، وأجمع الفقهاء وأهل الفتوى بالأمصار على أربع، على ما جاء في الأحاديث الصحاح، وما سوى ذلك عندهم شذوذ لا يُلتفت إليه، قال: ولا نعلم أحدًا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣١٦٦)، والترمذي (١٠٢٨)، وابن ماجه (١٤٩٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣١٦٦)، قال الهيثمي في المجمع (٣/ ٤٣٢): وفيه ابن لهيعة وفيه كلام، وفيه: عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلس.","vol":"3","page":57},{"text":"من فقهاء الأمصار يخمِّس إلا ابن أبي ليلى)، ولم يذكر في روايات مسلم السلام، وقد ذكره الدارقطني في سننه وأجمع عليه العلماء» (^١).\nوأقول: لقد تساهل ابن عبد البر ﵀ في نقل الإجماع، والمسألة ثابت فيها الخلاف؛ لأن قول الجمهور: أنه استقرت الشريعة على أربع تكبيرات، وما ورد في التكبير خمسًا، أو ستًّا فهذا كان أولًا.\nوبعض العلماء يرى أنه لا حرج في الزيادة إلى خمس تكبيرات، أو ست.\nقال النووي ﵀: «ثم قال- أي: ابن عبد البر-: جمهورهم يسلم تسليمة واحدة، وقال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وجماعة من السلف: تسليمتان، واختلفوا: هل يجهر الإمام بالتسليم أم يسر؟ وأبو حنيفة، والشافعي يقولان: يجهر، وعن مالك روايتان، واختلفوا في رفع الأيدي في هذه التكبيرات، ومذهب الشافعي: الرفع في جميعها، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، وسالم بن عبد الله، وقيس بن أبي حازم، والزهري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، واختاره ابن المنذر، وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحاب الرأي: لا يرفع إلا في التكبيرة الأولى، وعن مالك ثلاث روايات: الرفع في الجميع، وفي الأولى فقط، وعدمه في كلها» (^٢).\nوقد ورد عن الصحابة أنه يرفعون أيديهم في التكبيرات الأربع، وهذا هو الصواب عن عمر ﵁ وغيره (^٣).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٧/ ٢٣).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٧/ ٢٤).\n(^٣) قرة العينين، للبخاري (ص ٢٤ - ٢٥).","vol":"3","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-402>بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ</span>\n\n[٩٥٤] حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا».\nقَالَ الشَّيْبَانِيُّ: فَقُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ: مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: الثِّقَةُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ حَسَنٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ قَالَ: «انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى قَبْرٍ رَطْبٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَصَفُّوا خَلْفَهُ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا، قُلْتُ لِعَامِرٍ: مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ: الثِّقَةُ مَنْ شَهِدَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ».\n[خ: ٨٥٧]\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح، وَحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا»، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، جَمِيعًا عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الضُّرَيْسِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ أَبِي حَصِينٍ، كِلَاهُمَا عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صَلَاتِهِ عَلَى الْقَبْرِ نَحْوَ حَدِيثِ الشَّيْبَانِيِّ، لَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ: «وَكَبَّرَ أَرْبَعًا».\n\n[٩٥٥] وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ».","vol":"3","page":59},{"text":"[٩٥٦] وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ- واللفظ لأبي كامل- قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ- أَوْ شَابًّا-، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَ عَنْهَا- أَوْ عَنْهُ-، فَقَالُوا: مَاتَ قَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟ قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا- أَوْ أَمْرَهُ-، فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ، فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ».\n[خ: ١٣٣٧]\n\n[٩٥٧] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: «كَانَ زَيْدٌ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُهَا».\nفي هذه الأحاديث: مشروعية الصلاة على القبر بعدما يدفن الميت، وأنه لا حرج في ذلك، وقد قيل: من فاتته صلاة الجنازة صلى على القبر إلى شهر من دفنه، وقيل: ما لم يبل جسده، وقيل: يجوز أبدًا، والأقرب أنه إلى شهر من دفنه؛ لأن هذا هو أكثر ما ورد عن النبي ﷺ، والصلاة على الميت إلى شهر هو المروي عن الإمام أحمد (^١).\nوفيها: تواضع النبي ﷺ.\nوفيها: أن قَمَّ المسجد من الفضائل.\n_________\n(^١) الإنصاف، للمرداوي (٢/ ٥٣١).","vol":"3","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-403>بَابُ الْقِيَامِ لِلْجَنَازَةِ</span>\n\n[٩٥٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ، أَوْ تُوضَعَ».\n[خ: ١٣٠٧]\nهذا الأمر للاستحباب لا الوجوب، وصرَفه عن الوجوب حديث علي - ﵁ -: أن النبي ﷺ أمر بالقيام، ثم قعد (^١).\nوالقاعدة: أن النبي ﷺ إذا أمر بشيء ثم تركه انصرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب.\nقوله: «حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ، أَوْ تُوضَعَ» أي: حتى تتجاوزكم، أو توضع على الأرض أو في المقبرة.\nوفي تعليل القيام حينما تمر الجنازة حكم متعددة جاءت بها روايات:\n\nالرواية الأولى: «إنما قمنا للملائكة» (^٢).\nالرواية الثانية: «إن الموت فزع» (^٣).\nالرواية الثالثة: «أليست نفسًا» (^٤).\nالرواية الرابعة: «إنما تقومون إعظامًا للذي يقبض النفوس» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٦٢).\n(^٢) أخرجه النسائي (١٩٢٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (٩٦٠)\n(^٤) أخرجه البخاري (١٣١٣)، ومسلم (٩٦١).\n(^٥) أخرجه أحمد (٦٥٧٣)، وابن حبان (٣٠٥٣).","vol":"3","page":61},{"text":"والقيام مستحب حتى ولو كانت جنازة غير مسلم.\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح، وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ يُونُسَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الْجَنَازَةَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا، فَلْيَقُمْ حَتَّى تُخَلِّفَهُ، أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخَلِّفَهُ».\n[خ: ١٣٠٨]\nفي هذا الحديث: بيان متى يقعد من قام للجنازة وذلك إذا جاوزته، أو وضعت على الأرض.\nوجاء عن النبي ﷺ أنه لم يقم للجنازة (^١).\nوالجمع بين هذا الحديث والأحاديث التي فيها الأمر بالقيام: أن الأمر بالقيام للاستحباب وليس للوجوب؛ لفعل النبي ﷺ، فدل على أن القعود جائز، والقيام أفضل.\nويرى بعض العلماء أن القيام منسوخ بأحاديث القعود، وهذا ليس بجيد؛ لأن القاعدة عند أهل العلم من أهل الأصول وغيرهم: أنه إذا أمكن الجمع بين الدليلين فلا يعدل إلى النسخ، فالجمع مقدم؛ لأن فيه عملًا بكلا الدليلين، أما النسخ ففيه إلغاء لأحدهما، وإعمال الأدلة أولى من إلغاء بعضها، فإذا لم يمكن الجمع فإنه يُلجَأ إلى النسخ عند معرفة المتقدم من المتأخر.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧٢٨).","vol":"3","page":62},{"text":"وَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. ح، وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، جَمِيعًا عَنْ أَيُّوبَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الْجَنَازَةَ فَلْيَقُمْ- حِينَ يَرَاهَا- حَتَّى تُخَلِّفَهُ، إِذَا كَانَ غَيْرَ مُتَّبِعِهَا».\n\n[٩٥٩] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا اتَّبَعْتُمْ جَنَازَةً فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ».\n[خ: ١٣١٠]\nوَحَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى تُوضَعَ».\nفي هذه الأحاديث بيان الحكم فيمن تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع، ففيه النهي عن القعود، وذلك على سبيل التنزيه، وأن القيام مستحب، وقد قال بهذا الأوزاعي وأحمد وإسحاق وجماعة (^١).\nقوله: \"إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ، فَقُومُوا لَهَا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ، أَوْ تُوضَعَ\"، يعني: حتى تتوارى عنه، أو توضع على الأرض.\n_________\n(^١) المغني، لابن قدامة (٢/ ٣٥٨).","vol":"3","page":63},{"text":"[٩٦٠] وَحَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «مَرَّتْ جَنَازَةٌ، فَقَامَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا يَهُودِيَّةٌ، فَقَالَ: إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا».\n[خ: ١٣١١]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: «قَامَ النَّبِيُّ ﷺ لِجَنَازَةٍ مَرَّتْ بِهِ حَتَّى تَوَارَتْ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ- أَيْضًا- أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: «قَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ حَتَّى تَوَارَتْ».\n\n[٩٦١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: «أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ، وَسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ كَانَا بِالْقَادِسِيَّةِ، فَمَرَّتْ بِهِمَا جَنَازَةٌ فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَقَالَا: إِنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ، فَقَامَ، فَقِيلَ: إِنَّهُ يَهُودِيٌّ، فَقَالَ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟ !».\n[خ: ١٣١٢]\nوَحَدَّثَنِيهِ الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِيهِ فَقَالَا: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَرَّتْ عَلَيْنَا جَنَازَةٌ».\nفي هذا الحديث: تعظيم النبي ﷺ شأن الموت، واستشعاره هيبته، سواء كانت جنازة مسلم، أو كافر.","vol":"3","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-404>بَابُ نَسْخِ الْقِيَامِ لِلْجَنَازَةِ</span>\n\n[٩٦٢] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ- وَاللَّفْظُ لَهُ-، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ وَاقِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَنَّهُ قَالَ: «رَأَىنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ وَنَحْنُ فِي جَنَازَةٍ قَائِمًا، وَقَدْ جَلَسَ يَنْتَظِرُ أَنْ تُوضَعَ الْجَنَازَةُ، فَقَالَ لِي: مَا يُقِيمُكَ؟ فَقُلْتُ: أَنْتَظِرُ أَنْ تُوضَعَ الْجَنَازَةُ؛ لِمَا يُحَدِّثُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، فَقَالَ نَافِعٌ: فَإِنَّ مَسْعُودَ بْنَ الْحَكَمِ حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَعَدَ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جميعًا عَنْ الثَّقَفِيِّ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي وَاقِدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ مَسْعُودَ بْنَ الْحَكَمِ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ- فِي شَأْنِ الْجَنَائِزِ-: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ ثُمَّ قَعَدَ، وَإِنَّمَا حَدَّثَ بِذَلِكَ لِأَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ رَأَى وَاقِدَ بْنَ عَمْرٍو، وَقَامَ حَتَّى وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ»، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ مَسْعُودَ بْنَ الْحَكَمِ يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فَقُمْنَا، وَقَعَدَ فَقَعَدْنَا- يَعْنِي: فِي الْجَنَازَةِ»، وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nفي هذه الأحاديث: بيان قيامه وتعوده للجنازة إذا مرت بالإنسان.","vol":"3","page":65},{"text":"واختلف العلماء في هذا الأمر، هل هو للوجوب، أو للاستحباب؟\nوالصواب: أنه للاستحباب.\nوقال بعض أهل العلم: إن الأمر منسوخ؛ لأن النبي ﷺ رأى الجنازة وقعد (^١).\nولكن النسخ لا يصار إليه إلا عند عدم إمكان الجمع، والجمع ممكن؛ بأن يُحمَل الأمر بالقيام على الاستحباب، والجلوس على الجواز.\nوفيها: بيان الحكمة من القيام بالجنازة، وهو قول النبي ﷺ: «إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ»، وقال في لفظ آخر: «إِنَّمَا قُمْنَا لِلْمَلَائِكَةِ» (^٢).\nوالقاعدة: أن النبي ﷺ إذا أمر بشيء ثم لم يفعله، فإن الأمر يدل على الاستحباب، وعدم فعله يدل على الجواز، وكذلك إذا نهى عن شيء ثم فعله فإنه يدل على أنه نهي تنزيه.\nمثال ذلك: نهي الرسول ﷺ عن الشرب قائمًا، ثم شرب قائمًا في حجة الوداع لما جاء ماء زمزم وهم يسقون، فناولوه دلوًا، فشرب قائمًا (^٣)، فدل على أن الشرب قائمًا جائز، فيكون النهي للتنزيه، والفعل يدل على الجواز.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣١٢٦).\n(^٢) أخرجه النسائي (١٩٢٩)، والطبراني في الأوسط (٨١١٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٦٣٧)، ومسلم (٣٧٨٤).","vol":"3","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-405>بَابُ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ فِي الصَّلَاةِ</span>\n\n[٩٦٣] وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ سَمِعَهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا، كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، أَوْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ. قَالَ: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتَ».\nقَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ هَذَا الْحَدِيثِ- أَيْضًا.\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ.\nوَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الْحِمْصِيِّ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ- واللفظ لأبي الطاهر-، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ- وَصَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ- يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَاعْفُ عَنْهُ وَعَافِهِ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِمَاءٍ وَثَلْجٍ وَبَرَدٍ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا، كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا","vol":"3","page":67},{"text":"خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، أَوْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ. قَالَ: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتَ».\nفي هذه الأحاديث: أنه يستحب للمسلم أن يدعو بهذا الدعاء النبوي، فيقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا، كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ- أَوْ: مِنْ عَذَابِ النَّارِ».\nويقول: «وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ» إذا كان رجلًا.\nوإن لم يحفظ هذا الدعاء دعا للميت بالمغفرة والرحمة بما تيسر، لكن الأفضل أن يدعو بهذا الدعاء المأثور.","vol":"3","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-406>بَاب أَيْنَ يَقُومُ الْإِمَامُ مِنَ الْمَيِّتِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ</span>؟\n\n[٩٦٤] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، وَصَلَّى عَلَى أُمِّ كَعْبٍ، مَاتَتْ وَهِيَ نُفَسَاءُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا وَسَطَهَا».\n[خ: ١٣٣١]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. ح، وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، كُلُّهُمْ عَنْ حُسَيْنٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا: «أُمَّ كَعْبٍ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ حُسَيْنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ: «لَقَدْ كُنْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُلَامًا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ عَنْهُ، فَمَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا أَنَّ هَهُنَا رِجَالًا هُمْ أَسَنُّ مِنِّي، وَقَدْ صَلَّيْتُ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ وَسَطَهَا».\nوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ قَالَ: «فَقَامَ عَلَيْهَا لِلصَّلَاةِ وَسَطَهَا».\nقوله: «وَسَطَهَا»: بإسكان السين: الشيء الذي يتفرق ويجتمع، وبالفتح: الذي لا يتفرق، فمن الأول: فلان وسْط الحلقة، ومن الثاني: الأُمَّة وسَط، يعني: عدل، والمراد بقوله في الحديث: وَسَطَهَا، أي: مقابل نصف المرأة.\nوفيه: استحباب صلاة الإمام على المرأة محاذيًا وسطها، أي: محاذيًا","vol":"3","page":69},{"text":"عجيزتها، أما الرجل فإنه يكون عند رأسه، كما جاء عند أحمد (^١)، وهذا من باب الاستحباب، فإن صلى على الميت وقام عند أي جزء من أجزائه صحت صلاته.\nوفيه: أنه لا حرج في الصلاة على النفساء، ولو كانت الصلاة في المسجد.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٣١١٤).","vol":"3","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-407>بَابُ رُكُوبِ الْمُصَلِّي عَلَى الْجَنَازَةِ إِذَا انْصَرَفَ</span>\n\n[٩٦٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِفَرَسٍ مُعْرَوْرًى، فَرَكِبَهُ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ جَنَازَةِ ابْنِ الدَّحْدَاحِ، وَنَحْنُ نَمْشِي حَوْلَهُ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ابْنِ الدَّحْدَاحِ، ثُمَّ أُتِيَ بِفَرَسٍ عُرْيٍ، فَعَقَلَهُ رَجُلٌ فَرَكِبَهُ، فَجَعَلَ يَتَوَقَّصُ بِهِ، وَنَحْنُ نَتَّبِعُهُ نَسْعَى خَلْفَهُ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُعَلَّقٍ، أَوْ مُدَلًّى فِي الْجَنَّةِ لِابْنِ الدَّحْدَاحِ. أَوَ قَالَ شُعْبَةُ: لِأَبِي الدَّحْدَاحِ».\nقوله: «كَمْ مِنْ عِذْقٍ»: العذق بكسر العين: العرجون من النخلة، وهو المراد هنا، وأما العَذق بفتح العين فهو: النخلة.\nوهذا الحديث له قصة، فعَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِفُلَانٍ نَخْلَةً، وَأَنَا أُقِيمُ حَائِطِي بِهَا، فَأْمُرْهُ أَنْ يُعْطِيَنِي حَتَّى أُقِيمَ حَائِطِي بِهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَعْطِهَا إِيَّاهُ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ فَأَبَى، فَأَتَاهُ أَبُو الدَّحْدَاحِ فَقَالَ: بِعْنِي نَخْلَتَكَ بِحَائِطِي فَفَعَلَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدِ ابْتَعْتُ النَّخْلَةَ بِحَائِطِي، قَالَ: فَاجْعَلْهَا لَهُ، فَقَدْ أَعْطَيْتُكَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: كَمْ مِنْ عَذْقٍ رَدَاحٍ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الْجَنَّةِ، قَالَهَا مِرَارًا» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٢٤٨٢).","vol":"3","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-408>بَاب فِي اللَّحْدِ، وَنَصْبِ اللَّبِن عَلَى الْمَيِّتِ</span>\n\n[٩٦٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمِسْوَرِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: «أن سعد بن أبي وقاص قَالَ- فِي مَرَضِهِ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ-: الْحَدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ».\nفي هذا الحديث: أن اللحد أطول من الشق، والقبر إما لحد، وإما شق، واللحد هو: أن يحفر القبر، ثم يحفر من جهة القبلة لحدًا، ثم يُنصب عليه اللبن نصبًا، ويُسدُّ الخلل الذي بين اللبنات.\nوقوله: «الْحَدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ»: جاء في الحديث الآخر عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلانِ يَحْفِرَانِ الْقُبُورَ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ يَحْفِرُ لأَهْلِ مَكَّةَ، وَأَبُو طَلْحَةَ يَحْفِرُ لِلأنْصَارِ وَيَلْحَدُ لَهُمْ، قَالَ: فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، بَعَثَ الْعَبَّاسُ رَجُلَيْنِ إِلَيْهِمَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ خِرْ لِنَبِيِّكَ. فَوَجَدُوا أَبَا طَلْحَةَ، وَلَمْ يَجِدُوا أَبَا عُبَيْدَةَ، فَحَفَرَ لَهُ وَلَحَدَ» (^١).\nواللحد أفضل من الشق، وجاء في الحديث: «اللَّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٦٦١).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٢٢٨)، والترمذي (١٠٤٢)، والنسائي (٢٠٠٩)، وابن ماجه (١٥٥٩).","vol":"3","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-409>بَابُ جَعْلِ الْقَطِيفَةِ فِي الْقَبْرِ</span>\n\n[٩٦٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، وَوَكِيعٌ، جميعًا عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «جُعِلَ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ».\nقَالَ مُسْلِم: أَبُو جَمْرَةَ اسْمُهُ نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ، وَأَبُو التَّيَّاحِ وَاسْمَهْ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ مَاتَا بِسَرَخْسَ.\nوروي أن هذه القطيفة ألقاها شقران- مولى رسول الله ﷺ- وقال: كرهت أن يلبسها أحد بعد رسول الله ﷺ (^١)، وهذا اجتهاد منه ﵁.\nوجمهور العلماء على كراهة وضع القطيفة ونحوها تحت الميت، وأجابوا عن هذا الحديث بأن شقران ﵁ انفرد بفعل ذلك، ولم يوافقه أحد من الصحابة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٦٢٨)، والطبراني في الكبير (١١٥١٥).","vol":"3","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>بَابُ الْأَمْرِ بِتَسْوِيَةِ الْقَبْرِ</span>\n\n[٩٦٨] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ. ح، وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الطَّاهِرِ: أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْهَمْدَانِيّ حَدَّثَهُ، وَفِي رِوَايَةِ هَارُونَ: أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ شُفَيٍّ حَدَّثَهُ قَالَ: «كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ بِأَرْضِ الرُّومِ بِرُودِسَ، فَتُوُفِّيَ صَاحِبٌ لَنَا، فَأَمَرَ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ بِقَبْرِهِ فَسُوِّيَ، ثُمّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا».\n\n[٩٦٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ قَالَ: «قَالَ لِي عَلِيُّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ».\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي حَبِيبٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «وَلَا صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا».\nقوله: «مُشْرِفًا»، أي: مرتفعًا.\nفي هذا الحديث: الأمر بتسوية القبور، وأنه لا يجوز رفعها أكثر من شبر، والأمر للوجوب؛ لهذا قال علي ﵁: «أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ».\nوفيه: أن رفع القبور وسيلة لتعظيمها، وتعظيمها من وسائل الشرك، وأعظم من ذلك: وضع القباب عليها، والبناء عليها، وكذلك الصلاة عندها، والدعاء عندها، وتسقيف القبر، والكتابة عليها، فكل هذا محرم؛","vol":"3","page":74},{"text":"لأنه من وسائل الشرك.\nوفيه: أن النبي ﷺ بعث عليًّا بأن لا يدع تمثالًا إلا طمسه، فإذا كان التمثال يطمس، فكيف يقال: إن الأصنام تبقى ولا تكسر! هذا من المصائب ومن البلاء.\nوقوله: «وَلَا صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا»: القاعدة عند أهل العلم: أن النكرة في سياق النفي، أو النهي، أو الشرط تعم، فهنا تعم كل صورة، مجسمة أو غير مجسمة، قائمة أو غير قائمة، لها ظل أو ليس لها ظل، صُنعت باليد أو عن طريق الكاميرا.","vol":"3","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-411>بَابُ النَّهْيِ عَنْ تَجْصِيصِ الْقَبْرِ وَالْبِنَاءِ عَلَيْهِ</span>\n\n[٩٧٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ».\nوَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ» بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «نُهِيَ عَنْ تَقْصِيصِ الْقُبُورِ».\nقوله: «نُهِيَ عَنْ تَقْصِيصِ الْقُبُورِ»: تقصيص بمعنى: تجصيص، وهو تبييض القبر بالجص؛ لأن في هذا تبجيلًا له، ودعوة إلى تعظيمه، وكذلك وضع الزهور والرياحين عليه، كل هذا من وسائل الشرك، فلا يطيَّب، ولا يوضع عليه الزهور، ولا الرياحين، ولا يجعل له إنارة خاصة.","vol":"3","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-412>بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ</span>\n\n[٩٧١] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ، فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ».\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ-.ح، وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\n\n[٩٧٢] وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ جَابِرٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ وَاثِلَةَ عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا».\nوَحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا».\nفي هذا الحديث: الترهيب من الجلوس على القبر؛ لما فيه من الامتهان للميت وإيذائه وعدم احترامه، وأشد من ذلك البول عليه.\nوفيه: النهي عن الصلاة إلى القبور، والنهي للتحريم، وهذا إذا لم يكن بين القبر والمصلي حاجز، أما إذا كان هناك حاجز فلا بأس، والأفضل أن يكون الحاجز غير جدار المقبرة.","vol":"3","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-413>بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ</span>\n\n[٩٧٣] وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ- وَاللَّفْظُ لِإسحاق- قَالَ عَلِيٌّ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ حَمْزَةَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: «أَنَّ عَائِشَةَ أَمَرَتْ أَنْ يَمُرَّ بِجَنَازَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَتُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ النَّاسُ! مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ الْبَيْضَاءِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّهَا لَمَّا تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَمُرُّوا بِجَنَازَتِهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَيُصَلِّينَ عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا فَوُقِفَ بِهِ عَلَى حُجَرِهِنَّ يُصَلِّينَ عَلَيْهِ، أُخْرِجَ بِهِ مِنْ بَابِ الْجَنَائِزِ الَّذِي كَانَ إِلَى الْمَقَاعِدِ، فَبَلَغَهُنَّ أَنَّ النَّاسَ عَابُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: مَا كَانَتِ الْجَنَائِزُ يُدْخَلُ بِهَا الْمَسْجِدَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: مَا أَسْرَعَ النَّاسَ إِلَى أَنْ يَعِيبُوا مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ، عَابُوا عَلَيْنَا أَنْ يُمَرَّ بِجَنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ إِلَّا فِي جَوْفِ الْمَسْجِدِ».\nوَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: ابْنَ عُثْمَانَ- عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: «أَنَّ عَائِشَةَ لَمَّا تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَتْ: ادْخُلُوا بِهِ الْمَسْجِدَ حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَأُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ: سُهَيْلٍ وَأَخِيهِ».\nقَالَ مُسْلِم: سُهَيْلُ بْنُ دَعْدٍ- وَهُوَ ابْنُ الْبَيْضَاءِ- أُمُّهُ بَيْضَاءُ.","vol":"3","page":78},{"text":"في هذه الأحاديث: أنه لا بأس بالصلاة على الميت في المسجد، وأنه إن جعل للجنائز مصلى غير المسجد كمصلى الأعياد فلا بأس.\nوفيها: أنه إذا كان في الصدر الأول يعيب الناس على عائشة بسبب الجهل وعدم العلم، فكيف بالعصور المتأخرة؟ !\nوهذا يدل على أن الجهل كثير في العصور المتأخرة، وأن الناس بحاجة إلى العلم، وأنه لا يفخر الإنسان بكثرة المدارس والجامعات والكليات، فكم من إنسان يقرأ ويكتب وهو جاهل! وكم من دكتور جاهل بأحكام دينه لا يفهم شيئًا! فالناس بحاجة إلى العلم في العصور المتأخرة أكثر منهم في العصور المتقدمة.","vol":"3","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-414>بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ دُخُولِ الْقُبُورِ، وَالدُّعَاءِ لِأَهْلِهَا</span>\n\n[٩٧٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ ابْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شَرِيكٍ- وَهُوَ ابْنُ أَبِي نَمِرٍ- عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ، غَدًا مُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ».\nوَلَمْ يُقِمْ قُتَيْبَةُ قَوْلَهُ: «وَأَتَاكُمْ».\nفي هذا الحديث: مشروعية السلام على أهل القبور، والدعاء لهم إذا مر بالمقبرة، ويسمي المقبرة التي يقف عليها.\nوورد دعاء آخر، وهو قوله ﷺ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- بِكُمْ لَاحِقُونَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٢).","vol":"3","page":80},{"text":"وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسٍ يَقُولُ: «سَمِعْتُ عَائِشَةَ تُحَدِّثُ، فَقَالَتْ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنِّي؟ قُلْنَا: بَلَى» ح، وَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الْأَعْوَرَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قَالَ- يَوْمًا-: «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ أُمِّي؟ قَالَ: فَظَنَنَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أُمَّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي، وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قُلْنَا: بَلَى قَالَ: قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا عِنْدِي انْقَلَبَ، فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ، فَسَبَقْتُهُ، فَدَخَلْتُ فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ\nفَدَخَلَ، فَقَالَ: مَا لَكِ يَا عَائِشُ حَشْيَا رَابِيَةً؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لَا شَيْءَ قَالَ: لَتُخْبِرِينِي، أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَأَخْبَرْتُهُ قَالَ: فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي، قُلْتُ: نَعَمْ، فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي لَهْدَةً أَوْجَعَتْنِي، ثُمَّ قَالَ: أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ نَعَمْ قَالَ: فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ فَنَادَانِي، فَأَخْفَاهُ مِنْكِ فَأَجَبْتُهُ، فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ، وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، وَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ،","vol":"3","page":81},{"text":"فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ قَالَتْ: قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا، وَإِنَّا- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- بِكُمْ لَلَاحِقُونَ».\n\n[٩٧٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ، فَكَانَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ- فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ-: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ»، وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- لَلَاحِقُونَ، أَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ».\nفي هذا الحديث: أن هذه القصة التي حصلت مع عائشة ﵂ ومع النبي ﷺ كان الحامل عليها الغيرة، فإنه خرج النبي ﷺ من عندها، فظنت أنه يريد أن يخرج مع بعض نسائه، والنساء جُبلن على الغيرة، والذي حدث أن النبي ﷺ أتاه جبريل بالوحي من عند الله ﷿، وقال له: «إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ»، والنبي ﷺ «انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ»، وكان عليه إزار، على عادة العرب يلبسون الأزر والأردية، وربما لبسوا القمص، «وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ»، أي: ظن أن عائشة نامت، «فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا»، يعني: بدون صوت حتى لا يوقظها، «وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا»، دون أن يكون له صوت، «وَفَتَحَ الْبَابَ فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا»، أي: جعله مجافًا، حتى لا تستوحش، وعائشة منتبهة لم تنم، تنظر ماذا يفعل.\nوقولها: «فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ»، يعني: لبست ثيابها، والخمار على رأسها، وخرجت في إثر النبي ﷺ.\nوفي هذا الحديث: مشروعية رفع اليدين في الدعاء للميت عند القبر،","vol":"3","page":82},{"text":"والدعاء لأهل المقابر.\nوقولها: «ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ فَسَبَقْتُهُ»، يعني: إذا ركض ركضَت، فسبقته لما رأت أنه لا يريد أن يذهب لشيء، وأنه يريد أن يرجع إلى البيت، فدخلت وجلست في فراشها.\nوقوله: «مَا لَكِ يَا عَائِشُ حَشْيَا رَابِيَةً»: عائش ترخيم عائشة، والترخيم هو حذف آخر الاسم، و«رابية»، يعني: مرتفعة البطن، من النَّفَس الذي يثور، فأرادت أن تخفي ذلك، فقالت: «لَا شَيْءَ»، فقَالَ: «لَتُخْبِرِينِي، أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ»، أي: إن لم تخبريني أنت فإن الله سيعلمني بالوحي، فلما رأت أنه لا حيلة لها «قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ- بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي- فَأَخْبَرتُهُ، فقال: «فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي، قُلْتُ: نَعَمْ فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي لَهْدَةً أَوْجَعَتْنِي»، من باب التأديب، واللهد: هو الضرب في الثديين وأصول الكتفين (^١).\nثُمَّ قَالَ: «أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ»، أي: أَخِفْتِ من الجور، فخفتِ أن أذهب إلى بعض نسائي؟\nوقوله: «فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ فَنَادَانِي، فَأَخْفَاهُ مِنْكِ»، يعني: أخفى الصوت عنك.\nوقوله: «قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا، وَإِنَّا- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- بِكُمْ لَلَاحِقُونَ»: قد يحتج به الجمهور الذين يقولون: إن المرأة لها أن تزور القبر؛ لأنها قالت: «كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟»، فلم ينكر عليها، ولم يقل لها: لا تزوري القبور.\nلكن هذا مجمل، ويحتمل أنه كان قبل النهي، أو إذا مرت وهي ماشية في طريقها.\n_________\n(^١) لسان العرب، لابن منظور (٣/ ٣٩٣).","vol":"3","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-415>بَابُ اسْتِئْذَانِ النَّبِيِّ ﷺ رَبَّهُ ﷿ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّهِ</span>\n\n[٩٧٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ يَزِيدَ- يَعْنِي: ابْنَ كَيْسَانَ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأَذِنَ لِي».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ».\nفي هذا الحديث: أن الله ﷾ أذن للنبي ﷺ في زيارة قبر أمه، ولم يأذن له بالاستغفار لها؛ لأنها ماتت في الجاهلية على دين قومها.\nوظاهر الحديث: أن دعوة إبراهيم بلغت أبوي النبي ﷺ، وثبت في الصحيح عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: فِي النَّارِ، فَلَمَّا قَفَّى، دَعَاهُ، فَقَالَ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ» (^١).\nوأما أم النبي ﷺ فإنها ماتت على دين قومها، والله أعلم هل بلغتها الدعوة، أو لم تبلغها.\nومن مات على دين الجاهلية لا يدعى له، وأمره إلى الله؛ لهذا لم يأذن الله تعالى للنبي ﷺ أن يستغفر لأمه، لكنه أذن له في زيارتها، فزارها وبكى وأبكى من حوله، رحمةً لها.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٠٦).","vol":"3","page":84},{"text":"وفيه: أن الكافر يزار قبره للعظة، ولا يدعى له، وكذلك زيارة المريض الكافر؛ للدعوة للإسلام، كما ثبت عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ، وَهُوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» (^١).\nوزار النبي ﷺ عمه أبا طالب في مرض موته، ودعاه إلى الإسلام، وأمره أن يقول: لا إله إلا الله، لكن كان عنده جلساء السوء، ولم يقدِّر الله له الإسلام؛ لحكمة بالغة، فمات على الشرك (^٢).\nوزيارة القبر فيها فائدة للحي، وفائدة للميت:\nأما فائدتها للحي: فأنه يتعظ، ويتذكر الآخرة، ويرق قلبه.\nوفائدتها للميت: أنه يُدعى له، ويُستغفر له.\n\n[٩٧٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ نُمَيْرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي سِنَانٍ- وَهُوَ ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ- عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا».\nقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، أُرَاهُ عَنْ أَبِيهِ- الشَّكُّ مِنْ أَبِي خَيْثَمَةَ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ عَنْ سُفْيَانَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٥٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٦).","vol":"3","page":85},{"text":"عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، كُلُّهُمْ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي سِنَانٍ.\nفي هذا الحديث: أن زيارة القبور كانت محرمة، ثم نُسخت، وأذن النبي ﷺ في زيارتها، وكذلك النهي عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، ثم نُسخ النهي، وكذلك النهي عن النبيذ- إلا في السقاء- نُسخ بجواز الشرب في الأسقية كلها، وذلك أنهم كانوا ينتبذون في الأشياء الصُّلبة، مثل: جذع النخلة، ينقرونه، ومثل القرع، والمقير، فكانت الأسقية تتخمر فيها، ولا يعلمون ذلك لصلابتها، فيشربونها، فنهاهم النبي ﷺ أن ينتبذوا إلا في الأسقية من الجلد؛ لأنها إذا تخمرت فيها الأسقية تشققت، ثم لما ثبت الإسلام واستقر، وعرف الناس الحكم الشرعي نُسخ ذلك، وأباح لهم النبي ﷺ أن ينتبذوا في جميع الأسقية، سواء أكانت صلبة أو غير صلبة، مع ملاحظة البعد عن المسكر.\nوفيه: أن النهي عن زيارة القبور كان أولًا للرجال والنساء، ثم رخص فيه لهم جميعًا، ثم جاء نهي النساء في حديث أم عطية: «كُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ» (^١)، وفي حديث آخر: «لَعَنَ اللَّهُ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ» (^٢).\nويحتمل أن الرخصة إنما كانت للرجال خاصة؛ لقوله: «فَزُورُوهَا»، وهذا خطاب للرجال، أما النساء فبقين على النهي.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١٣).\n(^٢) أخرجه ابن حبان (٣١٧٨).","vol":"3","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-416>بَابُ تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَاتِلِ نَفْسَهُ</span>\n\n[٩٧٨] حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ الْكُوفِيُّ، أَخْبَرَنَا زُهَيْرٌ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ.\nقوله: «بِمَشَاقِصَ»: هي السهام الغلاظ.\nوفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ ترك الصلاة على هذا الرجل؛ زجرًا عن هذا الفعل، حتى لا يفعل ذلك الأحياء.\nفيؤخذ من هذا: أنه ينبغي للأعيان، والعلماء، والوجهاء أن يتركوا الصلاة على قاتل نفسه؛ زجرًا للأحياء، حتى لا يفعلوا مثل فعله، لكن يصلي عليه عامة الناس؛ لأنه ليس بكافر، إلا إذا استحل القتل.\nوقاتلُ نفسه فعل كبيرة من كبائر الذنوب، لا يفسُد معها الإسلام، وإن كان متوعَّدًا بالنار، فقد جاء في الحديث: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ، فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا، فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» (^١).\nقال النووي ﵀: «وفي هذا الحديث دليل لمن يقول: لا يصلى على قاتل نفسه؛ لعصيانه، وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز، والأوزاعي.\nوقال الحسن، والنخعي، وقتادة، ومالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وجماهير العلماء: يصلى عليه، وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي ﷺ لم يصل عليه بنفسه؛ زجرًا للناس عن مثل فعله، وصلى عليه الصحابة، وهذا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٠).","vol":"3","page":87},{"text":"هو الصواب: أنه يصلي عليه عامة الناس، لكن الأعيان ينبغي أن يتأخروا عن الصلاة عليه كالأمراء والعلماء وأهل الفضل زجرًا للأحياء، كي لا يفعلوا مثل فعله» (^١).\nوقال: «وهذا كما ترك النبي ﷺ الصلاة في أول الأمر على من عليه دين زجرًا لهم عن التساهل في الاستدانة، وعن إهمال وفائه، وأمر أصحابه بالصلاة عليه، فعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين، فيسأل: «هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟»، فإن حدث أنه ترك لدينه وفاء صلى، وإلا قال للمسلمين: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، فلما فتح الله عليه الفتوح، قال: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا، فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ» (^٢)، فكان ﵊ بعد ذلك يقضي الدين من عنده.\nوقال النووي: «قال القاضي: مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم، ومحدود، ومرجوم، وقاتل نفسه، وولد الزنا.\nوعن مالك وغيره: أن الإمام يجتنب الصلاة على مقتول في الحد، وأن أهل الفضل لا يصلون على الفساق زجرًا لهم.\nوعن الزهري: لا يصلى على مرجوم، ويصلى على المقتول في قصاص.\nوقال أبو حنيفة: لا يصلى على محارب، ولا على قتيل الفئة الباغية.\nوقال قتادة: لا يصلى على ولد الزنا.\nوعن الحسن: لا يصلى على النفساء تموت من زنا ولا ولدها، ومنع بعض السلف الصلاة على الطفل الصغير ... واختلفوا في الصلاة على السقط، فقال بها فقهاء المحدثين، وبعض السلف، إذا مضى عليه أربعة\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٧/ ٤٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٩٨)، ومسلم (١٦١٩).","vol":"3","page":88},{"text":"أشهر، ومنعها جمهور الفقهاء، حتى يستهل وتعرف حياته بغير ذلك» (^١).\nوالصواب: أنه إذا تبين أنه إنسان يصلى عليه، أما قول الجمهور من الفقهاء ففيه نظر.\nوقال: «وأما الشهيد المقتول في حرب الكفار فقال مالك، والشافعي، والجمهور: لا يغسل، ولا يصلى عليه، وقال أبو حنيفة: يغسل، ولا يصلى عليه، وعن الحسن: يغسل ويصلى عليه، والله أعلم» (^٢).\nوالصواب: أنه لا يغسل، ولا يصلى عليه، كما هو مذهب الجمهور (^٣).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٧/ ٤٧ - ٤٨).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٧/ ٤٨).\n(^٣) المدونة، للإمام مالك (١/ ٢٥٨)، المجموع، للنووي (٥/ ٢٦٠)، المغني، لابن قدامة (٢/ ٣٩٣).","vol":"3","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-417>كِتَابُ الزَّكَاةِ</span>","vol":"3","page":91},{"text":"كِتَابُ الزَّكَاةِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>بابُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ</span>\n\n[٩٧٩] وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، فَأَخْبَرَنِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ».\n[خ: ١٤٠٥]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح، وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو ابْنِ يَحْيَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِيهِ- يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ- وَأَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفِّهِ بِخَمْسِ أَصَابِعِهِ-: ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُفَضَّلٍ- حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا:","vol":"3","page":93},{"text":"حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ».\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يعني: ابْنَ مَهْدِيٍّ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِي حَبٍّ، وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ».\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، وَمَعْمَرٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ بَدَلَ «التَّمْرِ»: «ثَمَرٍ».\n\n[٩٨٠] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ».\nفي هذه الأحاديث: تحديد أنصبة الأموال الزكوية التي تجب فيه الزكاة: الحبوب، والثمار، والمواشي من الأنعام الثلاثة، والنقود، وما يتفرع عنها من عروض التجارة.\nوالزكاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، كما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ، أنه قال: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى","vol":"3","page":94},{"text":"خَمْسَةٍ: عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ» (^١).\nوالزكاة في اللغة: النماء، والزيادة.\nوسميت زكاة؛ لما فيها من النماء والطهارة؛ ولأنها تزكي نفس صاحبها، وتشهد بصحة إيمانه، وتطهره من أدران الشح والبخل، وتقي المال من الآفات.\nوسميت كذلك صدقة؛ لأنها تُصَدِّقُ إيمان صاحبها.\nوالزكاة في الشرع: اسم لأخذ شيء مخصوص، من مال مخصوص، على أوصاف مخصوصة لطائفة مخصوصة.\nوالزكاة تجب في أربعة أنواع من المال، هي:\nالنوع الأول: النقدان، وهما: الذهب، والفضة، وما يقوم مقامهما من الأوراق النقدية، فإذا بلغت النصاب، وحال عليها الحول وجب فيها إخراج الزكاة، وهي: ربع العشر، سواء أبقي هذا المال عنده ليأكل منه، أو ليتزوج به، أو ليشتري به بيتًا، أو ليقضي به دينًا، بخلاف عروض التجارة فإنه إذا لم ينوِها للتجارة فلا تجب فيها الزكاة.\nونصاب الفضة: مائتا درهم، ونصاب الذهب: عشرون مثقالًا، بما يعادل خمسة وثمانين جرامًا.\nالنوع الثاني: بهيمة الأنعام، وهي: الإبل، والبقر، والغنم، فإذا بلغت النصاب وكانت سائمة- وهي التي ترعى أكثر الحول- وحال عليها الحول، وجب فيها إخراج الزكاة.\nونصاب الإبل خمس، كما في هذا الحديث: «وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ»، والذود: الإبل.\nونصاب البقر ثلاثون، ونصاب الغنم أربعون، أما إذا كانت الأنعام يعلفها\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨)، ومسلم (١٦).","vol":"3","page":95},{"text":"صاحبها فليس فيها زكاة، إلا إذا نواها للتجارة، فإنه تجب فيها زكاة التجارة.\nالنوع الثالث: الخارج من الأرض من الحبوب، والثمار التي تكال، وتدخر، وهذه ليس فيها الحول، وإنما تخرج الزكاة عند أخذها، قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾.\nالنوع الرابع: عروض التجارة، وهي: ما يعده الإنسان للتكسُّب، كبيع الأراضي، والعقارات، والدور، والبيوت، والمكائن، والسيارات، والأثاث.\nوقوله في هذا الحديث: «وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ»: الأواقي: جمع أوقية، وحذفت ياء المنقوص لتنكيره فصارت: أواقٍ، والأوقية: أربعون درهمًا، فتكون خمس أواق مائتي درهم، وهو نصاب الفضة.\nوالأوسق: جمع وَسق، وهي بفتح الواو أشهر من كسرها، وأصله في اللغة: الحِمل، والمراد به: ستون صاعًا (^١)، فتكون الخمسة أوسق: ثلاثمائة صاع، والصاع: أربعة أمداد، والمد هو: الحفنة، ملء كفي الرجل المتوسط الخلقة، فإذا بلغت الحبوب والثمار هذا المقدار وجبت فيها الزكاة.\n_________\n(^١) النهاية، لابن الاثير (٥/ ١٨٥)، لسان العرب، لابن منظور (١٠/ ٣٧٨).","vol":"3","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>بَابُ مَا فِيهِ الْعُشْرُ، أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ</span>\n\n[٩٨١] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَادٍ، وَالْوَلِيدُ بْنُ شجَاعٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَذْكُرُ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ الْأَنْهَارُ وَالْغَيْمُ الْعُشُورُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ».\nقوله: «الْغَيْمُ»: هو المطر.\nوقوله: «الْعُشُورُ»: جمع عُشْرٍ، وهو مقدار الزكاة الذي يخرج من الأرض بعد درسه وحبه، إن سقيت بماء المطر فقط.\nوقوله: «بِالسَّانِيَةِ»، أي: بالدوابِّ التي تحمل الماء لسقي الزرع وغيره، ويقال لها: الناضح، حيث يوضع الحبل على ظهر البعير أو غيره، ويكون الدلو في البئر، ويستخرج الماء عن طريق ذهابها وإيابها.\nوفي هذا الحديث: التفريق في الزكاة بين ما سقي بالمؤونة، وما سقي بغير المؤونة.\nفما سقي بغير المؤونة، أي: ما سقته الأنهار والغيم، وبلغ النصاب ثلاثمائة صاع من الحب- ففيه العُشر، أما إذا كان السقى بمؤونة وكلفة عن طريق الآبار، أو السانية باستخراج الماء من البئر، أو عن طريق الكهرباء والمكائن- فهذا فيه نصف العشر، وإن كان يسقى بعضها بمؤونة وبعضها بغير مؤونة، ففيه ثلاثة أرباع العشر.","vol":"3","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-420>بَابُ لَا زَكَاةَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَفَرَسِهِ</span>\n\n[٩٨٢] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ».\n[خ: ١٤٦٣]\nوَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ عَمْرٌو: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ زُهَيْرٌ: يَبْلُغُ بِهِ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، كُلُّهُمْ عَنْ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وأحمد بن عيسى قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِي الْعَبْدِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ».\nفي هذه الأحاديث: أن العبد الذي يشتريه الإنسان للخدمة لا زكاة فيه، ومثله السيارة التي يملكها الإنسان، والأمتعة، والأثاث، والفرش، والأرض التي اشتراها ولم ينوها للتجارة، وأما السيارات والبيوت التي أُعِدَّت للأجرة، فالزكاة في الأجرة التي تحصلت منها- إذا بلغت النصاب، وحال عليها الحول.","vol":"3","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-421>بَابُ فِي تَقْدِيمِ الزَّكَاةِ، وَمَنْعِهَا</span>\n\n[٩٨٣] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ؟ ! وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟».\n[خ: ١٤٦٨]\nقوله: «مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»، أي: منعوا الزكاة، أما ابن جميل، فقال فيه رسول الله ﷺ: «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ؟ !» وهذا إنكار عليه، يعني: ما الذي يمنعه من ذلك، وقد كان فقيرًا فأغناه الله؟ !\nوقوله: «وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، أي: أوقفها في سبيل الله، فكيف يمنع الزكاة، وهي شيء واجب عليه، وليس عنده شيء يخرجه؟ !\nوقوله: «وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا»، يعني: أن النبي ﷺ استسلف منه زكاة سنتين مقدَّمًا، فأجمع العلماء على أنه لا بأس بتقديم الزكاة سنة، أو سنتين.\nوقوله: «يَا عُمَرُ أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟»، يعني: أن عم الرجل مثل أبيه، والعباس عم النبي ﷺ، فهو صنو أبيه.\nوفي هذا الحديث: مشروعية بعثِ ولي الأمر العمالَ لأخذ الصدقة،","vol":"3","page":99},{"text":"وجبايتها من الناس، وأنه إذا بعث ولي الأمر السُّعاة لجِباية الزكاة، ثم دفعها المزكي إليهم، فقد برئت ذمته.\nواستُدل بهذا الحديث على صحة وقف المنقول (^١)، خلافًا للحنفية، فإنهم قالوا: لا يوقف المنقول، وإنما الوقف يكون في الشيء الثابت كالعقارات، والدور (^٢).\nواستَدل الظاهرية بهذا الحديث- أيضًا- على عدم وجوب الزكاة في عروض التجارة (^٣)، والصواب: أن عروض التجارة فيها زكاة، كما ذهب إلى ذلك جمهور العلماء (^٤)، فعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْعِ» (^٥).\n_________\n(^١) الشرح الكبير، للدردير (٤/ ٧٧)، روضة الطالبين، للنووي (٥/ ٣١٤)، الإنصاف، للمرداوي (٧/ ٧).\n(^٢) المبسوط، للسرخسي (٢/ ٢٠٥)، (١٢/ ٤٥)، الاختيار لتعليل المختار، لأبي الفضل الحنفي (٣/ ٤٢).\n(^٣) المحلى، لابن حزم (٥/ ٢٠٩).\n(^٤) العناية، للبابرتي (٢/ ٢١٨)، الشرح الكبير، للدردير (١/ ٤٧٢)، المجموع، للنووي (٦/ ٤٧)، المغني، لابن قدامة (٣/ ٥٨).\n(^٥) أخرجه أبو داود (١٥٦٢)، والبيهقي في الكبرى (٧٥٩٧)، والطبراني في الكبير (٧٠٢٩).","vol":"3","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-422>بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ التَّمْرِ، وَالشَّعِيرِ</span>\n\n[٩٨٤] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ، أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ، أَوْ أُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ.\n[خ: ١٥٠٤]\nحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ عَبْدٍ، أَوْ حُرٍّ، صَغِيرٍ، أَوْ كَبِيرٍ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَةَ رَمَضَانَ عَلَى الْحُرِّ، وَالْعَبْدِ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ قَالَ: فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ.\n[خ: ١٥٠٧]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَجَعَلَ النَّاسُ عَدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ.\nقوله: «فَجَعَلَ النَّاسُ عَدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ»، أي: عَدَلَ الناسُ به عن الصاع، فبدؤوا يخرجون مدَّين من البر اقتداءً بمعاوية ﵁ لما كان أميرًا، فقد كان يخرج نص صاع، كما سيأتي.","vol":"3","page":101},{"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، أَوْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ.\nفي هذا الحديث: فرضية زكاة الفطر.\nوفيه: أن زكاة الفطر صاع من غالب قوت البلد على كل فرد من أفراد المسلمين، صغيرًا كان أو كبيرًا، حرًّا، أو عبدًا.\nوفيه: أن إخراج زكاة الفطر ليس خاصًّا بالصائمين.\nوفيه: أن الصغار والنساء والعبيد يُخرج الزكاة عنهم وليهم، إذا كان عنده صاع فائض عن قوته، وقوت عياله.\nوفيه: أن الفقير يخرج زكاة الفطر كذلك، فإن لم يكن عنده شيء ليلة العيد سقطت عنه.\n\n[٩٨٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ.\n[خ: ١٥٠٦]\nفي هذا الحديث: أنهم كانوا يخرجون خمسة أنواع على عهد رسول الله ﷺ، وهي في قوله ﷺ: «صَاعًا مِنْ طَعَامٍ»، أي: من بُرٍّ، ويدخل فيه الأرز، «أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ».\nفإن لم توجد هذه الأنواع الخمسة أُخرجت من غالب قوت البلد، إذا كانوا في بلد يأكل من غير هذه الأنواع.","vol":"3","page":102},{"text":"حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ- يعني: ابْنَ قَيْسٍ- عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ- إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- زَكَاةَ الْفِطْرِ- عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ- صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ أَنْ قَالَ: إِنِّي أَرَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ أَبَدًا مَا عِشْتُ.\n[خ: ١٥٠٨]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ- وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِينَا- عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرٍّ وَمَمْلُوكٍ، مِنْ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ كَذَلِكَ، حَتَّى كَانَ مُعَاوِيَةُ، فَرَأَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ بُرٍّ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَذَلِكَ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: الْأَقِطِ، وَالتَّمْرِ، وَالشَّعِيرِ.\nوَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا جَعَلَ نِصْفَ الصَّاعِ مِنَ الْحِنْطَةِ عَدْلَ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو سَعِيدٍ، وَقَالَ: لَا أُخْرِجُ فِيهَا إِلَّا الَّذِي كُنْتُ أُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَاعًا","vol":"3","page":103},{"text":"مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ.\nقوله: «مِنْ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ»: هذا اختصار من أبي سعيد ﵁، والصواب: أنه خمسة أصناف، كما سبق.\nوفي هذا الحديث: أن معاوية ﵁ لما تولى الخلافة اجتهد وأخذ الناس باجتهاده، فصاروا يُخرجون نصف صاع من بر، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أقط.\nوالصواب: أنه يجب صاع من الجميع، كما كان أبو سعيد ﵁ يفعل.\nمسألة: هل يجوز إخراج زكاة الفطر نقدًا؟\nوالجواب: في المسألة قولان:\nالقول الأول: ذهب الأحناف إلى جواز إخراجها نقدًا (^١).\nالقول الثاني: قول عامة الفقهاء بعدم جواز إخراجها نقدًا (^٢).\nوالصواب: القول الثاني الذي عليه الجماهير من عدم جواز إخراجها نقدًا، وهو ظاهر الأحاديث.\n_________\n(^١) المبسوط، للسرخسي (٣/ ١٠٧)، الاختيار لتعليل المختار، لأبي الفضل الحنفي (١/ ١٢٤).\n(^٢) التاج والإكليل، للمواق (٣/ ٢٥٨)، المجموع، للنووي (٦/ ١٤٤)، المغني، لابن قدامة (٣/ ٨٧)، المحلى، لابن حزم (٦/ ١٣٧).","vol":"3","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-423>بَابُ الْأَمْرِ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ</span>\n\n[٩٨٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ.\nفي هذه الأحاديث: أن الأفضل في إخراج زكاة الفطر أن يكون يوم العيد، ما بين صلاة الفجر إلى صلاة العيد.\nووقت وجوب زكاة الفطر: غروب شمس ليلة العيد، ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم، أو يومين، كما فعل الصحابة ﵃ (^١)، فيخرجها في اليوم الثامن والعشرين، أو التاسع والعشرين، أو الثلاثين إذا تم الشهر.\nوإذا تعمد تأخيرها بعد صلاة العيد فإنه يخرجها مع الإثم والتوبة والاستغفار، وتعتبر- حينئذٍ- صدقة من الصدقات.\n_________\n(^١) بدائع الصنائع، للكاساني (٢/ ٧٤)، التاج والإكليل، للمواق (٣/ ٢٥٩)، المجموع، للنووي (٦/ ١٢٥)، المغني، لابن قدامة (٣/ ٨٩).","vol":"3","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-424>بَابُ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ</span>\n\n[٩٨٧] وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ- يعني: ابْنَ مَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِيَّ- عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَالْإِبِلُ؟ قَالَ: «وَلَا صَاحِبُ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا- وَمِنْ حَقِّهَا: حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا- إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: «وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ وَلَا عَضْبَاءُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا\nرُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَالْخَيْلُ؟ قَالَ: «الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي","vol":"3","page":106},{"text":"سَبِيلِ اللَّهِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فِي مَرْجٍ وَرَوْضَةٍ، فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ، وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ، وَلَا تَقْطَعُ طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا، أَوْ شَرَفَيْنِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ، وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا، إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَالْحُمُرُ؟ قَالَ: «مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾».\n[خ: ٢٣٧١]\nوَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمَعْنَى حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ إِلَى آخِرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا، وَلَمْ يَقُلْ: مِنْهَا حَقَّهَا، وَذَكَرَ فِيهِ: لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا، وَقَالَ: يُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ وَجَبْهَتُهُ وَظَهْرُهُ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ إِلَّا أُحْمِيَ عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُجْعَلُ صَفَائِحَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ وَجَبِينُهُ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، وَمَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إِلَّا بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، كَأَوْفَرِ مَا كَانَتْ تَسْتَنُّ عَلَيْهِ، كُلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، وَمَا مِنْ صَاحِبِ غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، إِلَّا بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، كَأَوْفَرِ مَا كَانَتْ، فَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ، كُلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ","vol":"3","page":107},{"text":"خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ»، قَالَ سُهَيْلٌ: فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ الْبَقَرَ أَمْ لَا؟ قَالُوا: فَالْخَيْلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا» - أَوَ قَالَ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا» - قَالَ سُهَيْلٌ: أَنَا أَشُكُّ-\n«الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ: فَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَلِرَجُلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ: فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَيُعِدُّهَا لَهُ، فَلَا تُغَيِّبُ شَيْئًا فِي بُطُونِهَا إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرًا، وَلَوْ رَعَاهَا فِي مَرْجٍ مَا أَكَلَتْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا أَجْرًا، وَلَوْ سَقَاهَا مِنْ نَهْرٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ قَطْرَةٍ تُغَيِّبُهَا فِي بُطُونِهَا أَجْرٌ، حَتَّى ذَكَرَ الْأَجْرَ فِي أَبْوَالِهَا وَأَرْوَاثِهَا، وَلَوِ اسْتَنَّتْ شَرَفًا، أَوْ شَرَفَيْنِ كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا أَجْرٌ، وَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ: فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا تَكَرُّمًا وَتَجَمُّلًا، وَلَا يَنْسَى حَقَّ ظُهُورِهَا وَبُطُونِهَا فِي عُسْرِهَا وَيُسْرِهَا، وَأَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ وِزْرٌ: فَالَّذِي يَتَّخِذُهَا أَشَرًا وَبَطَرًا وَبَذَخًا، وَرِيَاءَ النَّاسِ، فَذَاكَ الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ وِزْرٌ» قَالُوا: فَالْحُمُرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْجَامِعَةَ الْفَاذَّةَ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾».\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يعني: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ بَدَلَ عَقْصَاءُ: عَضْبَاءُ، وَقَالَ: فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَظَهْرُهُ، وَلَمْ يَذْكُر: جَبِينُهُ، وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا لَمْ يُؤَدِّ الْمَرْءُ حَقَّ اللَّهِ، أَوِ الصَّدَقَةَ فِي إِبِلِهِ»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ.","vol":"3","page":108},{"text":"قوله: «وَلَا صَاحِبُ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا»: حقها، أي: زكاتها.\nوقوله: «إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا»، أي: تمر عليه وهو مبطوح، قوله: «بِقَاعٍ قَرْقَرٍ» القاع: هو المكان السهل الذي لا ينبت الشجر، والقرقر: المستوى.\nوقوله: «كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا»، أي: يكرَّر عليه العذاب باستمرار، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار.\nوقوله: «لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ، وَلَا جَلْحَاءُ، وَلَا عَضْبَاءُ»: العقصاء: ملتوية القرنين، والجلحاء: هي التي لا قرن لها، والعضباء: هي التي انكسر قرنها.\nومعنى ذلك: أن خلقتها تكون مكتملة حتى يكتمل عذابه- نسأل الله العافية.\nوقوله: «تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا»: فيه وجهان:\nالأول: إما بكسر الطاء: تنطِحه، وهذا سماعًا، وهي لغة فصيحة.\nوالثاني: بفتح الطاء: تنطَحه، وهذا هو القياس الصرفي (^١).\nوقوله: «وَلَا تَقْطَعُ طِوَلَهَا»: الطِّوَل: الحبل الذي تُرْبَط به.\nوقوله: «فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا، أَوْ شَرَفَيْنِ»: الشَّرَف: ما علا من الأرض، والمعنى: جرت وارتفعت على مكانٍ عالٍ.\nوقوله: «إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا»، يعني: عدد ما وطئت من الأرض.\nوقوله: «وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ»، أي: إلا كُتب له بذلك حسنات.\nوقوله: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَالْحُمُرُ؟»: الحُمُر: جمع حمار، ولما سئل\n_________\n(^١) الصحاح، للجوهري (١/ ٤١٢)، أبنية الأسماء والأفعال والمصادر، لابن القطاع الصقلي (ص ٣٦٥).","vol":"3","page":109},{"text":"عنها النبي ﷺ قال: «مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الْآيَة الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾»، والمعنى: أن الحمار إذا استعمل في طاعة الله كتب لصاحبه حسنات، وإذا استعمل في معصية الله كتب عليه سيئات.\nوقوله: «الْفَاذَّةُ»، يعني: التي لا نظير لها.\nوفي هذه الأحاديث: بيان وجوب الزكاة وعظم شأنها.\nوفيه: بيان الوعيد الشديد على من لا يخرج الزكاة، وأنه يعذب يوم القيامة عذابًا أليمًا.\nوفيه: أن الإنسان يعذب بماله إذا لم يُخرج زكاته، فإذا كان ذهبًا، أو فضة «صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ»، وكذلك ما يقوم مقامهما كالأوراق النقدية «فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ»، ويكرَّر عليه العذاب «كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» - نسأل الله العافية.\nوروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، لَا يُكْوَى عَبْدٌ بِكَنْزٍ فَيَمَسُّ دِينَارٌ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمٌ دِرْهَمًا، وَلَكِنْ يُوَسَّعُ جِلْدُهُ فَيُوضَعُ كُلُّ دِينَارٍ وَدِرْهَمٍ عَلَى حِدَتِهِ» (^١).\nوفيه: أن الخيل ثلاثة أنواع: فهي لرجل وزر، ولرجل ستر، ولرجل أجر، «فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا، وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ»، يعني: ربطها معاداةً لأهل الإسلام، «فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ».\n«وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا، وَلَا رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتر»، أي: إذا احتاج أحد أن يحمل عليها شيئًا حمله عليها.\n«وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي مَرْجٍ\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في التفسير (١١/ ٤٣٩).","vol":"3","page":110},{"text":"وَرَوْضَةٍ، فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ، أَوِ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ»، ويكتب له عدد أرواثها، وعدد أبوالها حسنات.\nوفيه: فضل الجهاد في سبيل الله، وفضل الإعداد للجهاد في سبيل الله بإعداد العدة من السلاح، والأعتاد، والخيل، وفي العصر الحالي: المدرعات، والأسلحة بجميع أنواعها، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾.\nوفيه: أنه إذا أوقف الإنسان شيئًا من أنواع الأسلحة على المجاهدين في سبيل الله فإن له أجرًا إذا أخلص عمله لله، وقصد به وجه الله والدار الآخرة، وإعلاء كلمة الله.\nوفيه: أن الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة؛ لأنها آلة الإعداد للجهاد في سبيل الله، ولا يستغنى عنها في أي عصر من العصور، حتى في عصر التطور والتكنولوجيا فيُحتاج إليها في الجبال، وفي الأماكن التي ليس فيها إضاءة، وللحمل عليها، ولركوبها في الأماكن التي لا تأتيها السيارات.\nوقوله: «فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ»: دليل على أن عدم إخراج الزكاة ليس بكُفر، وإنما هو كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأنه لو كان كافرًا لم يكن له سبيل إلى الجنة، وهذا إذا لم يجحد وجوبها، أما إذا جحد وجوبها فهذا كفر وردة بالإجماع.\nوفيه: أن من الحقوق الواجبة في الحيوانات- أيضًا-: أن يحلبها يوم وِردها على الماء لمن حضر من المحتاجين والفقراء، وفي ضبط قوله: «وَمِنْ حَقِّهَا: حَلْبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا»: قال القاضي ﵀: «كذا ضبطناه بسكون اللَّام اسْم الْفِعْل، وذكره أبو عبيد بفتح اللَّام، وكِلَاهُمَا صحيح» (^١).\n_________\n(^١) مشارق الأنوار، للقاضي عياض (١/ ١٩٤).","vol":"3","page":111},{"text":"[٩٨٨] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا، إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قَطُّ، وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَسْتَنُّ عَلَيْهِ بِقَوَائِمِهَا وَأَخْفَافِهَا، وَلَا صَاحِبِ بَقَرٍ لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ، وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَؤُهُ بِقَوَائِمِهَا، وَلَا صَاحِبِ غَنَمٍ لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا، إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ، وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، لَيْسَ فِيهَا جَمَّاءُ وَلَا مُنْكَسِرٌ قَرْنُهَا، وَلَا صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يَفْعَلُ فِيهِ حَقَّهُ، إِلَّا جَاءَ كَنْزُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَتْبَعُهُ فَاتِحًا فَاهُ، فَإِذَا أَتَاهُ فَرَّ مِنْهُ، فَيُنَادِيهِ: خُذْ كَنْزَكَ الَّذِي خَبَأْتَهُ فَأَنَا عَنْهُ غَنِيٌّ، فَإِذَا رَأَى أَنْ لَا بُدَّ مِنْهُ سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ، فَيَقْضَمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ».\nقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، ثُمَّ سَأَلْنَا جَابِرَ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «حَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَإِعَارَةُ فَحْلِهَا وَمَنِيحَتُهَا، وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا، إِلَّا أُقْعِدَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، تَطَؤُهُ ذَاتُ الظِّلْفِ بِظِلْفِهَا، وَتَنْطَحُهُ ذَاتُ الْقَرْنِ بِقَرْنِهَا، لَيْسَ فِيهَا- يَوْمَئِذٍ- جَمَّاءُ وَلَا مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: «إِطْرَاقُ فَحْلِهَا، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَمَنِيحَتُهَا، وَحَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ، وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي","vol":"3","page":112},{"text":"سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا مِنْ صَاحِبِ مَالٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ إِلَّا تَحَوَّلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَتْبَعُ صَاحِبَهُ حَيْثُمَا ذَهَبَ، وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ، وَيُقَالُ: هَذَا مَالُكَ الَّذِي كُنْتَ تَبْخَلُ بِهِ، فَإِذَا رَأَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، أَدْخَلَ يَدَهُ فِي فِيهِ، فَجَعَلَ يَقْضَمُهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ».\nقوله: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ الْإِبِلِ؟ قَالَ: حَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَإِعَارَةُ فَحْلِهَا وَمَنِيحَتُهَا، وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ»: هذه خمسة حقوق في الإبل غير الزكاة:\nالحق الأول: حلبها إذا وردت على الماء، وحوله مساكين، فيحلبها ويسقيهم.\nالحق الثاني: إعارة دلوها، والدلو هو: المصنوع من جلد الإبل المدبوغ.\nالحق الثالث: إعارة فحلها حتى يَنْزُوَ على الناقة.\nالحق الرابع: منيحتها، وهي: أن يهبها مدة لبعض الفقراء؛ ليشربوا لبنها، أو لينتفعوا بها.\nالحق الخامس: الحمل عليها في سبيل الله.\nوفي هذا الحديث: أن صاحب الكنز يعذب بنوعين من العذاب:\nالنوع الأول: أن يُتصفَّح له صفائح من نار، ويكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، ويكرر عليه العذاب كلما بردت.\nالنوع الثاني: أنه يُجعَل له شجاعٌ أقرعُ، والشجاع: هو الذَّكر من الحيات، والأقرع: هو الذي سقط شعر رأسه من كثرة السم- والعياذ بالله.\nفيصوَّر له مالُه شجاعًا عظيمًا، فيفتح فمه «فَإِذَا أَتَاهُ فَرَّ مِنْهُ، فَيُنَادِيهِ خُذْ كَنْزَكَ الَّذِي خَبَأْتَهُ؛ فَأَنَا عَنْهُ غَنِيٌّ»، فإذا فر منه تبعه فاتحًا فاه قائلًا: أنا كنزك «فَإِذَا رَأَى أَنْ لَا بُدَّ مِنْهُ»، أي: لا حيلة للتخلص منه «سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ، فَيَقْضَمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ» - نسأل الله السلامة والعافية.","vol":"3","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-425>بَابُ إِرْضَاءِ السُّعَاةِ</span>\n\n[٩٨٩] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ابْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هِلَالٍ الْعَبْسِيُّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُصَدِّقِينَ يَأْتُونَنَا فَيَظْلِمُونَنَا قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ»، قَالَ جَرِيرٌ: مَا صَدَرَ عَنِّي مُصَدِّقٌ مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا وَهُوَ عَنِّي رَاضٍ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nقوله: «إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُصَدِّقِينَ»، يعني: الجباة، وهم العمال الذين يوظفهم ولي الأمر لجباية الزكاة من الناس.\nوقوله: «فَيَظْلِمُونَنَا قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ»: ذلك لأن بعض الناس يشق عليه أداء الواجب، فإذا طُلب منه سماه ظلمًا، فأمرهم النبي ﷺ أن يرضوا مصدقيهم من العمال.\nوهؤلاء الذين اشتكوا الصحابة هم من الأعراب، ولم يكن قد استقر الإيمان في قلوبهم بعد.\nوقوله: «مَا صَدَرَ عَنِّي مُصَدِّقٌ مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا وَهُوَ عَنِّي رَاضٍ»؛ وذلك لأن إرضاءَهم أبعدُ لهم عن الظلم، وذلك يكون بمخاطبتهم بالكلام الطيب، وملاطفتهم وحسن معاملتهم.","vol":"3","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>بَابُ تَغْلِيظِ عُقُوبَةِ مَنْ لَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ</span>\n\n[٩٩٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَأَىنِي قَالَ: «هُمُ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ» قَالَ: فَجِئْتُ حَتَّى جَلَسْتُ، فَلَمْ أَتَقَارَّ أَنْ قُمْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، - فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي- مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «هُمُ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا، إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَهُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا، عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ».\n[خ: ١٤٦٠]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ المَعْرُورِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ وَكِيعٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ رَجُلٌ يَمُوتُ، فَيَدَعُ إِبِلًا أَوْ بَقَرًا أَوْ غَنَمًا لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا».\nفي هذا الحديث: أن الأكثرين أموالًا هم الأخسرون يوم القيامة؛ وذلك لأنهم يحاسَبون على أموالهم مرتين:\nالأولى: من أين أخذوها، هل من حلال، أو من حرام، أو من متشابه؟\nالثانية: هل أنفقوها في أداء الواجبات، أو في المشاريع الخيرية، أو أنفقوها في الظلم، والمعاصي، وبخلوا بالحقوق؟\nواستثنى النبي ﷺ، فقال: «إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ","vol":"3","page":115},{"text":"وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ»، يعني: تصدق هنا، وأنفق هناك، فهذا يسلم من الخسران.\nثم بين النبي ﷺ أن صاحب الإبل، والبقر، والغنم الذي لا يؤدي زكاتها يعذب بها، كما سبق بيانه.\n\n[٩٩١] حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ- يعني: ابْنَ مُسْلِمٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا تَأْتِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ إِلَّا دِينَارٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ عَلَيَّ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nقوله: «مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا»، يعني: مثل جبل أحد ذهبًا، أو نفس الجبل.\nوقوله: «تَأْتِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ» يعني: لو كان لي مثل أحد ذهبًا، أو جعل الله لي أُحُدًا ذهبًا ما يسرني أن يتأخر أكثر من ثلاثة أيام إلا وقد وزعته، ولا أُبقي منه شيئًا.\nوقوله: «إِلَّا دِينَارٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ عَلَيَّ»، أي: حتى أقضيه.","vol":"3","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-427>بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الصَّدَقَةِ</span>\n\n[٩٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرَّةِ الْمَدِينَةِ عِشَاءً، وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَى أُحُدٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا أَبَا ذَرٍّ» قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «مَا أُحِبُّ أَنَّ أُحُدًا ذَاكَ عِنْدِي ذَهَبٌ أَمْسَى ثَالِثَةً عِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ إِلَّا دِينَارًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ، إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللَّهِ، هَكَذَا حَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهَكَذَا عَنْ يَمِينِهِ، وَهَكَذَا عَنْ شِمَالِهِ» قَالَ: ثُمَّ مَشَيْنَا، فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ» قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إِنَّ الْأَكْثَرِينَ هُمُ الْأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا»، مِثْلَ مَا صَنَعَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى قَالَ: ثُمَّ مَشَيْنَا قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، كَمَا أَنْتَ حَتَّى آتِيَكَ» قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي قَالَ: سَمِعْتُ لَغَطًا، وَسَمِعْتُ صَوْتًا قَالَ: فَقُلْتُ: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عُرِضَ لَهُ قَالَ: فَهَمَمْتُ أَنْ أَتَّبِعَهُ قَالَ: ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ: لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ قَالَ: فَانْتَظَرْتُهُ، فَلَمَّا جَاءَ ذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي سَمِعْتُ قَالَ: فَقَالَ: «ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَانِي، فَقَالَ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ» قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ\nزَنَى وَإِنْ سَرَقَ».\n[خ: ٦٢٦٨]\nقوله: «حَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهَكَذَا عَنْ يَمِينِهِ، وَهَكَذَا عَنْ شِمَالِهِ»، أي: يوزعه على الناس هنا وهناك، فينتهي، ولا يبقي منه شيئًا إلا مقدار الدَّين.\nهذا الحديث من أحاديث الرجاء والوعد؛ لأنه دل على أن من مات على التوحيد فهو من أهل الجنة، ومآله إليها- إن عاجلًا، أو آجلًا- فإن مات على","vol":"3","page":117},{"text":"الكبائر ولم يتب منها كالزنا، والسرقة، فإنه تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له بتوحيده، وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه، ثم يخرجه إلى الجنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، أما إذا استحل الزنا، والسرقة فقد كفر؛ لأنه أنكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة.\nوفي هذا الحديث: الرد على الخوارج والمعتزلة الذين يقولون بتخليد العصاة في النار (^١)، وهذا مذهب باطل.\n_________\n(^١) الملل والنحل، للشهرستاني (١/ ٤٨).","vol":"3","page":118},{"text":"وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ- وَهُوَ ابْنُ رُفَيْعٍ- عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي وَحْدَهُ لَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ قَالَ: فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ، فَالْتَفَتَ فَرَأَىنِي، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَبُو ذَرٍّ- جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ- قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، تَعَالَهْ» قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا» قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً، فَقَالَ: «اجْلِسْ هَا هُنَا» قَالَ: فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ، فَقَالَ لِي: «اجْلِسْ هَا هُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ» قَالَ: فَانْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى لَا أَرَاهُ، فَلَبِثَ عَنِّي، فَأَطَالَ اللَّبْثَ، ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ، وَهُوَ يَقُولُ: «وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟» قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ- جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ- مَنْ تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ؟ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا قَالَ: «ذَاكَ جِبْرِيلُ عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ، فَقَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ\nسَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ».\nقوله: «فَنَفَحَ فِيهِ» أي: أعطى، وأصله الرمي بالشيء، «يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ»، يعني: إذا أنفق، وتصدق عن يمينه وشماله فإنه يسلم من الخسارة، ولا يكون من المقلِّين من الحسنات.\nفي هذا الحديث: أن الرسول ﷺ لا يرى من خلفه إلا في الصلاة؛ ولهذا قال أبو ذر ﵁: «فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ، فَالْتَفَتَ فَرَأَىنِي»، فلو كان","vol":"3","page":119},{"text":"يرى لَعَرَفَهُ، وأما ما جاء في الحديث: «إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» (^١) فهذا خاص بالصلاة.\nوفيه: فضل التوحيد، وأن مرتكب الكبائر من أهل التوحيد لا يخلد في النار.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤١٨)، ومسلم (٤٢٤).","vol":"3","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-428>بَابُ فِي الْكَنَّازِينَ لِلْأَمْوَالِ، وَالتَّغْلِيظِ عَلَيْهِمْ</span>\n\n[٩٩٢] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَبَيْنَا أَنَا فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مَلَأٌ مِنْ قُرَيْشٍ؛ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ أَخْشَنُ الثِّيَابِ، أَخْشَنُ الْجَسَدِ، أَخْشَنُ الْوَجْهِ، فَقَامَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفَيْهِ، وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفَيْهِ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيَيْهِ يَتَزَلْزَلُ قَالَ: فَوَضَعَ الْقَوْمُ رُءُوسَهُمْ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ رَجَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا قَالَ: فَأَدْبَرَ، وَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ، فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ هَؤُلَاءِ إِلَّا كَرِهُوا مَا قُلْتَ لَهُمْ قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا، إِنَّ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ دَعَانِي فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: أَتَرَى أُحُدًا؟ فَنَظَرْتُ مَا عَلَيَّ مِنَ الشَّمْسِ، وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّهُ يَبْعَثُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَقُلْتُ: أَرَاهُ، فَقَالَ: «مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي مِثْلَهُ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ، إِلَّا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ»، ثُمَّ هَؤُلَاءِ يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا قَالَ: قُلْتُ: مَا لَكَ وَلِإِخْوَتِكَ مِنْ قُرَيْشٍ؟ لَا تَعْتَرِيهِمْ وَتُصِيبُ مِنْهُمْ قَالَ: لَا وَرَبِّكَ لَا أَسْأَلُهُمْ عَنْ دُنْيَا، وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ حَتَّى أَلْحَقَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.\n[خ: ١٤١١]\nفي هذا الحديث: بيان مذهب أبي ذر ﵁، وهو: أنه يجب على الإنسان أن ينفق من أمواله ما فاض عن حاجته، وأنه إذا أبقى شيئًا فهو كنز يُكوى به.\nواستدل بقول النبي ﷺ: «ما يَسُرُّنِي أَنَّ لِي مِثْلَهُ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ، إِلَّا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ».\nوالصواب: ما عليه الجمهور، وهو أنه لا يجب ذلك، واستدلو بأربعة أدلة:\nالدليل الأول: أن آيات المواريث نزلت في تقسيم التركات، فلو كان","vol":"3","page":121},{"text":"إنفاق ما زاد عن الحاجة واجبًا ما كان هناك أموال تقسم بعد موت أهلها.\nالدليل الثاني: إقرار النبي ﷺ للصحابة بإبقاء بعض أموالهم، فإنه ورد أنه ﷺ لما حثهم على الصدقة جاء أبو بكر ﵁ بماله كله، وجاء عمر ﵁ بنصفه وأبقى نصفه (^١)، وكذلك جهز عثمان ﵁ جيش العسرة، وبقي عنده أموال (^٢)، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ ذلك، والنبي ﷺ لا يُقِر باطلًا.\nالدليل الثالث: قصة توبة كعب بن مالك ﵁، فإنه لما تاب الله عليه أراد أن ينخلع من ماله، فقال له النبي ﷺ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» (^٣)، وهذا يدل على أنه يجوز أن يُبقي الإنسان ما يزيد عن حاجته.\nالدليل الرابع: قول الله تعالى: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾، و﴿مِن﴾ للتبعيض، فدل على أنه ينفق من بعض ما رزقه الله.\nوفي هذا الحديث: أن أبا ذر ﵁ كان في الشام، فأمره معاوية ﵁ أن يخرج من الشام إلى المدينة لما أظهر هذا الرأي؛ حتى لا يحصل بينه وبين غيره نزاع.\nوهذا الذي ذهب إليه كان أولًا، ثم نُسخ بإيجاب الزكاة، فلما وجبت صارت تُطَهِّر ما بقي من المال.\nوأبو ذر ﵁ كان يقول بهذا؛ لأنه كان يسمع الحديث من الرسول ﷺ، ثم يخرج من عنده يحدِّث به، ثم ينزل الوحي على الرسول ﷺ بنسخ ذلك ولا يعلم به أبو ذر، فيبقى على الأمر الأول، كما قرر ذلك الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في «أضواء البيان» (^٤)، وقرره غيره من أهل العلم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٦٧٨)، والترمذي (٣٦٧٥).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٠٦٣٠)، والترمذي (٣٧٠١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٧٥٧).\n(^٤) أضواء البيان، للشنقيطي (٢/ ١١٨).","vol":"3","page":122},{"text":"وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ ابْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ، حَدَّثَنَا خُلَيْدٌ الْعَصَرِيُّ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كُنْتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَمَرَّ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ يَقُولُ: بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِكَيٍّ فِي ظُهُورِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ جُنُوبِهِمْ، وَبِكَيٍّ مِنْ قِبَلِ أَقْفَائِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ جِبَاهِهِمْ قَالَ: ثُمَّ تَنَحَّى، فَقَعَدَ قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَا شَيْءٌ سَمِعْتُكَ تَقُولُ قُبَيْلُ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ إِلَّا شَيْئًا قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّهِمْ ﷺ قَالَ: قُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الْعَطَاءِ؟ قَالَ: خُذْهُ؛ فَإِنَّ فِيهِ الْيَوْمَ مَعُونَةً، فَإِذَا كَانَ ثَمَنًا لِدِينِكَ فَدَعْهُ.\nقوله: «بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِكَيٍّ فِي ظُهُورِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ جُنُوبِهِمْ، وَبِكَيٍّ مِنْ قِبَلِ أَقْفَائِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ جِبَاهِهِمْ»، يعني: يكوى في ظهره حتى يخرج من جنبه من حرارته، ويكوى مِن قِبل قفاه حتى يخرج من أمامه من حرارته.\nوفي هذا الحديث: أن أبا ذر ﵁ لما سئل: «مَا تَقُولُ فِي هَذَا الْعَطَاءِ؟»، وهو الراتب السنوي من بيت المال، قال: «خُذْهُ؛ فَإِنَّ فِيهِ الْيَوْمَ مَعُونَةً»، أي: خذه وأنفقه، «فَإِذَا كَانَ ثَمَنًا لِدِينِكَ فَدَعْهُ»، أي: إذا كان رشوة، أو ثمنًا لدِينك فدعه ولا تأخذه، وذلك بأن يعطاه من أجل أن يسكت عن المعاصي، أو يداهن في الباطن.","vol":"3","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-429>بَابُ الْحَثِّ عَلَى النَّفَقَةِ وَتَبْشِيرِ الْمُنْفِقِ بِالْخَلَفِ</span>\n\n[٩٩٣] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ- قَالَ: «قَالَ اللَّهُ ﵎: يَا ابْنَ آدَمَ، أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ»، وَقَالَ: «يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى»، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: مَلْآنُ سَحَّاءُ، لَا يَغِيضُهَا شَيْءٌ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ.\n[خ: ٤٦٨٤]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ- أَخِي وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ- قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِي: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ»، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى، لَا يَغِيضُهَا سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُذْ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضَ، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ».\nقوله: «سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»: السَّحَّاء: كثيرة الصب الدائم.\nوقوله: «اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»: نُصِب على الظرفية.\nوقوله: «فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ»، يعني: لا ينقص.\nوقوله: «وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ»: فيه: إثبات العرش لله تعالى، وأنه على الماء.\nوقوله: «وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضَ»، وفي رواية أخرى: «وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْفَيْضُ» (^١)، معنى القبض: الموت، والفيض: الإحسان.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٤١٩).","vol":"3","page":124},{"text":"وفي هذا الحديث: إثبات اليد لله ﷿، وإثبات اليمين، وهي صفة من صفاته ﷾.\nوفيه: إثبات أن اليدين كلتيهما يمين في الشرف، والبركة، والفضل، وعدم النقص، بخلاف المخلوق فإن إحدى اليدين تكون ضعيفة، أما الرب ﷾ فإنه لا يلحقه نقص.\nودليل إثبات اليدين لله ﷿ من القرآن: قوله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾، وقوله سبحانه: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾.\nوفيه: إثبات اليد الأخرى، كما في الحديث الثاني: «وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضَ، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ»، وجاء في الحديث الآخر- وهو في مسلم-: تسميتها شمالًا (^١).\nقال بعضهم: إن إثبات الشمال لله في الحديث زيادة شاذة تفرد بها أحد الرواة، والأقرب: أنها ليست شاذة، بدليل قوله هنا: «وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى»، والأخرى تقابل اليمين، وهي: الشمال.\nوفيه: إثبات كرم الرب ﷾ وجوده، وأن يمينه ملأى.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٨٨).","vol":"3","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-430>بَابُ فَضْلِ النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ وَالْمَمْلُوكِ، وَإِثْمِ مَنْ ضَيَّعَهُمْ، أَوْ حَبَسَ نَفَقَتَهُمْ عَنْهُمْ</span>\n\n[٩٩٤] حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ ابْنِ زَيْدٍ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ: دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَبَدَأَ بِالْعِيَالِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ، يُعِفُّهُمْ، أَوْ يَنْفَعُهُمُ اللَّهُ بِهِ وَيُغْنِيهِمْ؟\n\n[٩٩٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُزَاحِمِ بْنِ زُفَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ».\nفي هذا الحديث: فضل النفقة على العيال، وأنها مقدَّمة على النفقة في سبيل الله، وعلى الدابة، وعلى الأصحاب؛ لأن العيال أقرب الناس إلى الإنسان، ولأن نفقتهم واجبة، والنفقة الواجبة مقدمة على المستحبة، ولأنهم ممن تلزمه مؤونتهم، وفي الحديث التالي قوله ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ».","vol":"3","page":126},{"text":"[٩٩٦] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ الْكِنَانِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ خَيْثَمَةَ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو إِذْ جَاءَهُ قَهْرَمَانٌ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ: أَعْطَيْتَ الرَّقِيقَ قُوتَهُمْ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَانْطَلِقْ فَأَعْطِهِمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ».\nقوله: «إِذْ جَاءَهُ قَهْرَمَانٌ لَهُ»: القهرمان- بفتح القاف-: الخازن القائم بحوائج الناس، وهو بمعنى الوكيل، ويسمى عند بعض التجار وبعض الأمراء: وزيرًا.\nفي هذا الحديث: أنه يجب على مالك الرقيق أن ينفق عليهم، وأنه إذا حبس النفقة عنهم يكون آثمًا؛ لقول النبي ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ».","vol":"3","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-431>بَابُ الِابْتِدَاءِ فِي النَّفَقَةِ بِالنَّفْسِ، ثُمَّ أَهْلِهِ، ثُمَّ الْقَرَابَةِ</span>\n\n[٩٩٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَجَاءَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا يَقُولُ، فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ».\n[خ: ٧١٨٦]\nوَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يعني: ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ- يُقَالُ لَهُ: أَبُو مَذْكُورٍ- أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ- يُقَالُ لَهُ: يَعْقُوبُ- وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ.\nقوله: «فَبَيْنَ يَدَيْكَ»، يعني: أمامك.\nوقوله: «وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ»، يعني: أن النفقة مرتبة، فيبدأ بالنفقة على النفس، ثم على الأهل، ثم على القرابة، ثم بعد ذلك على المساكين.\nفي هذا الحديث: جواز بيع المدبَّر- إذا لم يكن له مال غيره- لينفق على نفسه، ثم على أهله، ثم على قرابته.\nوالمدبَّر: هو العبد الذي يعتقه الإنسان بعد موته، فيقول: هذا العبد عتيق بعد موتي، فإذا لم يكن له مال غيره فيجوز أن يبيعه لينفق على نفسه، ثم على أهله، ثم على قرابته.","vol":"3","page":128},{"text":"وفيه: دليل على أن نفس الإنسان مقدَّمة على غيره.\nوفيه: جواز الحجر على المفلس، وبيع ماله، وكذلك جواز الحجر على السفيه، قال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا﴾، فالسفيه: الصغير، والمعتوه: ضعيف العقل، فيحجر عليه ولا يُعطَى مالَهُ حتى يكون رشيدًا، وكذلك المفلس إذا طلب غرماؤه ديونهم، وكان دينُه أكثرَ من ماله يُحجر عليه.\nوفيه: الرد على الإمام مالك ﵀ القائل بأنه لا يجوز بيع العبد المدبَّر إلا إذا كان على سيده دين (^١).\n_________\n(^١) المدونة، للإمام مالك (٤/ ٥٩١)، شرح مختصر خليل، للخرشي (٨/ ١٣٦).","vol":"3","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-432>بَابُ فَضْلِ النَّفَقَةِ وَالصَّدَقَةِ عَلَى الْأَقْرَبِينَ، وَالزَّوْجِ، وَالْأَوْلَادِ، وَالْوَالِدَيْنِ، وَلَوْ كَانُوا مُشْرِكِينَ</span>\n\n[٩٩٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَى، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَى، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْتَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ»، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ.\n[خ: ١٤٦١]\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَرَى رَبَّنَا يَسْأَلُنَا مِنْ أَمْوَالِنَا، فَأُشْهِدُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ أَرْضِي بَرِيحَى لِلَّهِ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اجْعَلْهَا فِي قَرَابَتِكَ» قَالَ: فَجَعَلَهَا فِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَأُبَيِّ ابْنِ كَعْبٍ.\nقوله: «بَيْرَحَى» - بفتح الراء وضمها مع كسر الباء، وبفتح الباء والراء-: هذا الموضع يعرف بقصر بني جديلة قبلي المسجد، وهو حائط يسمى بهذا الاسم.","vol":"3","page":130},{"text":"وقوله: «بَخْ»: فيه لغات (^١)، وهي كلمة لتفخيم الأمر وتعظيمه، قال ابن الأثير: «بَخْ بَخْ»: كلمة تقال عند المدح والرضى بالشيء، وتكرَّر للمبالغة، وهي مبنية على السكون، فإن وُصلت جُرَّت ونُوِّنت، فيقال: بَخٍ بَخٍ، وربما شُدِّدت، وبخبختَ الرجل، إذا قلتَ له ذلك.\nوقوله: «ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ» من الربح، وروي «ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ» (^٢)، يعني: رايح أجره عند الله ﷿.\nوفي هذا الحديث: أن النفقة على الأقارب مقدَّمة على النفقة على الأباعد؛ لأن النفقة على القريب صدقة، وصلة، بخلاف البعيد فإنها صدقة فحسب.\nوفيه: فضل أبي طلحة ﵁ وقوة إيمانه، حيث تصدق بهذه الحديقة التي هي أَنْفَس أمواله وبذلها لله ﷿.\nوفيه: جواز قول: يقول الله، أو قال الله كذا.\nوفيه: أن بني العم يدخلون في الأقارب، ولو كانوا بعيدين؛ لهذا قسمها أبو طلحة لأبي بن كعب، وحسان بن ثابت، وهو يجتمع معهم في الجد السابع، وكلما قربت الصدقة على الأقارب كانت أفضل.\n\n[٩٩٩] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ: أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ».\n[خ: ٢٥٩٤]\nفي هذا الحديث: أن صلة الرحم تكون بالمال، أو بالعبد يدفعه إليهم لخدمتهم، ويكون هذا أفضل من عتق العبد؛ لأن ميمونة ﵂ أعتقت هذه الوليدة، فقال لها الرسول ﷺ: «لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ»،\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (١/ ١٠١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٥٥٤).","vol":"3","page":131},{"text":"يعني: لو تصدقتي بها على أخوالك كان أفضل من العتق.\nوفيه: جواز تصرف المرأة الرشيدة في مالها بغير إذن زوجها؛ لأن ميمونة ﵂ أعتقت هذه الوليدة، ولم تستأذن النبي ﷺ، ولم ينكر عليها النبي ﷺ، ولكن إذا استأذنت المرأة زوجها تطييبًا لخاطره من باب حسن المعاشرة فهذا حسن.\nوأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁: «لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَمْرٌ فِي مَالِهَا إِذَا مَلَكَ زَوْجُهَا عِصْمَتَهَا» (^١) فيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول: أنه شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة، والشاذ ضعيف لا يحتج به، وإن لم يكن شاذًّا فما في صحيح مسلم مقدَّم على غيره عند التعارض.\nالجواب الثاني: أنه محمول على عطية المرأة من مال زوجها، لا من مالها.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٧٠٥٨)، وأبو داود (٣٥٤٦)، والنسائي (٣٧٥٦)، وابن ماجه (٢٣٨٨).","vol":"3","page":132},{"text":"[١٠٠٠] حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» قَالَتْ: فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، فَأْتِهِ فَاسْأَلْهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَجْزِي عَنِّي، وَإِلَّا صَرَفْتُهَا إِلَى غَيْرِكُمْ، قَالَتْ: فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ: بَلِ ائْتِيهِ أَنْتِ، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِبَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَاجَتِي حَاجَتُهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ، قَالَتْ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلَالٌ، فَقُلْنَا لَهُ: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبِرْهُ: أَنَّ امْرَأَتَيْنِ بِالْبَابِ تَسْأَلَانِكَ: أَتُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَلَى أَزْوَاجِهِمَا، وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حُجُورِهِمَا؟ وَلَا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ، قَالَتْ: فَدَخَلَ بِلَالٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ هُمَا؟»، فَقَالَ: امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَزَيْنَبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّ الزَّيَانِبِ؟» قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَهُمَا أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ».\n[خ: ١٤٦١]\nحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي شَقِيقٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: فَذَكَرْتُ لِإِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ، بِمِثْلِهِ سَوَاءً قَالَ: قَالَتْ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَرَأَىنِي النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ.\n\n[١٠٠١] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِي أَجْرٌ فِي بَنِي أَبِي سَلَمَةَ؟ أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هَكَذَا وَهَكَذَا،","vol":"3","page":133},{"text":"إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ، فَقَالَ: «نَعَمْ، لَكِ فِيهِمْ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ».\n[خ: ١٤٦٧]\nوَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ.\nقوله: «وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ»: هل يدل على أنه لا زكاة في الحلي؟\nالجواب: أنه لا يدل على ذلك؛ لأن صدقة التطوع غير الزكاة.\nوفي هذا الحديث: فضل الصدقة على الأيتام في الحجر، وفضل صدقة المرأة على زوجها، وأن فيها أجرين: أجر القرابة، وأجر الصدقة.\nوهذه الصدقة قال فيها بعضهم: هي الزكاة، وقيل: هي صدقة التطوع، والأقرب: أنها صدقة التطوع، كما قال ذلك النووي رحمه الله تعالى: «ونفقة أم سلمة على بنيها المراد به كله: صدقة تطوع، وسياق الأحاديث يدل عليه» (^١).\nفإن قيل: إنَّ صَدَقَتَها كانت زكاةً، وعليه فيجوز دفع الزكاة من المرأة إلى زوجها، دون أولادها.\nأجيب: بأنها تصدقت على زوجها، وعلى أولادها؛ والقول بأنها على الزوج زكاةٌ، وعلى الأيتام صدقةُ تطوعٍ- بعيدٌ، والأقرب: أنها صدقة تطوع للزوج وللأولاد.\nوفي قول زينب ﵂: «وَلَا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ»، ثم إخبار بلال ﵁ بهما إشكال، وهو: أنه قد يقال: إن بلالًا أخلف الوعد، وأفشى السر؟ !\nوالجواب: أن النبي ﷺ سأله، وجواب النبي ﷺ واجب، وهو مقدَّم على غيره.\nوفيه: فضل النفقة من المرأة على أولادها، وأنها مأجورة كالرجل؛ لقول النبي ﷺ «نَعَمْ، لَكِ فِيهِمْ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ».\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٧/ ٨٨).","vol":"3","page":134},{"text":"[١٠٠٢] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ- وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً- وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا- كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً».\n[خ: ٥٣٥١]\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله: «يَحْتَسِبُهَا»: الاحتساب معناه: أن يحتسب الأجر عند الله، ويتذكر أن الله أوجب عليه النفقة عليهم، وأنه ينفق عليهم قيامًا بالواجب، وابتغاءً لمرضاة الله.\nوهو ليس قيدًا في الأجر، فالمعنى: أنه إذا احتسب فله أجر زائد على أجر النفقة.\nوخالف النووي ﵀ واختار أنه قيد؛ لأنه يرى أن المحتسب هو الذي يؤجر، وأنه إذا أنفق مع الغفلة فلا يؤجر، وهذا مرجوح (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٧/ ٨٨ - ٨٩).","vol":"3","page":135},{"text":"[١٠٠٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ، وَهِيَ رَاغِبَةٌ- أَوْ رَاهِبَةٌ- أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ».\n[خ: ٢٦٢٠]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي- وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدَهُمْ- فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي، وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: «نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ».\nفي هذا الحديث: أن أم أسماء ﵂ قَدِمَت عليها في الهدنة التي بين النبي ﷺ وبين قريش بصلح الحديبية.\nوقولها: «وَهِيَ رَاغِبَةٌ»، يعني: طالبة صلتي.\nوفي الرواية الأولى: «وَهِيَ رَاغِبَةٌ- أَوْ رَاهِبَةٌ»: وهذا شك من الراوي.\nفاستفتت النبي ﷺ، وقالت: «أَفَأَصِلُ أُمِّي؟»، فقال: «نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ».\nوفيه: جواز صلة القريب الكافر والصدقة عليه إذا لم يكن حربيًّا، قال الله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم﴾، وثبت: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ»، ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا حُلَلٌ فَأَعْطَى عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ ﵁ مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَوْتَنِيهَا، وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا»، فَكَسَاهَا","vol":"3","page":136},{"text":"عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَخًا لَهُ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا (^١).\nوفيه: أن الكافر- إذا كان والدًا- يُحْسَن إليه، ويُنفَق عليه، كما قال الله تعالى- في الوالدَين الكافرَين-: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾.\nفإن قيل: كيف نجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾؟\nالجواب: أنه لا يلزم من الإنفاق عليهم مودتهم، فيستقيم أن يُنفِق عليهم وهو لا يحبهم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٨٦)، ومسلم (٢٠٦٨).","vol":"3","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>بَابُ وُصُولِ ثَوَابِ الصَّدَقَةِ عَنِ الْمَيِّتِ إِلَيْهِ</span>\n\n[١٠٠٤] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّيَ افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَلَمْ تُوصِ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ».\n[خ: ١٣٨٨]\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: وَلَمْ تُوصِ، كَمَا قَالَ ابْنُ بِشْرٍ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ الْبَاقُونَ.\nقوله: «افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا»، يعني: ماتت فجأة.\nفي هذا الحديث: دليل على وصول ثواب الصدقة إلى الميت المسلم، وهذا محل اتفاق بين أهل السنة والجماعة، وخالفهم في هذا بعض أهل البدع، وقالوا بمنع وصول شيء للميت غير ما تسبَّب به في الحياة.\nواتفق أهل السنة على وصول ثواب الدعاء، والحج، والعمرة، والأضحية، إلى الميت، واختلفوا في وصول ثواب الأعمال البدنية، على قولين:\nالقول الأول: قول الحنابلة والأحناف: أنها تصل إلى الميت (^١).\nالقول الثاني: قول المالكية والشافعية: أنها لا تصل، وأنه يوقف عند النص، قالوا: يهدى للميت ثواب الصدقة، والدعاء، والحج، والعمرة،\n_________\n(^١) بدائع الصنائع، للكاساني (٢/ ٢١٢)، المغني، لابن قدامة (٢/ ٤٢٣).","vol":"3","page":138},{"text":"أما قراءة القرآن فيقرأ لنفسه، ويدعو للميت، ويسبح لنفسه، وهذا هو الصواب؛ لأن العبادات توقيفية (^١).\nأما الصيام الذي وجب على الميت، وتمكن من قضائه ولم يقضِهِ، فهذا يقضيه عنه وليُّه؛ لعموم قول النبي ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (^٢).\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم، لابن تيمية (٢/ ٢٦٢)، نهاية المحتاج، للرملي (٦/ ٩٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧).","vol":"3","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-434>بَابُ بَيَانِ أَنَّ اسْمَ الصَّدَقَةِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْمَعْرُوفِ</span>\n\n[١٠٠٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ فِي حَدِيثِ قُتَيْبَةَ قَالَ: قَالَ نَبِيُّكُمْ ﷺ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ».\n\n[١٠٠٦] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ- مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ- عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ عَنْ يَحْيَى ابْنِ يَعْمَرَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ قَالَ: «أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ، وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ».\nقوله: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ»: هذا عام في كل معروف مالي، أو قولي، أو فعلي.\nقوله: «أَهْلُ الدُّثُورِ»، أي: أهل الأموال.\nوقوله: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقة»: البضع: الفرج، والمراد هنا: جماع الرجل أهله، وأنه ولو لم ينوِ طلب الولد؛ فله أجر- إن شاء الله.\nفي هذا الحديث: أن الأذكار والتسبيح، والتكبير، والتحميد، والتهليل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر- صدقاتٌ كالصدقة في الأموال.","vol":"3","page":140},{"text":"وفيه: أن جماع الرجل أهله صدقة.\nوفيه: معرفة حكم الشيء من ضده؛ لهذا قال بعضهم: هذا من قياس العكس؛ لأن النبي ﷺ حين قالوا له: يا رسول الله، كيف يأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ ! قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»، فذكَّرهم بالضد.\nوفيه: جواز القياس والرد على من أنكره.\n\n[١٠٠٧] حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ- يعني: ابْنَ سَلَّامٍ- عَنْ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرُّوخَ: أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: إن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِ مِائَةِ مَفْصِلٍ، فَمَنْ كَبَّرَ اللَّهَ، وَحَمِدَ اللَّهَ، وَهَلَّلَ اللَّهَ، وَسَبَّحَ اللَّهَ، وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ، وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ شَوْكَةً، أَوْ عَظْمًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، وَأَمَرَ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ وَالثَّلَاثِ مِائَةِ السُّلَامَى، فَإِنَّهُ يَمْشِي- يَوْمَئِذٍ- وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ»، قَالَ أَبُو تَوْبَةَ: وَرُبَّمَا قَالَ: يُمْسِي.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ، أَخْبَرَنِي أَخِي زَيْدٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَوْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ، وَقَالَ: فَإِنَّهُ يُمْسِي- يَوْمَئِذٍ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ- يعني: ابْنَ الْمُبَارَكِ- حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَلَّامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرُّوخَ: أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ»، بِنَحْوِ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ عَنْ زَيْدٍ، وَقَالَ: فَإِنَّهُ يَمْشِي- يَوْمَئِذٍ.\nفي هذا الحديث: أن كل إنسان رُكِّب على ستين وثلاثمائة مفصل: وهي","vol":"3","page":141},{"text":"السُّلامِيَّات، وأن عليه أن يتصدق عن هذه السُّلاميَّات، وأن الله تعالى قد نوَّع الصدقة؛ فالتسبيح، والتهليل والتكبير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر صدقات، وأنه إذا ركع ركعتين كفاه ذلك؛ لما ورد في رواية أخرى قوله ﷺ: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» (^١).\n\n[١٠٠٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ»، قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ» قَالَ: قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: «يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ» قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: «يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ- أَوِ الْخَيْرِ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: «يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ؛ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ».\n[خ: ١٤٤٥]\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nفي هذا الحديث: بيانٌ لأنواع المعروف والإحسان، وأنها خمس مراتب:\nأولها: الصدقة.\nثانيها: العمل باليدين، فينفع نفسه ويتصدق.\nثالثها: إعانة ذي الحاجة الملهوف.\nرابعها: الأمر بالمعروف.\nخامسها: الإمساك عن الشر، وهو صدقة على نفسه.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٢٠).","vol":"3","page":142},{"text":"[١٠٠٩] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ قَالَ: تَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ، فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ قَالَ: وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ».\n[خ: ٢٩٨٩]\nقوله: «تَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ»، يعني: تصلح بينهما.\nقوله: «وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ، فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ»، ومن ذلك: أنك إذا أعنتَ إنسانًا على إصلاح سيارته، فيُعَدُّ هذا من الصدقات.\nوفي هذا الحديث: بيان لأنواع من الصدقات: وهي الإصلاح بين الناس، وإعانة الرجل على دابته، والكلمة الطيبة، والخطوة إلى الصلاة، وإماطة الأذى عن الطريق.","vol":"3","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-435>بَابُ فِي الْمُنْفِقِ وَالْمُمْسِكِ</span>\n\n[١٠١٠] وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ- وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ- حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ اللَّهُمَّ: أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا».\nفي هذا الحديث: فضل الإنفاق، وأن الله تعالى وكَّل للمنفق ملكًا يدعو له: «اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا»، ووكَّل للممسك ملكًا يدعو عليه: «اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا».\nوهذان ملكان كريمان دعوتهما مستجابة؛ لأنهما يفعلان ذلك عن أمر الله ﷿، فيُخشى على الممسك عن الواجبات أن يصيب ماله التلف؛ لأنه خالف أمر الله ﷿، كما يُرجى للمنفق الخلف، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.","vol":"3","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-436>بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الصَّدَقَةِ قَبْلَ أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يَقْبَلُهَا</span>\n\n[١٠١١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا؛ فَيُوشِكُ الرَّجُلُ يَمْشِي بِصَدَقَتِهِ، فَيَقُولُ الَّذِي أُعْطِيَهَا: لَوْ جِئْتَنَا بِهَا بِالْأَمْسِ قَبِلْتُهَا، فَأَمَّا الْآنَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا، فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا».\n[خ: ١٤١١]\n\n[١٠١٢] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ، ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً، يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ، وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ». وفِي رِوَايَةِ ابْنِ بَرَّادٍ: وَتَرَى الرَّجُلَ.\n[خ: ١٤١٤]\nقوله: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ، ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ»: وذلك يكون بسبب كثرة المال، وإذا كانت الصدقة من الذهب ولا تجد من يقبلها، فغير الذهب من باب أولى.\nوقوله: «وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً، يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ»: هذا بسبب الحروب في آخر الزمان، والملاحم، والقتال، وتراكم الفتن، وقرب قيام الساعة، فيُقتل الرِّجال، ولا يبقى من القبيلة إلا الواحد، أو الاثنان، فتلوذ به أربعون امرأة حتى يدافع عنهن، ويقوم بحوائجهن، وينتسبن إليه، حتى لا يعتدي عليهن أحد، ولا يؤذيهن أحد.\nوفي هذا الحديث: الحث على الصدقة، والمبادرة بها قبل فوات","vol":"3","page":145},{"text":"الأوان؛ لأنه قد يأتي وقت يتصدق فيه الإنسان فلا يجد من يقبل صدقته، «فَيَقُولُ الَّذِي أُعْطِيَهَا: لَوْ جِئْتَنَا بِهَا بِالْأَمْسِ قَبِلْتُهَا، فَأَمَّا الْآنَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا».\nويحتمل أن يكون هذا في آخر الزمان بعد نزول عيسى ﵊، ويحتمل أن يكون في زمن المهدي.\n\n[١٥٧] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ، حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ، وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا».\n[خ: ١٤١٢]\nقوله: «وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا»، أي: تصير كذلك بعد قلة المياه فيها، وصعوبة استخراجها من الآبار، والواقع الآن شاهد بذلك، فقد فاضت العيون على وجه الأرض.\nوالنووي ﵀ أوَّل الحديث بتأويل آخر، فقال: «معناه- والله أعلم-: أنهم يتركونها ويُعرضون عنها، فتبقى مهملةً لا تُزرع ولا تُسقى من مياهها؛ وذلك لقلة الرجال، وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب الساعة، وقلة الآمال، وعدم الفراغ لذلك والاهتمام به» (^١)، لكن هذا خلاف الظاهر، والصواب: أن الحديث على ظاهره، وأن أرض العرب تصير مروجًا وأنهارًا بعد قلة المياه فيها، وصعوبة استخراجها من الآبار، وقد وقع هذا، ولعله يزيد في آخر الزمان.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٧/ ٩٧).","vol":"3","page":146},{"text":"وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي يُونُسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ صَدَقَةً، وَيُدْعَى إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لَا أَرَبَ لِي فِيهِ».\n[خ: ١٤١٢]\n\n[١٠١٣] وَحَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ- واللفظ لواصل- قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَقِيءُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَتَلْتُ، وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي، ثُمَّ يَدَعُونَهُ فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا».\nقوله: «تَقِيءُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ»، أي: يوم العرض، والله أعلم بكيفية ذلك، هل تقيء الأرض بعد تسويتها، أو قبل تسويتها؟ الله أعلم.\nوفي هذا الحديث: أن هذه المشاهد تكون يوم القيامة.\nوقيل: يكون هذا في آخر الزمان حين يكثر المال، ويحتمل أنه يكون يوم القيامة؛ لقوله ﷺ في الحديث: «فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَتَلْتُ، وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي»، فلو كان هذا في آخر الزمان لما جاء القاتل، والقاطع، والسارق، كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀ في «الكافية الشافية» (^١).\n_________\n(^١) الكافية الشافية، لابن القيم (ص ١١).","vol":"3","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-437>بَابُ قَبُولِ الصَّدَقَةِ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ وَتَرْبِيَتِهَا</span>\n\n[١٠١٤] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ- وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ- إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، أَوْ فَصِيلَهُ».\n[خ: ١٤١٠]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يعني: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- الْقَارِيَّ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَتَصَدَّقُ أَحَدٌ بِتَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، إِلَّا أَخَذَهَا اللَّهُ بِيَمِينِهِ، فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، أَوْ قَلُوصَهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ، أَوْ أَعْظَمَ».\nوَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يعني: ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا رَوْحُ ابْنُ الْقَاسِمِ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَوْدِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ- يعني: ابْنَ بِلَالٍ- كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي حَدِيثِ رَوْحٍ: مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ، فَيَضَعُهَا فِي حَقِّهَا، وَفِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ: فَيَضَعُهَا فِي مَوْضِعِهَا، وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ يَعْقُوبَ عَنْ سُهَيْلٍ.\nقوله: «أَوْ فَصِيلَهُ»: الفصيل: ولد الناقة.\nوقوله: «فَلُوَّهُ»: الفلو: المهر، وهو ولد الفرس.\nوقوله: «قَلُوصَهُ»: القلوص: الناقة الفتية.\nوفي هذه الأحاديث: إثبات اليمين لله ﷿، كما سبق بيان ذلك.","vol":"3","page":148},{"text":"وفيها: إثبات الكف لله تعالى، خلافًا لأهل البدع.\nوفيها: الحث على الصدقة من الكسب الطيب، وأن الله تعالى لا يقبل إلا الكسب الطيب، أما الكسب الخبيث فيمحقه ﷾، كما قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصدقات ﴿.\nوفيها: أن القليل يكون عند الله كثيرًا، كالتمرة تربو في كف الرحمن، فتكون أعظم من الجبل.\n\n[١٠١٥] وَحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، وَقَالَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ !».\nقوله: «يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ يَا رَبِّ»: هذا توسل إلى الله بالربوبية، ومع ذلك قال ﷺ: «فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ !»؛ لأنه أتى بمانع قوي وهو التلبس بالحرام أكلًا، وشربًا، ولباسًا، وتغذيةً، فالواجب: الحذر من الكسب الحرام والمتشابه.\nوفي هذا الحديث: إثبات اسم الطيب لله ﷿.\nوفيه: التحذير من الكسب الحرام، وأنه من أسباب عدم قبول الدعاء.","vol":"3","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-438>بَابُ الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، أَوْ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، وَأَنَّهَا حِجَابٌ مِنَ النَّارِ</span>\n\n[١٠١٦] حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَتِرَ مِنَ النَّارِ- وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ- فَلْيَفْعَلْ».\n[خ: ١٤١٧]\nحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالَ ابْنُ حُجْرٍ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ».\nزَادَ ابْنُ حُجْرٍ: قَالَ الْأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ خَيْثَمَةَ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِيهِ: وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، وقَالَ إِسْحَاقُ: قَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ خَيْثَمَةَ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّارَ، فَأَعْرَضَ وَأَشَاحَ، ثُمَّ قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ»، ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ كَأَنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ».\nوَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو كُرَيْبٍ: كَأَنَّمَا، وَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ","vol":"3","page":150},{"text":"ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ النَّارَ، فَتَعَوَّذَ مِنْهَا، وَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ».\n[خ: ٦٥٣٩]\nقوله: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ»، أي: من دون واسطة، والترجمان: هو الواسطة الذي ينقل الكلام.\nوقوله: «فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ»، أي: إلى جهة اليمين.\nوقوله: «وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ»، أي: إلى جهة الشمال.\nوقوله: «وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ»، أي: أمامه.\nوفي هذه الأحاديث: أن الصدقة ستر وحجاب من النَّار، وأنها ظل يستظل به يوم القيامة، وأنه إذا لم يجد ما يتصدق به فالكلمة الطيبة تقوم مقامها، كما جاء في قوله ﷺ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ»، أي: اجعلوا بينكم وبينها وقاية بالصدقة، ولو بشق تمرة، أي: بنصف تمرة.\nوفيها: بيان مشهد من مشاهد القيامة، وهو أن الله تعالى يكلم العباد، وهذا عام للمؤمن والكافر، ولكن الكافر محجوب عن رؤية الله، كما قال تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾.","vol":"3","page":151},{"text":"[١٠١٧] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنِ المُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَدْرِ النَّهَارِ قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ، أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: «﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، وَالْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ»، حَتَّى قَالَ: «وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ\nعَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ابْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُنْذِرَ بْنَ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَدْرَ النَّهَارِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُعَاذٍ مِنَ الزِّيَادَةِ قَالَ: ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ خَطَبَ.\nحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ المُنْذِرِ ابْنِ","vol":"3","page":152},{"text":"جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَتَاهُ قَوْمٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ، وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وفيه: فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ صَعِدَ مِنْبَرًا صَغِيرًا، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ...﴾ الْآيَةَ».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، وأبي الضحى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ الْعَبْسِيِّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمُ الصُّوفُ، فَرَأَى سُوءَ حَالِهِمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ.\nقوله: «مُجْتَابِي النِّمَارِ- أَوِ الْعَبَاءِ»، يعني: ثيابهم مخرقة مقطعة من الفقر والحاجة؛ فلهذا تمعَّر وجه النبي ﷺ لحالهم فخطب الناس، وحثهم على الصدقة.\nوقوله: «تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ»: هذا خبر بمعنى الأمر، والمعنى: ليتصدقْ.\nوقوله: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً»، يعني: ابتدأها، وأحياها إذا اندثرت وماتت، وسابق إليها، وبادر إلى امتثالها، وليس المراد بذلك: الابتداع في الدين.\nوقوله: «وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ ومَنْ عَمِلَ بِهَا»، أي: من ابتدع سنة سيئة، أو فَعَل معصية، وتتابع الناس على فعلها «كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ».\nوأما قول النووي ﵀: «البدع خمسة أقسام: واجبة، ومندوبة، ومحرمة، ومكروهة، ومباحة» (^١)، فليس بصحيح، والصواب: أن البدع\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٧/ ١٠٤ - ١٠٥).","vol":"3","page":153},{"text":"كلها ممنوعة؛ لقول النبي ﷺ: «وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (^١).\nوالبدعة هي: الحدث في الدين، قال ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» (^٢).\nوفي هذه الأحاديث: مشروعية الخطبة وحث الناس على الصدقة عند وجود أسبابها.\nوفيها: فضل من أحيا السنن، وأمات البدع.\nوفيها: أنه لما حث النبي ﷺ على الصدقة «جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا بَلْ قَدْ عَجَزَتْ»، فَسَنَّ للناس سنة حسنة، «ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ»، واقتدوا به، حتى رأى الراوي «كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ»، فقال النبي ﷺ- حينئذٍ-: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا».\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٦٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).","vol":"3","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-439>بَابُ الْحَمْلِ بِأُجْرَةٍ يُتَصَدَّقُ بِهَا، وَالنَّهْيِ الشَّدِيدِ عَنْ تَنْقِيصِ الْمُتَصَدِّقِ بِقَلِيلٍ</span>\n\n[١٠١٨] حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ- يعني: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ قَالَ: كُنَّا نُحَامِلُ قَالَ: فَتَصَدَّقَ أَبُو عَقِيلٍ بِنِصْفِ صَاعٍ قَالَ: وَجَاءَ إِنْسَانٌ بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا، وَمَا فَعَلَ هَذَا الْآخَرُ إِلَّا رِيَاءً، فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ﴾، وَلَمْ يَلْفِظْ بِشْرٌ بِالْمُطَّوِّعِينَ.\n[خ: ١٤١٥]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ إسحاق ابْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: كُنَّا نُحَامِلُ عَلَى ظُهُورِنَا.\nفي هذا الحديث: بيان أن المنافقين لم يكن يسلم منهم أحد، فمن تصدق بقليل قالوا: إن الله ليس بحاجة إلى صدقته القليلة، ومن تصدق بكثير قالوا: هذا مُرَاءٍ.\nوفيه: فضل الصحابة ﵃، وحرصهم على الصدقة والخير، فإنه لما حثهم النبي صلى الله عليهم وسلم على الصدقة، ولم يكن عندهم شيء- صاروا يحملون على ظهورهم، فما اجتمع معهم يتصدقون منه، وينفقون على أهلهم.","vol":"3","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-440>بَابُ فَضْلِ الْمَنِيحَةِ</span>\n\n[١٠١٩] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- يَبْلُغُ بِهِ-: أَلَا رَجُلٌ يَمْنَحُ أَهْلَ بَيْتٍ نَاقَةً تَغْدُو بِعُسٍّ وَتَرُوحُ بِعُسٍّ، إِنَّ أَجْرَهَا لَعَظِيمٌ.\n[خ: ٢٦٢٩]\n\n[١٠٢٠] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ زَيْدٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى فَذَكَرَ خِصَالًا، وَقَالَ: «مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةً غَدَتْ بِصَدَقَةٍ، وَرَاحَتْ بِصَدَقَةٍ، صَبُوحِهَا وَغَبُوقِهَا».\nوقوله: «تَغْدُو بِعُسٍّ وَتَرُوحُ بِعُسٍّ»: العُسُّ: القدح والإناء يحلب فيه.\nوقوله: «صَبُوحِهَا»: الصَّبُوحُ: هو حليب النهار.\nوقوله: «وَغَبُوقِهَا»: الغَبُوقُ: حليب المساء.\nوالمعنى: يحلبونها صباحًا ومساءً، وهذا فيه فضل عظيم؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ أَجْرَهَا لَعَظِيمٌ».\nوفي هذا الحديث: فضل المنيحة من الحيوان، وهي أن يعطي إنسان شخصًا أو أهلَ بيت ناقةً أو شاةً أو بقرةً؛ ليشربوا لبنها مدة معينة ثم يردوها إليه، ومثله: المنيحة من الثمار، فيمنح صاحبُ البستانِ الفقيرَ نخلة أو نخلات، يأكل ثمارها مدة من الزمن.","vol":"3","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-441>بَابُ مَثَلِ الْمُنْفِقِ، وَالْبَخِيلِ</span>\n\n[١٠٢١] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلٍ عَلَيْهِ جُبَّتَانِ- أَوْ جُنَّتَانِ- مِنْ لَدُنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَإِذَا أَرَادَ الْمُنْفِقُ- وَقَالَ الْآخَرُ: فَإِذَا أَرَادَ الْمُتَصَدِّقُ- أَنْ يَتَصَدَّقَ سَبَغَتْ عَلَيْهِ- أَوْ مَرَّتْ- وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يُنْفِقَ قَلَصَتْ عَلَيْهِ، وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا، حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ» قَالَ: فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَالَ: يُوَسِّعُهَا فَلَا تَتَّسِعُ.\n[خ: ١٤٤٣]\nهذا الحديث وقع فيه أوهام، كما قال القاضي عياض ﵀ (^١):\nفمن هذه الأوهام: ما وقع في قوله: «مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْمُتَصَدِّقِ»، فالصواب: «مَثَلُ البَخِيلِ والمُتَصَدِّق».\nومنها: ما وقع في قوله: «كَمَثَلِ رَجُلٍ عَلَيْهِ جُبَّتَانِ- أَوْ جُنَّتَانِ»، فالصواب: «كَمَثَلِ رَجُلٍ عَلَيْهِ جُنَّتَانِ» بالنون.\nومنها: ما وقع في قوله: «وَقَالَ الْآخَرُ: فَإِذَا أَرَادَ الْمُتَصَدِّقُ أَنْ يَتَصَدَّقَ سَبَغَتْ عَلَيْهِ- أَوْ مَرَّتْ»، والصواب: «أو مدَّت» بدل: «مَرَّتْ».\nومنها: ما وقع في قوله: «حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ» فهذا وهمٌ؛ لأن هذا القول إنما جاء في المتصدق، لا في البخيل، وهو على الضد من ذلك، كما في قوله: «قَلَصَتْ عَلَيْهِ، وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا».\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٣/ ٥٤٥).","vol":"3","page":157},{"text":"وفي هذا الحديث: ضرب النبي ﷺ المثل للمنفق، والبخيل، والأمثال ينتقل فيها الذهن من المعنى المجرد إلى المعنى المحسوس المعقول، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾.\nحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ- يعني: الْعَقَدِيَّ- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، قَدِ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إِلَى ثُدِيِّهِمَا وَتَرَاقِيهِمَا، فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عَنْهُ، حَتَّى تُغَشِّيَ أَنَامِلَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ، قَلَصَتْ وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا قَالَ: فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بِإِصْبَعِهِ فِي جَيْبِهِ: فَلَوْ رَأَيْتَهُ يُوَسِّعُهَا، وَلَا تَوَسَّعُ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ عَنْ وُهَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ مَثَلُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، إِذَا هَمَّ الْمُتَصَدِّقُ بِصَدَقَةٍ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تُعَفِّيَ أَثَرَهُ، وَإِذَا هَمَّ الْبَخِيلُ بِصَدَقَةٍ تَقَلَّصَتْ عَلَيْهِ، وَانْضَمَّتْ يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ، وَانْقَبَضَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا» قَالَ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «فَيَجْهَدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا فَلَا يَسْتَطِيعُ».\nقوله: «وَلَا تَوَسَّعُ»: أصلها: ولا تتوسع، على حذف إحدى التاءين.\nوقوله: «وَانْضَمَّتْ يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ»، أي: إلى رقبته.\nوفي هذا الحديث: مثل واضح للبخيل والمتصدق، وهو أنه: «إِذَا هَمَّ","vol":"3","page":158},{"text":"الْمُتَصَدِّقُ بِصَدَقَةٍ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تُعَفِّيَ أَثَرَهُ»؛ لأنه يجد انشراح صدر وراحة، كأنه هو الآخذ، أما البخيل- والعياذ بالله- فإنه: «إِذَا هَمَّ الْبَخِيلُ بِصَدَقَةٍ تَقَلَّصَتْ عَلَيْهِ وَانْضَمَّتْ يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ، وَانْقَبَضَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا، فَيَجْهَدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا فَلَا يَسْتَطِيعُ»، أي: إذا أراد أن ينفق حصل له انقباض وضيق في الصدر، وكأنه مأخوذ منه شيء لا يستطيع رده؛ ولهذا ضرب له النبي ﷺ مثلًا بالجبة التي تقلصت عليه.\nوفيه: ضرب المثل للبخيل والمتصدق بالجبتين؛ لأن المنفق يستره الله بنفقته، ويستر عوراته فى الدنيا والآخرة كستر هذه الجبةِ لابسَها، والبخيل بإمساكه عن نفقة ماله فيما يستره، ويستر عوراته، كهذا الذي لبس الجبة إلى ثدييه، بقي باديَ العورة مفتضحًا فى الدنيا والآخرة (^١).\nوالمعنى: أن البخيل إذا حدَّث نفسه بالصدقة شحت نفسه، وضاق صدره، وانقبضت يداه.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٣/ ٥٤٧).","vol":"3","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-442>بَابُ ثُبُوتِ أَجْرِ الْمُتَصَدِّقِ وَإِنْ وَقَعَتِ الصَّدَقَةُ فِي يَدِ غَيْرِ أَهْلِهَا</span>\n\n[١٠٢٢] حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ مُوسَى ابْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: لَأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى غَنِيٍّ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ، وَعَلَى سَارِقٍ، فَأُتِيَ، فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ، أَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ زِنَاهَا، وَلَعَلَّ الْغَنِيَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ، وَلَعَلَّ السَّارِقَ يَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ سَرِقَتِهِ».\n[خ: ١٤٢١]\nفي هذا الحديث: أنَّ مَن تحرى واجتهد في إخراج الصدقة ووَضَعها فيمن يغلب على ظنَّه أنه أهل لها فإن صدقته مقبولة- إن شاء الله تعالى-؛ لقوله ﷺ: «فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ»، خلافًا للنووي ﵀، القائل: «وفيه: ثبوت الثواب في الصدقة، وإن كان الآخذ فاسقًا وغنيًّا، ففي كل كبد أجر، وهذا في صدقة التطوع، وأما الزكاة فلا يجزي دفعها إلى غني» (^١)، والصواب: قبولها؛ لأن المخرِج للزكاة، أو للصدقة قد أدى ما عليه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وتبرأ ذمته بالاجتهاد، لكن إذا ظن أنه ليس أهلًا لها فلا بد من السؤال والتحري، فإن لم يتحرَّ وأخرجها له لم تجزئه.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٧/ ١١٠).","vol":"3","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-443>بَابُ أَجْرِ الْخَازِنِ الْأَمِينِ، وَالْمَرْأَةِ إِذَا تَصَدَّقَتْ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ بِإِذْنِهِ الصَّرِيحِ، أَوِ الْعُرْفِيِّ</span>\n\n[١٠٢٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، قَالَ أَبُو عَامِرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْخَازِنَ الْمُسْلِمَ الْأَمِينَ الَّذِي يُنْفِذُ- وَرُبَّمَا قَالَ: يُعْطِي- مَا أُمِرَ بِهِ، فَيُعْطِيهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا، طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ».\n[خ: ١٤٣٨]\nقوله: «مُوَفَّرًا»: تأكيد لقوله: «كَامِلًا».\nوقوله: «طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ»، يعني: يعطيها من غير أذى، ولا مماطلة؛ لأن الخازن مثل الأمين، فإذا أمره، وقال: أعطِ فلانًا كذا، فالواجب عليه أن يبادر بتنفيذ أمر صاحب المال، فإذا دفع ما أمره به كاملًا ولم ينقص منه شيئًا طيبةً به نفسه، صار له أجر المتصدق.\nوقوله: «أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ»: بالتثنية، وروي: «أَحَدُ المُتَصَدِّقِينَ» (^١) بالجمع، فبالتثنية يعني: صاحب المال، والخازن، وبالجمع يعني: هو واحدٌ من المتصدقِين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢٦٠).","vol":"3","page":161},{"text":"[١٠٢٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جميعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا- غَيْرَ مُفْسِدَةٍ- كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا».\n[خ: ١٤٢٥]\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ مَنْصُورٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا- غَيْرَ مُفْسِدَةٍ- كَانَ لَهَا أَجْرُهَا، وَلَهُ مِثْلُهُ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا».\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nقوله: «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا»، يعني: من طعام زوجها الذي في بيتها، ونبَّه بالطعام؛ لأنه الذي يُسمح به في العادة، وأما ما زاد عن العادة فلا، وكذلك ما خيف عليه من الفساد، بخلاف الدراهم والدنانير فلا بد فيها من الإذن الصريح.\nوقوله: «كَانَ لَهَا أَجْرُهَا، وَلَهُ مِثْلُهُ»، يعني: لزوجها مثله من الأجر، ولا يلزم من هذا التساوي.\nوفي هذا الحديث: أن كل واحد من هؤلاء الثلاثة له أجره كاملًا، لا ينقص من أجرهم شيء.","vol":"3","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-444>بَابُ مَا أَنْفَقَ الْعَبْدُ مِنْ مَالِ مَوْلَاهُ</span>\n\n[١٠٢٥] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عُمَيْرٍ- مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ- قَالَ: كُنْتُ مَمْلُوكًا، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَأَتَصَدَّقُ مِنْ مَالِ مَوَالِيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَالْأَجْرُ بَيْنَكُمَا نِصْفَانِ».\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يعني: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ يَزِيدَ- يعني: ابْنَ أَبِي عُبَيْدٍ- قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا- مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ- قَالَ: أَمَرَنِي مَوْلَايَ أَنْ أُقَدِّدَ لَحْمًا، فَجَاءَنِي مِسْكِينٌ فَأَطْعَمْتُهُ مِنْهُ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ مَوْلَايَ فَضَرَبَنِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَدَعَاهُ، فَقَالَ: لِمَ ضَرَبْتَهُ؟ فَقَالَ: يُعْطِي طَعَامِي بِغَيْرِ أَنْ آمُرَهُ، فَقَالَ: «الْأَجْرُ بَيْنَكُمَا».\nوقوله ﷺ: «نَعَمْ، وَالْأَجْرُ بَيْنَكُمَا نِصْفَانِ»، يعني: قسمين.\nوفي هذا الحديث: أن جواز تصدق العبد بغير إذن سيده محمول على التصدق بشيء يظن أن سيده يرضى به.\nوفيه: أن العبد إذا تصدق بمال سيده بما جرت به العادة فله أجر، ولسيده أجرٌ مثله.\nوظاهر اللفظ الأول أن عميرًا ﵁ استأذن سيده في الصدقة بقدرٍ يعلم رضاه به.\nأما اللفظ الثاني فمحمول على أن عميرًا ﵁ تصدق بشيء يظن أن مولاه يرضى به، ولم يرضَ به مولاه فلعمير ﵁ أجر لأنه فعل شيئًا يعتقده طاعة بنية الطاعة، ولمولاه أجر؛ لأن ماله تلف عليه.","vol":"3","page":163},{"text":"[١٠٢٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَصُمِ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تَأْذَنْ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّ نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ».\n[خ: ٥١٩٢]\nقوله: «لَا تَصُمْ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ»، أي: حاضر غير مسافر، فإن كان مسافرًا فلها أن تصوم، والمراد بالصوم هنا: صوم التطوع، أو الصوم الواجب على التراخي، كمن كان عليه قضاء من رمضان؛ لقول عائشة ﵂: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِي شَعْبَانَ، الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَوْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ» (^١)، وليس لها أن تصوم إلا بإذنه إذا كان حاضرًا؛ لأن له حقَّ الاستمتاع بها، والصوم يمنعه من الاستمتاع، فإذا أذن لها صامت، وإلا أفطرت.\nوقوله: «وَلَا تَأْذَنْ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ»، أي: لا تأذن لأحد بدخول بيته إلا لأحد يرضاه.\nوقوله: «وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّ نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ»، يعني: ما أنفقت من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعين، ويكون معها إذن عام سابق متناول لهذا القدر وغيره.\nوفي هذا الحديث: أن الإذن نوعان، كما قال النووي (^٢):\nالنوع الأول: الإذن الصريح في النفقة والصدقة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٤٦).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٧/ ١١٢).","vol":"3","page":164},{"text":"النوع الثاني: الإذن المفهوم من اطراد العرف والعادة، كإعطاء السائل كسرة ونحوها مما جرت العادة به، واطرد العرف فيه، وعلم بالعرف رضاء الزوج والمالك به، فإذنه في ذلك حاصل وإن لم يتكلم.","vol":"3","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-445>بَابُ مَنْ جَمَعَ الصَّدَقَةَ وَأَعْمَالَ الْبِرِّ</span>\n\n[١٠٢٧] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ- واللفظ لأبي الطاهر- قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَلَى أَحَدٍ يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ».\n[خ: ١٨٩٧]\nحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَالْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِ يُونُسَ وَمَعْنَى حَدِيثِهِ.\nقوله: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ»: المراد بالزوجين: الصنفان، كطعام، ولباس مثلًا، فالطعام نوع، واللباس نوع، وقيل: المراد بالزوج: الشفع، والمطلوب: تشفيع صدقة بأخرى، مثل: درهمين أو دينارين، أو عبدين، أو بعيرين، أو فرسين، أو ثوبين.\nوقوله: «فِي سَبِيلِ اللَّهِ»: قيل: المراد به: العموم في جميع وجوه الخير، وقيل: المراد به: خصوص الجهاد في سبيل الله، لكن ظاهر الحديث أن المراد به: عموم وجوه الخير.","vol":"3","page":166},{"text":"وأهل الصلاة: من صلى الفرائض، ولو لم يتطوع، وكذلك أهل الصدقة: كل من أدى الزكاة، ولو لم يتطوع، وأهل الصيام: كل من صام رمضان، ولو لم يتطوع بالصيام.\nوفي هذا الحديث: فضل أبي بكر ﵁ فقد كان سَبَّاقًا للخيرات؛ ولهذا قال له النبي ﷺ: «وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ»، أي: ممن يُدعى من تلك الأبواب كلها.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دَعَاهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ، كُلُّ خَزَنَةِ بَابٍ: أَيْ فُلُ! هَلُمَّ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَلِكَ الَّذِي لَا تَوَى عَلَيْهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ».\n[خ: ٢٨٤١]\nقوله: «أَيْ فُلُ»، يعني: أي فلان، وأي: حرف نداء، بمعنى: يا، قال الحريري (^١):\nوَنَادِ مَنْ تَدْعُو بِـ: يَا أَوْ بِـ: أَيَا أَوْ هَمْزَةٍ أَوْ أَيْ وَإِنْ شِئْتَ هَيَا\nوقوله: «أَيْ فُلُ»: ترخيم، وهو أسلوب عربي معروف، ومن ذلك: قول النبي ﷺ: «يَا عَائِشَ، هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلامَ» (^٢).\nوقوله: «ذَلِكَ الَّذِي لَا تَوَى عَلَيْهِ»، يعني: لا هلاك عليه.\n_________\n(^١) ملحة الإعراب، للحريري (ص ٥٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٧٦٨).","vol":"3","page":167},{"text":"وقوله: «هَلُمَّ»، يعني: تعال، أي: أن خزنة الجنة يدعونه، فإذا كان من أهل الصدقة دعاه خزنة باب الصدقة، وإن كان من أهل الجهاد دعاه خزنة باب الجهاد.\nوفي هذا الحديث: أن المدح القليل قد يُعفَى عنه في بعض الأحيان إذا لم يُخَفْ على صاحبه الإعجاب؛ لأن النبي ﷺ مدح أبا بكر ﵁، وأثنى عليه، وقال: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ»، وإلا فالمدح ممنوع، كما جاء في النصوص التي فيها النهي عن المدح، من مثل قوله ﷺ: «إذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ» (^١).\n\n[١٠٢٨] حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ- يعني: الْفَزَارِيَّ- عَنْ يَزِيدَ- وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا قَالَ: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا قَالَ: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ».\nقوله: «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ»، يعني: في يوم واحد.\nوفي هذا الحديث: منقبة عظيمة لأبي بكر الصديق ﵁.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٠٠٢).","vol":"3","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-446>بَابُ الْحَثِّ عَلَى الْإِنْفَاقِ، وَكَرَاهَةِ الْإِحْصَاءِ</span>\n\n[١٠٢٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ- يعني: ابْنَ غِيَاثٍ- عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵂ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنْفِقِي، أَوِ انْضَحِي، أَوِ انْفَحِي، وَلَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ».\nوَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ حَمْزَةَ، وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «انْفَحِي، أَوِ انْضَحِي، أَوْ أَنْفِقِي، وَلَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ، وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ عَبَّادِ بْنِ حَمْزَةَ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا، نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَبَّادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَيْسَ لِي شَيْءٌ إِلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ أَرْضَخَ مِمَّا يُدْخِلُ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: «ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ، وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ».\nقوله: «ارْضَخِي»: يقال: رضَخ- بفتح الضاد- يرضخُ رضخًا، وهو العطاء اليسير، وقيل: هو أن يعطي يسيرًا من كثير.\nوقوله: «فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ»، يعني: يمسك، أي: ولا تَعُدِّي المالَ","vol":"3","page":169},{"text":"فتستكثريه، فيكون سببًا لانقطاع إنفاقك.\nوقوله: «وَلَا تُوعِي»، يعني: ولا تدخريه في الوعاء وتمسكيه.\nوفي هذه الأحاديث: الحث على النفقة، وعدم الإحصاء.","vol":"3","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-447>بَابُ الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَلَوْ بِالْقَلِيلِ، وَلَا تَمْتَنِعُ مِنَ الْقَلِيلِ لِاحْتِقَارِهِ</span>\n\n[١٠٣٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ».\n[خ: ٢٥٦٦]\n\nقوله: «وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ»: الفِرْسِن: الظلف، ويراد به الكراع، ومعلوم أن هناك من يأكله، ويباع نيا ومطبوخا، والمراد لو كان قليلا أو يستفاد منه بإزالته مقدمة الصلب وطبخه كما هو موجود عند المطاعم بإعداده، وقد يكون مفيدا، والمراد: نهى المعطية ألا تمنع من الصدقة والهدية لجارتها لاستغلالها واحتقارها الموجود عندها.\nوفي هذا الحديث: الحث على الهدية، ولو بالشيء القليل، فالهدية بين الجيران والأقارب من أسباب الألفة والمحبة.\nوفيه: اعتناء الشارع بالجار والهدية له.\n* * *","vol":"3","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-448>بَابُ فَضْلِ إِخْفَاءِ الصَّدَقَةِ</span>\n\n[١٠٣١] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، جميعًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي خُبَيْبُ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ».\n[خ: ٦٦٠]\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَقَالَ: وَرَجُلٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ، إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ.\nقوله: «يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّه»: ظاهر الحديث يثبت الظل لله - ﷿ -، وأنه صفة من صفاته؛ لأنه أضافها إليه كسائر صفاته (^١)، إلا أن الصحيح كما قال النووي: «والمراد هنا: ظل العرش، كما جاء في حديث آخر مبينًا» (^٢)، أي قوله (: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أَوْ وَضَعَ لَهُ، أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٣).\nففيه إضافة الظل للعرش؛ وقد جاؤ في رواية لحديث الباب عن سلمان\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز (٢٨/ ٤٠٢).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٧/ ١٢١).\n(^٣) أخرجه أحمد (٨٧١١)، والترمذي (١٣٠٦).","vol":"3","page":172},{"text":"موقوفًا، وفيه: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ» (^١) وحسَّن الحافظ ابن حجر إسناده (^٢)، فيكون المراد به ظل العرش؛ لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا.\nوفي هذا الحديث: بيان فضل هؤلاء السبعة المذكورين.\nوبدأ النبي ﷺ بالإمام العادل؛ لعموم نفعه وتعديه؛ لأن الإمام العادل تصلح به البلاد والعباد، ويقيم الله به الأمن وينتصف به المظلوم من الظالم، ويؤخذ به على يد السفيه، وتقام الحدود بسببه.\nوقوله: «وَرَجُلٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ»: وفي رواية أخرى: «إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ»، ليس المعنى: أنه يجلس في المسجد ولا يخرج، بل المعنى: أنه يخرج إلى الأسواق ويبيع ويشتري، لكن عنده عناية بالصلاة.\nوقوله: «وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ»، يعني: اجتمعا على المحبة، لا لأجل النسب، أو الشراكة في المال، أو لمصالح أخرى.\nوقوله: «وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ»، يعني: دعته إلى الفاحشة، فقال: إني أخاف الله ﷿، ومثله المرأة إذا دعاها رجل ذو منصب وجمال، فقالت: إني أخاف الله ﷿، فلها هذا الفضل.\nوقوله: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ»: هذا وهمٌ من الناقلين، كما قال القاضي ﵀ (^٣)، وقد رواه البخاري في صحيحه، على الصواب: «حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» (^٤)؛ لأن النفقة تكون باليمين، لا بالشمال.\nوقوله: «وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ»، يعني: فاضت عيناه من خشية الله ﷿ وهو خالٍ ليس عنده أحد، بخلاف ما إذا كان عند الناس، فقد يكون رياءً، ومثله المرأة إذا ذكرت الله خاليةً ففاضت عيناها، فلها هذا الفضل.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في العرش (٥٦).\n(^٢) فتح الباري، لابن حجر (٢/ ١٤٤).\n(^٣) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٣/ ٥٦٣).\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٦٠).","vol":"3","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-449>بَابُ بَيَانِ أَنَّ أَفْضَلَ الصَّدَقَةِ صَدَقَةُ الصَّحِيحِ الشَّحِيحِ</span>.\n\n[١٠٣٢] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ؟ فَقَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، أَلَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ».\n[خ: ١٤١٩]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ فَقَالَ: «أَمَا- وَأَبِيكَ- لَتُنَبَّأَنَّهُ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْبَقَاءَ، وَلَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ».\nحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ جَرِيرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟\nقوله: «أَمَا- وَأَبِيكَ- لَتُنَبَّأَنَّهُ»: الصواب: أن هذا الحلف بأبيه كان قبل النهي عن الحلف بغير الله ﷿، قال ﷺ: «أَلا، إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ، وَإِلَّا فَلْيَصْمُتْ» (^١).\nوفي هذا الحديث: بيان أفضل الصدقة بالنسبة لحال الشخص: وهو أن يتصدق وهو صحيح شحيح يخشى الفقر، ويأمل الغنى؛ لأن المال في هذه الحالة يكون محبوبًا لنفسه، والنفس تشح به، بخلاف ما إذا كان في مرض الموت فإن المال يرخص، ويعلم صاحبه أنه سينتقل عنه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦١٠٨)، ومسلم (١٦٤٦).","vol":"3","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-450>بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَأَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ، وَأَنَّ السُّفْلَى هِيَ الْآخِذَةُ</span>\n\n[١٠٣٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ- فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ- عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ- وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ، وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ-: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ».\n[خ: ١٤٢٩]\n\n[١٠٣٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، جميعًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ- أَوْ: خَيْرُ الصَّدَقَةِ- عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ».\n[خ: ١٤٢٧]\nقوله: «وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى»: اليد العليا هي: المنفقة، والسفلى هي: الآخذة.\nوقوله: «وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ»، يعني: ابدأ بمن يجب عليك عولهم، والإنفاق عليهم، أي: أن العيال والقرابة أحق من الأجانب.\nوفي هذه الأحاديث:\n١ - الحث على أن تكون يد الإنسان عليا.\n٢ - الحث على كسب المال من وجوه مشروعة حتى يتصدق منه.\n٣ - التحذير من السؤال.\n٤ - بيان أفضل الصدقة بالنسبة للمال: وهو ما كان «عَنْ ظَهْرِ غِنًى»، أي: ما زاد عن حاجة الإنسان من نفقته على نفسه، وأهله، وأولاده، ومن كان تحت يده من الدواب والبهائم.","vol":"3","page":175},{"text":"٥ - بيان أفضل الصدقة بالنسبة للمتصدَّق عليه، وهي: الصدقة على الأقارب؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ»، وقال في الحديث الآخر: «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ» (^١).\nوجاء في قصة ميمونة ﵂ لما أعتقت وليدة لها: أن النبي ﷺ قال لها: «لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ» (^٢).\n\n[١٠٣٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى».\n[خ: ١٤٧٢]\nفي هذا الحديث: أن حكيم بن حزام ﵁ سأل النبي ﷺ شيئًا من المال فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه- ثلاث مرات- ثم نصحه بنصيحة انتفع بها، فقال له النبي ﷺ: «إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ»، يعني: تميل إليه النفس، فالشيء الأخضر مرغوب فيه، وكذلك الحلو مرغوب فيه.\nوقال له: «فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ»، يعني: من أخذه بسخاوة نفس فلم يتطلع إليه، ولم يسأل، بارك الله له فيه، «وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ» وتاشراف: تطلع النفس وتعرضها وطمعها في الحصول عليه، «لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ».\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٩٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٥٩٢)، ومسلم (٩٩٩).","vol":"3","page":176},{"text":"فانتفع حكيم بن حزام ﵁ بهذه النصيحة، وقال- كما في اللفظ الآخر-: «وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَاسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، كَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى الْعَطَاءِ، فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ ﵁ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ، أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَ» (^١).\n\n[١٠٣٦] حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا شَدَّادٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ، وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى».\nقوله: «أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ»: بفتح همزة أن، والمعنى: بذلُكَ الفاضلَ عن حاجتك وحاجة عيالك خيرٌ لك؛ لبقاء ثوابه.\nوقوله: «وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ»: بفتح همزة أن، والمعنى: وإمساكُكَ الفاضلَ شرٌّ لك؛ لأنه إن أمسك عن الواجب استحق العقاب عليه، وإن أمسك عن المندوب نقص ثوابه، فهو في كلا الحالين شر؛ لتفويته مصلحة نفسه في آخرته.\nوقوله: «وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ»، يعني: أن لا لوم على صاحب المال في إبقاء ما يحتاج إليه منه، للنفقة على نفسه، وأهله، وأولاده؛ حتى لا يحتاج إلى غيره.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٧٢).","vol":"3","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-451>بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ</span>\n\n[١٠٣٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْيَحْصَبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: إِيَّاكُمْ وَأَحَادِيثَ إِلَّا حَدِيثًا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ، فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يُخِيفُ النَّاسَ فِي اللَّهِ ﷿، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ».\nوَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ، فَمَنْ أَعْطَيْتُهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ فَيُبَارَكُ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَعْطَيْتُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ وَشَرَهٍ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ».\n[خ: ٧١]\nقوله: «وَشَرَهٍ»: الشَّرَهُ: هو التطلع والسؤال.\nوقوله: «وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ»، يعني: إنما أنا خازن على المال الذي يكون بيدي، ومؤتَمَن عليه، والله تعالى هو الذي يأمرني بتوزيعه، وإنفاقه، وفي لفظ قال: «وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، وَيُعْطِي اللَّهُ» (^١).\nهذا الحديث له منطوق، ومفهوم؛ فمنطوقه: أن الفقه في الدين من علامة إرادة الله الخير للعبد، ومفهومه: أن من لم يفقهه الله في الدين لم يرد به خيرًا- ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nوفي هذا الحديث: نصيحة من معاوية ﵁، حيث يقول: «إِيَّاكُمْ وَأَحَادِيثَ إِلَّا حَدِيثًا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ؛ فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يُخِيفُ النَّاسَ فِي اللَّهِ ﷿»؛ لأن عمر ﵁ كان إذا حدَّثه أحدٌ طلب منه التثبت، بأن يأتي بمن يشهد له أنه سمعه من النبي ﷺ، كما جاء: «أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٣١٢)، ومسلم (١٠٣٧).","vol":"3","page":178},{"text":"﵁ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَكَأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا، فَرَجَعَ أَبُو مُوسَى، فَفَرَغَ عُمَرُ، فَقَالَ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ؟ ائْذَنُوا لَهُ، قِيلَ: قَدْ رَجَعَ، فَدَعَاهُ، فَقَالَ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: تَأْتِينِي عَلَى ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ، فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسِ الْأَنْصَارِ، فَسَأَلَهُمْ، فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا إِلَّا أَصْغَرُنَا، أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، فَذَهَبَ بِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَقَالَ عُمَرُ: أَخَفِيَ هَذَا عَلَيَّ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ- يَعْنِي: الْخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ» (^١).\n\n[١٠٣٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَخِيهِ هَمَّامٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ، فَوَاللَّهِ لَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا، فَتُخْرِجَ لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئًا وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ، فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ».\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ- وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فِي دَارِهِ بِصَنْعَاءَ، فَأَطْعَمَنِي مِنْ جَوْزَةٍ فِي دَارِهِ عَنْ أَخِيهِ- قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.\n\n[١٠٣٧] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ- وَهُوَ يَخْطُبُ- يَقُولُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، وَيُعْطِي اللَّهُ».\nفي هذا الحديث: التحذير من الإلحاف في المسألة؛ وذلك لأن النبي ﷺ لا يرد سائلًا، فإذا سُئِلَ أعطى، فإن كان السائل مستحقًّا للصدقة بارك الله له فيها، وإن لم يكن مستحقًّا لها صارت وبالًا عليه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٦٢).","vol":"3","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-452>بَابُ الْمِسْكِينِ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ، فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ</span>\n\n[١٠٣٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يعني: الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ، فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ» قَالُوا: فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ، فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا».\n[خ: ١٤٧٦]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- أَخْبَرَنِي شَرِيكٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ- مَوْلَى مَيْمُونَةَ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَا اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الْمُتَعَفِّفُ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾».\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي شَرِيكٌ، أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ.\nقوله: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَا اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الْمُتَعَفِّفُ»: هذا من نفي الوصف وإثباته لمن هو أولى منه، وله نظائر في السُّنَّة، كقوله ﷺ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» (^١).\nفي هذا الحديث: أنَّ أشدَّ الناسِ مسكنةً الفقيرُ الذي ليس عنده شيء\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩).","vol":"3","page":180},{"text":"يكفيه، وليس عليه علامة الفقر، فلا يُفْطَن له، فهذا الذي ينبغي البحث عنه، والتعرف عليه، والتصدق عليه؛ لأنه أشد حاجة من الطَّوَّاف؛ لأن هذا «الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ، فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ»، وفي لفظ: «الَّذِي تَرُدُّهُ الْأُكْلَةَ وَالْأُكْلَتَانِ» (^١) قد يجتمع عنده ما يسد حاجته، أما المسكين فلا يفطن له الناس ليتصدقوا عليه، فقد يموت في بيته، ولا يعلم به أحد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٧٦).","vol":"3","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-453>بَابُ كَرَاهَةِ الْمَسْأَلَةِ لِلنَّاسِ</span>\n\n[١٠٤٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ- أَخِي الزُّهْرِيِّ- عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ».\n[خ: ١٤٧٤]\nوَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَخِي الزُّهْرِيِّ هَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: مُزْعَةُ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ».\nفي هذا الحديث: التحذير من السؤال بغير حق، فلا يزال الإنسان يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وقد سقط لحم وجهه- نعوذ بالله من ذلك.\n\n[١٠٤١] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ، أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ».\nفي هذا الحديث: أن الذي يأخذ أموال الناس تكثُّرًا يصير هذا المال له جمرًا يُكوى به يوم القيامة.","vol":"3","page":182},{"text":"[١٠٤٢] حَدَّثَنِي هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ بَيَانٍ أَبِي بِشْرٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا أَعْطَاهُ، أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ».\n[خ: ١٤٧٠]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَاللَّهِ لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهُ»، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ بَيَانٍ.\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ- مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ- أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَأَنْ يَحْتَزِمَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ، فَيَحْمِلَهَا عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا يُعْطِيهِ، أَوْ يَمْنَعُهُ».\nقوله: «فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ»، أي: يجعل حزمة الحطب على ظهره.\nوقوله: «وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ»، أي: فيكف الله به وجهه عن السؤال.\n\n[١٠٤٣] حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، وَسَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ سَلَمَةُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الدَّارِمِيُّ: أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ- وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ-حَدَّثَنَا سَعِيدٌ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ- عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَبِيبُ الْأَمِينُ- أَمَّا هُوَ فَحَبِيبٌ إِلَيَّ، وَأَمَّا هُوَ عِنْدِي فَأَمِينٌ- عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِسْعَةً، أَوْ ثَمَانِيَةً، أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟» - وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ- فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا","vol":"3","page":183},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟»، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟» قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا، وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: «عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا- وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً- وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا»، فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ، يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ.\nقوله: «وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً»: إنما أسر هذه الكلمة دون ما قبلها؛ لأن ما قبلها وصية عامة، وهذه الجملة مختصة ببعضهم، والمراد بالكلمة: المعنى اللغوي، وهي الجملة، وهذه الكلمة جاء تفسيرها في الحديث قَالَ: «وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا»، وعند الإمام أحمد وابن حبان: «ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ كَلِمَةً خَفِيَّةً،» فَقَالَ: «لَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا» (^١).\nوقوله: «وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا»: شَيْئًا: نكرة في سياق النهي، والقاعدة الأصولية: أن النكرة في سياق النفي أو النهي أو الشرط تَعُمُّ، فأخذ الصحابة بهذا العموم فلم يسألوا الناس شيئًا مطلقًا، فكان بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم وهو على دابته، فلا يسأل أحدًا أن يناوله إياه، بل ينزل ويأخذ سوطه بنفسه.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٣٩٩٣)، وابن حبان (٣٣٨٥)، والطبراني في الكبير (٦٨).","vol":"3","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-454>بَابُ مَنْ تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ</span>\n\n[١٠٤٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هَارُونَ بْنِ رِيَابٍ، حَدَّثَنِي كِنَانَةُ ابْنُ نُعَيْمٍ الْعَدَوِيُّ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: «أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا» قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوَ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ- أَوَ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ- فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا، يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا».\nفي هذا الحديث: أن المسألة لاتحل إلا لواحد من هؤلاء الثلاثة:\nالأول: رجل تحمل في ذمته دينًا يصلح به بين الناس، حتى تزول المحن، فهذا يعطى من الزكاة، ولو كان غنيًّا؛ تقديرًا لعمله النبيل، ثم يمسك إذا أخذ ما تحمله.\nالثاني: رجل أصابته جائحة اجتاحت ماله؛ كحريق، أو ريح، وكأن يكون صاحب بستان مثلًا، ولم يبقَ عنده شيء ينفق منه على نفسه، وعلى أهله، فهذا يسأل حتى يجد ما ينفق على نفسه وعلى أهله، ثم يمسك.\nالثالث: رجل أصابته فاقة وفقر شديد، ويشهد له ثلاثة من قومه من أصحاب العقول أن فلانًا أصابته فاقة، فيسأل حتى يأخذ ما يسد فاقته، ثم يمسك.","vol":"3","page":185},{"text":"والبينات أنواع:\nفمنها: ما لا يُقبل فيه إلا ثلاثة؛ كالذي يدَّعي الفقر.\nومنها: ما لا يُقبل فيه إلا أربعة عدول من الرجال، كالبينة التي يثبت بها حدُّ الزنا.\nومنها: ما لا يُقبل فيه إلا عدلان من الرجال، وهو ما يوجب القصاص، أو الحد غير الزنا.\nومنها: ما يُقبل فيه رجلان، أو رجل وامرأتان، كالأموال والديون، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾.\nومنها: ما يقبل فيه امرأة واحدة، كالرضاع، والبكارة، والثيوبة، ونحوها مما لا يَطَّلع عليه إلا النساء.\nومنها: ما يُقبل فيه شاهد ويمين المدعي، وهي: الأموال والديون عند عدم وجود الشاهدَين.","vol":"3","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>بَابُ إِبَاحَةِ الْأَخْذِ لِمَنْ أُعْطِيَ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إِشْرَافٍ</span>\n\n[١٠٤٥] وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. ح، وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا، فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خُذْهُ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ».\n[خ: ١٤٧٣]\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُعْطِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ الْعَطَاءَ، فَيَقُولُ لَهُ عُمَرُ: أَعْطِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خُذْهُ، فَتَمَوَّلْهُ، أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ، وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ»، قَالَ سَالِمٌ: فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا، وَلَا يَرُدُّ شَيْئًا أُعْطِيَهُ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّعْدِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nفي هذا الحديث: أن المال إذا جاءك وأنت غير متطلِّع إليه ولا متشوِّف له، فخذه، إلا إذا أُعطيته لأجل أن تسكتَ عن الحق، أو أن تتكلم بالباطل، كما جاء في الحديث: «فَإِذَا كَانَ ثَمَنًا لِدِينِكَ فَدَعْهُ».","vol":"3","page":187},{"text":"حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ السَّاعِدِيِّ الْمَالِكِيِّ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا وَأَدَّيْتُهَا إِلَيْهِ، أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ، فَقُلْتُ: إِنَّمَا عَمِلْتُ لِلَّهِ وَأَجْرِي عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ: خُذْ مَا أُعْطِيتَ؛ فَإِنِّي عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَمَّلَنِي، فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَ فَكُلْ وَتَصَدَّقْ».\nوَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ السَّعْدِيِّ: أَنَّهُ قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى الصَّدَقَةِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ.\nقوله: «أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ»، يعني: أعطاني أجرة عملي.\nقال القاضي عياض ﵀ في التعليق على سند هذا الحديث: «فى حديث قتيبة: بسر بن سعيد عن ابن الساعدي المالكي، وبعده فى حديث هارون: عن ابن السعدي، وهو الصواب، واسمه قدامة، وقيل: عمرو، وهو قرشي عامري، مالكي، من بني مالك بن حنبل بن عامر بن لؤى، وإنما قيل له: السعدي؛ لأنه استُرضع في بني سعد بن بكر، وأما الساعدي فلا أعرف له وجهًا، وابنه عبد الله من الصحابة» (^١).\nوفي هذا الحديث: جواز أخذ العِوض على أعمال المسلمين، سواء كان لدِين، أو لدنيا، كالقضاء، والحسبة، والتدريس، والدعوة إلى الله؛ لأن هذا من بيت مال المسلمين، وكذلك الأعمال الأخرى.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٣/ ٥٨١).","vol":"3","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-456>بَابُ كَرَاهَةِ الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا</span>\n\n[١٠٤٦] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ- قَالَ: «قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْنِ: حُبِّ الْعَيْشِ، وَالْمَالِ».\n[خ: ٦٤٢٠]\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْنِ: طُولُ الْحَيَاةِ، وَحُبُّ الْمَالِ».\n\n[١٠٤٧] وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ، وَتَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ: الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ».\n[خ: ٦٤٢١]\nوَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ، بِمِثْلِهِ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ.\nفي هذا الحديث: أن حب المال، والحرص على العمر مستمران مع الإنسان، حتى ولو كان شيخًا، قال تعالى: ﴿وإنه لحب الخير لشديد﴾.\nوالإنسان إذا رزقه الله تعالى القناعة فهو خير عظيم، وكنز لا يفنى، وفي صحيح مسلم، قال ﷺ: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠٥٤).","vol":"3","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-457>بَابُ لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَيْنِ لَابْتَغَى ثَالِثًا</span>\n\n[١٠٤٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ».\n[خ: ٦٤٣٩]\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: فَلَا أَدْرِي أَشَيْءٌ أُنْزِلَ، أَمْ شَيْءٌ كَانَ يَقُولُهُ؟ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ.\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادٍ مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنَّ لَهُ وَادِيًا آخَرَ، وَلَنْ يَمْلَأَ فَاهُ إِلَّا التُّرَابُ، وَاللَّهُ يَتُوبُ عَلَى مَنْ تَابَ».\n\n[١٠٤٩] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ مِلْءَ وَادٍ مَالًا لَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ إِلَيْهِ مِثْلُهُ، وَلَا يَمْلَأُ نَفْسَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَاللَّهُ يَتُوبُ عَلَى مَنْ تَابَ»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَا أَدْرِي أَمِنَ الْقُرْآنِ هُوَ، أَمْ لَا؟ وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَمِنَ الْقُرْآنِ؟ لَمْ يَذْكُرْ ابْنَ عَبَّاسٍ.\n[خ: ٦٤٣٦]\nقوله: «وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ»، أي: أن أغلب الناس لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموت، ويمتلئ جوفه من تراب قبره.","vol":"3","page":190},{"text":"[١٠٥٠] حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ دَاوُدَ عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ إِلَى قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثَلَاثُ مِائَةِ رَجُلٍ، قَدْ قَرَءُوا الْقُرْآنَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ خِيَارُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَقُرَّاؤُهُمْ فَاتْلُوهُ، وَلَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الْأَمَدُ، فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، كَمَا قَسَتْ قُلُوبُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا فِي الطُّولِ وَالشِّدَّةِ بِبَرَاءَةَ فَأُنْسِيتُهَا، غَيْرَ أَنِّي قَدْ حَفِظْتُ مِنْهَا: لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَكُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا بِإِحْدَى الْمُسَبِّحَاتِ فَأُنْسِيتُهَا، غَيْرَ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْهَا: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ فَتُكْتَبُ شَهَادَةً فِي أَعْنَاقِكُمْ، فَتُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.\nفي هذا الحديث: إثبات النسخ في القرآن، خلافًا لمن أنكر ذلك من اليهود، وأشباههم، قال الله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nوفيه: الحث على تلاوة القرآن وتعاهده، فهو علاج قسوة القلوب، كما قال أبو موسى ﵁: \" فَاتْلُوهُ، وَلَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الْأَمَدُ، فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، كَمَا قَسَتْ قُلُوبُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ\"","vol":"3","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-458>بَابُ لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ</span>\n\n[١٠٥١] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ».\n[خ: ٦٤٤٦]\nفي هذا الحديث: أن الغنى ليس بكثرة المال والمتاع، ولكن الغنى غنى النفس بالقناعة، والراحة، والطمأنينة، وقد يكون الإنسان عنده مال قارون وهو فقير النفس؛ لشدة حرصه على الزيادة، وعدم الرضا والقناعة بما عنده، فيكون كالذي يأكل ولا يشبع.","vol":"3","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-459>بَابُ تَخَوُّفِ مَا يَخْرُجُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا</span>\n\n[١٠٥٢] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: «لَا وَاللَّهِ مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ- أَيُّهَا النَّاسُ- إِلَّا مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: «كَيْفَ قُلْتَ؟» قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ، أَوَ خَيْرٌ هُوَ، إِنَّ كُلَّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا، أَوْ يُلِمُّ، إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ ثَلَطَتْ، أَوْ بَالَتْ، ثُمَّ اجْتَرَّتْ فَعَادَتْ فَأَكَلَتْ، فَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِحَقِّهِ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِغَيْرِ حَقِّهِ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ».\n[خ: ٦٤٢٧]\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أن رسول الله ﷺ قال: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا» قَالُوا: وَمَا زَهْرَةُ الدُّنْيَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «بَرَكَاتُ الْأَرْضِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ قَالَ: «لَا يَأْتِي الْخَيْرُ إِلَّا بِالْخَيْرِ، لَا يَأْتِي الْخَيْرُ إِلَّا بِالْخَيْرِ، لَا يَأْتِي الْخَيْرُ إِلَّا بِالْخَيْرِ، إِنَّ كُلَّ مَا أَنْبَتَ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ، أَوْ يُلِمُّ، إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ، فَإِنَّهَا تَأْكُلُ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ، ثُمَّ اجْتَرَّتْ، وَبَالَتْ، وَثَلَطَتْ، ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ، وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ، فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ».","vol":"3","page":193},{"text":"حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامٍ- صَاحِبِ الدَّسْتَوَائِيِّ- عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فَقَالَ: «إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي: مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَوَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ تُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَلَا يُكَلِّمُكَ؟ قَالَ: وَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، فَأَفَاقَ يَمْسَحُ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ، وَقَالَ: «إِنَّ هَذَا السَّائِلَ» - وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ- فَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ، أَوْ يُلِمُّ، إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ فَإِنَّهَا أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ، فَثَلَطَتْ، وَبَالَتْ، ثُمَّ رَتَعَتْ، وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ لِمَنْ أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ، وَالْيَتِيمَ، وَابْنَ السَّبِيلَ»، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\n[خ: ١٤٦٥]\nقوله: «يَقْتُلُ حَبَطًا»، يعني: يقتل بالتخمة لكثرة الأكل.\nوقوله: «أَوْ يُلِمُّ»، أي: يقارب الهلاك.\nوقوله: «ثَلَطَتْ»، أي: ألقت الثلط، وهو: الرجيع الرقيق الذي يخرج من بطنها.\nوقوله: «ثُمَّ اجْتَرَّتْ»، يعني: أخرجت الجرَّة، وهي: ما تخرجه الماشية من كرشها لتمضغه، ثم تبلعه، تستمرئ بذلك ما أكلت.\nوقوله: «ثُمَّ رَتَعَتْ»، يعني: ثم رعت مرة أخرى.\nقوله: «إِنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ، أَوَ خَيْرٌ هُوَ؟»، يعني: هل ما يُفتح على الناس من زهرة الدنيا خير، حتى تقول- أيها السائل-: أيأتي الخير بالشر؟ !","vol":"3","page":194},{"text":"ثم ضرب النبي ﷺ مثلًا، فقال: «إِنَّ كُلَّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا، أَوْ يُلِمُّ»، أي: أن الربيع له نضرة، تستهوي الدابة فتأكل الدابة منه، وتستكثر من الأكل حتى تصاب بالتخمة فتهلك، أو تقارب الهلاك.\nوقوله: «وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ، لِمَنْ أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ، وَالْيَتِيمَ، وَابْنَ السَّبِيلَ»: المراد به: الذي ينفق المال بعد أن يجمعه في وجوه الخير والبر.\nوفي هذا الحديث: التحذير من الانخراط في زينة الدنيا وما يبسط منها، والمفاخرة بها، والتحذير من أخذ المال بغير حقه، وعدم إنفاقه في الوجوه المشروعة.\nوالنبي ﷺ ضرب في هذا الحديث مثلين: مثلًا لمن يجمع المال ويمسكه ولا ينفقه، ومثلًا لمن يجمع المال من وجوهه المشروعة، وينفقه في وجوهه المشروعة.\nفمثَّل الذي يجمع المال ولا ينفقه في وجوهه المشروعة بالدابة التي تأكل في الربيع، وتُكثر، ثم تصاب بالتخمة؛ فتهلك.\nومثَّل للذي يجمع المال ويصرفه في وجوهه المشروعة بالدابة التي تأكل، ثم بعد ذلك تخرج ما في بطنها؛ فإنها تسلم من شره.\nوالنبي ﷺ أنصحُ الناس للناس؛ لهذا خطبهم على المنبر، وحذرهم من الاغترار بالدنيا، وإيثارها على الآخرة، والتعسف في جمع المال من حلال أو حرام، وهذه نصيحة منه ﵊ لأمته كلها إلى يوم القيامة، وليست خاصة بالصحابة.","vol":"3","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-460>بَابُ فَضْلِ التَّعَفُّفِ وَالصَّبْرِ</span>\n\n[١٠٥٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ- فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ- عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ نَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ قَالَ: «مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ».\n[خ: ١٤٦٩]\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَه.\nفي هذا الحديث: بيان جود وكرم النبي ﷺ وإيثاره المسلمين على نفسه.\nوفيه: فضل العفة والصبر على ضيق العيش ومكاره الدنيا، والاستغناء بالله ﷿ عن غيره من المخلوقات.\nوفيه: لطيفة من دقائق الأمور وهي: أن الصفات الطيبة: \" وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ\"، والأخلاق الحميدة تُكتسَب، وذلك لمن تكلَّفها وتمرَّن عليها ابتغاء وجه الله ﷿؛ فيكرمه الله ﵎ بها.","vol":"3","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-461>بَابُ فِي الْكَفَافِ وَالْقَنَاعَةِ</span>\n\n[١٠٥٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ- وَهُوَ ابْنُ شَرِيكٍ- عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ».\nقوله: «قَدْ أَفْلَحَ»: الفلاح هو: الحصول على المطلوب، والنجاة من المرهوب.\nوقوله: «وَرُزِقَ كَفَافًا»: الكفاف: ما يكفي الإنسان عن الحاجة إلى الناس.\nوفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ علق الفلاح بثلاثة أشياء:\nالأول: الإسلام.\nالثاني: رزق الكفاف.\nالثالث: القناعة.\nفمن هداه الله لهذه الثلاث، فقد أفلح.\n\n[١٠٥٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ، كِلَاهُمَا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا».\n[خ: ٦٤٦٠]\nقوله: «قُوتًا»، أي: ما يُقِيتُ الإنسانَ، ويكفيه، ويسد رمقه وحاجته.","vol":"3","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-462>بَابُ إِعْطَاءِ مَنْ سَأَلَ بِفُحْشٍ وَغِلْظَةٍ</span>\n\n[١٠٥٦] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَسْمًا، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَغَيْرُ هَؤُلَاءِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ قَالَ: «إِنَّهُمْ خَيَّرُونِي أَنْ يَسْأَلُونِي بِالْفُحْشِ، أَوْ يُبَخِّلُونِي، فَلَسْتُ بِبَاخِلٍ».\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ قد يعطي السائل وإن كان لا يستحق؛ لأنه لا يَرُدُّ ﵊ سائلًا، ولا يحب أن يُبَخَّل، أي: أن يقال: بخيل؛ ولهذا لما تعلَّق به الأعراب بمرجعه من حنين، وأعطاهم ما عنده، حتى اضطروه إلى شجرة من شجر البادية فخطفت رداءَه، قال: «أَعْطُونِي رِدَائِي، فَلَوْ كَانَ عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا، وَلَا كَذُوبًا، وَلَا جَبَانًا» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٨٢١).","vol":"3","page":198},{"text":"[١٠٥٧] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا. ح، وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ رِدَاءٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عُنُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ.\n[خ: ٣١٤٩]\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ ابْنُ عَمَّارٍ. ح، وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي حَدِيثِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ مِنَ الزِّيَادَةِ قَالَ: ثُمَّ جَبَذَهُ إِلَيْهِ جَبْذَةً، رَجَعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فِي نَحْرِ الْأَعْرَابِيِّ، وَفِي حَدِيثِ هَمَّامٍ: فَجَاذَبَهُ حَتَّى انْشَقَّ الْبُرْدُ، وَحَتَّى بَقِيَتْ حَاشِيَتُهُ فِي عُنُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nقوله: «وَعَلَيْهِ رِدَاءٌ نَجْرَانِيٌّ»، أي: منسوج في نجران، فنُسب إليها.\nوقوله: «غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ»، يعني: ليس لينًا، بل غليظًا، يؤثر على الجسد إذا جرَّه أحد بقوة.\nوقوله: «فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً»، وفي الرواية الأخرى: «رَجَعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فِي نَحْرِ الْأَعْرَابِيِّ»: هذا يدل على أنها جذبة شديدة؛ لوصول النبي ﷺ إلى صدر الأعرابي من قوة جذبته؛ ذلك لأن الأعراب عندهم جفاء وقسوة.","vol":"3","page":199},{"text":"وفي هذا الحديث: حُسن خلق النبي ﷺ وتواضعه، وعدم انتصاره لنفسه.\nوفيه: أن هذا الأعرابي أساء بالقول، والفعل إلى النبي ﷺ: فأساء بالفعل أولًا إلى النبي ﷺ بهذه المعاملة السيئة، ثم بالقول بقوله: «يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ»، ومع ذلك فلم ينتصر النبي ﷺ لنفسه، وهذا من تواضعه ﵊، بل التفت إليه- وهو يضحك- وأمر له بعطاء، ولم يعامله ﵊ بمقتضى جفائه وغلظته.\n\n[١٠٥٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْبِيَةً، وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ شَيْئًا، فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيَّ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ قَالَ: ادْخُلْ فَادْعُهُ لِي قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا، فَقَالَ: «خَبَأْتُ هَذَا لَكَ» قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ.\n[خ: ٢٥٩٩]\nحَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْحَسَّانِيُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَقْبِيَةٌ، فَقَالَ لِي أَبِي مَخْرَمَةُ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ؛ عَسَى أَنْ يُعْطِيَنَا مِنْهَا شَيْئًا قَالَ: فَقَامَ أَبِي عَلَى الْبَابِ فَتَكَلَّمَ، فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتَهُ، فَخَرَجَ وَمَعَهُ قَبَاءٌ، وَهُوَ يُرِيهِ مَحَاسِنَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: «خَبَأْتُ هَذَا لَكَ، خَبَأْتُ هَذَا لَكَ».\nقوله: «وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ»: القباء- بفتح القاف-: ثوب يلبس فوق الثياب.\nوقوله: «خَبَأْتُ هَذَا لَكَ»، يعني: ادخرت هذا لك.\nوفي هذا الحديث: رعاية النبي ﷺ لأصحابه، فقد كان يعلم ما في أبي مخرمة من الحدة، فراعى حاله، وأنه كان يعلم أنه سيأتي، فبمجرد أن سمع صوته ﷺ خرج له بالقباء.","vol":"3","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-463>بَابُ إِعْطَاءِ مَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ</span>\n\n[١٥٠] حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ أَنَّهُ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ قَالَ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ رَجُلًا لَمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا قَالَ: «أَوْ مُسْلِمًا؟» فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا قَالَ: «أَوْ مُسْلِمًا؟» فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا قَالَ: «أَوْ مُسْلِمًا؟» قَالَ: «إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ».\nوَفِي حَدِيثِ الْحُلْوَانِيِّ تَكْرِيرُ الْقَوْلِ مَرَّتَيْنِ.\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَلَى مَعْنَى حَدِيثِ صَالِحٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ.\nحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ- يعني: حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ- الَّذِي ذَكَرْنَا، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي، ثُمَّ قَالَ: «أَقِتَالًا أَيْ سَعْدُ؟ ! إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ».","vol":"3","page":201},{"text":"في هذا الحديث:\n١ - أن الإيمان غير الإسلام؛ ولهذا لما قال سعد ﵁: «إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا»، قال رسول الله ﷺ: «أَوْ مُسْلِمًا»، يعني: أنه لم يبلغ درجة الإيمان.\n٢ - أن درجة الإيمان أعلى من درجة الإسلام.\n٣ - أن ناقص الإيمان فاسق لا يطلق عليه اسم الإيمان المطلق.\n٤ - أن النبي ﷺ إنما يعطي المال لتأليف القلوب على الإسلام، وليس من أجل الفضل في الإيمان.\n٥ - إعطاء النبي ﷺ من الخُمس لمصلحة الإسلام والمسلمين؛ لتأليف الناس على الإسلام؛ ولهذا لما ظن سعد ﵁ أن النبي ﷺ يعطي من أجل الإيمان قال: «يا رسول الله، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا؟»، فبين له النبي ﷺ أنه لا يعطي المال من أجل الإيمان، وإنما يعطي من أجل التألُّف على الإسلام، فقال: «إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ؛ خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِه»، يعني: خشية أن يرتد عن دينه.\n٦ - أنه ينبغي على الإنسان عدم الإلحاح، بل يعرض ولا يُلِح، ولهذا لما ألَحَّ سعد ثلاث مرات، قال ﷺ: «أَقِتَالًا أَيْ سَعْدُ؟ !»، أي: هل المسألة قتال يا سعد؟ !","vol":"3","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-464>بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَتَصَبُّرِ مَنْ قَوِيَ إِيمَانُهُ</span>\n\n[١٠٥٩] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الْأنْصَارِ قَالُوا- يَوْمَ حُنَيْنٍ حِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ الْمِائَةَ مِنَ الْإِبِلِ- فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ، يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَحُدِّثَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْأَنْصَارِ، فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟» فَقَالَ لَهُ فُقَهَاءُ الْأَنْصَارِ: أَمَّا ذَوُو رَأْيِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وَأَمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ قَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ يُعْطِي قُرَيْشًا، وَيَتْرُكُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُمْ، أَفَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالْأَمْوَالِ، وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ؟ ! فَوَاللَّهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ»، فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ رَضِينَا قَالَ: «فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أَثَرَةً شَدِيدَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا\nاللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنِّي عَلَى الْحَوْضِ» قَالُوا: سَنَصْبِرُ.\n[خ: ٣١٤٧]\nحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مَا أَفَاءَ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: فَلَمْ نَصْبِرْ، وَقَالَ: فَأَمَّا أُنَاسٌ حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ.\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ","vol":"3","page":203},{"text":"شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بمثله، إلا أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: قَالُوا: نَصْبِرُ، كَرِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ.\nقوله: «أَثَرَةً»، يعني: من يستأثر عليكم، ويفضِّل عليكم غيركم بغير حق.\nفي هذا الحديث: أن الذين تكلموا عن إعطاء رسول الله ﷺ غيرَ الأنصار، وتركهم ليسوا أصحابَ العقول، وإنما قاله بعض صغار السن، الذين لم يجربوا الأمور ولا عرفوها، بخلاف الكبار فإن عندهم ثباتًا وتروِّيًا وبُعدَ نظرٍ، ففيه: أنه ينبغي على الشباب الرجوع إلى العلماء، وإلى الكبار؛ حتى يبينوا لهم الأمور.\nوقوله: «حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ» يعني: الذين أسلموا قريبًا، فيعطيهم النبي ﷺ؛ ليتألفهم على الإسلام حتى يتقوى إيمانهم، أما الذين تقدم إسلامهم، ورسخ الإيمان في قلوبهم فليسوا بحاجة إلى العطاء؛ لأن إيمانهم قوي؛ ولهذا أعطى ﷺ رؤساء القبائل كل واحد مائة من الإبل، فأعطى ﵊ رجالًا من قريش من بني تميم مائة من الإبل، وأعطى صفوان بن أمية مائة، وعيينة بن حصن مائة، والأقرع بن حابس مائة، كما سيأتي في الروايات التالية؛ كي يتألفهم على الإسلام، وأكثر الذين أعطاهم كانوا حديثي عهد بكفر، وبعضهم لم يكن قد أسلم بعدُ كصفوان بن أمية، وترك النبي ﷺ الأنصار ولم يعطهم شيئًا.\nوفيه: إثبات الحوض للنبي ﷺ تَرِدُه أمته يوم القيامة.","vol":"3","page":204},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَنْصَارَ، فَقَالَ: «أَفِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟» فَقَالُوا: لَا إِلَّا ابْنُ أُخْتٍ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ ابْنَ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ»، فَقَالَ: «إِنَّ قُرَيْشًا حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَمُصِيبَةٍ، وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَجْبُرَهُمْ وَأَتَأَلَّفَهُمْ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟ لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا، وَسَلَكَ الْأَنْصَارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ».\n[خ: ٣٥٢٨]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ قَسَمَ الْغَنَائِمَ فِي قُرَيْشٍ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ! إِنَّ سُيُوفَنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، وَإِنَّ غَنَائِمَنَا تُرَدُّ عَلَيْهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَجَمَعَهُمْ، فَقَالَ: «مَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟» قَالُوا: هُوَ الَّذِي بَلَغَكَ- وَكَانُوا لَا يَكْذِبُونَ- قَالَ: «أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا إِلَى بُيُوتِهِمْ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟ ! لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا- أَوْ شِعْبًا- وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ وَادِيًا- أَوْ شِعْبًا- لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ- أَوْ شِعْبَ الْأَنْصَارِ».\n[خ: ٣٧٧٨]\nقوله: «إِنَّ ابْنَ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ»: استدل به بعض أهل العلم على توريث ذوي الأرحام، كما ذهب إلى ذلك الإمام أحمد ﵀ (^١)، وأبو حنيفة ﵀ (^٢).\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني (ص ٢٩٥)، شرح منتهى الإرادات، للبهوتي (٢/ ٥٣٥).\n(^٢) المبسوط، للسرخسي (٣٠/ ٢)، الاختيار لتعليل المختار، لأبي الفضل الحنفي (٥/ ١٠٥)، البحر الرائق، لابن نجيم (٨/ ٥٧٧).","vol":"3","page":205},{"text":"وذهب مالك والشافعي: إلى أن أهل الأرحام لا يرثون، وإنما يرث ذوو الفروض والعصبات، فإذا لم يوجد للميت ذوو فروض وعصبات فما تركه الميت فلبيت مال المسلمين، وقالوا: إن هذا الحديث ليس فيه تصريح بأنهم يرثون، وإنما فيه: أن بينه وبينهم ارتباطًا وقرابةً، ولا علاقة للإرث في ذلك (^١).\nوقوله: «شِعْبًا»: الشِّعب: الوادي الصغير، والمعنى: أن الأنصار لو سلكوا شعبًا صغيرًا، وسلك الناس واديًا كبيرًا لسلك النبي ﷺ شعب الأنصار، وهذا فيه: فضل الأنصار، وأنهم أفضل الناس بعد المهاجرين، وأنهم على الحق رضوان الله عليهم.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ- يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ الْحَرْفُ بَعْدَ الْحَرْفِ- قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ أَقْبَلَتْ هَوَازِنُ وَغَطَفَانُ وَغَيْرُهُمْ بِذَرَارِيِّهِمْ وَنَعَمِهِمْ، وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ- يَوْمَئِذٍ- عَشَرَةُ آلَافٍ وَمَعَهُ الطُّلَقَاءُ، فَأَدْبَرُوا عَنْهُ حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ قَالَ: فَنَادَى- يَوْمَئِذٍ- نِدَاءَيْنِ لَمْ يَخْلِطْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا قَالَ: فَالْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ»، فَقَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتَ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ» قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ قَالَ: وَهُوَ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ، فَنَزَلَ، فَقَالَ: «أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، وَأَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَقَسَمَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالطُّلَقَاءِ، وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: إِذَا كَانَتِ الشِّدَّةُ فَنَحْنُ نُدْعَى، وَتُعْطَى الْغَنَائِمُ غَيْرَنَا؟ فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي\n_________\n(^١) مختصر خليل، لخليل (ص ٢٦١)، شرح مختصر خليل، للخرشي (٨/ ٢٠٧ - ٢٠٨)، أسنى المطالب، لزكريا الأنصاري (٣/ ٦).","vol":"3","page":206},{"text":"عَنْكُمْ؟»، فَسَكَتُوا، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَتَذْهَبُونَ بِمُحَمَّدٍ تَحُوزُونَهُ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَضِينَا قَالَ: فَقَالَ: «لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا، وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا، لَأَخَذْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ».\nقَالَ هِشَامٌ: فَقُلْتُ يَا أَبَا حَمْزَةَ أَنْتَ شَاهِدٌ ذَاكَ؟ قَالَ: وَأَيْنَ أَغِيبُ عَنْهُ؟ !\n[خ: ٤٣٣٣]\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ ابْنُ مُعَاذٍ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَدَّثَنِي السُّمَيْطُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: افْتَتَحْنَا مَكَّةَ، ثُمَّ إِنَّا غَزَوْنَا حُنَيْنًا، فَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ بِأَحْسَنِ صُفُوفٍ رَأَيْتُ قَالَ: فَصُفَّتِ الْخَيْلُ، ثُمَّ صُفَّتِ الْمُقَاتِلَةُ، ثُمَّ صُفَّتِ النِّسَاءُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، ثُمَّ صُفَّتِ الْغَنَمُ، ثُمَّ صُفَّتِ النَّعَمُ قَالَ: وَنَحْنُ بَشَرٌ كَثِيرٌ قَدْ بَلَغْنَا سِتَّةَ آلَافٍ، وَعَلَى مُجَنِّبَةِ خَيْلِنَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ: فَجَعَلَتْ خَيْلُنَا تَلْوِي خَلْفَ ظُهُورِنَا، فَلَمْ نَلْبَثْ أَنِ انْكَشَفَتْ خَيْلُنَا، وَفَرَّتِ الْأَعْرَابُ وَمَنْ نَعْلَمُ مِنَ النَّاسِ قَالَ: فَنَادَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، يَا لَلْمُهَاجِرِينَ»، ثُمَّ قَالَ: «يَا لَلْأَنْصَارِ، يَا لَلْأَنْصَارِ» قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: هَذَا حَدِيثُ عِمِّيَّةٍ قَالَ: قُلْنَا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَايْمُ اللَّهِ مَا أَتَيْنَاهُمْ حَتَّى هَزَمَهُمُ اللَّهُ قَالَ: فَقَبَضْنَا ذَلِكَ الْمَالَ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الطَّائِفِ، فَحَاصَرْنَاهُمْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى مَكَّةَ، فَنَزَلْنَا قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي الرَّجُلَ الْمِائَةَ مِنَ الْإِبِلِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ، كَنَحْوِ حَدِيثِ قَتَادَةَ، وَأَبِي التَّيَّاحِ، وَهِشَامِ بْنِ زَيْدٍ.\nقوله: «وَالطُّلَقَاءِ»: هم الذين أسلموا من أهل مكة، وسُمُّوا بالطلقاء؛ لأن النبي ﷺ منَّ عليهم، ولم يعاقبهم.","vol":"3","page":207},{"text":"وفي هذا الحديث: أن الله تعالى قدَّر لهؤلاء المشركين أن يسوقوا هذه الغنائم، ويصفُّونها أحسن صفٍّ، «فَصُفَّتِ الْخَيْلُ، ثُمَّ صُفَّتِ الْمُقَاتِلَةُ، ثُمَّ صُفَّتِ النِّسَاءُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، ثُمَّ صُفَّتِ الْغَنَمُ، ثُمَّ صُفَّتِ النَّعَمُ»، أي: أنهم جاؤوا بذراريهم، ونسائهم وأموالهم، يزعمون أنهم سيقاتلون قتالًا شديدًا، وأنهم لن يفروا.\nوقوله: «قَدْ بَلَغْنَا سِتَّةَ آلَافٍ»: هذا وهمٌ من بعض الرواة، والصواب: أنهم كانوا اثني عشر ألفًا، كما في الرواية الأخرى، أنهم عشرة آلاف من المهاجرين، وألفان من الأنصار.\nوقول أنس ﵁: «هَذَا حَدِيثُ عِمِّيَّةٍ»: قال فيه النووي ﵀: «عِمِّيَّة بكسر العين والميم وتشديد الميم والياء، قال القاضي: كذا رُوِّينا هذا الحرف عن عامة شيوخنا، قال: وفُسِّر بالشدة، والثاني: عُمِّيَّة كذلك، إلا أنه بضم العين، والثالث: عَمِّيَه بفتح العين وكسر الميم المشددة وتخفيف الياء وبعدها هاء السكت، أي: حدثني به عَمِّي، وقال القاضي: على هذا الوجه معناه عندي: جماعتي» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٧/ ١٥٥).","vol":"3","page":208},{"text":"[١٠٦٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَصَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ، وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ دُونَ ذَلِكَ، فَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ:\nأَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَيْدِ ... بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ\nفَمَا كَانَ بَدْرٌ وَلَا حَابِسٌ ... يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ\nوَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا ... وَمَنْ تَخْفِضِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ\nقَالَ: فَأَتَمَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِائَةً.\n[خ: ٤٣٣٠]\nوَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ ابْنِ مَسْرُوقٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ، فَأَعْطَى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ، وَزَادَ: وَأَعْطَى عَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاثَةَ مِائَةً.\nوَحَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ الشَّعِيرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ عَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاثَةَ، وَلَا صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الشِّعْرَ فِي حَدِيثِهِ.\nقوله: «الْعُبَيْدِ»: هذا اسم فرسه.\nوقوله: «نَهْبِي وَنَهْبَ»: النهب: ما يعطى من الغنيمة.\nوقوله: «وَمَنْ تَخْفِضِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ»، أي: يا رسول الله، إذا خفضت أحدًا فلن يرتفع، وأنت جعلتني أقلَّ منهم! فكمَّل له النبي ﷺ المائة.\nوفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ أعطى رؤساء القبائل الذين أسلموا حديثًا، يتألفهم على الإسلام، فأعطى أبا سفيان بن حرب ﵁ مائة من الإبل،","vol":"3","page":209},{"text":"وأعطى صفوان بن أمية ﵁ مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن ﵁ مائة من الإبل، وأعطى الأقرع بن حابس ﵁ مائة، وأعطى عباس بن مرداس ﵁ أقل من مائة، فتأثر عباس بن مرداس ﵁ بذلك، فقال هذه الأبيات يطلب من النبي ﷺ أن يجعله مثلهم.\n\n[١٠٦١] حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا فَتَحَ حُنَيْنًا قَسَمَ الْغَنَائِمَ، فَأَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ، فَبَلَغَهُ أَنَّ الْأَنْصَارَ يُحِبُّونَ أَنْ يُصِيبُوا مَا أَصَابَ النَّاسُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَخَطَبَهُمْ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ ! وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ ! وَمُتَفَرِّقِينَ فَجَمَعَكُمُ اللَّهُ بِي؟ !» وَيَقُولُونَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، فَقَالَ: «أَلَا تُجِيبُونِي؟ !»، فَقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ شِئْتُمْ أَنْ تَقُولُوا كَذَا وَكَذَا، وَكَانَ مِنَ الْأَمْرِ كَذَا وَكَذَا»، لِأَشْيَاءَ عَدَّدَهَا، زَعَمَ عَمْرٌو أَنْ لَا يَحْفَظُهَا، فَقَالَ: «أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاءِ وَالْإِبِلِ، وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ ! الْأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ، وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ وَشِعْبَهُمْ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ».\nقوله: «الْأَنْصَارُ شِعَارٌ»: الشعار: هو الثوب الذي يلي الجسم.\nوقوله: «وَالنَّاسُ دِثَارٌ»: الدثار: هو الثوب الذي فوق الشعار، والمعنى: أنهم أخص الناس به ﷺ.\nوقوله: «وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ»، يعني: لولا فضل الهجرة لانتسبت إليكم، لكني من المهاجرين.","vol":"3","page":210},{"text":"وفي هذا الحديث: فضل الأنصار رضوان الله عليهم، ولكن المهاجرين أفضل من الأنصار؛ لأن المهاجرين تركوا ديارهم وأموالهم وأهليهم لله، وكان الأنصار في بلادهم، وإن كانوا آثروا المهاجرين ﵃ على أنفسهم.\n\n[١٠٦٢] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاسًا فِي الْقِسْمَةِ، فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ، وَآثَرَهُمْ- يَوْمَئِذٍ- فِي الْقِسْمَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللَّهِ! قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ قَالَ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ، ثُمَّ قَالَ: «فَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟» قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى! قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ» قَالَ: قُلْتُ: لَا جَرَمَ، لَا أَرْفَعُ إِلَيْهِ بَعْدَهَا حَدِيثًا.\n[خ: ٣١٥٠]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَسْمًا، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّهَا لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَسَارَرْتُهُ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَاحْمَرَّ وَجْهُهُ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَذْكُرْهُ لَهُ قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «قَدْ أَوُذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا، فَصَبَرَ».\nقوله: «وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللَّهِ»: فيه: أنه قالها في غيبته ﷺ، وفي الحديث الآخر أنه واجهه بها، وقال: «وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللَّهِ»، فجاء عبد الله بن مسعود ﵁، وأخبر النبيَّ ﷺ بذلك، فتغير وجه النبي ﷺ، حتى كان كالصِّرْف، يعني:","vol":"3","page":211},{"text":"احمرَّ وجهه، والصِّرف: صبغ أحمر، تُصبغ به الجلود.\nوقول عبد الله بن مسعود ﵁: «لَا جَرَمَ، لَا أَرْفَعُ إِلَيْهِ بَعْدَهَا حَدِيثًا»، أي: ما دام أنه سيتأثر هذا التأثر، فلن أخبره مرة أخرى بحديث.\nوسيأتي في أحاديث أُخَر: أن عمر وخالدًا ﵄ طلبا قتل هذا الرجل الذي أغضب رسول الله ﷺ، وأن هذا الرجل منافق، وأنه هو أصل الخوارج.\nوفي هذا الحديث: التسلية عن الدعاة إلى الله تعالى فإذا كان الرسول ﷺ يُتَّهم ويواجَه بمثل هذا، فكيف يرجو أحدٌ السلامةَ من الناس؟ !","vol":"3","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-465>بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ وَصِفَاتِهِمْ</span>\n\n[١٠٦٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ مُنْصَرَفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، وَفِي ثَوْبِ بِلَالٍ فِضَّةٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبِضُ مِنْهَا يُعْطِي النَّاسَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ! قَالَ: «وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ؟ لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ»، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَقْتُلَ هَذَا الْمُنَافِقَ، فَقَالَ: «مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ».\n[خ: ٣١٣٨]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنِي قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْسِمُ مَغَانِمَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ.\nقوله: «لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ» قيل: بفتح التاء، وهو الأرجح، أي: خبتَ أنت أيها الرجل، وخسرتَ إن لم أكن أعدل، ويجوز الرفع، أي: خبتُ، وخسرتُ إن لم أعدل.\nوقوله: «يمرُقُونَ منهُ»، أي: يخرقونه ويتعدونه، كما يخرق السهم الشيء المرمي به ويخرج منه.\nوقوله: «الرَّمِيَّةِ»، يعني: الصيد المرمي، فعيلة بمعنى: مفعولة.\nوفي هذا الحديث: أن عمر ﵁ قال: «دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَقْتُلَ هَذَا","vol":"3","page":213},{"text":"الْمُنَافِقَ»، والظاهر: أن الرسول ﷺ أقرَّه على كونه منافقًا.\nوفيه: بيان المانع له من قتله، في قوله ﷺ: «مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»، وقد احتج بهذا من قال بكفر الخوارج- كما سيأتي- والجمهور على أنهم مبتدعة.\n\n[١٠٦٤] حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ ﵁- وَهُوَ بِالْيَمَنِ- بِذَهَبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيُّ، وَعُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيُّ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي كِلَابٍ، وَزَيْدُ الْخَيْرِ الطَّائِيُّ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي نَبْهَانَ قَالَ: فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ، فَقَالُوا: أَتُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ وَتَدَعُنَا؟ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِأَتَأَلَّفَهُمْ»، فَجَاءَ رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ نَاتِئُ الْجَبِينِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ! قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِنْ عَصَيْتُهُ؟ ! أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِي؟ !» قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فِي قَتْلِهِ، يُرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ».\n[خ: ٣٣٤٤]\nقوله: «كَثُّ اللِّحْيَةِ»، يعني: كثير شعر اللحية.\nوقوله: «مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ»، أي: أن وجنتيه تحت الأذن ناتئتان.","vol":"3","page":214},{"text":"وقوله: «نَاتِئُ الْجَبِينِ»، أي: ناتئ الجبهة.\nوقوله: «يُرَوْنَ» - بضم المثناة، أي: يظنون.\nوقوله: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ»: الضئضئ: أصل الشيء.\nظاهر هذا الحديث: أن هذا الرجل أصل الخوارج، وقد ذكر النبي ﷺ أوصافهم، فقال: «يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ»، أي: لا يعملون بالقرآن، ويتركون المشركين لا يقاتلونهم، ويقاتلون المسلمين.\nوقوله: «مَحْلُوقُ الرَّأْسِ»: حلق الرأس جائز؛ لحديث: «احْلِقُوهُ كُلَّهُ، أَوِ اتْرُكُوهُ كُلَّهُ» (^١)، لكن الخوارج يستأصلون الشعر، ولا يبقون منه شيئًا، ويلزمون حلق الرأس تعبدًا.\nوقوله: «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ»: احتج به بعض أهل العلم على كفر الخوارج؛ لأنهم يمرقون من الإسلام، ولِشَبههم بِعادٍ وهم قوم كفار، وهذا قول قوي، ولكن الجمهور على أنهم مبتدعة، وليسوا كفارًا؛ لأنهم متأولون (^٢)، وقد حكى شيخ الإسلام أن الصحابة عاملوهم معاملة المبتدعة (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥١٧٥)، وأبو داود (٤١٩٥)، والنسائي (٥٠٤٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٣/ ٢١٠)، (٢٨/ ٥١٨).\n(^٣) منهاج السنة النبوية، لابن تيمية (٥/ ١٢، ٩٥، ٢٤١ - ٢٤٧).","vol":"3","page":215},{"text":"حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْيَمَنِ بِذَهَبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ، لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا قَالَ: فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَزَيْدِ الْخَيْلِ، وَالرَّابِعُ: إِمَّا عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ، وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلَاءِ! قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً؟ !» قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، مُشَمَّرُ الْإِزَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اتَّقِ اللَّهَ، فَقَالَ: «وَيْلَكَ! أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ؟ !» قَالَ: ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ: «لَا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي»، قَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ» قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُقَفٍّ، فَقَالَ: «إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ\nرَطْبًا، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ».\n[خ: ٤٣٥١]\nحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ، وَقَالَ: نَاتِئُ الْجَبْهَةِ، وَلَمْ يَقُلْ: نَاشِزُ، وَزَادَ: فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ ! قَالَ: «لَا» قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ، فَقَامَ إِلَيْهِ خَالِدٌ سَيْفُ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ ! قَالَ: «لَا»، فَقَالَ: «إِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ لَيِّنًا رَطْبًا»، وَقَالَ:","vol":"3","page":216},{"text":"قَالَ عُمَارَةُ: حَسِبْتُهُ قَالَ: «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: زَيْدُ الْخَيْرِ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ، أَوْ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وَقَالَ: نَاشِزُ الْجَبْهَةِ، كَرِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَقَالَ: «إِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ»، وَلَمْ يَذْكُرْ: «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ».\nقوله: «مَقْرُوظٍ»، أي: مدبوغ بالقرظ، وهو شيء تدبغ به الجلود.\nوفي هذا الحديث: إجراء الأحكام على الظاهر؛ لهذا قال النبي ﷺ: «إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ»، وفي لفظ: «إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» (^١)، فدلَّ على أن المصلي لا يُقتل إلا إذا ارتكب ما يوجب قتله، كاستحلال الزنا، أو الردة.\nوفيه: وصف الخوارج، بأنهم: «يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ».\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٩٢٨)، والبيهقي في الكبرى (١٦٩٨٧).","vol":"3","page":217},{"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أنهما أتيا أبا سعيد الخدري، فسألاه عَنِ الحَرُورِيَّةِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُهَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي مَنْ الْحَرُورِيَّةُ؟ وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ- وَلَمْ يَقُلْ: مِنْهَا- قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، فَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ- أَوْ: حَنَاجِرَهُمْ- يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ إِلَى نَصْلِهِ إِلَى رِصَافِهِ، فَيَتَمَارَى فِي الْفُوقَةِ هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنَ الدَّمِ شَيْءٌ؟».\n[خ: ٥٠٥٨]\nقوله: «الْحَرُورِيَّةُ»: طائفة من الخوارج نسبوا إلى «حَرُورَاءَ» بالمد والقصر، وهو موضع قريب من الكوفة، كان أول مجتمعهم وتحكيمهم فيها، وهم من الخوارج الذين قاتلهم علي ﵁.\nوقوله: «فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ إِلَى نَصْلِهِ إِلَى رِصَافِهِ، فَيَتَمَارَى فِي الْفُوقَةِ هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنَ الدَّمِ شَيْءٌ»، يعني: أن السهم يخرج سريعًا، فلا يعلق به الدم من سرعة خروجه، والمقصود به: أن الخوارج سريعو الخروج من الإسلام، وهذا حجة قوية لمن قال بكفرهم.","vol":"3","page":218},{"text":"حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. ح، وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيُّ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالضَّحَّاكُ الْهَمْدَانِيُّ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا- أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ- وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اعْدِلْ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ؟ قَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ»، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَعْهُ؛ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ- وَهُوَ الْقِدْحُ- ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ: رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَتَدَرْدَرُ، يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ\nمِنَ النَّاسِ»، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ، فَالْتُمِسَ فَوُجِدَ، فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي نَعَتَ.\n[خ: ٣٦١٠]\nقوله: «آيَتُهُمْ»، أي: علامتهم.\nوقوله: «رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَتَدَرْدَرُ»، يعني: تضطرب، وتذهب وتجيء، وفي لفظ آخر: «طُبْيُ شَاةٍ»، يعني: كضرع الشاة.","vol":"3","page":219},{"text":"وفي هذا الحديث: أن ساب النبي ﷺ يستحق القتل؛ ولذلك قال عمر ﵁: «ائْذَنْ لِي فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ»؛ لكن النبي ﷺ رفض قتله، وعفوُه ﷺ عن حقه جائز في حياته، لكن بعد وفاة النبي ﷺ لو جاء أحد واتهمه بأنه لا يعدل، أو بأنه ظالم، فإنه يُقتل ولا يُستتاب على الصحيح.\nوقد وصف النبي ﷺ الخوارج هنا بصفات، منها:\n١ - أنهم يكثرون الصلاة، والصيام، وقراءة القرآن.\n٢ - أنهم يقاتلون أهل الإسلام.\n٣ - أن آيتهم هذا الرجل الذي يده ليس لها ذراع، وإنما له عضد في طرفها قطعة لحم تدردر فيها شعيرات.\n٤ - أنهم يخرجون على حين فُرقة واختلاف بين المسلمين.\n٥ - أنه تقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق، وهم علي ﵁ وأتباعه.\nوفي هذا الحديث: علامة من علامات نبوته ﷺ؛ وهي قوله: «آيَتُهُمْ: رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَتَدَرْدَرُ، يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ»، وقد شهد أبو سعيد الخدري ﵁ بأنه رآه على الوصف المذكور، وفي الوقت الموصوف.","vol":"3","page":220},{"text":"[١٠٦٥] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ قَوْمًا يَكُونُونَ فِي أُمَّتِهِ، يَخْرُجُونَ فِي فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ، سِيمَاهُمُ التَّحَالُقُ قَالَ: «هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ- أَوْ مِنْ أَشَرِّ الْخَلْقِ- يَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ» قَالَ: فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُمْ مَثَلًا- أَوَ قَالَ: قَوْلًا- الرَّجُلُ يَرْمِي الرَّمِيَّةَ- أَوَ قَالَ: الْغَرَضَ- فَيَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلَا يَرَى بَصِيرَةً، وَيَنْظُرُ فِي النَّضِيِّ فَلَا يَرَى بَصِيرَةً، وَيَنْظُرُ فِي الْفُوقِ فَلَا يَرَى بَصِيرَةً قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَأَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ.\nحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ- وَهُوَ ابْنُ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ- حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ».\nحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَكُونُ فِي أُمَّتِي فِرْقَتَانِ، فَتَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا مَارِقَةٌ، يَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَاهُمْ بِالْحَقِّ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ فِي فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ، فَيَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ».\n\n[١٠٦٦] حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثٍ ذَكَرَ فِيهِ: «قَوْمًا يَخْرُجُونَ عَلَى فُرْقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، يَقْتُلُهُمْ أَقْرَبُ الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْحَقِّ».\n[خ: ٣٦١١]\nقوله: «هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ، أَوْ مِنْ أَشَرِّ الْخَلْقِ»: دليل لمن كفَّر الخوارج، وقال الجمهور: هم شر الخلق، أي: من شر المسلمين، فتأولوا هذا الحديث.","vol":"3","page":221},{"text":"وقوله: «يَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ»: استُدل به على أن الحق مع علي ﵁، أما أهل الشام فهم بغاة، لكنهم متأولون مأجورون على اجتهادهم، ويجب الترضي عنهم.\nوقوله: «بَصِيرَةً»: هي الشيء من الدم، أي: لا يُرى شيء من الدم يُستدَل به على إصابة الرمية.\nوقوله: «تَكُونُ فِي أُمَّتِي فِرْقَتَانِ»، أي: فرقة علي ﵁ وأهل العراق، وفرقة معاوية ﵁ وأهل الشام.","vol":"3","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-466>بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قَتْلِ الْخَوَارِجِ</span>\n\n[١٠٦٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، جميعًا عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ الْأَشَجُّ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ؛ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nقوله: «خَدْعَةٌ»: فيها ثلاث لغات: خَدْعة، وخُدَعة، وخُدْعة، والأفصح: خَدْعة (^١).\nوقول علي ﵁: «إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ»، يعني: أنه يمكن أن يعمل بالتورية في مسائل الحروب، فيُظهر شيئًا، ويريد خلافه، أما حديث الرسول ﷺ فلا يمكن أن يكون فيه التساهل.\nوفي هذا الحديث من أوصاف الخوارج: أنهم «أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ»، أي: صغار السن، و«سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ»، أي: أن عقولهم ضعيفة، وأنهم: «يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ»، يعني: أنهم يقرؤون\n_________\n(^١) الصحاح، للجوهري (٣/ ١٢٠١)، القاموس المحيط، للفيروز آبادي (١/ ٧١٢)، النهاية، لابن الأثير (٢/ ١٤).","vol":"3","page":223},{"text":"الأحاديث ويحفظونها، ويقرؤون القرآن، ولا يجاوز حناجرهم؛ لعدم فقههم، وضعف عقولهم، واعتدادهم برأيهم، ومن هنا جاءهم البلاء؛ لأنهم يعتدون برأيهم، ولا يرجعون لأهل العلم ولا لأهل البصيرة، وإنما يأخذون بما تمليه عليهم عقولهم الضعيفة السخيفة، ويعملون وفق آرائهم وشهواتهم.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: «يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُمَا- قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: ذَكَرَ الْخَوَارِجَ، فَقَالَ: فِيهِمْ رَجُلٌ مُخْدَجُ الْيَدِ، أَوْ مُودَنُ الْيَدِ أَوْ مَثْدُونُ الْيَدِ، لَوْلَا أَنْ تَبْطَرُوا لَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَالَ: قُلْتُ: آنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ؟ قَالَ: إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبِيدَةَ قَالَ: لَا أُحَدِّثُكُمْ إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْهُ، فَذَكَرَ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَ حَدِيثِ أَيُّوبَ مَرْفُوعًا.\nقوله: «مُخْدَجُ الْيَدِ»، يعني: يده ناقصة، ليس له ذراع، وإنما له عضد في طرفها لحمة تضطرب فيها شعيرات، ومثلها قوله: «مُودَنُ الْيَدِ».","vol":"3","page":224},{"text":"وقوله: «مَثْدُونُ الْيَدِ»، أي: صغير اليد مجتمعها، والمثدن والمثدون: الناقص الخَلق.\nوقيل: المثدن مقلوب ثند، يريد أنه يشبه ثندوة الثدي، وهي رأسه، فقدم الدال على النون مثل جذب وجبذ (^١).\nوقوله: «آنْتَ سَمِعْتَهُ؟ !»: استفهام، وأصلها: أأنت سمعته؟ سُهِّلت الهمزة فصارت مدًّا.\nوقوله: «إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ»: تأكيد للقسم.\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (٥/ ١٦٩)، لسان العرب، لابن منظور (١٣/ ٤٤٥).","vol":"3","page":225},{"text":"حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ الْجُهَنِيُّ: أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ ﵁، الَّذِينَ سَارُوا إِلَى الْخَوَارِجِ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَحْسِبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ، لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ ﷺ لَاتَّكَلُوا عَنِ الْعَمَلِ، وَآيَةُ ذَلِكَ: أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ، وَلَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ، عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ، عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ»، فَتَذْهَبُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَأَهْلِ الشَّامِ، وَتَتْرُكُونَ هَؤُلَاءِ يَخْلُفُونَكُمْ فِي ذَرَارِيِّكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ، وَأَغَارُوا فِي سَرْحِ النَّاسِ، فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ.\nقَالَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ: فَنَزَّلَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ مَنْزِلًا، حَتَّى قَالَ: مَرَرْنَا عَلَى قَنْطَرَةٍ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا- وَعَلَى الْخَوَارِجِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ- فَقَالَ لَهُمْ: أَلْقُوا الرِّمَاحَ وَسُلُّوا سُيُوفَكُمْ مِنْ جُفُونِهَا؛ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُنَاشِدُوكُمْ كَمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ، فَرَجَعُوا فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِمْ، وَسَلُّوا السُّيُوفَ، وَشَجَرَهُمُ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ قَالَ: وَقُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَمَا أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ- يَوْمَئِذٍ- إِلَّا رَجُلَانِ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: الْتَمِسُوا فِيهِمُ الْمُخْدَجَ، فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَامَ عَلِيٌّ ﵁ بِنَفْسِهِ حَتَّى أَتَى نَاسًا، قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ قَالَ: أَخِّرُوهُمْ، فَوَجَدُوهُ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ، وَبَلَّغَ رَسُولُهُ! قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آلِلَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَسَمِعْتَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ: إِي وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، حَتَّى","vol":"3","page":226},{"text":"اسْتَحْلَفَهُ ثَلَاثًا، وَهُوَ يَحْلِفُ لَهُ.\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ- مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-: أَنَّ الْحَرُورِيَّةَ لَمَّا خَرَجَتْ- وَهُوَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁- قَالُوا: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، قَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَصَفَ نَاسًا إِنِّي لَأَعْرِفُ صِفَتَهُمْ فِي هَؤُلَاءِ، يَقُولُونَ الْحَقَّ بِأَلْسِنَتِهِمْ، لَا يَجُوزُ هَذَا مِنْهُمْ- وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ- مِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ، مِنْهُمْ أَسْوَدُ إِحْدَى يَدَيْهِ طُبْيُ شَاةٍ، أَوْ حَلَمَةُ ثَدْيٍ، فَلَمَّا قَتَلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: انْظُرُوا، فَنَظَرُوا، فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا، فَقَالَ: ارْجِعُوا؛ فَوَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَلَا كُذِبْتُ- مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا- ثُمَّ وَجَدُوهُ فِي خَرِبَةٍ، فَأَتَوْا بِهِ حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: وَأَنَا حَاضِرُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَقَوْلِ عَلِيٍّ فِيهِمْ، زَادَ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ، قَالَ بُكَيْرٌ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنِ ابْنِ حُنَيْنٍ: أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ ذَلِكَ الْأَسْوَدَ.\nقوله: «اسْتَحْلَفَهُ ثَلَاثًا وَهُوَ يَحْلِفُ لَهُ»: هذا من باب التأكيد، وإلا فإن مرة واحدة كافية.\nوفي هذا الحديث: أن عليًّا ﵁ كبَّر تصديقًا للنبي ﷺ؛ عندما رأى هذا الرجل كما وصفه النبي ﷺ.","vol":"3","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-467>بَاب الْخَوَارِجُ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ</span>\n\n[١٠٦٧] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي، أَوْ سَيَكُونُ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَلَاقِيمَهُمْ، يَخْرُجُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ»، فَقَالَ ابْنُ الصَّامِتِ: فَلَقِيتُ رَافِعَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّ- أَخَا الْحَكَمِ الْغِفَارِيِّ- قُلْتُ: مَا حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي ذَرٍّ كَذَا وَكَذَا، فَذَكَرْتُ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ؟ فَقَالَ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\n\n[١٠٦٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَأَلْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ: هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ الْخَوَارِجَ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُهُ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ: «قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، لَا يَعْدُو تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ».\n[خ: ٦٩٣٤]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: يَخْرُجُ مِنْهُ أَقْوَامٌ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ، جَمِيعًا عَنْ يَزِيدَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنِ العَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ أُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَتِيهُ قَوْمٌ قِبَلَ الْمَشْرِقِ، مُحَلَّقَةٌ رُءُوسُهُمْ».\nقوله: «يَتِيهُ قَوْمٌ»، أي: يضلون عن الصواب، وعن طريق الحق.","vol":"3","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-468>بَابُ تَحْرِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ، وَهُمْ: بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ دُونَ غَيْرِهِمْ</span>.\n\n[١٠٦٩] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدٍ- وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ- سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كِخْ كِخْ، ارْمِ بِهَا، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟ !».\n[خ: ١٤٨٥]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «أَنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ»، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مُعَاذٍ: «أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ».\nفي هذا الحديث: جواز تعليم الصغار، ومنعهم مما يُمنع منه الكبار؛ لتدريبهم وتأديبهم، كما في حديث: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، واضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيَنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ» (^١).\nوفيه: تحريم الزكاة والصدقة على رسول الله وآله، وهم: بنو هاشم، وبنو المطلب دون غيرهم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦٦٨٩)، وأبو داود (٤٩٥).","vol":"3","page":229},{"text":"[١٠٧٠] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو: أَنَّ أَبَا يُونُسَ- مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ- حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنِّي لَأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي، ثُمَّ أَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً، فَأُلْقِيهَا».\n[خ: ٢٠٥٥]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ ابْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي، أَوْ فِي بَيْتِي، فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً- أَوْ مِنَ الصَّدَقَةِ- فَأُلْقِيهَا».\n\n[١٠٧١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَجَدَ تَمْرَةً، فَقَالَ: «لَوْلَا أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا».\n[خ: ٢٠٥٥]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِتَمْرَةٍ بِالطَّرِيقِ، فَقَالَ: «لَوْلَا أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَجَدَ تَمْرَةً، فَقَالَ: «لَوْلَا أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً لَأَكَلْتُهَا».\nفي هذه الأحاديث: ورع النبي ﷺ العظيم، حيث ترك أكل التمرة الساقطة؛ لاحتمال أن تكون من الصدقة، والورع كما قال ابن القيم ﵀: «وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية- قدس الله روحه- يقول: الزهد ترك ما لا","vol":"3","page":230},{"text":"ينفع في الآخرة، والورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة» (^١).\nوفيها: أنه لا بأس بأخذ اللُقطة إذا كانت شيئًا يسيرًا، كالعصا، والسوط، والبيضة، وما أشبهها.\n_________\n(^١) مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ١٢).","vol":"3","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-469>بَابُ تَرْكِ اسْتِعْمَالِ آلِ النَّبِيِّ عَلَى الصَّدَقَةِ</span>\n\n[١٠٧٢] حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ قَالَ: اجْتَمَعَ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَا: وَاللَّهِ لَوْ بَعَثْنَا هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ- قَالَا لِي وَلِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ-: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَلَّمَاهُ، فَأَمَّرَهُمَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ، فَأَدَّيَا مَا يُؤَدِّي النَّاسُ، وَأَصَابَا مِمَّا يُصِيبُ النَّاسُ قَالَ: فَبَيْنَمَا هُمَا فِي ذَلِكَ جَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا، فَذَكَرَا لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَا تَفْعَلَا، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِفَاعِلٍ، فَانْتَحَاهُ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا تَصْنَعُ هَذَا إِلَّا نَفَاسَةً مِنْكَ عَلَيْنَا، فَوَاللَّهِ لَقَدْ نِلْتَ صِهْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا نَفِسْنَاهُ عَلَيْكَ، قَالَ عَلِيٌّ: أَرْسِلُوهُمَا فَانْطَلَقَا، وَاضْطَجَعَ عَلِيٌّ قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ سَبَقْنَاهُ إِلَى الْحُجْرَةِ، فَقُمْنَا عِنْدَهَا حَتَّى جَاءَ، فَأَخَذَ بِآذَانِنَا، ثُمَّ قَالَ: «أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ»، ثُمَّ دَخَلَ وَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَهُوَ- يَوْمَئِذٍ- عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَ: فَتَوَاكَلْنَا الْكَلَامَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أَحَدُنَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْتَ أَبَرُّ النَّاسِ، وَأَوْصَلُ النَّاسِ، وَقَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ، فَجِئْنَا\nلِتُؤَمِّرَنَا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ، فَنُؤَدِّيَ إِلَيْكَ كَمَا يُؤَدِّي النَّاسُ، وَنُصِيبَ كَمَا يُصِيبُونَ قَالَ: فَسَكَتَ طَوِيلًا حَتَّى أَرَدْنَا أَنْ نُكَلِّمَهُ قَالَ: وَجَعَلَتْ زَيْنَبُ تُلْمِعُ عَلَيْنَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ أَنْ لَا تُكَلِّمَاهُ قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، ادْعُوَا لِي مَحْمِيَةَ» - وَكَانَ عَلَى الْخُمُسِ- «وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» قَالَ: فَجَاآهُ، فَقَالَ لِمَحْمِيَةَ: «أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَكَ» لِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ،","vol":"3","page":232},{"text":"فَأَنْكَحَهُ، وَقَالَ لِنَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ: «أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَكَ» لِي، فَأَنْكَحَنِي، وَقَالَ لِمَحْمِيَةَ: «أَصْدِقْ عَنْهُمَا مِنَ الْخُمُسِ كَذَا وَكَذَا».\nقَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلَمْ يُسَمِّهِ لِي.\nحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ الْهَاشِمِيِّ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَاهُ رَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَلِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ: ائْتِيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَقَالَ فِيهِ: فَأَلْقَى عَلِيٌّ رِدَاءَهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَنَا أَبُو حَسَنٍ الْقَرْمُ، وَاللَّهِ لَا أَرِيمُ مَكَانِي حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْكُمَا ابْنَاكُمَا بِحَوْرِ مَا بَعَثْتُمَا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nوَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: ثُمَّ قَالَ لَنَا: «إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ»، وَقَالَ أَيْضًا: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ادْعُوَا لِي مَحْمِيَةَ بْنَ جَزْءٍ» وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْأَخْمَاسِ.\nقوله: «فَبَيْنَمَا هُمَا فِي ذَلِكَ»، يعني: بينما اجتمعوا على ذلك.\nوقوله: «جَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا فَذَكَرَا لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَا تَفْعَلَا، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِفَاعِلٍ»: هذا يدل على فقه علي بن أبي طالب ﵁، ومعرفته برسول الله ﷺ.\nوقوله: «فَانْتَحَاهُ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ»: انتحاه، يعني: عرض له وقَصَده، وربيعة هو ابن عم علي بن أبي طالب ﵁.\nوقوله: «وَاللَّهِ مَا تَصْنَعُ هَذَا إِلَّا نَفَاسَةً مِنْكَ عَلَيْنَا»، يعني: ما تفعل هذا إلا حسدًا منك لنا، حتى لا ننال شيئًا.","vol":"3","page":233},{"text":"وقوله: «أَرْسِلُوهُمَا»، أي: وسترون.\nوقوله: «فَانْطَلَقَا، وَاضْطَجَعَ عَلِيٌّ»، أي: ينتظر ما يأتي من خبرهما.\nوقوله: «فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ سَبَقْنَاهُ إِلَى الْحُجْرَةِ»، أي: سبقه عبد المطلب بن ربيعة ﵁، والفضل بن عباس ﵁.\nوقوله: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْتَ أَبَرُّ النَّاسِ، وَأَوْصَلُ النَّاسِ، وَقَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ، فَجِئْنَا لِتُؤَمِّرَنَا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ»، يعني: بلغنا الحلم، ونحتاج إلى الزواج وإلى مهر، فلو أمَّرتنا على الزكاة، والصدقات، ثم تعطينا مثلما تعطي الناس من راتب؛ حتى نتزوج.\nوقوله: «فَسَكَتَ طَوِيلًا حَتَّى أَرَدْنَا أَنْ نُكَلِّمَهُ قَالَ: وَجَعَلَتْ زَيْنَبُ تُلْمِعُ عَلَيْنَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ أَنْ لَا تُكَلِّمَاهُ»، يعني: تشير بيدها، أو بثوبها من وراء الحجاب أن لا تكلماه.\nوقوله: «ادْعُوَا لِي مَحْمِيَةَ- وَكَانَ عَلَى الْخُمُسِ»، أي: ولَّاه النبي ﷺ على الخمس.\nوقوله: «وَقَالَ لِنَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ: أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَكَ»، يعني: لعبد المطلب بن ربيعة، ابن أخ نوفل بن الحارث، فهي ابنة عمه.\nوقوله: «وَقَالَ لِمَحْمِيَةَ: أَصْدِقْ عَنْهُمَا مِنَ الْخُمُسِ كَذَا وَكَذَا»، أي: من الغنيمة، ففيه: أن محمدًا وآله ﵊ يُعَوَّضون الصدقة من خمس الغنيمة، ومن الفيء.\nوقوله: «أَنَا أَبُو حَسَنٍ الْقَرْمُ»: هو بتنوين حسنٍ، وأما القرمُ فالبراء مرفوع، وهو السيد، وأصله فحل الإبل، قال الخطابي: معناه: المقدم في المعرفة بالأمور والرأي كالفحل.\nوقوله: «وَاللَّهِ لَا أَرِيمُ مَكَانِي»، أي: لا أفارق مكاني.\nوقوله: «بِحَوْرِ مَا بَعَثْتُمَا بِه»، يعني: بالجواب، ويجوز أن يكون من الخيبة، أى: يرجع بالخيبة، وأصل الحور: الرجوع إلى النقص، قال","vol":"3","page":234},{"text":"القاضي: وهذا أشبه بسياق الحديث (^١).\nوقوله: «وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ»، قال القاضي: «هكذا قال مسلم: «وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ»، والمحفوظ: من بني زبيد» (^٢).\nوفي هذا الحديث: جواز التسمية بعبد المطلب، وأنه مستثنى من التعبيد لغير الله؛ لأن النبي ﷺ لم يغير اسم عبد المطلب بن ربيعة ﵁، وهو من بني هاشم؛ ولهذا قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب التوحيد: «قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله، كعبد عمرو، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب» (^٣)، أي: فإنهم اختلفوا فيه، وذلك لأمرين:\nالأمر الأول: أن تسمية عبد المطلب ليس من التعبيد لغير الله، وإنما هي من تعبيد الرِّقّ؛ وذلك أن شيبةَ الحمدِ جَدَّ النبي ﷺ جاء به عمُّه المطلب من أخواله في المدينة مُرْدِفًا إياه، وكانت الشمس قد غيَّرت لونه إلى السواد، فلمَّا أقبل به إلى المدينة ظنوا أنه عبده، فقالوا: عبد المطلب. فسمي عبد المطلب، وإلا فهو شيبة الحمد ابن أخيه، فغلبت عليه هذه التسمية، فالتسمية إنما هي من تعبيد الرقِّ؛ ولأن المراد بها: مجرَّد الإخبار.\nالأمر الثاني: أن في الصحابة من اسمه عبد المطلب؛ كعبد المطلب بن ربيعة، ولم يغيِّره النبي ﷺ، فلذلك استُثني عبد المطلب، وما عاداه فإنه على التحريم.\nوفيه: أن الصدقة والزكاة محرمة على محمد وآله ﷺ، سواء كانت بسبب العمل، أو بسبب الفقر، أو بسبب المسكنة، أو غير ذلك من الأسباب الثمانية التي ذُكرت في الآية الكريمة: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٣/ ٦٢٨).\n(^٢) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٣/ ٦٢٧).\n(^٣) كتاب التوحيد، للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ١٢٢)، مراتب الإجماع، لابن حزم (ص ١٥٤).","vol":"3","page":235},{"text":"والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله﴾، وجوَّز بعض الشافعية إخراج الزكاة لبني هاشم وبني المطلب من سهم العامل؛ وذلك لو استعملهم الإمام في الحفظ، أو النقل؛ لأنه إجارة (^١)، وهذا ضعيف، أو باطل؛ لأن الحديث صريح في رده.\nوفيه: بيان أن العلة في تحريمها على بني هاشم وبني المطلب: أنها لكرامتهم، وتنزيههم عن الأوساخ، ومعنى أوساخ الناس أنها: تطهير لأموالهم ونفوسهم، كما قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾.\n_________\n(^١) روضة الطالبين، للنووي (٢/ ٣٢٢)، أسنى المطالب، لزكريا الأنصاري (١/ ٣٩٩).","vol":"3","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-470>بَابُ إِبَاحَةِ الْهَدِيَّةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَلِبَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَإِنْ كَانَ الْمُهْدِي مَلَكَهَا بِطَرِيقِ الصَّدَقَةِ، وَبَيَانِ أَنَّ الصَّدَقَةَ إِذَا قَبَضَهَا الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ زَالَ عَنْهَا وَصْفُ الصَّدَقَةِ، وَحَلَّتْ لِكُلِّ أَحَدٍ مِمَّنْ كَانَتِ الصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ</span>\n\n[١٠٧٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ عُبَيْدَ بْنَ السَّبَّاقِ قَالَ: إِنَّ جُوَيْرِيَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟» قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عِنْدَنَا طَعَامٌ، إِلَّا عَظْمٌ مِنْ شَاةٍ، أُعْطِيَتْهُ مَوْلَاتِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: «قَرِّبِيهِ، فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\n\n[١٠٧٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: أَهْدَتْ بَرِيرَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَحْمًا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهَا، فَقَال: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ».\n[خ: ١٤٩٥]\n\n[١٠٧٥] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقِيلَ: هَذَا مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ».","vol":"3","page":237},{"text":"في هذه الأحاديث: إباحة الهدية للنبي ﷺ، ولبني هاشم، وبني عبد المطلب.\nوفيها: أن الصدقة إذا قبضها المتصدَّق عليه زال عنها وصف الصدقة، وحل للغني الأكل منها، يعني: أن الصدقة إذا أخذها الفقير، ثم أهداها للنبي ﷺ، أو لآله، فإنها تحل لهم، ويشهد لهذا الحديث: حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا، فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنِيٍّ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١١٥٣٨)، وأبو داود (١٦٣٥)، وابن ماجه (١٨٤١).","vol":"3","page":238},{"text":"حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتْ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ، كَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا وَتُهْدِي لَنَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَلَكُمْ هَدِيَّةٌ؛ فَكُلُوهُ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ رَبِيعَةَ عَنِ القَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَهُوَ لَنَا مِنْهَا هَدِيَّةٌ».\n\n[١٠٧٦] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: بَعَثَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثْتُ إِلَى عَائِشَةَ مِنْهَا بِشَيْءٍ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عَائِشَةَ قَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» قَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنَّ نُسَيْبَةَ بَعَثَتْ إِلَيْنَا مِنَ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثْتُمْ بِهَا إِلَيْهَا قَالَ: «إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا».\n[خ: ١٤٩٤]\nفي هذا الحديث: فوائد وأحكام كثيرة، حتى استنبط بعض العلماء منه أكثر من مائة فائدة.\nوقول عائشة ﵂: «ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ»، وفي لفظ: «ثَلَاثُ سُنَنٍ» (^١) يعني: ثلاث سنن بارزة، وهذه السنن البارزة هي:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٩٧)، ومسلم (١٥٠٤).","vol":"3","page":239},{"text":"الأولى: أن الفقير إذا أُعطي الصدقة يجوز أن يأخذ منها الغني.\nالثانية: أن الأَمَة إذا أُعتِقت تحت عبد فإنها تختار لنفسها، فإن شاءت بقيت، وإن شاءت فارقت.\nالثالثة: أن البائع إذا باع الأمة، أو العبد، واشترط الولاء فإنه يصح البيع، ويبطل الشرط؛ لأن الولاء لمن أَعتق.","vol":"3","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-471>بَابُ قَبُولِ النَّبِيِّ الْهَدِيَّةَ، وَرَدِّهِ الصَّدَقَةَ</span>\n\n[١٠٧٧] حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ- يعني: ابْنَ مُسْلِمٍ- عَنْ مُحَمَّدٍ- وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ، فَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ أَكَلَ مِنْهَا، وَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا.\n[خ: ٢٥٧٦]\nفي هذا الحديث: أنه يلزم أهل الدين التقصي عن مطاعمهم واتقاء المحظور منها والمحذور.\nوفيه: الفرق بين الهدية والصدقة، فالصدقة تطهر الأموال وأوساخها، والهدية أصلها المودة وتطييب النفوس، وليس فيها ما في الصدقة مما سبق ذكره، ولا تفضيل اليد العليا على اليد السفلى.","vol":"3","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-472>بَابُ الدُّعَاءِ لِمَنْ أَتَى بِصَدَقَةٍ</span>\n\n[١٠٧٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرٍو- وَهُوَ ابْنُ مُرَّةَ- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ»، فَأَتَاهُ أَبِي أَبُو أَوْفَى بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى»، وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «صَلِّ عَلَيْهِمْ».\n[خ: ١٤٩٧]\nفي هذا الحديث: مشروعية الدعاء لمن أتى بصدقته، أو زكاته.\nوفيه: أنه يجوز- في بعض الأحيان- الصلاة على بعض الصحابة، أو بعض العلماء، فيقال: اللهم صلِّ على أبي هريرة، فلا بأس به ما لم يتخذ شعارًا، كما تفعله الرافضة لآل البيت، فيقولون: علي ﵇، وفاطمة ﵍.\nوالعادة المتبعة أن تكون الصلاة على الأنبياء، والترضِّي عن الصحابة، والترحم لمن بعدهم.","vol":"3","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-473>بَابُ إِرْضَاءِ السَّاعِي مَا لَمْ يَطْلُبْ حَرَامًا</span>\n\n[٩٨٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وعبد الأعلى، كُلُّهُمْ عَنْ دَاوُدَ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَتَاكُمُ الْمُصَدِّقُ، فَلْيَصْدُرْ عَنْكُمْ وَهُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ».\nقوله: «الْمُصَدِّقُ»، أي: العامل، أو الساعي على الصدقة.\nوفي هذا الحديث: مشروعية إرضاء الساعي والمصَدِّق ما لم يُصِبْ حرامًا.\nوفيه: أنه ينبغي طاعة ولاة الأمور، وملاطفتهم، وهذا في غير الجور وفي غير الأمور المحرمة.\n\n* * *","vol":"3","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-474>كِتَاب الصِّيَامِ</span>","vol":"3","page":245},{"text":"كِتَاب الصِّيَامِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>بَابُ فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ</span>\n\n[١٠٧٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ».\n[خ: ١٨٩٨]\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ أَبِي أَنَسٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا كَانَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَالْحُلْوَانِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي نَافِعُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ» بِمِثْلِهِ.\nالصيام لغة: الإمساك، ومنه قوله تعالى- عن مريم-: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾، أي: إمساكًا عن الكلام.\nوشرعًا: إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، من شخص مخصوص.\nومعنى: إمساك مخصوص، أي: الإمساك عن الطعام، والشراب، والجماع ودواعيه، وغيرها من المفطرات.","vol":"3","page":247},{"text":"ومعنى: في زمن مخصوص، أي: من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس.\nومعنى: من شخص مخصوص: هو المسلم، البالغ، العاقل، الصحيح، المقيم في البلد، غير الحائض والنفساء.\nقوله: «وَصُفِّدَتِ»، يعني: غُلِّلَت، والصفد: من الغُلِّ- بضم الغين.\nوقوله: «وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ»، يعني: رُبطت أياديهم إلى أعناقهم بالسلاسل، وهو على ظاهره وحقيقته.\nفي هذه الأحاديث: دليل على جواز قول: «رمضان»، من غير ذكر الشهر، بلا كراهة، وهذه المسألة فيها خلاف:\nفمن العلماء من قال بكراهة قول: «رمضان» على انفراده.\nومنهم من قال: إنه لا يقال: «رمضان» إذا كان فيه إيهام، وأما إذا لم يكن فيه إيهام فلا بأس (^١).\nوفيها: دليل على فضل شهر رمضان، وأن الله اختصه بفضائل، وأنه في هذا الشهر تُفتح أبواب الجنة، وتُغلق أبواب النار، وتُصفَّد الشياطين.\nومن العلماء من تأوله، وقال: ليس على ظاهره، وأن هذا مجاز، وأن تصفيد الشياطين هو: أن يقل إغواؤهم وإيذاؤهم، فيصيرون كالمصفدين (^٢).\nوالصواب: أنه على ظاهره وحقيقته، والله على كل شيء قدير.\nوورد بلفظ: «صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ مَرَدَةُ الْجِنِّ» (^٣).\nوفيها: أن الشياطين يُغَلُّون ويُسَلْسَلون، فيقل إيذاؤهم ووساوسهم على أهل الإيمان، وأما الكفرة الذين لا يراعون حرمة الشهر فليسوا داخلين في هذا.\n_________\n(^١) «فتح الباري، لابن حجر (٤/ ١١٣)، شرح مسلم، للنووي (٧/ ١٨٧).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٧/ ١٨٨).\n(^٣) أخرجه ابن خزيمة (١٨٨٣)، وابن حبان (٣٤٣٥)، والبيهقي في الكبرى (٨٥٠١).","vol":"3","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-476>بَابُ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالْفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَأَنَّهُ إِذَا غُمَّ فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ أُكْمِلَتْ عِدَّةُ الشَّهْرِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا</span>\n\n[١٠٨٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَمَضَانَ، فَقَالَ: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ، فَاقْدِرُوا لَهُ».\n[خ: ١٩٠٦]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ رَمَضَانَ، فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ، فَقَالَ: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا»، ثُمَّ عَقَدَ إِبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ، «فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ».\n[خ: ٥٣٠٢]\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا ثَلَاثِينَ»، نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَمَضَانَ، فَقَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا»، وَقَالَ: «فَاقْدِرُوا لَهُ»، وَلَمْ يَقُلْ: «ثَلَاثِينَ».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ».\nوَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ- وَهُوَ ابْنُ عَلْقَمَةَ- عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ».\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ","vol":"3","page":249},{"text":"شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، إِلَّا أَنْ يُغَمَّ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ».\nحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وَقَبَضَ إِبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ».\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْأَشْيَبُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ».\nوَحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، عَشْرًا وَعَشْرًا وَتِسْعًا».\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ جَبَلَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الشَّهْرُ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا، وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ بِكُلِّ أَصَابِعِهِمَا، وَنَقَصَ فِي الصَّفْقَةِ الثَّالِثَةِ إِبْهَامَ الْيُمْنَى أَوِ الْيُسْرَى».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عُقْبَةَ- وَهُوَ ابْنُ حُرَيْثٍ- قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ»، وَطَبَّقَ شُعْبَةُ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، وَكَسَرَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ، قَالَ عُقْبَةُ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: «الشَّهْرُ ثَلَاثُونَ»،","vol":"3","page":250},{"text":"وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وَعَقَدَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ، وَالشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا- يَعْنِي: تَمَامَ ثَلَاثِينَ».\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِلشَّهْرِ الثَّانِي ثَلَاثِينَ.\n[خ: ١٩١٣]\nحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ: سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ النِّصْفِ، فَقَالَ لَهُ: مَا يُدْرِيكَ أَنَّ اللَّيْلَةَ النِّصْفُ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الْعَشْرِ مَرَّتَيْنِ، وَهَكَذَا فِي الثَّالِثَةِ، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ كُلِّهَا، وَحَبَسَ أَوْ خَنَسَ إِبْهَامَهُ».\n\n[١٠٨١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا».\n[خ: ١٩٠٩]\nحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ- يَعْنِي: ابْنَ مُسْلِمٍ- عَنْ مُحَمَّدٍ- وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ».\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمُ الشَّهْرُ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا","vol":"3","page":251},{"text":"عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْهِلَالَ، فَقَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ».\nقوله: «فَاقْدِرُوا لَهُ»: في معناه قولان للعلماء:\nالقول الأول: أن المعنى: احسبوا له، وهذا هو الصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم، والمعنى: أنه يحسب ويُكَمَّل الشهر السابق ثلاثين يومًا، ويدل على هذا روايات كثيرة، منها: «فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ» (^١)، ومنها: «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» (^٢).\nالقول الثاني: أن المعنى: ضيقوا الشهر، فصوموا اليوم الثلاثين إذا لم ترو الهلال بسبب الغيم أو نحوه، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فمن قدر عليه رزقه﴾، يعني: ضُيِّق، وهذا قول عند الحنابلة، وهو مرجوح ضعيف (^٣)؛ لأن النصوص يفسر بعضها بعضًا، واستدلوا بما ثبت عن ابن عمر ﵄ أنه إذا «كَانَ شَعْبَانُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ نُظِرَ لَهُ، فَإِنْ رُؤِيَ فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يُرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتَرَةٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرَةٌ أَصْبَحَ صَائِمًا» (^٤)، وهذا اجتهاد منه ﵁.\nوالصواب: أنه لا يُصام يوم الثلاثين إلا بالرؤية، ويكمل الشهر السابق ثلاثين يومًا عند الغيم، سواء كانت ليلة الثلاثين صحوًا، أو غيمًا.\nوقوله: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، ثُمَّ عَقَدَ إِبْهَامَهُ»، يعني: هكذا عشر، وهكذا عشر، وعقد إبهامه في الثالثة، فيكون تسعًا وعشرين.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠٨١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٠٩).\n(^٣) الكافي، لابن قدامة (١/ ٤٣٧)، المغني، لابن قدامة (٣/ ١٠٨).\n(^٤) أخرجه أحمد (٤٤٨٨)، وأبو داود (٢٣٢٠).","vol":"3","page":252},{"text":"وفي رواية أخرى قال: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وَعَقَدَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ، وَالشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا- يَعْنِي: تَمَامَ ثَلَاثِينَ» (^١)، فيكون الشهر ثلاثين، ويكون تسعًا وعشرين.\nوقوله: «فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ»: يؤيد قول من قال: إن معنى «فَاقْدِرُوا لَهُ» احسبوا له ثلاثين، وليس المراد: ضيقوا الشهر وصوموا اليوم الثلاثين، كما فهم ابن عمر ﵄.\nوقوله: «فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ»: تصريح بأن معنى «فَاقْدِرُوا لَهُ»: احسبوا له.\nوقوله: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ»: هذا وصف لأغلب العرب؛ لأنهم لا يكتبون، ولا يحسبون، كما قال تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم﴾، وهذا الوصف باقٍ إلى الآن رغم انتشار العلم، فكثير من الأعراب وأهل البوادي والقرى لا يقرؤون ولا يكتبون.\nوفي هذه الروايات: التصريح بإكمال العدد ثلاثين يومًا عند الغمة، سواء كانت الغمة في رمضان، أو في شعبان.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠٨٠).","vol":"3","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-477>بَابُ لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ</span>\n\n[١٠٨٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُبَارَكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ».\n[خ: ١٩١٤]\nوَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ الْحَرِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ- يَعْنِي: ابْنَ سَلَّامٍ-.ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nفي هذا الحديث: أنه لا يصوم أحد قبل رمضان بيوم أو يومين، إلا إذا وافق عادة له، كأن كان يصوم يوم الاثنين والخميس، وكذلك إذا كان عليه أيام من رمضان الماضي، أو كان عليه أيام نذر، أو كفارة؛ فله- حينئذٍ- أن يصوم قبل رمضان بيوم، أو يومين.\nفالممنوع- إذًا-: أن يصوم نفلًا مطلقًا، أو يصوم بنية الاحتياط لرمضان.","vol":"3","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-478>بَابُ الشَّهْرُ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ</span>\n\n[١٠٨٣] حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى أَزْوَاجِهِ شَهْرًا، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً- أَعُدُّهُنَّ- دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَتْ: بَدَأَ بِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ- أَعُدُّهُنَّ- فَقَالَ: «إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ».\n\n[١٠٨٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اعْتَزَلَ نِسَاءَهُ شَهْرًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقُلْنَا: إِنَّمَا الْيَوْمُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا الشَّهْرُ»، وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَحَبَسَ إِصْبَعًا وَاحِدَةً فِي الْآخِرَةِ.\nحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، يَقُولُ: اعْتَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ شَهْرًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا صَبَاحَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا أَصْبَحْنَا لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ»، ثُمَّ طَبَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدَيْهِ ثَلَاثًا، مَرَّتَيْنِ بِأَصَابِعِ يَدَيْهِ كُلِّهَا، وَالثَّالِثَةَ بِتِسْعٍ مِنْهَا.\n\n[١٠٨٥] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِيٍّ أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ شَهْرًا، فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا غَدَا عَلَيْهِمْ- أَوْ رَاحَ- فَقِيلَ لَهُ: حَلَفْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَنْ لَا تَدْخُلَ","vol":"3","page":255},{"text":"عَلَيْنَا شَهْرًا قَالَ: «إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا».\n[خ: ١٩١٠]\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: أَبَا عَاصِمٍ- جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\n\n[١٠٨٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ عَلَى الْأُخْرَى، فَقَالَ: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا»، ثُمَّ نَقَصَ فِي الثَّالِثَةِ إِصْبَعًا.\nوَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا»، عَشْرًا وَعَشْرًا وَتِسْعًا مَرَّةً.\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ- يَعْنِي: ابْنَ الْمُبَارَكِ- أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا.\nفي هذه الأحاديث: أنه لا بأس أن يهجر الإنسان زوجته شهرًا أو أكثر، إلى أربعة أشهر، وهي مدة الإيلاء، ولا يزيد؛ لأن الله تعالى جعلها حدًّا، فقال سبحانه: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾؛ وأما في الكلام فلا يهجرها أكثر من ثلاثة أيام؛ للحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، يَلْتَقِيَانِ، فَيَصُدُّ هَذَا، وَيَصُدُّ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» (^١).\nوقوله: «إِنَّمَا الشَّهْرُ، وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَحَبَسَ إِصْبَعًا وَاحِدَةً فِي الْآخِرَةِ»، يعني: أنه أشار بيديه ثلاث مرات، هكذا بأصابعه عشرًا، ثم عشرًا، ثم في الثالثة حبس أصبعًا، فصار تسعًا وعشرين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٢٣٧)، ومسلم (٢٥٦٠).","vol":"3","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-479>بَابُ بَيَانِ أَنَّ لِكُلِّ بَلَدٍ رُؤْيَتَهُمْ، وَأَنَّهُمْ إِذَا رَأَوْا الْهِلَالَ بِبَلَدٍ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ لِمَا بَعُدَ عَنْهُمْ</span>\n\n[١٠٨٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ مُحَمَّدٍ- وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ- عَنْ كُرَيْبٍ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ، فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ وَرَأَىهُ النَّاسُ، وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أَوَ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَشَكَّ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي: نَكْتَفِي، أَوْ تَكْتَفِي.\nمسألة: هل تعُمُّ رؤية الهلال في بلدٍ جميعَ الأرض، أو تختص بأهل البلد؟\nالجواب: في هذه المسألة قولان مشهوران للعلماء:\nأحدهما: قول جمهور العلماء (^١): أن الرؤية تعم جميع أهل الأرض، وأنه إذا رؤي في بلد وجب على جميع الناس الصوم؛ لأن المسلمين أمة واحدة، واستدلوا بقوله ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (^٢) فقالوا: الخطاب عام\n_________\n(^١) تبيين الحقائق، للزيلعي (١/ ٣٢١)، التفريع، لابن جلاب (١/ ١٧١)، التنبيه، للتنوخي (٢/ ٧٠٨)، المغني، لابن قدامة (٣/ ١٠٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٠٩)، ومسلم (١٠٨١).","vol":"3","page":257},{"text":"لجميع الأمة، وأجابوا عن حديث كُرَيْب هذا بأنه فَهْمُ ابنِ عباس من الحديث، أو أن الرؤية لا يُقبل فيها شهادة الواحد.\nالقول الثاني: قول الشافعية أن لكل بلد رؤيتهم، واستدلوا بحديث كُرَيْبٍ هذا؛ لأن ابن عباس لم يعمل برؤية معاوية فأهل المدينة لهم رؤيتهم، وأهل الشام لهم رؤيتهم (^١).\nفائدة: إذا كان البلد يعمل بالحساب، لا بالرؤية، أو لم يثقوا برؤيتهم، فالعمل بحديث كريب هذا حَسَن، وقد درس مجلس هيئة كبار العلماء هذه المسألة، ورأوا أن لكل بلد رؤيته (^٢).\nوعلى كل حال: إذا أمكن أن يعمل المسلمون برؤية الهلال فهذا حسن، وإذا لم يمكن فلكل أهل بلد رؤيته (^٣).\n_________\n(^١) المجموع، للنووي (٦/ ٢٧٤)، منهاج الطالبين، للنووي (ص ٧٤).\n(^٢) أبحاث هيئة كبار العلماء (٣/ ٣٣ - ٣٤).\n(^٣) فتاوى ابن باز (١٥/ ٨٣).","vol":"3","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-480>بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِكُبْرِ الْهِلَالِ وَصِغَرِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ، فَإِنْ غُمَّ فَلْيُكْمَلْ ثَلَاثُونَ</span>\n\n[١٠٨٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا لِلْعُمْرَةِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا بِبَطْنِ نَخْلَةَ قَالَ: تَرَاءَيْنَا الْهِلَالَ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ قَالَ: فَلَقِينَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْنَا: إِنَّا رَأَيْنَا الْهِلَالَ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ، فَقَالَ: أَيَّ لَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ؟ قَالَ: فَقُلْنَا: لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ مَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ، فَهُوَ لِلَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ».\nفي هذا الحديث: أنه لا عبرة بكبر الهلال، فإذا رؤي الهلال واضحًا- صغيرًا أو كبيرًا- فإنه يكون لهذه الليلة، ولا يكون لليلة السابقة، فلا يقال: هو ابن ليلتين؛ لأنه كبير.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: أَهْلَلْنَا رَمَضَانَ وَنَحْنُ بِذَاتِ عِرْقٍ، فَأَرْسَلْنَا رَجُلًا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ يَسْأَلُهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَدَّهُ لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ».\nقوله: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَدَّهُ لِرُؤْيَتِهِ»: قال القاضي- في معناه-: «أطال مدته إلى","vol":"3","page":259},{"text":"الرؤية، يقال منه: مدَّ وأمدَّ، قال الله تعالى: ﴿وإخوانهم يمدونهم في الغي﴾، أي: يطيلون لهم، وقد يكون: «أَمَدَّهُ» من المدة التي جُعلت له، قال صاحب الأفعال: أمددتكها، أي: أعطيتكها» (^١).\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٤/ ٢٣)، شرح مسلم، للنووي (٧/ ١٩٨).","vol":"3","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-481>بَابُ بَيَانِ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: «شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ»</span>\n\n[١٠٨٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ، وَذُو الْحِجَّةِ».\n[خ: ١٩١٢]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سُوَيْدٍ، وَخَالِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ»، فِي حَدِيثِ خَالِدٍ: «شَهْرَا عِيدٍ: رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ».\nاختلف العلماء في معنى هذه الأحاديثعلى أقوال:\nالقول الأول: أنه لا ينقص أجرهما وثوابهما، وإن نقص عددهما.\nالقول الثاني: لا ينقصان جميعًا في سنة واحدة، بل إن نقص أحدهما تمَّ الآخر، لكن هذا مخالف للواقع؛ لأنهما قد ينقصان جميعًا.\nالقول الثالث: لا ينقص ثواب ذي الحجة عن ثواب رمضان؛ لأن فيه المناسك.\nوالصواب المعنى الأول.","vol":"3","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-482>بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدُّخُولَ فِي الصَّوْمِ يَحْصُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَأَنَّ لَهُ الْأَكْلَ وَغَيْرَهُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، وَبَيَانِ صِفَةِ الْفَجْرِ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ مِنَ الدُّخُولِ فِي الصَّوْمِ، وَدُخُولِ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ</span>\n\n[١٠٩٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، قَالَ لَهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجْعَلُ تَحْتَ وِسَادَتِي عِقَالَيْنِ: عِقَالًا أَبْيَضَ، وَعِقَالًا أَسْوَدَ، أَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ وِسَادَتَكَ لَعَرِيضٌ، إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ، وَبَيَاضُ النَّهَارِ».\n[خ: ١٩١٦]\n\n[١٠٩١] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ خَيْطًا أَبْيَضَ وَخَيْطًا أَسْوَدَ، فَيَأْكُلُ حَتَّى يَسْتَبِينَهُمَا، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فَبَيَّنَ ذَلِكَ.\n[خ: ١٩١٧]\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو غَسَّانَ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ قَالَ: فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ الصَّوْمَ، رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلَيْهِ الْخَيْطَ الْأَسْوَدَ وَالْخَيْطَ الْأَبْيَضَ، فَلَا يَزَالُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رِئْيُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فَعَلِمُوا أَنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ: اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ.","vol":"3","page":262},{"text":"في هذا الحديث: أنه لما نزل قول الله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ كان عدي بن حاتم ﵁ ورجالٌ يجعل أحدُهم تحت وسادته عقالين: عقال أبيض، وعقال أسود؛ ليعرف به الليل من النهار، حتى أنزل الله تعالى قوله: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ فعرفوا أن المراد: سواد الليل، وبياض النهار. (^١)\nوفيه: أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، وأن من يريد الصوم له أن يأكل ويشرب حتى يتبين له سواد الليل من بياض النهار بطلوع الفجر الصادق الذي ينتشر في المشرق، بخلاف الفجر الكاذب الذي يصير حادًّا في وسط السماء، ثم يظلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥٠٩).","vol":"3","page":263},{"text":"[١٠٩٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا، حَتَّى تَسْمَعُوا تَأْذِينَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ».\n[خ: ٦١٧]\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا، حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ».\nحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنَانِ: بِلَالٌ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا، حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا، وَيَرْقَى هَذَا.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِالْإِسْنَادَيْنِ كِلَيْهِمَا نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ.\n[خ: ١٩١٩]\nقوله: «وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا، وَيَرْقَى هَذَا»: المراد به: المبالغة في بيان قصر المدة، وإلا فمعلوم أن بلالًا ﵁ كان يؤذن بليل، ويتمهل بعض الشيء في الصعود والنزول، ثم كان ابن أم مكتوم ﵁ يتمهل كذلك في الذهاب، فيذهب بعد ما يطلع الصبح، ويقال له: «أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١٦).","vol":"3","page":264},{"text":"وفي هذه الأحاديث: أنه لا بأس أن يؤذَّن للفجر قبل دخول الوقت؛ للتنبيه، ولكن ينبغي أن يكون هناك مؤذن آخر بعد طلوع الفجر، أو يؤذن المؤذن نفسه مرة أخرى بعد طلوع الفجر؛ حتى لا يُغَرَّ الناس.\n\n[١٠٩٣] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ- أَوَ قَالَ: نِدَاءُ بِلَالٍ- مِنْ سُحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ- أَوَ قَالَ: يُنَادِي- بِلَيْلٍ؛ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ»، وَقَالَ: «لَيْسَ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا وَهَكَذَا» وَصَوَّبَ يَدَهُ وَرَفَعَهَا، حَتَّى يَقُولَ: هَكَذَا، وَفَرَّجَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ.\n[خ: ٦٢١]\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ- يَعْنِي: الْأَحْمَرَ- عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْفَجْرَ لَيْسَ الَّذِي يَقُولُ هَكَذَا»، وَجَمَعَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ نَكَسَهَا إِلَى الْأَرْضِ، «وَلَكِنْ الَّذِي يَقُولُ هَكَذَا»، وَوَضَعَ الْمُسَبِّحَةَ عَلَى الْمُسَبِّحَةِ، وَمَدَّ يَدَيْهِ، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَالْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَانْتَهَى حَدِيثُ الْمُعْتَمِرِ عِنْدَ قوله: «يُنَبِّهُ نَائِمَكُمْ، وَيَرْجِعُ قَائِمَكُمْ»، وقَالَ إِسْحَاقُ: قَالَ جَرِيرٌ فِي حَدِيثِهِ: «وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا، وَلَكِنْ يَقُولُ هَكَذَا»، يَعْنِي: الْفَجْرَ، هُوَ الْمُعْتَرِضُ، وَلَيْسَ بِالْمُسْتَطِيلِ.\nقوله: «لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ»، يعني: لِيَرُدَّ القائم المتهجد عن الإطالة في القيام، ولِيُعْلِمَهُ بقرب الصبح.\nوقوله: «وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ»، يعني: يوقظ النائم ليتأهب للصبح، أو ليتهجد قليلًا، أو ليتسحر، أو ليغتسل، أو ليتوضأ.","vol":"3","page":265},{"text":"وقوله: «وَوَضَعَ الْمُسَبِّحَةَ عَلَى الْمُسَبِّحَةِ وَمَدَّ يَدَيْهِ»: المُسَبِّحة هي: السَّبَّابة، يقال لها: المسبحة؛ لأنه يسبَّح بها، ويقال لها السَّبَّابة؛ لأنه يشار بها في السَّبِّ.\nوفي هذه الأحاديث: أن الفجر فجران: فجر كاذب، وفجر صادق، فالكاذب هو المرتفع المستطيل كالعمود في وسط السماء ثم يُظلم، كذَنب السرحان، وهو: الذئب، وأما الفجر الصادق فهو: الممتد المستطير، أي: المنتشر في جهة المشرق.","vol":"3","page":266},{"text":"[١٠٩٤] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَوَادَةَ الْقُشَيْرِيِّ، حَدَّثَنِي وَالِدِي أَنَّهُ سَمِعَ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا ﷺ يَقُولُ: «لَا يَغُرَّنَّ أَحَدَكُمْ نِدَاءُ بِلَالٍ مِنَ السَّحُورِ، وَلَا هَذَا الْبَيَاضُ حَتَّى يَسْتَطِيرَ».\nوَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَوَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا هَذَا الْبَيَاضُ لِعَمُودِ الصُّبْحِ، حَتَّى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَوَادَةَ الْقُشَيْرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا بَيَاضُ الْأُفُقِ الْمُسْتَطِيلُ هَكَذَا، حَتَّى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا».\nوَحَكَاهُ حَمَّادٌ بِيَدَيْهِ قَالَ: يَعْنِي: مُعْتَرِضًا.\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَوَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ ﵁- وَهُوَ يَخْطُبُ- يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ نِدَاءُ بِلَالٍ، وَلَا هَذَا الْبَيَاضُ، حَتَّى يَبْدُوَ الْفَجْرُ- أَوَ قَالَ: حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي سَوَادَةُ بْنُ حَنْظَلَةَ الْقُشَيْرِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ ﵁، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ هَذَا.\nقوله: «لَا يَغُرَّنَّ أَحَدَكُمْ نِدَاءُ بِلَالٍ»؛ لأنه يؤذن بليل.\nوقوله: «مِنَ السَّحُورِ»، يعني: تسحَّروا، ولو أذَّن بلال.\nوقوله: «وَلَا هَذَا الْبَيَاضُ»، يعني: هذا البياض الذي يظهر متسطيلًا.\nوقوله: «حَتَّى يَسْتَطِيرَ»، يعني: حتى ينتشر.","vol":"3","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-483>بَابُ فَضْلِ السُّحُورِ، وَتَأْكِيدِ اسْتِحْبَابِهِ، وَاسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِهِ، وَتَعْجِيلِ الْفِطْرِ</span>\n\n[١٠٩٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ ﵁. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَسَحَّرُوا؛ فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً».\n\n[١٠٩٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي قَيْسٍ- مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ- عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nفي هذه الأحاديث: مشروعية السحور واستحبابه؛ لما فيه من امتثال الأمر، والتقوِّي على العبادة، وصلاة الله وملائكته على المتسحرين، كما في قوله ﷺ: «َإِنَّ اللَّهَ ﷿ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ» (^١)، ولما فيه من مخالفة أهل الكتاب، كما في قوله ﷺ: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ».\nوفيها: استحباب أن يأكل ولو قليلًا؛ لقوله: «أَكْلَةُ السَّحَرِ»، ولم يقل: شربة السحر، فلو اقتصر على شرب اللبن، أو الماء لم يكن أكلًا.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١١٠٨٦)، وابن حبان (٣٤٦٧).","vol":"3","page":268},{"text":"فإن قيل: إن اللبن غذاء كامل، قيل: بل ينبغي له أن يأكل ولو قليلًا، حتى يحصل على السُّنة.\nوالذي لم يشتهِ الأكل يأكل ولو تمرات قليلة؛ لقوله ﷺ: «نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ» (^١).\nوفيها: استحباب تأخير السحور آخر الليل.\n\n[١٠٩٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ: كَمْ كَانَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «خَمْسِينَ آيَةً».\n[خ: ٥٧٥]\nوَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nفي هذا الحديث: أن سحور النبي ﷺ كان متأخرًا، وأنه كان قريبًا من الفجر؛ ولهذا ذكر زيد بن ثابت ﵁ أن بين السحور والصلاة قدر خمسين آية.\n\n[١٠٩٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ».\n[خ: ١٩٥٧]\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٣٤٥)، وابن حبان (٣٤٧٥).","vol":"3","page":269},{"text":"في هذا الحديث: أنه يستحب للإنسان أن يعجِّل الفطر؛ لما فيه من المبادرة بالسُّنة، ولما فيه من الأخذ بالرخصة، وامتثال أمر الله، وأمر رسوله ﷺ.\n\n[١٠٩٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْنَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ أَحَدُهُمَا: يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ، وَالْآخَرُ: يُؤَخِّرُ الْإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، قَالَتْ: أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: قُلْنَا: عَبْدُ اللَّهِ- يَعْنِي: ابْنَ مَسْعُودٍ- قَالَتْ: كَذَلِكَ كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nزَادَ أَبُو كُرَيْبٍ: وَالْآخَرُ: أَبُو مُوسَى.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَقَالَ لَهَا مَسْرُوقٌ: رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ- كِلَاهُمَا لَا يَأْلُو عَنِ الْخَيْرِ- أَحَدُهُمَا: يُعَجِّلُ الْمَغْرِبَ وَالْإِفْطَارَ، وَالْآخَرُ: يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ وَالْإِفْطَارَ، فَقَالَتْ: مَنْ يُعَجِّلُ الْمَغْرِبَ وَالْإِفْطَارَ؟ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَتْ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ.\nفي هذه الأحاديث: أن النبي ﷺ كان يعجل الإفطار، ويعجل الصلاة، خلافًا لبعض أهل البدع، كالرافضة ونحوهم، فإنهم يؤخرون الإفطار، ويؤخرون المغرب إلى اشتباك النجوم، وهذا مخالف للسنة.","vol":"3","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-484>بَابُ بَيَانِ وَقْتِ انْقِضَاءِ الصَّوْمِ، وَخُرُوجِ النَّهَارِ</span>\n\n[١١٠٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ- واتفقوا في اللفظ- قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، وقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأَدْبَرَ النَّهَارُ، وَغَابَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ».\nلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ نُمَيْرٍ: فَقَدْ.\n[خ: ١٩٥٤]\n\n[١١٠١] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَلَمَّا غَابَتِ الشَّمْسُ قَالَ: «يَا فُلَانُ، انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا، قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» قَالَ: فَنَزَلَ فَجَدَحَ فَأَتَاهُ بِهِ، فَشَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ: «إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَا هُنَا، وَجَاءَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ».\n[خ: ١٩٤١]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَعَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَلَمَّا غَابَتِ الشَّمْسُ، قَالَ لِرَجُلٍ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَمْسَيْتَ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» قَالَ: إِنَّ عَلَيْنَا نَهَارًا، فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ، فَشَرِبَ ثُمَّ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا- وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ- فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵁، يَقُولُ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ: «يَا فُلَانُ، انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا»، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ، وَعَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ.","vol":"3","page":271},{"text":"وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ، وَعَبَّادٍ، وَعَبْدِ الْوَاحِدِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ: فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلَا قوله: «وَجَاءَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا»، إِلَّا فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ وَحْدَهُ.\nقوله: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ»، يعني: من المشرق.\nوقوله: «وَأَدْبَرَ النَّهَارُ»، يعني: من المغرب.\nوقوله: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا»، يعني: اخلِط السَّويق بالماء، من باب التحلية.\nوقوله: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا»، يعني: ما غربت الشمس؛ لأنه رأى ﵁ الحمرة بعد غروب الشمس، وظن أن الفطر لا يحلُّ إلا بعد ذهاب ذلك.\nفي هذه الأحاديث: أنه لا عبرة بالحمرة بعد غروب قرص الشمس؛ لأن الحمرة تبقى مدة.\nوفيه: أن الصحابي ﵁ أشكلت عليه الحمرة من غروب الشمس، فراجع النبي ﷺ، ففيه: أنه لا بأس من مراجعة العالم، أو المسؤول، أو الكبير؛ حتى يتبين الأمر.\nوفيه: أن هذا الرجل راجع النبي ﷺ مرتين:\nالأولى: قال: «لَوْ أَمْسَيْتَ؟»، يعني: لو انتظرت المساء حتى تغرب الشمس؟\nالثانية: قال: «إِنَّ عَلَيْنَا نَهَارًا»، فظن لما رأى الحمرة بعد غروب الشمس أن النهار باقٍ؛ فبين له النبي ﷺ أنه لا عبرة بالحمرة التي تكون بعد غروب الشمس، بل العبرة بإقبال الليل، وإدبار النهار.","vol":"3","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-485>بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ</span>\n\n[١١٠٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْوِصَالِ، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ! قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ؛ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى».\n[خ: ١٩٢٢]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاصَلَ فِي رَمَضَانَ، فَوَاصَلَ النَّاسُ، فَنَهَاهُمْ، قِيلَ لَهُ: أَنْتَ تُوَاصِلُ! قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ؛ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى».\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: فِي رَمَضَانَ.\n\n[١١٠٣] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ- يَا رَسُولَ اللَّهِ- تُوَاصِلُ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي»، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ، فَقَالَ: «لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ»، كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ، حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا.\n[خ: ١٩٦٥]\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ!» قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إِنَّكُمْ لَسْتُمْ فِي ذَلِكَ مِثْلِي؛ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي، فَاكْلَفُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ».\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فَاكْلَفُوا مَا لَكُمْ بِهِ","vol":"3","page":273},{"text":"طَاقَةٌ»، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْوِصَالِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ.\n\n[١١٠٤] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ، فَجِئْتُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، وَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَامَ أَيْضًا، حَتَّى كُنَّا رَهْطًا، فَلَمَّا حَسَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّا خَلْفَهُ، جَعَلَ يَتَجَوَّزُ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ دَخَلَ رَحْلَهُ فَصَلَّى صَلَاةً لَا يُصَلِّيهَا عِنْدَنَا قَالَ: قُلْنَا لَهُ- حِينَ أَصْبَحْنَا-: أَفَطَنْتَ لَنَا اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: فَقَالَ: «نَعَمْ، ذَاكَ الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى الَّذِي صَنَعْتُ» قَالَ: فَأَخَذَ يُوَاصِلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَذَاكَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَأَخَذَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُوَاصِلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا بَالُ رِجَالٍ يُوَاصِلُونَ، إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِثْلِي، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ تَمَادَّ لِي الشَّهْرُ، لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ».\n[خ: ٧٢٤١]\nحَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: وَاصَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَوَاصَلَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: «لَوْ مُدَّ لَنَا الشَّهْرُ، لَوَاصَلْنَا وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ؛ إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِثْلِي» أَوَ قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي».\n\n[١١٠٥] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، جميعًا عَنْ عَبْدَةَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: نَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي».\n[خ: ١٩٦٤]\nقوله: «لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ»، أي: لو بقي وتم الشهر ثلاثين يومًا لزدتكم","vol":"3","page":274},{"text":"يومًا ثالثًا؛ تعزيرًا لكم.\nقوله: «جَعَلَ يَتَجَوَّزُ»، أي: يخفف.\nفي هذه الأحاديث: النهي عن الوصال في الصوم، وهو: صوم يومين فصاعدًا من غير أكل، أو شرب بينهما.\nوالنبي ﵊ نهى عن الوصال وكان يفعله، فأراد الصحابة ﵃ أن يقتدوا به محبةً للخير، ورغبةً في الأجر والثواب، فنهاهم النبي ﷺ رحمةً بهم، فقالوا للرسول ﷺ: «إِنَّكَ تُوَاصِلُ»، فقال: «إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ؛ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى».\nقال بعض أهل العلم: معناه: أنه يؤتى له بطعام وشراب من الجنة، لكن هذا القول ضعيف؛ لأنه لو كان يأكل، ويشرب ما كان مواصلًا.\nوالصواب: أن المعنى: أن الله يفتح عليه من موارد أُنْسِه ونفحات قدسه ما يغنيه عن الطعام والشراب، ويكون كالمُطعَم وكالمسقَى، أي: يجعله الله تعالى في قوة الطاعم الشارب.\nمسألة: اختلف العلماء في حكم الوصال على قولين:\nالقول الأول: أنه حرام.\nالقول الثاني- وهو الصواب-: أنه مكروه، وأنه لو كان حرامًا لما فعله النبي ﷺ بالصحابة، وأنه لمَّا فَعَله ونهى عنه دل على أنه من خصائصه ﷺ، وأنه مكروه في حق الأمة.\nأما الوصال إلى السَّحَر: فهذا جائز، بأن يجعل عشاءه سحورًا، كما جاء في الأحاديث الأخرى: «لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ» (^١)، ولكن الأفضل أن يبادر بالإفطار.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٠٦).","vol":"3","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-486>بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْقُبْلَةَ فِي الصَّوْمِ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً عَلَى مَنْ لَمْ تُحَرِّكْ شَهْوَتَهُ</span>\n\n[١١٠٦] حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ إِحْدَى نِسَائِهِ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ تَضْحَكُ.\nقوله: «ثُمَّ تَضْحَكُ»: ضحكها ﵂ محمول على أنها صاحبة القصة، أو لأنها ذكرت شيئًا فاستحيت منه، ولكنها مضطرة إلى ذكره لتبليغ العلم، أو أنها ضحكت سرورًا بذلك؛ لتذكر مكانها من النبي ﷺ.\nحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ: أَسَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ؟ فَسَكَتَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُنِي وَهُوَ صَائِمٌ، وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟ !\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂. ح، وَحَدَّثَنَا شُجَاعُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ أَمْلَكُكُمْ لِإِرْبِهِ.\n[خ: ١٩٢٨]\nحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ","vol":"3","page":276},{"text":"عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: كَانَ يُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَوْنٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ إلى عائشة ﵂، فقلنا لها: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ- أَوْ مِنْ أَمْلَكِكُمْ لِإِرْبِهِ- شَكَّ أَبُو عَاصِمٍ.\nوَحَدَّثَنِيهِ يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ وَمَسْرُوقٍ أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ لِيَسْأَلَانِهَا، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ عُمَرَ بنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ الْحَرِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ- يَعْنِي: ابْنَ سَلَّامٍ- عَنْ يَحْيَى ابْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ فِي شَهْرِ الصَّوْمِ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّهْشَلِيُّ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ صَائِمٌ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ","vol":"3","page":277},{"text":"عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ.\n\n[١١٠٧] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ عَنْ حَفْصَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ جَرِيرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ عَنْ حَفْصَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\n\n[١١٠٨] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو- وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَيُقَبِّلُ الصَّائِمُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَلْ هَذِهِ- لِأُمِّ سَلَمَةَ-» فَأَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَخْشَاكُمْ لَهُ».\nفي هذه الأحاديث: جواز القُبلة للصائم بالفم، والمباشرة، وهي: اللمس باليد والتقاء البشرتين، هذا إذا كان يأمن على نفسه، ويغلب على ظنه أنه لا يتولد من القبلة، أو المباشرة إنزال، أو شهوة، أو هيجان نفس؛ لقول عائشة ﵂ «وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ».\nوقوله: «لِإِرْبِهِ»: فيها وجهان:\nالأول: بكسر الهمزة، وسكون الراء: «إِرْبِهِ».\nوالثاني: بفتح الهمزة، والراء: «أَرَبِهِ»، ومعناه بالكسر: الحاجة، وهذا تفسره الرواية الأخرى، وهي قوله: «أَيكُّمْ أَمْلَكُ لِنَفْسِهِ» (^١) وبالفتح: العضو،\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ (١٠٢٦).","vol":"3","page":278},{"text":"ومنه: ما جاء في الحديث: «أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ إِرْبٍ مِنْه إِرْبًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» (^١)، أي: أعتق بكل عضو عضوًا.\nفإن لم يأمن الصائم على نفسه حرُم عليه القُبلة والمباشرة؛ صيانةً لصيامه عن الفساد؛ لأن إبطال الصيام محرم، والقُبلة والمباشرة وسيلة إلى إفساد الصوم، والوسيلة لها حكم الغاية.\nوفيها: أن تقبيل الصائم لزوجته ليس من خصائص النبي ﷺ.\nوإذا قبَّل الصائم، أو باشر فخرج منه مني فسد صومُه، وعليه قضاء ذلك اليوم مع التوبة والاستغفار، ولا كفارة عليه؛ لأن الكفارة تجب بالجماع خاصة.\nودليل فساد الصوم بخروج المني: الحديث القدسي الذي يقول فيه الرب سبحانه: «الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ؛ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي» (^٢).\nوإذا قبَّل، أو باشر وخرج منه مذي، ففي فساد صومه قولان للعلماء:\nأحدهما: لا يفسد صومه، وقال به الحنفية (^٣)، والمالكية (^٤)، وهو اختيار سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه (^٥).\nالقول الثاني: يفسد صومه، وهذا عند الشافعية (^٦) والحنابلة، قال صاحب الزاد: «من أكل، أو شرب، أو استعط، أو احتقن، أو اكتحل بما يصل إلى حلقه، أو أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان- غير إحليله- أو استقاء، أو استمنى، أو باشر فأمنى، أو أمذى، أو كرَّر النظر فأنزل، أو حَجَمَ، أو احتجم وظهر دم عامدًا ذاكرًا لصومه، فسد» (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٠٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٤٩٢).\n(^٣) المبسوط، للسرخسي (٣/ ٥٨).\n(^٤) شرح مختصر خليل، للخرشي (٢/ ٢٤٤)، مواهب الجليل، للحطاب (٢/ ٤٣٧).\n(^٥) فتاوى نور على الدرب، لابن باز (١٦/ ٢٣٧).\n(^٦) المجموع، للنووي (٦/ ٣٥٤).\n(^٧) زاد المستقنع، للحجاوي (ص ٨٢).","vol":"3","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-487>بَابُ صِحَّةِ صَوْمِ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ</span>\n\n[١١٠٩] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُصُّ، يَقُولُ فِي قَصَصِهِ: مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فَلَا يَصُمْ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ لِأَبِيهِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄، فَسَأَلَهُمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: فَكِلْتَاهُمَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ، ثُمَّ يَصُومُ قَالَ: فَانْطَلَقْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى مَرْوَانَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ مَرْوَانُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا مَا ذَهَبْتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَرَدَدْتَ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ قَالَ: فَجِئْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبُو بَكْرٍ حَاضِرُ ذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ: فَذَكَرَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَهُمَا قَالَتَاهُ لَكَ؟ ! قَالَ: نَعَمْ قَالَ: هُمَا أَعْلَمُ، ثُمَّ رَدَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْ الْفَضْلِ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَرَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَمَّا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ، قُلْتُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ: أَقَالَتَا فِي رَمَضَانَ؟ قَالَ: كَذَلِكَ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ\nحُلُمٍ، ثُمَّ يَصُومُ.\n[خ: ١٩٢٦]\nقوله: «فَقَالَ مَرْوَانُ»: هو مروان بن الحكم، وكان أميرًا على المدينة لمعاوية بن أبي سفيان ﵁.","vol":"3","page":280},{"text":"وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ فِي رَمَضَانَ، وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ، فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ.\nحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو- وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ الْحِمْيَرِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ مَرْوَانَ أَرْسَلَهُ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ يَسْأَلُ عَنِ الرَّجُلِ يُصْبِحُ جُنُبًا، أَيَصُومُ؟ فَقَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ، لَا مِنْ حُلُمٍ، ثُمَّ لَا يُفْطِرُ، وَلَا يَقْضِي.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ- زَوْجَيِ النَّبِيِّ ﷺ- أَنَّهُمَا قَالَتَا: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ، غَيْرِ احْتِلَامٍ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ يَصُومُ.\n\n[١١١٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- وَهُوَ ابْنُ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ أَبُو طُوَالَةَ- أَنَّ أَبَا يُونُسَ- مَوْلَى عَائِشَةَ- أَخْبَرَهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَفْتِيهِ، وَهِيَ تَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ وَأَنَا جُنُبٌ، أَفَأَصُومُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَأَنَا تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ»، فَقَالَ: لَسْتَ مِثْلَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي».\n\n[١١٠٩] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ","vol":"3","page":281},{"text":"﵂ عَنِ الرَّجُلِ يُصْبِحُ جُنُبًا، أَيَصُومُ؟ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا، مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ ثُمَّ يَصُومُ.\nفي هذه الأحاديث: صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، من جماع، أو احتلام، فرضًا كان الصوم، أو نفلًا، وأنه لا قضاء عليه، بشرط أن يلزم الصيام- بأن يمتنع من المفطرات- قبل طلوع الفجر.\nومثله: الحائض، والنفساء، إذا طهرتا في آخر الليل، فإنه يصح صومهما، ولو لم تغتسلا إلا بعد طلوع الفجر.\nومما يُرَدُّ به على حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه عنه الفضل بن عباس: أنه كان أولًا، ثم نُسخ، كما في حديث عائشة، وأم سلمة، واستقرت الشريعة على أن من أصبح جنبًا فصومه صحيح.\nوفيها: أنه لما بلغ أبا هريرة عن أم سلمة، وعائشة ﵄ أن النبي ﷺ كان «يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ» رجع عما كان يفتي به.","vol":"3","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-488>بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَلَى الصَّائِمِ، وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ الْكُبْرَى فِيهِ، وَبَيَانِهَا، وَأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ، وَتَثْبُتُ فِي ذِمَّةِ الْمُعْسِرِ حَتَّى يَسْتَطِيعَ</span>\n\n[١١١١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ قَالَ: «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟» قَالَ: لَا قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قَالَ: لَا قَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» قَالَ: لَا قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا» قَالَ: أَفْقَرَ مِنَّا! فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ».\n[خ: ١٩٣٧]\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَقَالَ: بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، وَهُوَ الزِّنْبِيلُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ، فَاسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً؟» قَالَ: لَا قَالَ: «وَهَلْ تَسْتَطِيعُ صِيَامَ شَهْرَيْنِ؟» قَالَ: لَا قَالَ: «فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ","vol":"3","page":283},{"text":"يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.\n\n[١١١٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: احْتَرَقْتُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِمَ؟ !» قَالَ: وَطِئْتُ امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ نَهَارًا! قَالَ: «تَصَدَّقْ تَصَدَّقْ» قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِسَ، فَجَاءَهُ عَرَقَانِ فِيهِمَا طَعَامٌ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ.\n[خ: ٦٨٢٢]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبَّادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْر حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: أَتَى رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَلَيْسَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ: تَصَدَّقْ تَصَدَّقْ، وَلَا قوله: نَهَارًا.\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ، حَدَّثَهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبَّادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- تَقُولُ: أَتَى رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، احْتَرَقْتُ احْتَرَقْتُ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا شَأْنُهُ؟»، فَقَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِي قَالَ: «تَصَدَّقْ»، فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا لِي شَيْءٌ،","vol":"3","page":284},{"text":"وَمَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ قَالَ: «اجْلِسْ»، فَجَلَسَ، فَبَيْنَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ، أَقْبَلَ رَجُلٌ يَسُوقُ حِمَارًا عَلَيْهِ طَعَامٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ آنِفًا؟»، فَقَامَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغَيْرَنَا؟ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَجِيَاعٌ مَا لَنَا شَيْءٌ قَالَ: «فَكُلُوهُ».\nفي هذه الأحاديث: تحريم الجماع في نهار رمضان للصائم عامدًا، وأنه من الكبائر؛ لقول الرجل: «هَلَكْتُ»، وقوله: «احْتَرَقْتُ»، وإقرار الرسول ﷺ له على قولِه.\nوفيها: أن المعاصي هلاك، وأنها تؤدي إلى دخول النار.\nوفيها: أن الْمُجَامِع في نهار رمضان عليه كفارة مغلظة بالترتيب، وأنها مثل كفارة الظهار: يعتق رقبة، فإن لم يجد الرقبة، أو ثمنها انتقل إلى صيام شهرين متتابعين، لا يفطر إلا من عذر، كالمرض، أو السفر، فإن عجز عن الصيام أطعم ستين مسكينًا.\nمسألة: أما من جامع ناسيًا، أو جاهلًا فللعلماء فيه أقوال:\nالقول الأول: أن صومه صحيح، ولا كفارة عليه، وهو أصح أقوال العلماء.\nالقول الثاني: تجب الكفارة على الناسي، دون الجاهل.\nالقول الثالث: تجب الكفارة على الناسي والجاهل، مع القضاء.\nوالصواب: أن الناسي معفوٌّ عنه؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ؛ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» (^١).\nمسألة: اختلف العلماء فيما إذا عجز المجامِع في نهار رمضان عن الخصال الثلاث: العتق، أو الصيام، أو الإطعام، على قولين:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٣٣).","vol":"3","page":285},{"text":"قال النووي ﵀: «ومذهبنا ومذهب العلماء كافة وجوب الكفارة عليه إذا جامع عامدًا جماعًا أفسد به صوم يوم من رمضان- والكفارة عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب التي تضر بالعمل إضرارًا بيِّنًا- فإن عجز عنها فصوم شهرين متتابعين، فإن عجز فإطعام ستين مسكينًا كل مسكين مد من طعام، وهو رطل وثلث بالبغدادي، فإن عجز عن الخصال الثلاث فللشافعي قولان: أحدهما: لا شيء عليه، وإن استطاع بعد ذلك فلا شيء عليه». (^١)\nقلت: وهذا اختيار سماحة شيخنا ابن باز ﵀ (^٢).\n«القول الثاني: وهو الصحيح عند أصحابنا وهو المختار: أن الكفارة لا تسقط، بل تستقر في ذمته حتى يمكَّن قياسًا على سائر الديون والحقوق والمؤاخذات، كجزاء الصيد وغيره، وأما الحديث فليس فيه نفي استقرار الكفارة، بل فيه دليل لاستقرارها؛ لأنه أخبر النبي ﷺ في الكفارة بأنه عاجز عن الخصال الثلاث، ثم أُتِيَ النبي ﷺ بعرق التمر فأمره بإخراجه فلو كانت تسقط بالعجز لم يكن عليه شيء، ولم يأمره بإخراجه، فدل على ثبوتها في ذمته، وإنما أذن له في إطعام عياله؛ لأنه كان محتاجًا ومضطرًا إلى الإنفاق على عياله في الحال، والكفارة على التراخي، فأذن له في أكله، وإطعام عياله، وبقيت الكفارة في ذمته، وإنما لم يبين له بقاءها في ذمته؛ لأن تأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز عند جماهير الأصوليين، وهذا هو الصواب في معنى الحديث». (^٣)\nقلت: وهذا اختيار البخاري ﵀ (^٤).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٧/ ٢٢٤).\n(^٢) فتاوى نور على الدرب، لابن باز (١٦/ ٢٩٢).\n(^٣) شرح مسلم، للنووي (٧/ ٢٢٥).\n(^٤) صحيح البخاري (٧/ ٢٣٩)، فتح الباري، لابن حجر (٤/ ١٦٦).","vol":"3","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-489>بَابُ جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِلْمُسَافِرِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، إِذَا كَانَ سَفَرُهُ مَرْحَلَتَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ لِمَنْ أَطَاقَهُ بِلَا ضَرَرٍ أَنْ يَصُومَ، وَلِمَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ</span>\n\n[١١١٣] حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ، ثُمَّ أَفْطَرَ قَالَ: وَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ.\n[خ: ١٩٤٤]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقَالَ يَحْيَى: قَالَ سُفْيَانُ: لَا أَدْرِي مِنْ قَوْلِ مَنْ هُوَ- يَعْنِي: وَكَانَ يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَانَ الْفِطْرُ آخِرَ الْأَمْرَينِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَصَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ.\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْثِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانُوا يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَرَوْنَهُ النَّاسِخَ الْمُحْكَمَ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ، فَشَرِبَهُ نَهَارًا؛ لِيَرَاهُ النَّاسُ، ثُمَّ أَفْطَرَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ،","vol":"3","page":287},{"text":"وَأَفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَا تَعِبْ عَلَى مَنْ صَامَ، وَلَا عَلَى مَنْ أَفْطَرَ، قَدْ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ.\n\n[١١١٤] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الْمَجِيدِ- حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ، فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنْ جَعْفَرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ: فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ.\n\n[١١١٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَرَأَى رَجُلًا قَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَقَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا لَهُ؟ قَالُوا: رَجُلٌ صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ».\n[خ: ١٩٤٦]\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا، بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَزَادَ: قَالَ شُعْبَةُ: وَكَانَ يَبْلُغُنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّهُ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ","vol":"3","page":288},{"text":"الَّذِي رَخَّصَ لَكُمْ قَالَ: فَلَمَّا سَأَلْتُهُ لَمْ يَحْفَظْهُ.\n\n[١١١٦] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَمِنَّا مَنْ صَامَ، وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ التَّيْمِيِّ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ- يَعْنِي: ابْنَ عَامِرٍ-.ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ هَمَّامٍ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ التَّيْمِيِّ، وَعُمَرَ بْنِ عَامِرٍ، وَهِشَامٍ: لِثَمَانَ عَشْرَةَ خَلَتْ، وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ: فِي ثِنْتَيْ عَشْرَةَ، وَشُعْبَةَ: لِسَبْعَ عَشْرَةَ، أَوْ تِسْعَ عَشْرَةَ.\nحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُفَضَّلٍ- عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ، فَمَا يُعَابُ عَلَى الصَّائِمِ صَوْمُهُ، وَلَا عَلَى الْمُفْطِرِ إِفْطَارُهُ.\nحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَلَا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ.\n\n[١١١٧] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، وَسَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، كُلُّهُمْ عَنْ مَرْوَانَ قَالَ سَعِيدٌ: أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵃ قَالَا: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَصُومُ","vol":"3","page":289},{"text":"الصَّائِمُ وَيُفْطِرُ الْمُفْطِرُ، فَلَا يَعِيبُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.\n\n[١١١٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ.\n[خ: ١٩٤٧]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: خَرَجْتُ فَصُمْتُ، فَقَالُوا لِي: أَعِدْ قَالَ: فَقُلْتُ: إِنَّ أَنَسًا أَخْبَرَنِي: أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يُسَافِرُونَ، فَلَا يَعِيبُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ.\nفَلَقِيتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، فَأَخْبَرَنِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ بِمِثْلِهِ.\nفي هذه الأحاديث:\n١. جواز الفطر للمسافر إذا فارق بيوت بلده.\n٢. جواز الفطر للمريض، قال الله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾.\n٣. تخيير المسافر بين الصيام والفطر؛ ولهذا قال ابن عباس ﵄: «فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ»، وجاء في حديث ابن عباس ﵄: «فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ».\n٤. الرد على الظاهرية القائلين بأنه لا يجوز للمسافر أن يصوم، بل يجب عليه أن يفطر (^١)، وأنه لو صام لم يصحَّ صومه، واستدلوا بظاهر قوله تعالى: ﴿ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أُخر﴾ وهذا القول ضعيف يخالف النصوص التي فيها: أن الصحابة كانوا مع النبي ﷺ، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر، ولم يَعِبْ بعضهم على بعض.\n_________\n(^١) المحلى، لابن حزم (٦/ ٢٤٧ - ٢٥٣).","vol":"3","page":290},{"text":"٥. أن الثاني من أفعال رسول الله ﷺ يكون ناسخًا إذا تعارض مع الأول من فعله، أما إذا أمكن الجمع بينهما فإنه يعمل بكل منهما؛ لأن الجمع مُقدَّم.\n٦. في قوله: «حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ، فَشَرِبَهُ نَهَارًا لِيَرَاهُ النَّاسُ»: أنه أفطر ﵊ لما قيل له: إن الناس قد شقَّ عليهم الصوم.\n٧. قول النبي ﷺ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ» (^١)، فهذا محمول على كراهة الصوم لمن شق عليه الصوم، أما إذا كان لا يشق عليه فهو مخير بين الصوم والفطر.\nمسألة: أيهما أفضل: الفطر، أو الصوم؟\nالقول الأول: الصوم أفضل؛ لأنه أسرع في براءة الذمة؛ ولأنه فعل النبي ﷺ؛ ولأنه أنشطُ له، وأَعْونُ إذا صام مع الناس.\nالقول الثاني: الفطر أفضل؛ لأن فيه الأخذ برخص الله، قال ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّذِي رَخَّصَ لَكُمْ» (^٢).\nومن العلماء من قال: إن الفطر والصوم على حدٍّ سواء في الفضيلة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (١١١٥).","vol":"3","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-490>بَابُ أَجْرِ الْمُفْطِرِ فِي السَّفَرِ إِذَا تَوَلَّى الْعَمَلَ</span>\n\n[١١١٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ مُوَرِّقٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي السَّفَرِ، فَمِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ، أَكْثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الْكِسَاءِ، وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ قَالَ: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ، فَضَرَبُوا الْأَبْنِيَةِ وَسَقَوْا الرِّكَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ».\n[خ: ٢٨٩٠]\nفي هذا الحديث: أنَّ الأفضلَ لمن شقَّ عليه الصوم في السفر الفطرُ.\nوقوله: «فَضَرَبُوا الْأَبْنِيَةِ، وَسَقَوْا الرِّكَابَ»، يعني: نصبوا الخيام، وخدموا إخوانهم، فقال الرسول ﷺ: «ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ»؛ لأن الصُّوَّام قد شقَّ عليهم، فلم يعملوا.","vol":"3","page":292},{"text":"وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ مُوَرِّقٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَصَامَ بَعْضٌ، وَأَفْطَرَ بَعْضٌ، فَتَحَزَّمَ الْمُفْطِرُونَ وَعَمِلُوا، وَضَعُفَ الصُّوَّامُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ قَالَ: فَقَالَ- فِي ذَلِكَ-: ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ».\n\n[١١٢٠] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ رَبِيعَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَزَعَةُ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁- وَهُوَ مَكْثُورٌ عَلَيْهِ، فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ- قُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْأَلُكَ عَمَّا يَسْأَلُكَ هَؤُلَاءِ عَنْهُ، سَأَلْتُهُ عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ»، فَكَانَتْ رُخْصَةً، فَمِنَّا مَنْ صَامَ، وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ، فَقَالَ: «إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ، فَأَفْطِرُوا»، وَكَانَتْ عَزْمَةً فَأَفْطَرْنَا، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ.\nقوله: «وَهُوَ مَكْثُورٌ عَلَيْهِ»، يعني: قد اجتمع الناس عليه يسألونه.\nوفي هذا الحديث: وجوب الفطر في السفر عند الدنو من العدو للقتال.\nوقوله: «وَكَانَتْ عَزْمَةً»، يعني: شيئًا واجبًا، ثم لما صام أناس بعد ذلك قال: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» (^١)؛ لأنهم خالفوا الأمر.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١١٤).","vol":"3","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-491>بَابُ التَّخْيِيرِ فِي الصَّوْمِ، وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ</span>\n\n[١١٢١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلَ حَمْزَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ».\n[خ: ١٩٤٣]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ- حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَجُلٌ أَسْرُدُ الصَّوْمَ، أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: «صُمْ إِنْ شِئْتَ، وَأَفْطِرْ إِنْ شِئْتَ».\nوَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: إِنِّي رَجُلٌ أَسْرُدُ الصَّوْمَ، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ حَمْزَةَ قَالَ: إِنِّي رَجُلٌ أَصُومُ، أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ».\nقَالَ هَارُونُ فِي حَدِيثِهِ: هِيَ رُخْصَةٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِنَ اللَّهِ.\nفي هذا الحديث: دليل لمن قال بأن الفطر في السفر أفضل.","vol":"3","page":294},{"text":"[١١٢٢] حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ.\n[خ: ١٩٤٥]\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَيَّانَ الدِّمَشْقِيِّ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا مِنَّا أَحَدٌ صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ.\nفي هذا الحديث: دليل على جواز الصوم في السفر تطوعًا.","vol":"3","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-492>بَابُ اسْتِحْبَابِ الْفِطْرِ لِلْحَاجِّ بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ</span>\n\n[١١٢٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عُمَيْرٍ- مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ- عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ: أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ- وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ- فَشَرِبَهُ.\n[خ: ١٦٦١]\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ، وَقَالَ: عَنْ عُمَيْرٍ- مَوْلَى أُمِّ الْفَضْلِ- حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَقَالَ: عَنْ عُمَيْرٍ- مَوْلَى أُمِّ الْفَضْلِ.\nوَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عُمَيْرًا- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄- حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ الْفَضْلِ ﵂، تَقُولُ: شَكَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَنَحْنُ بِهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِقَعْبٍ فِيهِ لَبَنٌ- وَهُوَ بِعَرَفَةَ- فَشَرِبَهُ.\n\n[١١٢٤] وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ كُرَيْبٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄- عَنْ مَيْمُونَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ مَيْمُونَةُ بِحِلَابِ اللَّبَنِ وَهُوَ وَاقِفٌ فِي الْمَوْقِفِ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ.\n[خ: ١٩٨٩]\nقوله: «حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ الْفَضْلِ ﵂»: أم الفضل ﵂ هي: زوجة العباس","vol":"3","page":296},{"text":"﵁، وهي أخت ميمونة- زوج النبي ﷺ.\nوقوله: «بِحِلَابِ اللَّبَنِ»، أي: بالإناء الذي يحلب فيه.\nوقوله: «بِقَعْبٍ فِيهِ لَبَنٌ»: هو قدح يروي الرجل الواحد.\nفي هذين الحديثين: أن ميمونة ﵂ هي التي ناولت القدحَ رسولَ الله ﷺ، وفي الحديث السابق: أنها أم الفضل، وهما أختان، فلعلَّ أمَّ الفضل ناولت القدح لميمونة، وميمونة ناولته النبيَّ ﷺ.\nوفيهما: دليل على مشروعية الفطر يوم عرفة، وأنه يتأكد في حق الحاج؛ ولهذا لما شك الناس في صيام النبي ﷺ وهو واقف بعرفة أرسلت أم الفضل له بشرابٍ «فَشَرِبَ مِنْهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ».","vol":"3","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-493>بَابُ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ</span>\n\n[١١٢٥] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ صَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ شَهْرُ رَمَضَانَ قَالَ: «مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ».\n[خ: ١٩٨٣]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ، وَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: وَتَرَكَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ كَرِوَايَةِ جَرِيرٍ.\nحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ كَانَ يُصَامُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ، مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ.\nحَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِصِيَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، جميعًا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ عِرَاكًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصِيَامِهِ، حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْهُ».\n\n[١١٢٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح،","vol":"3","page":298},{"text":"وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄: أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَامَهُ وَالْمُسْلِمُونَ قَبْلَ أَنْ يُفْتَرَضَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا افْتُرِضَ رَمَضَانُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ عَاشُورَاءَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ».\n[خ: ٤٥٠١]\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ-.ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِمِثْلِهِ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَانَ يَوْمًا يَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ كَرِهَ فَلْيَدَعْهُ».\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الْوَلِيدِ- يَعْنِي: ابْنَ كَثِيرٍ- حَدَّثَنِي نَافِعٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ: «إِنَّ هَذَا يَوْمٌ كَانَ يَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلْيَتْرُكْهُ».\nوَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁ لَا يَصُومُهُ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ صِيَامَهُ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَخْنَسِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ سَوَاءً.\nفي هذه الأحاديث: مشروعية صيام يوم عاشوراء.\nوفيها: أن صيام يوم عاشوراء كان واجبًا قبل فرض صيام رمضان.\nوفيها: أن أهل الجاهلية كانوا يصومونه، فلما هاجر النبي ﷺ إلى","vol":"3","page":299},{"text":"المدينة وجد أن اليهود يصومونه، فسألهم، فقالوا: هذا يوم صالح، نجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فنحن نصومه، فصامه النبي ﷺ وأمر بصيامه (^١).\nمسألة: اختلف العلماء في صيام يوم عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، هل كان واجبًا؟ أو مستحبًّا؟ على قولين:\nالقول الأول: أنه واجب، وأنه لما فُرِضَ رمضان نُسخ الأمر بالوجوب، وبقي الاستحباب.\nواستدل أصحاب هذا القول بأن النبي ﷺ أمر بصيامه، والأمر للوجوب، وبأنه ثبت أن النبي ﷺ أمر المنادي أن ينادي يوم عاشوراء: «مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ» (^٢).\nالقول الثاني: أن الأمر للاستحباب، وأن الاستحباب كان متأكَّدًا، ثم لما فُرض رمضان لم يعد كذلك، وهو قول للشافعية (^٣).\nوظاهر النصوص: أنه كان واجبًا، وهو اختيار أبي حنيفة (^٤)، ورواية عن أحمد (^٥)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٠٤)، ومسلم (١١٣٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٦٠)، ومسلم (١١٣٦).\n(^٣) أسنى المطالب، لزكريا الأنصاري (١/ ٤٣١).\n(^٤) بدائع الصنائع، للكاساني (٢/ ١٠٣).\n(^٥) المغني، لابن قدامة (٣/ ١٧٨).\n(^٦) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٥/ ٣١١).","vol":"3","page":300},{"text":"وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «ذَاكَ يَوْمٌ كَانَ يَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ».\n\n[١١٢٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: دَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَتَغَدَّى، فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ادْنُ إِلَى الْغَدَاءِ، فَقَالَ: أَوَ لَيْسَ الْيَوْمُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ؟ قَالَ: وَهَلْ تَدْرِي مَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ؟ قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: إِنَّمَا هُوَ يَوْمٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فَلَمَّا نَزَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ تُرِكَ.\nوقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: تَرَكَهُ.\nوَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَا: فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ تَرَكَهُ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ سُفْيَانَ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي زُبَيْدٌ الْيَامِيُّ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَكَنٍ أَنَّ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ دَخَلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَهُوَ يَأْكُلُ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ادْنُ فَكُلْ قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ قَالَ: كُنَّا نَصُومُهُ، ثُمَّ تُرِكَ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: دَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ يَأْكُلُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ يُصَامُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ تُرِكَ، فَإِنْ كُنْتَ مُفْطِرًا فَاطْعَمْ.\n\n[١١٢٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا","vol":"3","page":301},{"text":"شَيْبَانُ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَيَحُثُّنَا عَلَيْهِ، وَيَتَعَاهَدُنَا عِنْدَهُ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ لَمْ يَأْمُرْنَا، وَلَمْ يَنْهَنَا، وَلَمْ يَتَعَاهَدْنَا عِنْدَهُ.\nظاهر هذه الأحاديث: أن عبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود ﵃ كانا لا يريان استحباب صيام يوم عاشوراء، وكذلك جابر بن سمرة ﵁، فقد قال: «فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ لَمْ يَأْمُرْنَا، وَلَمْ يَنْهَنَا»، وهذا محمول على أنه قد خفيت عليهم السُّنَّة.\n\n[١١٢٩] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ خَطِيبًا بِالْمَدِينَةِ- يَعْنِي: فِي قَدْمَةٍ قَدِمَهَا- خَطَبَهُمْ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِهَذَا الْيَوْمِ: «هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يَكْتُب اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يَكْتُب اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَصُومَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُفْطِرَ فَلْيُفْطِرْ».\n[خ: ٢٠٠٣]\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ- فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ-: «إِنِّي صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَ فَلْيَصُمْ»، وَلَمْ يَذْكُرْ بَاقِي حَدِيثِ مَالِكٍ وَيُونُسَ.\nقوله: «وَلَمْ يَكْتُب اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ»، أي: هو مستحب، وليس بفرض.","vol":"3","page":302},{"text":"في هذا الحديث: أن معاوية ﵁ لما قدم المدينة في وقت خلافته قال: «أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ»؛ لأن العلماء هم الذين يبينون للناس الأحكام.\n\n[١١٣٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَوَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي أَظْهَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى فِرْعَوْنَ، فَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَأَمَرَ بِصَوْمِهِ».\n[خ: ٢٠٠٤]\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: فَسَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ.\nوَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟»، فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَنْجَى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فَصَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: عَنِ ابْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، لَمْ يُسَمِّهِ.\n\n[١١٣١] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ، وَتَتَّخِذُهُ عِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صُومُوهُ أَنْتُمْ».\n[خ: ٢٠٠٥]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ،","vol":"3","page":303},{"text":"أَخْبَرَنِي قَيْسٌ، فَذَكَرَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَزَادَ: قَالَ أَبُو أُسَامَةَ: فَحَدَّثَنِي صَدَقَةُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: كَانَ أَهْلُ خَيْبَرَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، يَتَّخِذُونَهُ عِيدًا، وَيُلْبِسُونَ نِسَاءَهُمْ فِيهِ حُلِيَّهُمْ وَشَارَتَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَصُومُوهُ أَنْتُمْ».\n\n[١١٣٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ؟ فَقَالَ: مَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَامَ يَوْمًا يَطْلُبُ فَضْلَهُ عَلَى الْأَيَّامِ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ، وَلَا شَهْرًا إِلَّا هَذَا الشَّهْرَ- يَعْنِي: رَمَضَانَ.\n[خ: ٢٠٠٦]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ.\nقوله: «وَشَارَتَهُمْ»، يعني: ثيابهم الجميلة.","vol":"3","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-494>بَابُ أَيِّ يَوْمٍ يُصَامُ فِي عَاشُورَاءَ</span>\n\n[١١٣٣] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ حَاجِبِ بْنِ عُمَرَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الْأَعْرَجِ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄- وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ فِي زَمْزَمَ- فَقُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ، وَأَصْبِحْ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا، قُلْتُ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ الْأَعْرَجِ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄- وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ عِنْدَ زَمْزَمَ- عَنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ حَاجِبِ بْنِ عُمَرَ.\nفي هذا الحديث: تصريح بأن مذهب ابن عباس ﵄ أن عاشوراء هو اليوم التاسع من المحرم، ويتأوله على أنه مأخوذ من إظماء الإبل، فإن العرب تسمي اليوم الخامس من أيام الوِرْدِ رَبْعًا، وكذلك على هذا الحساب يحسبون أيام الإظْمَاء والأوْرَادِ، فيكون التاسعُ عَشْرًا على هذا.\nوذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم (^١)، وهو ظاهر الأحاديث، ومقتضى اللفظ، وأما تقدير أخذه من الإظماء؛ فبعيد.\nهذا، وقد ذكر ابن القيم ﵀ أن صيام عاشوراء على ثلاثة أحوال:\nالحال الأولى: أن يصام يوم قبله ويوم بعده، وهذا أكملها.\n_________\n(^١) الدر المختار، لابن عابدين (٦/ ٤٢٩)، شرح مختصر خليل، للخرشي (٢/ ٢٤١)، المجموع، للنووي (٦/ ٣٨٣)، النجم الوهاج، للدميري (٣/ ٣٥٧)، المغني، لابن قدامة (٣/ ١٧٧)، كشاف القناع، للبهوتي (٥/ ٣١٧).","vol":"3","page":305},{"text":"الحال الثانية: أن يصام التاسع والعاشر، وهذا عليه أكثر الأحاديث.\nالحال الثالثة: أن يفرد صوم عاشوراء وحده، وهذا مكروه؛ لأن فيه موافقة لليهود (^١).\nوالمخالفة تكون بصوم يوم مع العاشر، سواء قبله، وهو التاسع- وهو الأفضل- أو بعده، وهو الحادي عشر.\n\n[١١٣٤] وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا غَطَفَانَ بْنَ طَرِيفٍ الْمُرِّيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄، يَقُولُ: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ» قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ- لَعَلَّهُ قَالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ»، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: يَعْنِي: يَوْمَ عَاشُورَاءَ.\nفي هذه الأحاديث: رد على رواية الحكم ابن الأعرج فيما ذهب إليه ابن عباس ﵄ من أن اليوم العاشر هو التاسع، وقولُ النبي ﷺ: إنه إن عاش إلى العام المقبل- إن شاء الله- ليصومن اليوم التاسع؛ تصريحٌ بأن الذي كان يصومه ليس هو التاسع، فتعين أن يكون العاشر.\n_________\n(^١) زاد المعاد، لابن القيم (٢/ ٧٢).","vol":"3","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-495>بَابُ مَنْ أَكَلَ فِي عَاشُورَاءَ فَلْيَكُفَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ</span>\n\n[١١٣٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ: «مَنْ كَانَ لَمْ يَصُمْ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ إِلَى اللَّيْلِ».\n[خ: ١٩٢٤]\nفي هذا الحديث: أن من أكل في عاشوراء فعليه أن يتم بقية يومه صائمًا، وهذا قبل أن يُفرض رمضان.","vol":"3","page":307},{"text":"[١١٣٦] وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ بْنِ لَاحِقٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ، قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ: «مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ»، فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ، أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عِنْدَ الْإِفْطَارِ».\n[خ: ١٩٦٠]\nوَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ الْعَطَّارُ عَنْ خَالِدِ بْنِ ذَكْوَانَ قَالَ: سَأَلْتُ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذٍ عَنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ، قَالَتْ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُسُلَهُ فِي قُرَى الْأَنْصَارِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ بِشْرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَنَصْنَعُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَنَذْهَبُ بِهِ مَعَنَا، فَإِذَا سَأَلُونَا الطَّعَامَ، أَعْطَيْنَاهُمُ اللُّعْبَةَ تُلْهِيهِمْ، حَتَّى يُتِمُّوا صَوْمَهُمْ.\nفي هذا الحديث: عناية الصحابة ﵃ واهتمامهم بتربية أولادهم، وتمرينهم على العبادة قبل البلوغ.\nفيدرَّب الصبيان على الصيام، كما في هذه الأحاديث، وعلى الصلاة، كما في قول النبي ﷺ: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ» (^١)؛ لأنهم لو تُركوا حتى يبلغوا لثقلت عليهم العبادة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦٦٨٩)، وأبو داود (٤٩٥).","vol":"3","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-496>بَابُ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْأَضْحَى</span>\n\n[١١٣٧] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ- مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ- أَنَّهُ قَالَ: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَجَاءَ فَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَيْنِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالْآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ.\n[خ: ١٩٩٠]\n\n[١١٣٨] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْأَضْحَى، وَيَوْمِ الْفِطْرِ.\n\n[٨٢٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ- وَهُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ- عَنْ قَزَعَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْهُ حَدِيثًا فَأَعْجَبَنِي، فَقُلْتُ لَهُ: آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: فَأَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ أَسْمَعْ؟ ! قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لَا يَصْلُحُ الصِّيَامُ فِي يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْأَضْحَى، وَيَوْمِ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ».\n[خ: ١٩٩٧]\nفي هذا الحديث: تحريم صوم يومي العيدين مطلقًا، وهذا مجمع عليه بين أهل العلم (^١)، لكن الأحناف ذكروا أن: «من نذر صوم يومي العيد وأيام التشريق لزمه ويفطر ويقضي» (^٢). وهذا إن ثبت فهو زلة.\n_________\n(^١) الإقناع، لابن القطان (١/ ١٧٨ - ١٧٩، ٢٣٢).\n(^٢) الاختيار لتعليل المختار، لابن مودود الموصلي (١/ ١٣٦).","vol":"3","page":309},{"text":"[١١٣٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ.\n\n[١١٣٩] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ ﵄، فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَصُومَ يَوْمًا، فَوَافَقَ يَوْمَ أَضْحَى- أَوْ فِطْرٍ- فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِوَفَاءِ النَّذْرِ، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ.\n[خ: ١٩٩٤]\n\n[١١٤٠] وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ الْأَضْحَى.\nمسألة: في حديث ابن عمر ﵄: ما يفيد أنه كان يتوقف فيمن نذر أن يصوم يومًا فوافق يوم أضحى، هل يفطر، أو لا يفطر؟\nوالصواب: أنه يجب عليه أن يفطر ولا يصوم؛ لأن حديث عائشة ﵂ صريح في تحريم صوم يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ الْأَضْحَى.","vol":"3","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-497>بَابُ تَحْرِيمِ صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ</span>\n\n[١١٤١] وَحَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ نُبَيْشَةَ، قَالَ خَالِدٌ: فَلَقِيتُ أَبَا الْمَلِيحِ فَسَأَلْتُهُ، فَحَدَّثَنِي بِهِ، فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ هُشَيْمٍ، وَزَادَ فِيهِ: وَذِكْرٍ لِلَّهِ.\n\n[١١٤٢] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ وَأَوْسَ بْنَ الْحَدَثَانِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَنَادَى: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ.\nوَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَنَادَيَا.\nفي هذه الأحاديث: تحريم صوم أيام التشريق الثلاثة، وهي: يوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة، وبيان الحكمة في ذلك بأنها أيام أكل، وشرب، وذكر لله ﷿.\nويستثنى من ذلك: الحاج المتمتع، أو القارن، إذا لم يجد الهدي، ولم يتمكن من صيام ثلاثة أيام في الحج قبل العيد، فيصومها في أيام التشريق، فعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ، إِلَّا","vol":"3","page":311},{"text":"لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ» (^١).\nوكذلك الصواب في يوم الشك أنه لا يجوز صومه؛ لقوله ﷺ: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ النَّاسُ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٩٧).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٦٢١)، والنسائي (٢١٨٨).","vol":"3","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-498>بَابُ كَرَاهَةِ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مُنْفَرِدًا</span>\n\n[١١٤٣] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄- وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ-: أَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ.\n[خ: ١٩٨٤]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُ سَأَلَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، بِمِثْلِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\n\n[١١٤٤] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ. ح، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ، أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ».\n[خ: ١٩٨٥]\nوَحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ- يَعْنِي: الْجُعْفِيَّ- عَنْ زَائِدَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ».\nوقوله: «إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ»، أي: يوافق عادة له، كأن كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، فوافق اليوم الذي يصومه.\nفي هذه الأحاديث: النهي عن صوم يوم الجمعة.\nوفيها: أنه لا بأس بصوم يوم الجمعة إذا صام يومًا قبله، أو يومًا بعده.\nمسألة: اختلف العلماء في النهي: هل هو للتحريم، أو للكراهة؟\nوالجواب: في المألة ثلاثة أقوال:","vol":"3","page":313},{"text":"القول الأول: ذهب بعض العلماء إلى أنه يحرم إفراد يوم الجمعة بالصوم إذا لم يصم يومًا قبله، أو يومًا بعده، أو وافق عادة له؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، والنهي للتحريم، وهو قول ابن المنذر، وحكاه ابن حزم عن خمسة من الصحابة: وهم علي، وأبو هريرة، وأبو ذر، وسلمان، وابن مسعود ﵃ (^١).\nالقول الثاني: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن النهي للكراهة (^٢).\nالقول الثالث: ذهب بعض الأحناف إلى استحباب صيام يوم الجمعة مطلقًا، وهذا مصادم للنص (^٣).\nفقد دخل النبي ﷺ على جويرية بنت الحارث ﵂ وهي صائمة يوم الجمعة، فقال لها: «أَصُمْتِ أَمْسِ؟»، فَقَالَتْ: لَا، قَالَ: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا؟»، فَقَالَتْ: لَا، قَالَ: «فَأَفْطِرِي إِذًا» (^٤)، فكونه أمرها بالفطر ظاهره: أنه يحرم صومه منفردًا.\nمسألة: حديث جويرية ﵂ يدل على أنه لا بأس بصيام يوم السبت؛ لقوله ﷺ: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا؟».\nالجواب: ذهب بعض أهل العلم إلى حرمة صوم يوم السبت مطلقًا، واستدلوا بحديث: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ عِنَبَةٍ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ» (^٥).\nوالصواب: أن هذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه اضطرابًا (^٦).\n_________\n(^١) المحلى، لابن حزم (٧/ ٢٠).\n(^٢) مغني المحتاج، للشربيني (٢/ ١٨٤) المغني، لابن قدامة (٣/ ١٧٠).\n(^٣) البحر الرائق، لابن نجيم (٢/ ٢٧٨)، بدائع الصنائع، للكاساني (٢/ ٧٩).\n(^٤) أخرجه أحمد (٦٧٧١).\n(^٥) أخرجه أحمد (٢٧٠٧٥)، وأبو داود (٢٤٢١)، والترمذي (٧٤٤)، وابن ماجه (١٧٢٦).\n(^٦) قال أبو داود (٢٤٢٤): «قال مالك: هذا كذب».","vol":"3","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-499>بَابُ بَيَانِ نَسْخِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾</span>\n\n[١١٤٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُضَرَ- عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ يَزِيدَ- مَوْلَى سَلَمَةَ- عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ، حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا، فَنَسَخَتْهَا.\n[خ: ٤٥٠٧]\nحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ يَزِيدَ- مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ- عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا فِي رَمَضَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ فَافْتَدَى بِطَعَامِ مِسْكِينٍ، حَتَّى أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.\nفي هذا الحديث: أنه أول ما فُرِض رمضان كان الإنسان مخيرًا بين أن يصوم، وبين أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا، وكان الصوم أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾، ثم نسخ الله ذلك، فقال تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، فصار الصوم حتمًا لازمًا على القادر المقيم الصحيح البالغ العاقل.","vol":"3","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-500>بَابُ قَضَاءِ رَمَضَانَ فِي شَعْبَانَ</span>\n\n[١١٤٦] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِي شَعْبَانَ؛ الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَوْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\n[خ: ١٩٥٠]\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَذَلِكَ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّ ذَلِكَ لِمَكَانِهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، يَحْيَى يَقُولُهُ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. ح، وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرَا فِي الْحَدِيثِ: الشُّغْلُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنْ كَانَتْ إِحْدَانَا لَتُفْطِرُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمَا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَقْضِيَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَأْتِيَ شَعْبَانُ.\nفي هذه الأحاديث: جواز تأخير قضاء رمضان إلى شعبان، وأن وقت القضاء موسَّع، لكن لا يجوز أن يؤخره إلى رمضان الثاني إلا لعذر، والمبادرة قبله أفضل.","vol":"3","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-501>بَابُ قَضَاءِ الصِّيَامِ عَنِ الْمَيِّتِ</span>\n\n[١١٤٧] وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ».\n[خ: ١٩٥٢]\nفي هذا الحديث: أن من مات وعليه صيام لم يصمه شرع أن يصومه عنه وليه.\nوقوله: «وَعَلَيْهِ صِيَامٌ»، يعني: عليه صوم واجب، وكلمة «عَلَيْهِ»: تفيد الوجوب، وهذا عام، سواء أكان عليه صيام من رمضان، أو صيام نذر، أو كفارة، فإنه يصوم عنه وليه؛ لعموم قوله ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»؛ لأن «صِيَام»: نكرة، والنكرة في سياق النفي، أو النهي، أو الشرط تعمُّ، كما هو مقرر في الأصول.\nقال النووي ﵀: «اختلف العلماء فيمن مات وعليه صوم واجب من رمضان أو قضاء أو نذر أو غيره هل يقضى عنه، وللشافعي في المسألة قولان مشهوران؛ أشهرهما: لا يصام عنه ولا يصح عن ميت صوم أصلًا، والثاني: يستحب لوليه أن يصوم عنه، ويصح صومه عنه، ويبرأ به الميت، ولا يحتاج إلى إطعام عنه، وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده، وهو الذي صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة ... وذهب الجمهور إلى أنه لا يصام عن ميت لا نذر ولا غيره ... قال القاضي عياض وغيره: هو قول جمهور العلماء، وتأولوا الحديث على أنه يطعم عنه وليه، وهذا تأويل ضعيف بل باطل وأي ضرورة","vol":"3","page":317},{"text":"إليه، وأي مانع يمنع من العمل بظاهره مع تظاهر الأحاديث مع عدم المعارض لها، قال القاضي وأصحابنا: وأجمعوا على أنه لا يصلى عنه صلاة فائتة، وعلى أنه لا يصام عن أحد في حياته، وإنما الخلاف في الميت، والله أعلم». (^١)\nوالصواب: هو الصيام عن الميت مطلقًا.\nومحل الصيام عن الميت: إذا تمكن من الصيام ولم يصمه، كأن شفي من مرضه قدر الأيام التي عليه، ثم لم يصم، أما إذا لم يتمكن الميت من الصيام حتى مات، أو مات وهو في سفره وقد أفطر، فهذا لا يُصام عنه ولا يُطعَم عنه؛ لأنه لم يجب عليه الصوم أصلًا؛ لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ وهذا لم يتمكن من العدة.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٨/ ٢٦).","vol":"3","page":318},{"text":"[١١٤٨] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتِ تَقْضِينَهُ؟ !»، قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ: «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ».\n[خ: ١٩٥٣]\nوَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْوَكِيعِيُّ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فَقَالَ: «لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟» قَالَ: نَعَمْ قَالَ: «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى!».\nقَالَ سُلَيْمَانُ: فَقَالَ الْحَكَمُ، وَسَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ جَمِيعًا: وَنَحْنُ جُلُوسٌ حِينَ حَدَّثَ مُسْلِمٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَا: سَمِعْنَا مُجَاهِدًا يَذْكُرُ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ سَلَمَةَ ابْنِ كُهَيْلٍ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَمُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ.\nفي هذا الحديث حجة لمن قال: إنه لا يُقضى إلا صوم النذر، والحديث الأول عام.\nوفيه: تشبيه دَين الله بدَين الآدمي.\nوفيه: إثبات القياس، والرد على من أنكره؛ لأنه ﷺ قاس دَين الله على دَين الآدمي، فقال: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتِ تَقْضِينَهُ؟ قالت: نعم، قال: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى».","vol":"3","page":319},{"text":"وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، جميعًا عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكِ عَنْهَا؟»، قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ: «فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ».\n\n[١١٤٩] وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ قَالَ: فَقَالَ: «وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ»، قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: «صُومِي عَنْهَا»، قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «حُجِّي عَنْهَا».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ: بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: صَوْمُ شَهْرَيْنِ.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ، وَقَالَ: صَوْمُ شَهْرٍ.\nوَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاق بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ سُفْيَانَ: بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: صَوْمُ شَهْرَيْنِ.\nوَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ الْمَكِّيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: أَتَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ، وَقَالَ: صَوْمُ شَهْرٍ.","vol":"3","page":320},{"text":"في هذه الأحاديث ثلاثة أحكام:\nالأول: مشروعية الرد في الميراث خلافًا لمن أنكره، وهو رد الباقي بعد ميراث ذوي الفروض على أهل الفروض، فإذا مات شخص عن بنت ولم يوجد غيرها من الورثة فلها النصف فرضًا، والنصف الثاني يُرَدُّ عليها؛ لأن هذه المرأة قالت: «إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ»، يعني: بوليدة، «وَإِنَّهَا مَاتَتْ»، فقال النبي ﷺ: «وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ».\nالثاني: قضاء الصوم عن الميت؛ لقوله ﷺ لما سألته بقولها: «إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟»، فقال: «صُومِي عَنْهَا».\nالثالث: قضاء الحج عن الميت.","vol":"3","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-502>بَابُ الصَّائِمِ يُدْعَى لِطَعَامٍ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ</span>\n\n[١١٥٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، وقَالَ زُهَيْرٌ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ».\nفي هذا الحديث: مشروعية قول الصائم إذا دعي إلى طعام: إني صائم، فإن كان صومه نفلًا فهو بالخيار: إن شاء أفطر، وإن شاء صام، أما إن كان صومه فرضًا كالنذر، أو الكفارة، أو قضاء رمضان، فهذا لا يجوز له أن يفطر إلا بعذر.\nوفيه: أنه لا بأس من قول الإنسان: إني صائم إذا دعته الحاجة لهذا، ولا يعتبر هذا من الرياء؛ لأنه محتاج إليه، حتى يعذره الذي دعاه مثلًا، فإن لم يعذره فالأفضل له أن يفطر إذا كان الصوم نفلًا.","vol":"3","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-503>بَابُ حِفْظِ اللِّسَانِ لِلصَّائِمِ</span>\n\n[١١٥١] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ رِوَايَةً قَالَ: إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ، أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ.\n[خ: ١٨٩٤]\nقوله: «فَلَا يَرْفُثْ»: الرَّفث: الجماع ودواعيه.\nوقوله: «وَلَا يَجْهَلْ»: الجهل: الظلم والعدوان على الناس.\nفي هذا الحديث: أن على الصائم أن يجتنب الرفث والجهل.\nوقوله: «فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ، أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ»، أي: حتى يقطع النزاع، ويبين له أنه ليس عاجزًا عن الرد عليه، ولكن منعه الصيام.\nوكذلك لو كان غير صائم وشاتمه أحد فالأفضل ألا يرد عليه بالمثل، كما قال الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.\nوقول من قال: إنه يقول: «إِنِّي صَائِمٌ»: بلسان حاله، لا بسان مقاله، ليس بظاهر.\nوالصواب: أنه يقول بلسان المقال؛ لأن هذا هو الأصل.","vol":"3","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-504>بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ</span>\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، هُوَ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلْفَةُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ».\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ وَهُوَ الْحِزَامِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ- يَوْمَئِذٍ- وَلَا يَسْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ».\n[خ: ١٩٠٤]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ. ح، وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ؛ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ ﷿: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ:","vol":"3","page":324},{"text":"فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي سِنَانٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ ﵄ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ: إِنَّ الصَّوْمَ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، إِنَّ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَيْنِ: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ اللَّهَ فَرِحَ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ».\nوَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاق بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُسْلِمٍ- حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ- وَهُوَ أَبُو سِنَانٍ- بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: وَقَالَ: إِذَا لَقِيَ اللَّهَ فَجَزَاهُ فَرِحَ.\nفي هذه الأحاديث: فضل الصيام، حيث أضافه الرب ﷾ إليه، وقال: «إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»: والإضافة هنا للتشريف؛ لأن الصيام عبادة سرية لا يطَّلع عليها إلا الله ﷿.\nوفيها: فائدة نحوية، وهي أن كلمة: «فم» إذا أضيفت ثبتت الميم، وقال بعض النحاة: إن الميم تسقط عند الإضافة، فيقال: خلوف في الصائم، مثل ما جاء في الحديث الآخر: «حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ» (^١)، يعني: في فم امرأتك.\nوقوله: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»: هذا من كلام الله تعالى لفظًا ومعنًى، وأما سائر الحديث فهو من الله معنًى، ومن النبي ﷺ لفظًا.\nوقوله: «وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ»، أي: مانع وساتر من المآثم والمعاصي، أو هو ستر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٩٥).","vol":"3","page":325},{"text":"ومانع من النار، ومنه: المجن وهو الترس الذى يستتر به، ومنه: الجن؛ سُموا جنًّا لاستتارهم عن أعين الناس، فمادة الجيم والنون تدل على الاستتار.\nوقوله: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ»: فيه: إثبات اليد لله ﷿، وأن نفوس العباد كلها بيد الله ﷾.\nوقوله: «لَخُلْفَةُ فَمِ الصَّائِمِ»، وفي الحديث الثاني: «لَخُلُوفُ»: يقال: خُلوف بالضم، وخَلوف بالفتح، والمراد: الرائحة الكريهة التي تنبعث من فم الصائم بسبب خلو المعدة من الطعام والشراب، فهذه الرائحة أطيب عند الله من ريح المسك؛ لأنها ناشئة عن مرضاة الله وطاعته، وإن كانت مستكرهة لمشام الناس إلا أنها محبوبة عند الله، كما أن الشهيد يأتي يوم القيامة لونه لون الدم وريحه ريح مسك.\nوقوله: «أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ»: قال المازري: «هذا مجاز واستعارة؛ لأن استطابة بعض الروائح من صفات الحيوان الذي له طبائع تميل إلى شيء فتستطيبه وتنفر عَن آخر فتستقذره، والله تعالى يتقدس عن ذلك، ولكن جرت العادة فينا بتقريب الروائح الطيبة منَّا، واستُعِيرَ ذلك في الصوم لتقريبه من الله سبحانه» (^١).\nقلت: هذا كلام باطل، فليس في كلام الله ﷿ ولا كلام رسوله ﷺ مجاز.\nوقد قال بعض أهل العلم أنه يؤخذ من هذا صفة الشم لله ﷿، وهو ظاهر كلام شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ (^٢)، ولم يظهر لي أن الحديث يخبر عن صفة الشم؛ لأنه ليس صريحًا بهذا.\nوقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ الخلاف في إثبات صفة الشم، وأن نفيها مذهب كثير من المثبتة (^٣).\n_________\n(^١) المعلم، للمازري (٢/ ٦١).\n(^٢) مسائل الإمام ابن باز (ص ٢٧٨).\n(^٣) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٦/ ١٣٥)، درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية (٢/ ٢٠٠).","vol":"3","page":326},{"text":"وقوله: «وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ»: حيث تم صومه، ولم يحصل له فيه خلل، وحيث أباح الله له ما يتناوله من المباحات، من المأكل والمشرب وغيرهما، «وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ»؛ حيث وجد صومه مُدَّخَرًا له عند الله ﷿.\n\n[١١٥٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ- وَهُوَ الْقَطَوَانِيُّ- عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ، فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ».\nفي هذا الحديث: أن للصائمين بابًا خاصًّا من أبواب الجنة الثمانية، يقال له: (الريان)، لا يدخل منه إلا الصائمون.\nوقوله: «يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ، فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ»: المراد بهم: صائمو رمضان، وكذلك من صام صيام النفل يدخل منه، تبعًا لصيام الفرض.","vol":"3","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-505>بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِمَنْ يُطِيقُهُ بِلَا ضَرَرٍ، وَلَا تَفْوِيتِ حَقٍّ</span>\n\n[١١٥٣] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا».\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\n[خ: ٢٨٤٠]\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَسُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ أَنَّهُمَا سَمِعَا النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا».\nفي هذا الحديث: فضل من صام ابتغاء مرضاة الله، فإن الله يباعد وجهه عن النار سبعين خريفًا، والمراد بالخريف: العام، والخريف فصل من فصوله، يعني: سبعين عامًا.\nواختلف العلماء في المراد بقوله ﷺ: «فِي سَبِيلِ اللَّهِ» على قولين:\nالقول الأول: أن المراد بقوله: «فِي سَبِيلِ اللَّهِ»: الجهاد في سبيل الله، واختار هذا النووي (^١) وجماعة، واستشكل الصيام في الجهاد؛ لأن المجاهد\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٨/ ٣٣).","vol":"3","page":328},{"text":"مأمور بالفطر كي يتقوى على العدو، فقالوا: إن هذا محمول على أنه في وقتٍ لا يتضرر فيه بالصيام، كالأيام التي لا قتال فيها، أو أيام المرابطة.\nالقول الثاني: أن المراد بقوله: «فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، أي: في طاعة الله، ومرضاته، ورجح هذا جماعة، واختاره سماحة شيخنا ابن باز ﵀ (^١).\n_________\n(^١) شرح كتاب الصيام، لابن باز (ص ٤٢٩).","vol":"3","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-506>بَابُ جَوَازِ صَوْمِ النَّافِلَةِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَجَوَازِ فِطْرِ الصَّائِمِ نَفْلًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ</span>\n\n[١١٥٤] وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ابْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ: «يَا عَائِشَةُ، هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟»، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ قَالَ: «فَإِنِّي صَائِمٌ»، قَالَتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ- أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ- قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ- أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ- وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيْئًا قَالَ: «مَا هُوَ؟»، قُلْتُ: حَيْسٌ قَالَ: «هَاتِيهِ»، فَجِئْتُ بِهِ، فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ: «قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا».\nقَالَ طَلْحَةُ: فَحَدَّثْتُ مُجَاهِدًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: ذَاكَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يُخْرِجُ الصَّدَقَةَ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ- أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ- قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟»، فَقُلْنَا: لَا قَالَ: «فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ»، ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: «أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا»، فَأَكَلَ.\nفي هذا الحديث: جواز صوم النفل من النهار، ولكن يكون أجره من وقت نية الصوم، فإذا أراد أن يصوم نفلًا من الضحى فله ذلك، سواء كان قبل الزوال، أو بعد الزوال، بشرط ألا يفعل مفطرًا قبل ذلك.","vol":"3","page":330},{"text":"ومن العلماء من قال: لا بد أن يكون قبل الزوال.\nوفيه: جواز الفطر من صوم النفل، وأنه لا إثم فيه، ولا قضاء عليه، لكن الأفضل أن يتم صومه إذا لم يكن هناك حاجة للفطر، وقد يكون الأفضل الفطر، كما لو دعاه إنسان إلى وليمة، وكان يشق على صاحبها ألا يأكل منها، أو جاءه ضيف وشق عليه أن يبقى صائمًا، مثل قصة أبي الدرداء لما زاره سلمان ﵄، فقدم له الطعام، وقال: «مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٦٨).","vol":"3","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-507>بَابُ أَكْلِ النَّاسِي وَشُرْبِهِ وَجِمَاعِهِ لَا يُفْطِرُ</span>\n\n[١١٥٥] وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامٍ الْقُرْدُوسِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ».\n[خ: ١٩٣٣]\nفي هذا الحديث: صحة صوم من أكل ناسيًا، سواء أكان الصوم فرضًا، أو نفلًا.\nوفيه: أنه لا إثم عليه ولا قضاء ولا كفارة، وأن هذه طعمة من الله.\nلكن على من رآه يأكل، أو يشرب أن يخبره، فيقول له: يا فلان، أنت صائم، لا سيما في رمضان، فإذا تذكر، أو أخبره إنسان فإنه يجب عليه أن يلفظ ما في فمه ويتمضمض، وصومه صحيح.\nوكذلك حكم الجماع على الصحيح، فإذا جامع ناسيًا فصومه صحيح.","vol":"3","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-508>بَابُ صِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، وَاسْتِحْبَابِ أَنْ لَا يُخْلِيَ شَهْرًا عَنْ صَوْمٍ</span>\n\n[١١٥٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ شَهْرًا مَعْلُومًا سِوَى رَمَضَانَ؟ قَالَتْ: وَاللَّهِ إِنْ صَامَ شَهْرًا مَعْلُومًا سِوَى رَمَضَانَ، حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ، وَلَا أَفْطَرَهُ حَتَّى يُصِيبَ مِنْهُ.\n[خ: ١٩٦٩]\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ شَهْرًا كُلَّهُ؟ قَالَتْ: مَا عَلِمْتُهُ صَامَ شَهْرًا كُلَّهُ إِلَّا رَمَضَانَ، وَلَا أَفْطَرَهُ كُلَّهُ، حَتَّى يَصُومَ مِنْهُ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ ﷺ.\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ ما كان يصوم شهرًا معلومًا سوى رمضان، لكن جاء في الحديث الآخر: أن النبي ﷺ «كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ» (^١)، وفي رواية أنه: «كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا» (^٢).\nفاختلف العلماء في هاتين الروايتين:\nفقيل: المعنى: أن الرواية الثانية تفسِّر الرواية الأولى، أي: أنه يصوم الشهر إلا قليلًا منه، فمن صام هكذا فكأنه صام الشهر كله.\nوقيل: إنه ﷺ في بعض السنين كان يصوم شعبان كاملًا، وفي بعض السنين كان يصوم أغلبه.\nوقول عائشة ﵂: «وَاللَّهِ إِنْ صَامَ شَهْرًا مَعْلُومًا»: إن نافية، بمعنى: ما.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٧٠)، ومسلم (١١٥٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (١١٥٦).","vol":"3","page":333},{"text":"وفيه: أن النبي ﷺ لم يكن يخلي شهرًا من صومٍ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ، وَهِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ حَمَّادٌ: وَأَظُنُّ أَيُّوبَ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ صَامَ، قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَفْطَرَ، قَدْ أَفْطَرَ، قَالَتْ: وَمَا رَأَيْتُهُ صَامَ شَهْرًا كَامِلًا مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَمَضَانَ.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْإِسْنَادِ هِشَامًا، وَلَا مُحَمَّدًا.\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ ربما سرد الصوم، وربما سرد الفطر، على حسب فراغه؛ فإن كان مشغولًا بالوفود، أو بالدعوة، أو بالجهاد أفطر، وإذا حصل له فراغ سرد الصوم اغتنامًا للفضل.\nوهكذا ينبغي للإنسان أن يقتدي بالنبي ﷺ، فإذا كان الصيام يُضعِفه عن طلب الرزق، أو طلب العلم، أو الدعوة إلى الله، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ترك الصيام، وصام في وقت فراغه.","vol":"3","page":334},{"text":"حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ- مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ- عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ- أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ، إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا، فِي شَعْبَانَ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَفْطَرَ، وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا.\n\n[٧٨٢] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الشَّهْرِ مِنَ السَّنَةِ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ، وَكَانَ يَقُولُ: «خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَمَلَّ حَتَّى تَمَلُّوا»، وَكَانَ يَقُولُ: «أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ، مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ، وَإِنْ قَلَّ».\n[خ: ١٩٧٠]\n\n[١١٥٧] حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَا صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ، وَكَانَ يَصُومُ إِذَا صَامَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللَّهِ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ إِذَا أَفْطَرَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللَّهِ لَا يَصُومُ.\n[خ: ١٩٧١]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ عَنْ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: شَهْرًا مُتَتَابِعًا مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ","vol":"3","page":335},{"text":"ابْنَ جُبَيْرٍ عَنْ صَوْمِ رَجَبٍ، وَنَحْنُ- يَوْمَئِذٍ- فِي رَجَبٍ، فَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ، حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ.\nوَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح، وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ.\n\n[١١٥٨] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ قَالَا: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: كَانَ يَصُومُ حَتَّى يُقَالَ: قَدْ صَامَ، قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى يُقَالَ: قَدْ أَفْطَرَ، قَدْ أَفْطَرَ.\nفي هذا الحديث: أن أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه، ولو كان قليلًا، فركعات معدودة يصليها في الضحى باستمرار، أو في الليل، أفضل من كونه يصلي يومًا ويترك يومًا.\nوقوله: «خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ»: وفي اللفظ الآخر: «اكْلَفُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ» (^١)، يعني: أن المسلم عليه أن يأتي من الأعمال والنوافل ما يطيقه، ولا يشق على نفسه، حتى لا يملَّ العبادة ولا يكرهَها.\nوقوله: «فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَمَلَّ حَتَّى تَمَلُّوا»: هذه الصفة لم يثبتها الله ﷿ لنفسه إلا في مقابلة فعل المخلوقين، فتكون على سبيل المجازاة لهم بجنس فعلهم، على ما يليق بكمال الله، كقوله تعالى: ﴿يخادعون الله وهو خادعهم﴾، وقوله: ﴿ويمكرون ويمكر الله﴾، وقوله: ﴿إنهم يكيدون كيدًا وأكيد كيدًا﴾ فهذه صفات كمال، مجازاة للماكرين وللكائدين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٦٥).","vol":"3","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-509>بَابُ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ لِمَنْ تَضَرَّرَ بِهِ، أَوْ فَوَّتَ بِهِ حَقًّا، أَوْ لَمْ يُفْطِرِ الْعِيدَيْنِ وَالتَّشْرِيقَ، وَبَيَانِ تَفْضِيلِ صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ</span>\n\n[١١٥٩] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَهْبٍ يُحَدِّثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. ح، وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَقُولُ: لَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ وَلَأَصُومَنَّ النَّهَارَ مَا عِشْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «آنْتَ الَّذِي تَقُولُ ذَلِكَ؟ !»، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ» قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: «صُمْ يَوْمًا، وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ» قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «صُمْ يَوْمًا، وَأَفْطِرْ يَوْمًا، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ» قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ»، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄: لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي».\n[خ: ١٩٧٦]\nفي هذا الحديث: أن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ كان من الشباب العُبَّاد.\nوفيه: الإرشاد إلى الاقتصاد في العبادة، وفعل ما يطيقه العبد، وترك ما يشق عليه، وما يؤدي إلى الملل.\nوفيه: أن صيام نصف الدهر أفضل الصيام، وأنه لا أفضل من ذلك.","vol":"3","page":337},{"text":"واختلاف العلماء في صيام الدهر على قولين: قال النووي ﵀: «واختلف العلماء فيه، فذهب أهل الظاهر إلى منع صيام الدهر نظرًا لظواهر هذه الأحاديث، قال القاضي وغيره: وذهب جماهير العلماء إلى جوازه إذا لم يصم الأيام المنهي عنها، وهي: العيدان والتشريق، ومذهب الشافعي وأصحابه: أن سرد الصيام إذا أفطر العيدين والتشريق لا كراهة فيه، بل هو مستحب بشرط أن لا يَلحقه به ضررٌ، ولا يفوت حقًّا، فإن تضرر أو فوَّت حقًّا فمكروه» (^١)\nوفي قول عبد الله بن عمرو ﵄- لما تقدمت به السن، وشق عليه صيام يوم وإفطار يوم-: «لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي»: أن صوم النفل يجوز تركه، لكنه ﵁ لم يكن يريد أن يترك شيئًا فارقه عليه النبي ﷺ، كما صرح بذلك، فقال: «لَكِنِّي فَارَقْتُهُ عَلَى أَمْرٍ أَكْرَهُ أَنْ أُخَالِفَهُ إِلَى غَيْرِهِ» (^٢).\nأي: أنه صار يلوم نفسه؛ لعدم أخذه برخصة رسول الله ﷺ، لكنه لما كبرت سنه كان يسرد الصوم، ويسرد الفطر حتى يتقوى.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٨/ ٤٠).\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٣٨٧٧).","vol":"3","page":338},{"text":"وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنُ الرُّومِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ- وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ- حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ حَتَّى نَأْتِيَ أَبَا سَلَمَةَ، فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِ رَسُولًا، فَخَرَجَ عَلَيْنَا، وَإِذَا عِنْدَ بَابِ دَارِهِ مَسْجِدٌ قَالَ: فَكُنَّا فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا، فَقَالَ: إِنْ تَشَاءُوا أَنْ تَدْخُلُوا، وَإِنْ تَشَاءُوا أَنْ تَقْعُدُوا هَا هُنَا قَالَ: فَقُلْنَا: لَا، بَلْ نَقْعُدُ هَا هُنَا، فَحَدِّثْنَا قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: كُنْتُ أَصُومُ الدَّهْرَ، وَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ قَالَ: فَإِمَّا ذُكِرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ لِي: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ؟ !»، فَقُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَلَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلَّا الْخَيْرَ قَالَ: «فَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ»، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» قَالَ: «فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ؛ فَإِنَّهُ كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ» قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟ قَالَ: «كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا» قَالَ: «وَاقْرَأ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ» قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عِشْرِينَ» قَالَ:\nقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عَشْرٍ» قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ، وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» قَالَ: فَشَدَّدْتُ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ قَالَ: وَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّكَ لَا تَدْرِي، لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمْرٌ»، قَالَ: فَصِرْتُ إِلَى الَّذِي قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمَّا كَبِرْتُ وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ قَبِلْتُ رُخْصَةَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ.\n[خ: ١٩٧٥]\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: مِنْ كُلِّ شَهْرٍ","vol":"3","page":339},{"text":"ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَذَلِكَ الدَّهْرُ كُلُّهُ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: قُلْتُ: وَمَا صَوْمُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ؟ قَالَ: «نِصْفُ الدَّهْرِ»، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ شَيْئًا، وَلَمْ يَقُلْ: وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلَكِنْ قَالَ: وَإِنَّ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا.\nحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ- عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: وَأَحْسَبُنِي قَدْ سَمِعْتُهُ أَنَا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ» قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي عِشْرِينَ لَيْلَةً» قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ، وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ».\n[خ: ٥٠٥٤]\nقوله: «وَلِزَوْرِكَ»، أي: لضيفك.\nفي هذا الحديث: جواز قراءة القرآن في سبعة أيام، وأنه لا يجوز في أقل من ذلك، وهذا ظاهر الحديث.\nوقوله: «فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ، وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ»: يدل على أن الأفضل ألا يزيد على سبع، مع جوازه في أقل من سبع إلى ثلاث.","vol":"3","page":340},{"text":"وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قِرَاءَةً قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا تَكُنْ بِمِثْلِ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ».\n[خ: ١١٥٢]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يَزْعُمُ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ يَقُولُ: بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنِّي أَصُومُ أَسْرُدُ، وَأُصَلِّي اللَّيْلَ، فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ وَإِمَّا لَقِيتُهُ، فَقَالَ: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ، وَتُصَلِّي اللَّيْلَ؟ ! فَلَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ لِعَيْنِكَ حَظًّا، وَلِنَفْسِكَ حَظًّا، وَلِأَهْلِكَ حَظًّا، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَصَلِّ وَنَمْ، وَصُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، وَلَكَ أَجْرُ تِسْعَةٍ» قَالَ: إِنِّي أَجِدُنِي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ: «فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ ﵇» قَالَ: وَكَيْفَ كَانَ دَاوُدُ يَصُومُ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: «كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى» قَالَ: مَنْ لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ عَطَاءٌ: فَلَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الْأَبَدِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ».\n[خ: ١٩٧٧]\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: إِنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ أَخْبَرَهُ، قَالَ مُسْلِم: أَبُو الْعَبَّاسِ السَّائِبُ بْنُ فَرُّوخَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ثِقَةٌ عَدْلٌ.\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حَبِيبٍ، سَمِعَ أَبَا الْعَبَّاسِ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ، وَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ وَنَهَكَتْ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ","vol":"3","page":341},{"text":"مِنَ الشَّهْرِ صَوْمُ الشَّهْرِ كُلِّهِ»، قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى».\n[خ: ١٩٧٩]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَرٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: وَنَفِهَتِ النَّفْسُ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ، وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ !»، قُلْتُ: إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ، قَالَ: «فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنَاكَ، وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ، لِعَيْنِكَ حَقٌّ، وَلِنَفْسِكَ حَقٌّ، وَلِأَهْلِكَ حَقٌّ، قُمْ وَنَمْ، وَصُمْ وَأَفْطِرْ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَأَحَبَّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا».\n[خ: ١١٣١]\nقوله: «هَجَمَتْ عَيْنَاكَ»، أي: غارتَا ودخلتَا.\nوقوله: «نَفِهَت نَفْسُكَ»، أي: تعبتْ وكلَّتْ.\nوفي هذا الحديث: أن داود ﵊ كان ينام السدس الأول إلى الثالث، ويصلي السدس الرابع والخامس، وينام السدس السادس؛ ليتقوى على أعمال النهار.","vol":"3","page":342},{"text":"وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ ﷿ صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇، كَانَ يَرْقُدُ شَطْرَ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْقُدُ آخِرَهُ، يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ بَعْدَ شَطْرِهِ» قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: أَعَمْرُو بْنُ أَوْسٍ كَانَ يَقُولُ: يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ بَعْدَ شَطْرِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْمَلِيحِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِيكَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذُكِرَ لَهُ صَوْمِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ، فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَجَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ، وَصَارَتِ الْوِسَادَةُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَقَالَ لِي: «أَمَا يَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «خَمْسًا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «سَبْعًا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «تِسْعًا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «أَحَدَ عَشَرَ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ دَاوُدَ، شَطْرُ الدَّهْرِ، صِيَامُ يَوْمٍ، وَإِفْطَارُ يَوْمٍ».\nقوله: «خَمْسًا»، يعني: صم خمسة أيام من كل شهر، وكذلك قوله: «سَبْعًا»، و«تِسْعًا».\nوفي هذا الحديث: تواضع النبي ﷺ في مجيئه لعبد الله بن عمرو ﵄، وجلوسه على الأرض.\nوفيه: أنه ما جاء إلا لنصيحته.","vol":"3","page":343},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ زِيَادِ بْنِ فَيَّاضٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عِيَاضٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «صُمْ يَوْمًا، وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ» قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: «صُمْ يَوْمَيْنِ، وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ» قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ» قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: «صُمْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ» قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: «صُمْ أَفْضَلَ الصِّيَامِ عِنْدَ اللَّهِ، صَوْمَ دَاوُدَ ﵇، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، جميعًا عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ، فَلَا تَفْعَلْ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَظًّا، وَلِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَظًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَظًّا، صُمْ وَأَفْطِرْ، صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بِي قُوَّةً، قَالَ: «فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ ﵇، صُمْ يَوْمًا، وَأَفْطِرْ يَوْمًا»، فَكَانَ يَقُولُ: يَا لَيْتَنِي أَخَذْتُ بِالرُّخْصَةِ.\nقوله: «صُمْ يَوْمًا، وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ»: ظاهره: أنه يصوم يومًا واحدًا من الشهر، لكن ينبغي أن يُحمل على صوم يوم من كل عشرة أيام؛ ليوافق رواية صيام ثلاثة أيام من كل شهر.","vol":"3","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-510>بَابُ اسْتِحْبَابِ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ وَالِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ</span>\n\n[١١٦٠] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ الْعَدَوِيَّةُ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ-: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ؟ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ.\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، ولا يبالي من أيِّها كان، وكان النبي ﷺ يوصي أبا هريرة وأبا الدرداء ﵄ بصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وهذه الثلاثة أيام من أيِّ الشهر كان؛ من وسطه، أو من أوله، أو من آخره، متتابعةً، أو متفرقةً، وبصيامها يحصل له أجرٌ كأنما صام الدهر كله؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها.\nوجاء في غير الصحيح: أن النبيَّ ﷺ، قال لأبي ذر: «يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ» (^١)، وهذا الحديث صحيح ولا بأس بسنده، وعلى هذا فالأفضل للمسلم أن يصوم الأيام البيض، وإن لم يتيسر، أو فاتت عليه صامها من أيِّ الشهر.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٧٦١)، وابن خزيمة (٢١٢٨).","vol":"3","page":345},{"text":"[١١٦١] وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ- وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ- حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ، أَوَ قَالَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَسْمَعُ: «يَا فُلَانُ، أَصُمْتَ مِنْ سُرَّةِ هَذَا الشَّهْرِ؟» قَالَ: لَا قَالَ: «فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ».\n[خ: ١٩٨٣]\n\n[١١٦٢] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: رَجُلٌ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: كَيْفَ تَصُومُ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ ﵁ غَضَبَهُ قَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ، وَغَضَبِ رَسُولِهِ، فَجَعَلَ عُمَرُ ﵁ يُرَدِّدُ هَذَا الْكَلَامَ حَتَّى سَكَنَ غَضَبُهُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ؟ ! قَالَ: «لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ»، أَوَ قَالَ: «لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ» قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنِ، وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ: «وَيُطِيقُ ذَلِكَ أَحَدٌ؟ !» قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ: «ذَاكَ صَوْمُ دَاوُدَ ﵇» قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمَيْنِ؟ قَالَ: «وَدِدْتُ أَنِّي طُوِّقْتُ ذَلِكَ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- واللفظ لابن المثنى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيَّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِهِ، قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِبَيْعَتِنَا بَيْعَةً قَالَ: فَسُئِلَ عَنْ","vol":"3","page":346},{"text":"صِيَامِ الدَّهْرِ، فَقَالَ: «لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ، أَوْ مَا صَامَ وَمَا أَفْطَرَ» قَالَ: فَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ قَالَ: «وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ؟ !» قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمَيْنِ قَالَ: «لَيْتَ أَنَّ اللَّهَ قَوَّانَا لِذَلِكَ» قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ قَالَ: «ذَاكَ صَوْمُ أَخِي دَاوُدَ ﵇» قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ قَالَ: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ- أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ» قَالَ: فَقَالَ: «صَوْمُ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ صَوْمُ الدَّهْرِ» قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ» قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ».\nوَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَسَكَتْنَا عَنْ ذِكْرِ الْخَمِيسِ لَمَّا نُرَاهُ وَهْمًا، وَحَدَّثَنَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا أَبَانُ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ: الِاثْنَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْخَمِيسَ.\nفي هذا الحديث جملة من الفوائد، منها:\n١ - أن النبي ﷺ غضب، وقد ذكر النووي ﵀ سبب غضبه، فقال: «قال العلماء: سبب غضبه ﷺ: أنه كره مسألته؛ لأنه يحتاج إلى أن يجيبه، ويخشى من جوابه مفسدة، وهي: أنه ربما اعتقد السائل وجوبه، أو استقلَّه، أو اقتصر عليه، وكان يقتضي حاله أكثر منه، وإنما اقتصر عليه النبي ﷺ لشغله بمصالح المسلمين وحقوقهم، وحقوق أزواجه، وأضيافه والوافدين إليه؛ ولئلَّا يقتدي به كل أحد، فيؤدي إلى الضرر في حق بعضهم.","vol":"3","page":347},{"text":"وكان حق السائل أن يقول: كم أصوم؟ أو كيف أصوم؟ فيخص السؤال بنفسه؛ ليجيبه بما تقتضيه حاله، كما أجاب غيره بمقتضى أحوالهم، والله أعلم» (^١).\n٢ - إثبات الغضب لله ﷿، كما يليق بجلاله ﷾، والرد على من أنكر الغضب من الأشاعرة، والمعتزلة، والجهمية.\n٣ - النهي عن صوم الدهر، وقد سبق تفصيل الخلاف فيه في بابه.\nوقوله ﷺ: «لَا صَامَ، وَلَا أَفْطَرَ»، يعني: ليس فيه فضيلة.\n٤ - ترغيب النبي ﷺ في صيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ لأن هذا أرفقُ بالمسلم، وهو الذي يستطيع أن يقوم معه بالواجبات الأخرى.\n٥ - فضل صيام يوم عرفة، وأن صيامه يُكفِّر الله به ذنوب سنتين؛ السنة التي قبله، والسنة التي بعده.\n٦ - أن صيام عرفة يُكفِّر ذنوب الصائم في السنتين، والمراد: تكفير الذنوب الصغائر عند جمهور العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾، أما الكبائر فلا بد لها من توبة.\nوقال بعض العلماء: المراد تكفير الذنوب الكبائر والصغائر، لكن ظاهر النصوص أن المراد بها: الصغائر.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٨/ ٥٠).","vol":"3","page":348},{"text":"وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ عَنْ غَيْلَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ الِاثْنَيْنِ، فَقَالَ: «فِيهِ وُلِدْتُ، وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ».\nفي هذا الحديث: فضل صيام يوم الاثنين، وأنه اليوم الذي وُلد فيه النبي ﷺ، واليوم الذي بُعث فيه وأُنزل عليه فيه الوحي.\nوجاء في الحديث الآخر: أن النبي ﷺ قال عن يوم الاثنين، والخميس: «ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» (^١) فدل على فضل صومهما.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢١٧٥٣)، والنسائي في الكبرى (٢٦٧٩).","vol":"3","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-511>بَابُ صَوْمِ سُرَرِ شَعْبَانَ</span>\n\n[١١٦١] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ مُطَرِّفٍ- وَلَمْ أَفْهَمْ مُطَرِّفًا مِنْ هَدَّابٍ- عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ- أَوْ لِآخَرَ-: «أَصُمْتَ مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ؟» قَالَ: لَا قَالَ: «فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإِذَا أَفْطَرْتَ مِنْ رَمَضَانَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ ابْنِ أَخِي مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا يُحَدِّثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: «هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا؟» - يَعْنِي: شَعْبَانَ- قَالَ: لَا قَالَ: فَقَالَ لَهُ: «إِذَا أَفْطَرْتَ رَمَضَانَ، فَصُمْ يَوْمًا- أَوْ: يَوْمَيْنِ».\nشُعْبَةُ الَّذِي شَكَّ فِيهِ قَالَ: وَأَظُنُّهُ قَالَ: يَوْمَيْنِ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، وَيَحْيَى اللُّؤْلُئِيُّ قَالَا: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَانِئِ ابْنِ أَخِي مُطَرِّفٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ.\nالمراد بالسُّرَر في هذا الحديث: آخر الشهر، في قول أبي عبيد، وأهل اللغة (^١)، وسميت بذلك؛ لاستتار القمر فيها ونقصه.\n_________\n(^١) غريب الحديث، لابن سلام (٢/ ٨٠)، الصحاح، للجوهري (٢/ ٦٨٢)، تهذيب اللغة، للأزهري (١٢/ ٢٠١)، لسان العرب، لابن منظور (٤/ ٣٥٧).","vol":"3","page":350},{"text":"وقال بعضهم: المراد وسط الشهر؛ لأن سرار كل شيء وسطه (^١).\nوذلك أن هذا الرجل كان معتادًا صيام آخر الشهر، أو أنه نذر فلم يصم آخِرَ شهر شعبان لمَّا سمع حديث: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ، وَلَا يَوْمَيْنِ» (^٢)، فظن أنه داخل في النهي، فسأله النبي ﷺ: «هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا؟ قال: لا، يا رسول الله، فقال: إِذَا أَفْطَرْتَ رَمَضَانَ، فَصُمْ يَوْمًا، أَوْ يَوْمَيْنِ»، يعني: قضاءً؛ لأن من كان له عادة فهو مستثنى من الحديث.\n_________\n(^١) تهذيب اللغة، للأزهري (١٢/ ٢٠١)، لسان العرب، لابن منظور (٤/ ٣٥٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠٨٢).","vol":"3","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-512>بَابُ فَضْلِ صَوْمِ الْمُحَرَّمِ</span>\n\n[١١٦٣] حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، يَرْفَعُهُ قَالَ: سُئِلَ أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ، وَأَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي ذِكْرِ الصِّيَامِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nفي هذا الحديث: بيان أفضل الصلاة، وأفضل الصيام، فأفضل الصلاة- بعد الفريضة- صلاة الليل، وأفضل الصيام- بعد رمضان- صيام شهر المحرم.\nوقوله: «شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ»: الإضافة هنا للتشريف، كما يقال: ناقة الله، وعبد الله، ورسول الله، وعيسى روح الله.","vol":"3","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-513>بَابُ اسْتِحْبَابِ صَوْمِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ إِتْبَاعًا لِرَمَضَانَ</span>\n\n[١١٦٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جميعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتِ بْنِ الْحَارِثِ الْخَزْرَجِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدّهْرِ».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ أَخُوَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بِمِثْلِهِ، وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ ﵁، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nفي هذا الحديث: استحباب صيام ستة أيام من شوال، سواء كانت متفرقة، أو متتابعة، في أول الشهر، أو في وسطه، أو في آخره؛ لأن هذا يصدق عليه إتباع رمضان بست من شوال، وإذا بادر وصامها بعد العيد فهذا حسن.\nوفيه: أن صيام ست أيام من شوال بعد رمضان كصيام الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فصوم رمضان بعشرة أشهر، وستة أيام بشهرين.\nوذهب المالكية إلى أنه يكره صيام ستة أيام من شوال (^١)، ولعل مالكًا ﵀ لم يبلغه هذا الحديث.\n_________\n(^١) التاج والإكليل، للمواق (٣/ ٣٢٩)، الشرح الكبير، للدردير (١/ ٥١٧).","vol":"3","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-514>بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، وَبَيَانِ مَحَلِّهَا، وَأَرْجَى أَوْقَاتِ طَلَبِهَا</span>\n\n[١١٦٥] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ».\n[خ: ١١٥٨]\nقوله: «تَوَاطَأَتْ»، يعني: توافقت.\nفي هذا الحديث: أن السبع الأواخر أرجى لليلة القدر من غيرها، ولا يدل على أنها لا تكون في ليلة إحدى وعشرين، أو اثنتين وعشرين، بل تكون في العشر الأواخر كلها- أشفاعها، وأوتارها- كما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» (^١).\nفدل على أن الصواب في ليلة القدر: أنها متنقلة، تكون في الليالي الوترية أرجى من غيرها، وقد تكون في الأشفاع، والسبع الأواخر أرجى من غيرها، وليلة سبع وعشرين أرجى من غيرها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠١٧).","vol":"3","page":354},{"text":"وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ».\nوَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: رَأَى رَجُلٌ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَاطْلُبُوهَا فِي الْوِتْرِ مِنْهَا».\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ أَبَاهُ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ- لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ-: «إِنَّ نَاسًا مِنْكُمْ قَدْ أُرُوا أَنَّهَا فِي السَّبْعِ الْأُوَلِ، وَأُرِيَ نَاسٌ مِنْكُمْ أَنَّهَا فِي السَّبْعِ الْغَوَابِرِ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْغَوَابِرِ».\nقوله: «الْغَوَابِرِ»، يعني: البواقي، كقوله تعالى: ﴿إلا عجوزًا في الغابرين﴾، أي: الباقين.\nوفي هذا الحديث: أن الرؤيا قد تكون سببًا في التشريع، كما في هذا الحديث، وكما في قصة الأذان (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦٤٧٨)، وأبو داود (٤٩٩)، والترمذي (١٨٩).","vol":"3","page":355},{"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عُقْبَةَ- وَهُوَ ابْنُ حُرَيْثٍ- قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ- يَعْنِي: لَيْلَةَ الْقَدْرِ- فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ، أَوْ عَجَزَ فَلَا يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ جَبَلَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَ مُلْتَمِسَهَا فَلْيَلْتَمِسْهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ جَبَلَةَ، وَمُحَارِبٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَحَيَّنُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، أَوَ قَالَ: فِي التِّسْعِ الْأَوَاخِرِ».\n\n[١١٦٦] حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ أَيْقَظَنِي بَعْضُ أَهْلِي فَنُسِّيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْغَوَابِرِ»، وقَالَ حَرْمَلَةُ: فَنَسِيتُهَا.\n\n[١١٦٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ- وَهُوَ ابْنُ مُضَرَ- عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَاوِرُ فِي الْعَشْرِ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ حِينِ تَمْضِي عِشْرُونَ لَيْلَةً، وَيَسْتَقْبِلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، يَرْجِعُ إِلَى مَسْكَنِهِ، وَرَجَعَ مَنْ كَانَ يُجَاوِرُ مَعَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ أَقَامَ فِي شَهْرٍ جَاوَرَ فِيهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَ يَرْجِعُ فِيهَا، فَخَطَبَ النَّاسَ فَأَمَرَهُمْ بِمَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذِهِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَبِتْ فِي مُعْتَكَفِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَأُنْسِيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي كُلِّ وِتْرٍ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ».","vol":"3","page":356},{"text":"قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: مُطِرْنَا لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ فِي مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَقَدِ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَوَجْهُهُ مُبْتَلٌّ طِينًا وَمَاءً.\n[خ: ٢٠١٦]\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنْ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَاوِرُ فِي رَمَضَانَ الْعَشْرَ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ، وَقَالَ: وَجَبِينُهُ مُمْتَلِئًا طِينًا وَمَاءً.\nقوله: «يُجَاوِرُ»، يعني: يعتكف.\nوالمراد: أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواسط من رمضان، يطلب ليلة القدر، ثم لما خرج من معتكفه بعد أن مضت عشرون ليلة أعلمه الله بأنها في العشر الأواخر.\nوفي هذا الحديث: أن ليلة القدر وقعت في تلك السنة في ليلة إحدى وعشرين، ورأى النبي ﷺ في الرؤيا أنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين، وانصرف النبي ﷺ من صبح إحدى وعشرين وعلى جبهته الماء والطين.","vol":"3","page":357},{"text":"وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ قَالَ: فَأَخَذَ الْحَصِيرَ بِيَدِهِ، فَنَحَّاهَا فِي نَاحِيَةِ الْقُبَّةِ، ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ، فَكَلَّمَ النَّاسَ، فَدَنَوْا مِنْهُ، فَقَالَ: «إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ، فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ»، فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ قَالَ: «وَإِنِّي أُريتُهَا لَيْلَةَ وِتْرٍ، وَإِنِّي أَسْجُدُ صَبِيحَتَهَا فِي طِينٍ وَمَاءٍ»، فَأَصْبَحَ مِنْ لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقَدْ قَامَ إِلَى الصُّبْحِ فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ، فَأَبْصَرْتُ الطِّينَ وَالْمَاءَ، فَخَرَجَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَجَبِينُهُ وَرَوْثَةُ أَنْفِهِ فِيهِمَا الطِّينُ وَالْمَاءُ، وَإِذَا هِيَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ.\n[خ: ٢٠١٨]\nفي هذا الحديث: أنه ﷺ اعتكف الشهر كله، فاعتكف العشر الأُوَل، ثم اعتكف العشر الأواسط، ثم اعتكف العشر الأواخِر؛ يطلب ليلة القدر، فوقعت في تلك السنة ليلة إحدى وعشرين.","vol":"3","page":358},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: تَذَاكَرْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَأَتَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁- وَكَانَ لِي صَدِيقًا- فَقُلْتُ: أَلَا تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ؟ فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ، فَقُلْتُ لَهُ: سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَشْرَ الْوُسْطَى مِنْ رَمَضَانَ، فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ، فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَإِنِّي نَسِيتُهَا- أَوْ أُنْسِيتُهَا- فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ كُلِّ وِتْرٍ، وَإِنِّي أُرِيتُ أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلْيَرْجِعْ» قَالَ: فَرَجَعْنَا وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً قَالَ: وَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمُطِرْنَا حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ قَالَ: حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ انْصَرَفَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَرْنَبَتِهِ أَثَرُ الطِّينِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَبْلَ أَنْ تُبَانَ لَهُ، فَلَمَّا انْقَضَيْنَ أَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَقُوِّضَ، ثُمَّ أُبِينَتْ لَهُ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَأَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَأُعِيدَ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهَا كَانَتْ أُبِينَتْ لِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَإِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِهَا، فَجَاءَ رَجُلَانِ يَحْتَقَّانِ مَعَهُمَا الشَّيْطَانُ فَنُسِّيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ» قَالَ: قُلْتُ يَا أَبَا سَعِيدٍ: إِنَّكُمْ أَعْلَمُ بِالْعَدَدِ مِنَّا قَالَ: أَجَلْ، نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْكُمْ قَالَ:","vol":"3","page":359},{"text":"قُلْتُ: مَا التَّاسِعَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ؟ قَالَ: إِذَا مَضَتْ وَاحِدَةٌ وَعِشْرُونَ، فَالَّتِي تَلِيهَا ثنتان وعشرون، وَهِيَ التَّاسِعَةُ، فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ، فَالَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ، فَإِذَا مَضَى خَمْسٌ وَعِشْرُونَ، فَالَّتِي تَلِيهَا الْخَامِسَةُ، وَقَالَ ابْنُ خَلَّادٍ: مَكَانَ يَحْتَقَّانِ: يَخْتَصِمَانِ.\nقوله: «قَبْلَ أَنْ تُبَانَ لَهُ»، يعني: قبل أن يبينها الله له، ويُعلمه إياها، ثم أبانها الله له أنها في العشر الأواخر.\nوقوله: «يَحْتَقَّانِ»، يعني: يطلب كل واحد منهما حقه، ويدعي أنه محقٌّ.\nوفي هذا الحديث: أن المخاصمة والمنازعة مذمومة، وأن الخصومة قد تكون سببًا في العقوبة، وحرمان الخير؛ فإنه لما اختصم هذان الشخصان رُفع عِلم ليلة القدر، لكن في اللفظ الآخر قال النبي ﷺ: «وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمُ» (^١)، أي: أنها أُخفيت على الناس حتى يجتهدوا في العشر كلها؛ لأنها لو كانت في ليلة معينة لاجتهد الناس في ليلة معينة، وتركوا بقية الليالي.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٩).","vol":"3","page":360},{"text":"[١١٦٨] وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَهْلِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، وَقَالَ ابْنُ خَشْرَمٍ: عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ- مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ- عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَأَرَانِي صُبْحَهَا أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ» قَالَ: فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَانْصَرَفَ وَإِنَّ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ يَقُولُ: ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ.\nفي هذا الحديث: أن ليلة القدر كانت ليلة ثلاث وعشرين، وهذا دليل أنها تنتقل.\n\n[١١٦٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَوَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: «الْتَمِسُوا»، وَقَالَ وَكِيعٌ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ».\n[خ: ٢٠١٧]\n\n[٧٦٢] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدَةَ، وَعَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، سمعا زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ يَقُولُ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵁، فَقُلْتُ: إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُم الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَقَالَ: ﵀! أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ، أَمَا إِنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ حَلَفَ لَا يَسْتَثْنِي أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؟ قَالَ: بِالْعَلَامَةِ- أَوْ بِالْآيَةِ- الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ لَا شُعَاعَ لَهَا.","vol":"3","page":361},{"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَةَ بْنَ أَبِي لُبَابَةَ يُحَدِّثُ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ أُبَيٌّ- فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ-: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهَا، قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْبَرُ عِلْمِي هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَإِنَّمَا شَكَّ شُعْبَةُ فِي هَذَا الْحَرْفِ، هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَحَدَّثَنِي بِهَا صَاحِبٌ لِي عَنْهُ.\nفي هذا الحديث: اجتهادُ أُبي بن كعب رضي الله؛ حيث كان يرى أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين، وحلف على ذلك.\nوفيه: أن من علامات ليلة القدر: أنها تطلع الشمس صبيحتها ليس لها شعاع، قيل: هذه علامة جعلها الله ﷿ عليها، وقيل: لكثرة الملائكة تمنع أنوار أجنحتهم شعاع الشمس.\n\n[١١٧٠] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ- وَهُوَ الْفَزَارِيُّ- عَنْ يَزِيدَ- وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: تَذَاكَرْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يَذْكُرُ حِينَ طَلَعَ الْقَمَرُ وَهُوَ مِثْلُ شِقِّ جَفْنَةٍ».\nقوله: «شِقِّ جَفْنَةٍ»: الشق: النصف، والجفنة: الترس الذي يضعه الفارس يتقي به وقْعَ النبال، قال القاضي: «يدل أنها لم تكن إلا فى آخر القمر؛ إذ لا يكون بهذه الصورة فى أوله عند طلوعه، ولا فى نصفه عند تمامه» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٤/ ١٤٨).","vol":"3","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-515>كِتَابُ الِاعْتِكَافِ</span>","vol":"3","page":364},{"text":"كِتَابُ الِاعْتِكَافِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>بَابُ اعْتِكَافِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ</span>\n\n[١١٧١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ.\n[خ: ٢٠٢٥]\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ: أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ. قَالَ نَافِعٌ: وَقَدْ أَرَانِي عَبْدُ اللَّهِ ﵁ الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ يَعْتَكِفُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَسْجِدِ.\n\n[١١٧٢] وَحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ السَّكُونِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ.\n[خ: ٢٠٢٦]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُمَا- قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ.\nالاعتكاف لغة: الحبس، والمكث، واللزوم (^١).\n_________\n(^١) لسان العرب، لابن منظور (٩/ ٢٥٥).","vol":"3","page":365},{"text":"وشرعًا: المكث في المسجد من شخص مخصوص بصفة مخصوصة.\nويسمى الاعتكاف: جوارًا.\nوالاعتكاف مستحب، إلا أن يوجبه على نفسه بنذر.\nوإذا دخل المعتكف معتكفه فيجوز له أن يخرج، إلا إذا نذر ألَّا يخرج فيجب عليه الوفاء بنذره.\nوالاعتكاف مشروع في جميع المساجد، وليس خاصًّا بالمساجد الثلاثة، وأما حديث: «لا اعْتِكَافَ إِلا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلاثَةِ» (^١)؛ فهو حديث ضعيف، لهذا بوب البخاري (بَاب: الِاعْتِكَافِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَالِاعْتِكَافِ فِي الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا) (^٢)؛ لرد هذا الحديث الضعيف.\nمسألة: اختلف العلماء في المسجد الذي يكون فيه الاعتكاف: هل يشترط أن يكون المسجد جامعًا، أو لا يشترط؟\nالجواب: قال بعض العلماء: لا بد أن يكون المسجد جامعًا حتى لا يخرج إلى الجمعة، والصواب: أنه لا يشترط ذلك، بل يشترط أن تصلى فيه الصلوات الخمس، ويخرج إلى الجمعة ثم يرجع، ولا يضره ذلك.\nمسألة: يجوز الاعتكاف في رمضان، وفي غيره؛ لأن النبي ﷺ اعتكف العشر الأول من شوال في بعض السنوات، حين عدل عَنِ الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان لما ضربت نساؤه الأخبية، فخاف عليهن من الغيرة.\nمسألة: اختلف العلماء: هل يشترط الصيام للاعتكاف، أو لا يشترط؟\nوالجواب: في المسألة أقوال:\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الكبرى (٨٥٧٤)، وعبد الرزاق في المصنف (٨٠١٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٩٦٦٩)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢٧٧١)، والطبراني في الكبير (٩٥١١)، وابن الجوزي في التحقيق (١١٨١)، والفاكهي في أخبار مكة (١٣٣٤).\n(^٢) صحيح البخاري (٣/ ٤٧).","vol":"3","page":366},{"text":"القول الأول: قال الجمهور: يشترط الصيام للاعتكاف (^١).\nالقول الثاني: لا يشترط الصيام للاعتكاف، وهو الصواب؛ لأن عمر ﵁ قال: «نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فسألت النبي ﷺ، فقال: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» (^٢)، والليل ليس فيه صيام.\nمسألة: اختلف العلماء في أقل الاعتكاف على قولين:\nالقول الأول: الجمهور على أن أقله يوم (^٣).\nالقول الثاني: أنه لا حد لأقله (^٤).\nوفي هذه الأحاديث: مشروعية الاعتكاف، واستحبابه.\nوفيها: فضل الاعتكاف في رمضان؛ لأن العمل في رمضان أفضل من غيره، وكذلك الاعتكاف في العشر الأواخر أفضل من غيرها، وإن اعتكف في غير رمضان فلا بأس.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ﷿، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ.\nفي هذا الحديث: مشروعية اعتكاف المرأة في المسجد إذا أمنتِ الفتنة؛ بأن يكون معها زوجها، وبعض محارمها، ويكون لهم خباء في المسجد، أو غرفة، أما إذا خافتِ الفتنة فلا.\n_________\n(^١) المجموع، للنووي (٦/ ٤٨٥)، المغني، لابن قدامة (٣/ ١٨٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠٤٣).\n(^٣) المغني، لابن قدامة (٣/ ١٨٩)، بداية المجتهد، لابن رشد (١/ ٣١٤).\n(^٤) وهو قول الأحناف والشافعية، الحاوي، للماوردي (٣/ ٤٨٦)، فتح القدير، لابن الهمام (٢/ ٣٩٢ - ٣٩٣).","vol":"3","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-517>بَابُ مَتَى يَدْخُلُ مَنْ أَرَادَ الِاعْتِكَافَ فِي مُعْتَكَفِهِ</span>\n\n[١١٧٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ، وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ، أَرَادَ الِاعْتِكَافَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ، وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَجْرَ، نَظَرَ فَإِذَا الْأَخْبِيَةُ، فَقَالَ: «آلْبِرَّ تُرِدْنَ؟ !»، فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ، وَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، حَتَّى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ.\n[خ: ٢٠٣٣]\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ. ح حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَابْنِ إِسْحَاقَ ذِكْرُ: عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ ﵅ أَنَّهُنَّ ضَرَبْنَ الْأَخْبِيَةَ لِلِاعْتِكَافِ.\nفي هذا الحديث: ترك رسول الله ﷺ الاعتكاف في رمضان في هذه السنة، والحكمة من ذلك- والله أعلم-: تأديب أزواجه، وتعزيرهن؛ لأنه خاف عليهن من الرياء، والمنافسة بسبب الغيرة بين الضرات، فأراد إعلامهن أن الاعتكاف، والعبادة يشترط فيها الإخلاص، والرغبة في الخير، لا عن منافسة، وغيرة، ورياء، ومباهاة، وفي رواية أخرى قال: «مَا","vol":"3","page":368},{"text":"أَنَا بِمُعْتَكِفٍ، فَرَجَعَ» (^١).\nوفيه: استحباب قضاء ما اعتاده الإنسان من الخير، واستحباب قضاء نوافل العبادات.\nوفيه: دليل على جواز الاعتكاف في غير رمضان.\nوفيه: دليل على أن اعتكاف المرأة لا بدَّ أن يكون في المسجد، ويشترط إذن زوجها، ولا يكفي اعتكافها في بيتها، خلافًا لأبي حنيفة القائل: لها أن تعتكف في مسجد بيتها (^٢).\nقوله: «آلْبِرَّ تُرِدْنَ؟ !»: الهمزة للاستفهام، أي: أألبر تردن؟ ! فأدغمت الهمزتان وصارتا مدة، فصار: آلبر تردن؟ ! يعني: أَتُرِدْنَ بهذا البرَّ؟ وأنتن تفعلن هذه المنافسة وكل واحدة تضرب لها في المسجد خيمة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٤٥).\n(^٢) فتح القدير، لابن الهمام (٢/ ٣٩٤).","vol":"3","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-518>بَابُ الِاجْتِهَادِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ</span>\n\n[١١٧٤] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ.\n[خ: ٢٠٢٤]\n\n[١١٧٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ، يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ.\nوفي الأحاديث: استحباب الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان، وتخصيصها بمزيد من الاجتهاد؛ اقتداءً بالنبي ﷺ، وتحريًا لليلة القدر، واغتنامًا للفضائل؛ لأن النبي ﷺ كان يخص العشر الأواخر بمزيد من الاجتهاد، فقد كان يُحيي الليل كله بخلاف العشرين الأول فإنه كان يخلطها بنوم.\nقولها: «وَشَدَّ الْمِئْزَرَ»: قيل: معنى شد المئزر: أنه كناية عن اعتزال النساء، وقيل: كناية عَنِ الاجتهاد في العبادة.","vol":"3","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-519>بَابُ صَوْمِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ</span>\n\n[١١٧٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَصُمْ الْعَشْرَ.\nفي هذا الحديث: تنفي أم المؤمنين عائشة أن النبي ﷺ صام عشر ذي الحجة، ولكن السنة ثابتة في استحباب صيامها، من قوله ﷺ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» (^١)، والصيام من أفضل الأعمال الصالحة، والسنة تثبت بقول النبي ﷺ، أو فعله، أو تقريره.\nوحديث عائشة يجاب عنه- كما قال النووي ﵀ (^٢) - بأجوبة، منها:\nالجواب الأول: أن النبي ﷺ لم يصمها لعارض مرض، أو سفر، أو غيرها.\nالجواب الثاني: أنها لم تره صائمًا فيها، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر.\nالجواب الثالث: أنه ترك صيامها؛ لئلَّا يشق على أمته، فقد كان النبي ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٩٦٨)، وأبو داود (٢٤٣٨)، والترمذي (٧٥٧)، وابن ماجه (١٧٢٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٨/ ٧٢).","vol":"3","page":371},{"text":"يترك العمل خشية أن يشق على أمته.\nوأما الحديث الذي أخرجه أحمد عَنْ هُنَيْدَةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ (^١)، فهو حديث ضعيف عند أهل العلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٧٣٧٦)، وأبو داود (٢٤٣٧)، والنسائي (٢٣٧٢)، وقال الزيلعي في نصب الراية (٢/ ١٥٧): وهو ضعيف.","vol":"3","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-520>كِتَابُ الْحَجِّ</span>","vol":"3","page":374},{"text":"كِتَابُ الْحَجِّ\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>بَابُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ بِحَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، وَمَا لَا يُبَاحُ، وَبَيَانِ تَحْرِيمِ الطِّيبِ عَلَيْهِ</span>\n\n[١١٧٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلَا الْوَرْسُ».\n[خ: ١٥٤٢]\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ قَالَ: «لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ، وَلَا زَعْفَرَانٌ، وَلَا الْخُفَّيْنِ، إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ، فَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ، أَوْ وَرْسٍ، وَقَالَ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ».\n\n[١١٧٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرِ بْنِ","vol":"3","page":375},{"text":"زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ يَقُولُ: «السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ، وَالْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ- يَعْنِي: الْمُحْرِمَ».\n[خ: ١٨٤١]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ-.ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ، غَيْرُ شُعْبَةَ وَحْدَهُ.\n\n[١١٧٩] وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ».\nالحج بفتح الحاء هو المصدر، وبالفتح والكسر جَمِيعًا هو الاسم منه.\nوالحج لغة: القصد إلى الشيء، وقيل: قصدُ الشيء المعظَّم وإتيانه (^١).\nوشرعًا: قصْد البيت الحرام والمشاعر العِظام وإتيانها، في وقتٍ مخصوص، على وجهٍ مخصوص.\nوالعمرة لغة: الزيارة.\nوشرعًا: زيارة البيت الحرام؛ لأعمال مخصوصة.\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (١/ ٣٤٠).","vol":"3","page":376},{"text":"والحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (^١).\nوالحج لا يجب إلا بشروط خمسة- فإذا وجدت هذه الشروط وجب على الإنسان أن يحج-:\nالشرط الأول: الإسلام، فالكافر لا يصح منه الحج حال كفره، وليس معنى ذلك أنه لا يعاقب على تركه، بل يعاقب؛ لأن الأعمال لا تصح إلا بالإيمان، وأعمال الكفار جميعها حابطة، قال تعالى:﴾ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءًا منثورًا ﴿، وقال سبحانه:﴾ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾، وقال: ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾.\nفما يعمله الكافر من صلة الرحم، والصدقات حال كفره قد يستفيد بها في الدنيا، فتكون صحة في بدنه، ووفرة في ماله، وولده، ثُمَّ يفضي إلى الآخرة ولا حسنة له.\nالشرط الثاني: البلوغ، فالصبي لا يجب عليه الحج، لكن لو حج بإذن وليه صح منه حتى لو كان صبيًّا في المهد، ولكن لا يجزئه عن حجة الإسلام، كما سيأتي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه: لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: «مَنِ الْقَوْمُ؟»، قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «رَسُولُ اللهِ»، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا، فقَالَت: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» (^٢).\nالشرط الثالث: العقل، ففاقد العقل لا يصح منه الحج؛ لأنه مرفوع عنه القلم؛ لحديث: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨)، ومسلم (١٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٣٣٦).","vol":"3","page":377},{"text":"يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (^١).\nالشرط الرابع: الحرية، فالعبد الذي يباع ويشترى لا يجب عليه الحج، لكن لو أذن له سيده صح منه الحج، ولا يجزئه عن حجة الإسلام، فإذا أعتقه سيده وجب عليه أن يحج حجة الإسلام؛ لما ثبت في الحديث عن النبي ﷺ قال: «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا أَعْرَابِيٌّ حَجَّ، ثُمَّ هَاجَرَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ، ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى» (^٢).\nالشرط الخامس: القدرة، والاستطاعة؛ لقوله تعالى:﴾ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا ﴿.\nوالقدرة، والاستطاعة نوعان:\nاستطاعة بالبدن، واستطاعة بالمال، فإذا وجدت الاستطاعتان وجب عليه أن يحج بنفسه.\nوالاستطاعة بالبدن: هي أن يستطيع الثبات على المركوب من الراحلة، أو الطائرة، أو السيارة، أو الباخرة، فإن كان شيخًا كبيرًا لا يثبت على مركوب، أو امرأة كبيرة، أو مريضًا فلا يجب عليه الحج ببدنه.\nفإن فقد القدرة بالبدن وعنده مال وجب عليه أن يحج بماله؛ بأن ينيب من يحج عنه؛ لما ثبت: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْ أَبِيكِ» (^٣).\nوالاستطاعة بالمال: هي أن يكون عنده نفقة تكفيه في الحج ذهابًا وإيابًا، بعد نفقة أهله، وقضاء ديونه، وحوائجه الأصلية.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٤٦٩٤)، والدارمي (٢٢٩٦).\n(^٢) أخرجه البيهقي في الكبرى (٨٦١٣)، والطبراني في الأوسط (٢٧٣١).\n(^٣) أخرجه أحمد (٣٠٤٩)، والنسائي (٢٦٣٤).","vol":"3","page":378},{"text":"والحوائج الأصلية مثل: المسكن، والدابة، وكتب طالب العلم، فهذه لا يلزمه أن يبيعها ويحج.\nوقوله في الحديث: «الْقَمِيصَ»، أي: ما خِيط على قدر البدن، ومثله: ما خِيط على عضو من الأعضاء كالقفازين، والشراب، والعمائم.\nوقوله: «وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ»، أي: ما خِيط على النصف الأسفل، سواء كان طويلًا، أو قصيرًا.\nوقوله: «وَلَا الْبُرْنُسَ» البرنس: قال النووي: قال أهل اللغة: هو كل ثوب رأسه منه ملتصق به، من دراعة أو جبة أو غيرهما.\nوقال الجوهري: هو قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام (^١)، ومثل ذلك الثياب المغربية المتصلة بها رؤوسها.\nوقوله: «وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ، وَلَا زَعْفَرَانٌ» الورس: هو نبت أصفر تصبغ به الثياب ورائحته طيبة.\nوقيل: هو ضرب من الطيب كالزعفران.\nوفي هذه الأحاديث: دليل على أن المُحْرِمَ ممنوع من أشياء، منها: القمص، والعمائم، والبرانس، والسراويلات، والخفاف، وما صبغ بالطيب، كالزعفران، والورس.\nوفيها: أن السائل سأل النبي ﷺ عما يَلبسه المحرم، فأجابه النبي ﷺ بما لا يلبس، وهذا من الأسلوب الحكيم، والسبب في ذلك: أن الذي يلبسه المحرم كثير لا حصر له، أما الذي لا يلبسه فمحصور، فكأن النبي ﷺ قال: هذه الأشياء لا تلبسها، والباقي لك أن تلبسها.\nوفي حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَس الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ»، وهذا قاله النبي ﷺ في خطبته في\n_________\n(^١) الصحاح، للجوهري (٣/ ٩٠٨).","vol":"3","page":379},{"text":"المدينة قبل أن يذهب للحج، ثُمَّ خطب الناس في يوم عرفة في حجة الوداع في حديث ابن عباس ﵄، وقال: «مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْن» (^١)، ولم يقل: ليقطعهما أسفل من الكعبين، وقد حضر خطبته في حجة الوداع من لم يحضرها في المدينة.\nفاختلف العلماء في الجمع بين الحديثين على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن حديث ابن عباس ﵄ ناسخ لحديث ابن عمر ﵄؛ لأن حديث ابن عمر ﵄ فيه الأمر بقطع الخفين، وحديث ابن عباس ﵄ ليس فيه هذا الأمر؛ فدل ذلك على أنه لا بأس أن يلبس الخفين ولا يقطعهما؛ لأن المتأخر ينسخ المتقدم، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وذهب إلى هذا الإمام أحمد ﵀ (^٢)، وعلل الحنابلة ذلك بأمرين:\nالأول: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ»، ولم يقل: فليفتق السراويل، فدل على أنه يلبسهما، ولا يفتقهما.\nالثاني: أن قطع الخفين فيه إفساد لهما، وإضاعة لماليتهما، وقد جاءت النصوص بالنهي عن إضاعة المال، وهي تؤيد عدم القطع (^٣).\nالقول الثاني: أن الأمر بالقطع محمول على الاستحباب، والصارف له عن الوجوب إلى الاستحباب حديث ابن عباس ﵄.\nالقول الثالث: وجوب قطع الخفين، وقالوا: يحمل المطلق على المقيد؛ لأن حديث ابن عباس ﵄ مطلق، ليس فيه الأمر بالقطع، وحديث ابن عمر ﵄ فيه الأمر بالقطع، والقاعدة الأصولية عند أهل العلم أن المطلق يحمل على المقيد، فيجب القطع.\nوالأرجح: القول الثاني، ثُمَّ القول الثالث؛ لأنه متى أمكن الجمع فلا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٨٠٤).\n(^٢) المغني، لابن قدامة (٣/ ٢٧٥).\n(^٣) المغني، لابن قدامة (٣/ ٢٧٥).","vol":"3","page":380},{"text":"يصار إلى النسخ، وقد قال ابن قدامة: «والأولى قطعهما عملًا بالحديث الصحيح، وخروجًا من الخلاف، وأخذًا بالاحتياط» (^١).\n\n[١١٨٠] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ- وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ عَلَيْهِ جُبَّةٌ، وَعَلَيْهَا خَلُوقٌ- أَوَ قَالَ: أَثَرُ صُفْرَةٍ- فَقَالَ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ قَالَ: وَأُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْوَحْيُ، فَسُتِرَ بِثَوْبٍ، وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ: وَدِدْتُ أَنِّي أَرَى النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، قَالَ: فَقَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ؟ قَالَ: فَرَفَعَ عُمَرُ طَرَفَ الثَّوْبِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، لَهُ غَطِيطٌ- قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: كَغَطِيطِ الْبَكْرِ- قَالَ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْعُمْرَةِ؟ اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الصُّفْرَةِ- أَوَ قَالَ: أَثَرَ الْخَلُوقِ- وَاخْلَعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ».\n[خ: ١٥٣٦]\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنْ صَفْوَانَ ابْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ- وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، وَأَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ مُقَطَّعَاتٌ، يَعْنِي: جُبَّةً، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ- فَقَالَ: إِنِّي أَحْرَمْتُ بِالْعُمْرَةِ، وَعَلَيَّ هَذَا، وَأَنَا مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ؟» قَالَ: أَنْزِعُ عَنِّي هَذِهِ الثِّيَابَ، وَأَغْسِلُ عَنِّي هَذَا الْخَلُوقَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ، فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ».\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ\n_________\n(^١) المغني، لابن قدامة (٣/ ٢٨٢).","vol":"3","page":381},{"text":"بْنُ خَشْرَمٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا عِيسَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ يَعْلَى كَانَ يَقُولُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: لَيْتَنِي أَرَى نَبِيَّ اللهِ ﷺ حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ، وَعَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ عَلَيْهِ، مَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ عُمَرُ؛ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً، ثُمَّ سَكَتَ، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ بِيَدِهِ إِلَى يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ تَعَالَ، فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ، فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ، يَغِطُّ سَاعَةً، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: «أَيْنَ الَّذِي سَأَلَنِي عَنِ الْعُمْرَةِ آنِفًا؟»، فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ، فَجِيءَ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ».\nوَحَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا يُحَدِّثُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ- وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، قَدْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ وَهُوَ مُصَفِّرٌ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَحْرَمْتُ بِعُمْرَةٍ، وَأَنَا كَمَا تَرَى، فَقَالَ: «انْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ، وَاغْسِلْ عَنْكَ الصُّفْرَةَ، وَمَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ».\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا رَبَاحُ بْنُ أَبِي مَعْرُوفٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً قَالَ: أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ بِهَا أَثَرٌ مِنْ خَلُوقٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَحْرَمْتُ بِعُمْرَةٍ، فَكَيْفَ أَفْعَلُ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ، وَكَانَ عُمَرُ يَسْتُرُهُ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ يُظِلُّهُ، فَقُلْتُ لِعُمَرَ ﵁: إِنِّي أُحِبُّ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ أَنْ","vol":"3","page":382},{"text":"أُدْخِلَ رَأْسِي مَعَهُ فِي الثَّوْبِ، فَلَمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ خَمَّرَهُ عُمَرُ ﵁ بِالثَّوْبِ فَجِئْتُهُ فَأَدْخَلْتُ رَأْسِي مَعَهُ فِي الثَّوْبِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا عَنِ الْعُمْرَةِ؟»، فَقَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ، فَقَالَ: «انْزِعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ، وَاغْسِلْ أَثَرَ الْخَلُوقِ الَّذِي بِكَ، وَافْعَلْ فِي عُمْرَتِكَ مَا كُنْتَ فَاعِلًا فِي حَجِّكَ».\nقوله: «لَهُ غَطِيطٌ كَغَطِيطِ البَكْرِ»، أي: صوت كصوت النائم الذي يردده مع نفسه، والبكر: هو الفتيُّ من الابل.\nوقوله: «فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ»، أي: كُشِف عنه.\nوقوله: «اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الصُّفْرَةِ- أَوَ قَالَ: أَثَرَ الْخَلُوقِ» الخلوق: أخلاط من الطيب.\nفي هذه الأحاديث: جملة من الفوائد، منها:\n١ - وجوب الرجوع إلى العلماء عند النوازل، قال الله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾، فالواجب على العامي إذا لم يعلم حكم مسألة ما أن يرجع إلى العلماء، ويسألهم، أما إن كان عنده أهلية النظر في الأدلة فإنه ينظر فيها ويعمل بما دلت عليه.\n٢ - دليل على أن النبي ﷺ لا يعلم إلا ما أعلمه الله ﷿؛ ولهذا لم يُجب هذا السائل حتى نزل عليه الوحي، قال تعالى: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾، وقال تعالى: ﴿ووجدك ضالًّا فهدى﴾.\n٣ - دليل على أن العالم، والمفتي، والقاضي يجب عليه أن يتوقف في المسائل التي لا يعلمها، كما توقف النبي ﷺ لما سأله هذا الرجل، فسكت ساعة حتى نزل عليه الوحي، وثبت عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُل: اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: اللهُ أَعْلَمُ، قال تعالى- لنبيه-:﴾ قل ما أسألكم عليه","vol":"3","page":383},{"text":"من أجر وما أنا من المتكلفين﴾» (^١).\n٤ - شدة الوحي على النبي ﷺ؛ ولهذا احمر وجهه ﵊.\n٥ - أن الجاهل معفو عنه، وليس عليه فدية على الأصح من أقوال العلماء.\nوقد اختلف أهل العلم ﵏ في حكم من ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام جاهلًا على أقوال:\nالقول الأول: أنه لا يعذر مطلقًا، وحكمه في ذلك حكم العامد، وهو قول الحنفية (^٢).\nالقول الثاني: أن الجاهل معفو عنه، وليس عليه فدية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، وابن القيم (^٤).\nالقول الثالث: أنه يعذر في اللباس والطيب والتغطية مما هو من قبيل الترفه والزينة، ولا يعذر في الحلق والتقليم والصيد مما هو من قبيل الإتلاف، وهو قول الشافعية والحنابلة (^٥).\nوالصواب: عدم التفريق.\nأما العالم بالحكم فإن عليه فدية، كما في حديث كعب بن عجرة ﵁: أنه جاء إلى النبي ﷺ، والقمل يتناثر على وجهه، فقال له: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاحْلِقْ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً» (^٦) فأوجب عليه الفدية للتعمد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٨٠٩).\n(^٢) بدائع الصنائع، للكاساني (٢/ ١٩٥)، تبيين الحقائق، للزيلعي (٢/ ٥٧).\n(^٣) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٠/ ٥٧٠).\n(^٤) أعلام الموقعين، لابن القيم (٢/ ٢٥).\n(^٥) الحاوي، للماوردي (٤/ ٢١٩)، نهاية المحتاج، للرملي (٣/ ٣٤٠)، الفروع، لابن مفلح (٥/ ٣٩٨)، الإنصاف، للمرداوي (٣/ ٤٥٥).\n(^٦) أخرجه البخاري (٤١٩٠)، ومسلم (١٢٠١).","vol":"3","page":384},{"text":"والمحرم إذا احتاج إلى محظور من محظورات الإحرام؛ كمن احتاج إلى تغطية رأسه، أو لبس ثياب الصوف؛ لأنه لا يتحمل البرد مثلًا، فله أن يلبس، وعليه فدية، كما أرشد النبي ﷺ كعب بن عجرة ﵁.\n٦ - دليل على أن العمرة حكمها حكم الحج؛ ولهذا قال: «وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ»، يعني: فيما هو مشترك بينهما من الطواف، والسعي، والتحلل بحلق الرأس، أو التقصير، واجتناب المحظورات، أما ما يختص به الحج فلا كالوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمرات.\nواحتج بعض العلماء بقوله: «وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ» على أن طواف الوداع في العمرة واجب؛ لأن الحاج يطوف طواف الوداع، فكذلك المعتمر يطوفه، وأفتى بهذا فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ (^١).\nوأما جمهور العلماء فقالوا: إن طواف الوداع خاص بالحج، وهو الذي أفتى به سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ (^٢)، فيكون طواف الوداع للعمرة مستحبًّا لا واجبًا، وهو الصواب إن شاء الله.\nوالدليل على هذا: أن النبي ﷺ لما رأى الناس ينفرون من كل وجه في حجة الوداع قال: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» (^٣)، وقال ابن عباس ﵄: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بالبيت، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْحَائِضِ» (^٤)، وهذا في الحج، أما العمرة فإن طواف الوداع لها مستحب.\n_________\n(^١) الشرح الممتع، لابن عثيمين (٧/ ٣٩٨ - ٣٩٩).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز (١٧/ ٣٩٨).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٣٢٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٧٥٥)، ومسلم (١٣٢٨).","vol":"3","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-522>بَابُ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ</span>\n\n[١١٨١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، وَقُتَيْبَةُ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، قَالَ: «فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَا فَكَذَلِكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا».\n[خ: ١٥٢٦]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَقَالَ: «هُنَّ لَهُمْ، وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ».\n\n[١١٨٢] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ»، قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَبَلَغَنِي أن رسول الله ﷺ قال: «وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ».\n[خ: ١٥٢٥]\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ». قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: وَذُكِرَ لِي- وَلَمْ أَسْمَعْ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ».","vol":"3","page":386},{"text":"وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّامِ مَهْيَعَةُ، وَهِيَ الْجُحْفَةُ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ». قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄: وَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ- وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْهُ- قَالَ: «وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلَ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلَ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄: وَأُخْبِرْتُ أَنَّهُ قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ».\n\n[١١٨٣] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يُسْأَلُ عَنِ الْمُهَلِّ، فَقَالَ: سَمِعْتُ، ثُمَّ انْتَهَى، فَقَالَ: أُرَاهُ- يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ.\nقوله: «وَزَعَمُوا»، يعني: قالوا؛ فالزعم يأتي بمعنى: القول، ويأتي بمعنى: الدعوى الكاذبة.\nوقوله: «يُهِلُّ» خبر بمعنى الأمر، والمعنى: فليهل، مثل: قوله تعالى:﴾ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾، يعني: فليتربصن ثلاثة قروء.\nفي هذا الأحاديث: بيان المواقيت، والمواقيت جمع ميقات، وأصلها: موقات.\nوقوله: «مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ» دليل على أن من لم يرد الحج والعمرة يجوز","vol":"3","page":387},{"text":"له تجاوز المواقيت، وأن يدخل مكة من غير إحرام، وفي هذه المسألة أقوال:\nالقول الأول: أن من لم يرد الحج والعمرة يجوز له تجاوز المواقيت، وله أن يدخل مكة من غير إحرام، وهو الصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم (^١).\nوالقول الثاني: ذهب الحنابلة، وجمع من أهل العلم إلى أن كل داخل إلى مكة يجب عليه أن يحرم لعمرة، وقالوا: هذا من خصائص الحرم، واستثنوا من هذا من يكثر تكرار دخوله إلى مكة، ومثَّلوا له بالحطَّاب، والحشَّاش هو الذي يحش الحشيش، ومثله الآن: سائق سيارة الأجرة، فإنه يحرم في آخر مرة يدخل مكة (^٢).\nوالمواقيت نوعان:\nالمواقيت الزمانية: وهي ثلاث أشهر: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.\nوالمواقيت المكانية: وهي المواقيت التي حددها رسول ﷺ، وهي: ذو الحليفة، والجحفة، وقرن المنازل، ويلملم.\nالميقات الأول: ذو الحليفة، والحليفة تصغير حلفى، وهو نوع من الشجر يكثر في هذا الوادي، ويسمى اليوم: أبيار علي، وهو أبعد المواقيت عن مكة، فبينه وبينها عشرة مراحل.\nوالميقات الثاني: الجحفة، وهو لأهل الشام، ومصر، والمغرب، والجحفة: قرية خربت منذ زمن، ثُمَّ أعيدت الآن، وصار فيها مسجد يحرم الناس منه، وسميت بالجحفة؛ لأنه جاء عليها سيل واجتحفها.\nوالميقات الثالث: يلملم، وهو ميقات أهل اليمن، ويسمى السعدية، فمن جاء من جهة الساحل يحرم منه.\n_________\n(^١) بدائع الصنائع، للكاساني (٢/ ١٦٥)، المبسوط، للسرخسي (٤/ ١٦٧)، أسنى المطالب، لزكريا الأنصاري (١/ ٤٦٠).\n(^٢) المغني، لابن قدامة (٣/ ٢٥٣).","vol":"3","page":388},{"text":"والميقات الرابع: قرن المنازل، وهو لأهل نجد، فمن جاء من جهة نجد، ومن جهة الطائف يحرم من قرن المنازل، ويسمى الآن: السيل، أو وادي محرم.\nوالميقات الخامس: ميقات أهل المشرق، وأهل العراق، وهو ذات عرق، ويسمى الضريبة.\nوفيها: دليل على أن من مر بهذه المواقيت وهو يريد الحج، أو العمرة فيحرم منها ولو لم يكن من أهلها.\nوفيها: ورع عبد الله بن عمر ﵄، حيث قال: «وَبَلَغَنِي أن رسول الله ﷺ قال: وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ»، وهذا الذي بلغه ثابت في حديث ابن عباس ﵄، وأما اللفظ الآخر «وزعموا» فكما تقدم أنها بمعنى القول، كالحديث الذي تقدم في كتاب الإيمان: «وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا، وليلتنا» (^١).\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يُسْأَلُ عَنِ الْمُهَلِّ، فَقَالَ: سَمِعْتُ- أَحْسَبُهُ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ-: «مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ الْجُحْفَةُ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ».\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ وقَّت ذات عرق لأهل العراق، وهناك رواية أن الذي وَقَّت لأهل العراق ذات عِرْق هو: عمر ﵁ (^٢)، وهذا التوقيت كان باجتهاد منه، فوافق اجتهاده النص، ولا غرابة في هذا؛ فإن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٣١).","vol":"3","page":389},{"text":"عمر ﵁ معروف بموافقاته الوحي.\nومن ذلك: أنه قال: «وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلاثٍ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وَآيَةُ الحِجَابِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ؛ فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ البَرُّ وَالفَاجِرُ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ. وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الغَيْرَةِ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ...» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٠٢).","vol":"3","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-523>بَابُ التَّلْبِيَةِ، وَصِفَتِهَا، وَوَقْتِهَا</span>\n\n[١١٨٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ». قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَزِيدُ فِيهَا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ.\n[خ: ١٥٤٩]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَنَافِعٍ- مَوْلَى عَبْدِ اللهِ- وحمزة بن عبد الله عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ، فَقَالَ: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ»، قَالُوا: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: هَذِهِ تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ نَافِعٌ: كَانَ عَبْدُ اللهِ ﵁ يَزِيدُ مَعَ هَذَا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ لَبَّيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ- عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَلَقَّفْتُ التَّلْبِيَةَ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ.\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: فَإِنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَنِي عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ مُلَبِّدًا يَقُولُ: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ»، لَا يَزِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَإِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً","vol":"3","page":391},{"text":"عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يُهِلُّ بِإِهْلَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَيَقُولُ: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ لَبَّيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ».\nقوله: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ»، يعني: إجابة بعد إجابة، والتثنية للمبالغة، والتأكيد.\nوقوله: «لَا شَرِيكَ»، يعني: أن الله تعالى ليس له شريك لا في ملكه، ولا في تدبيره، ولا في ربوبيته، ولا في أسمائه، وصفاته، ولا في عبادته وألوهيته.\nوقوله: «إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ» بكسر «إن» أفصح، فتكون جملة اسمية، يعني: أنت يا الله لك الحمد ملكًا، واستحقاقًا، فجميع أنواع المحامد ملك لله، والنعمة جنس، أي: أن جميع النعم من الله ﷿، فالله تعالى خلق الخلق، وأوجدهم من العدم، ووفق المؤمنين، وهداهم للإسلام، ورباهم بنعمه، فالأمر كله لله، قال تعالى: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك مِن مَن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير﴾.\nفي هذه الأحاديث: مشروعية التلبية للحاج، والمعتمر، وأنه يشرع في حقه التلبية من وقت الإحرام حتى يتحلل من إحرامه.\nوقد اختلف العلماء في التلبية هل هي واجبة، أو شرط، أو مستحبة، على أقوال:\nالقول الأول: وهو المشهور عند الجماهير أنها مستحبة (^١)، وهو المختار.\n_________\n(^١) المجموع، للنووي (٧/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، المغني، لابن قدامة (٣/ ٢٧٠).","vol":"3","page":392},{"text":"والقول الثاني: أنها شرط في الاحرام، فإذا لم يقلها فلا يصح إحرامه، ولا حجه (^١).\nوالقول الثالث: أنها واجبة، فإذا تركها فعليه دم (^٢).\nوالتلبية إذا قالها مرة واحدة كفاه ذلك، ولكن المستحب للحاج والمعتمر أن يكررها، وهي مشروعة في كل وقت عند تغير الأحوال، وعند إقبال الليل، وإدبار النهار، وعند الالتقاء بالملبّين، وإذا فعل محظورًا ناسيًا.\nوكان الصحابة ﵃ يرفعون أصواتهم بالتلبية، أما المرأة فإنها تلبي ولا ترفع صوتها إلا بقدر ما تسمع رفيقتها التي بجوارها؛ خشية أن يفتتن بها الناس.\nوالسُّنة في التلبية ألا تكون جماعية؛ لأن التلبية الجماعية لا أصل لها.\nوفيها: أن النبي ﷺ كان يهل حين يركب على دابته، وكذلك يفعل من يركب السيارة، أو الباخرة، أو الطائرة إذا كان عند الميقات، هذه هي السنة، وإذا لبى قبل أن يركب فلا حرج، لكن الأفضل أن تكون التلبية بعد الركوب اقتداءً بالنبي ﷺ، وكأن الحكمة في ذلك- والله أعلم-: أنه قبل ذلك قد يكون محتاجًا إلى طيب، أو إلى شيء فإذا ركب يكون قد انتهى من حوائجه.\n_________\n(^١) المبسوط، للسرخسي (٤/ ١٧٠، ١٨٧).\n(^٢) الشرح الكبير، للدردير (٢/ ٤٠)، مواهب الجليل، للحطاب (٣/ ٩).","vol":"3","page":393},{"text":"[١١٨٥] وَحَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ- يَعْنِي: ابْنَ عَمَّارٍ- حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَيْلَكُمْ قَدْ قَدْ»، فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ. يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ.\nفي هذا الحديث: بيان ما كان يقوله المشركون من شركهم، وضلالهم، يقولون: «لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» فَيَقُولُ لهم رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَيْلَكُمْ قَدْ قَدْ»، يعني: يكفي يكفي، لا تزيدوا الشرك، فيقولون: «إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ» فخالفهم النبي ﷺ، وأنكر عليهم، وأَهَلَّ بالتوحيد.","vol":"3","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-524>بَابُ أَمْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالْإِحْرَامِ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ</span>\n\n[١١٨٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ ﵁ يَقُولُ: بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا، مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ- يَعْنِي: ذَا الْحُلَيْفَةِ.\n[خ: ١٥٤١]\nقوله: «بَيْدَاؤُكُمْ» البيداء: الصحراء.\nوقوله: «بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فيها» المراد بالكذب هنا: الخطأ؛ لأن الكذب يطلق على الإخبار بغير الواقع، ومنه: قوله في الحديث: «كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ» (^١)، يعني: أخطأ، ومنه: قول النبي ﷺ للرجل الذي سأله، وقال: إن أخاه قد استطلق بطنه، أي: أصابه إسهال، فقال له: «اسْقِهِ عَسَلًا»، ثُمَّ أَتَى الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «اسْقِهِ عَسَلًا»، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: «اسْقِهِ عَسَلًا»، ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، فَقَالَ: «صَدَقَ اللهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ، اسْقِهِ عَسَلًا، فَسَقَاهُ فَبَرَأَ» (^٢)، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ، يعني: أخطأ.\nوأصل الإهلال: رفع الصوت بالتلبية، ومنه: استهل المولود صارخًا، أي: رفع صوته عند استهلال الولادة، ومنه: رفع الصوت عند رؤية الهلال.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤٢٧٣)، والبيهقي في الكبرى (١٥٤٧٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٦٨٤)، ومسلم (٢٢١٧).","vol":"3","page":395},{"text":"وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا قِيلَ لَهُ: الْإِحْرَامُ مِنَ الْبَيْدَاءِ؟ قَالَ: الْبَيْدَاءُ الَّتِي تَكْذِبُونَ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ! مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَّا مِنْ عِنْدِ الشَّجَرَةِ حِينَ قَامَ بِهِ بَعِيرُهُ».\nوقوله: «مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَّا مِنْ عِنْدِ الشَّجَرَةِ حِينَ قَامَ بِهِ بَعِيرُهُ»، يعني: بدأ بالتلبية من حين ركوبه، ثُمَّ بعد ذلك لَبَّى ﷺ لما استوى في الصحراء، فسمعه بعض الناس، فظنوا أنه ابتدأ التلبية حينها.","vol":"3","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-525>بَابُ الْإِهْلَالِ مِنْ حَيْثُ تَنْبَعِثُ الرَّاحِلَةُ</span>\n\n[١١٨٧] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ: أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا، قَالَ: مَا هُنَّ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا الْهِلَالَ، وَلَمْ تُهْلِلْ أَنْتَ حَتَّى يَكُونَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: أَمَّا الْأَرْكَانُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمَسُّ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وَأَمَّا الْإِهْلَالُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ، حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ.\nحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: حَجَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكَ أَرْبَعَ خِصَالٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِهَذَا الْمَعْنَى، إِلَّا فِي قِصَّةِ الْإِهْلَالِ، فَإِنَّهُ خَالَفَ رِوَايَةَ الْمَقْبُرِيِّ، فَذَكَرَهُ بِمَعْنًى سِوَى ذِكْرِهِ إِيَّاهُ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، وَانْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً، أَهَلَّ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ.\nوَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ قَائِمَةً.","vol":"3","page":397},{"text":"وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ يُهِلُّ حِينَ تَسْتَوِي بِهِ قَائِمَةً.\nقوله: «رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا» هذه الأمور الأربعة التي ذكرها عبيد بن جريج لعبد الله بن عمر ﵄، هي:\nالأمر الأول: «رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ»، والمراد بهما: الركن اليماني، والحجر الأسود في الطواف، فإن لم يتيسر أن يستلم الحجر الأسود ويقبله أشار إليه وكبر، أما الركنان الآخران: الشامي، والعراقي فلا يستلمهما، والسبب في ذلك: أنهما ليسا على قواعدِ إبراهيمَ؛ لأن قريشًا أخرجت الحجر مقدار ستة أذرع ونصف من الكعبة، ولهذا لما هدم ابن الزبير ﵁ الكعبة، وأدخل الحجرَ صرفه عن قواعدِ إبراهيمَ، فصار يستلم الأركان الأربعة كلها، وثبت عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: «أَنَّ مُعَاوِيَةَ طَافَ بِالْبَيْتِ، فَجَعَلَ يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ كُلَّهَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِمَ تَسْتَلِمُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ مِنَ الْبَيْتِ شَيْءٌ مَهْجُورٌ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: صَدَقْتَ» (^١)، ورجع إلى قوله.\nالأمر الثاني: «رَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ» السِّبْتِيَّةَ مشتقة من السَّبت بفتح السين، وهو الحلق والإزالة، وهي النعال التي لا شعر فيها، قال: «وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا».\nالأمر الثالث: «وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ»، هذا محمول على أنه رأى النبي ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣٥٣٢)، والطبراني في الأوسط (٢٣٢٣).","vol":"3","page":398},{"text":"في بعض الأحيان يصبغ بالصفرة، أو المراد أنه يصبغ ثيابه.\nالأمر الرابع: «وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ، وَلَمْ تُهْلِلْ أَنْتَ حَتَّى يَكُونَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ»، يعني: أن الناس يهلون بالحج إذا دخل هلال ذو الحجة، وأنت لا تحرم إلا في يوم التروية في اليوم الثامن، فقال: إن النبي ﷺ لم يحرم إلا في اليوم الثامن «حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ».\nفي هذه الأحاديث: أن الإهلال من انبعاث راحلته وركوبه إياها، كما فعل ذلك النبي ﷺ لا قبل ذلك؛ لأنه قد يحتاج إلى الطيب، أو إلى شيء آخر من المحظورات قبل ذلك، فيكون في سعة، وأما ما ورد من: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ فِي دُبُرِ الصَّلاةِ» (^١) فهو حديث ضعيف لا يثبت؛ لأن من رواته خُصيف الجزري، وخُصَيْف- بالتصغير- ضعيف (^٢).\nولو أَهَلَّ قبل أن يركب بعد أن يصلي ركعتين فلا حرج عليه؛ لأن الأمر في هذا واسع، ولو أَهَلَّ بعد الركوب بقليل فلا حرج عليه كذلك، ولكن الأفضل الاقتداء بالنبي ﷺ، وإهلاله كان بعد الركوب.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٨١٩)، والنسائي (٢٧٥٤).\n(^٢) تقر يب التهذيب، لابن حجر (ص ١٩٣).","vol":"3","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-526>بَابُ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ ذِي الحُلَيْفَةِ</span>\n\n[١١٨٨] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: بَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذِي الْحُلَيْفَةِ مَبْدَأَهُ، وَصَلَّى فِي مَسْجِدِهَا.\nقوله: «مَبْدَأَهُ»، أي: ابتداء حجه.\nوقوله: «بَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذِي الْحُلَيْفَةِ مَبْدَأَهُ، وَصَلَّى فِي مَسْجِدِهَا» قال القاضي عياض: «ليس المبيت بها من السنن، ولا من حدود الحج، لكن من فعله تأسيًا بالنبى ﷺ فحسن» (^١)، والتحسين حكم شرعي لا بد له من دليل، والصواب أنه مباح.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٤/ ١٨٧).","vol":"3","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-527>بَابُ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ</span>\n\n[١١٨٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ.\n[خ: ١٥٣٩]\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِيَدِي لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِحِلِّهِ وَلِحُرْمِهِ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، قَالَ عَبد: أَخْبَرَنَا، قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ، وَالْقَاسِمَ يُخْبِرَانِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِيَدِي بِذَرِيرَةٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ.\nوقوله: «بِذَرِيرَةٍ» هو الطيب الذي يكون من المسك ودهن العود.\nفي هذه الأحاديث: مشروعية التطيب في وقتين:\nالوقت الأول: قبل أن يحرم.\nوالوقت الثاني: إذا حل من إحرامه يوم العيد إذا رمى جمرة العقبة، وحلق رأسه يسن له أن يتطيب، وكأن الحكمة في ذلك- والله أعلم-: أنه لما طال","vol":"3","page":401},{"text":"المكث في الإحرام، وأن الانسان سيقابل الناسَ؛ شُرع في حق المسلم التطيُّب حتى تكون تطيب رائحته.\nوالطيب يكون في البدن، لا في الإزار، والرداء، وإذا طيب بدنه فله أن يستديمه بعد الإحرام، ولا يضره ذلك ما لم ينقله من مكان إلى مكان.\nوأما حكم الروائح المخلوطة بالكحول إذا كانت نسبة الكحول فيها قليلة فلا بأس باستعمالها، وإذا كثرت فلا يجوز؛ لأنها نجسة.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ بِأَيِّ شَيْءٍ طَيَّبْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِنْدَ حُرْمِهِ؟ قَالَتْ: بِأَطْيَبِ الطِّيبِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِأَطْيَبِ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، ثُمَّ يُحْرِمُ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ بِأَطْيَبِ مَا وَجَدْتُ.\n\n[١١٩٠] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، وَخَلَفُ ابْنُ هِشَامٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، قَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَلَمْ يَقُلْ خَلَفٌ: وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: وَذَاكَ طِيبُ إِحْرَامِهِ.\n[خ: ١٥٣٨]\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُهِلُّ.","vol":"3","page":402},{"text":"وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُلَبِّي.\nحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ، وَعَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَكَأَنِّي أَنْظُرُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيعٍ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنَ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا قَالَتْ: كَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنْ كُنْتُ لَأَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ- وَهُوَ السَّلُولِيُّ- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ- وَهُوَ ابْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعَ ابْنَ الْأَسْوَدِ يَذْكُرُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ يَتَطَيَّبُ بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ، ثُمَّ أَرَى وَبِيصَ الدُّهْنِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الْمِسْكِ فِي مَفْرِقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ.\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\n\n[١١٩١] وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ","vol":"3","page":403},{"text":"﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَيَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ.\n\n[١١٩٢] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو كَامِلٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ الرَّجُلِ يَتَطَيَّبُ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا، فَقَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا، لَأَنْ أَطَّلِيَ بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَأَخْبَرْتُهَا: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا، لَأَنْ أَطَّلِيَ بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِنْدَ إِحْرَامِهِ، ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا.\n[خ: ٢٧٠]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، ثُمَّ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ، وَسُفْيَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: لَأَنْ أُصْبِحَ مُطَّلِيًا بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَأَخْبَرْتُهَا بِقَوْلِهِ، فَقَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَطَافَ فِي نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا.\nقولها: «وَبِيصِ الطِّيبِ»، يعني: لمعان المسك، والسنة أن يكون الطيب في الرأس، واللحية، أما ثياب الإحرام: الإزار، والرداء فلا يطيب، وإذا وقع فيه الطيب يغسل.\nوفي هذا الأحاديث: دليل على أن المسك إذا بقي بعد الإحرام لا يضر.","vol":"3","page":404},{"text":"وفيها: أن ابن عمر ﵄ كان يكره أن يصبح وبه طيب، وخفيت عليه السنة في هذا، فبينت له عائشة ﵂، فَقَالَتْ: «طَيّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَطَافَ فِي نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا»، والقاعدة عند أهل العلم: أن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وأن المثبت مقدم على النافي.\nوفيها: دليل على أن العالم، والمفتي قد يخفى عليه شيء من العلم ويعلمه غيره.","vol":"3","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-528>بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ</span>\n\n[١١٩٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ: أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ- أَوْ بِوَدَّانَ- فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ: فَلَمَّا أَنْ رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا فِي وَجْهِي قَالَ: إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ، إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ.\n[خ: ١٨٢٥]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، وَقُتَيْبَةُ، جَمِيعًا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: أَهْدَيْتُ لَهُ حِمَارَ وَحْشٍ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ، وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَصَالِحٍ: أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ أَخْبَرَهُ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: أَهْدَيْتُ لَهُ مِنْ لَحْمِ حِمَارِ وَحْشٍ.\n\n[١١٩٤] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَهْدَى الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حِمَارَ وَحْشٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: «لَوْلَا أَنَّا مُحْرِمُونَ لَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ».\nوَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ مَنْصُورًا يُحَدِّثُ عَنِ الحكم. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، جَمِيعًا عَنْ حَبِيبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَكَمِ: أَهْدَى الصَّعْبُ بْنُ","vol":"3","page":406},{"text":"جَثَّامَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ رِجْلَ حِمَارِ وَحْشٍ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ: عَجُزَ حِمَارِ وَحْشٍ يَقْطُرُ دَمًا، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ حَبِيبٍ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ شِقُّ حِمَارِ وَحْشٍ فَرَدَّهُ.\n\n[١١٩٥] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ- يَسْتَذْكِرُهُ-: كَيْفَ أَخْبَرْتَنِي عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ أُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ حَرَامٌ؟ قَالَ: قَالَ: أُهْدِيَ لَهُ عُضْوٌ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ فَرَدَّهُ، فَقَالَ: «إِنَّا لَا نَأْكُلُهُ؛ إِنَّا حُرُمٌ».\n\n[١١٩٦] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ- مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ- يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْقَاحَةِ، فَمِنَّا الْمُحْرِمُ وَمِنَّا غَيْرُ الْمُحْرِمِ؛ إِذْ بَصُرْتُ بِأَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا، فَنَظَرْتُ فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ، فَأَسْرَجْتُ فَرَسِي وَأَخَذْتُ رُمْحِي، ثُمَّ رَكِبْتُ فَسَقَطَ مِنِّي سَوْطِي، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي- وَكَانُوا مُحْرِمِينَ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ، فَقَالُوا: وَاللهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَنَزَلْتُ فَتَنَاوَلْتُهُ، ثُمَّ رَكِبْتُ فَأَدْرَكْتُ الْحِمَارَ مِنْ خَلْفِهِ، وَهُوَ وَرَاءَ أَكَمَةٍ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي فَعَقَرْتُهُ، فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُوهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَأْكُلُوهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَامَنَا، فَحَرَّكْتُ فَرَسِي فَأَدْرَكْتُهُ، فَقَالَ: «هُوَ حَلَالٌ فَكُلُوهُ».\n[خ: ١٨٢٣]\nقوله: «أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا» الحمار الوحشي يشبه الحمار الأهلي إلأ أنه متوحش، والحمار الوحشي يجوز أكله بخلاف الحمار الأهلي.\nوالحمار الأهلي كان مباحًا في أول الأمر، ثُمَّ حرم في غزوة خيبر، كما ثبت عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَاءَهُ جَاءٍ، فَقَالَ: أُكِلَتِ","vol":"3","page":407},{"text":"الْحُمُرُ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: أُكِلَتِ الْحُمُرُ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: أُفْنِيَتِ الْحُمُرُ؟ فَأَمَرَ مُنَادِيًا، فَنَادَى فِي النَّاسِ: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَأُكْفِئَتِ الْقُدُورُ، وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِاللَّحْمِ» (^١).\nواختلف العلماء في سبب تحريمها:\nفقال بعضهم: لأنها مركوب الناس فلو أبيح أكلها لانتهى مركوبهم.\nوقال بعضهم: لأنها جلَّالة.\nوالصواب: تحريمها لأنها رجس؛ لأن العلة نص عليها في الخبر، فقال المنادي: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا رِجْسٌ» (^٢).\nأما الحمار الوحشي فصيد، والصيد مباح، لكن المحرِم لا يصيد؛ لأنه من باب الترفه، قال الله تعالى:﴾ أُحل لكم صيد البحر وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ﴿، يعني: ما دمتم محرمين.\nوالصعب ابن جثامة ﵁ كان رجلًا مضيافًا، فلما سمع بمجيء النبي ﷺ وكان ذلك في حجة الوداع صاد له حمارًا وحشيًّا، وأهداه إليه، فرده النبي ﷺ، فكأن الصعب وجد في نفسه شيئًا، وظهر ذلك على وجهه، فلما رأى النبي ﷺ ذلك قال له: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ، إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ».\nوفي هذه الأحاديث: أن أكل الصيد للمحرم من محظورات الإحرام التسعة التي دلَّ عليها الاستقراء والتتبع للنصوص، وهي:\nالمحظور الأول: أخذ شيء من شعر الرأس.\nالمحظور الثاني: تقليم الأظفار.\nالمحظور الثالث: تغطية الرأس.\nالمحظور الرابع: لبس المخيط.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤١٩٩)، ومسلم (١٩٤٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤١٩٨)، ومسلم (١٩٤٠).","vol":"3","page":408},{"text":"المحظور الخامس: استعمال الطيب في بدنه، أو ثوبه، أو أكله، أو شربه.\nالمحظور السادس: قتل الصيد.\nالمحظور السابع: عقد النكاح، فلا يعقد لا لنفسه ولا لغيره، بل ولا يكون شاهدًا.\nالمحظور الثامن: مباشرة المرأة دون جماع.\nالمحظور التاسع- وهو أشدها وأغلظها-: الجماع.\nوهذه التسعة حرام على الرجل، أما المرأة فإنه لا يحرم عليها لبس المخيط وتغطية رأسها ووجهها، لكن من غير نقاب، وتغطي- أيضًا- رجليها بالشراب، لكنها لا تغطي يديها؛ لقول النبي ﷺ: «وَلَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ» (^١)، لكن تغطي يديها بثيابها، ووجهها بخمارها إذا مرَّ بها الرجال الأجانب، وأما بقية المحظورات فهي على الرجال، والنساء.\nوفيها: دليل على أن الإنسان إذا فعل شيئًا، أو رد هدية فعليه أن يبين السبب في ذلك لصاحبه.\nوفيها: أنه أهداه حمارًا حيًّا، وفي بعض الروايات أنه أهداه رِجْلَ حمار، أو عَجُزَ حمار، أو عضو حمار (^٢).\nوأما لحم الصيد فإن صاده المحرم أو صِيد له فهو حرام، سواء صيد له بإذنه، أو بغير إذنه، أما إن صاده الإنسان لنفسه، ولم يقصد المحرم، ثُمَّ أهدى له من لحمه، أو باعه له- لم يحرم عليه هذا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٣٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (١١٩٤).","vol":"3","page":409},{"text":"وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ نَافِعٍ- مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ- عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ، ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ فَقَتَلَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبَى بَعْضُهُمْ، فَأَدْرَكُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللهُ».\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ فِي حِمَارِ الْوَحْشِ، مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ؟ .\nوَحَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: انْطَلَقَ أَبِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ يُحْرِمْ، وَحُدِّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ عَدُوًّا بِغَيْقَةَ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِهِ يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؛ إِذْ نَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَطَعَنْتُهُ، فَأَثْبَتُّهُ، فَاسْتَعَنْتُهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي، فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ، وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ، فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْوًا، وَأَسِيرُ شَأْوًا، فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: أَيْنَ لَقِيتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ، وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا، فَلَحِقْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَصْحَابَكَ يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللهِ، وَإِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ، انْتَظِرْهُمْ فَانْتَظَرَهُمْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَدْتُ وَمَعِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْقَوْمِ: «كُلُوا، وَهُمْ مُحْرِمُونَ».\n[خ: ١٨٢١]","vol":"3","page":410},{"text":"حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَاجًّا وَخَرَجْنَا مَعَهُ، قَالَ: فَصَرَفَ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ، فَقَالَ: خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ حَتَّى تَلْقَوْنِي، قَالَ: فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا قِبَلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ، إِلَّا أَبَا قَتَادَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ، فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلُوا فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا، قَالَ: فَقَالُوا: أَكَلْنَا لَحْمًا وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ! قَالَ: فَحَمَلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الْأَتَانِ، فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا، وَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ، فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، فَقُلْنَا: نَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ ! فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا، فَقَالَ: «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ؟» قَالَ: قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا».\n[خ: ١٨٢٤]\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ شَيْبَانَ، جَمِيعًا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ مَوْهَبٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟»، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ: قَالَ: «أَشَرْتُمْ، أَوْ أَعَنْتُمْ، أَوْ أَصَدْتُمْ؟»، قَالَ شُعْبَةُ: لَا أَدْرِي قَالَ: «أَعَنْتُمْ، أَوْ أَصَدْتُمْ».\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ- وَهُوَ ابْنُ سَلَّامٍ- أَخْبَرَنِي يَحْيَى، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَاهُ ﵁ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَزْوَةَ الْحُدَيْبِيَةِ، قَالَ: فَأَهَلُّوا بِعُمْرَةٍ غَيْرِي، قَالَ: فَاصْطَدْتُ حِمَارَ وَحْشٍ، فَأَطْعَمْتُ أَصْحَابِي، وَهُمْ مُحْرِمُونَ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَنْبَأْتُهُ أَنَّ عِنْدَنَا مِنْ لَحْمِهِ فَاضِلَةً، فَقَالَ: «كُلُوهُ»، وَهُمْ مُحْرِمُونَ.","vol":"3","page":411},{"text":"حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁: أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُمْ مُحْرِمُونَ، وَأَبُو قَتَادَةَ مُحِلٌّ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَقَالَ: «هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟»، قَالُوا: مَعَنَا رِجْلُهُ، قَالَ: فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَكَلَهَا.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَإِسْحَاقُ عَنْ جَرِيرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ أَبُو قَتَادَةَ فِي نَفَرٍ مُحْرِمِينَ، وَأَبُو قَتَادَةَ مُحِلٌّ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: قَالَ: «هَلْ أَشَارَ إِلَيْهِ إِنْسَانٌ مِنْكُمْ، أَوْ أَمَرَهُ بِشَيْءٍ؟»، قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَكُلُوا».\nوقوله ﷺ: «هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ» قال لهم هذا؛ ليطيب نفوسهم ﵃.\nوقوله: «أَشَرْتُمْ، أَوْ أَعَنْتُمْ، أَوْ أَصَدْتُمْ؟»، يعني: هل أمرتم بالصيد، أو جعلتموه يصيده لأجلكم؟\nفي هذه الأحاديث: أنهم جاز لهم الأكل من حمار الوحش؛ لأنهم لم يشيروا على أبي قتادة ﵁، ولم يعينوه، ولم يساعدوه على صيده، ولكن لو ساعدوه، أو أشاروا عليه ما أحل لهم الأكل منه؛ ولهذا لما سقط سوطه «سَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ فَأَبَوْا عَلَيْهِ»، أي: لم يساعدوه بشيء.\nوفيها: بيان أن مجرد الضحك للمحرم ليس فيه إشارة بالصيد.\nقال العلماء: وإنما ضحكوا تعجبًا من عروض الصيد، ولا قدرة لهم عليه؛ لمنعهم منه، وبوب البخاري باب: لا يشير المحرم إلى الصيد لكي يصطاده الحلال، وساق هذا الحديث (^١).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣/ ١٢).","vol":"3","page":412},{"text":"[١١٩٧] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، وَنَحْنُ حُرُمٌ، فَأُهْدِيَ لَهُ طَيْرٌ، وَطَلْحَةُ رَاقِدٌ، فَمِنَّا مَنْ أَكَلَ، وَمِنَّا مَنْ تَوَرَّعَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ وَفَّقَ مَنْ أَكَلَهُ، وَقَالَ: أَكَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.\nقوله: «عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ»: هو ابن عم أبي بكر الصديق ﵁، فهما تيميان.\nوقوله: «وَفَّقَ مَنْ أَكَلَهُ»، يعني: أقره على ذلك، وأخبره بأنه وافق الصواب، وقال: لا بأس بأكله، وهذا محمول على أنهم لم يعينوه، ولم يشيروا عليه، ولم يصد لأجلهم.","vol":"3","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-529>بَابُ مَا يَنْدُبُ لِلْمُحْرِمِ وَغَيْرِهِ قَتْلُهُ مِنَ الدَّوَابِّ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ</span>\n\n[١١٩٨] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ مِقْسَمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «أَرْبَعٌ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» قَالَ: فَقُلْتُ لِلْقَاسِمِ: أَفَرَأَيْتَ الْحَيَّةَ؟ قَالَ: تُقْتَلُ بِصُغْرٍ لَهَا.\n[خ: ١٨٢٩]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ- حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْحُدَيَّا، وَالْغُرَابُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحُدَيَّا، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِ خَمْسِ فَوَاسِقَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ.","vol":"3","page":414},{"text":"وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهَا فَوَاسِقُ تُقْتَلُ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ: الْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ».\nوقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ: «فِي الْحُرُمِ وَالْإِحْرَامِ».\n\n[١٢٠٠] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَتْ حَفْصَةُ- زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ-: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهَا فَاسِقٌ، لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الْعَقْرَبُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ».\n[خ: ١٨٢٨]\nحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ: مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ؟ فَقَالَ: أَخْبَرَتْنِي إِحْدَى نِسْوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ- أَوْ: أُمِرَ- أَنْ يَقْتُلَ الْفَأْرَةَ، وَالْعَقْرَبَ، وَالْحِدَأَةَ، وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَالْغُرَابَ.\nحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ: مَا يَقْتُلُ الرَّجُلُ مِنَ الدَّوَابِّ، وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ قَالَ: حَدَّثَتْنِي إِحْدَى نِسْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَالْفَأْرَةِ، وَالْعَقْرَبِ، وَالْحُدَيَّا، وَالْغُرَابِ، وَالْحَيَّةِ. قَالَ: وَفِي الصَّلَاةِ- أَيْضًا.\n\n[١١٩٩] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ».","vol":"3","page":415},{"text":"وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِنَافِعٍ: مَاذَا سَمِعْتَ ابْنَ عُمَرَ يُحِلُّ لِلْحَرَامِ قَتْلَهُ مِنَ الدَّوَابِّ؟ فَقَالَ لِي نَافِعٌ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي قَتْلِهِنَّ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ- يَعْنِي: ابْنَ حَازِمٍ- جَمِيعًا عَنْ نَافِعٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: عَنْ نَافعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِلَّا ابْنُ جُرَيْجٍ وَحْدَهُ، وَقَدْ تَابَعَ ابْنَ جُرَيْجٍ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَحَدَّثَنِيهِ فَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ، وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «خَمْسٌ لَا جُنَاحَ فِي قَتْلِ مَا قُتِلَ مِنْهُنَّ فِي الْحَرَمِ»، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى ابْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، قَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَمْسٌ مَنْ قَتَلَهُنَّ وَهُوَ حَرَامٌ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيهِنَّ: الْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحُدَيَّا» - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى بْنِ يَحْيَى.\nقوله: «بِصُغْرٍ لَهَا»، أي: بمذلةٍ وقهرٍ لها.","vol":"3","page":416},{"text":"في هذه الأحاديث: جواز قتل هذه الفواسق في الحل والحرم.\nوأصل الفسق: الخروج عن الشيء، وهؤلاء فواسق لخروجهم عن طباع غيرهم بالإيذاء، فَحَلّ قتلهم في الحل، والحرم، ويلحق بذلك: الحية والحدأة: وهي طائر معروف ينزل ويسرق بعض الأشياء من الأرض، ويخطف اللحم، وغيره، وجاء في بعض الروايات، «السَّبُعَ الْعَادِيَ» (^١) وفي بعض الروايات «الْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ» (^٢)، ويقاس عليها كل ما جاء في معناها فيجوز قتله.\nفالفأرة خرجت عن طباع غيرها بالإيذاء وتخريب الأشياء التي في البيت.\nوالعقرب، والحية: باللدغ، وهو: عض الحَيَّة وَالعَقْرَب، وَقيل: اللَّدغ بالفم، واللَّسْع بالذنَب (^٣).\nوالكلب العقور: بعقر الناس وإيذائهم.\nوالغراب: بأكل سنابل الزرع، ونقر التبر الذي في ظهر البعير وإعادة الجرح من جديد.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٠٩٩٠)، وأبو داود (١٨٤٨)، والترمذي (٨٣٨)، وابن ماجه (٣٠٨٩).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٠٣٥٧)، وأبو داود (٩٢١)، والترمذي (٣٩٠)، والنسائي (١٢٠٢).\n(^٣) المحكم، لابن سيده (٥/ ٤٦٦).","vol":"3","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-530>بَابُ جَوَازِ حَلْقِ الرَّأْسِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا كَانَ بِهِ أَذًى، وَوُجُوبِ الْفِدْيَةِ لِحَلْقِهِ، وَبَيَانِ قَدْرِهَا</span>\n\n[١٢٠١] وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ- عَنْ أَيُّوبَ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ- قَالَ الْقَوَارِيرِيُّ-: قِدْرٍ لِي، وقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: بُرْمَةٍ لِي، وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاحْلِقْ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً». قَالَ أَيُّوبُ: فَلَا أَدْرِي بِأَيِّ ذَلِكَ بَدَأَ.\n[خ: ١٨١٤]\nحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: «ادْنُهْ»، فَدَنَوْتُ، فَقَالَ: «ادْنُهْ»، فَدَنَوْتُ، فَقَالَ ﷺ: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟»، قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَأَظُنُّهُ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَمَرَنِي بِفِدْيَةٍ مِنْ صِيَامٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ نُسُكٍ مَا تَيَسَّرَ».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَيْفٌ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، حَدَّثَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ عَلَيْهِ، وَرَأْسُهُ يَتَهَافَتُ قَمْلًا، فَقَالَ: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاحْلِقْ رَأْسَكَ» قَالَ: فَفِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ","vol":"3","page":418},{"text":"نُسُكٍ﴾، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ مَا تَيَسَّرَ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، وَأَيُّوبَ، وَحُمَيْدٍ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِهِ وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ وَهُوَ يُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ، وَالْقَمْلُ يَتَهَافَتُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ هَذِهِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاحْلِقْ رَأْسَكَ، وَأَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ- وَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ- أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً». قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: «أَوِ اذْبَحْ شَاةً».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ لَهُ: «آذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟» قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «احْلِقْ رَأْسَكَ، ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكًا، أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ: قَعَدْتُ إِلَى كَعْبٍ ﵁ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، فَقَالَ كَعْبٌ ﵁: نَزَلَتْ فِيَّ، كَانَ بِي أَذًى مِنْ رَأْسِي، فَحُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ الْجَهْدَ بَلَغَ مِنْكَ مَا أَرَى، أَتَجِدُ شَاةً؟»، فَقُلْتُ: لَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قَالَ: «صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، نِصْفَ صَاعٍ طَعَامًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ». قَالَ: فَنَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً، وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً.\n[خ: ٤٥١٧]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي","vol":"3","page":419},{"text":"زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مَعْقِلٍ، حَدَّثَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ ﵁: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُحْرِمًا، فَقَمِلَ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَدَعَا الْحَلَّاقَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «هَلْ عِنْدَكَ نُسُكٌ؟» قَالَ: مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ يُطْعِمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينَيْنِ صَاعٌ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِيهِ خَاصَّةً: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾، ثُمَّ كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً.\nفي هذه الأحاديث: دليل على أن المحرم إذا احتاج إلى فعل محظور من محظورات الإحرام فله فعله، وعليه فدية، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.\nوبيَّن النبي ﷺ أن الفدية تكون بصيام ثلاثة أيام، أو بالصدقة- وهي إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع-، أو يذبح نُسُكًا، والإنسان مخير بين هذه الثلاث.\nوقاس العلماء على حلق الرأس بقية المحظورات، فإذا احتاج المحرم إلى فعلها كتقليم الأظفار، وتغطية الرأس، ولبس المخيط، والطِّيب، فله أن يفعلها وعليه فدية.\nوأما إذا فعلها ناسيًا، أو جاهلًا، فالصواب: أنه لا شيء عليه.\nأما الصيد فيختلف باختلاف الشيء المصيد، فلكل صيد جزاء يخصه، وأما عقد النكاح فعليه إثم ولا فدية عليه، وأما الجماع ففيه تفصيل سيأتي.","vol":"3","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-531>بَابُ جَوَازِ الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ</span>\n\n[١٢٠٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ.\n\n[١٢٠٣] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ- بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ- وَسَطَ رَأْسِهِ.\n[خ: ١٨٣٦]\nفي هذه الأحاديث: جواز الحجامة للمحرم في الرأس وغيره إذا كان له عذر.\nوفيها: أن ما يؤخذ من الشعر لمكان الحجامة شيء يسير لا شيء فيه، وإن كفَّر عنه بإطعام فهو أفضل.\nوما يذكره الفقهاء من وجوب الفدية على من أخذ ثلاث شعرات فهو اجتهاد لا دليل عليه؛ لأنه لم يأت في الحديث أن النبي ﷺ لما احتجم فدى، فدل على أنه معفو عنه.","vol":"3","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-532>بَابُ جَوَازِ مُدَاوَاةِ الْمُحْرِمِ عَيْنَيْهِ</span>\n\n[١٢٠٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَلَلٍ، اشْتَكَى عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ عَيْنَيْهِ، فَلَمَّا كُنَّا بِالرَّوْحَاءِ اشْتَدَّ وَجَعُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يَسْأَلُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَنِ اضْمِدْهُمَا بِالصَّبِرِ؛ فَإِنَّ عُثْمَانَ ﵁ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: فِي الرَّجُلِ إِذَا اشْتَكَى عَيْنَيْهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ ضَمَّدَهُمَا بِالصَّبِرِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنِي نُبَيْهُ بْنُ وَهْبٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مَعْمَرٍ رَمِدَتْ عَيْنُهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَكْحُلَهَا، فَنَهَاهُ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُضَمِّدَهَا بِالصَّبِرِ، وَحَدَّثَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ.\nفي هذا الحديث: أنه لا بأس بعلاج العين للمحرم بالقطرة، وما أشبهها، وكذلك له أن يداوي الجروح التي في جسمه بغير الطيب، وله أن يكحل عينه بكحل ليس فيه طيب ولا جمال.\nأما نهي أبان ﵁ عن الكحل فهذا اجتهاد منه.\nوالصواب: أنه لا بأس به للصائم، وللمحرم.","vol":"3","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-533>بَابُ جَوَازِ غَسْلِ الْمُحْرِمِ بَدَنَهُ، وَرَأْسَهُ</span>\n\n[١٢٠٥] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ابْنُ سَعِيدٍ- وَهَذَا حَدِيثُهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ- عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ: أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاءِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، فَأَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ، وَهُوَ يَسْتَتِرُ بِثَوْبٍ، قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، أَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ ﵁ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ: اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَفْعَلُ.\n[خ: ١٨٤٠]\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: فَأَمَرَّ أَبُو أَيُّوبَ بِيَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ جَمِيعًا، عَلَى جَمِيعِ رَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، فَقَالَ الْمِسْوَرُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لَا أُمَارِيكَ أَبَدًا.\nفي هذا الحديث: دليل على جواز غسل المحرم رأسه، حتى ولو سقط منه شعر فلا شيء عليه؛ لأنه فعل ما أُذن له فيه.\nوفيه: الرجوع إلى أهل العلم عند الاختلاف؛ فعن عبد الله بن عباس ﵄،","vol":"3","page":423},{"text":"والمسور بن مخرمة ﵁: أنهما لما اختلفا بالأبواء رجعا إلى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁- وهو صحابي كبير- فأخبر: أنَّ النبي ﷺ كان يغسل رأسه «فَقَالَ الْمِسْوَرُ- لِابْنِ عَبَّاسٍ-: لَا أُمَارِيكَ أَبَدًا»، يعني: لا أجادلك بعد هذا فأنت أعلم مني؛ لأن الصواب كان مع ابن عباس ﵄.\nوفيه: دليل على أنه لا بأس بالإعانة على الوضوء؛ لهذا قال أبو أيوب ﵁: «اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ».\nوفيه: الرجوع إلى الكتاب، والسنة، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ فلما تنازع ابن عباس ﵄ مع المسور بن مخرمة ﵁، وظهر الحق مع ابن عباس ﵄ رجع المسور بن مخرمة ﵁ إلى السُّنة التي بينها له أبو أيوب الأنصاري ﵁.","vol":"3","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-534>بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ</span>\n\n[١٢٠٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: خَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَعِيرِهِ، فَوُقِصَ فَمَاتَ، فَقَالَ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا».\n[خ: ١٢٦٥]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَأَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعَرَفَةَ؛ إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، قَالَ أَيُّوبُ: فَأَوْقَصَتْهُ، أَوَ قَالَ: فَأَقْعَصَتْهُ، وَقَالَ عَمْرٌو: فَوَقَصَتْهُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ». قَالَ أَيُّوبُ: فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا، وَقَالَ عَمْرٌو: فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي.\nوَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: نُبِّئْتُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَجُلًا كَانَ وَاقِفًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَذَكَرَ نَحْوَ مَا ذَكَرَ حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ.\nوَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى- يَعْنِي: ابْنَ يُونُسَ- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ حَرَامًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَخَرَّ مِنْ بَعِيرِهِ، فَوُقِصَ وَقْصًا فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَأَلْبِسُوهُ ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي».\nوَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ حَرَامٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ","vol":"3","page":425},{"text":"يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا»، وَزَادَ- لَمْ يُسَمِّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ-: حَيْثُ خَرَّ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَجُلًا أَوْقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، وَلَا وَجْهَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَجُلًا كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُحْرِمًا، فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّدًا».\nقوله: «أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ» هشيم هذا مدلس، لكن خرج له الشيخان بالاختيار؛ أي: أن الشيخين انتقيا من حديثه ما ثبت؛ لأنهما لا يرويان إلا عمن ثبت سماعه.","vol":"3","page":426},{"text":"وَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُغْسَلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَلَا يُمَسَّ طِيبًا، وَلَا يُخَمَّرَ رَأْسُهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّدًا.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافعٍ، قَالَ ابْنُ نَافِعٍ: أَخْبَرَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بِشْرٍ يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، يُحَدِّثُ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَوَقَعَ مِنْ نَاقَتِهِ فَأَقْعَصَتْهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُغْسَلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَأَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا يُمَسَّ طِيبًا، خَارِجٌ رَأْسُهُ.\nقَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ حَدَّثَنِي بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: خَارِجٌ رَأْسُهُ وَوَجْهُهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّدًا.\nحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: وَقَصَتْ رَجُلًا رَاحِلَتُهُ، وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَأَنْ يَكْشِفُوا وَجْهَهُ- حَسِبْتُهُ قَالَ-: «وَرَأْسَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ يُهِلُّ».\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ، فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ، فَمَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اغْسِلُوهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، وَلَا تُغَطُّوا وَجْهَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُلَبِّي».\nوقوله: «وَلَا تُحَنِّطُوهُ»، أي: لا تمسوه بالحنوط، والحنوط: أخلاط من الطيب تجعل للميت.\nوقوله: «فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا»، أي: يبقى على إحرامه.","vol":"3","page":427},{"text":"وقوله: «مُلَبِّدًا»، وفي اللفظ الآخر: «مُلَبِّيًا»، يعني: أن يجعل على رأسه شيئًا يجمعه كتلة واحدة كالصمغ، أو الخطمي: وهما نباتٌ يُغْسَلُ به الرأْسُ وفيه لزوجة (^١).\nفي هذه الأحاديث: دليل على أن المحرم إذا مات يُجنب الطيب، وتغطية الرأس، كما ذكر ذلك النووي ﵀ (^٢)، خلافًا لبعض المذاهب (^٣).\nوفيها: استحباب الغسل بالماء والسدر للميت.\nوفيها: أن المحرم إذا مات فالأفضل أن يكفن في ثوبين: الإزار، والرداء، ولا يزاد عليهما، وأما غير المحرم فإنه يلف في ثلاث لفائف، والمرأة في خمس بالخمار.\nوفيها: دليل على أنه لا يشرع إكمال بقية الحج على الميت؛ لأنه لو شرع إكمال بقية الحج عنه لصار متحللًا من إحرامه ولم يكن ملبيًا، والحالة هذه.\n_________\n(^١) لسان العرب، لابن منظور (١٢/ ١٨٨).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٨/ ١٢٧).\n(^٣) حاشية الدر المختار، لابن عابدين (٢/ ٤٨٨).","vol":"3","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-535>بَابُ جَوَازِ اشْتِرَاطِ الْمُحْرِمِ التَّحَلُّلَ بِعُذْرِ الْمَرَضِ، وَنَحْوِهِ</span>\n\n[١٢٠٧] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهَا: «أَرَدْتِ الْحَجَّ؟»، قَالَتْ: وَاللهِ مَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً، فَقَالَ لَهَا: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي»، وَكَانَتْ تَحْتَ الْمِقْدَادِ.\n[خ: ٥٠٨٩]\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، وَأَنَا شَاكِيَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي: أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي».\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مِثْلَهُ.\n\n[١٢٠٨] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، وَأَبُو عَاصِمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا، وَعِكْرِمَةَ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵂ أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ ثَقِيلَةٌ، وَإِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: «أَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَاشْتَرِطِي: أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسُنِي». قَالَ: فَأَدْرَكَتْ.\nحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ ضُبَاعَةَ أَرَادَتِ الْحَجَّ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَشْتَرِطَ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.","vol":"3","page":429},{"text":"وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، وَهُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا رَبَاحٌ- وَهُوَ ابْنُ أَبِي مَعْروفٍ- عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ- لِضُبَاعَةَ-: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي: أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسُنِي»، وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ: أَمَرَ ضُبَاعَةَ.\nقوله: «فَأَدْرَكَتْ»، يعني: أتمَّت الحج، ولم يصبها شيء.\nوقولها: «وَأَنَا شَاكِيَةٌ»، يعني: مريضة.\nوضُبَاعَةَ هي بنت الزبير بن عبد المطلب ﵁، ابنة عم النبي ﷺ، وكانت زوجة المقداد وكان مولى من الموالي أسودَ، وهي حرة قرشية، فدل على أنه لا يشترط الكفاءة في النكاح، فلا بأس بأن تتزوج الحرة القرشية مولى من الموالي.\nوقد ذهب جمهور العلماء إلى جواز الاشتراط في الحج (^١)، قال في الروض المربع: «ويستحب قوله: اللهم إني أريد نسك كذا، أي أن يعين ما يحرم به ويلفظ به، وأن يقول: (فيسره لى) وتقبله مني، وأن يشترط، فيقول: (وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني») (^٢)، والتلفظ بالنية بدعة؛ إذ النية لا يُتلفظ بها، ولكنه يظهر نيته في تلبيته، فيقول: لبيك عمرة، أو لبيك حج.\nوفائدة الاشتراط: أنه إذا حصل له مانع من إكمال بقية الحج كمرض، أو غيره فإنه يخرج من إحرامه، ولا شيء عليه؛ لأنه اشترط على ربه، وله شرطه.\n_________\n(^١) بدائع الصنائع، للكاساني (٢/ ١٧٥ - ١٧٧)، المجموع، للنووي (٨/ ٣١٠)، المغني، لابن قدامة (٣/ ٢٦٥).\n(^٢) الروض المربع، للبهوتي (ص ٢٥٣).","vol":"3","page":430},{"text":"وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وجماعة إلى أنه لا يشترط إلا إذا كان خائفًا من عدم إكمال المناسك، أو مريضًا، وقالوا: حديث ضُبَاعَةَ مقيد بالحالة التي ورد فيها، قال شيخ الإسلام: «لو اشترط وهو لا يخاف لا يقع الشرط» (^١).\nفي هذه الأحاديث: دليل على مشروعية اشتراط الحج إذا كان خائفًا ألا يتم أعمال الحج؛ لكونه مريضًا، فيقول: لبيك عمرة، أو لبيك حجًّا، وإن حبسني حابس فـ «مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي»، ولهذا القول وجهان:\nالوجه الأول: أنه يقول: موضع إحلالي من الأرض حيث حبستني.\nالوجه الثاني: أن يقول: إن حبستني فلي أن أحل، فيجعل الخيار له إن شاء حل، وإن شاء لم يحل.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٢/ ٢٢٢).","vol":"3","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-536>بَابُ إِحْرَامِ النُّفَسَاءِ، وَاسْتِحْبَابِ اغْتِسَالِهَا لِلْإِحْرَامِ، وَكَذَا الْحَائِضُ</span>\n\n[١٢٠٩] حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: نُفِسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ يَأْمُرُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، وَتُهِلَّ.\n\n[١٢١٠] حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ حِينَ نُفِسَتْ بِذِي الْحُلَيْفَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ ﵁، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ.\nقولها: «نُفِسَتْ» بضم النون وكسر الفاء يعني: ولدتْ، قال النووي: «وهذا هو المعروف في الرواية وهو الصحيح المشهور في اللغة، أنَّ نَفِست بفتح النون وكسر الفاء معناه: حاضت، وأما في الولادة فيقال: نُفِست بضم النون وكسر الفاء- أيضًا» (^١) وسميت الولادة نفاسًا؛ لأنها خرجت منها نَفْس، وهو الولد.\nوقولها: «بِالشَّجَرَةِ»، يعني: بذي الحليفة.\nهذا الحديث فيه: دليل على مشروعية الاغتسال للمحرم حتى وإن كانت المرأة حائضًا أو نفساءَ فإنها تغتسل، كما أمر النبي ﷺ «أَبَا بَكْرٍ يَأْمُرُهَا»، أي: يأمر أسماء بنت عميس ﵂ «أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ»، وثبت عن النبي ﷺ أنه «تَجَرَّدَ\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٣/ ٢٠٧).","vol":"3","page":432},{"text":"لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ» (^١)، قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقد استحب قوم من أهل العلم الاغتسال عند الإحرام، وبه يقول الشافعي (^٢).\nوإذا كانت الحائض والنفساء مأمورتين بالاغتسال، فغيرهما من باب أولى.\nوهذا الاغتسال للإحرام، فإذا طهرت الحائض والنفساء بعد ذلك فإنها تغتسل غسل الحيض والنفاس.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٨٣٠)، وابن خزيمة (٢٥٩٥).\n(^٢) سنن الترمذي (٢/ ١٨٤).","vol":"3","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-537>بَابُ بَيَانِ وُجُوهِ الْإِحْرَامِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ إِفْرَادُ الْحَجِّ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، وَجَوَازِ إِدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَمَتَى يَحِلُّ الْقَارِنُ مِنْ نُسُكِهِ</span>\n\n[١٢١١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا»، قَالَتْ: فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ»، قَالَتْ: فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ: «هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ»، فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا.\n[خ: ١٥٥٦]\nقولها: «ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ» المراد بالطواف هنا: هو السعي، فهو طواف بين الصفا، والمروة، وليس المراد به: الطواف بالبيت؛ لأن طواف الإفاضة واجب على الجميع، أي: على المفردين، والقارنين، والمتمتعين إذا رجعوا من منى.\nفي هذا الحديث: أن للمرأة المحرمة أن تنقض رأسها، وتمتشط.\nوفيه: دليل على أن المرأة إذا أحرمت بعمرة، ثُمَّ نزل عليها الدم فإنها تبقى في البيت، ولا تدخل البيت الحرام حتى تطهر، فإذا طهرت اغتسلت،","vol":"3","page":434},{"text":"وطافت وسعت، وقصرت، وتحللت، فإن كانت متمتعة فعلت ذلك، فإذا جاء الحج وهي على حالها، وجاء اليوم الثاني ولم تطهر فإنها تغتسل، وتلبي للحج، وتدخل الحج على العمرة فتكون قارنة، كما فعلت عائشة ﵂ بأمر النبي ﷺ.\nوفيه: دليل على أن المتمتع عليه سعيان: سعي للعمرة، وسعي للحج، وأما القارن فعليه سعي واحد لحجه، وعمرته.\nوفيه: الرد على من قال: إن المتمتع عليه سعي واحد؛ لأن عائشة ﵂ صرحت بأن الذين أحلوا من عمرتهم «طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ»، أي: سعوا سعيًا آخر بين الصفا والمروة، خلافًا لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الذي يرى أن المتمتع ليس عليه إلا سعي واحد كالقارن، والمفرد؛ لهذا قال ﵀: «وليس على المفرد إلا سعي واحد وكذلك القارن عند جمهور العلماء وكذلك المتمتع في أصح أقوالهم وهو أصح الروايتين عند أحمد وليس عليه إلا سعي واحد فإن الصحابة الذين تمتعوا مع النبي ﷺ لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا مرة واحدة قبل التعريف» (^١).\nوفيه: مشروعية فسخ الحج إلى العمرة، يعني: يشرع لمن أحرم بالحج مفردًا، أو بالحج والعمرة قارنًا أن يفسخ إحرامه، ويجعلها عمرة، إلا إذا كان معه هدي فإنه يبقى على إحرامه، كما أمر النبي ﷺ الصحابة الذين أحرموا بالحج مفردين، أو قارنين أن يفسخوا الحج إلى عمرة ويطوفوا، ويسعوا ويقصروا، ويتحللوا إلا من ساق الهدي.\nوالنبي ﷺ ألزمهم بالفسخ؛ لإزالة اعتقاد أهل الجاهلية؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن فسخ الحج إلى العمرة من أفجر الفجور.\nمسألة: ذهب ابن عباس ﵄ إلى أن التمتع واجب، وتبعه على هذا ابن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٦/ ١٣٨).","vol":"3","page":435},{"text":"القيم ﵀ (^١)، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ (^٢).\nوأما الجمهور فإنهم يرون أن الإنسان مخير بين أن يحرم بالعمرة وحدها، أو بالحج وحده، أو بالعمرة والحج معًا سواء كان متمتعًا أو قارنًا.\nوفيه: أن عائشة ﵂ حُسبت لها عمرتان: عمرة قبل الحج، وعمرة بعد الحج، أما العمرة التي قبل الحج فهي داخلة في الحج، والعمرة الثانية مستقلة.\nوفيه: دليل على أن المعتمر إذا أراد أن يحرم بالعمرة وهو في مكة فإنه يخرج إلى الحل، سواء إلى التنعيم، أو إلى غيره؛ لهذا قالت عائشة ﵂: «فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ» أما الإحرام بالحج فإنه يحرم من مكانه، كما في حديث ابن عباس ﵄ السابق أن النبي ﷺ لما وقَّت المواقيت قال: «فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ» (^٣).\n_________\n(^١) زاد المعاد، لابن القيم (٢/ ١٠٨).\n(^٢) مناسك الحج والعمرة، للألباني (ص ٧).\n(^٣) تقدم برقم (١١٨١).","vol":"3","page":436},{"text":"وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ ابْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَلَمْ يُهْدِ فَلْيَحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ»، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَحِضْتُ، فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي، وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِحَجٍّ، وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ»، قَالَتْ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا قَضَيْتُ حَجَّتِي، بَعَثَ مَعِي رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مِنَ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي، الَّتِي أَدْرَكَنِي الْحَجُّ وَلَمْ أَحْلِلْ مِنْهَا.\n[خ: ٣١٩]\nاحتج كثير من العلماء بهذا الحديث على أنه لا بأس بالعمرة من مكة، وبالعمرتين في شهر واحد.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وأما المقيم بمكة فكثرة الطواف بالبيت أفضل له من العمرة المكية كما كان الصحابة يفعلون إذا كانوا مقيمين بمكة كانوا يستكثرون من الطواف ولا يعتمرون عمرة مكية فالصحابة الذين استحبوا الإفراد كعمر بن الخطاب وغيره إنما استحبوا أن يسافر سفرا آخر للعمرة؛ ليكون للحج سفر على حدة وللعمرة سفر على حدة» (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٦/ ٤٥ - ٤٦).","vol":"3","page":437},{"text":"[١٢١١] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، وَلَمْ أَكُنْ سُقْتُ الْهَدْيَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ عُمْرَتِهِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا»، قَالَتْ: فَحِضْتُ، فَلَمَّا دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ أَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِحَجَّتِي؟ قَالَ: «انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عَنِ الْعُمْرَةِ وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ»، قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَيْتُ حَجَّتِي أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَأَرْدَفَنِي، فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي أَمْسَكْتُ عَنْهَا.\nقوله: «وَأَمْسِكِي عَنِ الْعُمْرَةِ»، أي: عن أفعالها، وأدخلي عليها الحج.\nفي هذا الحديث: جواز الإرداف على الدابة، وأنه لا بأس للمحرم أن يردف بعض محارمه من النساء خلفه.\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ»، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ مَعَهُ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِعُمْرَةٍ، وَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ.\nقولها: «فَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحَجٍّ» هذا وهمٌ منها ﵂، والصواب: أنه أهل بالحج والعمرة جميعًا؛ لأنه ثبت أنه ﷺ أهلَّ بالعمرة والحج معًا في","vol":"3","page":438},{"text":"بضعة عشرة حديثًا.\nأو أنه أهل بالحج أولًا، ثُمَّ أدخل العمرة عليها.\nوليس الفسخ إبطالًا للإحرام من أصله بل نقله بالحج إلى العمرة، وكما جاء في الحديث: «اجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَأَحَلَّ النَّاسُ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ».\nقال سلمة بن شبيب لأحمد: كل شيء منك حسن جميل إلا خلة واحدة، قال: ما هي؟ قال تقول: بفسخ الحج، قال: كنت أرى أن لك عقلًا، عندي ثمانية عشر حديثًا صحاحًا جيادًا، كلها في فسخ الحج، أتركها لقولك؟ (^١).\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ»، قَالَتْ: فَكَانَ مِنَ الْقَوْمِ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ قَالَتْ: فَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ، وَأَنَا حَائِضٌ، لَمْ أَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِي، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ»، قَالَتْ: فَفَعَلْتُ فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ، وَقَدْ قَضَى اللهُ حَجَّنَا، أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْدَفَنِي وَخَرَجَ بِي إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، فَقَضَى اللهُ حَجَّنَا وَعُمْرَتَنَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَا صَوْمٌ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مُوَافِينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ، لَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ\n_________\n(^١) الكافي، لابن قدامة (١/ ٤٨٠)، طبقات الحنابلة، لابن أبي يعلى (١/ ١٦٨ - ١٦٩).","vol":"3","page":439},{"text":"بِعُمْرَةٍ»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدَةَ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ، مِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ، فَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا، وقَالَ فِيهِ: قَالَ عُرْوَةُ فِي ذَلِكَ: إِنَّهُ قَضَى اللهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، قَالَ هِشَامٌ: وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صِيَامٌ، وَلَا صَدَقَةٌ.\nقولها: «الحَصْبَةِ»، أي: الوادي الذي فيه الحصباء، الذي نزل فيه النبي ﷺ من منى يوم الثالث عشر، وتسمى بالأبطح، وخيف بني كنانة.\nوقول عائشة ﵂: «وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَا صَوْمٌ»، أي: لم يكن عليَّ في ذلك هدي، ولا صدقة، ولا صوم زيادة على الواجب؛ لأنها لم تكلف بشيء، ولكن هدي التمتع الواجب لا بد منه؛ لهذا ضحى النبي ﷺ عن نسائه بالبقر لما حججن معه.\nوقولها: «لَا نَرَى»، أو «لا نُرى»، يعني: لا نظن، ويحتمل أن يكون معنى «لا نَرى»: لا نعلم إلا الحج، وهذا على ما كانوا يعتقدونه في الجاهلية من أن أشهر الحج لا عمرة فيها.","vol":"3","page":440},{"text":"حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يَحِلُّوا، حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ- أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا- حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: أَنَفِسْتِ- يَعْنِي: الْحَيْضَةَ-؟ قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «إِنَّ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي»، قَالَتْ: وَضَحَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ.\n[خ: ٢٩٤]\nحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ ابْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ حَتَّى جِئْنَا سَرِفَ، فَطَمِثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ؟»، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ خَرَجْتُ الْعَامَ، قَالَ: «مَا لَكِ؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي»، قَالَتْ: فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ- لِأَصْحَابِهِ-: «اجْعَلُوهَا عُمْرَةً»، فَأَحَلَّ النَّاسُ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ قَالَتْ: فَكَانَ الْهَدْيُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَذَوِي","vol":"3","page":441},{"text":"الْيَسَارَةِ، ثُمَّ أَهَلُّوا حِينَ رَاحُوا قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ طَهَرْتُ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَفَضْتُ، قَالَتْ: فَأُتِينَا بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: أَهْدَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ يَرْجِعُ النَّاسُ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَأَرْجِعُ بِحَجَّةٍ؟ قَالَتْ: فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْدَفَنِي عَلَى جَمَلِهِ، قَالَتْ: فَإِنِّي لَأَذْكُرُ، وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ\nالسِّنِّ، أَنْعَسُ فَيُصِيبُ وَجْهِي مُؤْخِرَةَ الرَّحْلِ، حَتَّى جِئْنَا إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ جَزَاءً بِعُمْرَةِ النَّاسِ الَّتِي اعْتَمَرُوا.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَنَا أَبْكِي، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ الْمَاجِشُونِ، غَيْرَ أَنَّ حَمَّادًا لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ: فَكَانَ الْهَدْيُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَذَوِي الْيَسَارَةِ، ثُمَّ أَهَلُّوا حِينَ رَاحُوا، وَلَا قَوْلُهَا: وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ أَنْعَسُ، فَيُصِيبُ وَجْهِي مُؤْخِرَةَ الرَّحْلِ.\nوقولها: «وَذَوِي الْيَسَارَةِ»، أي: أصحاب القدرة من الأغنياء.\nوقولها: «مَا هَذَا؟» فيه: دليل على أنه ﷺ لم يستأذن نساءه في ذبح الهدي؛ لأنه لو استأذنهن ما تفاجَأْن لما أُتِيَ لهن بلحم البقر.\nوقوله: «هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ»، أي: أن الحيض مكتوب على بنات آدم، وقد استدل به البخاري في الرد على من قال: إن الحيض أول ما أصاب أصاب بنات بني إسرائيل، فقال: «باب كيف كان بدء الحيض، وقول النبي ﷺ هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، وقال بعضهم: كان أول ما أرسل الحيض على بني إسرائيل، قال أبو عبد الله: وحديث النبي ﷺ أكثر» (^١)، قال الحافظ ابن رجب: «وهو المروي عن جمهور\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١/ ٦٦).","vol":"3","page":442},{"text":"السلف» (^١)، وهو الصواب لدلالة النص عليه.\nفي هذه الأحاديث: دليل على أن النبي ﷺ ضحى عن نسائه بالبقر، ولم يستأذنهن؛ لأنه قائم بحَاجتهن، والنفقة عليهن، فلا يحتاج أن يستأذنهن؛ خلافًا للنووي حيث قال: «إن هذا محمول على أنه ﷺ استأذنهن في ذلك» (^٢)، ذلك أن عائشة ﵂ سألت «مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: أَهْدَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ» فدل على أنها لم تعلم ولم تُستأذن، وهو اختيار سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز ﵀.\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن رجب (٢/ ١١).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٨/ ١٤٧).","vol":"3","page":443},{"text":"حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي خَالِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ-.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَفِي حُرُمِ الْحَجِّ وَلَيَالِي الْحَجِّ، حَتَّى نَزَلْنَا بِسَرِفَ، فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْكُمْ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا»، فَمِنْهُمُ الْآخِذُ بِهَا وَالتَّارِكُ لَهَا، مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَأَمَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَكَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، وَمَعَ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ لَهُمْ قُوَّةٌ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ؟»، قُلْتُ: سَمِعْتُ كَلَامَكَ مَعَ أَصْحَابِكَ، فَسَمِعْتُ بِالْعُمْرَةِ، قَالَ: «وَمَا لَكِ؟»، قُلْتُ: لَا أُصَلِّي، قَالَ: «فَلَا يَضُرُّكِ، فَكُونِي فِي حَجِّكِ، فَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا، وَإِنَّمَا أَنْتِ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كَتَبَ اللهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ»، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ فِي حَجَّتِي حَتَّى نَزَلْنَا مِنًى فَتَطَهَّرْتُ، ثُمَّ طُفْنَا بِالْبَيْتِ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُحَصَّبَ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: «اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الْحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ لِتَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَإِنِّي أَنْتَظِرُكُمَا ههنا»، قَالَتْ: فَخَرَجْنَا فَأَهْلَلْتُ، ثُمَّ طُفْتُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَجِئْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ،\nفَقَالَ: «هَلْ فَرَغْتِ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، فَآذَنَ فِي أَصْحَابِهِ بِالرَّحِيلِ، فَخَرَجَ فَمَرَّ بِالْبَيْتِ، فَطَافَ بِهِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ.\n[خ: ١٧٨٨]\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ طاف في آخر الليل طواف الوداع، ثُمَّ","vol":"3","page":444},{"text":"أدركته صلاة الفجر، فصلى بالناس، وقرأ سورة «الطور» (^١)، ثُمَّ طاف ورجع إلى المدينة ﵊، فدل هذا على أن من طاف طواف الوداع، فلا حرج عليه أن يصلي ولا يُعَدُّ هذا مكثا يترتب عليه إعادة طواف الوداع.\nحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، وَمِنَّا مَنْ قَرَنَ، وَمِنَّا مَنْ تَمَتَّعَ.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: جَاءَتْ عَائِشَةُ حَاجَّةً.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ عَمْرَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَلَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ، حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ.\nقَالَ يَحْيَى: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: أَتَتْكَ وَاللهِ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ ﵂. ح، وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقولها: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ» هذا على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٦٤)، ومسلم (١٢٧٦).","vol":"3","page":445},{"text":"اعتبار تمام الشهر، أما إذا كان الشهر ناقصًا فيكون: لأربع بقين، وجلس النبي ﷺ يومًا كاملًا في ذي الحليفة، وأحرم يوم الأحد بعد الظهر، وقدم مكة في الرابع من ذي الحجة، فتكون مدة السفر سبعة أيام، أربعة أيام من ذي القعدة، وثلاثة أيام من ذي الحجة.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ. ح، وَعَنِ الْقَاسِمِ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ، وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: «انْتَظِرِي فَإِذَا طَهَرْتِ فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي مِنْهُ، ثُمَّ الْقَيْنَا عِنْدَ كَذَا وَكَذَا» قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: «غَدًا، وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ»، أَوَ قَالَ: «نَفَقَتِكِ».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنِ الْقَاسِمِ، وَإِبْرَاهِيمَ- قَالَ: لَا أَعْرِفُ حَدِيثَ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ- أَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْتِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ قَالَتْ: فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ الْهَدْيَ فَأَحْلَلْنَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحِضْتُ، فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ؟ قَالَ: «أَوْ مَا كُنْتِ طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟»، قَالَتْ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا»، قَالَتْ صَفِيَّةُ: مَا أُرَانِي إِلَّا حَابِسَتَكُمْ، قَالَ: «عَقْرَى حَلْقَى، أَوْ مَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟»، قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: «لَا بَأْسَ انْفِرِي»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ، وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا، أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ،","vol":"3","page":446},{"text":"وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا. وَقَالَ إِسْحَاقُ: مُتَهَبِّطَةٌ وَمُتَهَبِّطٌ.\n[خ: ١٥٦١]\nوَحَدَّثَنَاهُ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نُلَبِّي، لَا نَذْكُرُ حَجًّا، وَلَا عُمْرَةً، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَنْصُورٍ.\nقولها: «قَالَتْ صَفِيَّةُ: مَا أُرَانِي إِلَّا حَابِسَتَكُمْ»، أي: ظنت أنها ستحبس الركب الذين ينتظرونها في طواف الوداع، فقال لها النبي ﷺ: «عَقْرَى حَلْقَى، أَوْ مَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: لَا بَأْسَ انْفِرِي»، فدل هذا على سقوط طواف الوداع عن الحائض.\nوقوله: «عَقْرَى حَلْقَى» دعاءٌ معناه: عقر الله جسدها، وأصابها بوجع في حلقها، وهذا مما يجري على ألسنة العرب من غير قصد لمعناه.","vol":"3","page":447},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ غُنْدَرٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ ذَكْوَانَ- مَوْلَى عَائِشَةَ- عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، أَوْ خَمْسٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهُوَ غَضْبَانُ، فَقُلْتُ: مَنْ أَغْضَبَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ؟ قَالَ: «أَوَمَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ، فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ» - قَالَ الْحَكَمُ: «كَأَنَّهُمْ يَتَرَدَّدُونَ، أَحْسِبُ- وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا سُقْتُ الْهَدْيَ مَعِي حَتَّى أَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَحِلُّ كَمَا حَلُّوا».\nوَحَدَّثَنَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ، سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَرْبَعٍ، أَوْ خَمْسٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ غُنْدَرٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّكَّ مِنَ الْحَكَمِ فِي قَوْلِهِ: «يَتَرَدَّدُونَ».\nفي هذا الحديث: أن التمتع أفضل الأنساك.\nوفيه: دليل على أن النبي ﷺ أمرهم أن يتحللوا، فلم يستجيبوا في أول الأمر، لا امتناعًا منهم، وإنما رجاء أن يسمح لهم بأن يبقوا على إحرامهم.\nوفيه: أنه لا بأس بالغضب، بل يشرع من أجل إنكار المنكر.\nوفيه: جواز الدعاء على من لم يمتثل الأمر، كالدعاء على العصاة على وجه العموم، وهذا كقوله ﷺ: «لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» (^١).\nوفيه: جواز تمني الخير، وأن كلمة «لو» لتمني الخير لا محظور فيها، وما جاء من النهي في قوله ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٧٨٣)، ومسلم (١٦٨٧).","vol":"3","page":448},{"text":"تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (^١)، فهذا إذا كان فيه تحسر أو اعتراض على القضاء والقدر.\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، فَقَدِمَتْ وَلَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَاضَتْ، فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، وَقَدْ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّفْرِ: «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ»، فَأَبَتْ، فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ.\nوَحَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا حَاضَتْ بِسَرِفَ، فَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ، حَدَّثَتْنَا صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ قَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَرْجِعُ النَّاسُ بِأَجْرَيْنِ، وَأَرْجِعُ بِأَجْرٍ؟ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَنْطَلِقَ بِهَا إِلَى التَّنْعِيمِ، قَالَتْ: فَأَرْدَفَنِي خَلْفَهُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ، قَالَتْ: فَجَعَلْتُ أَرْفَعُ خِمَارِي أَحْسُرُهُ عَنْ عُنُقِي، فَيَضْرِبُ رِجْلِي بِعِلَّةِ الرَّاحِلَةِ، قُلْتُ لَهُ: وَهَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ؟ ! قَالَتْ: فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِالْحَصْبَةِ.\nقولها: «فَجَعَلْتُ أَرْفَعُ خِمَارِي أَحْسُرُهُ عَنْ عُنُقِي»، أي: تكشف عن وجهها.\nوقولها: «فَيَضْرِبُ رِجْلِي بِعِلَّةِ»، أي: يضربها عامدًا لها، ويقول: لا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٦٤).","vol":"3","page":449},{"text":"تكشفي رأسك؛ غيرةً عليها.\nوقولها: «قُلْتُ لَهُ: وَهَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ؟»، أي: نحن في خلاء وليس معنا أجنبي حتى أستتر منه.\n\n[١٢١٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، أَخْبَرَهُ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: أَمَرَهُ أَنْ يُرْدِفَ عَائِشَةَ، فَيُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ.\n[خ: ١٧٨٤]\n\n[١٢١٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، جَمِيعًا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْنَا مُهِلِّينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ ﵂ بِعُمْرَةٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ عَرَكَتْ، حَتَّى إِذَا قَدِمْنَا طُفْنَا بِالْكَعْبَةِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَحِلَّ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، قَالَ: فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْحِلُّ كُلُّهُ»، فَوَاقَعْنَا النِّسَاءَ وَتَطَيَّبْنَا بِالطِّيبِ وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا، وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا أَرْبَعُ لَيَالٍ، ثُمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكِ؟» قَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أَحْلِلْ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الْآنَ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ»، فَفَعَلَتْ وَوَقَفَتِ الْمَوَاقِفَ، حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ قَالَ: «قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا»، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَجَجْتُ، قَالَ: «فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ». وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ عبدَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ وَهِيَ","vol":"3","page":450},{"text":"تَبْكِي، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ إِلَى آخِرِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا قَبْلَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- يَعْنِي: ابْنَ هِشَامٍ- حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ مَطَرٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا سَهْلًا إِذَا هَوِيَتِ الشَّيْءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مِنَ التَّنْعِيمِ، قَالَ مَطَرٌ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا حَجَّتْ صَنَعَتْ كَمَا صَنَعَتْ مَعَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ.\nحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ﵁. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ مَعَنَا النِّسَاءُ وَالْوِلْدَانُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ طُفْنَا بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحْلِلْ» قَالَ: قُلْنَا: أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: «الْحِلُّ كُلُّهُ» قَالَ: فَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَمَسِسْنَا الطِّيبَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ، وَكَفَانَا الطَّوَافُ الْأَوَّلُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ.\nقوله: «وَكَفَانَا الطَّوَافُ الْأَوَّلُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ»، يعني: الذين قرنوا بين الحج والعمرة كفاهم الطواف الأول بين الصفا والمروة، وأما الذين أحلوا من عمرتهم فإنهم طافوا طوافًا آخرَ بعد أن رجعوا من منى لحجهم، كما في حديث عائشة ﵂ السابق.","vol":"3","page":451},{"text":"[١٢١٤] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا أَحْلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنًى، قَالَ: فَأَهْلَلْنَا مِنَ الْأَبْطَحِ.\nفي هذا الحديث: دليل على أن الذي يريد الإحرام من المُحِلِّين من مكة أن يحرم من مكانه، وأنه لا يجب عليه أن يدخل إلى الحرم المكي، ويحرم من تحت الميزاب كما قال بذلك بعض الفقهاء من الشافعية والحنابلة (^١).\nوقول النووي: «لا يجوز أن يحرم بالحج إلا من داخل مكة وأفضله من باب داره وقيل من المسجد الحرام» (^٢).\nوالصواب أنه يحرم من مكة كما فعل الصحابة، فإنهم أحرموا من مكة، ولا ترجيح للإحرام من باب داره أو من المسجد الحرام إلا بدليل.\n_________\n(^١) المجموع، للنووي (٧/ ١٩٦)، الإنصاف، للمرداوي (٤/ ٢٦)، الروض المربع، للبهوتي (ص ٢٧٥).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٨/ ١٦٢).","vol":"3","page":452},{"text":"[١٢١٥] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵁ يَقُولُ: لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ، وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا.\nزَادَ فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ: طَوَافَهُ الْأَوَّلَ.\n\n[١٢١٦] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄- فِي نَاسٍ مَعِي- قَالَ: أَهْلَلْنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالْحَجِّ خَالِصًا وَحْدَهُ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ: «حِلُّوا وَأَصِيبُوا النِّسَاءَ»، قَالَ عَطَاءٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ، فَقُلْنَا: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمْسٌ، أَمَرَنَا أَنْ نُفْضِيَ إِلَى نِسَائِنَا، فَنَأْتِيَ عرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَنِيَّ؟ ! قَالَ: يَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ بِيَدِهِ يُحَرِّكُهَا، قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِينَا، فَقَالَ: «قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَصْدَقُكُمْ وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ، فَحِلُّوا»، فَحَلَلْنَا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ سِعَايَتِهِ، فَقَالَ: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟» قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا» قَالَ: وَأَهْدَى لَهُ عَلِيٌّ هَدْيًا، فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَقَالَ: «لِأَبَدٍ».\n[خ: ٧٣٦٧، ٤٣٥٢]\nقوله: «وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ»، أي: لم يأمرهم أمرًا جازمًا في إتيان النساء، بل أباحه لهم، وأما الإحلال فعزم فيه على من لم يكن معه هدي؛ وذلك لأنهم استنكروا أمرهم بالتحلل؛ فقد كانوا في الجاهلية لا يتحللون من حجهم إلا","vol":"3","page":453},{"text":"إذا رموا جمرة العقبة.\nوقوله: «فَنَأْتِيَ عرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَنِيَّ»، يعني: أنهم يكونون قريبي عهد بالجماع.\nهذا الحديث فيه: بيان أن النبي ﷺ هو أصدق الناس وأبرهم وأتقاهم، عليه أفضل الصلاة والسلام.\nوفيه: أن النبي ﷺ ندم وتمنى أنه لم يَسُقِ الهدي حتى يتحلل معهم، فقال: «وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُق الْهَدْيَ».\nوفيه: أن عليًّا ﵁ اشترى الهدي، لا أنه من السعاية على الصدقة.\nوفيه: جواز الإهلال المقيد بقيد، فيقول: أُهِلُّ بما أَهَلَّ به فلان، أو يقول: أحرمتُ بما أحرم به فلان، كما فعل علي ﵁، وأبو موسى الأشعري ﵁، فقد أهلَّا بما أهلَّ به النبي ﷺ.\nوفيه: أن جواز فسخ الحج إلى العمرة مستمِرٌ إلى يوم القيامة، وليس لهذا العام فقط.\nوقال بعض العلماء: إن هذا خاص بالصحابة ﵃ في هذا العام فقط، وأما غيرهم فلا يشرع لهم فسخ الحج إلى العمرة.","vol":"3","page":454},{"text":"حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: أَهْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْحَجِّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ وَنَجْعَلَهَا عُمْرَةً، فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْنَا، وَضَاقَتْ بِهِ صُدُورُنَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَمَا نَدْرِي أَشَيْءٌ بَلَغَهُ مِنَ السَّمَاءِ، أَمْ شَيْءٌ مِنْ قِبَلِ النَّاسِ؟ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ أَحِلُّوا، فَلَوْلَا الْهَدْيُ الَّذِي مَعِي، فَعَلْتُ كَمَا فَعَلْتُمْ» قَالَ: فَأَحْلَلْنَا حَتَّى وَطِئْنَا النِّسَاءَ، وَفَعَلْنَا مَا يَفْعَلُ الْحَلَالُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ نَافِعٍ قَالَ: قَدِمْتُ مَكَّةَ مُتَمَتِّعًا بِعُمْرَةٍ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ النَّاسُ: تَصِيرُ حَجَّتُكَ الْآنَ مَكِّيَّةً، فَدَخَلْتُ عَلَى عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ عَطَاءٌ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ ﵄: أَنَّهُ حَجَّ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ سَاقَ الْهَدْيَ مَعَهُ، وَقَدْ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ، فَطُوفُوا بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا، وَأَقِيمُوا حَلَالًا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ، وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً»، قَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً، وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟ قَالَ: «افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ؛ فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ». فَفَعَلُوا.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيٍّ الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً، وَنَحِلَّ، قَالَ: وَكَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً.","vol":"3","page":455},{"text":"قوله: «يَوْمُ التَّرْوِيَةِ»، أي: اليوم الثامن من ذي الحجة، وسمي بذلك؛ لأن الناس كانوا يتروون فيه من الماء، أي: يحملونه معهم من مكة إلى عرفات؛ ليستعملوه في الشرب وغيره.\nوقوله: «وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ»، أي: حتى أذبح الهدي.\nقوله: «فَقَالَ النَّاسُ: تَصِيرُ حَجَّتُكَ الْآنَ مَكِّيَّةً» أي: تكون مفردا بالحج ولا تكون لك متعة، كأهل مكة.","vol":"3","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-538>بَابٌ فِي الْمُتْعَةِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ</span>\n\n[١٢١٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِالْمُتْعَةِ، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنْهَا، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ: عَلَى يَدَيَّ دَارَ الْحَدِيثُ؛ تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ قَالَ: إِنَّ اللهَ كَانَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ، وَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَزَلَ مَنَازِلَهُ، فَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ، وَأَبِتُّوا نِكَاحَ هَذِهِ النِّسَاءِ، فَلَنْ أُوتَى بِرَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً إِلَى أَجَلٍ، إِلَّا رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ.\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ في الحديث: فَافْصِلُوا حَجَّكُمْ مِنْ عُمْرَتِكُمْ، فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّكُمْ، وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِكُمْ.\n\n[١٢١٦] وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، وَقُتَيْبَةُ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ خَلَفٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً.\nقوله: «كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِالْمُتْعَةِ، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنْهَا»، يعني: كان ابن الزبير ﵁ ينهى عن المتعة، تبعًا للصديق، ولعمر، ولعثمان ﵃، والنهي هنا نهي تنزيه، لا نهي تحريم.\nوكان عمر ﵁ يأمرهم بالإفراد حتى يكثر العُمَّار، والزُّوَّار للبيت، وعملًا بقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾، وإتمامها، يعني:","vol":"3","page":457},{"text":"عدم فسخ الحج إلى عمره.\nوقوله: «فَافْصِلُوا حَجَّكُمْ مِنْ عُمْرَتِكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّكُمْ، وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِكُمْ»، يعني: اجعلوا الحجَّ مستقلًّا، والعمرة كذلك، وهذا اجتهاد منه ﵁.\nقال المازري ﵀: «اختلف في المتعة التي نهى عنها عمر في الحج، فقيل: هي فسخ الحج في العمرة، وقيل: بل هي العُمْرَةُ في أشهر الحج، ثُمَّ الحَجُّ بعدها، ويكون نهيه عن ذلك على جهة التَّرغيب فيما هو الأفضل الذي هو الإِفراد، وليكثر تَرَدُّدُ الناس إلى البيت» (^١)، والمشهور عن عمر ﵁ أنه ينهى عن العمرة في أشهر الحج، وكذلك الصديق وعثمان ﵄كما سيأتي-؛ حتى يكثر الزوار.\nوقوله: «وَأَبِتُّوا نِكَاحَ هَذِهِ النِّسَاءِ ...» هذه مسألة متعة النساء، وتلك متعة الحج، وقرت بينهما عمر لكون كل واحدة منهما تسمى متعة، لبيان حكم كل واحدة منهما.\n_________\n(^١) المعلم، للمازري (٢/ ٨٦).","vol":"3","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-539>بَابُ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ</span>\n\n[١٢١٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ حَاتِمٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَسَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِي، فَنَزَعَ زِرِّي الْأَعْلَى، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الْأَسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ- وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ-، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ أَخِي، سَلْ عَمَّا شِئْتَ، فَسَأَلْتُهُ، وَهُوَ أَعْمَى، وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَقَامَ فِي نِسَاجَةٍ مُلْتَحِفًا بِهَا، كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْهِ مِنْ صِغَرِهَا، وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنْبِهِ عَلَى الْمِشْجَبِ، فَصَلَّى بِنَا، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ بِيَدِهِ: فَعَقَدَ تِسْعًا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَاجٌّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: «اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي»، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ\nفِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ، وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ، فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ»، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ، قَالَ جَابِرٌ ﵁: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ،","vol":"3","page":459},{"text":"لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أَبِي يَقُولُ: وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، وَ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ، فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: «﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾، أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ»، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ\nعَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ، فَقَالَ: «لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُق الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً»، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى، وَقَالَ: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ- مَرَّتَيْنِ- لَا بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ»، وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ ﵂ مِمَّنْ حَلَّ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا، قَالَ: فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ لِلَّذِي صَنَعَتْ، مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي\nأَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «صَدَقَتْ صَدَقَتْ، مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟» قَالَ: قُلْتُ: اللهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ:","vol":"3","page":460},{"text":"«فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلَّ» قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ، وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِائَةً، قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَقَالَ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ،\nفَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا، رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ- بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ-: «اللهُمَّ اشْهَدِ اللهُمَّ اشْهَدْ» - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-، ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا","vol":"3","page":461},{"text":"حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ»، كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا\nقَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ، وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ، وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا، فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ\nلَحْمِهَا، وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: «انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ»، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا، فَشَرِبَ مِنْهُ.\nوَحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ،","vol":"3","page":462},{"text":"حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: أَتَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَزَادَ في الحديث: وَكَانَتِ الْعَرَبُ يَدْفَعُ بِهِمْ أَبُو سَيَّارَةَ عَلَى حِمَارٍ عُرْيٍ، فَلَمَّا أَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، لَمْ تَشُكَّ قُرَيْشٌ أَنَّهُ سَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ مَنْزِلُهُ ثَمَّ، فَأَجَازَ وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتَّى أَتَى عَرَفَاتٍ فَنَزَلَ.\nقوله: «عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ» هو علي بن الحسين ﵀.\nوهذا الحديث- وهو حديث جابر ﵁-: منسك مستقل، بيَّن فيه صفة حجة النبي ﷺ من حين خروجه من المدينة إلى حين رجوعه، وله روايات تكمّله تأتي بعده.\nوهو حديث انفرد به مسلم، وأخرجه أبو داود، وهو حديث عظيم اعتنى به أهل العلم، واستنبطوا ما فيه من الفقه وشرحوه، وذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في البلوغ طرفًا كبيرًا منه (^١).\nقوله: «أَذَّنَ فِي النَّاسِ»، يعني: أَعْلَمَ الناس بذلك، وأعلن بينهم أنه سيحج ليتأهبوا للحج معه، ويتعلموا المناسك والأحكام، ويشهدوا أقواله وأفعاله.\nوقوله: «حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي»، يعني: تتحفظ بثوب؛ ليمتنع سيلان الدم.\nوقوله: «فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ»، يعني: صلى في مكان السجود؛ لأنه لم يكن هناك مسجد مبني في ذلك الوقت، وهذا كما قال ﵇: «وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (^٢)، وجاء في الحديث الآخر أن\n_________\n(^١) بلوغ المرام، لابن حجر (ص ٢٨٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١).","vol":"3","page":463},{"text":"النبي ﷺ قال: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ» (^١)، ثُمَّ أحرم ﷺ لما ركب القصواء، أي: ركب دابته، «حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ» كرر الإحرام.\nوقوله: «فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ» إشارة إلى قوله: «لَا شَرِيكَ لَكَ» مخالفًا لتلبية المشركين؛ لأن المشركين كانوا يشركون في تلبيتهم، فيقولون: «لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَيْلَكُمْ قَدْ قَدْ، فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، يَقُولُونَ: هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ» (^٢).\nوقوله: «وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ»، يعني: أن بعض الصحابة كانوا يزيدون «لَبَّيْكَ حَجًّا حَقًّا، تَعَبُّدًا وَرِقًّا» (^٣)، فسمعهم النبي ﷺ، ولم ينكر عليهم، ولازم تلبيته ﵊، فدل على أن الأفضل تلبية النبي ﷺ، وإن زاد فلا حرج.\nوقوله: «فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا» الرَّمَل هو: الإسراع في المشي، مع مقاربة الخطى في الأشواط الثلاثة الأولى، والاضطباع، أي: كشف الكتف الأيمن، فجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيسر، وطرفيه على عاتقه، فلما انتهى من الطواف نفذ إلى مقام إبراهيمَ، وقرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾؛ لبيان أنه يعمل بالآية، ويمتثل أمر الله ﷿.\nوقوله: «كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، وَ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾»، أي: بعد الفاتحة؛ لبيان أن المسلم إنما يعبد الله، ولا يعبد الكعبة، وإن قرأ بغير السورتين فلا حرج، أو صلاهما في غير هذا المكان فلا حرج-أيضًا.\nوقوله: «ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٣٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (١١٨٥).\n(^٣) أخرجه البزار في مسنده (٦٨٠٤) البحر الزخار.","vol":"3","page":464},{"text":"الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾» فيه: مشروعية استلام الحجر بعد الانتهاء من صلاة الركعتين، وقبل الذهاب إلى السعي، فإذا دنا من الصفا قرأ قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾.\nوقوله: «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ»، يعني: ابدأ بالصفا، ثُمَّ بالمروة؛ لأن الله ﵎ بدأ الآية بالصفا، ثُمَّ المروة، وفي رواية: «فَابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» (^١) بصيغة الجمع، والأمر.\nوقوله: «فَرَقِيَ عَلَيْهِ»، أي: صعد عليه.\nوقوله: «حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ»، يعني: إذا صعد الصفا أو المروة فيسن له أن يكبر الله، ويوحده، ويهلله، ويدعوه بهذا الذكر، ويكرره ثلاث مرات.\nوقوله: «حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى»، يعني: أسرع في المشي، وهرول، والسعي يطلق على الذهاب، والقصد، ويطلق على الإسراع.\nوقوله: «حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى»، أي: توقف عن الإسراع، ومشى، والآن وُضعت في مكان السعي علامتان إذا وصل إليهما الحاج أسرع بينهما.\nفائدة: في الحج ستة مواطن تُرفع فيها الأيدي في الدعاء:\nالموطن الأول: على الصفا.\nالموطن الثاني: على المروة.\nالموطن الثالث: في عرفة.\nالموطن الرابع: في مزدلفة.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٣٩٥٤).","vol":"3","page":465},{"text":"الموطن الخامس: بعد الجمرة الأولى.\nالموطن السادس: بعد الجمرة الثانية.\nوقوله: «وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ ﵂ مِمَّنْ حَلَّ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا»، أي: أن عليًّا ﵁ لما قدم من اليمن رأى فاطمة ﵂ تحللت واكتحلت، ولبست ثوبًا مصبوغًا، فأنكر ذلك عليها، وقال لها: كيف تفعلين هذا والتحلل لا يكون إلا يوم العيد؟ ! فقالت: «إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا» فذهب علي ﵁ إلى النبي ﷺ «مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ»، والتحريش: الإغراء، والمراد به هنا: أن يذكر له ما يقتضي عتابها، فقال النبي ﷺ: «صَدَقَتْ صَدَقَتْ».\nوقوله: «كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا»، أي: يوم النحر، وقوله: «فِي بَلَدِكُمْ هَذَا»، أي: في مكة، «فِي شَهْرِكُمْ هَذَا»، أي: في ذي الحجة.\nوقوله: «وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ»، أي: موضوعة تحت قدمي هاتين، والمعنى أنها باطلة.\nوقوله: «وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ»، يعني: باطل.\nوقوله: «وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ»، أي: لأنهم كانوا يرابون في الجاهلية، فأبطله الرسول ﷺ.\nوقوله: «وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا»، أي: لم يُصَلِّ بين الظهر، والعصر شيئًا؛ لأن الصلاتين المجموعتين لا يُتنفل بينهما.\nوقوله: «ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا».\nمسألة: ذهب الحنابلة إلى أن وقت الوقوف يبدأ من طلوع الشمس (^١)، واستدلوا بحديث عروة بن مضرس ﵁ الذي جاء إلى النبي ﷺ وهو يصلي\n_________\n(^١) المغني، لابن قدامة (٣/ ٣٦٥).","vol":"3","page":466},{"text":"الفجر بمزدلفة، فقال: «جِئْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مِنْ جَبَلِ طَيِّئٍ أَكْلَلْتُ مَطِيَّتِي، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَاللهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ حَبْلٍ إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (^١).\nفقوله: «لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا» أُخذ منه أن مبدأ الوقوف يوم عرفة، وهو من طلوع الشمس إلى طلوع الفجر من يوم النحر، وفي هذه المسألة قولان:\nالقول الأول: للحنابلة، وهو أن الوقوف يوم عرفة من طلوع الشمس إلى طلوع الفجر من يوم النحر.\nالقول الثاني: وهو مذهب جمهور العلماء أن وقت الوقوف يبدأ من زوال الشمس إلى غروبها، ويمتد إلى طلوع الفجر لمن جاء متأخرًا (^٢)، وقالوا: إن حديث عروة بن مضرس ﵁ فَسَّره فعلُ النبي ﷺ؛ لأن النبي ﷺ ما وقف إلا بعد الزوال.\nثمرة الخلاف: لو أن شخصًا وقف بعرفة قبل الظهر، ثُمَّ انصرف ولم يرجع هل يصح حجه، أو لا؟\nعند الحنابلة: يصح؛ لأنه أدرك الوقوف في وقته.\nوعند الجمهور: لا يصح؛ لأنه لم يدرك وقت الوقوف.\nوهذا الموقف ينبغي الإكثار فيه من الدعاء، والتضرع، والابتهال إلى الله ﷿؛ لأنه يوم عظيم وعشية عظيمة، ينزل فيها الرب إلى السماء الدنيا، ويباهي بأهل الموقف ملائكته، وفي الحديث: «إِنَّ اللهَ ﷿ لَيُبَاهِي الْمَلَائِكَةَ بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٨٣٠٠)، وأبو داود (١٩٥٠)، والنسائي (٣٠٤٣)، وابن ماجه (٣٠١٦).\n(^٢) بدائع الصنائع، للكاساني (٢/ ١٢٥)، حاشية الدر المختار، لابن عابدين (٢/ ٤٦٧)، الشرح الكبير، للدردير (٢/ ٢١)، المجموع، للنووي (٨/ ٩٤).\n(^٣) أخرجه أحمد (٨٠٤٧)، وابن خزيمة (٢٨٣٩)، وابن حبان (٣٨٥٢).","vol":"3","page":467},{"text":"فينصرف الناس من هذا الموقف وقد غُفرت ذنوبهم، ورجعوا كيوم ولدتهم أمهاتهم.\nوقوله: «كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ»، يعني: كلما أتى الرمال المرتفعة أرخى عليها قليلًا حتى تصعد، وإذا كان هناك مضيق شد الزمام حتى لا تسرع.\nوقوله: «مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ» الظُّعُنُ: جمع ظعينة، والظعينة أصلها: الناقة التي عليها المرأة، والمراد: مرت نساء يجرين، فجعل الفضل ﵁ ينظر إليهن، وكان رجلًا وسيمًا، وجعلن ينظرن إليه، «فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ» فهذا فيه إنكار المنكر وتغييره باليد مع القدرة عليه، وفي الحديث الآخر: «فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ» (^١).\nوقوله: «يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ» الحصاة تكون أكبر من الحمصة قليلًا، أي: مثل حبة الفول، أو مثل بعرة الغنم، أما الرمي بالحجارة الكبار فهذا من الغلو، والنبي ﷺ قال: «إِنَّمَا جُعِلَ رَمْيُ الْجِمَارِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّه» (^٢)، فلا بد للإنسان أن يتأدب ويذكر الله، ويتأسى بالنبي ﷺ، ويبتعد عن الأعمال السيئة.\nوقوله: «حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ»، أي: وهو واقف على راحلته ﵊، وكان ذلك يوم جمعة، ولم يؤذن قبل الخطبة، فدل على أنه لم يُصَلِّها جمعةً، فخطب خطبة عظيمة قرر فيها قواعد التوحيد، وهدم فيها الشرك، وحث الناس على لزوم الكتاب والسنة، ونهاهم عن القتال، وقال: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥١٣)، ومسلم (١٣٣٤).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٤٣٥١)، وأبو داود (١٨٨٨)، والترمذي (٩٠٢).","vol":"3","page":468},{"text":"رِقَابَ بَعْضٍ» (^١)، وبيَّن حق الرجل على امرأته، وحق المرأة على زوجها، وأمر بالرفق بالمرأة، وعدم إيذائها، وقال: «فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ» (^٢)، يعني: أسيرات، «أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ»، وفي رواية: «وَإِنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ» (^٣)،\nيعني: بعقد الزواج، وقال: «فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ»، واستشهد النبيُّ ﷺ اللهَ على الناس، وقال: «وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: اللهُمَّ اشْهَدِ، اللهُمَّ اشْهَدْ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ»، ونحن نشهد أنه ﵊ بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده.\nوقوله: «وَكَانَتِ الْعَرَبُ يَدْفَعُ بِهِمْ أَبُو سَيَّارَةَ عَلَى حِمَارٍ عُرْيٍ» أي: ليس عليه شيء، «فَلَمَّا أَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ لَمْ تَشُكَّ قُرَيْشٌ أَنَّهُ سَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ مَنْزِلُهُ ثَمَّ، فَأَجَازَ وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتَّى أَتَى عَرَفَاتٍ فَنَزَلَ»، أي: كانت قريش ومَن دان بدينها لا يتجاوزون الحرم فيقفون بمزدلفة، ولا يذهبون إلى عرفات، ويقولون: نحن أهل الحرم لا نتجاوزه، وأما بقية الناس فيقفون بعرفة، فلما حج النبي ﷺ ظنوا أنه سيفعل مثل فعلهم، «فَأَجَازَ، وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ، حَتَّى أَتَى عَرَفَاتٍ فَنَزَلَ».\nوهذا من الأشياء التي غيروا فيها دين إبراهيمَ ﵇، وغيروا فيها المناسك.\nوهذا الحديث فيه: أن النبي ﷺ إنما حج في السنة العاشرة من الهجرة، وأما فرضية الحج فقيل: في السنة السادسة، وقيل: في السنة التاسعة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢١)، ومسلم (٦٥).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١١٦٣)، والنسائي في الكبرى (٩١٢٤).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢٠٦٩٥) ..","vol":"3","page":469},{"text":"وفيه: أن جابر بن عبد الله ﵁ قد كبر في السن وعمي.\nوفيه: أنه أدخل يده في صدر علي بن الحسين من باب الإيناس له.\nوفيه: جواز الصلاة في نِسَاجَةٍ، يعني: في ثوب واحد، ولو كان مكشوف الكتفين، وفي هذه المسأله قولان:\nالقول الأول: هو مذهب جمهور العلماء، واحتجوا بحديث جابر ﵁ هذا، وفي حديث آخر: «صَلَّى جَابِرٌ فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ، وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ؟» (^١).\nوالقول الثاني: هو قول الإمام أحمد: لا يجوز كشف الكتفين إلا عند العجز (^٢)، واستدل الحنابلة بحديث أبي هريرة ﵁: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (^٣)، وفي لفظ: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ» (^٤).\nفإن كشفهما مع القدرة فللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: قول الجمهور: إن الصلاة صحيحة، ولا إثم عليه (^٥)، واستدلوا بحديث جابر ﵁ هذا.\nوالقول الثاني: أنها لا تصح؛ لقوله ﷺ: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ»، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختيار سماحة شيخنا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥٢)، ومسلم (٥١٨).\n(^٢) مسائل أحمد، رواية الكوسج (٩/ ٤٨١٠).\n(^٣) أخرجه أحمد (٩٩٨٠)، الدارمي (١٣٧١)، وابن خزيمة (٧٦٥).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٥٩)، ومسلم (٥١٦).\n(^٥) حاشية الدر المختار، لابن عابدين (١/ ٤٠٤)، بدائع الصنائع، للكاساني (١/ ٢١٩)، الفواكه الدواني، للنفراوي (١/ ١٢٩)، الأم، للشافعي (٢/ ٢٠٠ - ٢٠١).","vol":"3","page":470},{"text":"عبدالعزيز بن باز ﵀ (^١).\nوالقول الثالث: أنها تصح مع الإثم، وهو رواية عن الإمام أحمد.\nوالأقرب أنها تصح مع الإثم. لا بد من ستر الكتفين إذا كان الإنسان قادرًا على سترهما، أما إذا لم يكن قادرًا، ولم يجد ما يستر به فـ ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾.\nوفيه: أن أسماء بنت عميس ﵂ ولدت محمد بن أبي بكر ﵁ في الميقات، فأرسلت إلى النبي ﷺ تسأله: ماذا تفعل؟ فأمر النبي ﷺ زوجَها أبا بكر ﵁ أن يأمرها بأن تستثفر بثوب، وتغتسل، وتُحرم، فدل على أن النفساء يشرع لها الاغتسال، وكذلك الحائض.\nوفيه: أنه ﵊ أمر المُحِلِّينَ أن يُحرموا بالحج في اليوم الثامن من ذي الحجة، وهو الصواب.\nوقال بعض أهل العلم: يحرمون بالحج إذا رأوا هلال ذي الحجة (^٢).\nوفيه: بيان السنة للحاج: أنه يصلي في منى خمسة فروض، كل صلاة في وقتها، قصرًا بلا جمع.\nوفيه: دليل على أن المسافر- ولو كان مقيمًا- فإنه يشرع في حقه القصر دون الجمع، وإن جمع فلا حرج؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ كان نازلًا في تبوك، وجمع بين الظهر، والعصر، وجمع المغرب والعشاء، خلافًا لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فقال: لا يجمع إلا إذا كان جادًّا به السير (^٣).\nولكن الأفضل أن يقصر إذا كان نازلًا، ولا يجمع، وهذا هو الأكثر من\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن باز (٢٩/ ٢١٥).\n(^٢) التمهيد، لابن عبد البر (١٤/ ٣٥٥ - ٣٥٦)، بداية المجتهد، لابن رشد (٥/ ١٣١ - ١٣٢)، المغني، لابن قدامة (٤/ ٤١٦)، مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٥/ ١١٤ - ١١٨)، المجموع، للنووي (٦/ ٢٨٠).\n(^٣) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٤/ ٦٣).","vol":"3","page":471},{"text":"فعله ﵊.\nوفيه: بيان أن الإقامة في منى في اليوم الثامن والمبيت ليلة التاسع سُنَّة، وليست واجبة؛ لأن النبي ﷺ صلى الصلوات الخمس وبات التاسع في مِنًى، ثُمَّ مكث قليلًا حتى طلعت الشمس، ثُمَّ دفع إلى عرفة، فالسُّنة للحاج أن يدفع إلى عرفة بعد طلوع الشمس من اليوم التاسع.\nوفيه: أن النبي ﷺ أمر بأن تُضرب له بِنَمِرَةَ قبةٌ من شَعر، فاستظل بها ﵊، وجلس حتى زالت الشمس، فدل على جواز استظلال المحرم بالخيمة، والشجرة، وكذلك له أن يستظل بسقف السيارة، أو الشمسية.\nومن العلماء من فَرَّق بينهما، فقال: له أن يستظل بالخيمة، وظل الشجرة؛ لأنهما ثابتتان، أما سقف السيارة، والشمسية فلا يستظل بهما، لأنهما متحركان، وهذا مذهب الحنابلة القائلين بأن الشيء الذي يتحرك بحركته، لا يستظل به (^١).\nوالصواب: أنه لا بأس بالاستظلال بالخيمة، أو بالشجرة، أو بالشمسية، أو بسقف السيارة، وإنما الممنوع الملاصق للرأس كالعمامة، والطاقية.\nوفيه: دليل على أن الرب ﷾ في العلو، وأنه فوق العرش؛ ولهذا رفع النبي ﷺ إصبعه إلى السماء يستشهد الله عليهم.\nوفيه: الرد على الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، وغيرهم من أهل البدع الذين ينكرون أن يكون الله ﷿ في العلو، ويمنعون الإشارة إلى السماء، حتى إنهم من شدة إنكارهم للعلو لو خلا جهمي بأحد من أهل السنة يرفع إصبعه للسماء لقطعه (^٢).\nولما أنهى خطبته ﷺ أمر بلالًا فأذن، ثُمَّ أقام، فصلى الظهر ركعتين، ولم\n_________\n(^١) الإنصاف، للمرداوي (٣/ ٤٦١)، مطالب أولي النهى، للبهوتي (٢/ ٣٢٧).\n(^٢) مقالات الإسلامين، للأشعري (١/ ٣٣٨)، الفرق بين الفرق، للبغدادي (ص ٢١١)، الملل والنحل، للشهرستاني (١/ ٧٦).","vol":"3","page":472},{"text":"يجهر فيهما بالقراءة- فدل على أنها ليست جمعة، ودل على أن المسافر لا يصلي الجمعة-، ثُمَّ أقام، فصلى العصر ركعتين جمعًا وقصرًا.\nثم استقبل القبلة، قال: «فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ»، أي: لما وقف بعرفة ﵊ جعل جبل إلال- وهو المسمى جبل الرحمة- بينه وبين القبلة، وجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل الجبل بين يديه، ولم يزل ﵊ واقفًا رافعًا يديه يدعو، ويتضرع إلى الله ﷿ حتى غربت الشمس، حتى إنه ﵊ كان آخذًا بزمام ناقته، فلما سقط زمام الناقة أخذ الزمام بيده الأخرى، والأخرى بقيت مرفوعة ﵊.\nوالوقوف معناه: الوجود على أرض عرفة، سواء أكان واقفًا، أو جالسًا، حتى لو كان نائمًا يسمى واقفًا.\nولم يزل ﵊ واقفًا متضرعًا حتى غربت الشمس، واستحكم غروبها، وغاب قوس الشمس، ثُمَّ دفع إلى مزدلفة، وخالف هديُه هديَ المشركين ﵊؛ لأن المشركين كانو ينصرفون من عرفة إذا صارت الشمس فوق الجبال كعمائم الرجال، فخالفهم النبي ﷺ، وقال: «فَخَالَفَ هَدْيُنَا هَدْيَ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْأَوْثَانِ»» (^١) وجعل يقول للناس: «أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ» (^٢)، أي: ارفقوا؛ فإن البر ليس بالإسراع حتى لا يضر بعضهم بعضًا.\nوكان ﷺ إذا وجد متسعًا أرخى الزمام لناقته حتى تصعد، وأكثر من التلبية في طريقه ﵊ إلى عرفة، وأردف أسامة بن زيد وجعله خلفه، وهذا من حسن خلقه ﵊، خلافًا للمتكبرين الذين يأنفون من الإرداف.\nفلما وصل مزدلفة أمر المؤذن فأذن، ثُمَّ صلى المغرب ثلاث ركعات، ثُمَّ أمر بأن تحط الرحال عن الإبل، ثُمَّ أقيمت صلاة العشاء، ففصل بين الصلاتين بحط الرحال، وليس بينهما سبحة، يعني: لم يصلِّ بينهما نافلة،\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في المراسيل (١٥١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦٧١).","vol":"3","page":473},{"text":"ثُمَّ نام ﵊ من أول الليل؛ ليكون ذلك أعون له على أداء الوظائف يوم العيد، ولا يمنع هذا من كونه أوتر، وإن لم يكن في حديث جابر ﵁؛ لأنه معروف ﵊ أنه لا يترك الوتر حضرًا، ولا سفرًا.\nثم لما تبين له الفجر ﷺ صلى الراتبة، ثُمَّ صلى الفجر في أول وقتها مبكرًا على غير المعتاد؛ ولهذا قال ابن مسعود: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا لِمِيقَاتِهَا، إِلَّا أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، وَصَلَّى الصُّبْحَ يَوْمَئِذٍ لِغَيْرِ مِيقَاتِهَ» (^١)، يعني: في غير ميقاتها المعتاد، وليس المراد أنه صلاها قبل الوقت، والحكمة في ذلك حتى يتسع وقت الوقوف.\nوقوله: «حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ»: يعني: لما وصل الجمرة رماها بسبع حصيات متعاقبات من بطن وادي، يكبر مع كل حصاة.\nوقد قال العلماء: إذا وصل وادي محسر يسرع قدر رمية حجر.\nواختلفوا في السبب:\nفقيل: لأن هذا المكان عُذِّب فيه أصحاب الفيل.\nوالصواب: أن المكان الذي عُذِّب فيه أصحاب الفيل هو مغمس.\nثم بعد ذلك ذبح الهدي ﵊ ونحر بيده الشريفة ثلاثًا وستين بدنة، على قدر سني عمره ﵊ يطعنها بالحربة في الوهدة وهي قطع العروق في أسفل العنق عند الصدر، وبهذا يفترق عن الذبح؛ لأن القطع في أعلى العنق، والنحر في أسفله، وتكون الإبل قائمة معقودة يدها اليسرى، أي: قائمة على ثلاث أرجل، ثُمَّ أمر عليًّا ﵁ فنحر ما بقي وهي سبعٌ وثلاثون، ثُمَّ أمر ﵊ بأن يؤخذ له من كل بدنة قطعة من اللحم، وجُعلت في قِدر، فطُبخت، فأكل شيئًا منها، وشرب من مرقها، ثُمَّ أمر ببقيتها فوزعت لحومها وجلودها\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤١٣٧)، وأبو يعلى (٥٢٦٤).","vol":"3","page":474},{"text":"على الفقراء والمساكين.\nثم حلق رأسه ﵊، وأعطاه زوجُ أم سليم ﵂ أبا طلحة ﵁ يوزعه على الناس شعرة شعرة؛ للتبرك به؛ لما جعل الله فيه من البركة ﵊.\nثم بعد ذلك ركب ناقته، وأفاض إلى مكة، فطاف طواف الإفاضة، وصلى الظهر بمكة لما أدركته الصلاة، وجاء إلى بني عبد المطلب وهم يسقون بزمزم، فناوله دلوًا، فشرب قائمًا ﵊، وقال: «انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ، لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ» (^١)، ثُمَّ ذهب إلى مِنًى، فوجد أصحابه مجتمعين ينتظرونه، فصلى بهم الظهر، فصارت في حقه نافلة، ولهم فريضة.\nوفي يوم العيد طاف ﷺ طواف الإفاضة، ولم يسع؛ لأنه سعى مع طواف القدوم.\nثم أقام ﷺ بمنى اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، في كل يوم يرمي الجمرات الثلاث بعد زوال الشمس، سبع حصيات متعاقبات، ورخص في ليلة مزدلفة في ترك بها للعجزة والمرضى، ورخَّص لأم سلمة ﵂ أن تدفع آخر الليل لترمي قبل الفجر.\nولما قيل له: أين تنزل غدًا؟ قال ﷺ: «بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ»، أي: المكان الذي أعلنت فيه قريش قطيعة بني هاشم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢١٨).","vol":"3","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-540>بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ عَرَفَةَ كُلَّهَا مَوْقِفٌ</span>\nحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَابِرٍ- فِي حَدِيثِهِ ذَلِكَ-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «نَحَرْتُ هَهُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ؛ فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ، وَوَقَفْتُ ههنا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ».\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ جَعْفَرِ ابْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا.\nقوله: «نَحَرْتُ ههنا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ»، وفي اللفظ الآخر: «وفِجَاجُ مَكَّةَ كُلُّهَا طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ» (^١)، يعني: أن النحر عام في أي مكان من أرض الحرم، لكن الآن تغير الوضع، فصار الذبح في المجزرة فقط.\nوقوله: «وَوَقَفْتُ هَهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ»، أي: أنه ﵊ وقف في عرفة، عند الصخرات، خلف جبل الرحمة، وقال للناس: وقفت ههنا، وعرفة كلها موقف، ومكان موقفه ﷺ هذا هو الأفضل إن تيسر، وإلَّا فعرفة كلها موقف.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٤٤٩٨)، وأبو داود (١٩٣٧٩)، وابن ماجه (٣٠٤٨).","vol":"3","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-541>بَابٌ فِي الْوُقُوفِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾</span>\n\n[١٢١٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ: الْحُمْسَ، وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَمَرَ اللهُ ﷿ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ فَيَقِفَ بِهَا، ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرَاةً إِلَّا الْحُمْسَ- وَالْحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ- كَانُوا يَطُوفُونَ عُرَاةً إِلَّا أَنْ تُعْطِيَهُمُ الْحُمْسُ ثِيَابًا، فَيُعْطِي الرِّجَالُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءُ النِّسَاءَ، وَكَانَتِ الْحُمْسُ لَا يَخْرُجُونَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ يَبْلُغُونَ عَرَفَاتٍ.\nقَالَ هِشَامٌ: فَحَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: الْحُمْسُ هُمُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يُفِيضُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَكَانَ الْحُمْسُ يُفِيضُونَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ، يَقُولُونَ: لَا نُفِيضُ إِلَّا مِنَ الْحَرَمِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ رَجَعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ.\nفي هذا الحديث: أن الناس في الجاهلية كانوا ينزعون ثيابهم التي جاؤوا فيها، فلا يطوفون بها، ويتصدق عليهم أهل مكة بثياب يطوفون بها، فالرجال يعطون الرجال، والنساء تعطي النساء، ومن لم يجد أحدًا يعطيه طاف عاريًا، حتى المرأة كانت تطوف عارية إذا لم تجد من تعطيها ثوبًا، وتضع يدها على فرجها، وتطوف بالبيت، وتقول:","vol":"3","page":477},{"text":"الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ (^١)\nتعني: فرجها، وهذا من جهلها تكشف عورتها للناس، وتقول هذا الكلام.\n\n[١٢٢٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَاقِفًا مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: وَاللهِ إِنَّ هَذَا لَمِنَ الْحُمْسِ، فَمَا شَأْنُهُ ههنا؟ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَدُّ مِنَ الْحُمْسِ.\n[خ: ١٦٦٤]\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ حج قبل الهجرة قبل أن يوحى إليه، فلما تجاوز مزدلفة، ووقف بعرفة، كان جبير بن مطعِم خارجًا من مزدلفة يبحث عن بعيره الذي ضاع منه، فذهب إلى عرفة، فوجد النبي ﷺ واقفًا، فتعجب من وقوفه، فقال: «وَاللهِ إِنَّ هَذَا لَمِنَ الْحُمْسِ».\n_________\n(^١) البيت لضباعة بنت عِمْران بن حصين الأنصارية، أخبار مكة، للأزرقي (١/ ١٧٦).","vol":"3","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-542>بَابٌ فِي نَسْخِ التَّحَلُّلِ مِنَ الْإِحْرَامِ، وَالْأَمْرِ بِالتَّمَامِ</span>\n\n[١٢٢١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ، فَقَالَ لِي: «أَحَجَجْتَ؟»، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟» قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «فَقَدْ أَحْسَنْتَ، طُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَحِلَّ» قَالَ: فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ بَنِي قَيْسٍ فَفَلَتْ رَأْسِي، ثُمَّ أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ، قَالَ: فَكُنْتُ أُفْتِي بِهِ النَّاسَ حَتَّى كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا مُوسَى- أَوْ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ- رُوَيْدَكَ بَعْضَ فُتْيَاكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النُّسُكِ بَعْدَكَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كُنَّا أَفْتَيْنَاهُ فُتْيَا فَلْيَتَّئِدْ، فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَادِمٌ عَلَيْكُمْ، فَبِهِ فَائْتَمُّوا، قَالَ: فَقَدِمَ عُمَرُ ﵁، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللهِ فَإِنَّ كِتَابَ اللهِ يَأْمُرُ بِالتَّمَامِ، وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ.\n[خ: ١٧٢٤]\nوَحَدَّثَنَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nقوله: «امْرَأَةً مِنْ بَنِي قَيْسٍ» هذه المرأة من محارمه، وهي محارمه وهي إحدى أخوات أبي موسى الأشعري ﵁.\nوقوله: «فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا مُوسَى- أَوْ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ- رُوَيْدَكَ بَعْضَ فُتْيَاكَ»، يعني: لا تستعجل؛ فإن أمير المؤمنين يفتي بشيء آخر؛ «فَإِنَّكَ لَا","vol":"3","page":479},{"text":"تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النُّسُكِ بَعْدَكَ» فتأدب ﵁ مع أمير المؤمنين، وقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كُنَّا أَفْتَيْنَاهُ فُتْيَا فَلْيَتَّئِدْ»، يعني: يتمهل ولا يستعجل؛ «فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَادِمٌ عَلَيْكُمْ فَبِهِ فَائْتَمُّوا، قَالَ: فَقَدِمَ عُمَرُ ﵁، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللهِ فَإِنَّ كِتَابَ اللهِ يَأْمُرُ بِالتَّمَامِ، وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ»، وهذا اجتهاد من عمر ﵁، والسنة حاكمة على كل أحد.\nوالصواب: أن الأولى والأفضل التمتع.\nوفي هذا الحديث: أدب أبي موسى عبد الله بن قيس ﵁ مع ولاة الأمور؛ حيث ترك فتياه لرأي أمير المؤمنين ﵁.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ قَيْسٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ، فَقَالَ: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟» قَالَ: قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «هَلْ سُقْتَ مِنْ هَدْيٍ؟»، قُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حِلَّ»، فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي فَمَشَطَتْنِي، وَغَسَلَتْ رَأْسِي، فَكُنْتُ أُفْتِي النَّاسَ بِذَلِكَ فِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِمَارَةِ عُمَرَ، فَإِنِّي لَقَائِمٌ بِالْمَوْسِمِ؛ إِذْ جَاءَنِي رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ، فَقُلْتُ: أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كُنَّا أَفْتَيْنَاهُ بِشَيْءٍ فَلْيَتَّئِدْ، فَهَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَادِمٌ عَلَيْكُمْ، فَبِهِ فَائْتَمُّوا، فَلَمَّا قَدِمَ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا هَذَا الَّذِي أَحْدَثْتَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟ قَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ ﷿ قَالَ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ نَبِيِّنَا ﵊، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ».\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي","vol":"3","page":480},{"text":"مُوسَى ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعَثَنِي إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ: فَوَافَقْتُهُ فِي الْعَامِ الَّذِي حَجَّ فِيهِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا أَبَا مُوسَى، كَيْفَ قُلْتَ حِينَ أَحْرَمْتَ؟» قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ إِهْلَالًا كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «هَلْ سُقْتَ هَدْيًا؟»، فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَانْطَلِقْ فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَحِلَّ»، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ.\n\n[١٢٢٢] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِي مُوسَى: أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِالْمُتْعَةِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: رُوَيْدَكَ بِبَعْضِ فُتْيَاكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النُّسُكِ بَعْدُ، حَتَّى لَقِيَهُ بَعْدُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ فَعَلَهُ وَأَصْحَابُهُ، وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا مُعْرِسِينَ بِهِنَّ فِي الْأَرَاكِ، ثُمَّ يَرُوحُونَ فِي الْحَجِّ تَقْطُرُ رُءُوسُهُمْ.\nقوله: «أَنْ يَظَلُّوا مُعْرِسِينَ بِهِنَّ فِي الْأَرَاكِ، ثُمَّ يَرُوحُونَ فِي الْحَجِّ تَقْطُرُ رُءُوسُهُمْ»، وكلام عمر ﵁ هو ما قاله الصحابة ﵃، حين أمرهم النبي ﷺ بالفسخ والتحلل، وهذا اجتهاد منه ﵁.","vol":"3","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-543>بَابُ جَوَازِ التَّمَتُّعِ</span>\n\n[١٢٢٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَقِيقٍ: كَانَ عُثْمَانُ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَأْمُرُ بِهَا، فَقَالَ عُثْمَانُ لِعَلِيٍّ كَلِمَةً، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّا قَدْ تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: أَجَلْ وَلَكِنَّا كُنَّا خَائِفِينَ.\nوَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: اجْتَمَعَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ ﵄ بِعُسْفَانَ، فكان عثمان ينهى عَنِ الْمُتْعَةِ- أَوِ: الْعُمْرَةِ- فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا تُرِيدُ إِلَى أَمْرٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَنْهَى عَنْهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: دَعْنَا مِنْكَ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدَعَكَ، فَلَمَّا أَنْ رَأَى عَلِيٌّ ذَلِكَ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا.\nفي هذه الأحاديث: أن عثمان ﵁ كان كأبي بكر ﵁، وعمر ﵁- ينهى عن المتعة؛ اجتهادًا منه، ونهيهم يحمل على كراهتهم لذلك، لا أنهم يقولون بالتحريم، قال الحافظ ابن حجر: «هي رواية شاذة فقد روى الحديث مروان بن الحكم وسعيد بن المسيب، وهما أعلم من عبد الله بن شقيق فلم يقولا ذلك، والتمتع إنما كان في حجة الوداع، وقد قال بن مسعود- كما ثبت عنه في الصحيحين-: كنا آمن ما يكون الناس». (^١)\n_________\n(^١) عزو","vol":"3","page":482},{"text":"وقوله: «وَلَكِنَّا كُنَّا خَائِفِينَ» هذه اللفظة فيها إشكال؛ لأنه هنا لم يكن ثَمَّ خوف، وإنما الخوف كان في عمرة القضية، وعمرة القضية لم يكن فيها متعة، فلعل هذه الجملة وهمٌ من بعض الرواة.\nوفيها: أن من خالف السنة لا يؤخذ بقوله، كائنًا من كان، ولو كان من أفضل الناس كالخلفاء الثلاثة ﵃؛ ولهذا لما اختلف ابن عباس ﵁ مع بعض الناس في متعة الحج قال: «تَمَتَّعَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ الْمُتْعَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا يَقُولُ عُرَيَّةُ؟ قَالَ: يَقُولُ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ الْمُتْعَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُرَاهُمْ سَيَهْلِكُونَ! أَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، وَيَقُولُ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» (^١)، يعني: أنتم تعارضون السنة بقول الشيخين!\n\n[١٢٢٤] وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: كَانَتِ الْمُتْعَةُ فِي الْحَجِّ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ خَاصَّةً.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَيَّاشٍ الْعَامِرِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: كَانَتْ لَنَا رُخْصَةً- يَعْنِي: الْمُتْعَةَ فِي الْحَجِّ.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ فُضَيْلٍ عَنْ زُبَيْدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ ﵁: لَا تَصْلُحُ الْمُتْعَتَانِ، إِلَّا لَنَا خَاصَّةً- يَعْنِي: مُتْعَةَ النِّسَاءِ، وَمُتْعَةَ الْحَجِّ.\nفي هذه الأحاديث: ظنُّ أبي ذر ﵁ أن المتعة خاصة بالصحابة ﵃.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣١٢١).","vol":"3","page":483},{"text":"والصواب: أنها عامة، بدليل حديث سراقة بن جُعشم ﵁ قال: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَشَبَّكَ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَقَالَ: «لَا، بَلْ لِلْأَبَدِ».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ بَيَانٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ: أَتَيْتُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ، وَإِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ، فَقُلْتُ: إِنِّي أَهُمُّ أَنْ أَجْمَعَ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ الْعَامَ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: لَكِنْ أَبُوكَ لَمْ يَكُنْ لِيَهُمَّ بِذَلِكَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ بَيَانٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ مَرَّ بِأَبِي ذَرٍّ ﵁ بِالرَّبَذَةِ، فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَتْ لَنَا خَاصَّةً دُونَكُمْ.\n\n[١٢٢٥] وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ الْفَزَارِيِّ، قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ غُنَيْمِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَأَلْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ عَنِ الْمُتْعَةِ، فَقَالَ: فَعَلْنَاهَا، وَهَذَا يَوْمَئِذٍ كَافِرٌ بِالْعُرُشِ- يَعْنِي: بُيُوتَ مَكَّةَ.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: يَعْنِي: مُعَاوِيَةَ.\nوَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، جَمِيعًا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِهِمَا، وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: الْمُتْعَةُ فِي الْحَجِّ.\nقوله: «فَعَلْنَاهَا»، يعني: المتعة.\nوقوله: «كَافِر بالعُرُشِ» العُرُش- بالضم-: بيوت مكة.\nوالكفر معناه هنا: أن معاوية ﵁ كان مستترًا في بيوت مكة.\nوقيل: معناه: أنَّا تمتعنا ومعاوية ﵁ يومئذٍ كافر على دين الجاهلية، مقيم بمكة، لم يسلم في ذلك الوقت.","vol":"3","page":484},{"text":"[١٢٢٦] وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: إِنِّي لَأُحَدِّثُكَ بِالْحَدِيثِ الْيَوْمَ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ، وَاعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَعْمَرَ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِهِ فِي الْعَشْرِ، فَلَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ، ارْتَأَى كُلُّ امْرِئٍ بَعْدُ مَا شَاءَ أَنْ يَرْتَئِيَ.\n[خ: ١٥٧١]\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، وقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ فِي رِوَايَتِهِ: ارْتَأَى رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ- يَعْنِي: عُمَرَ.\nقوله: «وَاعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَعْمَرَ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِهِ فِي الْعَشْرِ، فَلَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ»، يعني: توفي الرسول ﷺ وهو على ذلك، ثُمَّ بعد ذلك اجتهد مَن اجتهد كعمر ﵁.\nوقوله: «قَدْ أَعْمَرَ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِهِ فِي الْعَشْرِ»، أي: في العشر الأول من ذي الحجة.\nوقوله: «فَلَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ ذَلِكَ»، أي: العمرة والمتعة في أشهر الحج.\nوقوله: «ارْتَأَى»، يعني: اجتهد وقال بالرأي، أي: لا يوجد عنده دليل حينما نهى عن المتعة.\nوقوله: «رَجُلٌ» المراد به: عمر بن الخطاب ﵁، حيث اجتهد، وأمر بالإفراد، ونهى عن المتعة.","vol":"3","page":485},{"text":"وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا عَسَى اللهُ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ، وَلَمْ يَنْزِلْ فِيهِ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ، وَقَدْ كَانَ يُسَلَّمُ عَلَيَّ حَتَّى اكْتَوَيْتُ، فَتُرِكْتُ، ثُمَّ تَرَكْتُ الْكَيَّ فَعَادَ.\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذٍ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ مُحَدِّثَكَ بِأَحَادِيثَ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهَا بَعْدِي، فَإِنْ عِشْتُ فَاكْتُمْ عَنِّي، وَإِنْ مُتُّ فَحَدِّثْ بِهَا إِنْ شِئْتَ، إِنَّهُ قَدْ سُلِّمَ عَلَيَّ، وَاعْلَمْ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ فِيهَا كِتَابُ اللهِ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا نَبِيُّ اللهِ ﷺ، قَالَ رَجُلٌ فِيهَا بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ ﵁ قَالَ: اعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ فِيهَا كِتَابٌ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنْهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ فِيهَا رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَمْ يَنْزِلْ فِيهِ الْقُرْآنُ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ.\nوَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا","vol":"3","page":486},{"text":"إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: تَمَتَّعَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ وَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ.\nحَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ: قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللهِ- يَعْنِي: مُتْعَةَ الْحَجِّ- وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ لَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ آيَةَ مُتْعَةِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَجُلٌ: بِرَأْيِهِ بَعْدُ مَا شَاءَ.\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عِمْرَانَ الْقَصِيرِ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَمْ يَقُلْ: وَأَمَرَنَا بِهَا.\nقوله: «حَتَّى اكْتَوَيْتُ» فيه: أن الكي مكروه، وعمران بن حصين ﵁ لما فعل المكروه تركت الملائكةُ السلامَ عليه.\nوقوله: «جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ»، أي: حج قارنًا هو ومن ساق الهدي.\nفي هذه الأحاديث: كرامة لعمران بن حصين ﵁، حيث كانت الملائكة تُسَلِّم عليه، وقد كانت به بواسير، وكان يصبر عليها، فلما اكتوى انقطع سلامهم عليه، ثُمَّ ترك الكي فعاد سلامهم عليه، وفي المسند والسنن: أن عمران ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الكي فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا» (^١)، وفي لفظ: «فما أفلحن ولا أنجحن»، (^٢) ولفظ ابن ماجه: «فما أفلحت ولا أنجحت» (^٣)، قال ابن حجر ﵀: «والنهي فيه محمول على\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٩٨٣١)، والترمذي (٢٠٤٩).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٩٨٦٤)، وأبو داود (٣٨٦٥).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٣٤٩٠).","vol":"3","page":487},{"text":"الكراهة، أو على خلاف الأولى؛ لما يقتضيه مجموع الأحاديث، وقيل: إنه خاص بعمران؛ لأنه كان به الباسور، وكان موضعه خطِرًا فنهاه عن كيه فلما اشتد عليه كواه فلم ينجح» (^١)، والصارف له عن التحريم: كون النبي ﷺ عد الكي من أنواع الشفاء، وهذا يدل على أنه ليس للتحريم، فلو كان حرامًا لما كان من أنواع الشفاء التي ذكرها الرسول ﷺ، وتزول الكراهة إذا تعين سببًا للعلاج، بأن استنفذ أنواع العلاجات الأخرى ولم يجد فيها فائدة فاحتاج إلى الكي زالت الكراهة في هذه الحالة.\nوفيه: أن عمران ﵁ يقول لمطرف بن عبد الله الشخير ﵁: «لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهَا بَعْدِي» معناه: تعمل بها وتعلمها غيرك «فَإِنْ عِشْتُ فَاكْتُمْ عَنِّي»، يعني: أنه قال له: لا تُشِعْ ذلك في وقت حياتي حتى لا يتحدث الناس به، ويكون ذلك نوعًا من الرياء، ففي ذلك: حذره ﵁ من الرياء، ثُمَّ إنه قد قال ذلك، كما في الرواية الثانية: «فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ»، قال: «وَإِنْ مُتُّ» فلا بأس أن تحدِّث بهذه الكرامة.\nثم بيَّن له ﵁ أن المتعة باقية، وأن عمر ﵁ اجتهد بعد ذلك، وليس فيه إلا حديث واحد مع قوله: «إِنِّي كُنْتُ مُحَدِّثَكَ بِأَحَادِيثَ»، فيكون باقي الأحاديث محذوفًا من الرواية، وأما إخباره بالسلام فليس حديثًا، قاله النووي (^٢).\nوالحديث بهذا السياق من أفراد مسلم، وإنما اقتصر البخاري على محل الشاهد (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ١٥٥).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٨/ ٢٠٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٥٧١).","vol":"3","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-544>بَابُ وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ، وَأَنَّهُ إِذَا عَدَمَهُ لَزِمَهُ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ</span>\n\n[١٢٢٧] حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَأَهْدَى، فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ، قَالَ لِلنَّاسِ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَطَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ، وَمَشَى أَرْبَعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ رَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَانْصَرَفَ، فَأَتَى الصَّفَا، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى قَضَى حَجَّهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ\nمِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ.\n[خ: ١٦٩١]\n\n[١٢٢٨] وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- أَخْبَرَتْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي تَمَتُّعِهِ بِالْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَتَمَتُّعِ النَّاسِ مَعَهُ، بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.\n[خ: ١٦٩٢]","vol":"3","page":489},{"text":"في هذه الأحاديث: التصريح بأن النبي ﷺ أمرهم بالمتعة، وابن عمر ﵄- أيضًا- كان ممن يفتي بالمتعة.\nوفيها: أن من لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، وهو نص قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.\nوقوله: «خَبَّ»، يعني: رمل، وهو إسراع المشي مع تقارب الخطا.\nوابن عمر ﵄ لما قيل له: «إِنَّ أَبَاكَ قَدْ نَهَى عَنْهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ أَبِي نَهَى عَنْهَا، وَصَنَعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَأَمْرَ أَبِي نَتَّبِعُ، أَمْ أَمْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: بَلْ أَمْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: لَقَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٨٢٤).","vol":"3","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-545>بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْقَارِنَ لَا يَتَحَلَّلُ إِلَّا فِي وَقْتِ تَحَلُّلِ الْحَاجِّ الْمُفْرِدِ</span>\n\n[١٢٢٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ حَفْصَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا، وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ».\n[خ: ١٥٦٦]\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ ﵃ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: مَا لَكَ لَمْ تَحِلَّ؟ بِنَحْوِهِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ ﵃ قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا، وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: «إِنِّي قَلَّدْتُ هَدْيِي، وَلَبَّدْتُ رَأْسِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الْحَجِّ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ حَفْصَةَ ﵂ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ: «فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ، وَعَبْدُ الْمَجِيدِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يَحْلِلْنَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَحِلَّ؟ قَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ هَدْيِي».\nفيه هذا الحديث: دليل على أن المتمتع والقارن إذا ساق الهدي من خارج مكة فإنه لا يتحلل من عمرته حتى يذبح هديه.","vol":"3","page":491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-546>بَابُ بَيَانِ جَوَازِ التَّحَلُّلِ بِالْإِحْصَارِ، وَجَوَازِ الْقِرَانِ</span>\n\n[١٢٣٠] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ خَرَجَ فِي الْفِتْنَةِ مُعْتَمِرًا، وَقَالَ: إِنْ صُدِدْتُ عَنِ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَخَرَجَ فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَسَارَ حَتَّى إِذَا ظَهَرَ عَلَى الْبَيْدَاءِ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ»، فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا جَاءَ الْبَيْتَ طَافَ بِهِ سَبْعًا، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا، لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، وَرَأَى أَنَّهُ مُجْزِئٌ عَنْهُ وَأَهْدَى.\n[خ: ١٨١٣]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، كَلَّمَا عَبْدَ اللهِ- حِينَ نَزَلَ الْحَجَّاجُ لِقِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ- قَالَا: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَحُجَّ الْعَامَ؛ فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَ النَّاسِ قِتَالٌ يُحَالُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، قَالَ: فَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ، حِينَ حَالَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ: «أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً»، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَلَبَّى بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ خُلِّيَ سَبِيلِي قَضَيْتُ عُمْرَتِي، وَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ، ثُمَّ تَلَا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، ثُمَّ سَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَهْرِ الْبَيْدَاءِ قَالَ: «مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ، إِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْعُمْرَةِ، حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْحَجِّ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَةٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى ابْتَاعَ بِقُدَيْدٍ هَدْيًا»، ثُمَّ طَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ لَمْ يَحِلَّ مِنْهُمَا، حَتَّى حَلَّ مِنْهُمَا بِحَجَّةٍ يَوْمَ النَّحْرِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: أَرَادَ ابْنُ","vol":"3","page":492},{"text":"عُمَرَ الْحَجَّ حِينَ نَزَلَ الْحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: وَكَانَ يَقُولُ: «مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كَفَاهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ، وَلَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَرَادَ الْحَجَّ عَامَ نَزَلَ الْحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ، فَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، أَصْنَعُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً»، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ قَالَ: «مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ اشْهَدُوا» - قَالَ ابْنُ رُمْحٍ-: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي، وَأَهْدَى هَدْيًا اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ يُهِلُّ بِهِمَا جَمِيعًا حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْحَرْ، وَلَمْ يَحْلِقْ، وَلَمْ يُقَصِّرْ، وَلَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَنَحَرَ وَحَلَقَ، وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.\n[خ: ١٦٤٠]\nحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ النَّبِيَّ ﷺ إِلَّا فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ حِينَ قِيلَ لَهُ: يَصُدُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ، قَالَ: إِذًا أَفْعَلَ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، كَمَا ذَكَرَهُ اللَّيْثُ.\nقوله: «عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ» هما ابنا عبد الله بن عمر ﵄.\nوقوله: «قَالَا: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَحُجَّ الْعَامَ»، أي: لو تركت الحج هذا العام ما ضرك شيء، وقالو له هذا خوفًا على أبيهم من الفتنة، ومن أن يصدوه عن","vol":"3","page":493},{"text":"البيت؛ ولهذا قالوا: «فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَ النَّاسِ قِتَالٌ يُحَالُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْبَيْتِ»، وكان ذلك عام ثلاثة وسبعين من الهجرة.\nلكن ابن عمر ﵄ كان كثير الحج، والعمرة، فقال: «فَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ، حِينَ حَالَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ»، أي: لما صُدَّ يوم الحديبية، «وَرَأَى أَنَّهُ مُجْزِئٌ عَنْهُ وَأَهْدَى» ظاهره أنه اكتفى بطواف واحد بالبيت، وهذا محمول على أنه خفيت عليه فيه السنة؛ فإن طواف الإفاضة بعد عرفة في يوم العيد لا بد منه لكل حاج، ولا يكفي عنه طواف القدوم.\nوقوله: «حَتَّى ابْتَاعَ»، أي: حتى اشترى.\nوقوله: «كَفَاهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ» هذا محمول على السعي، فهو طواف بين الصفا والمروة، أما طواف الإفاضة فإنه لا يكون إلا يوم النحر.","vol":"3","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-547>بَابٌ فِي الْإِفْرَادِ، وَالْقِرَانِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ</span>\n\n[١٢٣١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ الْهِلَالِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ- فِي رِوَايَةِ يَحْيَى- قَالَ: أَهْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا.\n\n[١٢٣٢] وَحَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ بَكْرٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ: يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا، قَالَ بَكْرٌ: فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ، فَلَقِيتُ أَنَسًا، فَحَدَّثْتُهُ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ أَنَسٌ: مَا تَعُدُّونَنَا إِلَّا صِبْيَانًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا».\n[خ: ٤٣٥٤]\nوَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ ﵁: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ بَيْنَهُمَا- بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ- قَالَ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَنَسٍ فَأَخْبَرْتُهُ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، فَقَالَ: كَأَنَّمَا كُنَّا صِبْيَانًا.\nقوله: «مَا تَعُدُّونَنَا إِلَّا صِبْيَانًا» لأن الصبيان لا يضبطون في الغالب.\nفي هذه الأحاديث: عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ أهلَّ بالحج مفردًا، وهذا لعله وهمٌ من بعض الرواة، فقد سبق قريبا عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ أهلَّ بالعمرة إلى الحج، قال: «وَبَدَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ».","vol":"3","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-548>بَابُ مَا يَلْزَمُ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ قَدِمَ مَكَّةَ مِنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ</span>\n\n[١٢٣٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ وَبَرَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَيَصْلُحُ لِي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الْمَوْقِفَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَا تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَأْتِيَ الْمَوْقِفَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَقَدْ حَجَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمَوْقِفَ، فَبِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ تَأْخُذَ، أَوْ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ بَيَانٍ عَنْ وَبَرَةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ ﵄: أَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَقَدْ أَحْرَمْتُ بِالْحَجِّ؟ فَقَالَ: وَمَا يَمْنَعُكَ؟ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ ابْنَ فُلَانٍ يَكْرَهُهُ، وَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْهُ، رَأَيْنَاهُ قَدْ فَتَنَتْهُ الدُّنْيَا، فَقَالَ: وَأَيُّنَا، أَوْ أَيُّكُمْ لَمْ تَفْتِنْهُ الدُّنْيَا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَسُنَّةُ اللهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ تَتَّبِعَ مِنْ سُنَّةِ فُلَانٍ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا.\n\n[١٢٣٤] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ قَدِمَ بِعُمْرَةٍ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.\n[خ: ٣٩٥]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، جَمِيعًا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.","vol":"3","page":496},{"text":"قوله: «فَبِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ تَأْخُذَ، أَوْ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا؟ !»، يعني: بأيهما تأخذ، بقول الرسول ﷺ، أو بقول ابن عباس ﵄؟ !\nوالصواب: أنه يشرع لمن أحرم بالحج مفردًا، أو قارنًا أن يأتي مكة أولًا ويطوف للقدوم، وإن أحب أن يسعى سعي الحج فله ذلك، وإن أحب أن يؤخر طواف القدوم مع طواف الإفاضة فله ذلك يوم العيد.\nأما قول ابن عباس ﵄: إنه لا يأتي مكة حتى يكون بعد عرفة، فهذا قول ضعيف؛ لأن النبي ﷺ طاف طواف القدوم.\nوهذا الحكم الذي قاله ابن عمر ﵄ هو مذهب العلماء كافة، وهو أن المعتمر لا يتحلل إلا بالطواف والسعي والحلق، إلا ما حكاه القاضي عياض ﵀ عن ابن عباس ﵄ وإسحاق بن راهويه ﵀:\nإن الطواف يحل المعتمر وإن لم يسع (^١)، وهذا ضعيف مخالف للسنة.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٤/ ٣١٢).","vol":"3","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-549>بَابُ مَا يَلْزَمُ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى مِنَ الْبَقَاءِ عَلَى الْإِحْرَامِ، وَتَرْكِ التَّحَلُّلِ</span>\n\n[١٢٣٥] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو- وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالَ لَهُ: سَلْ لِي عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ رَجُلٍ يُهِلُّ بِالْحَجِّ فَإِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ أَيَحِلُّ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالَ لَكَ: لَا يَحِلُّ، فَقُلْ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا يَقُولُ ذَلِكَ، قَالَ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: لَا يَحِلُّ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ إِلَّا بِالْحَجِّ، قُلْتُ: فَإِنَّ رَجُلًا كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ، قَالَ: بِئْسَ مَا قَالَ، فَتَصَدَّانِي الرَّجُلُ فَسَأَلَنِي، فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: فَقُلْ لَهُ: فَإِنَّ رَجُلًا كَانَ يُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمَا شَأْنُ أَسْمَاءَ وَالزُّبَيْرِ قَدْ فَعَلَا ذَلِكَ، قَالَ: فَجِئْتُهُ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي، قَالَ: فَمَا بَالُهُ لَا يَأْتِينِي بِنَفْسِهِ يَسْأَلُنِي، أَظُنُّهُ عِرَاقِيًّا، قُلْتُ: لَا أَدْرِي، قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ كَذَبَ: قَدْ حَجَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂: أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ عُمَرُ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ، فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ مُعَاوِيَةُ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ،\nثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا بِعُمْرَةٍ، وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ أَفَلَا يَسْأَلُونَهُ، وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ حِينَ يَضَعُونَ أَقْدَامَهُمْ، أَوَّلَ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ، وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي وَخَالَتِي حِينَ تَقْدَمَانِ، لَا تَبْدَآنِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنَ الْبَيْتِ تَطُوفَانِ بِهِ، ثُمَّ لَا تَحِلَّانِ، وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي: أَنَّهَا أَقْبَلَتْ هِيَ","vol":"3","page":498},{"text":"وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمْرَةٍ قَطُّ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا، وَقَدْ كَذَبَ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ.\n[خ: ١٦٤١]\n\n[١٢٣٦] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: خَرَجْنَا مُحْرِمِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَقُمْ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحْلِلْ»، فَلَمْ يَكُنْ مَعِي هَدْيٌ فَحَلَلْتُ، وَكَانَ مَعَ الزُّبَيْرِ هَدْيٌ فَلَمْ يَحْلِلْ قَالَتْ: فَلَبِسْتُ ثِيَابِي، ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَلَسْتُ إِلَى الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: قُومِي عَنِّي، فَقُلْتُ: أَتَخْشَى أَنْ أَثِبَ عَلَيْكَ.\nوَحَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄، قَالَتْ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ: اسْتَرْخِي عَنِّي، اسْتَرْخِي عَنِّي، فَقُلْتُ: أَتَخْشَى أَنْ أَثِبَ عَلَيْكَ؟ .\n\n[١٢٣٧] وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ- مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄- حَدَّثَهُ: أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ أَسْمَاءَ كُلَّمَا مَرَّتْ بِالْحَجُونِ، تَقُولُ: صَلَّى اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ ههنا، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفَافُ الْحَقَائِبِ، قَلِيلٌ ظَهْرُنَا، قَلِيلَةٌ أَزْوَادُنَا، فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي عَائِشَةُ، وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ أَحْلَلْنَا، ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِنَ الْعَشِيِّ بِالْحَجِّ، قَالَ هَارُونُ فِي رِوَايَتِهِ: أَنَّ مَوْلَى أَسْمَاءَ، وَلَمْ يُسَمِّ عَبْدَ اللهِ.\n[خ: ١٧٩٦]\nقوله: «فَتَصَدَّانِي»، أي: تعرَّض لي.","vol":"3","page":499},{"text":"وقوله: «أَخْبَرَتْنِي أُمِّي»، أي: أسماء بنت أبي بكر ﵂ «أَنَّهَا أَقْبَلَتْ هِيَ وَأُخْتُهَا»، أي: عائشة ﵂.\nوقوله: «أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ» استدل به الجمهور على أن الوضوء شرط في صحة الطواف (^١)؛ لأن النبي ﷺ توضأ، وطاف، وهو القائل ﷺ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ؛ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» (^٢).\nوالأحناف ومن وافقهم يرون أن الوضوء للطواف مستحب، وليس بواجب، ومنهم من قال: إنه واجب، وعليه دم إذا تركه (^٣).\nوقوله: «ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ»، أي: لم يغير الحج، ولم ينقله ويفسخه إلى غيره، لا عمرة ولا قران، وفي الرواية الأخرى: «ثُمَّ لَمْ تكُنْ عُمْرَة» (^٤).\nوقوله: «فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا» هذا مجمل، فسره في الأحاديث الأخرى، والمعنى: فلما سعوا، وقصروا، تحللوا كما جاء مفصلًا في أحاديث أخرى.\nوقوله: «قُومِي عَنِّي»، أي: أمرها بالقيام حتى لا يتصل بها، أو يقبلها، أو يلمسها بشهوة؛ لأنها متحللة وهو محرم، فقالت: «أَتَخْشَى أَنْ أَثِبَ عَلَيْكَ»، أي: أن أقفز عليك.\nوفي هذه الأحاديث: الرد على مذهب ابن عباس ﵄ القائل: إن كل من طاف بالبيت فإنه يتحلل، شاء أم أبى.\n_________\n(^١) مواهب الجليل، للحطاب (٣/ ٦٩)، المجموع، للنووي (٨/ ١٥)، المغني، لابن قدامة (٣/ ٣٥٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٩٧).\n(^٣) بدائع الصنائع، للكاساني (٢/ ١٢٩).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٦٤٨)، ومسلم (١٢٣٥).","vol":"3","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-550>بَابٌ فِي مُتْعَةِ الْحَجِّ</span>\n\n[١٢٣٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُسْلِمٍ الْقُرِّيِّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ، فَرَخَّصَ فِيهَا، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنْهَا، فَقَالَ: هَذِهِ أُمُّ ابْنِ الزُّبَيْرِ تُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فِيهَا، فَادْخُلُوا عَلَيْهَا فَاسْأَلُوهَا، قَالَ: فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا، فَإِذَا امْرَأَةٌ ضَخْمَةٌ عَمْيَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهَا.\n[خ: ١٠٨٦]\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فَأَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَفِي حَدِيثِهِ: الْمُتْعَةُ، وَلَمْ يَقُلْ: مُتْعَةُ الْحَجِّ، وَأَمَّا ابْنُ جَعْفَرٍ، فَقَالَ شُعْبَةُ: قَالَ مُسْلِمٌ: لَا أَدْرِي مُتْعَةُ الْحَجِّ، أَوْ مُتْعَةُ النِّسَاءِ.\n\n[١٢٣٩] وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ الْقُرِّيُّ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ بِعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ أَصْحَابُهُ بِحَجٍّ، فَلَمْ يَحِلَّ النَّبِيُّ ﷺ، وَلَا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَحَلَّ بَقِيَّتُهُمْ، فَكَانَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ فِيمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَلَمْ يَحِلَّ.\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَكَانَ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الْهَدْيُ: طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، وَرَجُلٌ آخَرُ فَأَحَلَّا.\nقوله: «هَذِهِ أُمُّ ابْنِ الزُّبَيْرِ تُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فِيهَا، فَادْخُلُوا عَلَيْهَا فَاسْأَلُوهَا، قَالَ: فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا، فَإِذَا امْرَأَةٌ ضَخْمَةٌ عَمْيَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهَا»، يعني: أن أسماء ﵂ اختارت أن النبي ﷺ رخص في المتعة، وابنها الزبير ﵁ نهى عنها اجتهادًا منه؛ تبعًا لجده الصدّيق ﵁، ولعمر ﵁، ولعثمان ﵁، وأن العمرة تكون في وقت آخر.","vol":"3","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-551>بَابُ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ</span>\n\n[١٢٤٠] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ، وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ، وَعَفَا الْأَثَرْ، وَانْسَلَخَ صَفَرْ حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ، فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: «الْحِلُّ كُلُّهُ».\n[خ: ١٠٨٥]\nقوله: «إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ»، أي: إذا برأت الجروح التي تكون في ظهر البعير بسبب حمل الأثقال، وانسلخ شهر صفر جاء وقت العمرة.\nوقوله: «وَعَفَا الْأَثَرْ»، أي: انمحى أثر الإبل من الأرض، يعني: انتهى الذهاب والإياب للحج.\nوقوله: «فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ»، يعني: كبر وشق عليهم فعلُ العمرة في الحج؛ لأن هذا الأمر لم يألفوه في الجاهلية.\nوقوله: «فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْحِلِّ»، يعني: هل هو حل ناقص، أو حل كامل تحل فيه النساء، والطيب، وقص الأظافر؟ فقال ﷺ: «الْحِلُّ كُلُّهُ».","vol":"3","page":502},{"text":"حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْحَجِّ، فَقَدِمَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَصَلَّى الصُّبْحَ، وَقَالَ- لَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ-: «مَنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً».\nوَحَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْمُبَارَكِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، أَمَّا رَوْحٌ، وَيَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، فَقَالَ نَصْرٌ: أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْحَجِّ، وَأَمَّا أَبُو شِهَابٍ فَفِي رِوَايَتِهِ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نُهِلُّ بِالْحَجِّ، وَفِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا: فَصَلَّى الصُّبْحَ بِالْبَطْحَاءِ، خَلَا الْجَهْضَمِيَّ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ.\nوَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ السَّدُوسِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنَ الْعَشْرِ، وَهُمْ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصُّبْحَ بِذِي طَوًى، وَقَدِمَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُحَوِّلُوا إِحْرَامَهُمْ بِعُمْرَةٍ، إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ.\n\n[١٢٤١] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الْهَدْيُ فَلْيَحِلَّ الْحِلَّ كُلَّهُ؛ فَإِنَّ الْعُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».\n\n[١٢٤٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،","vol":"3","page":503},{"text":"حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَمْرَةَ الضُّبَعِيَّ قَالَ: تَمَتَّعْتُ، فَنَهَانِي نَاسٌ عَنْ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَنِي بِهَا، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى الْبَيْتِ فَنِمْتُ، فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي، فَقَالَ: عُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ وَحَجٌّ مَبْرُورٌ قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي رَأَيْتُ، فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ.\n[خ: ١٥٦٧]\nفي هذا الحديث: مشروعية التكبير عند موافقة السنة، وعند رؤية ما يسر الإنسان، لا التصفيق؛ فإن التصفيق والصفير من أخلاق المشركين، قال تعالى: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾.","vol":"3","page":504},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-552>بَابُ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ، وَإِشْعَارِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ</span>\n\n[١٢٤٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي حَسَّانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمَعْنَى حَدِيثِ شُعْبَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ لَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلَمْ يَقُلْ: صَلَّى بِهَا الظُّهْرَ.\nقوله: «فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ، أَهَلَّ بِالْحَجِّ» هذا محمول على أنه كرر الإهلال بالحج في البيداء؛ ليسمعه الناس فيقتدوا به، وإلا فقد سبق أنه أهلَّ بالحج على راحلته في ذي الحليفة بعد الظهر.\nهذا الحديث فيه: مشروعية إشعار الهدي وتقليده.\nوفيه: سُنَّتَان لمن ساق الهدي من بلده، وهما:\nالسُّنة الأولى: الإشعار، وهو أن يجرحها في صفحة سنامها اليمنى بحربة، أو بسكين، أو بحديدة، أو نحوها، ثُمَّ يسلت الدم عنها؛ حتى يعلم كل من رآها أنها هدي مهداة، ولو حصل لها هلاك، أو عطب فيذبحها، ويتركها لمن يأكلها، ولا يأكل منها شيئًا، ولا أحد من أصحابه.\nالسُّنة الثانية: التقليد، وهو أن يجعل لها قلادة، فيأتي بحبل ويجعل فيه حذاء، أو قطعًا من الجلود ويعلقها عليها.\nوالتقليد مشروع في الإبل، والبقر، والغنم، أما الإشعار فإنما يكون في الإبل، والبقر، دون الغنم فلا إشعار فيها؛ لأنها ضعيفة لا تتحمل.","vol":"3","page":505},{"text":"[١٢٤٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَسَّانَ الْأَعْرَجَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْهُجَيْمِ- لِابْنِ عَبَّاسٍ-: مَا هَذَا الْفُتْيَا الَّتِي قَدْ تَشَغَّفَتْ، أَوْ تَشَغَّبَتْ بِالنَّاسِ أَنَّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ؟ فَقَالَ: سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ وَإِنْ رَغِمْتُمْ.\nوَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي حَسَّانَ قَالَ: قِيلَ- لِابْنِ عَبَّاسٍ-: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ تَفَشَّغَ بِالنَّاسِ: مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ الطَّوَافُ عُمْرَةٌ، فَقَالَ: سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ وَإِنْ رَغَمْتُمْ.\n\n[١٢٤٥] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَاجٌّ، وَلَا غَيْرُ حَاجٍّ، إِلَّا حَلَّ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مِنْ أَيْنَ يَقُولُ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ، فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: هُوَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ وَقَبْلَهُ، وَكَانَ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.\n[خ: ٤٣٩٦]\nقوله: «مَا هَذَا الْفُتْيَا الَّتِي قَدْ تَشَغَّفَتْ، أَوْ تَشَغَّبَتْ بِالنَّاسِ أَنَّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ؟»، يعني: أنه انتشر في الناس أن ابن عباس ﵄ يقول: من طاف فقد حل، شاء أم أبى.\nوقوله: «سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ وَإِنْ رَغِمْتُمْ»، أي: وإن كرهتم ذلك؛ لأن النبي ﷺ أمر أصحابه بذلك، وأوجبه عليهم.\nقوله: «هو بعج المعرف وقبه» أي بعد الوقوف بعرفة وقبله، والمعنى:","vol":"3","page":506},{"text":"أن ابن عباس ﵄ كات يرى المتعة واجبة على كل من أحرم بالحج، مفردا أو قارنا، سواء وقف بعرفة أم لم يقف بعرفة، لأن النبي ﷺ ألزم الناس، وان تخييره الناس في ذي الحليفة منسوخ.\nففي هذه الأحاديث: بيان مذهب ابن عباس ﵄، وهو أفضلية التمتع على كل أحد، وهذا رواية عن الإمام أحمد ﵀ (^١)، واختارها ابن القيم ﵀ (^٢)، ومن المتأخرين الألباني ﵀ (^٣).\nوذهب أبو ذر ﵁ إلى أن فسخ الحج إلى العمرة خاص بالصحابة (^٤).\nوذهب معاوية ﵁ إلى أن التمتع لا يجوز (^٥).\nوالذي عليه الجمهور: أنه جائز، وليس بواجب، بل الإنسان مخير بين الأنساك الثلاثة: التمتع، والقران، والإفراد.\nوذهب شيخ الإسلام ﵀ إلى أن فسخ الحج إلى العمرة واجب على الصحابة؛ لإبطال اعتقاد أهل الجاهلية أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، ومن بعد الصحابة فالتمتع مستحب في حقهم، وليس بواجب (^٦).\nوالأقرب عندي: قول شيخ الإسلام ﵀.\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود السجستاني (ص ١٧٢)، الإنصاف، للمرداوي (٣/ ٤٣٤).\n(^٢) زاد المعاد، لابن القيم (٢/ ١٠٩).\n(^٣) حجة النبي، للألباني (ص ١٠).\n(^٤) أخرجه أبو داود (١٨٠٧).\n(^٥) أخرجه مسلم (١٢٢٥).\n(^٦) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٦/ ٤٩، ٥٤).","vol":"3","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-553>بَابُ التَّقْصِيرِ فِي الْعُمْرَةِ</span>\n\n[١٢٤٦] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ لِي مُعَاوِيَةُ: أَعَلِمْتَ أَنِّي قَصَّرْتُ مِنْ رَأْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَ الْمَرْوَةِ بِمِشْقَصٍ؟ فَقُلْتُ لَهُ: لَا أَعْلَمُ هَذَا إِلَّا حُجَّةً عَلَيْكَ.\nفي هذا الحديث: أن معاوية ﵁ كان يرى المنع من التمتع، وابن عباس ﵄ يرى وجوب المتعة، فلما قال له معاوية ﵁: «أَعَلِمْتَ أَنِّي قَصَّرْتُ مِنْ رَأْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَ الْمَرْوَةِ بِمِشْقَصٍ؟»، فقال له ابن عباس ﵄: «لَا أَعْلَمُ هَذَا إِلَّا حُجَّةً عَلَيْكَ»، يعني: أنت لا ترى المتعة، وهذا دليل عليك؛ لأنه ما دام أنك قصرت للنبي ﷺ فهذا معناه: أنه تحلل من العمرة.","vol":"3","page":508},{"text":"وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ قَالَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِشْقَصٍ، وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ، أَوْ رَأَيْتُهُ يُقَصَّرُ عَنْهُ بِمِشْقَصٍ، وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ.\n\n[١٢٤٧] حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، أَمَرَنَا أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَرُحْنَا إِلَى مِنًى أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ.\n\n[١٢٤٨] وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ دَاوُدَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵄ قَالَا: قَدِمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا.\nقوله: «نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا»، أي: نرفع أصواتنا بالتلبية بالحج.\nوفي هذا الحديث: مشروعية رفع الصوت بالتلبية للرجل.\n\n[١٢٤٩] حَدَّثَنِي حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَأَتَاهُ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ الزُّبَيْرِ اخْتَلَفَا فِي الْمُتْعَتَيْنِ، فَقَالَ جَابِرٌ: فَعَلْنَاهُمَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ نَهَانَا عَنْهُمَا عُمَرُ، فَلَمْ نَعُدْ لَهُمَا.\nقوله: «اخْتَلَفَا فِي الْمُتْعَتَيْنِ»، يعني: متعة الحج، ومتعة النساء.\nوقوله: «نَهَانَا عَنْهُمَا عُمَرُ»، أي: أن عمر ﵁ كان ينهى عن متعة الحج من باب الأدب لا من باب الإلزام، وأما متعة النساء فإن النبي ﷺ نهى عنها وحرمها إلى قيام الساعة قبل موته، ونهى عنها بعد ذلك الخلفاء من بعده.","vol":"3","page":509},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-554>بَابُ إِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَهَدْيِهِ</span>.\n\n[١٢٥٠] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنِي سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ عَلِيًّا قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟»، فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ».\n[خ: ١٥٥٨]\nوَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ. ح، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ قَالَا: حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ بَهْزٍ: «لَحَلَلْتُ».\n\n[١٢٥١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، وَحُمَيْدٍ: أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَسًا ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا لَبَّيْكَ، عُمْرَةً وَحَجًّا».\nوَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا»، وقَالَ حُمَيْدٌ: قَالَ أَنَسٌ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ».\n\n[١٢٥٢] وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وزهير بن حرب، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ حَنْظَلَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ حَاجًّا، أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا».\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ»، وَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ","vol":"3","page":510},{"text":"سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ»، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا.\nقوله: «ابْنُ مَرْيَمَ»، يعني: عيسى ﵇.\nوقوله: «لَيَثْنِيَنَّهُمَا»، يعني: ليقرنن بينهما.\nوفي هذا الحديث: دليل على مشروعية الحج والعمرة في أشهر الحج.\nوفيه: إثبات اليد لله ﷿ على ما يليق بجلاله وكماله.\nوفيه: أن البيت يُحَج بعد نزول عيسى ﵇، وبعد خروج يأجوج ومأجوج، وجاء في الحديث الآخر: «لَيُحَجَّنَّ البَيْتُ وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ» (^١)، وهو من أشراط الساعة الكبرى.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٩٣).","vol":"3","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-555>بَابُ بَيَانِ عَدَدِ عُمَرِ النَّبِيِّ ﷺ، وَزَمَانِهِنَّ</span>\n\n[١٢٥٣] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ أَنَسًا ﵁ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، إِلَّا الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَةً مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، أَوْ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنْ جِعْرَانَةَ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ.\n[خ: ١٧٧٩]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا: كَمْ حَجَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: حَجَّةً وَاحِدَةً، وَاعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ.، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ هَدَّابٍ.\n\n[١٢٥٤] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ: كَمْ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ، وَأَنَّهُ حَجَّ بَعْدَ مَا هَاجَرَ حَجَّةً وَاحِدَةً حَجَّةَ الْوَدَاعِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَبِمَكَّةَ أُخْرَى.\n[خ: ٣٩٤٩، ٤٤٠٤]\n\n[١٢٥٥] وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يُخْبِرُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَابْنُ عُمَرَ مُسْتَنِدَيْنِ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَإِنَّا لَنَسْمَعُ ضَرْبَهَا بِالسِّوَاكِ تَسْتَنُّ قَالَ: فَقُلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَجَبٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَيْ أُمَّتَاهُ أَلَا تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَتْ: وَمَا يَقُولُ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَجَبٍ، فَقَالَتْ: يَغْفِرُ اللهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَعَمْرِي مَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ، وَمَا اعْتَمَرَ مِنْ عُمْرَةٍ إِلَّا وَإِنَّهُ لَمَعَهُ، قَالَ: وَابْنُ عُمَرَ يَسْمَعُ، فَمَا قَالَ: لَا، وَلَا نَعَمْ، سَكَتَ.\n[خ: ١٧٧٥]","vol":"3","page":512},{"text":"وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ جَالِسٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ الضُّحَى فِي الْمَسْجِدِ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ صَلَاتِهِمْ، فَقَالَ: بِدْعَةٌ، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَمِ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ فَقَالَ: أَرْبَعَ عُمَرٍ إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُكَذِّبَهُ، وَنَرُدَّ عَلَيْهِ، وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ عَائِشَةَ فِي الْحُجْرَةِ، فَقَالَ عُرْوَةُ: أَلَا تَسْمَعِينَ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَتْ: وَمَا يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَّا وَهُوَ مَعَهُ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ.\nقوله: «فَسَأَلْنَاهُ عَنْ صَلَاتِهِمْ، فَقَالَ: بِدْعَةٌ» هذا محمول على تركهم لصلاة الضحى في البيت، وصلاتها في المسجد جماعة.\nولعل المراد بالبدعة هنا: البدعة الخفيفة، فيكون المراد بها خلاف الأولى؛ لأنه لو صلى بعضهم الضحى في المسجد فلا حرج فيه، ولو صلوها صدفةً في جماعة من غير أن تكون عادة لهم مطردة فلا بأس بها.\nوقوله: «قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَبِمَكَّةَ أُخْرَى»، يعني: قبل الهجرة، وفي غير مسلم أنه حج حجتين ﷺ، والظاهر أنه حج مرات ﵇؛ لأنه كان يعرض نفسه أيام المواسم على القبائل، فيقول: «مَنْ يُؤْوِينِي وَيَنْصُرَنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالاتِ رَبِّي؟» (^١)، ويحج على ما توارثه الناس من مناسك إبراهيم ﵊.\nوقولها: «لَعَمْرِي» تأكيد للكلام وليست قسمًا؛ لأن القسم لا بد أن يكون بالواو، أو بالباء، أو بالتاء، أو بالهمزة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٤٦٥٣)، وابن حبان (٧٠١٢).","vol":"3","page":513},{"text":"وقولها: «اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَجَبٍ» هذا محمول على أنه نسي، فظن أن واحدة من عمراته ﷺ كانت في رجب، فقالت له عائشة ﵂: «يَرْحَمُ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَّا وَهُوَ مَعَهُ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ».\nوقولها: «إِلَّا وَهُوَ مَعَهُ»، أي ابن عمر ﵁، قالت ذلك مبالغة في نسبته إلى النسيان ولم تنكر عليه إلا قوله: «إحداهن في رجب».\nوقال بعضهم: يحتمل أن يكون له عمرة في رجب، ولكن هذا بعيد.","vol":"3","page":514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-556>بَابُ فَضْلِ الْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ</span>\n\n[١٢٥٦] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يُحَدَّثَنَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ- لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، سَمَّاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، فَنَسِيتُ اسْمَهَا-: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّي مَعَنَا؟»، قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ لَنَا إِلَّا نَاضِحَانِ، فَحَجَّ أَبُو وَلَدِهَا، وَابْنُهَا عَلَى نَاضِحٍ، وَتَرَكَ لَنَا نَاضِحًا نَنْضِحُ عَلَيْهِ، قَالَ: «فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَاعْتَمِرِي، فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً».\n[خ: ١٧٨٢]\nوَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ- لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهَا: أُمُّ سِنَانٍ-: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتِ مَعَنَا؟»، قَالَتْ: نَاضِحَانِ كَانَا لِأَبِي فُلَانٍ- زَوْجِهَا- حَجَّ هُوَ وَابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَكَانَ الْآخَرُ يَسْقِي عَلَيْهِ غُلَامُنَا، قَالَ: «فَعُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً، أَوْ حَجَّةً مَعِي».\nفي هذا الحديث: بيان فضل العمرة في رمضان، وأنها تعدل حجة مع النبي ﷺ في الأجر والثواب، وليس المعنى: أنها تُسقط عنه حجة الإسلام.\nقال ابن القيم ﵀: «إن عُمَرَ النبي ﷺ كلها في ذي القعدة، وما اعتمر في رمضان قط» (^١).\nوقال: «فقد اجتمع في عمرة رمضان أفضل الزمان، وأفضل البقاع، ولكن الله لم يكن ليختار لنبيه ﷺ في عمره إلا أولى الأوقات وأحقها بها، فكانت العمرة في أشهر الحج نظير وقوع الحج في أشهره، وهذه الأشهر قد\n_________\n(^١) زاد المعاد، لابن القيم (٢/ ٥٣).","vol":"3","page":515},{"text":"خصها الله تعالى بهذه العبادة، وجعلها وقتًا لها، والعمرة حج أصغر، فأولى الأزمنة بها أشهر الحج وذو القعدة أوسطها، وهذا مما نستخير الله فيه، فمن كان عنده فضل علم فليرشد إليه» (^١).\nوالصواب: أن العمرة في رمضان تعدل حجة في الأجر والثواب، وأنها أفضل من العمرة في ذي القعدة.\n_________\n(^١) زاد المعاد، لابن القيم (٢/ ٩١).","vol":"3","page":516},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-557>بَابُ اسْتِحْبَابِ دُخُولِ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا، وَالْخُرُوجِ مِنْهَا مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى، وَدُخُولِ بَلَدِهِ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرَ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا</span>\n\n[١٢٥٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ، وَيَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَرَّسِ، وَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ دَخَلَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى.\n[خ: ١٥٣٣، ١٥٧٥]\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ.\n\n[١٢٥٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ- قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا.\n[خ: ١٥٧٧]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ.\nقَالَ هِشَامٌ: فَكَانَ أَبِي يَدْخُلُ مِنْهُمَا كِلَيْهِمَا، وَكَانَ أَبِي أَكْثَرَ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ.\n[خ: ١٥٧٨]\nوقوله: «مِنْ طَرِيقِ المُعرَّسِ» موضع معروف بقرب المدينة على ستة أميال منها.\nوقوله: «وَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ دَخَلَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى»، أي:","vol":"3","page":517},{"text":"يدخلون من كَدا، ويخرجوا من كُدا، يقول أهل مكة: افتح وادخل، واضمم واخرج.\nوكانت عادته ﵊ أنه يخالف طريقه في العيدين فيذهب من طريق، ويرجع من طريق.\nواختلف العلماء في الحكمة من ذلك، فقيل: الحكمة من ذلك لتشهد له البقاع.\nوقيل: ليقضي حاجة أصحاب الطريقين، أو لغير ذلك من الحكم.\nفي هذه الأحاديث: أن الرسول ﷺ كان يخالف الطريق إذا دخل مدينة يدخل من طريق، وإذا خرج يخرج من طريق.","vol":"3","page":518},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-558>بَابُ اسْتِحْبَابِ الْمَبِيتِ بِذِي طُوًى عِنْدَ إِرَادَةِ دُخُولِ مَكَّةَ، وَالِاغْتِسَالِ لِدُخُولِهَا، وَدُخُولِهَا نَهَارًا</span>\n\n[١٢٥٩] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَاتَ بِذِي طَوًى حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ، قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ.\nوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعِيدٍ: حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ، قَالَ يَحْيَى: أَوَ قَالَ: حَتَّى أَصْبَحَ.\n[خ: ١٥٧٤]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ بِذِي طَوًى، حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهَارًا، وَيَذْكُرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ- يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ- عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَنْزِلُ بِذِي طَوًى، وَيَبِيتُ بِهِ، حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، وَمُصَلَّى رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَلِكَ، عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ، لَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ، وَلَكِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ.\n[خ: ٤٩١]\n\n[١٢٦٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ- يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ- عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ أَخْبَرَهُ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَيِ الْجَبَلِ، الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَبَلِ الطَّوِيلِ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، يَجْعَلُ الْمَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ، يَسَارَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِطَرَفِ الْأَكَمَةِ، وَمُصَلَّى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَسْفَلَ مِنْهُ عَلَى الْأَكَمَةِ السَّوْدَاءِ، يَدَعُ مِنَ الْأَكَمَةِ عَشْرَةَ أَذْرُعٍ، أَوْ نَحْوَهَا، ثُمَّ يُصَلِّي مُسْتَقْبِلَ الْفُرْضَتَيْنِ مِنَ الْجَبَلِ الطَّوِيلِ، الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ.\n[خ: ٤٩٢]","vol":"3","page":519},{"text":"قوله: «بِذِي طَوًى» مثلثة الطاء، فتقول: طُوى، أو طَوى، أو طِوى، وهو مكان خارج مكة.\nوفي هذه الأحاديث: استحباب الاغتسال لدخول مكة.\nوفيها: أن النبي ﷺ كان ينزل قرب مكة في هذا المكان، ويبيت، ثُمَّ يغتسل ويدخل مكة.\nوفيها: أن ابن عمر ﵄ كان يفعل هذا على سبيل الاستحباب؛ لأنه يمضي مدة من إحرامه بالعمرة.\nوقد خفيت عمرة الجعرانة على بعض العلماء؛ لأنه دخل ليلًا، وخرج ليلًا، فلم يعلم بها بعض الناس.","vol":"3","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-559>بَابُ اسْتِحْبَابِ الرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ وَالْعُمْرَةِ، وَفِي الطَّوَافِ الْأَوَّلِ مِنَ الْحَجِّ</span>\n\n[١٢٦١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.\n[خ: ١٦١٧]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ، فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ حِينَ يَقْدَمُ، يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ.\n\n[١٢٦٢] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا.\nقوله: «يَسْعَى»، يعني: يرمل في الطواف، ثُمَّ يصلي سجدتين، يعني: ركعتي الطواف، والركعة قد تسمى سجدة.\nقوله: «رَمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا» في","vol":"3","page":521},{"text":"الحديث: دليل على سُنية الخَبَبِ والسعي في الثلاثة الأشواط الأولى في أول طواف يقدم به في حج أو عمرةٍ ما عدا ما بين الركنين اليماني، لأمر النبي ﷺ للصحابة بذلك في عمرة القضاء، لقول قريش: يقدم عليكم أصحاب محمد قد وهنتهم حُمى يثرب، فلما رأوهم قالوا: انظروا إليهم أجلد من أي شيء، وفي رواية عند أبي داود: كَأَنَّهُمُ الْغِزْلَانُ (^١)، ثُمَّ أمرهم بعد ذلك في حجة الوداع بالخبب بين الركنين فاستقرت السنة كما في حديث جابر ﵁، قال النووي: «فيه: بيان أن الرمل يشرع في جميع المطاف من الحجر إلى الحجر، وأما حديث بن عباس المذكور بعد هذا بقليل قال: «وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ» فمنسوخ بالحديث الأول لأن حديث ابن عباس كان في عمرة القضاء سنة سبع قبل فتح مكة وكان في المسلمين ضعف في أبدانهم، وإنما رملوا إظهارا للقوة واحتاجوا إلى ذلك في غير ما بين الركنين اليمانيين لأن المشركين كانوا جلوسا في الحجر، وكانوا لا يرونهم بين هذين الركنين ويرونهم فيما سوى ذلك فلما حج النبي ﷺ حجة الوداع سنة عشر رمل من الحجر إلى الحجر فوجب الأخذ بهذا المتأخر» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٨٨٩).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٩/ ٩).","vol":"3","page":522},{"text":"وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ، وَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَهُ.\n\n[١٢٦٣] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄: أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ، ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَلَ الثَّلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ.\n\n[١٢٦٤] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ابْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ هَذَا الرَّمَلَ بِالْبَيْتِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشْيَ أَرْبَعَةِ أَطْوَافٍ أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ، قَالَ: فَقَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا! قَالَ: قُلْتُ: مَا قَوْلُكَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ ! قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا، وَأَصْحَابَهُ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ مِنَ الْهُزَالِ- وَكَانُوا يَحْسُدُونَهُ- قَالَ: فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثًا، وَيَمْشُوا أَرْبَعًا، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ، قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا قَوْلُكَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ ! قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ، يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّدٌ، حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنَ الْبُيُوتِ، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ، وَالْمَشْيُ وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا الْجُرَيْرِيُّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ قَوْمَ حَسَدٍ، وَلَمْ يَقُلْ: يَحْسُدُونَهُ.","vol":"3","page":523},{"text":"قوله: «وَالْمَشْيُ وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ»، أي: أفضل من الركوب، والركوب جائز لمن كان معذورًا، أما غير المعذور ففيه خلاف، والصواب جوازه.\nوقوله: «صَدَقُوا»، يعني: صدقوا أن النبي ﷺ أمرهم في عمرة القضية.\nوقوله: «وَكَذَبُوا»، يعني: أن الرمل ليس مستمرًّا، والصواب أنه مستمر.\nوسبب ركوب النبي ﷺ: أنه ركب حتى يراه الناس، ويسألوه.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَلَ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ، وَهِيَ سُنَّةٌ، قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا! .\nقوله: «عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ» اسمه عامر بن واثلة ﵁، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃.\n\n[١٢٦٥] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْأَبْجَرِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أُرَانِي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: فَصِفْهُ لِي، قَالَ: قُلْتُ: رَأَيْتُهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ عَلَى نَاقَةٍ، وَقَدْ كَثُرَ النَّاسُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذَاكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يُدَعُّونَ عَنْهُ، وَلَا يُكْرَهُونَ.\n\n[١٢٦٦] وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ- عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ، وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ غَدًا قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمُ الْحُمَّى، وَلَقُوا مِنْهَا شِدَّةً، فَجَلَسُوا مِمَّا يَلِي الْحِجْرَ، وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ؛ لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ جَلَدَهُمْ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ","vol":"3","page":524},{"text":"وَهَنَتْهُمْ، هَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ.\n[خ: ١٦٠٢]\nوَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا سَعَى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَمَلَ بِالْبَيْتِ، لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ.\n[خ: ١٦٤٩]\nقال النووي ﵀: «وقوله: «إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يُدَعُّونَ عَنْهُ، وَلَا يُكْرَهُونَ»: أما يدعون- فبضم الياء وفتح الدال وضم العين المشددة-، أي: يُدفَعون، ومنه قوله تعالى: ﴿يوم يُدَعُّون إلى نار جهنم دعًّا﴾، وقوله تعالى: ﴿فذلك الذي يدعُّ اليتيم﴾، وأما قوله: يُكرهون ففي بعض الأصول من صحيح مسلم «يُكرهون» كما ذكرناه، من الإكراه، وفي بعضها «يُكهرون» بتقديم الهاء، من الكهر، وهو: الانتهار، قال القاضي: هذا أصوب وقال: وهو رواية الفارسي، والأول رواية ابن ماهان والعذري» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٩/ ١٢).","vol":"3","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-560>بَابُ اسْتِحْبَابِ اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ فِي الطَّوَافِ، دُونَ الرُّكْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ</span>\n\n[١٢٦٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ مِنَ الْبَيْتِ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنْ أَرْكَانِ الْبَيْتِ، إِلَّا الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ، وَالَّذِي يَلِيهِ مِنْ نَحْوِ دُورِ الْجُمَحِيِّينَ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ: ذَكَرَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ: كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إِلَّا الْحَجَرَ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَ.\n\n[١٢٦٨] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ: الْيَمَانِيَ، وَالْحَجَرَ، مُذْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا، فِي شِدَّةٍ، وَلَا رَخَاءٍ.\n[خ: ١٦٠٦]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ، وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُهُ.\n\n[١٢٦٩] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ قَتَادَةَ بْنَ دِعَامَةَ، حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ الْبَكْرِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ.","vol":"3","page":526},{"text":"قوله: «كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إِلَّا الْحَجَرَ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَ» لأنهما على قواعد إبراهيم ﵊، بخلاف الركن العراقي والشامي فلا يستلمهما؛ لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم ﵊؛ فلهذا اقتصر النبي ﷺ على استلام الركن اليماني، والركن الأسود.\nوقول ابن عمر ﵄: «مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ: الْيَمَانِيَ، وَالْحَجَرَ، مُذْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا، فِي شِدَّةٍ، وَلَا رَخَاءٍ» هذا اجتهاد من ابن عمر ﵄، حيث كان يزاحم على استلام الحجر، والركن اليماني.\nوالصواب: ألا يزاحم عليهما، وإنما يستلمهما إذا كان في رخاء، أما في الشدة فلا.\nواستلام الحجر فيه أربع سنن:\nالسُّنة الأولى: استلام الحجر باليد اليمنى وتقبيله بالفم.\nالسُّنة الثانية: إذا لم يتيسر التقبيل يستلمه بيده ويقبل يده.\nالسُّنة الثالثة: يستلمه بعصا أو محجن وهو عصا معوجة الرأس، كالصولجان، ثُمَّ يقبله.\nالسُّنة الرابعة: إذا عجز يشير إليه بيده ويقبل يده، فإذا لم يتيسر ذلك كله فلا حرج عليه.\nوأما الركن اليماني ففيه سُنَّتَان:\nإحداهما: استلامه باليد بدون تقبيله، وقيل: بتقبيل اليد.\nالثانية: الإشارة إليه، عند العجز كالحجر الأسود، وفي ثبوت دليلها نظر.\nوأما استقبال البيت عند الاستلام فيكفيه أن يشير إليه وهو ماشٍ دون استقبال.\nوهذه سنن، فمن تركها فلا حرج عليه، وطوافه صحيح.","vol":"3","page":527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-561>بَابُ اسْتِحْبَابِ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي الطَّوَافِ</span>\n\n[١٢٧٠] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، وَعَمْرٌو. ح، وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ: قَبَّلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْحَجَرَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ.\nزَادَ هَارُونُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ عَمْرٌو، وَحَدَّثَنِي بِمِثْلِهَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ.\n[خ: ١٥٩٧]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ، وَقَالَ: إِنِّي لَأُقَبِّلُكَ وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ.\nحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَالْمُقَدَّمِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ خَلَفٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: رَأَيْتُ الْأَصْلَعَ- يَعْنِي: عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ- يُقَبِّلُ الْحَجَرَ، وَيَقُولُ: وَاللهِ إِنِّي لَأُقَبِّلُكَ، وَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَأَنَّكَ لَا تَضُرُّ، وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ.\nوَفِي رِوَايَةِ الْمُقَدَّمِيِّ، وَأَبِي كَامِلٍ: رَأَيْتُ الْأُصَيْلِعَ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ، وَيَقُولُ: إِنِّي لَأُقَبِّلُكَ، وَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ لَمْ أُقَبِّلْكَ.\n\n[١٢٧١] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَالْتَزَمَهُ، وَقَالَ: رَأَيْتُ","vol":"3","page":528},{"text":"رَسُولَ اللهِ ﷺ بِكَ حَفِيًّا.\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: وَلَكِنِّي رَأَيْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ بِكَ حَفِيًّا، وَلَمْ يَقُلْ: وَالْتَزَمَهُ.\nقوله: «عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ» بجيم مكسورة: صحابي جليل ﵁، قال البخاريُّ وابن حبان: له صحبة، وسكن البصرة. (^١) قال ابن حجر: له عن النبيّ ﷺ أحاديث عند مسلم وغيره (^٢).\nوقوله: «الْأَصْلَعَ»، وفي رواية: «الْأُصَيْلِعَ» هو عمر ﵁، وهو الذي ليس في رأسه شعر، وهذا ليس من التنابز بالألقاب؛ لأن عمر ﵁ لا يكره هذا.\nوقوله: «وَاللهِ إِنِّي لَأُقَبِّلُكَ وَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَأَنَّكَ لَا تَضُرُّ، وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ» فيه: أنه قال ذلك خوفًا على قريبي العهد بالإسلام ممَّن أَلِفَ عبادة الأحجار، فبيَّن أنه لا يضر ولا ينفع بذاته، وإنما هو التأسي بالرسول ﷺ، والاقتداء به.\nوقال عمر ﵁ هذا في الموسم؛ ليشيع بين الناس، ويبين لهم أنه يفعله تأسيًا واقتداءً بالنبي ﷺ.\nويروى أن عليًّا ﵁ قال: «بَلَى- يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- إِنَّهُ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ» (^٣)، وروى حديثًا عن النبي ﷺ: أنه قال- له-: «وَاللهِ لَيَبْعَثَنَّهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ يَشْهَدُ عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ» (^٤)، لكن هذا الحديث ضعيف، ولو صح فلا ينافي ما ذكره عمر ﵁، ويكون هذا من باب أن البقعة تشهد لصاحبها.\n_________\n(^١) التاريخ الكبير، للبخاري (٥/ ١٧)، الثقات، لابن حبان (٣/ ٢٣٠).\n(^٢) الإصابة، لابن حجر (٤/ ٩٢).\n(^٣) أخرجه الحاكم (١٦٨٢)، والبيهقي في الشعب (٣٧٤٩).\n(^٤) أخرجه أحمد (٢٢١٥)، والترمذي (٩٦١)، وابن ماجه (٢٩٤٤).","vol":"3","page":529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-562>بَابُ جَوَازِ الطَّوَافِ عَلَى بَعِيرٍ وَغَيْرِهِ، وَاسْتِلَامِ الْحَجَرِ بِمِحْجَنٍ وَنَحْوِهِ لِلرَّاكِبِ</span>\n\n[١٢٧٢] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ.\n[خ: ١٦٠٧]\n\n[١٢٧٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْبَيْتِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِمِحْجَنِهِ، لِأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ، وَلِيُشْرِفَ، وَلِيَسْأَلُوهُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ.\nوَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ بَكْرٍ- قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ؛ لِيَرَاهُ النَّاسُ، وَلِيُشْرِفَ وَلِيَسْأَلُوهُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ خَشْرَمٍ: وَلِيَسْأَلُوهُ فَقَطْ.\n\n[١٢٧٤] حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْقَنْطَرِيُّ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ عَلَى بَعِيرِهِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُضْرَبَ عَنْهُ النَّاسُ.\n\n[١٢٧٥] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مَعْرُوفُ ابْنُ خَرَّبُوذَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الطُّفَيْلِ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ.\n\n[١٢٧٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ:","vol":"3","page":530},{"text":"أَنَّهَا قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ»، قَالَتْ: فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، وَهُوَ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ.\n[خ: ١٦٣٣]\nفي هذه الأحاديث: دليل على أن من طاف راكبًا واستطاع أن يستلم الحجر بمحجن أو بعصا، فله أن يمد العصا، أو المحجن، فيمس الحجر، ثُمَّ يقبِّله، كما فعل النبي ﷺ؛ لكن الآن لا يمكن للراكب أو المحمول أن يستلم الحجر؛ لما فيه من المشقة.\nوفيها: دليل على أن العاجز له الطواف وهو راكب؛ لأن النبي ﷺ قال لأم سلمة: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ».\nوقول أم سلمة ﵂: «فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، وَهُوَ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ» كان هذا في حجة الوداع في صلاة الفجر في اليوم الرابع عشر من ذي الحجة، طاف النبي ﷺ طواف الوداع فأدركته الصلاة فصلى بالناس، وقرأ سورة (الطور).","vol":"3","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-563>بَابُ بَيَانِ أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رُكْنٌ، لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ</span>\n\n[١٢٧٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ: قُلْتُ لَهَا: إِنِّي لَأَظُنُّ رَجُلًا لَوْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ مَا ضَرَّهُ قَالَتْ: لِمَ؟ قُلْتُ: لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَتْ: مَا أَتَمَّ اللهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلَا عُمْرَتَهُ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ لَكَانَ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا؟ وَهَلْ تَدْرِي فِيمَا كَانَ ذَاكَ؟ إِنَّمَا كَانَ ذَاكَ أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يُهِلُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ، يُقَالُ لَهُمَا: إِسَافٌ، وَنَائِلَةُ، ثُمَّ يَجِيئُونَ فَيَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحْلِقُونَ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَرِهُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَهُمَا، لِلَّذِي كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾، إِلَى آخِرِهَا قَالَتْ: فَطَافُوا.\n[خ: ١٧٩٠]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا أَرَى عَلَيَّ جُنَاحًا أَنْ لَا أَتَطَوَّفَ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ، قَالَتْ: لِمَ؟ قُلْتُ: لِأَنَّ اللهَ ﷿ يَقُولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾، الْآيَةَ، فَقَالَتْ: لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ لَكَانَ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، إِنَّمَا أُنْزِلَ هَذَا فِي أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، كَانُوا إِذَا أَهَلُّوا أَهَلُّوا لِمَنَاةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَطَّوَّفُوا بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا قَدِمُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لِلْحَجِّ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، فَلَعَمْرِي مَا أَتَمَّ اللهُ حَجَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ.\n[خ: ١٦٤٣]\nحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ","vol":"3","page":532},{"text":"قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ-: مَا أَرَى عَلَى أَحَدٍ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ شَيْئًا، وَمَا أُبَالِي أَنْ لَا أَطُوفَ بَيْنَهُمَا قَالَتْ: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي، طَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَطَافَ الْمُسْلِمُونَ، فَكَانَتْ سُنَّةً، وَإِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ، لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ سَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، وَلَوْ كَانَتْ كَمَا تَقُولُ، لَكَانَتْ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا.\nقَالَ الزُّهْرِيُّ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمُ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِنَّمَا كَانَ مَنْ لَا يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنَ الْعَرَبِ، يَقُولُونَ: إِنَّ طَوَافَنَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَجَرَيْنِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَالَ آخَرُونَ مِنَ الْأَنْصَارِ: إِنَّمَا أُمِرْنَا بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ نُؤْمَرْ بِهِ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَأُرَاهَا قَدْ نَزَلَتْ فِي هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ، وَقَالَ في الحديث: فَلَمَّا سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بِالصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بِهِمَا.\nوَحَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا هُمْ وَغَسَّانُ يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، فَتَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ، وَكَانَ","vol":"3","page":533},{"text":"ذَلِكَ سُنَّةً فِي آبَائِهِمْ، مَنْ أَحْرَمَ لِمَنَاةَ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَإِنَّهُمْ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ حِينَ أَسْلَمُوا، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿- فِي ذَلِكَ-: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.\n\n[١٢٧٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتِ الْأَنْصَارُ يَكْرَهُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.\n[خ: ١٦٤٨]\nقولها: «مَا أَتَمَّ اللهُ حَجَّ امْرِئٍ، وَلَا عُمْرَتَهُ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» لأن الطواف بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج، وفي اللفظ الآخر: «فَلَعَمْرِي، مَا أَتَمَّ اللهُ حَجَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ»، وقولها: «لَعَمْرِي» تأكيد للقسم، لتأكيد الكلام، أما قول الله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فهذا قسم من الله بحياة النبي ﷺ، والله ﷾ له أن يقسم بما شاء من مخلوقاته.\nوقولها: «يُقَالُ لَهُمَا: إِسَافٌ، وَنَائِلَةُ» قيل: إن إسافًا اسم لرجل، ونائلة اسم لأمرأة، زنيا في الكعبة، فمسخهما الله ﷾ حجرين، فأخرجوهما ونصبوهما عند الكعبة، وقيل: بل على الصفا والمروة ليُعتبر بهما ويتعظ، ثُمَّ عبدا بعدُ، فلما فتح النبيُّ ﷺ مكةَ كسرهما (^١).\nأما قوله: «عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ» قال القاضي عياض: «قوله: «لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ»، وهَمٌ، فإنهما ما كانا قطُّ على شطِّ البحر، وإنما كانا على الصفا والمروة، إنما كانت (مناة) مما يلي جهة البحر» (^٢).\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٤/ ٣٥٣).\n(^٢) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٤/ ٣٥٤).","vol":"3","page":534},{"text":"وقولها: «قَدْ سَنَّ»، يعني: شرع؛ لأنه إذا قيل: سَنَّ رسول الله ﷺ في اصطلاح المتقدمين، فتشمل الواجب، والمستحب، أما المتأخرون فاصطلحوا على تسمية السُّنة بالمستحب، والواجب يسمونه واجبًا.\nوالطواف بين الصفا والمروة، ظاهر النصوص أنه ركن (^١): «مَا أَتَمَّ اللهُ حَجَّ امْرِئٍ، وَلَا عُمْرَتَهُ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ».\nوقال آخرون: الطواف بين الصفا والمروة واجب، يجبر بدم (^٢).\nوقيل: سنُّة (^٣).\nوالصواب: أنه ركن.\nوفي هذه الأحاديث: بيان دقة فهم عائشة ﵂، وفقهها في دين الله ﷿.\nوفيها: أن معرفة سبب النزول قد يتوقف عليه فهم معنى الآية، فعُروة بن الزبير ﵁ فَهِمَ من قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ أنه لا حرج في ترك الطواف بين الصفا، والمروة، فبينت له عائشة ﵂ سبب النزول، فقالت له: «وَهَلْ تَدْرِي فِيمَا كَانَ ذَاكَ؟ إِنَّمَا كَانَ ذَاكَ أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يُهِلُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ، يُقَالُ لَهُمَا إِسَافٌ وَنَائِلَةُ، ثُمَّ يَجِيئُونَ فَيَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحْلِقُونَ» (^٤)، فلما جاء الإسلام خافوا وظنوا أنه لا يطاف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن يطَّوَّف بهما﴾.\nوالطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، ولا يلزم من كون المسلمين يطوفون بهما أن يكون هذا مشابهًا لفعلهم في الجاهلية.\nوفيها: أن أبا بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أعجبه فهم عائشة\n_________\n(^١) الشرح الكبير، للدردير (٤/ ١١٧ - ١١٨)، مواهب الجليل، للحطاب (٣/ ٨٤)، تحفة المحتاج، لابن حجر الهيتمي (٤/ ٩٧)، المغني، لابن قدامة (٣/ ٣٥١).\n(^٢) بدائع الصنائع، للكاساني (٢/ ١٣٣).\n(^٣) المغني، لابن قدامة (٣/ ٣٥١ - ٣٥٢).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٢٧٧).","vol":"3","page":535},{"text":"﵂ للآية، فقال: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمُ»، ولكن هناك علم آخر في فهم هذه الآية، فقال: «لَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِنَّمَا كَانَ مَنْ لَا يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنَ الْعَرَبِ، يَقُولُونَ: إِنَّ طَوَافَنَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَجَرَيْنِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ» فلا نطوف، «وَقَالَ آخَرُونَ مِنَ الْأَنْصَارِ: إِنَّمَا أُمِرْنَا بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ نُؤْمَرْ بِهِ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾»، أي: أن الله ﷾ ذكر الطواف بالبيت، ولم يذكر الطواف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى رفع الجناح، فقال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾، فصارت الآية- على ما أرى- أنها نزلت في الذين يقولون: إنه من أمر الجاهلية، وفي الذين يقولون: إن الله ذكر الطواف بالبيت، ولم يذكر الطواف بين الصفا والمروة، ولرفع الجناح عمن تحرج من الطواف بهما؛ لأن المسلم لا يشرك بالله كما يشرك أهل الجاهلية.","vol":"3","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-564>بَابُ بَيَانِ أَنَّ السَّعْيَ لَا يُكَرَّرُ</span>\n\n[١٢٧٩] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: لَمْ يَطُف النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا: طَوَافَهُ الْأَوَّلَ.\nاستدل بهذا الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على أن المتمتع ليس عليه إلا سعي واحد.\nوأجيب بأن المراد: لم يطف النبي ﷺ، وأصحابه الذين ساقوا الهدي إلا طوافًا واحدًا، بدليل حديث عائشة ﵂ قالت: «فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى» (^١).\nوقوله: «لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ ﷺ، وَلَا أَصْحَابُهُ» المراد بأصحابه: الذين ساقوا الهدي معه، وأما من لم يَسُقِ الهدي فإنهم حلوا من عمرتهم، ثُمَّ أحرموا بالحج في اليوم الثامن، ثُمَّ طافوا بين الصفا والمروة طوافًا آخر بعد أن رجعوا من مِنًى لحجهم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٥٦)، ومسلم (١٢١١).","vol":"3","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-565>بَابُ اسْتِحْبَابِ إِدَامَةِ الْحَاجِّ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَشْرَعَ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ</span>\n\n[١٢٨٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ عَنْ كُرَيْبٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الشِّعْبَ الْأَيْسَرَ الَّذِي دُونَ الْمُزْدَلِفَةِ، أَنَاخَ فَبَالَ، ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوَضُوءَ فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا، ثُمَّ قُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ»، فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى، ثُمَّ رَدِفَ الْفَضْلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَدَاةَ جَمْعٍ.\n[خ: ١٦٦٩]\n\n[١٢٨١] قَالَ كُرَيْبٌ: فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَضْلِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الْجَمْرَةَ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، قَالَ ابْنُ خَشْرَمٍ: أَخْبَرَنَا عِيسَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنْ جَمْعٍ، قَالَ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْفَضْلَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.\n\n[١٢٨٢] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ- وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ- أَنَّهُ قَالَ- فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ، وَغَدَاةِ جَمْعٍ لِلنَّاسِ، حِينَ دَفَعُوا-: «عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» - وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ، حَتَّى دَخَلَ مُحَسِّرًا، وَهُوَ مِنْ مِنًى، قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ الَّذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ»، وَقَالَ: لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُلَبِّي","vol":"3","page":538},{"text":"حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ.\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ في الحديث: وَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِهِ: وَالنَّبِيُّ ﷺ يُشِيرُ بِيَدِهِ كَمَا يَخْذِفُ الْإِنْسَانُ.\n\n[١٢٨٣] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُدْرِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ- وَنَحْنُ بِجَمْعٍ-: سَمِعْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، يَقُولُ- فِي هَذَا الْمَقَامِ-: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ».\nوَحَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُدْرِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ لَبَّى حِينَ أَفَاضَ مِنْ جَمْعٍ، فَقِيلَ: أَعْرَابِيٌّ هَذَا؟ ! فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَنَسِيَ النَّاسُ، أَمْ ضَلُّوا، سَمِعْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، يَقُولُ- فِي هَذَا الْمَكَانِ-: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ».\nوَحَدَّثَنَاهُ حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حُصَيْنٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nوَحَدَّثَنِيهِ يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ- يَعْنِي: الْبَكَّائِيَّ- عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُدْرِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَا: سَمِعْنَا عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ- بِجَمْعٍ-: سَمِعْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ هَاهُنَا يَقُولُ: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ»، ثُمَّ لَبَّى وَلَبَّيْنَا مَعَهُ.\nفي هذه الأحاديث:\n١ - مشروعية الرفق في السير يوم عرفة، والبعد عن إيذاء الناس؛ ولهذا","vol":"3","page":539},{"text":"قال النبي ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ»، وفي حديث آخر أنه: «كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ، وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ» (^١)، وفي لفظ آخر قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ؛ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ» (^٢)، أي: ليس بالإسراع، فينبغي للمسلمين أن يرفق بعضهم ببعض، ولا يؤذي بعضهم بعضًا.\n٢ - استحباب الوضوء، كما توضأ النبي ﷺ «وُضُوءًا خَفِيفًا»، يعني: توضأ مرة مرة، أو خفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته ﷺ.\n٣ - تنبيه المرؤوس لرئيسه، والتلميذ لشيخه فيما يظن أنه نسيه؛ لأن أسامة ابن زيد ﵁ قال: «الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ» لما ظن أن النبي ﷺ نسيها، فبين له ﷺ أن الصلاة مكانها في مزدلفة، وأن نزوله ووضوؤه كان لعارض.\n٤ - أن السنة في صلاة المغرب، والعشاء أن تصلى جمعًا بمزدلفة ليلة العيد للحاج، لكن إذا خشي فوات الوقت بأن صار فيه ازدحام يصلي، ولو في الطريق ولا يؤخر الصلاة عن وقتها.\n٥ - جواز الاستعانة في الوضوء؛ لقوله: «فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوَضُوءَ».\nوالإعانة في الوضوء على ثلاثة أحوال:\nالأولى: أن يحضر له الماء عنده، فهذا لا بأس به.\nالثانية: أن يصب عليه الماء، ويتوضأ، فهذا كذلك لا بأس به.\nالثالثة: أن يباشر المُعين أعضاء الوضوء لمن يعينه، فهذا إذا كان مريضًا، أو عاجزًا فلا بأس به.\n٦ - أن التلبية تستمر للحاج حتى يشرع في رمي الجمرات.\nوقيل: حتى ينتهي من الرمي.\nوقيل: يقطعها من فجر يوم عرفة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩٩٩)، ومسلم (٢٢٧١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦٧١).","vol":"3","page":540},{"text":"وقيل: من ظهر يوم عرفة.\nوالصواب الذي دلت عليه الأحاديث: أن التلبية تستمر حتى يشرع في الرمي، فإذا شرع في الرمي قطع التلبية؛ لأنه شرع في التحلل.\n٧ - تواضع النبي ﷺ، حيث أردف معه أسامة من عرفة إلى مزدلفة، وأردف الفضل بن عباس ﵃ من مزدلفة إلى منى، خلاف ما عليه أهل الكبر من عدم الإرداف لغيرهم.","vol":"3","page":541},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-566>بَابُ التَّلْبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ فِي الذَّهَابِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ</span>\n\n[١٢٨٤] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ، مِنَّا الْمُلَبِّي، وَمِنَّا الْمُكَبِّرُ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ قَالُوا: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَدَاةِ عَرَفَةَ، فَمِنَّا الْمُكَبِّرُ، وَمِنَّا الْمُهَلِّلُ، فَأَمَّا نَحْنُ فَنُكَبِّرُ، قَالَ: قُلْتُ: وَاللهِ لَعَجَبًا مِنْكُمْ، كَيْفَ لَمْ تَقُولُوا لَهُ: مَاذَا رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ؟ .\n\n[١٢٨٥] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ- وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ-: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ فَقَالَ: كَانَ يُهِلُّ الْمُهِلُّ مِنَّا، فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ مِنَّا، فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ.\n[خ: ٩٧٠]\nوَحَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ- غَدَاةَ عَرَفَةَ-: مَا تَقُولُ فِي التَّلْبِيَةِ هَذَا الْيَوْمَ؟ قَالَ: سِرْتُ هَذَا الْمَسِيرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، فَمِنَّا الْمُكَبِّرُ، وَمِنَّا الْمُهَلِّلُ، وَلَا يَعِيبُ أَحَدُنَا عَلَى صَاحِبِهِ.\nفي هذه الأحاديث: أن التلبية مستمرة إلى رمي جمرة العقبة.","vol":"3","page":542},{"text":"وفيها: الرد على من قال بقطع التلبية بعد صبح يوم عرفة.\nوفيها: جواز التلبية والتكبيرن لأن الصحابة كان فيهم الملبي، وفيهم المكبر، ولا ينكر بعضهم على بعض، ولكن الأفضل التلبية.","vol":"3","page":543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-567>بَابُ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، وَاسْتِحْبَابِ صَلَاتَيِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمِيعًا بِالْمُزْدَلِفَةِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ</span>\n\n[١٢٨٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ، فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغ الْوُضُوءَ، فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةَ، قَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ»، فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا.\n[خ: ١٣٩]\nفي هذا الحديث: أن أول شيء بدأ به ﷺ الصلاة، على خلاف العامة الذين يبدؤون بلقط الحصى.\nوفيه: أنه صلى المغرب والعشاء بأذان، وإقامتين: إقامة لصلاة المغرب، وإقامة لصلاة العشاء، وسيأتي أن ابن عمر ﵁ قال: إنه صلى بإقامة واحدة.\nقال بعضهم: إنه ﷺ لم يتوضأ وضوءً شرعيًّا، وإنما ورد أنه استنجى، وغسل بعض الأعضاء، لكن هذا ليس بظاهر.","vol":"3","page":544},{"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ- مَوْلَى الزُّبَيْرِ- عَنْ كُرَيْبٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ الدَّفْعَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى بَعْضِ تِلْكَ الشِّعَابِ لِحَاجَتِهِ، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ، فَقُلْتُ: أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ: «الْمُصَلَّى أَمَامَكَ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: أَفَاضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الشِّعْبِ نَزَلَ، فَبَالَ- وَلَمْ يَقُلْ أُسَامَةُ: أَرَاقَ الْمَاءَ- قَالَ: فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا لَيْسَ بِالْبَالِغِ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، الصَّلَاةَ، قَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» قَالَ: ثُمَّ سَارَ حَتَّى بَلَغَ جَمْعًا، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ، أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ أَنَّهُ سَأَلَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ: كَيْفَ صَنَعْتُمْ حِينَ رَدِفْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: جِئْنَا الشِّعْبَ الَّذِي يُنِيخُ النَّاسُ فِيهِ لِلْمَغْرِبِ، فَأَنَاخَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَاقَتَهُ، وَبَالَ- وَمَا قَالَ: أَهَرَاقَ الْمَاءَ-، ثُمَّ دَعَا بِالْوَضُوءِ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا لَيْسَ بِالْبَالِغِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، الصَّلَاةَ، فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ»، فَرَكِبَ حَتَّى جِئْنَا الْمُزْدَلِفَةَ، فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ النَّاسُ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَلَمْ يَحُلُّوا حَتَّى أَقَامَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فَصَلَّى، ثُمَّ حَلُّوا، قُلْتُ: فَكَيْفَ فَعَلْتُمْ حِينَ أَصْبَحْتُمْ؟ قَالَ: رَدِفَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَانْطَلَقْتُ أَنَا فِي سُبَّاقِ قُرَيْشٍ عَلَى رِجْلَيَّ.\nقوله: «ثُمَّ أَنَاخَ النَّاسُ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَلَمْ يَحُلُّوا حَتَّى أَقَامَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فَصَلَّى، ثُمَّ حَلُّوا»، يعني: صلوا المغرب، والإبل واقفة، ثُمَّ أناخوا الإبل وعليها أحمالها، ثُمَّ صلوا العشاء، ثُمَّ حلوا ما عليها من أحمال.","vol":"3","page":545},{"text":"وقوله: «وَانْطَلَقْتُ أَنَا فِي سُبَّاقِ قُرَيْشٍ عَلَى رِجْلَيَّ»، أي: في سُبَّاق قريش مع الشباب، وسُبَّاق جمع سابق، مثل: رُكَّاب جمع راكب، وقُرَّاء جمع قارئ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا أَتَى النَّقْبَ الَّذِي يَنْزِلُهُ الْأُمَرَاءُ نَزَلَ، فَبَالَ- وَلَمْ يَقُلْ أَهَرَاقَ-، ثُمَّ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، الصَّلَاةَ، فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ».\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءٍ- مَوْلَى ابْنِ سِبَاعٍ- عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّهُ كَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ، فَلَمَّا جَاءَ الشِّعْبَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى الْغَائِطِ، فَلَمَّا رَجَعَ صَبَبْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَةِ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ رَكِبَ، ثُمَّ أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَجَمَعَ بِهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.\n\n[١٢٨٦] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأُسَامَةُ رِدْفُهُ، قَالَ أُسَامَةُ: فَمَا زَالَ يَسِيرُ عَلَى هَيْئَتِهِ حَتَّى أَتَى جَمْعًا.\n[خ: ١٦٦٦]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ- وَأَنَا شَاهِدٌ- أَوَ قَالَ: سَأَلْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ- وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَرْدَفَهُ مِنْ عَرَفَاتٍ-، قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ يَسِيرُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ حُمَيْدٍ: قَالَ هِشَامٌ: وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ.","vol":"3","page":546},{"text":"العَنَقُ والنَّصُّ نوعان من السير أحدهما أبطأ من الآخر، والعَنَقُ: انبساط السير، والنَّصُّ: أرفع منه.\nوالمعنى: أن رسول الله ﷺ كان يسير سيرًا معتدلًا، وقوله: «فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ»، أي: إذا وجد متسعًا أرخى الزمام للناقة فأسرعت به، وهذا هو النص.\n\n[١٢٨٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ الْخَطْمِيَّ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ.\n[خ: ١٦٧٤]\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ ابْنُ رُمْحٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ: وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الْكُوفَةِ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ.\n\n[٧٠٣] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا.\n\n[١٢٨٨] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، بِجَمْعٍ لَيْسَ بَيْنَهُمَا سَجْدَةٌ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، فَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُصَلِّي بِجَمْعٍ كَذَلِكَ حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ تَعَالَى.\nقوله: «لَيْسَ بَيْنَهُمَا سَجْدَةٌ»، أي: ليس بينهما نافلة.","vol":"3","page":547},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ، وَسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِجَمْعٍ، وَالْعِشَاءَ بِإِقَامَةٍ، ثُمَّ حَدَّثَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ صَلَّى مِثْلَ ذَلِكَ، وَحَدَّثَ ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ.\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: صَلَّاهُمَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، صَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا، وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَفَضْنَا مَعَ ابْنِ عُمَرَ حَتَّى أَتَيْنَا جَمْعًا، فَصَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: هَكَذَا صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي هَذَا الْمَكَانِ.\nفي هذا الحديث: وهمٌ من ابن عمر ﵄، حيث قال: «صَلَّى الْمَغْرِبَ بِجَمْعٍ، وَالْعِشَاءَ بِإِقَامَةٍ»، والصواب: أنه بأذان، وإقامتين، كما سبق بيانه في حديث مضى أنه صلى المغرب والعشاء بأذان واحد، وإقامتين: إقامة للمغرب، وإقامة للعشاء (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢١٨).","vol":"3","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-568>بَابُ اسْتِحْبَابِ زِيَادَةِ التَّغْلِيسِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَالْمُبَالَغَةِ فِيهِ بَعْدَ تَحَقُّقِ طُلُوعِ الْفَجْرِ</span>\n\n[١٢٨٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا لِمِيقَاتِهَا، إِلَّا صَلَاتَيْنِ: صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا.\n[خ: ١٦٨٢]\nوَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: قَبْلَ وَقْتِهَا بِغَلَسٍ.\nفي هذا الحديث: دليل على استحباب التبكير لصلاة الفجر يوم العيد في مزدلفة.\nوقول ابن مسعود ﵁: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا لِمِيقَاتِهَا، إِلَّا صَلَاتَيْنِ»، يعني: لغير ميقاتها المعتاد، وليس المراد: قبل دخول وقتها؛ لأن الصلاة لا تصح قبل دخول الوقت بإجماع المسلمين؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾.\nوالنبي ﷺ بكَّر فيها تبكيرًا شديدًا، والحكمة من ذلك: حتى يتسع وقت الوقوف بمزدلفة لذكر الله ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿فاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾.\nوالوقوف يبدأ من صلاة الفجر إلى الإسفار؛ ولهذا فسره في الرواية الأخرى، فقال: «قَبْلَ وَقْتِهَا بِغَلَسٍ»، والغلس هو: اختلاط ضياء الصبح بظلام الليل.","vol":"3","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-569>بَابُ اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِ دَفْعِ الضَّعَفَةِ مِنَ النِّسَاءِ وَغَيْرِهِنَّ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إِلَى مِنًى، فِي أَوَاخِرِ اللَّيْلِ قَبْلَ زَحْمَةِ النَّاسِ، وَاسْتِحْبَابِ الْمُكْثِ لِغَيْرِهِمْ حَتَّى يُصَلُّوا الصُّبْحَ بِمُزْدَلِفَةَ</span>\n\n[١٢٩٠] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ- يَعْنِي: ابْنَ حُمَيْدٍ- عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ: اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ، تَدْفَعُ قَبْلَهُ وَقَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَكَانَتِ امْرَأَةً ثَبِطَةً- يَقُولُ الْقَاسِمُ: وَالثَّبِطَةُ: الثَّقِيلَةُ- قَالَ: فَأَذِنَ لَهَا فَخَرَجَتْ قَبْلَ دَفْعِهِ، وَحَبَسَنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا، فَدَفَعْنَا بِدَفْعِهِ، وَلَأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ، فَأَكُونَ أَدْفَعُ بِإِذْنِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ.\n[خ: ١٦٨١]\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، جَمِيعًا عَنِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ سَوْدَةُ امْرَأَةً ضَخْمَةً ثَبِطَةً، فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ تُفِيضَ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَيْتَنِي كُنْتُ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ لَا تُفِيضُ إِلَّا مَعَ الْإِمَامِ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ، فَأُصَلِّي الصُّبْحَ بِمِنًى، فَأَرْمِي الْجَمْرَةَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاسُ، فَقِيلَ لِعَائِشَةَ: فَكَانَتْ سَوْدَةُ اسْتَأْذَنَتْهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، إِنَّهَا كَانَتِ امْرَأَةً ثَقِيلَةً ثَبِطَةً، فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَذِنَ لَهَا.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.","vol":"3","page":550},{"text":"[١٢٩١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ- مَوْلَى أَسْمَاءَ- قَالَ: قَالَتْ لِي أَسْمَاءُ- وَهِيَ عِنْدَ دَارِ الْمُزْدَلِفَةِ-: هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: لَا، فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ، هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: ارْحَلْ بِي، فَارْتَحَلْنَا حَتَّى رَمَتِ الْجَمْرَةَ، ثُمَّ صَلَّتْ فِي مَنْزِلِهَا، فَقُلْتُ لَهَا: أَيْ هَنْتَاهْ، لَقَدْ غَلَّسْنَا، قَالَتْ: كَلَّا- أَيْ بُنَيَّ- إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لِلظُّعُنِ.\n[خ: ١٦٧٩]\nوَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي رِوَايَتِهِ: قَالَتْ: لَا- أَيْ بُنَيَّ- إِنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ أَذِنَ لِظُعُنِهِ.\n\n[١٢٩٢] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ ابْنَ شَوَّالٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ، فَأَخْبَرَتْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ بِهَا مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ شَوَّالٍ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ نُغَلِّسُ مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنًى.\nوَفِي رِوَايَةِ النَّاقِدِ: نُغَلِّسُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ.\n\n[١٢٩٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الثَّقَلِ- أَوَ قَالَ: فِي الضَّعَفَةِ- مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ.\n[خ: ١٦٧٨]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ","vol":"3","page":551},{"text":"عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ قَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ.\n\n[١٢٩٤] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَحَرٍ مِنْ جَمْعٍ فِي ثَقَلِ نَبِيِّ اللهِ ﷺ، قُلْتُ: أَبَلَغَكَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ بِي بِلَيْلٍ طَوِيلٍ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كَذَلِكَ بِسَحَرٍ، قُلْتُ لَهُ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَمَيْنَا الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَيْنَ صَلَّى الْفَجْرَ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كَذَلِكَ.\n\n[١٢٩٥] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، فَيَقِفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِاللَّيْلِ، فَيَذْكُرُونَ اللهَ مَا بَدَا لَهُمْ، ثُمَّ يَدْفَعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الْإِمَامُ، وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوُا الْجَمْرَةَ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.\n[خ: ١٦٧٦]\nقوله: «وَقَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ»، يعني: تدفع قبل زحمة الناس.\nوقولها: «من مفروح بِهِ»، أي: من مَا يفرح بِهِ من كل شَيْء.\nوقوله: «فِي الثَّقَلِ»، أي: في المتاع.\nوقوله: «أَيْ هَنْتَاهْ»، يعني: يا هذه.\nوقوله: «لَقَدْ غَلَّسْنَا»، يعني: بكَّرنا وتقدَّمنا على الوقت المشروع.\nوقوله: «قَالَتْ: كَلَّا أَيْ بُنَيَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لِلظُّعُنِ» الظُّعُن هن النساء، والواحدة ظعينة، كسفينة وسفن، وأصل الظعينة: الهودج الذي تكون فيه المرأة على البعير، فسميت المرأة به مجازًا.\nوقوله: «نُغَلِّسُ»، يعني: نبكر في آخر الليل.\nوفي هذه الأحاديث: دليل على أن سودة ﵂ استأذنت النبي ﷺ في أن","vol":"3","page":552},{"text":"تدفع من مزدلفة في آخر الليل، «وَكَانَتِ امْرَأَةً ثَبِطَةً»، يعني: ثقيلة، فدل هذا على أن الضعفاء، والمرضى، والعجزة يرخص لهم في الدفع من مزدلفة آخر الليل.\nوفيها: دليل على أن المبيت بمزدلفة واجب؛ لأنه لو لم يكن واجبًا لرخص للجميع، والرخصة لا تكون إلا لشيء واجب.\nوالظاهر من حديث أسماء ﵂: أنه أذن للنساء جميعًا.\nوفيها: أن عائشة ﵂ كانت لا تنصرف إلا مع الإمام، والإمام لا ينصرف إلا بعد صلاة الفجر وبعد أن يذكر الله عند المشعر الحرام، وتمنت أنها استأذنت النبي ﷺ مثل ما استأذنت سودة ﵂.","vol":"3","page":553},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-570>بَابُ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَتَكُونُ مَكَّةُ عَنْ يَسَارِهِ، وَيُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ</span>\n\n[١٢٩٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: رَمَى عَبْدُ اللهِ ابْنُ مَسْعُودٍ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أُنَاسًا يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: هَذَا- وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ- مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ.\n[خ: ١٧٤٧]\nوَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ يَقُولُ- وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ-: أَلِّفُوا الْقُرْآنَ كَمَا أَلَّفَهُ جِبْرِيلُ، السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا الْبَقَرَةُ، وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ، وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ، قَالَ: فَلَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ، فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِهِ، فَسَبَّهُ، وَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَأَتَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الْوَادِي، فَاسْتَعْرَضَهَا، فَرَمَاهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنَّ النَّاسَ يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا، فَقَالَ: هَذَا- وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ- مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ.\nوَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَقُولُ: لَا تَقُولُوا: سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَاقْتَصَّا الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ: أَنَّهُ حَجَّ مَعَ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:","vol":"3","page":554},{"text":"فَرَمَى الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَقَالَ: هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ.\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا أَتَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُحَيَّاةِ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى أَبُو الْمُحَيَّاةِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللهِ: إِنَّ نَاسًا يَرْمُونَ الْجَمْرَةَ مِنْ فَوْقِ الْعَقَبَةِ، قَالَ: فَرَمَاهَا عَبْدُ اللهِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ قَالَ: مِنْ هَاهُنَا- وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ- رَمَاهَا الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ.\nفي هذا الحديث: بيان أن الأفضل في رمي جمرة العقبة أن يكون من بطن الوادي، وإذا رميت من فوق فلا حرج.\nوالآن صار لرمي الجمار عدة أدوار، فإذا رماها من الأعلى وسقطت في الحوض فلا حرج، وإذا رماها من أسفل فهذا هو الأصل؛ لأن النبي ﷺ رمى من بطن الوادي.","vol":"3","page":555},{"text":"قوله: «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ» هو النخعي ﵀، من صغار التابعين، وهو من أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁، توفي عام سنة ثلاث وثمانين من الهجرة وعمره خمسون سنة ﵀ (^١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>بَابُ اسْتِحْبَابِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ رَاكِبًا، وَبَيَانِ قَوْلِهِ ﷺ: لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ</span>\n\n[١٢٩٧] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، جَمِيعًا عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، قَالَ ابْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَقُولُ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ؛ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ».\n\n[١٢٩٨] وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ الْحُصَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُهَا تَقُولُ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَرَأَيْتُهُ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَانْصَرَفَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، وَأُسَامَةُ، أَحَدُهُمَا يَقُودُ بِهِ رَاحِلَتَهُ، وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الشَّمْسِ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَوْلًا كَثِيرًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ- حَسِبْتُهَا قَالَتْ: أَسْوَدُ- يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا».\nوَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ جَدَّتِهِ قَالَتْ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ، وَبِلَالًا، وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الْحَرِّ، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.\nقَالَ مُسْلِم: وَاسْمُ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ: خَالِدُ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، وَهُوَ خَالُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، رَوَى عَنْهُ، وَكِيعٌ، وَحَجَّاجٌ الْأَعْوَرُ.\n_________\n(^١) تهذيب التهذيب، لابن حجر (٦/ ٢٩٩).","vol":"3","page":556},{"text":"قوله: «إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ»، يعني: مقطوع الأطراف.\nهذا الحديث فيه: دليل على أن الخروج على ولاة الأمور الذين يحكمون بكتاب الله من الكبائر؛ ولهذا قال ﷺ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» (^١)؛ لأن الخروج على ولاة الأمور فيه مفاسد عظيمة، منها: إراقة الدماء، واختلال الأمن، وتربص الأعداء، وفي الحديث الآخر: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا» (^٢)، يعني: إلا إن فعل كفرًا بواحًا صريحًا، وَوُجد البديل، وكانت هناك قدرة على إزالته، وجب الخروج والحالة هذه.\nوالواجب على أهل الحل والعقد، والعلماء أن يبذلوا النصيحة لولاة الأمور فإن قبلوا فالحمد لله، وإن لم يقبلوا فقد أدى الناس ما عليهم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١٤٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧١٤٢).","vol":"3","page":557},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-572>بَابُ اسْتِحْبَابِ كَوْنِ حَصَى الْجِمَارِ بِقَدْرِ حَصَى الْخَذْفِ</span>\n\n[١٢٩٩] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ رَمَى الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ.\nقوله: «حَصَى الْخَذْفِ» هو الحجر الصغير الذي يجعله بين أصبعيه، ثُمَّ يرمي به.","vol":"3","page":558},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-573>بَابُ بَيَانِ وَقْتِ اسْتِحْبَابِ الرَّمْيِ</span>\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، وَابْنُ إِدْرِيسَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ.\nوَحَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nقوله: «وَأَمَّا بَعْدُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ»، يعني: في أيام التشريق، وهي: يوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر يرمي إذا زالت الشمس، وزوال الشمس أي: ميلها إلى الغروب، وهو بداية وقت صلاة الظهر.","vol":"3","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-574>بَابُ بَيَانِ أَنَّ حَصَى الْجِمَارِ سَبْعٌ</span>\n\n[١٣٠٠] وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ- وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللهِ الْجَزَرِيُّ- عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الِاسْتِجْمَارُ تَوٌّ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ تَوٌّ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَوٌّ، وَالطَّوَافُ تَوٌّ، وَإِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ بِتَوٍّ».\nقوله: «فَلْيَسْتَجْمِرْ بِتَوٍّ» تو بفتح التاء وكسر الواو، يعني: وترًا، والمراد بالاستجمار: التمسح بالجمار، وهي الأحجار الصغار، أي: يستنجي بثلاث أحجار، أو بخمسة، أو بسبعة.","vol":"3","page":560},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-575>بَابُ تَفْضِيلِ الْحَلْقِ عَلَى التَّقْصِيرِ، وَجَوَازِ التَّقْصِيرِ</span>\n\n[١٣٠١] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ قَالَ: حَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَحَلَقَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ» - مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ- ثُمَّ قَالَ: «وَالْمُقَصِّرِينَ».\n[خ: ١٧٢٧]\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اللهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «اللهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَالْمُقَصِّرِينَ».\nأَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَالْمُقَصِّرِينَ».\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ في الحديث: فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ قَالَ: «وَالْمُقَصِّرِينَ».\n\n[١٣٠٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، «وَلِلْمُقَصِّرِينَ»، قَالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلِلْمُقَصِّرِينَ، قَالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ","vol":"3","page":561},{"text":"لِلْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلِلْمُقَصِّرِينَ، قَالَ: «وَلِلْمُقَصِّرِينَ».\n[خ: ١٧٢٨]\nوَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.\n\n[١٣٠٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ جَدَّتِهِ: أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ-: دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا، وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً.\nوَلَمْ يَقُلْ وَكِيعٌ: فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.\n\n[١٣٠٤] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ-.ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- كِلَاهُمَا عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.\n[خ: ١٧٢٦]\nفي هذه الأحاديث: دليل على أن الحلق نسك من مناسك الحج، وأن الحلق أفضل من التقصير؛ لما فيه من المبالغة في الامتثال لأمر النبي ﷺ؛ لهذا دعى النبي ﷺ للمحلقين ثلاثًا، ودعى للمقصرين مرة واحدة.\nوالتقصير لا بد أن يكون من جميع جهات الرأس.\nأما المرأة فعليها التقصير فحسب؛ لأن شعرها جمال لها، وتأخذ من كل ظفيرة قدر رأس الإصبع إذا كان لها ظفائر، فإن لم يكن له ظفائر جمعت شعرها، وأخذت من أطرافه بقدر رأس الإصبع.","vol":"3","page":562},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-576>بَابُ بَيَانِ أَنَّ السُّنَّةَ يَوْمَ النَّحْرِ: أَنْ يَرْمِيَ، ثُمَّ يَنْحَرَ، ثُمَّ يَحْلِقَ، وَالِابْتِدَاءِ فِي الْحَلْقِ بِالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ مِنْ رَأْسِ الْمَحْلُوقِ</span>\n\n[١٣٠٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى مِنًى، فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلْحَلَّاقِ: «خُذْ»، وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاس.\n[خ: ١٧١]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالُوا: أَخْبَرَنَا حَفْصُ ابْنُ غِيَاثٍ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أَمَّا أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ لِلْحَلَّاقِ: «هَا»، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ هَكَذَا، فَقَسَمَ شَعَرَهُ بَيْنَ مَنْ يَلِيهِ، قَالَ: ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الْحَلَّاقِ، وَإِلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاهُ أُمَّ سُلَيْمٍ، وَأَمَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ قَالَ: فَبَدَأَ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ، فَوَزَّعَهُ الشَّعَرَةَ وَالشَّعَرَتَيْنِ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ قَالَ بِالْأَيْسَرِ، فَصَنَعَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: «هَهُنَا أَبُو طَلْحَةَ»، فَدَفَعَهُ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْبُدْنِ فَنَحَرَهَا، وَالْحَجَّامُ جَالِسٌ، وَقَالَ بِيَدِهِ عَنْ رَأْسِهِ، فَحَلَقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ، فَقَسَمَهُ فِيمَنْ يَلِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «احْلِقْ الشِّقَّ الْآخَرَ».\nفَقَالَ: «أَيْنَ أَبُو طَلْحَةَ؟»، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَسَّانَ، يُخْبِرُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجَمْرَةَ، وَنَحَرَ نُسُكَهُ، وَحَلَقَ نَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ، فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الْأَيْسَرَ، فَقَالَ: «احْلِقْ»، فَحَلَقَهُ فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ: «اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ».","vol":"3","page":563},{"text":"في هذا الحديث: استحباب البدء بالشق الأيمن في الحلق؛ لكونه أفضل، ثُمَّ الشق الأيسر.\nوفيه: جواز التبرك بالنبي ﷺ؛ لما جعل الله في جسده، وما لامس جسده من البركة، وهذا خاص به ﷺ لا يقاس عليه غيره، كما مر.","vol":"3","page":564},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-577>بَابُ مَنْ حَلَقَ قَبْلَ النَّحْرِ، أَوْ نَحَرَ قَبْلَ الرَّمْيِ</span>\n\n[١٣٠٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، فَقَالَ: «اذْبَحْ، وَلَا حَرَجَ»، ثُمَّ جَاءَهُ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَقَالَ: «ارْمِ، وَلَا حَرَجَ»، قَالَ: فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ، وَلَا أُخِّرَ، إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ».\n[خ: ٨٣]\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ التَّيْمِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: وَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَطَفِقَ نَاسٌ يَسْأَلُونَهُ، فَيَقُولُ الْقَائِلُ مِنْهُمْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَمْ أَكُنْ أَشْعُرُ أَنَّ الرَّمْيَ قَبْلَ النَّحْرِ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ الرَّمْيِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَارْمِ، وَلَا حَرَجَ»، قَالَ: وَطَفِقَ آخَرُ يَقُولُ: إِنِّي لَمْ أَشْعُرْ أَنَّ النَّحْرَ قَبْلَ الْحَلْقِ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، فَيَقُولُ: «انْحَرْ، وَلَا حَرَجَ» قَالَ: فَمَا سَمِعْتُهُ يُسْأَلُ يَوْمَئِذٍ عَنْ أَمْرٍ مِمَّا يَنْسَى الْمَرْءُ وَيَجْهَلُ مِنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الأُمُورِ قَبْلَ بَعْضٍ وَأَشْبَاهِهَا، إِلَّا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «افْعَلُوا ذَلِكَ، وَلَا حَرَجَ».\nحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِح عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، إِلَى آخِرِهِ.\nوَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَحْسِبُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَّ كَذَا وَكَذَا قَبْلَ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا وَكَذَا- لِهَؤُلَاءِ","vol":"3","page":565},{"text":"الثَّلَاثِ- قَالَ: «افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ».\nوَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح، وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ بَكْرٍ فَكَرِوَايَةِ عِيسَى، إِلَّا قَوْلَهُ: لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ، وَأَمَّا يَحْيَى الأُمَوِيُّ، فَفِي رِوَايَتِهِ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ رَجُلٌ، فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَح، قَالَ: «فَاذْبَحْ، وَلَا حَرَجَ»، قَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: «ارْمِ، وَلَا حَرَجَ».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى نَاقَةٍ بِمِنًى، فَجَاءَهُ رَجُلٌ، بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ وَاقِفٌ عَنْدَ الْجَمْرَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَقَالَ: «ارْمِ، وَلَا حَرَجَ»، وَأَتَاهُ آخَرُ، فَقَالَ: إِنِّي ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: «ارْمِ، وَلَا حَرَجَ»، وَأَتَاهُ آخَرُ، فَقَالَ: إِنِّي أَفَضْتُ إِلَى الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: «ارْمِ، وَلَا حَرَجَ»، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُهُ سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ، إِلَّا قَالَ: «افْعَلُوا، وَلَا حَرَجَ».\n\n[١٣٠٧] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ فِي الذَّبْحِ، وَالْحَلْقِ، وَالرَّمْيِ، وَالتَّقْدِيمِ، وَالتَّأْخِيرِ، فَقَالَ: «لَا حَرَجَ».\n[خ: ١٧٣٤]","vol":"3","page":566},{"text":"في هذه الأحاديث: مشروعية تقديم بعض المناسك على بعض، فوظائف يوم العيد هي: رمي جمرة العقبة، ثُمَّ النحر، ثُمَّ الحلق، ثُمَّ الطواف، ثُمَّ السعي، فالأفضل ترتيبها هكذا، فإذا قدم بعضه على بعض فلا حرج، سواء أكان جاهلًا، أو عالمًا؛ لهذا لما قال الرجل للنبي ﷺ: «لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَقَالَ: ارْمِ، وَلَا حَرَجَ»، فقال الراوي: «فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ، وَلَا أُخِّرَ، إِلَّا قَالَ: افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ».\nوقال بعض الأحناف: يجب ترتيبها، وإن لم يرتبها فعليه دم (^١).\nوفي حديث أسامة بن شريك ﵁ قال: «سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ، أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا، أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئًا، فَكَانَ يَقُولُ: لَا حَرَج» (^٢)، أخذ بهذا بعض أهل العلم، وقالوا: لا بأس بتقديم السعي يوم العيد على الطواف.\nوالجمهور على أنه لا يجوز السعي إلا بعد الطواف، وتأولوا قول أسامة ﵁: «سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ» أنه سعى لما قدم قبل طواف الإفاضة، أي: سعى أولًا قبل أن يطوف للإفاضة.\n_________\n(^١) المبسوط، للسرخسي (٤/ ٤٢)، بدائع الصنائع، للكاساني (٢/ ١٤١).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٠١٥)، وابن خزيمة (٢٦٠٣)، والبيهقي في الكبرى (٨٩٣٣).","vol":"3","page":567},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-578>بَابُ اسْتِحْبَابِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ يَوْمَ النَّحْرِ</span>\n\n[١٣٠٨] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى، قَالَ نَافِعٌ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفِيضُ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّي الظُّهْرَ بِمِنًى، وَيَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ.\n\n[١٣٠٩] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى، قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالْأَبْطَحِ، ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ مَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ.\n[خ: ١٦٥٣]\nفي هذه الأحاديث: استحباب طواف الإفاضة يوم النحر ضحًى.\nوالإفاضة تسمى: طواف الزيارة، وطواف الصدر، وطواف الركن، وهذا الطواف فرض على جميع الحجاج؛ المتمتع، والقارن، والمفرد.\nوجاء في الحديث: «إِنَّ هَذَا يَوْمٌ رُخِّصَ لَكُمْ إِذَا أَنْتُمْ رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ أَنْ تَحِلُّوا، يَعْنِي: مِنْ كُلِّ مَا حُرِمْتُمْ مِنْهُ، إِلَّا مِنَ النِّسَاءِ، إِذَا أَنْتُمْ أَمْسَيْتُمْ قَبْلَ أَنْ تَطُوفُوا بِهَذَا الْبَيْتِ، عُدْتُمْ حُرُمًا، كَهَيْئَتِكُمْ قَبْلَ أَنْ تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطُوفُوا بِهِ» (^١).\nلكن معنى هذا الحديث لم يقل به أحد من أهل العلم.\nوأخذ بهذا الحديث بعض المتأخرين كالشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀، وقال: إن الحاج إذا لم يطف طواف الإفاضة حتى جاء الليل فإنه يعود\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٥٩٩٠)، وأبو داود (١٩٩٩).","vol":"3","page":568},{"text":"حرمًا كما كان، عملًا بهذا الحديث (^١).\nوالصواب مع الجمهور، وهو أنه لا يعود حرامًا كما كان (^٢)، ومما يؤيد ذلك: قول عائشة ﵂: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» (^٣)، وهذا دليل على أنه تحلل.\nوفيه: أن النبي ﷺ طاف طواف الإفاضة، ثُمَّ صلى الظهر بمنى، وفي حديث جابر ﵁ الطويل أنه صلى الظهر بمكة.\nفاختلف العلماء في الجمع بينهما:\nفرجح بعضهم حديث ابن عمر ﵄؛ لأنه في الصحيحين، وقدموه على حديث جابر ﵁؛ لأن حديث جابر انفرد به مسلم.\nومن العلماء من جمع بينهما، وقال: إن حديث جابر ﵁ فيه دليل على أن النبي ﷺ أدركته الصلاة في مكة، فصلى في المسجد الحرام، ثُمَّ لما رجع إلى مِنًى وجد أصحابه مجتمعين، فصلى بهم تلك الصلاة مرة ثانية، فصارت في حقه نافلة ولهم فرضًا.\nوهذا هو الصواب؛ لأن الجمع بين الحديثين إذا أمكن فهو مقدَّم على الترجيح؛ لأن فيه العمل بالحديثين.\n_________\n(^١) صحيح أبي داود، للألباني (٦/ ٢٤٠).\n(^٢) المجموع، للنووي (٨/ ٢٣٤)، المغني، لابن قدامة (٣/ ٣٨٩ - ٣٩٠)، مطالب أولي النهى، للرحيباني (٢/ ٤٢٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٥٣٩)، ومسلم (١١٨٩).","vol":"3","page":569},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-579>بَابُ اسْتِحْبَابِ النُّزُولِ بِالْمُحَصَّبِ يَوْمَ النَّفْرِ، وَالصَّلَاةِ بِهِ</span>\n\n[١٣١٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ كَانُوا يَنْزِلُونَ الْأَبْطَحَ.\nقوله: «أَنّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ كَانُوا يَنْزِلُونَ الْأَبْطَحَ»، والأبطح: يقال له البطحاء، والمحصب، والحصباء، وخيف بني كنانة، والخيف هو: ما انحدر من الجبل.\nفكانوا ينزلون في اليوم الثالث عشر؛ اقتداءً بالنبي ﷺ؛ لأنه لما نفر من مِنًى في اليوم الثالث عشر ونزل بالأبطح، وانتقل منه بعد ذلك إلى طواف الوداع.\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى التَّحْصِيبَ سُنَّةً، وَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ النَّفْرِ بِالْحَصْبَةِ، قَالَ نَافِعٌ: قَدْ حَصَّبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ.\nقوله: «التَّحْصِيبَ»، يعني: النزول بالحصباء.\nوذهب ابن عباس ﵄، وعائشة ﵂ إلى أنه ليس بسنة، وأنه منزل نزله النبي ﷺ لكونه أسمح لخروجه.\nوالصواب: الأول، وهو أنه سنة إذا تيسر؛ ولأنه منزل الخلفاء، وهم أعلم بالسنة من ابن عباس ﵄، وعائشة ﵂.","vol":"3","page":570},{"text":"[١٣١١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: نُزُولُ الْأَبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ إِذَا خَرَجَ.\n[خ: ١٧٦٥]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ-.ح، وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَابْنَ عُمَرَ: كَانُوا يَنْزِلُونَ الْأَبْطَح، قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذَلِكَ، وَقَالَتْ: إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَنْزِلًا أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ.\n\n[١٣١٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشَيْءٍ، إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ.\n[خ: ١٧٦٦]\n\n[١٣١٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ أَبُو رَافِعٍ: لَمْ يَأْمُرْنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَنْزِلَ الْأَبْطَحَ حِينَ خَرَجَ مِنْ مِنًى، وَلَكِنِّي جِئْتُ فَضَرَبْتُ فِيهِ قُبَّتَهُ، فَجَاءَ فَنَزَلَ.\nقَالَ أَبُو بَكْرٍ- فِي رِوَايَةِ صَالِح-: قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، وَفِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ: قَالَ: عَنْ أَبِي رَافِعٍ: وَكَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ.\n\n[١٣١٤] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ","vol":"3","page":571},{"text":"رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «نَنْزِلُ غَدًا- إِنْ شَاءَ اللهُ- بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ».\n[خ: ١٥٩٠]\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ- وَنَحْنُ بِمِنًى-: «نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ»، وَذَلِكَ إِنَّ قُرَيْشًا، وَبَنِي كِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ: أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ، وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا إِلَيْهِمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ- يَعْنِي بِذَلِكَ: الْمُحَصَّبَ.\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْزِلُنَا إِنْ شَاءَ اللهُ إِذَا فَتَحَ اللهُ الْخَيْفُ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ».\nفي هذه الأحاديث: أن الكفار حاصروا بني هاشم، وبني المطلب بالشِّعب ثلاث سنين؛ حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ؛ لقتله، فأبوا، فأراد النبي ﷺ أن يُظهر شعائر الإسلام في هذا المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر؛ إغاظةً لهم.\nوفيها: دليل على أن نزوله في هذا المكان سُنَّة، وليس نزولًا نزله اتفاقًا.","vol":"3","page":572},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-580>بَابُ وُجُوبِ الْمَبِيتِ بِمِنًى لَيَالِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَالتَّرْخِيصِ فِي تَرْكِهِ لِأَهْلِ السِّقَايَةِ</span>\n\n[١٣١٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ.\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقوله: «مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ»، أي: من أجل سقاية الحجاج، فينزل لزمزم ويملأ الدِّلاء، ويصب في الحياض، فإذا جاء الحجاج وجدوا الماء مهيَّأً.\nفي هذا الحديث: الرخصة لأهل السقاية في عدم المبيت بمنى ليالي أيام التشريق.\nوفيه: دليل على أن المبيت بمنى واجب؛ لأن الاستئذان لا يكون إلا من شيء واجب، والرخصة لا تكون إلا من شيء واجب؛ ولأنه لو لم يكن واجبًا لم تكن هناك حاجة للاستئذان، ويقاس عليه رعاة الإبل، والمريض ينقل إلى المستشفى، والمرافق له- أيضًا-، وكذلك الجندي الذي يرابط لحفظ الأمن، والطبيب الذي يداوم في المستشفى لعلاج المرضى، ومن كان مثلهم من أصحاب الأعذار، أما من عداهم فإنه يجب عليهم المبيت","vol":"3","page":573},{"text":"بمنى على الصواب الذي عليه الجماهير، ومن لم يبت فعليه دم (^١)؛ لقول ابن عباس ﵄: «مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا، أَوْ تَرَكَهُ، فَلْيُهْرِقْ دَمًا» (^٢).\nوعند الحنفية (^٣)، وفي قول للشافعية (^٤)، ورواية عن الإمام أحمد (^٥): المبيت بِمِنًى سنة، وليس على من تركه دم، لكن هذا القول ضعيف؛ لأن الاستئذان لا يكون إلا من شيء واجب، ولو كان سنة لم يكن هناك حاجة للاستئذان.\n\n[١٣١٦] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْدَ الْكَعْبَةِ، فَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَى بَنِي عَمِّكُمْ يَسْقُونَ الْعَسَلَ وَاللَّبَنَ، وَأَنْتُمْ تَسْقُونَ النَّبِيذَ؟ أَمِنْ حَاجَةٍ بِكُمْ، أَمْ مِنْ بُخْلٍ؟ فقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا بِنَا مِنْ حَاجَةٍ، وَلَا بُخْلٍ، قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَخَلْفَهُ أُسَامَةُ، فَاسْتَسْقَى فَأَتَيْنَاهُ بِإِنَاءٍ مِنْ نَبِيذٍ، فَشَرِبَ وَسَقَى فَضْلَهُ أُسَامَةَ، وَقَالَ: «أَحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ، كَذَا فَاصْنَعُوا»، فَلَا نُرِيدُ تَغْيِيرَ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ.\nقوله: «مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ الضَّرِيرُ» الضرير: أي: كفيف البصر، وقال ذلك تمييزًا له عن غيره، ولا يعد من الغيبة.\nوقوله: «فَاسْتَسْقَى»، أي: طلب الماء.\n_________\n(^١) الشرح الكبير، للدسوقي (٢/ ٤٨)، المجموع، للنووي (٨/ ٢٤٧)، المغني، لابن قدامة (٣/ ٣٦٥).\n(^٢) أخرجه مالك في الموطأ (٩٢٦)، والدارقطني (٢٥١٢)، والبيهقي في الكبرى (٨٩٦٩).\n(^٣) تبيين الحقائق، للزيلعي (٢/ ٣٥).\n(^٤) المجموع، للنووي (٨/ ٢٤٧).\n(^٥) المغني، لابن قدامة (٣/ ٣٩٧).","vol":"3","page":574},{"text":"هذا الحديث فيه: جرأة الأعرابي على ابن عباس ﵄ ابن عم النبي ﷺ، حيث قال له: «مَا لِي أَرَى بَنِي عَمِّكُمْ يَسْقُونَ الْعَسَلَ وَاللَّبَنَ، وَأَنْتُمْ تَسْقُونَ النَّبِيذَ؟ أَمِنْ حَاجَةٍ بِكُمْ، أَمْ مِنْ بُخْلٍ؟»، والنبيذ هو: التمر يصب عليه ماء، فيكون حلوًا، يعني: أن الأعرابي لما رأى ابن عباس ﵄ يسقي الناس نبيذ التمر قال له: ما لكم يا ابن عباس، هل أنتم بخلاء أم فقراء؟ فالناس يسقون العسل واللبن، وأنتم لا تسقون إلا نبيذ التمر، فقال ابن عباس ﵄: «الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا بِنَا مِنْ حَاجَةٍ، وَلَا بُخْلٍ» نحن آل النبي ﷺ من أكرم الناس، ولا نريد أن نغير شيئًا أمرنا به النبي ﷺ؛ لأنه جاء إلينا ونحن نسقي الناس النبيذ، فشرب، وأعطى الفضلة أسامة، ثُمَّ قال: «أَحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ، كَذَا فَاصْنَعُوا» فنحن لا نحب أن نغير شيئًا أمرنا النبي ﷺ أن نثبت عليه.","vol":"3","page":575},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-581>بَابٌ فِي الصَّدَقَةِ بِلُحُومِ الْهَدْيِ، وَجُلُودِهَا، وَجِلَالِهَا</span>\n\n[١٣١٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا، وَجُلُودِهَا، وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا، قَالَ: نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عَنْدِنَا.\n[خ: ١٧١٧]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: أَجْرُ الْجَازِرِ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، قَالَ عَبد: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا لُحُومَهَا، وَجُلُودَهَا، وَجِلَالَهَا، فِي الْمَسَاكِينِ، وَلَا يُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا مِنْهَا شَيْئًا.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ الْجَزَرِيُّ أَنَّ مُجَاهِدًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ، بِمِثْلِهِ.\nفي هذه الأحاديث: دليل على جواز التوكيل في ذبح الهدي، وفي توزيع اللحم، والتصدق به؛ ولهذا وكَّل النبي ﷺ وأناب عليًّا ﵁ في أن يذبح بُدُنَهُ، فذبح ﷺ بيده الشريفة ثلاثًا وستين بدنة على عدد سني عمره، ثُمَّ أمر","vol":"3","page":576},{"text":"عليًّا فنحر الباقي، وهو سبعة وثلاثون بدنة، نحرها وهي قائمة معقودة، ثُمَّ أمره ﷺ بأن يتصدق بلحومها، وجلودها وجلالها.\nوفيه: دليل على أن الجزار لا يُعطى أجرته من لحمها، وإنما يعطى من شيء آخر، قال: «وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا، قَالَ: نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عَنْدِنَا» لأنه إذا أعطاه أجرته منها صار رجوعًا في بعض الصدقة، فلو قال مثلًا للجزار: أعطيك أجرة الجزارة رِجْلًا، فكأنه أهدى ذبيحة إلا رِجْلًا.\nفإذا أعطاه من غيرها وأراد أن يعطِيه منها بعد ذلك فلا حرج، بشرط أن لا يكون له تأثير في نقص الأجرة.","vol":"3","page":577},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-582>بَابُ الِاشْتِرَاكِ فِي الْهَدْيِ، وَإِجْزَاءِ الْبَقَرَةِ وَالْبَدَنَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ سَبْعَةٍ</span>\n\n[١٣١٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَحَرْنَا الْبَعِيرَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: اشْتَرَكْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كُلُّ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ، فقَالَ رَجُلٌ لِجَابِرٍ: أَيُشْتَرَكُ فِي الْبَدَنَةِ مَا يُشْتَرَكُ فِي الْجَزُورِ؟ قَالَ: مَا هِيَ إِلَّا مِنَ الْبُدْنِ، وَحَضَرَ جَابِرٌ الْحُدَيْبِيَةَ، قَالَ: نَحَرْنَا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ بَدَنَةً اشْتَرَكْنَا كُلُّ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَأَمَرَنَا إِذَا أَحْلَلْنَا أَنْ نُهْدِيَ وَيَجْتَمِعَ النَّفَرُ مِنَّا فِي الْهَدِيَّةِ، وَذَلِكَ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ حَجِّهِمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ","vol":"3","page":578},{"text":"ابْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا نَتَمَتَّعُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْعُمْرَةِ، فَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ نَشْتَرِكُ فِيهَا.\n\n[١٣١٩] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً يَوْمَ النَّحْرِ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: نَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ.\nوَفِي حَدِيثِ ابْنِ بَكْرٍ: عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً فِي حَجَّتِهِ.\nفي هذه الأحاديث: دليل على جواز الاشتراك في البدنة، وكذلك البقرة، ولكن لا بد أن تكون بلغت السن المعتبر، وهو في الإبل خمس سنين، وفي البقر سنتان، وأما الشاة، والماعز فإنها تجزئ عن واحد فقط، ويشترط أن تبلغ الشاة ستة أشهر، والماعز سنة.","vol":"3","page":579},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-583>بَابُ نَحْرِ الْبُدْنِ قِيَامًا مُقَيَّدَةً</span>\n\n[١٣٢٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ يُونُسَ عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَر أَتَى عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَنْحَرُ بَدَنَتَهُ بَارِكَةً، فَقَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ﷺ.\n[خ: ١٧١٣]\nفي هذا الحديث: أن ابن عمر ﵄ لما رأى رجلًا ينحر ناقتة باركة قال له: السُّنة أن تنحرها قائمة معقودة يدها اليسرى، وتطعنها بالسكين في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، فإذا سقطت فأجهز عليها، هكذا فعل النبي ﷺ بثلاث وستين بدنة يوم النحر، أما الغنم والبقر فإنها تضجع على شقها الأيسر وتذبح، ولو ذبح الإبل فلا بأس لكنه خلاف السنة.","vol":"3","page":580},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-584>بَاب اسْتِحْبَابِ بَعْثِ الْهَدْيِ إِلَى الْحَرَمِ لِمَنْ لَا يُرِيدُ الذَّهَابَ بِنَفْسِهِ، وَاسْتِحْبَابِ تَقْلِيدِهِ، وَفَتْلِ الْقَلَائِدِ، وَأَنَّ بَاعِثَهُ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِذَلِكَ</span>\n\n[١٣٢١] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُهْدِي مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِهِ، ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ.\n[خ: ١٦٩٦]\nوَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nوَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيَّ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، بِنَحْوِهِ.\nوَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ، ثُمَّ لَا يَعْتَزِلُ شَيْئًا، وَلَا يَتْرُكُهُ.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعَنْبٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَح عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى الْبَيْتِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِلًّا.\nوَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَ ابْنُ حُجْرٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ، أَفْتِلُ قَلَائِدَهَا بِيَدَيَّ، ثُمَّ لَا","vol":"3","page":581},{"text":"يُمْسِكُ عَنْ شَيْءٍ لَا يُمْسِكُ عَنْهُ الْحَلَالُ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: أَنَا فَتَلْتُ تِلْكَ الْقَلَائِدَ مِنْ عِهْنٍ كَانَ عَنْدَنَا، فَأَصْبَحَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَلَالًا يَأْتِي مَا يَأْتِي الْحَلَالُ مِنْ أَهْلِهِ، أَوْ يَأْتِي مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ.\nوَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْتِلُ الْقَلَائِدَ لِهَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْغَنَمِ، فَيَبْعَثُ بِهِ، ثُمَّ يُقِيمُ فِينَا حَلَالًا.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رُبَّمَا فَتَلْتُ الْقَلَائِدَ لِهَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَيُقَلِّدُ هَدْيَهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِهِ، ثُمَّ يُقِيمُ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَهْدَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَرَّةً إِلَى الْبَيْتِ غَنَمًا، فَقَلَّدَهَا.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ ابْنُ جُحَادَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَت: كُنَّا نُقَلِّدُ الشَّاءَ، فَنُرْسِلُ بِهَا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ حَلَالٌ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ ابْنَ زِيَادٍ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ حَتَّى يُنْحَرَ الْهَدْيُ، وَقَدْ بَعَثْتُ بِهَدْيِي، فَاكْتُبِي إِلَيَّ بِأَمْرِكِ، قَالَت عَمْرَةُ: قَالَت عَائِشَةُ: لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ.\n[خ: ١٧٠٠]","vol":"3","page":582},{"text":"وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ- وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ تصفق- وتقول: كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا، وَمَا يُمْسِكُ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ، حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، كِلَاهُمَا عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ، بِمِثْلِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nفي هذه الأحاديث: دليل على مشروعية الإهداء إلى البيت من بلده، أي: يهدي إبلًا، أو بقرًا، أو غنمًا وهو جالس في بلده يتقرب بها إلى الله.\nوفيها: أن من السنة أن يجعل للهدي قلائد حتى يعلم الناس أنها مهداة؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: «كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ»، أي: كانت تفتل شيئًا من العِهْن وهو الصوف، ويجعل في رقبة الهدي.\nوفيها: دليل على أن من أهدى شيئًا من الإبل، أو البقر، أو الغنم فإنه لا يمتنع من أخذ شيء من شعره، أو ظفره، ولا يمتنع عن النساء، كما يفعل المحرم؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ أَفْتِلُ قَلَائِدَهَا بِيَدَيَّ، ثُمَّ لَا يُمْسِكُ عَنْ شَيْءٍ لَا يُمْسِكُ عَنْهُ الْحَلَالُ».\nوفيها: دليل على أن ابن عباس ﵄ خفيت عليه السُّنة، فقال: «مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ حَتَّى يُنْحَرَ الْهَدْيُ» فقالت عائشة ﵂: ليس الأمر كما قال ابن عباس ﵄: «أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ».\nوالقاعدة في هذا- كما تقدم-: أن من حفظ حجة على من لم يحفظ، فعائشة ﵂ حفظت السنة، وهي التي باشرت هذا.","vol":"3","page":583},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-585>بَابُ جَوَازِ رُكُوبِ الْبَدَنَةِ الْمُهْدَاةِ لِمَنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا</span>\n\n[١٣٢٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: «ارْكَبْهَا»، قَالَ- يَا رَسُولَ اللهِ-: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، فَقَالَ: «ارْكَبْهَا وَيْلَكَ» - فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ.\n[خ: ١٦٨٩]\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَدَنَةً مُقَلَّدَةً.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَدَنَةً مُقَلَّدَةً، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَيْلَكَ ارْكَبْهَا»، فَقَالَ: بَدَنَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَيْلَكَ ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ ارْكَبْهَا».\n\n[١٣٢٣] وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: وَأَظُنُّنِي قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ أَنَسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرَجُلٍ يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: «ارْكَبْهَا»، قَالَ: «ارْكَبْهَا» - مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا.\n[خ: ١٦٩٠]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِبَدَنَةٍ، أَوْ هَدِيَّةٍ، فَقَالَ: «ارْكَبْهَا»، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ- أَوْ: هَدِيَّةٌ- فَقَالَ: «وَإِنْ».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَرٍ، حَدَّثَنِي بُكَيْرُ بْنُ الْأَخْنَسِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِبَدَنَةٍ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.\n\n[١٣٢٤] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ،","vol":"3","page":584},{"text":"أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، سُئِلَ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا، حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا».\nوَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ، حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا».\nفي هذه الأحاديث: دليل على أنه لا بأس بركوب البدنة التي تهدى للبيت إذا احتاج الإنسان إلى ذلك، وكان لا يضُرُّ بها، لكن لا يؤجرها؛ ولهذا قال النبي ﷺ للرجل: «ارْكَبْهَا، قَالَ- يَا رَسُولَ اللهِ-: إِنَّهَا بَدَنَةٌ»، يعني: كيف أركبها، إنها بدنة؟ ! فقال له ﷺ: «ارْكَبْهَا- مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا»، وفي الثالثة قال: «وَيْلَكَ ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ ارْكَبْهَا»؛ تأكيدًا عليه؛ لأنه رأى أنه متحرج من ركوبها.\nوقوله: «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ»، أي: من غير ضرر، فـ «إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا»، أي: إذا احتجت لركوبها، فاركبها «حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا» غيرها، أي: حتى تجد ناقة أخرى.","vol":"3","page":585},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-586>بَابُ مَا يَفْعَلُ بِالْهَدْيِ إِذَا عَطِبَ فِي الطَّرِيقِ</span>\n\n[١٣٢٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ الضُّبَعِيِّ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ سَلَمَةَ الْهُذَلِيُّ قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَسِنَانُ بْنُ سَلَمَةَ مُعْتَمِرَيْنِ، قَالَ: وَانْطَلَقَ سِنَانٌ مَعَهُ بِبَدَنَةٍ يَسُوقُهَا، فَأَزْحَفَتْ عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ، فَعَيِيَ بِشَأْنِهَا إِنْ هِيَ أُبْدِعَتْ كَيْفَ يَأْتِي بِهَا، فَقَالَ: لَئِنْ قَدِمْتُ الْبَلَدَ لَأَسْتَحْفِيَنَّ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَأَضْحَيْتُ، فَلَمَّا نَزَلْنَا الْبَطْحَاءَ قَالَ: انْطَلِقْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ نَتَحَدَّثْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَذَكَرَ لَهُ شَأْنَ بَدَنَتِهِ، فَقَالَ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسِتَّ عَشْرَةَ بَدَنَةً مَعَ رَجُلٍ، وَأَمَّرَهُ فِيهَا، قَالَ: فَمَضَى، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا أُبْدِعَ عَلَيَّ مِنْهَا؟ قَالَ: «انْحَرْهَا، ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَيْهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اجْعَلْهُ عَلَى صَفْحَتِهَا، وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ».\nوَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَبِي التَّيَّاح عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بِثَمَانَ عَشْرَةَ بَدَنَةً مَعَ رَجُلٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ الْحَدِيثِ.\n\n[١٣٢٦] حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سِنَانِ بْنِ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ ذُؤَيْبًا أَبَا قَبِيصَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ، ثُمَّ يَقُولُ: «إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ فَخَشِيتَ عَلَيْهِ مَوْتًا، فَانْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا، وَلَا تَطْعَمْهَا أَنْتَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ».\nقوله: «فَأَزْحَفَتْ»، أي: وقفتْ، وأعيتْ من الكلال والتعب.","vol":"3","page":586},{"text":"وقوله: «فَعَيِيَ»، أي: عجز.\nوقوله: «أُبْدِعَتْ»، أي: كلَّتْ وأعيتْ ووقفتْ.\nوقوله: «لَئِنْ قَدِمْتُ الْبَلَدَ لَأَسْتَحْفِيَنَّ عَنْ ذَلِكَ»، يعني: لأسألن سؤالًا بليغًا؛ حتى أعرف الحكم الشرعي: ماذا أعمل بها إذا أرسلت الهدي للبيت، ثُمَّ أصابها التعب، والإعياء؟\nوقوله: «عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ»، يعني: وصلت لمن يخبرك بالحكم الشرعي.\nوقوله: «انْحَرْهَا، ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَيْهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اجْعَلْهُ عَلَى صَفْحَتِهَا، وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ»، يعني: اذبحها، واصبغ النعلين الذين علقتهما على رقبتها بالدم، واجعلها على صفحة سنامها حتى يعرفها من يراها أنها مهداة، ولا تأكل منها أنت، ولا أحد ممن رافقك، وأما من مر بها فله أن يأكل منها.","vol":"3","page":587},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-587>بَابُ وُجُوبِ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَسُقُوطِهِ عَنِ الْحَائِضِ</span>\n\n[١٣٢٧] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ».\nقَالَ زُهَيْرٌ: يَنْصَرِفُونَ كُلَّ وَجْهٍ، وَلَمْ يَقُلْ: فِي.\n\n[١٣٢٨] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ.\n[خ: ١٧٥٥]\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: تُفْتِي أَنْ تَصْدُرَ الْحَائِضُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ، فقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِمَّا لَا، فَسَلْ فُلَانَةَ الْأَنْصَارِيَّةَ: هَلْ أَمَرَهَا بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: فَرَجَعَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ: مَا أَرَاكَ إِلَّا قَدْ صَدَقْتَ.\nفي هذا الحديث: أن زيد بن ثابت ﵁ كان يفتي بأن الحائض يجب عليها أن تجلس حتى تطهر، فتطوف طواف الوداع، فلما سأل المرأة الأنصارية أخبرته بما أمرها به النبي ﷺ، فتبين له أن الحائض يسقط عنها طواف الوداع، فرجع عن قوله.\nوفيه: ما كان عليه الصحابة ﵃ من أخلاق طيبة وأدب رفيع، يظهر ذلك","vol":"3","page":588},{"text":"في سؤال زيد بن ثابت لابن عباس ﵃ بأدبٍ، ورد ابن عباس ﵄ بالحجة والبرهان ولم يستعلي عليه، ثُمَّ تقبل زيد بن ثابت ﵁ للحق ورجوعه إليه بصدرٍ رحبٍ.\n\n[١٢١١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَعُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ بَعْدَ مَا أَفَاضَتْ، قَالَت عَائِشَةُ: فَذَكَرْتُ حِيضَتَهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟»، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا قَدْ كَانَتْ أَفَاضَتْ، وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَ الْإِفَاضَة، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَلْتَنْفِرْ».\n[خ: ١٧٧١]\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَتْ: طَمِثَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ- زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَعْدَ مَا أَفَاضَتْ طَاهِرًا، بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ- حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ صَفِيَّةَ قَدْ حَاضَتْ، بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعَنْبٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَح عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنَّا نَتَخَوَّفُ أَنْ تَحِيضَ صَفِيَّةُ قَبْلَ أَنْ تُفِيضَ، قَالَتْ: فَجَاءَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَحَابِسَتُنَا صَفِيَّةُ؟»، قُلْنَا: قَدْ أَفَاضَتْ، قَالَ: «فَلَا إِذَنْ».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا قَالَت لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: يَا","vol":"3","page":589},{"text":"رَسُولَ اللهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ قَدْ حَاضَتْ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا، أَلَمْ تَكُنْ قَدْ طَافَتْ مَعَكُنَّ بِالْبَيْتِ؟»، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «فَاخْرُجْنَ».\n[خ: ٣٢٨]\nحَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، لَعَلَّهُ قَالَ: عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَرَادَ مِنْ صَفِيَّةَ بَعْضَ مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فقَالُوا: إِنَّهَا حَائِضٌ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَإِنَّهَا لَحَابِسَتُنَا!»، فقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا قَدْ زَارَتْ يَوْمَ النَّحْرِ، قَالَ: «فَلْتَنْفِرْ مَعَكُمْ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنْفِرَ إِذَا صَفِيَّةُ عَلَى بَابِ خِبَائِهَا كَئِيبَةً حَزِينَةً، فَقَالَ: «عَقْرَى حَلْقَى، إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا»، ثُمَّ قَالَ لَهَا: «أَكُنْتِ أَفَضْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟»، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «فَانْفِرِي».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ. ح، وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، جَمِيعًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ الْحَكَمِ، غَيْرَ أَنَّهُمَا لَا يَذْكُرَانِ: كَئِيبَةً حَزِينَةً.\nقوله: «قَبْلَ أَنْ تُفِيضَ»، يعني: قبل أن تطوف طواف الإفاضة.\nوقوله: «إِنَّهَا قَدْ زَارَتْ»، يعني: طافت طواف الزيارة، وهذا من أسماء طواف الإفاضة.\nوفي هذه الأحاديث: دليل على أن المرأة إذا لم تطف طواف الإفاضة فإنها تحبس وليها حتى تطهر، ثُمَّ تغتسل، ثُمَّ تصلي وتطوف؛ ولهذا قال:","vol":"3","page":590},{"text":"«أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ !».\nلكن إذا طافت طواف الإفاضة، ثُمَّ جاءها الدم، وجاء موعد السفر فإنه يسقط عنها طواف الوداع؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «فَلْتَنْفِرْ».\nوفيها: أنه لا بد من الطهارة لكل طواف، كما تقدم.","vol":"3","page":591},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-588>بَابُ اسْتِحْبَابِ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجِّ، وَغَيْرِهِ، وَالصَّلَاةِ فِيهَا، وَالدُّعَاءِ فِي نَوَاحِيهَا كُلِّهَا</span>\n\n[١٣٢٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ، هُوَ وَأُسَامَةُ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ، فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ مَكَثَ فِيهَا، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَسَأَلْتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ مَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ- وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ-، ثُمَّ صَلَّى.\n[خ: ٥٠٥]\nحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَنَزَلَ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ، فَجَاءَ بِالْمِفْتَحِ، فَفَتَحَ الْبَابَ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَبِلَالٌ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، وَأَمَرَ بِالْبَابِ فَأُغْلِقَ، فَلَبِثُوا فِيهِ مَلِيًّا، ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ، فقَالَ عَبْدُ اللهِ: فَبَادَرْتُ النَّاسَ، فَتَلَقَّيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَارِجًا، وَبِلَالٌ عَلَى إِثْرِهِ، فَقُلْتُ لِبِلَالٍ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ، أَيْنَ؟ قَالَ: بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، قَالَ: وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ: كَمْ صَلَّى؟ .\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ عَلَى نَاقَةٍ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ حَتَّى أَنَاخَ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِالْمِفْتَاحِ، فَذَهَبَ إِلَى أُمِّهِ، فَأَبَتْ أَنْ تُعْطِيَهُ، فَقَالَ: وَاللهِ لَتُعْطِينِهِ، أَوْ لَيَخْرُجَنَّ هَذَا السَّيْفُ مِنْ صُلْبِي، قَالَ: فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَفَتَحَ الْبَابَ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ.","vol":"3","page":592},{"text":"وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ-.ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْبَيْتَ، وَمَعَهُ أُسَامَةُ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَجَافُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ طَوِيلًا، ثُمَّ فُتِحَ فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ، فَلَقِيتُ بِلَالًا، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ فَقَالَ: بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ، فَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ.\nوَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الْكَعْبَةِ، وَقَدْ دَخَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَبِلَالٌ، وَأُسَامَةُ، وَأَجَافَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْبَابَ، قَالَ: فَمَكَثُوا فِيهِ مَلِيًّا، ثُمَّ فُتِحَ الْبَابُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ، وَرَقِيتُ الدَّرَجَةَ، فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ؟ قَالُوا: هَهُنَا، قَالَ: وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُمْ كَمْ صَلَّى؟ .\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْبَيْتَ هُوَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ فِي أَوَّلِ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلَالًا، فَسَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ، صَلَّى بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ.\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، وَلَمْ يَدْخُلْهَا مَعَهُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ أُغْلِقَتْ عَلَيْهِمْ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: فَأَخْبَرَنِي بِلَالٌ، أَوْ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ.","vol":"3","page":593},{"text":"في هذه الأحاديث: استحباب دخول الكعبة والصلاة فيها، والتكبير في نواحيها.\nوفيها: أن من صلى في الحجر فقد صلى في البيت.\nوالنبي ﷺ دخل الكعبة عام الفتح ولم يدخلها في حجة الوداع، فكأن الحكمة- والله أعلم-: أن لا يشق على أمته؛ لأنه جاء في حديث آخر أنه خرج من الكعبة متأثرًا حزينًا، فقال: «يَا عَائِشَةُ، صَنَعْتُ الْيَوْمَ أَمْرًا وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ صَنَعْتُهُ، دَخَلْتُ الْبَيْتَ وَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَدْخُلْهُ، يَجِيءُ الْجَائِي مِنْ أُمَّتِي فَيَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ، فَأَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ شَقَقْتُ عَلَى أُمَّتِي» (^١) أي: بأن يقتدوا به، فيتزاحموا، فيشق عليهم.\nقوله: «وَرَقِيتُ الدَّرَجَةَ» بكسر القاف- أي: صعدتها، وبفتحها من الرُّقْية، وهي: العوذة.\nوقوله: «قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَسَأَلْتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ»، أي: لما خرج بلال ﵁، وكان ابن عمر ﵄ واقفًا على الباب من حرصه، فسأله، فقال: «مَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟»، يعني: أين صلى رسول الله ﷺ؟ فقال: «جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ»، أي: ثلاثة أعمدة في صف، وثلاثة أعمدة في صف، فجعل الأعمدة الخلفية خلفه، وعمودين عن يساره، والعمود الثالث عن يمينه، واستقبل جهة الغرب، وجعل بينه وبين الجدار الغربي ثلاثة أذرع، ثُمَّ صلى ﵊.\nوقوله: «وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى؟»، أي: أصلى ركعتين، أو أكثر؟ وقد جاء في المسند من قول ابن عمر ﵄: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ» (^٢)، ويحمل على أن أقل الصلاة في النهار ركعتين، أو أنه لم يسأله لفظًا، ولم يجبه لفظًا، استفادها من إشارة بلال أشار بيده، أي: صلى\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٠٢٩).\n(^٢) أخرجه أحمد (٥٠٦٥).","vol":"3","page":594},{"text":"ركعتين، بالسبابة والوسطى، أفاده الحافظ ابن حجر ﵀ (^١).\nوقوله: «فَجَاءَ بِالْمِفْتَحِ»، وفي الرواية الأخرى «المِفْتَاح»، وهما لغتان.\nوقوله: «وَاللهِ لَتُعْطِينِهِ، أَوْ لَيَخْرُجَنَّ هَذَا السَّيْفُ مِنْ صُلْبِي»، يعني: إذا لم تعطي المفتاح جعلتُ السيفَ على ظهري واتكأت عليه حتى يخرج من صلبي، فلما رأت الجدَّ خافت، «فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ»، أي: أعطته المفتاح.\nوأخذ العلماء من هذه الأحاديث: أن السترة ثلاثة أذرع، وأن من مر بين يدي المصلى زائدًا على ثلاثة أذرع فلا يضر؛ لأن النبي ﷺ جعل بينه وبين الجدار الغربي ثلاثة أذرع.\n\n[١٣٣٠] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ بَكْرٍ، قَالَ عبد: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَسَمِعْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالطَّوَافِ، وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِدُخُولِهِ، قَالَ: لَمْ يَكُنْ يَنْهَى عَنْ دُخُولِهِ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ، حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ فِي قُبُلِ الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ، قُلْتُ لَهُ: مَا نَوَاحِيهَا، أَفِي زَوَايَاهَا؟ قَالَ: بَلْ فِي كُلِّ قِبْلَةٍ مِنَ الْبَيْتِ.\n\n[١٣٣١] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ، وَفِيهَا سِتُّ سَوَارٍ، فَقَامَ عَنْدَ سَارِيَةٍ، فَدَعَا وَلَمْ يُصَلِّ.\n\n[١٣٣٢] وَحَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنِي هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى- صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ-: أَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ فِي عُمْرَتِهِ؟ قَالَ: لَا.\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (١/ ٥٠٠).","vol":"3","page":595},{"text":"قوله: «وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ» قال النووي: «وأجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال لأنه مثبت، فمعه زيادة علم فواجب ترجيحه، والمراد الصلاة المعهودة ذات الركوع والسجود، ولهذا قال بن عمر: «ونسيت أن أسأله كم صلى»، وأما نفي أسامة فسببه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب واشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النبي ﷺ يدعو، ثُمَّ اشتغل أسامة بالدعاء في ناحية من نواحي البيت، والنبي ﷺ في ناحية أخرى وبلال قريب منه، ثُمَّ صلى النبي ﷺ فرآه بلال لقربه ولم يره أسامة لبعده واشتغاله، وكانت صلاة خفيفة فلم يرها أسامة لإغلاق الباب مع بعده واشتغاله بالدعاء، وجاز له نفيها عملًا بظنه، وأما بلال فحققها فأخبر بها، والله أعلم» (^١).\nوالقاعدة عند أهل العلم: أن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وأن المثبِت مُقدَّم على النافي.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٩/ ٨٢).","vol":"3","page":596},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-589>بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ وَبِنَائِهَا</span>\n\n[١٣٣٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ، وَلَجَعَلْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ؛ فَإِنَّ قُرَيْشًا حِينَ بَنَتِ الْبَيْتَ اسْتَقْصَرَتْ، وَلَجَعَلْتُ لَهَا خَلْفًا».\n[خ: ٥٠٥]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَخْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ-: أن رسول الله ﷺ قال: «أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ حِينَ بَنَوْا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ !»، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ ! فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْت»، فقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا أُرَى رَسُولَ اللهِ ﷺ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ، إِلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ.\n[خ: ١٥٨٥]\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم؛ خوفًا على قريش من الردة؛ لأن قلوبهم لا تتحمل هذا لتعظيمهم للكعبة.\nوالكعبة بنتها قريش قبل البعثة بخمس سنين، وشاركهم النبي ﷺ في بنائها، وكان عمره ﷺ وقتئذٍ خمسًا وثلاثين سنة.\nوذلك لما تصدعت الكعبة فأرادوا بنائها، فاتفقوا فيما بينهم على أن يجمعوا مالًا حلالًا لا يوجد فيه شيء من الربا، ولا شيء من الكهانة، ولا","vol":"3","page":597},{"text":"غيرها، فجمعوا دراهم لبناء الكعبة فلم يجدوا مالًا يكفي لبنائها من الحلال، فلما لم يكفهم المال قالوا: نبني بعضها، ونخرج بعضها فبنوا بعضها، وأخذوا الحجر ستة أذرع، أو سبعة أذرع، كما هو الآن.\nفلما فتح النبي ﷺ مكة وكان الناس حديثي عهدهم بالإسلام، ولم يتمكن الإيمان من قلوبهم، ولو هُدِمت الكعبة وغُيِّرت وأُدخل الحِجر لتغيرت قلوبهم ولارتد بعضهم، فتركها النبي ﷺ على ما كانت عليه؛ ولهذا قال النبي ﷺ لعائشة ﵂: «لَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ، وَلَجَعَلْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَينِ»، يعني: لولا أني أخشى أن يرتد بعضهم لفعلت؛ فأخذ العلماء من هذا الحديث بطرقه المتعددة قواعدَ أربع:\nالأولى: سد الذرائع.\nالثانية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.\nالثالثة: ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما.\nالرابعة: تحصيل أعلى المصلحتين لدفع أدناهما.\nوهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم﴾، فالله تعالى نهى عن سب المشركين؛ لئلَّا يسبوا الله، فسبُّ المشركين مطلوب، ولكن إذا كان يؤدي إلى سب الله فلا نَسُبُّهُم.","vol":"3","page":598},{"text":"حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا- مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ- يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- أَنَّهَا قَالَت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ- أَوَ قَالَ: بِكُفْرٍ- لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالْأَرْضِ، وَلَأَدْخَلْتُ فِيهَا مِنَ الْحِجْرِ».\nقوله: «لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ» الكنز هو مال الكعبة الذي يُتبرع به؛ لينفق في مصالحها.\nهذا الحديث فيه: أن الباب كان مرتفعًا؛ لقول النبي ﷺ: «وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالْأَرْضِ»، أي: لألصقته بالأرض، وجاء في الحديث الآخر: أن النبي ﷺ بيَّن السبب، وهو أن قريشًا رفعت الباب حتى تُدخل من تشاء، وتمنع من تشاء، فإذا رقي من لا يريدون دخوله أزالوا السلم فسقط.","vol":"3","page":599},{"text":"وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ عَنْ سَعِيدٍ- يَعْنِي: ابْنَ مِينَاءَ- قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي خَالَتِي- يَعْنِي: عَائِشَةَ- قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ، فَأَلْزَقْتُهَا بِالْأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، وَزِدْتُ فِيهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ؛ فَإِنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْهَا حَيْثُ بَنَتِ الْكَعْبَةَ».\nحَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: لَمَّا احْتَرَقَ الْبَيْتُ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ حِينَ غَزَاهَا أَهْلُ الشَّامِ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، تَرَكَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ حَتَّى قَدِمَ النَّاسُ الْمَوْسِمَ، يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ- أَوْ: يُحَرِّبَهُمْ- عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ، قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الْكَعْبَةِ أَنْقُضُهَا، ثُمَّ أَبْنِي بِنَاءَهَا، أَوْ أُصْلِحُ مَا وَهَى مِنْهَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنِّي قَدْ فُرِقَ لِي رَأْيٌ فِيهَا أَرَى أَنْ تُصْلِحَ مَا وَهَى مِنْهَا، وَتَدَعَ بَيْتًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَأَحْجَارًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وَبُعِثَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ، فقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَوْ كَانَ أَحَدُكُمُ احْتَرَقَ بَيْتُهُ مَا رَضِيَ حَتَّى يُجِدَّهُ، فَكَيْفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ؟ ! إِنِّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلَاثًا، ثُمَّ عَازِمٌ عَلَى أَمْرِي، فَلَمَّا مَضَى الثَّلَاثُ أَجْمَعَ رَأْيَهُ عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا، فَتَحَامَاهُ النَّاسُ أَنْ يَنْزِلَ بِأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فِيهِ أَمْرٌ مِنَ السَّمَاءِ، حَتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ، فَأَلْقَى مِنْهُ حِجَارَةً، فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيْءٌ تَتَابَعُوا، فَنَقَضُوهُ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الْأَرْضَ، فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً، فَسَتَّرَ عَلَيْهَا السُّتُورَ، حَتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ، وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ، تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ، وَلَيْسَ عَنْدِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّي\nعَلَى بِنَائِهِ لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ خَمْسَ أَذْرُعٍ، وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ، وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ»، قَالَ: فَأَنَا الْيَوْمَ أَجِدُ مَا أُنْفِقُ، وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ، قَالَ: فَزَادَ فِيهِ خَمْسَ أَذْرُعٍ مِنَ","vol":"3","page":600},{"text":"الْحِجْرِ، حَتَّى أَبْدَى أُسًّا نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَبَنَى عَلَيْهِ الْبِنَاءَ، وَكَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا زَادَ فِيهِ اسْتَقْصَرَهُ، فَزَادَ فِي طُولِهِ عَشْرَ أَذْرُعٍ، وَجَعَلَ لَهُ بَابَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: يُدْخَلُ مِنْهُ، وَالْآخَرُ: يُخْرَجُ مِنْهُ، فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ كَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَى أُسٍّ نَظَرَ إِلَيْهِ الْعُدُولُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنَّا لَسْنَا مِنْ تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي شَيْءٍ، أَمَّا مَا زَادَ فِي طُولِهِ فَأَقِرَّهُ، وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ، وَسُدَّ الْبَابَ الَّذِي فَتَحَهُ، فَنَقَضَهُ، وَأَعَادَهُ إِلَى بِنَائِهِ.\nفي هذا الحديث: أن عبد الله بن الزبير ﵄ ترك بناء الكعبة لما أحرقها أهل الشام حتى الموسم؛ ليشاهدها الناس فيغضبوا على أهل الشام، لأجل أن يُحَرِّبَهم عليهم، فلما انتهى الموسم بناها.\nوقوله: «مَا وَهَى مِنْهَا»، يعني: ما ضعف.\nوقوله: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ»، أي: هل أبني الكعبة من جديد، أو أرممها وأصلح ما وهى منها، فقال ابن عباس ﵄: «فَإِنِّي قَدْ فُرِقَ لِي رَأْيٌ فِيهَا: أَرَى أَنْ تُصْلِحَ مَا وَهَى مِنْهَا»، أي: أن ترممها، «وَتَدَعَ بَيْتًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَأَحْجَارًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وَبُعِثَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ» فاتركه ولا تفعل شيئًا، فقال عبد الله بن الزبير: «لَوْ كَانَ أَحَدُكُمُ احْتَرَقَ بَيْتُهُ مَا رَضِيَ حَتَّى يُجِدَّهُ، فَكَيْفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ؟ !»، يعني: كيف يجدد أحدكم بيته، ولا يجدد الكعبة، وهذا رأي لعبد الله بن الزبير ﵄.\nوقوله: «إِنِّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلَاثًا، ثُمَّ عَازِمٌ عَلَى أَمْرِي»، يعني: أن ابن الزبير ﵁ لما أراد أن يهدم الكعبة ويبنيها من جديد استخار الله تعالى ثلاثة أيام، ثُمَّ تبين له أن يبنيها بعد ذلك، فلما أرادوا هدمها خشوا أن تنزل عليهم عقوبة من السماء، فبدأ رجل «فَأَلْقَى مِنْهُ حِجَارَةً، فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيْءٌ تَتَابَعُوا،","vol":"3","page":601},{"text":"فَنَقَضُوهُ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الْأَرْضَ»، أي: هدموها حتى ساووها بالأرض، «فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً، فَسَتَّرَ عَلَيْهَا السُّتُورَ حَتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ»، أي: بنى الأعمدة التي في وسط الكعبة، وجعل عليها سترة عن الناس حتى قام البناء.\nوالحكمة من جعل الستور: حتى لا يروا الأعمدة من غير بناء؛ لأنه ليس مناسبًا أن يراه الناس هكذا لشرفها وعظمتها في قلوبهم.\nوقوله: «فَزَادَ فِيهِ خَمْسَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ» في رواية في البخاري: قال جرير: «فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها» (^١).\nوقوله: «حَتَّى أَبْدَى أُسًّا»، يعني: أساس الكعبة التي هي قواعد إبراهيم ﵊، وجاء في أخبار الفاكهي: «لَمَّا أَرَادَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ عَالَجَ الأَسَاسَ، فَإِذَا وَضَعَ الْبَانِي الْعَتَلَةَ فِي حَجَرٍ، ارْتَجَّتْ جَوَانِبُ الْبَيْتِ؛ فَأَمْسَكَ عَنْهُ» (^٢)، وأصابها زلزال حتى تركها، فقواعد الكعبة لم تغير، وإنما غُيِّرَ البناءُ.\nوقوله: «وَكَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا» قال الحافظ: «وجزم الأزرقي بأن الزيادة تسعة أذرع فلعل عطاء جبر الكسر» (^٣).\nوأعاد ابن الزبير ﵁ بناء الكعبة على ما كانت عليه في الجاهلية، «فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، كَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَى أُسٍّ نَظَرَ إِلَيْهِ الْعُدُولُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ إِنَّا لَسْنَا مِنْ تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي شَيْءٍ»، وليس كذلك، لأن ابن الزبير ﵁ عمل بمنطوق الحديث، وهو صحابي جليل، وعبد الملك بن مروان من سائر الناس، فابن الزبير ﵄ أفضل منه بكثير.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٨٦).\n(^٢) أخرجه الفاكهي في أخبار مكة (؟؟؟؟ /٢١٥). يراجع العزو\n(^٣) أخرجه الفاكهي في أخبار مكة (؟؟؟؟ /٢١٥). يراجع العزو","vol":"3","page":602},{"text":"حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَالْوَلِيدَ بْنَ عَطَاءٍ، يحدثان عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدٍ: وَفَدَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فِي خِلَافَتِهِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا أَظُنُّ أَبَا خُبَيْبٍ- يَعْنِي: ابْنَ الزُّبَيْرِ- سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ مَا كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهَا، قَالَ الْحَارِثُ: بَلَى، أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْهَا، قَالَ: سَمِعْتَهَا تَقُولُ مَاذَا؟ قَالَ: قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ الْبَيْتِ، وَلَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بِالشِّرْكِ أَعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهُ، فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِي أَنْ يَبْنُوهُ فَهَلُمِّي لِأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ»، فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ. هَذَا حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدٍ، وَزَادَ عَلَيْهِ الْوَلِيدُ بْنُ عَطَاءٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ مَوْضُوعَيْنِ فِي الْأَرْضِ؛ شَرْقِيًّا وَغَرْبِيًّا، وَهَلْ تَدْرِينَ لِمَ كَانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بَابَهَا؟»، قَالَت: قُلْتُ: لَا، قَالَ: «تَعَزُّزًا أَنْ لَا يَدْخُلَهَا إِلَّا مَنْ أَرَادُوا، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَهَا يَدَعُونَهُ يَرْتَقِي حَتَّى إِذَا كَادَ أَنْ يَدْخُلَ دَفَعُوهُ فَسَقَطَ»، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِلْحَارِثِ: أَنْتَ سَمِعْتَهَا تَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَنَكَتَ سَاعَةً بِعَصَاهُ، ثُمَّ قَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي تَرَكْتُهُ وَمَا تَحَمَّلَ.\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ بَكْرٍ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ عَنْ أَبِي قَزَعَةَ: أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ بَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ قَالَ: قَاتَلَ اللهُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حَيْثُ يَكْذِبُ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ: سَمِعْتُهَا تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ حَتَّى أَزِيدَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ؛ فَإِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرُوا فِي","vol":"3","page":603},{"text":"الْبِنَاءِ»، فقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: لَا تَقُلْ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنَا سَمِعْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تُحَدِّثُ هَذَا، قَالَ: لَوْ كُنْتُ سَمِعْتُهُ قَبْلَ أَنْ أَهْدِمَهُ لَتَرَكْتُهُ عَلَى مَا بَنَى ابْنُ الزُّبَيْرِ.\nقوله: «فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِي أَنْ يَبْنُوهُ فَهَلُمِّي لِأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ، فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ» فيه: دليل على أن النبي ﵊ يشير إلى بناء الكعبة؛ لهذا فعل ابن الزبير ﵁ ما أشار به وبناها من جديد.\nوقد أخرج الفاكهي في أخبار مكة ندم عبدالملك، عن هشام بن عروة قال: «فبادر- يعني: الحجاج- فهدمها وبنى شقها الذي يلي الحجر، ورفع بابها وسد الباب الغربي، قال: قال أبو أويس: فأخبرني غير واحد من أهل العلم أن عبد الملك ندم على اذنه للحجاج في هدمها ولعن الحجاج» (^١).\n_________\n(^١) أخبار مكة، للفاكهاني (٥/ ٢٢٩).","vol":"3","page":604},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-590>بَابُ جَدْرِ الْكَعْبَةِ وَبَابِهَا</span>\nحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْجَدْرِ أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: فَلِمَ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: «إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ»، قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: «فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ؛ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا، وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ، وَأَنْ أُلْزِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ- يَعْنِي: ابْنَ مُوسَى- حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْحِجْرِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ، وَقَالَ فِيهِ: فَقُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا لَا يُصْعَدُ إِلَيْهِ إِلَّا بِسُلَّمٍ؟ ! وَقَالَ: مَخَافَةَ أَنْ تَنْفِرَ قُلُوبُهُمْ.\n[خ: ١٥٨٤]\nقوله: «لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ»، أي: الحجر.\nوجاء أن هارون الرشيد سأل مالك بن أنس ﵀ عن هدمها وردها إلى بناء ابن الزبير ﵁، فقال له مالك: «ناشدتك الله يا أمير المؤمنين ألَّا تجعل هذا البيتَ ملعبةً للملوك، لا يشاء أحد منهم إلا نقض البيت وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس» (^١).\n_________\n(^١) التمهيد، لابن عبد البر (١٠/ ٥٠)، الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (٢/ ١٢٥).","vol":"3","page":605},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-591>بَابُ الْحَجِّ عَنِ الْعَاجِزِ لِزَمَانَةٍ وَهَرَمٍ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لِلْمَوْتِ</span>\n\n[١٣٣٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ». وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.\n[خ: ١٥١٣، ١٥٨٤]\n\n[١٣٣٥] حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَضْلِ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللهِ فِي الْحَجِّ، وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ، فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَحُجِّي عَنْهُ».\nفي هذا الحديث: جواز النيابة في الحج عن الميت، وعن العاجز الذي لا يستطيع الثبات على المركوب.\nوفيه: دليل على أن العاجز تجب عليه الفريضة بماله، أو بمن يحج عنه إذا وجد من يحج عنه؛ لأن النبي ﷺ أقر الخثعمية على قولها فقال: «فَحُجِّي عَنْهُ»، أما إذا كان عاجزًا بالمال والبدن فليس عليه شيء؛ لقول الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.\nوفيه: جواز حج المرأة عن الرجل، وحج الرجل عن المرأة.\nوقوله: «فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْرِفُ","vol":"3","page":606},{"text":"وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ» استدل به بعضهم على أنه يجوز للمرأة أن تكشف وجهها، وأن وجهها ليس بعورة، وهذا الاستدلال ليس بصحيح؛ لأن هذا الحديث مجمل تفسره الأحاديث الأخرى، وأحاديث الحجاب محكمة لا إشكال فيها، وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، والحجاب الذي يحجب المرأة عن الرجل قد يكون بابًا، أو جدارًا، أو ستارًا على وجهها، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾.\nومعنى ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ﴾: أنها تجعل خمارها ينزل على رأسها، ووجهها، وصدرها، ففي سنن أبي داوود عن أم سلمة قالت: «لما نزلت ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان من الأكسية» (^١).\nومن الأدلة الصريحة- أيضًا-: ما ثبت في الصحيح في قصة الإفك، لما ذهبوا وتركوا عائشة ﵂، وكان صفوان بن المعطل السلمي ﵁ قد تأخر فجاء إليها، وكانت قد غلبتها عينها، فعرفها، فجعل يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، قالت عائشة: فاستيقظت باسترجاع صفوان، فخمَّرت وجهي بجلبابي، وكان يعرفني قبل الحجاب (^٢)، فدل هذا الحديث أن النساء قبل الحجاب يكشفن وجوههن، وأما بعد الحجاب فكن يسترن وجوههن.\nوفي المسند والسنن عن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا أَسْدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ» (^٣)، هذا في الحج، وأما قوله:\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤١٠١).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٦٦١)، وصحيح مسلم (٢٣٧٣).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢٤٠٢١)، وأبو داود (١٨٣٣)، وابن ماجه (٢٩٣٥).","vol":"3","page":607},{"text":"«يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ» فليس بصريح في أنها كاشفة وجهها؛ لأنه قد ينظر إليها وهي متسترة الوجه، فينظر إلى طولها أو قدها، أو أنه بدا شيء من وجهها، ولم ينتبه له النبي ﷺ، أو ما أشبه ذلك.","vol":"3","page":608},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-592>بَابُ صِحَّةِ حَجِّ الصَّبِيِّ، وَأَجْرِ مَنْ حَجَّ بِهِ</span>\n\n[١٣٣٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: «مَنِ الْقَوْمُ؟»، قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «رَسُولُ اللهِ، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا»، فقَالَت: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ».\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا، فقَالَت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ: أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ صَبِيًّا، فقَالَت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِمِثْلِهِ.\nفي هذه الأحاديث: دليل على جواز حج الصبي الذي لم يبلغ، كما هو مذهب جمهور العلماء أن حج الصبي يصح، فإن كان طفلًا في المهد ينوي عنه الإحرام وليه، وإن كان مميزًا يحرم بإذن وليه.\nوقولها: «أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ» دليل على أن الحج له، ولوليه أجر المعونة.\nوذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أن حجه من باب التمرين، كما يتمرن في الصلاة (^١).\n_________\n(^١) المبسوط، للسرخسي (٤/ ٦٩).","vol":"3","page":609},{"text":"وذهب بعضهم بمنع حج الصغير، لكنَّ هذا باطل (^١).\nوالصواب: أنه يصح حجه، ولا تسقط عنه الفريضة، وتكون حجته هذه نفلًا، وإذا بلغ يحج حجة الإسلام.\nومثله: العبد إذا حج بإذن سيده فإنه لا يجزئ عن حجة الإسلام؛ لما جاء في الحديث: «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا أَعْرَابِيٌّ حَجَّ، ثُمَّ هَاجَرَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ، ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى» (^٢).\n_________\n(^١) نيل الأوطار، للشوكاني (٤/ ٣٤٨).\n(^٢) أخرجه البيهقي في الكبرى (٧٩٥٩)، والطبراني في الأوسط (٢٧٣١).","vol":"3","page":610},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-593>بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ</span>\n\n[١٣٣٧] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ ابْنُ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا»، فقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ».\n[خ: ٧٢٨٨]\nفي هذا الحديث: دليل على فرضية الحج على جميع الناس، ولكنه مقيد بالشروط التي جاءت بها النصوص، وهي الإسلام والعقل والبلوغ والحرية، والاستطاعة بنوعين المالية والبدنية، كما قال الله جل وعلا: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].\n* * *","vol":"3","page":611},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-594>بَابُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمٍ إِلَى حَجٍّ وَغَيْرِهِ</span>\n\n[١٣٣٨] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: «فَوْقَ ثَلَاثٍ»، وقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِيهِ: «ثَلَاثَةً، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ».\n\n[٨٢٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ- وَهُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ- عَنْ قَزَعَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْهُ حَدِيثًا فَأَعْجَبَنِي، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: فَأَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا لَمْ أَسْمَعْ؟ ! قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى»، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ مِنَ الدَّهْرِ، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا، أَوْ زَوْجُهَا».\n[خ: ١٨٦٤]\nفي هذا الحديث: النهي عن شد الرحال لأي بقعة- ليتعبد فيها- إلا للمساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ، والمسجد الأقصى.\nولهذا لما رحل أبو هريرة إلى الطور أنكر عليه أبو بَصْرة فعله ذلك، فعن","vol":"3","page":612},{"text":"عُمَرَ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّهُ قَالَ: لَقِيَ أَبُو بَصْرَةَ الْغِفَارِيُّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَهُوَ جَاءٍ مِنَ الطُّورِ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: مِنَ الطُّورِ، صَلَّيْتُ فِيهِ، قَالَ: أَمَا لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَرْحَلَ إِلَيْهِ مَا رَحَلْتَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» (^١).\nلكن إذا سافر الإنسان للتجارة، أو لطلب العلم، أو للزيارة فلا يكون من هذا الباب؛ لأن المقصود ألا يسافر إلى بقعة بعينها يتقرب فيها إلى الله سوى الثلاثة مساجد المذكورة.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ قَزَعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْبَعًا، فَأَعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي: نَهَى أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ، إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَاقْتَصَّ بَاقِيَ الْحَدِيثِ.\nقوله: «فَأَعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي» آنقني بمعنى: أعجبني، وكرره من باب التأكيد.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٣٣٣٧)، والنسائي في الكبرى (١٧٦٦).","vol":"3","page":613},{"text":"حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ سَهْمِ ابْنِ مِنْجَابٍ عَنْ قَزَعَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ أَبُو غَسَّانَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ قَزَعَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ».\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ».\n\n[١٣٣٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ، إِلَّا وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا».\n[خ: ١٠٨٨]\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا».\nحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُفَضَّلٍ- حَدَّثَنَا سُهَيْلُ ابْنُ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تُسَافِرَ ثَلَاثًا، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا».\n\n[١٣٤٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ","vol":"3","page":614},{"text":"بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا، إِلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا، أَوِ ابْنُهَا، أَوْ زَوْجُهَا، أَوْ أَخُوهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.\n\n[١٣٤١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «انْطَلِقْ، فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ».\n[خ: ٣٠٠٦]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَمْرٍو، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ- يَعْنِي: ابْنَ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ».\nفي هذه الأحاديث: تحريم سفر المرأة بدون محرم.\nواختُلف في المدة التي يحرم فيها السفر، فقيل: فوق ثلاث ليال، وقيل: ثلاث ليالٍ، وقيل: يومان، وقيل: يوم وليلة، وقيل: ليلة، وقيل: يوم.\nوسبب الاختلاف: قيل: إن النبي ﷺ أُوحي إليه أولًا أن المرأة لا تسافر فوق ثلاث ليالٍ، ثُمَّ أوحي إليه ثلاث، ثُمَّ يومان، ثُمَّ يوم وليلة، ثُمَّ يوم، حتى أُوحي إليه أن مطلق السفر لا يجوز للمرأة.\nوقيل: إن هذا الاختلاف بسبب اختلاف السائلين، واختلاف المواقف، فلما سأله سائل عن سفر المرأة فوق ثلاث ليال، فقال: «لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ»، ولما سأله سائل آخر عن سفر المرأة ثلاثًا، فقال: «لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ","vol":"3","page":615},{"text":"ثَلَاثًا»، ولما سأله آخر عن سفر المرأة يومين، قال: «لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ»، وسأله آخر عن يوم، فقال: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ»، حتى سئل عن مطلق السفر، فقال: «وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، فهذه الأحاديث تدل على أنه لا يجوز للمرأة أن تسافر في كل ما يسمى سفرًا إلا ومعها محرم، حتى ولو كان السفر للحج، ولكن لو سافرت وحجت بدون محرم، فحجها صحيح، مع الإثم.\nوالحكمة من وجود المحرم: حماية المرأة، وصيانتها والمحافظة عليها؛ حتى لا يطمع فيها الفساق، بخلاف ما إذا كانت المرأة ليس معها أحد فإن الفساق يطمعون فيها، وهذا مشاهَد.\nمسألة: يقول بعض الناس: هل يجوز أن يوصل المرأة محرمها إلى المطار، ويستقبلها محرمها الثاني في المطار الثاني؟\nالجواب: أن هذا لا يجوز؛ لأمور:\nأولًا: أن المرأة إذا كانت في الطائرة وليس معها محرم قد يأتي بجوارها أحد، فيكلمها، وقد يواعدها.\nثانيًا: أنه قد يحصل في الطائرة خلل، فترجع وتنزل في مطار آخر، ولا تنزل في المطار الذي يستقبلها فيه محرمها الثاني.\nوعليه؛ فلا يجوز للمرأة أن تسافر أيَّ سفر إلا ومعها محرم.\nوهذا الحكم يصدق على الخادمات، فلا يجوز أن تُستقبل إلا ومعها محرم، وإلا يكون المستقبِل لها شريكًا في الإثم.\nويجب أن يُجعل لها ملحق خاص بها في البيت، وتكون مع النساء، ولا تختلط بالرجال، كما أنه لا يجوز أن يخلو بها الرجل، ولا أحد من أولاده.\nويجب أن تتحجب عنه وعن أولاده؛ لأنهم ليسوا بمحارم لها.\nوكذلك الخادم الرجل لا يختلط بالنساء، ولا يدخل إلى النساء، كما يتساهل بعض الناس في هذه الأمور؛ لهذا قال النبي ﷺ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ","vol":"3","page":616},{"text":"بِامْرَأَةٍ، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، وفي حديث آخر: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» (^١).\nولما قال النبي ﷺ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً»، وليس معها أحد «وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا»، أي: كُتب في الغزو، فقال له الرسول ﷺ: «انْطَلِقْ، فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ»، فأمره أن يترك الغزو، والجهاد ويرافق امرأته في سفر الحج؛ لأن الجهاد ينوب عنه غيره، أما امرأته فليس معها أحد من محارمها ينوب عنه.\nأما قول بعض العلماء: إنه يجوز للمرأة أن تحج مع نساء ثقات، كما قال النووي ﵀: «قال أصحابنا يحصل الأمن بزوج أو محرم أو نسوة ثقات ولا يلزمها الحج عندنا إلا بأحد هذه الأشياء» (^٢).\nقلت: فهذا قول مرجوح ليس عليه دليل؛ لأنه مخالف لحديثه ﷺ.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١١٥)، والترمذي (١١٧).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٩/ ١٠٤).","vol":"3","page":617},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-595>بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَكِبَ إِلَى سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ</span>\n\n[١٣٤٢] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّ عَلِيًّا الْأَزْدِيَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ عَلَّمَهُمْ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُون، اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنْا بُعْدَهُ، اللهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ»، وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ: «آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ».\n\n[١٣٤٣] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْنِ، وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَاصِمٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَاحِدِ: «فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ»، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ خَازِمٍ قَالَ: «يَبْدَأُ بِالْأَهْلِ إِذَا رَجَعَ»، وَفِي رِوَايَتِهِمَا جَمِيعًا: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ».\nقوله تعالى: ﴿مقرنين﴾: يعني: مطيقين، أي: ما كنا نطيق قهره واستعماله لولا تسخير الله تعالى إياه لنا.","vol":"3","page":618},{"text":"وقوله: «اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى» فُسِّر البر بفعل الأوامر، والتقوى بترك النواهي، وإذا أطلق أحدهما شمل الدين كله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، يعني: تعاونوا على فعل الأوامر، وترك النواهي.\nوقوله: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ» الوعثاء: الشدة والمشقة، والكآبة، يعني: التكدُّر، والحزن الذي يحصل بسبب تغير هذا المنظر.\nوقوله: «وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ»، يعني: المرجع.\nقوله: «وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْنِ» بالنون ومعناها: الاستقرار، وفي بعض نسخ صحيح مسلم: «من الحور بعد الكور»، والحور، أي: الرجوع، والمقصود هنا: الرجوع من الطاعة إلى المعصية، ومن الإيمان إلى الكفر، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾، أي: أن الكافر ظن أنه لن يرجع إلى ربه ليحاسبه ويجازيه.\nقال النووي: «معناه بالراء والنون جميعا: الرجوع من الاستقامة أو الزيادة إلى النقص، قالوا: ورواية الراء مأخوذة من تكوين العمامة وهو لفها وجمعها، ورواية النون مأخوذة من الكون، مصدر: كان يكون كونًا، إذا وُجد واستقر» (^١).\nوكان يقول ﵊ إذا رجع: «آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ»، وآيبون أي: راجعون إلى الله.\nفي هذه الأحاديث: استحباب الذكر، وأنه ينبغي للمسلم أن يحرص على أذكار السفر وغيرها تعبدًا لله ﷿، وامتثالًا لأمر النبي ﷺ، وينبغي للإنسان إذا ركب مركوبه أن يكبر ثلاثًا.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٩/ ١١٢).","vol":"3","page":619},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-596>بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَفَلَ مِنْ سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ</span>\n\n[١٣٤٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَفَلَ مِنَ الْجُيُوشِ، أَوِ السَّرَايَا، أَوِ الْحَجِّ، أَوِ الْعُمْرَةِ، إِذَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ، أَوْ فَدْفَدٍ، كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ».\n[خ: ٦٣٨٥]\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ أَيُّوبَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا معنَ عَنْ مَالِكٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، إِلَّا حَدِيثَ أَيُّوبَ، فَإِنَّ فِيهِ: التَّكْبِيرَ مَرَّتَيْنِ.\n\n[١٣٤٥] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَا، وَأَبُو طَلْحَةَ، وَصَفِيَّةُ رَدِيفَتُهُ عَلَى نَاقَتِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ قَالَ: «آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ»، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ.\nوَحَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nقوله: «إِذَا قَفَلَ»، أي: إذا رجع.","vol":"3","page":620},{"text":"وقوله: «مِنَ الْجُيُوشِ، أَوِ السَّرَايَا، أَوِ الْحَجِّ، أَوِ الْعُمْرَةِ» هذه هي أسفار النبي ﷺ في الغالب.\nوقوله: «صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ»، أي: في نصره لأوليائه عامة، وفي نصره لنبيه ﵊ خاصة.\nوقوله: «وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» الأحزاب هم الكفار الذين تحزبوا وتجمعوا لقتال المسلمين يوم الخندق، وأحاطوا بالمدينة، فالله تعالى هزمهم، ونصر المسلمين بالجنود والملائكة والريح، كما أخبر الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾، فالله تعالى هزمهم بالجنود، وأرسل عليهم ريحًا عظيمة صارت تقلع ثيابهم، وترفع قدورهم، وأرسل عليهم الملائكة تقذف الرعب في قلوبهم حتى رحلوا وانهزموا.\nوقوله: «إِذَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ، أَوْ فَدْفَدٍ»، أي: صعد مرتفعًا، كبر تعظيمًا لله ﷿، وأن الله أكبر من كل كبير، وأعظم من كل عظيم، وإذا هبط بوادٍ سبح تنزيهًا لله سبحانه عن السفول.\nوالفدفد: وهو الموضع الذي فيه غلظ وارتفاع، وقيل: هو الفلاة التي لا شيء فيها، وقيل: غليظ الأرض ذات الحصى، وقيل: الجلد من الأرض في ارتفاع، وجمعه: فدافد.\nقال النووي: «قوله ﷺ: «صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»، أي: صدق وعده في إظهار الدين وإظهار العاقبة للمتقين، وغير ذلك من وعده سبحانه؛ إن الله لا يخلف الميعاد، وهزم الأحزاب وحده، أي: من غير قتال من آدميين، والمراد: الأحزاب الذين اجتمعوا يوم الخندق وتحزبوا على رسول الله ﷺ، فأرسل الله عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٩/ ١١٣).","vol":"3","page":621},{"text":"هذا هو الراجح، وقيل: يحتمل أن المراد: أحزاب الكفر في جميع الأيام والمواطن.\nوفي هذا الحديث: استحباب هذا الذكر عند الرجوع من السفر.","vol":"3","page":622},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-597>بَابُ التَّعْرِيسِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالصَّلَاةِ بِهَا إِذَا صَدَرَ مِنَ الْحَجِّ، أَوِ الْعُمْرَةِ</span>\n\n[١٢٥٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَصَلَّى بِهَا، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.\n[خ: ١٥٣٢]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُنِيخُ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنِيخُ بِهَا، وَيُصَلِّي بِهَا.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ- يَعْنِي: أَبَا ضَمْرَةَ- عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا صَدَرَ مِنَ الْحَجِّ، أَوِ الْعُمْرَةِ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ الَّتِي كَانَ يُنِيخُ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ.\n\n[١٣٤٦] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ مُوسَى- وَهُوَ ابْنُ عُقْبَةَ- عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ فِي مُعَرَّسِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ- وَاللَّفْظُ لِسُرَيْجٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ- وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ- مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ فِي بَطْنِ الْوَادِي، فَقِيلَ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ، قَالَ مُوسَى: وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ بِالْمُنَاخِ مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللهِ يُنِيخُ بِهِ، يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ أَسْفَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ وَسَطًا مِنْ ذَلِكَ.\n[خ: ١٥٣٥]","vol":"3","page":623},{"text":"قوله: «مُعَرَّسَ» معناه: مكان نزول المسافر بآخر الليل للاستراحة.\nهذا الحديث فيه: أن النبي ﷺ كان إذا رجع من الحج، ومن العمرة أناخ في ذي الحليفة، وهو الميقات، فكان ابن عمر ﵄ يفعل ذلك اتباعًا للنبي ﷺ.\nوالإناخة بالبطحاء ليست من مناسك الحج بالاتفاق، لكن اختلف العلماء هل هي مستحبة، أو لا؟\nفذهب الإمام مالك إلى أن الإناخة بالبطحاء مستحبة (^١).\nوقال آخرون: إنها ليست بمستحبة، وإنما أناخ النبي ﷺ قرب المدينة حتى لا يدخل المدينة ليلًا، وحتى يتسامع به الناس فيدخلونها نهارًا (^٢).\nوكان ابن عمر ﵄ يتحرى أثر النبي ﷺ ويجتهد.\n_________\n(^١) الشرح الكبير، للدردير (٢/ ٤٤)، مواهب الجليل، للحطاب (٣/ ١١٩).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٩/ ١١٥).","vol":"3","page":624},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-598>بَابُ لَا يَحُجُّ الْبَيْتَ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَبَيَانُ يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ</span>\n\n[١٣٤٧] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونسُ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ: «لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ».\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ؛ مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.\n[خ: ١٦٢٢]\nقوله: «يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ» سمي بذلك؛ لأن معظم أعمال الحج تكون في يوم العيد؛ كالرمي، والنحر، والحلق، والطواف، والسعي.\nوقيل: يوم الحج الأكبر هو يوم عرفة؛ لأنه يوم عظيم.\nوالصواب: الأول، قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾، والأذان إنما كان في يوم العيد.\nوقوله: «بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ»، يعني: أن النبي ﷺ أمَّر أبا بكر ﵁ على الناس في الحج في السنة التاسعة للهجرة، وأرسل معه مؤذنين يؤذِّنون في الناس، والأذان هو: الإعلام، يعني: يُعلِمون الناس","vol":"3","page":625},{"text":"ويخبرونهم بهذه الكلمات، بأنه: «لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ»، وجاء في الحديث الآخر في غير الصحيح: «بُعِثْتُ بِأَرْبَعٍ» (^١)، وهي:\nالأولى: ألا يحج بعد العام مشرك.\nالثانية: ألا يطوف بالبيت عريان.\nالثالثة: أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة.\nالرابعة: أن من كان له عهد فهو إلى عهده، ومن لم يكن له عهد فمدته أربعة أشهر.\nفلما كانت السنة التي بعدها، أي: السنة العاشرة من الهجرة، وعرف الناس هذه الأمور، والتزموا بها حج النبي ﷺ في الناس حجة الوداع، فلم يحج في هذه الحجة مشركٌ، ولم يطف بالبيت عريانٌ، كعادة أهل الجاهلية، ومن كان له عهد من المشركين يبقى على عهده، وبعد العهد إما أن يسلم، وإما أن يُقاتَل، ومن لم يكن له عهد فمدته أربعة أشهر، وهي المدة المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾، أي: لهم أربعة أشهر يبقون فيها ينظرون في أنفسهم، إما أن يسلموا، وأما أن يُقاتَلوا.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥٩٤)، والترمذي (٣٠٩٢).","vol":"3","page":626},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-599>بَابُ فِي فَضْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ</span>\n\n[١٣٤٨] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ يُوسُفَ يَقُولُ: عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَت عَائِشَةُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ».\n\n[١٣٤٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ- مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ».\n[خ: ١٧٧٣]\nوَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ، قَالوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ عَنْ سُهَيْلٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ.\nفي هذه الأحاديث: فضل يوم النحر، ويوم عرفة، وفضل العمرة، والحج، وأن يوم النحر هو يوم الحج الأكبر.\nوقوله: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ»، وجاء في الحديث الآخر:","vol":"3","page":627},{"text":"«إِنَّ اللهَ ﷿ يُبَاهِي الْمَلَائِكَةَ بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ، يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا» (^١)، وهذا الدنو من صفات الله ﵎ وهو كما يليق بجلاله وعظمته، فليس كدنو المخلوق، خلافا لمن تأوله بأنه دنو كرامة وتقريب، كما قال المازري عنه القاضي عياض ومن بعدهما النووي (^٢)، وكذلك نزوله سبحانه عشية عرفة، ونزوله في ثلث الليل الآخر من كل ليلة لا يماثل نزول المخلوقين، فينزل كيف يشاء ﷾، ولا يعلم كيفية نزوله إلا هو ﷾، كما أنه لا يعلم كيفية استوائه، وكيفية علمه، وسمعه، وبصره إلا هو سبحانه.\nوفيها: فضل الحج والعمرة، وأن العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما من الصغائر، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.\nوالحج المبرور هو الذي يتجنب صاحبه فيه الرفث، والفسوق، والجدال.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٨٠٤٧).\n(^٢) المعلم، للمازري (٢/ ١١٣)، إكمال المعلم، للقاضي عياض (٤/ ٤٥٩)، شرح مسلم، للنووي (٩/ ١١٧).","vol":"3","page":628},{"text":"[١٣٥٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».\n[خ: ١٨١٩]\nوَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، وَأَبِي الْأَحْوَصِ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ، وَسُفْيَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا: «مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ».\nحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ سَيَّارٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.\nقوله: «رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»، أي: رجع وليس عليه شيء من الذنوب، لكن بقيد: «فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ»، والرفث هو: الجماع، والكلام في النساء، والفسوق جميع المعاصي، والله تعالى قال في كتابه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، والجدال الممنوع هو الجدال بالباطل، كأن يماري صاحبه حتى يغضبه، أما الجدال في إظهار الحق، ورد الباطل فهذا مطلوب.","vol":"3","page":629},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-600>بَابُ النُّزُولِ بِمَكَّةَ لِلْحَاجِ، وَتَوْرِيثِ دُورِهَا</span>\n\n[١٣٥١] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ حُسَيْنٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَخْبَرَهُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ: أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ، أَوْ دُورٍ؟ !»، وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ، وَلَا عَلِيٌّ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ، وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ.\n[خ: ١٥٨٨]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا؟ وَذَلِكَ فِي حَجَّتِهِ حِينَ دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ، فَقَالَ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلًا!».\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، وَزَمْعَةُ بْنُ صَالِح قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا- إِنْ شَاءَ اللهُ؟ - وَذَلِكَ زَمَنَ الْفَتْح-، قَالَ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ مَنْزِلٍ!».\nقوله: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ، أَوْ دُور!» فيه: دليل للشافعي ﵀ على أن مكة فُتحت صلحًا، فيجوز بيع دورها وإجارتها وهبتها وإرثها (^١).\nورأي الجمهور أنها فتحت عنوة وليست صلحا، فتكون وقفًا للمسلمين لا\n_________\n(^١) المجموع، للنووي (٩/ ٢٤٩).","vol":"3","page":630},{"text":"يجوز بيعها، ولا تأجير دورها، ولا هبتها (^١).\nوتوسط الإمام أحمد وآخرون فقالوا: تجوز الإجارة، ولا يجوز البيع.\nوقوله: «أَتَنْزِلُ فِي دَارِكَ؟» أضاف الدار إلى النبي ﷺ، فدل هذا على أنها تملك، وتباع، ولو كانت لا تملك، ولا تباع لما أقر بإضافة الدار إليه، ولَمَا أقرَّ عقيلًا على بيع الرباع.\nوالصواب: أن مكة فتحت عنوة، وقول الشافعي ﵀ ضعيف، وجاء في الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: «حَرَّمَ اللهُ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» (^٢)، وهي الساعة التي دخل فيها النبي؛ فلو فتحت صلحًا ما قاتل النبي ﷺ.\nوقوله: «وَزَمْعَةُ بْنُ صَالِح» هذا الراوي ضعيف (^٣)، لكنه هنا مقرون بحديث محمد بن حفصة، والضعيف إنْ قُرن بغيره فلا يضر.\nوفيه: دلالة على أن المسلم لا يرث الكافر؛ لهذا فإن أبا طالب لما مات على الشرك ورثه عقيل وطالب؛ لأنهما كانا على دينه، ولم يرثه جعفر وعلي؛ لأنهما كانا مسلمين.\nوالكافر لا يرث المسلم بالاتفاق، أما إرث المسلم للكافر ففيه خلاف سيأتي تفصيله في كتاب الفرائض، والصواب: أن المسلم لا يرث الكافر، والكافر لا يرث المسلم مطلقًا؛ لعموم قوله ﷺ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (^٤).\n_________\n(^١) تبيين الحقائق، للزيلعي (٣/ ٢٧٢)، مواهب الجليل، للحطاب (٥/ ٤٢٣) التاج والإكليل، للمواق (٤/ ٥٦٨)، المغني، لابن قدامة (٤/ ١٩٦)، شرح منتهى الارادات، للبهوتي (٥/ ٣٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٤٩)، ومسلم (١٣٥٧).\n(^٣) تقريب التهذيب، لابن حجر (ص ٢١٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٥).","vol":"3","page":631},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-601>بَابُ جَوَازِ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ لِلْمُهَاجِرِ مِنْهَا بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا زِيَادَةٍ</span>\n\n[١٣٥٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعَنْبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، يَسْأَلُ السَّائِبَ ابْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: هَلْ سَمِعْتَ فِي الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ فقَالَ السَّائِبُ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لِلْمُهَاجِرِ إِقَامَةُ ثَلَاثٍ بَعْدَ الصَّدَرِ بِمَكَّةَ». كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ- لِجُلَسَائِهِ-: مَا سَمِعْتُمْ فِي سُكْنَى مَكَّةَ؟ فَقَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ- أَوَ قَالَ: الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ- قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا».\nوَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِح عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ، فقَالَ السَّائِبُ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «ثَلَاثُ لَيَالٍ يَمْكُثُهُنَّ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ الصَّدَرِ».\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ وَأَمْلَاهُ عَلَيْنَا إِمْلَاءً، أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ أَخْبَرَهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَكْثُ الْمُهَاجِرِ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثٌ».\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.","vol":"3","page":632},{"text":"وقوله: «لِلْمُهَاجِرِ إِقَامَةُ ثَلَاثٍ بَعْدَ الصَّدَرِ بِمَكَّةَ»، أي: أن الذين هاجروا من مكة وتركوها لله لا يحل لهم البقاء فيها أكثر من ثلاثة أيام، وهي مدة الرخصة، ثُمَّ أبيح لهم أن يقيموا بعد فراغهم من حجهم ثلاثة أيام.\nوقوله: «بَعْدَ الصَّدَرِ»، أي: بعد الانتهاء من النسك إذا حج، وهذا خاص بمن هاجر من مكة إلى المدينة، أما المهاجر من بلد الشرك إلى بلد الإسلام فيحتمل أنه كذلك، فلا يرجع إلى بلده.\nوهذه الأحاديث استدل بها بعضهم على أن الإقامة ثلاثة أيام لا يقصر فيها المسافر؛ لأنه رخص للمهاجر أن يبقى ثلاثًا، قال: فما زاد عن ثلاثة أيام فإنه يقصر الصلاة.\nوالذي عليه الجمهور أنه إذا نوى الإقامة في مكان لأكثر من أربعة أيام فإنه يتم، فإن كانت نيته أربعة أيام فأقل فإنه لا يزال مسافرًا، وله أن يترخص برخص السفر (^١).\n_________\n(^١) مواهب الجليل، للحطاب (٢/ ١٥٠)، المجموع، للنووي (٤/ ٣٦٤)، المغني، لابن قدامة (٢/ ٢١٢).","vol":"3","page":633},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-602>بَابُ تَحْرِيمِ مَكَّةَ، وَصَيْدِهَا، وَخَلَاهَا، وَشَجَرِهَا، وَلُقَطَتِهَا، إِلَّا لِمُنْشِدٍ عَلَى الدَّوَامِ</span>\n\n[١٣٥٣] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ- يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ-: «لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا، وَقَالَ- يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ-: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا»، فقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا الْإِذْخِرَ؛ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ: «إِلَّا الْإِذْخِرَ».\n[خ: ١٨٣٤]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ عَنْ مَنْصُورٍ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: «يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ»، وَقَالَ بَدَلَ «الْقِتَالِ»: «الْقَتْلَ»، وَقَالَ: «لَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ، إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا».\nفي هذا الحديث: بيان أن الهجرة انتهت بعد فتح مكة.\nقوله: «لَا هِجْرَةَ»، يعني: لا هجرة من مكة إلى المدينة؛ لأنه لما فتحت مكة، وصارت بلد إسلام انتهت هذه الهجرة، وبقيت الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام إلى قيام الساعة، كما جاء في الحديث الصحيح: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦٤٦٣)، وأبو داود (٢٤٧٩)، والنسائي في الكبرى (٨٦٥٨).","vol":"3","page":634},{"text":"وقيل: المعنى: لا هجرة فضلها كفضل الهجرة من مكة إلى المدينة.\nوقوله: «وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ»، يعني: انتهت الهجرة من مكة إلى المدينة، وبقي من الأعمال الصالحة: الجهاد، ونية الخير.\nوقوله: «وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا»، يعني: إذا استنفر الإمام شخصًا للجهاد وجب عليه؛ لأن الجهاد فرض كفاية، وهو مستحب لكل أحد، إلا في أحوال ثلاثة:\nالأولى: إذا استنفر الإمام واحدًا وجب عليه الجهاد بعينه.\nالثانية: إذا وقف في الصف فليس له أن يخذل إخوانه ووجب عليه الجهاد، لكن قبل أن يقف في الصف فهو في حِلٍّ.\nالثالثة: إذا داهم العدو بلدًا من بلاد المسلمين وجب الجهاد على كل أحد رجالًا، ونساءً، ولا يُستأذن الأبوان، فإن لم يستطيعوا إخراج العدو وجب على من حولهم من البلدان، وهكذا حتى يجب على المسلمين جميعًا.\nوقوله: «إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، أي: أن النبي ﷺ بيَّن حرمة هذا البلد، وأنه لا يحل القتال فيه إلى يوم القيامة.\nوقوله: «وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا»، يعني: لا يُحَشُّ حشيشُهُ، ولا تلتقط لقطته إلا لمنشد، ليعرفها أبد الدهر، والآن توجد لجنة تقبل المفقودات جهة الصفا فيسلمها إليهم، وتبرأ ذمته، وهذا من خواص مكة.\nوأما غير مكة فيعرِّفها سَنَة، وبعد السَّنَة يتملكها، ويضبط أوصافها، وإن جاء طالبها بعد الدهر دفعها له، وإلا فهي له.\nوقوله: «وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي» فيه: تحريم القتال في مكة، إلا إذا قوتل أهل مكة فإنهم يدافعون عن أنفسهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾،","vol":"3","page":635},{"text":"وكذلك لا ينفر الصيد، ولا يعضد الشوك، ولا يقطع الشجر الأخضر إلا ما استنبته الآدميون فلهم أخذه.\nوقوله: «إِلَّا الْإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخِرَ» الإذخر: حشيشة طيبة الرائحة تسقف بها البيوت فوق الخشب، والقين هو: الحداد، والصائغ، ومعناه: يحتاج إليه القين في وقود النار، وفي القبور لِتُسَدَّ به فُرَجُ اللحد المتخللة بين اللبنات، وفي سقوف البيوت بأن يجعل فوق الخشب.\n\n[١٣٥٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ: أَنَّهُ قَالَ- لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ-: ائْذَنْ لِي- أَيُّهَا الْأَمِيرُ- أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: أَنَّهُ حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا، فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ»، فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ- يَا أَبَا شُرَيْح- إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ.\n[خ: ١٠٤]\nفي هذا الحديث: امتثال أبي شريح لأمر النبي ﷺ: «وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ»، فبلَّغ أبا عمرو بن سعيد: أنه لا يجوز القتال في مكة، وتلطف ﵁، فقال: «ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا»، وهذا من باب التأدب مع الأمراء.\nوقوله: «سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ»، يعني: سمعت الرسول ﵊، ورأيته بعيني، ووعاه قلبي حين تكلم بهذا الكلام.","vol":"3","page":636},{"text":"وقوله: «فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا، فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ»، يعني: إن جاء أحد فقال: إن النبي ﵊ قاتل في مكة، فقولوا له: لقد أرشدنا النبي ﷺ بأن نقول لك: إن الله رخص لرسوله، ولم يرخص لك.\nوقوله: «إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا»، أي: إن الحرم لا يمنع من قتال العاصي.\nوقوله: «وَلَا فَارًّا بِدَمٍ»، أي: إذا فر شخصٌ عليه دم، ثُمَّ لجأ إلى الحرم فلا يعيذه الحرم، بل لا بد أن يقتل.\nوقوله: «وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ»، يعني: بجناية كسرقة وخيانة.","vol":"3","page":637},{"text":"[١٣٥٥] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنِ الْوَلِيدِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ- هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللهُ ﷿ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَكَّةَ، قَامَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُفْدَى، وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ». فقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِلَّا الْإِذْخِرَ»، فَقَامَ أَبُو شَاهٍ- رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ- فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ». قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: هَذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.\n[خ: ٢٤٣٤]\nحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ يَحْيَى، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ ﷿ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْبَطُ شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَهَا إِلَّا مُنْشِدٌ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُعْطَى- يَعْنِي: الدِّيَةَ- وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ»، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ- يُقَالَ لَهُ أَبُو شَاهٍ- فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: «اكْتُبُوا لِأَبِي","vol":"3","page":638},{"text":"شَاهٍ»، فقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّا الْإِذْخِرَ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِلَّا الْإِذْخِرَ».\nقوله: «وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ»، أي: أباح لهم القتال فيها حتى يتم الفتح، وبيَّن أن حرمتها عادت كما كانت بالأمس.\nوقوله: «وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُفْدَى، وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ»، يعني: أن ولي المقتول بالخيار؛ إن شاء قتل القاتل، وإن شاء أخذ الدية.\nوقوله: «اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ» احتج بهذا أهل العلم على جواز كتابة الحديث، أما ما جاء من النهي عن كتابة الحديث في أول الإسلام فهو لأجل ألا يختلط شيء بالقرآن؛ لهذا قال ﷺ: «لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ، فَلْيَمْحُهُ» (^١)، ثُمَّ أذن النبي ﷺ في الكتابة، لأبي شاه، فقال: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ»، أي: اكتبوا له هذه الخطبة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٠١٤).","vol":"3","page":639},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-603>بَابُ النَّهْيِ عَنْ حَمْلِ السِّلَاحِ بِمَكَّةَ بِلَا حَاجَةٍ</span>\n\n[١٣٥٦] حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلَاحَ».\nفي هذا الحديث: دليل على تحريم القتال في مكة، وأنه لا يُحمَل فيها السلاح؛ إلا للضرورة، لأنها بلد يأمن فيه الناس؛ لهذا لما جاء النبي ﷺ في عمرة القضاء لم يحمل شيئًا من السلاح إلا شيئًا خفيفًا خوفًا من قريش، فكان الصحابة يحرسون النبي ﷺ خشية أن يرميه أحد من الكفار، أو يؤذيه.","vol":"3","page":640},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-604>بَابُ جَوَازِ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ</span>\n\n[١٣٥٧] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعَنْبِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَمَّا الْقَعَنْبِيُّ فَقَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَأَمَّا قُتَيْبَةُ فَقَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، وقَالَ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ-: قُلْتُ لِمَالِكٍ: أَحَدَّثَكَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ، وَعَلَى رَأْسِهِ مِغْفَرٌ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ»، فقَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ.\n[خ: ١٨٤٦]\n\n[١٣٥٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيّ، وقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمَّارٍ الدُّهْنِيُّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ، وَقَالَ قُتَيْبَةُ: دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ.\nوَفِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ.\nحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَكِيمٍ الْأَوْدِيُّ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ.\n\n[١٣٥٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ مُسَاوِرٍ الْوَرَّاقِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ: خَطَبَ النَّاسَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ مُسَاوِرٍ الْوَرَّاقِ قَالَ: حَدَّثَنِي، وَفِي رِوَايَةِ الْحُلْوَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَبُو بَكْرٍ: عَلَى الْمِنْبَرِ.","vol":"3","page":641},{"text":"قوله: «قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ» هذا من أدلة القراءة على الشيخ، فيقرأ عليه الطالب، والشيخ يقول: نعم، فللقارئ أن يقول بعد ذلك: حدثني.\nوقوله: «وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ» فيه: دليل على جواز لبس الأسود، ولبس الملون، وإن كان الأفضل البياض؛ لأن النبي ﷺ لبس الأسود، والأبيض، والأصفر، والأحمر.\nوقال بعضهم: جاء في الحديث عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمُفَدَّمِ، قَالَ يَزِيدُ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: مَا الْمُفَدَّمُ؟ قَالَ: الْمُشْبَعُ بِالْعُصْفُرِ» (^١).\nوجاء في حديث أبي جحيفة: «فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ سَاقَيْهِ» (^٢).\nقال ابن القيم ﵀: «وليس هو أحمر مصمتًا، كما يظنه بعض الناس، فإنه لو كان كذلك لم يكن بردًا، وإنما فيه خطوط حمر كالبرود اليمنية، فسمي أحمر باعتبار ما فيه من ذلك، وقد صح عنه ﷺ من غير معارض النهي عن لبس المعصفر وهو الأحمر (^٣)، وأمر عبد الله بن عمرو لما رأى عليه ثوبين أحمرين أن يحرقهما (^٤)، فلم يكن ليكره الأحمر هذه الكراهة الشديدة، ثُمَّ يلبسه، والذي يقوم عليه الدليل تحريم لباس الأحمر، أو كراهيته كراهية شديدة» (^٥).\nوالقول الأقرب للصواب هو الذي اختاره الجمهور: أنَّ النهي محمول على ما إذا كانت الحمرة خالصةً، أو ما فيه شهرة.\nوقوله: «بِغَيْرِ إِحْرَامٍ» هذا يدل على أنه لا بأس بدخول مكة بدون إحرام\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٦٠١).\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٠٤).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٠٧٨).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٠٧٧).\n(^٥) زاد المعاد، لابن القيم (١/ ٤٢٦).","vol":"3","page":642},{"text":"لمن لم يُرِدِ الحج، والعمرة؛ لأنه لم يقصد النسك، وإنما دخل للقتال وفتح مكة، ويؤيد هذا حديث ابن عباس ﵄: «فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ» (^١)، يعني: المواقيت هن لمن أراد الحج، والعمرة، ومن لم يرد الحج والعمرة فلا يجب عليه الإحرام.\n_________\n(^١) تقدم برقم (١١٨١).","vol":"3","page":643},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-605>بَابُ فَضْلِ الْمَدِينَةِ، وَدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا بِالْبَرَكَةِ، وَبَيَانِ تَحْرِيمِهَا، وَتَحْرِيمِ صَيْدِهَا، وَشَجَرِهَا، وَبَيَانِ حُدُودِ حَرَمِهَا</span>\n\n[١٣٦٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَدَعَا لِأَهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ».\n[خ: ٢١٢٩]\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ الْمُخْتَارِ-.ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، كُلُّهُمْ عَنْ عَمْرِو ابْنِ يَحْيَى هُوَ الْمَازِنِيُّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أَمَّا حَدِيثُ وُهَيْبٍ، فَكَرِوَايَةِ الدَّرَاوَرْدِيِّ: بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ، وَأَمَّا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، فَفِي رِوَايَتِهِمَا: مِثْلَ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ.\n\n[١٣٦١] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُضَرَ- عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا» - يُرِيدُ: الْمَدِينَةَ.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعَنْبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ خَطَبَ النَّاسَ، فَذَكَرَ مَكَّةَ، وَأَهْلَهَا وَحُرْمَتَهَا، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَدِينَةَ، وَأَهْلَهَا وَحُرْمَتَهَا، فَنَادَاهُ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، فَقَالَ: مَا لِي أَسْمَعُكَ ذَكَرْتَ مَكَّةَ، وَأَهْلَهَا وَحُرْمَتَهَا، وَلَمْ تَذْكُرِ الْمَدِينَةَ، وَأَهْلَهَا وَحُرْمَتَهَا، وَقَدْ حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا، وَذَلِكَ","vol":"3","page":644},{"text":"عَنْدَنَا فِي أَدِيمٍ خَوْلَانِيٍّ إِنْ شِئْتَ أَقْرَأْتُكَهُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ مَرْوَانُ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ ذَلِكَ.\nورد في هذا الحديث: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَدَعَا لِأَهْلِهَا»، وفي الحديث الآخر: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ»، والجمع بينهما: أن الله ﷾ حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، وأما إبراهيم فإنه أظهر تحريمها بعد أن نسي الناس ذلك بأمر الله له، وإلا فإن تحريمها سابق.\nوقوله: «وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ»، يعني: بأمر الله ﷿، فالله هو المحرِّم، والنبي ﷺ إنما هو مبلغ عن الله ﷾.\nوقوله: «وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا، وَمُدِّهَا»، يعني: أن النبي ﷺ دعا بالبركة للمدينة في صاعها، ومدها وثمرها، «بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّة»، أي: دعا الله أن يجعل في المدينة من البركة ضعفي ما جعله لأهل مكة، ويرجى أن الله تعالى أجاب دعوة النبي ﷺ، ومن كان في المدينة يجد البركة في ثمارها وصاعها ومدها.\n\n[١٣٦٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي أَحْمَدَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَسْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا، لَا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا».\nقوله: «عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ» إذا أطلق جابر فالمراد به جابر بن عبد الله، وفي الصحابة جوابر كثر.\nوقوله: «مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا» هُما الحرتان الشرقية والغربية، على حدود حرم المدينة، وهذا من جهة الشرق، والغرب، وأما من جهة الشمال، والجنوب","vol":"3","page":645},{"text":"فـ «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ» (^١) كما جاء في الحديث الآخر.\n\n[١٣٦٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ: أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا، وَقَالَ: الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا، إِلَّا أَبْدَلَ اللهُ فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا، أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَزَادَ في الحديث: «وَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ، إِلَّا أَذَابَهُ اللهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ- أَوْ: ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ».\nفي هذا الحديث: دليل على أن المدينة لها حرمة، وأنه يحرم صيدها وقطع شجرها، إلا أن حرمتها أخف من حرمة مكة، كما سيأتي.\nوالحرم النبوي فيه خلاف في وجوب الجزاء؛ هل يجب الجزاء بأن يكون له سَلَب، كما سيأتي في الحديث: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَصِيدُ فِي حُدُودِ الْمَدِينَةِ أَوْ يَقْطَعُ مِنْ شَجَرِهَا فَخُذُوا سَلَبَهُ» (^٢)، أي: يؤخذ ما معه من السلاح والثياب والمركوب.\nوفيه: دليل على تحريم قطع الشجر، وتحريم قتل الصيد في المدينة، قال النبي ﷺ: «إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا»، وأن ينفر صيدها.\nوليس في الدنيا إلا حَرَمَانِ على الصحيح:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٧٢).\n(^٢) التمهيد لما في الموطأ من الأسانيد، لابن عبد البر (٦/ ٣١٠).","vol":"3","page":646},{"text":"الحرم المدني، والحرم المكي.\nواختُلف في حرم ثالث، وهو وادي (وج) موضع بناحية الطائف قريب من مكة، فقيل: إنه حرم، والصواب: أنه ليس بحرم.\nوأما ما يقوله بعض الناس بأن المسجد الأقصى حرم، وأنه ثالث الحرمين الشرفين فهذا غلط، ومن الأخطاء الشائعة.\nوقوله: «وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَجَهْدِهَا، إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا- أَوْ: شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» هذه بشارة لمن صبر من أهل المدينة على الشدة والمشقة فيها، بشرط أن يكون معه الإيمان والاحتساب وأن لا يكون مشركًا.\nوفيه: أن من خرج من المدينة رغبةً عنها فإن الله يبدلها خيرًا منه، لكن من خرج لا رغبة عنها فلا حرج؛ لأن الصحابة ﵃ خرجوا إلى الأمصار ينشرون دين الله ﷿، ويبلغون العلم، ويجاهدون في سبيل الله.\nوفيه: وعيد شديد لمن أراد المدينة بسوء، وكذلك من أراد مكة فهو أشد؛ لأن تحريم حرمها أغلظ، ومضاعفة الصلاة فيها أكثر، وكل من أراد المسلمين بسوء فهو متوعَّد بهذا الوعيد الشديد.\nوقوله: «إِلَّا أَذَابَهُ اللهُ فِي النَّارِ» ليس خاصًّا بالآخرة، قال القاضي عياض: «هذه الزيادة (فى النار) ترفع إشكال الأحاديث التى لم تذكر فيها، وأن هذا حكمه فى الآخرة، وقد يكون المراد به: من أرادها فى حياة النبى ﷺ فى الدنيا، فيكفى أمره، ويضمحل كيده، كما يضمحل الرصاص، ويكون (في النَّارِ) مقدَّمًا فى اللفظ، كما قال في الحديث الآخر: (كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ)، أو يكون ذلك لمن أرادها فى الدنيا فلا يمهله الله، ولا يُمكن سلطانه، ويذهبه عن قرب، كما انقضى مِن شأن مَن حاربها أيام بني أمية، مثل: مسلم بن عقبة، وهلاكه منصرفه عنها، ثُمَّ هلاك يزيد بن معاوية","vol":"3","page":647},{"text":"مرسلة على إثر ذلك، وغيرهم ممن صنع مثل صنيعهم».\n\n[١٣٦٤] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، جَمِيعًا عَنِ الْعَقَدِيِّ، قَالَ عبدَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ سَعْدًا رَكِبَ إِلَى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ، فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا، أَوْ يَخْبِطُهُ فَسَلَبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ، فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلَامِهِمْ، أَوْ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلَامِهِمْ، فَقَالَ: مَعَاذَ اللهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ.\nفي هذا الحديث: أن سعدًا ﵁ لما رأى عبدًا يقطع شجرة بالسيف في المدينة «فَسَلَبَهُ»، يعني: أخذ ما معه من السلاح، والثياب، والمركوب.\nوما صاده إن كان حيًّا أُطلق، وإن كان قتله فهو ميتة لا يؤكل.\nوقوله: «جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ، فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلَامِهِمْ، أَوْ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلَامِهِمْ»، أي: فجاء أهل العبد إلى سعد بن أبي وقاص ﵁، وقالوا له: أعطنا ما أخذت منه، فقَالَ: «مَعَاذَ اللهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ»، يعني: كسَلَب القتيل من الكفار، فيدخل فيه فرسه وسلاحه ونفقته، وغير ذلك مما يدخل في سَلَب القتيل، «وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ»، وجاء في حديث آخر: «إِنْ شِئْتُمْ أنْ أعْطِيَكُمْ ثَمَنَهُ أَعْطَيْتُكُمْ» (^١)، لكن هذا لا أعطيكم إياه؛ لأن هذا نفلنيه رسول الله ﷺ.\nوهذا إذا لم يترتب على سلبه مفسدة، يعني: إذا رأيت من يصيد وخشيت إن أخذت ثيابه، أو سلاحه، أو مركوبه، من حصول مضرة فتدرأ المفسدة، ويرفع الدعوة للمحكمة، ويثبت أنه رآه يصيد فَيُعطى سلبه؛ لأن درء\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٤٦٠)، وأبو داود (٢٠٣٧).","vol":"3","page":648},{"text":"المفاسد مقدم على جلب المصالح.\nوهذا الحديث استدل به بعض أهل العلم على أن من قطع شجرة، أو صاد صيدًا في المدينة فإن عقوبته بأن يسلب، ويؤخذ ما معه من السلاح، وليس فيه جزاء.\nوقال آخرون من أهل العلم: فيه جزاء مثل حرم مكة، فالصيد فيه جزاء، والشجر فيه جزاء.\nوالراجح: ما دل عليه الحديث أن له سلبه.\n\n[١٣٦٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو- مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَبٍ- أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ- لِأَبِي طَلْحَةَ-: «الْتَمِسْ لِي غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي»، فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كُلَّمَا نَزَلَ، وقَالَ في الحديث: ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: «اللهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، اللهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ».\n[خ: ٥٤٢٥]\nوَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ- عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا».\nقوله: «إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا»، وهما جبلا عير وثور جهتي الشمال والجنوب، أما جهة الشرق والغرب فما بين اللابتين، كما سبق.\nفي هذا الحديث: أن جبل أُحُد جعل الله فيه من الإحساس، وأنه يحب","vol":"3","page":649},{"text":"المسلمين، وهم يحبونه، والنبي ﷺ قال: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»، والصواب أن هذا الحديث على ظاهره؛ فالله ﵎ جعل في بعض الجمادات إحساسًا، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شيء إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، وثبت عن النبي ﷺ أنه حَنَّ له الجذع (^١)، وسبَّح الطعام في يده (^٢)، وقال: «إنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ» (^٣)، وهذا خلافًا لما تأوله المازري إذ قال: «يُحبنا أهله فحذف المضاف وَأقام المضاف إليه مقامه» (^٤)، فهذا من التأويل المردود.\n\n[١٣٦٦] وَحَدَّثَنَاهُ حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَحَرَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَا بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا؛ فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا- قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِي: هَذِهِ شَدِيدَةٌ- مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا، قَالَ: فقَالَ ابْنُ أَنَسٍ: أَوْ آوَى مُحْدِثًا.\n[خ: ٧٣٠٦]\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا: أَحَرَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، هِيَ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.\nقوله: «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا»، أي: لا يُحش حشيشها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥٨٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٥٧٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٢٧٩).\n(^٤) المعلم، للمازري (٣/ ١١٧).","vol":"3","page":650},{"text":"وقوله: «فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» هذا وعيد يدل على أنه من الكبائر.\n\n[١٣٦٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اللهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ».\n[خ: ٢١٣٠]\n\n[١٣٦٩] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّامِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ، يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ».\n[خ: ١٨٨٥]\n\n[١٣٧٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ عَنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابَ اللهِ، وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ- قَالَ: وَصَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِي قِرَابِ سَيْفِهِ- فَقَدْ كَذَبَ؛ فِيهَا أَسْنَانُ الْإِبِلِ، وَأَشْيَاءُ مِنَ الْجِرَاحَاتِ، وَفِيهَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا»، وَانْتَهَى حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ، وَزُهَيْرٍ، عَنْدَ قَوْلِهِ: «يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ»، وَلَمْ يَذْكُرَا مَا بَعْدَهُ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: مُعَلَّقَةٌ فِي قِرَابِ سَيْفِهِ.\n[خ: ٧٣٠٠]\nوَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، أَخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو","vol":"3","page":651},{"text":"سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، إِلَى آخِرِهِ.\nوَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ، وَوَكِيعٍ، إِلَّا قَوْلَهُ: «مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ»، وَذِكْرَ اللَّعْنَةِ لَهُ.\n\n[١٣٧١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَدْلٌ، وَلَا صَرْفٌ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ، حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: «يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وَزَادَ: «وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَدْلٌ، وَلَا صَرْفٌ».\n\n[١٣٧٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَوْ رَأَيْتُ الظِّبَاءَ تَرْتَعُ بِالْمَدِينَةِ مَا ذَعَرْتُهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ».\n[خ: ١٨٧٢]\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَلَوْ وَجَدْتُ الظِّبَاءَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا مَا ذَعَرْتُهَا، وَجَعَلَ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حَوْلَ الْمَدِينَةِ حِمًى.","vol":"3","page":652},{"text":"قوله: «أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا» المراد بالحدث: المعاصي والبدع.\nوقوله: «أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ» كأن يكون العبد عتيقًا لقريش، وينتمي إلى تميم؛ ليأخذ بذلك رفدهم، أو يكون مولى لتميم فينتمي إلى قريش، فهذا من الكبائر.\nفي هذه الأحاديث: الرد على الرافضة والشيعة الذين يقولون: إن النبي ﷺ خصَّ أهل البيت بخصائصَ، وخصَّ عليًّا ﵁ بخصائصَ ووصايا، وأنه سيكون الخليفةَ بعده.\nوقوله: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابَ اللهِ، وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ»، يعني: ليس عندنا إلا كتاب الله، أو فهمًا يعطيه الله من شاء من عباده.\nوقوله: «فَمَنْ أَخْفَرَ» أخفرت الرجلَ إذا نقضتَ عهده، وخفرته إذا أمَّنته، فيختلف المعنى بالتعدية بدخول همزة السلب على الفعل؛ وهي الهمزة التي تدخل على الفعل فتنقل معناه إلى ضده، فخفره، يعني: حماه، وأجاره، وصانه، وأخفره، يعني: نقض عهده وذمته، فخفر ضد أخفر.\nوقوله: «لَوْ رَأَيْتُ الظِّبَاءَ» الظباء جمع ظبي، وهي من الصيد، «تَرْتَعُ بِالْمَدِينَةِ»، أي: ترعى.\nوقوله: «مَا ذَعَرْتُهَا»، يعني: ما نفرتها، وتركتها ترعى مرتاحة آمنة؛ لأنها في حرم آمن؛ لقول النبي ﷺ عن المدينة: «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ» (^١).\nوفيها: أن من ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٧٢).","vol":"3","page":653},{"text":"[١٣٧٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاءُوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: «اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعَنْا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ، وَخَلِيلُكَ، وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ، وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ، بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَمِثْلِهِ مَعَهُ»، قَالَ: ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ لَهُ، فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ.\nفي هذا الحديث: أنه كان يؤتى بأول الثمر، كالتمر أو العنب، أو ما أشبه ذلك، يؤتى بشيء منه للنبي ﷺ، فيدعو فيقول: «اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعَنْا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا».\nوقوله: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ، وَخَلِيلُكَ، وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ، وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ، بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَمِثْلِهِ مَعَهُ»، أي: أن النبي ﷺ خليل الله ﷿، ولم يقل: أنا خليلك، إما تواضعًا مع جده إبراهيم؛ أو لأن الله لم يكن أعْلَمَهُ بأنه خليله، ثُمَّ أعلمه بعد ذلك، كما قال ﷺ: «فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا» (^١)، وفي لفظ آخر: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ خَلِيلًا، وَلَكِنْ صَاحِبُكُمْ خَلِيلُ اللهِ) (^٢)، يعني: نفسه ﵊؛ ولهذا يقال: الخليلان: إبراهيم، ومحمد عليهما الصلاة والسلام.\nوالخُلَّة أعلى درجة في المحبة، فهي نهايتها وكمالها، ويسمى الخليل خليلًا؛ لأن محبته تصل إلى سويداء القلب، هذا بالنسبة للمخلوق، أما خُلَّة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٣٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٣٨٥).","vol":"3","page":654},{"text":"الله تعالى فهي صفة من صفاته ﷾، لا تُكَيَّف، ولا تُمَثَّل، فلا يشارك المخلوق في صفاته ﷾، وقلب المخلوق لا يتسع لأكثر من خليل، أما المحبة فتتسع لآخرين.\nومن هنا يظهر الغلط عند بعض الخطباء الذين يقولون: صلوا على حبيب الله، أو صلوا على الحبيب، والأولى أن يقولوا: صلوا على خليل الله، فيوصف بالخُلَّة؛ لأن الخُلَّة أكمل.\nتنبيه: قال القاضي عياض ﵀: «وفيه: تخصيص الرئيس في العلم والسلطان بالهدية والطرفة تفضيلًا له، وتقديمًا، ورجاء بركة دعائه» (^١)، هذه الفائدة ليست ظاهرة، لا في تخصيص الرئيس في العلم والسطان، ولا في بركة دعائه، فلا يدل الحديث على ذلك، بل الثمرة يعطاها كل أحد، والبركة يدعو بها كل أحد في أول الثمر وأوسطه وآخره.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِأَوَّلِ الثَّمَرِ، فَيَقُولُ: اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَفِي ثِمَارِنَا، وَفِي مُدِّنَا، وَفِي صَاعَنْا بَرَكَةً مَعَ بَرَكَةٍ، ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنَ الْوِلْدَانِ».\nفي هذا الحديث: أنه كان إذا أُتِيَ النبي ﷺ بشيء من الرطب أو العنب أول ما يظهر يدعو بالبركة، ثُمَّ يدعو الصبيان ويعطيهم هذا التمر؛ لأن الصبيان تتشوف نفوسهم إلى الثمار، ولا يصبرون بخلاف الكبار.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٤/ ٤٩٢).","vol":"3","page":655},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-606>بَابُ التَّرْغِيبِ فِي سُكْنَى الْمَدِينَةِ، وَالصَّبْرِ عَلَى لَأْوَائِهَا</span>\n\n[١٣٧٤] حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ وُهَيْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ: أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ- مَوْلَى الْمَهْرِيِّ-: أَنَّهُ أَصَابَهُمْ بِالْمَدِينَةِ جَهْدٌ وَشِدَّةٌ، وَأَنَّهُ أَتَى أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، فقَالَ لَهُ: إِنِّي كَثِيرُ الْعِيَالِ، وَقَدْ أَصَابَتْنَا شِدَّةٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْقُلَ عِيَالِي إِلَى بَعْضِ الرِّيفِ، فقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَا تَفْعَلْ، الْزَمِ الْمَدِينَةَ، فَإِنَّا خَرَجْنَا مَعَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ- أَظُنُّ أَنَّهُ قَالَ: حَتَّى قَدِمْنَا عُسْفَانَ، فَأَقَامَ بِهَا لَيَالِيَ- فقَالَ النَّاسُ: وَاللهِ مَا نَحْنُ ههنا فِي شَيْءٍ، وَإِنَّ عِيَالَنَا لَخُلُوفٌ، مَا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: «مَا هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي مِنْ حَدِيثِكُمْ- مَا أَدْرِي كَيْفَ قَالَ- وَالَّذِي أَحْلِفُ بِهِ- أَوْ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- لَقَدْ هَمَمْتُ- أَوْ: إِنْ شِئْتُمْ- لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَ- لَآمُرَنَّ بِنَاقَتِي تُرْحَلُ، ثُمَّ لَا أَحُلُّ لَهَا عُقْدَةً حَتَّى أَقْدَمَ الْمَدِينَةَ، وَقَالَ: اللهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، فَجَعَلَهَا حَرَمًا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ حَرَامًا مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا: أَنْ لَا يُهْرَاقَ فِيهَا دَمٌ، وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ، وَلَا تُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَةٌ، إِلَّا لِعَلْفٍ، اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعَنْا، اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعَنْا، اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللهُمَّ اجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ\nبَرَكَتَيْنِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنَ الْمَدِينَةِ شِعْبٌ، وَلَا نَقْبٌ، إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا، حَتَّى تَقْدَمُوا إِلَيْهَا»، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: «ارْتَحِلُوا»، فَارْتَحَلْنَا، فَأَقْبَلْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ- فَوَالَّذِي نَحْلِفُ بِهِ، أَوْ: يُحْلَفُ بِهِ- الشَّكُّ مِنْ حَمَّادٍ- مَا وَضَعْنا رِحَالَنَا حِينَ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ حَتَّى أَغَارَ عَلَيْنَا بَنُو عَبْدِ اللهِ بْنِ غَطَفَانَ، وَمَا يَهِيجُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْءٌ.\nوَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ- مَوْلَى الْمَهْرِيِّ- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ","vol":"3","page":656},{"text":"الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعَنْا، وَمُدِّنَا، وَاجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنا شَيْبَانُ. ح، وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْبٌ- يَعْنِي: ابْنَ شَدَّادٍ- كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقوله: «إِلَّا لِعَلْفٍ» دليل على جواز قطع الشجر لإعلاف الدواب في المدينة، بخلاف مكة فلا يجوز، وهذا يدل على أن المدينة أخف من مكة في الحرمة.\nوقوله: «اللهُمَّ اجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ» فيه: دليل على أن النبي ﷺ دعا لأهل المدينة بالبركة مثل مكة ثلاث مرات، ويرجى أن الله أجاب دعوته، ولا يدل على أن المدينة أفضل من مكة، ولا أن المجاورة فيها أفضل من المجاورة بمكة.\nوقوله: «مَا مِنَ الْمَدِينَةِ شِعْبٌ، وَلَا نَقْبٌ، إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا» فيه: دليل على أن المدينة حُرِسَت في وقت خروج النبي ﷺ.\nوقوله: «وَضَعْنا رِحَالَنَا حِينَ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ حَتَّى أَغَارَ عَلَيْنَا بَنُو عَبْدِ اللهِ بْنِ غَطَفَانَ، وَمَا يَهِيجُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْءٌ» فيه: دليل على أن المدينة كانت محروسة لحين خروجهم منها، وهذا كان خاصًّا بعهد النبي ﷺ، وكذلك تحرس في وقت مجيء الدجال في آخر الزمان، كما ثبت في قوله ﷺ: «عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ، وَلَا الدَّجَّالُ» (^١).\nوالحاصل: أن المدينة تُحرس في حالتين:\nالأولى: في عهد النبي ﷺ في حال خروجهم منها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٨٠)، ومسلم (١٣٧٩).","vol":"3","page":657},{"text":"الثانية: تحرس في وقت مجيء الدجال.\nأما الأوقات الأخرى فليس هناك دليل على أنها تُحرس.\nوقوله: «فقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَا تَفْعَلْ، الْزَمِ الْمَدِينَةَ» فيه: أن أبا سعيد ﵁ نصح الرجل لما أراد أن ينتقل من المدينة لما أصابته الشدة، وقال له: ابقَ فيها، وذكر له ما خص الله به المدينة من البركة والحراسة.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ- مَوْلَى الْمَهْرِيِّ-: أَنَّهُ جَاءَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ لَيَالِي الْحَرَّةِ، فَاسْتَشَارَهُ فِي الْجَلَاءِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَشَكَا إِلَيْهِ أَسْعَارَهَا، وَكَثْرَةَ عِيَالِهِ، وَأَخْبَرَهُ أَنْ لَا صَبْرَ لَهُ عَلَى جَهْدِ الْمَدِينَةِ وَلَأْوَائِهَا، فقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ لَا آمُرُكَ بِذَلِكَ؛ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا فَيَمُوتَ، إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا- أَوْ: شَهِيدًا- يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا».\nقوله: «إِذَا كَانَ مُسْلِمًا» هذا قيد في الشفاعة، فالمعنى: أنه إذا كان كافرًا فلا، وكذلك إذا كان من المنافقين، أو من الزنادقة، وهذا القيد لا بد منه حتى لو لم يُنَصَّ عليه؛ لأنه معلوم من نصوص الشريعة، وقواعدها، قال الله تعالى للكفار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وقال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾.\nوهذا الحديث فيه: فضل من صبر على لأواء المدينة وشدتها ومشقتها، ومن الشدة واللأواء: الصبر على الفقر احتسابًا لوجه الله.\nوهذا من فضائل المدينة، ومما يرغب في السكنى فيها.","vol":"3","page":658},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ نُمَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنِّي حَرَّمْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ»، قَالَ: ثُمَّ كَانَ أَبُو سَعِيدٍ يَأْخُذُ، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجِدُ أَحَدَنَا فِي يَدِهِ الطَّيْرُ فَيَفُكُّهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ يُرْسِلُهُ.\nقوله: «يَجِدُ أَحَدَنَا فِي يَدِهِ الطَّيْرُ فَيَفُكُّهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ يُرْسِلُهُ»، يعني: إذا وجد أحدٌ أحدًا معه طير في المدينة فينزعه منه ويطلقه؛ لأنه لا يجوز أخذ الطير، وأما حديث: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» (^١)، فيحمل على أن هذا الطير صِيدَ خارج المدينة، ثُمَّ أدخله إليها، أو أنه كان قبل التحريم.\nقال بعض العلماء: إذا صِيدَ الصيدُ خارج المدينة، ثُمَّ أدخله إليها فله إبقاؤه، على الصحيح.\nوقال بعضهم: يجب إطلاقه في الحرم المكي، ولا يمسكه، وأما في المدينة فلا بأس.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦١٢٩).","vol":"3","page":659},{"text":"[١٣٧٥] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: أَهْوَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: «إِنَّهَا حَرَمٌ آمِنٌ».\n\n[١٣٧٦] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهِيَ وَبِيئَةٌ، فَاشْتَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَاشْتَكَى بِلَالٌ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ شَكْوَى أَصْحَابِهِ قَالَ: «اللهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ مَكَّةَ، أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا، وَمُدِّهَا، وَحَوِّلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ».\n[خ: ٦٣٧٢]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nقولها: «وَهِيَ وَبِيئَةٌ»، يعني: فيها الوباء، والمرض.\nوقوله: «وَحَوِّلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ» دعا النبي ﷺ أن تنتقل الحمى إلى الجحفة؛ لأن ساكنيها في ذلك الوقت كانوا يهودًا.\n\n[١٣٧٧] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنا عِيسَى ابْنُ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَبَرَ عَلَى لَأْوَائِهَا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا- أَوْ: شَهِيدًا- يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ قَطَنِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عُوَيْمِرِ بْنِ الْأَجْدَعِ عَنْ يُحَنَّسَ- مَوْلَى الزُّبَيْرِ- أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عَنْدَ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْفِتْنَةِ، فَأَتَتْهُ مَوْلَاةٌ لَهُ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فقَالَت: إِنِّي أَرَدْتُ الْخُرُوجَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، اشْتَدَّ عَلَيْنَا الزَّمَانُ، فقَالَ لَهَا عَبْدُ اللهِ: اقْعُدِي لَكَاعِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ، إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا- أَوْ: شَفِيعًا- يَوْمَ الْقِيَامَةِ».","vol":"3","page":660},{"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنا الضَّحَّاكُ عَنْ قَطَنٍ الْخُزَاعِيِّ عَنْ يُحَنَّسَ- مَوْلَى مُصْعَبٍ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَبَرَ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا- أَوْ: شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ-»، يَعْنِي: الْمَدِينَةَ.\n\n[١٣٧٨] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَاءِ الْمَدِينَةِ، وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي، إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ- أَوْ: شَهِيدًا».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي هَارُونَ مُوسَى بْنِ أَبِي عِيسَى أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اللهِ الْقَرَّاظَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَاءِ الْمَدِينَةِ»، بِمِثْلِهِ.\nفي هذه الأحاديث: فضل سكنى المدينة والصبر على شدتها، وذلك لأن الجلوس في المدينة يذكِّر المسلم بالرسول ﷺ وبسيرته، وكذلك السكنى في منازل الصحابة يذكر بحالهم، فيكون سببًا في السير على منهاجهم.\nوهذه الأحاديث جاء فيها الإطلاق بالشفاعة منه ﷺ لساكن المدينة، وهي مقيدة بما تقدم في الرواية: «إِذَا كَانَ مُسْلِمًا»، ولعموم النصوص- أيضًا.","vol":"3","page":661},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-607>بَابُ صِيَانَةِ الْمَدِينَةِ مِنْ دُخُولِ الطَّاعُونِ، وَالدَّجَّالِ إِلَيْهَا</span>\n\n[١٣٧٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ، وَلَا الدَّجَّالُ».\n[خ: ١٨٨٠]\n\n[١٣٨٠] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أن رسول الله ﷺ قال: «يَأْتِي الْمَسِيحُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ هِمَّتُهُ الْمَدِينَةُ حَتَّى يَنْزِلَ دُبُرَ أُحُدٍ، ثُمَّ تَصْرِفُ الْمَلَائِكَةُ وَجْهَهُ قِبَلَ الشَّامِ، وَهُنَالِكَ يَهْلِكُ».\nفي هذه الأحاديث: فضل المدينة، وأنها محروسة من الدجال فلا يدخلها، وكذلك الطاعون، وهو: وباء يصيب الإنسان فيموت في ساعته، وهو غدة تخرج في الآباط والمراق.\nوالدجال يأتي إلى سبخة، أو إلى الجرف، وينعق ثلاث نعقات، فيخرج إليه من المدينة كل كافر، وكل منافق، وكل يهودي، ولا يبقى فيها إلا المسلمون.\nوأما مكة فإنه ورد أنه لا يدخلها الدجال- أيضًا- وأنها محروسة منه.\nأما الطاعون فهل يدخل مكة، أو لا يدخل؟ الأقرب أنه خاص بالمدينة، والله أعلم.","vol":"3","page":662},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-608>بَابُ الْمَدِينَةِ تَنْفِي شِرَارَهَا</span>\n\n[١٣٨١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أن رسول الله ﷺ قال: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ، وَقَرِيبَهُ هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ فِيهَا خَيْرًا مِنْهُ، أَلَا إِنَّ الْمَدِينَةَ كَالْكِيرِ تُخْرِجُ الْخَبِيثَ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ».\n\n[١٣٨٢] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبَ وَهِيَ الْمَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ».\n[خ: ١٨٧١]\nوَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَا: «كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ الْخَبَثَ»، لَمْ يَذْكُرَا: «الْحَدِيدَ».\nقوله: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى»، يعني: أُمِرْتُ بالهجرة إليها، واستيطانها.\nواختلف في معنى أكلها القرى، فقيل: المعنى: إنها مركز الجيوش في زمن النبي ﷺ، وفي زمن الخلفاء.\nوقيل: المعنى: أن ميرتها وأكلها إنما يكون من البلدان المفتوحة.\nوفي هذا الحديث: دليل على خروج بعض الناس من المدينة إلى بلاد الخصب، والسعة، والرخاء، والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون.","vol":"3","page":663},{"text":"وفيه: أن المدينة كالكير تنفي خبثها، أي: تُخرج الكفرة، والمنافقين، مثل النار التي تصفي الذهب والحديد والفضة من الوسخ، وهذا يتبين في وقت نزول الدجال فيخرج الكفرة والمنافقون من المدينة يتبعون الدجال، وتبقى المدينة سالمة من هؤلاء، ولا يبقى فيها إلا المسلمون، وأما قبل ذلك فمفهوم الحديث فلا يدل الحديث على نفيها.\n\n[١٣٨٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ بِالْمَدِينَةِ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا، وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا».\n[خ: ٧٢١١]\nوقوله: «وَعْكٌ»، أي: حمى، فجاء إلى النبي ﷺ، وقال: «أَقِلْنِي بَيْعَتِي»، أي: افسخ بيعتي على الإسلام والهجرة، «فَأَبَى رَسُولُ اللهِ ﷺ» لأنه لا يجوز ترك الإسلام وترك الهجرة، وكررها ثلاثًا.\nوقوله: «فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ»، أي: من المدينة.\nوقوله: «وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا»، أي: يصفو، ويخلص طيبها ولا يبقى فيها إلا المؤمنون، ففي زمن النبي ﷺ فيه نفي لكنه ليس نفيا كاملا.\nفي هذا الحديث: أن هذا الأعرابي لم يستقر الإيمان في قلبه؛ ولهذا لم يصبر عندما أصابه المرض.\nوفيه: أن هذا الرجل من الخبث الذي نفته المدينة؛ لأن الإيمان لم يستقر في قلبه.","vol":"3","page":664},{"text":"[١٣٨٤] وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ- وَهُوَ الْعَنْبَرِيُّ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ- وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ- سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّهَا طَيْبَةُ- يَعْنِي: الْمَدِينَةَ- وَإِنَّهَا تَنْفِي الْخَبَثَ، كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ».\n[خ: ٤٥٨٩]\n\n[١٣٨٥] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى سَمَّى الْمَدِينَةَ: طَابَةَ».\nفي هذا الحديث: أن من أسماء المدينة: طابة، وطيبة، وأما تسميتها: يثرب فهذه تسمية جاهلية؛ فلا ينبغي أن تسمى بها، وأما قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾، فهذا إخبار من الله أنه من قول المنافقين، وأما تسميتها بالمدينة المنورة، فكلمة المنورة لا أصل لها، والأصل: المدينة النبوية.\nولعل هذا الوصف من أوصاف الصوفية، ككلمة مكة المكرمة، فالله ﷾ سماها مكة، قال تعالى: ﴿ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم﴾.","vol":"3","page":665},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-609>بَابُ مَنْ أَرَادَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللهُ</span>\n\n[١٣٨٦] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يُحَنَّسَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْقَرَّاظِ: أَنَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: «مَنْ أَرَادَ أَهْلَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ بِسُوءٍ- يَعْنِي: الْمَدِينَةَ- أَذَابَهُ اللهُ، كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو ابْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ أَنَّهُ سَمِعَ الْقَرَّاظَ- وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ- يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَرَادَ أَهْلَهَا بِسُوءٍ- يُرِيدُ: الْمَدِينَةَ- أَذَابَهُ اللهُ، كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ».\nقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ يُحَنَّسَ- بَدَلَ قَوْلِهِ: «بِسُوءٍ» -: «شَرًّا».\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي هَارُونَ مُوسَى بْنِ أَبِي عِيسَى. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، جَمِيعًا سَمِعَا أَبَا عَبْدِ اللهِ الْقَرَّاظَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nقوله: «مَنْ أَرَادَ أَهْلَهَا بِسُوءٍ» هذا فضل المدينةـ وتخصيصها بهذا الوعيد الخاص «أَذَابَهُ اللهُ، كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ»، ولكن العدوان على المؤمنين في أي مكان ليس خاصًّا بأهل المدينة، فكل من أراد المسلمين بسوء فعليه الوعيد الشديد، ولا شك أن حرمة المؤمن أعظم من حرمة الكعبة، فلا يجوز العدوان على المسلم بغير حق، قال النبي ﷺ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ","vol":"3","page":666},{"text":"بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» (^١)، وقال: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ) (^٢)، وجاء في الحديث الآخر: «وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى الْبَيْتِ، أَوْ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْكِ» (^٣).\n\n[١٣٨٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ عُمَرَ بْنِ نُبَيْهٍ، أَخْبَرَنِي دِينَارٌ الْقَرَّاظُ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَرَادَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ».\n[خ: ١٨٧٧]\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ عُمَرَ بْنِ نُبَيْهٍ الْكَعْبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْقَرَّاظِ: أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «بِدَهْمٍ، أَوْ بِسُوءٍ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْقَرَّاظِ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَعْدًا يَقُولَانِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهُمَّ بَارِكْ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي مُدِّهِمْ»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ: وَفِيهِ: «مَنْ أَرَادَ أَهْلَهَا بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ».\nقوله: «بِدَهْمٍ، أَوْ بِسُوءٍ»، أي: بغائلةٍ، أو شرٍّ.\nوقوله: «أَذَابَهُ اللهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ»، وهذا ليس خاصًّا بالآخرة كما تقدم، بل في الدنيا- أيضًا- فمن أرادها فى الدنيا فلا يمهله الله، ولا يُمكِّن سلطانه، ويُذهبه عن قرب، كما تقدم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٠٧٧)، ومسلم (٦٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٨)، ومسلم (١٦٨١).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٠٣٢)، وابن حبان (٥٨٨٢).","vol":"3","page":667},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-610>بَابَ التَّرْغِيبِ فِي الْمَدِينَةِ عَنْدَ فَتْحِ الْأَمْصَارِ</span>\n\n[١٣٨٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تُفْتَحُ الشَّامُ، فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ- وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ-، ثُمَّ تُفْتَحُ الْيَمَنُ، فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ- وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ-، ثُمَّ تُفْتَحُ الْعِرَاقُ، فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ- وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ».\n[خ: ١٨٧٥]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي هِشَامُ ابْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يُفْتَحُ الْيَمَنُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ- وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ-، ثُمَّ يُفْتَحُ الشَّامُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ- وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ-، ثُمَّ يُفْتَحُ الْعِرَاقُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ- وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ».\nفي هذه الأحاديث: معجزات للرسول ﷺ، حيث أخبر بفتح هذه الأقاليم على هذا الترتيب، فوقع كما أخبر، وأن الناس يتحملون بأهلهم إليها ويتركون المدينة.\nوهذا يدل على فضل المدينة، وأنها هي ومكة أفضل البقاع، ومكة أفضل منها على الصحيح؛ لأن النبي ﷺ قال في مكة لما هاجر: «وَاللهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَى اللهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْت» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٨٢٤٠)، والنسائي في الكبرى (٤١٣٧).","vol":"3","page":668},{"text":"وقال بعض العلماء: المدينة أفضل من مكة.\nوالصواب: القول الأول.\nوالتحقيق كما قال شيخ الإسلام ﵀: «الإقامة في كل موضع تكون الأسباب فيه أطوع لله ورسوله وأفعل للحسنات والخير بحيث يكون أعلم بذلك وأقدر عليه وأنشط له أفضل من الإقامة في موضع يكون حاله فيه في طاعة الله ورسوله دون ذلك. هذا هو الأصل الجامع. فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم» (^١).\nوفيها: أنهم يخرجون من المدينة بسبب الفقر، والحاجة، وضيق العيش إلى الشام، وإلى اليمن، وإلى العراق.\nوقوله: «يَبُسُّونَ» من الثلاثي بس بفتح الياء وكسر الباء الموحدة وضمها، أو يُبِسون من الرباعي من أبس بضم المثناة التحتية وكسر الباء الموحدة، قال أبوعبيد الهروي: «يقال في زجر الدابة إذا سقتها: بس بس، وهو زجر للسوق، من كلام أهل اليمن، وفيه لغتان: بسست وأبسست» (^٢)، قال الحافظ النووي: «الصواب الذي عليه المحققون أن معناه الإخبار عمن خرج من المدينة متحملا بأهله باسا في سيره مسرعا إلى الرخاء في الأمصار التي أخبر النبي ﷺ بفتحها» (^٣)، فالمعنى: يخرجون يتحملون بأهليهم وينتقلون إلى هذه البلاد المفتوحة من أجل الرخاء، ومن أجل السعة في العيش، «والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون».\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٧/ ٣٩).\n(^٢) الغريبين، للهروي (١/ ١٧٦).\n(^٣) شرح مسلم، للنووي (٩/ ١٥٩).","vol":"3","page":669},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-611>بَابٌ فِي الْمَدِينَةِ حِينَ يَتْرُكُهَا أَهْلُهَا</span>\n\n[١٣٨٩] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ. ح، وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ- لِلْمَدِينَةِ-: «لَيَتْرُكَنَّهَا أَهْلُهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ مُذَلَّلَةً لِلْعَوَافِي» يَعْنِي: السِّبَاعَ وَالطَّيْرَ.\nقَالَ مُسْلِم: أَبُو صَفْوَانَ هَذَا هُوَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، يَتِيمُ ابْنِ جُرَيْجٍ، كان في حجره عَشْرَ.\n[خ: ١٨٧٤]\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يَتْرُكُونَ الْمَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، لَا يَغْشَاهَا إِلَّا الْعَوَافِي- يُرِيدُ: عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ-، ثُمَّ يَخْرُجُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ، يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا، فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا».\nقوله: «لَيَتْرُكَنَّهَا أَهْلُهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ مُذَلَّلَةً لِلْعَوَافِي» العوافي هي: السباع، والطير كما فسرها في الحديث، وهذا في آخر الزمان عند قيام الساعة.\nوقوله: «ثُمَّ يَخْرُجُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ، يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا، فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا»، يعني: فيخران ميتين بسبب قيام الساعة، كما جاء في الحديث: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ فَرَأَىهَا النَّاسُ، آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ","vol":"3","page":670},{"text":"ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا، فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ، وَلَا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أَحَدُكُمْ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا» (^١)، وكذلك هذان الراعيان يحشران فيجدان المدينة وحشًا أو وحوشًا ليس فيها أحد، فيخران على وجوههما ميتينِ عند قيام الساعة.\nوقال بعضهم: المعنى: أن غنمهم انقلبت وحوشًا، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٠٦).","vol":"3","page":671},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-612>بَابُ مَا بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ</span>\n\n[١٣٩٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَازِنيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ».\n[خ: ١١٩٥]\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا بَيْنَ مِنْبَرِي وَبَيْتِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ».\n\n[١٣٩١] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي».\n[خ: ١١٩٦، ٤٤٢٢]\nوقوله: «وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» قيل: حوض النبي ﷺ طوله مسافة شهر، ويمتد من أرض الشام إلى المدينة، فيكون منبره جزءًا من حوضه، وحوض النبي ﷺ في موقف القيامة يصب فيه ميزابان من نهر الكوثر.\nبين بيت النبي ﷺ ومنبره، وقيل في معنى: «مَا بَيْنَ مِنْبَرِي، وَبَيْتِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» إن هذا الموضع ينتقل بعينه إلى الجنة، وقيل: إن الصلاة فيه والعبادة تؤدي إلى دخول الجنة.\nوالروضة مكانها معروف الآن، ما بين الحجرة النبوية إلى المنبر، والناس يصلون فيها الآن النافلة، أما الفريضة فينبغي أن يتقدم المصلى الصفوف الأمامية.","vol":"3","page":672},{"text":"وأما رواية: «مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي» (^١) فهذه رويت بالمعنى، والمعروف: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي»؛ لأنه ﵊ قال هذا في حياته.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١١٣٩٧)، والنسائي في الكبرى (٤٢٧٦).","vol":"3","page":673},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-613>بَابٌ: أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ</span>\n\n[١٣٩٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعَنْبِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ السَّاعِدِيِّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِي الْقُرَى، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنِّي مُسْرِعٌ، فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيُسْرِعْ مَعِي، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَمْكُثْ»، فَخَرَجْنَا حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: «هَذِهِ طَابَةُ وَهَذَا أُحُدٌ، وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ».\n\n[١٣٩٣] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ».\nوَحَدَّثَنِيهِ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنِي حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: نَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أُحُدٍ، فَقَالَ: «إِنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ».\nقوله: «يحبنا»، يعني: محبةً حقيقية، فالصواب أن هذا الحديث على ظاهره، خلافًا لمن تأوله، كما تقدم في الكلام على الحديث قريبا.","vol":"3","page":674},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-614>بَابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ بِمَسْجِدَيْ مَكَّةَ، وَالْمَدِينَةَ</span>\n\n[١٣٩٤] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ».\n[خ: ١١٩٠]\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، قَالَ عبدَ: أَخْبَرَنا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ».\nحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ الْأَغَرِّ- مَوْلَى الجُهَنِيِّينَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ- أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ مَسْجِدَهُ آخِرُ الْمَسَاجِدِ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ: لَمْ نَشُكَّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ عَنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَمَنَعَنَا ذَلِكَ أَنْ نَسْتَثْبِتَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ، حَتَّى إِذَا تُوُفِّيَ أَبُو هُرَيْرَةَ تَذَاكَرْنَا ذَلِكَ، وَتَلَاوَمْنَا أَنْ لَا نَكُونَ كَلَّمْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ حَتَّى يُسْنِدَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ إِنْ كَانَ سَمِعَهُ مِنْهُ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ جَالَسَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ الْحَدِيثَ، وَالَّذِي فَرَّطْنَا فِيهِ مِنْ نَصِّ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْهُ، فقَالَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَإِنِّي آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ مَسْجِدِي آخِرُ الْمَسَاجِدِ».","vol":"3","page":675},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا صَالِحٍ هَلْ سَمِعْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَذْكُرُ فَضْلَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ- أَوْ: كَأَلْفِ صَلَاةٍ- فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ».\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ\n\n[١٣٩٥] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nوَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\n\n[١٣٩٦] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، جَمِيعًا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ امْرَأَةً اشْتَكَتْ شَكْوَى، فقَالَت: إِنْ شَفَانِي اللهُ لَأَخْرُجَنَّ، فَلَأُصَلِّيَنَّ فِي بَيْتِ الْمَقْدِس، فَبَرَأَتْ، ثُمَّ تَجَهَّزَتْ تُرِيدُ الْخُرُوجَ، فَجَاءَتْ مَيْمُونَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- تُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَأَخْبَرَتْهَا ذَلِكَ، فقَالَت:","vol":"3","page":676},{"text":"اجْلِسِي فَكُلِي مَا صَنَعْتِ، وَصَلِّي فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «صَلَاةٌ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ».\nقولها: «فَكُلِي مَا صَنَعْتِ»، يعني: ما أعددت من الطعام.\nوقولها: «وَصَلِّي فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ»، أي: فإنه يكفيك، وقد جاء ما يدل على هذا، ففي السنن: «أَنَّ رَجُلًا قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ إِنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: صَلِّ هَهُنَا، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: صَلِّ ههنا، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: شَأْنُكَ إِذًا» (^١)، فدل على أن من نذر أن يصلي في مكان، ثُمَّ أراد أن ينتقل إلى الأفضل فلا حرج، ومثل هذا- أيضًا-: لو نذر الإنسان أن يذبح شاةً، ثُمَّ أبدلها بخير منها جاز له فعل الأفضل.\nوفي هذا الحديث: فقه ميمونة ﵂؛ لأن هذه المرأة نذرت: «إِنْ شَفَانِي اللهُ لَأَخْرُجَنَّ، فَلَأُصَلِّيَنَّ فِي بَيْتِ الْمَقْدِس»، فقالت لها ميمونة ﵂: صلي في مسجد النبي ﷺ؛ فإنه الأفضل، فأنت تنتقلين من الفاضل إلى الأفضل.\nوفيه: دليل على فضل مسجد النبي ﷺ، وأن الصلاة فيه خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وجاء في حديثٍ آخر: «صَلاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِائَةُ أَلْفِ صَلاةٍ، وَصَلاةٌ فِي مَسْجِدِي أَلْفُ صَلاةٍ، وَفِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَمْسُمِائَةِ صَلاةٍ» (^٢).\nمسألة: اختلف في أيهما أفضل: المسجد الحرام، أو مسجد النبي ﷺ؟\nالقول الأول: الصلاة في مسجد النبي ﷺ أفضل.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٤٦٢٤)، وأبو داود (٣٣٠٥).\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٤١٤٤)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١٥٦٦)، والفاكهي في أخبار مكة (١١٣٢).","vol":"3","page":677},{"text":"القول الثاني - وهو الصواب-: أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل، كما جاء في الأحاديث؛ ولهذا اختلف العلماء في المراد بالاستثناء في قوله: «إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» على حسب اختلافهم في مكة والمدينة أيتهما أفضل.\nقال النووي رحمه الله تعالى: «قوله: عن ميمونة ﵂ إنها أفتت امرأة نذرت الصلاة في بيت المقدس أن تصلي في مسجد النبي ﷺ، واستدلت بالحديث، هذه الدلالة ظاهرة، وهذا حجة لأصح الأقوال في مذهبنا في هذه المسألة، فإنه إذا نذر صلاة في مسجد المدينة، أو الأقصى هل تتعين؟ فيه قولان، الأصح: تتعين، فلا تجزئه تلك الصلاة في غيره، والثاني: لا تتعين، بل تجزئه تلك الصلاة حيث صلى، فإذا قلنا: تتعين، فنذرها في أحد هذين المسجدين، ثُمَّ أراد أن يصليها في الآخر ففيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: يجوز\nالثاني: لا يجوز\nالثالث: - وهو الأصح- إن نذرها في الأقصى جاز العدول إلى مسجد المدينة دون عكسه، والله أعلم» (^١).\nوقال: «قوله ﷺ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ»: اختلف العلماء في المراد بهذا الاستثناء على حسب اختلافهم في مكة والمدينة أيتهما أفضل، ومذهب الشافعي وجماهير العلماء أن مكة أفضل من المدينة، وأن مسجد مكة أفضل من مسجد المدينة، وعكسه مالك وطائفة، فعند الشافعي والجمهور: معناه: إلا المسجد الحرام؛ فإن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في مسجدي، وعند مالك وموافقيه: إلا المسجد الحرام، فإن الصلاة في مسجدي تفضله بدون الألف.\nقال القاضي عياض: أجمعوا على أن موضع قبره ﷺ أفضل بقاع الأرض،\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٩/ ١٦٧).","vol":"3","page":678},{"text":"وأن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض، واختلفوا في أفضلهما» (^١).\nوقول القاضي: «أجمعوا على أن موضع قبره ﵇ أفضل بقاع الأرض» غلط، ولا يوجد فيه إجماع؛ لأن الفضيلة ليست للبقعة، وإنما الفضيلة لجسد النبي ﷺ.\nوالتحقيق في هذا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) لما سئل عن التربة التي دفن فيها النبي ﷺ: هل هي أفضل من المسجد الحرام؟\nفأجاب: «وأما التربة التي دفن فيها النبي ﷺ فلا أعلم أحدًا من الناس قال: إنها أفضل من المسجد الحرام، أو المسجد النبوي، أو المسجد الأقصى، إلا القاضي عياض، فذكر ذلك إجماعًا، وهو قولٌ لم يسبقه إليه أحد فيما علمناه، ولا حجة عليه، بل بدن النبي ﷺ أفضل من المساجد، وأما ما منه خُلق، أو ما فيه دُفن فلا يلزم إذا كان هو أفضل أن يكون ما منه خلق أفضل؛ فإن أحدًا لا يقول: إن بدن عبد الله أبيه أفضل من أبدان الأنبياء، فإن الله يخرج الحي من الميت، والميت من الحي، ونوح نبيٌ كريم، وابنه المغرَق كافر، وإبراهيم خليل الرحمن، وأبوه آزر كافر، والنصوص الدالة على تفضيل المساجد مطلقة لم يُستثنَ منها قبور الأنبياء، ولا قبور الصالحين، ولو كان ما ذكره حقًّا لكان مدفن كل نبي، بل وكل صالح أفضل من المساجد التي هي بيوت الله، فتكون بيوت المخلوقين أفضل من بيوت الخالق التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه» (^٢).\n«وسئل عن رجلين يتجادلان، قال أحدهما: إن تربة النبي محمد ﷺ أفضل من السماوات والأرض، وقال الآخر: الكعبة أفضل، فمع مَن الصوابُ؟ فأجاب: الحمد لله، أما نفس محمد ﷺ فما خلق الله خلقًا أكرم عليه منه،\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٩/ ١٦٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٧/ ٣٧).","vol":"3","page":679},{"text":"وأما نفس التراب فليس هو أفضل من الكعبة بيت الله الحرام، بل الكعبة أفضل منه، ولا يعرف أحد من العلماء فضَّل تراب القبر على الكعبة إلا القاضي عياض، ولم يسبقه أحد إليه، ولا وافقه أحد عليه، والله أعلم» (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٧/ ٣٨).","vol":"3","page":680},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-615>بَابُ لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ</span>\n\n[١٣٩٧] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى».\n[خ: ١١٨٩]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ».\nوَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ أَبِي أَنَسٍ حَدَّثَهُ أَنَّ سَلْمَانَ الْأَغَرَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُخْبِرُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ».\nقوله: «مسجد إِيلِيَاءَ» هو المسجد الأقصى.\nوفي هذه الأحاديث: أنه إذا كان شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة غير جائز فمن باب أولى السفر وشد الرحال إلى القبور والمشاهد.\nومعنى الأحاديث: لا تشد الرحال إلى بقعة للعبادة إلا للمساجد الثلاثة، أما السفر للزيارة، أو للتجارة، أو للسياحة، أو للتعزية، أو لطلب العلم فلا بأس بذلك ومثله لو سافر ليصلي مع فلان.","vol":"3","page":681},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-616>بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى هُوَ مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ</span>\n\n[١٣٩٨] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدٍ الْخَرَّاطِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: مَرَّ بِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: كَيْفَ سَمِعْتَ أَبَاكَ يَذْكُرُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: قَالَ أَبِي: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْمَسْجِدَيْنِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ، فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ قَالَ: «هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا» - لِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ- قَالَ: فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ أَبَاكَ هَكَذَا يَذْكُرُهُ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، قَالَ سَعِيدٌ: أَخْبَرَنا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي سَعِيدٍ، فِي الْإِسْنَادِ.\nقوله: «هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا»، يعني: مسجده ﷺ.\nوأما المسجد المذكور في قوله تعالى: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم﴾، فهو: مسجد قباء، والمعنى: أنه إذا كان مسجد قباء أسس على التقوى فإن مسجد النبي ﷺ من باب أولى وأحرى أنه أسس على التقوى، وهذا لإزالة الوهم.","vol":"3","page":682},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-617>بَابُ فَضْلِ مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَفَضْلِ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَزِيَارَتِهِ</span>\n\n[١٣٩٩] حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَزُورُ قُبَاءً رَاكِبًا وَمَاشِيًا.\n[خ: ١١٩٤]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ.\nقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْتِي قُبَاءً رَاكِبًا وَمَاشِيًا.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو مَعَنِ الرَّقَاشِيُّ زَيْدُ بْنُ يَزِيدَ الثّقَفِيُّ- بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ-، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى الْقَطَّانِ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْتِي قُبَاءً رَاكِبًا وَمَاشِيًا.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْتِي قُبَاءً رَاكِبًا وَمَاشِيًا.\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْتِي قُبَاءً كُلَّ سَبْتٍ، وَكَانَ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ.\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ","vol":"3","page":683},{"text":"ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْتِي قُبَاءً- يَعْنِي: كُلَّ سَبْتٍ- كَانَ يَأْتِيهِ رَاكِبًا وَمَاشِيًا.\nقَالَ ابْنُ دِينَارٍ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ.\nوَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ دِينَارٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: كُلَّ سَبْتٍ.\nفي هذه الأحاديث: استحباب زيارة مسجد قباء والصلاة فيه لمن كان في المدينة، وجاء في الحديث: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءَ، فَصَلَّى فِيهِ صَلَاةً كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ» (^١).\nوفيها: أنه لا بأس بالركوب إذا كان المسجد في نفس البلد.\nوفيها: تسمية الأسبوع باليوم.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٥٥٥١)، والترمذي (٣٢٤)، وابن ماجه (١٤١٢).","vol":"3","page":684},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-618>كِتَابُ النِّكَاحِ</span>","vol":"4","page":3},{"text":"كِتَابُ النِّكَاحِ\n\n[١٤٠٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى-: أَخْبَرَنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بِمِنًى، فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ، فَقَامَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ، فقَالَ: لَهُ عُثْمَانُ: «يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَا نُزَوِّجُكَ جَارِيَةً شَابَّةً لَعَلَّهَا تُذَكِّرُكَ بَعْضَ مَا مَضَى مِنْ زَمَانِكَ؟ قَالَ: فقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ، لَقَدْ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».\n[خ: ٥٠٦٥]\nحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: «إِنِّي لَأَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِمِنًى إِذْ لَقِيَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فقَالَ: هَلُمَّ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: فَاسْتَخْلَاهُ، فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ أَنْ لَيْسَتْ لَهُ حَاجَةٌ قَالَ: قَالَ لِي: تَعَالَ يَا عَلْقَمَةُ قَالَ: فَجِئْتُ، فقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَلَا نُزَوِّجُكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ جَارِيَةً بِكْرًا لَعَلَّهُ يَرْجِعُ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ مَا كُنْتَ تَعْهَدُ؟ فقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ»، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ","vol":"4","page":5},{"text":"بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».\nحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: «دَخَلْتُ أَنَا، وَعَمِّي عَلْقَمَةُ، وَالْأَسْوَدُ، عَلَى عبد الله بن مسعود قَالَ: وَأَنَا شَابٌّ- يَوْمَئِذٍ- فَذَكَرَ حَدِيثًا رُئِيتُ أَنَّهُ حَدَّثَ بِهِ مِنْ أَجْلِي قَالَ: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَزَادَ قَالَ: «فَلَمْ أَلْبَثْ حَتَّى تَزَوَّجْتُ».\nحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «دَخَلْنَا عَلَيْهِ وَأَنَا أَحْدَثُ الْقَوْمِ»، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرْ: «فَلَمْ أَلْبَثْ حَتَّى تَزَوَّجْتُ».\nبعد أن بَوَّب المؤلف ﵀ لأركان الإسلام الخمسة بدأ في كتاب النكاح، وكثير من المؤلفين يذكرون بعد أركان الإسلام الخمسة البيوع، كما فعل البخاري ﵀، إلا أن البخاري ﵀ قدم الحج على الصوم على ما جاء في بعض الروايات: «وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (^١)، ثم ذكر كتاب البيوع، ولكنَّ مسلمًا ﵀ قدم كتاب النكاح، ثم الطلاق، ثم العتق، ثم بعد ذلك بَوَّب للبيوع، وذكر الأحاديث التي فيها.\nوالنكاح لغة: الضم والجمع، يقال: تناكحت الأشجار إذا انضم بعضها إلى بعض، ويطلق النكاح على العقد، ويطلق على الجماع، فإذا قالوا: نكح فلان زوجته أرادو الجماع، وإذا قالوا: نكح فلان بنت فلان أرادو العقد، يعني: عقد عليها.\nوفي هذا الحديث: قصة عثمان بن عفان ﵁، وعبد الله بن مسعود ﵁ أنه استخلاه، وقال: ألا أزوجك يا أبا عبد الرحمن جارية تذكرك ما كنت\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨).","vol":"4","page":6},{"text":"تعهد، وتذكرك ما مضى من زمانك؟\nوفيه: بيان حسن خلق عثمان ﵁، ومداعبته لأصحابه، وهو الخليفة الراشد.\nوقوله: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ»: المعشر: الجماعة.\nوفيه: حث الشباب على الزواج لِما لهم من قوة الشهوة، وكذلك من يحتاج إلى الزواج من غير الشباب يأمرهم بالزواج، ومن لم تعفه الواحدة يأمره أن يتزوج ثانية وثالثة ورابعة؛ قال الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وقد دل هذا على أن الأصل هو التعدد.\nوالزواج فيه مصالح عظيمة، مثل: تحصين النفس، وتحصين الفرج، وتحصين الزوجة، وإيجاد ذرية صالحة تعبد الله، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي ﷺ، فقد قال ﵊: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ» (^١).\nوقول عبدالرحمن بن يزيد: «رُئِيتُ أَنَّهُ حَدَّثَ بِهِ مِنْ أَجْلِي»، أي: ظننت، وفي رواية: رأيت، أي: علمت، وهما صحيحان، والمعنى: أنه ذكر هذا الحديث لكوني شابًّا يريد أن يتزوج.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٠٥٠)، والنسائي (٣٢٢٧).","vol":"4","page":7},{"text":"[١٤٠١] وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ، فقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، فقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا: كَذَا وَكَذَا، لَكِنِّي أُصَلِّي، وَأَنَامُ، وَأَصُومُ، وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي».\n[خ: ٥٠٦٣]\n\n[١٤٠٢] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: «رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا».\n[خ: ٥٠٧٣]\nوحَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «سَمِعْتُ سَعْدًا يَقُولُ: رُدَّ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلُ، وَلَوْ أُذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: «أَرَادَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ أَنْ يَتَبَتَّلَ، فَنَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَوْ أَجَازَ لَهُ ذَلِكَ لَاخْتَصَيْنَا».\nفي هذا الحديث: أن هؤلاء الشباب جاؤوا يريدون أن يسألوا عن عبادة النبي ﷺ في السر، فسألوا أزواج النبي ﷺ، فأخبرنهم أن النبي ﷺ كان يصلي بعض الليل وينام؛ فكان ينام أول الليل ويصلي آخر الليل، وكان يصوم بعض الأيام، ويفطر بعضها، وكان يتمتع بما أحل له الله من الطيبات، فيأكل","vol":"4","page":8},{"text":"اللحم ويتزوج النساء، فأراد هؤلاء الشباب أن يزيدوا على ما كان عليه عمل النبي ﷺ، فقالوا: نبي الله مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أما نحن فما ندري ما حالنا؟ فلا بد أن نزيد؛ فكأنهم قد تَقَالُّوا عبادة النبي ﷺ، أي: رأوها قليلة في أنفسهم، فقال بعضهم: أنا أصلي الليل ولا أنام على الفرش، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ما عشت، ولا أفطر، وقال الآخر: أنا لا أتزوج النساء؛ لأن المرأة قد تشغل الإنسان وتعوقه عن العبادة، فهو لا يريد أن ينقطع، ولا يريد أن يشغل نفسه بالنساء ولا بالأولاد، وقال الآخر: أنا لا آكل اللحم تقشفًا وزهدًا، فلما جاء النبي ﷺ وأُخبر عن حالهم، حمد الله وأثنى عليه على عادته ﵊، ثم قال: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا: كَذَا وَكَذَا»، ولم يقل: فلان وفلان، وجاء في حديث تسميتهم أنهم: علي بن أبي طالب، والمقداد بن الأسود، وجماعة (^١).\nوقوله: «لَكِنِّي أُصَلِّي، وَأَنَامُ، وَأَصُومُ، وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي»: فيه: دليل على أن هذا هو الأفضل، وأنه ليس الأفضل التبتل؛ لأن التبتل معناه: الانقطاع إلى نوع من العبادة، وترك العبادات المتنوعة، وكون الإنسان يتزوج النساء ويقوم بحق الزوجة وينفق على الأولاد ويربيهم؛ فهذه عبادات متنوعة يُفَوِّتها المتبتل، كذلك كون الإنسان يصلي وينام، ويصوم ويفطر بعض الأيام، يتيح له ذلك أن يؤدي بقية العبادات الأخرى ويعطي جسده حقه، ويقابل الضيوف، أو ينفع الناس بشفاعته، أو بتوجيهه وإرشاده، أو ببدنه، أو بماله، وإذا كان يصوم النهار ويقوم الليل فلن يستطيع أن يقوم بهذه العبادات، ويفوت عليه الأكمل، أو ينفق على بعض المحتاجين، أو يوجه ويرشد إذا كان يمتلك أسلوب الإرشاد والتوجيه، أو يدرِّس ويعلِّم، أو يدعو إلى الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ كل هذه عبادات متنوعة تفوت على المتبتل؛ ولهذا بيَّن النبي ﷺ أن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٠٣٧٤).","vol":"4","page":9},{"text":"هذا هو الأكمل وأن هذا هو السنة، وما كان عليه النبي ﷺ هو أكمل من حال هؤلاء الشباب.\nوفيه: أنه رد على عثمان بن مظعون ﵁ التبتل.\nوقوله: «وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا»: الاختصاء هو: قطع الخصيتين، وهذا لا يجوز؛ لما فيه من قطع النسل، لكن في الدواب لا بأس به؛ لأن فيه مصلحة تكثير اللحم وتطييبه.\nوأصل التبتل (^١): الاستمرار في العبادة، كالصلاة، والصيام، وترك العبادات الأخرى، كالزواج، والقيام بالحقوق.\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (١/ ٩٤)، تهذيب اللغة، للأزهري (١٢/ ٧٧).","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-619>بَابُ نَدْبِ مَنْ رَأَى امْرَأَةً فَوَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ فَيُوَاقِعَهَا</span>.\n\n[١٤٠٣] حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: «أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى امْرَأَةً، فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ، وَهِيَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فقَالَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ».\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ أَبِي الْعَالِيَةِ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى امْرَأَةً»، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ وَهِيَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً، وَلَمْ يَذْكُرْ: تُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ».\nوحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ جَابِرٌ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا أَحَدُكُمْ أَعْجَبَتْهُ الْمَرْأَةُ فَوَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ، فَلْيَعْمِدْ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَلْيُوَاقِعْهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ».\nقوله: «تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا»، يعني: تدلك جلد ذبيحة لها.\nوفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ رأى امرأة، فوقع في نفسه شيء، فأتى زوجته زينب، فقضى حاجته منها، يعني: جامعها، وقال: «إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ»، فإذا رأى امرأة مثلا في الشارع فوقع في نفسه شيء من ذلك من الشيطان، فإنه يُستحب له أن يذهب إلى زوجته أو أمتِه ويجامعها، حتى يردَّ ما في نفسه مما أوقعه الشيطان.","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-620>بَابُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَبَيَانِ أَنَّهُ أُبِيحَ، ثُمَّ نُسِخَ، ثُمَّ أُبِيحَ، ثُمَّ نُسِخَ، وَاسْتَقَرَّ تَحْرِيمُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ</span>.\n\n[١٤٠٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَوَكِيعٌ، وَابْنُ بِشْرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلَا نَسْتَخْصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾».\n[خ: ٤٦١٥]\nوَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: «ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا هَذِهِ الْآيَةَ»، وَلَمْ يَقُلْ: «قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: «كُنَّا وَنَحْنُ شَبَابٌ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَسْتَخْصِي؟»، وَلَمْ يَقُلْ: «نَغْزُو».\nفي هذا الحديث: تشريع نكاح المتعة، وقد رُخِّص أن ينكح بالمتعة إلى أجل، ولكنها حُرِّمت، وعبد الله بن مسعود ﵁ لم يبلغه التحريم؛ ولهذا قال: «ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾»، وظاهر هذا- كما سيأتي-: أنه بقي على رأيه، وهو أن نكاح المتعة جائز، ومثله جابر ﵁، وجماعة غيره، يرون جوازه، لم يبلغهم النهي، وسيأتي في الحديث تحريم نكاح المتعة.","vol":"4","page":12},{"text":"[١٤٠٥] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ يُحَدِّثُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَا: «خَرَجَ عَلَيْنَا مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا- يَعْنِي: مُتْعَةَ النِّسَاءِ».\n[خ: ٥١١٨]\nوحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا رَوْحٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْقَاسِمِ- عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَانَا، فَأَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ».\nفي هذا الحديث: بيان تحليل المتعة، وأنها أُحلت في بداية الإسلام للضرورة؛ فقد كان الصحابة ﵃ يذهبون للغزو فتشتد عليهم العزوبة، فأبيح لهم نكاح المتعة، وهو النكاح إلى أجل، ليس فيه عقد ولا ولي، يتفق معها ويعطيها شيئًا من مهر، ثم حُرِّم ذلك.\nوَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ عَطَاء: «قَدِمَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مُعْتَمِرًا، فَجِئْنَاهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَسَأَلَهُ الْقَوْمُ عَنْ أَشْيَاءَ، ثُمَّ ذَكَرُوا الْمُتْعَةَ، فقَالَ: نَعَمِ اسْتَمْتَعَنْا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ».\nفي هذا الحديث: دليل خفي على تحريم المتعة، وهو قوله: «اسْتَمْتَعَنْا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ»، يعني: فعل ذلك مَن لم يعلم بالتحريم، قال: ثم نهانا عمر، كما سيأتي.\nوفيه: أن جابرًا ﵁ قد خفيت عليه النصوص التي فيها تحريم المتعة،","vol":"4","page":13},{"text":"كما خفيت على عبد الله بن مسعود ﵁، والحجة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقَبْضَةِ مِنَ التَّمْرِ، وَالدَّقِيقِ، الْأَيَّامَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، حَتَّى نَهَى عَنْهُ عُمَرُ فِي شَأْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ».\nقوله: «كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقَبْضَةِ مِنَ التَّمْرِ»: يقال: بالقُبضة، ويقال: بالقَبضة، أي: يعطي المرأة أجرة نكاحها إلى أجل، يوم، أو يومين، أو ثلاثة، أو أربعة، أو أسبوع، حتى نهى عنه عمر ﵁، أي: أظهر النهي، ومنع، وأدَّب مَن فعل ذلك، وقد فعله بعض من لم يعلم بالتحريم، أو لم يلتزمه، فألزمهم بترك المتعة، وإلا فالناهي هو الرسول ﷺ.\nحَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ- يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ- عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: «كُنْتُ عَنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَتَاهُ آتٍ، فقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، اخْتَلَفَا فِي الْمُتْعَتَيْنِ، فقَالَ جَابِرٌ: فَعَلْنَاهُمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ نَهَانَا عَنْهُمَا عُمَرُ، فَلَمْ نَعُدْ لَهُمَا».\nقوله: «اخْتَلَفَا فِي الْمُتْعَتَيْنِ»، أي: في متعة الحج ومتعة النساء، ومتعة الحج بأن يحرم بالعمرة، ثم يحرم بالحج من عامه، والمتعة الثانية هي: متعة النساء، وقوله: «فعلناها على عهد النبي ﷺ، ثم نهانا عن ذلك عمر»، فيه دليل على أن جابرًا ﵁ قد خفي عليه التحريم.","vol":"4","page":14},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَيْسٍ عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا».\nفي هذا الحديث: النهي عن المتعة عام أوطاس، وأوطاس: وادٍ بالطائف، حصلت فيه المعركة بعد فتح مكة، وهذا صريح في النهي، وهو من أدلة التحريم.\nوقوله: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا»: فيه دليل على الناسخ والمنسوخ، مثل: قوله ﷺ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» (^١).\n\n[١٤٠٦] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ سَبْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: «أَذِنَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمُتْعَةِ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، كَأَنَّهَا بَكْرَةٌ عَيْطَاءُ، فَعَرَضْنَا عَلَيْهَا أَنْفُسَنَا، فقَالَت: مَا تُعْطِي؟ فَقُلْتُ: رِدَائِي، وَقَالَ صَاحِبِي: رِدَائِي، وَكَانَ رِدَاءُ صَاحِبِي أَجْوَدَ مِنْ رِدَائِي، وَكُنْتُ أَشَبَّ مِنْهُ، فَإِذَا نَظَرَتْ إِلَى رِدَاءِ صَاحِبِي أَعْجَبَهَا، وَإِذَا نَظَرَتْ إِلَيَّ أَعْجَبْتُهَا، ثُمَّ قَالَت: أَنْتَ وَرِدَاؤُكَ يَكْفِينِي، فَمَكَثْتُ مَعَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ كَانَ عَنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ الَّتِي يَتَمَتَّعُ، فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا».\nحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُفَضَّلٍ- حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ: «أَنَّ أَبَاهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتْحَ مَكَّةَ قَالَ: فَأَقَمْنَا بِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ، فَأَذِنَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٧٧).","vol":"4","page":15},{"text":"قَوْمِي، وَلِي عَلَيْهِ فَضْلٌ فِي الْجَمَالِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الدَّمَامَةِ، مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا بُرْدٌ، فَبُرْدِي خَلَقٌ، وَأَمَّا بُرْدُ ابْنِ عَمِّي فَبُرْدٌ جَدِيدٌ غَضٌّ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَسْفَلِ مَكَّةَ أَوْ بِأَعْلَاهَا، فَتَلَقَّتْنَا فَتَاةٌ مِثْلُ الْبَكْرَةِ الْعَنَطْنَطَةِ، فَقُلْنَا: هَلْ لَكِ أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنْكِ أَحَدُنَا؟ قَالَت: وَمَاذَا تَبْذُلَانِ؟ فَنَشَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بُرْدَهُ، فَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، وَيَرَاهَا صَاحِبِي تَنْظُرُ إِلَى عِطْفِهَا، فقَالَ: إِنَّ بُرْدَ هَذَا خَلَقٌ، وَبُرْدِي جَدِيدٌ غَضٌّ، فَتَقُولُ: بُرْدُ هَذَا لَا بَأْسَ بِهِ- ثَلَاثَ مِرَارٍ، أَوْ مَرَّتَيْنِ-، ثُمَّ اسْتَمْتَعْتُ مِنْهَا، فَلَمْ أَخْرُجْ حَتَّى حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ».\nوحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ، حَدَّثَنِي الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ»، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ بِشْرٍ، وَزَادَ: «قَالَت: وَهَلْ يَصْلُحُ ذَاكَ؟ !»، وَفِيهِ قَالَ: «إِنَّ بُرْدَ هَذَا خَلَقٌ مَحٌّ».\nقوله: «كَأَنَّهَا بَكْرَةٌ»، أي: شابة جميلة، والبكرة الفتية من الإبل.\nوقوله: «عَيْطَاءُ»، يعني: طويلة العنق باعتدال واستقامة، وكذلك العَنَطْنَطَةُ.\nقوله: «خَلَقٌ»: بفتحتين، أي: بالٍ.\nفي هذا الحديث: دليل على أن المتعة أُبيحت، ثم حُرِّمت بقوله ﷺ: «مَنْ كَانَ عَنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ الَّتِي يَتَمَتَّعُ، فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا» وقوله: «فَلَمْ أَخْرُجْ حَتَّى حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ».\nوفيه: أنه ليس في المتعة ولي ولا شهود، وأن المتعة نكاح إلى أجل، فقد مكث معها ثلاثًا.\nوفيه: بيان إباحة المتعة، وبيان تحريمها، وأنها حرمت في مكة.\nوجاء في الحديث الآخر: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ».","vol":"4","page":16},{"text":"والمقصود: أن المتعة حرام الآن، فهي حرام إلى يوم القيامة، وهذا قد أجمع عليه العلماء (^١)، ولم يخالف فيه إلا الشيعة الرافضة؛ فإنهم لا يزالون على إباحتها.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنِي الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ: أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ: «أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ كَانَ عَنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَه، وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ وَهُوَ يَقُولُ» بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمُتْعَةِ عَامَ الْفَتْحِ حِينَ دَخَلْنَا مَكَّةَ، ثُمَّ لَمْ نَخْرُجْ مِنْهَا حَتَّى نَهَانَا عَنْهَا».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي رَبِيعَ بْنَ سَبْرَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ: «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّمَتُّعِ مِنَ النِّسَاءِ قَالَ: فَخَرَجْتُ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، حَتَّى وَجَدْنَا جَارِيَةً مِنْ بَنِي عَامِرٍ، كَأَنَّهَا بَكْرَةٌ عَيْطَاءُ، فَخَطَبْنَاهَا إِلَى نَفْسِهَا، وَعَرَضْنَا عَلَيْهَا بُرْدَيْنَا، فَجَعَلَتْ تَنْظُرُ، فَتَرَانِي أَجْمَلَ مِنْ صَاحِبِي، وَتَرَى بُرْدَ صَاحِبِي أَحْسَنَ مِنْ بُرْدِي، فَآمَرَتْ نَفْسَهَا سَاعَةً، ثُمَّ اخْتَارَتْنِي عَلَى صَاحِبِي، فَكُنَّ مَعَنَا\n_________\n(^١) الإقناع، لابن القطان (٢/ ١٦).","vol":"4","page":17},{"text":"ثَلَاثًا، ثُمَّ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِفِرَاقِهِنَّ».\nحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ: «أَنّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ: «أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى يَوْمَ الْفَتْح عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ».\nوَحَدَّثَنِيهِ حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِح، أَخْبَرَنا ابْنُ شِهَابٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ زَمَانَ الْفَتْحِ، مُتْعَةِ النِّسَاءِ، وَأَنَّ أَبَاهُ كَانَ تَمَتَّعَ بِبُرْدَيْنِ أَحْمَرَيْنِ».\nفي هذا الحديث: تصريح أن المحرِّم للمتعة هو رسول الله ﷺ، وليس عمر ﵁، ويحمل ما سبق على أن المعنى: أن عمر ﵁ أظهر التحريم ونفَّذه؛ لكون بعض الناس لم يعلم بذلك، ولم يمتثل، وهذا مثل ما ثبت في الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ» (^١)، وفي الحديث الآخر قال ﵊: «اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَجَعَلَهَا حَرَامًا وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ» (^٢)، ومعنى أن إبراهيم ﵇ حرم مكة، وأن النبي ﷺ حرم المدينة: أنهما أظهرا تحريمهما، وإلا فالمحرِّم هو الله ﷿.\nوفي هذا الحديث: أن الحُجاج كانوا متوافرين، والنبي ﷺ قد أعلن تحريم المتعة في موسم الحج.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣١٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٣٧٤).","vol":"4","page":18},{"text":"وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَامَ بِمَكَّةَ، فقَالَ: إِنَّ نَاسًا أَعْمَى اللَّهُ قُلُوبَهُمْ كَمَا أَعْمَى أَبْصَارَهُمْ يُفْتُونَ بِالْمُتْعَةِ، يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ فَنَادَاهُ، فقَالَ: إِنَّكَ لَجِلْفٌ جَافٍ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَتِ الْمُتْعَةُ تُفْعَلُ عَلَى عَهْدِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ، يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَجَرِّبْ بِنَفْسِكَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَهَا لَأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكَ».\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ بْنِ سَيْفِ اللَّهِ: «أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ جَالِسٌ عَنْدَ رَجُلٍ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَاهُ فِي الْمُتْعَةِ، فَأَمَرَهُ بِهَا، فقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ: مَهْلًا! قَالَ: مَا هِيَ؟ ! وَاللَّهِ لَقَدْ فُعِلَتْ فِي عَهْدِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ، قَالَ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ: إِنَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِمَنِ اضْطُرَّ إِلَيْهَا كَالْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، ثُمَّ أَحْكَمَ اللَّهُ الدِّينَ، وَنَهَى عَنْهَا».\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي رَبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ: «أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: قَدْ كُنْتُ اسْتَمْتَعْتُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً مِنْ بَنِي عَامِرٍ بِبُرْدَيْنِ أَحْمَرَيْنِ، ثُمَّ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُتْعَةِ».\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: «وَسَمِعْتُ رَبِيعَ بْنَ سَبْرَةَ يُحَدِّثُ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَنَا جَالِسٌ».\nفي هذا الحديث: أن عبد الله بن الزبير ﵁- وكان واليًا على مكة- قال: «إن ناسًا أعمى الله قلوبهم، كما أعمى بصائرهم» أي: عبد الله بن عباس ﵄، وهذه مبالغةٌ من ابن الزبير ﵄، وشدةٌ، حمله عليها الخصومةُ، وإلا فابن عباس ﵄ ممن نوَّر الله بصيرته وعلَّمه التأويل، ولكنه غلط في هذه المسألة، ولكُلِّ جواد كبوة، وقيل: إن ابن عباس ﵄ رجع عن الفتوى بحلِّ المتعة (^١)،\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٢٥٩).","vol":"4","page":19},{"text":"ولما قال ابن الزبير ما قال رد عليه ابن عباس بقوله: «إِنَّكَ لَجِلْفٌ جَافٍ»، وهذه مقابلة بالمثل، وإلا فابن الزبير ﵄ ليس جافيًا، وليس قليل الفهم والعلم والأدب، بل هو عالم فاضل مؤدب، لكن الخصومة تحمل على مثل هذا الكلام.\nوقوله: «فَلَعَمْرِي»: هذا تأكيد للكلام، وليس قسمًا.\nوحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي عَبْلَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ عَنْ أَبِيهِ: «أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، وَقَالَ: أَلَا إِنَّهَا حَرَامٌ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَانَ أَعْطَى شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ».\n\n[١٤٠٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْحَسَنِ- ابْنَي مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ- عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: «أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ».\n[خ: ٤٢١٦]\nوَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ لِفُلَانٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ تَائِهٌ، نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»، بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الْحَسَنِ، وَعَبْدِ اللَّهِ- ابْنَي مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ- عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ عَلِيٍّ: «أَنّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الْحَسَنِ، وَعَبْدِ اللَّهِ- ابْنَي مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ- عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ عَلِيٍّ: «أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُلَيِّنُ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ، فقَالَ: مَهْلًا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ».","vol":"4","page":20},{"text":"وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الْحَسَنِ، وَعَبْدِ اللَّهِ- ابْنَي مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- عَنْ أَبِيهِمَا: «أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ».\nقوله: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ»، يعني: أن عليًّا ﵄ جمع بينهما بالخبر، وإن كان وقت تحريم كل منهما مختلفًا عن الآخر، فتحريم لحوم الحمر الإنسية كان يوم خيبر، وتحريم المتعة كان في غزوة الفتح على الصحيح (^١).\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (٩/ ١٦٨ - ١٧١).","vol":"4","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-621>بَابُ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، أَوْ خَالَتِهَا فِي النِّكَاحِ</span>.\n\n[١٤٠٨] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعَنْبِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا».\n[خ: ٥١٠٩]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: نَهَى عَنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُنَّ: الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَالْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا».\n\n[١٤٠٧] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعَنْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ- قَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: مَدَنِيٌّ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ وَلَدِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ- عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُنْكَحُ الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ الْأَخِ، وَلَا ابْنَةُ الْأُخْتِ عَلَى الْخَالَةِ».\n\n[١٤٠٨] وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ الْكَعْبِيُّ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَجْمَعَ الرَّجُلُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا».\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: «فَنُرَى خَالَةَ أَبِيهَا، وَعَمَّةَ أَبِيهَا، بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ».\nوحَدَّثَنِي أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى: أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا عَلَى خَالَتِهَا».\nوحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»، بِمِثْلِهِ.","vol":"4","page":22},{"text":"في هذه الأحاديث: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، والتحريم جاء فيها بصيغتين:\nالصيغة الأولى: قول النبي ﷺ «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا».\nوالصيغة الثانية هي: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَجْمَعَ الرَّجُلُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا»، والنهي للتحريم؛ فلا يجمع بين بنت الأخ والعمة، ولا بين بنت الأخت والخالة، فإذا كان معه زوجة فلا يتزوج عليها عمتها ولا خالتها، وإذا وقع عقد بينهما في وقت واحد بطل العقد، وسواء كانت العمة عمة الأب، أو عمة الجد، أو عمة أبي الجد، وكذلك الخالة، سواء كانت خالة الأم، أو خالة الجدة، أو خالة أم الجدة، كما قال ابن شهاب، وهو الصواب.\nوالحكم واحد، سواء كان من النسب، أو من الرضاع؛ لقول النبي ﷺ: «يَحْرُمُ مِنِ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنِ النَّسَبِ» (^١).\nوسواء جمع بينهما بعقد النكاح أو بملك اليمين؛ لعموم الحديث.\nوهذا الحكم- وهو النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها، أو خالتها- مما استقلت به السنة، ولم يرد في القران الكريم، وهو مخصِّص لقوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾؛ فإن الله تعالى لما ذكر المحرمات من النساء قال: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم﴾، ثم قال: ﴿والمحصنات من النساء﴾، ثم قال: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾، ولم تَذْكر الآية الجمع بين المرأة وعمتها.\nوالأحكام التي جاءت في السنة لها ثلاث حالات:\nالحالة الأولى: أن تأتي السنة موافقة ومقررة ومؤيدة لما جاء حكمه في القرآن العزيز، كوجوب الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج ... إلخ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٤٥)، ومسلم (١٤٤٧).","vol":"4","page":23},{"text":"الحالة الثانية: أن يأتي الحكم في القرآن مجملًا، ثم تأتي السنة بتفصيله، أو عامًّا، ثم تأتي السنة بتخصيصه، أو مطلقًا، ثم تأتي السنة بتقييده، كتفصيل بيان الصلوات الخمس وأوقاتها وعدد ركعاتها، وفي الزكاة كبيان الحول والأنصباء ... إلخ.\nالحالة الثالثة: أن تُنشِئَ السنة أحكامًا جديدة ليست في القرآن، كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، وتحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير ... إلخ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا عَلَى خَالَتِهَا، وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ صَحْفَتَهَا وَلْتَنْكِحْ؛ فَإِنَّمَا لَهَا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهَا».\nوحَدَّثَنِي مُحْرِزُ بْنُ عَوْنِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، أَوْ خَالَتِهَا، أَوْ أَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ مَا فِي صَحْفَتِهَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ رَازِقُهَا».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- وَابْنِ نَافِعٍ قَالُوا: أَخْبَرَنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا».\nوحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nفي هذا الحديث: النهي عن سَوْم الرجل على سَوْم أخيه، فلا يسوم على","vol":"4","page":24},{"text":"سومه إذا ركن إلى السوم، فإذا سام شخص السلعة بمائة، ثم سكت البائع، فمعناه: أنه ركن إلى هذا، فلا يسوم أحد عليه؛ أما إذا قال: من يزيد؟ فمعناه: أنه لم يرض بالسوم، فلا بأس- حينئذٍ- بالسوم على السوم الأول.\nوقوله: «وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ صَحْفَتَهَا وَلْتَنْكِحْ؛ فَإِنَّمَا لَهَا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهَا»، يعني: إذا خطب رجل امرأة فإن أهل المخطوبة يقولون: لا بأس أن نزوجك، بشرط أن تطلق زوجتك الأولى وأم أولادك، وهذا حرام عليهم، بل إما أن يزوجوه، أو يردوه، أما أن يشترطوا طلاق زوجته الأولى فهذا لا يجوز؛ سواء قالته المخطوبة، أو وليها، وإنما يفعلون ذلك حتى يكون لها ما كان للأولى من العِشرة والنفقة، وعليهم ألا يفعلوا ذلك؛ فإن لها ما قُدِّر لها، وفي اللفظ الآخر في الحديث: «فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ رَازِقُهَا»، وقد جعل هذا بعضَ الناس يلجَؤُون إلى بعض الحيل، فيطلق زوجته الأولى، فإذا عقد له على الجديدة راجع الأولى، وهذا بسبب هذا الشرط.","vol":"4","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-622>بَابُ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ، وَكَرَاهَةِ خِطْبَتِهِ</span>\n\n[١٤٠٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَ طَلْحَةَ بْنَ عُمَرَ بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يَحْضُرُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَمِيرُ الْحَجِّ، فقَالَ أَبَانُ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَح، ولَا يَخْطُبُ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ، حَدَّثَنِي نُبَيْهُ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: «بَعَثَنِي عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ، وَكَانَ يَخْطُبُ بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ عَلَى ابْنِهِ، فَأَرْسَلَنِي إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ- وَهُوَ عَلَى الْمَوْسِمِ- فقَالَ: أَلَا أُرَاهُ أَعْرَابِيًّا؟ إِنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَنْكِح، ولَا يُنْكَح، أَخْبَرَنا بِذَلِكَ عُثْمَانُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».\nفي هذا الحديث: تحريم نكاح المحرم، فقوله: «لا ينكِح»، يعني: لا يَعْقِد النكاح لنفسه، وقوله: «لا يُنكِح»، يعني: لا يَعْقِد النِّكاحَ لغيره، بأن يَعْقِد الزواج لابنته، أو أخته، وسواء كان المُحرم الزوج، أو الزوجة، أو العاقد، أو الشاهد، فكل منهم ليس له ذلك، فالرجل ليس له أن يتزوج وهو محرم، والمرأة ليس لها أن تتزوج وهي محرمة، والولي ليس له أن يَعْقِد النكاح وهو محرم.\nولا يخطب- أيضًا- لأن الخطبة وسيلة إلى النكاح، كما أن العقد وسيلة إلى الجماع، وهما محرَّمان على الْمُحْرِم.\nوالنهي هنا يقتضي الفساد، فإذا تزوج يكون العقد فاسدًا، لكن ليس عليه فدية، ويجدد العقد بعد التحلل من الإحرام.","vol":"4","page":26},{"text":"قوله: «أَلَا أُرَاهُ أَعْرَابِيًّا»، أي: أظنه أعرابيًّا؛ لأن الغالب أن الأعراب لا يعرفون الأحكام الشرعية؛ ومعنى كلامه: كيف يطلبون أن أَحْضُر زواجًا ونحن في موسم الحج مُحْرِمون؟ ! كأنه أعرابي جاهل لا يفهم أن المحرم لا يَنكح ولا يُنكح.\nوأهل البادية لبعدهم عن الذكر وعن سماع المواعظ يحصل عندهم جفاء وجهل؛ ولهذا قال الله تعالى فيهم: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾؛ وقد جاء في الحديث: «وَلَا يَؤُمَّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا» (^١)، وإن كان فيه بعض الضعف (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٠٨١)، والبيهقي في الكبرى (٥٥٧٠).\n(^٢) قال البيهقي- بعد إخراجه للحديث-: «عبد الله بن محمد هو العدوي (يعني: أحد رواته) منكر الحديث، لا يُتابَع في حديثه، قاله محمد بن إسماعيل البخاري».","vol":"4","page":27},{"text":"وحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى. ح، وحَدَّثَنِي أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ مَطَرٍ، وَيَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَح، ولَا يَخْطُبُ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عُثْمَانَ- يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ- قَالَ: «الْمُحْرِمُ لَا يَنْكِح، ولَا يَخْطُبُ».\nحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ: أَرَادَ أَنْ يُنْكِحَ ابْنَهُ طَلْحَةَ بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرٍ فِي الْحَجِّ، وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ- يَوْمَئِذٍ- أَمِيرُ الْحَاجِّ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانٍ إِنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أُنْكِحَ طَلْحَةَ بْنَ عُمَرَ، فَأُحِبُّ أَنْ تَحْضُرَ ذَلِكَ، فقَالَ لَهُ أَبَانُ: أَلَا أُرَاكَ عِرَاقِيًّا جَافِيًا؟ إِنِّي سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ».\nقوله: «أَلَا أُرَاكَ عِرَاقِيًّا جَافِيًا؟»: قال النووي: «هكذا هو في جميع نسخ بلادنا: عراقيًّا، وذكر القاضي: أنه وقع في بعض الروايات: «عراقيًّا»، وفي بعضها: «أعرابيًّا»، قال: وهو الصواب، أي: جاهلًا بالسنة، والأعرابي: هو ساكن البادية، قال: وعراقيًّا هنا خطأ إلا أن يكون قد عرف من مذهب أهل الكوفة- حينئذٍ- جواز نكاح المحرم فيصح عراقيًّا، أي: آخذًا بمذهبهم في هذا جاهلًا بالسنة، والله أعلم». (^١)\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٩/ ١٩٦ - ١٩٧).","vol":"4","page":28},{"text":"[١٤١٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ».\n[خ: ١٨٣٧]\nزَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ: فَحَدَّثْتُ بِهِ الزُّهْرِيَّ، فقَالَ: أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ: «أَنَّهُ نَكَحَهَا وَهُوَ حَلَالٌ».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ».\n\n[١٤١١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو فَزَارَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ: «أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ» قَالَ: «وَكَانَتْ خَالَتِي وَخَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ».\nفي هذا الحديث: أن ابن عباس ﵄ غلط ووهم في هذه المسألة، فقال: إن النبي ﷺ تزوج ميمونة ﵂ وهو محرم، والصواب: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال، وميمونة نفسها- وهي صاحبة القصة- أخبرَت أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال، وكذلك أبو رافع ﵁- وكان السفير بينها وبين النبي ﷺ- أخبر أنه تزوجها وهو حلال، وكذلك يزيد بن الأصم- وميمونة خالته كما أنها خالة ابن عباس ﵄- أخبر بذلك، فدل هذا على أن ابن عباس ﵄ وَهِم، وقد كان صغيرًا في ذلك الوقت.\nومن العلماء من تأول الحديث، وقالوا: إن معنى تزوجها وهو محرم، يعني: وهو داخل الحرم، ومن كان داخل الحرم يقال له: محرم (^١).\n_________\n(^١) الشافي في شرح مسند الشافعي، لابن الأثير (٣/ ٣٥٢)، مرقاة المفاتيح، للمباركفوري (٩/ ٣٥٥).","vol":"4","page":29},{"text":"وقد استدل بهذا الحديث أبو حنيفة وأهل الكوفة (^١) على جواز نكاح المحرم، وقالوا: إنه لا بأس به، والصواب: أن هذا وهمٌ، ولو سلَّمْنا بصحته فيجاب عنه بأحد وجهين:\nالأول: أن النهي هنا للتنزيه.\nالثاني: أن هذا من خصوصيات النبي ﷺ.\n_________\n(^١) المبسوط، للسرخسي (٤/ ١٩١).","vol":"4","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-623>بَابُ تَحْرِيمِ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَأْذَنَ أَوْ يَتْرُكَ</span>.\n\n[١٤١٢] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْح، أَخْبَرَنا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا يَخْطُبْ بَعْضُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ بَعْضٍ».\n[خ: ٥١٤٢]\nوحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\n\n[١٤١٣] وحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: نَهَى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، أَوْ يَتَنَاجَشُوا، أَوْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، أَوْ يَبِيعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ مَا فِي إِنَائِهَا، أَوْ مَا فِي صَحْفَتِهَا».\nزَادَ عَمْرٌ وَفِي رِوَايَتِهِ: «وَلَا يَسُمِ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ».\nوحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِعِ الْمَرْءُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا يَخْطُبِ الْمَرْءُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ الْأُخْرَى لِتَكْتَفِئَ مَا فِي إِنَائِهَا».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى. ح، وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ","vol":"4","page":31},{"text":"رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعًا عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ: «وَلَا يَزِدِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَسُمِ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَتِهِ».\nوحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْعَلَاءِ، وَسُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: «عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَخِطْبَةِ أَخِيهِ».\n\n[١٤١٤] وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنِ اللَّيْثِ، وَغَيْرِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ- عَلَى الْمِنْبَرِ- يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ، فَلَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ».\nقوله: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» وفي الرواية الأخرى: «فَلَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ»: كأن يقول لمن اشترى سلعة من شخص بمائة- وهو في مدة الخيار-: رُدَّ السلعةَ، وأنا أبيعك أحسن منها بأقل من ثمنها.\nوقوله: «حَتَّى يَذَرَ»، أي: حتى يترك.\nوقوله: «وَلَا يَخْطُبْ بَعْضُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ بَعْضٍ»: خَطَبَ يَخْطُبُ بفتح الطاء في الماضي، وضمها في المضارع، سواء أُرِيدَ به خُطبةُ الموعظة، أو خِطبةُ النكاح، أما المصدر فهو الخِطبة بكسر الخاء في خِطبة النكاح، وبضمها في خُطبة الموعظة.","vol":"4","page":32},{"text":"وفي هذا الحديث: أنه لا يخطب المسلم على خطبة أخيه؛ لأنه يؤدي إلى الشحناء، وفي اللفظ الآخر: «إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ»، أي: إلا أن يأذن الخاطب الأول، أو أن يرده أهل المخطوبة، فإذا ردوه فلا بأس بذلك، والأصل في النهي التحريم.\nقال النووي ﵀: «هذه الأحاديث ظاهرة في تحريم الخطبة على خطبة أخيه، وأجمعوا على تحريمها إذا كان قد صرح للخاطب بالإجابة، ولم يأذن ولم يترك، فلو خطب على خطبته وتزوج- والحالة هذه- عصى وصح النكاح ولم يُفسخ، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور» (^١).\nمسألة في: حكم خطبة المسلم كتابيةً علم خطبتها لكتابي قبله:\nيجوز للمسلم- وقد علم أن كتابية خطبها كتابي قبله- أن يخطبها عليه، ولكن النووي ﵀ يرى أنه ليس للمسلم ذلك؛ لأن كلمة (أَخِيه) خرجت مخرج الغالب، ولأن النهي إنما جاء لما يؤدي إليه ذلك من العداوة والبغضاء، والعداوة بيننا وبين اليهود لا شك باقية، إلا إذا قيل من جهة أن بيننا وبينهم عقدًا وعهدًا، فلا ينبغي أن يكون بيننا وبينهم عداوة (^٢).\nوالصواب: الجواز لأن المسلم أولى من الكتابي بخطبتها.\nقوله: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: نَهَى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ»: هو أن يأتي رجل من خارج البلد معه سلعة يريد أن يبيعها بسعر يومها، ثم يأتي رجل من أهل البلد، فيقول: أعطني السلعة أنا أبيعها لك، فليس له ذلك؛ لأن الذي قَدِم البلد يريد أن يبيعها بسعر يومها برخص للناس، وهذا الذي جاء من البلد يريد أن يبيعها ليشدد على الناس، فيبيعها بثمن غالٍ، ولا يجوز له ذلك.\nوالمراد بالبادي: من يَقْدُم إلى البلد، سواء كان من البادية أو من غيرها، والمراد بالحاضر: من كان بالبلد.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٩/ ١٩٧).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٩/ ١٩٩).","vol":"4","page":33},{"text":"لكن إذا جاء البادي وقال لفلان: بعها لي، ففي هذه الحالة لا بأس؛ لأنه هو الذي أراد أن يترك السلعة عنده.\nوقوله: «أَوْ يَتَنَاجَشُوا»، الناجش: هو الذي يزيد في السلعة ولا يريد شراءَها، بل يريد أن يضر المشتري، أو ينفع البائع، فلا يجوز له ذلك؛ لأن هذا يؤدي إلى الشحناء والعداوة.","vol":"4","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-624>بَابُ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الشِّغَارِ وَبُطْلَانِهِ</span>.\n\n[١٤١٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ، عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ».\n[خ: ٥١١٢]\nوحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: «قُلْتُ لِنَافِعٍ: مَا الشِّغَارُ؟».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّرَّاجِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الشِّغَارِ».\nوحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ».\n\n[١٤١٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر، وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الشِّغَارِ».\nزَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ: «وَالشِّغَارُ: أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ، وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي، أَوْ زَوِّجْنِي أُخْتَكَ، وَأُزَوِّجُكَ أُخْتِي».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ- وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ- بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ زِيَادَةَ ابْنِ نُمَيْرٍ.\n\n[١٤١٧] وحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَال ابْنُ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الشِّغَارِ».","vol":"4","page":35},{"text":"أصل الشغار: الخلو، من قوله: شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول. وشغرت المرأة إذا رفعت رجلها في الجماع. ويقال: شغر البلد إذا لم يكن له والٍ. ووظائف شاغرة، أي: خالية.\nفي هذا الحديث: تحريم نكاح الشغار، والشغار- كما قال ابن نمير-: «أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ، وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي، أَوْ زَوِّجْنِي أُخْتَكَ، وَأُزَوِّجُكَ أُخْتِي»، بمعنى: أن يجعل بضع هذه مهرًا لهذه، وبضع هذه مهرًا لهذه، حتى لو كان بينهما صداق، ما دام قد اشترط: لا أزوجك حتى تزوجني، أما تفسير نافع للشغار: بـ «أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ، عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ» فهذا ضعيف، وليس بوجيه؛ والصواب: تفسير ابن نمير.\nوالحكمة من هذا النهي: أن فيه ظلمًا للمرأة؛ لأن الإنسان- حينئذٍ- لا ينظر إلَّا إلى مصلحة نفسه، يقول: لا أزوجك حتى تزوجني، وقد يزوجها من يكبرها في السن وهي لا ترضى به؛ من أجل أن يزوجه الثاني بنته، أو أخته.\nوالشغار حرام؛ لما فيه من ظلم المرأة، والعقد فاسد، فيجب أن يفرق بينهما، إلا إذا صارت كل زوجة راضية بزوجها، فيجدد العقد وتستحق المرأة مهرًا جديدًا.","vol":"4","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-625>بَابُ الْوَفَاءِ بِالشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ</span>\n\n[١٤١٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَحَقَّ الشَّرْطِ أَنْ يُوفَى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ».\nهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ الْمُثَنَّى، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ الْمُثَنَّى قَالَ: «الشُّرُوطِ».\n[خ: ٢٧٢١]\nقوله: «إِنَّ أَحَقَّ الشَّرْطِ أَنْ يُوفَى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ»: لأنه قد أحل للإنسان فرج المرأة بالمهر والشروط، فإذا شرطت عليه شرطًا معينًا فيجب أن يفي به؛ فلو شرطت عليه أن لا يخرجها من بلدها، أو أن لا يتزوج عليها، فلا بد أن يفي به، وإن لم يفِ به فلها الخيار.","vol":"4","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-626>بَابُ اسْتِئْذَانِ الثَّيِّبِ فِي النِّكَاحِ بِالنُّطْقِ، وَالْبِكْرِ بِالسُّكُوتِ</span>\n\n[١٤١٩] حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: «أَنْ تَسْكُتَ».\n[خ: ٥١٣٦]\nوحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ. ح، وحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنا عِيسَى- يَعْنِي: ابْنَ يُونُسَ- عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ. ح، وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ. ح، وحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ هِشَامٍ، وَإِسْنَادِهِ، وَاتَّفَقَ لَفْظُ حَدِيثِ هِشَامٍ، وَشَيْبَانَ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.\n\n[١٤٢٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: قَالَ ذَكْوَانُ- مَوْلَى عَائِشَةَ-: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْجَارِيَةِ يُنْكِحُهَا أَهْلُهَا، أَتُسْتَأْمَرُ أَمْ لَا؟ فقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ، تُسْتَأْمَرُ، فقَالَت عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّهَا تَسْتَحْيِي، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَذَلِكَ إِذْنُهَا إِذَا هِيَ سَكَتَتْ».\n[خ: ٦٩٤٦]\n\n[١٤٢١] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا","vol":"4","page":38},{"text":"مَالِكٌ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا قَالَ: نَعَمْ».\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ يُخْبِرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا، وَرُبَّمَا قَالَ: وَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا».\nفي هذه الأحاديث: أنه لا بد من أخذ إذن المرأة في الزواج، سواء كانت ثيبًا، أو بكرًا، لكن إذا كانت ثيبًا فإنها تُستأمَر وتتكلم؛ لأن ممارستها للرجل واختلاطها به أزال عنها كمال الحياء، أما البكر التي لم تتزوج فيكفي سكوتها، وإن ضحكت، أو بكت، فهو- أيضًا- إذن؛ لأنه من الممكن أن يكون بكاؤها حياءً وضحكها حياءً- أيضًا.\nوقال ابن حزم: «كل ثيب فإذنها في نكاحها لا يكون إلا بكلامها بما يعرف به رضاها، وكل بكر فلا يكون إذنها في نكاحها إلا بسكوتها، فإن سكتت فقد أذنت ولزمها النكاح، فإن تكلمت بالرضا، أو بالمنع أو غير ذلك فلا ينعقد بهذا نكاح عليها» (^١)، وهذا من جمود الظاهرية، جمدوا في الفروع وأوَّلوا الأصول، والعكس كان بهم أحسن.\n_________\n(^١) المحلى، لابن حزم (٩/ ٤٧١).","vol":"4","page":39},{"text":"وفي لفظ آخر: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» (^١)، وهو صريح في أن البكر يستأذنها أبوها، وغير الأب من باب أولى.\nوفي هذه المسألة قولان للعلماء:\nالقول الأول: ذهب الأحناف والمالكية وقول عند الحنابلة: أن للأب أن يجبر البكر، ولا يستأذنها، قالوا: لأنه كامل الشفقة بها، فيكون الاستئذان مستحبًّا وليس واجبًا (^٢)، وألحق الحنابلة بالأب الجد- أيضًا- وما عدا الأب من الأولياء فمحل اتفاق أنه لا بد أن يستأذنها، وأما الثيب فلا بد أن يستأذنها وليها سواء كان أبوها أو غيره بالاتفاق.\nالقول الثاني: مذهب الشافعي وهو الصواب: أنه يجب الاستئذان في البكر والثيب على السواء (^٣)، وهو اختيار سماحة شيخنا، قال ابن القيم ﵀: «... إن البكر البالغة العاقلة الرشيدة لا يتصرف أبوها في أقل شيء من مالها إلا برضاها، ولا يجبرها على إخراج اليسير منه بدون رضاها، فكيف يجوز أن يرقَّها، ويُخرج بُضْعَها منها بغير رضاها إلى من يريده هو، وهي من أكره الناس فيه، وهو أبغض شيء إليها؟ ! ومع هذا فينكحها إياه قهرًا بغير رضاها إلى من يريده، ويجعلها أسيرة عنده» (^٤).\nمسألة: في اشتراط الولي في النكاح قولان:\nالقول الأول: مذهب الجماهير أنه لا يصح النكاح إلا بولي (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٢١).\n(^٢) فتح القدير، لابن الهمام (٣/ ٢٦١)، المدونة، لمالك (٢/ ١٠٠)، الإنصاف، للمرداوي (٨/ ٥٤ - ٥٥).\n(^٣) النجم الوهاج، للدميري (٧/ ٧٠ - ٧١).\n(^٤) زاد المعاد، لابن القيم (٥/ ٨٩).\n(^٥) الرسالة، لابن أبي زيد القيرواني (ص ٨٩)، المجموع، للنووي (١٦/ ١٤٦)، المغني، لابن قدامة (٧/ ٦).","vol":"4","page":40},{"text":"القول الثاني: مذهب الأحناف وأهل الكوفة إلى أنه يصح نكاح المرأة بدون ولي (^١)، واستدلوا بأن الأيم أحق بنفسها من وليها، أي: أن لها أن تزوج نفسها بدون ولي، وقالوا: هذا دليل على عدم وجوب الولي، وأنه يجوز لها أن تزوج نفسها، أو أن توكِّل أحدًا يزوجها، وهذا قول ضعيف، بل باطل؛ فقد جاء في الأحاديث الصحيحة أنه لا بد من الولي، وفي الحديث الآخر: «لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا» (^٢)، وفي الحديث الآخر: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» (^٣)، وهذا دليل على فساد قول الأحناف؛ لأن المرأة ضعيفة قد تنخدع، ثم إن في هذا امتهانًا لها، والله تعالى كرَّمها وصانها، وجعل لها وليًّا ينظر لمصالحها، فالرجل أكمل نظرًا وعقلًا وتأملًا من المرأة.\nتنبيه: وقد أخذ بعض الناس بمذهب الأحناف، حتى صار ذلك من أسباب الفساد، وفي بعض البلدان تزوج المرأة نفسها ولا يعلم بها أبواها، وتنتقل إلى بلد آخر، ثم تكتب لوالديها: أني تزوجت في البلد الفلاني، ولا شك أن هذا مخالف للنصوص، وهو سبب لشر عظيم، كما أن المرأة قد يخدعها الرجل ويجلس معها مدة، ثم يتركها مدة حياته، ويلصق بها العار، وقد يتزوجها زواجَ متعةٍ مؤقتًا، ثم ينصرف عنها وتنصرف عنه، وكل هذا من أسباب عدم الالتزام بالولي، والتفلت من هذا من أسباب شيوع الفواحش، وهو شبيه بالزنى، فلا يجوز لامرأة أن تتزوج بدون ولي.\n_________\n(^١) العناية، للبابرتي (٣/ ٢٥٦)، المبسوط، للسرخسي (٥/ ١٠)، بدائع الصنائع، للكاساني (٢/ ٢٤٨).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٨٨٢).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢٤٢٠٥)، وأبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وابن ماجه (١٨٧٩).","vol":"4","page":41},{"text":"وأما قوله: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا»: فهو مجمل، ومعناه: أنها أحق في الإذن؛ فلو اختارت المرأة كفؤًا، واختار الولي كفؤًا آخر، فيقدم اختيارها، فهي أحق بنفسها، ولو أراد الولي أن يزوجها برجل وهي لا تريده فلا تُجبر، هذا معنى أنها أحق بنفسها، وليس معنى ذلك: أن تزوج نفسها بدون ولي، وإذا أراد الولي كفؤًا، وأرادت هي غيرَ كفؤٍ فلا يطيعها وليها.\nولا يصح الزواج إلا بحضور أربعة، هم: الولي، والزوج، وشاهدان. ولي يعقد النكاح، وزوج يَقبْل، وشاهدان على هذا، ولا بد من رضاها، وهناك شروط أخرى كتعيين المرأة، فتُعيَّن بقوله: أزوج ابنتي فلانة- يُعَيِّنها- إلا إذا لم يكن له إلا بنت واحدة، فيقول: زوَّجتك ابنتي، فيكفي، أما إذا كان له عدة بنات فلا بد أن يعينها، أو يسميها، أو يصفها؛ كأن يقول: ابنتي الطويلة، أو الكبيرة، أو الصغيرة، ولا بد- أيضا- من المهر، وهذا هو الصواب.\nقوله: «وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا»: البكر تستحي غالبًا، فتكون علامة قبولها أن تصمت بخلاف الثيب؛ لأنها قد خف الحياء منها؛ لممارستها للرجل، فإن تكلمت البكر يكون هذا من باب أولى، خلافًا لابن حزم، كما تقدم.\nومن أمثلة جمود الظاهرية على النص مذهبهم في قوله ﷺ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» (^١)، حيث ذهبوا إلى أن الإنسان إذا بال في الماء مباشرة فينجس، لكن إذا بال في إناء، ثم صبه في الماء فلا يضر؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا يبولنَّ».\nوقالوا أكثر من هذا- أيضًا-: أنه لو تغوط لا يضر؛ لأن الرسول ﷺ قال: «لا يبولنَّ» ولم يقل: لا يتغوط، وهذا لا شك جمود (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣٩)، ومسلم (٢٨٢).\n(^٢) المحلى، لابن حزم (١/ ١٣٩ - ١٤٠).","vol":"4","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-627>بَابُ تَزْوِيجِ الْأَبِ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ</span>.\n\n[١٤٢٢] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَت: «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسِتِّ سِنِينَ، وَبَنَى بِي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ، قَالَتْ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَوُعِكْتُ شَهْرًا، فَوَفَى شَعْرِي جُمَيْمَةً، فَأَتَتْنِي أُمُّ رُومَانَ، وَأَنَا عَلَى أُرْجُوحَةٍ وَمَعِي صَوَاحِبِي، فَصَرَخَتْ بِي فَأَتَيْتُهَا، وَمَا أَدْرِي مَا تُرِيدُ بِي، فَأَخَذَتْ بِيَدِي فَأَوْقَفَتْنِي عَلَى الْبَابِ، فَقُلْتُ: هَهْ هَهْ، حَتَّى ذَهَبَ نَفَسِي، فَأَدْخَلَتْنِي بَيْتًا، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِن الْأَنْصَارِ، فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ، فَغَسَلْنَ رَأْسِي وَأَصْلَحْنَنِي، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضُحًى، فَأَسْلَمْنَنِي إِلَيْهِ».\n[خ: ٣٨٩٤]\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَبْدَةُ- هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ- عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَت: «تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَبَنَى بِي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ».\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ، وَزُفَّتْ إِلَيْهِ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ-وَلُعَبُهَا مَعَهَا- وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ بِنْتُ ثَمَان عَشْرَةَ».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى وَإِسْحَاقُ: أَخْبَرَنا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَت: «تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ بِنْتُ سِتٍّ، وَبَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ، وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانَ عَشْرَةَ».","vol":"4","page":43},{"text":"في هذا الحديث جملة من الفوائد، منها:\n١ - قوله: «وَلُعَبُهَا مَعَهَا»: استدل به بعضهم على جواز اللُعَبْ، ولو كان فيها صور، وقالوا: هذا مستثنى من أحاديث النهي عن الصور واقتنائها؛ لأنها تمنع دخول الملائكة، وقيل: إن هذا كان أولًا قبل النهي عن الصور، وهذا ليس صريحًا في أن اللُّعب كان فيها صور، وكانت اللعب التي تلعب بها عائشة ﵂ من العهن ومن العظام؛ وكان البنات يأتين بشيء من الخرق والعظم ويُلبسنها ويجعلن الخرق البيض، ويقولون: هذا رَجُل، والخرق الملونة يقولون فيها: هذه امرأة، لكن هذا ليس مثل الصور الموجودة في العصر الحاضر، فهذه تشبه إلى حد كبير الآدمي والآدمية؛ لدرجة أنك لا تفرق بينها وبين الطفل، وفيها صوت مثل صوت الطفل، فينبغي تركها، أو قطع رأسها.\n٢ - ما وهب الله عائشة من العلم في مدة قصيرة وهي صغيرة، فقد مات عنها ﷺ «وَهِيَ بِنْتُ ثَمَان عَشْرَةَ»، أي: أقامت ﵂ معه ما يقارب تسع سنين حفظت فيها من العلم الشيء الكثير، فكانت ﵂ أفقه امرأة، وكان الصحابة يرجعون إليها إذا حصلت مشكلة، وإن كان لها بعض الأوهام، لكنها كانت فقيهة.\n٣ - احتجاج أهل العلم به في جواز تزويج الأب- خاصة- ابنته الصغيرة التي لم تبلغ سبع سنين بالكفؤ؛ لأنه كامل الشفقة عليها، أما غير الأب فليس له أن يزوج الصغيرة، ولا بد أن ينتظرها حتى تبلغ وتُستأذن، وقد فعل أبو بكر الصديق ﵁ هذا، فإنه زوَّج النبيَّ ﷺ عائشة ﵂ وهي بنت ست سنين، وفي اللفظ الآخر: «أَنّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ» (^١)، ويجمع بينهما بأنها كانت بنت ست سنين وأشهر، فمن قال: ست سنين ألغى الكسر، ومن قال: سبع سنين جبر الكسر، وقد تزوجها وعقد عليها في مكة، ودخل عليها في المدينة وهي بنت تسع، ولكنها كانت شابة، كما قال\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٢٢).","vol":"4","page":44},{"text":"القاضي: «قال الداودى: وكانت عائشة قد شبَّت شبابًا حسنًا» (^١)، أي: كانت تتحمل وتطيق الجماع، أما إذا كانت البنت لا تتحمل، فلا تزف للزوج حتى تتحمل.\n٤ - أنه أتتها أمها أم رومان، وهي في أرجوحة تلعب مع الأطفال، فصرخت بها ونادتها، وكانت عائشة قد أصابها مرض، وُعكت شهرًا لما قدمت المدينة أصابتها حمى حتى سقط شعرها، وكان كثير من الصحابة لما قدموا المدينة أصابتهم حمى المدينة، ثم بعد ذلك لما شفيت صار الشعر ينبت من جديد فوفى، يعني: صار إلى بعد أذنيها، فأخذتها أمها وأسلمتها نسوة من الأنصار، فقلن: على الخير والبركة، فغسلن رأسها ووجهها، ثم أسلمنها للنبي ﷺ، فدخل عليها ضحى؛ قالت: «فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضُحًى، فَأَسْلَمْنَنِي إِلَيْهِ».\n٥ - الدعاء للمتزوج؛ يقال: على الخير والبركة، وعلى خير طائر، والطائر يطلق على الحظ من خير، أو شر.\n٦ - أن الصغيرة ليس لها إذن في هذه الحالة.\n٧ - أنه لا بأس من دخول المتزوج نهارًا، أو ليلًا.\n٨ - أنه لا يلزم أن يكون الدخول والطعام في وقت واحد، بل يدخل، ووليمة العرس تكون بعد ذلك.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٤/ ٥٧٣).","vol":"4","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-628>بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّزَوُّجِ وَالتَّزْوِيجِ فِي شَوَّالٍ، وَاسْتِحْبَابِ الدُّخُولِ فِيهِ</span>.\n\n[١٤٢٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي شَوَّالٍ، وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ، فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَحْظَى عَنْدَهُ مِنِّي قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ».\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِعْلَ عَائِشَةَ.\nفي هذا الحديث: أن عائشة ﵂ قالت ذلك؛ ردًّا على ما كانوا يعتقدونه في الجاهلية من كراهة التزوج والتزويج في شوال، وأن شوال من: شال، إذا رفع، ويتشاءمون به، ويقولون: إن الزوج لا يمكث معها، بل يرفع، فأنكرت عليهم، وقالت: «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي شَوَّالٍ، وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ، فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَحْظَى عَنْدَهُ مِنِّي؟»، يعني: هي أحظى امرأة عنده، وأحب نسائه إليه، ومع ذلك فقد تزوجها في شوال.\nوقوله: «وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ»، أي: تستحب أن تزوج بنات أخيها وبنات أخواتها في شوال، فلم يكن لها بنات ولا أولاد، وكانت تكنى أم عبد الله، باسم ابن اختها أسماء، وهي أم المؤمنين.\nوأما قول النووي ﵀: «فيه استحباب التزويج والتزوج والدخول في شوال» (^١)، فهذا الاستحباب ليس عليه دليل، لكن فيه فعل النبي ﷺ، فقد\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٩/ ٢٠٩).","vol":"4","page":46},{"text":"تزوج عائشة ﵂ في شوال، ولكنه تزوج غيرها في غير شوال، فلا يدل هذا على الاستحباب، لكن يدل على الجواز، وعدم الكراهة، وأن ما يعتقده أهل الجاهلية من الكراهة لا وجه له.","vol":"4","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-629>بَابُ نَدْبِ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِ الْمَرْأَةِ وَكَفَّيْهَا لِمَنْ يُرِيدُ تَزَوُّجَهَا</span>\n\n[١٤٢٤] حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كُنْتُ عَنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ: أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا».\nوحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ فَإِنَّ فِي عُيُونِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا قَالَ: عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟ قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ، فقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟ ! كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عَنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي عَبْسٍ بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ».\nفي هذا الحديث: استحباب النظر للمخطوبة؛ لأن هذا مما يدعوه لنكاحها، ينظر إلى ما جرت العادة بكشفه، فينظر للوجه والكفين، وإذا نظر إلى الرقبة فلا حرج، لكن لا بد من أن يكون عندها وليها، ولا يخلو بها، فالخلوة حرام.\nويجوز أن يتخبأ لها، كما فعل بعض الصحابة، فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إلَى مَا يَدْعُوهُ إلَى نِكَاحِهَا؛ فَلْيَفْعَلْ، فَخَطَبْتُ جَارِيَةً مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ تَحْتَ الْكَرَبِ حَتَّى نَظَرْتُ مِنْهَا إلَى مَا يَدْعُونِي إلَى نِكَاحِهَا، فَتَزَوَّجْتهَا» (^١)، أما ما\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٤٥٨٦)، وأبو داود (٢٠٨٢).","vol":"4","page":48},{"text":"يفعله دعاة الفساد من كونهم يتركون الخطيب مع خطيبته يخلو بها، أو يسافر معها وهي أجنبية لم يعقد عليها، حتى يعرف- بزعمهم- أخلاقها وطبائعها، فهذا معناه: فتح باب الزنا- والعياذ بالله- على مصراعيه! والمستحب أن ينظر إليها؛ لقوله ﷺ: «اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» (^١).\nواما تصوير المرأة لإعطاء الصورة للخطيب فلا نرى ذلك سائغا، لأن التصوير ممنوع إلا للحاجة، وتصوير المرأة من أسباب الفتنة، ولأن صورتها قد تنتشر فتبلغ الأفاق.\nوفيه: استحباب تقليل المهر، حتى يكون سببًا في زواج الشباب والشابات؛ ولهذا سأل النبي ﷺ هذا الرجل، فقال له: «عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟ قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ، فقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟ ! كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ»، والأوقية: أربعون درهمًا، يعني: مائة وستين درهمًا، وهي لا تعادل شيئًا الآن، فهي حوالي مائة ريال، ولكن هذا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، كذلك كان زواج النبي ﷺ من نسائه بما يعادل خمسمائة ريال، وهي لا تغني شيئًا في العصر الحاضر، ولكن ينبغي أن يخفف المهر بقدر الحال المناسب.\nقوله: «فإن في أعين الأنصار شيئا» أي: صِغَرًا.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧٦٧١)، وابن ماجه (١٨٦٥).","vol":"4","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-630>بَابُ الصَّدَاقِ، وَجَوَازِ كَوْنِهِ تَعْلِيمَ قُرْآنٍ، وَخَاتَمَ حَدِيدٍ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وَاسْتِحْبَابِ كَوْنِهِ خَمْسَ مِائَةِ دِرْهَمٍ لِمَنْ لَا يُجْحِفُ بِهِ</span>.\n\n[١٤٢٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ.\nح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: «جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، فقَالَ: فَهَلْ عَنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ فقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فقَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ، فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: انْظُرْ وَلَوْ خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي- قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ- فَلَهَا نِصْفُهُ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَأَىهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّدَهَا، فقَالَ: تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِك؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مُلِّكْتكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ».\nهَذَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ، وَحَدِيثُ يَعْقُوبَ يُقَارِبُهُ فِي اللَّفْظِ.\n[خ: ٥٠٣٠]\nوَحَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ","vol":"4","page":50},{"text":"حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ زَائِدَةَ قَالَ: «انْطَلِقْ، فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ».\nقوله: «فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا»، أي: رفع عينيه ينظر إليها.\nوقوله: «وَصَوَّبَهُ»، أي: وَجَّهَ بصرَه.\nوفي هذا الحديث جملة من الفوائد، منها:\n١ - جواز هبة المرأة نفسها للنبي ﷺ، فيتزوجها من دون ولي، ولا مهر، قال الله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذا من خصائصه ﵊، أما غيره فلا يجوز له أن يتزوج إلا بولي وشاهدي عدل، وقال النووي وجماعة: «وفيه استحباب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح ليتزوجها» (^١)، ولكننا نقول: ينبغي أن يكون هذا عن طريق الولي.\n٢ - جواز النظر للمخطوبة؛ حيث إن النبي ﷺ صعَّد النظر إليها، وصوَّبه.\n٣ - قوله: «ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ»: فيه: دليل على أنه لا يريدها.\n٤ - قوله: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ، فَزَوِّجْنِيهَا»: هذا دليل على أن المرأة لم يكن لها ولي؛ ولهذا تولى النبي ﷺ تزويجها، ويحتمل أن وليها وكَّل النبي ﵊ في تزويجها، فالحاكم ولي من لا ولي له.\n٥ - قوله: «انْظُرْ وَلَوْ خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ»، يعني: تُصْدِقُها به، وفيه: دليل على\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٩/ ٢١٢).","vol":"4","page":51},{"text":"أنه لا بد من المهر، ولو كان قليلًا، ولا يصح الزواج بدونه، كما قال تعالى: ﴿أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾.\n٦ - دليل على جواز لبس خاتم الحديد، وهو يدل على ضعف حديث: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَلْقَاهُ وَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَقَالَ: «هَذَا شَرٌّ، هَذَا حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ. فَأَلْقَاهُ» (^١)، وهذا الحديث أصح منه، وهو مقدم عليه، لأنه في الصحيحين، ولو كان الحديد لا يجوز لبسه لما قال له الرسول ﷺ ذلك.\n٧ - قوله: «مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّدَهَا، فقَالَ: تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِك؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مُلِّكْتكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ»، يعني: حفِّظْها إياه. وفيه: دليل على جواز التزويج بالمنفعة عند عدم المال، والأصل المال؛ لقوله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾، فإن لم يوجد المال جاز التزويج بالمنفعة، كتحفيظها آياتٍ من القرآن، أو أبياتًا من الشعر جيدة، أو تعليمها الخياطة، وقد تزوج أبو طلحة أم سليم ﵄، وكان مهرها إسلامه (^٢).\n٨ - أنه إذا كان للإنسان جارية فله أن يعتقها ويتزوجها، ويجعل عتقها صداقها، كما فعل النبي ﷺ مع صفية، فإنه أعتقها وجعل عتقها صداقها (^٣)، وهذا صريح في جواز جعل العتق صداقا، وهذا يرد على من قال: إنه ﷺ تزوج صفية ﵂ بدون مهر.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٣٠٣٤)، وأبو داود (٤٢٢٣)، والترمذي (١٧٨٥)، والنسائي (٥١٩٥)، قال الحافظ ابن حجر: «وفي سنده أبو طيبة- بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة- اسمه عبد الله بن مسلم المروزي، قال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال ابن حبان- في الثقات-: يخطئ ويخالف». فتح الباري (١٠/ ٣٢٣).\n(^٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٨/ ٤٢٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٩٤٧)، ومسلم (١٣٦٥).","vol":"4","page":52},{"text":"[١٤٢٦] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ. ح، وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ-: كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا، قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَت: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ، فَتِلْكَ خَمْسُ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَزْوَاجِهِ».\nفي هذا الحديث: بيان صداق أزواج النبي ﷺ، وأن النبي ﷺ أصدقهن اثنتي عشرة أوقية، ونِشًّا، والنِّش هو: نصف أوقية، والأوقية: أربعون درهمًا، فيكون المجموع خمسمائة درهم، وهي تعادل مائة ريال، وزيادة شيء قليل، وهذا يدل على تخفيف الصداق، وكذلك بنات النبي ﷺ لم يزدن على أربعمائة أوقية، وهذا ليس بشيء، ولكن من المعلوم أن الأسعار بذلك الوقت كانت رخيصة، فعن عروة البارقي: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ» (^١)، فإذا كانت الشاة ثمنها درهم، فهذا يدل على أن الأسعار كانت رخيصة، لكن ينبغي للإنسان أن يخفف التخفيف المناسب للوقت وللزمان، وهذا يختلف باختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٤٢).","vol":"4","page":53},{"text":"[١٤٢٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ، فقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ: فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ».\n[خ: ٥١٥٥]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ».\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، وَحُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَأَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ حُمَيْدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ وَهْبٍ قَالَ: «قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً».\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ قَالَا: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: «رَأَىنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيَّ بَشَاشَةُ الْعُرْسِ، فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فقَالَ: كَمْ أَصْدَقْتَهَا؟، فَقُلْتُ: نَوَاةً»، وَفِي حَدِيثِ إِسْحَاقَ: «مِنْ ذَهَبٍ».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ- قَالَ شُعْبَةُ: وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ».","vol":"4","page":54},{"text":"وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا وَهْبٌ، أَخْبَرَنا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فقَالَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: مِنْ ذَهَبٍ».\nفي هذه الأحاديث: أن النبي ﷺ لم يعلم عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه تزوج حتى رأى أثر الصفرة؛ وظاهر هذا اللَّفظ: أنَّ أثر الصُّفْرَةِ كان بجَسَدِهِ، ويحتمل أن يكونَ في ثيابه، والصُّفْرَةُ يحتمل أن تكون صفرة زعفران، أو غيره، واستعمل على وجه الصِّبغ للثِّياب أو الجَسَدِ، ويحتمل أن تكون صفرة طِيبٍ له لون قد تطيَّب به عبد الرحمن بن عوف، وبقيت من لونه على ثيابه، أو جسده بقية، وهو شيء قليل يعفى عنه، وإلا فقد جاء في حديث آخر: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن يتزعفر الرجال» (^١)؛ لأنه من خصائص النساء؛ لكن إذا كان شيئًا قليلًا فيعفى عنه.\nوفيها: الدعاء للمتزوج بقوله: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ»، وفي اللفظ الآخر: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي الْخَيْرِ» (^٢).\nوقوله: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ»: فيه استحباب الوليمة للزوج، وأن أقلها للمُوسر شاة، وإذا كان الحضور كثيرًا فهو يزيد زيادة مناسبة، وأنه لا ينبغي الإسراف ولا المباهاة، وليكن الطعام على قدر الحاضرين، ولا يشترط أن يكون في الوليمة لحم؛ فالنبي ﷺ أولم على صفية بالحيس، وهو: السمن، والأقط، والتمر (^٣)، ولكن إذا كانت الوليمة فيها لحم فهذا أكمل؛ فإنه في وليمته ﷺ لزينب ﵂ أشبع الناس خبزًا ولحمًا، وكان ذلك ضحى حين اتضح النهار (^٤)، فلا يشترط أن تكون الوليمة في الليل.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢١٠١).\n(^٢) أخرجه أحمد (٨٩٥٦)، وأبو داود (٢١٣٠)، والترمذي (١٠٩١)، وابن ماجه (١٩٠٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٧١)، ومسلم (١٣٦٥).\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٧٩٤)، ومسلم (١٤٢٨).","vol":"4","page":55},{"text":"ولا بد من الصداق، كما تقدم، وإذا عقد بدون صداق، فيفرض لها مهر مثلها حين العقد، والأفضل أن يسمي صداقًا، فإن طلقها قبل أن يسمي المهر فلها المتعة، وإن طلقها بعد أن يسمي المهر فلها نصف المهر.","vol":"4","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-631>بَابُ فَضِيلَةِ إِعْتَاقِهِ أَمَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا</span>\n\n[١٣٦٥] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ: «أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزَا خَيْبَرَ قَالَ: فَصَلَّيْنَا عَنْدَهَا صَلَاةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ، وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ، فَأَجْرَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ، وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، وَانْحَسَرَ الْإِزَارُ عَنْ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، فَإِنِّي لَأَرَى بَيَاضَ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ- قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- قَالَ: وَقَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ، فقَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ، قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ، قَالَ: وَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً، وَجُمِعَ السَّبْيُ فَجَاءَهُ دِحْيَةُ، فقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ، فقَالَ: اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً، فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، فقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ سَيِّدِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، مَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ قَالَ: ادْعُوهُ بِهَا قَالَ: فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غَيْرَهَا قَالَ: وَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ مَا أَصْدَقَهَا؟ قَالَ:\nنَفْسَهَا، أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ، فَأَهْدَتْهَا لَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ عَرُوسًا، فقَالَ: مَنْ كَانَ عَنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِئْ بِهِ قَالَ: وَبَسَطَ نِطَعًا قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْأَقِطِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ، فَحَاسُوا حَيْسًا، فَكَانَتْ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».\n[خ: ٢٥٤٤]\nوحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ- عَنْ ثَابِتٍ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا","vol":"4","page":57},{"text":"حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ- عَنْ ثَابِتٍ، وَشُعَيْبِ بْنِ حَبْحَابٍ عَنْ أَنَسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَنَسٍ. ح، وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ عَنْ أَنَسٍ. ح، وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، وَعُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ عَنْ أَنَسٍ، كُلُّهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا».\nوَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ: «تَزَوَّجَ صَفِيَّةَ، وَأَصْدَقَهَا عِتْقَهَا».\nقوله: «اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ»، أي: على أهلها من الكفار.\nوفي هذا الحديث جملة من الفوائد، منها:\n١ - جواز تسمية صلاة الفجر بالغداة، فتسمى صلاة الغداة، وصلاة الفجر، وصلاة الصبح.\n٢ - هل الفخذ عورة؟ وللعلماء في ذلك قولان:\nالقول الأول: أن الفَخِذ ليس بعورة؛ لأن أنسًا ﵁ قال: «وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، وَانْحَسَرَ الْإِزَارُ عَنْ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، فَإِنِّي لَأَرَى بَيَاضَ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ».\nالقول الثاني: أن الفخذ عورة؛ لما جاء في الحديث الآخر: «إِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ» (^١)، وهذا هو الصواب، وأما في هذه القصة فإن انحسار الإزار عنه ﵊ كان بسبب الركوب من دون اختياره؛ ولذلك قال: انحسر الإزار.\nثم إن كون النبي ﷺ انكشف فخذه، هذا من فعله، والقول مقدم على الفعل.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٥٩٢٦)، وأبو داود (٤٠٤١)، والترمذي (٢٧٩٥).","vol":"4","page":58},{"text":"ثم إن حديث جرهد (^١): «الفَخِذُ عَوْرَةٌ» أحوط، كما قال البخاري (^٢)، ونقل ابن حجر عن القرطبي قوله: «حديث أنس وما معه إنما ورد في قضايا معينة في أوقات مخصوصة، يتطرق إليها من احتمال الخصوصية، أو البقاء على أصل الإباحة ما لا يتطرق إلى حديث جرهد، وما معه؛ لأنه يتضمن إعطاء حكم كلي، وإظهار شرع عام، فكان العمل به أولى»، قال ابن حجر: «ولعل هذا هو مراد المصنف بقوله: وحديث جرهد أحوط» (^٣).\n٣ - جواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق، فإن أنسًا أردفه طلحة ﵄ على الدابة.\n٤ - جواز الإغارة على الأعداء دون سابق إنذار، ودون دعوة للقتال إذا كانت بلغتهم الدعوة؛ واليهود قد بلغتهم الدعوة، فلما لم يستجيبوا أغار عليهم النبي ﷺ؛ ولهذا كان النبي ﷺ إذا أغار على قوم نزل قريبًا منهم، فإن سمع أذانًا وإلا أغار عليهم؛ وفي بعض حصون خيبر أمر النبي ﷺ علي بن أبي طالب أن يبلغهم الدعوة، قال: «ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ» (^٤)، وفي بعض حصونها أغار عليهم في الصبح، فلما باغتهم وقد خرجوا- كما في الحديث الآخر- بمساحيهم ومكاتلهم ودوابهم وانتشروا للأعمال، فلم يرعهم إلا والنبي ﷺ فاجأهم، فقالوا: محمد والخميس، والخميس: الجيش، وهذا فيه: دليل على أن خيبر فُتحت عَنوة، لكن بعض حصونها فُتحت صلحًا؛ وخيبر حصون متعددة.\n_________\n(^١) هو جرهد بن خويلد، هكذا قال الزهري، يكنى أبا عبد الرحمن، يعد في أهل المدينة، وداره بها في زقاق ابن حنين، وجعل ابن أبي حاتم جرهد بن خويلد هذا غير جرهد بن دراج الأسلمي، وقال: يكنى أبا عَبْد الرحمن، وكان من أهل الصفة، ذكر ذلك عن أبيه، وهذا غلط، وهو رجل واحد من أسلم لا تكاد تثبت له صحبة. الاستيعاب، لابن عبد البر (١/ ٢٧١).\n(^٢) صحيح البخاري (١/ ٨٣).\n(^٣) فتح الباري، لابن حجر (١/ ٤٨١).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٩٤٢)، ومسلم (٢٤٠٦).","vol":"4","page":59},{"text":"٥ - أن ما سُبي من الكفار من النساء يكون غنائم للمسلمين، فتوزع على الجيش، ومن أعطي سبية فإنه يتسراها.\n٦ - أن دحية ﵁ قال: يا رسول الله، أعطني جارية من السبي، فاختار صفية، فقيل للنبي ﷺ: إنها بنت سيد قريظة، فلا يمكن أن تكون سيدة إلا أن تكون مع سيد، والرسول ﷺ هو سيد الناس.\nوقيل: إنه أخذ جارية جميلة، فدعاه النبي ﷺ، وقال له: خذ جارية من السبي غيرها، وقد أعطاه بدلًا منها سبعة رؤوس (^١).\n٧ - جواز جعل العتق صداقًا، وفي المسألة قولان للعلماء:\nالقول الأول: يجوز جعل العتق صداقًا؛ لأن النبي ﷺ تزوج صفية، وأعتقها، وجعل عتقها صداقها.\nالقول الثاني: لا يكون العتق صداقًا، إلا إذا نواه، وهو مذهب الشافعية (^٢)، وقالوا: بل تزوجها النبي ﷺ دون مهر، وهذا من خصائصه ﷺ.\nوقال بعضهم: إنه أعتقها، ثم رضيت فتزوجها، وقيل: إنه تزوجها بشيء مجهول، وكل هذا خلاف ظاهر الحديث، والصواب: أن النبي ﷺ أعتقها، وجعل عتقها صداقها.\n٨ - استبراء الجارية، كما في اللفظ الآخر: «أَنَّهَا اعْتَدَّتْ عِنْدَ أُمِّ شَريك» (^٣)، يعني: أنه استبرأها بحيضة، فلا توطأ الجارية حتى تستبرأ بحيضة، وإذا استبرأت بحيضة دل على براءة رحمها، وأنه ليس فيه حمل من جماع سابق قبل أن تسبى.\n٩ - استحباب الوليمة، وأنه لا يشترط في الوليمة أن يكون فيها لحم، فهذه هي وليمة النبي ﷺ على صفية: تمر، وأقط، وسمن.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٧١)، ومسلم (١٣٦٥).\n(^٢) أسنى المطالب، لزكريا الأنصار ي (٣/ ١٩٣).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٤٨٠).","vol":"4","page":60},{"text":"١٠ - إدلال الكبير والرئيس على متبوعيه ومرؤوسيه؛ لأن الصحابة يسرُّهم أمر النبي ﷺ لهم بقوله: «مَنْ كَانَ عَنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِئْ بِهِ، قَالَ: وَبَسَطَ نِطَعًا، قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْأَقِطِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ، فَحَاسُوا حَيْسًا، فَكَانَتْ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».\nوالحيس: هو التمر والسمن والأقط، قال الشاعر (^١):\nالتّمْرُ والسَّمْنُ جَمِيعًا والأَقِطْ = هُوَ الحَيْسُ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِطْ\n\n[١٥٤] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الَّذِي يُعْتِقُ جَارِيَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا: لَهُ أَجْرَانِ».\nفي هذا الحديث: أن الذي يعتق جاريته ثم يتزوجها له أجران، والأجران هما: أجر العتق، وأجر الزواج والإحسان لها.\n_________\n(^١) الصحاح، للجوهري (٣/ ٩٢١)، لسان العرب، لابن منظور (٦/ ٦١).","vol":"4","page":61},{"text":"[١٣٦٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كُنْتُ رِدْفَ أَبِي طَلْحَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَقَدَمِي تَمَسُّ قَدَمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَأَتَيْنَاهُمْ حِينَ بَزَغَتِ الشَّمْسُ وَقَدْ أَخْرَجُوا مَوَاشِيَهُمْ، وَخَرَجُوا بِفُؤُوسِهِمْ، وَمَكَاتِلِهِمْ، وَمُرُورِهِمْ، فقَالُوا: مُحَمَّدٌ، وَالْخَمِيسُ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ قَالَ: وَهَزَمَهُمُ اللَّهُ ﷿، وَوَقَعَتْ فِي سَهْمِ دِحْيَةَ جَارِيَةٌ جَمِيلَةٌ، فَاشْتَرَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ، ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تُصَنِّعُهَا لَهُ وَتُهَيِّئُهَا، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَتَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا، وَهِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، قَالَ: وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلِيمَتَهَا التَّمْرَ، وَالْأَقِطَ، وَالسَّمْنَ، فُحِصَتِ الْأَرْضُ أَفَاحِيصَ، وَجِيءَ بِالْأَنْطَاعِ، فَوُضِعَتْ فِيهَا، وَجِيءَ بِالْأَقِطِ وَالسَّمْنِ، فَشَبِعَ النَّاسُ، قَالَ: وَقَالَ النَّاسُ: لَا نَدْرِي أَتَزَوَّجَهَا أَمِ اتَّخَذَهَا أُمَّ وَلَدٍ؟ قَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ حَجَبَهَا، فَقَعَدَتْ عَلَى عَجُزِ الْبَعِيرِ فَعَرَفُوا أَنَّهُ قَدْ تَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدَفَعَنْا، قَالَ: فَعَثَرَتِ النَّاقَةُ الْعَضْبَاءُ، وَنَدَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَدَرَتْ، فَقَامَ\nفَسَتَرَهَا وَقَدْ أَشْرَفَتِ النِّسَاءُ، فَقُلْنَ: أَبْعَدَ اللَّهُ الْيَهُودِيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، أَوَقَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: إِي وَاللَّهِ لَقَدْ وَقَعَ».\nقَالَ أَنَسٌ: «وَشَهِدْتُ وَلِيمَةَ زَيْنَبَ، فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا، وَكَانَ يَبْعَثُنِي فَأَدْعُو النَّاسَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ وَتَبِعْتُهُ، فَتَخَلَّفَ رَجُلَانِ اسْتَأْنَسَ بِهِمَا الْحَدِيثُ لَمْ يَخْرُجَا، فَجَعَلَ يَمُرُّ عَلَى نِسَائِهِ، فَيُسَلِّمُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَيْفَ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَيَقُولُونَ: بِخَيْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ؟ فَيَقُولُ: بِخَيْرٍ، فَلَمَّا فَرَغَ رَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ إِذَا هُوَ بِالرَّجُلَيْنِ قَدِ اسْتَأْنَسَ بِهِمَا الْحَدِيثُ، فَلَمَّا رَأَيَاهُ قَدْ رَجَعَ قَامَا فَخَرَجَا، فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَنَا أَخْبَرْتُهُ أَمْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِأَنَّهُمَا قَدْ","vol":"4","page":62},{"text":"خَرَجَا، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي أُسْكُفَّةِ الْبَابِ أَرْخَى الْحِجَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ...﴾ الْآيَةَ».\nقوله: «وَخَرَجُوا بِفُؤُوسِهِمْ، وَمَكَاتِلِهِمْ، وَمُرُورِهِمْ»: الفؤوس جمع فأس، والمكاتل: جمع مكتل، وهذا يعني: أنهم خرجوا بآلات العمل، ففاجأهم النبي ﷺ، فقالوا: محمد والخميس، وهو دليل على أنه أغار عليهم ولم يُعلَموا.\nوقد سبق أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارُّون وأنعامهم تُسقَى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم، وسبى جويرية بنت الحارث أم المؤمنين منهم؛ لأنهم قد بلغتهم الدعوة (^١).\nوفي بعض حصون خيبر أعطى النبي ﷺ عليًّا الراية، وقال: «ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ» (^٢)، يعني: مرة ثانية، ويستفاد من ذلك: أنه إذا كانت البلد المراد فتحها قد بلغت الدعوة أهلها، فالإمام مخير بين أن يدعوهم مرة أخرى، وبين أن يفجأهم، كما فعل النبي ﷺ في بعض حصون خيبر فاجأهم، وفي بعض الآخر دعاهم.\nوقوله: «وَوَقَعَتْ فِي سَهْمِ دِحْيَةَ جَارِيَةٌ جَمِيلَةٌ، فَاشْتَرَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ»: هنا سمي شراءً، وفي لفظ آخر: أنه أعطاه بدلها سبعة أرؤس، تطييبًا لخاطره؛ وإلا فهذا ليس بواجب.\nوقوله: «ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تُصَنِّعُهَا لَهُ وَتُهَيِّئُهَا قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَتَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا»: تعتد، يعني: تستبرئ من الحيضة، فلما حاضت وطهرت قدمتها له؛\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٤١)، ومسلم (١٧٣٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٩٤٢)، ومسلم (٢٤٠٦).","vol":"4","page":63},{"text":"لأن النبي ﷺ ظل في الجيش أيامًا؛ ولهذا اعتدت وطهرت من حيضتها، فهيأتها أم سليم ﵂، فدخل عليها النبي ﷺ.\nوقوله: «فُحِصَتِ الْأَرْضُ أَفَاحِيصَ، وَجِيءَ بِالْأَنْطَاعِ، فَوُضِعَتْ فِيهَا، وَجِيءَ بِالْأَقِطِ وَالسَّمْنِ، فَشَبِعَ النَّاسُ»، أي: حُفرت الأرض، وجُعل النِّطع- مثل السماط- مكان الحفرة حتى يصب فيها السمن، حتى لا ينتشر؛ لأنه لو صب السمن على النطع على أرض مستوية لذهب هنا وهناك.\nوقوله: «وَقَالَ النَّاسُ: لَا نَدْرِي أَتَزَوَّجَهَا، أَمِ اتَّخَذَهَا أُمَّ وَلَدٍ؟ قَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ حَجَبَهَا، فَقَعَدَتْ عَلَى عَجُزِ الْبَعِيرِ فَعَرَفُوا أَنَّهُ قَدْ تَزَوَّجَهَا»، يعني: أنهم شكُّوا: هل هي من أمهات المؤمنين، أو لا زالت جارية، فقالوا: إن حجبها فهي زوجه، وإن لم يحجبها فهي جارية، فلما أرادت أن تركب حجبها، فعرفوا أنها من أمهات المؤمنين، وأن النبي ﷺ أعتقها، وصارت من أمهات المؤمنين، أما الجارية فلا يجب عليها الحجاب، فهي شيء من المال تُعرض في أسواق العبيد وينظر إليها المشتري ويتأملها، فإن كانت مناسبة اشتراها.\nوفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ لما دعا الناس وأكلوا وانتهوا، بقي جماعة منهم يتحدثون، والنبي ﷺ يريد أن يدخل بيته، والبيت صغير، ليس مثل بيوتنا الآن، فلما أراد النبي ﷺ أن يدخل ذهب إلى نسائه أو إلى بيوت أزواجه، وقال: «سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَيْفَ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَيَقُولُونَ: بِخَيْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ؟ فَيَقُولُ: بِخَيْرٍ»، ثم رجع النبي ﷺ إلى بيته، فوجد الرجلين قد استأنس بهما الحديث، ولم يعلما، وكان معهم أنس ﵁، فلما أراد أن يدخل وجدهما، فرجع مرة أخرى، فلما رجع عرف الرجلان أنهما شقَّا على النبي ﷺ فقاما، ثم بعد ذلك رجع النبي ﷺ، فإذا هما قد خرجا، ونزلت آية الحجاب: ﴿وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب﴾، ونزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ","vol":"4","page":64},{"text":"يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾.\nوهذا أَدَبٌ أدَّبَ الله به المؤمنين، وهو أنه لا ينبغي الإطالة والمكث في بيت النبي ﷺ؛ لأن هذا فيه مشقة على النبي ﷺ، والنبي يستحي، والله ﷿ لا يستحي من الحق.\nوفيه: إثبات صفة الحياء للرب ﷿، كما يليق بجلاله وعظمته.","vol":"4","page":65},{"text":"[١٣٦٥] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ. ح، وحَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ حَيَّانَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ: «صَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ فِي مَقْسَمِهِ، وَجَعَلُوا يَمْدَحُونَهَا عَنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَيَقُولُونَ: مَا رَأَيْنَا فِي السَّبْيِ مِثْلَهَا قَالَ: فَبَعَثَ إِلَى دِحْيَةَ، فَأَعْطَاهُ بِهَا مَا أَرَادَ، ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّي، فقَالَ: أَصْلِحِيهَا قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ حَتَّى إِذَا جَعَلَهَا فِي ظَهْرِهِ نَزَلَ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَيْهَا الْقُبَّةَ، فَلَمَّا أَصْبَح قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ كَانَ عَنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَأْتِنَا بِهِ قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِفَضْلِ التَّمْرِ وَفَضْلِ السَّوِيقِ، حَتَّى جَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ سَوَادًا حَيْسًا، فَجَعَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ ذَلِكَ الْحَيْسِ وَيَشْرَبُونَ مِنْ حِيَاضٍ إِلَى جَنْبِهِمْ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ قَالَ: فقَالَ أَنَسٌ: فَكَانَتْ تِلْكَ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا حَتَّى إِذَا رَأَيْنَا جُدُرَ الْمَدِينَةِ هَشِشْنَا إِلَيْهَا، فَرَفَعَنْا مَطِيَّنَا وَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَطِيَّتَهُ، قَالَ: صَفِيَّةُ خَلْفَهُ، قَدْ أَرْدَفَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَعَثَرَتْ مَطِيَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصُرِعَ وَصُرِعَتْ، قَالَ: فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَلَا إِلَيْهَا، حَتَّى قَامَ رَسُولُ\nاللَّهِ ﷺ، فَسَتَرَهَا، قَالَ: فَأَتَيْنَاهُ، فقَالَ: لَمْ نُضَرَّ، قَالَ: فَدَخَلْنَا الْمَدِينَةَ، فَخَرَجَ جَوَارِي نِسَائِهِ يَتَرَاءَيْنَهَا، وَيَشْمَتْنَ بِصَرْعَتِهَا».\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ صُرِع، وصُرِعَت زوجتُه، يعني: سقط عن راحلته، وهو دليل على أن النبي ﷺ يصيبه ما يصيب الناس من الأمراض والسقوط والموت، فهو بشر يجوز عليه ما يجوز على البشر ﷺ.\nوفيه: دليل على فضل الصحابة؛ لأن أنسًا ﵁ قال: «فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَلَا إِلَيْهَا، حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَسَتَرَهَا».","vol":"4","page":66},{"text":"وفيه: ورع الصحابة رضوان الله عليهم، وشدة إكرامهم للنبي ﷺ.\nوفيه: أن السبية إذا أصابها الإنسان يتسراها بدون عقد وبدون مهر إذا صارت في نصيبه، أو اشتراها فيطأها بملك اليمين، وإذا أراد أن يزوجها فله أن يزوجها عبدًا بمهر وعقد.","vol":"4","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-632>بَابُ زَوَاجِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَنُزُولِ الْحِجَابِ وَإِثْبَاتِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ</span>\n\n[١٤٢٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ. ح، وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَهَذَا حَدِيثُ بَهْزٍ قَالَ: «لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِزَيْدٍ: فَاذْكُرْهَا عَلَيَّ، قَالَ: فَانْطَلَقَ زَيْدٌ حَتَّى أَتَاهَا، وَهِيَ تُخَمِّرُ عَجِينَهَا، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُهَا عَظُمَتْ فِي صَدْرِي، حَتَّى مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَيْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَهَا، فَوَلَّيْتُهَا ظَهْرِي، وَنَكَصْتُ عَلَى عَقِبِي، فَقُلْتُ: يَا زَيْنَبُ، أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُكِ، قَالَت: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا حَتَّى أُوَامِرَ رَبِّي، فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغَيْرِ إِذْنٍ قَالَ: فقَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَطْعَمَنَا الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ، فَخَرَجَ النَّاسُ، وَبَقِيَ رِجَالٌ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَيْتِ بَعْدَ الطَّعَامِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاتَّبَعْتُهُ، فَجَعَلَ يَتَتَبَّعُ حُجَرَ نِسَائِهِ يُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ، وَيَقُلْنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ؟ قَالَ: فَمَا أَدْرِي أَنَا أَخْبَرْتُهُ أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ خَرَجُوا، أَوْ أَخْبَرَنِي، قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ، فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ مَعَهُ، فَأَلْقَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَنَزَلَ الْحِجَابُ، قَالَ: وَوُعِظَ الْقَوْمُ بِمَا وُعِظُوا بِهِ».\nزَادَ ابْنُ رَافِعٍ فِي حَدِيثِهِ: «﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ...﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾».\n[خ: ٥١٦٣]","vol":"4","page":68},{"text":"قوله: «فَوَلَّيْتُهَا ظَهْرِي، وَنَكَصْتُ عَلَى عَقِبِي، فَقُلْتُ: يَا زَيْنَبُ، أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُكِ»، يعني: من أجل أن النبي ﷺ قال: «فَاذْكُرْهَا عَلَيَّ»، يعني: اخطبها لي من نفسها؛ وزيد ﵁ كان زوجًا لزينب ﵂، ثم طلَّقها، فلما أراد النبي ﷺ أن يتزوجها قال لزيد: اخطبها لي، فلما جاء وجدها تخمر عجينها، فعظمت في صدره، ومن ورعه ﵁ ما واجهها، بينما جعل يرجع القهقرى إجلالًا وهيبة؛ لأن النبي ﷺ أمره أن يخطبها، فجعل يذكر لها من خلف: يا زينب إن النبي ﷺ يريد أن يخطبك!\nوقوله: «قَالَت: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا حَتَّى أُوَامِرَ رَبِّي، فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا»، يعني: حتى تستخير ربها، ففيه: مشروعية الاستخارة عند حصول الأمر، ومعلوم أن زواجها من النبي ﷺ خيرٌ بيِّن، لكنها أرادت أن تستخير: أتوافق، أو لا توافق؛ خشيةَ ألا تقوم بحق النبي ﷺ، فيلحقها إثم، وإلا فهذا خير لا شك فيه.\nوقوله: «وَنَزَلَ الْقُرْآنُ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغَيْرِ إِذْنٍ»: نزل القرآن، يعني: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾، فدخل عليها رسول الله ﷺ بدون إذن؛ لأن الله زوَّجه إياها من فوق سبع سموات، بدون مهر، وبدون ولي؛ ولهذا كانت تفخر على زوجاته ﷺ، وتقول: «زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ» (^١)، وهذا من خصائصه ﵊، أما غيره فلا بد من ولي وعقد وشاهدين ومهر، ولا بد من رضى الزوجة.\nوقوله: «وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَطْعَمَنَا الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ»، هذه وليمته ﷺ على زينب، من الخبز واللحم.\nوقوله: «فَجَعَلَ يَتَتَبَّعُ حُجَرَ نِسَائِهِ يُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ»: فيه: مشروعية السلام على الأهل.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٤٢٠).","vol":"4","page":69},{"text":"وفيه: أن الحجاب نزل في زواج النبي ﷺ بزينب، وكانت النساء قبل ذلك يكشفن الوجوه، ثم نزل الحجاب؛ ولهذا لما دخل حين انتهى الناس من الوليمة وخرجوا تبعه أنس في أسكفة الباب، فأرخى الحجاب بينه وبينه، وتلا الآية: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾.\nحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كَامِلٍ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ:» مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْلَمَ عَلَى امْرَأَةٍ- وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ: عَلَى شَيْءٍ مِنْ نِسَائِهِ- مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ؛ فَإِنَّهُ ذَبَحَ شَاةً «.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: «مَا أَوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ أَكْثَرَ أَوْ أَفْضَلَ مِمَّا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ، فقَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ: بِمَا أَوْلَمَ؟ قَالَ: أَطْعَمَهُمْ خُبْزًا، وَلَحْمًا حَتَّى تَرَكُوهُ».\n[خ: ٥١٦٨]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، وَعَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، وَمُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، كُلُّهُمْ عَنْ مُعْتَمِرٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ حَبِيبٍ- حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ دَعَا الْقَوْمَ فَطَعِمُوا، ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ قَالَ: فَأَخَذَ كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ، فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَامَ، فَلَمَّا قَامَ، قَامَ مَنْ قَامَ مِنَ الْقَوْمِ»، زَادَ عَاصِمٌ، وَابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى فِي حَدِيثِهِمَا قَالَ: «فَقَعَدَ ثَلَاثَةٌ، وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَ لِيَدْخُلَ، فَإِذَا الْقَوْمُ جُلُوسٌ، ثُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا فَانْطَلَقُوا، قَالَ: فَجِئْتُ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُمْ قَدِ انْطَلَقُوا، قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ، فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ فَأَلْقَى الْحِجَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، إِلَى قَوْلِهِ:","vol":"4","page":70},{"text":"﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾».\nوحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِح، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: إِنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: «أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْحِجَابِ، لَقَدْ كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْأَلُنِي عَنْهُ، قَالَ أَنَسٌ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَ: وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالْمَدِينَةِ، فَدَعَا النَّاسَ لِلطَّعَامِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ وَجَلَسَ مَعَهُ رِجَالٌ بَعْدَ مَا قَامَ الْقَوْمُ، حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ، فَمَشَى، فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ، مَعَهُ فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ مَكَانَهُمْ، فَرَجَعَ فَرَجَعْتُ الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ حُجْرَةَ عَائِشَةَ، فَرَجَعَ فَرَجَعَتْ، فَإِذَا هُمْ قَدْ قَامُوا، فَضَرَبَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ بِالسِّتْرِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ».\n[خ: ٥٤٦٦]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ- يَعْنِي: ابْنَ سُلَيْمَانَ- عَنِ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَدَخَلَ بِأَهْلِهِ قَالَ: فَصَنَعَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْسًا، فَجَعَلَتْهُ فِي تَوْرٍ، فقَالَت: يَا أَنَسُ، اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْ: بَعَثَتْ بِهَذَا إِلَيْكَ أُمِّي، وَهِيَ تُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي تُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فقَالَ: ضَعْهُ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ، فَادْعُ لِي فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا، وَمَنْ لَقِيتَ، وَسَمَّى رِجَالًا قَالَ: فَدَعَوْتُ مَنْ سَمَّى وَمَنْ لَقِيتُ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: عَدَدَ كَمْ كَانُوا؟ قَالَ: زُهَاءَ ثَلَاثِ مِائَةٍ، وَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا أَنَسُ، هَاتِ التَّوْرَ قَالَ: فَدَخَلُوا حَتَّى امْتَلَأَتِ الصُّفَّةُ وَالْحُجْرَةُ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لِيَتَحَلَّقْ عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ، وَلْيَأْكُلْ كُلُّ إِنْسَانٍ مِمَّا يَلِيهِ قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا قَالَ: فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ وَدَخَلَتْ طَائِفَةٌ حَتَّى أَكَلُوا كُلُّهُمْ، فقَالَ لِي: يَا أَنَسُ، ارْفَعْ قَالَ: فَرَفَعْتُ، فَمَا أَدْرِي حِينَ وَضَعْتُ كَانَ أَكْثَرَ أَمْ حِينَ رَفَعْتُ؟ قَالَ: وَجَلَسَ طَوَائِفُ مِنْهُمْ يَتَحَدَّثُونَ فِي بَيْتِ","vol":"4","page":71},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ وَزَوْجَتُهُ مُوَلِّيَةٌ وَجْهَهَا إِلَى الْحَائِطِ،\nفَثَقُلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ رَجَعَ، فَلَمَّا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ رَجَعَ، ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ ثَقُلُوا عَلَيْهِ، قَالَ: فَابْتَدَرُوا الْبَابَ، فَخَرَجُوا كُلُّهُمْ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَرْخَى السِّتْرَ، وَدَخَلَ وَأَنَا جَالِسٌ فِي الْحُجْرَةِ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى خَرَجَ عَلَيَّ، وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ ...﴾، إِلَى آخِرِ الْآيَةِ».\nقَالَ الْجَعْدُ: قَالَ: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: «أَنَا أَحْدَثُ النَّاسِ عَهْدًا بِهَذِهِ الْآيَاتِ، وَحُجِبْنَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ».\nوحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ زَيْنَبَ أَهْدَتْ لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْسًا فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ، فقَالَ أَنَسٌ: فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اذْهَبْ فَادْعُ لِي مَنْ لَقِيتَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَدَعَوْتُ لَهُ مَنْ لَقِيتُ، فَجَعَلُوا يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، وَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى الطَّعَامِ فَدَعَا فِيهِ، وَقَالَ فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَلَمْ أَدَعْ أَحَدًا لَقِيتُهُ إِلَّا دَعَوْتُهُ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا وَخَرَجُوا، وَبَقِيَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَطَالُوا عَلَيْهِ الْحَدِيثَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَحْيِي مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ شَيْئًا، فَخَرَجَ وَتَرَكَهُمْ فِي الْبَيْتِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، قَالَ قَتَادَةُ: غَيْرَ مُتَحَيِّنِينَ طَعَامًا، وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا حَتَّى بَلَغَ ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾».\nقوله: «التَّوْر»: إناء من الحجارة.","vol":"4","page":72},{"text":"وقوله: «فَصَنَعَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْسًا فَجَعَلَتْهُ فِي تَوْرٍ، قَالَتْ: يَا أَنَسُ، اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْ: بَعَثَتْ بِهَذَا إِلَيْكَ أُمِّي»: وهذا يدل على أن وليمة النبي ﷺ لزينب كانت متنوعة، فيها الخبز، واللحم، وفيها الحيس.\nوفيه: دليل على مساعدة المتزوج، وأنه لا بأس من مساعدة الجيران له بأن يرسلوا بعض الطعام، أو شيئًا من اللحم.\nوقوله: «فَقُلْ: بَعَثَتْ بِهَذَا إِلَيْكَ أُمِّي وَهِيَ تُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ»: فيه: مشروعية إقراء السلام، وأن المرأة تُقرئ السلام، وترد السلام- أيضًا- على الرجل ولو كان أجنبيًّا، مع أنه كان بين أم سليم ﵂ وبين الرسول ﷺ محرمية.\nوفيه: مشروعية الاعتذار من الضيف ومن الصديق؛ لأن أم سليم ﵂ أرسلت بهذا واعتذرت.\nوقوله: «فَرَفَعْتُ فَمَا أَدْرِي حِينَ وَضَعْتُ كَانَ أَكْثَرَ أَمْ حِينَ رَفَعْتُ»: فيه: علامة من علامات النبوة، حيث وُضع الطعام، وأكل ما يقارب ثلاثمائة، ثم رُفع فإذا هو على حاله، حتى إنه يقول: ما أدري أيهما أكثر حين وضعته، أم حين رفعته على حاله، وظاهره: أنه رفعه، ووزع على ناس آخرين، وتكثير الطعام حصل عدة مرات، وكذا تكثير الماء ونبعه من بين أصابعه ﵊، وهذا كله من علامات النبوة، وهو دليل على قدرة الله ﷿ ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾.\nوقوله: «وَجَلَسَ طَوَائِفُ مِنْهُمْ يَتَحَدَّثُونَ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ»: هذا قبل أن ينزل الحجاب.\nوقوله: «وَزَوْجَتُهُ مُوَلِّيَةٌ وَجْهَهَا إِلَى الْحَائِطِ»: فيه: رد على من أنكر الحجاب من دعاة السفور؛ ولهذا جاء ﷺ فأرخى الستر بينه وبين أنس ﵁.\nوفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ لما دعا الناس وأكلوا وانتهوا، بقي جماعة منهم يتحدثون، والنبي ﷺ يريد أن يدخل بيته- والبيت صغير ليس","vol":"4","page":73},{"text":"مثل بيوتنا الآن- فذهب إلى نسائه أو إلى بيوت أزواجه، وقال: «سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَيْفَ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَيَقُولُونَ: بِخَيْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ؟ فَيَقُولُ: بِخَيْرٍ» ثم رجع النبي ﷺ إلى بيته، فوجد الرجلين قد استأنس بهما الحديث، ولم يعلما، وكان معهم أنس ﵁، فلما أراد أن يدخل وجدهما، فرجع مرة أخرى، فلما رجع عرف الرجلان أنهما شقَّا على النبي ﷺ فقاما، ثم بعد ذلك رجع النبي ﷺ، فإذا هما قد خرجا، وفي الرواية الأخرى: «فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ رَجَعَ، فَلَمَّا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ رَجَعَ، ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ ثَقُلُوا عَلَيْهِ قَالَ: فَابْتَدَرُوا الْبَابَ، فَخَرَجُوا كُلُّهُمْ»، ونزلت آية الحجاب: ﴿وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب﴾، ونزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾، وهذا أَدَبٌ أدَّبَ الله به المؤمنين، وهو أنه لا ينبغي الإطالة والمكث في بيت النبي ﷺ؛ لأن هذا فيه مشقة على النبي ﷺ، والنبي يستحي، والله ﷿ لا يستحي من الحق.\nوفيه: أن الحجاب نزل في السنة السابعة من الهجرة.\nوفيه: إثبات صفة الحياء للرب ﷿، كما يليق بجلاله وعظمته.","vol":"4","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-633>بَابُ الْأَمْرِ بِإِجَابَةِ الدَّاعِي إِلَى دَعْوَةٍ</span>\n\n[١٤٢٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا».\n[خ: ٥١٧٣]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيُجِبْ».\nقَالَ خَالِدٌ: «فَإِذَا عُبَيْدُ اللَّهِ يُنَزِّلُهُ عَلَى الْعُرْسِ».\nحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ، فَلْيُجِبْ».\nحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ائْتُوا الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ».\nوحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ، أَوْ نَحْوَهُ».\nوحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ دُعِيَ إِلَى عُرْسٍ، أَوْ نَحْوِهِ، فَلْيُجِبْ».\nحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ائْتُوا الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ».\nوحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ","vol":"4","page":75},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ لَهَا قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَأْتِي الدَّعْوَةَ فِي الْعُرْسِ، وَغَيْرِ الْعُرْسِ، وَيَأْتِيهَا وَهُوَ صَائِمٌ».\nوحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دُعِيتُمْ إِلَى كُرَاعٍ، فَأَجِيبُوا».\nفي هذه الأحاديث: دليل على مشروعية إجابة الدعوة، وذهب الظاهرية وجماعة من السلف- وهذا هو الظاهر- إلى أن الأمر للوجوب (^١)، سواء كانت إجابة الدعوة لعرس، أو غيره؛ ولهذا كان ابن عمر ﵄ يجيب الدعوة، عرسًا كان أو غيره، وذهب الجمهور إلى أن وجوب إجابة الدعوة خاص بوليمة العرس، وما عدا وليمة العرس فإنه مستحب (^٢).\nوللمدعوِّ أن يستأذن إذا كان يشق عليه، ويكون هذا عذرًا له، وإذا كان فيه سهر كثير يؤدي به إلى التأخر عن صلاة الفجر، أو كان فيه منكرٌ، أو أغانٍ ومعازف- إذا كان لا يستطيع إنكار المنكر- فهذا عذر له في ترك إجابة الدعوة.\nوالحكمة: أن إجابة الدعوة فيها الألفة والمحبة والتناصر والتآلف وإشاعة العلم؛ وعدم إجابة الدعوة فيه تنافر وتقاطع، فتختلف القلوب وتحصل نفرة؛ فلهذا أمر الشارع بإجابة الدعوة.\nوقوله: «وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَأْتِي الدَّعْوَةَ فِي الْعُرْسِ، وَغَيْرِ الْعُرْسِ، وَيَأْتِيهَا وَهُوَ صَائِمٌ»: فيه: حرصه ﵁ على تحرّي السنة بإجابة الدعوة ولو كان صائمًا؛ فيدعو لهم وينصرف؛ وفي لفظ آخر: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا، فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا، فَلْيَطْعَمْ» (^٣)، وقوله: فليُصلِّ، أي: فَلْيَدْعُ لهم.\n_________\n(^١) المحلى، لابن حزم (٩/ ٤٥١).\n(^٢) الاختيار لتعليل المختار (٤/ ١٧٦)، حاشية ابن عابدين، لابن عابدين (٦/ ٣٤٧)، حاشية الدسوقي، للدسوقي (٢/ ٣٣٧)، روضة الطالبين، للنووي (٧/ ٣٣٣)، المغني، لابن قدامة (٧/ ٢٧٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٤٣١).","vol":"4","page":76},{"text":"[١٤٣٠] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ»، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ الْمُثَنَّى: «إِلَى طَعَامٍ».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ.\n\n[١٤٣١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ هِشَامٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا، فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا، فَلْيَطْعَمْ».\n\n[١٤٣٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «بِئْسَ الطَّعَامُ: طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى إِلَيْهِ الْأَغْنِيَاءُ، وَيُتْرَكُ الْمَسَاكِينُ، فَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ».\n[خ: ٥١٧٧]\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ هَذَا الْحَدِيثُ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْأَغْنِيَاءِ؟ فَضَحِكَ فقَالَ: لَيْسَ هُوَ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْأَغْنِيَاءِ، قَالَ سُفْيَانُ: وَكَانَ أَبِي غَنِيًّا، فَأَفْزَعَنِي هَذَا الْحَدِيثُ حِينَ سَمِعْتُ بِهِ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ الزُّهْرِيَّ، فقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ»، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ.\nوحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وعَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ»، نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، نَحْوَ ذَلِكَ.","vol":"4","page":77},{"text":"في هذا الحديث: ما يدل على وجوب إجابة الدعوة؛ لأنه قال: «فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ».\nقوله: «بِئْسَ الطَّعَامُ: طَعَامُ الْوَلِيمَةِ»: المقصود بهذا الوصف: الوليمة التي يُدعى لها الأغنياء ويُترك الفقراء، وليس المراد ذم كل وليمة، فإذا كان الغني يتحرى الخير ويدعو الفقراء فلا تكون وليمته شرًّا، ولم يرفع أبو هريرة ﵁ الحديث إلى النبي ﷺ، وفي موضع آخر رفعه، فكأنه كان أحيانًا ينشط فيرفع إلى النبي ﷺ، وأحيانًا لا يرفعه وهو ثابت من كلام النبي ﷺ.\n\n[١٤٣٣] وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ زِيَادَ بْنَ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا الْأَعْرَجَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «شَرُّ الطَّعَامِ: طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ».\n[خ: ٢٦٣٩]\nقوله: «سَمِعْتُ ثَابِتًا»: هو ثابت بن عياض الأعرج، وهو غير عبد الرحمن بن هرمز الأعرج الملازم لأبي هريرة.\nوالوليمة بهذا الوصف صارت شرًّا، يُدعى إليها من يأباها، ويُترك من يأتيها.","vol":"4","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-634>بَابُ لَا تَحِلُّ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا لِمُطَلِّقِهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَيَطَأَهَا</span>،\nثُمَّ يُفَارِقَهَا وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ- وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فقَالَت: كُنْتُ عَنْدَ رِفَاعَةَ، فَطَلَّقَنِي، فَبَتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَ الزَّبِيرِ، وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، قَالَتْ: وَأَبُو بَكْرٍ عَنْدَهُ، وَخَالِدٌ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَنَادَى: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَا تَسْمَعُ هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عَنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ- قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: «أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، فَبَتَّ طَلَاقَهَا، فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ، فقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ رِفَاعَةَ، فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ الْهُدْبَةِ، وَأَخَذَتْ بِهُدْبَةٍ مِنْ جِلْبَابِهَا قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَاحِكًا، فقَالَ: لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ جَالِسٌ عَنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ جَالِسٌ بِبَابِ الْحُجْرَةِ، لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ قَالَ: فَطَفِقَ خَالِدٌ، يُنَادِي: أَبَا بَكْرٍ، أَلَا تَزْجُرُ هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عَنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ","vol":"4","page":79},{"text":"عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ، فقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ»، بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ يَتَزَوَّجُهَا الرَّجُلُ، فَيُطَلِّقُهَا، فَتَتَزَوَّجُ رَجُلًا، فَيُطَلِّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا أَتَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ قَالَ: لَا حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\n[خ: ٥٢١٦]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَأَرَادَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فقَالَ: لَا، حَتَّى يَذُوقَ الْآخِرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا مَا ذَاقَ الْأَوَّلُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ- جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَفِي حَدِيثِ يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ عَنْ عَائِشَةَ.\nقولها: «فَبَتَّ طَلَاقِي»، يعني: طلقني ثلاثًا، وفي اللفظ الآخر: «آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ».\nوقوله: «فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»، أي: من جرأتها، فكأنها تُعَرِّضُ بأنها تريد أن ترجع إلى رفاعة زوجها الأول، فبيَّن لها الرسولُ ﷺ أنها لا تحل له حتى يجامعها الزوج الثاني، ولا يشترط الإنزال على الصحيح، فإذا جامعها","vol":"4","page":80},{"text":"الثاني وغيب الحشفة في الفرج فقد حصلت العُسيلة؛ فهي كناية عن لذة الجماع، وذهب الحسن البصري ﵀ أنه لا بد من الإنزال (^١)، والصواب: أنه لا يشترط.\nوفي هذا الحديث: أنه لا بأس أن تتكلم المرأة بمثل هذه الأمور؛ للحاجة إلى ذلك.\nوفيه: أن صوت المرأة ليس بعورة، وأن لها أن تسأل عما أُشكل عليها، كما كانت النساء تفعل ذلك على عهد رسول الله ﷺ، وإنما الممنوع هو خضوع المرأة بالقول، وترقيق صوتها وترخيمه؛ لما فيه من الفتنة، كما قال تعالى: ﴿فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض﴾.\nوفيه: أنه لما طلق رفاعة امرأته الطلقة الثالثة تزوجها عبد الرحمن بن الزُّبِير، لكنه لم يدخل بها؛ ولهذا قالت: «وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْب»، وأشارت إلى طرف هدبة ثوبها، يعني: طرفه الذي لم ينسج، والمعنى: أنه لا ينتشر.\nوفيه: دليل على أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا، فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجًا آخر، ويجامعها الزوج الثاني، ويكون نكاحه نكاحَ رغبةٍ، لا نكاحَ تحليلٍ، فإن كان نكاحه لها نكاحَ تحليلٍ فإنها لا تحل للأول؛ لأن المحلل هو التيس المستعار، وهو ملعون، ففي الحديث: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» (^٢)، فإذا تواطأت المرأة مع زوج آخر يحللها، أو تواطأ الزوج الأول، أو تواطأ وليها، فلا تحل للأول، وكذلك إذا نكحها نكاحَ شبهةٍ، أو زنا، لا تحل له، وكذلك إذا تزوجها ولم يدخل بها لا تحل للأول، وهذا هو الصواب الذي عليه جماهير أهل العلم، وشذَّ سعيد بن المسيب ﵀،\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (٩/ ٤٦٦).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٣٦٤)، وأبو داود (٢٠٧٦)، والترمذي (١١١٩)، وابن ماجه (١٩٣٥).","vol":"4","page":81},{"text":"فقال (^١): إنها إذا تزوجت زوجًا آخرَ، بأن عقد عليها، ثم طلقها قبل الدخول حلت للزوج الأول؛ وذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ والنكاح حقيقة في العقد، وهذا محمول على أن الحديث لم يبلغه، وهذه الآية عامة يخصصها هذا الحديث، فالمراد بالنكاح: الجماع، ولا يكفي العقد وحده.\n_________\n(^١) أحكام القرآن، للجصاص (٢/ ٨٩)، الإشراف، للقاضي عبد الوهاب (٢/ ٧٥٦)، الاستذكار، لابن عبد البر (٥/ ٤٤٧).","vol":"4","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-635>بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَهُ عَنْدَ الْجِمَاعِ</span>\n\n[١٤٣٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَا: أَخْبَرَنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا».\n[خ: ٥١٦٥]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعًا عَنِ الثَّوْرِيِّ، كِلَاهُمَا، عَنْ مَنْصُورٍ، بِمَعْنَى حَدِيثِ جَرِيرٍ، غَيْرَ أَنَّ شُعْبَةَ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ ذِكْرُ: «بِاسْمِ اللَّهِ»، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ: «بِاسْمِ اللَّهِ»، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ قَالَ مَنْصُورٌ: «أُرَاهُ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ».\nفي هذا الحديث: مشروعية التسمية إذا أراد الجماع، وأنه يُشرع للمسلم أن يقول: «بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا»، ولو قالها لتحقق له هذا الوعد: «لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا» قال بعض العلماء: لم يضره، يعني: لم يصرعه؛ وقيل: لم يطعن به عند ولادته.\nوالصواب: أنه لا حاجة إلى هذا التقدير، والحديث على عمومه.","vol":"4","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-636>بَابُ جَوَازِ جِمَاعِهِ امْرَأَتَهُ فِي قُبُلِهَا مِنْ قُدَّامِهَا وَمِنْ وَرَاءِهَا، مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلدُّبُرِ</span>\n\n[١٤٣٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: «كَانَتِ الْيَهُودُ، تَقُولُ- إِذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا-: كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾».\n[خ: ٤٥٢٨]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ يَهُودَ كَانَتْ تَقُولُ: إِذَا أُتِيَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا، ثُمَّ حَمَلَتْ كَانَ وَلَدُهَا أَحْوَلَ قَالَ: فَأُنْزِلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾».\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ أَيُّوبَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو مَعَنِ الرَّقَاشِيُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ رَاشِدٍ يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ. ح، وحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- وَهُوَ ابْنُ الْمُخْتَارِ- عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ عَنِ الزُّهْرِيِّ: «إِنْ شَاءَ مُجَبِّيَةً، وَإِنْ شَاءَ غَيْرَ مُجَبِّيَةٍ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ».\nفي هذا الحديث: أنه لا بأس بجماع الرجل زوجته من خلفها، ومن","vol":"4","page":84},{"text":"قدامها، غير أنه يكون في الفرج؛ وقد كذَّب اللهُ اليهودَ عندما زعموا أن الرجل إذا جامع امرأته من ورائها كان الولد أحولَ، فأنزل الله هذه الآية: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾، أي: مقبلة، أو مدبرة، وإن شاء مجبية، أو غير مجبية، ومعنى مجبية: مكبوبة على وجهها، غير أن ذلك في صمام واحد، في القُبُل، أما الدبر فهذا حرام، والآثار والأحاديث كثيرة في تحريم إتيان المرأة في دبرها.","vol":"4","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-637>بَاب تَحْرِيمِ امْتِنَاعِهَا مِنْ فِرَاشِ زَوْجِهَا</span>\n\n[١٤٣٦] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِح».\n[خ: ٥١٩٤]\nوَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «حَتَّى تَرْجِعَ».\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ يَزِيدَ- يَعْنِي: ابْنَ كَيْسَانَ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا، فَتَأْبَى عَلَيْهِ، إِلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَلَمْ تَأْتِهِ، فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ».\nفي هذا الحديث: دليل على أن المرأة إذا امتنعت عن فراش زوجها- من غير سبب- فهذا من الكبائر؛ لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة، واللعن هو: الطرد والإبعاد من رحمة الله، «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» (^١)، أما إذا كان الهجر لسبب؛ كأن يكون لا ينفق\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٧٨٣)، ومسلم (١٦٨٧).","vol":"4","page":86},{"text":"عليها، أو يؤذيها، فهي معذورة في هذه الحالة.\nوفيه: دليل على أن الله تعالى في السماء، والملائكة في السماء، وسخط الله عظيم- نسأل الله العافية.\nوفيه: إثبات سخط الله ﷿، قال تعالى: ﴿سخط الله عليهم﴾، والسخط والغضب والرضى كلها من صفات الله ﷿، كما يليق بجلاله وعظمته، لا يماثله فيها أحد من المخلوقين، كما قال ﷾: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾.","vol":"4","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-638>بَابُ تَحْرِيمِ إِفْشَاءِ سِرِّ الْمَرْأَةِ</span>\n\n[١٤٣٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ الْعُمَرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عَنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَمَانَةِ عَنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا».\nوَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: «إِنَّ أَعْظَمَ».\nقوله: «عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ الْعُمَرِيِّ»: هو عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال ابن عدي: وهو ممن يكتب حديثه، وقال الذهبي: هو صالح الحديث، وقد ضعفه ابن معين، وقال النسائي: ضعيف، وقال الإمام أحمد: أحاديثه مناكير (^١)؛ فالوجه الأول في الجواب عن تضعيفه أن يقال: القاعدة: أن الجارح إنما يقدم على المعدِّل إذا بيَّن الجرحَ، أما إذا لم يبين الجرح؛ فإنه يقدم المعدِّل (^٢).\nالوجه الثاني: أنه لما استشهد به البخاري، واحتج به مسلم فإنهما قد انتقيا من حديثه ما لم يُستنكَر عليه، وبالله التوفيق (^٣).\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٢١/ ٣١٢)، تاريخ الإسلام، للذهبي (٣/ ٩٣٣).\n(^٢) لسان الميزان، لابن حجر (١/ ١٥)، فتح المغيث، للسخاوي (٢/ ٣٢).\n(^٣) ذكره الدارقطني في كتابه: ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته عن الثقات عند البخاري ومسلم (١/ ٤٤٢)، والذهبي في كتابه: ذكر أسماء من تُكُلِّمَ فيه وهو موثق (ص ٣٩٨).","vol":"4","page":88},{"text":"وفي هذا الحديث: ما يدل على أن إفشاء السر الذي يكون بين الزوجين من أحدهما كبيرة من كبائر الذنوب، فما يكون بين الرجل وامرأته من الكلام عن الحالة في الجماع، يعتبر سرًّا، ومُفشِيه من أشرِّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة، و«أشرُّ» و«أخيرُ» لغة فصيحة، ولكنها قليلة (^١)، واللغة المستعملة كثيرًا «شرٌّ» و«خيرٌ» بحذف الهمزة.\nوالمقصود بالسر هنا: السر الخاص، أما الشيء العام عند الحاجة إليه فلا بأس بذكره، مثل ما قال النبي ﷺ: «إِنِّي لَأَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا وَهَذِهِ، ثُمَّ نَغْتَسِلُ» (^٢)، يريد عائشة ﵂، وكالمرأة لما جاءت تشتكي قالت: «إِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ» (^٣)، وهذا من أجل الحاجة في الخصومة؛ لمعرفة الحكم الشرعي.\n_________\n(^١) شرح الكافية الشافية، لابن مالك (٢/ ١١٢٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٥٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٦٣٩)، ومسلم (١٤٣٣).","vol":"4","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-639>بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ</span>\n\n[١٤٣٨] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ أَنَّهُ قَالَ: «دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو صِرْمَةَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَسَأَلَهُ أَبُو صِرْمَةَ، فقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ الْعَزْلَ؟ فقَالَ: نَعَمْ، غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ بَلْمُصْطَلِقِ، فَسَبَيْنَا كَرَائِمَ الْعَرَبِ، فَطَالَتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ وَرَغِبْنَا فِي الْفِدَاءِ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَسْتَمْتِعَ وَنَعْزِلَ، فَقُلْنَا: نَفْعَلُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا لَا نَسْأَلُهُ؟ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: فقَالَ: لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، مَا كَتَبَ اللَّهُ خَلْقَ نَسَمَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا سَتَكُونُ».\n[خ: ٤١٣٨]\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ- مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي مَعْنَى حَدِيثِ رَبِيعَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ مَنْ هُوَ خَالِقٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».\nحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ: «أَصَبْنَا سَبَايَا، فَكُنَّا نَعْزِلُ، ثُمَّ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فقَالَ لَنَا: وَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ، وَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ، وَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا هِيَ كَائِنَةٌ».\n[خ: ٥٢١٠]\nوَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: سَمِعْتَهُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ».","vol":"4","page":90},{"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ-.ح، وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَبَهْزٌ قَالُوا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ- فِي الْعَزْلِ-: «لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ، فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ»، وَفِي رِوَايَةِ بَهْزٍ قَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ لَهُ: سَمِعْتَهُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.\nوحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كَامِلٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ- حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرِ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَدَّهُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْعَزْلِ، فقَالَ: لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ، فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ».\nقَالَ مُحَمَّدٌ: «وَقَوْلُهُ: لَا عَلَيْكُمْ، أَقْرَبُ إِلَى النَّهْيِ».\nقوله: «وبَهْز»: هو بهز بن أسد، وليس بهز بن حكيم؛ لأنه ليس من رجال الشيخين.\nقوله: «نَسَمَة» النسمة: الروح.\nوالغزوة هي غزوة بني المصطلق، وهم قبيلة من قبائل العرب.\nوقوله: «فَسَبَيْنَا كَرَائِمَ الْعَرَبِ»: فيه: جواز سبيِ العرب واسترقاقِهم وجواز وطْءِ سباياهم؛ خلافًا للأحناف القائلين: إن «مشركي العرب والمرتدين لا يسترقون ولا يكونون ذمة لنا» (^١).\nوفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق، ولم يدعُهُم؛ لأنهم قد بلغتهم الدعوة، وأغار عليهم وهم غارون، وأنعامهم تُسقَى على\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين، لابن عابدين (٤/ ١٣٩).","vol":"4","page":91},{"text":"الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، واصطفى منهم جويرية بنت الحارث أم المؤمنين ﵂.\nوفيه: أنه إذا جامع الأَمَة وحملت فإنها لا تباع؛ فأمهات الأولاد لا تباع؛ ولهذا قالوا: نريد أن نعزل، حتى لا تحمل الأمة، فيجوز بيعها، وهذا مستقر عند الصحابة.\nوالعزل: هو أن يجامع الرجل المرأة، وإذا أحس بخروج المني أخرج ذكره، وأنزل خارج الفرج.\nوالعزل عن الأَمَةِ لا إشكال فيه، ولا خلاف أنه يجوز للإنسان العزل عن الأمة، كما في هذا الحديث، فقد أباحه لهم النبي ﷺ، وقال: «لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، مَا كَتَبَ اللَّهُ خَلْقَ نَسَمَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا سَتَكُونُ»، فإذا قَدّر الله أن يخلق ولدًا خَلقَه- ولو عزل- يسبقه الماء، أو بعضه، فيخلق الله النسمة، وليس من جميع الماء يكون الولد، بل يكون من بعضه.\nفدل على أن الله تعالى إذا قدر خلق نَسَمَة فلا بد أن يخلقها.\nأما العزل عن الحرة فقد اختلف العلماء في جوازه على قولين:\nالقول الأول: مذهب الجمهور أنه لا يجوز إلا بإذنها، واستدلوا بدليلين:\nالدليل الأول: حديث عمر بن الخطاب ﵁: أن النبي ﷺ «نهى عن العزل عن الحرة إلا بإذنها»، وهو حديث ضعيف (^١).\nالدليل الثاني: أن الحرة لها حق في الجماع، فلا بد أن يستأذنها.\nالقول الثاني: أنه يجوز، ولو لم يستأذنها، كالأمة ولا فرق، لكن إذا استأذنها من باب حسن العشرة وطيب خاطرها فهو أحسن.\nوقوله: «فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ»، يعني: ما من مخلوق له روح قدر الله له أن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢١٢)، وابن ماجه (١٩٢٨)، وقال الحافظ ابن حجر: «وفي إسناده ابن لهيعة». فتح الباري (٩/ ٣٠٨).","vol":"4","page":92},{"text":"يخلقه إلا سيخلقه الله، ولو عزل مَن عزل.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: فَرَدَّ الْحَدِيثَ، حَتَّى رَدَّهُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «ذُكِرَ الْعَزْلُ عَنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فقَالَ: وَمَا ذَاكُمْ؟ قَالُوا: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ تُرْضِعُ، فَيُصِيبُ مِنْهَا وَيَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ مِنْهُ، وَالرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْأَمَةُ فَيُصِيبُ مِنْهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ مِنْهُ قَالَ: «فَلَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ، فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ».\nقَالَ: ابْنُ عَوْنٍ: «فَحَدَّثْتُ بِهِ الْحَسَنَ، فقَالَ: وَاللَّهِ لَكَأَنَّ هَذَا زَجْرٌ».\nقوله: «فَحَدَّثْتُ بِهِ الْحَسَنَ، فقَالَ: وَاللَّهِ لَكَأَنَّ هَذَا زَجْرٌ»: كأنه نهي، فهو شبيه بالنهي، والمشبه غير المشبه به؛ لأن النبي ﷺ رخص فيه، وقال: «لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا».","vol":"4","page":93},{"text":"وحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: حَدَّثْتُ مُحَمَّدًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ- يَعْنِي: حَدِيثَ الْعَزْلِ- فقَالَ: إِيَّايَ حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: قُلْنَا لِأَبِي سَعِيدٍ: «هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ فِي الْعَزْلِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عَوْنٍ، إِلَى قَوْلِهِ: «الْقَدَرُ».\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ: أَخْبَرَنا، وقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ قَزْعَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «ذُكِرَ الْعَزْلُ عَنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فقَالَ: وَلِمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ، وَلَمْ يَقُلْ: فَلَا يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إِلَّا اللَّهُ خَالِقُهَا».\nحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ- يَعْنِي: ابْنَ صَالِح- عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، سَمِعَهُ يَقُولُ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْعَزْلِ، فقَالَ: مَا مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ شَيْءٍ، لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ».\nحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْهَاشِمِيُّ عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nقوله: «مَا مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ»، أي: يكون الولد من بعضه، فإذا أراد الله خلق نَسَمَة سبقه بعض الماء، فخلق الله منه هذه النسمة.","vol":"4","page":94},{"text":"[١٤٣٩] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، أَخْبَرَنا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فقَالَ: إِنَّ لِي جَارِيَةً هِيَ خَادِمُنَا وَسَانِيَتُنَا، وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، فقَالَ: اعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْتَ، فَإِنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا، فَلَبِثَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَاهُ، فقَالَ: إِنَّ الْجَارِيَةَ قَدْ حَبِلَتْ، فقَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا».\nحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ حَسَّانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عِيَاضٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ، فقَالَ: إِنَّ عَنْدِي جَارِيَةً لِي، وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ ذَلِكَ لَنْ يَمْنَعَ شَيْئًا أَرَادَهُ اللَّهُ قَالَ: فَجَاءَ الرَّجُلُ، فقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْجَارِيَةَ الَّتِي كُنْتُ ذَكَرْتُهَا لَكَ حَمَلَتْ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ».\nوَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ حَسَّانَ- قَاصُّ أَهْلِ مَكَّةَ- أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ عِيَاضِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ النَّوْفَلِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ» بِمَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ.\nقوله: «خَادِمُنَا وَسَانِيَتُنَا»، يعني: تسقي لهم الماء وتخدمهم، شبهها بالسانية، وهي: البعير الذي يُسقَى عليه الماء، يقول: هذه الجارية تخدمنا وتسقي لنا الماء، وأنا أعزل عنها، فقال له: «اعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْتَ، فَإِنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا»، أي: ولو عزلت.\nقوله: «أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»، يعني: أن ما أخبرتك به صدق، وهو من دلائل نبوته ﵊.","vol":"4","page":95},{"text":"[١٤٤٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ».\nزَادَ إِسْحَاقُ: قَالَ سُفْيَانُ: «لَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ».\n[خ: ٥٢٠٨]\nوحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: «لَقَدْ كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».\nوحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- يَعْنِي: ابْنَ هِشَامٍ- حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ يَنْهَنَا».\nقوله: «كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ»: استدل به جابر ﵁ بأن ما وقع في زمن النبي ﷺ ولم يَنْهَ عنه فهو دليل على إباحته؛ فلو كان حرامًا لنهانهم عنه القرآن.\nوفي هذا الحديث: دليل على عموم جواز العزل، وقد استدل به من قال: إنه يجوز العزل عن الحرة والأَمة جميعًا.","vol":"4","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-640>بَابُ تَحْرِيمِ وَطْءِ الْحَامِلِ الْمَسْبِيَّةِ</span>\n\n[١٤٤١] وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّهُ أَتَى بِامْرَأَةٍ مُجِحٍّ عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ، فقَالَ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا، فقَالُوا: نَعَمْ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنْهُ لَعَنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ، كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ !».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله: «عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ»: خمير بالخاء المعجمة المضمومة.\nوقوله: «بامرأة مُجِحٍّ»: هي الحامل التي قربت ولادتها.\nوقوله: «يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا»، أي: يريد أن يطأها.\nوفي هذا الحديث: وعيد شديد لمن وطأ مسبية وهي حامل، وأنه من الكبائر، فلا يجوز وطء مسبية حتى تستبرأ بحيضة، أو تضع إذا كانت حاملًا.\nوقوله: «كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ !»: معناه: أنه إذا وُطئت الأمة الحامل فلا يصح أن يحكم لولدها أنه ابن هذا الواطئ؛ لأنه عن ماء غيره نشأ، وعلى هذا فلا يحل له أن يرثه، ولا يصح- أيضًا- أن يحكم لذلك الولد بأنه عبد للواطئ بما حصل في الولد من أجزائه، فلا يحل له أن يستخدمه استخدام العبيد؛ إذ ليس بعبد بما خالطه من أجزاء الحر، وفي الفقه ما يتبين به استحالة اجتماع أحكام الحرية والرق في شخص واحد، وأن ما يكون فيه شائبة رق لا يكون حكمه حكم الحر؛","vol":"4","page":97},{"text":"وعليه فيجب على السابي الامتناع من وطئ الحامل خوفًا من هذا المحظور، وهذا هو الظاهر في معنى الحديث.\nوفيه: أنه إذا وطأ الرجل المرأة وهي حامل من غيره، فهذا يؤدي إلى اختلاط الأنساب، ولأنه يسقي بماءه زرع غيره، وهذا الولد ليس له، فلا يحل له أن يطأها وهي حامل حتى تضع، وقد بين النبي ﷺ أن ذلك من الكبائر؛ إذ كيف يستلحقه وهو يعلم أنه ولد غيره؟\nقال المازري: «إشارة إلى أنه قد ينمي الجنين بنطفة هذا الواطاء لأمِّه حَامِلًا، فيصير مشاركًا فيه لأبيه، وكان له بعض الولد، فإذا حصلت المشاركة منع الاستخدام» (^١)، قالوا: وهو نظير حديث: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلا يَسْقِي مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» (^٢).\nوفيه: أن السبي يهدم النكاح، وقد ذكر أبو داود في المنع من وطء الحامل حديثًا هو نص وأصل في هذا الباب: عن أبي سعيد الخدري رفعه قال- في سبايا أوطاس-: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، ولا غَيْرُ حَامِلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً»، وتفرد أبو داود بقوله: «حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً» (^٣).\n_________\n(^١) المعلم، للمازري (٢/ ١٥٨).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٦٩٩٠)، وأبو داود (٢١٥٨).\n(^٣) أخرجه أحمد (١١٢٢٨)، وأبو داود (٢١٥٧).","vol":"4","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-641>بَابُ جَوَازِ الْغِيلَةِ، وَهِيَ: وَطْءُ الْمُرْضِعِ، وَكَرَاهَةِ الْعَزْلِ</span>\n\n[١٤٤٢] وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّةِ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ، فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ».\nقَالَ مُسْلِم: «وَأَمَّا خَلَفٌ، فقَالَ: عَنْ جُذَامَةَ الْأَسَدِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ: مَا قَالَهُ يَحْيَى بِالدَّالِ».\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ- أُخْتِ عُكَّاشَةَ- قَالَتْ: «حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي أُنَاسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ، فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ، وَفَارِسَ، فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ، فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا، ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنِ الْعَزْلِ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ».\nزَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ فِي حَدِيثِهِ، عَنِ الْمُقْرِئِ: «وَهِيَ: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ الْقُرَشِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّةِ أَنَّهَا قَالَت: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ»، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ فِي الْعَزْلِ وَالْغِيلَةِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «الْغِيَالِ».\n\n[١٤٤٣] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ نُمَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمَقْبُرِيُّ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَ وَالِدَهُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ: «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فقَالَ:","vol":"4","page":99},{"text":"إِنِّي أَعْزِلُ عَنِ امْرَأَتِي، فقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لِمَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ فقَالَ الرَّجُلُ: أُشْفِقُ عَلَى وَلَدِهَا أَوْ عَلَى أَوْلَادِهَا، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ ضَارًّا، ضَرَّ فَارِسَ، وَالرُّومَ».\nوقَالَ زُهَيْرٌ فِي رِوَايَتِهِ: «إِنْ كَانَ لِذَلِكَ فَلَا مَا ضَارَ ذَلِكَ فَارِسَ، وَلَا الرُّومَ».\nقوله: «حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمَقْبُرِيُّ»: صوابه: «المقرئ»، كما في التهذيب، حيث ذكر أنه أقرأ القرآن إحدى وسبعين سنة بالبصرة ومكة.\nقوله: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ» الغيلة- بكسر الغين-: وهي الاسم من الغيل، وهو جماع المرضع، وقال بعضهم: غيلة- بالفتح- للمرة الواحدة من الغيل.\nولأهل اللغة في تفسيرها قولان (^١):\nأحدهما: أن الغيلة أن يجامع الرجل امرأته وهي ترضع، حكي معناه عن الأصمعي، يقال فيه: غال الرجل المرأة وأغالها وأُغيلت.\nثانيهما: أن ترضع المرأة وهي حامل، وهذا اللفظ يرجع إلى الضرر والهلاك، ومنه تقول العرب: غالني أمر كذا، أي: أضرني، وغالته الغول أهلكته.\nوكل واحدة من الحالتين المذكورتين مضرة بالولد؛ ولذلك يصح أن تحمل كلمة: «غيلة» بالحديث على كل واحد منهما، يعني: على جماع المرضع، أو إرضاع الحامل، وكلاهما مضر بالولد.\nفأما ضرر المعنى الأول: فقالوا: إن الماء- يعني: المني- يغيل اللبن فيفسده، ويسأل عن تعليله أهل الطب.\nوأما الثاني: فضرره محسوس؛ فإن لبن الحامل داء وعلة في جوف\n_________\n(^١) الصحاح، للجوهري (٥/ ١٧٨٧)، غريب الحديث، لابن سلام (٢/ ١٠٠).","vol":"4","page":100},{"text":"الصبي يظهر أثره عليه.\nومراده ﷺ بالحديث هو المعنى الأول دون الثاني؛ لأنه هو الذي يحتاج إلى نظر في كونه يضر الولد حتى احتاج النبي ﷺ إلى أن ينظر في أحوال غير العرب الذين يصنعون ذلك، فلما رأى أنه لم يضرَّ أولادهم لم يَنْهَ عنه.\nوأما الثاني: فضرره معلوم عند العرب وغيرهم بحيث لا يحتاج إلى نظر ولا فكر، وإلا لما هَمَّ النبي ﷺ بالنهي عن الغيلة لما أُثر عن العرب من اتقاء ذلك، والتحدث في ضرره، حتى قالوا: إنه ليدرك الفارس فيدعثره عن فرسه، وقد روي في ذلك مقطوعة لحديث أسماء بنت يزيد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ سِرًّا؛ فَإِنَّ الْغَيْلَ يُدْرِكُ الْفَارِسَ فَيُدَعْثِرُهُ عَنْ فَرَسِهِ» (^١)، وهذا يعني: أن نموه يكون ضعيفًا، حتى شاع عند العامة أن الذي يرضع من أمه وهي حامل تكون بنيته ضعيفة، ولا نشاط عنده، ويغلبه غيره، فيدعثره الفارس الذي هو أنشط وأقوى منه.\nوالمقصود هنا: أن النبي ﷺ همَّ بأن ينهى، ثم لم يَنْهَ، فدل على أنه لا حرج في إرضاع الحامل، ولا حرج في وطء المرضع، وأنه لا يؤثر.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٧٥٦٢)، وأبو داود (٣٨٨١)، وابن ماجه (٢٠١٢).","vol":"4","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-642>كِتَابُ الرَّضَاع</span>","vol":"4","page":103},{"text":"كِتَابُ الرَّضَاع\n<span data-type=\"title\" id=toc-643>بَاب يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ</span>\n\n[١٤٤٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهَا: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ عَنْدَهَا، وَإِنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، قَالَت عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أُرَاهُ فُلَانًا لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ»، فقَالَت عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا- لِعَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ- دَخَلَ عَلَيَّ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَعَمْ، إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ».\n[خ: ٢٦٤٦]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْبَرِيدِ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ».\nوَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ.\nالرَّضاعة والرِّضاعة، والرَّضاع والرِّضاع، ويقال: المرأة المرضِع والمرضِعة، إذا كانت ترضع ولدها يقال لها: مرضعة بالتاء، وإذا كانت من شأنها أن ترضع يقال لها: مرضع.","vol":"4","page":105},{"text":"وفي هذا الحديث: دليل على أنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، وأن الرضاعة تحرِّم ما تحرِّمه الولادة، فالمحرمات بالنسب بيَّنها الله ﷿ في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ وهن سبع، ويحرم مثلهن من الرضاعة.\nوإذا أرضعت امرأة طفلًا خمس رضعات في الحولين- كما سيأتي في الأحاديث- فإن هذه المرأة التي أرضعت هذا الطفل تكون أمًّا له من الرضاعة، ويكون أبناؤها وبناتها إخوة له من الرضاعة، ويكون أبوها جده من الرضاعة، وإخوتها أخواله من الرضاعة ... وهكذا، ويكون هذا الطفل ابنًا لهذه المرضعة، وأبناؤه أبناء لها وهكذا، وكذلك على الصحيح أن لبن الفحل يحرِّم ويكون الزوج الذي له اللبن أبًا له من الرضاعة، ويكون أبوه جدًّا للولد من الرضاع، وأبناء هذا الزوج من هذه المرضعة إخوة له أشقاء، وأبناء هذا الزوج الذين رضعوا من غيرها أخوة له من الأب من الرضاع، وإخوة هذا الزوج أعمامًا له من الرضاع ... وهكذا.\nفالحرمة تنتشر في المرضعة نفسها وفي أقاربها، وفي الرضيع وأولاده، وفي الزوج الذي له اللبن وأقاربه، أما أم الرضيع من النسب، وأبوه من النسب، وكذلك إخوة الرضيع من النسب فلا علاقة لهم بهذه الحرمة، فيجوز أن يتزوج أخوه من النسب أخته من الرضاعة.","vol":"4","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-644>بَابُ تَحْرِيمِ الرَّضَاعَةِ مِنْ مَاءِ الْفَحْلِ</span>\n\n[١٤٤٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أَفْلَحَ- أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ- جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا- وَهُوَ عَمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ- بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَ الْحِجَابُ، قَالَتْ: فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ.\n[خ: ٤٧٩٦]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَتَانِي عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ أَفْلَحُ بْنُ أَبِي قُعَيْسٍ، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ، وَزَادَ: قُلْتُ: إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ، وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ، قَالَ: تَرِبَتْ يَدَاكِ- أَوْ: يَمِينُكِ.\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهُ جَاءَ أَفْلَحُ- أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ- يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا، بَعْدَ مَا نَزَلَ الْحِجَابُ، وَكَانَ أَبُو الْقُعَيْسِ أَبَا عَائِشَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، قَالَت عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا آذَنُ لِأَفْلَحَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ؛ فَإِنَّ أَبَا الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ، قَالَت عَائِشَةُ: فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَفْلَحَ- أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ- جَاءَنِي يَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ، فَكَرِهْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَكَ، قَالَتْ: فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ائْذَنِي لَهُ»، قَالَ عُرْوَةُ: فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ، تَقُولُ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا تُحَرِّمُونَ مِنَ النَّسَبِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: جَاءَ أَفْلَحُ أَخُ وَأَبِي الْقُعَيْسِ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، وَفِيهِ: «فَإِنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ»، وَكَانَ أَبُو الْقُعَيْسِ زَوْجَ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَرْضَعَتْ عَائِشَةَ.","vol":"4","page":107},{"text":"وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ يَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْمِرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قُلْتُ: إِنَّ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ عَمُّكِ»، قُلْتُ: إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ، وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ، قَالَ: «إِنَّهُ عَمُّكِ، فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ-، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: أَنَّ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا أَبُو الْقُعَيْسِ.\nوَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَا: أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ أَبُو الْجَعْدِ، فَرَدَدْتُهُ، قَالَ لِي هِشَامٌ: إِنَّمَا هُوَ أَبُو الْقُعَيْسِ، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ قَالَ: «فَهَلَّا أَذِنْتِ لَهُ تَرِبَتْ يَمِينُكِ- أَوْ: يَدُكِ».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عِرَاكٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عَمَّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ- يُسَمَّى أَفْلَحَ- اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا فَحَجَبَتْهُ، فَأَخْبَرَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فقَالَ لَهَا: «لَا تَحْتَجِبِي مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ».\n[خ: ٢٦٤٤]\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ بْنُ قُعَيْسٍ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَأَرْسَلَ إِنِّي عَمُّكِ أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فقَالَ: «لِيَدْخُلْ عَلَيْكِ، فَإِنَّهُ عَمُّكِ».","vol":"4","page":108},{"text":"في هذه الأحاديث: دليل على أن لبن الفحل يحرم؛ فإنَّ عمَّ عائشة ﵂ أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليها؛ لأن امرأة أخيه أرضعتها، فصار زوجها أبًا لعائشة ﵂ من الرضاعة، وصار أخوه عمها من الرضاعة؛ ولذا أمرها النبي ﷺ أن تأذن له، فدل على أن الحرمة تنتشر في الزوج الذي له اللبن، فهو يصير أبًا للرضيع، وأخوته يصيرون أعمامًا للرضيع.\nوالحرمة تنتشر في هذه الثلاث فقط: في الرضيع، وفي الأم المرضعة، وفي الزوج الذي له اللبن، وأقاربهم جميعًا: الرضيع، وأبناؤه، وبناته تنتشر فيهم الحرمة، والمرضعة تنتشر الحرمة فيها، وفي أولادها، وأخواتها، وأقاربها، وفي الزوج الذي له اللبن وأقاربه، أما إخوة الرضيع من النسب، وأبوه من النسب، وأمه من النسب، فلا علاقة لهم بهذه الرضاعة.\nوقوله: «تَرِبَتْ يَمِينُكِ»: هذا من باب الحث على فعل الشيء، ولا يراد بها أصلها، وهو الدعاء عليها أن تلتصق يدها بالتراب من شدة الفقر.","vol":"4","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-645>بَاب تَحْرِيمِ ابْنَةِ الْأَخِ مِنَ الرَّضَاعَةِ</span>\n\n[١٤٤٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ تَنَوَّقُ فِي قُرَيْشٍ وَتَدعَنْا؟ فقَالَ: وَعَنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، بِنْتُ حَمْزَةَ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي؛ إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ».\nوَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ جَرِيرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\n\n[١٤٤٧] وَحَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنّ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيدَ عَلَى ابْنَةِ حَمْزَةَ، فقَالَ: «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي؛ إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّحِمِ».\n[خ: ٢٦٤٥]\nوَحَدَّثَنَاهُ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى وَهُوَ الْقَطَّانُ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مِهْرَانَ الْقُطَعِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، بِإِسْنَادِ هَمَّامٍ سَوَاءً، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ شُعْبَةَ انْتَهَى عَنْدَ قَوْلِهِ: «ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ»، وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ: «وَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»، وَفِي رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ.\nقوله: «تَنَوَّقُ»، يعني: تختار في قريش فتتزوج منهم، وتترك بني هاشم وهم الأقربون؟ ! فقال ﷺ: «وَعِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟»، يعني: هل عندكم من تصلح","vol":"4","page":110},{"text":"أن أتزوجها؟\nوالأصل أن بنت العم تحل له، فظن علي ﵁ أنها تحل له، فقال: لماذا لا تتزوج بنت عمك حمزة؟ لكن لما صار حمزة بن عبد المطلب ﵁ أخاه من الرضاعة؛ صارت بنته بنت أخي النبي ﷺ من الرضاعة، فلا تحل له كابنة أخيه من النسب.\n\n[١٤٤٨] وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُسْلِمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- تَقُولُ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: أَيْنَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ عَنِ ابْنَةِ حَمْزَةَ؟ قِيلَ: أَلَا تَخْطُبُ بِنْتَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ قَالَ: «إِنَّ حَمْزَةَ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ».\nقوله: «سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُسْلِمٍ» هو أخو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، الإمام المشهور، ورواية عبد الله عن أخيه محمد قليلة جدًّا، وهو أكبر منه، ومات قبله، وكان يكبر عنه قليلًا، فهنا من التابعين: بكير بن الأشد، وعبد الله بن مسلم، ومحمد بن مسلم.\nوقوله: «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي؛ إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّحِمِ» لأن زوج المرضعة يصير أبًا للرضيع من الرضاعة، وأخوه عمه.","vol":"4","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-646>بَاب تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ وَأُخْتِ الْمَرْأَةِ</span>\n\n[١٤٤٩] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، أَخْبَرَنا هِشَامٌ، أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ لَكَ فِي أُخْتِي بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، فقَالَ: «أَفْعَلُ مَاذَا؟»، قُلْتُ: تَنْكِحُهَا، قَالَ: «أَوَ تُحِبِّينَ ذَلِكِ؟»، قُلْتُ: لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَنِي فِي الْخَيْرِ أُخْتِي، قَالَ: «فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي»، قُلْتُ: فَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّكَ تَخْطُبُ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: «بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ !»، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي؛ إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ؛ فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ، وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ».\n[خ: ٥١٠٦]\nوَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، أَخْبَرَنا زُهَيْرٌ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ سَوَاءً.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ شِهَابٍ كَتَبَ يَذْكُرُ: أَنَّ عُرْوَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- حَدَّثَتْهَا: أَنَّهَا قَالَت لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ أُخْتِي عَزَّةَ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَتُحِبِّينَ ذَلِكِ؟»، فقَالَت: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي، فقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَإِنَّ ذَلِكِ لَا يَحِلُّ لِي!»، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّا نَتَحَدَّثُ: أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: «بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ؟ !»، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي؛ إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ، وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ».","vol":"4","page":112},{"text":"وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِإِسْنَادِ ابْنِ أَبِي حَبِيبٍ، نَحْوَ حَدِيثِهِ، وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي حَدِيثِهِ: عَزَّةَ، غَيْرُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ.\nقولها: «لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ»، يعني: لست منفردة بك من غير ضرة، وإذا كان معي ضرة فأحب ما يشركني في الخير أختي.\nفي هذه الأحاديث:\n١ - بيان أنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب.\n٢ - أن أم حبيبة ﵂ عرضت على النبي ﷺ أختها؛ ليتزوجها، قبل أن تعلم الحكم الشرعي أنه لا يجوز الجمع بين الأختين.\n٣ - دل قوله: «فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي» على تحريم أخت الزوجة، فهي محرمة تحريمًا مؤمَّدًا- إلى أمد- حتى تُفَارَق أختها بموت، أو طلاق، وتخرج من العدة فتحل له أختها، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾.\n٤ - قوله: «بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ !» من باب الاستثبات.\n٥ - في قوله: «لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي؛ إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ» أنه قد اجتمع بها مانعان من الزواج:\nالمانع الأول: أنها ربيبة للنبي ﷺ بحجره، والربيبة هي: بنت الزوجة، وهي محرمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، وهذا القيد خرج مخرج الغالب، وإلا فلو كانت بنت الزوجة في غير حجر الزوج فهي حرام- أيضًا- خلافًا لداود الظاهري؛ فإنه تعلق بظاهر الآية والحديث، وقال: «أما من تزوج امرأة ولها ابنة أو ملكها ولها ابنة؛ فإن","vol":"4","page":113},{"text":"كانت الابنة في حجره ودخل بالأم مع ذلك وطئ أو لم يطأ لكن خلا بها بالتلذذ لم تحل له ابنتها أبدًا، فإن دخل بالأم ولم تكن الابنة في حجره أو كانت الابنة في حجره ولم يدخل بالام؛ فزواج الابنة له حلال» (^١).\nوالصواب: أنها حرام مطلقًا، سواء كانت في حجر الزوج، أو لم تكن في حجره، وقوله: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ من باب الوصف الأغلب؛ لأنه غالبًا ما تكون الربيبة في حجر الزوج، وإذا لم تكن في حجره فالحكم واحد.\nالمانع الثاني: أنها ابنة أخيه من الرضاعة، فإن أبا سلمة ارتضع مع الرسول ﷺ من ثويبة مولاة أبي لهب، قبل أن ترضعه حليمة السعدية.\nوقد ورد في هذه الرواية تسمية أخت أم حبيبة بعزة.\n_________\n(^١) المحلى، لابن حزم (٩/ ٥٢٧).","vol":"4","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-647>بَاب فِي الْمَصَّةِ وَالْمَصَّتَانِ</span>\n\n[١٤٥٠] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ. ح، وَحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَقَالَ سُوَيْدٌ، وَزُهَيْرٌ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ».\n\n[١٤٥١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كُلُّهُمْ عَنِ الْمُعْتَمِرِ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- أَخْبَرَنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَيُّوبَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ قَالَتْ: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى نَبِيِّ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِي، فقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنِّي كَانَتْ لِي امْرَأَةٌ، فَتَزَوَّجْتُ عَلَيْهَا أُخْرَى، فَزَعَمَتِ امْرَأَتِي الْأُولَى: أَنَّهَا أَرْضَعَتِ امْرَأَتِي الْحُدْثَى رَضْعَةً، أَوْ رَضْعَتَيْنِ، فقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ: «لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَالْإِمْلَاجَتَانِ»، قَالَ عَمْرٌو- فِي رِوَايَتِهِ-: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، هَلْ تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ الْوَاحِدَةُ؟ قَالَ: «لَا».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ حَدَّثَتْ: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ أَوِ الرَّضْعَتَانِ، أَوِ الْمَصَّةُ أَوِ الْمَصَّتَانِ».","vol":"4","page":115},{"text":"وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أَمَّا إِسْحَاقُ فقَالَ كَرِوَايَةِ ابْنِ بِشْرٍ: «أَوِ الرَّضْعَتَانِ، أَوِ الْمَصَّتَانِ»، وَأَمَّا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، فقَالَ: «وَالرَّضْعَتَانِ وَالْمَصَّتَانِ».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَالْإِمْلَاجَتَانِ».\nحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ أَتُحَرِّمُ الْمَصَّةُ؟ فقَالَ: «لَا».\nقوله: «امْرَأَتِي الْحُدْثَى» بضم الحاء المهملة وإسكان الدال، أي: الجديدة.\nقوله: «حَدَّثَنَا حَبَّانُ» بفتح الحاء المهملة وبالباء الموحدة، هو: حبان بن هلال.\nفي هذا الباب: بيان أن الرضعة والرضعتان، والمصة والمصتان، لا يثبت بهما تحريم.","vol":"4","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-648>بَاب التَّحْرِيمِ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ</span>\n\n[١٤٥٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعَنْبِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ عَمْرَةَ: أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ- وَهِيَ تَذْكُرُ الَّذِي يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ- قَالَت عَمْرَةُ: فقَالَت عَائِشَةُ: نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ- أَيْضًا-: خَمْسٌ مَعْلُومَاتٌ.\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ بِمِثْلِهِ.\nقولها: «فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ» المعنى: أنه تأخر نسخها قبيل وفاة النبي ﷺ، فتوفي الرسول ﷺ، وبعض الناس الذين لم يعلموا بالنسخ صاروا يقرؤونها، ثُمَّ بعد ذلك لما علموا تركوا القراءة.\nوفي هذا الحديث: إثبات النسخ في القرآن، والرد على من أنكره، قال تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أو نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أو مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nوفيه: إثبات الناسخ والمنسوخ، فالناسخ خمس رضعات، والمنسوخ عشر رضعات، فكان فيما أنزل آية تقرأ، أما العشر رضعات فنسخ لفظها وحكمها، وأما الخمس رضعات فنسخ لفظها وبقي حكمها، فتصبح مثالًا لما نسخ لفظه وحكمه، ولما نسخ لفظه وبقي حكمه.","vol":"4","page":117},{"text":"ومما نسخ حكمه وبقي لفظه: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، فقد نسخت بآية التربص بأربعة أشهر: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.\nوفيه: دليل على أنه لا يحرم إلا خمس رضعات، وإلى هذا ذهب المحققون من أهل العلم، وهو الصواب؛ لهذا الحديث، والمراد بالرضعة: أن يمتص الصبي الثدي، ثُمَّ يتركه باختياره، بل يتركه باختياره لنفَس، أو للعب، أو لشبع، وسواء كان بمجلس، أو مجالس، وسواء ارتضع من الثدي، أو حُلب له في إناء وشربه، أو جُفف وأكله، وذهب الجمهور من الحنفية والمالكية وأحمد في رواية عنه إلى أن الرضاعة تحرم ولو برضعه واحدة؛ أخذًا بإطلاق الآية: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ وقالوا: هذا لفظ مطلق يدل على أنه إذا حصل الإرضاع ولو مرة واحدة كفت (^١).\nوذهب داود وجماعة إلى أنه لا يحرم إلا ثلاث رضعات (^٢)، واستدلوا بما في الأحاديث التي مرت: «لَا تُحَرِّمُ المَصَّةُ والمَصَّتَانَ»، و«لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَالْإِمْلَاجَتَانِ»، فالمصة والرضعة لا تحرم، والمصتان لا تحرم، فدل على أن الثلاث تحرم.\nوالصواب من الأقوال: أنه لا يحرم إلا خمس رضعات؛ لحديث عائشة: «كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ\n_________\n(^١) الاختيار لتعليل المختار، لابن مودود الموصلي (٣/ ١١٧)، المبسوط، للسرخسي (٥/ ١٣٤)، الشرح الكبير، للدردير (٢/ ٥٠٢)، الإنصاف، للمرداوي (٩/ ٣٣٤).\n(^٢) المحلى، لابن حزم (١٠/ ٩).","vol":"4","page":118},{"text":"مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ»، ولحديث سهلة، وسالم أن النبي ﷺ قال لها: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ».\nمسألة: إذا قيل: إن فلانًا رضع من فلانة ولم يُعلَمْ؛ فالأحوطُ البعدُ عنها، فلا يتزوجها احتياطًا لدينه؛ لأن عقبة بن الحارث تزوج بنت عزيز بن أبي إيهاب، فجاءت امرأة سوداء، وقالت له ولها ليلة الزواج: «قد أرضعتُكما، فقال: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني»، ثُمَّ ذهب إلى النبي ﷺ من مكة إلى المدينة وأخبره، فقال له النبي ﷺ: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ !» (^١)، يعني: هذه شبهة، ففارقها عقبة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٨).","vol":"4","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-649>بَاب رِضَاعَةِ الْكَبِيرِ</span>\n\n[١٤٥٣] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فقَالَت: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ- وَهُوَ حَلِيفُهُ- فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَرْضِعِيهِ»، قَالَتْ: وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ».\nزَادَ عَمْرٌ وَفِي حَدِيثِهِ: وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ الثَّقَفِيِّ قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ سَالِمًا- مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ- كَانَ مَعَ أَبِي حُذَيْفَةَ وَأَهْلِهِ فِي بَيْتِهِمْ، فَأَتَتْ- تَعْنِي: ابْنَةَ سُهَيْلٍ- النَّبِيَّ ﷺ فقَالَت: إِنَّ سَالِمًا قَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ، وَعَقَلَ مَا عَقَلُوا، وَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْنَا، وَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ، وَيَذْهَبِ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ»، فَرَجَعَتْ، فقَالَت: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُهُ، فَذَهَبَ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ، فقَالَت: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ سَالِمًا- لِسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ- مَعَنَا فِي بَيْتِنَا، وَقَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ، وَعَلِمَ مَا يَعْلَمُ الرِّجَالُ، قَالَ: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ»، قَالَ: فَمَكَثْتُ سَنَةً، أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا لَا أُحَدِّثُ","vol":"4","page":120},{"text":"بِهِ وَهِبْتُهُ، ثُمَّ لَقِيتُ الْقَاسِمَ، فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ حَدَّثْتَنِي حَدِيثًا مَا حَدَّثْتُهُ بَعْدُ، قَالَ: فَمَا هُوَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ قَالَ: فَحَدِّثْهُ عَنِّي أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْنِيهِ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَت أُمُّ سَلَمَةَ- لِعَائِشَةَ-: إِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْكِ الْغُلَامُ الْأَيْفَعُ الَّذِي مَا أُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ، قَالَ: فقَالَت عَائِشَةُ: أَمَا لَكِ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ أُسْوَةٌ؟ قَالَتْ: إِنَّ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ سَالِمًا يَدْخُلُ عَلَيَّ، وَهُوَ رَجُلٌ، وَفِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ شَيْءٌ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَرْضِعِيهِ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْكِ».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ- واللفظ لهارون- قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ نَافِعٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، تَقُولُ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- تَقُولُ- لِعَائِشَةَ-: وَاللهِ مَا تَطِيبُ نَفْسِي أَنْ يَرَانِي الْغُلَامُ قَدِ اسْتَغْنَى عَنِ الرَّضَاعَةِ، فقَالَت: لِمَ، قَدْ جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فقَالَت: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَأَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ، قَالَتْ: فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَرْضِعِيهِ»، فقَالَت: إِنَّهُ ذُو لِحْيَةٍ، فقَالَ: «أَرْضِعِيهِ يَذْهَبْ مَا فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ»، فقَالَت: وَاللهِ مَا عَرَفْتُهُ فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ.\nقولها: «الغُلَامُ الْأَيْفَعُ»، يعني: الذي قارب البلوغ.\nوفي هذا الحديث: أن أم سلمة ﵂ أنكرت على عائشة ﵂، وقالت: «إِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْكِ الْغُلَامُ الْأَيْفَعُ الَّذِي مَا أُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ» فذكرت لها عائشة حديث حذيفة وسالم ﵄ أن النبي ﷺ أمر امرأة حذيفة سهلة بنت سهيل أن ترضع سالمًا؛ فرأت عائشة ﵂ أن هذا الحكم عامٌّ وليس خاصًّا، وأما أم سلمة فترى أنه خاص بسالم وسهلة ﵄.","vol":"4","page":121},{"text":"[١٤٥٤] حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ: أَنَّ أُمَّهُ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أُمَّهَا- أُمَّ سَلَمَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- كَانَتْ تَقُولُ: أَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ أَحَدًا بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ: وَاللهِ مَا نَرَى هَذَا إِلَّا رُخْصَةً أَرْخَصَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِسَالِمٍ خَاصَّةً، فَمَا هُوَ بِدَاخِلٍ عَلَيْنَا أَحَدٌ بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ وَلَا رَائِينَا.\nفي هذا الحديث: أن هذا الغلام الذي كان يدخل على عائشة ﵂ رضع من إحدى بنات أخيها، فتكون عائشة عمته من الرضاعة، ولما أنكرت أم سلمة ﵂ عليها قالت: أنا ما أحب أن يدخل عليَّ، قالت عائشة ﵂: أما لكِ في رسول الله أسوة؟ ! وكأن عائشة ﵂ أمرت إحدى بنات أخيها أن ترضعه، وهذا وإن لم يذكر في الحديث، لكن هذا هو الظاهر.\nوعائشة ﵂ ترى أن هذا الحكم ليس خاصًّا بسالم وسهلة ﵄، وترى أنه لا بأس أن ترضع المرأة الرجل الكبير، وذهب إلى ذلك داود الظاهري (^١)، والصواب الذي عليه مذهب الجماهير: أن هذا خاص بسالم وسهلة ﵄، ولا يقاس عليه غيره (^٢).\nوذهب شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، وابن القيم (^٤) ﵏ إلى قريب\n_________\n(^١) المحلى، لابن حزم (١٠/ ٢٢).\n(^٢) بدائع الصنائع، للكاساني (٤/ ٦)، التوضيح، لخليل بن إسحاق (٥/ ١٠٩)، المغني، لابن قدامة (٨/ ١٧٨)، كشاف القناع، للبهوتي (١٣/ ٨٤)، الأم، للشافعي (٦/ ٨٠).\n(^٣) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٣٤/ ٦٠).\n(^٤) زاد المعاد، لابن القيم (٥/ ٥٢٧).","vol":"4","page":122},{"text":"من منهج عائشة ﵂، فقد ذهبا إلى أن من كانت حالته مثل حال سهلة وسالم- مولى أبي حذيفة﵄ فلا بأس أن ترضعه، فيصير ابنًا لها، ولكن رأي شيخ الإسلام ﵀ هنا ضعيف، وكذلك- قول عائشة ﵂، والصواب مع الجمهور؛ ورضاع الكبير فتحٌ لباب الشرور والفتن، ولا سيما في هذا الزمن، ولو قيل بهذا لصارت بعض النساء تدعي أنها أرضعت خادمًا عندها، أو سائقَ سيارةٍ، وصار يدخل على النساء فيكون من أسباب الفواحش، وإذا قيل له: كيف أدخلتِهِ؟ قالت: أرضعته خمس رضعات، ويذهب ببنتها إلى حيث شاء، ويقول: إنه مَحْرَمٌ؛ لأنه أخوها من الرضاعة، فتحصل الفواحش والشرور.\nوالصواب: ما ذهب إليه الجماهير، أنه لا يحرم إلا ما كان في الحولين، والأحاديث هنا صريحة: «لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ» (^١)، و«لا يُحَرِّمُ مِنَ الرِّضَاعَةِ إِلَاّ مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ فِي الثَّدْيِ، وَكَانَ قَبْلَ الفِطَامِ» (^٢)، و«فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ»، وهذه الأحاديث محكمة واضحة، أما قصة سالم فهي مستثناة، وخاصة بسالم وسهلة.\nوزاد أبو حنيفة على هذا نصفَ سنة (^٣)، فعنده مدة الرضاعة: سنتان ونصف، ولنا قول الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٥٦٦٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١١٥٢)، والنسائي في الكبرى (٥٤٤١).\n(^٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين، لابن عابدين (٣/ ٢٠٩).","vol":"4","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-650>بَاب إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ</span>\n\n[١٤٥٥] حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَت عَائِشَةُ: دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعَنْدِي رَجُلٌ قَاعِدٌ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، قَالَتْ: فقَالَ: «انْظُرْنَ إِخْوَتَكُنَّ مِنَ الرَّضَاعَةِ؛ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ بِإِسْنَادِ أَبِي الْأَحْوَصِ كَمَعْنَى حَدِيثِهِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ قَالُوا: «مِنَ الْمَجَاعَةِ».\nفي هذا الحديث: أنه يجب التحرز، والتأكد من المحرمية؛ ولهذا لما رأى النبي ﷺ الرجل عند عائشة ﵂ تغير وجهه، وبان الغضب عليه، قالت: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، قَالَتْ: فقَالَ: «انْظُرْنَ إِخْوَتَكُنَّ مِنَ الرَّضَاعَةِ»، يعني: تأكدن ولا يقبل كل من ادعى الرضاعة حتى يتحقق، ولا ينبغي التساهل، ثُمَّ قال النبي ﷺ: «فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ»، وهو صريح في أن الرضاعة إنما تنفع عندما تفيد الإنسان من الجوع، واللفظ الآخر: «لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ، إِلَّا مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ، وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ» (^١)، وهذا صريح في أن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤١١٤)، وأبو داود (٢٠٦٠).","vol":"4","page":124},{"text":"الرضاعة تكون للصغار؛ لينتفعوا بها، ويستغنوا بها عن الطعام، وتبني لحومهم وعظامهم، أما رضاع الكبير فلا يفيده، وهذا يدل على أن قصه سالم وسهلة ﵄ خاصة بهما.","vol":"4","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-651>بَاب جَوَازِ وَطْءِ الْمَسْبِيَّةِ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا بِالسَّبْيِ</span>\n\n[١٤٥٦] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صَالِحٍ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعَثَ جَيْشًا إِلَى أَوْطَاسَ، فَلَقُوا عَدُوًّا، فَقَاتَلُوهُمْ، فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ، وَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا، فَكَأَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَحَرَّجُوا مِنْ غِشْيَانِهِنَّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِي ذَلِكَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، أَيْ: فَهُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ: أَنَّ أَبَا عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيَّ حَدَّثَ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ بَعَثَ يَوْمَ حُنَيْنٍ سَرِيَّةً، بِمَعْنَى حَدِيثِ بْنِ زُرَيْعٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْهُنَّ فَحَلَالٌ لَكُمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ: إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ.\nوَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ-، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nوَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: أَصَابُوا سَبْيًا يَوْمَ أَوْطَاسَ لَهُنَّ أَزْوَاجٌ فَتَخَوَّفُوا، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.\nوَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ-، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.","vol":"4","page":126},{"text":"قوله: «فَهُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ»، أي: فيجوز وطؤهن إذا انقضت عدتهن.\nوفي هذا الحديث: إباحة وطء المسبية إذا استبرأها من سباها بحيضة، أو بوضع الحمل إن كانت حاملًا، وأنه ينفسخ نكاحها من زوجها الكافر بالسبي؛ ولهذا أنزل الله هذه الآية لما أرسل النبي ﷺ جيشًا إلى أوطاس- قرب الطائف- وأصابوا سبايا، فتحرجوا من غشيانهن، فأنزل الله هذه الآية وذكر المحرمات من النساء: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾، ثُمَّ قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ والمراد: أن المتزوجات حرام عليكم، إلا ما ملكت أيمانكم؛ فإنه ينفسخ نكاحها من زوجها الكافر بالسبي، وتحل للسابي، بعد أن يستبرئها بحيضة، أو بوضع حملها إن كانت حاملًا، ثُمَّ يواقعها بملك اليمين.","vol":"4","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-652>بَاب الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَتَوَقِّي الشُّبُهَاتِ</span>\n\n[١٤٥٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلَامٍ، فقَالَ سَعْدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ؟ وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللهِ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فقَالَ: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ». قَالَتْ: فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ.\nوَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَوْلَهُ: «يَا عَبْدُ».\n[خ: ٢٢١٨]\nحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّ مَعْمَرًا، وَابْنَ عُيَيْنَةَ فِي حَدِيثِهِمَا: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ»، وَلَمْ يَذْكُرَا: «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ».\n\n[١٤٥٨] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ».\n[خ: ٦٧٥٠]\nوَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَمَّا ابْنُ مَنْصُورٍ، فقَالَ: عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَمَّا عَبْدُ الْأَعْلَى، فقَالَ: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَوْ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ زُهَيْرٌ: عَنْ سَعِيدٍ، أَوْ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ مَرَّةً عَنِ الزُّهْرِيِّ","vol":"4","page":128},{"text":"عَنْ سَعِيدٍ، وَمَرَّةً عَنْ سَعِيدٍ، أَوْ أَبِي سَلَمَةَ، وَمَرَّةً عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَعْمَرٍ.\nقوله: «العاهر» الزاني، والعهر: الزنى، و«الحجر»، يعني: الخيبة، فلا يلحق به الولد.\nفي هذه الأحاديث: أن الولد للفراش، وأن المرأة إذا كانت فراشًا كأن تكون زوجة، أو أمة يطؤها سيدها، فإذا ولدت ينسب الولد إلى زوجها، أو إلى سيدها، ولو حصل منها زنا، فلا يمنع هذا من نسبة الولد إلى الواطئ، إلا إذا نفاه الواطئ باللعان، فينتفي، وينسب إلى أمه، كما سيأتي تفصيل ذلك في كتاب اللعان.\nولهذا لما أتى سعد ابن أبي وقاص مع عبد بن زمعة بغلام إلى النبي ﷺ يوم فتح مكة، فقال سعد بن أبي وقاص ﵁: يا رسول هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه، وأنه وطئ هذه الجارية، أمة ابن زمعة، وقال: إنها حملت، وإن هذا الولد له، ولم يكن سعد يعلم بالحكم ﵁ قبل ذلك، فأوصاه أخوه عتبة قبل موته أن يأخذ الولد إذا ولدت هذه الأمة التي لعبد بن زمعة؛ لأنه منه، فقد وطئها.\nوأما عبد بن زمعة فقال: يا رسول الله، هذا الولد وُلد على فراش أبي من وليدته، يعني: أمة زمعة، كان يطؤها، وَوُلد على فراشه وهو سيدها، فحكم النبي ﷺ به لعبد بن زمعة، وقال: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، والعاهر هنا هو: عتبة، يدعي أنه زنى بها، فلا يبقى ولده، فله الحجر وله الخيبة.\nوالنبي ﷺ نظر إلى شبهه، فرأى به شبهًا بيِّنًا بعتبة، والشبه لا يُنظر إليه مع وجود الأصل، والأصل: أن الولد للفراش، ولكن النبي ﷺ لما رأى به شبهًا بيِّنًا بعتبة أمر أم ألمؤمنين سودة بنت زمعة- وهي أخت عبد بن زمعة-","vol":"4","page":129},{"text":"أن تحتجب منه احتياطًا للفروج، واحتياطًا للمحارم، خوفًا أن يكون من مائه، فلم يرَ سودة حتى توفيت، ولم تكشف له الحجاب.\nوالقاعدة: أن الزاني لا ينسب له شيء، سواء كانت المرأة فراشًا، أو غيرَ فراش، والزانية إذا أتت بولد يكون لقيطًا ينسب إليها، ولا ينسب للزاني، وليس له أب شرعي.","vol":"4","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-653>بَاب الْعَمَلِ بِإِلْحَاقِ الْقَائِفِ الْوَلَدَ</span>\n\n[١٤٥٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح قَالَ: أَخْبَرَنا اللَّيْثُ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فقَالَ: «أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فقَالَ: إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ».\n[خ: ٦٧٧٠]\nوَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ مَسْرُورًا، فقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ دَخَلَ عَلَيَّ، فَرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا، وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ».\nوَحَدَّثَنَاهُ مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ قَائِفٌ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ شَاهِدٌ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيدٍ، وَزَيدُ بْنُ حَارِثَةَ مُضْطَجِعَانِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، فَسُرَّ بذلك النَّبِيُّ ﷺ وَأَعْجَبَهُ، وَأَخْبَرَ بِهِ عَائِشَةَ.\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ يُونُسَ: وَكَانَ مُجَزِّزٌ قَائِفًا.\nقوله: «أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ دَخَلَ» مُجَزِّزًا: بميم مضمومة وجيم مفتوحة وزاي مكررة، وهو قائف معروف.","vol":"4","page":131},{"text":"وفي هذه الأحاديث: العمل بالقيافة، والقيافة هي: معرفة الشبه، وقد فرح النبي ﷺ؛ لأن مُجَزِّزًا المدلجي وافق وأيد الشرع في هذا، وذلك أن الناس كانوا يطعنون في نسب أسامة من أبيه زيد ﵄، وذلك أن زيدًا أبيض اللون، وابنه أسامة أسود اللون، وكان زيد بن حارثة وابنه أسامة قد التحفا بقطيفة، وقد غطيا رؤوسهما، وبدت أرجلهما الأربع، فمر مجزر المدلجي وهو لا يعرفهما، فلما رأى الأربع الأرجل اثنتين سودًا واثنتين بيضًا، قال: إن هذه الأرجل بعضها لمن بعض، عملًا بالشبه، فَسُرَّ النبي ﷺ بذلك، ودخل على عائشة تبرق أسارير وجهه؛ لموافقة قول مجزر لما جاء به الشرع.","vol":"4","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-654>بَاب قَدْرِ مَا تَسْتَحِقُّهُ الْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ مِنْ إِقَامَةِ الزَّوْجِ عَنْدَهَا عُقْبَ الزِّفَافِ</span>\n\n[١٤٦٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ-، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ: لَمَّا تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ أَقَامَ عَنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ وَأَصْبَحَتْ عَنْدَهُ قَالَ لَهَا: «لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عَنْدَكِ، وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ»، ثُمَّ دُرْتُ؟ قَالَتْ: ثَلِّثْ.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعَنْبِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَخَذَتْ بِثَوْبِهِ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنْ شِئْتِ زِدْتُكِ وَحَاسَبْتُكِ بِهِ، لِلْبِكْرِ سَبْعٌ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا أَبُو ضَمْرَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقوله: «لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ» المراد بأهلها هو النبي ﷺ نفسه.\nوفي هذه الأحاديث: دليل على أن الرجل إذا تزوج امرأة وعنده زوجة، أو زوجات، فإن كانت بكرًا أقام عندها سبعًا، ثُمَّ دار، وإن كانت ثيبًا أقام","vol":"4","page":133},{"text":"عندها ثلاثًا، ثُمَّ دار، وأم سلمة ﵂ كانت ثيبًا، وإذا أحبت الثيب أن يقيم عندها سبعًا فلا بأس، لكنه يقيم عند الأخريات سبعًا؛ ولهذا خيَّر النبي ﷺ أم سلمة وقَالَ لَهَا: «لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عَنْدَكِ، وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ، ثُمَّ دُرْتُ؟ قَالَتْ: ثَلِّثْ».\nوفيها: أن هناك فرقًا بين البكر والثيب، فالبكر جديدة ولم يسبق لها أن باشرت الرجال، فتحتاج إلى مدة أطول حتى تزول الرهبة من الرجل وتستأنس به، بخلاف الثيب فإنه سبق لها قبل ذلك الاتصال بالرجال.\nحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ- يَعْنِي: ابْنَ غِيَاثٍ- عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ- ذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا، وَذَكَرَ أَشْيَاءَ هَذَا فِيهِ- قَالَ: «إِنْ شِئْتِ أَنْ أُسَبِّعَ لَكِ، وَأُسَبِّعَ لِنِسَائِي، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي».\n\n[١٤٦١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا هُشَيْمٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عَنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى الْبِكْرِ أَقَامَ عَنْدَهَا ثَلَاثًا.\nقَالَ خَالِدٌ: وَلَوْ قُلْتُ: إِنَّهُ رَفَعَهُ لَصَدَقْتُ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: السُّنَّةُ كَذَلِكَ.\n[خ: ٥٢١٤]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ، وَخَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ: أَنْ يُقِيمَ عَنْدَ الْبِكْرِ سَبْعًا قَالَ خَالِدٌ: وَلَوْ شِئْتُ قُلْتُ: رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ.\nحديث أبي بكر بن عبد الرحمن مرسل، فهو أحيانًا يصل الحديث، فيقول: عن أبي، وأحيانًا يرسله، كما هو هنا: عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أم سلمة، وأسقط أباه، ولا مانع؛ لأن سماعه عن أبيه ثابت.","vol":"4","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-655>بَاب الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ، وَبَيَانِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ تَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ لَيْلَةٌ مَعَ يَوْمِهَا</span>\n\n[١٤٦٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ تِسْعُ نِسْوَةٍ، فَكَانَ إِذَا قَسَمَ بَيْنَهُنَّ لَا يَنْتَهِي إِلَى الْمَرْأَةِ الْأُولَى، إِلَّا فِي تِسْعٍ، فَكُنَّ يَجْتَمِعْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ الَّتِي يَأْتِيهَا، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، فَجَاءَتْ زَيْنَبُ، فَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهَا، فقَالَت: هَذِهِ زَيْنَبُ، فَكَفَّ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ، فَتَقَاوَلَتَا، حَتَّى اسْتَخَبَتَا وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ عَلَى ذَلِكَ، فَسَمِعَ أَصْوَاتَهُمَا، فقَالَ: اخْرُجْ يَا رَسُولَ اللهِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ، فقَالَت عَائِشَةُ: الْآنَ يَقْضِي النَّبِيُّ ﷺ صَلَاتَهُ، فَيَجِيءُ أَبُو بَكْرٍ، فَيَفْعَلُ بِي وَيَفْعَلُ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاتَهُ أَتَاهَا أَبُو بَكْرٍ، فقَالَ لَهَا قَوْلًا شَدِيدًا، وَقَالَ: أَتَصْنَعِينَ هَذَا؟ ! .\nقوله: «اسْتَخَبَتَا»، أي: ارتفعت أصواتهما، واختلطت.\nوفي هذا الحديث: أنه حصل بين زوجات النبي ﷺ نزاع وكلام، كما يحصل بين الضرائر.\nوفيه: أنه إذا كان هذا يحصل بين زوجات الرسول ﷺ فغيرهن من باب أولى، وهذا شيء جبلِّي، فطر الله عليه المرأة بسبب الغيرة، لكن سرعان ما يزول ما بينهن ﵅ ويتصافين.\nوفيه: ما يدل على أنه لا بأس إذا كان للرجل عدد من النساء- ثلاث أو أربع- أن يجتمعن في مكان واحد وفي وقت واحد، يجلسن مع الزوج ويتحدثن معه، ثُمَّ تنصرف كل واحدة إلى بيتها.","vol":"4","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-656>بَاب جَوَازِ هِبَتِهَا نَوْبَتَهَا لِضرَّتِهَا</span>\n\n[١٤٦٣] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ فِي مِسْلَاخِهَا مِنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، مِن امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ، قَالَتْ: فَلَمَّا كَبِرَتْ جَعَلَتْ يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِعَائِشَةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِي مِنْكَ لِعَائِشَةَ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ، يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: أَنَّ سَوْدَةَ لَمَّا كَبِرَتْ، بِمَعْنَى حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ شَرِيكٍ: قَالَتْ: وَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا بَعْدِي.\nفي هذا الحديث: منقبة لسودة بنت زمعة ﵂، وشهادة من عائشة ﵂ بفضلها؛ قالت: «مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ فِي مِسْلَاخِهَا مِنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ»؛ وأصل المسلاخ: الجلد، والمعنى: ما رأيت امرأة أحب أن أكون مثلها من سودة بنت زمعة، على ما فيها من حدة، وأصل الحدة: سرعة الغضب، وقد فسرها البعض بالقوة، وجودة القريحة، لكن هذه الحدة لا تضرها، فهي شيء يسير؛ ولهذا تمنت عائشة أن تكون مثلها؛ فإنها رزينة عاقلة، ومن عقلها: أنها لما كبرت سنها وخافت أن يطلقها النبي ﷺ؛ وَهَبَت يومها لعائشة ﵂ أحب أزواجه إليه، فكان النبي ﷺ يقسم لعائشة ليلتين، ولبقية نسائه لكل امرأة ليلة.\nوفيه: دليل على أنه لا بأس أن تسقط المرأة ليلتها وتهبها لزوجها، أو","vol":"4","page":136},{"text":"إحدى ضراتها، وتبقى لها بقية الحقوق؛ ولهذا فسودة ﵂ أسقطت يومها لما كبرت سنها؛ لتبقى من أمهات المؤمنين، وتبقى مع الرسول ﷺ.\n\n[١٤٦٤] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَقُولُ: وَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا؟ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ قَالَتْ: قُلْتُ: وَاللهِ مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ.\n[خ: ٤٧٨٨]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: أَمَا تَسْتَحْيِي امْرَأَةٌ تَهَبُ نَفْسَهَا لِرَجُلٍ حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، فَقُلْتُ: إِنَّ رَبَّكَ لَيُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ.\nفي هذ الحديث: دليل على أن من خصائص النبي ﷺ أن تهب المرأة نفسها له فيتزوجها من دون مهر، وبدون ولي ولا شهود، قال الله ﷿: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوكانت عائشة ﵂ تغار من النساء اللاتي يهبن أنفسهن للنبي ﷺ، وتقول: وتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ ترجي، يعني: تؤخر من تشاء منهن من الواهبات، و﴿تؤوي إليك من تشاء﴾، ﴿ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك﴾ يعني: إذا أخرتها، ثُمَّ أردت أن تقبلها فلا حرج عليك؛ فقالت عائشة: ما أرى ربك إلا يسارع لك في هواك، يعني: يوسع لك ويخيرك.","vol":"4","page":137},{"text":"وقيل: إن الآية إنما هي في القسم بين أزواج النبي ﷺ، وأن الله ﷾ لم يوجب عليه أن يقسم بين أزواجه، ويكون المعنى: ﴿ترجي من تشاء منهن﴾ يعني: فلا تقسم لها، ﴿وتؤوي إليك من تشاء﴾ فتقسم لها.\nوقيل: إنها في الأمرين، ولعل هذا هو الأرجح، كما استظهره الحافظ ابن كثير ﵀ (^١)، وبهذا تقر أعين أزواج النبي ﷺ، ويرضين بذلك إذا رأينه يقسم، مع أنه ليس بواجب عليه القسم؛ ولهذا قال الله ﷿: ﴿ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزنن ويرضين بما آتيتهن كلهن﴾، فإذا كان الله لم يوجب عليه العدل، ولم يوجب عليه القسم، وهو مع هذا يقسم، فإنه تقر أعينهن بذلك ويرضين بما آتاهن.\nوهناك عدد من النساء وهبن أنفسهن للنبي ﷺ، ولما قالت ابنة أنس بن مالك: «مَا أَقَلَّ حَيَاءَهَا، وَا سَوْأَتَاهْ! وَا سَوْأَتَاهْ! قَالَ: هِيَ خَيْرٌ مِنْكِ، رَغِبَتْ فِي النَّبِيِّ ﷺ، فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا» (^٢).\nأما غير النبي ﷺ فلا يجوز أن تهب المرأة نفسها له، ولا بد من المهر والولي والشهود، ولا تتولى المرأة العقد لنفسها، ففي الحديث: «لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا». (^٣)\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٦/ ٤٤٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥١٢٠).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (١٨٨٢)، والبيهقي في الكبرى (١٣٦٣٢)، والدارقطني (٣٥٣٥).","vol":"4","page":138},{"text":"[١٤٦٥] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: حَضَرْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَنَازَةَ مَيْمُونَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- بِسَرِفَ، فقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ، فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا، فَلَا تُزَعْزِعُوا، وَلَا تُزَلْزِلُوا، وَارْفُقُوا؛ فَإِنَّهُ كَانَ عَنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ تِسْعٌ، فَكَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ، وَلَا يَقْسِمُ لِوَاحِدَةٍ، قَالَ عَطَاءٌ: الَّتِي لَا يَقْسِمُ لَهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ.\n[خ: ٥٠٦٧]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد، جميعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ: قَالَ عَطَاءٌ: كَانَتْ آخِرَهُنَّ مَوْتًا، مَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ.\nقال النووي ﵀: «وأما قول عطاء: التي لا يقسم لها صفية، فقال العلماء: هو وهمٌ من ابن جريج الراوي عن عطاء، وإنما الصواب سودة» (^١).\nوفي الحديث وهم آخر من عطاء: فليست ميمونة ﵂ آخرهن موتًا؛ لأنها ماتت سنة خمسين، وماتت بعدها عائشة ﵂.\nوقوله: «ماتت بالمدينة» وهمٌ ثالث؛ فقد ماتت بسَرِفَ، وهو مكان قرب مكة، ويحتمل أن مراده: أن صفية هي التي ماتت بالمدينة فهذا صحيح، لكنها ليست آخرهن موتًا.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٠/ ٥١).","vol":"4","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-657>بَاب اسْتِحْبَابِ نِكَاحِ ذَاتِ الدِّينِ</span>\n\n[١٤٦٦] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ».\n[خ: ٥٠٩٠]\nفي هذا الحديث: بيان أن المرأة تنكح لواحد من هذه الأمور الأربعة: إما لمالها، وإما لجمالها، وإما لحسبها ونسبها، وإما لدينها، وقد حث النبي ﷺ على ذات الدين، فقال: «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ».\nوفيه: أن الرجل قد يتزوج المرأة لمالها، فيطغيها مالها؛ وقد يتزوجها لحسبها فتطغى بحسبها؛ وقد يتزوجها لجمالها فلعل جمالها يرديها؛ ولذا قال: «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ»، وهو دعاء، يعني: التصقت يداك بالتراب من شدة الفقر؛ وليس المراد بها هنا الدعاء، وإنما هي كلمة ترد على اللسان يراد بها الحث على فعل الشيء.","vol":"4","page":140},{"text":"[٧١٥] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءٍ، أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَقِيتُ النَّبِيَّ ﷺ، فقَالَ: «يَا جَابِرُ، تَزَوَّجْتَ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «بِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ؟»، قُلْتُ: ثَيِّبٌ قَالَ: «فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ، فَخَشِيتُ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُنَّ، قَالَ: «فَذَاكَ إِذَنْ، إِنَّ الْمَرْأَةَ تُنْكَحُ عَلَى دِينِهَا، وَمَالِهَا، وَجَمَالِهَا، فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ».\nقوله: «بِكْرٌ» بالرفع، أي: أهي بكرٌ على تقدير: مبتدأ محذوف، والمشهور: «بِكْرًا» بالنصب على المفعولية، أي: أتزوجتَ بكرًا.\nوفي هذا الحديث: دليل على أن زواج البكر أفضل، إلا إذا كانت هناك مصلحة تتعلق بالثيب، كما فعل جابر ﵁.\nوفيه: فضيلة لجابر ﵁؛ فقد قدَّم مصلحة أخواته على مصلحة نفسه؛ عناية بهن، وقيامًا بحق والده.\nوفيه: حسن خلق النبي ﷺ في معاملته وملاطفته لأصحابه، وسؤاله عن أحوالهم.","vol":"4","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-658>بَاب اسْتِحْبَابِ نِكَاحِ الْبِكْرِ</span>\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَارِبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَلْ تَزَوَّجْتَ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «أَبِكْرًا، أَمْ ثَيِّبًا»، قُلْتُ: ثَيِّبًا، قَالَ: «فَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الْعَذَارَى وَلِعَابِهَا؟ !».\nقَالَ شُعْبَةُ: فَذَكَرْتُهُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، فقَالَ: قَدْ سَمِعْتَهُ مِنْ جَابِرٍ، وَإِنَّمَا قَالَ: «فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا، وَتُلَاعِبُكَ».\n[خ: ٥٠٨٠]\nقوله: «فَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الْعَذَارَى وَلِعَابِهَا؟ !» العذارى هن: الأبكار، ولِعَابها- بكسر اللام-، أي: ملاعبتها، مصدر لَاعَبَ لِعَابًا.\nوقيل: المراد بقوله: ولعابها: ريقها، لكن القول الأول هو المتبادر.","vol":"4","page":142},{"text":"حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ هَلَكَ وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ- أَوَ قَالَ: سَبْعَ- فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً ثَيِّبًا، فقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا جَابِرُ، تَزَوَّجْتَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَبِكْرٌ، أَمْ ثَيِّبٌ؟»، قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبٌ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ- أَوَ قَالَ: تُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ-»، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّ عَبْدَ اللهِ هَلَكَ، وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ- أَوْ: سَبْعَ- وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ آتِيَهُنَّ- أَوْ: أَجِيئَهُنَّ- بِمِثْلِهِنَّ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَجِيءَ بِامْرَأَةٍ تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتُصْلِحُهُنَّ، قَالَ: «فَبَارَكَ اللهُ لَكَ» - أَوَ قَالَ لِي: «خَيْرًا».\nوَفِي رِوَايَةِ أَبِي الرَّبِيعِ: «تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ، وَتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ».\n[خ: ٥٣٦٧]\nقوله: «فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ» فيه: استحباب الزواج بالبكر، وهو أفضل، إلا لمصلحة تتعلق بزواج الثيب، كما هو الشأن مع جابر ﵁.\nوقوله: «إِنَّ عَبْدَ اللهِ هَلَكَ، وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ- أَوْ: سَبْعَ» هو عبد الله بن حرام والد جابر ﵄؛ وهلك، يعني: مات، وترك لجابر تسع أخوات، وقد اعتنى جابر بأخواته، فتزوج ثيبًا؛ لتقوم بشؤونهن.\nوفي هذا الحديث: دليل على خدمة المرأة لزوجها ولأقاربه، وأن المرأة لها أن تخدم زوجها وتخدم أقاربه، وهذا من حسن العشرة ومن حسن الخلق.\nوقوله: «وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ آتِيَهُنَّ- أَوْ: أَجِيئَهُنَّ- بِمِثْلِهِنَّ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَجِيءَ بِامْرَأَةٍ تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتُصْلِحُهُنَّ، قَالَ: فَبَارَكَ اللهُ لَكَ- أَوَ قَالَ لِي: خَيْرًا»، يعني: كرهت أن آتيهن بجارية صغيرة مثلهن، لكن أتيتهن بامرأة كبيرة خبرت الأمور وجربت؛ لتصبر على خدمتهن، ورعايتهن.","vol":"4","page":143},{"text":"وفيه: الدعاء للمتزوج بالبركة، بقوله: بارك الله لك، كما هو هنا، أو بنحوه، كما في الحديث الآخر: «بَارَكَ اللهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا عَلَى خَيْرٍ» (^١).\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَلْ نَكَحْتَ يَا جَابِرُ؟»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتَمْشُطُهُنَّ، قَالَ: «أَصَبْتَ»، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا هُشَيْمٌ عَنْ سَيَّارٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَلَمَّا أَقْبَلْنَا تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ، فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ خَلْفِي، فَنَخَسَ بَعِيرِي بِعَنْزَةٍ كَانَتْ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ بَعِيرِي كَأَجْوَدِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ الْإِبِلِ، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فقَالَ: «مَا يُعْجِلُكَ يَا جَابِرُ؟»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، فقَالَ: «أَبِكْرًا تَزَوَّجْتَهَا، أَمْ ثَيِّبًا؟»، قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا، قَالَ: «هَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا، وَتُلَاعِبُكَ»، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ، فقَالَ: «أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلًا- أَيْ: عِشَاءً- كَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ»، قَالَ: وَقَالَ: «إِذَا قَدِمْتَ فَالْكَيْسَ الْكَيْسَ».\n[خ: ٥٢٤٥]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيَّ-، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي، فَأَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فقَالَ لِي: «يَا جَابِرُ»، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟»، قُلْتُ: أَبْطَأَ بِي جَمَلِي وَأَعْيَا فَتَخَلَّفْتُ، فَنَزَلَ فَحَجَنَهُ بِمِحْجَنِهِ، ثُمَّ قَالَ: «ارْكَبْ»، فَرَكِبْتُ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَكُفُّهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فقَالَ:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٨٩٥٦)، وأبو داود (٢١٣٠)، والترمذي (١٠٩١)، وابن ماجه (١٩٠٥).","vol":"4","page":144},{"text":"«أَتَزَوَّجْتَ؟»، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فقَالَ: «أَبِكْرًا، أَمْ ثَيِّبًا؟» فَقُلْتُ: بَلْ ثَيِّبٌ، قَالَ: «فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ»، قُلْتُ: إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تَجْمَعُهُنَّ وَتَمْشُطُهُنَّ وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ، قَالَ: «أَمَا إِنَّكَ قَادِمٌ، فَإِذَا قَدِمْتَ فَالْكَيْسَ الْكَيْسَ»، ثُمَّ قَالَ: «أَتَبِيعُ جَمَلَكَ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، فَاشْتَرَاهُ مِنِّي بِأُوقِيَّةٍ، ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ، فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فقَالَ: «الْآنَ حِينَ قَدِمْتَ»، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَدَعْ جَمَلَكَ وَادْخُلْ، فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ»، قَالَ: فَدَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَزِنَ لِي أُوقِيَّةً، فَوَزَنَ لِي بِلَالٌ، فَأَرْجَحَ فِي الْمِيزَانِ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فَلَمَّا وَلَّيْتُ قَالَ: «ادْعُ لِي جَابِرًا»، فَدُعِيتُ، فَقُلْتُ: الْآنَ يَرُدُّ عَلَيَّ الْجَمَلَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ\nأَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُ، فقَالَ: «خُذْ جَمَلَكَ وَلَكَ ثَمَنُهُ».\n[خ: ٢٠٩٧]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: «كُنَّا فِي مَسِيرٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَنَا عَلَى نَاضِحٍ إِنَّمَا هُوَ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ، قَالَ: فَضَرَبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ- أَوَ قَالَ: نَخَسَهُ- أُرَاهُ قَالَ: بِشَيْءٍ كَانَ مَعَهُ- قَالَ: فَجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَقَدَّمُ النَّاسَ، يُنَازِعَنِي، حَتَّى إِنِّي لأَكُفُّهُ، قَالَ: فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَتَبِيعَنْيهِ بِكَذَا وَكَذَا- وَاللهُ يَغْفِرُ لَكَ؟ -»، قَالَ: قُلْتُ: هُوَ لَكَ يَا نَبِيَّ اللهِ، قَالَ: «أَتَبِيعُنْيهِ بِكَذَا وَكَذَا- وَاللهُ يَغْفِرُ لَكَ؟ -»، قَالَ: قُلْتُ: هُوَ لَكَ يَا نَبِيَّ اللهِ، قَالَ: وَقَالَ لِي: «أَتَزَوَّجْتَ بَعْدَ أَبِيكَ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «ثَيِّبًا أَمْ بِكْرًا؟»، قَالَ: قُلْتُ: ثَيِّبًا، قَالَ: «فَهَلَّا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُضَاحِكُكَ وَتُضَاحِكُهَا، وَتُلَاعِبُكَ وَتُلَاعِبُهَا؟»، قَالَ أَبُو نَضْرَةَ: فَكَانَتْ كَلِمَةً يَقُولُهَا الْمُسْلِمُونَ: افْعَلْ كَذَا وَكَذَا- وَاللهُ يَغْفِرُ لَكَ.\nقوله: «تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ»، أي: بطئ السير.","vol":"4","page":145},{"text":"وقوله: «إِذَا قَدِمْتَ فَالْكَيْسَ الْكَيْسَ» الكيس يعني: الجماع؛ ويطلق كذلك على العقل، والمعنى: الحث على ابتغاء الولد.\nوقوله: «فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَكُفُّهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ»، أي: من سرعة سيره، فأصبح يمنعه من السرعة بعد أن كان بطيئًا.\nقوله: «وَأَنَا عَلَى نَاضِحٍ» الناضح: البعير الذي يسقى عليه الماء (^١).\nفي هذه الأحاديث: علامة من علامات النبوة، فهذا البعير بطيء لا يمشي، فأتعب جابرًا، وتخلف عن الناس، فلحقه النبي ﷺ، فنخسه بمحجنه، يعني: بعصا في طرفها حديدة، فأسرع في السير حتى تقدم على القوم.\nمسألة: قوله: «أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلًا»، ظاهره التعارض مع حديث: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَطْرُقَ أَهْلَهُ لَيْلًا» (^٢)، والجمع بينهما: أن أهليهم قد بلغهم الخبر في النهار، فقال: أمهلوا حتى ندخل عشاء، وفي حديث النهي عن الطرق ليلًا هذا إذا لم يبلغهم الخبر؛ فلا يجوز أن يدخل فجأة، لتمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة، وتغتسل، وتلبس ثيابًا نظيفة، وحديث النهي عن الطرق ليلًا محمول على الكراهة؛ فإذا اتصل بالهاتف - مثلًا- أو بأية وسيلة من وسائل الاتصال، وأخبرهم أنه سيأتي ليلًا فلا حرج، ويزول المحظور.\nوفيها: بيان حسن خلقه ﷺ، وملاطفته أصحابه، وسؤاله عن حالهم.\nوقوله: «خُذْ جَمَلَكَ وَلَكَ ثَمَنُهُ»؛ لأنه ليس المقصود شراء الجمل، وإنما المقصود أن يُعَلِّم الأُمَّةَ البيعَ والشراءَ، وحسن الخلق، والكرم والجود من خلال هذا الموقف.\nوقوله: «وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُ»: لعل بغضه له لأنه زال من نفسه التعلق به؛ لكون النبي ﷺ قد اشتراه.\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (٥/ ٦٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٠١)، ومسلم (٧١٥).","vol":"4","page":146},{"text":"وفيها: أنه لا بأس بشراء الإمام من بعض رعيته، وأنه لا حرج على الإمام أن يتولى البيع والشراء بنفسه، وكذا العالم، والكبير، وأن هذا لا ينقص من قدره، كونه يشتري ويبيع ويدخل الأسواق، وهذا رسول الله ﷺ أفضل الناس وإمام المتقين، ومع ذلك اشترى وباع.\nوفيها: استحباب صلاة ركعتين للمسافر قبل دخوله بيته.\nوفيها: استحباب الترجيح في الميزان عند الكيل.\nوظاهر هذه الأحاديث: أن جابرًا اشترط حملانه عليه إلى المدينة، وهو دليل على جواز البيع والشرط.\nوقوله: «فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَتَبِيعَنْيهِ بِكَذَا وَكَذَا، وَاللهُ يَغْفِرُ لَكَ»: فيه: دليل على مشروعية قول: افعل كذا يا فلان، والله يغفر لك.","vol":"4","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-659>بَاب خَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ</span>\n\n[١٤٦٧] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيّ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ».\nقوله: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ»، أي: بلاغ، يتبلغ به الإنسان إلى الآخرة، وخير هذا المتاع المرأة الصالحة التي تعينه على دينه ودنياه.","vol":"4","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-660>بَاب الْوَصِيَّةِ بِالنِّسَاءِ</span>\n\n[١٤٦٨] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الْمَرْأَةَ كَالضِّلَعِ إِذَا ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنْ تَرَكْتَهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ».\n[خ: ٥١٨٤]\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمِّهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ سَوَاءً.\nحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا، وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ مَيْسَرَةَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَإِذَا شَهِدَ أَمْرًا فَلْيَتَكَلَّمْ بِخَيْرٍ، أَوْ لِيَسْكُتْ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ؛ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ، أَعْلَاهُ إِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا».\n[خ: ٥١٨٦]\nقوله: «الضِّلْع» بإسكان اللام وفتحها، والفتح أفصح.\nوقوله: «وَفِيهَا عِوَجٌ» يقال: عِوج، وعَوج، وقيل: العِوج في الأمور المعنوية، والعَوج في الأمور الحسية؛ ومن العوج: أنك لو أحسنتَ إليها مدى الدهر لقالت: ما رأيت منك معروفًا قط؛ ولكن الرجل العاقل ينبغي أن يتغاضى عن هذا، وينظر إلى المحاسن الأخرى، كما ورد في الحديث","vol":"4","page":149},{"text":"الآخر: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً»، فينظر إلى قيامها بحقه، وخدمتها له، وعشرتها، وتربيتها لأولاده وغير ذلك، ويتغاضى عن بعض العيوب، ومن لا يتغاضى لا يبقى معه واحدة منهن.\nوقوله: «إِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا» معناه: إذا أردت أن تستقيم المرأة استقامة كاملة فلا تستطيع إلا بالطلاق، وهذا غلط، فعليه أن يستمتع بها، ويتغاضى عن بعض الأشياء، إلا إذا كانت في الدين، أو الخلق، أما فيما يتعلق بأمور الدنيا فينبغي أن يتغاضى عنه الإنسان.\nوعوج المرأة أمر خلقي وجِبِلي، فهي ليست مثل الرجل، فجنس الرجال أكمل من النساء، وقد يشذ بعض النساء، فتفوق كثيرًا من الرجال بعقلها ودينها وخلقها، لكن هذا وصف أغلبي جبلي؛ فطبيعة النساء لا بد أن يكون فيها شي من الضعف والنقص.\nوفي هذه الأحاديث: وجوب قول الخير والسكوت عن الشر؛ ولهذا قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَإِذَا شَهِدَ أَمْرًا فَلْيَتَكَلَّمْ بِخَيْرٍ، أَوْ لِيَسْكُتْ».\nوفيها: حث الرجل أن يستوصي بالمرأة خيرًا، ويحسن إليها، ويرحمها، ولا ينبغي له أن يتشدد ويطالب بكل شيء، ويريد أن تكون المرأة كاملة بدون عوج، فهذا لا يكون، والرجال أنفسهم غير كاملين في أمور كثيرة، ولو نظر الإنسان في نفسه لوجد فيها عيوبًا كثيرة ونقصًا كثيرًا؛ وينبغي للإنسان أن يتسامح، ويحسن إلى أهله، ويتحمل ما يحصل من نقص، والنبي ﷺ يقول: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (^١)، والأمر هنا قد يكون للوجوب، وأقل ما فيه الاستحباب.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٨٩٥)، والبيهقي في الكبرى (١٥٦٩٩).","vol":"4","page":150},{"text":"[١٤٦٩] وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى- يَعْنِي: ابْنَ يُونُسَ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ- أَوَ قَالَ: غَيْرَهُ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nقوله: «لَا يَفْرَكُ»، يعني: لا يبغض (^١)؛ فإنه إن كره منها خلقًا فقد يرضى منها آخر، إن كانت قصرت في بعض الأشياء فقد تحسن في بعضها الآخر، ككونها دَيِّنةً، وكونها تقوم بخدمته وخدمة ولده ... إلى غير ذلك من الأخلاق الحميدة، فإن حصل منها نقص في وصف فلينظر إلى الإيجابيات الأخرى، ولا ينظر إلى السلبيات.\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (٣/ ٤٤١).","vol":"4","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-661>بَاب لَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ</span>\n\n[١٤٧٠] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنَّ أَبَا يُونُسَ- مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ- حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ».\n[خ: ٣٣٣٠]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْبُثِ الطَّعَامُ، وَلَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ، وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ».\nقوله: «وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ» حواء هي زوج أبينا آدم ﵇، خلقت من ضلعه، قال تعالى: ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها﴾.\nوسبب ذلك: ما جرى في قصة الشجرة مع إبليس إذ زين لها أكل الشجرة فأغواها فأخبرت آدم بالشجرة فأكل منها.\nويقال: إنها ولدت له أربعين ولدًا في عشرين بطنًا، كل بطن فيه ذكر وأنثى؛ وكان في الأول قبل أن ينتشر الناس يتزوج الإنسان أخته التي جاءت من بطن آخر، وتحرم عليه أخته التي معه في نفس البطن، فلما كثر الناس حرم الله الزواج بالأخوات.\nوقوله: «لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْبُثِ الطَّعَامُ، وَلَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ»، أي: لم يخبث، وبنو إسرائيل أنزل الله عليهم المن والسلوى، ونهاهم عن ادخاره، فادخروه، فأنتن.","vol":"4","page":152},{"text":"وخنِز اللحم- بكسر النون في الماضي، وقد تفتح-: إذا تغير، ومثله: خزِن- بكسر الزاي- يخزن خزنًا، قال طرفة بن العبد (^١):\nنحنُ لا يخزِنُ فينا لحمُنَا ... إنما يخزنُ لحمُ المدَّخِرْ\n_________\n(^١) ديوان طرفة (ص ٤٤).","vol":"4","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-662>كِتَابُ الطَّلَاقِ</span>","vol":"4","page":155},{"text":"كِتَابُ الطَّلَاقِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-663>بَابُ تَحْرِيمِ طَلَاقِ الْحَائِضِ بِغَيْرِ رِضَاهَا، وَأَنَّهُ لَوْ خَالَفَ وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَيُؤْمَرُ بِرَجْعَتِهَا</span>\n\n[١٤٧١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ، قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ ﷿ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ».\n[خ: ٥٢٥١]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْح- واللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، وَقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ عَنْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا حِينَ تَطْهُرُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ».\nوَزَادَ ابْنُ رُمْحٍ فِي رِوَايَتِهِ: «وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ لِأَحَدِهِمْ: أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنِي بِهَذَا، وَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ، وَعَصَيْتَ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكَ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ»، قَالَ مُسْلِم: جَوَّدَ اللَّيْثُ، فِي قَوْلِهِ: «تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً».","vol":"4","page":157},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «طَلَّقْتُ امْرَأَتِي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فقَالَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيَدَعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، فَإِذَا طَهُرَتْ، فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا، أَوْ يُمْسِكْهَا؛ فَإِنَّهَا الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ».\nقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: «قُلْتُ لِنَافِعٍ: مَا صَنَعَتِ التَّطْلِيقَةُ؟ قَالَ: وَاحِدَةٌ اعْتَدَّ بِهَا».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ عُبَيْدِ اللَّهِ لِنَافِعٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى فِي رِوَايَتِهِ: «فَلْيَرْجِعْهَا»، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «فَلْيُرَاجِعْهَا».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَهَا، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ، قَالَ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، يَقُولُ: أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا وَاحِدَةً، أَوِ اثْنَتَيْنِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَهَا، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، وَأَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا، فَقَدْ عَصَيْتَ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ».\nحَدَّثَنِي عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- وَهُوَ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ- عَنْ عَمِّهِ، أَخْبَرَنا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: «طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِض، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: مُرْهُ، فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى مُسْتَقْبَلَةً، سِوَى حَيْضَتِهَا الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا مِنْ حَيْضَتِهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَذَلِكَ الطَّلَاقُ لِلْعِدَّةِ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ».","vol":"4","page":158},{"text":"«وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهَا، وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّهِ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ».\nوَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقَ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «فَرَاجَعْتُهَا وَحَسَبْتُ لَهَا التَّطْلِيقَةَ الَّتِي طَلَّقْتُهَا».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فقَالَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا».\nوَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الْأَوْدِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ- وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ-، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فقَالَ: مُرْهُ، فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ يُطَلِّقُ بَعْدُ، أَوْ يُمْسِكُ».\nوَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: «مَكَثْتُ عِشْرِينَ سَنَةً يُحَدِّثُنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا وَهِيَ حَائِضٌ، فَأُمِرَ أَنْ يُرَاجِعَهَا، فَجَعَلْتُ لَا أَتَّهِمُهُمْ وَلَا أَعْرِفُ الْحَدِيثَ، حَتَّى لَقِيتُ أَبَا غَلَّابٍ يُونُسَ بْنَ جُبَيْرٍ الْبَاهِلِيَّ، وَكَانَ ذَا ثَبَتٍ، فَحَدَّثَنِي أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ، فَحَدَّثَهُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً وَهِيَ حَائِضٌ، فَأُمِرَ أَنْ يَرْجِعَهَا، قَالَ: قُلْتُ أَفَحُسِبَتْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: فَمَهْ؟ أَوَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو الرَّبِيعِ، وَقُتَيْبَةُ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَمَرَهُ»، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: «فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى","vol":"4","page":159},{"text":"يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ، وَقَالَ: يُطَلِّقُهَا فِي قُبُلِ عِدَّتِهَا».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي، وَهِيَ حَائِضٌ، فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ ذَلِكَ لَهُ، فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لِيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَإِنْ شَاءَ فَلْيُطَلِّقْهَا، قَالَ: فَقُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ، أَفَاحْتَسَبْتَ بِهَا؟ قَالَ: مَا يَمْنَعُهُ؟ أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: «سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ امْرَأَتِهِ الَّتِي طَلَّقَ، فقَالَ: طَلَّقْتُهَا وَهِيَ حَائِضٌ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فقَالَ: مُرْهُ، فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ، فَلْيُطَلِّقْهَا لِطُهْرِهَا، قَالَ: فَرَاجَعْتُهَا، ثُمَّ طَلَّقْتُهَا، لِطُهْرِهَا، قُلْتُ: فَاعْتَدَدْتَ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ، الَّتِي طَلَّقْتَ وَهِيَ حَائِضٌ، قَالَ: مَا لِيَ لَا أَعْتَدُّ بِهَا وَإِنْ كُنْتُ عَجَزْتُ وَاسْتَحْمَقْتُ!».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: «طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ، فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فقَالَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ إِذَا طَهُرَتْ، فَلْيُطَلِّقْهَا، قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: أَفَاحْتَسَبْتَ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؟ قَالَ: فَمَهْ؟ !».\n[خ: ٥٣٣٣]\nوَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمَا: «لِيَرْجِعْهَا» وَفِي حَدِيثِهِمَا قَالَ: «قُلْتُ لَهُ: أَتَحْتَسِبُ بِهَا؟ قَالَ: فَمَهْ؟ !».\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا، فقَالَ: أَتَعْرِفُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ","vol":"4","page":160},{"text":"طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا، فَذَهَبَ عُمَرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا، قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ لِأَبِيهِ».\nوَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَيْمَنَ مَوْلَى عَزَّةَ: «يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ- وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ ذَلِكَ-: كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا؟ فقَالَ: طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فقَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: لِيُرَاجِعْهَا، فَرَدَّهَا، وَقَالَ: إِذَا طَهُرَتْ، فَلْيُطَلِّقْ، أَوْ لِيُمْسِكْ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَقَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ﴾».\nوَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْو هذه الْقِصَّةِ، وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَيْمَنَ مَوْلَى عُرْوَةَ، يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ- وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ- بِمِثْلِ حَدِيثِ حَجَّاجٍ، وَفِيهِ بَعْضُ الزِّيَادَةِ، قَالَ مُسْلِم: «أَخْطَأَ حَيْثُ قَالَ عُرْوَةَ: إِنَّمَا هُوَ مَوْلَى عَزَّةَ».\nالطلاق لغة: التخلية، والإرسال، والترك، يقال: طلقت البلاد إذا تركتها، وطُلِقَتِ الناقةُ إذا أُرسلت (^١).\nوالطلاق شرعًا: حل قيد النكاح، أو بعضه.\nوالله ﷾ شرع الطلاق، وجعله حلًّا للمشكلات التي لا يمكن حلها إلا به، وهو من رحمة الله تعالى بعباده، والطلاق يكون محرمًا؛ ويكون\n_________\n(^١) الصحاح، للجوهري (٤/ ١٥١٩)، لسان العرب، لابن منظور (١٠/ ٢٢٥).","vol":"4","page":161},{"text":"واجبًا؛ ويكون مكروهًا؛ ويكون مستحبًّا.\nفيحرم الطلاق في ثلاث حالات:\n- حال الحيض.\n- حال النفاس.\n- حال الطهر الذي مسها زوجها فيه، أي: جامعها فيه.\nوتسمى الحالات السابقة بالطلاق البدعي.\nأما الطلاق السني، فله حالتان:\nالأولى: الطلاق في طهر لم يجامعها فيه.\nوالثانية: إذا كانت حاملًا بان حملها.\nواختلف العلماء هل يقع الطلاق البدعي، أم لا، جماهير العلماء على أنه تقع الطلقة، ويأثم، وعليه التوبة والاستغفار، وعليه أن يراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم بعد ذلك يطلقها إذا أراد (^١)، واستدلوا على ذلك بما في حديث ابن عمر ﵄؛ فإنه طلق امرأته وهي حائض، فقال النبي ﷺ لعمر: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»، وقالوا: المراد بالرجعة: الشرعية، لا اللغوية. وبقوله سبحانه: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾، يعني: حال الطهر.\nويكون الطلاق واجبًا إذا امتنع عن جماعها، فإذا آلى من زوجته لأكثر من أربعة أشهر، فيجب عليه أن يطلقها، أو يفيء، فإن لم يفئ وجب عليه أن يطلق في هذه الحالة.\nويكون الطلاق مستحبًّا إذا خشي أن يقصِّر في نفقتها، أو لم يكن له فيها حاجة.\n_________\n(^١) بدائع الصنائع، للكاساني (٣/ ٩٦)، المدونة، لمالك (٢/ ٥)، مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (٤/ ٤٩٩)، المغني، لابن قدامة (٧/ ٣٦٦).","vol":"4","page":162},{"text":"ويكون الطلاق مكروهًا إذا لم يكن هناك حاجة لحصوله؛ لحديث: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ»   (^١) .\nواختلف العلماء في الحكمة من الأمر بإمساكها حيضتين وطهرين:\nفقيل: لأن الطهر الذي بعد الحيض تابع له، وكأنه طهر واحد.\nوقيل: عقوبة له.\nوقيل: حتى لا تكون الرجعة من أجل الطلاق؛ فلذلك جعل بينه وبينها حيضتين وطهرين.\nوقيل: لتطول العدة، لعله يعدل عن الطلاق.\nوذهب بعض التابعين، كطاوس، وقتادة (^٢)، وبعض الظاهرية (^٣)، إلى أن الطلاق في الحيض والنفاس لا يقع، قال النووي: «وشذ بعض أهل الظاهر فقال: لا يقع طلاقه؛ لأنه غير مأذون له فيه، فأشبه طلاق الأجنبية» (^٤)، والظاهر: أنه ليس شاذًّا، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال ﵀: «... فعلم أنه إنما أمره أن يمسكها، وأن يؤخر الطلاق إلى الوقت الذي يباح فيه، كما يؤمر من فعل شيئًا قبل وقته أن يرد ما فعل ويفعله إن شاء في وقته؛ لقوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، (^٥) والطلاق المحرم ليس عليه أمر الله ورسوله، فهو مردود» (^٦).\nواختار هذا الرأي سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (^٧)، وفضيلة\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢١٧٨)، وابن ماجه (٢٠١٨).\n(^٢) المصنف، لعبد الرزاق (٦/ ٣٠٢)، المصنف، لابن أبي شيبة (٤/ ٥٧).\n(^٣) المحلى، لابن حزم (١٠/ ١٦١).\n(^٤) شرح مسلم، للنووي (١٠/ ٦٠).\n(^٥) أخرجه مسلم (١٧٢١).\n(^٦) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٣٣/ ١٠١).\n(^٧) فتاوى نور على الدرب، لابن باز (٢٢/ ٥٦).","vol":"4","page":163},{"text":"الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ (^١)، وجزم البخاري في صحيحه بوقوعه (^٢).\nونصر ابن القيم هذا القول من أوجه متعددة؛ فقال: «أما قوله: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»، فالمراجعة قد وقعت في كلام الله ورسوله على ثلاثة معانٍ:\nأحدها: ابتداء النكاح، كقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾، ولا خلاف بين أحد من أهل العلم بالقرآن أن المطلِّق ههنا: هو الزوج الثاني، وأن التراجع بينها وبين الزوج الأول، وذلك نكاح مبتدأ.\nوثانيهما: الرد الحسي إلى الحالة التي كان عليها أولًا، كقوله لأبي النعمان بن بشير ﵁ لما نحل ابنه غلامًا خصه به دون ولده: «رُدَّهُ» (^٣)، فهذا رد ما لم تصح فيه الهبة الجائزة التي سماها رسول الله ﷺ جورًا، وأخبر أنها لا تصلح، وأنها خلاف العدل.\nومن هذا قوله لمن فرق بين جارية وولدها في البيع فنهاه عن ذلك ورد البيع، وليس هذا الرد مستلزمًا لصحة البيع؛ فإنه بيع باطل، بل هو رد شيئين إلى حالة اجتماعهما كما كانا، وهكذا الأمر بمراجعة ابن عمر امرأتَهُ ارتجاعٌ وردٌّ إلى حالة الاجتماع كما كانا قبل الطلاق، وليس في ذلك ما يقتضي وقوع الطلاق في الحيض البتة ...» (^٤)، فالمراد: أن يردها إليه، وليس معنى ذلك: أن تحسب عليه طلقة؛ لأن الأصل أن الحقيقة اللغوية غير الحقيقة الشرعية.\nوقوله: «مُرْهُ، فَلْيُرَاجِعْهَا»: ظاهر الأمر الوجوب، فيجب أن يراجعها إذا طلقها في الحيض، ويحرم عليه تطليقها، وقال بعضهم: إن الأمر هنا للاستحباب، ولكن لنا أن الأصل في الأوامر الوجوب.\n_________\n(^١) الشرح الممتع، لابن عثيمين (١٣/ ٤٨ - ٥٠).\n(^٢) صحيح البخاري (٧/ ٤١).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٦٢٣).\n(^٤) زاد المعاد، لابن القيم (٥/ ٢٠٨).","vol":"4","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-664>بَابُ طَلَاقِ الثَّلَاثِ</span>\n\n[١٤٧٢] حَدَّثَنَا إِسْحَاقَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ- قَالَ إِسْحَاقَ: أَخْبَرَنا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً، فقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ».\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «أَتَعْلَمُ أَنَّمَا كَانَتِ الثَّلَاثُ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَثَلَاثًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ؟ فقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ».\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ طَاوُسٍ: أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «هَاتِ مِنْ هَنَاتِكَ، أَلَمْ يَكُنِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَاحِدَةً؟ فقَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ تَتَايَعَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ، فَأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ».\nفي هذه الأحاديث: بيان أن طلاق الثلاث بكلمة واحدة- كأن يقول لها: أنت طالق بالثلاث، أو أنت طالق ثلاثًا، أو طلقتك ثلاثًا- كان على عهد النبي ﷺ، وعلى عهد أبي بكر، وصدر من خلافة عمر ﵃ يعتبر طلقة واحدة، ثم تتابع الناس، واستمروا، وأكثروا من الطلاق، فأجازه عمر","vol":"4","page":165},{"text":"عليهم عقوبةً لهم، من باب التعزير، وأجمع على هذا الصحابة والتابعون، وهو مذهب جماهير العلماء والأئمة الأربعة (^١)، واختار هذا القول شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (^٢)، والشيخ محمد بن عثيمين ﵀ (^٣).\nوذهب شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤) ﵀، وابن القيم (^٥) ﵀ إلى أنه يعتبر واحدة.\nواستدلا على ذلك بما كان عليه الأمر في عهد النبي ﷺ، وأبي بكر، وعمر، قال العلامة ابن القيم ﵀: «فلما رأى أمير المؤمنين أن الله سبحانه عاقب المطلق ثلاثًا بأن حال بينه وبين زوجته وحرمها عليه حتى تنكح زوجًا غيره، علم أن ذلك لكراهته الطلاق المحرم وبغضه له، فوافقه أمير المؤمنين فى عقوبته لمن طلق ثلاثًا جميعًا بأن ألزمه بها، وأمضاها عليه.\nفإن قيل: فكان أسهل من ذلك أن يمنع الناس من إيقاع الثلاث، ويحرمه عليهم، ويعاقب بالضرب والتأديب من فعله؛ لئلَّا يقع المحذور الذى يترتب عليه.\nنعم- لعمر الله- قد كان يمكنه ذلك؛ ولذلك ندم عليه فى آخر أيامه، وودَّ أنه كان فعله.\nقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي فى مسند عمر: قال عمر بن الخطاب ﵁: ما ندمت على شيء ندامتي على ثلاث: أن لا أكون حرمت الطلاق، وعلى أن لا أكون أنكحت الموالي، وعلى أن لا أكون قتلت النوائح» (^٦).\n_________\n(^١) حاشية الدر المختار، لابن عابدين (٣/ ٢٣٢ - ٢٣٣)، بداية المجتهد (٢/ ٦١)، المجموع، للنووي (١٧/ ١٢٥)، المغني، لابن قدامة (٧/ ٣٧٠).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز (٢٢/ ١٣١).\n(^٣) الشرح الممتع، لابن عثيمين (١٣/ ٩٤).\n(^٤) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٣٣/ ٧ - ٩).\n(^٥) زاد المعاد، لابن القيم (٥/ ٢٢٦).\n(^٦) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٣٣٥ - ٣٣٦).","vol":"4","page":166},{"text":"وذهب النووي ﵀ إلى تأويل الحديث، فقال: «فالأصح أن معناه: أنه كان في أول الأمر إذا قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ولم ينوِ تأكيدًا، ولا استئنافًا، يحكم بوقوع طلقة؛ لقلة إرادتهم الاستئناف بذلك، فحُمل على الغالب الذي هو إرادة التأكيد، فلما كان في زمن عمر ﵁، وكثر استعمال الناس بهذه الصيغة، وغلب منهم إرادة الاستئناف بها حُملت عند الإطلاق على الثلاث؛ عملًا بالغالب السابق إلى الفهم منها في ذلك العصر» (^١).\nقلت: وهذا ليس بصحيح، بل المراد بكلمة واحدة.\nقال شيخنا ابن باز ﵀: «... أما إذا وقعت بألفاظ، مثلًا: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أو تراك طالق، تراك طالق، تراك طالق، وأنت طالق، وطالق، وطالق، وما أشبه ذلك، فهذا الذي أعلم عن أهل العلم أنها تقعُ الثلاث كلها، وتَبِينُ بها المرأة بينونة كبرى، لا تحل بها المرأة لزوجها المطلِّق إلا بعد زوج وإصابة، ولا أعلم إلى وقتي هذا أحدًا من الصحابة، أو من التابعين قال بأن هذا لا يقع به إلا واحدة، بل ظاهر ما سمعت وقرأت: أنه يقع كله، تقع الثلاث كلها، وقد رأى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أنه لا يقع إلا واحدة، كمن طلق بالثلاث بكلمة واحدة، وجعل هذا مثل هذا، وجعل الطلاق الذي يقع بعد الأولى إنما يكون بعد نكاح، أو بعد رجعة، أما إذا ألحقها الثانية والثالثة بدون رجعة، فهذا لا يقع، هذا كلامه ﵀، ولكني لا أعلم له أصلًا واضحًا يعتمد عليه من جهة النقل، وإن كان وجيهًا من جهة المعنى، لكن لا أعلم له أصلًا من جهة النقل؛ ولهذا فالذي أُفتي به: أنها تقع الثلاث على ظاهر ما نقل عن السلف الصالح في هذا» (^٢).\nوقال ﵀: «أما إذا قال: طالق، ثم طالق، ثم طالق، أو أنتِ طالق،\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٠/ ٧١).\n(^٢) فتاوى نور على الدرب، لابن باز (٢٢/ ١٣).","vol":"4","page":167},{"text":"أنتِ طالق، أنتِ طالق، هذه تحسب ثلاثًا، إلا إذا نوى التأكيد بقوله: أنتِ طالق، نوى التأكيد، أو الإفهام تكون واحدة، كما لو قال: طالق، طالق، طالق، وليس له نية، تحسب واحدة، أما إذا قال: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، ونيته الثلاث، أو ليس له نية التفهيم، ولا التأكيد تكون ثلاثًا، أو قال: طالق، ثم طالق، ثم طالق، أو طالق، وطالق، وطالق، كلها تحسب ثلاثًا، تَبِينُ منه حتى تنكح زوجًا غيره، هذا الأصل، هذا المعتمد» (^١).\nقال أبو العباس القرطبي ﵀: «فيه دليلٌ على أن الطَّلاق في الحيض يحرم؛ فإنه أنكره بتغيُّظه عليه، مع أن ابن عمر ﵄ لم يكن عرف تحريم ذلك عليه، فتغيَّظَ بسبب ذلك، وأمره بالمراجعة، وهو مذهب الجمهور» (^٢).\nوقال: «وأمرُه ﷺ ابنَ عمر بالمراجعة دليلٌ لمالك على وجوب الرجعة في مثل ذلك، وهو حجة على أبي حنيفة والشافعي، حيث قالا: لا يجب ذلك.\nوفيه دليل: على أن الطلاق في الحيض يقع، ويلزم، وهو مذهب الجمهور، خلافًا لمن شذَّ وقال: إنه لا يقع، ثم إذا حكمنا بوقوعها اعتد بها له من عدد الطلاق الثلاث» (^٣).\nوقال: «قوله: «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَمَرَنِي بِهَذَا»؛ إشارة إلى أمره ﷺ بالمراجعة، فكأنَّه قال للسائل: إن طلقت تطليقة، أو تطليقتين فأنت مأمور بالمراجعة لأجل الحيض، وإن طلقت ثلاثًا لم تكن لك مراجعة؛ لأنها لا تحل لك إلا بعد زوج، وكذا جاء مفسَّرًا في رواية أخرى في (الأم).\nوقوله: «وَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَ ثَلَاثًا فَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْكَ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ، وَعَصَيْتَ اللهَ»: دليلٌ على أن الطلاق الثلاث من كلمة واحدة محرَّم لازم إذا\n_________\n(^١) فتاوى نور على الدرب، لابن باز (٢٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧).\n(^٢) المفهم، للقرطبي (٤/ ٢٢٤).\n(^٣) المفهم، لأبي العباس القرطبي (٤/ ٢٢٥).","vol":"4","page":168},{"text":"وقع على ما يأتي، وهو مذهب الجمهور.\nوقوله: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَو حَامِلًا»: فيه: دليلٌ على جواز طلاق الحامل في أي وقت شاء (^١).\nوقال: «قوله: «كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ طَلَاقَ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً»، وفي الرواية الأخرى: «إِنَّمَا كَانَتِ الثَّلَاثُ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَثَلاثًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ»، وفي الرواية الثالثة: «ألم يكن طلاق الثلاث واحدة؟ ! فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ تَتَابَعَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ، فَأَجَازَهُ عُمَرُ عَلَيْهِمْ»: تمسَّكَ بظاهر هذه الروايات شُذَّاذٌ من أهل العلم، فقالوا: إن طلاق الثلاث في كلمة يقع واحدة، وهم: طاوس، وبعض أهل الظاهر» (^٢).\n_________\n(^١) المفهم، لأبي العباس القرطبي (٤/ ٢٣١ - ٢٣٢).\n(^٢) المفهم، لأبي العباس القرطبي (٤/ ٢٣٧).","vol":"4","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-665>بَابُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ</span>\n\n[١٤٧٣] وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامٍ- يَعْنِي: الدَّسْتَوَائِيَّ- قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ يُحَدِّثُ عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «فِي الْحَرَامِ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾».\n[خ: ٤٩١١]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ الْحَرِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ- يَعْنِي: ابْنَ سَلَّامٍ- عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا، وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾».\nقوله: «فِي الْحَرَامِ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا» هذا هو الصواب في هذه المسألة، أن الإنسان إذا حرم شيئًا غير الزوجة فإنها يمين تُكفَّر، كأن يقول: عليه الحرام لا يأكل طعام فلان، أو لا يدخل بيته، أو لا يكلم فلانًا؛ فإنها يمين تُكفَّر، فيطعم عشرة مساكين، أو يكسوهم، أو يعتق رقبة؛ فإن عجز صام ثلاثة أيام؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، ثم قال ابن عباس ﵄: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾؛ لأن النبي ﷺ حرَّم على نفسه العسل، فأنزل الله هذه الآية ﴿يا أيها النبي لما تحرم ما أحل الله لك﴾، ثم قال: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾، فجعلها يمينًا تُكفَّر؛ فإذا حرم الإنسان على نفسه شيئًا غير الزوجة فإنه يُكفِّر كفارة يمين.\nولا ينبغي للإنسان أن يلج في يمينه، فتكون يمينه مانعة له من فعل","vol":"4","page":170},{"text":"الخير، بل عليه أن يكفر كفارة يمين، ويعمل الخير؛ كما ثبت في الحديث الصحيح عن الرسول الله ﷺ، قال: «وَاللَّهِ لَأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ، آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ» (^١)، وكما قال ﵊: «وَإِنِّي- وَاللَّهِ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، أَوْ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي» (^٢)، وفي لفظ: «إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا» (^٣).\nأما إذا حرَّم الزوجةَ ففيه تفصيل؛ فإما أن يقيد، أو لا يقيد، فإن قيد كأن قال: هي حرام عليَّ إن فعلت كذا؛ أو قال: أنتِ حرام إن كلمتِ فلانًا، أو دخلتِ بيت فلان، أو أكلتِ الطعام الفلاني؛ هذه يمين مكفَّرة عند شيخ الإسلام ابنِ تيميةَ ﵀ وجمعٍ من أهل العلم (^٤).\nوعند الأئمة الأربعة: يقع الطلاق إذا فعلت ما علق عليه، وحكمها حكم الطلاق (^٥).\nوقال شيخنا ابن باز بالتفصيل: فإذا كان المقصود بهذا القيد الحث، أو المنع، أو التصديق، أو التكذيب، وليس المقصود إيقاع الطلاق، فهو في حكم اليمين، وإن أراد به الطلاق فيقع طلاقًا (^٦).\nأما إذا أطلق، وقال لزوجته: أنت حرام، وسكت، ولم يقيد:\nفمن العلماء من قال: إنها يمين مكفَّرة، كما سبق عن ابن عباس ﵄ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٢٥)، ومسلم (١٦٥٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٦٢٣)، ومسلم (١٦٤٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣١٣٣)، ومسلم (١٦٥٠).\n(^٤) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٣٣/ ٧٤).\n(^٥) الهداية في شرح بداية المبتدي، للمرغيناني (١/ ٢٤٤)، المقدمات الممهدات، لابن رشد (١/ ٥٧٦)، المهذب، للشيرازي (٣/ ٢١)، الشرح الكبير، لابن قدامة (٨/ ٤٠٧).\n(^٦) مجموع فتاوى ابن باز (٢٢/ ٩٠).\n(^٧) البخاري (٤٩١١)، ومسلم (١٤٧٣).","vol":"4","page":171},{"text":"ومنهم من قال: إن له ما نوى، فيسأل عن نيته؛ لأنه تكلم بكلام مبهم محتمل لمعانٍ، وكلام المتكلم محمول على مراده، ومراده لا يُعرف إلا من جهته، فإن نوى ثلاثًا فهي ثلاثٌ، وبالتالي تحرم عليه؛ إذ لما نوى الثلاث قصد بذلك الحرمة، وهو مذهب الحنفية (^١).\nومنهم من قال: تكون طلاقًا، وهو قول المالكية (^٢).\nوالصواب في هذه المسألة: أنه إن نوى بها الطلاق تكون طلاقًا، وإلا فهي ظهار، يكفر كفارة ظهار؛ فيعتق رقبة، فإن عجز صام شهرين متتابعين؛ فإن عجز أطعم ستين مسكينًا؛ كما قال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثم يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) المبسوط، للسرخسي (٦/ ٧٠).\n(^٢) المدونة، لمالك (٢/ ٢٨٦).\n(^٣) الأم، للشافعي (٧/ ١٨١)، المغني، لابن قدامة (٧/ ٤١٣ - ٤١٥).","vol":"4","page":172},{"text":"[١٤٧٤] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يُخْبِرُ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تُخْبِرُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْكُثُ عَنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَيَشْرَبُ عَنْدَهَا عَسَلًا، قَالَتْ: فَتَوَاطَأتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا مَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا، فقَالَت ذَلِكَ لَهُ، فقَالَ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عَنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، فَنَزَلَ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تَتُوبَا﴾، لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾؛ لِقَوْلِهِ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا».\n[خ: ٥٢٦٧]\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْهُنَّ، فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ، فَاحْتَبَسَ عَنْدَهَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَحْتَبِسُ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ: فَقِيلَ لِي: أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةً مِنْ عَسَلٍ، فَسَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ شَرْبَةً، فَقُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَوْدَةَ، وَقُلْتُ: إِذَا دَخَلَ عَلَيْكِ فَإِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ، فَقُولِي لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: لَا، فَقُولِي لَهُ: مَا هَذِهِ الرِّيح، وكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ، فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقُولِي لَهُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ، وَسَأَقُولُ ذَلِكِ لَهُ، وَقُولِيهِ أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى سَوْدَةَ قَالَتْ- تَقُولُ سَوْدَةُ-: وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ كِدْتُ أَنْ أُبَادِئَهُ بِالَّذِي قُلْتِ لِي، وَإِنَّهُ لَعَلَى الْبَابِ، فَرَقًا مِنْكِ، فَلَمَّا دَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قَالَ: لَا، قَالَتْ: فَمَا هَذِهِ الرِّيح؟ قَالَ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، قَالَتْ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ، فَلَمَّا","vol":"4","page":173},{"text":"دَخَلَ عَلَيَّ قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى صَفِيَّةَ، فقَالَت بِمِثْلِ\nذَلِكَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَسْقِيكَ مِنْهُ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِهِ، قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَاللَّهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ! قَالَتْ: قُلْتُ لَهَا: اسْكُتِي».\nقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ بِهَذَا سَوَاءً، وَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\n[خ: ٥٤٦٨]\nفي هذه الأحاديث: بعضٌ من حيل النساء ومكايدهن وتواطئهن؛ حيث تواطأن بسب الغيرة التي جبل عليها النساء؛ تحايلن على حرمانه من العسل ﵊.\nوفي الحديث الأول: أن التي سقته العسل هي زينب ﵂، واللتين تواطأتا هما: حفصة، وعائشة ﵄؛ على أنَّ أيَّتَهما دخلت على النبي ﷺ قالت له: أجد فيك ريح مغافير، والمغافير شجر له رائحة كريهة إذا رعته النحل أثَّر في العسل، وأصبح له رائحة، وفي اللفظ الآخر: أنها قالت: «جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ»، وجرستْ، يعني: أكلتْ، أي: هذا العسل الذي أكلته لامس نحلُه شجرَ العُرفط الذي له رائحة كريهة؛ وكان رسول الله ﷺ يشتد عليه أن تكون له رائحة كريهة؛ وكان يحب الرائحة الطيبة.\nوقد أنزل الله فيهما: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ وقول الله هنا لعائشة وحفصة ﵄؛ والتي شرب عندها العسل هي زينب ﵂، كما في الحديث الأول.\nوفي الحديث الثاني: أن التي سقته الغسل هي حفصة، وهذا وهمٌ من بعض الرواة، وأنزل الله تعالى: ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثًا﴾ لما شرب العسل ولم يعد.","vol":"4","page":174},{"text":"وفي هذه الأحاديث- أيضًا-: أنه إذا كان هذا يحدث من أزواج النبي ﷺ- وهن أفضل النساء وخيرهن- فحصوله من غيرهن من باب أولى، وهذا بسبب الغيرة التي تشتد على الضرة، فتحملها على ذلك، كما سبق معنا في باب الغضب: أنه لما أهدت إحدى أزواج النبي ﷺ له طعامًا وكان عند عائشة ﵂ ضربت الصحفة حتى كسرتها، وسقطت وسقط الطعام، فقال النبي ﷺ: «طَعَامٌ بِطَعَامٍ، وَإِنَاءٌ بِإِنَاءٍ» (^١)، وكان هذا بسبب الغيرة التي أصابتها ﵂.\nوفيها: أن هذه الآية من سورة التحريم نزلت في تحريم النبي ﷺ العسل على نفسه، فقال الله تعالى له: ﴿يا أيها النبي لما تحرم ما أحل الله لك﴾، ثم أنزل الله: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ وسمى التحريم يمينًا، فدل على أن من حرم على نفسه شيئًا غير الزوجة فحكمه حكم اليمين المكفَّرة.\nوروي عن قتادة ﵀: أنها نزلت في تحريم سُرّيته مارية القبطية (^٢).\nوفيها: أن التواطؤ الذي حصل من حفصة ﵂ وعائشة ﵂، ويحتمل أنه كان معهن غيرهن معفوٌّ عنه- إن شاء الله-؛ لما لهن من الحسنات الكثيرة والأعمال الصالحة، والعناية بالنبي ﷺ، ولكن هذا شيء اشتد عليهم بسبب الغيرة، وقد لا يملك الإنسان نفسه بسببها، كالغضب الذي يحصل ولا يستطيع الإنسان دفعه، كما حصل لموسى ﵇- وهو نبي كريم ﵊- لما غضب واشتد غضبه ألقى الألواح، وفيها كلام الله، حتى تكسَّرت، والله يعفو عنه.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١٣٥٩).\n(^٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٨٨).","vol":"4","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-666>بَابُ بَيَانِ أَنَّ تَخْيِيرَ امْرَأَتِهِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ</span>\n\n[١٤٧٥] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. ح، وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي، فقَالَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، قَالَتْ: قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَالَ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قَالَتْ: فَقُلْتُ: فِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ ! فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ».\n[خ: ٤٧٨٦]\n\n[١٤٧٦] حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَأْذِنُنَا إِذَا كَانَ فِي يَوْمِ الْمَرْأَةِ مِنَّا بَعْدَ مَا نَزَلَتْ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، فقَالَت لَهَا مُعَاذَةُ: فَمَا كُنْتِ تَقُولِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَأْذَنَكِ؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَقُولُ: إِنْ كَانَ ذَاكَ إِلَيَّ لَمْ أُوثِرْ أَحَدًا عَلَى نَفْسِي».\n[خ: ٤٧٨٩]\nوَحَدَّثَنَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنا عَاصِمٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\n\n[١٤٧٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنا عَبْثَرٌ عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَت عَائِشَةُ: «قَدْ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ نَعُدَّهُ طَلَاقًا».\n[خ: ٥٢٦٢]","vol":"4","page":176},{"text":"وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: «مَا أُبَالِي خَيَّرْتُ امْرَأَتِي وَاحِدَةً، أَوْ مِائَةً، أَوْ أَلْفًا بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي، وَلَقَدْ سَأَلْتُ عَائِشَةَ، فقَالَت: قَدْ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَفَكَانَ طَلَاقًا؟ !».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَيَّرَ نِسَاءَهُ، فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا».\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقَ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، وَإِسْمَاعِيل بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرْنَاهُ، فَلَمْ يَعُدَّهُ طَلَاقًا».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنا: وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَاخْتَرْنَاهُ، فَلَمْ يَعْدُدْهَا عَلَيْنَا شَيْئًا».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ، بِمِثْلِهِ.\nقال النووي ﵀: «في هذه الأحاديث: دلالة لمذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وجماهير العلماء: أن مَن خيَّر زوجته فاختارته لم يكن ذلك طلاقًا، ولا يقع به فُرقة» (^١)؛ لأن النبي ﷺ خيَّر أزواجه ﵅ بعد أن اعتزلهن شهرًا، فلما مضى تسع وعشرون نزل؛ فقالت عائشة ﵂: «يا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ آلَيْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا»، يعني: حلفت، وإنك قد\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٠/ ٧٩).","vol":"4","page":177},{"text":"نزلت لتسع وعشرين؟ ! فقال النبي ﷺ: «إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ»، يعني: يكون تسعًا وعشرين، ويكون ثلاثين، ثم خيَّرهن، وبدأ بعائشة ﵂، فقال لها: «إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، قَالَتْ: قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَالَ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قَالَتْ: فَقُلْتُ: فِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ ! فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ، فبدأ النبي ﷺ بعائشة، فقالت: أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ؟ ! بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ! قَالَ: لَا تَسْأَلُنِي\nامْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخْبَرْتُهَا، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنتًا وَلَا مُتَعَنْتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا».\nوشذ بعض العلماء فقالوا: إذا خيَّر الرجل امرأته فإنها تكون طلقة بائنة، سواء اختارته، أو لا (^١)، وهو مذهب ضعيف مردود.\n_________\n(^١) المحلى، لابن حزم (١٠/ ١٢٠).","vol":"4","page":178},{"text":"[١٤٧٨] وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ لَمْ يُؤْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، قَالَ: فَأُذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ فَدَخَلَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ، فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ، فَوَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ جَالِسًا حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ وَاجِمًا سَاكِتًا، قَالَ: فقَالَ: لَأَقُولَنَّ شَيْئًا أُضْحِكُ النَّبِيَّ ﷺ، فقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ، فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَوَجَأْتُ عنقَهَا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ: هُنَّ حَوْلِي- كَمَا تَرَى- يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عَنْقَهَا، فَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عَنْقَهَا، كِلَاهُمَا يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا لَيْسَ عَنْدَهُ؟ فَقُلْنَ: وَاللَّهِ لَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عَنْدَهُ، ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا، أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قَالَ: فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ، فقَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا أُحِبُّ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ، قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَتَلَا عَلَيْهَا الْآيَةَ، قَالَتْ: أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَشِيرُ\nأَبَوَيَّ؟ ! بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ! قَالَ: لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخْبَرْتُهَا، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنْتًا وَلَا مُتَعَنْتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا».\nقوله: «وَاجِمًا»، يعني: حزينًا.\nفي هذا الحديث: أن عائشة ﵂ رأت أن هذا الأمر مصلحته راجحة، ولا تردد فيه، ولا استشارة، فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة.\nوقولها: «وَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ!»: هذا من باب الغيرة.","vol":"4","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-667>بَابٌ فِي الْإِيلَاءِ، وَاعْتِزَالِ النِّسَاءِ، وَتَخْيِيرِهِنَّ</span>،\nوَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾\n\n[١٤٧٩] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ سِمَاكٍ أَبِي زُمَيْلٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: «لَمَّا اعْتَزَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ، قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا النَّاسُ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى، وَيَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرْنَ بِالْحِجَابِ، فقَالَ عُمَرُ: فَقُلْتُ: لَأَعْلَمَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ ! فقَالَت: مَا لِي وَمَا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا حَفْصَةُ، أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ ! وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يُحِبُّكِ، وَلَوْلَا أَنَا لَطَلَّقَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ، فَقُلْتُ لَهَا: أَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَت: هُوَ فِي خِزَانَتِهِ فِي الْمَشْرُبَةِ، فَدَخَلْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ، مُدَلٍّ رِجْلَيْهِ عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ- وَهُوَ جِذْعٌ يَرْقَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيَنْحَدِرُ- فَنَادَيْتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عَنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ،\nفَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عَنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ رَفَعْتُ صَوْتِي، فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عَنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ظَنَّ أَنِّي جِئْتُ مِنْ أَجْلِ حَفْصَةَ، وَاللَّهِ لَئِنْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِضَرْبِ عَنْقِهَا لَأَضْرِبَنَّ عَنْقَهَا، وَرَفَعْتُ صَوْتِي فَأَوْمَأَ إِلَيَّ أَنِ ارْقَهْ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ، فَجَلَسْتُ، فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ","vol":"4","page":180},{"text":"غَيْرُهُ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ، وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ، قَالَ: فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ، قَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ ! قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَمَا لِي لَا أَبْكِي وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى، وَذَاكَ قَيْصَرُ، وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَفْوَتُهُ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ! فقَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ، وَلَهُمُ الدُّنْيَا؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ- حِينَ دَخَلْتُ- وَأَنَا أَرَى فِي وَجْهِهِ الْغَضَبَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ مِنْ شَأْنِ\nالنِّسَاءِ، فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مَعَكَ، وَمَلَائِكَتَهُ، وَجِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَأَنَا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَكَ، وَقَلَّمَا تَكَلَّمْتُ- وَأَحْمَدُ اللَّهَ- بِكَلَامٍ إِلَّا رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يُصَدِّقُ قَوْلِي الَّذِي أَقُولُ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ آيَةُ التَّخْيِيرِ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾، ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾، وَكَانَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وَحَفْصَةُ تَظَاهَرَانِ عَلَى سَائِرِ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَطَلَّقْتَهُنَّ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، وَالْمُسْلِمُونَ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى، يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ، أَفَأَنْزِلُ فَأُخْبِرَهُمْ أَنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ؟ قَالَ: نَعَمْ- إِنْ شِئْتَ- فَلَمْ أَزَلْ أُحَدِّثُهُ حَتَّى تَحَسَّرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ، وَحَتَّى كَشَرَ فَضَحِكَ- وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْرًا- ثُمَّ نَزَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَنَزَلْتُ، فَنَزَلْتُ أَتَشَبَّثُ بِالْجِذْعِ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّمَا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا يَمَسُّهُ بِيَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، قَالَ: إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ\nالْآيَةُ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ","vol":"4","page":181},{"text":"أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، فَكُنْتُ أَنَا اسْتَنْبَطْتُ ذَلِكَ الْأَمْرَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ آيَةَ التَّخْيِيرِ».\nحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- أَخْبَرَنِي يَحْيَى، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ قَالَ: «مَكَثْتُ سَنَةً وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَهُ، حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا، فَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ فَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ إِلَى الْأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ، فَوَقَفْتُ لَهُ حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَزْوَاجِهِ؟ فقَالَ: تِلْكَ حَفْصَةُ، وَعَائِشَةُ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا مُنْذُ سَنَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ هَيْبَةً لَكَ، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، مَا ظَنَنْتَ أَنَّ عَنْدِي مِنْ عِلْمٍ، فَسَلْنِي عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتُ أَعْلَمُهُ أَخْبَرْتُكَ، قَالَ: وَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ إِنْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ، وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ، قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا فِي أَمْرٍ أَأْتَمِرُهُ، إِذْ قَالَت لِي امْرَأَتِي: لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا، فَقُلْتُ لَهَا: وَمَا لَكِ أَنْتِ وَلِمَا هَهُنَا، وَمَا تَكَلُّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ؟ فقَالَت لِي: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ، وَإِنَّ ابْنَتَكَ لَتُرَاجِعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ، قَالَ عُمَرُ: فَآخُذُ رِدَائِي، ثُمَّ أَخْرُجُ مَكَانِي\nحَتَّى أَدْخُلَ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا بُنَيَّةُ، إِنَّكِ لَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ؟ فقَالَت حَفْصَةُ: وَاللَّهِ إِنَّا لَنُرَاجِعُهُ، فَقُلْتُ: تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ اللَّهِ، وَغَضَبَ رَسُولِهِ يَا بُنَيَّةُ، لَا يَغُرَّنَّكِ هَذِهِ الَّتِي قَدْ أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا وَحُبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهَا، ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لِقَرَابَتِي مِنْهَا فَكَلَّمْتُهَا، فقَالَت لِي أُمُّ سَلَمَةَ: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، قَدْ دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَبْتَغِيَ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ؟ ! قَالَ: فَأَخَذَتْنِي","vol":"4","page":182},{"text":"أَخْذًا، كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَجِدُ، فَخَرَجْتُ مِنْ عَنْدِهَا وَكَانَ لِي صَاحِبٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِذَا غِبْتُ أَتَانِي بِالْخَبَرِ، وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَنَا آتِيهِ بِالْخَبَرِ، وَنَحْنُ حِينَئِذٍ نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْنَا، فَقَدِ امْتَلَأَتْ صُدُورُنَا مِنْهُ، فَأَتَى صَاحِبِي الْأَنْصَارِيُّ يَدُقُّ الْبَابَ، وَقَالَ: افْتَحِ افْتَحْ، فَقُلْتُ: جَاءَ الْغَسَّانِيُّ؟ فقَالَ: أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، اعْتَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْوَاجَهُ، فَقُلْتُ: رَغِمَ أَنْفُ حَفْصَةَ، وَعَائِشَةَ، ثُمَّ آخُذُ ثَوْبِي فَأَخْرُجُ حَتَّى جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ يُرْتَقَى إِلَيْهَا بِعَجَلَةٍ، وَغُلَامٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْوَدُ عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ، فَقُلْتُ: هَذَا عُمَرُ فَأُذِنَ لِي، قَالَ عُمَرُ:\nفَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذَا الْحَدِيثَ، فَلَمَّا بَلَغْتُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، وَإِنَّ عَنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَضْبُورًا، وَعَنْدَ رَأْسِهِ أُهُبًا مُعَلَّقَةً، فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَكَيْتُ، فقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ كِسْرَى، وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ! فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمَا الدُّنْيَا، وَلَكَ الْآخِرَةُ؟ !».\nفي هذا الحديث: فضل ابن عباس ﵄، وهو من صغار الصحابة، وتقديره لعمر ﵁؛ لأن عمر ﵁ مهيب؛ ولهذا هاب أن يسأله سَنَةً، فنهاه عمر ﵁، فينبغي للإنسان أن لا يهاب من سؤال أهل العلم عما أشكل عليه؛ إذا كان قصده الفائدة، ولم يكن قصده التعنت، وإيذاء المسئول، أو إيقاعه في الحرج، أو قصده الرياء بسؤاله، أو غير ذلك من مقاصد سيئة.\nوقوله: «فَلَا تَفْعَلْ مَا ظَنَنْتَ أَنَّ عَنْدِي مِنْ عِلْمٍ، فَسَلْنِي عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتُ أَعْلَمُهُ أَخْبَرْتُكَ»: هكذا هم أهل العلم، لا يدخرون ولا يكتمون علمهم، فما كان لديهم يبينونه للناس، قال الله تعالى: ﴿لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾.","vol":"4","page":183},{"text":"وقوله: «وَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ إِنْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ، وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ»: فيه: أنهم كانوا في الجاهلية يمتهنون المرأة، ويعتبرونها سلعة، ولا يورثون الصبيان، ولا النساء، ويقولون: إنما يرث الرجال الذين يحملون السلاح، ويدافعون عن القبيلة، أما النساء والأطفال فليس لهم شيء من الميراث، وكانت المرأة إذا توفي عنها زوجها جاء أحد أقاربها وألقى عليها ثوبًا وحماها، ثم بعد ذلك إن شاؤوا زوجوها منهم، وإن شاؤوا عضلوها؛ فلما جاء الإسلام كرَّمها، وأعزَّها، وصانها، وحفظها، وجعلها حرة، وجعل لها التصرف والميراث، وجعلها شقيقة الرجل، إلا فيما يخصها، فجعل لها أحكامًا تخصها فيما تخالف فيه الرجال.\nوقولها: «فَبَيْنَمَا أَنَا فِي أَمْرٍ أَأْتَمِرُهُ»، يعني: أشاور فيه نفسي وأفكر فيه.\nوقوله: «إِذْ قَالَت لِي امْرَأَتِي: لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا فَقُلْتُ لَهَا: وَمَا لَكِ أَنْتِ وَلِمَا هَهُنَا، وَمَا تَكَلُّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ؟»: فيه: أن قريشًا كانوا لا يشاورون النساء ولا يعدونهم شيئًا، وكانت نساء الأنصار تغلبهم، وقريش يغلبون نساءهم؛ فلما عرضت زوجة عمر عليه أمرًا، قال: ما لك ولشؤوني؛ فقالت: سبحان الله، أنت لا تريد أن نتكلم في شيء، ونساء النبي ﷺ تغضبه إحداهن إلى الليل؟ !\nوقوله: «فقَالَت لِي: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ، وَإِنَّ ابْنَتَكَ لَتُرَاجِعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ»؛ لأن عمر ﵁ لم يكن قد علم عن هذا شيئًا، فلما راجعته امرأته أنكر عليها، فقالت: عجبًا لك يا ابن الخطاب، ابنتك حفصة تراجع النبي ﷺ فيظل غضبان، فلما قالت هذا الكلام قام من ساعته، وذهب إلى ابنته حفصة ﵂ ينكر عليها كونها تراجع النبي ﷺ، حتى يظل غضبانَ إلى الليل.\nوقوله: «قَالَ عُمَرُ: فَآخُذُ رِدَائِي ثُمَّ أَخْرُجُ مَكَانِي حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى حَفْصَةَ»: والرداء ما يوضع على الكتفين كالمحرم في الحج، أو العمرة، الإزار ما يشد به النصف الأسفل، وعادة العرب لبس الإزار والرداء، وكأنه في البيت","vol":"4","page":184},{"text":"يتخفف فيضع الرداء، وإذا أراد أن يخرج أخذ رداءه ولبسه، وكانوا ربما لبسوا الأُزُرَ والأرديةَ، وربما لبسوا القُمُصَ.\nوقوله: «فَقُلْتُ: تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ اللَّهِ، وَغَضَبَ رَسُولِهِ، يَا بُنَيَّةُ لَا يَغُرَّنَّكِ هَذِهِ الَّتِي قَدْ أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا، وَحُبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهَا»: يقصد عائشة ﵂، وهي أحب نساء النبي ﷺ إليه.\nوقوله: «ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لِقَرَابَتِي مِنْهَا فَكَلَّمْتُهَا، فقَالَت لِي أُمُّ سَلَمَةَ: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، قَدْ دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَبْتَغِيَ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ»: فيه: أن عمر ﵁ كان قصده الإصلاح، وهكذا المصلحون، يدخلون في كل شيء قصدهم الإصلاح فيه، لكن أم سلمة ﵂ قالت: «عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، قَدْ دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَبْتَغِيَ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ»، فكسرت ما في قلبه من القوة والشدة.\nوقوله: «وَكَانَ لِي صَاحِبٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِذَا غِبْتُ أَتَانِي بِالْخَبَرِ، وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَنَا آتِيهِ بِالْخَبَرِ»، يعني: يتناوبون النزول إلى الرسول ﷺ، فسكنه كان بعيدًا عن مسجد النبي ﷺ، ينزل عمر يومًا فيتعلم من النبي ﷺ، ويأخذ ما نزل من الوحي والعلم، ثم يخبر صاحبه الأنصاري؛ وفي اليوم الثاني ينزل الأنصاري ويأتي بالخبر والعلم الذي نزل على النبي ﷺ، وهكذا ينبغي للإنسان أن يحرص على طلب العلم، وإذا لم يتمكن يكون له زميل يتناوب هو وإياه، فيسأل زملاءه عما أخذوا في اليوم الفائت عن الفوائد التي عقلوها وكتبوها.\nوقوله: «وَنَحْنُ- حِينَئِذٍ- نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ»: وملوك غسان كانوا في الشام، وكانوا تابعين للروم.\nوفي الحديث: بيان عناية الصحابة ﵃ بالنبي ﷺ، والنظر في حاله واهتمامهم لأمره؛ حيث كان ملك غسان يتوعدهم أن يغزوهم، ويُتحدث أنه ينعل الخيل، يعني: يلبسها النعال، استعدادًا للقدوم والهجوم على المسلمين، وفي هذه المرة جاء صاحب عمر ﵁ الأنصاري ﵁، وضرب باب عمر ضربه","vol":"4","page":185},{"text":"ضربًا شديدًا، لأهمية الأمر، وقال: اخرج، اخرج، فقال: ماذا حصل؟ جاء الغساني؟ أي: جاء الملك الغساني يريد أن يغزونا؟ قال: لا، «أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، اعْتَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْوَاجَهُ».\nوقوله: «فَقُلْتُ: رَغِمَ أَنْفُ حَفْصَةَ، وَعَائِشَةَ»: رغم أنفها، أي: لصق أنفها بالتراب، وهو كناية عن الإذلال، يعني: يتوجع من حالتهن، لماذا يصنعن هذا مع النبي ﷺ؟ !\nوقوله: «فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ يُرْتَقَى إِلَيْهَا بِعَجَلَةٍ»: مشربة: غرفة مرتفعة، يرقى إليها بعجلة، يعني: بدرج من خشب.\nوقوله: «وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ»: فيه: أن هذا كان فراش النبي ﷺ، حصير ليس فوقه شيء، ولا تحته شيء من القطن، أو من الكتان، كما يحصل عندنا الآن، ويباشر جسده الشريف هذا الحصير، حتى أثَّر الحصير في جسده ﵊، فتأثر عمر وبكى لحاله ﵊.\nوقوله: «وَإِنَّ عَنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَضْبُورًا، وَعَنْدَ رَأْسِهِ أُهُبًا مُعَلَّقَةً»: فيه: أن الذي كان في غرفته هو القرظ الذي تُدبغ به الجلود، وفيه صاع من شعير، وأُهُب معلَّقة.\nوقوله: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمَا الدُّنْيَا، وَلَكَ الْآخِرَةُ؟ !»: الخِطاب لعمر ﵁، ويُقصد به عمومُ المسلمين؛ لأن الدنيا للكفرة، فهم لا يؤمنون بالآخرة ولا يرجونها؛ فلهذا يحرصون على الدنيا، والله تعالى يعطيهم منها ما يعطيهم؛ ولهذا قال الرسول ﷺ في الحديث الآخر: «وَلا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الآخِرَةِ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٤٢٦)، ومسلم (٢٠٦٧).","vol":"4","page":186},{"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى ابْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَقْبَلْتُ مَعَ عُمَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، كَنَحْوِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «قُلْتُ: شَأْنُ الْمَرْأَتَيْنِ، قَالَ: حَفْصَةُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ»، وَزَادَ فِيهِ: «وَأَتَيْتُ الْحُجَرَ، فَإِذَا فِي كُلِّ بَيْتٍ بُكَاءٌ»، وَزَادَ- أَيْضًا-: «وَكَانَ آلَى مِنْهُنَّ شَهْرًا، فَلَمَّا كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ نَزَلَ إِلَيْهِنَّ».\n[خ: ٥١٩١]\nقوله: «وَأَتَيْتُ الْحُجَرَ»: الحُجَر: بيوت النبي ﷺ.\nوقوله: «فَإِذَا فِي كُلِّ بَيْتٍ بُكَاءٌ»، أي: يبكين بسبب اعتزال النبي ﷺ لهن، وهجره لهن.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَّيرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ حُنَيْنٍ- وَهُوَ مَوْلَى الْعَبَّاسِ- قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَبِثْتُ سَنَةً مَا أَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا حَتَّى صَحِبْتُهُ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ذَهَبَ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فقَالَ: أَدْرِكْنِي بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ وَرَجَعَ، ذَهَبْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَذَكَرْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنِ الْمَرْأَتَانِ؟ فَمَا قَضَيْتُ كَلَامِي حَتَّى قَالَ: عَائِشَةُ، وَحَفْصَةُ».\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ- وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ- قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا، وقَالَ إِسْحَاقَ: أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ- مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ- اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، حَتَّى حَجَّ","vol":"4","page":187},{"text":"عُمَرُ، وَحَجَجْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ عُمَرُ، وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالْإِدَاوَةِ فَتَبَرَّزَ، ثُمَّ أَتَانِي، فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ فَتَوَضَّأَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنِ الْمَرْأَتَانِ- مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ- اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ ﷿ لَهُمَا: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾؟ قَالَ عُمَرُ: وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ- قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَرِهَ- وَاللَّهِ- مَا سَأَلَهُ عَنْهُ وَلَمْ يَكْتُمْهُ- قَالَ: هِيَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ، ثُمَّ أَخَذَ يَسُوقُ الْحَدِيثَ، قَالَ: كُنَّا- مَعْشَرَ قُرَيْشٍ- قَوْمًا نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ، قَالَ: وَكَانَ مَنْزِلِي فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ بِالْعَوَالِي، فَتَغَضَّبْتُ يَوْمًا عَلَى امْرَأَتِي، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعَنِي، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، فقَالَت: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ، فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه\nوسلم لَيُرَاجِعْنَهُ وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ، فَانْطَلَقْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: أَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فقَالَت: نَعَمْ، فَقُلْتُ: أَتَهْجُرُهُ إِحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ؟ قَالَت: نَعَمْ، قُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُنَّ وَخَسِرَ، أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ ﷺ فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ، لَا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَا تَسْأَلِيهِ شَيْئًا، وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ، وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمَ، وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْكِ- يُرِيدُ عَائِشَةَ-، قَالَ: وَكَانَ لِي جَارٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَيَنْزِلُ يَوْمًا، وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَيَأْتِينِي بِخَبَرِ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَآتِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الْخَيْلَ لِتَغْزُوَنَا، فَنَزَلَ صَاحِبِي، ثُمَّ أَتَانِي عِشَاءً، فَضَرَبَ بَابِي، ثُمَّ نَادَانِي، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَاذَا، أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَطْوَلُ: طَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ، فَقُلْتُ: قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ، قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا كَائِنًا حَتَّى إِذَا صَلَّيْتُ الصُّبْحَ شَدَدْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، ثُمَّ نَزَلْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ- وَهِيَ تَبْكِي- فَقُلْتُ: أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فقَالَت: لَا أَدْرِي،","vol":"4","page":188},{"text":"هَا هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي هَذِهِ الْمَشْرُبَةِ، فَأَتَيْتُ\nغُلَامًا لَهُ أَسْوَدَ، فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ، فقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ فَجَلَسْتُ، فَإِذَا عَنْدَهُ رَهْطٌ جُلُوسٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، ثُمَّ أَتَيْتُ الْغُلَامَ، فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ، فقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا، فَإِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي، فقَالَ: ادْخُلْ فَقَدْ أَذِنَ لَكَ، فَدَخَلْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا هُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى رَمْلِ حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقُلْتُ: أَطَلَّقْتَ- يَا رَسُولَ اللَّهِ- نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ، وَقَالَ: لَا، فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، لَوْ رَأَيْتَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَوْمًا نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ، فَتَغَضَّبْتُ عَلَى امْرَأَتِي يَوْمًا فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعَنِي، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، فقَالَت: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ، فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ لَيُرَاجِعْنَهُ وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكِ مِنْهُنَّ وَخَسِرَ، أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاهُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ ﷺ، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ\nهِيَ أَوْسَمُ مِنْكِ، وَأَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْكِ، فَتَبَسَّمَ أُخْرَى، فَقُلْتُ: أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَجَلَسْتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فِي الْبَيْتِ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ إِلَّا أُهَبًا ثَلَاثَةً، فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ- يَا رَسُولَ اللَّهِ- أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ، فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ، وَالرُّومِ- وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ- فَاسْتَوَى جَالِسًا، ثُمَّ قَالَ: أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ ! أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَقُلْتُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَانَ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ، حَتَّى عَاتَبَهُ اللَّهُ ﷿».","vol":"4","page":189},{"text":"قوله: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، وَالْمُسْلِمُونَ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى»: هذا من الهم الذي أصابهم؛ فقد شق عليهم خبر النبي ﷺ، فقد شاع في الناس أن النبي ﷺ طلق نسائه ﵅؛ وذلك لأنهن اجتمعن عليه يسألنه النفقة، وليس عنده شيء، فشق عليه ذلك فاعتزلهن- من باب التأديب لهن- شهرًا في المشربة في غرفة وحده، حتى مر تسعة وعشرون يومًا، فجاء عمر ليعرف الخبر.\nوقوله: «فقَالَ عُمَرُ: فَقُلْتُ: لَأَعْلَمَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقَالَت: مَا لِي وَمَا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ»: هذا من نصح عمر ﵁، ينصح أزواج النبي ﷺ، فزار عائشة ﵂، وقال لها: ما لكِ تؤذين الرسول، تسألين النفقة وما عنده شيء؟ ! فقالت له: «عَلَيْكَ بِعَيْبَتِك»، أي: اذهب إلى ابنتك، فذهب إلى ابنته حفصة ﵂، ثم ذهب إلى أم سلمة ﵂، فقالت له قولًا أشدَّ.\nوقوله: «قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ»، يعني: على عتبة المشربة، كان الباب فيه درج من خشب ينزل على الغرفة، وعليه بواب، وهو رباح؛ فلا يدخل أحد حتى يستأذن له، وأحيانًا يأتي أحدهم من نفسه متطوعًا؛ ليكون حاجبًا للنبي ﷺ.\nوقوله: «فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ، وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ، وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ، قَالَ: فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ قَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟»: الأَفِيق: الجلد الذي لم يتم دباغه (^١).\nوالمعنى: أنه ما في الغرفة إلا صاع من شعير، وقرظ- وهو ما يدبغ به الجلد-، فبكى عمر ﵁ مما رأى من حاله، وقد نام على حصير ما عليه إلا إزار واحد، والحصير قد أثر في جنبه ﷺ، والغرفة ما فيها طعام ولا لباس،\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (١/ ٥٥)، لسان العرب، لابن منظور (١٠/ ٦).","vol":"4","page":190},{"text":"ولا كساء، وهكذا كان حاله ﷺ في الدنيا، لا لهوانه على الله، ولكن لعظم أجره، وليرفع الله درجته ﵊، فكان ﵊ صابرًا شاكرًا، إن كان عنده شيء شكر الله، وإن لم يكن عنده شيء صبر؛ فهو إمام الشاكرين، وإمام الصابرين، والله تعالى له الحكمة البالغة في ذلك، فقد جاء في الحديث، «عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا، فَقُلْتُ: لَا. يَا رَبِّ وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا، وَأَجُوعُ يَوْمًا- أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ- فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ، وَإِذَا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ» (^١).\nوقوله: «فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ، فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مَعَكَ، وَمَلَائِكَتَهُ، وَجِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَأَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَكَ، وَقَلَّمَا تَكَلَّمْتُ وَأَحْمَدُ اللَّهَ بِكَلَامٍ إِلَّا رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يُصَدِّقُ قَوْلِي الَّذِي أَقُولُ»: هذا من الموافقات التي وافق عمر فيها ربه؛ فإن عمر ﵁ له موافقات، فقد جاء في الحديث أن عمر ﵁ قال: «وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى؟ فَنَزَلَتْ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، وَآيَةُ الْحِجَابِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ» (^٢)، وله موافقات أخرى ﵁.\nوقوله: «فَلَمْ أَزَلْ أُحَدِّثُهُ حَتَّى تَحَسَّرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ وَحَتَّى كَشَرَ فَضَحِكَ»: هذا من فضائل عمر ﵁ أنه لما رأى النبي ﷺ حزينًا مهمومًا أراد أن يحدِّثه حتى يزول الغضب عن وجهه.\nوقوله: «وَنَزَلْتُ فَنَزَلْتُ أَتَشَبَّثُ بِالْجِذْعِ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّمَا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ»: هذا الجذع كالدرج، ينزل عليه ويرقى عليه، حتى يخرج إذا أراد الخروج، أو يدخل إذا أراد الدخول.\nوفيه: مشروعية التكبير عند حدوث السرور، فلما أشاع الناس أن النبي\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٢١٩٠)، والترمذي (٢٣٤٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٠٢).","vol":"4","page":191},{"text":"ﷺ طلق نساءه وشق ذلك عليهم، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، والذي استنبطه هو عمر ﵁؛ لأنه رد الأمر إلى رسول الله ﷺ، فجاء وسأل نبي ﷺ، قال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَطَلَّقْتَهُنَّ؟ قَالَ: لَا»، فكبَّر.\nوقوله: «فَانْطَلَقْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ فَجَلَسْتُ، فَإِذَا عَنْدَهُ رَهْطٌ جُلُوسٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ قَلِيلًا»، أي: أنهم سمعوا بالخبر، فصار يبكي بعضهم لبعض، حزنًا على ما حصل لأزواج النبي ﷺ.\nوقوله: «فَصَمَتَ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا، فَإِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي، فقَالَ: ادْخُلْ فَقَدْ أَذِنَ لَكَ، فَدَخَلْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»: ولى عمر مدبرًا؛ لأنه لم يُؤذن له، وخشي أن يكون شق على النبي ﷺ، ثم جاء الإذن، فدخل، وسلم، وفيه: مشروعية السلام عند الدخول.\nوقوله: «فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمُ مِنْكِ»: قال عمر: جارتك، ولم يقل: ضرتك، من باب اختيار اللفظ الحسن.\nوقوله: «فَقُلْتُ: أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ»، يعني: أجلس مستأنسًا يا رسول الله؟ فقد يكون الإنسان في بيته له حاجة، فلا ينبغي للضيف أن يثقل عليه حتى يستأذن، قال: أستأنس يا رسول الله؟ يعني: هل أنت مرتاح؟ ليس هناك شيء يشغلك، أم أخرج؟ وبعض الناس قد يأتي لصاحبه في بيته، فيتعبه ويشق عليه، وهو قد يكون مشغولًا، وقد يكون له حاجة مهمة تتعلق ببيته، أو تتعلق بشؤونه، أو تتعلق بمصالح الناس، فيأتي بعض الناس فيؤذيه، وليس له حاجة إلا الكلام، ويجلس وقتًا طويلًا؛ فينبغي للإنسان أن يراعي هذه الأحوال.\nوقوله: «فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ- يَا رَسُولَ اللَّهِ- أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى","vol":"4","page":192},{"text":"فَارِسَ، وَالرُّومِ، وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا»: فيه: أنه ﷺ كان متكئًا فاستوى جالسًا؛ ليبين لعمر ﵁ أهمية الأمر فقد وسَّع الله على فارس والروم، وهم لا يعبدون الله؛ لأن الله عجَّل لهم طيباتهم في الدنيا، وبين له أنه لا ينبغي للإنسان أن يغتر بما عليه الكفرة؛ لأنهم قد عُجِّلت لهم طيباتهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.\n\n[١٤٧٥] قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا مَضَى تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بَدَأَ بِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ أَعُدُّهُنَّ، فقَالَ: «إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ»، ثُمَّ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ»، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ الْآيَةَ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾، حَتَّى بَلَغَ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ وَاللَّهِ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَوَ فِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ ! فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَت: لَا تُخْبِرْ نِسَاءَكَ أَنِّي اخْتَرْتُكَ، فقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي مُبَلِّغًا، وَلَمْ يُرْسِلْنِي مُتَعَنْتًا»، قَالَ قَتَادَةُ: صَغَتْ قُلُوبُكُمَا: مَالَتْ قُلُوبُكُمَا.\nوقوله: «ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ الْآيَةَ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾، حَتَّى بَلَغَ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ وَاللَّهِ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَوَ فِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ، فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ»: هذا من التخيير بعد أن هجرهن ﷺ شهرًا، وأنزل الله آية التخيير،","vol":"4","page":193},{"text":"فكان على كل واحدة منهن أن تختار الدنيا، أو تختار الله ورسوله والدار الآخرة أنزل ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فإما أن تختار الدنيا ومتاعها فيطلقها وتنصرف إلى أهلها، وإما أن تختار الله ورسوله والدار الآخرة، فتبقى مع الرسول ﷺ، وتصبر على ما هو فيه من قلة ذات اليد.\nوفي هذا الحديث: دليل على أن التخيير لا يكون طلاقًا، كما سبق في حديث عائشة ﵂ قالت: «قَدْ خَيَّرَنا رَسُولُ اللهِ فَلَمْ نَعُدَّهُ طَلَاقًا».","vol":"4","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-668>بَابُ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا لَا نَفَقَةَ لَهَا</span>\n\n[١٤٨٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ- مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ- عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: «أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ، وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ، فقَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فقَالَ: لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عَنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي، قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ، فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: انْكِحِي أُسَامَةَ، فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا، وَاغْتَبَطْتُ بِهِ».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ أَبِي حَازِمٍ- وَقَالَ قُتَيْبَةُ- أَيْضًا-: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- كِلَيْهِمَا عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: «أَنَّهُ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ أَنْفَقَ عَلَيْهَا نَفَقَةَ دُونٍ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ قَالَتْ: وَاللَّهِ لَأُعْلِمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإِنْ كَانَ لِي نَفَقَةٌ أَخَذْتُ الَّذِي يُصْلِحُنِي، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِي نَفَقَةٌ لَمْ آخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، قَالَتْ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقَالَ: لَا نَفَقَةَ لَكِ، وَلَا سُكْنَى».\nفي هذا الحديث: جواز طلاق الغائب، وأنه لا بأس أن يطلق الإنسان","vol":"4","page":195},{"text":"وهو غائب؛ ولا يشترط أن يكون حاضرًا، ولا يشترط أن تسمعه امرأته.\nوفيه: أن المطلقة البائن ليس لها نفقة، ولا سكنى على الصحيح، بخلاف المطلقة الرجعية فلها النفقة والسكنى؛ لأنها زوجة حتى تخرج من العدة، ولا يجوز إخراجها من بيتها إلا إذا أتت بفاحشة مبينة، أو كانت مؤذية، قال الله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾، وكذلك المتوفى عنها زوجها ليس لها نفقة ولا سكنى؛ لكن تبقى في البيت حتى تخرج من العدة؛ وقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال لها: «امْكُثِي حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ» (^١)، وإذا كان البيت مستأجرًا تدفع قسطها من الأجرة.\nوفيه: مشروعية الوكالة؛ ولهذا وكَّل أبو حفص من يعطيها النفقة.\nوفيه: أنه لا بأس بالتعريض بخطبة المعتدة البائن كالمتوفى عنها؛ لقوله: «فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي».\nوفيه: دليل على أنه من استُنصح وسُئل فإنه يذكر ما يعرف من العيب، ولا يعتبر هذا من الغيبة، بل هو من النصيحة الواجبة؛ فإن فاطمة ﵂ خطبها ثلاثة: أبو جهم، ومعاوية، وأسامة بن زيد ﵃ جميعًا، فاستشارت النبي ﷺ، فقال لها: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ»، قيل: إن معناه أنه كثير الأسفار، وقيل: ضَرَّاب للنساء؛ وقال: «وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ».\nوظاهر هذا الحديث: التعارض مع ما ثبت من عدم جواز خطبة الإنسان على خطبة أخيه؛ لقوله ﷺ: «وَلَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» (^٢)، ووجه الجمع في هذا: أن يحمل على أن كل واحد منهما لم يعلم بخطبة الآخر.\nوفيه: جواز نكاح القرشية للمولى، وأنه لا تُشترط الكفاءة في النسب؛\n_________\n(^١) أخرجه الدارمي (٢٢٦٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٨٤٨).","vol":"4","page":196},{"text":"فيجوز للقبيلية أن تتزوج حضريًّا وبالعكس؛ وهذا عند كثير من الناس أمر شديد؛ ولهذا لما عرض رسول الله ﷺ على فاطمة بنت قيس الزواج بأسامة تلكأت وكرهته؛ لأنه مولًى أسودُ، فكرر عليها الرسول ﷺ النصيحة حتى اقتنعت، فنكحته واغتبطت به.\nوكذلك- أيضًا- نكحت ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب المقداد بن الأسود (^١)، وكذلك زوَّج أبو حذيفة مولاه سالمًا من بنت أخيه (^٢)، فالمهم في الكفاءة أن يُرْضَى خُلُقُه ودينُهُ، قال النبي ﷺ: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ» (^٣).\nوقوله: «اعْتَدِّي عَنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ»؛ لأنه كان ابن عمها، وأهله معه في بيته، فهو لا يخلو بفاطمة بنت قيس ﵂.\nوفيه: أنه لا يجب على المرأة أن تحتجب عن الأعمى؛ لأنه لا يبصر؛ لقول النبي ﷺ: «اعْتَدِّي عَنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ».\nوأما حديث نبهان عن أم سلمة ضي الله عنها أن النبي ﷺ قال لامرأتين من أزواجه لما دخل عليهما ابن أم مكتوم ﵁: «احْتَجِبَا مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسَ هُوَ أَعْمَى لَا يُبْصِرُنَا وَلَا يَعْرِفُنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا؟ أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ؟»، (^٤) وقد رواه أبو داود والترمذي، فهو حديث ضعيف لا يقاوم الحديث الصحيح؛ لأن نبهان مولى أم سلمة فيه جهالة، خلافًا للنووي، الذي حسَّن حديث نبهان (^٥)، وكذلك فهو- أيضًا- انفرد بالرواية عن أم سلمة، ثم إنه لو صح فهو حديث مخالف لما في صحيح مسلم، وهو\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى، لابن سعد (٣/ ١٦٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٠٨٨).\n(^٣) أخرجه الترمذي (١٠٨٤)، وابن ماجه (١٩٦٧).\n(^٤) أخرجه أحمد (٢٦٥٣٧)، وأبو داود (٤١١٢)، والترمذي (٢٧٧٨).\n(^٥) شرح مسلم، للنووي (١٠/ ٩٧).","vol":"4","page":197},{"text":"أصح منه ومقدم عليه، والإسلام إنما جعل الاحتجاب للنظر، وابن أم مكتوم لا يراها فلا يجب الاحتجاب عنه، لكن معلوم أنه ينبغي على المرأة ألا تنظر إلى الرجل بتأمل وشهوة، فهذا لا يجوز، كما أن الرجل لا ينظر للمرأة بتأمل.\nوفيه- أيضًا-: دليل على أنه لا بأس بزيارة المرأة، واستضافتها الرجالَ إذا لم تكن خلوة.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ: «سَأَلْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ، فَأَخْبَرَتْنِي: أَنَّ زَوْجَهَا الْمَخْزُومِيَّ طَلَّقَهَا، فَأَبَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا نَفَقَةَ لَكِ، فَانْتَقِلِي فَاذْهَبِي إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَكُونِي عَنْدَهُ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عَنْدَهُ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ- أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ- أُخْتَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ- أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى الْيَمَنِ، فقَالَ لَهَا أَهْلُهُ: لَيْسَ لَكِ عَلَيْنَا نَفَقَةٌ، فَانْطَلَقَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي نَفَرٍ فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فقَالُوا: إِنَّ أَبَا حَفْصٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَهَلْ لَهَا مِنْ نَفَقَةٍ؟ فقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ»، وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا أَنْ لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهَا أَنَّ أُمَّ شَرِيكٍ يَأْتِيهَا الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ، فَانْطَلِقِي إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى؛ فَإِنَّكِ إِذَا وَضَعْتِ خِمَارَكِ لَمْ يَرَكِ، فَانْطَلَقَتْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا مَضَتْ عِدَّتُهَا أَنْكَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ».","vol":"4","page":198},{"text":"في هذا الحديث: أنه في اللفظ الأول قال: «طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ»، والبتة: يعني: ثلاثًا، وهنا: «طَلَّقَهَا ثَلَاثًا»، ويحمل على أنه طلقها قبل ذلك طلقتين، وهذه الثالثة، فصارت بائنة بينونة كبرى، ولا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وهل لها النفقة؟ في المسألة قولان:\nالأول: أنها ليس لها نفقة ولا كسوة، وهذا هو الصواب.\nوالثاني: أن لها النفقة والكسوة، وقد قال بهذا بعض الصحابة، منهم: عمر ﵁، وعائشة ﵂، وقال عمر ﵁: «لَا نَدَعُ كِتَابَ اللهِ ﷿ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ ﷺ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَعَلَّهَا نَسِيَتْ» (^١) - يقصدون: فاطمة-، وقد خفيت عليهم السنة في ذلك، والصواب مع فاطمة.\nوالثالث: إن لها السكنى، وليس لها النفقة؛ لقوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ لكن الصحيح أن هذا في الرجعية (^٢).\nوقوله: «وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا أَنْ لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى أُمِّ شَرِيكٍ»: هذا تعريض بالخطبة؛ ولا بأس بالتعريض بها للمطلقة البائن دون التصريح، قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾، وهو بأن تخرج من العدة.\nأما الرجعية فلا يجوز لا تعريضًا ولا تصريحًا؛ لأن الرجعية زوجة حتى تخرج من العدة، ولها النفقة والسكنى، ولا تخرج من البيت، وما تفعله بعض النساء بمجرد أن تسمع الطلاق تخرج من بيتها فهذا غلط، وعليها أن تبقى في بيتها، فقد يراجعها زوجها، ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾، ولا تُخرَج من بيتها إلا إذا كانت مؤذية بلسانها.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣٧٣٣٨).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٠/ ٩٥).","vol":"4","page":199},{"text":"وفيه: أنه يجوز للمرأة أن تضع خمارها عند الأعمى فهو لا يراها، والخمار: هو ما يكون على الرأس والوجه.\nوفيه: دليل على أنه لا بأس من زيارة عدد من الرجال المرأةَ الصالحة، على ألا تكون بخلوة، ولا بأس بالكلام معها، واستضافتها لهم وتقديمها الطعام إذا لم تكن هناك ريبة؛ أما إذا كانت هناك ريبة فلا؛ ومن الأدلة على ذلك: قصة المرأة العجوز التي كان يزورها بعض الصحابة، فعن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قال: «كَانَتْ فِينَا امْرَأَةٌ تَجْعَلُ عَلَى أَرْبِعَاءَ فِي مَزْرَعَةٍ لَهَا سِلْقًا، فَكَانَتْ إِذَا كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ تَنْزِعُ أُصُولَ السِّلْقِ، فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ، ثُمَّ تَجْعَلُ عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ تَطْحَنُهَا، فَتَكُونُ أُصُولُ السِّلْقِ عَرْقَهُ، وَكُنَّا نَنْصَرِفُ مِنْ صَلاةِ الجُمُعَةِ، فَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَتُقَرِّبُ ذَلِكَ الطَّعَامَ إِلَيْنَا، فَنَلْعَقُهُ وَكُنَّا نَتَمَنَّى يَوْمَ الجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا ذَلِكَ» (^١).\nومن الأدلة على ذلك- أيضًا-: ما رواه مسلم بسنده عن أنس ﵁ قال: قال أبو بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر ﵁: «انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالَا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ؟ فَقَالَتْ: مَا أَبْكِي أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ، وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٤٥٤).","vol":"4","page":200},{"text":"حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل- يَعَنْونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ- قَالَ: كَتَبْتُ ذَلِكَ مِنْ فِيهَا كِتَابًا- قَالَت: «كُنْتُ عَنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَطَلَّقَنِي الْبَتَّةَ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى أَهْلِهِ أَبْتَغِي النَّفَقَةَ»، وَاقْتَصُّوا الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو: «لَا تَفُوتِينَا بِنَفْسِكِ».\nحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِح عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَسْتَفْتِيهِ فِي خُرُوجِهَا مِنْ بَيْتِهَا، فَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، فأَبَى مَرْوَانُ أَنْ يُصَدِّقَهُ فِي خُرُوجِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْ بَيْتِهَا، وقَالَ عُرْوَةُ: إِنَّ عَائِشَةَ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ.\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، مَعَ قَوْلِ عُرْوَةَ: إِنَّ عَائِشَةَ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَةَ.\nقوله: «فَزَعَمَتْ»، يعني: قالت، أو ادَّعت.\nوفي هذا الحديث: أن هذه الطلقة كانت آخر تطليقة، وسبقتها طلقتان، فصارت بائنة.","vol":"4","page":201},{"text":"وفيه: إنكار عائشة ﵂ خروج المطلقة البائن من بيتها، وعملت بآية: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾، وهو كذلك اجتهاد من عمر ﵁، والصواب مع فاطمة ﵂، والحديث صريح في أنه لا نفقة لها ولا سكنى.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ- واللَّفْظُ لِعَبْدٍ- قَالَا: أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: «أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ خَرَجَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى الْيَمَنِ، فَأَرْسَلَ إِلَى امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ بِتَطْلِيقَةٍ كَانَتْ بَقِيَتْ مِنْ طَلَاقِهَا، وَأَمَرَ لَهَا الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ بِنَفَقَةٍ، فقَالَا لَهَا: وَاللَّهِ مَا لَكِ نَفَقَةٌ، إِلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَتْ لَهُ قَوْلَهُمَا، فقَالَ: لَا نَفَقَةَ لَكِ، فَاسْتَأْذَنَتْهُ فِي الِانْتِقَالَ: فَأَذِنَ لَهَا، فقَالَت: أَيْنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فقَالَ: إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ- وَكَانَ أَعْمَى تَضَعُ ثِيَابَهَا عَنْدَهُ وَلَا يَرَاهَا- فَلَمَّا مَضَتْ عِدَّتُهَا أَنْكَحَهَا النَّبِيُّ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا مَرْوَانُ: قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ يَسْأَلُهَا عَنِ الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَتْهُ بِهِ، فقَالَ مَرْوَانُ: لَمْ نَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنَ امْرَأَةٍ، سَنَأْخُذُ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي وَجَدْنَا النَّاسَ عَلَيْهَا، فقَالَت فَاطِمَةُ- حِينَ بَلَغَهَا قَوْلُ مَرْوَانَ-: فَبَيْنِي وَبَيْنَكُمُ الْقُرْآنُ، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ...﴾ الْآيَةَ، قَالَتْ: هَذَا لِمَنْ كَانَتْ لَهُ مُرَاجَعَةٌ، فَأَيُّ أَمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ، فَكَيْفَ تَقُولُونَ: لَا نَفَقَةَ لَهَا، إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، فَعَلَامَ تَحْبِسُونَهَا؟ !».\nفي هذا الحديث: أن البائن ليس لها نفقة، إلا أن تكون حاملًا، فمن أجل الحمل ينفق عليها.\nوقوله: «فقَالَت فَاطِمَةُ- حِينَ بَلَغَهَا قَوْلُ مَرْوَانَ-: فَبَيْنِي وَبَيْنَكُمُ الْقُرْآنُ، قَالَ اللَّهُ","vol":"4","page":202},{"text":"﷿: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ...﴾ الْآيَةَ، قَالَتْ: هَذَا لِمَنْ كَانَتْ لَهُ مُرَاجَعَةٌ، فَأَيُّ أَمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ، فَكَيْفَ تَقُولُونَ: لَا نَفَقَةَ لَهَا، إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، فَعَلَامَ تَحْبِسُونَهَا؟ !»: أبى مروان أن يصدقها، فقالت: بيني وبينكم القرآن، قال الله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾، ثم قال: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ وهذه الآية لا شك أنها نزلت في المطلقة الرجعية، قَالَتْ: وأي شيء يحدث للمطلقة البائن؟ وهي لا رجعة لها، ثم قالت: إذا كانت ليس لها نفقة فكيف تحبسونها؟ !","vol":"4","page":203},{"text":"حَدَّثَنِي زُهَّيرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنا سَيَّارٌ، وَحُصَيْنٌ، وَمُغِيرَةُ، وَأَشْعَثُ، وَمُجَالِدٌ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَدَاوُدُ، كُلُّهُمْ عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، فَسَأَلْتُهَا عَنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا، فقَالَت: طَلَّقَهَا زَوْجُهَا الْبَتَّةَ، فقَالَت: فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ، قَالَتْ: فَلَمْ يَجْعَلْ لِي سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةً، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ، وَدَاوُدَ، وَمُغِيرَةَ، وَإِسْمَاعِيل، وَأَشْعَثَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ» بِمِثْلِ حَدِيثِ زُهَّيرُ عَنْ هُشَيْمٍ.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ الْهُجَيْمِيُّ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ قَالَ: «دَخَلْنَا عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، فَأَتْحَفَتْنَا بِرُطَبِ ابْنِ طَابٍ، وَسَقَتْنَا سَوِيقَ سُلْتٍ، فَسَأَلْتُهَا عَنِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا أَيْنَ تَعْتَدُّ؟ قَالَتْ: طَلَّقَنِي بَعْلِي ثَلَاثًا، فَأَذِنَ لِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَعْتَدَّ فِي أَهْلِي».\nقوله: «فَأَتْحَفَتْنَا بِرُطَبِ ابْنِ طَابٍ»: هذا من كرم الضيافة، ورطب ابن طاب: نوع جيد من رطب المدينة، والمدينة فيها أنواع من الرطب، يقال: تبلغ مائة وعشرين نوعًا.\nوقوله: «وَسَقَتْنَا سَوِيقَ سُلْتٍ»: هو حب بين البر والشعير لا قشر له (^١)، وهذا من الكَرَمِ- أيضًا.\n_________\n(^١) مشارق الأنوار، للقاضي عياض (٢/ ٢١٧).","vol":"4","page":204},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا قَالَ: «لَيْسَ لَهَا سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةٌ».\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: «طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا، فَأَرَدْتُ النُّقْلَةَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فقَالَ: انْتَقِلِي إِلَى بَيْتِ ابْنِ عَمِّكِ عَمْرِو بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَاعْتَدِّي عَنْدَهُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: «كُنْتُ مَعَ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ وَمَعَنَا الشَّعْبِيُّ، فَحَدَّثَ الشَّعْبِيُّ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةً، ثُمَّ أَخَذَ الْأَسْوَدُ كَفًّا مِنْ حَصًى فَحَصَبَهُ بِهِ، فقَالَ: وَيْلَكَ تُحَدِّثُ بِمِثْلِ هَذَا؟ ! قَالَ عُمَرُ: لَا نَتْرُكُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ، أَوْ نَسِيَتْ، لَهَا السُّكْنَى، وَالنَّفَقَةُ، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾».\nوَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُعَاذٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي أَحْمَدَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ، بِقِصَّتِهِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ، بْنِ صُخَيْرٍ الْعَدَوِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ تَقُولُ: «إِنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةً، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي، فَآذَنْتُهُ فَخَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ، وَأَبُو جَهْمٍ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ تَرِبٌ لَا مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلٌ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ،","vol":"4","page":205},{"text":"وَلَكِنْ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فقَالَت: بِيَدِهَا هَكَذَا، أُسَامَةُ! أُسَامَةُ! فقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: طَاعَةُ اللَّهِ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ خَيْرٌ لَكِ، قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُهُ، فَاغْتَبَطْتُ».\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقَ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ، قَالَ: سَمِعْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ تَقُولُ: أَرْسَلَ إِلَيَّ زَوْجِي أَبُو عَمْرِو بْنُ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ بِطَلَاقِي، وَأَرْسَلَ مَعَهُ بِخَمْسَةِ آصُعِ تَمْرٍ، وَخَمْسَةِ آصُعِ شَعِيرٍ، فَقُلْتُ: أَمَا لِي نَفَقَةٌ إِلَّا هَذَا، وَلَا أَعْتَدُّ فِي مَنْزِلِكُمْ؟ ! قَالَ: لَا، قَالَتْ: فَشَدَدْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، وَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فقَالَ: كَمْ طَلَّقَكِ؟ قُلْتُ: ثَلَاثًا قَالَ: صَدَقَ، لَيْسَ لَكِ نَفَقَةٌ، اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ عَمِّكِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، تُلْقِي ثَوْبَكِ عَنْدَهُ، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُكِ فَآذِنِينِي، قَالَتْ: فَخَطَبَنِي خُطَّابٌ، مِنْهُمْ: مُعَاوِيَةُ، وَأَبُو الْجَهْمِ، فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ مُعَاوِيَةَ تَرِبٌ خَفِيفُ الْحَالِ، وَأَبُو الْجَهْمِ مِنْهُ شِدَّةٌ عَلَى النِّسَاءِ- أَوْ: يَضْرِبُ النِّسَاءَ، أَوْ: نَحْوَ هَذَا- وَلَكِنْ عَلَيْكِ بِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ».\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقَ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْجَهْمِ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، فَسَأَلْنَاهَا، فقَالَت: كُنْتُ عَنْدَ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَخَرَجَ فِي غَزْوَةِ نَجْرَانَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، وَزَادَ قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُهُ، فَشَرَّفَنِي اللَّهُ بِأَبِي زَيْدٍ، وَكَرَّمَنِي اللَّهُ بِأَبِي زَيْدٍ.\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا، وَأَبُو سَلَمَةَ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ زَمَنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَحَدَّثَتْنَا: أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَاتًّا، بِنَحْوِ حَدِيثِ سُفْيَانَ.\nوَحَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ صَالِح عَنِ السُّدِّيِّ عَنِ الْبَهِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: طَلَّقَنِي","vol":"4","page":206},{"text":"زَوْجِي ثَلَاثًا، فَلَمْ يَجْعَلْ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةً.\n\n[١٤٨١] وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: تَزَوَّجَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ، فَطَلَّقَهَا، فَأَخْرَجَهَا مِنْ عَنْدِهِ، فَعَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عُرْوَةُ، فقَالُوا: إِنَّ فَاطِمَةَ قَدْ خَرَجَتْ، قَالَ عُرْوَةُ: فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ، فَأَخْبَرْتُهَا بِذَلِكَ، فقَالَت: مَا لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ خَيْرٌ فِي أَنْ تَذْكُرَ هَذَا الْحَدِيثَ».\n\n[١٤٨٢] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، وَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ، قَالَ: فَأَمَرَهَا فَتَحَوَّلَتْ».\n\n[١٤٨١] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «مَا لِفَاطِمَةَ خَيْرٌ أَنْ تَذْكُرَ هَذَا، قَالَ: تَعْنِي قَوْلَهَا: لَا سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةَ».\n[خ: ٥٣٢٤]\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقَ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ- لِعَائِشَةَ-: «أَلَمْ تَرَيْ إِلَى فُلَانَةَ بِنْتِ الْحَكَمِ؟ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا الْبَتَّةَ، فَخَرَجَتْ، فقَالَت: بِئْسَمَا صَنَعَتْ، فقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعِي إِلَى قَوْلِ فَاطِمَةَ؟ فقَالَت: أَمَا إِنَّهُ لَا خَيْرَ لَهَا فِي ذِكْرِ ذَلِكَ».\n[خ: ٥٣٢٦]\nقول فاطمة ﵂: «وَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ»: هذا تعليل منها في أنها لم تسكن؛ لأنها خافت أن يقتحم عليها.","vol":"4","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-669>بَابُ جَوَازِ خُرُوجِ الْمُعْتَدَّةِ الْبَائِنِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي النَّهَارِ لِحَاجَتِهَا</span>\n\n[١٤٨٣] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: طُلِّقَتْ خَالَتِي، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا، فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فقَالَ: «بَلَى، فَجُدِّي نَخْلَكِ؛ فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا».\nحديث جابر أطال فيه مسلم ﵀، وهو حديث واحد ذكره برواياته المتعددة، وهذه من ميزات مسلم على البخاري، فالبخاري ﵀ يُقطِّع الحديث الواحد من أجل التراجم، واستنباط بعض الأحكام، ومسلم ﵀ يذكر الحديث برواياته المتعددة في مكان واحد، فتظهر بذلك قوة الحديث، ويطمئن الإنسان في كل رواية، ويكون في بعض الروايات زيادات فيها إيضاح، كتسمية الأشياء المبهمة؛ ولهذا قيل: إن مسلمًا فاق البخاري في حسن صناعة الحديث.","vol":"4","page":208},{"text":"[١٤٨٤] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالَ حَرْمَلَةُ: حَدَّثَنَا، وقَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: «أَنَّ أَبَاهُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ الزُّهْرِيِّ يَأْمُرُهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيَّةِ، فَيَسْأَلَهَا عَنْ حَدِيثِهَا، وَعَمَّا قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ اسْتَفْتَتْهُ، فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، يُخْبِرُهُ: أَنَّ سُبَيْعَةَ، أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ- وَهُوَ فِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا- فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهِيَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا، تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ- رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ- فقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ مُتَجَمِّلَةً لَعَلَّكِ تَرْجِينَ النِّكَاحَ، إِنَّكِ- وَاللَّهِ- مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي، وَأَمَرَنِي بِالتَّزَوُّجِ إِنْ بَدَا لِي، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ تَتَزَوَّجَ حِينَ وَضَعَتْ، وَإِنْ\nكَانَتْ فِي دَمِهَا غَيْرَ أَنْ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ».\n[خ: ٣٩٩١]\n\n[١٤٨٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنْزِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَابْنَ عَبَّاسٍ اجْتَمَعَا عَنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُمَا يَذْكُرَانِ الْمَرْأَةَ تُنْفَسُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عِدَّتُهَا آخِرُ الْأَجَلَيْنِ، وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَدْ حَلَّتْ، فَجَعَلَا يَتَنَازَعَانِ ذَلِكَ، قَالَ: فقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي- يَعْنِي: أَبَا سَلَمَةَ- فَبَعَثُوا كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ، فَجَاءَهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ، قَالَتْ:","vol":"4","page":209},{"text":"إِنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، وَإِنَّهَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ.\n[خ: ٤٩٠٩]\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّ اللَّيْثَ، قَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَأَرْسَلُوا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَلَمْ يُسَمِّ كُرَيْبًا.\nهذا خلاف حصل بين أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وبين ابن عباس، قال ابن عباس: الحامل المتوفى عنها تعتد لأطول الأجلين- فإن كان أطول الأجلين الحمل فتعتد بالحمل، وإن كان أطول الأجلين أربعة أشهر فتعتد أربعة أشهر- فقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: تعتد أربعة أشهر، وقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي- يعني: أبا سلمة- ثم أرسلوا إلى أم سلمة يستفتونها؛ فأرسلت أم سلمة: أن الرسول ﷺ أفتى سبيعة الأسلمية ﵂ لما توفي عنها زوجها، ووضعت حملها بعدها بليالٍ أنها خرجت من العدة، وأن لها أن تتزوج الآن إن شاءت.\nوهكذا يكون الرد عند التنازع، فلما تنازع أبو سلمه وابن عباس رَدَّا الأمرَ إلى الله والرسول؛ فلما بينت لهم أم سلمه السُّنة رجعوا إليها، فكانت فاصلة في الميزان، قال الله تعالى:﴾ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا﴾، فإذا تنازع الناس في شيء فيجب أن يردوا هذا التنازع للنصوص من كتاب الله وسنة رسوله؛ فهذا ابن عباس وأبو سلمة لما بينت لهم أم سلمة السنة كان ذلك فاصلًا في النزاع بينهما؛ ولهذا يكون قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ عامًّا لجميع المطلقات، سواء كانت رجعية، أو بائنًا، أو متوفَّى عنها زوجها، طالت مدة الحمل أو قصرت؛","vol":"4","page":210},{"text":"فتكون مخصصة، ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ فالمتوفى عنها عدتها أربعة أشهروعشر، إلا إذا كانت حاملًا فعدتها تتم بوضع حملها طالت مدة الحمل، أو قصرت.","vol":"4","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-670>بَابُ وُجُوبِ الْإِحْدَادِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَتَحْرِيمِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ</span>\n\n[١٤٨٦] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ، قَالَ: «قَالَت زَيْنَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ، فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ- خَلُوقٌ، أَوْ غَيْرُهُ- فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا، ثُمَّ قَالَت: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ- عَلَى الْمِنْبَرِ-: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا».\n[خ: ٥٣٣٤]\n\n[١٤٨٧] قَالَت زَيْنَبُ: «ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ- حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا- فَدَعَتْ بِطِيبٍ، فَمَسَّتْ مِنْهُ، ثُمّ قَالَت: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ- عَلَى الْمِنْبَرِ-: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا».\n[خ: ٥٣٣٥]\n\n[١٤٨٨] قَالَت زَيْنَبُ: «سَمِعْتُ أُمِّي- أُمَّ سَلَمَةَ- تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا، أَفَنَكْحُلُهَا؟ فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا- مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا- كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ.\n[خ: ٥٣٣٦]\n\n[١٤٨٩] قَالَ حُمَيْدٌ: قُلْتُ لِزَيْنَبَ: وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟ فقَالَت زَيْنَبُ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا وَلَا شَيْئًا، حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ- حِمَارٍ،","vol":"4","page":212},{"text":"أَوْ شَاةٍ، أَوْ طَيْرٍ- فَتَفْتَضُّ بِهِ، فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ، فَتُعْطَى بَعْرَةً، فَتَرْمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ، أَوْ غَيْرِهِ».\n[خ: ٥٣٣٧]\n\n[١٤٨٦] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «تُوُفِّيَ حَمِيمٌ لِأُمِّ حَبِيبَةَ، فَدَعَتْ بِصُفْرَةٍ، فَمَسَحَتْهُ بِذِرَاعَيْهَا، وَقَالَت: إِنَّمَا أَصْنَعُ هَذَا؛ لِأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا».\n[١٤٨٨/ ١٤٨٧] وَحَدَّثَتْهُ زَيْنَبُ عَنْ أُمِّهَا، وَعَنْ زَيْنَبَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- أَوْ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ.\n\n[١٤٨٨] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ، تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّهَا: «أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، فَخَافُوا عَلَى عَيْنِهَا، فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الْكُحْلِ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَكُونُ فِي شَرِّ بَيْتِهَا فِي أَحْلَاسِهَا- أَوْ: فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا فِي بَيْتِهَا- حَوْلًا، فَإِذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ فَخَرَجَتْ، أَفَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا».\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، بِالْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا- حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الْكُحْلِ، وَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَأُخْرَى مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ- غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ تُسَمِّهَا زَيْنَبَ، نَحْوَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ.\nهذا الحديث حديث زينب بنت أبي سلمة، حدَّث عنها حميد بن نافع ثلاثة أحاديث:\nالحديث الأول: أن أم حبيبة بنت أبي سفيان- زوج النبي ﷺ- لما توفي أبوها أبو سفيان ومضت عليها ثلاثة أيام أتت الجارية بطيب ومست به","vol":"4","page":213},{"text":"عارضيها، وقالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»، فأرادت أن تزيل الحداد عنها، وهي لا تريد الطيب، فالحادة لا تستعمله، ولكنها أرادت أن تُعلِّمَ الناس أنها ليست حادة على أبيها؛ وقد فعلت هذا في اليوم الثالث؛ لأن الإحداد ثلاثة أيام جائز على غير الزوج، أما على الزوج فأربعة أشهر وعشرة أيام، وهذا يدل على وجوب الحداد على المرأة المتوفى عنها زوجها؛ وفيه: دليل على جواز الحداد ثلاثة أيام، وأنه لا يجوز الحداد على غير الزوج أكثر من ثلاثة أيام.\nالحديث الثاني: أن زينب بنت جحش لما توفي أخوها حدت عليه ثلاثة أيام، ثم مست الطيب، وقالت: «وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ- عَلَى الْمِنْبَرِ-: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا».\nالحديث الثالث: حديثها عن أمها أم سلمة ﵂ قالت: «جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا، أَفَنَكْحُلُهَا؟ فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا- مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا- كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ».\nهذه ثلاثة أحاديث حدَّث بها حميد بن نافع عن زينب؛ الحديث الأول عن أم حبيبة، والثاني عن زينب بنت جحش؛ والثالث عن أم سلمه، ثلاث زوجات للنبي ﷺ أخبرَنْ عن النبي ﷺ أن عدة المتوفَّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام؛ وأنه يجب على المرأة المتوفى عنها زوجها أن تحد على زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام؛ وأنه لا يجوز للمرأة أن تحد على غير زوجها فوق ثلاثة أيام؛ فلا يجوز أن تحد على الأب، أو على الأخ، أو على غيرهما فوق ثلاثة أيام، ومازاد عن الثلاثة حرام، ويجب أن تراعي المتوفى عنها","vol":"4","page":214},{"text":"زوجها خمسة أمور:\nالأمر الأول: لزوم البيت فلا تخرج إلا لحاجة؛ لقول رسول الله ﷺ: «امْكُثِي حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ»، والحاجة كأن تخرج لشراء خبز- مثلًا- إذا لم يكن عندها أولاد، أو كأن تكون مُدرِّسة فتخرج للضرورة فلا بأس، أما الزيارات والتنزه فلا تخرج لها، ويكون خروجها نهارًا، لا ليلًا.\nالأمر الثاني: اجتناب الطيب بجميع أنواعه إلا نوعين من البخور، وهما: القسط والأظفار- كما سيأتي- وهو ليس المقصود بالطيب، فلو كانت شابة تحيض فإن لها أن تتبع به أثر الدم؛ لتقطع الرائحة الكريهه بعد غسلها من حيضها.\nالأمر الثالث: اجتناب الحلي بجميع أنواعها في يديها؛ وفي رجليها؛ وفي رقبتها؛ وفي أذنيها.\nالأمر الرابع: اجتناب الثياب الجميلة التي تلفت أنظار الرجال إليها كالأحمر القاني، والأصفر الفاقع، واللَّمَّاع ... وما أشبه ذلك.\nالأمر الخامس: اجتناب أدوات الزينة كالكحل والحناء وتحمير شفتيها وجميع مستحضرات التجميل، وإذا اضطرت لعلاج عينيها فلها أن تُداوي عينيها بالكحل ليلًا وتغسلهما نهارًا، وتكتحل بشيء ليس فيه طيب.\nوفيه: أن الرسول ﷺ قد بيَّن أن المدة هي أربعة أشهر وعشرة أيام، وقد كانت النساء في الجاهلية تعتد المرأة منهن سنة؛ فجاء الإسلام بالتخفيف، وأسقط عنها ثلثي العدة، وبين النبي ﷺ أن ما كانوا عليه في الجاهلية هو من الآصار والأغلال، وقال: «قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَكُونُ فِي شَرِّ بَيْتِهَا فِي أَحْلَاسِهَا- أَوْ: فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا فِي بَيْتِهَا- حَوْلًا، فَإِذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ فَخَرَجَتْ، أَفَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» فكانت تبقى منعزلة عن الناس، تلبس أشر ثيابها، ولا تمس من طيبها، وتمر عليها سنة وهي بهذه الحال، لا تستخدم ماء ولا شيئًا حتى تجتمع عليها الأوساخ وتتراكم، ثم تؤتى بدابة؛ حمار، أو كلب، أو طير،","vol":"4","page":215},{"text":"وتفتض به، أي: تمسح به قُبُلَهَا وجسدها حتى تكسر العدة، ثم تؤتى ببعرة فترمي بها علامةً على أنها أنهتِ العدة، وغالبًا لا تمسح بشيء إلا مات من شدة نتنها، وخُبث رائحتها.\nتنبيه: يقول بعض العامة: لا تخرج إلى السطح ولا إلى الحوش، ولا تنظر إلى القمر، وكل هذه من خرافات العوام.\nمسألة: هل لبس الساعة من الزينة؟\nوالجواب: إذا كان بالساعة جمال فنعم تُمنع منها، أما إذا لم يكن بها جمال فلا تُمنع منها، والأولى ألا يكون بالساعة تلميع.\nوإحداد المرأة على زوجها تعبُّدٌ مراعاةً لحق الزوج، وإبراءً الرحم، وقد قيل: إن أربعة أشهر يُخلق فيها الولد، وعشرة أيام يظهر فيها الحمل.\nتنبيه: المحادة لا تسافر قبل أن تخرج من العدة، ولو كانت أمها بعيدة فإن شاءت تأتي إليها، وكذا يأتي إليها جيرانها، فهي منهية عن الخروج للزيارات وللتنزه.\nمسألة: الصابون إذا لم يكن فيه من العطور إلا شيء يسير فلا بأس به، لكن إذا اجتنبته فهو أفضل، كالمُحْرِم من باب الاحتياط.","vol":"4","page":216},{"text":"[١٤٨٨/ ١٤٨٦] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ: أَنَّهُ سَمِعَ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ تَذْكُرَانِ: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّ بِنْتًا لَهَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَاشْتَكَتْ عَيْنُهَا، فَهِيَ تُرِيدُ أَنْ تَكْحُلَهَا، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ، وَإِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ».\nترمي بالبعرة، يعني: إيذانًا بأنها خرجت من العدة، ويوجد في بعض القرى من إذا خرجت من العدة تخرج بشيء من الطعام، أو من الحلوى، وتعطيه أولَ من تلاقيه، وهذا لا أصل له، بل هو شيء كانو عليه في الجاهلية.\n\n[١٤٨٦] وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَتْ: لَمَّا أَتَى أُمَّ حَبِيبَةَ نَعِيُّ أَبِي سُفْيَانَ دَعَتْ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ بِصُفْرَةٍ، فَمَسَحَتْ بِهِ ذِرَاعَيْهَا وَعَارِضَيْهَا، وَقَالَت: كُنْتُ عَنْ هَذَا غَنِيَّةً، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ؛ فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا».\n\n[١٤٩٠] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْح عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ حَدَّثَتْهُ عَنْ حَفْصَةَ- أَوْ عَنْ عَائِشَةَ، أَوْ عَنْ كِلْتَيْهِمَا-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ- أَوْ: تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ- أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِهَا».\nوَحَدَّثَنَاهُ شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُسْلِمٍ-","vol":"4","page":217},{"text":"حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ نَافِعٍ، بِإِسْنَادِ حَدِيثِ اللَّيْثِ مِثْلَ رِوَايَتِهِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ: أَنَّهَا سَمِعَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- تُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَابْنِ دِينَارٍ، وَزَادَ: «فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، جَمِيعًا عَنْ نَافِعٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ.\n\n[١٤٩١] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وزُهَّيرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِهَا».\n[خ: ٣١٣]\nقوله: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»: فيه: وعيد شديد للحث على التزام المرآة بالحداد.\nوفيه: الوعيد على مَن لا تلتزم بشرع الله؛ فالإيمان بالله واليوم الآخِر يقتضي أن نفعل ما أوجبه الله علينا وأن نترك ما حرَّم علينا، ومن ذلك: التزام المرأة بالحداد مدة أربعة أشهر وعشرة أيام، فإيمانها بالله واليوم الآخر يقتضي التزامها ما شرع الله لها، وإذا كانت المرأة حاملًا فينتهي حدادها بوضع حملها؛ لقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾.","vol":"4","page":218},{"text":"[٩٣٨] وَحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا، إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ، أَوْ أَظْفَارٍ».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَا: «عِنْدَ أَدْنَى طُهْرِهَا نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا نَكْتَحِلُ وَلَا نَتَطَيَّبُ، وَلَا نَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، وَقَدْ رُخِّصَ لِلْمَرْأَةِ فِي طُهْرِهَا إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِي نُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ».\nقوله: «فِي نُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ»: القسط والأظفار: نوعان من البخور إذا طهرت المرأة من الحيض فلها أن تتبخر بهما، وليس المقصود منهما التطيب، وإنما لإزالة الرائحة الكريهة بتتبع أثر الدم بهما.\nوتمتنع المرأة من الكحل، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا؛ لما فيه من التجمل إلا ثوب عصب، وهي برود يمانية، تأتي من اليمن معصوبة، ثم تغسل معصوبة.","vol":"4","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-671>كِتَابُ اللِّعَانِ</span>","vol":"4","page":221},{"text":"كِتَابُ اللِّعَانِ\n\n[١٤٩٢] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ يَا عَاصِمُ، لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ، فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَسَلْ لِي عَنْ ذَلِكَ يَا عَاصِمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ، ومَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ، فَقَالَ: يَا عَاصِمُ، مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَ عَاصِمٌ- لِعُوَيْمِرٍ-: لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا، قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا، فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ وَسَطَ النَّاسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ، فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قَدْ نَزَلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا»، قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمَّا فَرَغَا، قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ.\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ.\n[خ: ٥٢٥٩]\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ: أَنَّ عُوَيْمِرًا الْأَنْصَارِيَّ- مِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ- أَتَى عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَأَدْرَجَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَهُ: وَكَانَ فِرَاقُهُ إِيَّاهَا- بَعْدُ- سُنَّةً فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَزَادَ","vol":"4","page":223},{"text":"فِيهِ: قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ حَامِلًا فَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى إِلَى أُمِّهِ، ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ يَرِثُهَا وَتَرِثُ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللهُ لَهَا.\nهذا كتاب اللعان، واللعان هو: الملاعنة، والتلاعن، وهو: ما يكون بين الرجل وامرأته من الشهادات والأيمان إذا قذفها، وسمي لعانًا لأن الرجل يلعن نفسه في الشهادة الآخرة إن كان من الكاذبين، فسمي بذلك تغليبًا، وإلا فالمرأة تدعو على نفسها بالغضب إن كان زوجها من الصادقين.\nواللعان شرعه الله ﷾ مخرجًا للزوج إذا قذف امرأته بالزنا- والعياذ بالله- من إقامة حد القذف، وقد نزلت الآيات الكريمات من أول سورة النور بين الله ﷾ فيها كيف يكون اللعان، وذلك أنه إذا رمى رجل زوجته بالزنا وليس عنده شهود جعل الله تعالى الأيمان لتقوم مقام الشهود، فيشهد أربع شهادات بالله؛ يقول: أشهد بالله لقد زنت امرأتي هذه، ويخاطبها أربع مرات، ثُمَّ في الخامسة يقول: إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وفي هذه الحالة إذا لاعن فقد سَلِمَ من إقامة الحد عليه، ثُمَّ بعد ذلك تُوجَّه الأيمان إلى المرأة، فإن نكلت يقام عليها حد الزنا، وهو الرجم لكونها محصنة، وإن قبلت فتشهد أربع شهادات بالله أنه كاذب، وتقول: أشهد بالله لقد كذب عليَّ زوجي فيما رماني به من الزنا، أربع مرات، ثُمَّ في الشهادة الخامسة تقول: إنَّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين، وبعد الأيمان يُفرَّق بينهما تفريقًا مؤبدًا، كما في الحديث: «فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ».\nواختلف العلماء في سبب نزول هذه الآيات، هل نزلت في عويمر العجلاني، أم نزلت في هلال بن أمية عندما قذف امرأته بشريك بن سحماء، فقيل: نزلت في هلال، وقيل: نزلت في عويمر، ويحتمل أنها نزلت فيهما معًا، وأن أحدهما سبق الآخر.\nوقوله: «فَطَلَّقَهَا»، يعني: طلقها ثلاثًا قبل أن يأمره الرسول ﷺ بذلك،","vol":"4","page":224},{"text":"وقد فعله اجتهادًا منه؛ لشدة كراهته لها، وإلا فلا يحتاج إلى طلاق؛ لأن الأيمان كافية للتفريق بينهما.\nوقوله: «فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ»، يعني: كانت الفرقة المؤبدة، والتحريم المؤبد بعد الشهادات سنة في المتلاعنين، وإذا نكل أحدهما عن الأيمان فإنه يقام عليه الحد، فيقام حد القذف ثمانين جلدة على الزوج إذا نكل، ثُمَّ توجه الأيمان إلى المرأة، فإن شهدت بها سلمت من الحد، وإن نكلت أقيم عليها حد الزنا، قال سبحانه: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾ ويفرق بينهما تفريقًا مؤبدًا، وإذا كان هناك ولد فإنه ينتفي باللعان، فالرجل يلاعن من أجل فراقها، ومن أجل انتفاء الولد، فلا ينسب إليه، ولا يتوارثان، بل ينسب إلى أمه ويتوارثان.\nقوله: «قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ حَامِلًا فَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى إِلَى أُمِّهِ، ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ يَرِثُهَا وَتَرِثُ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللهُ لَهَا»، أي: ترث منه الثلث إذا لم يكن له ولد ولا أخوة، فإذا كان له ولد أو إخوة ترث السدس، ويرث هو كذلك منها ومن إخوته لأمه، ويرثونه، ولا اختلاف في هذا، أما من جهة زوج الأم الملاعن فلا توارث لانقطاع العلاقة باللعان.","vol":"4","page":225},{"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، وَعَنِ السُّنَّةِ فيهما عَنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَخِي بَنِي سَاعِدَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَزَادَ فِيهِ: فَتَلَاعَنَا فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنَا شَاهِدٌ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَفَارَقَهَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ذَاكُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلَاعِنَيْنِ».\nفي هذا الحديث: أنه احتج به بعضهم على جواز الطلاق ثلاثًا؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر عليه طلاقها ثلاثًا، لكن ليس بواضح، فقد يكون طلقها ثلاثًا مكررة، وليست بكلمة واحدة.\nمسألة: إذا لاعنها من أجل انتفاء الولد هل تبقى بعصمته؟\nالجواب: لا تبقى بعصمته، ولو طلقها وفارقها، ثُمَّ أراد أن ينفي الولد فله أن يلاعن لنفي الولد، فلا ينسب إليه.","vol":"4","page":226},{"text":"[١٤٩٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سُئِلْتُ عَنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فِي إِمْرَةِ مُصْعَبٍ: أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: فَمَا دَرَيْتُ مَا أَقُولُ، فَمَضَيْتُ إِلَى مَنْزِلِ ابْنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ لِلْغُلَامِ: اسْتَأْذِنْ لِي، قَالَ: إِنَّهُ قَائِلٌ فَسَمِعَ صَوْتِي قَالَ: ابْنُ جُبَيْرٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ادْخُلْ، فَوَاللهِ مَا جَاءَ بِكَ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا حَاجَةٌ، فَدَخَلْتُ، فَإِذَا هُوَ مُفْتَرِشٌ بَرْذَعَةً مُتَوَسِّدٌ وِسَادَةً حَشْوُهَا لِيفٌ، قُلْتُ: أَبَا عَبْدِالرَّحْمَنِ، الْمُتَلَاعِنَانِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! نَعَمْ، إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ، إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ، وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ، وَأَخْبَرَهُ: «أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ»، قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ دَعَاهَا فَوَعَظَهَا وَذَكَّرَهَا، وَأَخْبَرَهَا:\n«أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ»، قَالَتْ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ، فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ، فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا.\n[خ: ٥٣٥٠]\nوَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: سُئِلْتُ عَنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ- زَمَنَ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ- فَلَمْ أَدْرِ مَا أَقُولُ، فَأَتَيْتُ","vol":"4","page":227},{"text":"عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ.\nفي هذا الحديث: فضل سعيد بن جبير ﵁، فإنه لما سئل ولم يدر ما يقول-وهو من كبار علماء التابعين- سأل ابن عمر ﵄؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يفتي بغير علم، فيجب على الإنسان أن يتوقف في المسائل التي تشكل عليه حتى يسأل أهل العلم، أو يبحث في كتبهم، أو يحيل السائل إلى غيره.\nوفيه: دليل على مشروعية وعظ الحاكم للمتلاعنين قبل الشهادات، وأنه يبدأ بالرجل فيعظه، ويقول له: اتق الله، ولا تشهد بهذه الشهادات؛ فعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، يعني: إقامة الحد ثمانين جلدة أهون من عقوبة الله في الآخرة، فيعظه ويذكره، ثُمَّ يعظ المرأة، ويذكرها، ويقول: اتق الله، فعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وقد وعظهما النبي ﷺ قبل اللعان.","vol":"4","page":228},{"text":"وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ- لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ-: «حِسَابُكُمَا عَلَى اللهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَالِي؟ قَالَ: «لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا، فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا».\nقَالَ زُهَيْرٌ فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.\nفي هذا الحديث: دليل على أن المهر يستقر بالدخول، ولا يسترده باللعان، سواء كان صادقًا، أم كاذبًا، فإن كان صادقًا فقد استقر المهر بما استحل من فرجها، وإن كان كاذبًا فهو أبعد له من باب أولى.\nمسألة: إذا رأت المرأة زوجها يزني فإن عليها أن تنصح زوجها الذي يفعل هذا، أو تطالب بالفسخ؛ لأنه لا خير فيه، وهي في هذا مثل غيرها تقيم الشهود، وإلا أقاموا عليها الحد، فالقاعدة: أنه إذا قذف أحد أحدًا فلا بد أن يقيم الشهود الأربعة، وإلا يقام عليه الحد، سواء على الزوجة، أو الزوج، ولا تكون الملاعنة، إلا إذا قذف الرجل امرأته فقط، فزنا الرجل لا علاقة له بالولد، ولا تختلط به الأنساب، بخلاف زناها فيحصل به اختلاط الأنساب.","vol":"4","page":229},{"text":"وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فَرَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ، وَقَالَ: «اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟».\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ: عَنِ اللِّعَانِ، فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِلْمِسْمَعِيِّ- وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ- قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَزْرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لَمْ يُفَرِّقِ الْمُصْعَبُ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، قَالَ سَعِيدٌ: فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: فَرَّقَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ.\n\n[١٤٩٤] وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: قُلْتُ لِمَالِك: حَدَّثَكَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَاعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَامْرَأَتِهِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا.\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nفي هذه الأحاديث: أن الرسول ﷺ فرَّق بينهما وألحق الولد بأمه، وانتفى نسبه لأبيه.","vol":"4","page":230},{"text":"[١٤٩٥] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيرٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: إِنَّا- لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ- فِي الْمَسْجِدِ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ، وَاللهِ لَأَسْأَلَنَّ عَنْهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ، أَوْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ، فَقَالَ: «اللهُمَّ افْتَحْ»، وَجَعَلَ يَدْعُو، فَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ﴾، هَذِهِ الْآيَاتُ، فَابْتُلِيَ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، فَجَاءَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَتَلَاعَنَا، فَشَهِدَ الرَّجُلُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ لَعَنَ الْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، فَذَهَبَتْ لِتَلْعَنَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَهْ»، فَأَبَتْ، فَلَعَنَتْ، فَلَمَّا أَدْبَرَا قَالَ: «لَعَلَّهَا أَنْ تَجِيءَ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا»، فَجَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا.\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\n\n[١٤٩٦] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ- وَأَنَا أُرَى أَنَّ عِنْدَهُ مِنْهُ عِلْمًا- فَقَالَ: إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ، وَكَانَ أَخَا الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ لِأُمِّهِ، وَكَانَ أَوَّلَ رَجُلٍ لَاعَنَ فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ: فَلَاعَنَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ سَبِطًا قَضِيءَ الْعَيْنَيْنِ فَهُوَ لِهِلَالِ بْنِ","vol":"4","page":231},{"text":"أُمَيَّةَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ»، قَالَ: فَأُنْبِئْتُ أَنَّهَا جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السَّاقَيْنِ.\nقوله: «سَبِطًا» - بكسر الباء، أو تسكينها- يعني: المنبسط المسترسل الشعر، ليس فيه تكسر وهو ضد الجعود.\nوقوله: «قَضِيءَ العَيْنَيْنِ»، أي: فاسد العين، يقال: قضئ الثوب أي فسد.\nوقوله: «حَمْشَ السَّاقَيْنِ»، أي: دقيقهما.\nفي هذا الحديث: أن الأيمان كافية للتفريق، ولا ينظر بعد ذلك لشبه الولد، ولو جاء الولد بعد ذلك يشبه من قذفها به، وجاء في رواية البخاري أن النبي ﷺ قال: «لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» (^١)، يعني: أيمان اللعان، وهذا يدل على أن الأيمان كافية في درء الحد عنه وعنها، ولا ينظر بعد ذلك إلى أوصاف الولد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٧٤٧).","vol":"4","page":232},{"text":"[١٤٩٧] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، وَعِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيَّانِ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ رُمْحٍ- قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ التَّلَاعُنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو إِلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلًا، فَقَالَ عَاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا إِلَّا لِقَوْلِي، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَلِيلَ اللَّحْمِ سَبِطَ الشَّعَرِ، وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ خَدْلًا آدَمَ كَثِيرَ اللَّحْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهُمَّ بَيِّنْ، فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا»، فَلَاعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ- فِي الْمَجْلِسِ-: أَهِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ رَجَمْتُ هَذِهِ؟»، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا، تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الْإِسْلَامِ السُّوءَ.\n[خ: ٥٣١٠]\nوَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ الْمُتَلَاعِنَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَزَادَ فِيهِ- بَعْدَ قَوْلِهِ: كَثِيرَ اللَّحْمِ- قَالَ: «جَعْدًا قَطَطًا».\nظاهر هذا الحديث أنه لاعن بعد ولادة الولد، وذُكر في أحاديث سبقت أن اللعان كان قبل ذلك، والصحيح أن قبل، والفاء في «فلاعن» تكون معقبة بقوله: «فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ»، وما بينهما جملة معترضة.","vol":"4","page":233},{"text":"[١٤٩٧] وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ: وَذُكِرَ الْمُتَلَاعِنَانِ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ ابْنُ شَدَّادٍ: أَهُمَا اللَّذَانِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُهَا»، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تِلْكَ امْرَأَةٌ أَعْلَنَتْ.\nقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ.\nقوله ﷺ: «لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُهَا»، يعني: لا يكون الرجم بسبب الشهرة فقط، بل لا بد من دليل وبينة، أو حَمل، وهذه المرأة اشتهر عنها بين الناس أنها تظهر السوء، لكن لم يثبت بشهود يشهدون أنها فعلت الفاحشة، فهذه لا يقام عليها الحد، ولا بد إما أن تعترف على نفسها، أو تكون حاملًا، أو يأتي ملاعِنها بأربعة شهود يشهدون عليها بالفاحشة.\nوهذا بالنسبة للحرائر دون الإماء، فالمتهمة هنا حرة، لكن لو قذف عبدًا فما يقام عليه الحد؛ لأنه أقل من سيده، لكن جاء فيه الوعيد الشديد، فقد جاء في الحديث: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ، جُلِدَ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨٥٨)، ومسلم (١٦٦٠).","vol":"4","page":234},{"text":"[١٤٩٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا»، قَالَ سَعْدٌ: بَلَى، وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ!».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أأمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ: «نَعَمْ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ ابْنِ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي سُهَيْلٌ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ وَجَدْتُ مَعَ أَهْلِي رَجُلًا لَمْ أَمَسَّهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَعَمْ»، قَالَ: كَلَّا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ كُنْتُ لَأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ؛ إِنَّهُ لَغَيُورٌ، وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي».\nفي هذا الحديث: وصف الله بالغيرة ﷾، وهي من الصفات الفعلية- كالمحبة، والرضا، والغضب، والسخط- نثبتها كما يليق بجلال الله وعظمته.\nوفيه: جواز قول: «سَيِّدُكُمْ» بالإضافة، فالإضافة تختلف عن الإطلاق الذي في كلمة السيد، وقد جاء في الحديث: «السَّيِّدُ اللهُ» (^١).\nوفيه: دليل أنه لا بد من أربعة شهود لمن قذف امرأته بالزنا حتى يدرأ عنه الحد، فإن لم يأت بأربعة شهود فإنه يلاعِن، وأما غير الزوج فلا بد أن يأتي بأربعة شهود، وإلا أقيم عليه حد القذف ثمانين جلدة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦٣٠٧)، وأبو داود (٤٨٠٦)، والنسائي في الكبرى (١٠٠٣).","vol":"4","page":235},{"text":"وقوله: «إِنْ كُنْتُ لَأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ» فيه: دليل لشيخ الإسلام ابن تيمية على قوله: - وعلى هذا فيجوز له فيما بينه وبين الله تعالى قتل من اعتدى على حريمه سواء كان محصنًا أو غير محصنٍ معروفًا بذلك أو غير معروفٍ كما دل عليه كلام الأصحاب وفتاوى الصحابة-، ومعنى كلامه: أن الرجل إذا رأى رجلًا مع امرأته له أن يقتله، ثُمَّ بعد ذلك يصبر على ما سيكون، فإن وجد شهودًا، وإلا أقيم عليه حد القصاص (^١).\n\n[١٤٩٩] حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كَامِلٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفِحٍ عَنْهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ فَوَاللهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي، مِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ، وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللهُ الْمُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللهُ الْجَنَّةَ».\n[خ: ٧٤١٦]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: غَيْرَ مُصْفِحٍ، وَلَمْ يَقُلْ: عَنْهُ.\nقوله: «غَيْرَ مُصْفِحٍ» ذكر الحافظ أن فيه وجهين: بكسر الفاء وفتحها، بالكسر للسيف، وبالفتح للضارب، يعني: من فتح جعله وصفا للسيف ومن كسر جعله وصفا للضارب (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٣٤/ ١٦٨).\n(^٢) فتح الباري، لابن حجر (١/ ١٤٤).","vol":"4","page":236},{"text":"في هذا الحديث: إثبات الغيرة لله ﷿ على ما يليق بجلاله وكماله، وأنه تعالى أغير من عباده على محارمه.\nوفيه: أن النبي ﷺ أغير الناس.\nوفيه: فضل سعد ﵁ وغيرته.\nوقوله: «لَا شَخْصَ» بالنصب على أن «لا» نافية للجنس، فتعمل عمل إن وأخواتها، و«وَلَا شَخْصُ» بالرفع على أن «لا» نافية، والمعنى: لا أحد أغير من الله.\nوقد دل الحديث على الله أن شخص، كما أخبر عنه بأنه ذات، وأنه شيء، وأنه موجود، في مقابل الرد على من أنكر وجود الله، الذي يقول: إن الله لا يسمى شخصًا ولا شيئًا ولا ذاتًا، وهؤلاء هم الجهمية، والجهمية ملاحدة، فقولهم هذا إنكار لوجوده- نعوذ بالله من ذلك- والله تعالى أخبر عن نفسه بأنه شيء، وبأنه موجود، وبأنه ذات، وبأنه شخص، قال تعالى: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم﴾، ومن الشواهد على ذلك قوله هنا: «وَلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ»، وقوله: «وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللهُ الْمُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللهُ الْجَنَّةَ».\nوقول سعد بن عبادة ﵁: «كَلَّا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ كُنْتُ لَأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ» هل خالف به قول النبي ﷺ وردَّه؟\nالجواب: قال النووي ﵀: «قال الماوردي وغيره ليس قوله هو ردا لقول النبي ﷺ ولا مخالفة من سعد بن عبادة لأمره ﷺ وإنما معناه الإخبار عن حالة الإنسان عند رؤيته الرجل عند امرأته واستيلاء الغضب عليه فإنه حينئذٍ يعاجله بالسيف وإن كان عاصيًا» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٠/ ١٣١).","vol":"4","page":237},{"text":"وقوله ﷺ: «اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ» يحتمل أنه إنكار لما ذكر من مبادرته للقتل، ويحتمل أنه تعجب من غيرته، وظاهره: أنه تعجب من غيرته، ومن حال الإنسان أنه لا يصبر على مثل ذلك.\n\n[١٥٠٠] وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَمَا أَلْوَانُهَا؟»، قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟»، قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ: «فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟»، قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ: «وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ».\n[خ: ٥٣٠٥]\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح، وَحَدَّثَنِي ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَدَتِ امْرَأَتِي غُلَامًا أَسْوَدَ- وَهُوَ حِينَئِذٍ يُعَرِّضُ بِأَنْ يَنْفِيَهُ-، وَزَادَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ- قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «مَا أَلْوَانُهَا؟»، قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: «فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَأَنَّى هُوَ؟ !»، قَالَ: لَعَلَّهُ- يَا","vol":"4","page":238},{"text":"رَسُولَ اللهِ- يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ لَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «وَهَذَا لَعَلَّهُ يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ لَهُ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.\nفي هذا الحديث: أن مخالفة الولد للون أبيه لا يوجب نفيه، ولا يجوز له أن ينفيه بمجرد مخالفة اللون، فهذا الأعرابي جاء يُعرِّض بنفي ولده، فيقول: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، يعني: وأنا أبيض، فكيف هذا؟\nوفيه: ضرب الأمثال وقياس النظير على نظيره، فالنبي ﷺ قاس الولد على الإبل، أي: فكما أن الإبل قد تأتي بشيء يخالف لونها، فكذلك أنت.\nوفيه: إثبات القياس، والرد على من أنكره، كالظاهرية (^١) وغيرهم، وهو من قياس النظير على نظيره، ومن أدلته: قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾.\nوقوله: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟» والأورق: الذي لونه أسود غير صافٍ.\nوفيه: أن القياس المحسوس يثير في الإنسان الطمأنينة،؛ ولا ينبغي للإنسان أن ينفي الولد، أو يتهم المرأة بمجرد الخلل في اللون، فلعله نزع عرق، وليس هناك دليل على الطعن، لا سيما إذا كانت المرأة لم يعرف عنها إلا الخير والصلاح، فلا تجوز التهمة بمجرد اختلاف اللون.\nومن هؤلاء الذين لعلهم نزعهم عرق: أسامة بن زيد ﵄، فقد كان أسود، وأبوه أبيض؛ ولهذا طعن بعض الناس في نسب أسامة لأبيه زيد ﵄، ولما مر مجزز المدلجي يعرف القيافة ورآهما وقد التحفا بقطيفة،\n_________\n(^١) المحلى، لابن حزم (١/ ٥٦).","vol":"4","page":239},{"text":"وغطيا رؤوسهما، وبدت أرجلهم، وهو لا يعرفهم- فقال: إن هذه الأرجل بعضها من بعض، ففرح النبي ﷺ وجاء إلى عائشة ﵂ مسرورًا تبرق أسارير وجهه، وقَالَ: «أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ الْمُدْلِجِيُّ لِزَيْدٍ وَأُسَامَةَ- وَرَأَى أَقْدَامَهُمَا-: إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَقْدَامِ مِنْ بَعْضٍ» (^١)، وزال ما كان يطعن به بعض الناس في نسب أسامة من أبيه زيد.\nوالعرب كانت تعمل بالقيافة، وأقرها الإسلام، فدل على أن القيافة يعمل بها شرعًا إذا لم يعارضها دليل أقوى منها، مثل ما إذا كان الولد للفراش، أو مثل مسألة اللعان.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥٥٥).","vol":"4","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-672>كِتَابُ العِتْقِ</span>","vol":"4","page":242},{"text":"كِتَابُ العِتْقِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-673>بَابُ مَنْ أَعَتَق شِركًا لَهُ فِي عَبْدٍ</span>\n\n[١٥٠١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ».\n[خ: ٢٥٢١]\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، جَمِيعًا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ. ح، وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ.\nالعتق: هو الخروج من العبودية إلى الحرية، وهو إعتاق الرقيق ذكرًا كان، أو أنثى، كأن يقول المالك: هو حر، أو أنت حر، أو حررتك، أو أعتقتك، أو أنت عتيق، أو معتَق، فينفذ العتق في الحال، ويكون حرًّا،","vol":"4","page":243},{"text":"ويصير الولاء للسيد.\nوالولاء عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق، والولاء مثل النسب، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، وإذا مات المعتَق، فإنه يرثه أقاربه أصحاب الفروض، ثُمَّ العصبات، فإن لم يكن له الفروض والعصبات ورثه السيد الذي أعتقه، فإن لم يكن سيده موجودًا ورثه عصبة السيد بالنفس.\nفي هذا الحديث: أن الإسلام يحث على تحرير الرقاب والعتق، ولهذا فإن أبواب العتق كثيرة، كمن كان عليه يمين، يعتق رقبة، ومن ظاهر من امرأته، يعتق رقبة، ومن جامع في رمضان، يعتق رقبة.\nوفيه: أنه إذا كان عبد مشتركًا بين ثلاثة، لكل واحد منهم الثلث، أو بين أربع، لكل واحد منهم الربع، ثُمَّ أعتق أحدهم نصيبه، سرى العتق في الجميع، فمثلًا لو أن عبدًا بأربعين ألف مشتركًا بين أربعة، فأعتق أحدهم نصيبه الذي يساوي عشرة آلاف، نقول له: العتق يسري في العبد جميعًا، ويجب عليك كما أعتقت نصيبك أن تعتق البقية؛ ليسري العتق من دون اختيارك، فيجب عليك أن تدفع لشركائك القيمة، ويعتق العبد، فإن كان فقيرًا وليس عنده شيء يُسَتسعَى العبد غير مشقوق عليه، يعني: يُطلب منه أن يسعى ما أمكنه من العمل، حتى يحرر نفسه، ويعطي كل واحد عشرة آلاف، فإن كان لا يستطيع بقي مبعَّضًا، ربعه حر، وثلاثة أرباعه رقيق، ويخدم أسياده بقدر ما فيه من الرق.","vol":"4","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-674>بَاب ذِكْرِ سِعَايَةِ الْعَبْدِ</span>\n\n[١٥٠٢] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ- فِي الْمَمْلُوكِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمَا، قَالَ-: «يَضْمَنُ».\n\n[١٥٠٣] وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَخَلَاصُهُ فِي مَالِهِ، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ».\n[خ: ٢٤٩٢]\nوَحَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى- يَعْنِي: ابْنَ يُونُسَ- عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ: «إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ يُسْتَسْعَى فِي نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ».\nحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ: «قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ».\nقوله: «فَخَلَاصُهُ فِي مَالِهِ»، يعني: يجبر على تحريره من ماله إن كان له مال، وإلا يطلب من العبد أن يسعى ويعمل غير مشقوق عليه، فإن كان عاجزًا، أو كبير السن، أو مريضًا لا يستطيع، بقي مبعَّضًا حتى ييسر الله من يعتق البقية.\nوقوله: «قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ»، يعني: لا يزاد على تقويم العبد بقيمة العدل، ولا ينقص منه.","vol":"4","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-675>بَاب إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ</span>\n\n[١٥٠٤] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تُعْتِقُهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا: نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ؛ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».\n[خ: ٢٥٦١]\nفي هذا الحديث: دليل قاعدة: أن الولاء لمن أعتق، ولا ينتقل إلى غيره.\nوفيه: أن من باع عبدًا واشترط أن يكون الولاء له فشرطه فاسد، والبيع صحيح، فإذا باع شخص عبدًا، وقال: أبيعك بشرط أن يكون الولاء لي فلا يكون له؛ لأنه لم يعتق، والولاء لمن أعتق، فالولاء عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق، فيرث بها المعتق وعصبته.\nوفيه: أنه يحرم على الإنسان أن ينتسب لغير آبائه وأجداده، وهو من الكبائر، وهو من كفر النعمة، وكذلك العبد إذا انتسب لغير مواليه فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب حيث أنكر نعمة سيده إذ أعتقه؛ فالولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع، ولا يشترى، ولا يورث.\nوفيه: دليل على أن الشرط الذي يضر بمقتضى العقد يَبطل، ويبقى البيع صحيحًا.","vol":"4","page":246},{"text":"وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ عَائِشَةَ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي، فَعَلْتُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لِأَهْلِهَا، فَأَبَوْا، وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ، فَلْتَفْعَلْ وَيَكُونَ لَنَا وَلَاؤُكِ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي؛ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ؛ شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ».\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْ بَرِيرَةُ إِلَيَّ، فَقَالَتْ: يَا عَائِشَةُ، إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَزَادَ: فَقَالَ: «لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ مِنْهَا، ابْتَاعِي وَأَعْتِقِي»، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ بَرِيرَةُ، فَقَالَتْ: إِنَّ أَهْلِي كَاتَبُونِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي تِسْعِ سِنِينَ فِي كُلِّ سَنَةٍ أُوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي، فَقُلْتُ لَهَا: إِنْ شَاءَ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً، وَأُعْتِقَكِ وَيَكُونَ الْوَلَاءُ لِي، فَعَلْتُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِأَهْلِهَا، فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَأَتَتْنِي فَذَكَرَتْ ذَلِكَ، قَالَتْ: فَانْتَهَرْتُهَا، فَقَالَتْ: لَا هَا اللهِ إِذَا، قَالَتْ: فَسَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَأَلَنِي، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ؛ فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ»، فَفَعَلْتُ، قَالَتْ: ثُمَّ خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشِيَّةً، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ","vol":"4","page":247},{"text":"قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ ﷿ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، كِتَابُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَعْتِقْ فُلَانًا وَالْوَلَاءُ لِي، إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيْعًا عَنْ جَرِيرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ قَالَ: وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ: «أَمَّا بَعْدُ».\nهذا حديث بريرة ﵂، وقد جاء مسلم به على روايات متعددة، وهو حديث مشهور عظيم.\nقوله ﷺ: «ابْتَاعِي»، يعني: اشتري.\nفي هذا الحديث فوائد جمة، حتى إن بعض أهل العلم استنبط منه أكثر من مائة فائدة، ومن تلك الفوائد:\n١ - دليل على جواز البيع المؤجل وهو بيع التقسيط، ومن الأدلة- أيضًا-: قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾، وهو كالإجماع من أهل العلم أن البيع بالأقساط لا بأس به، شهرية كانت، أو سنوية، أو غير ذلك؛ ولذلك فإن بريرة اشترت نفسها من أهلها بالتأجيل بتسع أواق، كل سنة تدفع أوقية، فجاءت تستعين بعائشة ﵂ في كتابتها.\n٢ - دليل على أنه لا بأس للكاتب أن يستعين، ويسأل من يقضي عنه كتابته، أو يساعده في قضاء دينه ولا حرج؛ ولذلك جاءت بريرة تستعين","vol":"4","page":248},{"text":"بعائشة، فقالت عائشة: «ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي، فَعَلْتُ».\n٣ - دليل على أن عائشة ﵂ تكون في بعض الأحيان ذات مال، وقد لا يكون عندها شيء في أحيان أخرى، فقد روى الشيخان عن عائشة ﵂، قالت: دخلت امرأةٌ معها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئًا غير تمرة فأعطيتها إياها، فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها، ثُمَّ قامت فخرجت، فدخل النبي ﷺ علينا فأخبرته، فقال: «مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ» (^١).\nوكانت أم المؤمنين ﵂ كريمة، فكانت تنفق حتى لا يبقى في يدها شيء، فقد روي أَنَّ مُعَاوِيَةَ، اشْتَرَى مِنْ عَائِشَةَ بَيْتًا بِمِائَةِ أَلْفٍ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهَا فَمَا أَمْسَتْ وَعِنْدَهَا مِنْهُ دِرْهَمٌ وَأَفْطَرَتْ عَلَى خُبْزٍ وَزَيْتٍ وَقَالَتْ لَهَا مَوْلَاةٌ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ كُنْتِ اشْتَرَيْتِ لَنَا بِدِرْهَمٍ لَحْمًا قَالَتْ: «فَهَلَّا ذَكَّرْتِينِي» أَوْ قَالَتْ: «لَوْ ذَكَّرْتِينِي لَفَعَلْتُ» (^٢).\n\nفنسيتْ وتصدقتْ بجميع مالها، حتى ما بقي شيء لإفطارها ﵂، والمال يغدو ويروح.\n٤ - قوله ﷺ: «ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» هذا ليس خداعًا من النبي ﷺ لهم، وإنما هو إنكار عليهم؛ لأنه قد بلغهم الشرط وعلموا، فقال: اشترطي فإن الشرط فاسد لا يضرك؛ ولهذا خطب النبي الناسَ، وقال: «مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ» والمقصود بكتاب الله: حكمه وشرعه، ويشمل ذلك: الكتاب والسنة.\n٥ - قوله ﷺ: «مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤١٨)، ومسلم (٢٦٢٩).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٤٩).","vol":"4","page":249},{"text":"مَرَّةٍ شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ» قول صريح في إبطال كل شرط ليس له أصل في كتاب الله، ومعنى قوله ﷺ: «وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ» أنه لو شرط مائة مرة توكيدًا فهو باطل.\nوقوله ﷺ: «شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ»:\nقيل: المراد به قوله تعالى: ﴿فإخوانكم في الدين ومواليكم﴾، وقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه ...﴾ الآية.\nوقال القاضي عياض ﵀: «وعندي أن الأظهر هو ما أعلم به بقوله ﷺ: «إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»، و«مولى القوم منهم»، و«الولاء لحمة كالنسب»» (^١).\nوهذا هو الأقرب، وهذا الشرط ينافيه فيكون باطلًا.\nوقيل: إذا بطل الشرط بطل العقد.\nلكن الحديث صريح في أن الشرط يبطل، ويبقى العقد صحيحًا.\nمسألة: لماذا قال النبي ﷺ: «ابتاعيها واشترطي لهم الولاء»؟\nالجواب: الأقرب أنهم قد علموا الحكم، فكان ذلك عقوبة لهم، حيث إنهم علموا الحكم، ولم يلتزموا به؛ ولهذا قال: «ابتاعيها واشترطي لهم الولاء».\nوقد تُخُلِّصَ من هذا الإشكال بأربعة أمور:\nالأول: أن قوله: «اشترطي لهم»، أي: عليهم، كما قال تعالى: ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها﴾، أي: عليها، ومنه: قوله تعالى: ﴿أولئك لهم اللعنة﴾، أي: عليهم.\nالثاني: أن قوله: «اشترطي» لم يكن على جهة التبليغ، على أن ذلك الشرط لا ينفعهم، ووجوده وعدمه سواء، كأنه يقول: اشترطي، أو لا تشترطي؛ فذلك لا يفيدهم، وقد قوَّى هذا الوجه ما جاء في رواية مكي عن\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٥/ ١١١).","vol":"4","page":250},{"text":"عائشة: «اشْتَرِيهَا، وَأَعْتِقِيهَا، وَدَعِيهِمْ يَشْتَرِطُونَ مَا شَاءُوا» (^١).\nالثالث: أن النبي ﷺ قد كان أَعلم قبل ذلك بأن اشتراط البائع للولاء باطل، وأشهر ذلك بحيث لا يخفى على هؤلاء، فلما أرادوا أن يشترطوا ما علموا بطلانه أطلق صيغة الأمر.\nالرابع: ما نقله القاضي عن الطحاوي فقال: «قال الطحاوى: رواية الشافعى عن مالك فى هذا الحديث: \" اشترطى لهم الولاء \" بغير تاء، أى أظهرى لهم حكمه. (^٢).\nوالأقرب هو الثالث، وهو أن النبي صلى الله عيه وسلم أعلم الناس بهذا الحكم، وهو معروف لهم؛ ولهذا لم يكن خداعًا، وإنما قال هذا عقوبة لهم.\nوقال العلماء: الشرط في البيع ونحوه أربعة أقسام:\nأحدها: شرط يقتضيه إطلاق العقد، بأن شرط تسليمه للمشتري، أو تبقية الثمرة على الشجر إلى أوان الجذاذ، أو الرد بالعيب، هذا مقتضى العقد.\nالثاني: شرط فيه مصلحة، وتدعو إليه الحاجة، كاشتراط الرهن، والتضمين، والخيار، وتأجيل الثمن ونحو ذلك، وهذان القسمان جائزان، ولا يؤثران في صحة العقد بلا خلاف.\nالثالث: اشتراط العتق في العبد المبيع، أو الأمة، وهذا جائز- أيضًا- عند الجمهور؛ لحديث عائشة ﵂، وترغيبًا في العتق لقوته.\nالرابع: ما سوى ذلك من الشروط، كشرط استثناء منفعة، وشرط أن يبيعه شيئًا آخر، أو يكريه داره، أو نحو ذلك، فهذا شرط باطل مبطل للعقد، وقال أحمد: «ويبطل البيع إذا كان فيه شرطان، ولا يبطله شرط واحد» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٦٥).\n(^٢) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٥/ ١١٤).\n(^٣) المغني، لابن قدامة (٤/ ١٦٩).","vol":"4","page":251},{"text":"٦ - قال القرطبي: «وظاهر هذا الحديث أن العتق لا يكمل للعبد إلا بعد التقويم ودفع القيمة إلى الشركاء، وهو مشهور قول مالك وأصحابه، والشافعي في القديم، وبه قال أهل الظاهر» (^١).\nوقالت الحنفية: لا يصير إلى العتق إلا بعد موافقة الشركاء، فلا يتعدى العتق للعبد، وللشركاء أن يختار كل واحد منهم ما يشاء وإلا ضمن المعتق النصيب للشركاء (^٢).\n٧ - مشروعية الخطبة عند حصول الأمر، وأن ولي الأمر يبلغ الناس ويخطب بالناس، أو نائبه ويبلغهم.\n٨ - مشروعية الحمد والثناء على الله في أول الخطبة.\n٩ - مشروعية قول: «أَمَّا بَعْدُ» وكان النبي ﷺ يقول: «أَمَّا بَعْدُ»، ولا يقول: «وَبَعْدُ»، كما يقول بعض الناس اليوم.\n١٠ - أن النبي ﷺ كان لا يسمي شخصًا بعينه، فقال: «مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ» ولم يقل: فلان وفلان، وإنما يأتي بالوصف.\n١١ - دليل على مشروعية المكاتبة، وأنه يشرع للعبد أن يكاتب سيده إن كان عنده قدرة على العمل، ويجوز للأنثى- أيضًا- أن تكاتب وتشتري نفسها حتى تتحرر.\n١٢ - أنه لا بأس سؤال المال في المكاتبة، وأن هذا ليس من السؤال المذموم؛ كما فعلت بريرة ﵂.\nوقولها: «لَا هَا اللهِ» لا نافية، والهاء حرف قسم، ومعناه: لا والله، ومن حروف القسم: الواو، والباء، والتاء، والهمزة، والهاء. وظاهر هذا القسم: أنه من قول بريرة أجابت به عائشة ﵂، فكأنها قالت: فإذا كان ذلك- يعني:\n_________\n(^١) المفهم، للقرطبي (٤/ ٣١٢).\n(^٢) بدائع الصنائع، للكاساني (٤/ ٥٠).","vol":"4","page":252},{"text":"موجدة عائشة- فلا يستقيم بهذا شيء، ويحتمل أن يكون الراوي قد أخبر به عن عائشة، ويؤيده ما وقع في بعض النسخ «فقلت» مكان «قالت»، فعلى هذا يكون من قول عائشة، ويكون معناه: أن أهل بريرة إنما أبوا اشتراط الولاء لها، فامتنعت من الشراء والعتق لأجل الشرط، وأقسمت على ذلك بقولها: «لاها الله إذًا» والرواية مشهورة في هذا اللفظ بالمد، وبإثبات «إذًا» وهي حرف جواب.\nوفي رواية أخرى: «لاها الله ذا» بقصرها وإسقاط الهمزة من «إذًا»، وصوب ذلك جماعة من أهل العلم، منهم: الخطابي (^١).\nقال النووي: «قَالَ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: هَذَانِ لَحْنَانِ، وَصَوَابُهُ: (لَاهَا اللهِ ذَا) بِالْقَصْرِ فِي (هَا) وَحَذْفِ الْأَلِفِ مِنْ (إِذَا) قَالُوا: وَمَا سِوَاهُ خَطَأٌ. وَمَعْنَاهُ: (ذَا يَمِينِي) وَكَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّ الصَّوَابَ: (لَاهَا اللهِ ذَا) بِحَذْفِ الْأَلِفِ، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ النَّحْوِيُّ وَغَيْرُهُ: يَجُوزُ الْقَصْرُ وَالْمَدُّ فِي (هَا)، وَكُلُّهُمْ يُنْكِرُونَ الْأَلِفَ فِي (إِذَا) وَيَقُولُونَ: صَوَابُهُ: (ذَا). قَالُوا: وَلَيْسَتِ الْأَلِفُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: جَاءَ فِي الْقَسَمِ (لَاهَاءَ اللهِ) قَالَ: وَالْعَرَبُ تَقُولُهُ بِالْهَمْزَةِ، وَالْقِيَاسُ تَرْكُهُ، قَالَ: وَمَعْنَاهُ: (لَا وَاللهِ هَذَا مَا أُقْسِمُ بِهِ)، فَأَدْخَلَ اسْمَ اللهِ تَعَالَى بَيْنَ (هَا وَذَا»). (^٢)\nقلت: ويظهر لي أن الرواية المشهورة صواب، وليست بخطأ، ووجه ذلك: أن هذا الكلام قسم على جواب إحداهما عن الأخرى على ما قررناه آنفًا، والهاء هنا هي التي يعوض بها عن باء القسم، فإن العرب تقول: هاء الله لأفعلن، ممدودة الهمزة ومقصورتها، ثُمَّ إنهم عوضوا عن الهمزة بهاء، وقالوا: ها الله؛ لتقارب مخرجيهما، كما قد أبدلوها في قولهم:\n_________\n(^١) أعلام الحديث، للخطابي (٢/ ١٤٥٧).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٠/ ١٤٥).","vol":"4","page":253},{"text":"أَلَا يَا سَنَا بَرْقٍ عَلَى قُلَلِ الْحِمَى ... لَهِنَّكَ مِنْ بَرْقٍ عَلَيَّ كَرِيمُ (^١)\nوقولهم:\nفَهَيَّاكَ وَالْأَمْرَ الَّذِي إِنْ تَوَسَّعَتْ ... مَوَارِدُهُ ضَاقَتْ عَلَيكَ مَصَادِرُهْ (^٢)\nفقد أبدلت الهمزة بالهاء في: (لهنَّك)، وأصلها: (لأنَّك)، وكذا في: (فهيَّاك) فأصلها: (فإيَّاك)، والهاء تمد وتقصر، كما قد حكاها أبو زيد (^٣).\nوتحقيقه: أن الذي مد مع الهاء كأنه نطق بهمزتين، أبدل من إحداهما ألفًا استثقالًا لاجتماعها، كما تقول: آلله، والذي قصر كأنه نطق بهمزتين فلم يحتج للمد، كما يقول: أألله، وأما «إذًا» فهي- بلا شك- حرف جواب وتعليل، وهي مثل التي وقعت في قوله ﷺ- وقد سئل عن بيع الرطب فقال-: «هَلْ يَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَلا إِذًا» (^٤)، فلو قال: «فلا- والله- إذًا» كان مساويًا لهذه في كل وجه، ولكنه لم يحتج إلى القسم، فلم يذكره، وقد بيَّنَّا تقدم المعنى واستقامته معنًى ووضعًا من غير وجه، دون حاجة إلى ما تكلَّفه من سبقت حكايته.\n_________\n(^١) ديوان المعاني، للعسكري (٢/ ١٩٢).\n(^٢)\n(^٣) الصحاح، للجوهري (٦/ ٢٥٤٦)، ديوان الطفيل الغنوي (ص ١٠٢).\n(^٤) الصحاح، للجوهري (٦/ ٢٥٤٦).","vol":"4","page":254},{"text":"حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ: أَرَادَ أَهْلُهَا أَنْ يَبِيعُوهَا وَيَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا؛ فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ»، قَالَتْ: وَعَتَقَتْ، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، قَالَتْ: وَكَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا، وَتُهْدِي لَنَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَكُمْ هَدِيَّةٌ، فَكُلُوهُ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ مِنْ أُنَاسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَاشْتَرَطُوا الْوَلَاءَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْوَلَاءُ لِمَنْ وَلِيَ النِّعْمَةَ»، وَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، وَأَهْدَتْ لِعَائِشَةَ لَحْمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْ صَنَعْتُمْ لَنَا مِنْ هَذَا اللَّحْمِ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ؟ ! فَقَالَ: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ، فَاشْتَرَطُوا وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا؛ فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ»، وَأُهْدِيَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ لَحْمٌ، فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: هَذَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ، وَخُيِّرَتْ». فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا، قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ سَأَلْتُهُ عَنْ زَوْجِهَا، فَقَالَ: لَا أَدْرِي.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي هِشَامٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ، وأَبُو هِشَامٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ،","vol":"4","page":255},{"text":"حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ: خُيِّرَتْ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ، وَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْبُرْمَةُ عَلَى النَّارِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ، فَأُتِيَ بِخُبْزٍ وَأُدُمٍ مِنْ أُدُمِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: «أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً عَلَى النَّارِ فِيهَا لَحْمٌ؟ !»، فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُطْعِمَكَ مِنْهُ، فَقَالَ: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ مِنْهَا لَنَا هَدِيَّةٌ»، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا: «إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».\n\n[١٥٠٥] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تُعْتِقُهَا، فَأَبَى أَهْلُهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْوَلَاءُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ؛ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».\n[خ: ٥٢٧٩]\nفي هذه الأحاديث: دليل على أن الأمة إذا أُعتقت تحت عبد تُخيَّر، إن شاءت بقيت عنده، وإن شاءت فسخت نفسها؛ لأنها صارت أعلى منه رتبة، فهي حرة، وهو عبد، أما إذا كان زوجها حرًّا وأُعتقت فليس لها الخيار.\nوفيها: أنه إذا تصدق الغني على الفقير، ثُمَّ أهدى الفقيرُ الغنيَّ حل له ذلك ولو كان من بني هاشم لا يأكل الصدقة، كما تُصُدِّقَ على بريرة بلحم وهي فقيرة، فأهدت منه لبيت النبي ﷺ، فأكل وهو لا يأكل الصدقة ﵊.\nوقول عبدالرحمن بن القاسم في رواية: «وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا»، رواية شاذة مخالفة للروايات الصحيحة، وهو متردد فيها؛ لأنه قال: كان حرًّا، ولما","vol":"4","page":256},{"text":"سأله بعد ذلك قال: لا أدري، والصواب: أن زوجها كان عبدًا؛ ولهذا خُيرت، ولو كان زوجها حرًّا ما خُيرت، وقد جاء في البخاري: أنه من قول الحكم، قال البخاري عقيبه: قول الحكم مرسل، وقال ابن عباس: «رأيته عبدًا» (^١)، ومن قول الأسود، قال البخاري عقيبه: قول الأسود منقطع. وقول ابن عباس: «رأيته عبدًا» أصح (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٨٠).\n(^٢) صحيح البخاري (٨/ ١٥٤).","vol":"4","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-676>بَاب النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ</span>\n\n[١٥٠٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ: نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ.\nقَالَ مُسْلِم: النَّاسُ كُلُّهُمْ عِيَالٌ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.\n[خ: ٢٥٣٥]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: ابْنَ عُثْمَانَ- كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ الثَّقَفِيَّ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ: إِلَّا الْبَيْعُ، وَلَمْ يَذْكُرِ: الْهِبَةَ.\nفي هذا الباب: تحريم بيع الولاء وهبته، وأنه لو باع الولاء أو وهبه، فإن البيع باطل، والهبة باطلة؛ فإن الولاء لحمة كلحمة النسب، فكما أن الإنسان لا يبيع نسبه من أقاربه ومن أهله، فكذلك لا يبيع الولاء.\nوقوله: «النَّاسُ كُلُّهُمْ عِيَالٌ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ»، يعني: تفرد به عبد الله بن دينار، وكذلك تفرد به عبد الله بن عمر، وهو من أصح الأحاديث، ولا يلزم أن يكون الحديث الفرد ضعيفًا، فحديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ","vol":"4","page":258},{"text":"يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (^١)، من أصح الأحاديث، ومع ذلك لم يروه عن النبي ﷺ إلا عمر بن الخطاب، ولم يروه عن عمر بن الخطاب إلا علقمة بن وقاص الليثي، ولم يروه عن علقمة بن وقاص الليثي إلا إبراهيم التيمي، ولم يروه عن إبراهيم التيمي إلا يحيى بن سعيد، ثُمَّ بعد ذلك انتشر ورواه خلق كثير لا يُحصَون، وهو في الأصل حديث فرد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧).","vol":"4","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-677>بَاب تَحْرِيمِ تَوَلِّي الْعَتِيقِ غَيْرَ مَوَالِيهِ</span>\n\n[١٥٠٧] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى كُلِّ بَطْنٍ عُقُولَهُ، ثُمَّ كَتَبَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُتَوَالَى مَوْلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، ثُمَّ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ لَعَنَ فِي صَحِيفَتِهِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ.\nقوله: «عَلَى كُلِّ بَطْنٍ عُقُولَهُ» عقوله: جمع عقل، كفلوس جمع فلس، وهي الدِّيَات، وتكون على العصبات وهم الآباء والأبناء، فكل بطن يعقل يعني: يتحمل دية الخطأ.\nوقوله: «ثُمَّ كَتَبَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُتَوَالَى مَوْلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، ثُمَّ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ لَعَنَ فِي صَحِيفَتِهِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ» دل هذا على أن الانتماء إلى غير الموالي من كبائر الذنوب، فقد لعن النبي ﷺ من فعل ذلك؛ لأن هذا كفر بالنعمة، وإنكار لها؛ لأن الولاء عصوبة سببها نعمة المعتِق على رقيقه بالعتق؛ فلا يباع ولا يوهب، بل يبقى منتسبًا إلى مواليه، كما أن الإنسان يبقى منتسبًا إلى آبائه وأجداده وقبيلته.\nوقوله: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُتَوَالَى مَوْلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ» أخرجه مخرج الغالب، وإلا فلو أذنوا له فلا يجوز له أن ينتسب إلى غير مواليه، وهو كقوله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم﴾ خرج مخرج الغالب، فالربيبة بنت الزوجة، سواء كانت في الحجر، أو في غير الحجر، ومثله قوله تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنًا﴾ خرج مخرج الغالب؛ لأن إكراهها على البغاء والزنا حرام، أرادت أو لم تُرد.\nوالخلاصة: أنه لا يجوز أن ينتمي العبد لغير مواليه، أذنوا، أم لم يأذنوا، أما قول من قال: إنه يجوز، فهو قول ضعيف لا وجه له.","vol":"4","page":260},{"text":"[١٥٠٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ، وَلَا صَرْفٌ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَدْلٌ، وَلَا صَرْفٌ».\nوَحَدَّثَنِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَمَنْ وَالَى غَيْرَ مَوَالِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ».\nفي هذا الحديث: وعيد شديد يدل على أن انتساب العبد إلى غير مواليه من كبائر الذنوب، قال ﷺ: «فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ».\nوقوله: «لَا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ، وَلَا صَرْفٌ»، يعني: فريضة، ولا نافلة، فالصرف: الفريضة، والعدل: النافلة.","vol":"4","page":261},{"text":"[١٣٧٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابَ اللهِ، وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ- قَالَ: وَصَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِي قِرَابِ سَيْفِهِ- فَقَدْ كَذَبَ، فِيهَا: أَسْنَانُ الْإِبِلِ، وَأَشْيَاءُ مِنَ الْجِرَاحَاتِ، وَفِيهَا: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا».\nفي هذا الحديث: رد على الرافضة الذين قالوا: إن أهل البيت خُصُّوا بشيء دون الناس، وأن النبي ﷺ خصهم بالخلافة، واستخلف من بعده عليًّا ﵁، ولكن الصحابة أنكروا ذلك، وأخفوا النصوص.\nوفيه: ذكر ما في الصحيفة، وهو: بيان الجراحات، وأسنان الإبل، وتحديد حرم المدينة، وأنه ما بين عير إلى ثور- وثور جبل صغير مدور خلف أحد جهة الشمال إلى الجنوب، وأما جهة الشرق والغرب فما بين اللابتين-، وفيه تحريم الانتساب إلى غير الآباء والأجداد والقبيلة، وأنه من الكبائر، وكذلك إيواء المحدِث- والمحدِث: الجاني حتى لا يقام عليه الحد-.\nوقوله: «وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ» المقصود بها: أن المسلمين كالشيء الواحد، فإذا أجار أحدهم شخصًا أو أمّنه فلا تُخفر ذمته، ولو كان عبدًا أو امرأة؛ لذلك أجارت أمُّ هانئ أختُ علي بن أبي طالب ﵄ رجلًا من المشركين وأراد علي أن يقتله، فقال لها النبي ﷺ: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥٧)، ومسلم (٣٣٦).","vol":"4","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-678>بَاب فَضْلِ الْعِتْقِ</span>\n\n[١٥٠٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدٍ- وَهُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ- حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حَكِيم عَنْ سَعِيدِ ابْنِ مَرْجَانَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ إِرْبٍ مِنْهَا إِرْبًا مِنْهُ مِنَ النَّار».\n[خ: ٢٥١٧]\nوَحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ أَبِي غَسَّانَ الْمَدَنِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ مَرْجَانَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِه».\nفي هذا الحديث: فضل العتق، وأن من أعتق عبدًا كان من أسباب سلامته ومغفرة ذنوبه وعتقه من النار، وأنه يعتق كلُّ عضو من المعتَق عضوًا من المعتِق.\nوفيه: أنه يستحب أن يكون المعتَق كامل الأعضاء؛ لأن كل عضو منه يعتق ما يقابله، فإذا كان سليم الأعضاء سلمت أعضاء المعتِق من النار.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ مَرْجَانَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ، حَتَّى يُعْتِقَ فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ».\nفي هذا الحديث: التقييد برقبة مؤمنة، وحتى الرقبة غير المؤمنة فيها","vol":"4","page":263},{"text":"أجر، لكن المؤمنة أفضل، وفي كفارة القتل اشترط الله أن تكون الرقبة مؤمنة، وفي كفارة الظهار، وكفارة اليمين لم تقيد بالإيمان، وبعض العلماء حمل المطلق على المقيد، واشترط إيمان الرقبة في كل كفارة.\nوَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ- وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ- حَدَّثَنَا وَاقِدٌ- يَعْنِي: أَخَاهُ- حَدَّثَنِي سَعِيدُ ابْنُ مَرْجَانَةَ- صَاحِبُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ»، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ حِينَ سَمِعْتُ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرْتُهُ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَأَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ ابْنُ جَعْفَرٍ عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ.\nفي هذا الحديث: فضل الصحابة والسلف رضوان الله عليهم، ومبادرتهم إلى الخير، فإنه لما سمع علي بن الحسين الحديث من سعيد بن مرجانة أعتق عبدًا، ثُمَّ أُعطي فيه عشرة آلاف، ولم يبالِ؛ رغبةً في الفضل والأجر، وإذا خشي من عتقه المضرة فلا يعتقه حتى لو كان مؤمنًا، كأن يَضيع وليس له كسب فكونه يبقى عبدًا أولى ويبقى عند سيده يأكل ويشرب ويخدِم.","vol":"4","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-679>بَاب فَضْلِ عِتْقِ الْوَالِدِ</span>\n\n[١٥١٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا، فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ».\nوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: «وَلَدٌ وَالِدَهُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالُوا: «وَلَدٌ وَالِدَهُ».\nفي هذا الحديث: فضل العتق، وأن الولد إذا أعتق والده فإنه يجزيه، وما عداه فإنه لا يجزي والدٌ ولدَه؛ لأن فضل الوالد على ولده عظيم، فهو السبب في وجوده، فلا يمكن أن يجزيه، ويقوم برد الجميل، واحتج به الظاهرية على أنه لا يعتق عليه بمجرد الشراء، ولا بد أن ينشئ العتق (^١).\nوذهب الجمهور إلى أنه يعتق عليه بدون اختياره إذا كان من الأصول، أو من الفروع فإنه يعتق عليه بمجرد الشراء، فإذا اشترى أباه أُعتق عليه، ولو لم يقل له: أنت عتيق؛ لأنه لا يجوز للابن أن يسترق أباه، وكذلك لو اشترى أمه، أو جده، أو جدته أُعتقوا، وأيضًا لو اشترى ابنه، أو ابنته، أو ابن ابنه، أو ابن ابنته (^٢)، وقول الجمهور هو المعتمد.\n* * *\n_________\n(^١) المحلى، لابن حزم (٩/ ٢٠٢ - ٢٠٥).\n(^٢) الاختيار لتعليل المختار، لأبي الفضل الحنفي (٤/ ٢١)، مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (٦/ ٤٥٨)، المجموع، للنووي (١٦/ ٨ - ٩)، مواهب الجليل، للحطاب (٦/ ٣٢٥)، المغني، لابن قدامة (٦/ ٤١٤).","vol":"4","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-680>كِتَابُ البُيُوعِ</span>","vol":"4","page":267},{"text":"كِتَابُ البُيُوعِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-681>بَاب إِبْطَالِ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ</span>\n\n[١٥١١] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ.\n[خ: ٢١٤٦]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: نُهِيَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ: الْمُلَامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ، أَمَّا الْمُلَامَسَة: فَأَنْ يَلْمِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ تَأَمُّلٍ، وَالْمُنَابَذَةُ: أَنْ يَنْبِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَهُ إِلَى الْآخَرِ، وَلَمْ يَنْظُرْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَى ثَوْبِ صَاحِبِهِ.\n[خ: ١٩٩٣]","vol":"4","page":269},{"text":"أخَّر مسلم ﵀ كتاب البيوع، وجعل قبله خمسة كتب، هي: كتاب النكاح، وكتاب الرضاع، وكتاب الطلاق، وكتاب اللعان، وكتاب العتق، أما البخاري ﵀ فقد أتى بكتاب البيوع بعد العبادات.\nوالبيع في اللغة: الأخذ والإعطاء، وهو مبادلة مال بمال، ويكون بالقول وبالفعل، وبالقول له صيغتان: الإيجاب، والقبول، يقول البائع: بعتك، فيرد المشتري: قبلت، أو اشتريت، ويكون بالأخذ والإعطاء بالفعل دون كلام، كأن يضع ثمن السلعة، ويأخذها إذا كانت محددة؛ كالأشياء قليلة الثمن التي يتعاطاها الناس في الحياة اليومية؛ كالخبز، والجرائد، والمشروبات؛ لأن ثمنها معروف، وهناك بيوع نهى عنها النبي ﷺ؛ لما فيها من الغرر؛ كبيع الملامسة، والمنابذة.\nوالملامسة فُسرت في الحديث بأن يلمس الرجل الثوب، ولا ينظر إليه، ولا يقلبه، ولا يتأمله، ويكون هذا بيعًا له.\nوالمنابذة: أن ينبذ إليه الثوب، ويكون نبذه إليه بيعًا له بمثابة القبول، وليس له خيار، وهذا منهي عنه؛ لما فيه من الغرر؛ لأن الإنسان بعد ذلك قد يتبين له أنه غير مناسب، أو أنه مغبون فيه، فلا ينبغي أن يكتفي باللمس، بل ينظر ويقلب ويتأمل، وكذلك لا ينبغي أن يكتفي بالنبذ والطَّرْح، وهذا بيع غرر محرم، ملامسة كان أو منابذة، بأي صورة من صورهما.\nوقد جاء في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ نهى عَنِ الغرر، وهو نهي عام يدخل فيه بيع الملامسة، وبيع المنابذة، وبيع الحصاة، وغيرها من البيوع الفاسدة.","vol":"4","page":270},{"text":"[١٥١٢] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحيَى- وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ- قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ، وَلِبْسَتَيْنِ: نَهَى عَنِ المُلَامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ، وَالْمُلَامَسَةُ: لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الْآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ، أَوْ بِالنَّهَارِ وَلَا يَقْلِبُهُ إِلَّا بِذَلِكَ، وَالْمُنَابَذَةُ: أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ بِثَوْبِهِ، وَيَنْبِذَ الْآخَرُ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ، وَلَا تَرَاضٍ.\n[خ: ٥٨١٩]\nوَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله: «وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ، وَلَا تَرَاضٍ»، أي: فإذا كان هناك نظرٌ وتأملٌ وتراضٍ فقد زال سبب التحريم، ولن يُسمى البيعُ حينها بيعَ ملامسة، ولا منابذة.\nفي هذا الحديث: تفسير للملامسة، أو المنابذة، وقد سبق بيانه، ويأتي فيما بعد تفسير اللبستين، وما جاء في الحديث عن اشتمال الصماء، والاحتباء.\nواشتمال الصماء: هو أن يشتمل بثوب واحد، ولا يكون له منفذ، أو أن يضعه على كتفيه فقط، فيبدو شيء من العورة.\nوالاحتباء: هو أن يجلس على أليتيه، وينصب ساقيه، ويكون على ساقيه ثوب، وعلى ظهره ثوب، ويكون الذي أمامه مكشوفًا، لو وقف عليه إنسان من جهة السماء يجد فرجه مكشوفًا، فهذا منهي عنه، أما إذا كان عليه سراويل فليس فيه إشكال، وكان العرب قديمًا يتساهلون في هذا الأمر، فكان الواحد منهم يأتي بقطعة ثوب ويستر به ظهره ورجليه، ويبقى الذي أمامه مكشوفًا، وسيأتي تفصيل لهاتين اللبستين، والحديث هنا جاء مجملًا.","vol":"4","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-682>بَابُ بُطْلَانِ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَالْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ غَرَرٌ</span>\n\n[١٥١٣] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ.\nفي هذا الحديث: أن بيع الحصاة خاص، وبيع الغرر عام، فبيع الحصاة داخل في بيع الغرر؛ وكل بيع فيه غرر خداع وغبن، فهو منهي عنه.\nوصورت بيع الحصاة: أن يأخذ أحد المتبايعين حصاة صغيرة ويرمي بها، ويقول: أي ثوب أصابته هذه الحصاة فهو بمائة، وقد تقع على ثوب لا يساوي إلا عشرة، وقد تقع على ثوب يساوي خمسمائة، فلا شك أن هذا غرر، أو أن يبيع عليه قطعة أرض، فيقول: بعتك ما تصل إليه الحصاة بكذا، ثم يرمي بها على حد البيع من الأرض، فقد تصل الحصاة مسافة بعيدة، وقد لا تتجاوز مترين، فهذا غرر لا ريب فيه، وله صور أخرى كثيرة.\nويدخل في بيع الغرر: بيع السمك في الماء، والطير في الهواء، وبيع الجمل الشارد، والعبد الآبق، وكل هذا غير مقدور على تسليمه.\nويدخل فيه: بيع المجهول الذي لا يُعلم؛ كأن يبيع سلعة ولا يصفها بأوصاف محددة، وكذلك إذا كان القبض مجهول الأجل، وكبيع المعدوم، كبيع ما في بطن هذه الناقة، وحبل الحبلة، كل هذه صور من بيوع الغرر المنهي عنها.\nوالغرر كما يكون من البائع، فهو يكون كذلك من المشتري.","vol":"4","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-683>بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ</span>\n\n[١٥١٤] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ.\n[خ: ٢١٤٣]\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لَحْمَ الْجَزُورِ إِلَى حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَحَبَلُ الْحَبَلَةِ: أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تَحْمِلَ الَّتِي نُتِجَتْ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ.\nقوله: «تُنْتَجَ»: هو من الألفاظ القليلة التي جاءت في لغة العرب ملازمةَ البناءِ للمفعول، ومثلها: (تُزْهَى)، و(تُهْرَعُ)، (تُحْتَضَرُ) ... إلخ.\nوقوله: «كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لَحْمَ الْجَزُورِ إِلَى حَبَلِ الْحَبَلَةِ»: فُسر بيع حبل الحبلة بأنه: بيع نتاج النتاج، يقول: بعتك ما يلده ما في بطن هذه الناقة إذا ولدت الناقة، فيكون بيع معدوم ومجهول، وفسر بالأجل، يعني: بعتك هذه السلعة، ويحل الثمن إذا وَلَدَ وَلَدُ الناقةِ، وكل منهما منهي عنه، أما الأول فإنه بيع معدوم ومجهول، وأما الثاني فلأن الأجل مجهول، وهذه من البيوع التي كان يتبايعها أهل الجاهلية، ونهى الرسول ﷺ عنها؛ لما فيها من الغرر.","vol":"4","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-684>بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَسَوْمِهِ عَلَى سَوْمِهِ</span>،\nوَتَحْرِيمِ النَّجْشِ، وَتَحْرِيمِ التَّصْرِيَةِ\n\n[١٤١٢] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ».\n[خ: ٢١٣٩]\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا يَحيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ».\nفي هذا الحديث: تحريم بيع المسلم على بيع أخيه؛ لأنه يفضي إلى الشحناء والبغضاء، والإسلام أراد من المسلمين أن يكونوا إخوة متحابين، وصورته: أن يبيع مسلم سلعة على شخص بمائة، ويكون بينهما الخيار ثلاثة أيام- مثلًا-، فيأتي شخص آخر إلى المشتري، ويقول له: رُدَّ هذه السلعة، وأنا أعطيك أحسن منها بثمانين، ومثله شراء المسلم على شراء أخيه؛ كأن يأتي للبائع الذي باع السلعة بمائة وهو في مدة الخيار، فيقول: استردَّ السلعةَ وأنا أزيدك، فأعطيك مائة وعشرين، وهذا حرام لا يجوز، إلا إذا أذن له، كما في هذا الحديث، وكذلك خطبة المسلم على خطبة أخيه لا تجوز إلا أن يأذنَ له، أو يُرَدَّ، وفي الحديث: «إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ»، فإذا أذن له، أو رُدَّ الخاطب الأول وعلم بذلك الخاطب الثاني فله أن يتقدم للخطبة.","vol":"4","page":274},{"text":"[١٥١٥] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنِ العَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَسُمِ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ».\n[خ: ٢١٥٠]\nفي هذا الحديث: بيان سوم المسلم على سوم أخيه، فيقول: بمائة، فيركن البائع إليه ولا يرده، كأنه رضي بسومته، فيأتي آخر ويسومها بمائة وعشرين، فليس له ذلك؛ لأن البائع قد ركن إلى الأول، أما إذا لم يركن إليه ولم يرغب في البيع، وقال: هذا لا يناسبني وأريد زيادة فلا بأس، وهذا بخلاف البيع بمزاد علني، فلو سيمت السلعة بمائة، فقيل: من يزيد؟ فقيل: بمائة وعشرين، فلا بأس بهذا؛ لأن طلب البائع للزيادة معناه: أنه لم يرضَ بعد بالسوم، ولا حرج في هذا شرعًا.","vol":"4","page":275},{"text":"وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ العَلَاءِ، وَسُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ- وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ.\nوَفِي رِوَايَةِ الدَّوْرَقِيِّ: عَلَى سِيمَةِ أَخِيهِ.\nحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ لِبَيْعٍ، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا- بَعْدَ ذَلِكَ- فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ».\nقوله: «لَا يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ لِبَيْعٍ»: تلقي الركبان هو: أن يخرج شخص من البلد ويتلقى من يأتي من خارج البلد، فيشتري منهم ما معهم، فهذا منهي عنه؛ لأنه يشتريه بأقل من ثمنه، ثم يبيعه على الناس بالغلاء، فيضر بالناس، ولو هبط البائع إلى السوق ووجد أنه قد غُبن فله الخيار، كما جاء في الحديث الآخر: «نَهَى عَنْ تَلَقِّي الْجَلَبِ، فَإِنْ تَلَقَّاهُ مُتَلَقٍّ مُشْتَرٍ، فَاشْتَرَاهُ، فَصَاحِبُ السِّلْعَةِ بِالْخِيَارِ إِذَا وَرَدَتِ السُّوقَ» (^١)، فهو مخير، إن شاء رد السلعة، وإن شاء أمضى البيع.\nوقوله: «وَلَا تَنَاجَشُوا»: النَّجْشُ- لغة-: الإثارة، من: نجش ينجش\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٩٢٣٦)، وأبو داود (٣٤٣٧)، والترمذي (٢١٧٨).","vol":"4","page":276},{"text":"نجشًا، من باب: ضرب يضرب ضربًا (^١)، والنجش- شرعًا-: الزيادة في السلعة ممن لا يريد شراءها؛ لينفع البائع، أو ليضر المشتري، وهذا حرام، والناجش عاصٍ لله ولرسوله.\nوقوله: «وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ»: صورته: أن يقدم إلى البلد رجل معه سلعة- سواء كان من أهل البادية، أو من غيرهم- ولا يعرف قيمة هذه السلعة، ويريد بيعها في الحال، كمن يأتي من البادية ومعه سمن، أو أقط، أو دهن، أو فقع، وما أشبه ذلك، ويريد أن يبيعها بسعر يومها برخص، فيأتيه رجل، ويقول له: دعها عندي، أبيعها لك على التدريج، فهذا يضر بالناس؛ لأن البادي يريد أن بيبعها بسعر يومها برخص، وهذا فيه مصلحة لأهل البلد، فيفوتها عليهم.\nواختلف العلماء فيما إذا باع حاضر لبادٍ هل يصح البيع، أو لا يصح؟ ولهم في هذا أقوال:\nمنها: لا يصح البيع، وقيل: يصح مع الإثم، وقيل: لا يصح مطلقًا.\nوقيل: يصح مطلقًا، وهو مذهب الأحناف (^٢)، وقالوا: إن هذا من باب النصيحة؛ لحديث: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» (^٣)، وقالوا: إن حديث: «لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ»: منسوخ، وهذا قول ضعيف لا وجه له.\nوقيل: يجوز إذا كان بدون أجرة، ولا يجوز إذا كان بأجرة، وهي السمسرة؛ لأنه إذا باعه بأجرة فلا ينظر إلا لمصلحة نفسه، وأما إذا باعه له بدون أجرة فهذا جائز، وهو اختيار البخاري، والصواب: المنع مطلقًا، لا بسمسرة، ولا بغيرها.\n_________\n(^١) مقاييس اللغة، لابن فارس (٥/ ٣٩٤)، تاج العروس، للزبيدي (١٧/ ٤٠٣).\n(^٢) بدائع الصنائع، للكاساني (٥/ ٢٣٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (٥٥).","vol":"4","page":277},{"text":"لكن هل يفسد البيع، أو لا يفسد؟ على قولين:\nالقول الأول: أنه يفسد البيع، وقيل: لا يفسد، والأقرب: أن النهي في الحديث للفساد.\nالقول الثاني: «وَلَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا- بَعْدَ ذَلِكَ- فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ»: أصلها: ولا تُصَرِّرُوا، والتصرية (^١): حبس اللبن في الضرع، بأن يترك اللبن في ضرع الدابة إذا أراد بيعها حتى يكثر، فيغتر المشتري، ويظن أن هذا اللبن في كل يوم، فإذا اشترى المشتري المصراة، ثم حلبها، وتبين له أن حليبها أقل من هذا، وأن البائع قد غره ولم يبين له، فله الخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها، ورد معها صاعًا من تمر مقابل الحليب، وهذا قطع للنزاع.\n_________\n(^١) تاج العروس، للزبيدي (٣٨/ ٤٢٠).","vol":"4","page":278},{"text":"حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ- وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ التَّلَقِّي لِلرُّكْبَانِ، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَأَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا، وَعَنِ النَّجْشِ، وَالتَّصْرِيَةِ، وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ.\n[خ: ٢٧٢٧]\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالُوا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي حَدِيثِ غُنْدَرٍ، وَوَهْبٍ: نُهِيَ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الصَّمَدِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى. بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذٍ عَنْ شُعْبَةَ.\n\n[١٥١٦] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ النَّجْشِ.\nقوله: «وَأَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا»: وهذا- أيضًا- منهي عنه، وفي لفظ آخر: «وَلْتَنْكِح، فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا» (^١)، فلا يجوز للمرأة إن طُلبت للزواج أن تشترط طلاق أختها، سواء اشترطته بنفسها، أو اشترطه وليها، وهناك أحد أمرين: إما أن يزوجوه- وإن كان معه زوجة أخرى- وإما أن يردوه، أما أن يشترطوا طلاق الزوجة الأولى فهذا حرام عليهم، نعم لهم أن يشترطوا أن يكون لها بيت مستقل، وأن يعدل بين زوجاته، فهذا لا بأس به، أما أن تشترط طلاق أختها فهذا حرام.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٠٠)، ومسلم (١٤٠٨).","vol":"4","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-685>بَابُ تَحْرِيمِ تَلَقِّي الْجَلَبِ</span>\n\n[١٥١٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحيَى- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ-.ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُتَلَقَّى السِّلَعُ حَتَّى تَبْلُغَ الْأَسْوَاقَ، وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ نُمَيْرٍ، وقَالَ الْآخَرَانِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ التَّلَقِّي.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ.\nفي هذا الحديث: أن حد تلقي السلع أن تهبط للأسواق، فإذا وصلت السلعة إلى السوق زال المحظور، أما قبل وصولها إلى السوق فيعتبر تَلَقِّيًا، حتى ولو كان التلقي بعد دخوله البلد؛ لأنه إذا تلقاه فاشترى منه أضر بأهل البلد؛ ولذا حُرِّم.","vol":"4","page":280},{"text":"[١٥١٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُبَارَكٍ عَنِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَلَقِّي الْبُيُوعِ.\n[خ: ٢١٤٩]\n\n[١٥١٩] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ هِشَامٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُتَلَقَّى الْجَلَبُ.\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي هِشَامٌ الْقُرْدُوسِيُّ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَلَقَّوُا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ».\nفي هذا الحديث: دليل على إثبات الخيار لمن تُلُقِّيَ منه، إذا رأى أنه مغبون، فإن شاء أمضى البيع، وصبر على الغبن، وإن شاء رده.","vol":"4","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-686>بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي</span>\n\n[١٥٢٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ- قَالَ: «لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ».\nوقَالَ زُهَيْرٌ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ.\nفي هذا الحديث: أنه في تلقي السلع أثبت له الخيار، وفي المصراة كذلك أثبت له الخيار، أما في بيع الحاضر للبادي فلم يثبت له الخيار، فدل على الفرق، وإن كان الكل منهيًّا عنه.\n\n[١٥٢١] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، قَالَ: فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يَكُنْ لَهُ سِمْسَارًا.\n[خ: ٢١٥٨]\nقوله: «لَا يَكُنْ لَهُ سِمْسَارًا»: السِّمْسار هو: الدَّلَّال، والسمسرة تكون بأجرة، وتكون بغير أجرة، والبخاري ﵀ فرَّق، فقال: إن كان بأجرة فلا يجوز، وإن كان بغير أجرة فيجوز؛ لأنه إن كان بأجرة فإنه لا ينظر إلا لمصلحة نفسه، فقد يضر بالبائع وبالمشتري كليهما.","vol":"4","page":282},{"text":"[١٥٢٢] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحْيى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ».\nغَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى: «يُرْزَقُ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ، جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\n\n[١٥٢٣] وَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ أَوْ أَبَاهُ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: نُهِينَا عَنْ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ.\n[خ: ٢١٦١]\nقوله: «لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ»: فيه: تبيين النبي ﷺ الحكمة من النهي عن بيع الحاضر للبادي؛ فالبادي يريد أن يبيع سلعته بما تيسر، ويمشي في الحال، أما الحاضر فيمسكها ليبيعها للناس بغلاء.","vol":"4","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-687>بَابُ حُكْمِ بَيْعِ الْمُصَرَّاةِ</span>\n\n[١٥٢٤] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ مُوسَى بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَلْيَنْقَلِبْ بِهَا فَلْيَحْلُبْهَا، فَإِنْ رَضِيَ حِلَابَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِلَّا رَدَّهَا وَمَعَهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ- فِيهَا- بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ».\nقوله: «ابْتَاعَ»، يعني: اشترى.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ- يَعْنِي: الْعَقَدِيَّ- حَدَّثَنَا قُرَّةُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ لَا سَمْرَاءَ».\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ، لَا سَمْرَاءَ».\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى مِنَ الْغَنَمِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ،","vol":"4","page":284},{"text":"مِنْهَا: وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا مَا أَحَدُكُمُ اشْتَرَى لِقْحَةً مُصَرَّاةً- أَوْ: شَاةً مُصَرَّاةً- فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إِمَّا هِيَ، وَإِلَّا فَلْيَرُدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ».\nقوله: «شاة مصراة»: التصرية: حبس اللبن في الضرع، بأن يترك اللبن في ضرع الدابة إذا أراد بيعها حتى يكثر، فيغتر المشتري، ويظن أن هذا اللبن في كل يوم.\nوقوله: «لَا سَمْرَاءَ»: السمراء: الحنطة، والمعنى: لا يرد صاعًا من الحنطة، وإنما يرد صاعًا من تمر.","vol":"4","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-688>بَابُ بُطْلَانِ بَيْعِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ</span>\n\n[١٥٢٥] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَقُتَيْبَةُ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ مِثْلَهُ.\n[خ: ٢١٣٥]\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ- وَهُوَ الثَّوْرِيُّ- كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ إِسْحاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ»، فَقُلْتُ- لِابْنِ عَبَّاسٍ-: لِمَ؟ فَقَالَ: أَلَا تُرَاهُمْ يَتَبَايَعُونَ بِالذَّهَبِ وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ؟ وَلَمْ يَقُلْ أَبُو كُرَيْبٍ: مُرْجَأٌ.\nفي هذا الحديث: أن هذا الذي حسبه ابن عباس ﵄ هو الصواب، وهو أنه لا يجوز بيع الطعام حتى يقبضه، وكذلك غير الطعام، قال ابن عباس: «وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ»، والصواب: أن الإنسان لا يجوز أن يبيع السلعة حتى يقبضها، وقبضها","vol":"4","page":286},{"text":"يكون بنقلها من مكانها، وهذا ليس خاصًّا بالطعام، وقال بعض العلماء: إنه خاص بالطعام، وقال بعضهم: إنه خاص بالمكيل والموزون، وما عداه فيجوز بيعه قبل قبضه، وقال بعضهم: إلا العقار، والعقار معروف أنه لا ينقل، لكن يكون قبضه بالتخلية والكتابة والشهود، وتسليم المفاتيح، وما أشبه ذلك، وإذا اشترى سيارة من معرض فلا يجوز له بيعها حتى ينقلها إلى مكان آخر، كما سيأتي في الأحاديث التصريح بأنه لا بد من النقل، وكان النبي ﷺ يبعث على الناس من يضربهم على بيع السلع حتى ينقلوها.\n\n[١٥٢٦] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحيَى ابْنُ يَحيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ».\n[خ: ٢١٢٦]\n\n[١٥٢٧] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنَّا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: نَبْتَاعُ الطَّعَامَ، فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَاهُ فِيهِ إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ.\n[خ: ٢١٦٧]\nفي هذا الحديث: أن لولي الأمر أن يؤدب من يُخِلُّ بالآداب الشرعية، حتى يلتزمها.\nوالحكمة ظاهرة في ذلك؛ حتى لا يكون هناك تلاعب، وحيلة على الربا، وفي نقلها من مكانها، جملة مصالح، منها ما يعود على الحمال الذي يحمل، والسيارة التي تنقل، فالتجارة فيها تحريك للمال وللسلع، وفيها إغلاق لمنافذ للربا، أما الربا فجمود لا يستفيد منه إلا طائفة محدودة.","vol":"4","page":287},{"text":"[١٥٢٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ».\n\n[١٥٢٧] قَالَ: وَكُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ جِزَافًا، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ.\nفي هذا الحديث: أن النهي هنا يقتضي الفساد، أما ما يروى عن عثمان البتي من أنه لا بأس ببيع الطعام قبل نقله فهذا مصادم للنص، قال ابن عبد البر ﵀: «وقال عثمان البتي: لا بأس أن تبيع كل شيء قبل أن تقبضه كان مكيلًا، أو مأكولًا، أو غير ذلك من جميع الأشياء. وهذا قول مردود بالسنة، وأظنه لم يبلغه الحديث» (^١).\nوفيه: أنه لا بأس أن يشتري الطعام جزافًا، فإذا اشترى صبرة طعام من دون كيل فلا بأس، أما إذا اشتراها بالكيل فلا بد من كيلها، فلو اشترى هذه الأكياس بشرط أن يكون كل كيس خمسين كيلو- مثلًا- فلا بد أن توزن، أما إذا اشتراها جزافًا بصرف النظر عما فيها من الكيلوات فلا بأس، وإذا باعها واشتراها مرة ثانية فلا بد أن يكيلها مرة ثانية ويزنها، ولا بد أن يجري فيها الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري.\n_________\n(^١) التمهيد، لابن عبد البر (١٣/ ٣٣٤).","vol":"4","page":288},{"text":"[١٥٢٦] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ وَيَقْبِضَهُ».\nحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ يَحيَى: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، وقَالَ عَلِيٌّ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ».\n\n[١٥٢٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا اشْتَرَوْا طَعَامًا جِزَافًا أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى يُحَوِّلُوهُ.\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَاهُ قَال: قَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا ابْتَاعُوا الطَّعَامَ جِزَافًا يُضْرَبُونَ فِي أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ؛ وَذَلِكِ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ.\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَشْتَرِي الطَّعَامَ جِزَافًا، فَيَحْمِلُهُ إِلَى أَهْلِهِ.\nقوله: «وَذَلِكِ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ»، أي: حتى يؤووه إلى بيوتهم، أو ينقلوه للمستودعات، ثم بعد ذلك يبيعونه، أما أن يشتروه من مستودع البائع، ويبيعوه في مستودع البائع فهذا ممنوع؛ وإذا كانوا في عهد النبي ﷺ يُضربون ففي هذا الزمن أولى وأولى، وهم بحاجة في هذا الزمان إلى التأديب والضرب أكثر؛ لفساد أحوال التجار، ورقة دينهم.\nقول ابن عمر ﵄: «أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَشْتَرِي الطَّعَامَ جِزَافًا، فَيَحْمِلُهُ إِلَى أَهْلِهِ»، يعني: أنه لا بأس ببيع الطعام جزافًا، ولا يشترط أن يكون مكيلًا، أو موزونًا، أما إذا اشتراه بالكيل، أو الوزن فلا بد أن يكيله ويزنه، وإذا أراد","vol":"4","page":289},{"text":"المشتري أن يبيعه مرة أخرى فلا يشتري بكيل البائع ووزنه، بل يكيله مرة ثانية حتى يجري فيه الصاعان.\n\n[١٥٢٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ».\nوَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: «مَنِ ابْتَاعَ».\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ قَالَ- لِمَرْوَانَ-: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الرِّبَا! فَقَالَ مَرْوَانُ: مَا فَعَلْتُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الصِّكَاكِ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُسْتَوْفَى؟ قَالَ: فَخَطَبَ مَرْوَانُ النَّاسَ، فَنَهَى عَنْ بَيْعِهَا قَالَ سُلَيْمَانُ: فَنَظَرْتُ إِلَى حَرَسٍ يَأْخُذُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ.\n\n[١٥٢٩] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا ابْتَعْتَ طَعَامًا فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهُ».\nفي هذا الحديث: أن أبا هريرة ﵁ أنكر على مروان بن الحكم الخليفة الأموي، قال: «أَحْلَلْتَ بَيْعَ الرِّبَا!»، قال: ما فعلتُ، قال: «أَحْلَلْتَ بَيْعَ الصِّكَاكِ».\nوفيه: إنكار الصحابة رضي الله عليهم على الخلفاء وغيرهم، ولكن ينكر عليهم بما يناسب مقامهم.\nوالصكاك: جمع صك، وهو الورقة التي يكتب فيها الرزق لشخص","vol":"4","page":290},{"text":"معين، يكتب ولي الأمر ورقة- مثلًا- أو شيكًا لشخص بأن له كذا وكذا من بيت المال، ثم يبيع هذا الشخص تلك الورقة قبل أن يستلمها، وقد يكون الصك دراهم، وقد يكون طعامًا، يكتب له ورقة بأن له كذا وكذا من بيت المال من التمر، أو من البر، أو من الأرز، ثم يبيعها قبل تسلمها؛ ولهذا قال أبو هريرة ﵁ لمروان: «أَحْلَلْتَ بَيْعَ الرِّبَا!».\nومثله الآن: ما يفعله بعض المزارعين الذين يبيعون القمح على الحكومة، ثم يُعطَون ورقة فيها الثمن، ولكنه مؤجل لعدة أشهر، فيأخذونها، ثم يبيعونها على شخص آخر قبل أن يستلمها بثمانية آلاف- مثلًا- وهذا ربا لا يجوز، وكثير من الناس لا يبالي ولا يسأل، وبعضهم يسأل بعد أن يفعل، كيف تبيع دراهم بدراهم؟ لك عشرة آلاف مؤجلة وتبيعها بثمانية حاضرة دراهم بدراهم؟ ! وهذا ربا اجتمع فيه ربا الفضل، وربا النسيئة- نسأل الله السلامة والعافية- وكثير من الناس لا يبالون بالحرام، فالحلال عندهم ما حل في أيديهم، لا يبالون إن كان ربا، أو غير ربا.\nوأكل الربا لا يجوز إلا للمضطر ضرورة قد تفضي إلى هلاكه، والضرورة مثل: أكل الميتة لمن أشرف على الهلاك، فيأكل بالقدر الذي يُبقي فيه رمقًا، وكذا من يقترض بالربا سواء بسواء.\nمسألة في بيع الدراهم، والقروض:\nفي بيع الدراهم لا بد من تحقق شرطين: أن تكون يدًا بيدٍ، وأن تكون متماثلة، أما إذا كانت ذهبًا بفضة فلا بأس بالزيادة، لكن لا بد أن تكون يدًا بيدٍ، ما فيها تأخير ساعة ولا ساعتين، ولا أقساط، ولا شيء من هذا القبيل، ولا بد من التماثل إذا كانت دراهم بدراهم- أيضًا- لا يزيد أحدهما على الآخر، وبهذا يتبين أن الذي يبيع القرض يفعل الربا بنوعيه: ربا النسيئة، وربا الفضل، وكذلك المزابنة فيها فعل الربا بنوعيه: ربا الفضل، وربا النسيئة- نسأل الله السلامة والعافية.","vol":"4","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-689>بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ صُبْرَةِ التَّمْرِ الْمَجْهُولَةِ الْقَدْرِ بِتَمْرٍ</span>\n\n[١٥٣٠] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ، لَا يُعْلَمُ مَكِيلَتُهَا بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: مِنَ التَّمْرِ، فِي آخِرِ الْحَدِيثِ.\nفي هذا الحديث: أنه لا يجوز للإنسان أن يبيع صبرة من الطعام لا يعلم كيلها بكيل مسمى، فلو كان عنده صبرة طعام من التمر يبيعها عليك بخمسين كيلو فلا يجوز؛ لأنه لا يعلم التساوي بينهما، لا يبيع طعامًا بطعام إلا بالتماثل، والتماثل لا يُعلم هنا، أما إذا باعها بالدراهم فلا بأس، أما إذا أراد أن يبيعها بتمر أو بطعام آخر فلا بد من الكيل، أو الوزن، لا بد من التماثل إذا كان بينهما تماثل، فيبيع تمرًا بتمر، ولا يبيع صبرة تمر بتمر آخر مكيل، بل لا بد أن يكون كلاهما مكيلًا؛ حتى يحصل التماثل، أما إذا كان كلاهما مختلفًا؛ كأن يكون هذا تمر وهذا بُر؛ فلا بأس بالزيادة والنقص، لكن لا بد أن يكون يدًا بيدٍ.\nأما من جهة التفاضل؛ فجائز أن تبيع مائة كيلو من التمر بخمسين كيلو من البر، ليس هناك مانع، لكن على أن يكون يدًا بيد دون تأجيل، إذا اختلفت الأصناف؛ لقول النبي ﷺ: «فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (^١)،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٨٧).","vol":"4","page":292},{"text":"أما إذا اتفق تمر بتمر، أو ملح بملح فلا بد من التماثل والتقابض، أما بر بشعير، أو بر بتمر، فهذا لا بأس فيه من الزيادة، لكن لا بد أن يكون يدًا بيد؛ فالزيادة أو النقص لا مانع منها؛ لأن النوع قد اختلف.","vol":"4","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-690>بَابُ ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ</span>\n\n[١٥٣١] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْبَيِّعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ».\n[خ: ٢١١١]\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا يَحيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ-.ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ- جَمِيعًا عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ.\nفي هذا الحديث: إثبات خيار المجلس، فقوله: «الْبَيِّعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا»، يعني: ما لم يتفرقا من المجلس، كما هو قول الجماهير (^١)، خلافًا لمالك (^٢) وأبي حنيفة (^٣) فإنهما أنكرا خيار المجلس، وقالا: المراد التفرق بالأقوال، فإذا قال: بعتك، وردَّ:\n_________\n(^١) منهاج الطالبين، للنووي (ص ٩٩)، الإقناع، للحجاوي (٢/ ٨٣).\n(^٢) مواهب الجليل، للحطاب (٤/ ٤٠٩ - ٤١٠).\n(^٣) حاشية ابن عابدين، لابن عابدين (٤/ ٥٢٨).","vol":"4","page":294},{"text":"اشتريت، انتهى هذا الخيار.\nويؤيد رأيَ الجمهور الحديثُ الآخر: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَكَانَا جَمِيْعًا»، يعني: في المجلس، ويؤيده كذلك قوله: «وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيْلَهُ» (^١)، فدلَّ هذا على إثبات خيار المجلس، كما هو قول الجماهير، وأما القول بأن المراد التفرق بالأقوال؛ فهذا قول ضعيف، ذهب إليه الإمام مالك (^٢) مع أن الأحاديث صريحة في أن الخيار ثابت في البَيِّعين ما داما في المجلس ولو جلسا ساعة، أو ساعتين حتى يتفرقا.\nوقوله: «إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ»: اختلف في معناه على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: إسقاط الخيار بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس، ويكون المعنى يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا في المجلس ويختارا إمضاء البيع، وإسقاط الخيار فيلزم البيع بنفس التخاير ولا يدوم إلى المفارقة.\nالقول الثاني: معناه إلا بيعا شرط فيه خيار الشرط ثلاثة أيام، أو دونها فلا ينقضي الخيار فيه بالمفارقة بل يبقى حتى تنقضي المدة المشروطة.\nالقول الثالث: معناه إلا بيعا شرط فيه أن لا خيار لهما في المجلس فيلزم البيع بنفس البيع، ولا يكون فيه خيار\nوالأرجح: القول الأول، وهو: أن المراد: إلا بيعًا أسقطا فيه الخيار بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦٧٢١)، والترمذي (١٢٤٧).\n(^٢) مواهب الجليل، للحطاب (٤/ ٤٠٩ - ٤١٠).","vol":"4","page":295},{"text":"حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكِ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ».\n[خ: ٢١١٢]\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ نَافِعٌ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا تَبَايَعَ الْمُتَبَايِعَانِ بِالْبَيْعِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مِنْ بَيْعِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَكُونُ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ، فَإِذَا كَانَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ، فَقَدْ وَجَبَ».\nزَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ نَافِعٌ: كَانَ إِذَا بَايَعَ رَجُلًا فَأَرَادَ أَنْ لَا يُقِيلَهُ قَامَ، فَمَشَى هُنَيَّةً، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ.\nحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ بَيِّعَيْنِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيْعُ الْخِيَارِ».\nقوله: «فَمَشَى هُنَيَّةً»، يعني: شيئًا يسيرًا، وهذا محمول على أن ابن عمر ﵄ لم يبلغه النهي؛ ولهذا إذا اشترى سلعة وأعجبته وأراد أن يتم البيع مشى، ثم رجع إليه، وإلا ففي الحديث الآخر: «وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيْلَهُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦٧٢١)، والترمذي (١٢٤٧).","vol":"4","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-691>بَابُ الصِّدْقِ فِي الْبَيْعِ وَالْبَيَانِ</span>\n\n[١٥٣٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا».\n[خ: ٢٠٧٩]\nحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ، يُحَدِّثُ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ قَالَ مُسْلِم بْن الْحَجَّاج: وُلِدَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَعَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً.\nفي هذا الحديث: فضل الصدق والبيان، وأنه من أسباب البركة في البيع، فإنْ صدق البيِّعان وبيَّنا العيوب في السلعة بارك الله لهما في بيعهما، وإنْ كذبا وكتما العيوب مُحقت بركة بيعهما.","vol":"4","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-692>بَابُ مَنْ يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ</span>\n\n[١٥٣٣] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَيَحيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ»، فَكَانَ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ: لَا خِيَابَةَ.\n[خ: ٢١١٧]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: فَكَانَ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ: لَا خِيَابَةَ.\nقوله: «ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ»: هذا الرجل هو حبان بن منقذ ﵁.\nوقوله: «لَا خِلَابَةَ»، أي: لا خيانة، ومعناه: لا تخونوني، وكان حبان قد أصابته ضربة في رأسه في إحدى الغزوات، فحصلت له لثغة في لسانه، حتى أنه صار ينطق لا خلابة يقولها: لا خيابة، وكان لا يصبر عَنِ البيع، فجاء إلى النبي ﷺ وقال له: «مَنْ بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ»، أي: لا تخونوني ولا تخدعوني.\nوكان في زمن عثمان حين كان أكثر الناس يغبن، فيقول: إن النبي ﷺ جعلني بالخيار ثلاثًا (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التاريخ الصغير (ص ٨٧).","vol":"4","page":298},{"text":"واختلفوا في تقدير الغبن، فقال بعضهم: إذا غبن بثلث القيمة، أو أكثر، فإن له الخيار.\nومن العلماء من قال: إنه خاص بحبان بن منقذ، وليس هناك خيار للغبن كما بينه النووي رحمه الله تعالى (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٠/ ١٧٧).","vol":"4","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-693>بَابُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بِغَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ</span>\n\n[١٥٣٤] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ.\n[خ: ٢١٩٤]\nحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\n\n[١٥٣٥] وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ، وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ، وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ.\nفي هذا الحديث: تحريم بيع الثمار حتى يبدو صلاحها؛ لأنها قبل بدو الصلاح تتعرض للآفات، فيحصل خلاف بين البائع والمشتري، ويأكل أحدهما مال أخيه بدون حق، أما إذا بدا الصلاح فإنه- في الغالب- يأمن من العاهات، وبدو الصلاح يختلف باختلاف الثمار، فبدو الصلاح في النخل أن يحمر، أو يصفر البلح، وبدو الصلاح في العنب أن يسودَّ، وبدو الصلاح في السنبل أن يبيضَّ ويشتد الحب، فإذا بدا الصلاح جاز بيع الثمار، أما قبل ذلك فيحرم، ولا يصح البيع على الصحيح، إلا إذا اشترط قطعه في الحال، كأن يبيعه البلح بشرط أن يقطعه في الحال، ويكون علفًا للدواب، فهذا لا بأس به، أو لتوزيعه؛ لأنه حلو فلا بأس، أما أن يشتري الثمار قبل بدو الصلاح ويبقيها؛ فلا يجوز، ولا يصح البيع ولو رضي المشتري؛ والرضا لا يُحِلُّ شيئًا حرمه الله، فإذا رضي الزانيان على الزنا لا","vol":"4","page":300},{"text":"يحل، وإذا رضي المرابيان على الربا لا يحل.\nوفيه: قطع النزاع بين المتبايعين، وفي الحديث: «أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ !» (^١).\nوقوله: «نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ»، أي: أن البائع والمشتري كل منهما مَنْهِيٌّ عن ذلك.\n\n[١٥٣٤] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ يَحيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَتَذْهَبَ عَنْهُ الْآفَةُ، قَالَ: يَبْدُوَ صَلَاحُهُ: حُمْرَتُهُ، وَصُفْرَتُهُ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ يَحيَى، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: «حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ» لَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.\nحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ.\nحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَيَحيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ».\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ: فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: مَا صَلَاحُهُ؟ قَالَ: تَذْهَبُ عَاهَتُهُ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٩٨)، ومسلم (١٥٥٥).","vol":"4","page":301},{"text":"[١٥٣٦] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى- أَوْ: نَهَانَا- رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ.\n[خ: ٢١٨٩]\nحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ. ح، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُول: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ.\n\n[١٥٣٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ، فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَأْكُلَ مِنْهُ- أَوْ: يُؤْكَلَ- وَحَتَّى يُوزَنَ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا يُوزَنُ؟ فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: حَتَّى يُحْزَرَ.\n[خ: ٢٢٥٠]\n\n[١٥٣٨] حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَبْتَاعُوا الثِّمَارَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا».\n\n[١٥٣٤] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُمَا- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَحَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا.\nزَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: أَنْ تُبَاعَ.\n\n[١٥٣٨] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ- وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ- قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أن أبا هريرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا","vol":"4","page":302},{"text":"تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ».\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَحَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ سَوَاءً.\nقوله: «حَتَّى يُحْزَرَ»: يحزر- بتقديم الزاي على الراء- يعني: يخرص، من الحزر، وهو: التقدير، وفي لفظ آخر: «حَتَّى يُحْرَزَ» (^١) - بتقديم الراء على الزاي- أي: حتى يُحفظ ويصان.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢٤٦).","vol":"4","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-694>بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ إِلَّا فِي الْعَرَايَا</span>\n\n[١٥٣٩] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ: أَنْ يُبَاعَ ثَمَرُ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ، وَالْمُحَاقَلَةُ: أَنْ يُبَاعَ الزَّرْعُ بِالْقَمْحِ، وَاسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِالْقَمْحِ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ»، وقَالَ سَالِمٌ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّهُ رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ، أَوْ بِالتَّمْرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ.\nفي هذا الحديث: النهي عَنِ المزابنة، والمزابنة من الزبن، وهي الدفع، بمعنى: أن كل واحد من المتابيعين يدفع صاحبه لما حصل بينهما من المخاصمة والنزاع، والمزابنة فسرت في الحديث بثلاثة بيوع:\nالأول: بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر.\nالثاني: بيع العنب على رؤوس الشجر بالزبيب.\nالثالث: بيع الزرع في سنبله بالحنطة.\nهذه هي المزابنة، ويسمى الثالث محاقلة- أيضًا- من الحقل والزرع، وهي بيع الحقل والزرع، أي: بيع الحَب في سنبله، فالنبي ﷺ نهى عَنِ المزابنة؛ لأنها من الربا؛ فبيع الشيء بجنسه دون تماثل ربا، فلا يجوز بيع الرطب بالتمر؛ لأن الرطب ينقص إذا يبس، فلا تُعلَم المماثلة، والجهل بالمماثلة كالعلم بالمفاضلة، وكذلك العنب في رؤوس الشجر ينقص إذا يبس، فلا تُعلم المماثلة بينه وبين الزبيب اليابس، وكذلك الحب في سنبله","vol":"4","page":304},{"text":"إذا أُخذ فإنه ينقص بعد أن ييبس.\nوقوله: «وَاسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِالْقَمْحِ»، أي: نهى عن كراء الأرض بالحب، وهذا ربا؛ لأنه لا تُعلم المماثلة، لكن إذا أكرى الأرض بذهب، أو بفضة، أو بدراهم، أو بشيء متقوم فلا بأس.\nوقوله: «رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ، أَوْ بِالتَّمْرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ»: العرية: من عرا يعرو، وهي النخلة يعريها صاحبها رجلًا محتاجًا، فيجعل له ثمرها عامًا فيعروه، وهي مستثناة، فقد جاءت الرخصة فيها.\nواستثناء العرايا يكون بشروط خاصة، وهي: أن يكون هناك فقير ليس عنده نقود وعنده تمر قديم، ويحب أن يتفكَّهَ مع الناس، ويأكل رطبًا هو وأهله، فرخَّص النبي له أن يشتري رطبًا على رؤوس النخل، فيُقدَّر ويُحزر كم يساوي إذا يبس بتمر يابس، بكيل مسمى في حدود خمسة أوسق، أو أقل، والوسق: ستون صاعًا؛ فهذا مستثنى دفعًا لحاجة الفقير.\nوقد قال النبي ﷺ: «أَلَيْسَ يَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ قَالُوا: بَلَى. فَكَرِهَهُ» (^١)، فإذا قدَّرنا أن هذه النخلات فيها ثلاثمائة كيلو، ولكنها إذا يبست صارت لا تساوي إلا مائتين وخمسين كيلو، فيضيف له خمسين كي تصير ثلاثمائة كيلو، ويغتفر هذا دفعًا لحاجة الفقير.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٥١٥)، وأبو داود (٣٣٥٩)، والترمذي (٢٢٢٥).","vol":"4","page":305},{"text":"حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ.\n[خ: ٢١٨٨]\nقوله: «بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ»، يعني: بقدرها من التمر.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا.\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَال: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَالْعَرِيَّةُ: النَّخْلَةُ تُجْعَلُ لِلْقَوْمِ، فَيَبِيعُونَهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا.\nقَالَ يَحْيَى: الْعَرِيَّةُ: أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ ثَمَرَ النَّخَلَاتِ لِطَعَامِ أَهْلِهِ رُطَبًا بِخَرْصِهَا تَمْرًا.\nفي هذا الحديث: أن الصواب أن هذه الرخصة خاصة بالفقراء، خلافًا للنووي الذي يرى أنها عامة للأغنياء والفقراء (^١)، وكانت كذلك لأنها\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٠/ ١٨٩).","vol":"4","page":306},{"text":"رخصة، والغني لا حاجة له إليها، فالغني عنده الدراهم والنقود التي يستطيع أن يشتري بها ما يريد، والرخصة إنما تكون في شيء منهي عنه؛ دفعًا للحاجة.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا.\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: أَنْ تُؤْخَذَ بِخَرْصِهَا.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا.\n\n[١٥٤٠] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ- مِنْهُمْ: سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، وَقَالَ: «ذَلِكَ الرِّبَا، تِلْكَ الْمُزَابَنَةُ»، إِلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ النَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ، يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا.\n[خ: ٢١٩١]\nقوله: «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ»: الثمر، يعني: الرطب، والمراد به: الرطب الخالص، أما لو باع ثمرًا آخر فلا بأس، لو باع ثمر العنب بالرطب فلا بأس؛ لأن الجنس مختلف، والمراد بالثمر هنا: الرطب.\nوقوله: «النَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ»، يعني: في حدود خمسة أوسق، أو أقل منها، كما سيأتي.","vol":"4","page":307},{"text":"وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُمْ قَالُوا: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- مِنْ أَهْلِ دَارِهِ-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى، غَيْرَ أَنَّ إِسْحَاقَ، وَابْنَ الْمُثَنَّى جَعَلَا مَكَانَ «الرِّبَا»: «الزَّبْنَ»، وقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: «الرِّبَا».\nوَحَدَّثَنَاهُ عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ- مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ- أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، وَسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ حَدَّثَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، إِلَّا أَصْحَابَ الْعَرَايَا، فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ.\n[خ: ٢٣٨٤]\n\n[١٥٤١] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ- مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ- أَوْ: فِي خَمْسَةِ- يَشُكُّ دَاوُدُ قَالَ: خَمْسَةٌ، أَوْ دُونَ خَمْسَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.\n[خ: ٢١٩٠]\nفي هذا الحديث: أن داود بن الحصين الراوي شك، أهي خمسة، أو دون الخمسة؟ والأحوط أن تكون دون الخمسة، وما زاد على خمسة أوسق لا يجوز بالاتفاق، وما نقص عنها جائز بالاتفاق، والشك في هل هي خمسة","vol":"4","page":308},{"text":"أم دونها، والأحوط أن تكون دونها، خروجًا من شك الراوي، والوسق: ستون صاعًا، فخمسة أوسق تعادل ثلاثمائة صاع- بصاع النبي ﷺ-، والصاع: أربعة أمداد، والمد: ملء كفين متوسطين، وهو يقل عن ثلاثة كيلو جرامات بشيء يسير، فيكون المرخص فيه نحو تسعمائة كيلو جرام.\n\n[١٥٤٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ: بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا.\n[خ: ٢١٧١]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ: بَيْعِ ثَمَرِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا، وَبَيْعِ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ كَيْلًا.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ المُزَابَنَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ: بَيْعُ ثَمَرِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْعِنَبِ كَيْلًا، وَعَنْ كُلِّ ثَمَرٍ بِخَرْصِهِ.\nحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ- عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ: أَنْ يُبَاعَ مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِتَمْرٍ بِكَيْلٍ مُسَمَّى، إِنْ زَادَ فَلِي، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا","vol":"4","page":309},{"text":"اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ المُزَابَنَةِ: أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ، إِنْ كَانَتْ نَخْلًا بِتَمْرٍ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَفِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ: أَوْ كَانَ زَرْعًا.\n[خ: ٢٢٠٥]\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ. ح، وَحَدَّثَنِي ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنِي الضَّحَّاكُ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.\nقوله: «الْكَرْم»: هو العنب في رؤوس الشجر.\nوقوله: «وَبَيْعِ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ»: هو بيع الزرع في سنبله بالحنطة.\nوفي هذا الحديث: أن المنهي عنه هنا: ثلاثة أشياء، هي: بيع التمر بالرطب كيلًا، وبيع العنب بالزبيب كيلًا، وبيع الزرع بالحنطة كيلًا.","vol":"4","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-695>بَابُ مَنْ بَاعَ نَخْلًا عَلَيْهَا ثَمَرٌ</span>\n\n[١٥٤٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ».\n[خ: ٢٢٠٤]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْر، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا نَخْلٍ اشْتُرِيَ أُصُولُهَا وَقَدْ أُبِّرَتْ فَإِنَّ ثَمَرَهَا لِلَّذِي أَبَّرَهَا، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الَّذِي اشْتَرَاهَا».\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عن نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا امْرِئٍ أَبَّرَ نَخْلًا، ثُمَّ بَاعَ أَصْلَهَا، فَلِلَّذِي أَبَّرَ ثَمَرُ النَّخْلِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nقوله: «وَقَدْ أُبِّرَتْ»: التأبير هو: التلقيح، وهو أن يشقَّ طلع النخلة الأنثى، ويضع فيها شيئًا من طلع النخلة الذكر، ويسمى الفحل.\nوفي هذا الحديث: أنه إذا باع الأصول وهي النخل وفيها الثمر، فإنْ كانت قد لُقِّحت فالثمر للبائع، وإن لم تلقح فإنه للمشتري، إلا إذا اشترط المشتري وقال: أَشْتَرِطُ أن يكون الثمر لي، فوافق البائع فلا بأس، وإن لم يكن هناك شرط فتكون الثمرة للبائع.","vol":"4","page":311},{"text":"وفيه: أن الثمر وإن كان فيه جهالة لكنها تُغتفر فيما بِيعَ تبعًا، والأصل أن البيع للنخل، والثمرة تكون تابعةً، فاغتُفر، أما لو باع الثمر وحده فلا يجوز إلا بعد بدو الصلاح، ومثل ذلك ما يغتفر من معرفة أساس الدار، فإذا باع دارًا لا يُعرف أساسها، فهذا يغتفر، والقاعدة: أنه يغتفر فيما يباع تبعًا ما لا يُغتفر فيما لو بِيعَ أصلًا.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ، وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بِمِثْلِهِ.\nفي هذا الحديث: أنه إذا باع السيد عبدًا وقد ملَّكه مالًا كسيارة- مثلًا-، فإذا باعه ترجع السيارة للسيد البائع، إلا إذا اشترط المشتري، فقال: أنا أشتري العبد ومعه سيارته، فوافق البائع فلا بأس، وإلا فإن المال يكون تبعًا للسيد البائع؛ لأن العبد لا يملك، وهو وما يملك لسيده، فإذا باع السيد العبد رجع ما بيده من المال لسيده، حتى ثيابه وسلاحه، إذا كان له سلاح، وكان يجاهد.","vol":"4","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-696>بَابُ النَّهْيِ عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَعَنِ المُخَابَرَةِ، وَبَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَعَنْ بَيْعِ الْمُعَاوَمَةِ، وَهُوَ بَيْعُ السِّنِينَ</span>\n\n[١٥٣٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا يُبَاعُ إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، إِلَّا الْعَرَايَا.\n[خ: ٢٣٨١١]\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا سَمِعَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ الْجَزَرِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُخَابَرَةِ، وَالْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُطْعِمَ، وَلَا تُبَاعُ إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، إِلَّا الْعَرَايَا.\nقَالَ عَطَاءٌ: فَسَّرَ لَنَا جَابِرٌ قَالَ: أَمَّا الْمُخَابَرَةُ: فَالْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ يَدْفَعُهَا الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُل، فَيُنْفِقُ فِيهَا، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنَ الثَّمَرِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْمُزَابَنَةَ: بَيْعُ الرُّطَبِ فِي النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَالْمُحَاقَلَةُ فِي الزَّرْعِ: عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ، يَبِيعُ الزَّرْعَ الْقَائِمَ بِالْحَبِّ كَيْلًا.\nقوله: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ المُحَاقَلَةِ»: والمحاقلة: بيع الحقل، وهو الزرع، أي: الحب في سنبله بالحب اليابس، وسيأتي الكلام عنها في كتاب المساقاة والمزارعة.\nوقوله: «وَالْمُخَابَرَةِ»: المخابرة هي: المزارعة، وسيأتي الكلام عنها في كتاب المساقاة والمزارعة.","vol":"4","page":313},{"text":"وقوله: «وَلَا تُبَاعُ إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، إِلَّا الْعَرَايَا»، أي: لا تباع إلا بالدراهم والدنانير، وهذا في التمر، لا يباع إلا بالدراهم والدنانير، أو بجنس آخر، فلا بأس ببيع التمر بالبر، أو بالشعير، لكن لا يباع بمثله؛ لما فيه من الربا.\nقوله: «ثُمَّ يَأْخُذُ مِنَ الثَّمَرِ»: هذا مجمل، وقد فُسر بأحاديث أخرى، فلو كانت الأجرة من جنسه حبًّا فلا يجوز، وإن كانت الأجرة بجزء مشاع فلا بأس، وأحاديث جابر يفسر بعضها بعضًا.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، كِلَاهُمَا عَنْ زَكَرِيَّاءَ قَالَ ابْنُ خَلَفٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ ابْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الْمَكِّيُّ- وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ- عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَأَنْ تُشْتَرَى النَّخْلُ حَتَّى تُشْقِهَ، وَالْإِشْقَاهُ: أَنْ يَحْمَرَّ، أَوْ يَصْفَرَّ، أَوْ يُؤْكَلَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَالْمُحَاقَلَةُ: أَنْ يُبَاعَ الْحَقْلُ بِكَيْلٍ مِنَ الطَّعَامِ مَعْلُومٍ، وَالْمُزَابَنَةُ: أَنْ يُبَاعَ النَّخْلُ بِأَوْسَاقٍ مِنَ التَّمْرِ، وَالْمُخَابَرَةُ: الثُّلُثُ وَالرُّبُعُ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ.\nقَالَ زَيْدٌ: قُلْتُ لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَذْكُرُ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ المُزَابَنَةِ، وَالْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُشْقِحَ، قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدٍ: مَا تُشْقِحُ؟ قَالَ: تَحْمَارُّ، وَتَصْفَارُّ، وَيُؤْكَلُ مِنْهَا.\nقوله: «وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُشْقِحَ»: تُشْقَهُ وتُشْقَحُ بالهاء والحاء، المعنى","vol":"4","page":314},{"text":"واحد، وهو: حتى يبدو صلاحها، أي: حتى تحمرَّ، أو تصفرَّ، وتُشقح جاءت بفتح القاف وكسرها.\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ- وَاللَّفْظُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ- قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُعَاوَمَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ- قَالَ أَحَدُهُمَا: بَيْعُ السِّنِينَ هِيَ: الْمُعَاوَمَةُ- وَعَنِ الثُّنْيَا، وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ: بَيْعُ السِّنِينَ: هِيَ الْمُعَاوَمَةُ.\nقوله: «الْمُعَاوَمَة»: المعاومة: هي بيع الثمر سنين، أو أعوامًا، كبيع ثمر هذا النخل عشر سنوات، أو خمس سنوات، فهذا لا يجوز؛ لما فيه من بيع المجهول والمعدوم، تبيع عشر سنين من ثمر النخل، ويمكن أن يُخرج النخل الآن، وفي السنة القادمة لا يخرج شيئًا، أو يخرج ثمرًا قليلًا، فمن يدري؟ ! وهذا من بيع المجهول، أو المعدوم، أما تأجير السنين فلا بأس به، وهو ما يسمى عند أهل نجد صبرة، فيؤجر البستان، أو الأرض سنين طويلة، بعضهم يؤجرها مائتي سنة، وبعضهم ألف سنة، وإلى الآن ما زالت بعض الأراضي مؤجرة منذ سنين طويلة، وقد تطول حتى يصير المستأجر كالمالك، وورثة المؤجِّر لا يستطيعون أن يخرجوهم من البساتين أو الأراضي؛ لأن معهم عقودَ إيجارٍ بها.\nوقوله: «وَعَنِ الثُّنْيَا»: الثنيا هي الاستثناء؛ كبعتك هذه الغنم إلا بعضها، فلا بد أن يُعلَمَ المستثنى من البيع، كبعتك هذه الغنم إلا خمسًا، أو بعتك هذه","vol":"4","page":315},{"text":"الأرض إلا ربعها، ولهذا فقد قال في اللفظ الآخر: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَالثُّنْيَا إِلَّا أَنْ تُعْلَمَ» (^١).\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا رَبَاحُ بْنُ أَبِي مَعْرُوفٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ، وَعَنْ بَيْعِهَا السِّنِينَ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ.\nقوله: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ»: هذا مجمل، كما سيأتي في الباب التالي.\nوقوله: «وَعَنْ بَيْعِهَا السِّنِينَ»، يعني: نهى عن بيع الثمر بالسنين؛ لما فيه من الجهالة.\nوقوله: «وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ»، أي: عن بيع الثمر حتى يبدو به الصلاح.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١٢٩٠)، والنسائي (٣٨٨٠).","vol":"4","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-697>بَابُ كِرَاءِ الْأَرْضِ</span>\nوَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ- عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ- لَقَبُهُ عَارِمٌ، وَهُوَ أَبُو النُّعْمَانِ السَّدُوسِيُّ- حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا مَطَرٌ الْوَرَّاقُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ، فَلْيَزْرَعْهَا، فَإِنْ لَمْ يَزْرَعْهَا، فَلْيُزْرِعْهَا أَخَاهُ».\nفي هذه الأحاديث: النهي عن كراء الأرض، وفيها الأمر بأن يزرعها، أو يمنحها أخاه، وسيأتي الكلام عن ذلك.\nحَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِقْلٌ- يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ- عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ، بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ لِرِجَالٍ فُضُولُ أَرَضِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ فَضْلُ أَرْضٍ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ».\n[خ: ٢٦٣٢]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، أَخْبَرَنَا الشَّيْبَانِيُّ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُؤْخَذَ لِلْأَرْضِ أَجْرٌ، أَوْ حَظٌّ.\nحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ، فَلْيَزْرَعْهَا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَزْرَعَهَا وَعَجَزَ عَنْهَا، فَلْيَمْنَحْهَا أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، وَلَا يُؤَاجِرْهَا إِيَّاهُ».\nوَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: سَأَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى","vol":"4","page":317},{"text":"عَطَاءً، فَقَالَ: أَحَدَّثَكَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ، فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ، وَلَا يُكْرِهَا؟»، قَالَ: نَعَمْ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ المُخَابَرَةِ.\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ أَرْضٍ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ، وَلَا تَبِيعُوهَا». فَقُلْتُ لِسَعِيدٍ: مَا قَوْلُهُ: وَلَا تَبِيعُوهَا، يَعْنِي: الْكِرَاء؟ قَالَ: نَعَمْ.\nحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كُنَّا نُخَابِرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنُصِيبُ مِنَ الْقِصْرِيِّ، وَمِنْ كَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ فَلْيُحْرِثْهَا أَخَاهُ، وَإِلَّا فَلْيَدَعْهَا».\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، جَمِيْعًا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ ابْنُ عِيسَى: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ الْمَكِّيّ حَدَّثَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كُنَّا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَأْخُذُ الْأَرْضَ بِالثُّلُثِ، أَوِ الرُّبُعِ بِالْمَاذِيَانَاتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، فَإِنْ لَمْ يَزْرَعْهَا فَلْيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَمْنَحْهَا أَخَاهُ فَلْيُمْسِكْهَا».\nقوله: «بِالْمَاذِيَانَاتِ»: هي مسايل المياه، وقيل: ما ينبت على حافتي مسيل الماء، وقيل: ما ينبت حول السواقي، وهي لفظة معربة ليست عربية (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٠/ ١٩٨).","vol":"4","page":318},{"text":"وفي هذا الحديث: ذكر المزارعة المنهي عنها، وهي ما تكون بجزء معين غير مشاع، وسيأتي الكلام عنها في كتاب المساقاة والمزارعة.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَهَبْهَا، أَوْ لِيُعِرْهَا».\nوَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ فَلْيُزْرِعْهَا رَجُلًا».\nقوله: «أَوْ لِيُعِرْهَا»: من العارية، وكان هذا في أول الهجرة- كما ذكرنا مرارًا- حتى يواسي الأنصار إخوانهم المهاجرين، ثم بعد ذلك أباح النبي ﷺ لهم أن يؤجروها وأن يكروها (^١)، واستقرت الشريعة على هذا.\nوَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو- وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَهُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ.\nقَالَ بُكَيْرٌ: وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: كُنَّا نُكْرِي أَرْضَنَا، ثُمَّ تَرَكْنَا ذَلِكَ حِينَ سَمِعْنَا حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ.\nوَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ سَنَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا.\nقوله: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ سَنَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا»، يعني:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٤٧).","vol":"4","page":319},{"text":"تأجيرها سنتين، أو ثلاثَ سنين، يقول: أزارعك على ما يخرج من هذه الأرض البيضاء، وهذا فيه غرر وجهالة؛ فإنه لا يدري ما تنتج هذه الأرض البيضاء، وهو مثل ما سبق من بيع السنين، وبيع المعاومة، والجامع بين كلٍّ: الجهالة والغرر.\nوَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ عَنْ سُلَيْمَانَ ابْنِ عَتِيقٍ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ.\nوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ سِنِينَ.\n\n[١٥٤٤] حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ».\n\n[١٥٣٦] وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ نُعَيْمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ: الْمُزَابَنَةِ، وَالْحُقُولِ، فَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الْمُزَابَنَةُ: الثَّمَرُ بِالتَّمْرِ، وَالْحُقُولُ: كِرَاءُ الْأَرْضِ.\n\n[١٥٤٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ.\n\n[١٥٤٦] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ- مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ- أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ المُزَابَنَةِ، وَالْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ: اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ، وَالْمُحَاقَلَةُ: كِرَاءُ الْأَرْضِ.\n[خ: ٢١٨٦]","vol":"4","page":320},{"text":"[١٥٤٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حدثنا قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: كُنَّا لَا نَرَى بِالْخِبْرِ بَأْسًا حَتَّى كَانَ عَامُ أَوَّلَ، فَزَعَمَ رَافِعٌ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهُ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنْ أَيُّوبَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: فَتَرَكْنَاهُ مِنْ أَجْلِهِ.\nقوله: «كُنَّا لَا نَرَى بِالْخِبْرِ بَأْسًا»: الخِبر- بكسر الخاء- وقال النووي: «ضبطناه بكسر الخاء وفتحها، والكسر أصح وأشهر» (^١)، وهو من المخابرة، وهي: المعاملة على ما يجري من الأرض.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٠/ ٢٠١).","vol":"4","page":321},{"text":"وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَقَدْ مَنَعَنَا رَافِعٌ نَفْعَ أَرْضِنَا.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَفِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، حَتَّى بَلَغَهُ- فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ- أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يُحَدِّثُ فِيهَا بِنَهْيٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ- وَأَنَا مَعَهُ- فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ، فَتَرَكَهَا ابْنُ عُمَرَ بَعْدُ، وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْهَا بَعْدُ قَالَ: زَعَمَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا.\n[خ: ٢٣٤٤]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. ح، وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ قَالَ: فَتَرَكَهَا ابْنُ عُمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَانَ لَا يُكْرِيهَا.\nقوله: «فَتَرَكَهَا ابْنُ عُمَرَ»، أي: تركها احتياطًا وتورعًا؛ خشيةَ أن يكون النبي ﷺ قد أنشأ فيها نهيًا لم يبلغه، كما سيتم تفصيله في كتاب المساقاة والمزارعة.","vol":"4","page":322},{"text":"وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: ذَهَبْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ إِلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، حَتَّى أَتَاهُ بِالْبَلَاطِ، فَأَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ.\nوَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي خَلَفٍ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ قَالَا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ زَيْدٍ عَنِ الحَكَمِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ أَتَى رَافِعًا، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ- يَعْنِي: ابْنَ حَسَنِ بْنِ يَسَارٍ- حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْجُرُ الْأَرْضَ، قَالَ: فَنُبِّئَ حَدِيثًا عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: فَانْطَلَقَ بِي مَعَهُ إِلَيْهِ، قَالَ: فَذَكَرَ عَنْ بَعْضِ عُمُومَتِهِ ذَكَرَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ، قَالَ: فَتَرَكَهُ ابْنُ عُمَرَ، فَلَمْ يَأْجُرْهُ.\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: فَحَدَّثَهُ عَنْ بَعْضِ عُمُومَتِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي أَرَضِيهِ حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ يَنْهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ خَدِيجٍ، مَاذَا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ؟ قَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ- لِعَبْدِ اللَّهِ-: سَمِعْتُ عَمَّيَّ- وَكَانَا قَدْ شَهِدَا بَدْرًا- يُحَدِّثَانِ أَهْلَ الدَّارِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْأَرْضَ تُكْرَى، ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ، فَتَرَكَ كِرَاءَ الْأَرْضِ.\nقال النووي ﵀: «قوله «عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْجُرُ الْأَرْضَ، قَالَ: فَنُبِّئَ","vol":"4","page":323},{"text":"حَدِيثًا عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ»: فذكروا في آخره: فتركه ابن عمر، ولم يأخذه، هكذا هو في كثير من النسخ: (يأخذ) بالخاء والذال من الأخذ، وفي كثير منها: (يأجر) بالجيم المضمومة والراء، في الموضعين قال القاضي وصاحب المطالع: هذا هو المعروف لجمهور رواة صحيح مسلم، قال صاحب المطالع: والأول تصحيف، وفي بعض النسخ: (يؤاجر) وهذا صحيح» (^١).\nوقوله: «كَانَ يُكْرِي أَرَضِيهِ» - بفتح الراء-: جمع أرض، وهي: أَرَضُونَ، فلما وقعت في الرواية منصوبة صارت: أَرَضِينَ، فلما أُضيفتْ للضمير الهاء حذفت نونها من أجل الإضافة، فصارت: أَرَضِيهِ.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٠/ ٢٠٣).","vol":"4","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-698>بَابُ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالطَّعَامِ</span>\n\n[١٥٤٨] وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنْ أَيُّوبَ عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: كُنَّا نُحَاقِلُ الْأَرْضَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنُكْرِيهَا بِالثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ، وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى، فَجَاءَنَا ذَاتَ يَوْمٍ رَجُلٌ مَنْ عُمُومَتِي، فَقَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا، وَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْفَعُ لَنَا، نَهَانَا أَنْ نُحَاقِلَ بِالْأَرْضِ، فَنُكْرِيَهَا عَلَى الثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ، وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى، وَأَمَرَ رَبَّ الْأَرْضِ أَنْ يَزْرَعَهَا، أَوْ يُزْرِعَهَا، وَكَرِهَ كِرَاءَهَا، وَمَا سِوَى ذَلِكَ.\nوَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، يُحَدِّثُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: كُنَّا نُحَاقِلُ بِالْأَرْضِ، فَنُكْرِيهَا عَلَى الثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. ح، وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَمْ يَقُلْ: عَنْ بَعْضِ عُمُومَتِهِ.\nحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ- مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ- عَنْ رَافِعٍ أَنَّ ظُهَيْرَ بْنَ رَافِعٍ- وَهُوَ عَمُّهُ- قَالَ: أَتَانِي ظُهَيْرٌ، فَقَالَ: لَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَمْرٍ كَانَ بِنَا رَافِقًا، فَقُلْتُ: وَمَا ذَاكَ؟ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ","vol":"4","page":325},{"text":"ﷺ فَهُوَ حَقٌّ، قَالَ: «سَأَلَنِي كَيْفَ تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ؟»، فَقُلْتُ: نُؤَاجِرُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى الرَّبِيعِ، أَوِ الْأَوْسُقِ مِنَ التَّمْرِ، أَوِ الشَّعِيرِ، قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا، ازْرَعُوهَا، أَوْ أَزْرِعُوهَا، أَوْ أَمْسِكُوهَا».\n[خ: ٢٣٣٩]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ عَنْ رَافِعٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا، وَلَمْ يَذْكُرْ: عَنْ عَمِّهِ ظُهَيْرٍ.\nقوله: «ازْرَعُوهَا» يعني: بأنفسكم «أَوْ أَزْرِعُوهَا، أَوْ أَمْسِكُوهَا» يعني: أعطوها لغيركم يزرعها، وينتفع بها بغير أجرة، أو أمسكوها.\nوفي الحديث: دليل على أن تأجير الأرض بجزء معلوم مشاع من الثمرة كالربع، أو النصف، أو الثلث، أو تأجيرها بالدراهم والفضة، كله جائز لا بأس به.\nوفيه: دليل على أن الممنوع في المزارعة هو أن يؤاجرها على ما ينبت في بعض الأمكنة كأن يؤاجرها بجزء مشاع غير معين، أو بجزء معين يَشترط معه دراهمَ أو آصعًا معينة؛ لما فيه من الغرر والجهالة.\nوقد كان أول الأمر من أجل مواساة الأنصار لإخوانهم المهاجرين أمر ﷺ بزرع الأرض، أو منحها، ثم رخص بعد ذلك في المزارعة بأجرة معلومة، أو بجزء معلوم من الثمرة.","vol":"4","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-699>بَابُ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ</span>\n\n[١٥٤٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ: أَنَّهُ سَأَلَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ، فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ، قَالَ: فَقُلْتُ: أَبِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ؟ فَقَالَ: أَمَّا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي حَنْظَلَةُ بْنُ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ ابْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَهْلِكُ هَذَا، فَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلَّا هَذَا؛ فَلِذَلِكَ زُجِرَ عَنْهُ، فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ.\nحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ: كُنَّا أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ حَقْلًا، قَالَ: كُنَّا نُكْرِي الْأَرْضَ عَلَى أَنَّ لَنَا هَذِهِ، وَلَهُمْ هَذِهِ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ، وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِهِ، فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْوَرِقُ، فَلَمْ يَنْهَنَا.\nحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nهذا من الكلام المحكم؛ لأن أحاديث رافع مضطربة، وهذا من الأحاديث المتقنة الموضِّحة المفصِّلة؛ وذلك لأنه بَيَّن أنَّ الناس كانوا يؤاجرون في الجاهلية على الماذيانات، وأقبال الجداول، أي: ما ينبت حول السواقي، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا","vol":"4","page":327},{"text":"ويهلك هذا، ولا يكون للناس كراء إلا هذا؛ فلذلك زجر عَنِ المخابرة التي كان يفعلها أهل الجاهلية، أما شيء معلوم مضمون، كالذهب والفضة، أو بجزء مشاع منها فلا بأس به.","vol":"4","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-700>بَابٌ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُؤَاجَرَةِ</span>\n\n[١٥٤٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ عَنِ المُزَارَعَةِ، فَقَالَ: أَخْبَرَنِي ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُزَارَعَةِ.\nوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نَهَى عَنْهَا، وَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ مَعْقِلٍ، وَلَمْ يُسَمِّ عَبْدَ اللَّهِ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ، فَسَأَلْنَاهُ عَنِ المُزَارَعَةِ، فَقَالَ: زَعَمَ ثَابِتٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُزَارَعَةِ، وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ، وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا.","vol":"4","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-701>بَابُ الْأَرْضِ تُمْنَحُ</span>\n\n[١٥٥٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرٍو أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ لِطَاوُسٍ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى ابْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، فَاسْمَعْ مِنْهُ الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: فَانْتَهَرَهُ، قَالَ: إِنِّي- وَاللَّهِ- لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهُ مَا فَعَلْتُهُ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِي مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُمْ- يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَأَنْ يَمْنَحَ الرَّجُلُ أَخَاهُ أَرْضَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرْجًا مَعْلُومًا».\n[خ: ٢٣٣٠]\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، وَابْنُ طَاوُسٍ عَنْ طَاوُسٍ: أَنَّهُ كَانَ يُخَابِرُ قَالَ عَمْرٌو: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَوْ تَرَكْتَ هَذِهِ الْمُخَابَرَةَ؛ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ المُخَابَرَةِ، فَقَالَ: أَيْ عَمْرُو، أَخْبَرَنِي أَعْلَمُهُمْ بِذَلِكَ- يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا، إِنَّمَا قَالَ: «يَمْنَحُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ، مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرْجًا مَعْلُومًا».\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ شَرِيكٍ عَنْ شُعْبَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَ عبدَ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَرْضَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا كَذَا وَكَذَا» - لِشَيْءٍ مَعْلُومٍ- قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْحَقْلُ، وَهُوَ بِلِسَانِ الْأَنْصَارِ: الْمُحَاقَلَةُ.","vol":"4","page":330},{"text":"وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَإِنَّهُ أَنْ يَمْنَحَهَا أَخَاهُ خَيْرٌ».\nقوله: «خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرْجًا مَعْلُومًا»: الخَرْج المعلوم، يعني: الأجرة المعينة، وهذا كان أولًا من باب الإرفاق، وهو مستمر كذلك، فإذا منح المسلم أخاه فهو أفضل من كونه يؤجِّرها له، من باب الاستحباب والندب.","vol":"4","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-702>كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ</span>","vol":"4","page":333},{"text":"كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ\n\n[١٥٥١] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ، أَوْ زَرْعٍ.\n[خ: ٢٣٢٨]\nوَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ- وَهُوَ ابْنُ مُسْهِرٍ- أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرٍ، أَوْ زَرْعٍ، فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ كُلَّ سَنَةٍ مِائَةَ وَسْقٍ: ثَمَانِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ، وَعِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ شَعِيرٍ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ قَسَمَ خَيْبَرَ خَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ الْأَرْضَ وَالْمَاءَ، أَوْ يَضْمَنَ لَهُنَّ الْأَوْسَاقَ كُلَّ عَامٍ، فَاخْتَلَفْنَ، فَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ: الْأَرْضَ وَالْمَاءَ، وَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ: الْأَوْسَاقَ كُلَّ عَامٍ، فَكَانَتْ عَائِشَةُ، وَحَفْصَةُ، مِمَّنْ اخْتَارَتَا الْأَرْضَ وَالْمَاءَ.\n[خ: ٢٣٣٨]\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا خَرَجَ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ، أَوْ ثَمَرٍ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ: فَكَانَتْ عَائِشَةُ، وَحَفْصَةُ: مِمَّنْ اخْتَارَتَا الْأَرْضَ وَالْمَاءَ، وَقَالَ: خَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ الْأَرْضَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَاءَ.\nقوله: «عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ، أَوْ زَرْعٍ»: الشطر هو: النصف.","vol":"4","page":335},{"text":"وفي هذه الأحاديث: مشروعية المساقاة والمزارعة؛ خلافًا لمن أنكرهما من أهل العلم، كأبي حنيفة وغيره (^١)، والمساقاة تكون على النخل، والمزارعة تكون على ما يخرج من الأرض.\nوقال بعض العلماء: «إن الأصل المساقاة، والمزارعة تبع، فلا تجوز المزارعة مستقلة، والصواب: أن المزارعة تجوز مستقلة، كما سبق في حديث جابر، وحديث رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ أنه سئل عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ، فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ، قَالَ: فَقُلْتُ: أَبِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ؟ فَقَالَ: أَمَّا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَلَا بَأْسَ بِهِ» (^٢).\nفالمساقاة على النخل جائزة، والمزارعة على الأرض جائزة، مجتمعَينِ ومنفردَينِ، إذا كان عنده نخل وأرض ساقاه على النخل، وزارعه على الأرض، وإذا كان عنده نخل فقط ساقاه على النخل، وإذا ما كان عنده إلا أرض زارعه على الأرض، لكن بشرط بيان الجزء المساقَى عليه، وهو جزء معلوم، يساقيه على النخل بأن يدفع النخل إليه، يسقيه ويلاحظه بجزء معلوم من الثمرة، لا بد أن يكون الجزء المساقَى عليه معلومًا، أو بالأجرة فيكون عاملًا له.\nولا يشترط أن يكون البذر على رب الأرض على الصحيح، بل يجوز أن يكون من العامل، كما سيأتي في حديث ابن عمر ﵄، وذكر ابن القيم (^٣) ﵀ أن اليهود في خيبر كانوا هم الذين يدفعون البذر من عند أنفسهم؛ لأنه بمثابة السقي والماء الذي يذهب في الأرض، بخلاف ما يصير للباقي، مثل: حفر البئر التي يستخرج منها الماء، ومثل: الجدار الذي يكون على الحائط فهو يكون على ربِّ الأرض، فيؤمِّن حفر الآبار والآلات التي\n_________\n(^١) بدائع الصنائع، للكاساني (٦/ ١٧٥، ١٨٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٥٤٧).\n(^٣) زاد المعاد، لابن القيم (٣/ ٣٠٦).","vol":"4","page":336},{"text":"يُستخرج بها الماء، والجدار الذي يحفظ الحائط، أما البذر فهو شيء يذهب مع الماء ويكون تابعًا للعامل، فلا بأس بأن يكون من العامل، أو يكون من رب الأرض.\nواختلف العلماء في المساقاة هل هي عقد جائز، أو عقد لازم، والجمهور على أنها عقد لازم (^١)، وذهب الظاهرية وجماعة (^٢) إلى أنه عقد جائز، واستدلوا بقول النبي ﷺ: «أُقِرُّكُمْ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا»، ثم أجلاهم؛ لأنه كان عازمًا على إخراجهم، ولم يخرجهم ﵊ لانشغاله بالجهاد والدعوة، ثم في خلافة أبي بكر لم يُجلهم؛ لأنه حكم مدة قصيرة، وانشغل بحرب المرتدين، ثم لما كانت خلافة عمر أجلاهم إلى تيماء وأريحاء، وتيماء تابعة لأطراف المملكة، قال النووي ﵀: «مراد النبي ﷺ بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب: إخراجهم من بعضها، وهو الحجاز خاصة؛ لأن تيماء من جزيرة العرب، لكنها ليست من الحجاز. والله أعلم» (^٣)، قلت: هذا ليس بجيد، فالأقرب أن تيماء تابعة للشام، أو أنها من أطراف الجزيرة، ولكنه أجلاهم إليها لسبب.\nوفيها: دليل على أن خيبر فُتحت عنوة؛ لأن النبي ﷺ جعلهم يعملون فيها، وكان ﷺ يعطي أزواجه من الأوساق مائة وسق، ثمانين وسقًا من التمر، وعشرين وسقًا من الشعير، والوسق: ستون صاعًا، وهي تعادل ستة آلاف صاع، أربعة آلاف وثمانين من التمر، ومائة وعشرين من الشعير، وهو شيء كثير، ولكن تأتي عليهن النفقات، فلعلهن يتصدقن ويبعن منه، ثم لما ولي عمر ﵁ خيبر خيَّر أزواج النبي ﷺ بين أن يعطيهن الأرض والماء\n_________\n(^١) المبسوط، للسرخسي (٢٣/ ١٠١)، الشرح الكبير، للدردير (٣/ ٥٤٥)، مغني المحتاج، للشربيني (٣/ ٤٢١) المبدع شرح المقنع، لابن مفلح (٤/ ٣١١).\n(^٢) المحلى، لابن حزم (٨/ ٢٢٥).\n(^٣) شرح مسلم، للنووي (١٠/ ٢١٣).","vol":"4","page":337},{"text":"ويقسم لهن، أو يضمن لهن الأوساق التي كان يعطيهن النبي ﷺ، فمنهن من اختارت الأوساق، ومنهن من اختارت الأرض والماء، كعائشة ﵂ وحفصة ﵂، تأخذ نصيبها وتتصرف فيه تزرعه، أو تزارع عليه.\nوفيه: دليل على أنه لا بد من تحديد الجزء المساقَى عليه، أو المزارَع عليه، إذا كان الجزء مشاعًا على الربع، أو السدس، يكون للعامل مثلًا الربع، أو النصف، أو الثلث على حسب الاتفاق، أو يكون بالدراهم للعامل، ويكون الثمر لرب الأرض، كل هذا جائز، أو يُزارِعهم بآصُعٍ معلومة، أما الممنوع فهو أن تكون بجزء معين غير مشاع، كما سبق في المخابرة المنهي عنها، كأن يقول: لك الجهة الشمالية، ولي الجهة الجنوبية، أو لي ما ينبت على السواقي وعلى الجداول وعلى البرك، أو يكون بجزء مشاع ثلث أو ربع مثلًا، ويشترط معها دراهم وآصع، هذا منهي عنه، وهذه هي المخابرة المنهي عنها.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا افْتُتِحَتْ خَيْبَرُ، سَأَلَتْ يَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَنْ يُقِرَّهُمْ فِيهَا عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا عَلَى نِصْفِ مَا خَرَجَ مِنْهَا مِنَ الثَّمَرِ، وَالزَّرْعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُقِرُّكُمْ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا».\nثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَابْنِ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَزَادَ فِيهِ: وَكَانَ الثَّمَرُ يُقْسَمُ عَلَى السُّهْمَانِ مِنْ نِصْفِ خَيْبَرَ، فَيَأْخُذُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخُمْسَ.\nقوله: «أُقِرُّكُمْ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا»، يعني: أترككم تمكثون فيها ما شئنا، ولم يحدد مدة، والجمهور على أنها مدة العهد؛ لأنه كان عازمًا على إخراجهم من جزيرة العرب، ومن قال: إنها فتحت صلحًا قالوا: إن اليهود كانوا عبيدًا للنبي ﷺ، لكن هذا قول ضعيف.","vol":"4","page":338},{"text":"ومن أنكر المزارعة والمساقاة قال: لا تصح المساقاة والمزارعة، وأما فعل النبي ﷺ مع اليهود فإن خيبر قد فُتحت عنوة، وكان اليهود عبيدًا للنبي ﷺ، لكن هذا قول ضعيف.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّهُ دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا، عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَطْرُ ثَمَرِهَا.\nقوله: «عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ»: فيه: دليل على أنه لا بأس أن يكون البذر من العامل، ومن العلماء من اشترط أن يكون البذر من ربِّ الأرض (^١).\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ أَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا، وَكَانَتِ الْأَرْضُ حِينَ ظُهِرَ عَلَيْهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ، فَأَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا، فَسَأَلَتِ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا، وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا»، فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ إِلَى تَيْمَاءَ، وَأَرِيحَاءَ.\nقوله: «عَلَى أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا»، أي: على أن يقوموا هم بالعمل.\nوقوله: «إِلَى تَيْمَاءَ»: تيماء المعروف أنها في أطراف المملكة في الشمال.\n_________\n(^١) الإقناع، للحجاوي (٢/ ٢٨١ (.","vol":"4","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-703>بَابُ فَضْلِ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ</span>\n\n[١٥٥٢] حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، إِلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَتِ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ».\nفي هذا الحديث: فضل الزرع، وأن من غرس غرسًا، أو زرع زرعًا كان له أجر في كل ما أخذ منه، سواء كان باختياره، أو بدون اختياره، فما أكل منه الضيف باختياره، والفقير إذا تصدق عليه فله أجر، وما سرقه السارق- أيضًا- له فيه أجر، وما أكل منه الطير والدواب، ولا يرزؤه، يعني: لا ينقصه، وظاهره: أنه ولو باعه يبقى له الأجر، سواء كان محتسبًا، أو غير محتسب، فإذا احتسب- بشرط أن يكون مسلمًا- صار له أجر الاحتساب- أيضًا- مثل المنفق إذا أنفق على أهله له أجر، وإذا احتسب صار له أجر آخر هو أجر الاحتساب.","vol":"4","page":340},{"text":"حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ مُبَشِّرٍ الْأَنْصَارِيَّةِ فِي نَخْلٍ لَهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ أَمُسْلِمٌ، أَمْ كَافِرٌ؟»، فَقَالَتْ: بَلْ مُسْلِمٌ، فَقَالَ: «لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا، وَلَا يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ، وَلَا دَابَّةٌ، وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ قَالَا: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَغْرِسُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ غَرْسًا، وَلَا زَرْعًا، فَيَأْكُلَ مِنْهُ سَبُعٌ، أَوْ طَائِرٌ، أَوْ شَيْءٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ»، وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَلَفٍ: «طَائِرٌ شَيْءٌ».\nحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمِّ مَعْبَدٍ حَائِطًا، فَقَالَ: «يَا أُمَّ مَعْبَدٍ، مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ أَمُسْلِمٌ، أَمْ كَافِرٌ؟»، فَقَالَتْ: بَلْ مُسْلِمٌ، قَالَ: «فَلَا يَغْرِسُ الْمُسْلِمُ غَرْسًا، فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ، وَلَا دَابَّةٌ، وَلَا طَيْرٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جميعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ، زَادَ عَمْرٌو فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَمَّارٍ. ح، وَأَبُو كُرَيْبٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، فَقَالَا: عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ: عَنِ امْرَأَةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ قَالَ: رُبَّمَا قَالَ: عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَرُبَّمَا لَمْ يَقُلْ، وَكُلُّهُمْ قَالُوا: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِ عَطَاءٍ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ.","vol":"4","page":341},{"text":"في هذه الأحاديث: دليل على أنه يشترط أن يكون الزارع مسلمًا حتى يحصل له الأجر، قال ﷺ: «أَمُسْلِمٌ، أَمْ كَافِرٌ؟».\nوقوله: «أَمُسْلِمٌ»: ولم يقل: محتسب، وهذا دليل على أن الاحتساب ليس بشرط، فالاحتساب يزيد الأجر، إذا احتسب أنه ينفع المسلمين، ويغنيهم عن غيرهم، وعَنِ الحاجة إلى أعدائهم.\nوورد في رواية: أنها أم مبشر، والأقرب أنها واحدة تكنى أم مبشر، وتكنى أم معبد.\n\n[١٥٥٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ، أَوْ إِنْسَانٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ».\n[خ: ٢٣٣٠]\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ نَخْلًا لِأُمِّ مُبَشِّرٍ امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ، أَمُسْلِمٌ، أَمْ كَافِرٌ؟» قَالُوا: مُسْلِمٌ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.\nفي هذا الحديث: أن هذا الأجر الكبير لمن يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا؛ وذلك لأن نفعه متعدٍّ، والقاعدة: أن ما كان نفعه متعديًا فهو أفضل مما كان نفعه قاصرًا، والغرس والزرع نفعه متعدٍّ، كل يستفيد منه، المار، والطير، والدابة، والمسافر الذي يشرب ويتوضأ ... وهكذا.\nوفيه: أن الغارس إذا باع ما غرسه فإن الظاهر أن الأجر يكون للغارس الأول؛ لقوله ﷺ: «مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ، أَمُسْلِمٌ، أَمْ كَافِرٌ؟»، ولم يقل النبي","vol":"4","page":342},{"text":"ﷺ: هل هو باقٍ في ملك الأول، أم باعه، هذا هو ظاهر الأحاديث، مثل الحديث السابق، ومثل قوله ﷺ: «مَنْ غَرَسَ غَرْسًا، أَوْ زَرَعَ زَرْعًا»، فإنه لم يقل: من اشترى نخلًا، وليس كل التجار يشترون بساتين، ثم يُسَبِّلونها، فلو سَبَّلها وصار يُستفاد منها، فلا يمنع أن يكون له أجر، كمن غرس، ولا يختص حصول هذه الصدقات لمن باشر الغرس، أو الزراعة، بل يتناول من استأجر لعمل ذلك، والصدقة حاصلة حتى فيمن عجز عن جمعه كالسنبل المعجوز عنه للحصيد، فيأكل منه حيوان، فإنه مندرج تحت مدلول الحديث.","vol":"4","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-704>بَابُ وَضْعِ الْجَوَائِحِ</span>\n\n[١٥٥٤] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا». ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ».\nوَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\n\n[١٥٥٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ، فَقُلْنَا لِأَنَسٍ: مَا زَهْوُهَا؟ قَالَ: تَحْمَرُّ، وَتَصْفَرُّ، «أَرَأَيْتَكَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟ !».\n[خ: ٢١٩٨]\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُزْهِيَ قَالُوا: وَمَا تُزْهِيَ؟ قَالَ: «تَحْمَرُّ»، فَقَالَ: «إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟ !».\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنْ لَمْ يُثْمِرْهَا اللَّهُ، فَبِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ !».\n\n[١٥٥٤] حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ- وَاللَّفْظُ لِبِشْرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ- وَهُوَ صَاحِبُ مُسْلِمٍ-: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ عَنْ سُفْيَانَ بِهَذَا.","vol":"4","page":344},{"text":"قوله: «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُزْهِيَ» تزهي من الأفعال التي تلزم صيغة المبني للمفعول.\nوالنهي في الحديث عن بيع الثمرة قبل بدوّ صلاحها يقتضي الفساد؛ إذ النهي يرجع إلى ذات المنهي عنه، فلا يجوز البيع قبل بدو الصلاح، فإذا باع النخل وهو أخضر فالبيع فاسد.\nقوله: «أَرَأَيْتَكَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟ !» فيه: دليل على أن الثمرة إذا تلفت فهي على البائع.\nوفي المسألة أقوال يأتي ذكرها بعد الحديث التالي والكلام على الجمع بين الحديثين.","vol":"4","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-705>بَابُ اسْتِحْبَابِ الْوَضْعِ مِنَ الدَّيْنِ</span>\n\n[١٥٥٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ»، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ».\nحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\n\n[١٥٥٧] وَحَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ- وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ- عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أُمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمَا، وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الْآخَرَ، وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيْءٍ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ: «أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللَّهِ لَا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ؟» قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ.\n[خ: ٢٧٠٥]\nاختلف العلماء في الجمع بين حديث الأمر بوضع الجوائح، وحديث الرجل الذي ابتاع ثمارًا فكثر دينه، فقال النبي ﷺ: «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ»، وحديث: «أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ !»، فاختلف العلماء في وضع الجوائح، فإذا اشترى شخص ثمارًا، ثم أصابته جائحة: مطر، أو جراد، أو شيء، فذهبت الثمرة، هل تكون من ضمان المشتري، أو من ضمان البائع؟ على أقوال لأهل العلم:","vol":"4","page":346},{"text":"القول الأول: يكون الجميع من ضمان البائع، وهو مذهب الإمام أحمد (^١)، واستدلوا بأن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح، وقالوا: هذا الأمر للوجوب، وقالوا: يؤيده قوله ﷺ: «إِنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ !».\nالقول الثاني: أنها تكون من ضمان المشتري، وهو قول الشافعي (^٢)، واستدلوا بالحديث الأخير عَنِ الرجل الذي كثر دينه في ثمار ابتاعها، فقال النبي ﷺ: «تَصَدَّقوا عَلَيْهِ»، قالوا: قوله: «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ»: دليل على أنه كان من ضمانه، ولو كانت من ضمان البائع ما قال: «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ».\nالقول الثالث: أن الجوائح توضع إذا كانت أكثر من الثلث، وهو قول الإمام مالك (^٣) وجماعة (^٤)، وإذا كانت أقل من الثلث لا توضع، وتكون من ضمان المشتري، وإذا كانت الثلث وأكثر تكون من ضمان البائع، وأجابوا عن حديث الرجل الذي أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال النبي ﷺ: «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ»، قالوا: إن هذا محمول على أن المشتري فرَّط وتركها؛ فلذلك صارت من ضمانه، والبائع ليس ملزَمًا بمن تأخَّر وترك الثمر حتى بعد ما ينتهي الناس من الجذاذ، أو هو محمول على أنه باعها قبل بدو الصلاح، والذين قالوا: إنها من ضمان المشتري قالوا: هذا من باب الاستحباب.\nوالأقرب: القول الأول: أنها تكون من ضمان البائع مطلقًا، سواء باع قبل بدو الصلاح، أو بعد بدو الصلاح، أما قبل بدو الصلاح فلا يجوز البيع؛ لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، والحديث صريح في أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح.\n_________\n(^١) شرح منتهى الإرادات، للبهوتي (٢/ ٨٦).\n(^٢) أسنى المطالب، لزكريا الأنصاري (٢/ ١٠٨).\n(^٣) المدونة، لمالك بن أنس (٣/ ٥٨٦).\n(^٤) المجموع، للنووي (١٢/ ١٦٥)، الحاوي الكبير، للماوردي (٥/ ٢٠٥)، المغني، لابن قدامة (٦/ ١٧٧).","vol":"4","page":347},{"text":"أما هذا الرجل الذي كثر دينه فهو يُحمل على قضية خاصة: وهي أنه تساهل، وفرَّط، وترك الثمرة؛ ولذلك أصابته جائحة، ويدل عليه قوله: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ»: فهذا قاله للغرماء، ولم يقل: لكم البقية، والذين قالوا: إنها تكون من ضمانه قالوا: إن المعنى: خذوا ما وجدتم- يعني: الآن- والباقي يبقى في ذمته؛ لأنه معسر، وليس لكم مطالبته الآن في حال الإعسار.\n\n[١٥٥٨] حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، فَقَالَ: «يَا كَعْبُ»، فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُمْ فَاقْضِهِ».\n[خ: ٤٥٨]\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى دَيْنًا لَهُ عَلَى ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ.\nقَالَ مُسْلِم: وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مَالٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ، فَلَقِيَهُ فَلَزِمَهُ، فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَمَرَّ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «يَا كَعْبُ»، فَأَشَارَ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: النِّصْفَ، فَأَخَذَ نِصْفًا مِمَّا عَلَيْهِ وَتَرَكَ نِصْفًا.\nهذا الحديث من المقطوعات التي في مسلم، والأحاديث المقطوعة قليلة","vol":"4","page":348},{"text":"وهي تقارب الثلاثة عشر، أو الأربعة عشر حديثًا، وكلها موصولة في الصحيحين، أما مقطوعات البخاري فكثيرة.\nولفظ: «عَالِيَةٍ»: بالجر على أنها نعت للأصوات، ويصلح «عَالِيَةً» على أنها حال، والخصوم وإن كانت نكرة إلا أنها تخصصت؛ لقولها: «صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ»، فلما تخصصت جاء الحال منها، وصاحب الحال يكون معرفة، ويكون نكرة، ولكن على قلة.\nوفي هذا الحديث: دليل على أنه لا بأس من المقاضاة في المسجد.\nوفيه: أنه لا ينبغي للإنسان أن يتألى- أي: يحلف- على عدم فعل الخير.\nوفيه: دليل على أن من سمع من يحلف على عدم فعل الخير أن ينصحه وينهاه؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «أَيْنَ المُتَأَلِّي عَلَى اللهِ لَا يَفْعَلُ الخَيْرَ».\nوفيه: دليل على أن من حلف ألا يفعل الخير لا يستمر على حلفه، بل يُكفِّر عن يمينه، ويفعل الخير، كما في الحديث الآخر: أن النبي ﷺ قال: «وَإِنِّي وَاللَّهِ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» (^١)، وفي لفظ: «إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا» (^٢).\nوفيه: الصلح بين المتخاصمين.\nوفيه: العمل بالإشارة؛ لأن النبي ﷺ كشف ستر الحجرة، فنادى: «يَا كَعْبٌ»، قال: «لَبَّيْكَ»، فأشار إليه بإصبعه، قال: «هَكَذَا النِّصْفُ»، قال: «قَدْ فَعَلْتُ»، قال: «قُمْ فَاقْضِ حَقَّكَ».\nوفيه: أن المدين إذا وُضع عنه بعضُ الدين فعليه أن يبادر ويسدد الدين في الحال مقابل إحسان الدائن إليه؛ ولهذا قال: «قُمْ فَاقْضِهِ».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٢٣)، ومسلم (١٦٤٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣١٣٣)، ومسلم (١٦٤٩).","vol":"4","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-706>بَابُ مَنْ أَدْرَكَ مَا بَاعَهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَقَدْ أَفْلَسَ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ</span>\n\n[١٥٥٩] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ- أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ- فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ».\n[خ: ٢٤٠٢]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، جَمِيعًا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ-ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمَعْنَى حَدِيثِ زُهَيْرٍ، وقَالَ ابْنُ رُمْحٍ- مِنْ بَيْنِهِمْ- فِي رِوَايَتِهِ: «أَيُّمَا امْرِئٍ فُلِّسَ».\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ- وَهُوَ ابْنُ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيُّ- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حُسَيْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَهُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: فِي الرَّجُلِ الَّذِي يُعْدِمُ، إِذَا وُجِدَ عِنْدَهُ الْمَتَاعُ، وَلَمْ يُفَرِّقْهُ أَنَّهُ لِصَاحِبِهِ الَّذِي بَاعَهُ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ».","vol":"4","page":350},{"text":"وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- أَيْضًا- حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَا: فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْغُرَمَاءِ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ قَالَ حَجَّاجٌ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ عِنْدَهُ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا».\nفي هذه الأحاديث: بيان أن من باع سلعة على شخص، ثم أفلس المشتري وحُجر عليه لكثرة غرمائه، فإن من وجد متاعه عنده في حاله ولم يتغير فإنه أولى به من غيره، ويأخذه.\nوالحديث الأول فيه أربعة من التابعين على نسق، وهم: سعيد، وأبو بكر بن عمرو بن حزم، وأبو بكر بن عبد العزيز، وعمر بن الحارث بن هشام.\nوفيها: أن من أدرك متاعه عند المفلس فإنه أحق به من غيره، وقوله: «إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ»: بشرط ألَّا يتغير، أما إذا تغير فإنه يكون للغرماء، فإذا أعلن الحاكم الشرعي الحجر على مال مفلس فإنه يحصر ما عنده من المال ويحصيه، ثم يوزعه على الغرماء بالنسبة التي لهم على الغارم، مثاله: شخص باع على شخص سيارة فوجدها بعينها ولم تتغير فله أن يأخذها، أما إذا تغيرت فإنه يأخذ بالنسبة كغيره مع الغرماء، وإن شاء رجع فيها بعينها في صورة الإفلاس والموت، لكن الذي يظهر: أنه إذا مات فإن الورثة يقومون مقام الميت، فإذا كان عنده مال فإنه يُقضَى دينه من رأس التركة، أما إذا لم يفلس وقد باع سيارة على شخص، ثم توفي وله مال فيُقضَى الدين من رأس المال قبل تقسيم التركة.","vol":"4","page":351},{"text":"قال النووي ﵀: «قال أبو حنيفة: لا يجوز له الرجوع فيها، بل تتعين المضاربة» (^١).\nولعل هذا الحديث لم يصله، أو أنه تأوله.\nوالصواب: أنه إذا وجد السلعة التي باعها لم تتغير ولم تزد ولم تنقص، فإنه يأخذها ويقدَّم على الغرماء، أما إذا تغيرت- بزيادة، أو نقصان- فإنها تدخل ضمن ماله ويحصل من كانت له السلعة على نسبته، كباقي الغرماء.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٠/ ٢٢٢).","vol":"4","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-707>بَابُ فَضْلِ إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ</span>\n\n[١٥٦٠] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ أَنَّ حُذَيْفَةَ حَدَّثَهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَقَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا قَالُوا: تَذَكَّرْ قَالَ: كُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ، فَآمُرُ فِتْيَانِي: أَنْ يُنْظِرُوا الْمُعْسِرَ، وَيَتَجَوَّزُوا عَنِ المُوسِرِ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ ﷿: تَجَوَّزُوا عَنْهُ».\n[خ: ٢٠٧٧]\nحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ حُجْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ المُغِيرَةِ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ قَالَ: اجْتَمَعَ حُذَيْفَةُ، وَأَبُو مَسْعُودٍ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: «رَجُلٌ لَقِيَ رَبَّهُ، فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ؟ قَالَ: مَا عَمِلْتُ مِنَ الْخَيْرِ، إِلَّا أَنِّي كُنْتُ رَجُلًا ذَا مَالٍ، فَكُنْتُ أُطَالِبُ بِهِ النَّاسَ، فَكُنْتُ أَقْبَلُ الْمَيْسُورَ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ المَعْسُورِ، فَقَالَ: تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي» قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ رَجُلًا مَاتَ، فَدَخَلَ الْجَنَّةَ، فَقِيلَ لَهُ: مَا كُنْتَ تَعْمَلُ؟» قَالَ: «فَإِمَّا ذَكَرَ، وَإِمَّا ذُكِّرَ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ، فَكُنْتُ أُنْظِرُ الْمُعْسِرَ، وَأَتَجَوَّزُ فِي السِّكَّةِ- أَوْ فِي النَّقْدِ- فَغُفِرَ لَهُ»، فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: «أُتِيَ اللَّهُ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ، آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا عَمِلْتَ فِي الدُّنْيَا؟ - قَالَ: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ - قَالَ: يَا رَبِّ، آتَيْتَنِي مَالَكَ، فَكُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ وَكَانَ مِنْ","vol":"4","page":353},{"text":"خُلُقِي الْجَوَازُ، فَكُنْتُ أَتَيَسَّرُ عَلَى الْمُوسِرِ، وَأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ، فَقَالَ اللَّهُ: أَنَا أَحَقُّ بِذَا مِنْكَ، تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي»، فَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ، وَأَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ: هَكَذَا سَمِعْنَاهُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ: يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ- وَكَانَ مُوسِرًا- فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ: أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ المُعْسِرِ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ ﷿: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ».\nقوله: «فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ»، يعني: زيادة على الإيمان والتوحيد.","vol":"4","page":354},{"text":"[١٥٦٢] حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ مَنْصُورٌ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ- وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ- عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ؛ لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ».\n[خ: ٢٠٧٨]\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُول: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، بِمِثْلِهِ.\n\n[١٥٦٣] حَدَّثَنَا أَبُو الْهَيْثَمِ خَالِدُ بْنُ خِدَاشِ بْنِ عَجْلَانَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ، فَتَوَارَى عَنْهُ، ثُمَّ وَجَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُعْسِرٌ، فَقَالَ: آللَّهِ؟ قَالَ: آللَّهِ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ».\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nقوله: «أُنْظِرُ الْمُعْسِرَ، وَأَتَجَوَّزُ فِي السِّكَّةِ»: السِّكَّةُ: الدراهم، وتسمى سكة؛ لأنها مضروبة ولأنها عملة.\nوقوله: «وَكَانَ مِنْ خُلُقِي الْجَوَازُ»، يعني: السماح والعفو، فكان ييسر على الموسر، ويتجاوز عَنِ المعسر.\nوفي هذه الأحاديث: أن الميت إذا مات فإن روحه باقية لا تفنى ولا تموت، بل هي باقية إما في نعيم، أو في عذاب، فالمؤمن إذا مات نُقلت روحه إلى الجنة، ولها صلة بالجسد، والكافر إذا مات- نعوذ بالله- نُقلت","vol":"4","page":355},{"text":"روحه إلى النار، ولها صلة بالجسد؛ فالروح لا تموت ولا تفنى، فقد خُلقت للبقاء؛ ولهذا فهي تكلم الملائكة، قال: «تَلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَقَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: تَذَكَّرْ»؛ إذن فالروح تخاطب وتتكلم، والجسد قد مات؛ ولهذا إذا بُعثت الأجساد وأمر الله إسرافيل أن ينفخ في الصور جاءت الأرواح إلى أجسادها، فهي باقية؛ ولهذا فالملائكة تخاطب الروح، تقول: «أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا قَالُوا: تَذَكَّرْ، قَالَ: كُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ، فَآمُرُ فِتْيَانِي: أَنْ يُنْظِرُوا الْمُعْسِرَ، وَيَتَجَوَّزُوا عَنِ المُوسِرِ»، يعني: أن هذا الرجل كان يداين الناس، فَيُنظر المعسر الفقير، ويصبر عليه وينتظره ولا يطالبه، ويتجوز عَنِ الموسر، ويتسامح في قضاء الدين والاستيفاء، فيتسامح عن نقص يسير، فقال الله: «تَجَوَّزُوا عَنْهُ».\nوفيها: دليل على أن هذا العمل عمل صالح، كون الإنسان يحسن معاملة الناس، وييسر عليهم، ويُنظر المعسر الفقير، فيصبر عليه ولا يؤذيه بالمطالبة، ويتجوز عَنِ الموسر، ولا يشدد في الطلب، ويتسامح عن نقص يسير، وفي الحديث الآخر يقول النبي ﷺ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى» (^١).\nوفيها: دليل على أن من أسباب تجاوز الله عَنِ العبد ومغفرته لذنوبه: إنظار المعسرين والتجاوز عَنِ الموسرين.\nوفيها: أن هذا الرجل دخل الجنة، والمعنى: أن هذا من المؤمنين، فلو كان غير مؤمن ما دخل الجنة، لكن النصوص يضم بعضها إلى بعض، والمعنى: أن هذا العمل الصالح كان مع الإيمان بالله ورسوله، وقد ثبت في الحديث عَنِ النبي ﷺ أنه أمر مناديًا أن ينادي في بعض الغزوات: «أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ» (^٢)، أما الكافر فإنه وإن عمل ما عمل من الخير\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٧٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٠٦٢)، ومسلم (١١١).","vol":"4","page":356},{"text":"فإنه يجازى به في الدنيا، لكنه لا ينفعه في الآخرة، ولا ينجيه من النار إذا مات كافرًا.\nوأما قوله: «إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا»: ففيه: دليل على أن هذا الرجل محتسب.\nوفيه: استحضار النية، وأنه إذا استحضر النية فهو أفضل ويكون له أجر زائد.\nوأما قوله: «أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ، فَتَوَارَى عَنْهُ، ثُمَّ وَجَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُعْسِرٌ»، يعني: أن أبا قتادة كان له غريم، أي: صاحب دَين، فتوارى عنه، واختفى، ومن عادة المدين أنه يختفي عن دائنه؛ خوفًا من المطالبة، ثم لقيه، فقال له: أين كنت؟ فقال: «إِنِّي مُعْسِرٌ، فَقَالَ: آللَّهِ؟ قَالَ: آللَّهِ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ».\nوفيه: أن الجزاء من جنس العمل، فمن نفَّس عن معسر كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كرب يوم القيامة، وشدائدها، والتنفيس عَنِ المعسر، يعني: الصبر عليه والانتظار وعدم المطالبة، والوضع عنه، يعني: السماح بإسقاط بعض الدين، والأول واجب، والثاني مستحب، قال الله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم﴾، وهو خبر بمعنى الأمر، وهذا من المواضع التي تكون فيها النافلة أفضل من الفريضة، والقاعدة: أن الفرائض أفضل من النوافل، لكن في بعض الأحيان تكون النافلة أفضل من الفريضة، وإسقاط الدين عَنِ المعسر نافلة، والصبر عليه والانتظار وعدم المطالبة هذا فريضة، والنافلة أفضل من الفريضة هنا.\nوهذا إذا لم يكن للمدين حيلة، وكان غير مماطِل، فهذا معذور، أما المماطل الذي عنده مال، فهذا يُحبَس من قبل الحاكم، ويُلزَم بقضاء الدين، كما سيأتي الحديث: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ».","vol":"4","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-708>بَابُ تَحْرِيمِ مَطْلِ الْغَنِيِّ، وَصِحَّةِ الْحَوَالَةِ، وَاسْتِحْبَابِ قَبُولِهَا إِذَا أُحِيلَ عَلَى مَلِيٍّ</span>\n\n[١٥٦٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ».\n[خ: ٢٢٨٧]\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nقوله: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»: المماطلة، يعني: تأخير قضاء الدين وهو قادر، فهذا ظلم، وفي اللفظ الآخر: «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ، وَعُقُوبَتَهُ» (^١)، يحل عرضه، يعني: شكايته، فيشتكي صاحب الحق، ويقول عند القاضي: ظلمني، وأخذ حقي، وهذا مستثنى من الغيبة.\nوقوله: «وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ، فَلْيَتْبَعْ»: فيه: صحة الحوالة، وأن المدين إذا أُحيل بدينه على مليء فعليه أن يقبل الحوالة، والمليء هو: الغني الذي يدفع المال، وله شرطان:\nالشرط الأول: أن يكون غنيًّا.\nوالشرط الثاني: ألا يكون مماطلًا.\nواختلف العلماء في الأمر هنا، قال النووي ﵀: «مذهب أصحابنا والجمهور أنه إذا أُحيل على مَلِيٍّ استُحِبَّ له قبولُ الحوالة، وحملوا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧٩٤٦)، وأبو داود (٣٦٢٨)، والنسائي (٤٦٨٩)، وابن ماجه (٢٤٢٧).","vol":"4","page":358},{"text":"الحديث على الندب، وقال بعض العلماء: القبول مباح لا مندوب، وقال بعضهم: واجب؛ لظاهر الأمر، وهو مذهب داود الظاهري (^١)، وغيره». (^٢)\nوالصواب: أنه للوجوب؛ لأن الأصل في الأوامر الوجوب، فإذا أُحيل الإنسان بدينه على مليء وجب عليه أن يقبل الحوالة.\n_________\n(^١) المحلى، لابن حزم (٨/ ١٠٩).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٠/ ٢٢٨).","vol":"4","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-709>بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ الَّذِي يَكُونُ بِالْفَلَاةِ، وَيُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِرَعْيِ الْكَلَأِ، وَتَحْرِيمِ مَنْعِ بَذْلِهِ، وَتَحْرِيمِ بَيْعِ ضِرَابِ الْفَحْلِ</span>\n\n[١٥٦٥] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ.\nفي هذا الحديث: النهي عن بيع فضل الماء، يعني: الماء الزائد عن حاجة الإنسان، فإذا كان له بئر وفيها ماء فاضل عن حاجته فليس له أن يمنع أحدًا من أخذه، فلا يمنعه من أن يدلي بدلوه ليأخذ الماء ليشرب، أو ليسقي دوابه، أما إذا كان الماء قليلًا لا يكفي إلا له ولدوابه فله المنع، أو إذا استخرج الماء وحازه بالأواني، أو القِرب، فيكون أولى به من غيره، أما إذا كان يستخرج الماء من البئر ليبيعه على الناس فهذا شيء آخر.\nوإذا استخرجه ليشرب ويسقي دوابه فليس له أن يمنع فضله الزائد عن حاجته؛ فالناس شركاء في الماء، كما أنهم شركاء في الكلأ، والنار، فإذا كان عندك بئر في البرية، أو في أي مكان، وجاء إنسان يريد أن يدلي بدلوه ويستخرج من الماء، فليس لك أن تمنعه ما دام فيها ماء زائد عن حاجتك.\nوآبار المزارع كذلك، إذا جاء أحد يشرب ويسقي دوابه فلا يُمنع إذا كان فيها ماء زائد عَنِ الحاجة، أما من يريد أن يستخرج الماء من أجل أن يبيعه على الناس ويبتاع فهذا شيء آخر، لكن لا يمنع غيره من أن يشرب، ويسقي دوابه.","vol":"4","page":360},{"text":"وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ، وَعَنْ بَيْعِ الْمَاءِ، وَالْأَرْضِ لِتُحْرَثَ، فَعَنْ ذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ.\nقوله: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ»: فهذا منهي عنه؛ لأنه شيء يسير، يبذل بين الناس من الغنم، أو البقر، أو الإبل، فإذا كان أخوك عنده غنم واحتاج إلى تيس، فإنك تبذله له ولا تمنعه حتى ينزو على غنمه، أو احتاج ذكرًا من البقر لينزو على البقر، وهكذا، وهذا مما يُفعل من باب المعروف، ولا يُمنع، ولا يؤخذ مقابله أجرة، لكن إذا أُعطي كرامةً حزمةَ علفٍ من دون شرط فلا بأس، وتركه أولى؛ لئلَّا يكون حيلة إلى الكسب من ذلك.\nوقوله: «وَالْأَرْضِ لِتُحْرَثَ»: فيه: النهي عن تأجير الأرض، وهذا مجمل، ويفسَّر بالأحاديث السابقة، وهي المزارعة، وسبق أن المزارعة هي المعاملة على الأرض بالذهب، أو بالفضة، أو بالدراهم، أو بجزء معلوم مشاع كالربع، أو الثلث فهذه مزارعة جائزة، أما إذا زارع بجزء معلوم غير مشاع مثل: لي ما تنبت الجهة الشمالية، ولك ما تنبت الجهة الجنوبية، أو لي ما ينبت على السواقي فهذه مزارعة الجاهلية، وهي المنهي عنها.","vol":"4","page":361},{"text":"[١٥٦٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ».\n[خ: ٢٣٥٣]\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ- وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ-: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ الْكَلَأَ».\nوَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُسَامَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يُبَاعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُبَاعَ بِهِ الْكَلَأُ».\nقوله: «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ»، يعني: لا يمنع الماء الفاضل عن حاجته؛ لئلَّا يرعى الكلأ الذي حوله ليحميه لدوابه؛ لأنه إذا سمح له بالماء رعت الدواب الكلأ الذي حوله، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع فضل الماء ليمنع به الكلأ؛ لأن الناس شركاء في الكلأ.","vol":"4","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-710>بَابُ تَحْرِيمِ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ السِّنَّوْرِ</span>\n\n[١٥٦٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ.\n[خ: ٢٢٣٧]\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَسْعُودٍ.\n\n[١٧٦٨] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «شَرُّ الْكَسْبِ: مَهْرُ الْبَغِيِّ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ».\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ قَارِظٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ».\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِهِ.","vol":"4","page":363},{"text":"في هذه الأحاديث: النهي عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، وفي الحديث الثاني: أنه شر المكاسب، وفي الحديث الثالث: أنه خبيث، وقد دلت النصوص على أن كسب الحجام ليس خبثه خبث تحريم، وإنما هو خبث كراهة؛ لأن النبي ﷺ احتجم، وأعطى الحجام أجره، فدل على أن خبثه خبث كراهة تنزيه، لا تحريم، أما مهر البغي وحلوان الكاهن فخبثه خبث تحريم.\nومهر البغي هو أجرتها على الزنا، فهو خبيث، وسمي مهرًا تشبيهًا له بمهر النكاح؛ لأنها تأخذه في مقابل زناها، فهي تشبه نفسها بالمتزوجة، وحلوان الكاهن أجرته على الكهانة، سمي حلوانًا؛ لأنه يأتي حلوًا بدون تعب ولا مشقة؛ لسهولة أخذه؛ ولهذا تجد الذين يأتون إلى الكهان يعطونهم ما يطلبون، فإذا طلب كثيرًا، أو قليلًا أعطوه- نسأل الله السلامة والعافية.\nولا يُرَدُّ مهر البغي على صاحبه، وإنما يؤخذ وينفق في المصالح العامة للمسلمين؛ فهو كسب رديء فيه دناءة، فينفق في أشياء غير المطاعم والمشارب، كعلف الدواب، أو وقود النار، مثل الحطب والغاز.\n\n[١٥٦٩] حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ قَالَ: زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ.\nفي هذا الحديث: تحريم ثمن السنور، وهو القط، أو الهرة، وله أسماء عدة، حتى أن السيوطي ألف رسالة في أسمائه، سماها: «البلور في أسماء السنور»، وثمنها حرام؛ لأنها لا تؤكل، وكذلك السباع والحشرات، وذوات السموم، وكل ما حرم الله؛ لأن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه، فالمحرمات ليس لها أثمان.","vol":"4","page":364},{"text":"مسألة: ما حكم شراء ذوات السموم؛ ليستفاد من سمومها في العلاج؟\nوالجواب: لا يُدفع مال لشرائه، لكونه مثل الدم، يبذل دون مقابل، وكما إذا احتاج إلى كلب صيد ليس له أن يشتريه، لكنه يُهدَى، ولا يباع، كما سبق، والأفاعي كلها كذلك، ليس لها ثمن ولا تباع؛ لأن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه، ما عدا بعض الأشياء مثل: الذهب، والحرير، فهما محرمان على الرجال، لكن هما يباعان؛ لأنهما يحلان للنساء.\nفإذا لم يتحصل عليها إلا بالمال؟ ! فليس له ذلك، اللهم إذا كانت هناك ضرورة يخشى منها الموت.","vol":"4","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-711>بَابُ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، وَبَيَانِ نَسْخِهِ، وَبَيَانِ تَحْرِيمِ اقْتِنَائِهَا، إِلَّا لِصَيْدٍ، أَوْ زَرْعٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ</span>\n\n[١٥٧٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ.\n[خ: ٣٣٢٣]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، فَأَرْسَلَ فِي أَقْطَارِ الْمَدِينَةِ: أَنْ تُقْتَلَ.\nوَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْمُفَضَّلِ- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ أُمَيَّةَ- عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، فَنَنْبَعِثُ فِي الْمَدِينَةِ، وَأَطْرَافِهَا، فَلَا نَدَعُ كَلْبًا، إِلَّا قَتَلْنَاهُ، حَتَّى إِنَّا لَنَقْتُلُ كَلْبَ الْمُرَيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يَتْبَعُهَا.\nقوله: «الْمُرَيَّةِ»: المُرَيَّة: تصغير المرأة.\nفي هذه الأحاديث: الأمر بقتل الكلاب، وهذا كان أولًا، ثم نسخ، قال ﷺ: «لوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا؛ فَاقْتُلُوا مِنْهَا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ» (^١) فنهى عن قتل الكلاب إلا المؤذي، والعقور، والأسود البهيم الخالص الذي ليس فيه لون آخر، وكذلك لو كان ذا نقطتين فالنقطتان لا يخرجانه عن كونه بهيمًا.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦٧٨٨)، وأبو داود (٢٨٤٥)، والترمذي (١٤٨٦)، والنسائي (٤٢٨٠)، وابن ماجه (٣٢٠٥).","vol":"4","page":366},{"text":"[١٥٧١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا.\nقول ابن عمر ﵄: «إِنَّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا»، يعني: كان أبو هريرة يعتني بالسؤال عنه، وإذا كان للإنسان حاجة فهو يعتني بها.\nوقد ذكر هذا الاستثناء غير أبي هريرة ﵁ كما سيأتي في الرواية التالية.\nفي هذا الحديث: استثناء كلب الصيد المعلم، وكلب البستان، والحرث، وكلب الماشية والغنم من القتل؛ للحاجة إليها، فاقتناؤها لا يؤثر، أما من اقتنى غيرها فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراط (^١)، وفي لفظ آخر: قيراطان (^٢).\nوالكلب يهدى ولا يباع على الصحيح، وفيه خلاف، لكن هذا هو الصواب؛ لأن النبي ﷺ ما استثنى شيئًا، وهذا هو الذي عليه الجماهير، وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى جواز بيعه (^٣)، وكذلك الإمام مالك ﵀ في رواية عنه، وفي رواية لا يباع (^٤)، ولكن إذا قُتل فله قيمة.\nوهذه الأقوال ضعيفة، والصواب: أنه لا يباع مطلقًا، وليس له ثمن.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣٢٢)، ومسلم (١٥٧٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٤٨١)، ومسلم (١٥٧٥).\n(^٣) فتح القدير، لابن الهمام (٧/ ١١٨).\n(^٤) التاج والإكليل، للمواق (٦/ ٧٠ (.","vol":"4","page":367},{"text":"[١٥٧٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ. ح، وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ تَقْدَمُ مِنَ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ، ثُمَّ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا، وَقَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ؛ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ».\n\n[١٥٧٣] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، سَمِعَ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ الْمُغَفَّلِ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ»، ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ، وَكَلْبِ الْغَنَمِ.\nوَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ-.ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ فِي حَدِيثِهِ عَنْ يَحْيَى: وَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الْغَنَمِ، وَالصَّيْدِ، وَالزَّرْعِ.\nفي هذه الأحاديث: بيان الناسخ والمنسوخ، فإنه ﷺ أمر بقتل الكلاب، ثم نهى عن قتلها، والنهي هنا هو الناسخ.","vol":"4","page":368},{"text":"[١٥٧٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ ضَارِي، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ».\n[خ: ٥٤٨٢]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ ضَارِيَةٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ مُحَمَّدٍ- وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ- عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ كَلْبَ صَيْدٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ ضَارٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ، وَكَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ.\nحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّمَا أَهْلِ دَارٍ اتَّخَذُوا كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ كَلْبَ صَائِدٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ","vol":"4","page":369},{"text":"عُمَرَ، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ زَرْعٍ، أَوْ غَنَمٍ، أَوْ صَيْدٍ، يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ».\n\n[١٥٧٥] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ، وَلَا مَاشِيَةٍ، وَلَا أَرْضٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ قِيرَاطَانِ كُلَّ يَوْمٍ».\nوَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي الطَّاهِرِ: وَلَا أَرْضٍ.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيْدٍ، أَوْ زَرْعٍ، انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ».\nقَالَ الزُّهْرِيُّ: فَذُكِرَ لِابْنِ عُمَرَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ.\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ، إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ».\n[خ: ٢٣٢٢]\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْبٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ- يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ- عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَزِينٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ، وَلَا غَنَمٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ».","vol":"4","page":370},{"text":"[١٥٧٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ- وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ شَنُوءَةَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا، وَلَا ضَرْعًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» قَالَ: آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: إِي وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ.\n[خ: ٢٣٢٣]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ وَفَدَ عَلَيْهِمْ سُفْيَانُ بْنُ أَبِي زُهَيْرٍ الشَّنَئِيُّ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nفي هذه الأحاديث: بيان ما يحصل لمن ملك كلبًا، فهو يخسر خسارة عظيمة، ينقص من أجره كل يوم قيراط، وفي الحديث الآخر: قيراطان، والمعول عليه القيراطان؛ لأن النبي ﷺ أخبر أولًا بالقيراط، ثم أخبر بعدها بالقيراط الثاني، وهو مقدار من الأجر، قيل: إنه جزء من أربعة وعشرين جزءًا من أجره في اليوم والليلة، ويستثنى من هذا الحكم كلب الصيد والماشية والحرث، فهذه تقتنى، ولا ينقص من أجر مقتنيها شيء، فهي مرخص فيها للحاجة.\nوأما كلب الحراسة في البلدان فالصواب أنه ممنوع، وهذا هو ما يفعله الكفرة والأوروبيون الآن، ولو رُخص فيها لامتلأت بيوت المسلمين بالكلاب، وبرغم النهي عنها فقد صارت تقتنى، وسيأتي في الحديث التصريح بالمنع من اقتنائها في البيوت، أما صاحب البستان فيقتني كلب الحراسة، وكذا صاحب الغنم يقتنيه في البرية، وكذلك صاحب الصيد.\nولا شك أن من يتخذ كلبًا للحراسة يأثم لمخالفته بارتكاب النهي، وله أن يحرس ما يريد، ولكن بغير المحرمات، فيستأجر من يحرس ويستفيد من","vol":"4","page":371},{"text":"الخدم من الآدميين، وليس من الكلاب، والكلاب لا تمنع اللصوص، فقد يقتلها اللص.\nوقوله: «أَيُّمَا أَهْلِ دَارٍ اتَّخَذُوا كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَائِدٍ»: هذا فيه: الرد على من قاس كلب الحراسة في الدور على كلب الصيد؛ فهنا التصريح بأن الكلب في الدار لا يجوز، وأن اتخاذه ينقص من الأجر كل يوم قيراطين.\nوقوله: «صَائِدٍ»، يعني: كلب صيد.\nوصاحب الزرع والبستان محتاج للكلب، فالبستان واسع شاسع الأطراف، لكن البيت ليس كذلك، وفي الغالب يكون صاحب الزرع نائيًا عَنِ البلد، ويكون بينه وبين جاره مسافة، بخلاف الدور فإنها متقاربة، فلا حاجة إلى الكلاب فيها.","vol":"4","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-712>بَابُ حِلِّ أُجْرَةِ الْحِجَامَةِ</span>\n\n[١٥٧٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ، فَقَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وَكَلَّمَ أَهْلَهُ، فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ، وَقَالَ: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ: الْحِجَامَةُ- أَوْ: هُوَ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمْ».\n[خ: ٥٦٩٦]\nفي هذا الحديث: أن كسب الحجامة ليس حرامًا؛ لأن النبي ﷺ لا يفعل الحرام، فقد نهى ﷺ عن كسب الحجام، ثم احتجم وأعطى الحجام أجرته، وبفعله ذلك صرف النهي من التحريم إلى التنزيه؛ ولهذا قال ابن عباس: «حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ عَبْدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ أَجْرَهُ، وَكَلَّمَ سَيِّدَهُ، فَخَفَّفَ عَنْهُ مِنْ ضَرِيبَتِهِ، وَلَوْ كَانَ سُحْتًا لَمْ يُعْطِهِ النَّبِيُّ ﷺ» (^١).\nوفيه: بيان فضل الحجامة، وأنها من أفضل العلاج لثوران الدم، ولا يقال: إنها سنة، ولكنها علاج، فإذا أراد الإنسان أن يحتجم فلا بد أن يسأل أهل الخبرة هل يحتاج الحجامة، أو لا يحتاجها، فإذا احتاجها فالحجامة من أفضل التداوي.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٠٣)، ومسلم (١٢٠٢).","vol":"4","page":373},{"text":"حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ- يَعْنِي: الْفَزَارِيَّ- عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ: الْحِجَامَةُ، وَالْقُسْطُ الْبَحْرِيُّ، وَلَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ».\nفي هذا الحديث: فضل التداوي بالحجامة، والقسط البحري، ويقال له: العود الهندي.\nوقوله: «وَلَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ»: الغمز هو: رفع العظم الذي ينزل بحلق الصبي، وهو ما يسمى بالتهاب اللوزتين، وكانت النساء يرفعنه، وهذا فيه تعذيب للصبي، فالنبي ﷺ قال: «عَلَيْكُنَّ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ، مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ، يُسْعَطُ مِنَ الْعُذْرَةِ» (^١)، فيرتفع العظم؛ لأنه إذا نزل العظم سد الحلق وصار يتعبه، ووجع الحلق يسمى العذرة، فالنبي ﷺ أعطاهم البديل عنه، وهو السعوط، ويقال له: العود الهندي، ويقال له: القسط البحري، يسعط في الأنف فينزل للحلق فيزول وجع الحلق.\nحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ غُلَامًا لَنَا حَجَّامًا، فَحَجَمَهُ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ، أَوْ مُدٍّ، أَوْ مُدَّيْنِ، وَكَلَّمَ فِيهِ، فَخُفِّفَ عَنْ ضَرِيبَتِهِ.\n[خ: ٥٦٩١]\nقوله: «فَخُفِّفَ عَنْ ضَرِيبَتِهِ»، أي: كلم مواليه ليخففوا عنه، فإذا كان يعطي مولاه كلَّ يوم درهمين قال: خفِّفْ عنه، فدرهم يكفي، وهذا يسمى بالخراج، والخراج: مخارجة بين السيد والعبد، كأن يأذن السيد لعبده\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٦٩٢)، ومسلم (٢٢١٨).","vol":"4","page":374},{"text":"بالعمل، إما يعمل في صنعة كالحدادة، أو النجارة، أو يعمل مثلًا في الساعات في زمننا هذا، أو في الزرع ويقول: اشتغل وأعطني كل يوم درهمًا، والباقي لك، فيترك الباقي له؛ ليستفيد منه وينفقه على أولاده، إذا كان له أولاد، ويقال: «كان للزبير بن العوام ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فلا يُدخِل بيته من خراجهم شيئًا» (^١).\nولا ينطبق هذا على العمال فهم أحرار، وما هم بعبيد، والعمال يأتون فإما أن يعملوا عندك، أو أن تسفِّرهم، أما أن تستعبدهم فيشتغلوا عند الناس ويعطوك فهذا حرام، وهذا ملك للمال بالباطل.\n\n[١٢٠٢] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ وُهَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ، وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَاسْتَعَطَ.\nقوله: «وَاسْتَعَطَ»، يعني: فَعل السعوط، وهو ما يجعل من الدواء في الأنف.\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء، للذهبي (١/ ٥٦).","vol":"4","page":375},{"text":"حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ- وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ- قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَاصِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ عَبْدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ أَجْرَهُ، وَكَلَّمَ سَيِّدَهُ، فَخَفَّفَ عَنْهُ مِنْ ضَرِيبَتِهِ، وَلَوْ كَانَ سُحْتًا، لَمْ يُعْطِهِ النَّبِيُّ ﷺ.\nقوله: «حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ عَبْدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ»: اسمه نافع، وهو عبد من بني بياضة، وخفف النبي ﷺ عنه من خراجه الذي يدفعه كل يوم لسيده.\nوقوله: «وَلَوْ كَانَ سُحْتًا، لَمْ يُعْطِهِ النَّبِيُّ ﷺ»: هذا من فقه ابن عباس ﵄ واستنباطه، فقال: لو كان حرامًا لم يعطه أجرته.","vol":"4","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-713>بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ الْخَمْرِ</span>\n\n[١٥٧٨] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى أَبُو هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ بِالْمَدِينَةِ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَرِّضُ بِالْخَمْرِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ سَيُنْزِلُ فِيهَا أَمْرًا، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلْيَبِعْهُ، وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ» قَالَ: فَمَا لَبِثْنَا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْخَمْرَ، فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ، فَلَا يَشْرَبْ، وَلَا يَبِعْ» قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا فِي طَرِيقِ الْمَدِينَةِ، فَسَفَكُوهَا.\nفي هذا الحديث: بيان من النبي ﷺ قبل أن تحرم الخمر قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَرِّضُ بِالْخَمْرِ»، يعني: لما نزلت آية البقرة، وهي قوله تعالى: ﴿يسألونك عَنِ الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ فهذا تعريض بتحريمها، وهذا من نصحه ﵊ لأمته، حيث أمرهم أن يبيعوا ما عندهم منها، وأن ينتفعوا به قبل أن تحرم، ثم بعد ذلك قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْخَمْرَ، فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ، فَلَا يَشْرَبْ، وَلَا يَبِعْ»، وقد جاء تحريم الخمر على مراحل:\nوأول ما نزل في تحريم الخمر آية البقرة: ﴿يسألونك عَنِ الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾، بين الله ﷿ أن فيها منافعَ وإثمًا، وأن الإثم أكبر من المنافع، فتركها بعض أهل البصيرة والعقل، وكان عمر ﵁ قد أشكل عليه الأمر، فلما نزلت هذه","vol":"4","page":377},{"text":"الآية وقرئت عليه قال: «اللَّهُمَّ بيِّنْ لَنَا فِي الخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا» (^١)، فنزلت آية النساء: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾.\nوجاء في الحديث الآخر: عَنْ أَنَسٍ ﵁ كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ- يَوْمَئِذٍ- الفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي: «أَلا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ»، قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ، فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ، وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ...﴾ الآيَةَ» (^٢).\nواحتج به بعض العلماء (^٣) على أن الخمر ليست بنجسة؛ لأنها لو كانت نجسة لما أقرهم النبي ﷺ على إهراقها في سكك المدينة، فتصيب الأقدام، وتصيب أطراف الثياب، فدل على أنها ليست نجسة، وأما قوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس﴾ فالمراد: الرجس المعنوي، والجمهور على أنها نجسة (^٤)، وأجابوا عن هذا بأنهم لم يعلموا بنجاستها في أول الأمر، ولا يلزم من التحريم النجاسة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣٧٨)، وأبو داود (٣٦٧٠)، والترمذي (٣٠٤٩)، والنسائي (٥٥٤٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٤٦٤)، ومسلم (١٩٨٠).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (٦/ ٢٨٨).\n(^٤) المبسوط، للسرخسي (٢٤/ ٣)، المقدمات الممهدات، لابن رشد (١/ ٤٤٢)، المجموع، للنووي (٢/ ٥٦٣ (، المغني، لابن قدامة (٤/ ١٦٩).","vol":"4","page":378},{"text":"[١٥٧٩] حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ- رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ- أَنَّهُ جَاءَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ السَّبَأِيِّ- مِنْ أَهْلِ مِصْرَ- أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَمَّا يُعْصَرُ مِنَ الْعِنَبِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ رَجُلًا أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟» قَالَ: لَا، فَسَارَّ إِنْسَانًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بِمَ سَارَرْتَهُ؟»، فَقَالَ: أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا، فَقَالَ: «إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا» قَالَ: فَفَتَحَ الْمَزَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا.\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَهُ.\n\n[١٥٨٠] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاقْتَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ نَهَى عَنِ التِّجَارَةِ فِي الْخَمْرِ.\n[خ: ٤٥٩]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَتِ الْآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرِّبَا قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ.\nفي هذه الأحاديث: أن إهداءَ الرجلِ رسولَ الله ﷺ راويةَ خمرٍ كان أولًا","vol":"4","page":379},{"text":"قبل أن يعلم هذا الرجل بتحريم الخمر، فأهدى للنبي ﷺ؛ بناءً على ما كان عليه الناس، فقد كانوا يشربونها في الجاهلية وفي أول الإسلام وكانت نفوسهم متعلقة بها.\nوفيها: دليل على أن الواعظ والخطيب والمحدِّث لا بأس أن يسأل الإنسان بم سارَّه مَن بجواره؟ حتى يخبره بالحكم إذا كان يحتمل أن يعتقد الخطأ؛ ولهذا سأله النبي ﷺ: «بِمَ سَارَرْتَهُ؟»، فأخبره بالحكم؛ لأنه كان يعتقد الخطأ.\nوفيها: دليل على تحريم الخمر بجميع وجوه التصرف، فيحرم شربها، ويحرم بيعها، وإهداؤها، وحملها، وسقيها غيره؛ ولهذا جاء في الحديث: «لُعِنَتِ الْخَمْرُ عَلَى عَشْرَةِ وُجُوهٍ: لُعِنَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا، وَشَارِبُهَا، وَسَاقِيهَا، وَبَائِعُهَا، وَمُبْتَاعُهَا، وَعَاصِرُهَا، وَمُعْتَصِرُهَا، وَحَامِلُهَا، وَالْمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ، وَآكِلُ ثَمَنِهَا» (^١).\nوقول عائشة ﵂: «لَمَّا أُنْزِلَتِ الْآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرِّبَا قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ»: قال القاضي عياض: «وقوله: (لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة اقترأهن رسول الله ﷺ على الناس، ثم نهى عَنِ التجارة في الخمر): يحتمل أن يكون هذا متصلًا بعد تحريم الخمر ومنها فهم، أو أوصى إليه بمنع بيع الخمر بظاهر الحديث؛ لأن سورة المائدة التي فيها تحريم الخمر من آخر ما نزل من القرآن، وآية الربا آخر ما نزل. قال ذلك عمر، قال: (ومات رسول الله ولم يفسرها لنا)، ويحتمل أن يكون هذا بعد بيان النبي تحريم له في الخمر. فلما نزلت آية الربا وقد اشتملت على تحريم ما عدا البيع الصحيح أكد تحريم ذلك، ولا علم أن التجارة في الخمر من جملة ذلك، والله أعلم» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤٧٨٧)، وابن ماجه (٣٣٨٠).\n(^٢) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٥/ ٢٥٣).","vol":"4","page":380},{"text":"فالقاضي ﵀ ذكر احتمالين:\nالاحتمال الأول: أنه أعاد ذكر التحريم ليبلغ من لم يبلغه.\nوالاحتمال الآخر: أن التجارة في الخمر هي التي تأخر تحريمها، فحُرمت الخمر نفسها، ثم بعد ذلك حُرمت التجارة فيها، لكن يُبعد هذا الاحتمالَ القصةُ التي سبقت، وهو هذا الرجل الذي أهدى للنبي ﷺ راوية الخمر، وهذا ظاهره: أن هذا متقدم، فالنبي ﷺ قرن بينهما، حرم الربا وحرم تجارة الخمر، وإن كان أخبر بتحريمها قبل ذلك.","vol":"4","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-714>بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْأَصْنَامِ</span>\n\n[١٥٨١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ- عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ-: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْأَصْنَامِ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- عِنْدَ ذَلِكَ-: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ ﷿ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا أَجْمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ».\n[خ: ٢٢٣٦]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: أَبَا عَاصِمٍ- عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ.\n\n[١٥٨٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمْرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَعَنِ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا، فَبَاعُوهَا».\n[خ: ٢٢٢٣]\nحَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْقَاسِمِ- عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقوله: «قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ»: هذا من شدة غيظه وغضبه عليه، وسمرة ﵁","vol":"4","page":382},{"text":"تأول ذلك بأن أخذ خمرًا من ذمي وباعه، واحتسب ثمنه من الجزية متأولًا.\nوقوله: «فَجَمَلُوهَا»، يعني: أذابوها على النار حتى صارت دهنًا، فقالوا: إنها أصبحت دهنًا الآن وقد تغيرت، فليست شحومًا، وهذه حيلة على محرَّم.\n\n[١٥٨٣] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ، فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا».\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَ عَلَيْهِمُ الشَّحْمُ، فَبَاعُوهُ، وَأَكَلُوا ثَمَنَهُ».\nفي هذه الأحاديث: تحريم بيع الميتة، والخمر، والخنزير، والأصنام.\nوقد اختلف العلماء في الخمر، هل يجوز تخليلها، أو لا يجوز؟\nفقال بعض العلماء: يجوز تخليلها، وقال آخرون: لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ أمر بإراقتها، ولم يأمر بتخليلها، وإذا تخللت بنفسها فهذا كذلك محل خلاف بين أهل العلم.\nوفيها: دليل على تحريم الحيل، وأن الحيلة على محرم لا تخرجه عن كونه محرمًا؛ ولهذا لما سئل النبي ﷺ عن شحوم الميتة تطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، يعني: يجعلونها في المصابيح والسُّرُج، ولم يكن هناك كهرباء، فكانوا يجعلون الشحم والودك للمصباح، يوضع فيه فتيلة أو خرقة، ويشعل في طرفها النار، وفي الطرف الآخر الشحوم، أو الودك، فقال النبي ﷺ: «لا، هُوَ حَرَامٌ»، يعني: الانتفاع بها في الاستصباح، ثم بين النبي ﷺ أن هذه حيلة، والحيلة باطلة، فالشحوم","vol":"4","page":383},{"text":"محرمة، والحيلة لا تُخرج المحرم عن كونه محرمًا، ثم بيَّن النبي ﷺ أن الحيل من فعل اليهود وذمَّهم عليها، فقال- عِنْدَ ذَلِكَ-: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ ﷿ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا أَجْمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ»، يعني: حرم الله عليهم الشحوم عقوبة لهم؛ لقوله تعالى: ﴿وعلى الذين هادو حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون﴾، فبسبب بغيهم وظلمهم حرم الله عليهم الشحوم، كما قال تعالى: ﴿فبظلم من الذين هادو حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله﴾ فلما حرم الله عليهم الشحوم احتالوا، فأخذوا الشحوم وأذابوها حتى صارت دهنًا، ثم باعوها وأكلوا ثمنها، وقالوا: نحن ما بعنا الشحوم، بعنا الدهن، وهذه حيلة باطلة؛ كحيلة أصحاب السبت الذين حرم الله عليهم اصطياد الحيتان يوم السبت، فابتلاهم الله بأن كانت الحيتان لا تأتي إلا يوم السبت، وتغيب بقية الأيام، فاحتالوا فنصبوا الشباك يوم الجمعة؛ لتصيد يوم السبت، ثم يأخذوها يوم الأحد، فقالوا: ما اصطدنا يوم السبت- وهذه حيلة- فلما فعلوا ذلك مسخهم الله ﵎ قردة وخنازير- نعوذ بالله\nمن غضبه.\nولهذا حذر النبي ﷺ من الحيل الباطلة، مثل ما يتحيل بعض الناس على الربا الآن، كقلب الدَّين على المعسر، فبعض الناس إذا صار له دين على شخص، كعشرة آلاف، أو عشرين ألفًا، ثم إذا حل الدَّين، وكان المدين معسرًا، فيقول له: أبيع عليك سيارة تساوي عشرين أبيعها بثلاثين، ثم يقول: بعها في الحال، فيبيعها في الحال، ويعطيه العشرين، ويبقى الدين في ذمته، ويتراكم عليه، وهذه حيلة على الربا، وهي حيلة باطلة، وهذا ربا محرم.","vol":"4","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-715>بَابُ الرِّبَا</span>\n\n[١٥٨٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ».\n[خ: ٢١٧٧]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ: إِنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَأْثُرُ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ، فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ، وَنَافِعٌ مَعَهُ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ رُمْحٍ قَالَ نَافِعٌ: فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَنَا مَعَهُ وَاللَّيْثِيُّ حَتَّى دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا أَخْبَرَنِي أَنَّكَ تُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَعَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَأَشَارَ أَبُو سَعِيدٍ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى عَيْنَيْهِ وَأُذُنَيْهِ، فَقَالَ: أَبْصَرَتْ عَيْنَايَ وَسَمِعَتْ أُذُنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا شَيْئًا غَائِبًا مِنْهُ بِنَاجِزٍ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ».\nحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ- يَعْنِي: ابْنَ حَازِمٍ-.ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ بِنَحْوِ حَدِيثِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ، إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ».","vol":"4","page":385},{"text":"في هذه الأحاديث: تحريم بيع الذهب بالذهب متفاضلًا، أو مؤجلًا، وكذلك بيع الورق بالورق- يعني: الفضة بالفضة- متفاضلًا، أو مؤجلًا، فإذا باع ذهبًا بذهب فلا يجوز له أن يزيد بعضها على بعض؛ ولهذا قال: «وَلَا تُشِفُّوا»، يعني: لا تزيدوا بعضها على بعض، فلا بد أن يتساويا بالميزان، وكذلك لا يجوز التأجيل؛ ولهذا قال: «وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ»، فلا بد من التقابض، وأن يكون يدًا بيد، وكذلك الفضة بالفضة.\nوإذا باع أحدهما بالآخر سقط أحد الشرطين، وهو شرط التماثل، فله أن يبيع مائة غرام من الفضة بغرام واحد من الذهب، لكن لا بد من التقابض بمجلس العقد، وسيأتي- أيضًا- حكم هذا في بيع البر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح.\nوقوله: «مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ»: هذا تأكيد لقوله: «وَزْنًا بِوَزْنٍ».\n\n[١٥٨٥] حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وأحمد بن عيسى قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ ابْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ مَالِكَ بْنَ أَبِي عَامِرٍ يُحَدِّثُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ، وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ».\nقوله: «لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ، وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ»: الدينار ذهب، والدرهم فضة، وبعض الناس يغلط، فيقع في الربا، فيكون عنده ذهب قديم، ويأتي إلى بائع الذهب، ويبيع عليه الذهب القديم بذهب جديد وزيادة دراهم، وهذا ربا، ولو كان هذا قديمًا وهذا جديدًا، فلا بد أن يتماثل بالميزان، والمخرج من هذا هو: أن تبيع الذهب القديم بالدراهم، ثم تشتري بالدراهم ذهبًا جديدًا، والأولى أن يبيعها عند شخص، ويشتري عند شخص آخر، حتى لا تكون هذه حيلة يتحيل بها.","vol":"4","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-716>بَابُ الصَّرْفِ وَبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ نَقْدًا</span>\n\n[١٥٨٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ أَقُولُ: مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ- وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ-: أَرِنَا ذَهَبَكَ، ثُمَّ ائْتِنَا إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِكَ وَرِقَكَ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كَلَّا، وَاللَّهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِبًا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله: «هَاءَ وهَاءَ»، يعني: خذ وأعطِ، وهذا هو الشرط الثاني، وهو شرط التقابض.","vol":"4","page":387},{"text":"[١٥٨٧] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: كُنْتُ بِالشَّامِ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ، فَجَاءَ أَبُو الْأَشْعَثِ قَالَ: قَالُوا: أَبُو الْأَشْعَثِ، أَبُو الْأَشْعَثِ، فَجَلَسَ، فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْ أَخَانَا حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: نَعَمْ، غَزَوْنَا غَزَاةً وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ، فَغَنِمْنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَكَانَ فِيمَا غَنِمْنَا آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا أَنْ يَبِيعَهَا فِي أَعْطِيَاتِ النَّاسِ، فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، فَبَلَغَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، فَقَامَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ، إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى، فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ، فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: أَلَا مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَادِيثَ قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ وَنَصْحَبُهُ، فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ، فَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، فَأَعَادَ الْقِصَّةَ، ثُمَّ قَالَ: لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ- أَوَ قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ- مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَصْحَبَهُ فِي جُنْدِهِ لَيْلَةً سَوْدَاءَ. قَالَ حَمَّادٌ: هَذَا أَوْ نَحْوَهُ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَيُّوبَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ».","vol":"4","page":388},{"text":"[١٥٨٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَب، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى، الْآخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ».\nحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ الرَّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ» فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ.\n\n[١٥٨٨] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى، إِلَّا مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ».\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ يَدًا بِيَدٍ.\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَب، وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَهُوَ رِبًا».\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي تَمِيمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا».\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ أَبِي تَمِيمٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.","vol":"4","page":389},{"text":"قوله: «وَمَنْ زَادَ»، يعني: أعطى زيادة.\nوقوله: «أَوِ اسْتَزَادَ»، يعني: طلب الزيادة؛ لأن الهمزة والسين والتاء للطلب.\nوقوله: «لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ- أَو قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ»: هذا دليل على أهمية العلم ونشره، وأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، ومعاوية معذور في هذا؛ لأنه يريد التثبت، وهو لم يبلغه الحديث، وفيه: دليل على أن الكبير والعالم من الصحابة وغيرهم قد يخفَى عليه شيء من العلم، فهذا معاوية ﵁ صحب النبي ﷺ، وهو من كُتَّاب الوحي، وهذا الحديث أمر مشهور في إجراء الربا في هذه الأمور الستة، ومع ذلك خفي عليه ذلك.\nوفي هذه الأحاديث: فضل تبليغ العلم، ونشره، وعدم المبالاة بمن يمنع من ذلك، فمعاوية ﵁ خفي عليه النص، ولكن عبادة بن الصامت ﵁ بلَّغه.\nوفيها: أن الربا يجري في هذه الأشياء الستة: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح، ستة أشياء إذا بيع بعضها ببعض، فإنه يجب فيها شرطان:\nالشرط الأول: التماثل، فلا يزيد بعضها على بعض.\nالشرط الثاني: التقابض بمجلس العقد.\n- واختلف العلماء فيما في معنى هذه الأشياء الستة، هل تقاس عليها، أو لا تقاس على قولين:\nالقول الأول: ذهب الظاهرية إلى أنه لا ربا إلا في هذه الأشياء الستة؛ لأن الظاهرية يمنعون القياس (^١)، ويقولون: ما عدا هذه الأشياء كالنحاس،\n_________\n(^١) المحلى، لابن حزم (٧/ ٤٠١).","vol":"4","page":390},{"text":"والرصاص، والحديد، والأرز وغيرها، فلا بأس فيها بالزيادة، ولا بأس بعدم التقابض بمجلس العقد.\nالقول الثاني: ذهب جمهور العلماء (^١)، إلى أنه يقاس عليها ما وافقها في العلة، واختلف العلماء في العلة التي يقاس عليها، فالعلة في الذهب والفضة الثمنيَّة، أي: كونهما ثمنًا للأشياء، وهذا هو الصواب، وقال بعضهم (^٢): العلة الوزن، لكن الصواب أنها هي الثمنية، فكل ما كان ثمنًا للأشياء فإنه يأخذ هذا الحكم، مثل الأوراق النقدية الآن، فلا يجوز أن تبيع ريالًا بريالين سعودي، ولا يجوز أن تبيع مائة بمائة وعشرة، ومثله الصرف- أيضًا- فلا يجوز أن تصرف مائة بثمان وتسعين، أما إذا اختلفت العملة كريال سعودي بدولار فهنا لا بأس بالزيادة، لكن لا بد من التقابض بمجلس العقد، ومثله التحويلات، حينما يحول الإنسان ريالات سعودية إلى بلد آخر ويأخذها دولارات أمريكية، أو جنيهات مصرية، أو دنانير كويتية، فلا بد أن يكون يدًا بيد، والمخرج من هذا بأحد أمرين:\nالأمر الأول: أن يشتري العملة التي يريد أن يحولها، ثم يحولها، فإذا أراد أن يحول دينارًا كويتيًّا فيشتري الدينار، ثم يحوله، ثم يقبضه هناك، وإذا أراد أن يحول جنيهات مصرية يشتري الجنيهات المصرية، ثم يحولها جنيهات مصرية، ثم يقبضها هناك.\nوالأمر الثاني: أن يحولها ريالات سعودية، لكن إذا وصلت هناك يستلم الريالات السعودية ويصرفها في الحال، أما أن يأخذ الريالات السعودية، ويحولها جنيهات مصرية، أو دولارات فهذا لا يجوز، وهو ربا.\n_________\n(^١) المبسوط، للسرخسي (١٢/ ١١٣)، التاج والإكليل، للمواق (٦/ ١٩٧)، المجموع، للنووي (٩/ ٣٩٣)، المغني، لابن قدامة (٤/ ٥).\n(^٢) البحر الرائق، لابن نجيم (٥/ ٣٣٠)، بدائع الصنائع، للكاساني (٥/ ١٨٥)، المبدع، لابن مفلح (٤/ ١٢٨)، كشاف القناع (٣/ ٢٥٢).","vol":"4","page":391},{"text":"والعلة في البر والتمر والشعير والملح اختلف فيها العلماء:\nفالشافعية يرون أنها الطعم (^١).\nوالمالكية يرون أنها الاقتيات والادخار (^٢).\nوالحنابلة والأحناف يرون أنها الكيل والوزن (^٣).\nوالأقرب في هذا: أنه لا بد من اجتماع هذه الأمور كلها، فلا بد أن يكون مكيلًا ومدخرًا ومطعومًا، مثل: الأرز، فيدخل فيها؛ لأنه مكيل ومدخر ومطعوم، لكن مثلًا الخضراوات والفاكهة لا يجري فيها الربا، فالخضراوات والفواكه ليست مكيلة، وليست موزونة في الأصل، وإن كانت توزن الآن، وليست مدخرة فهي لا تبقى مدة، فيأتي الفقيه مثلًا ويقيس الأرز على البر، يقول: الأرز كالبر في جريان الربا في كل منهما لجامع الطعم إذا كان شافعيًّا، وإذا كان مالكيًّا يقول: لجامع الادخار، وإذا كان حنبليًّا يقول: لجامع الكيل، والجمهور على أنه يقاس عليها كلها مع اختلافها في العلة.\nمسألة: هل يجري الربا في الحديد والنحاس والرصاص؟\nوالجواب: أن الربا يجري في هذه الأشياء عند الحنابلة والأحناف، فقد قالوا: إن العلة في الربويات هي الوزن؛ ولذا فالربا يجري في الحديد والنحاس والرصاص.\nمسألة: هل يجري الربا في اللحم إذا بيع باللحم؟\nوالجواب: اللحم مطعوم موزون، وبيع الحيوان بالحيوان الصواب أنه لا يجري فيه الربا؛ لأنه وإن كان مطعومًا فهو لا يُدَّخر، فلا بأس به.\n_________\n(^١) المجموع، للنووي (٩/ ٣٩٥).\n(^٢) الشرح الكبير، للدردير (٣/ ٤٧).\n(^٣) المبسوط، للسرخسي (١٢/ ١١٣).","vol":"4","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-717>بَابُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْوَرِقِ بِالذَّهَبِ دَيْنًا</span>\n\n[١٥٨٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: بَاعَ شَرِيكٌ لِي وَرِقًا بِنَسِيئَةٍ إِلَى الْمَوْسِمِ- أَوْ: إِلَى الْحَجِّ- فَجَاءَ إِلَيَّ فَأَخْبَرَنِي، فَقُلْتُ: هَذَا أَمْرٌ لَا يَصْلُحُ، قَالَ: قَدْ بِعْتُهُ فِي السُّوقِ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ، فَأَتَيْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَنَحْنُ نَبِيعُ هَذَا الْبَيْعَ، فَقَالَ: «مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَهُوَ رِبًا»، وَائْتِ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ تِجَارَةً مِنِّي، فَأَتَيْتُهُ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ.\n[خ: ٢١٨١]\nقوله: «بَاعَ شَرِيكٌ لِي وَرِقًا بِنَسِيئَةٍ إِلَى الْمَوْسِمِ- أَوْ: إِلَى الْحَجِّ»: الوَرِق: الفضة، والمعنى: أنه باع وَرِقًا بنسيئة، يعني: مؤجلًا، أعطاه بعض الورق ولم يأخذ الثمن في الحال، فأنكر عليه، فقال: إني فعلت هذا في السوق، ولم ينكر عليَّ أحد، وفي هذا دليل على أن ما يفعله الناس في الأسواق ليس حجة، والحجة في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، وأنه قد يتعامل الناس بالربا في الأسواق، ولا ينكر أحد بسبب الجهل، وضعف الوازع الديني؛ ولهذا أنكر أبو المنهال على صاحبه هذا البيع، ففيه: دليل على أن هذا البيع فاسد، كما فيه: أن التعامل بالربا يجعل البيع فاسدًا، فيجب فسخ البيع.","vol":"4","page":393},{"text":"حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حَبِيبٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْمِنْهَالِ يَقُولُ: سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: سَلْ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ؛ فَهُوَ أَعْلَمُ، فَسَأَلْتُ زَيْدًا، فَقَالَ: سَلْ الْبَرَاءَ؛ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ قَالَا: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْوَرِقِ بِالذَّهَبِ دَيْنًا.\n\n[١٥٩٠] حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيه قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا، وَنَشْتَرِيَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا، قَالَ: فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَدًا بِيَدٍ، فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ.\n[خ: ٢١٨٢]\nحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ عَنْ يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ- عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nقوله: «وَأَمَرَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا»، يعني: يدًا بيدٍ، أي: أن الزيادة والنقصان لا بأس بهما في بيع الذهب بالفضة، وبيع الفضة بالذهب، يبيع كيف شاء بزيادة أحدهما أكثر من الآخر، لكن لا بد من التقابض بمجلس العقد.","vol":"4","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-718>بَابُ بَيْعِ الْقِلَادَةِ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ</span>\n\n[١٥٩١] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عُلَيَّ بْنَ رَبَاحٍ اللَّخْمِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- وَهُوَ بِخَيْبَرَ- بِقِلَادَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ، وَهِيَ مِنَ الْمَغَانِمِ تُبَاعُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ، فَنُزِعَ وَحْدَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَزْنًا بِوَزْنٍ».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ أَبِي شُجَاعٍ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَّلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ مُبَارَكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nفي هذا الحديث: أن فضالة بن عبيد ﵁ اشترى قلادة فيها ذهب وخرز باثني عشر دينارًا، ففصلها، فوجد أن الذهب الذي اشتراه أكثر، فنهى النبي ﷺ عن بيعها حتى يفصل الذهب من غيره، فَيُخرج الذهب ويباع بذهب وزنًا، والخرز يبيعه بما شاء.\nوهذه المسألة تسمى: مد عجوة، وهي بيع الربوي بربوي ومعه شيء آخر، فهو قد باع القلادة وفيها ذهب وخرز بذهب، ذهب بذهب ومعه زيادة، والعجوة: نوع من أنواع تمر المدينة، فبيع مد عجوة من التمر بمد","vol":"4","page":395},{"text":"من التمر ودرهم؛ هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، وظاهر الحديث: المنع، وهذا هو الصواب.\nوقال بعض أهل العلم بالجواز مطلقًا (^١)، ولعل الحديث لم يبلغهم، وذهب الإمام أبو حنيفة إلى التفصيل (^٢)، وهو أنه إذا كان الذهب الذي اشتراه أكثر من الذهب الذي بالقلادة فلا بأس؛ لأن الزيادة تكون مقابل الخرز، كما في هذه القصة.\nوقيل: إذا كان الذهب تابعًا للمبيع فلا بأس، وإن لم يكن تابعًا فلا، وقدر التبع بأن يكون الثلث فأقل، فإذا كان الذهب الثلث فأقل فهو تابع، وإذا كان أكثر من الثلث فلا.\nوالصواب: القول الأول، وهو المنع مطلقًا، وهو الذي دل عليه الحديث.\nوإذا بيع الذهب والفضة بواحد من الأصناف الأربعة فلا يجب التطابق بالإجماع؛ لأن الذهب والفضة ثمن للأشياء، فيجوز أن يبيع البر والشعير بدراهم، وبذهب، أو فضة، ولو مؤجَّلًا.\n_________\n(^١) التاج والإكليل، للعبدري (٦/ ١٢٦)، الشرح الكبير، للدردير (٣/ ٢٩)، مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (٢/ ٣٧٤) المغني، لابن قدامة (٤/ ٢٨).\n(^٢) المبسوط للسرخسي (١٢/ ١٨٩ (، فتح القدير، لابن الهمام (٧/ ١٤١).","vol":"4","page":396},{"text":"[١٥٩٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنِ الجُلَاحِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي حَنَشٌ الصَّنْعَانِيُّ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ نُبَايِعُ الْيَهُودَ، الْوُقِيَّةَ الذَّهَبَ بِالدِّينَارَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ».\n[خ: ٢٢٠٢]\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُعَافِرِيِّ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، وَغَيْرِهِمَا أَنَّ عَامِرَ بْنَ يَحْيَى الْمُعَافِرِيَّ أَخْبَرَهُمْ عَنْ حَنَشٍ: أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ فِي غَزْوَةٍ، فَطَارَتْ لِي وَلِأَصْحَابِي قِلَادَةٌ فِيهَا ذَهَبٌ، وَوَرِقٌ، وَجَوْهَرٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهَا، فَسَأَلْتُ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ، فَقَالَ: انْزِعْ ذَهَبَهَا، فَاجْعَلْهُ فِي كِفَّةٍ، وَاجْعَلْ ذَهَبَكَ فِي كِفَّةٍ، ثُمَّ لَا تَأْخُذَنَّ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَأْخُذَنَّ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ».\nقوله: «فَطَارَتْ لِي وَلِأَصْحَابِي قِلَادَةٌ فِيهَا ذَهَبٌ، وَوَرِقٌ، وَجَوْهَرٌ»، يعني: حصلت لي غنيمة: قلادة فيها ذهب، وورق، وجوهر، فسأل فضالةَ بن عبيد، فقال: انزع الذهب، - يعني: افصل الذهب- وبِعْهُ بذهب وزنًا بوزن، ثم بِعِ الباقي بما شئتَ، فلا بأس بالزيادة، لكن لا بد أن تكون يدًا بيدٍ.","vol":"4","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-719>بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ</span>\n\n[١٥٩٢] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ أَرْسَلَ غُلَامَهُ بِصَاعِ قَمْحٍ، فَقَالَ: بِعْهُ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ شَعِيرًا، فَذَهَبَ الْغُلَامُ، فَأَخَذَ صَاعًا وَزِيَادَةَ بَعْضِ صَاعٍ، فَلَمَّا جَاءَ مَعْمَرًا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ مَعْمَرٌ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ ! انْطَلِقْ فَرُدَّهُ، وَلَا تَأْخُذَنَّ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ؛ فَإِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» قَالَ: وَكَانَ طَعَامُنَا- يَوْمَئِذٍ- الشَّعِيرَ، قِيلَ لَهُ: فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِهِ قَالَ: «إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَارِعَ».\nقوله: «إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَارِعَ»، أي: أخاف أن يشابه ويشارك الممنوع، فيأخذ حكمه في تحريم الربا، ومنه: الفعل المضارع، سمي مضارعًا؛ لأنه يشابه الاسم في كونه معربًا، فخاف معمر ﵁ أن يضارع، واستدل بعموم الحديث: «الطعام بالطعام مثلًا بمثل» والصواب: أنه لا بأس ببيع الحنطة بالشعير، وأحدهما أكثر من الآخر؛ لأن هذا جنس وهذا جنس؛ لما سبق في الأحاديث أن النبي ﷺ قال: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يدًا بيدٍ».\nفي هذا الحديث: أن معمر ﵁ لم يأخذ الزيادة من باب التورع، والصواب: أنه لا بأس بذلك؛ لأن الجنس مختلف.","vol":"4","page":398},{"text":"[١٥٩٣] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ، فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ، فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟» قَالَ: لَا- وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ- إِنَّا لَنَشْتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنَ الْجَمْعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، أَوْ بِيعُوا هَذَا، وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا، وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ».\nقوله: «فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ»: التمر الجنيب هو: التمر الجيد.\nوقوله: «مِنَ الْجَمْعِ»: الجمع هو: الخلاط من التمر.\nوقوله: «لَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، أَوْ بِيعُوا هَذَا، وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا، وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ»، يعني: بيعوا التمر الرديء بالدراهم، واشتروا بثمنه هذا التمر الجيد، فهذا مخرج، فلا يجوز بيع التمر بالتفاضل، ولو كان أحدهما جيدًا، والآخر رديئًا.","vol":"4","page":399},{"text":"حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟»، فَقَالَ: لَا- وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ- إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَلَا تَفْعَلْ بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا».\n\n[١٥٩٤] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُمَا جَمِيعًا- عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ- وَهُوَ ابْنُ سَلَّامٍ- أَخْبَرَنِي يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ- قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ يَقُولُ: جَاءَ بِلَالٌ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مِنْ أَيْنَ هَذَا؟»، فَقَالَ بِلَالٌ: تَمْرٌ كَانَ عِنْدَنَا رَدِيءٌ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِمَطْعَمِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- عِنْدَ ذَلِكَ-: «أَوَّهْ! عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ التَّمْرَ، فَبِعْهُ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ»، لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ سَهْلٍ فِي حَدِيثِهِ: عِنْدَ ذَلِكَ.\n[خ: ٢٣١٢]\nفي هذا الحديث: دليل على أنه لا بأس بطلب الجيد من الطعام والشراب وغيره، وأن هذا لا ينافي الزهد؛ لأن هذا يفيد الجسم وينفعه، ويتقوى به على طاعة الله، بخلاف الرديء فإنه تعافه النفس، ولكن على الإنسان أن لا يسرف، وعليه أن يكون متوسطًا بأموره؛ ولهذا لم ينكر النبي ﷺ على بلال ﵁ إتيانه بالتمر الجيد، لكن أنكر عليه كيفية البيع، وأنه باع صاعين من الرديء بصاع من الجيد.","vol":"4","page":400},{"text":"وَحَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي قَزَعَةَ الْبَاهِلِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَمْرٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا التَّمْرُ مِنْ تَمْرِنَا»، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِعْنَا تَمْرَنَا صَاعَيْنِ بِصَاعٍ مِنْ هَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «هَذَا الرِّبَا، فَرُدُّوهُ، ثُمَّ بِيعُوا تَمْرَنَا، وَاشْتَرُوا لَنَا مِنْ هَذَا».\nفي هذا الحديث: أن بيع الربا باطل، وأنه يُرَدُّ، فيأخذ البائع حقه، ويأخذ المشتري حقه؛ ولهذا قال: «فَرُدُّوهُ»، فإذا تعامل أحد بالربا مع شخص، أو مع بنك فيجب أن يفسخ البيع، وكل يأخذ حقه، كما قال الله تعالى: ﴿وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾.\n\n[١٥٩٥] حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الْجَمْعِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ الْخِلْطُ مِنَ التَّمْرِ، فَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «لَا صَاعَيْ تَمْرٍ بِصَاعٍ، وَلَا صَاعَيْ حِنْطَةٍ بِصَاعٍ، وَلَا دِرْهَمَ بِدِرْهَمَيْنِ».\n[خ: ٢٠٨٠]\nقوله: «لَا صَاعَيْ تَمْرٍ بِصَاعٍ، وَلَا صَاعَيْ حِنْطَةٍ بِصَاعٍ، وَلَا دِرْهَمَ بِدِرْهَمَيْنِ»: لأنها جنس واحد، فلا يباع بعضها ببعض متفاضلًا، ولا بد من التماثل والتقابض في مجلس العقد.","vol":"4","page":401},{"text":"[١٥٩٤] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: أَيَدًا بِيَدٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَأَخْبَرْتُ أَبَا سَعِيدٍ، فَقُلْتُ: إِنِّي سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: أَيَدًا بِيَدٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ: أَوَ قَالَ ذَلِكَ؟ ! إِنَّا سَنَكْتُبُ إِلَيْهِ، فَلَا يُفْتِيكُمُوهُ، قَالَ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ جَاءَ بَعْضُ فِتْيَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَمْرٍ، فَأَنْكَرَهُ، فَقَالَ: «كَأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ تَمْرِ أَرْضِنَا» قَالَ: كَانَ فِي تَمْرِ أَرْضِنَا- أَوْ: فِي تَمْرِنَا- الْعَامَ بَعْضُ الشَّيْءِ، فَأَخَذْتُ هَذَا، وَزِدْتُ بَعْضَ الزِّيَادَةِ، فَقَالَ: «أَضْعَفْتَ، أَرْبَيْتَ، لَا تَقْرَبَنَّ هَذَا، إِذَا رَابَكَ مِنْ تَمْرِكَ شَيْءٌ، فَبِعْهُ، ثُمَّ اشْتَرِ الَّذِي تُرِيدُ مِنَ التَّمْرِ».\nفي هذا الحديث: تصريح بتحريم ربا الفضل؛ ولهذا قال: «أَضْعَفْتَ، أَرْبَيْتَ»، يعني: فعلت الربا؛ لأنه باع تمرًا قديمًا بتمر جديد، وزاد من التمر القديم، ثم بيَّن له المخرج، فقال: «إِذَا رَابَكَ مِنْ تَمْرِكَ شَيْءٌ، فَبِعْهُ، ثُمَّ اشْتَرِ الَّذِي تُرِيدُ مِنَ التَّمْرِ»، وفي هذا دليل على أن ابن عباس ﵄ كان يرى أن ربا الفضل جائز في أول الأمر؛ ولهذا قال: لا بأس به يدًا بيد؛ اعتمادًا على حديث أسامة: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ»، ثم بيَّن له كبار الصحابة كأبي سعيد وغيره ﵃ النصوص التي دلت على تحريم ربا الفضل، فرجع ﵁؛ ولهذا قال أبو سعيد لأبي نضرة: «أَوَ قَالَ ذَلِكَ؟ ! إِنَّا سَنَكْتُبُ إِلَيْهِ، فَلَا يُفْتِيكُمُوهُ»، يعني: سنكتب له لنبين له الأدلة التي جاءت في تحريم ربا الفضل فلا يفتي بذلك، وسيأتي ما يدل على أنه رجع.","vol":"4","page":402},{"text":"حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ، فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا، فَإِنِّي لَقَاعِدٌ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: مَا زَادَ فَهُوَ رِبًا، فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمَا، فَقَالَ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، جَاءَهُ صَاحِبُ نَخْلِهِ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ طَيِّبٍ، وَكَانَ تَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا اللَّوْنَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَنَّى لَكَ هَذَا؟ !» قَالَ: انْطَلَقْتُ بِصَاعَيْنِ، فَاشْتَرَيْتُ بِهِ هَذَا الصَّاعَ، فَإِنَّ سِعْرَ هَذَا فِي السُّوقِ كَذَا، وَسِعْرَ هَذَا كَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَيْلَكَ! أَرْبَيْتَ، إِذَا أَرَدْتَ ذَلِكَ فَبِعْ تَمْرَكَ بِسِلْعَةٍ، ثُمَّ اشْتَرِ بِسِلْعَتِكَ أَيَّ تَمْرٍ شِئْتَ» قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ رِبًا، أَمِ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ؟ ! قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ بَعْدُ، فَنَهَانِي، وَلَمْ آتِ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي أَبُو الصَّهْبَاءِ: أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْهُ بِمَكَّةَ، فَكَرِهَهُ.\nفي هذا الحديث: أن ابن عمر ﵄ وابن عباس ﵄ كانا لا يريان بأسًا في ربا الفضل، وقد خفيت عليهما النصوص التي فيها تحريم ربا الفضل، كحديث أبي سعيد ﵁، وحديث عبادة ﵁، ثم رجعا عن ذلك.\nوقوله: «فَأَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ بَعْدُ، فَنَهَانِي وَلَمْ آتِ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي أَبُو الصَّهْبَاءِ: أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْهُ بِمَكَّةَ، فَكَرِهَهُ»: هذا دليل على أنهما رجعا عَنِ القول بتحليل ربا الفضل، لما أخبرهما الصحابة.\nوهذا الحديث صريح بأن ربا الفضل حرام، وربا الفضل يعني: الزيادة.","vol":"4","page":403},{"text":"[١٥٩٦] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ عَبَّادٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، مَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ غَيْرَ هَذَا، فَقَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِي تَقُولُ، أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿؟ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ».\n[خ: ٢١٧٩]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ».\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ قَالَا: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا رِبًا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ».\nحَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِقْلٌ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ لَقِيَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَكَ فِي الصَّرْفِ، أَشَيْئًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَمْ شَيْئًا وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَلَّا، لَا أَقُولُ، أَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهِ، وَأَمَّا كِتَابُ اللَّهِ فَلَا أَعْلَمُهُ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ».\nفي هذه الأحاديث: دليل على أن ابن عباس ﵄ حينما كان يفتي بربا","vol":"4","page":404},{"text":"الفضل كان يعتمد على هذا الحديث: «الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ»، وهو حديث أسامة ﵁، وجاء بلفظ: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ»، فكان يفتي بجواز ربا الفضل إذا كان يدًا بيد، أي: أن يكون دينار بدينارين، والدرهم بالدرهمين، والصاع بالصاعين، وإن كان جنسًا واحدًا، إذا كان يدًا بيد، اعتمادًا على هذا الحديث، وظاهر هذا الحديث: أن ربا الفضل لا بأس به، وقد فهم أن الربا لا يكون إلا في النسيئة، وأن الحديث يفيد الحصر، لكن جاءت أحاديث كثيرة كحديث عبادة ﵁، وحديث أبي سعيد ﵁، وهي صريحة في تحريم ربا الفضل، والقاعدة عند أهل العلم: أنه إذا جاء الحديث يخالف ظاهره الأحاديث الكثيرة فإنه يُحمل عليها.\nولهذا أجاب العلماء عن هذا الحديث بخمسة أجوبة:\nالجواب الأول: أن هذا كان في أول الإسلام، ثم نسخ بتحريم ما كان وسيلة إليه بهذه النصوص؛ لأن ربا الفضل وسيلة لربا النسيئة.\nوالجواب الثاني: أن الحصر في قوله: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ»، أو «الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ»: محمول على الربا الأعظم- والذي هو ربا الجاهلية- الذي حرم تحريم الغايات، وتحريم ربا الفضل هذا من تحريم الوسائل.\nوالجواب الثالث: أن هذا محمول على بيع الدَّين بالدَّين، لا على بيع الربويات.\nوالجواب الرابع: أن الحديث محمول على اختلاف الأجناس، كالتمر، والبر، فيكون في الأجناس المختلفة، ولا ربا في الأجناس المختلفة، إنما الربا يكون في الجنس الواحد.\nوالجواب الخامس: أن حديث أسامة: «الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ»: مجمل، وحديث عبادة وأبي سعيد مبيِّن، وإذا جاء مجمَلٌ ومبيِّن فإن العمل يكون بالحديث المبيِّن.","vol":"4","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-720>بَابُ لَعْنِ آكِلِ الرِّبَا وَمُؤْكِلِهِ</span>\n\n[١٥٩٧] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: سَأَلَ شِبَاكٌ إِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنَا عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ قَالَ: قُلْتُ: وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، قَالَ: إِنَّمَا نُحَدِّثُ بِمَا سَمِعْنَا.\n\n[١٥٩٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالُوا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: «هُمْ سَوَاءٌ».\nفي هذا الحديث: الوعيد الشديد على أكل الربا؛ لأن اللعن هو: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وما توعد فيه باللعن، أو العذاب، أو النار في الآخرة فهو من الكبائر، وأكل الربا قد تُوعد عليه في الكتاب العزيز بحرب من الله ورسوله، قال تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾، ولم يتوعد ربنا على كبيرة دون الشرك بمثل هذا الوعيد، فالمرابي آذنه الله ﷿ بحرب منه ورسوله- نعوذ بالله.\nوفيه: أن أربعة كلهم ملعونون في الربا: آكلُه، ومؤكلُه، وكاتبُهُ، وشاهِداه.\nوقوله: «آكِلَ الرِّبَا، ومُؤْكِلَهُ»، يعني: حتى ولو لم يأكله فهو ملعون، فلو أخذه واشترى به سيارة فهو ملعون، لكن عبَّر بالأكل: لأنه أعظم وجوه الانتفاع.","vol":"4","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-721>بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ</span>\n\n[١٥٩٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ- وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ-: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».\n[خ: ٥٢]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ، وَأَبِي فَرْوَةَ الهمداني. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ زَكَرِيَّاءَ أَتَمُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ وَأَكْثَرُ.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ نُعْمَانَ بْنَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ بِحِمْصَ- وَهُوَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ» فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ زَكَرِيَّاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ إِلَى قَوْلِهِ: «يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ».","vol":"4","page":407},{"text":"هذا الحديث حديث عظيم، وهو من أحاديث الأربعين النووية.\nوقيل: إن هذا الحديث ثلث الإسلام، والإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (^١)، وحديث: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (^٢)، وحديث: «الحَلَالُ بَيِّنٌ والحَرَامُ بَيِّنٌ» (^٣).\nوقال بعضهم: إنه ربع الإسلام، وأضافوا حديث: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (^٤).\nوفيه: أن الأشياء تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: حلال بيِّن واضح لا لبس فيه، كالأشياء التي أحلها الله من المطاعم والمشارب.\nالقسم الثاني: حرام بيِّن واضح، كالمحرمات التي حرمها وتحريمها واضح، كالميتة، والخنزير، والأصنام، والخمور.\nالقسم الثالث: وهو المشتبهات، وهذه على المسلم أن يتوقف فيها، وقد تكون مشتبهة على بعض دون بعض، فمن اشتبه عليه شيء فعليه أن يتوقف فيه حتى يتبين له؛ لأنه إذا تناول المتشابهات تجرأ على المحرمات شيئًا بعد شيء؛ لأن الإنسان إذا فعل المتشابهات لا يزال يفعل حتى يصل للمحرمات، ومثَّل النبي ﷺ لذلك، فقال: «كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ»، فالواجب على المسلم أن يتقي محارم الله.\nوقوله: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»: فيه: دليل على أن القلب بصلاحه تصلح\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩).\n(^٤) أخرجه أحمد (١٧٢١)، والترمذي (٢٥١٨)، والنسائي (٥٧١١).","vol":"4","page":408},{"text":"الأعضاء، وبفساده تفسد، فهو ملك الأعضاء، وسمي مضغة كقدر ما يُمضغ بالفم تصغيرًا له.\nواستدل بعضهم بهذا الحديث على: أن العقل إنما هو في القلب، وقال بعضهم: العقل في الدماغ وقيل: إنه في القلب (^١) وله صلة في الدماغ، وإذا فسد الدماغ فسد القلب، والأولون استدلوا بهذا الحديث، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾.\n_________\n(^١) لوامع الأنوار البهية، للسفاريني (٢/ ٤٣٧).","vol":"4","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-722>بَابُ بَيْعِ الْبَعِيرِ، وَاسْتِثْنَاءِ رُكُوبِهِ</span>\n\n[٧١٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ، قَالَ: فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ ﷺ، فَدَعَا لِي، وَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ، قَالَ: «بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ»، قُلْتُ: لَا، ثُمَّ قَالَ: «بِعْنِيهِ»، فَبِعْتُهُ بِوُقِيَّةٍ، وَاسْتَثْنَيْتُ عَلَيْهِ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي، فَلَمَّا بَلَغْتُ أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ، فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِي، فَقَالَ: «أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لِآخُذَ جَمَلَكَ، خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ فَهُوَ لَكَ».\n[خ: ٢٧١٨]\nوَحَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى- يَعْنِي: ابْنَ يُونُسَ- عَنْ زَكَرِيَّاءَ عَنْ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ.\nحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَلَاحَقَ بِي، وَتَحْتِي نَاضِحٌ لِي قَدْ أَعْيَا، وَلَا يَكَادُ يَسِيرُ قَالَ: فَقَالَ لِي: «مَا لِبَعِيرِكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: عَلِيلٌ، قَالَ: فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَزَجَرَهُ وَدَعَا لَهُ، فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَيِ الْإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ، قَالَ: فَقَالَ لِي: «كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: بِخَيْرٍ، قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ، قَالَ: «أَفَتَبِيعُنِيهِ؟» فَاسْتَحْيَيْتُ، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِحٌ غَيْرُهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ الْمَدِينَةَ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي عَرُوسٌ، فَاسْتَأْذَنْتُهُ فَأَذِنَ لِي، فَتَقَدَّمْتُ النَّاسَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى انْتَهَيْتُ، فَلَقِيَنِي خَالِي، فَسَأَلَنِي عَنِ البَعِيرِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا صَنَعْتُ فِيهِ، فَلَامَنِي فِيهِ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِي حِينَ اسْتَأْذَنْتُهُ: «مَا تَزَوَّجْتَ، أَبِكْرًا، أَمْ ثَيِّبًا؟»، فَقُلْتُ لَهُ: تَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا، قَالَ: «أَفَلَا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُلَاعِبُكَ وَتُلَاعِبُهَا؟»، فَقُلْتُ لَهُ: يَا","vol":"4","page":410},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ، تُوُفِّيَ وَالِدِي- أَوِ اسْتُشْهِدَ- وَلِي أَخَوَاتٌ صِغَارٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ إِلَيْهِنَّ مِثْلَهُنَّ، فَلَا تُؤَدِّبُهُنَّ، وَلَا تَقُومُ عَلَيْهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا؛ لِتَقُومَ\nعَلَيْهِنَّ، وَتُؤَدِّبَهُنَّ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالْبَعِيرِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ، وَرَدَّهُ عَلَيَّ.\n[خ: ٢٩٦٧]\nحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَقْبَلْنَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاعْتَلَّ جَمَلِي، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَفِيهِ: ثُمَّ قَالَ لِي: بِعْنِي جَمَلَكَ هَذَا، قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ هُوَ لَكَ، قَالَ: لَا، بَلْ بِعْنِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ هُوَ لَكَ- يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ: لَا، بَلْ بِعْنِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ لِرَجُلٍ عَلَيَّ أُوقِيَّةَ ذَهَبٍ، فَهُوَ لَكَ بِهَا، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ، فَتَبَلَّغْ عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبِلَالٍ: أَعْطِهِ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ وَزِدْهُ، قَالَ: فَأَعْطَانِي أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ، وَزَادَنِي قِيرَاطًا، قَالَ: فَقُلْتُ: لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَكَانَ فِي كِيسٍ لِي، فَأَخَذَهُ أَهْلُ الشَّامِ يَوْمَ الْحَرَّةِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَتَخَلَّفَ نَاضِحِي، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: فَنَخَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ لِي: «ارْكَبْ بِاسْمِ اللَّهِ»، وَزَادَ- أَيْضًا- قَالَ: فَمَا زَالَ يَزِيدُنِي، وَيَقُولُ: «وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا أَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ أَعْيَا بَعِيرِي، قَالَ: فَنَخَسَهُ، فَوَثَبَ، فَكُنْتُ بَعْدَ ذَلِكَ أَحْبِسُ خِطَامَهُ لِأَسْمَعَ حَدِيثَهُ، فَمَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: «بِعْنِيهِ»، فَبِعْتُهُ مِنْهُ بِخَمْسِ أَوَاقٍ، قَالَ: قُلْتُ: عَلَى أَنَّ لِي ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ: «وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ»، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أَتَيْتُهُ بِهِ، فَزَادَنِي وُقِيَّةً، ثُمَّ وَهَبَهُ لِي.","vol":"4","page":411},{"text":"حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَافَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ- أَظُنُّهُ قَالَ: غَازِيًا- وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ: قَالَ: «يَا جَابِرُ، أَتَوَفَّيْتَ الثَّمَنَ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «لَكَ الثَّمَنُ، وَلَكَ الْجَمَلُ، لَكَ الثَّمَنُ، وَلَكَ الْجَمَلُ».\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَارِبٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: اشْتَرَى مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعِيرًا بِوُقِيَّتَيْنِ وَدِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَمَيْنِ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ صِرَارًا أَمَرَ بِبَقَرَةٍ، فَذُبِحَتْ، فَأَكَلُوا مِنْهَا، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الْمَسْجِدَ، فَأُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَوَزَنَ لِي ثَمَنَ الْبَعِيرِ، فَأَرْجَحَ لِي.\n[خ: ٣٠٨٩]\nحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا مُحَارِبٌ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَاشْتَرَاهُ مِنِّي بِثَمَنٍ قَدْ سَمَّاهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْوُقِيَّتَيْنِ، وَالدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ، وَقَالَ: أَمَرَ بِبَقَرَةٍ، فَنُحِرَتْ، ثُمَّ قَسَمَ لَحْمَهَا.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «قَدْ أَخَذْتُ جَمَلَكَ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ، وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ».\nحديث جابر ﵁ له طرق متعددة، ساقها الإمام مسلم، وهذا من ميزة صحيحه، أنه يسوق طرقًا متعددة للحديث الواحد، فيتبين بها فوائد عظيمة.\nقوله: «تُوُفِّي وَالِدِي- أو اسْتُشْهِدَ»، يعني: توفي عبد الله بن حرام والده ﵁ شهيدًا يوم أحد، يعني: أن الراوي شك في قوله: توفي، أو استشهد، وهو قد توفي شهيدًا، لكن هذا من باب العناية باللفظ، ومن قُتل في الجهاد يسمى شهيدًا في أحكام الدنيا، أما في أحكام الآخرة فأمره إلى الله؛ ولهذا","vol":"4","page":412},{"text":"بوب البخاري ﵀، فقال: «باب لا يقول: فلان شهيد» (^١).\nوقوله: «لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»، يعني: ليتبرك بها؛ لما جعل الله في جسده وما لامسه ﷺ من البركة.\nوقوله: «فَكَانَ فِي كِيسٍ لِي فَأَخَذَهُ أَهْلُ الشَّامِ يَوْمَ الْحَرَّةِ»: يوم الحرة كان عام ثلاثة وستين، لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية.\nوالصرار: مكان بالمدينة.\nوقوله: «أَمَرَ بِبَقَرَةٍ، فَذُبِحَتْ، فَأَكَلُوا مِنْهَا»، يعني: كأنه- والله أعلم- لأجل الفرح بقدومه ﵊.\nوهذا الحديث فيه العديد من الفوائد، منها:\n١. عَلَم من أعلام النبوة، ومعجزة من معجزاته ﷺ، حيث كان البعير قد أَتعب جابرًا ﵁، فجاء النبي ﷺ، فدعا له، ونخسه، فسار سيرًا لم يَسِرْ مثله.\n٢. جواز بيع الرئيس والكبير من مرؤوسيه، وولي الأمر من أفراد الرعية، إن لم يكن هناك ظلم للرعية، فلا بأس أن يتولى البيع بنفسه، ولو كان ملكًا، أو رئيسًا، أو مديرًا، أو عالمًا، ولا يكون في هذا نقص ولا عيب.\n٣. جواز البيع والشرط؛ حيث إن النبي ﷺ اشترى البعير، واشترط جابر حملانه إلى المدينة (^٢)، والشرط الواحد في البيع لا خلاف فيه، أما الشرطان ففيه خلاف، فالنهي يكون عَنِ البيع وشرطين، ومن العلماء من أجاز البيع بشرطين، وتأول الحديث الذي نهى عن ذلك.\n٤. جواز المماكسة في البيع، قال: «بِعْنِيهِ بِأوقِيَّةٍ، قالَ: لَا».\n٥. جواز الزيادة في الثمن إذا لم تكن مشترَطة؛ فإن النبي ﷺ أعطاه\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤/ ٣٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٧١٨)، ومسلم (١٨٥).","vol":"4","page":413},{"text":"ثمنه، وزاده، فإن كانت الزيادة مشترَطة فلا تجوز، ولكن إذا لم تكن مشترطة فلا بأس.\n٦. جواز الوكالة في الحوائج؛ فإن النبي ﷺ وكَّل بلالًا فأعطاه ونقده الثمن.\n٧. مشروعية صلاة ركعتين للقادم من السفر؛ لأنه في بعض روايات الحديث قال: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ» (^١)، ثم أعطاه النبي ﷺ الثمن، وذهب فناداه النبي ﷺ، فقال: «أَترَانِي مَاكَسْتُكَ فِي جَمَلِكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ».\n٨. كرمُ النبي ﷺ وجودُهُ؛ حيث إنه اشتراه، وزاده، ورجح له في الميزان، وزاد في الثمن، ثم أعطاه الجمل والثمن جميعًا.\n٩. مشروعية كون الرئيس يكون في آخر الجيش؛ ليتفقد أحوال الجيش، ويشجع الضعيف، كما كان النبي ﷺ يفعل.\n١٠. دليل على أنه لا بأس أن يقال: «هَذَا مِنْ بَرَكَتِكَ»، أو «أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ» إذا كان الإنسان مبارَكًا، من البركة التي جعلها الله فيه، فالنبي ﷺ مبارَك، وقال الله تعالى- عن عيسى-: ﴿وجعلني مباركًا أينما كنت﴾، وهذا لا بأس به، مثل قول بشر بن خضير- لعائشة ﵂ لما نزلت آية التيمم-: «مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ» (^٢)، فلا بأس بهذا إذا كان الشخص مبارَكًا، ينفع الناس بجاهه، أو بشفاعته، أو ببدنه، أو غير ذلك.\n١١. أن المتزوج، أو العروس لا بأس أن يستأذن ويتقدم الجيش؛ ولهذا استأذن جابر أن يتقدم، فتقدم قبل الجيش، ووصل إلى المدينة؛ لأنه عروس، ويقال للرجل: عروس، وللمرأة عروس- أيضًا- وهو المتزوج حديثًا.\n١٢. فضيلة التزوج بالبكر، وأنه أفضل من التزوج بالثيب؛ ولهذا قال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٨٧)، ومسلم (٧١٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٣٤)، ومسلم (٣٦٧).","vol":"4","page":414},{"text":"«أَفَلَا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُلَاعِبُكَ وَتُلَاعِبُهَا؟»، وفي لفظ: «تُضَاحِكُهَا وتُضَاحِكَكَ» (^١)، إلا إذا كانت هناك مصلحة تقتضي التزوج بالثيب، كما فعل جابر ﵁.\n١٣. فضيلة جابر ﵁، حيث قدم حظ أخواته على حظ نفسه، فتزوج ثيبًا تقوم على أخواته وتصلحهن وتمشطهن، فصوب النبي ﷺ رأيه في هذا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٣٦٧)، ومسلم (٧١٥).","vol":"4","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-723>بَابُ مَنِ اسْتَسْلَفَ شَيْئًا فَقَضَى خَيْرًا مِنْهُ، وَخَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً</span>\n\n[١٦٠٠] حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ، فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا، فَقَالَ: «أَعْطِهِ إِيَّاهُ؛ إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً».\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ، أَخْبَرَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ- مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- قَالَ: اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَكْرًا بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فَإِنَّ خَيْرَ عِبَادِ اللَّهِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً».\n\n[١٦٠١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَقٌّ، فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا»، فَقَالَ لَهُمْ: «اشْتَرُوا لَهُ سِنًّا، فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ»، فَقَالُوا: إِنَّا لَا نَجِدُ إِلَّا سِنًّا هُوَ خَيْرٌ مِنْ سِنِّهِ، قَالَ: «فَاشْتَرُوهُ، فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ؛ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ- أَوْ خَيْرَكُمْ- أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً».\n[خ: ٢٣٠٦]\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: اسْتَقْرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِنًّا، فَأَعْطَى سِنًّا فَوْقَهُ، وَقَالَ: «خِيَارُكُمْ مَحَاسِنُكُمْ قَضَاءً».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ","vol":"4","page":416},{"text":"كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يَتَقَاضَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعِيرًا، فَقَالَ: «أَعْطُوهُ سِنًّا فَوْقَ سِنِّهِ»، وَقَالَ: «خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً».\nفي هذه الأحاديث: جواز اقتراض الحيوان، وأنه لا بأس بأن يقترض الإنسان الحيوان، كما يقترض الدرهم والدينار والمتاع، فيتسلف ويقول: أعطني بعيرًا، ثم يعطيه بدله، أو أعطني بقرة، أو شاة ... إلخ.\nوفيها: مشروعية رد القرض بخير منه، وأنه لا بأس بالزيادة في القرض إذا لم تكن مشترطة في العقد، سواء كانت الزيادة بالكمية، أو الكيفية، فالزيادة في الكمية كأن يقترض مائة فيردها عليه مائة وعشرين، والزيادة في الكيفية كأن يقترض منه بعيرًا بكرًا، ثم يرده عليه رَبَاعِيًا، فالبكر: هو الذي له أقل من ست سنين، ثم يرده له بعيرًا رَبَاعيًا، وهو الذي له سبع سنين، أو ثماني سنين، وهذا معنى قوله في الحديث: «أَعْطُوهُ سِنًّا خَيْرًا مِنْ سِنِّهِ»، وقوله: «اشْتَرُوهُ، فَأَعْطُوهُ؛ فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً».\nويشرع للمسلم أن يكون حسن التقاضي في طلب الدَّين، وكذلك على المدين أن يُحسن الأداء.\nوفيها: أنه لا بأس بالاستدانة أو القرض، وأنه لا بد أن ينوي أداء دينه، أما إذا أخذ أموال الناس وهو لا يريد قضاءها، أو أداءها فإن هذا يحاسبه الله، كما ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» (^١).\nوفيها: أنه لا بأس بمعاملة الرئيس لأحد أفراد رعيته، وأنه لا حرج في كون الرئيس، أو العالم، أو الكبير يقضي حوائجه بنفسه، ويستدين، فالنبي ﷺ أشرف الخلق يقضي حوائجه بنفسه، ويشتري لأهله ما يحتاجون.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣٨٧).","vol":"4","page":417},{"text":"وفيها: أن الفقر ليس دليلًا على إهانة الله للعبد؛ فالدنيا ليست مقياسًا ولا ميزانًا، فالدنيا يعطيها الله لمن يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدِّين إلا لمن يحب، فقد أنكر الله على الإنسان الذي يظن أن تضييق الرزق دليل على إهانته، وأن بسطه دليل على إكرامه، فقال سبحانه: ﴿فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلَّا﴾، والمال والجاه والسلطان ابتلاء وامتحان من الله، قد يكون خيرًا للعبد، وقد يكون شرًّا له، فإذا استعمل الإنسان المال في وجوه مشروعة، وكسبه من وجوه مشروعة كان خيرًا له، وكذلك الجاه والسلطان إذا استعمله في طاعة الله، وجعله خادمًا للدين، ونافعًا له نَفَعَهُ، وإذا استعمله ضد ذلك كان شرًّا ووبالًا عليه- ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nوفي قصة الرجل الذي أغلظ على النبي ﷺ دليل على أنه إذا أغلظ الدائن على المدين فعليه أن يتحمل ويصبر؛ لأن لصاحب الحق مقالًا؛ لذلك لما أغلظ هذا الرجل للنبي ﷺ، ولم يحسن التقاضي همَّ به أصحابه ﷺ فقال لهم: «دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا».","vol":"4","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-724>بَابُ جَوَازِ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا</span>\n\n[١٦٠٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَابْنُ رُمْحٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ ح، وَحَدَّثَنِيهِ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ عَبْدٌ فَبَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «بِعْنِيهِ»، فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَدًا بَعْدُ حَتَّى يَسْأَلَهُ: أَعَبْدٌ هُوَ؟ .\nفي هذا الحديث: أنه لا بأس ببيع العبد بعبدين، والحيوان بحيوانين، وأنه لا مراباة في العبيد والحيوان؛ لأنها ليست نقودًا، وليست مما يكال ويدخر من المطعومات.\nوفيه: حسن خلق النبي ﷺ؛ حيث إنه لما بايع هذا العبدَ على الهجرة لم يكن يعلم أنه مملوك، فجاء سيده يطلبه، فاشتراه النبي ﷺ حتى يتمكن من الهجرة معه والسماع منه.","vol":"4","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-725>بَابُ الرَّهْنِ وَجَوَازِهِ فِي الْحَضَرِ وَالسَفَرِ</span>\n\n[١٦٠٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ، فَأَعْطَاهُ دِرْعًا لَهُ رَهْنًا.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: ذَكَرْنَا الرَّهْنَ فِي السَّلَمِ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: مِنْ حَدِيدٍ.\nفي هذا الحديث: جواز البيع والشراء إلى أجل، وجواز البيع نسيئة، سواء كان الأجل واحدًا، أو مقسَّطًا، وهو ما يسمى ببيع التقسيط، كأن يشتري مثلًا سيارة تباع نقدًا بخمسين ألفًا فيشتريها مقسَّطة بستين ألفًا، كل شهر يحل قسط، فلا حرج في ذلك، وهو كالإجماع من أهل العلم، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾، وفي الآية دليل على جواز بيع التأجيل والتقسيط.","vol":"4","page":420},{"text":"وفيه: دليل على جواز معاملة اليهود وأهل الكتاب والمشركين، والبيع لهم والشراء منهم، وأن هذا ليس من الموالاة في شيء، فالموالاة هي معاشرتهم ومصادقتهم وزيارتهم دون حاجة، أما تولي الكفار فهذا ردة عَنِ الإسلام، وتوليهم، يعني: محبتهم ومحبة دينهم وإعانتهم على المسلمين بالسلاح، أو الرأي، أو بالمال وهذه ردة- نعوذ بالله تعالى.\nولكن لا يجوز إقرار اليهود والنصارى في جزيرة العرب، ولا إبقاؤهم وتأجيرهم؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يُتْرَكُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ» (^١)، وقال: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا» (^٢)، وسيأتي أنه لا يجوز استقدام الكفرة عمالًا إلى بلاد العرب، أو استقدام خدم، أو خادمات كفار، لكن إذا جاء المشرك في وقت محدد- مثلًا- لمفاوضة ولاة الأمور، أو جاء في وقت محدد يبيع سلعته مدةَ أيام معدودة، ثم يعود لبلده فيجوز، أما أن يمكَّن ويؤجر له فلا يجوز ذلك.\nوقد تساهل الناس في هذا الأمر، ولا سيما في العمال والخدم والخادمات، فحصل من ذلك شرور كثيرة وبلاء عظيم، حتى وقع بعضهم في الزنا بالخادمات، وكذلك حصل من سائقي السيارات فواحش بنساء مخدوميهم، وحصل شر عظيم- أيضًا- من إظهارهم لدينهم، وكذلك كثرة مشاهدة الكفار والاحتكاك بهم، وإذا كثر المساس قلَّ الإحساس- نسأل الله السلامة والعافية.\nوفيه: جواز الرهن في الحضر، وأنه لا بأس به، كما قرر ذلك جماهير العلماء، وأما قوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾ فهذا لبيان الأغلب؛ خلافًا لداود ومجاهد (^٣)، فقد\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٦٣٥٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٧٦٧).\n(^٣) تفسير ابن جرير (٥/ ١٢٣).","vol":"4","page":421},{"text":"قالا: لا يجوز الرهن إلا في السفر أخذًا بالآية.\nوالصواب أنه لا حرج كما في هذه الأحاديث؛ فالنبي ﷺ رهن وهو في الحضر.\nوفيه: ما أصابه ﵊ من قلة ذات اليد، وهو سيد الخلق ﷺ، فقد اشترى طعامًا لأهله، ورهن البائعَ درعًا من حديد.\nوفيه: أنه لا بأس برهن آلة الحرب لأهل الذمة، أما الحربي فلا يُعطَى ولا يُرهَن ولا يُتعامل معه، والكافر الحربي ليس بيننا وبينه إلا القتال، فلا يطعم ولا يسقى، بل يترك حتى يموت، بل يقتل.\nوهنا سؤال: لِمَ لَمْ يتعامل النبي ﷺ مع المسلمين؟ ! لِمَ لَمْ يأخذ ويشتري من المسلمين؟ ! ألا يوجد عند المسلمين شيء؟\nوالجواب: أنه يحتمل أنه لم يكن هذا متوفرًا عند المسلمين، أو أن النبي ﷺ أراد التخفيف عن أصحابه؛ لأنهم لا يرضون أن يعطيهم النبي ﷺ الثمن، أو لبيان جواز معاملة أهل الكتاب، أو لغير ذلك من الأسباب.","vol":"4","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-726>بَابُ السَّلَمِ</span>\n\n[١٦٠٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ- قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا، وَقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَقَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ».\n[خ: ٢٢٣٩]\n[خ:] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ يُسْلِفُونَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَسْلَفَ فَلَا يُسْلِفْ إِلَّا فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: «إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ»، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ بِإِسْنَادِهِمْ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، يَذْكُرُ فِيهِ: «إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ».\nفي هذه الأحاديث: مشروعية السَّلَم، وفي الأحاديث السابقة مشروعية الرهن في السَّلَم، والسَّلَم: السلف، يقال: السَّلَم، ويقال: السَّلَف، وهو تعجيل الثمن، وتأجيل المثمَّن، عكس الدَّين، وعكس بيع التأجيل، يقدَّم المثمَّن، ويتأجل الثمن، فبيع الدين مثل: أن تشتري سيارة من شخص بخمسين ألفًا، فتقبض السيارة- وهي المثمَّن- وتؤجل الثمن، والسَّلَم:","vol":"4","page":423},{"text":"العكس، تقبض الثمن، ويؤجل المثمن، وهو أن يسلفك شخص، أو يسلمك سيارة موصوفة في الذمة والثمن مؤجل.\nلكن لا بد من الإلمام بشروط السلم، وهو أنه إن كان مكيلًا يكون الكيل معلومًا، وإذا كان موزونًا يكون الوزن معلومًا، ويكون الأجل معلومًا، فلا بد أن تنضبط الصفات، ويكون الأجل محددًا، فمثلًا يسلمك شخص سيارة بخمسين ألفًا، فتدفع الخمسين ألفًا، والسيارة تكون مؤجلة في الذمة، يكون الأجل بعد سنة، أو بعد ستة أشهر، وتكون أوصافها معلومة: صفتها كذا، موديل كذا، سيارة يابانية، أو غيرها، ويكون الأجل محدَّدًا والثمن معجَّلًا، فكل من البائع والمشتري ينتفع، فالبائع ينتفع بالثمن ليقضي به حوائجه، ثم إذا جاء الأجل يشتري به، ولا يشترط أن يكون عنده، فهذا بيع السَّلَم، وهو داخل في بيع الدَّين، وهو داخل في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾.","vol":"4","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-727>بَابُ تَحْرِيمِ الِاحْتِكَارِ فِي الْأَقْوَاتِ</span>\n\n[١٦٠٥] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثُ أَنَّ مَعْمَرًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ»، فَقِيلَ لِسَعِيدٍ: فَإِنَّكَ تَحْتَكِرُ قَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ مَعْمَرًا الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ يَحْتَكِرُ.\nحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ».\nفي هذا الحديث: تحريم الاحتكار، وقوله: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ»، أي: آثم، كقوله تعالى: ﴿لا يأكله إلا الخاطئون﴾، أي: الآثمون، والخاطئ هو الآثم وزنًا ومعنى، أما المخطئ فهو ضد العامد.\nوفيه: تحريم الاحتكار؛ لما فيه من الضرر على الناس، والاحتكار يكون في الأقوات، وفي الأطعمة وغيرها، وذلك بأن يشتري السلع وقت الغلاء حتى يضيق على الناس، ثم في وقت قلة السلعة وندرة الأطعمة يبيعها، والجمهور على أن الاحتكار يكون في الأقوات؛ لأنها هي التي يحتاجها الناس، ولا يكون الاحتكار في غير الأقوات (^١)، وقيل: إن غير الأقوات كذلك، وهذا هو الصواب، فلو احتاج الناس إلى سلعة يكون حكمها حكم الطعام؛ لوجود العلة، وهي دفع الضرر، فإذا احتاج الإنسان إلى سلعة ولو\n_________\n(^١) بدائع الصنائع، للكاساني (٥/ ١٢٩)، أسنى المطالب، لزكريا الأنصاري (٢/ ٣٨)، المغني، لابن قدامة (٤/ ١٦٧).","vol":"4","page":425},{"text":"لم تكن طعامًا فلا يجوز للإنسان أن يحتكرها، أما إذا اشترى الإنسان الطعام في وقت الرخص، ثم باعه فلا حرج، لكن الممنوع أن يشتريه في وقت الغلاء وقلة الأقوات، ثم يضيق على الناس ويبيعه بالغلاء.\nوقوله: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ»: هذا نفي بمعنى النهي، وهو يفيد التحريم.\nأما قول سعيد بن المسيب: «إِنَّ مَعْمَرًا الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ يَحْتَكِرُ»: هذا كأنه تأول أن الناس ما كانوا يحتاجون إليه، وهو نوع من الطعام، كالزيت وغيره، وأن هذا ليس من الاحتكار، وفيه حديث: «مَنِ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ، ضَرَبَهُ اللهُ بِالْإِفْلاسِ، أَوْ بِجُذَامٍ» (^١).\nقَالَ إِبْرَاهِيمُ: قَالَ مُسْلِم: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ أَبِي مَعْمَرٍ أَحَدِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى.\nقال الإمام مسلم هنا: «وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا»، يعني: يرويه عن مجهول، وهذا من الآثار المقطوعة في صحيح مسلم، وهي قليلة جدًّا عند مسلم، وهي تقارب الأربعة عشر، وهذا منها.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٣٥)، وابن ماجه (٢١٥٥).","vol":"4","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-728>بَابُ النَّهْيِ عَنِ الحَلِفِ فِي الْبَيْعِ</span>\n\n[١٦٠٦] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ الْأُمَوِيُّ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلرِّبْحِ».\n[خ: ٢٠٨٧]\nقوله: «الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ»، يعني: يُرَوَّجها، إذا كان يحلف: والله اشتريتها بكذا، والله ما بعتها بكذا، والله ما دخلت عليَّ بكذا، فيطمئن المشتري بسبب الحلف، فيدرجها ويمشيها بالحلف، لكن الله يمحق بهذا البركة.\nوفي هذا الحديث: أن كثرة الحلف يُرَوّج السلعة، ثم يمحق البركة.\nوفيه: التحذير من كثرة الحلف في البيع والشراء، وجاء في الحديث الآخر الوعيد الشديد على من يكثر الحلف في البيع والشراء، وأنه من الثلاثة المتوعَّدين بالوعيد الشديد، قال ﷺ: «وَرَجُلٌ جَعَلَ اللهَ بِضَاعَةً، لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ» (^١)، فالواجب الحذر من تنفيق السلعة بالحلف، ولو كان صادقًا؛ لأن هذا يدل على عدم توقيره لليمين، ولأنه قد يقع في الخطأ من كثرة الحلف.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٦١١١)، والبيهقي في الشعب (٤٥١١).","vol":"4","page":427},{"text":"[١٦٠٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ؛ فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ، ثُمَّ يَمْحَقُ».\nقوله: «إِيَّاكُمْ»: تحذير من كثرة الحلف.\nوقوله: «فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ»، يعني: يروج السلعة ويدرجها ويُمَشِّيها.","vol":"4","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-729>بَابُ الشُّفْعَةِ</span>\n\n[١٦٠٨] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي رَبْعَةٍ، أَوْ نَخْلٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ رَضِيَ أَخَذَ، وَإِنْ كَرِهَ تَرَكَ».\n[خ: ٢٢٥٧]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ نُمَيْرٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ- رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ- لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ- فِي أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ- لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ، فَيَأْخُذَ أَوْ يَدَعَ، فَإِنْ أَبَى فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ».\nقوله «رَبْعَةٍ»: الرَّبْعة والرَّبْع بفتح الراء وإسكان الباء، والربع: الدار، والمسكن، ومطلق الأرض، وأصله: المنزل الذي كانوا يرتبعون فيه (^١).\nوفي هذه الأحاديث: مشروعية الشفعة، والشفعة: انتزاع حصة الشريك بمثل ما باع به، فمن كان له شريك في ربعة، أو حائط فلا يجوز أن يبيع\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١١/ ٤٥).","vol":"4","page":429},{"text":"حتى يأذن له شريكه، فإن أخذ ورضي وإلا باعها على غيره، وإذا لم يستأذنه فله الشفعة، فلو أن أرضًا أو بيتًا كان لشخصين لكل واحد منهما نصفه، فباع أحدهما نصفه بخمسين ألفًا، ولم يخبر شريكه، فله أن ينتزع هذه الحصة ويسلمه الخمسين دفعًا للضرر.\nواختلف العلماء هل تكون الشفعة خاصة بالثابت كالبيوت، والعقارات، والبساتين وغيرها، أو تكون الشفعة في المنقول كذلك، والجمهور على أن الشفعة لا تكون إلا في الثابت لقوله ﷺ: «فِي أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ»، وفي الحديث: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلا شُفْعَةَ» (^١).\nوقيل: إن الشفعة تكون- أيضًا- في المنقول؛ دفعًا للضرر، كالسيارة- مثلًا.\nوذهب الإمام أبو حنيفة وجماعة إلى أن الشفعة تكون للجار (^٢).\nوالصواب: أن الجار ليس له شفعة، إلا إذا كان الطريق واحدًا والممر واحدًا فهذا حكمه حكم الشريك دفعًا للضرر، وما جاء في الحديث، فالجار المراد به: الشريك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢١٣).\n(^٢) المبسوط، للسرخسي (١٤/ ٩٣)، بدائع الصنائع، للكاساني (٦/ ٢٦٨١) حاشية رد المحتار، لابن عابدين (٥/ ١٣٨).","vol":"4","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-730>بَابُ غَرْزِ الْخَشَبِ فِي جِدَارِ الْجَارِ</span>\n\n[١٦٠٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ» قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ.\n[خ: ٢٤٦٣]\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nفي هذا الحديث: تحريم منع الجار من وضع الخشب على جدار جاره إن كان يتحمل؛ لأن هذا من حق الجار عليه، اللهم إلا إذا كان لا يتحمل، أو يخشى عليه من السقوط، وإلا فإنه لا يجوز له منعه.\nوقول أبي هريرة ﵁: «مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ» يعني: عن هذه السُّنة.\nوقوله: «وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ» يعني: السُّنة، وقيل: المراد: الخشب، يجعله بين أكتافهم؛ زجرًا لهم عن عدم الامتثال للسنة، ولأن منع الجار من وضع الخشب على جدار جاره قد يسبب الشحناء، ويكدر الخواطر.","vol":"4","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-731>بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ، وَغَصْبِ الْأَرْضِ وَغَيْرِهَا</span>\n\n[١٦١٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ».\n[خ: ٣١٩٨]\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أَنَّ أَرْوَى خَاصَمَتْهُ فِي بَعْضِ دَارِهِ، فَقَالَ: دَعُوهَا وَإِيَّاهَا؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ طُوِّقَهُ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَأَعْمِ بَصَرَهَا، وَاجْعَلْ قَبْرَهَا فِي دَارِهَا، قَالَ: فَرَأَيْتُهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الْجُدُرَ، تَقُولُ: أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، فَبَيْنَمَا هِيَ تَمْشِي فِي الدَّارِ مَرَّتْ عَلَى بِئْرٍ فِي الدَّارِ، فَوَقَعَتْ فِيهَا، فَكَانَتْ قَبْرَهَا.\nحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَرْوَى بِنْتَ أُوَيْسٍ ادَّعَتْ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِهَا، فَخَاصَمَتْهُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئًا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ! قَالَ: وَمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ»، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَعَمِّ بَصَرَهَا، وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا، قَالَ: فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، ثُمَّ بَيْنَا هِيَ تَمْشِي فِي أَرْضِهَا إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ.","vol":"4","page":432},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ».\n\n[١٦١١] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا طَوَّقَهُ اللَّهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\n\n[١٦١٢] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الْوَارِثِ- حَدَّثَنَا حَرْبٌ- وَهُوَ ابْنُ شَدَّادٍ- حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ، وَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، اجْتَنِبِ الْأَرْضَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ».\n[خ: ٢٤٥٣]\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، أَخْبَرَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.\nقوله: «عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ» هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو ابن عم عمر بن الخطاب.\nفي هذا الحديث: أن أروى هذه ظلمته، وادعت أنه أخذ شيئًا من أرضها.\nوفيه: أن الأرض سبع طبقات، ويدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سموات طباقًا ومن الأرض مثلهن﴾، أي: سبع سموات بعضها فوق بعض، وكذلك الأرَضين سبع أطباق بعضها فوق بعض.\nوفيه: الرد على من قال: إنها سبعة أقاليم؛ لأنها لو كانت سبعة أقاليم فكيف تطوق؟ !","vol":"4","page":433},{"text":"وفيه: دليل على الوعيد الشديد على من ظلم الأرض، وأنه يكلف حملها، أو يُجعل طوقًا في عنقه، ويطول عنقه، كما جاء أن «ضِرْسُ الْكَافِرِ، أَوْ نَابُ الْكَافِرِ، مِثْلُ أُحُدٍ، وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ» (^١) - نسأل الله السلامة والعافية.\nوفيه: دليل على أن من ملك أرضًا ملك قرارها وهواءها، فليس لأحد أن يحفر تحت أرضه خندقًا، ويقول: أنا ما جئت بيته، نقول: ما تحت الأرض ملك له، وكذلك الهواء، هواؤها من فوق، ليس لأحد أن يبني فوق أرضه، أو يضع شيئًا فوق بيته؛ لأن من ملك الأرض ملك قرارها وهواءها؛ ولهذا أفتت هيئة كبار العلماء أن السعي بين الصفا والمروة يكون في الدور الثاني، كما يكون في الأرض، وكذلك الطواف في الدور الثاني؛ لأن الهواء له حكم القرار (^٢)، وكذلك- أيضًا- الذي يصلي على جبل أبي قبيس، ويستقبل الكعبة؛ لأن الهواء له حكم القرار.\nوفيه: دليل على إجابة دعوة المظلوم؛ فإنَّ أروى هذه خاصمت سعيد بن زيد ﵁، وكذبت عليه، وادعت أنه أخذ شيئًا من أرضها، فدعى عليها، وقال: «اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَأَعْمِ بَصَرَهَا، وَاجْعَلْ قَبْرَهَا فِي دَارِهَا»، فأجيبت دعوته، فعمي بصرها، ثم سقطت في بئر في أرضها فكانت قبرها، وظاهره: أنها ما خرجت منه، وأن البئر صار قبرًا لها.\nوظاهر هذا الحديث: أن سعيد بن زيد ﵁ ترك لها ما ادعت أنه أخذه، ولكن مروان بن الحكم- كان أمير المدينة إذ ذاك- قال له: «لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا»، وظاهره: أنه أتى ببينة، أو أراد أن يأتي ببينة، لكن مروان قال: «لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا»، أي: غير هذا الحديث، لأنه صحابي جليل، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، فلا يمكن أن يخالف الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٥١).\n(^٢) أبحاث هيئة كبار العلماء (١/ ٢٠).","vol":"4","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-732>بَابُ قَدْرِ الطَّرِيْقِ إِذَا اخْتَلَفُوا فِيْهِ</span>\n\n[١٦١٣] حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ جُعِلَ عَرْضُهُ سَبْعَ أَذْرُعٍ».\n[خ: ٢٤٧٣]\nقوله: «إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ جُعِلَ عَرْضُهُ سَبْعَ أَذْرُعٍ»: هذا لأن السبع أذرع تَسَعُ الإبل، والحمير، وأحمال الحطب، والحشيش وغيره مما كان في تلك الأزمان السابقة، وهي كافية لمرور البعير الذي عليه الحمل، فإذا تغيرت الأحوال فإن الحاكم يجتهد فلو صارت السبع أذرع لا تكفي يزيدها، فقد وُجدت السيارات الآن واتسعت الشوارع، وهذا يقدَّر بحسب الأحوال، لكن في الأزمان السابقة كانت السبع أذرع كافية.","vol":"4","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-733>كِتَابُ الْفَرَائِضِ</span>","vol":"4","page":437},{"text":"كِتَابُ الْفَرَائِضِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-734>بَابُ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ</span>\n\n[١٦١٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ».\nالفرائض: جمع فريضة، وهي مشتقة من الفرض، والفرض يطلق على معانٍ؛ منها: التقدير، ومنها: الواجب.\nأما شرعًا فإنها تطلق على المواريث، وتسمى الفرائض.\nوالفريضة، أو الفرض: نصيبٌ مقدرٌ شرعًا لوارث مخصوص، لا يزيد إلا بالرد، ولا ينقص إلا بالعول.\nوحديث أسامة هنا: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» نص في منع التوارث بين المسلمين والكفار من الجانبين، فالمسلمون لا يرثون الكفار، والكفار لا يرثون المسلمين.\nوأما أحد الأمرين، وهو إرثُ الكافرِ المسلمَ، فهذا مجمع عليه، فقد أجمع العلماء على أن الكافرَ لا يرث المسلمَ (^١).\n_________\n(^١) الإقناع، لابن القطان (٢/ ١٠٩).","vol":"4","page":439},{"text":"وأما إرثُ المسلمِ الكافرَ ففيه أقوال:\nالقول الأول: وهو لجمهور العلماء وهو أن المسلم لا يرث الكافر (^١).\nالقول الثاني: إن المسلم يرث الكافر، واستدلوا بحديث: «الإِسْلامُ يَعْلُو وَلا يُعْلَى» (^٢).\nولعل القائلين بذلك لم يبلغهم حديث أسامة، فالحديث نص في المنع.\nالقول الثالث: إنه يرث المسلمُ الكافرَ بالولاء، فإذا كان لإنسان عبد أعتقه وكان كافرًا، ثُمَّ مات فإنه يرثه من الولاء.\nوالصواب منع التوارث مطلقًا؛ لما دل عليه الحديث.\nوإذا كان أحد الأبناء لا يصلي وأبوه كذلك لا يصلي؛ فالأصل أنه لا يحكم عليهما بالكفر إلا إذا حكم القاضي بردتهما وقتلهما فيمتنع التوارث؛ لأن ترك الصلاة كسلًا فيه خلاف، فالمتأخرون يرون أنه لا يكفر كفرًا يخرج من الملة، وما دامت المسألة فيها خلاف فحكم الحاكم يرفع الخلاف، فإذا اختار القاضي أحد القولين وحكم عليه بالردة فيقتل ولا يكون توارث، وإذا اختار الخيار الثاني فإن قُتل حدًّا فإنه يثبت بينهما التوارث.\n_________\n(^١) المبسوط، للسرخسي (٣٠/ ٣٠)، شرح مختصر خليل، للخرشي (٨/ ٢٢٣)، المجموع، للنووي (١٦/ ٥٧)، المغني، لابن قدامة (٦/ ٣٦٧).\n(^٢) أخرجه الدارقطني (٣٦٢٠).","vol":"4","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-735>بَابُ أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ</span>\n\n[١٦١٥] حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ- وَهُوَ النَّرْسِيُّ- حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ».\n[خ: ٦٧٣٢]\nحَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ».\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ- وَاللَّفْظُ لابْنِ رَافِعٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اقْسِمُوا الْمَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللهِ، فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ».\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو كُرَيْبٍ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ وُهَيْبٍ، وَرَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ.\nفي هذه الأحاديث: أنه يُبدأ بأهل الفرائض، فتُقسم التركة على الفروض، فما بقي فإنه يكون للعصبة، يعني: لأقرب رجل ذكر.\nفإذا مات شخص عن بنت وأم وأخ، فإن الأم لها السدس، والبنت لها النصف، والباقي للأخ، قليلًا كان أو كثيرًا.\nوإذا مات شخص عن بنت وأم وأخ وعم، فإن التركة تقسم أولًا على أهل الفروض، فتأخذ البنت النصف، والأم السدس، والباقي للأخ، وليس للعم","vol":"4","page":441},{"text":"شيء؛ لأن الأخ أولى من العم؛ لكونه أقرب.\nوإذا مات شخص عن أخ شقيق وأخ لأب، فإنه يقدم الأخ الشقيق؛ لأنه أقرب.\nوالعصبة يقدم فيها الأقرب فالأقرب، والعصبة من جهاتٍ: بنوة، ثُمَّ أبوة، ثُمَّ جدودة، وأخوة، ثُمَّ بنو أخوة، ثُمَّ عمومهم، وبنوهم، ثُمَّ ولاء كل جهة تقدم على الجهة التي بعدها.\nوالعصبة أقسام:\nالأول: عصبة بالنفس وهو الذي يدلي بدون واسطة لنفسه.\nالثاني: العصبة بالغير: الأخوات الشقائق مع إخوتهن، والأخوات لأب مع إخوتهن.\nالثالث: العصبة مع الغير: الأخوات مع البنات.","vol":"4","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-736>بَابُ مِيرَاثِ الْكَلَالَةِ</span>\n\n[١٦١٦] حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: مَرِضْتُ فَأَتَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ يَعُودَانِي مَاشِيَيْنِ، فَأُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ، فَأَفَقْتُ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾.\n[خ: ٥٦٥١]\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ فِي بَنِي سَلِمَةَ يَمْشِيَانِ، فَوَجَدَنِي لَا أَعْقِلُ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ مِنْهُ، فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾.\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: عَادَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا مَرِيضٌ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ مَاشِيَيْنِ، فَوَجَدَنِي قَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ، فَأَفَقْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ.\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ، فَتَوَضَّأَ، فَصَبُّوا عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ، فَعَقَلْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةٌ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَقُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ قَالَ:","vol":"4","page":443},{"text":"هَكَذَا أُنْزِلَتْ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وَأَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي حَدِيثِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ، وَفِي حَدِيثِ النَّضْرِ، وَالْعَقَدِيِّ: فَنَزَلَتْ آيَةُ الْفَرْضِ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ قَوْلُ شُعْبَةَ، لِابْنِ الْمُنْكَدِرِ.\nهذا الحديث فيه من الفوائد:\n١ - مشروعية زيارة المريض ماشيًا إذا تيسر، ومشروعية زيارة الأكابر والرؤساء لأصحابهم ومتبوعيهم.\n٢ - أن صب الماء على المريض يفيده، وهو من العلاج، إلا إذا كان مرضه يضره الماء كأنواع من الحمى التي لا يفيدها الماء.\n٣ - مشروعية التبرك بآثار النبي ﷺ مما جعل الله بجسده من البركة؛ ولهذا صب عليه من وضوئه، وهذا خاصُ به لا يقاس عليه غيره، وإن قال النووي بالتبرك بآثار الصالحين (^١)، وهذا غلط؛ لأن هذا خاص بالنبي ﷺ، والصحابة لم يفعلوه مع غيره من الصحابة، ولأن التبرك بغيره وسيلة للشرك.\n٤ - أن النبي ﷺ ينتظر وحي الأحكام؛ ولهذا سكت النبي ﷺ حتى أنزل الله آية الميراث، أو آية الكلالة.\n٥ - أن العالم يتوقف عن المسائل التي لا يعلم حكمها، فهذا رسول الله وهو أشرف الخلق وأعلمهم قد توقف.\nوكذلك في قصة الرجل الذي جاء في العمرة متضمخًا بالطيب وعليه جُبة، فسأل النبي ﷺ فسكت النبي حتى نزل عليه الوحي، ثُمَّ أجابه: «اخْلَعْ\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١١/ ٥٥).","vol":"4","page":444},{"text":"عَنْكَ الْجُبَّةَ، وَاغْسِلْ أَثَرَ الْخَلُوقِ عَنْكَ، وَأَنْقِ الصُّفْرَةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ» (^١).\nكذلك ينبغي للعالم ألا يجيب إلا بعلم، وقول «لا أعلم» نصف العلم؛ لأن العلم نوعان:\nالأول: علم يعلمه الشخص، فيجيب.\nالثاني: علم لا يعلمه، فيقول: لا أعلم.\nولذلك قال ابن مسعود ﵁: «مَنْ عَلِمَ فَلْيَقُلْ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: لَا أَعْلَمُ؛ فَإِنَّ اللهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: فَـ ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾» (^٢).\nوإذا ترك العالم قول: لا أدري، أو لا أعلم أُصيبتْ مقاتله.\n٦ - أنه يشرع صب الماء من دون اعتقاد البركة؛ لأن صب الماء يفيد؛ ولهذا أفاق جابر، وكما جاء في حديثه ﷺ في مرض موته قال: «هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ» (^٣).\n٧ - دليل على أن المريض تنفذ وصيته، وله أن يوصي، ولو كان في مرض الموت إذا لم تبلغ الروح الحلقوم، ولو كان يغمى عليه بعض الأحيان، فإذا أفاق وعقل فله أن يوصي، ولا يوصي في وقت الغيبوبة، ولكن في وقت الإفاقة.\nوقوله: في رواية سفيان بن عيينة: «نزلت آية الكلالة» وهي قوله تعالى: ﴿يستفتونك﴾ آخر سورة النساء، يخالف الرواية الثانية رواية ابن جريج فإن فيها: «فنزلت آية الميراث» وهي قوله تعالى في أول سورة النساء: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٨٩)، ومسلم (١١٨٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٧٧٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٨).","vol":"4","page":445},{"text":"وهذا الاختلاف بين الروايات ليس من جابر ﵁، إنما من الرواة.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «قوله: «فَنَزَلَتْ: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ هكذا وقع في رواية ابن جريج وقيل: إنه وهم في ذلك، وأن الصواب أن الآية التي نزلت في قصة جابر هذه الآية الأخيرة من النساء، وهي: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾؛ لأن جابرًا يومئذٍ لم يكن له ولد ولا والد، والكلالة: من لا ولد له ولا والد.\nوقد أخرجه مسلم عن عمرو الناقد والنسائي عن محمد بن منصور كلاهما عن ابن عيينة عن ابن المنكدر، فقال- في هذا الحديث-: حتى نزلت عليه آية الميراث: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ ولمسلم- أيضًا- من طريق شعبة عن ابن المنكدر قال- في آخر هذا الحديث-: فنزلت آية الميراث، فقلت- لمحمد بن المنكدر-: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ قال: هكذا أنزلت، وقد تفطن البخاري بذلك، فترجم في أول الفرائض قوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ إلى قوله: ﴿والله عليم حليم﴾، ثُمَّ ساق حديث جابر المذكور عن قتيبة عن ابن عيينة وفي آخره حتى نزلت آية الميراث، ولم يذكر ما زاده الناقد فأشعر بأن الزيادة عنده مدرجة من كلام بن عيينة» (^١).\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (٨/ ٢٤٣).","vol":"4","page":446},{"text":"[١٦١٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَذَكَرَ نَبِيَّ اللهِ ﷺ وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَا أَدَعُ بَعْدِي شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِي مِنَ الْكَلَالَةِ، مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلَالَةِ، وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: يَا عُمَرُ أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقْضِي بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَمَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ رَافِعٍ عَنْ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ عَنْ شُعْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nآية الصيف هي آخر آية نزلت، وهي آية الكلالة: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد﴾، والكلالة أشكلت على عمر مع جلالة قدره، حتى طعنه النبي ﷺ في صدره، وقال: «أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ»، وهذا من أعاجيب القرآن أن الله تعالى لم يُبَيِّن الكلالة، فالله قادر على أن يقول: الكلالة من لا ولد له ولا والد، ولكن الله سبحانه وضح ذلك لمن تدبر وتأمل؛ لأن الله تعالى بيَّن ميراث الإخوة، ومن المعلوم: أن الإخوة لا يرثون مع وجود الأب، أو وجود الأبناء، فدل ذلك على أن الكلالة من لا ولد ولا والد.\nوفيه: دليل على أن العالم والكبير والإمام قد يخفى عليه شيء من العلم،","vol":"4","page":447},{"text":"كما خفي في مسائل التيمم عند عدم الماء في قصة عمار بن ياسر (^١)، وقصة عبد الله بن مسعود (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤٧)، ومسلم (٣٦٨).","vol":"4","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-737>بَابُ آخِرِ آيَةٍ أُنْزِلَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ</span>\n\n[١٦١٨] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾.\n[خ: ٤٦٠٥]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ وَآخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ بَرَاءَةُ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى- وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ- حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ: أَنَّ آخِرَ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ تَامَّةً سُورَةُ التَّوْبَةِ، وَأَنَّ آخِرَ آيَةٍ أُنْزِلَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ آدَمَ- حَدَّثَنَا عَمَّارٌ- وَهُوَ ابْنُ رُزَيْقٍ- عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بِمِثْلِهِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ كَامِلَةً.\nحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنْ أَبِي السَّفَرِ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾.\nفي هذا الحديث: بيان آخر آية أنزلت وتسمى آية: الصيف، كما في الحديث: \"تكفيك آية الصيف\" وتسمى أيضا: آية الكلالة، والكلالة من لا والد له ولا ولد، فيرث فيها الإخوة والأخوات.","vol":"4","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-738>بَابُ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ</span>\n\n[١٦١٩] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ الْأُمَوِيُّ عَنْ يُونُسَ الْأَيْلِيِّ. ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمَيِّتِ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ: «هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ قَضَاءٍ؟»، فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِلَّا قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ».\n[خ: ٢٢٩٨]\nحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثَ.\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ، فَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ دَيْنًا، أَوْ ضَيَاعًا فَأَنَا مَوْلَاهُ، وَأَيُّكُمْ تَرَكَ مَالًا فَإِلَى الْعَصَبَةِ مَنْ كَانَ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي كِتَابِ اللهِ ﷿ فَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ دَيْنًا، أَوْ ضَيْعَةً فَادْعُونِي فَأَنَا وَلِيُّهُ، وَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ مَالًا فَلْيُؤْثَرْ بِمَالِهِ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانَ».\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ:","vol":"4","page":450},{"text":"أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِلْوَرَثَةِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا».\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ- قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ غُنْدَرٍ: «وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا وَلِيتُهُ».\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان لا يصلي على من عليه دين، ويقول: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»؛ تحذيرًا للأحياء من التساهل بالديون، ثُمَّ بعد ذلك لما فتح الله عليه الفتوح كان يقضي الديون عن الناس ﵊.\nقيل: كان يقضيه من مال المسلمين، أو من ماله الخاص؛ ولهذا اختلف العلماء في الولاة بعده: هل لهم أن يقضوا الديون؟ فمن قال: إنه قضى من مال نفسه قال: لا يقضون الديون، ومن قال: من مال المسلمين، ومن مال المصالح قال: يقضون الديون، والصواب: أن ولاة الأمور عليهم أن يقضوا الديون عن الموتى، ويقوموا بكفالة الأيتام والأرامل والمحتاجين من بيت المال، إذا كان في بيت المال سعة؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَعَلَيْنَا قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ»، كما قال تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾.\nوفي اللفظ الآخر: «وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا، أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ»، يعني: العيال الضائعين، وفي الرواية الثانية: «وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا»، يعني: ثقلًا من الأولاد والعجزة، وهؤلاء سموا كلًّا، ومنه: قول خديجة في أول بعثة النبي ﷺ: «وَتَحْمِلُ الْكَلَّ» (^١) في وصفه ﷺ بتحمل الأثقال وقيامه بحوائج المحتاجين\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠).","vol":"4","page":451},{"text":"والمنقطعين من الأيتام، والمرضى، والعجزة.\nوقوله: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ» هذا القسم كثيرًا ما كان يحلف به النبي ﷺ، والمراد الحلف بالله عزوجل فإن نفس محمد ﷺ بيد الله عزوجل.\nوقوله: «إِنْ عَلَى الْأَرْضِ» إن نافية بمعنى: ما، أي: ما على الأرض.","vol":"4","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-739>كِتَابُ الْهِبَاتِ</span>","vol":"4","page":454},{"text":"كِتَابُ الْهِبَاتِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-740>بَابُ كَرَاهَةِ شِرَاءِ الْإِنْسَانِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ مِمَّنْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ</span>\n\n[١٦٢٠] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «لَا تَبْتَعْهُ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ؛ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ».\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ- عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ: «لَا تَبْتَعْهُ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ».\nحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا رَوْحٌ- وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ- عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَوَجَدَهُ عِنْدَ صَاحِبِهِ، وَقَدْ أَضَاعَهُ، وَكَانَ قَلِيلَ الْمَالِ، فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «لَا تَشْتَرِهِ، وَإِنْ أُعْطِيتَهُ بِدِرْهَمٍ؛ فَإِنَّ مَثَلَ الْعَائِدِ فِي صَدَقَتِهِ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ».\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ مَالِكٍ وَرَوْحٍ أَتَمُّ وَأَكْثَرُ.\n\n[١٦٢١] حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ يَحْيَي قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَوَجَدَهُ يُبَاعُ، فَأَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهُ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «لَا تَبْتَعْهُ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ».\n[خ: ٢٩٧١]","vol":"4","page":455},{"text":"وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ رُمْحٍ جَمِيعًا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا الْمُقَدَّمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ-.ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ.\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ- وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ- قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ رَآهَا تُبَاعُ، فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ يَا عُمَرُ».\nفي هذه الأحاديث: أن هذا الفرس الذي حمل عليه عمر حمله حملَ تمليك ليقاتل عليه في سبيل الله، لا حمل تحبيس ووقف؛ لأنه لو كان حمل تحبيس ووقف لما باعه صاحبه.\nولما أراد عمر أن يشتريه نهاه النبي ﷺ، والنهي أصله التحريم، خلافًا للنووي فقد رجح: أنه مكروه تنزيهًا (^١).\nوالصواب: أن النهي للتحريم، وهو يدل على أنه لا يجوز للإنسان أن يشتري الهبة التي وهبها لشخص، أو الصدقة التي تصدق بها على شخص؛ لأنه يعتبر رجوعًا في الهبة؛ فإن النبي ﷺ نفَّر من ذلك تنفيرًا شديدًا، فقال: «فَإِنَّ مَثَلَ الْعَائِدِ فِي صَدَقَتِهِ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» زاد أبو داود في آخره: قال همام: قال قتادة: «ولا أعلم القيءَ إلا حرامًا» (^٢).\nفمن وهب شيئًا، أو تصدق به فينبغي أن لا تكون نفسه متعلقة بهذا الشيء الذي وهبه، أو تصدق به، لئلا يعود في ذلك أو يشتريه، ثُمَّ إنه إذا أراد أن\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١١/ ٦٢).\n(^٢) أخرجه أبوداود (٣٥٣٨).","vol":"4","page":456},{"text":"يشتريه فقد يراعيه الذي تصدق عليه به في الثمن، فيسقط عنه بعض القيمة.\nويستثنى من هذا: هبة الوالد لولده؛ فإنه يجوز له الرجوع فيها؛ جمعًا بين هذا الحديث، وحديث النعمان بن بشير - ﵁ - في رجوع والده في هبته له لما وهب له غلامًا- يعني: عبدًا- فقال النبي (: «أكل ولدك نحلت مثله؟»، قال: لا، فأمره النبي (بإرجاع الهبة واستردادها بقوله: «فارجعه» (^١)، وفي لفظ: «أتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟»، قال: بلى، قال: «فلا إذًا» (^٢)، وفي لفظ أنه قال: «أشهد على هذا غيري» (^٣)، وفي لفظ أنه قال: «فإني لا أشهد على جور» (^٤)، كل هذا يدل على أن الوالد إما أن يسوي بين أولاده في العطية، أو يرجع في العطية والهبة فهو مستثنى، وما عدا الوالد فإنه يحرم عليه أن يرجع في الهبة وأن يستردها، خلافًا للحنفية (^٥)؛ فبعضهم قال: لا بأس بالرجوع؛ لأن النهي ليس للتحريم.\nوالهبة نوعان:\n١ - هبة مطلقة لا يُقصد بها العوض، وإنما يُقصد بها الأجر، وحصول المودة، سواء كانت لمن دونه، أو أعلى منه، أو مثله، وهذه هي الأصل، وهي مستحبة.\n٢ - هبة مقيدة، وهي التي يُقصد بها ثواب الدنيا.\nفهذه حكمها حكم البيع، والغالب أن المهدي يطلب بها أكثر مما أهدى، والأفضل أن يقنع بما يُعطى، ولا يجعل الهدية طريقًا لابتزاز أموال الناس.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٨٦)، ومسلم (١٦٢٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٦٢٣).\n(^٣) أخرجه أحمد (٤/ ٢٧٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٨٥)، وابن حبان (١١/ ٣٠٥).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٦٥٠)، ومسلم (١٦٢٣).\n(^٥) حاشية الدر المختار، لابن عابدين (٥/ ٦٩٨).","vol":"4","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-741>بَابُ تَحْرِيمِ الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ بَعْدَ الْقَبْضِ، إِلَّا مَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ، وَإِنْ سَفَلَ</span>\n\n[١٦٢٢] حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَرْجِعُ فِي صَدَقَتِهِ، كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ فَيَأْكُلُهُ».\n[خ: ٢٥٨٩]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ يَذْكُرُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْبٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ- حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو: أَنَّ مُحَمَّدَ ابْنَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدَّثَهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.\nوَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو- وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- عَنْ بُكَيْرٍ: أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا مَثَلُ الَّذِي يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ، ثُمَّ يَعُودُ فِي صَدَقَتِهِ، كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَأْكُلُ قَيَاهُ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ:","vol":"4","page":458},{"text":"«الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ».\nقوله: «حَدَّثَنِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو»: هو محمد ابن فاطمة بنت رسول الله ﷺ، نسبة إلى جدته للتشريف، وإلا فهو ابن الحسين بن علي.\nوفي هذا الحديث تنفيرٌ شديد يدل على تحريم فعل الذي يتصدق، ثُمَّ يعود في صدقته، أو يعود في هبته، وذلك بتشبيهه بالكلب يقيء، ثُمَّ يأكل قيئه- نسأل الله السلامة والعافية.","vol":"4","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-742>بَابُ كَرَاهَةِ تَفْضِيلِ بَعْضِ الْأَوْلَادِ فِي الْهِبَةِ</span>\n\n[١٦٢٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ يُحَدِّثَانِهِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَارْجِعْهُ».\n[خ: ٢٥٨٦]\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ يَحْيَي، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: أَتَى بِي أَبِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا، فَقَالَ: «أَكُلَّ بَنِيكَ نَحَلْتَ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَارْدُدْهُ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَي، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أَمَّا يُونُسُ وَمَعْمَرٌ فَفِي حَدِيثِهِمَا: «أَكُلَّ بَنِيكَ»، وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ وَابْنِ عُيَيْنَةَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ»، وَرِوَايَةُ اللَّيْثِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ بَشِيرًا جَاءَ بِالنُّعْمَانِ.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَدَّثَنَا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ- وَقَدْ أَعْطَاهُ أَبُوهُ غُلَامًا- فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا هَذَا الْغُلَامُ؟»، قَالَ: أَعْطَانِيهِ أَبِي، قَالَ: «فَكُلَّ إِخْوَتِهِ أَعْطَيْتَهُ كَمَا أَعْطَيْتَ هَذَا؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَرُدَّهُ».","vol":"4","page":460},{"text":"قوله: «نَحَلْتَهُ»، يعني: أعطيتَه، ومنه: قوله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾.\nوقوله: «فَارْجِعْهُ» فيه: دليل على أن للوالد أن يرجع في هبته لولده له.\nفي هذا الحديث: دليل على أنه يجب التسوية بين الأولاد في العطية، وأن التفضيل محرم، وهو من أسباب العقوق، وقيل: بل مكروه تنزيهًا، والتسوية مستحبة، ورجحه الإمام النووي (^١)، ولكن هذا قولٌ ضعيف جدًّا.\nوالصواب: أنه يجب التسوية بين الأولاد في العطية، وإذا أعطى بعض ولده شيئًا، ولم يعطِ الآخرين فهو بين أمرين: إما يعطي البقية مثله، أو يسترد العطية.\nمسألة: كيف تكون التسوية بين الأولاد؟\nالجواب: قيل: التسوية للكل، للذكر والأنثى على السواء.\nوقيل: بل للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا هو الأرجح أنه كالميراث.\n- وأما في النفقة والكسوة فالتسوية غير واجبة، فالفقير الذي يحتاج إلى كسوة ينفق عليه نفقة، والذي لا يحتاج إلى كسوة لا يعطى شيئًا، وكذلك من احتاج إلى زواج يزوَّج، ولا يلزم الأب أن يعطي الآخرين مثل قيمة المهر.\nوكذا إذا كان أحد الأولاد لديه ظروف صحية خاصة، كأن يكون مُقعدًا، أو لا يعمل، فينفق عليه، ويكسوه ويعطيه ما يحتاج، ولا يجب أن يعطي الآخرين مثله، ولا يزيد بأن يهبه ما يهب لإخوانه.\nمسألة: ما الحكم إذا رضي الإخوة عن الهبة لأخيهم؟\nالجواب: إذا رضوا طواعيةً جاز، لكن إن سكت أحدهم؛ لأنه لا يريد أن يعارض والده فلا يعتبر هذا رضًا.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١١/ ٦٧).","vol":"4","page":461},{"text":"- وإذا وهب إنسان إنسانًا هبة أو عطية، فله أحوال:\nالحالة الأولى: أن يسترد العطية والهبة، وهذا حرام إذا كان من غير الوالد.\nالحالة الثانية: أن يشتريها منه، ولا يستردها، وهذا- أيضًا- حرام على الصحيح.\nوقيل: مكروه تنزيهًا، وهذا القول قولٌ ضعيف كما سبق.\nالحالة الثالثة: أن يكون الواهب الوالد، فله أن يستردها؛ لأن الوالد له أن يتملك من مال ولده ما يشاء، بشرطين:\nالشرط الأول: أن لايضر بالولد.\nالشرط الثاني: أن لا يعطيه لولد آخر.","vol":"4","page":462},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ حُصَيْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ حُصَيْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ، فَقَالَتْ أُمِّي- عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ-: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَانْطَلَقَ أَبِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «اتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ»، فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ.\n[خ: ٢٥٨٧]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ أَبِي حَيَّانَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ: أَنَّ أُمَّهُ- بِنْتَ رَوَاحَةَ- سَأَلَتْ أَبَاهُ بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ مِنْ مَالِهِ لِابْنِهَا، فَالْتَوَى بِهَا سَنَةً، ثُمَّ بَدَا لَهُ، فَقَالَتْ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى مَا وَهَبْتَ لِابْنِي، فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي- وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ- فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمَّ هَذَا- بِنْتَ رَوَاحَةَ- أَعْجَبَهَا أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لِابْنِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا بَشِيرُ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟»، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: «أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا؛ فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ».\nحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَلَكَ بَنُونَ سِوَاهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ هَذَا؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ».\n\n[١٦٢٤] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ- لِأَبِيهِ-: «لَا","vol":"4","page":463},{"text":"تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ- وَاللَّفْظُ لِيَعْقُوبَ- قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: انْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلُنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَالِي، فَقَالَ: «أَكُلَّ بَنِيكَ قَدْ نَحَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَ النُّعْمَانَ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي»، ثُمَّ قَالَ: «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟»، قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَلَا إِذًا».\nحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: نَحَلَنِي أَبِي نُحْلًا، ثُمَّ أَتَى بِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيُشْهِدَهُ، فَقَالَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ أَعْطَيْتَهُ هَذَا؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «أَلَيْسَ تُرِيدُ مِنْهُمُ الْبِرَّ مِثْلَ مَا تُرِيدُ مِنْ ذَا؟»، قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ». قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَحَدَّثْتُ بِهِ مُحَمَّدًا، فَقَالَ: إِنَّمَا تَحَدَّثْنَا أَنَّهُ قَالَ: «قَارِبُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ».\n\n[١٦٢٤] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةُ بَشِيرٍ: انْحَلِ ابْنِي غُلَامَكَ، وَأَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنَّ ابْنَةَ فُلَانٍ سَأَلَتْنِي أَنْ أَنْحَلَ ابْنَهَا غُلَامِي، وَقَالَتْ: أَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَلَهُ إِخْوَةٌ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «أَفَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا، وَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ».\nقوله: «فَالْتَوَى بها سَنَةً»، يعنى: ما أعطى إلا بعد سنة.\nوقول النبي ﷺ: «أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟» فيه: دليل على أن الحكمة من","vol":"4","page":464},{"text":"التسوية: العدل بين الأولاد، فلو لم يكن لبشير ولدٌ غيره لأمضى النبي ﷺ الهبة، وفي رواية أخرى قال ﷺ: «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَلَا إِذًا».","vol":"4","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-743>بَابُ الْعُمْرَى</span>\n\n[١٦٢٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ، لِلَّذِي أُعْطِيَهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا؛ لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ».\n[خ: ٢٦٢٥]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَعْمَرَ رَجُلًا عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَقَدْ قَطَعَ قَوْلُهُ حَقَّهُ فِيهَا، وَهِيَ لِمَنْ أُعْمِرَ وَلِعَقِبِهِ». غَيْرَ أَنَّ يَحْيَى قَالَ- فِي أَوَّلِ حَدِيثِهِ-: «أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى فَهِيَ لَهُ وَلِعَقِبِهِ».\nحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنِ الْعُمْرَى وَسُنَّتِهَا عَنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْمَرَ رَجُلًا عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ، فَقَالَ: قَدْ أَعْطَيْتُكَهَا وَعَقِبَكَ مَا بَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدٌ، فَإِنَّهَا لِمَنْ أُعْطِيَهَا، وَإِنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ».\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ- وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ- قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا»، قَالَ: مَعْمَرٌ، وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يُفْتِي بِهِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرٍ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ-: «أَنَّ","vol":"4","page":466},{"text":"رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى فِيمَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ، فَهِيَ لَهُ بَتْلَةً لَا يَجُوزُ لِلْمُعْطِي فِيهَا شَرْطٌ، وَلَا ثُنْيَا. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ، فَقَطَعَتِ الْمَوَارِيثُ شَرْطَهُ».\nالعمرى: هبة وعطية، يقول: أعمرتك هذه الدار، أو جعلت لك هذه الدار عمرك، أو ما حييتَ، أو ما بقيتَ لك ولعقبك، فهذه هبة لازمة، ولا ترجع إلى الواهب، وإذا مات تورَث عن الموهوب له.\nوالعمرى كانت معروفة في الجاهلية فأقرها الإسلام.\nوالعمرى لها ثلاثة ألفاظ:\nاللفظ الأول: أن يقول: أعمرتك هذه الدار لك ولعقبك، فهذه لازمة، ولا ترجع إلى إلى الواهب مطلقًا.\nاللفظ الثاني: أن يقول: أعمرتك ما حييتَ، أو ما عشتَ، أو ما بقيتَ، ولا يقول: لك ولعقبك، وهذه- أيضًا- الصواب أنها له ولعقبه، لا ترجع إلى الواهب بعد موته، وقيل: بل ترجع إلى الواهب بعد موته.\nاللفظ الثالث: أن يقول: أعمرتك، وهذه- أيضًا- مختلف فيها، قيل: إنها ترجع إلى الواهب بعد موته، وقيل: إنها لا ترجع.\nوالصواب: أنها لا ترجع في جميع أنواعها الثلاثة.","vol":"4","page":467},{"text":"حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ بِمِثْلِهِ.\nحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا تُفْسِدُوهَا؛ فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ».\nقول جابر في هذه الرواية يحتمل أنه رجع عن فهمه الأول الذي قال فيه: «إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا».\nويحتمل أنه يرى أن من قال: أعمرتك كذا وكذا، وليس فيه تقييد بأنه يقول له ولعقبه، لم تنتقل إلى عقبه وورثته، ويتمتع بها مدة عمره فحسب.","vol":"4","page":468},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ أَيُّوبَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي خَيْثَمَةَ، وَفِي حَدِيثِ أَيُّوبَ مِنَ الزِّيَادَةِ قَالَ: «جَعَلَ الْأَنْصَارُ يُعْمِرُونَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «أَعْمَرَتِ امْرَأَةٌ بِالْمَدِينَةِ حَائِطًا لَهَا ابْنًا لَهَا، ثُمَّ تُوُفِّيَ وَتُوُفِّيَتْ بَعْدَهُ، وَتَرَكَتْ وَلَدًا وَلَهُ إِخْوَةٌ بَنُونَ لِلْمُعْمِرَةِ، فَقَالَ: وَلَدُ الْمُعْمِرَةِ رَجَعَ الْحَائِطُ إِلَيْنَا، وَقَالَ بَنُو الْمُعْمَرِ: بَلْ كَانَ لِأَبِينَا حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى طَارِقٍ- مَوْلَى عُثْمَانَ- فَدَعَا جَابِرًا، فَشَهِدَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْعُمْرَى لِصَاحِبِهَا، فَقَضَى بِذَلِكَ طَارِقٌ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَخْبَرَهُ ذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ بِشَهَادَةِ جَابِرٍ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: صَدَقَ جَابِرٌ، فَأَمْضَى ذَلِكَ طَارِقٌ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ الْحَائِطَ لِبَنِي الْمُعْمَرِ حَتَّى الْيَوْمِ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَ إِسْحاق: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ: «أَنَّ طَارِقًا قَضَى بِالْعُمْرَى لِلْوَارِثِ؛ لِقَوْلِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:","vol":"4","page":469},{"text":"«الْعُمْرَى مِيرَاثٌ لِأَهْلِهَا».\n\n[١٦٢٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ».\nوَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «مِيرَاثٌ لِأَهْلِهَا»، أَوَ قَالَ: «جَائِزَةٌ».\nطارق المذكور في هذه الرواية هو والي المدينة من قبل عبد الملك بن مروان.\nوقوله: «فَدَعَا جَابِرًا فَشَهِدَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْعُمْرَى»: وهذا يدل على أن جابرًا رجع عن قوله الأول برجوع العمرى للواهب إذا لم يعمرها له ولعقبه.","vol":"4","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-744>كِتَابُ الْوَصِيَّةِ</span>","vol":"4","page":472},{"text":"كِتَابُ الْوَصِيَّةِ\n\n[١٦٢٧] حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ- واللفظ لابن المثنى- قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ».\n[خ: ٢٧٣٨]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالَا: «وَلَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ»، وَلَمْ يَقُولَا: «يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ-.ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ- يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ- كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَقَالُوا جَمِيعًا: «لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ»، إِلَّا فِي حَدِيثِ أَيُّوبَ، فَإِنَّهُ قَالَ: «يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ»، كَرِوَايَةِ يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ.\nحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو- وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ","vol":"4","page":473},{"text":"قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ».\nقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي.\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ.\nالوصية: مشتقة من: وصيت الشيء أوصيه إذا وصلته، وسميت وصية؛ لأن الميت يصل ما كان في حياته بما بعد مماته، فيتصل عمل الميت بما كان في الحياة.\nوالحقوق المتعلقة بالتركة متعددة، فأول شيء يُبدأ به فيُخرج من رأس المال هو ما يتعلق بتجهيز الميت، كالكفن، وأجرة الغاسل، وأجرة حفر القبر، ثم بعد ذلك تخرج الديون المتعلقة بعين التركة، كالدين الذي به رهن، والأرش المتعلق برقبة الجاني، ثم الديون المطلقة المرسَلة، سواء كانت لله كزكاة، أو نذر، أو كفارة، أو وجب عليه الحج- وهو قادر- ولم يحجَّ؛ فإنها تؤخذ من رأس المال قبل قسمة التركة، ثم تُخرج بعد ذلك الديون التي للآدميين، ثم تنفذ الوصايا.\nوالوصية تنفذ فيما دون الثلث، كما سيأتي قول النبي ﷺ: «فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٤٢)، ومسلم (١٦٢٨).","vol":"4","page":474},{"text":"والوصية لا بد أن تكون لأجنبي، والمراد به: غير الوارث، فلو كان رجل له أخ وله أبناء، فله أن يوصي للأخ؛ لأن الأخ غير وارث، فإن أوصى لوارث فإنها لا تنفذ، إلا إذا أجازه ورثته كلهم، وكانوا راشدين؛ لما جاء في حديث النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (^١).\nوإذا ملك الإنسان مالًا كثيرًا فيستحب أن يوصي بأقل من الثلث، وكذلك إذا كان له ورثة محتاجون فقراء، فينبغي له أن يوصي بأقل من الثلث؛ لما ثبت عن ابن عباس ﵁ أنه قال: لو أن الناس غَضُّوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله ﷺ قال: «فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ»، وقد أوصى جمعٌ من السلف بأقل من الثلث، منهم: مَن أوصى بالخمس، ومنهم: من أوصى بالسدس، مثل: الصديق ﵁ وغيره.\nمسألة: اختلفوا فيمن ليس له وارث: هل يوصي في ماله بأكثر من الثلث أو لا، على أقولين:\nالقول الأول: أنه لا يوصي بأكثر من الثلث، ولو لم يكن له وارث؛ لأن بيت المال وارث من لا وارث له، وهذا يضر ببيت المال.\nالقول الثاني: أنه لا بأس إذا لم يكن له وارث أن يوصي بأكثر من الثلث؛ لأن بيت المال حافظ، وليس بوارث، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة (^٢).\nوالصواب: القول الأول؛ لعموم الحديث، وأن بيت المال وارث من لا وارث له وليس بحافظ.\nوالله تعالى قدم الوصية على الدَّين في كتابه العظيم في قوله ﷿: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين﴾، والحكمة-\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٢٢٩٤)، وأبو داود (٢٨٧٠)، والترمذي (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٣).\n(^٢) الاختيار لتعليل المختار، لأبي المودود الموصلي (٥/ ٧٤)، حاشية الدر المختار، لابن عابدين (٦/ ٦٧١).","vol":"4","page":475},{"text":"والله أعلم-: أن الوصية قد يُتساهل بها، فلا تنفَّذ، بخلاف الدَّين؛ فإن له من يطالب به، وإلا فالدَّين أهم من الوصية.\nوالوصية تكون واجبة، وقد تكون مستحبة:\nفتكون واجبة إذا كان على الميت ديون، أو ودائع، أو عَوَارٍ، وليس فيها بيِّنة، فإنه يجب عليه أن يوصي حتى لا تضيع الحقوق.\nأما إذا لم يكن له ولا عليه شيء، وإنما يريد أن يوصي في أعمال البر فهي مستحبة؛ خشية أن يغشاه الموت، فيفوته هذا الخير، وهذا هو الصواب.\nوقيل: إنها واجبة مطلقًا أخذًا بظاهر قوله ﵊: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ»، وفي لفظٍ: «فَيَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ» (^١).\nوقال ابن عمر ﵄: «مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ، إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي» فيه: منقبة لابن عمر، حيث بادر بكتابة وصيته امتثالًا لأمر رسول الله ﷺ.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤٤٦٩)، والنسائي (٣٦١٩).","vol":"4","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-745>بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ</span>\n\n[١٦٢٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلَغَنِي مَا تَرَى مِنَ الْوَجَعِ، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لَا»، قَالَ: قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: «لَا، الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ؛ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ، إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى اللُّقْمَةُ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ، فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنْفَعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ». قَالَ: رَثَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَنْ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ.\n[خ: ١٢٩٥]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيَّ يَعُودُنِي، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا","vol":"4","page":477},{"text":"سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَرِضْتُ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقُلْتُ: دَعْنِي أَقْسِمْ مَالِي حَيْثُ شِئْتُ، فَأَبَى، قُلْتُ: فَالنِّصْفُ، فَأَبَى، قُلْتُ: فَالثُّلُثُ، قَالَ: فَسَكَتَ بَعْدَ الثُّلُثِ، قَالَ: فَكَانَ بَعْدُ الثُّلُثُ جَائِزًا.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ: «فَكَانَ بَعْدُ الثُّلُثُ جَائِزًا».\n\n[١٦٣٠] وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ، فَقُلْتُ: أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: فَالنِّصْفُ؟ قَالَ: «لَا»، فَقُلْتُ: أَبِالثُّلُثِ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ، كُلُّهُمْ يُحَدِّثُهُ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى سَعْدٍ يَعُودُهُ بِمَكَّةَ، فَبَكَى قَالَ: «مَا يُبْكِيكَ؟»، فَقَالَ: قَدْ خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا، كَمَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا» - ثَلَاثَ مِرَارٍ- قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا، وَإِنَّمَا يَرِثُنِي ابْنَتِي، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: «لَا»، قَالَ: فَبِالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: «لَا»، قَالَ: فَالنِّصْفُ؟ قَالَ: «لَا»، قَالَ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّ صَدَقَتَكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ نَفَقَتَكَ عَلَى عِيَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ مَا تَأْكُلُ امْرَأَتُكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّكَ أَنْ تَدَعَ أَهْلَكَ بِخَيْرٍ- أَوَ قَالَ: بِعَيْشٍ- خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ. وَقَالَ: بِيَدِهِ».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ قَالُوا: مَرِضَ سَعْدٌ بِمَكَّةَ، فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُهُ، بِنَحْوِ حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ.","vol":"4","page":478},{"text":"وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي ثَلَاثَةٌ مِنْ وَلَدِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، كُلُّهُمْ يُحَدِّثُنِيهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ صَاحِبِهِ، فَقَالَ: مَرِضَ سَعْدٌ بِمَكَّةَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ.\nقوله:  «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ»، تذر يعني: تترك، وهو بكسر الهمزة على أنها (إِنِ) الشرطية.\nوروي بفتح الهمزة على أنها (أَنِ) المصدرية، فأنْ ومعمولها مصدر مؤول، أي: تَرْكُكَ، وهي مبتدأ، والعرب لا تستعمل ماضي يذر، ولا مصدره، و«خَيْرٌ» خبرها، يعني: أنَّ تَرْكَكَ ورثتَكَ أغنياءَ خيرٌ مِن تركِهِم فقراءَ.\nوقوله:  «عَالَةً»، يعني: فقراء.\nوهذا الحديث فيه فوائد عظيمة، منها:\nمشروعية زيارة المريض من الأكابر والرؤساء والعلماء والدعاة؛ ولهذا زار النبي ﷺ سعدًا ﵁ لما مرض بمكة، وكان ذلك في حجة الوداع، وزاره أبو بكر ﵁، وكان المرض اشتد به حتى أشرف على الموت (^١).\nوفيه: مشروعية زيارة المريض مطلقًا، وأدلة فضلها كثيرة، وقد ورد أنه في خُرْفَةِ الْجَنَّةِ (^٢)، وأنه: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ» (^٣)، والأدلة على هذا كثيرة.\nوفيه: دليل على أنه لا بأس بإخبار المريض بحاله، وما يجده من مرض،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٩٣٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٥٦٨).\n(^٣) أخرجه أحمد (٦١٢)، والترمذي (٩٦٩)، وابن ماجه (١٤٤٢).","vol":"4","page":479},{"text":"أو وجع إذا كان لم يكن على وجه التشكي، بل حتى يدعى له، أو لمن يستفتيه، كحال سعد ﵁ في هذا الحديث.\nوفيه: دليل على أنه لا يجوز للمريض أن يوصي بأكثر من الثلث إذا كان له ورثة، ولو كانوا قلة، ولو كانوا واحدًا؛ ولهذا منع النبي ﷺ سعدًا أن يوصي بأكثر من الثلث، ولم يكن له إلا بنت في ذلك الوقت.\nوفيه: بيان أفضلية ترك المال للورثة، فيغنيهم الله بهذا المال، خير من الوصية بجُلِّ المال وتركهم فقراء يسألون الناس ويشحذون؛ فالأقرباء أولى الناس بالبر.\nوهذا يدل- أيضًا- على أن الإحسان إلى الأقارب مقدمٌ على الإحسان إلى غيرهم من الأجانب.\nوفيه: عَلَم من أعلام النبوة؛ حيث أخبر النبي ﷺ بأن سعد بن أبي وقاص سيتأخر، فقال: «وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنْفَعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ»، وقد شُفي سعد من هذا المرض، وتأخرت وفاته ﵁، ورزقه الله أولادًا، وانتفع به أقوام في إظهار الإسلام في الحروب التي حاربها في الروم، فهدى الله للإسلام أقوامًا على يديه، وضُرَّ به آخرون؛ حيث قُتلوا وماتوا على الكفر، وتولى إمارة الكوفة في عهد عمر، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة.\nوفيه: دليل على أن المهاجر الذي هاجر من مكة ليس له أن يرجع إلى البلد التي هاجر منها؛ لأنه تركها لله؛ ولهذا جاء في الحديث: أن المهاجر إذا رجع إلى مكة معتمرًا، أو حاجًّا فإنه يجلس ثلاثة أيام، ولا يزيد بعد النسك (^١)؛ ولهذا خاف سعد ﵁ أن يموت بمكة، أو بالأرض التي هاجر منها، فدعا له النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ».\nوفيه: أنه لا بد من الإخلاص في العمل، ومن ذلك: النفقة؛ ولهذا قال\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٥٢).","vol":"4","page":480},{"text":"ﷺ: «وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ، إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا»، هذا هو الإخلاص، فإذا أنفق النفقة يحتسبها فإن الله يثيبه، وإذا أنفق ولم يستحضر النية، فإنه يؤجر لكن إذا استحضر النية فإنه يُزاد في أجره؛ وذلك أن النفقة على الزوجة والأولاد واجبة، وأداء الواجب فيه أجر، لكن إذا استحضر النية يكون أفضل.\nوقوله: «لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ. قَالَ: رَثَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَنْ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ»، سعد بن خولة ﵁ هو زوج سبيعة الأسلمية، مات بمكة، وقيل: إنه رجع إليها مختارًا.\nوقوله: «وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا»، أي: لأنه تركها لله.\n\n[١٦٢٩] حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى- يَعْنِي: ابْنَ يُونُسَ-.ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ»، وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: «كَبِيرٌ أَوْ كَثِيرٌ».\nقول ابن عباس: «غَضُّوا»، يعني: نقصوا، وهذا فقه من ابن عباس ﵁، قال: لو أن الناس غَضُّوا في الوصية من الثلث إلى الربع لكان أفضل وأحسن؛ لأن النبي ﷺ قال: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ».","vol":"4","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-746>بَابُ وُصُولِ ثَوَابِ الصَّدَقَاتِ إِلَى الْمَيِّتِ</span>\n\n[١٦٣٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنِ العَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ أَبِي مَاتَ، وَتَرَكَ مَالًا، وَلَمْ يُوصِ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ».\n\n[١٠٠٤] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ أُمِّيَ افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَإِنِّي أَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَلِي أَجْرٌ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّيَ افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَلَمْ تُوصِ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ. ح وَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا رَوْحٌ- هُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ- ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أَمَّا أَبُو أُسَامَةَ، وَرَوْحٌ، فَفِي حَدِيثِهِمَا: فَهَلْ لِي أَجْرٌ؟ كَمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَأَمَّا شُعَيْبٌ، وَجَعْفَرٌ، فَفِي حَدِيثِهِمَا: أَفَلَهَا أَجْرٌ؟ كَرِوَايَةِ ابْنِ بِشْرٍ.\nقوله: «افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا»، يعني: ماتت فجأة.\nوفي هذه الأحاديث: دليل على أن الصدقة يصل ثوابها إلى الميت،","vol":"4","page":482},{"text":"وأجمع أهل السنة والجماعة على أن الصدقة يصل ثوابها إلى الميت (^١)، وكذلك الدعاء يصل ثوابه إلى الميت بالإجماع (^٢)، كما نص القرآن على ذلك بأدلة كثيرة، منها: قوله تعالى- في الثناء على المؤمنين حينما دعوا لمن سبقوهم-: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾، وكذلك الدعاء للميت في صلاة الجنازة مجمعٌ عليه، والدعاء بعد الدفن ثابت، والدعاء عند زيارة القبور ثابت وهو يصل بإجماع أهل السنة والجماعة (^٣).\nوكذلك الحج يصل ثوابه إلى الميت باتفاق أهل السنة (^٤)، على خلاف بينهم: هل يصل الميتَ ثوابُ الحج، أو ثواب المؤن والنفقات؛ فالجمهور: على أن ثواب الحج للميت (^٥)، وذهب محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة إلى أن الذي يصل ثوابه هو المؤن والنفقات، والحج ثوابه للحاج، وهذا قولٌ مرجوح (^٦).\nولم يخالف في وصول الصدقة والدعاء للميت إلا أهل البدع، محتجين بقول الله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ والآية لها أجوبة عند أهل السنة، منها:\nالجواب الأول: قد أثبتت الآية أن الإنسان يملك سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك له، فإذا بذله لغيره وصل إليه.\nالجواب الثاني: أن الآية لم تنفِ انتفاع الإنسان بغيره، وإنما أثبتت انتفاعه\n_________\n(^١) الإقناع، لابن القطان (٢/ ١٢٠)، شرح الطحاوية، لابن أبي العز (٢/ ٦٦٤).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (٧/ ٩٠).\n(^٣) الإقناع، لابن القطان (٢/ ١٢٠).\n(^٤) الإقناع، لابن القطان (٢/ ١٢٠)، شرح الطحاوية، لابن أبي العز (٢/ ٦٦٤).\n(^٥) مواهب الجليل، للحطاب (٢/ ٥٤٣)، (٣/ ٧)، أسنى المطالب، لزكريا الأنصاري (٣/ ٦٠)، المغني، لابن قدامة (٢٩/ ٤٢٣).\n(^٦) المبسوط، للسرخسي (٤/ ١٤٨).","vol":"4","page":483},{"text":"بسعيه، وأما سعي غيره فهو لغيره، ولكن إذا بذله له انتفع به.\nوقد اختلف أهل السنة في وصول ثواب الصلاة والصيام وقراءة القرآن للميت، على قولين:\nالقول الأول: قول الحنفية والحنابلة: أنه يصل ثوابه (^١).\nوالقول الثاني: قول الشافعية والمالكية: أنه لا يصل؛ لعدم الدليل (^٢)، وهذا هو الأرجح، والذين قالوا بوصولها ليس عندهم دليل، إلا أنهم قاسوا على الصدقة والدعاء والحج، فأجابهم الآخرون، فقالوا: لا قياس في العبادات.\n_________\n(^١) حاشية الدر المختار، لابن عابدين (٢/ ٢٤٣)، الانصاف، للمرداوي (٢/ ٥٥٨)، المغني، لابن قدامة (٢/ ٤٢٣).\n(^٢) مواهب الجليل، للحطاب (٢/ ٥٤٣) (٣/ ٧)، روضة الطالبين، للنووي (٢/ ١٣٩).","vol":"4","page":484},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-747>بَابُ مَا يَلْحَقُ الْإِنْسَانَ مِنَ الثَّوَابِ بَعْدَ وَفَاتِهِ</span>\n\n[١٦٣١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ- وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنِ العَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».","vol":"4","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-748>بَابُ الْوَقْفِ</span>\n\n[١٦٣٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا»، قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ؛ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُبْتَاعُ، وَلَا يُورَثُ، وَلَا يُوهَبُ، قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ، وَفِي الْقُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ؛ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ.\nقَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مُحَمَّدًا، فَلَمَّا بَلَغْتُ هَذَا الْمَكَانَ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ قَالَ مُحَمَّدٌ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَأَنْبَأَنِي مَنْ قَرَأَ هَذَا الْكِتَابَ أَنَّ فِيهِ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا.\n[خ: ٢٧٣٧]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا أَزْهَرُ السَّمَّانُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَأَزْهَرَ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ: أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ، وَلَمْ يُذْكَرْ مَا بَعْدَهُ، وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ فِيهِ مَا ذَكَرَ سُلَيْمٌ، قوله: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مُحَمَّدًا، إِلَى آخِرِهِ.\n\n[١٦٣٣] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا أَحَبَّ إِلَيَّ، وَلَا أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهَا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ: فَحَدَّثْتُ مُحَمَّدًا، وَمَا بَعْدَهُ.","vol":"4","page":486},{"text":"قوله: «غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ»، أي: لا يتخذ منها مالًا يتموله ويدخره.\nوفي هذا الحديث: مشروعية الوقف، وهي الصدقة الجارية، فهذا عمر ﵁ أصاب أرضًا بخيبر، وهي أحب شيء إليه، وأنفس أمواله، واستشار النبي ﷺ، فأمره أن يوقفها.\nوهذا الأمر الذي أشار به النبي ﷺ هو أمرٌ فاضل، لو كان هناك شيء أفضل منه لأشار عليه به.\nوفيه: دليل على أن خيبر فُتحت عنوة.\nوفيه: دليل على أن الوقف لا يباع، ولا يوهب، بل يُحبس الأصل، فينتفع بالثمرة، يعني: بالريع، وأما الرقبة فإنها لا تباع، ولا توهب، ولا تورث؛ لأنه خرج من يد الموقف، وصار لله، فالمساجد- وكذا الأرض، أو البيت، أو المقبرة، أو المصحف، أو كتب العلم- إذا سبَّلها فإنها لا تباع، ولا تورث، ولا توهب.\nوفيه: دليل على تنفيذ شرط الواقف، فقد أوقفها عمر في الفقراء، وفي القربي، وفي الرقاب، وفي ابن السبيل، وفي الضيف.\nوفيه: أنه قال: لا جناح على مَن وليها أن يأكل منها، والولي: هو الذي يلي الوقف كالمزرعة- مثلًا- له أن يأكل منها، ويُطعم صديقه، إلا أنه لا يجمع منها مالًا يدخره.\nوالوقف أولى من الوصية؛ لكونه في حياة الإنسان، فهو ينظره بنفسه، ويليه، ويطمئن عليه، فهذا أولى من وصية تؤجل إلى ما بعد الموت.\nوالأصل في حكم بيع الوقف: أن الوقف ينظر فيه، فإذا تعطلت منافعه فالجمهور على أنه لا يباع (^١).\n_________\n(^١) الاختيار لتعليل المختار (٣/ ٤٣)، شرح مختصر خليل، للخرشي (٧/ ٧٩، ٨٤)، المجموع، للنووي (٩/ ٢٤٥)، مسائل الإمام أحمد رواية ابنه أبي الفضل صالح (١/ ٢٦٠ - ٢٦١).","vol":"4","page":487},{"text":"وبعض العلماء يرى أنه يباع، لكن بعد نظر الحاكم الشرعي وهو قول لبعض الشافعية والحنابلة (^١)، واختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية﵀-: جواز بيع الوقف، أو المناقلة لنقص، أو رجحان مغلة (^٢).؟؟؟؟؟؟؟\n_________\n(^١) نهاية المحتاج، للرملي (٥/ ٣٥٩)، المغني، لابن قدامة (٦/ ٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٣١/ ٩٢، ٢١٣، ٢٢٩، ٢٥٢)، المستدرك على مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٤/ ٩١).","vol":"4","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-749>بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ</span>\n\n[١٦٣٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى: هَلْ أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ: لَا، قُلْتُ: فَلِمَ كُتِبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّةُ، أَوْ فَلِمَ أُمِرُوا بِالْوَصِيَّةِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ ﷿.\n[خ: ٢٧٤٠]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ قُلْتُ: فَكَيْفَ أُمِرَ النَّاسُ بِالْوَصِيَّةِ؟ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ قُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّةُ؟ .\n\n[١٦٣٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا، وَلَا شَاةً، وَلَا بَعِيرًا، وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ.\nوَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كُلُّهُمْ عَنْ جَرِيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى- وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ- جَمِيعًا عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nفي هذا الحديث: دليل على أن من ليس عنده شيء فليس عليه وصية.\nوفيه: أن النبي ﷺ لم يوصِ؛ لأنه ﵊ لا يورث؛ ولهذا ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» (^١)، حتى الأرض التي حصلت\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٩٤)، ومسلم (١٧٥٧).","vol":"4","page":489},{"text":"له في خيبر فقد أوقفها ﵊.\nوقد جاءت فاطمة ﵂ وهي سيدة من سيدات أهل الجنة إلى أبي بكر بعد وفاة النبي ﷺ تطلب ميراثها من النبي ﷺ، فأخبرها أبو بكر أن النبي ﷺ قال: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»، وهذا رواه ما يقرب من عشرة من الصحابة ﵃، وكان الأمر قد خفي عليها، ولكنها ﵂ بقي في خاطرها شيء، وبقيت هاجرةً أبا بكر ﵁، وكان الحق مع أبي بكر ﵁.\n\n[١٦٣٦] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ وَصِيًّا، فَقَالَتْ: مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ، فَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِي- أَوْ قَالَتْ: حَجْرِي؟ - فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدِ انْخَنَثَ فِي حَجْرِي، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟ .\n[خ: ٢٧٤١]\nقولها: «انْخَنَثَ»، يعني: سقط ومال.\nوفي هذا الحديث: رد على الرافضة الذين يقولون: إن النبي أوصى إلى علي ﵁ بالخلافة، وأن أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ كلهم ظلمة مغتصِبون للخلافة، وهذا من اختلاق الرافضة وأباطيلهم وضلالاتهم- نسأل الله العافية.","vol":"4","page":490},{"text":"[١٦٣٧] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ- وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمُ الْخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ!، ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى، فَقُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ، فَقَالَ: «ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدِي»، فَتَنَازَعُوا، وَمَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ، وَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ؟ أَهَجَرَ؟ ! اسْتَفْهِمُوهُ، قَالَ: «دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ، أُوصِيكُمْ بِثَلَاثٍ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ»، قَالَ: وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ، أَوْ قَالَهَا فَأُنْسِيتُهَا.\nقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا الْحَدِيثِ.\n[خ: ٣٠٥٣]\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: يَوْمُ الْخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ!، ثُمَّ جَعَلَ تَسِيلُ دُمُوعُهُ حَتَّى رَأَيْتُ عَلَى خَدَّيْهِ كَأَنَّهَا نِظَامُ اللُّؤْلُؤِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ- أَوِ اللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ- أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا»، فَقَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَهْجُرُ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ قَالَ عَبْدُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ، فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّونَ بَعْدَهُ»، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ، وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ،","vol":"4","page":491},{"text":"وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالِاخْتِلَافَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُومُوا». قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ.\n[خ: ٤٤٣٢]\nقوله:  «مَا شَأْنُهُ؟ أَهَجَرَ؟ !»، أي: أقال هُجرًا؟ أي: أهذى من شدة الوجع؟ !\nوفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ أراد أولًا أن يكتب الوصية، ولما اختلف الصحابة قال:  «قُومُوا»، ثم خف عليه المرض في أيام السبت والأحد ولم يكتب كتابًا، فدل على أنه رأى عدم الكتابة، أو أنه أُمر أولًا بالكتابة، ثم نُسخ قبل الكتابة.\nوقد ثبت عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ صَحِيفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُهُ فَلْيَقْرَأْ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾» (^١).\nوالمعنى: أنه ﵇ لو أوصى لأوصى بما في كتاب الله.\nوكذلك ثبت عن عائشة ﵂- كما سبق- أنه لم يوصِ بشيء.\nوأخبر ابن عباس هنا: أنه أوصى بثلاثٍ، وأخبر غيره بغير هذه الثلاث، فقد أوصى بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب (^٢)، وأوصى بالصلاة (^٣)، وأوصى بكتاب الله، وبأهل بيته (^٤)، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد (^٥).\nوفيه: دليل على أنه لا يجوز إبقاء اليهود والنصارى في جزيرة العرب؛\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٠٦٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٧٦٧).\n(^٣) أخرجه أحمد (٥٨٥)، وأبو داود (٥١٥٦).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٤٠٨).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٣٣٠)، ومسلم (٥٢٩).","vol":"4","page":492},{"text":"لأن النبي ﷺ لم يحدد لهم المدة التي أقرهم على البقاء فيها، قال: «نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا» (^١)، ثم بقوا فيها بقية حياة النبي ﷺ ومدة خلافة أبي بكر ﵁، وهي قصيرة، وكان قد انشغل فيها بحروب الردة، ثم لما تولى عمر ﵁ الخلافة أجلاهم إلى الشام، وأريحاء، وتيماء.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣٣٨)، ومسلم (١٥٥١).","vol":"4","page":493},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-750>كِتَاب النَّذْرِ</span>","vol":"4","page":495},{"text":"كِتَاب النَّذْرِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-751>بَابُ الْأَمْرِ بِقَضَاءِ النَّذْرِ</span>\n\n[١٦٣٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي نَذْرٍ، كَانَ عَلَى أُمِّهِ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَاقْضِهِ عَنْهَا».\n[خ: ٢٧٦١]\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِ اللَّيْثِ، وَمَعْنَى حَدِيثِهِ.\nالنذر لغة: الإيجاب، وشرعًا: أن يوجب الإنسان على نفسه طاعة لم يوجبها الله عليه.\nوالنذر مكروه أو محرم؛ لأن النبي نهى عنه، وقال: «إيَّاكُمْ وَالنَّذْرَ» (^١)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢٤٣١).","vol":"4","page":497},{"text":"وذلك أن الناذر يوجب على نفسه شيئًا لم يوجبه الله عليه، وقد يشق عليه ولا يستطيعه، وينبغي للإنسان أن يفعل الطاعة دون أن يوجب على نفسه شيئًا.\nلكن إذا نذر نذر الطاعة فإنه يمدح إذا وفى به، وكونه يمدح إذا وفى به لا يدل على أن أصل النذر مستحب، بل هو مكروه، أو محرم، كما أن الإنسان إذا وفى دينه يمدح، لكن أصل الاستدانة ليس مرغبًا فيها.\nوالنذر أنواع:\n١. النذر المطلق، كأن يقول: لله عليَّ أن أصوم عشرة أيام، أو أن أتصدق بكذا.\n٢. النذر المعلق، كأن يعلقه بشيء، يقول: إن شفى الله مريضي لأصومن عشرة أيام، أو إن نجح ولدي في الامتحان لأتصدقن بكذا، هذا نذر معلق إذا حصل ما علق عليه، فإنه يفي بالنذر.\n٣. نذر اللجاج، هو: الذي يحمل على التصديق، أو التكذيب، أو المنع، أو الترك كذلك، كأن يقول: إن كلمت فلانًا فلله عليَّ كذا، يريد أن يمنع نفسه.\nونذر اللجاج والنذر المطلق يُكفِّر الحانث فيه كفارة يمين.\n٤. النذر المباح، كأن ينذر ركوب السيارة مثلًا، أو عدم ركوبها، ويخير صاحبه بين فعله وبين كفارة يمين.\n٥. نذر الطاعة، وهذا يجب الوفاء به؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» (^١).\nوقد مدح الله الأبرار لوفائهم بالنذر، فقال: ﴿يوفون بالنذر ويخافون يومًا كان شره مستطيرًا﴾.\n٦. نذر المعصية، كأن ينذر مثلًا أن يشرب الدخان، أو يعق والديه، فهذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٩٦).","vol":"4","page":498},{"text":"نذر محرم، يحرم الوفاء به، وفي وجوب الكفارة في تركه قولان لأهل العلم؛ منهم من قال: يجب عليه كفارة يمين؛ أخذًا بحديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ»، والقول الثاني: أنه لا كفارة، والراجح وجوب الكفار للنص عليه في الحديث.\n- وكذلك النذر فيما لا يملكه، كأن ينذر بأن يوقف بيت فلان لله، على صاحبه أيضًا كفارة يمين.\nقوله: «فَاقْضِهِ عَنْهَا»، يحتمل أنه وجب عليها فلم تقضه؛ ولهذا حضه ﵊ على قضائه عنها.\nوفيه: دليل لقضاء الحقوق الواجبة على الميت؛ وبخاصة إن كان للوارث مال متضمن من التركة.","vol":"4","page":499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-752>بَابُ النَّهْيِ</span>\n\n[١٦٣٩] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا يَنْهَانَا عَنِ النَّذْرِ، وَيَقُولُ: «إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الشَّحِيحِ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «النَّذْرُ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُهُ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ جَرِيرٍ.\n\n[١٦٤٠] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنِ العَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَنْذِرُوا؛ فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ».\n[خ: ٦٦٩٤]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَرُدُّ مِنَ الْقَدَرِ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ».","vol":"4","page":500},{"text":"حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ عَمْرٍو- وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَمْرٍو- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَرِّبُ مِنَ ابْنِ آدَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنِ اللهُ قَدَّرَهُ لَهُ، وَلَكِنْ النَّذْرُ يُوَافِقُ الْقَدَرَ، فَيُخْرَجُ بِذَلِكَ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- وَعَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nفي هذه الأحاديث: أن النذر لا يرد قدرًا، يظن بعض الناس أنه إذا نذر يحصل له مطلوبه، لكن هذا خطأ، فالنذر لا يقدم ولا يؤخر.\nوقوله: «وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الشَّحِيحِ»، وفي اللفظ الآخر: «مِنَ الْبَخِيلِ» معناه: أن البخيل هو الذي لا يتصدق إلا إذا ألزم نفسه، لكن ينبغي للإنسان أن يتصدق ويحسن بدون نذر.","vol":"4","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-753>بَابُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ</span>\n\n[١٦٤١] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِي عُقَيْلٍ، فَأَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ، وَأَصَابُوا مَعَهُ الْعَضْبَاءَ، فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْوَثَاقِ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟»، فَقَالَ: بِمَ أَخَذْتَنِي، وَبِمَ أَخَذْتَ سَابِقَةَ الْحَاجِّ؟ فَقَالَ- إِعْظَامًا لِذَلِكَ-: «أَخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ»، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَحِيمًا رَقِيقًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟»، قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ قَالَ: «لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ»، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟»، قَالَ: إِنِّي جَائِعٌ، فَأَطْعِمْنِي، وَظَمْآنُ فَأَسْقِنِي قَالَ: «هَذِهِ حَاجَتُكَ»، فَفُدِيَ بِالرَّجُلَيْنِ.\nقَالَ: وَأُسِرَتِ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَأُصِيبَتِ الْعَضْبَاءُ، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْوَثَاقِ، وَكَانَ الْقَوْمُ يُرِيحُونَ نَعَمَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ بُيُوتِهِمْ، فَانْفَلَتَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ الْوَثَاقِ، فَأَتَتِ الْإِبِلَ، فَجَعَلَتْ إِذَا دَنَتْ مِنَ الْبَعِيرِ رَغَا، فَتَتْرُكُهُ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْعَضْبَاءِ، فَلَمْ تَرْغُ قَالَ: وَنَاقَةٌ مُنَوَّقَةٌ، فَقَعَدَتْ فِي عَجُزِهَا، ثُمَّ زَجَرَتْهَا، فَانْطَلَقَتْ وَنَذِرُوا بِهَا، فَطَلَبُوهَا فَأَعْجَزَتْهُمْ قَالَ: وَنَذَرَتْ لِلَّهِ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَتْ الْمَدِينَةَ رَآهَا النَّاسُ، فَقَالُوا: الْعَضْبَاءُ نَاقَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَتْ: إِنَّهَا نَذَرَتْ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ! بِئْسَمَا جَزَتْهَا! نَذَرَتْ لِلَّهِ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا","vol":"4","page":502},{"text":"لَتَنْحَرَنَّهَا، لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ».\nحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ-.ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِ حَمَّادٍ قَالَ: كَانَتِ الْعَضْبَاءُ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ، وَكَانَتْ مِنْ سَوَابِقِ الْحَاجِّ، وَفِي حَدِيثِهِ- أَيْضًا-: فَأَتَتْ عَلَى نَاقَةٍ ذَلُولٍ مُجَرَّسَةٍ، وَفِي حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ: وَهِيَ نَاقَةٌ مُدَرَّبَةٌ.\nقوله: «َأخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ» الجريرة لغة: الجناية، أي: بفعل حلفائك ثقيف.\nوقوله: «وَنَاقَةٌ مُنَوَّقَةٌ»، يعني: مدربة ومعلمة.\nوقوله: «وَنَذِرُوا بِهَا»، أي: علموا بها.\nفي هذا الحديث: دليل على أن النذر فيما لا يملكه العبد لا يجب الوفاء به، بل يكفِّر صاحبه كفارة يمين.\nفهذه المرأة نذرت أن تنحر العضباء، وهي ناقة النبي ﷺ، وهي لا تملكها، ونحرها هنا معصية؛ ولهذا أنكر النبي ﷺ عليها، وقال: «بِئْسَمَا جَزَتْهَا»، بل جزاؤها أن يُحسَنَ إليها وتُكرَمَ، ولا تُنحرَ؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ»، فإذا نذر أن يشرب الخمر، أو يشرب الدخان فيحرم عليه الوفاء به، وكذلك إذا نذر أن يتصدق بطعام فلان فليس له هذا؛ لأنه لا يملكه، ويحرم الوفاء به.\nوفيه: دليل على أن الأسير الكافر إذا ادعى الإسلام يُقبل منه الإسلام، ولكن لا يفك من وثاقه، ويبقى الخيار بين الاسترقاق، أو المن، أو الفداء.","vol":"4","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-754>بَابُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الْكَعْبَةِ</span>\n\n[١٦٤٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنِي ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ، فَقَالَ: «مَا بَالُ هَذَا؟»، قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ». وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ.\n\n[١٦٤٣] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ عَمْرٍو- وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَمْرٍو- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَدْرَكَ شَيْخًا يَمْشِي بَيْنَ ابْنَيْهِ يَتَوَكَّأُ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا شَأْنُ هَذَا؟»، قَالَ ابْنَاهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ارْكَبْ أَيُّهَا الشَّيْخُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكَ، وَعَنْ نَذْرِكَ» - وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ، وَابْنِ حُجْرٍ.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\n\n[١٦٤٤] وَحَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ- يَعْنِي: ابْنَ فَضَالَةَ- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ: «لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ».\n[خ: ١٨٦٦]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُفَضَّلٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ: حَافِيَةً، وَزَادَ: وَكَانَ أَبُو الْخَيْرِ لَا يُفَارِقُ عُقْبَةَ.","vol":"4","page":504},{"text":"وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ قَالَا: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.","vol":"4","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-755>بَابُ فِي كَفَّارَةِ النَّذْرِ</span>\n\n[١٦٤٥] وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ يُونُسُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ».\nفي هذا الحديث: دليل على أن كفارة النذر كفارة يمين، سواء كان من النذر المطلق، كقوله: لله علي نذر، أو نذر اللجاج كقوله: إن كلمتك فلله علي حجة، أو في نذر المعصية، أو في النذر الذي لا يستطيعه، أو كان تركه أولى، كالنذر أن يمشي حاجًّا، أو حافيًا، وهذا قول ابن عباس ﵄ وبعض أصحاب الحديث (^١).\nأما النذر المباح فإنه يخير بين فعله وكفارة يمين (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣٣٢٢)، مصنف عبد الرزاق (١٥٨٣٢)، مصنف ابن أبي شيبة (١٢١٨٥).\n(^٢) الإقناع، للحجاوي (٤/ ٣٥٧)، المغني، لابن قدامة (١٠/ ٧).","vol":"4","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-756>كِتَابُ الْأَيْمَانِ</span>","vol":"4","page":508},{"text":"كِتَابُ الْأَيْمَانِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-757>بَابُ النَّهْيِ عَنِ الحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى</span>\n\n[١٦٤٦] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ». قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا.\n[خ: ٦٦٤٧]\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عُقَيْلٍ: مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْهَا وَلَا تَكَلَّمْتُ بِهَا، وَلَمْ يَقُلْ: ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ عُمَرَ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، بِمِثْلِ رِوَايَةِ يُونُسَ، وَمَعْمَرٍ.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي رَكْبٍ وَعُمَرُ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا إِنَّ","vol":"4","page":509},{"text":"اللَّهَ ﷿ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ».\n[خ: ٦١٠٨]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى وَهُوَ الْقَطَّانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلَا يَحْلِفْ إِلَّا بِاللَّهِ». وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ: لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ.\nفي هذه الأحاديث: النهي عَنِ الحلف بغير الله، وقد كان الناس في أول الإسلام يحلفون بآبائهم؛ ولهذا نهى النبي ﷺ عمر ﵁- كما جاء في هذا الأحاديث- لما أدركه وهو يحلف بأبيه، فنهاه، والنهي- عند الجمهور- يقتضي التحريم (^١).\nوفي غير الصحيح: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا\n_________\n(^١) الاختيار لتعليل المختار، لأبي الفضل الموصلي (٤/ ٥١)، مواهب الجليل، للحطاب (٣/ ٢٦٤)، مغني المحتاج، للشربيني (٦/ ١٨١)، المغني، لابن قدامة (٩/ ٤٨٨).","vol":"4","page":510},{"text":"إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ» (^١)، وجاء- أيضًا- في غير الصحيح: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ وَأَشْرَكَ» (^٢)، فدل على أن الحلف بغير الله محرم وهو شرك؛ وذلك لأن الحلف لا يكون إلا بما هو معظم في نفس الحالف، والتعظيم لا ينبغي أن يكون إلا لله ﷿، فلا يجوز للإنسان أن يحلف بأبيه، ولا بلحيته، ولا بشرفه، ولا بحياته، ولا بالنبي - ﷺ -، ولا بالكعبة، وقد اعتاد بعض الناس هذا، لكن على الإنسان أن يجاهد نفسه، ويحملها على الاقتصار على الحلف بالله وحده.\nوالحلف بغير الله شرك أصغر، وهو من وسائل الشرك الأكبر، وقد يكون شركًا أكبر إذا اعتقد الحالف أن المحلوف به ينبغي أن يُعظم كتعظيم الله، أو أنه يستحق شيئًا من العبادة.\nوقد جاء عن ابن مسعود أنه قال: «لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ وَأَنَا صَادِقٌ» (^٣)؛ وذلك لأن الحلف بالله تعالى توحيد، وبغيره شرك، ثم إن الحلف بالله كاذبًا معصية من المعاصي، والحلف بغيره تعالى شرك، ومعصية الكذب أهون من معصية الشرك، وحسنة التوحيد أكبر من حسنة الصدق.\nوأما قول عمر ﵁: «مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا ذَاكِرًا، وَلَا آثِرًا»، يعني: لا حالفًا من قِبَل نفسي، ولا ناقلا عن غيري بعد ما سمعت نهيَ النبي ﷺ عن ذلك.\nولا تعارض بين هذه الأحاديث وحديث: «أَفْلَحَ- وَأَبِيهِ- إِنْ صَدَقَ، أَوْ: دَخَلَ الْجَنَّةَ- وَأَبِيهِ- إِنْ صَدَقَ» (^٤)؛ لأن العلماء أجابوا عن هذه المعارضة\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٢٤٨)، والنسائي (٣٧٦٩).\n(^٢) أخرجه أحمد (٦٠٧٢)، وأبو داود (٣٢٥١)، والترمذي (١٥٣٥).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢٢٨١)، والطبراني في الكبير (٨٩٠٢).\n(^٤) أخرجه مسلم (١١).","vol":"4","page":511},{"text":"الظاهرية بعدة أجوبة، منها:\n- أن هذا كان قبل النهي.\n- ومنهم من قال: إن هذه كلمة اعتاد الناس جريانها على ألسنتهم بغير قصد.\n- وقيل: إنها تصحفت على الراوي؛ فأصلها: أفلح والله، لكن الأقرب أن يقال: إن هذا كان قبل النهي.","vol":"4","page":512},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-758>بَابُ مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ</span>\n\n[١٦٤٧] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ».\n[خ: ٤٨٦٠]\nفي هذا الحديث: أن الحلف باللات شرك، والحلف بالله توحيد، والتوحيد يُكفر الشرك، فمن حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال: تعالَ أقامِرْك فليتصدق؛ لكون الصدقة تكفِّر طلب فعل القمار.\nوَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَحَدِيثُ مَعْمَرٍ مِثْلُ حَدِيثِ يُونُسَ، غَيْر أَنَّهُ قَالَ: «فَلْيَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ»، وَفِي حَدِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ: «مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى» قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمٌ: هَذَا الْحَرْفُ- يَعْنِي: قَوْلَهُ: «تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ» - لَا يَرْوِيهِ أَحَدٌ غَيْرُ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: وَلِلزُّهْرِيِّ نَحْوٌ مِنْ تِسْعِينَ حَدِيثًا يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ.\nقوله: «أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمٌ»: هو صاحب الصحيح، كنيته أبو الحسين، واسمه مسلم بن الحجاج، وكنية البخاري أبو عبد الله، والمقصود: أن","vol":"4","page":513},{"text":"الزهري انفرد بهذه الرواية، كما انفرد برواية تسعين حديثًا جيادًا، وقيل: سبعين، والصواب: أنها تسعون حديثًا.\n\n[١٦٤٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ هِشَامٍ عَنِ الحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي، وَلَا بِآبَائِكُمْ».\nالطواغي جمع: طاغية، وهي الأصنام، يعني: لا تحلفوا بالأصنام ولا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله، أو ليصمت.\nوالحلف يكون بالله تعالى، وبأسمائه، وبصفاته، فيحلف بالله، وبالرحمن، وبالعظيم، وبعلم الله، وبقدرته، ونحوِ ذلك.","vol":"4","page":514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-759>بَابُ نَدْبِ مَنْ حَلَفَ يَمِينًا فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا أَنْ يَأْتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَيُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ</span>\n\n[١٦٤٩] حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ- وَاللَّفْظُ لِخَلَفٍ- وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ»، قَالَ: فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِإِبِلٍ، فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا- أَوْ قَالَ: بَعْضُنَا لِبَعْضٍ- لَا يُبَارِكُ اللَّهُ لَنَا، أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا، فَأَتَوْهُ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: «مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، ثُمَّ أَرَى خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ».\n[خ: ٦٦٤٩]\nقوله: «ذَوْدٍ»، أي: إبل.\nقوله: «غُرِّ الذُّرَى»، أي: بيض الأسنمة، قال النووي ﵀: «الذُّرَى- بضم الذال وكسرها وفتح الراء المخففة-: جمع ذِرْوَة بكسر الذال وضمها، وذروة كل شيء: أعلاه، والمراد هنا: الأسنمة» (^١).\nوهذه القصة فيها: أن أبا موسى الأشعري ﵁ جاء في رهط من الأشعريين يطلبون من النبي ﷺ أن يعطيهم إبلًا يُحمَلون عليها للجهاد في سبيل الله، فحلف النبي ﷺ ألَّا يحملهم بقوله: «وَاللَّهِ لا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١١/ ١٠٩).","vol":"4","page":515},{"text":"مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ»، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَهْبِ إِبِلٍ فَسَأَلَ عَنَّا، فَقَالَ: «أَيْنَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ؟»، فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا؟ حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَحْمِلُنَا وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا، تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمِينَهُ، وَاللَّهِ لا نُفْلِحُ أَبَدًا، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّا أَتَيْنَاكَ لِتَحْمِلَنَا، فَحَلَفْتَ أَنْ لا تَحْمِلَنَا، وَمَا عِنْدَكَ مَا تَحْمِلُنَا، فَقَالَ: «إِنِّي لَسْتُ أَنَا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ» (^١) أي: أن الله تعالى هو الذي يسر لكم ذلك، وأما يميني أنا فإني أكفر عنها.\nفي هذا الحديث: دليل على أن الإنسان إذا حلف على شيء، ثم رأى أن الخير في ترك ما حلف عليه فلا يتمادى في يمينه معاندًا، بل يكفر عن يمينه، ويفعل الخير؛ ولهذا جاء في الحديث الآخر: «وَاللَّهِ لَأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ» (^٢).\nوكفارته أن يطعمَ عشرة مساكين، أو يكسوَهم، أو يعتقَ رقبة، فإن كان فقيرًا صام ثلاثة أيام، وسواء قُدِّمَتِ الكفارة، أو أُخِّرتْ فكل ذلك جائز، فقد جاء في بعض الأحاديث- كما تقدم- تقديمُ الكفارة على الحنث، وفي بعضها الآخر تقديمُ الحنث على الكفارة، كما سيأتي.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٤٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٦٢٥)، ومسلم (١٦٥٥).","vol":"4","page":516},{"text":"حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُهُ لَهُمُ الْحُمْلَانَ- إِذْ هُمْ مَعَهُ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ، وَهِيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ- فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ»، وَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ وَلَا أَشْعُرُ، فَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنْعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرْتُهُمُ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْتُ بِلَالًا يُنَادِي: أَيْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوكَ، فَلَمَّا أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ، وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ، وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ- لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ ابْتَاعَهُنَّ- حِينَئِذٍ- مِنْ سَعْدٍ- فَانْطَلِقْ بِهِنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ، فَقُلْ: إِنَّ اللَّهَ- أَوْ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُكُمْ\nعَلَى هَؤُلَاءِ، فَارْكَبُوهُنَّ» قَالَ أَبُو مُوسَى: فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي بِهِنَّ، فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَكِنْ- وَاللَّهِ- لَا أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَأَلْتُهُ لَكُمْ وَمَنْعَهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ، ثُمَّ إِعْطَاءَهُ إِيَّايَ بَعْدَ ذَلِكَ، لَا تَظُنُّوا أَنِّي حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ، فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمُصَدَّقٌ، وَلَنَفْعَلَنَّ مَا أَحْبَبْتَ، فَانْطَلَقَ أَبُو مُوسَى بِنَفَرٍ مِنْهُمْ حَتَّى أَتَوْا الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَنْعَهُ إِيَّاهُمْ، ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ، فَحَدَّثُوهُمْ بِمَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو مُوسَى سَوَاءً.\nفي هذا الحديث: أن السفر كان في غزوة تبوك في مفازة عظيمة؛ ولهذا جعل النبي ﷺ الأمر للناس، وأخبرهم حتى يستعدوا ويتأهبوا، وكان الوقتُ وقتَ شدة الحر، وطِيبِ الثمار، فجهز عثمان ﵁ ثلاثمائة بعير بأحلاسها","vol":"4","page":517},{"text":"وأقتابها، وتبرع بها من ماله ﵁ حتى قال النبي ﷺ: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ- مَرَّتَيْنِ» (^١).\nوفيه: ذكر قول أبي موسى ﵁- لما سأل رسول الله ﷺ، فمنعه-: «فَرَجَعْتُ حَزِينًا»، يعني: يخشى أن يكون قد أغضب الرسول ﷺ.\nوقوله: «خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ»، أي: بعير مقرون ببعير.\nوقوله: «ابْتَاعَهُنَّ»، يعني: اشتراهن، وكانوا ستةَ أبعرة، ويحتمل أن بعضها كان من الغنيمة، وبعضها الآخر اشتراه من سعد ﵁، كما سيأتي في الحديث الآتي.\nوقوله: «وَمَنْعَهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ»، يعني: كأنه يريد أن يدفع التهمة عن نفسه؛ فقد رجع لأصحابه أول مرة وأخبرهم أن الرسول ﷺ رفض أن يحملهم، وقال: «وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ»، ثم حملهم بعد ذلك، فخشي أن يتهموه، ويقولوا له: كيف تقول لنا: إن الرسول منعك، ثم ناداك وأعطاك الإبل؟ ! فطلب منهم أن يذهب معه بعض أصحابه إلى أناس شهدوا على منعِه ﷺ إياه أول مرة حين سأله، ثم إعطائِه الإبلَ بعد ذلك، كل هذا حتى يدفع التهمه عنه ﵁.\nوقوله: «لَا تَظُنُّوا أَنِّي حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ»: فيه: أنه ينبغي للإنسان أن يطلب براءته بكشف ما قد يتهم فيه.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٧٠١)، والحاكم (٤٥٥٣).","vol":"4","page":518},{"text":"حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ- عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَعَنِ القَاسِمِ بنِ عَاصِمٍ عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ- قَالَ أَيُّوبُ: وَأَنَا لِحَدِيثِ الْقَاسِمِ أَحْفَظُ مِنِّي لِحَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ- قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى، فَدَعَا بِمَائِدَتِهِ وَعَلَيْهَا لَحْمُ دَجَاجٍ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ أَحْمَرُ شَبِيهٌ بِالْمَوَالِي، فَقَالَ لَهُ: هَلُمَّ، فَتَلَكَّأَ، فَقَالَ: هَلُمَّ فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ مِنْهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ أَنْ لَا أَطْعَمَهُ، فَقَالَ: هَلُمَّ أُحَدِّثْكَ عَنْ ذَلِكَ: إِنِّي أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ»، فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَهْبِ إِبِلٍ، فَدَعَا بِنَا، فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، قَالَ: فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: أَغْفَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمِينَهُ، لَا يُبَارَكُ لَنَا، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَتَيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ، وَإِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلْتَنَا، أَفَنَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إِنِّي وَاللَّهِ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا، فَانْطَلِقُوا فَإِنَّمَا حَمَلَكُمُ اللَّهُ ﷿».\n[خ: ٣١٣٣]\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ قَالَ: كَانَ بَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ وَبَيْنَ الْأَشْعَرِيِّينَ وُدٌّ وَإِخَاءٌ، فَكُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.\nوَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ القَاسِمِ التَّمِيمِيِّ عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَالْقَاسِمِ عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ","vol":"4","page":519},{"text":"قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى، وَاقْتَصُّوا جَمِيعًا الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا الصَّعْقُ- يَعْنِي: ابْنَ حَزْنٍ- حَدَّثَنَا مَطَرٌ الْوَرَّاقُ، حَدَّثَنَا زَهْدَمٌ الْجَرْمِيُّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَأْكُلُ لَحْمَ دَجَاجٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ وَزَادَ فِيهِ قَالَ: «إِنِّي- وَاللَّهِ- مَا نَسِيتُهَا».\nالنهب، يعني: الغنيمة، وفي الحديث الأول: أنه ابتاعهن من سعد ﵁، وللجمع بينهما يقال: لعله ابتاع بعضها من سعد، وبعضها الآخر كان من الغنيمة.\nوفي هذا الحديث: دليل على جواز أكل الدجاج؛ لأكل النبي ﷺ منه؛ ولذلك لما رأى أبو موسى ﵁ رجلًا لا يأكل معهم دعاه إلى الطعام، فامتنع الرجل، وقال: إني رأيت الدجاج يأكل شيئًا فقذرته، فحلفت أن لا أطعمه، فقال له أبو موسى ﵁: كُلْ، فلعله شيء يسير يُعفَى.\nوهذا إذا كان الدجاج ونحوه يأكل شيئًا يسيرًا من القذر، وأما إذا كان يأكل كثيرًا منه فإنه يحبس حتى يطيب لحمه؛ فقد جاء عن ابن عمر ﵁ في الجَلَّالة التي تأكل القذرة من الدجاج، أو من البقر، أو من الغنم أنها تُحبس ثلاثة أيام، ويطعمها ويسقيها الطيب حتى يطيب مطعمها، ويزول ما فيها من الخبث (^١).\nوفيه: أن أولياء الله لا يمتنعون من الطيبات؛ لأن الدجاج من الطيبات، والصحابة ﵃ هم أفضل أولياء الله بعد الأنبياء، ومع ذلك أكلوا من الطيبات، ولم يمتنعوا منها.\nوفي هذا الحديث: دليل على جواز تقديم الكفارة على الحنث، أو تأخيرها عنه؛ لأنه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٦٠٨).","vol":"4","page":520},{"text":"﵊ قدَّم الحِنث على الكفارة هنا، فقال: «لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا»، وفي اللفظ السابق أخره عنها، فقال: «إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ».\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ ضُرَيْبِ بْنِ نُقَيْرٍ الْقَيْسِيِّ عَنْ زَهْدَمٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: «مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ، وَاللَّهِ مَا أَحْمِلُكُمْ»، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِثَلَاثَةِ ذَوْدٍ بُقْعِ الذُّرَى، فَقُلْنَا: إِنَّا أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، فَأَتَيْنَاهُ فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: «إِنِّي لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ أَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو السَّلِيلِ عَنْ زَهْدَمٍ يُحَدِّثُهُ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مُشَاةً، فَأَتَيْنَا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ، بِنَحْوِ حَدِيثِ جَرِيرٍ.\nقوله: «بُقْعِ الذُّرَى»: بُقْع: جمع أبقع، و«بُقع» و«غُر» بمعنى واحد، ومعناهما: بيض، وأصلها: ما كان فيه بياض وسواد.\nوهؤلاء الذين لا يجدون ما يحملهم عَذَرَهم الله في الجهاد، وعذر- أيضًا- الضعفاء والمرضى في قوله تعالى: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج﴾، لكن بقيد: ﴿إذا نصحوا لله ورسوله﴾؛ فهم عندهم إخلاصٌ وصدقُ الرغبةِ في الجهاد في سبيل الله، لكن منعتهم الأعذار.","vol":"4","page":521},{"text":"[١٦٥٠] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَعْتَمَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَوَجَدَ الصِّبْيَةَ قَدْ نَامُوا، فَأَتَاهُ أَهْلُهُ بِطَعَامِهِ، فَحَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ أَجْلِ صِبْيَتِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ، فَأَكَلَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِهَا، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ».\nقوله: «فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِهَا، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ»: كثير من العامة إذا حلف ألَّا يزور قريبه، أو صديقه استمر ولجَّ في يمينه؛ ظنًّا منه أن اليمين يمنعه، فلا بد من تنبيه العامة على مثل هذا، وأنه يجب عليهم أن يكفِّروا عن أيمانهم إذا ظهرت لهم المصلحة في فعل ما حلفوا ألَّا يفعلوه.","vol":"4","page":522},{"text":"وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَفْعَلْ».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطَّلِبِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ».\nوَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- حَدَّثَنِي سُهَيْلٌ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ: «فَلْيُكَفِّرْ يَمِينَهُ وَلْيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ».\n\n[١٦٥١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ رُفَيْعٍ- عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ قَالَ: جَاءَ سَائِلٌ إِلَى عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، فَسَأَلَهُ نَفَقَةً فِي ثَمَنِ خَادِمٍ، أَوْ فِي بَعْضِ ثَمَنِ خَادِمٍ، فَقَالَ: لَيْسَ عِنْدِي مَا أُعْطِيكَ إِلَّا دِرْعِي وَمِغْفَرِي، فَأَكْتُبُ إِلَى أَهْلِي أَنْ يُعْطُوكَهَا، قَالَ: فَلَمْ يَرْضَ، فَغَضِبَ عَدِيٌّ، فَقَالَ: أَمَا- وَاللَّهِ- لَا أُعْطِيكَ شَيْئًا، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ رَضِيَ، فَقَالَ: أَمَا- وَاللَّهِ- لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، ثُمَّ رَأَى أَتْقَى لِلَّهِ مِنْهَا فَلْيَأْتِ التَّقْوَى» مَا حَنَّثْتُ يَمِينِي.\nفي هذا الحديث: كرم عدي ﵁، فقد جاءه سائل يسأله أن يُعينَه في ثمن خادم، ولم يكن عنده مال، فأمر له بدرعه ومِغْفَره، فلم يرضَ الرجل، فحلف عدي ﵁ ألا يعطيه شيئًا، ثم رضي الرجل بالدرع والمغفر، فقال عدي: «لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، ثُمَّ رَأَى أَتْقَى لِلَّهِ مِنْهَا فَلْيَأْتِ التَّقْوَى، مَا حَنَّثْتُ يَمِينِي».\nوفيه: فضل عدي ﵁، وعمله بالسنة.","vol":"4","page":523},{"text":"وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيَتْرُكْ يَمِينَهُ».\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ طَرِيفٍ- وَمُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ الْبَجَلِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ تَمِيمٍ الطَّائِيِّ عَنْ عَدِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ عَلَى الْيَمِينِ، فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْهَا، وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ تَمِيمٍ الطَّائِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: تَسْأَلُنِي مِائَةَ دِرْهَمٍ، وَأَنَا ابْنُ حَاتِمٍ، وَاللَّهِ لَا أُعْطِيكَ، قَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، ثُمَّ رَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ».\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ تَمِيمَ بْنَ طَرَفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَذَكَرَ مِثْلَهُ وَزَادَ: وَلَكَ أَرْبَعُمِائَة فِي عَطَائِي.\nقوله: «تَسْأَلُنِي مِائَةَ دِرْهَمٍ وَأَنَا ابْنُ حَاتِمٍ»، أي: مثلي لا يُسأل مائةً، وإنما يُسأل ألوفًا؛ لأنه ابن حاتم الطائي المعروف بالكرم والجود، وقد كان عدي كريمًا مثل أبيه إلا أن حاتمًا مات على الكفر، وعدي أكرمه الله بالإسلام.\nقوله: «وَلَكَ أَرْبَعُمِائَةٍ فِي عَطَائِي»، يعني: جعل له جزءًا من عطائه الذي كان يأخذه في كل سنة من بيت المال.","vol":"4","page":524},{"text":"[١٦٥٢] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ».\nقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْجُلُودِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَاسَرْجَسِيُّ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ بِهَذَا الْحَدِيثِ.\n[خ: ٦٦٢٢]\nحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ يُونُسَ، وَمَنْصُورٍ، وَحُمَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ، وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ فِي آخَرِينَ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ. ح وَحَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ، كُلُّهُمْ عَنِ الحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ أَبِيهِ: «ذِكْرُ الْإِمَارَةِ».\nهذه نصيحة من النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة ﵁، وهي نصيحة للأمة كلِّها؛ لأن الشريعةَ عامةٌ، واستدل به العلماء على أنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل الولاية سواء كانت إمارةً، أو قضاءً، أو حسبة؛ لأنه إذا سألها وُكِلَ إليها، أما إذا أُلزم بها وأُكره عليها فإنه حَرِيٌّ أن يُعان.\nقال العلماء ﵏: ويستثنى من هذا ما إذا كان أهلًا للولاية ولم يوجد غيره، فإن له أن يسأل الولاية، واستدلوا عليه بدليلين:\nالدليل الأول: قول الله تعالى- عن يوسف ﵇ أنه قال للعزيز-: ﴿اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾، فطلب يوسف ﵇ الولاية؛","vol":"4","page":525},{"text":"لأنه يجد في نفسه الأهلية، ويرى أنه ليس هناك أحد يسد مسده.\nالدليل الثاني: حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ أنه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي، فَقَالَ: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا» (^١).\nوفيه: أنه إذا حلف على يمين ورأى غيرها خيرًا منها لا يلجُّ في يمينه، بل يُكفِّر، ويفعل الخير.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦٢٧٠)، وأبو داود (٥٣١)، والنسائي (٦٧٢).","vol":"4","page":526},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-760>بَابُ يَمِينِ الْحَالِفِ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ</span>\n\n[١٦٥٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، وَقَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ»، وقَالَ عَمْرٌو: «يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ».\nفي هذا الحديث: أن اليمين على ما يصدق به صاحبُ الحالف، أو: على نية المستحلِف، وهذا عند التخاصم، فإذا تخاصم اثنان عند الحاكم الشرعي، ثم وُجِّه اليمينُ على المنكر فإن اليمين على نية المستحلِف، فلو حلف بالله: ليس له عندي ألفٌ، فهذا على ما يصدقه عليه المستحلف، فليس له أن يتأول، ويقول: قصدت ليس له عندي ألفٌ من الإبل، وهو حلف على أنه ليس له عنده ألف درهم.\nأما إذا كان في غير القضاء، وكان مظلومًا وجاءه ظالم يريد أن يأخذ ماله فحلف أنْ ليس عندي شيء، وتأوَّل فله ذلك.","vol":"4","page":527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-761>بَابُ الِاسْتِثْنَاءِ</span>\n\n[١٦٥٤] حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي الرَّبِيعِ- قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ- حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ لِسُلَيْمَانَ سِتُّونَ امْرَأَةً، فَقَالَ: لَأَطُوفَنَّ عَلَيْهِنَّ اللَّيْلَةَ فَتَحْمِلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فَتَلِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا فَارِسًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا وَاحِدَةٌ، فَوَلَدَتْ نِصْفَ إِنْسَانٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ كَانَ اسْتَثْنَى لَوَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا فَارِسًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».\n[خ: ٥٢٤٢]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ- نَبِيُّ اللَّهِ-: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِغُلَامٍ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ- أو الْمَلَكُ-: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِيَ، فَلَمْ تَأْتِ وَاحِدَةٌ مِنْ نِسَائِهِ إِلَّا وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ غُلَامٍ»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَلَوَ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لَهُ فِي حَاجَتِهِ».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، أَوْ نَحْوَهُ.\n[خ: ٣٤٢٤]\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: لَأُطِيفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقِيلَ لَهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ، فَأَطَافَ بِهِنَّ فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوَ قَالَ: إِنْ","vol":"4","page":528},{"text":"شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً كُلُّهَا تَأْتِي بِفَارِسٍ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، فَجَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ».\nوَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّهَا تَحْمِلُ غُلَامًا يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».\nلهذا الحديث روايات متعددة، وفيه فوائد كثيرة، منها:\nأن سليمان ﵇ آتاه الله النبوةَ والملك كأبيه داود ﵇، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء؛ ولذلك لما ذكر الله قصة سليمان ﵇ قال: ﴿وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب﴾.\nويقال: إنه مَلَكَ الدنيا مؤمنان وكافران، أما المؤمنان: فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران: فالنمرود وبختنصر.\nوفي هذا الحديث: استحباب قول: إن شاء الله، إذا أراد الإنسان أن يفعل شيئًا في المستقبل؛ لقول الله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله﴾، ولهذا الحديث.\nوفيه: أن الحالف إذا قال: إن شاء الله، فإنه لا يحنث في يمينه، كقوله: والله لا آكل طعام فلان إن شاء الله، ثم أكل طعامه فلا يحنث إذا علقه على المشيئة، لكن بشرط أن يكون الاستثناء متصلًا، ولا بد أن يكون قد نوى الاستثناء عند قوله: إن شاء الله، أما إذا فصل بينهما فاصل فإنه لا يعتبر، ولو","vol":"4","page":529},{"text":"كان في المجلس على الصحيح (^١)؛ خلافًا لِما قاله بعضهم: إن له الاستثناء ما لم يقم من مجلسه، أو ما لم يقم أو يتكلم، أو بقدر حلبة ناقة (^٢).\nوالصواب: أنه لا بد أن يكون الاستثناء متصلًا بالكلام، ويكون قد نواه.\nوفيه: همة سليمان ﵊ العالية؛ فإنه قال: «لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً كُلُّهَا تَأْتِي بِفَارِسٍ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، ولم يقل: يبنون القصور، أو يحرثون، أو يزرعون.\nوفيه: أن الأنبياء ﵈ كما فُضلوا بالرسالة، فُضلوا بالبسط في الخلق والقوة، فسليمان ﵇ كان يجامع تسعين امرأة في ليلة واحدة، وكذلك نبينا ﷺ طاف على نسائه في ليلة واحدة، فهذه قوة آتاها الله الأنبياء ﵈، مع ما هم فيه من المشاغل، والقيام بأمر الناس، وقضاء حوائجهم، والقيام بمهام الدعوة.\nوفيه: أن شريعة التوراة فيها توسع في الجمع بين النساء.\nوفيه: تعنت النصارى واليهود، فهم يعيبون على المسلمين الجمع بين أربع نسوة، ويعيبون على نبينا ﷺ زواجه بتسع نساء، وهذه شريعة التوراة فيها أن سليمان ﵈ تزوج تسعين امرأة.\nوقوله: «كَانَ لِسُلَيْمَانَ سِتُّونَ امْرَأَةً»، وفي رواية: «عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً»، وفي رواية: «عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً»: الأقرب في الجمع بين هذه الروايات- والله أعلم-: أن يقال: إن هذا الاختلاف بسبب الرواية بالمعنى، فظن بعضهم أنها تسعون، وبعضهم أنها سبعون، وبعضهم أنها ستون، وأما القول بأن هذا يُحمل على تعدد القصة فهذا بعيد جدًّا؛ لأن القصة واحدة.\nوفيه: دليل على جواز قول: «لو» إذا كان امتناع فعل شيء لامتناع شيء\n_________\n(^١) البحر الرائق، لابن نجيم (٤/ ٣٢٢)، المدونة، لمالك بن أنس (١/ ٥٨٤)، الأم، للشافعي (٨/ ١٥٣).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١١/ ١١٩).","vol":"4","page":530},{"text":"آخر، كقوله ﷾: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله﴾، وقوله: ﴿ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا﴾، و«لولا» و«لو» بمعنى واحد.\nويجوز كذلك استعمال «لو» في تمني الخير، مثل: قوله ﷺ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ» (^١) ومثل: قول الإنسان: لو علمت وجود حلقة علم في المسجد لحضرت.\nكل هذا جائز، وأما المنهي عنه فهو استعمال «لو» في التحسر على ما مضى، والاعتراض على القضاء والقدر، فهذا لا يجوز؛ لقوله ﵊ في الحديث الصحيح: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (^٢).\nولا يجوز كذلك الاحتجاج بمشيئة الله وقدره على المعاصي؛ لأن القدر يحتج به عند المصائب، لا عند المعائب، أما الذنوب فالواجب التوبة منها، والاحتجاج بمشيئته تعالى على المعاصي والشرك من فعل المشركين، فقد كانوا يقولون: ﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا﴾، وقالوا: ﴿لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا﴾، ولذلك ذمهم الله تعالى على هذا الصنيع.\nوقوله: «وَايْمُ اللَّهِ»: هذا قَسَم، معناه: ويمين الله.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٢٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٦٦٤).","vol":"4","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-762>بَابُ النَّهْيِ عَنِ الإِصْرَارِ عَلَى الْيَمِينِ فِيمَا يَتَأَذَّى بِهِ أَهْلُ الْحَالِفِ مِمَّا لَيْسَ بِحَرَامٍ</span>\n\n[١٦٥٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَاللَّهِ لَأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ».\n[خ: ٦٦٢٥]\nقوله: «يَلَجَّ» - بفتح الياء واللام وتشديد الجيم-، أي: يستمر على يمينه ولم يحنث فيها ويكفِّر.","vol":"4","page":532},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-763>بابُ نَذْرِ الْكَافِرِ، وَمَا يَفْعَلُ فِيْهِ إِذَا أَسْلَمَ</span>\n\n[١٦٥٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قَالَ: «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ».\n[خ: ٣١٤٤]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: الثَّقَفِيَّ-.ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وقَالَ حَفْصٌ- مِنْ بَيْنِهِمْ-: عَنْ عُمَرَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، أَمَّا أَبُو أُسَامَةَ، وَالثَّقَفِيُّ، فَفِي حَدِيثِهِمَا: اعْتِكَافُ لَيْلَةٍ، وَأَمَّا فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ فَقَالَ: جَعَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا يَعْتَكِفُهُ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ حَفْصٍ: ذِكْرُ يَوْمٍ وَلَا لَيْلَةٍ.\nهذا الحديث فيه عدة فوائد، منها:\n- صحة نذر الكافر إذا أسلم، وأنه يشرع له أن يقضيه في الإسلام؛ لأن عمر ﵁ نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، فأمره النبي ﷺ أن يقضيه في الإسلام.\n- أنه يستحب قضاء نذر الكافر إذا أسلم، ولا يَجِب عليه؛ لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله، وقال بعضهم: لا يُقضى؛ لأنه انعقد في الكفر، لكن هذا القول مخالف للحديث، فالحديث نص في استحباب قضاء نذر الكافر.","vol":"4","page":533},{"text":"- أنه دليل على أن الاعتكاف ليس له وقت محدد.\n- أنه لا يشترط في الاعتكاف الصوم، خلافًا للجمهور القائلين بأن أقل الاعتكاف يوم يصومه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس (^١).\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ أَنَّ أَيُّوبَ حَدَّثَهُ أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ- وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ بَعْدَ أَنْ رَجَعَ مِنْ الطَّائِفِ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَكَيْفَ تَرَى؟ قَالَ: «اذْهَبْ فَاعْتَكِفْ يَوْمًا»، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَعْطَاهُ جَارِيَةً مِنَ الْخُمْسِ، فَلَمَّا أَعْتَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبَايَا النَّاسِ سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَصْوَاتَهُمْ يَقُولُونَ: أَعْتَقَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: أَعْتَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبَايَا النَّاسِ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْجَارِيَةِ فَخَلِّ سَبِيلَهَا.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا قَفَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حُنَيْنٍ سَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَذْرٍ كَانَ نَذَرَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ: «اعْتِكَافِ يَوْمٍ»، ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ.\nوَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ عُمْرَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْجِعْرَانَةِ، فَقَالَ: لَمْ يَعْتَمِرْ مِنْهَا، قَالَ: وَكَانَ عُمَرُ نَذَرَ اعْتِكَافَ لَيْلَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، وَمَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ.\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ،\n_________\n(^١) حاشية الدر المختار، لابن عابدين (٢/ ٤٤٢)، حاشية الدسوقي، للدسوقي (١/ ٥٤٢)، كشاف القناع، للبهوتي (٥/ ٣٥٩ - ٣٦١).","vol":"4","page":534},{"text":"حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي النَّذْرِ، وَفِي حَدِيثِهِمَا جَمِيعًا: اعْتِكَافُ يَوْمٍ.\nقول ابن عمر ﵁: «لَمْ يَعْتَمِرْ مِنْهَا»: فيه: أنه قد خفي عليه اعتكاف النبي ﷺ من الجعرانة، وهو ثابت في رواية أنس ﵁، فقال هذا حسب علمه، والقاعدة: أن من حفظ حجة على من لم يحفظ، ومَن علم حجة على من لم يعلم، فهو إما نسيها، أو جهلها.","vol":"4","page":535},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-764>بَابُ صُحْبَةِ الْمَمَالِيكِ، وَكَفَّارَةِ مَنْ لَطَمَ عَبْدَهُ</span>\n\n[١٦٥٧] حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ عَنْ زَاذَانَ أَبِي عُمَرَ قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ وَقَدْ أَعْتَقَ مَمْلُوكًا قَالَ: فَأَخَذَ مِنَ الْأَرْضِ عُودًا- أَوْ شَيْئًا- فَقَالَ: مَا فِيهِ مِنَ الْأَجْرِ مَا يَسْوَى هَذَا، إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ، أَوْ ضَرَبَهُ فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ فِرَاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ زَاذَانَ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ دَعَا بِغُلَامٍ لَهُ، فَرَأَى بِظَهْرِهِ أَثَرًا، فَقَالَ لَهُ: أَوْجَعْتُكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَأَنْتَ عَتِيقٌ، قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الْأَرْضِ، فَقَالَ: مَا لِي فِيهِ مِنَ الْأَجْرِ مَا يَزِنُ هَذَا، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ ضَرَبَ غُلَامًا لَهُ حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ، أَوْ لَطَمَهُ فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ عَنْ فِرَاسٍ بِإِسْنَادِ شُعْبَةَ، وَأَبِي عَوَانَةَ، أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَهْدِيٍّ فَذَكَرَ فِيهِ: «حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ»، وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: «مَنْ لَطَمَ عَبْدَهُ»، وَلَمْ يَذْكُرِ: الْحَدَّ.\nقوله: «مَا فِيهِ مِنَ الْأَجْرِ مَا يَسْوَى»: اللغة الفصيحة المعروفة: ما يساوي، أما ما يَسوى فقد عدها بعضُهم في لحن العوام، وقال في القاموس: هي لغة قليلة (^١)، ومعنى كلام ابن عمر ﵁: أنه ليس في إعتاقه أجر، وإنما عتقُه كفارةٌ لضربه.\n_________\n(^١) القاموس، للفيروزآبادي (١/ ١٢٩٧).","vol":"4","page":536},{"text":"قوله: «أَوْجَعْتُكَ»: فيه: أدب لهذا الغلام؛ لأن الغلام قال: لا، فأعتقه عبد الله بن عمر ﵁ مقابل هذه الضربة، يريد أن تكون كفارة له؛ لقوله: «مَنْ ضَرَبَ غُلَامًا لَهُ حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ، أَوْ لَطَمَهُ فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ».\nومعنى الحديث: أنه ليس في هذا الإعتاق من الأجر مثلُ أجر من أعتق تبرُّرًا، فهذا الإعتاق كفارةٌ للَّطمة، بخلاف الذي يعتق ابتغاءَ الأجر.\n\n[١٦٥٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: لَطَمْتُ مَوْلًى لَنَا، فَهَرَبْتُ، ثُمَّ جِئْتُ قُبَيْلَ الظُّهْرِ، فَصَلَّيْتُ خَلْفَ أَبِي فَدَعَاهُ وَدَعَانِي، ثُمَّ قَالَ: امْتَثِلْ مِنْهُ، فَعَفَا، ثُمَّ قَالَ: كُنَّا بَنِي مُقَرِّنٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ لَنَا إِلَّا خَادِمٌ وَاحِدَةٌ، فَلَطَمَهَا أَحَدُنَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «أَعْتِقُوهَا» قَالُوا: لَيْسَ لَهُمْ خَادِمٌ غَيْرُهَا، قَالَ: «فَلْيَسْتَخْدِمُوهَا، فَإِذَا اسْتَغْنَوْا عَنْهَا، فَلْيُخَلُّوا سَبِيلَهَا».\nفي هذا الحديث: حجة للجمهور على أن العتق بسبب ضرب الخادم ليس بواجب، وأنه مستحب؛ لأنه لو كان واجبًا لما قال النبي ﷺ: «فَلْيَسْتَخْدِمُوهَا»، كما بينه النووي ﵀. (^١)\nوالأقرب: أنه إذا كان الضرب خفيفًا يكون العتق مستحبًّا، وإذا كان شديدًا يكون واجبًا، كما سيأتي في الأمر المؤكَّد فيمن ضرب غلامه ضربًا شديدًا مبالغًا، حيث قال النبي ﷺ: «أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ- أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ».\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١١/ ١٢٧).","vol":"4","page":537},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ: عَجِلَ شَيْخٌ، فَلَطَمَ خَادِمًا لَهُ، فَقَالَ لَهُ سُوَيْدُ بْنُ مُقَرِّنٍ: عَجَزَ عَلَيْكَ إِلَّا حُرُّ وَجْهِهَا، لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مِنْ بَنِي مُقَرِّنٍ، مَا لَنَا خَادِمٌ إِلَّا وَاحِدَةٌ لَطَمَهَا أَصْغَرُنَا، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُعْتِقَهَا.\nقوله: «هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ»: يساف: أفاد النووي أن في الياء وجهين: الكسر، والفتح (^١)، وقال في التقريب: بكسر الياء المثناة، ويقال: إساف بالهمزة بدل الياء (^٢).\nوقوله: «عَجَزَ عَلَيْكَ إِلَّا حُرُّ وَجْهِهَا؟»، يعني: ما وجدت شيئًا تلطمه إلا الوجه.\nوفيه: دليل على تحريم اللطم في الوجه؛ لأن الوجه مجمع المحاسن، ولحمه رقيق، ولأن الضرب يؤثر فيه، ولهذا جاء النهي عَنِ الضرب في الوجه والضرب في الرأس، فمن ذلك: قوله ﷺ: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ» (^٣)، وإنما يضرب في الظهر، أو الفخذ، وما أشبه ذلك، أما ضرب الوجه فلا يجوز مطلقًا، ولو دابة.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٦/ ١٤).\n(^٢) تقريب التهذيب، لابن حجر (ص ٥٧٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٥٥٩)، ومسلم (٢٦١٢).","vol":"4","page":538},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ: كُنَّا نَبِيعُ الْبَزَّ فِي دَارِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ أَخِي النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، فَخَرَجَتْ جَارِيَةٌ فَقَالَتْ لِرَجُلٍ مِنَّا كَلِمَةً، فَلَطَمَهَا، فَغَضِبَ سُوَيْدٌ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: مَا اسْمُكَ؟ قُلْتُ: شُعْبَةُ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنِي أَبُو شُعْبَةَ الْعِرَاقِيُّ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ: أَنَّ جَارِيَةً لَهُ لَطَمَهَا إِنْسَانٌ، فَقَالَ لَهُ سُوَيْدٌ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الصُّورَةَ مُحَرَّمَةٌ، فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لَسَابِعُ إِخْوَةٍ لِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا لَنَا خَادِمٌ غَيْرُ وَاحِدٍ، فَعَمَدَ أَحَدُنَا فَلَطَمَهُ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُعْتِقَهُ.\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: مَا اسْمُكَ؟، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الصَّمَدِ.\nقوله: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الصُّورَةَ مُحَرَّمَةٌ؟ !»، أي: الوجه محرمٌ ضربُه، فالصورة تطلق على الوجه، وتطلق على الجسم كاملًا؛ ولهذا فإن تصوير الوجه يسمى صورة؛ ولهذا فإنه لا يزول حكم التصوير حتى يزيل الوجه والرأس من الصورة؛ لأن الصورة اسم للوجه، ولا يكفي وضع خط، وإذا بقيت الجثة بدون رأس فلا حرج، فقد زال المحذور.","vol":"4","page":539},{"text":"[١٦٥٩] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ- يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ- حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوْطِ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ»، فَلَمْ أَفْهَمْ الصَّوْتَ مِنَ الْغَضَبِ، قَالَ: فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ»، قَالَ: فَأَلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِي، فَقَالَ: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ»، فَقُلْتُ: لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا.\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَهُوَ الْمَعْمَرِيُّ عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ بِإِسْنَادِ عَبْدِ الْوَاحِدِ نَحْوَ حَدِيثِهِ غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: فَسَقَطَ مِنْ يَدِي السَّوْطُ مِنْ هَيْبَتِهِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ»، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَقَالَ: «أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ- أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ».\nفي هذا الحديث: دليل على وجوب العتق إذا بالغ السيد في ضرب غلامه، أو اعتدى عليه؛ لقوله ﷺ: «لَلَفَحَتْكَ النَّارُ»؛ خلافًا للنووي الذي قال: الأمر للاستحباب (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١١/ ١٢٧).","vol":"4","page":540},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ: أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ غُلَامَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ، قَالَ: فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَتَرَكَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَاللَّهِ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ». قَالَ: «فَأَعْتَقَهُ».\nوَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ، أَعُوذُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nفي هذا الحديث: دليل على جواز الاستعاذة بالحي الحاضر القادر، فهو محمول على أن النبي ﷺ كان مقبلًا وهو يضرب الغلام، فقال الغلام: أعوذ بالله، ومن شدة الغضب لم ينتبه سيده، ثم قال: أعوذ برسول الله، فلا بأس بالاستعاذة بالحي الحاضر القادر، كأن يقول: يا فلان أعذني من شر أولادك، أعذني من شر زوجتك المتسلطة اللسان، أعذني من شر دابتك، وكذلك الاستغاثة بالحي الحاضر لا بأس به، كالغريق يستغيث بالسباح، كما قال تعالى: ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه﴾ في قصة موسى.\nأما الاستعاذة والاستعانة والاستغاثة بالميت، أو بالغائب فهذا شرك.","vol":"4","page":541},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-765>بَابُ التَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَا</span>\n\n[١٦٦٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي نُعْمٍ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ».\n[خ: ٦٨٥٨]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ، كِلَاهُمَا عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ نَبِيَّ التَّوْبَةِ.\nقوله: «نَبِيَّ التَّوْبَةِ»: هو الرسول محمد ﵊؛ لأن الله بعثه بالأمر بالتوبة.\nوفي هذا الحديث: أن من قذف عبده فإنه لا يقام عليه الحد في الدنيا، ولكن يقام عليه الحد يوم القيامة إذا كان كاذبًا، أما في الدنيا فيعزر.","vol":"4","page":542},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-766>بَابُ إِطْعَامِ الْمَمْلُوكِ مِمَّا يَأْكُلُ، وَإِلْبَاسُهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا يُكَلِّفْهُ مَا يَغْلِبُهُ</span>\n\n[١٦٦١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: مَرَرْنَا بِأَبِي ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ بُرْدٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ مِثْلُهُ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا ذَرٍّ، لَوْ جَمَعْتَ بَيْنَهُمَا كَانَتْ حُلَّةً، فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ إِخْوَانِي كَلَامٌ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَقِيتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ سَبَّ الرِّجَالَ سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ».\n[خ: ٣٠]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ»، قَالَ: قُلْتُ: عَلَى حَالِ سَاعَتِي مِنَ الْكِبَرِ، قَالَ: «نَعَمْ»، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: «نَعَمْ عَلَى حَالِ سَاعَتِكَ مِنَ الْكِبَرِ»، وَفِي حَدِيثِ عِيسَى: «فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيَبِعْهُ»، وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ: «فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ»، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: «فَلْيَبِعْهُ» وَلَا: «فَلْيُعِنْهُ» انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ: «وَلَا يُكَلِّفْهُ مَا يَغْلِبُهُ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ مِثْلُهَا، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: فَذَكَرَ أَنَّهُ سَابَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَيَّرَهُ بِأُمِّهِ، قَالَ:","vol":"4","page":543},{"text":"فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ وَخَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدَيْهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ عَلَيْهِ».\n\n[١٦٦٢] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ الْأَشَجِّ حَدَّثَهُ عَنِ العَجْلَانِ- مَوْلَى فَاطِمَةَ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ».\nفي هذا الحديث: فضل أبي ذر ﵁ ومبادرته إلى فعل المستحبات؛ فإنه ألبس غلامه بُرْدًا مثل بُرْده، وهذا ليس بواجب عليه، وإنما الواجب عليه أن ينفق عليه بالمعروف، ويكسوه بالمعروف، لكنه أراد أن يفعل المستحب، فقيل له: لو أخذتَ البُرد الذي على عبدك، وجعلته لك يكون حُلة؛ لأن الحُلة مكونة من قطعتين إذا كانتا متشابهتين، مثل: ثوب وجُبَّة، فتصير حُلة كاملة لها ميزتها، ولها فضلها.\nوقوله: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ»: فيه: دليل على أن الرجل الفاضل قد يكون فيه شيء من خصال الجاهلية، فأبو ذر ﵁ من خيار المؤمنين، ومع ذلك صارت فيه هذه الخصلة، ولكنه تركها بعد ذلك لما أرشده النبي ﷺ.\nقوله: «فَلْيَبِعْهُ»: وفي بعض النسخ: «فليُبعه» - بضم الياء-، قال في القاموس: أباعه إذا عرضه للبيع (^١)، ولكن الصواب: فليَبعه- بفتح الياء- مِن باع يبيع؛ لأن المراد بيعه لا عرضه للبيع فقط.\n_________\n(^١) لسان العرب، لابن منظور (٨/ ٢٥).","vol":"4","page":544},{"text":"[١٦٦٣] وَحَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ مُوسَى بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا صَنَعَ لِأَحَدِكُمْ خَادِمُهُ طَعَامَهُ، ثُمَّ جَاءَهُ بِهِ- وَقَدْ وَلِيَ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ- فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ، فَلْيَأْكُلْ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مَشْفُوهًا قَلِيلًا فَلْيَضَعْ فِي يَدِهِ مِنْهُ أُكْلَةً، أَوْ أُكْلَتَيْنِ» قَالَ دَاوُدُ: «يَعْنِي: لُقْمَةً، أَوْ لُقْمَتَيْنِ».\n[خ: ٥٤٦٠]\nقوله: «مَشْفُوهًا قَلِيلًا»: قال النووي ﵀: «وأما المشفوه فهو القليل؛ لأن الشفاه كثرت عليه حتى صار قليلًا» (^١).\nوفي هذا الحديث: بيان عناية الإسلام بالخدم والمماليك، فمن حسن الخُلق والإحسان إلى الخَلق: أن العبد إذا طبخ الطعام، وجاء به لسيده؛ فإن على السيد أن يقعده معه ليأكل، فإن كان الطعام قليلًا فليعطه لقمة، أو لقمتين؛ لأن نفسه تعلقت به، وقد ولي حره وعلاجه ودخانه.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١١/ ١٣٥).","vol":"4","page":545},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-767>بَابُ ثَوَابِ الْعَبْدِ وَأَجْرِهِ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ، وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ</span>\n\n[١٦٦٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ، وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ».\n[خ: ٢٥٤٦]\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى وَهُوَ الْقَطَّانُ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أُسَامَةُ جَمِيعًا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ.\nفي هذا الحديث: فضل العبد إذا أحسن عبادة الله ونصح لسيده، فإنه يؤتى أجره مرتين، أجر مقابل إحسانه لعبادته لربه، والأجر الثاني مقابل إحسانه ونصحه لسيده، وهذا أحد الثلاثة الذين يؤتون أجرهم مرتين، وهم المذكورون في قوله ﷺ: «ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أُجُورَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا، وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ سَيِّدِهِ، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَرَجُلٌ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، ثُمَّ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الكبرى (٥٤٧٧)، والطبراني في الأوسط (٣٠٤٩).","vol":"4","page":546},{"text":"[١٦٦٥] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الْمُصْلِحِ أَجْرَانِ»، وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ لَوْلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْحَجُّ، وَبِرُّ أُمِّي لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ، قَالَ: وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُنْ يَحُجُّ حَتَّى مَاتَتْ أُمُّهُ لِصُحْبَتِهَا قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ فِي حَدِيثِهِ: «لِلْعَبْدِ الْمُصْلِحِ» وَلَمْ يَذْكُرِ: «الْمَمْلُوكَ».\n[خ: ٢٥٤٨]\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ الْأُمَوِيُّ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: «بَلَغَنَا وَمَا بَعْدَهُ».\nفي هذا الحديث: أن العبد لا يجب عليه الجهاد، ولا الحج، إلا إذا سمح له سيده، وأذن له، فأبو هريرة ﵁ قال: لولا هذه الثلاثة لأحببت أن أموت وأنا مملوك، يعني: حتى يحصل أجره مرتين، وكان أبو هريرة ﵁ لا يحج حج التطوع حتى توفيت أمه؛ لاشتغاله بصحبتها؛ لأن بر الوالدين فرض وحج التطوع نفل، والفرض مقدم على النفل.\n\n[١٦٦٦] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَدَّى الْعَبْدُ حَقَّ اللَّهِ، وَحَقَّ مَوَالِيهِ كَانَ لَهُ أَجْرَانِ»، قَالَ: فَحَدَّثْتُهَا كَعْبًا، فَقَالَ كَعْبٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ حِسَابٌ، وَلَا عَلَى مُؤْمِنٍ مُزْهِدٍ.\n[خ: ٢٥٤٩]\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله: «لَيْسَ عَلَيْهِ حِسَابٌ»، يعني: لكثرة أجره.","vol":"4","page":547},{"text":"وقوله: «مُزْهِدٍ»، يعني: قليل المال، بخلاف كثير المال فإن عليه الحساب، وهذا اجتهاد من كعب.\n\n[١٦٦٧] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نِعِمَّا لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يُتَوَفَّى يُحْسِنُ عِبَادَةَ اللَّهِ، وَصَحَابَةَ سَيِّدِهِ، نِعِمَّا لَهُ».\nقوله: «نِعِمَّا لِلْمَمْلُوكِ»، يعني: مسرة وقرة عين له أن يموت وفيه هاتان الخصلتان: أن يحسن عبادة الله، وأن ينصَح لسيده.","vol":"4","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-768>بَابُ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ</span>\n\n[١٥٠١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ».\nحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ مِنْ مَمْلُوكٍ فَعَلَيْهِ عِتْقُهُ كُلُّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ».\nوَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ نَافِعٍ- مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مِنَ الْمَالِ قَدْرُ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ».\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ-.ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ. ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ- كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ: «وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ»، إِلَّا فِي حَدِيثِ أَيُّوبَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَإِنَّهُمَا ذَكَرَا هَذَا الْحَرْفَ فِي الْحَدِيثِ، وَقَالَا: لَا نَدْرِي أَهُوَ شَيْءٌ فِي","vol":"4","page":549},{"text":"الْحَدِيثِ، أَوْ قَالَهُ نَافِعٌ مِنْ قِبَلِهِ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَّا فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ.\nوَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ قُوِّمَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ قِيمَةَ عَدْلٍ- لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ- ثُمَّ عَتَقَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا».\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ عَتَقَ مَا بَقِيَ فِي مَالِهِ إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ».\nقوله: «لَا وَكْسَ»، يعني: لا بخس ولا نقص.\nوقوله: «وَلَا شَطَطَ»: لا زيادة ولا جور.\nوفي هذا الحديث: تشوُّف الإسلام إلى الحرية، فلو كان العبد يملكه ثلاثة شركاء لكل واحد منهم الثلث، ثم أَعتق أحدُهم نصيبه، فإنه يجب عليه أن يعتق بقية أجزاء العبد، ويقوِّمه أهلُ الخبرة، فيُعطي شركاءه حصصهم من القيمة؛ لأن العتق يسري، فإن كان فقيرًا لا يستطيع طُلِب من العبد أن يسعى في خلاص نفسه، ويجبر الشركاء على أن يمكنوه من العمل حتى يجمع قيمته، ويسلمها لبقية الشركاء ويعتق، فإن كان العبد لا يستطيع كأن كان كبيرَ السن، أو ليس بيده صنعة فإنه لا يطلب منه ذلك، ويبقى عبدًا مبعَّضًا حتى يُيسر الله عتقه، وإلا عتق البعض.","vol":"4","page":550},{"text":"[١٥٠٢] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ- فِي الْمَمْلُوكِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمَا قَالَ-: «يَضْمَنُ».\n\n[١٥٠٣] وَحَدَّثَنَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ مَمْلُوكٍ فَهُوَ حُرٌّ مِنْ مَالِهِ».\nوَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَخَلَاصُهُ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ عِيسَى: «ثُمَّ يُسْتَسْعَى فِي نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ».\nقوله: «يَضْمَنُ»، أي: يضمن لشريكه قيمته، فيسلمها حتى يعتق العبد عتقًا كاملًا.\nوقوله: «شَقِيصًا»، يعني: جزءًا يملكه.","vol":"4","page":551},{"text":"[١٦٦٨] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ عَنِ الثَّقَفِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أَمَّا حَمَّادٌ فَحَدِيثُهُ كَرِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَأَمَّا الثَّقَفِيُّ فَفِي حَدِيثِهِ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ، فَأَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ وَحَمَّادٍ.\nفي هذا الحديث: دليل على أن الإنسان عند الموت لا يملك أكثر من ثلث ماله ليتصرف فيه، والظاهر: أن هذا الصحابي كان في مرض الموت، فكان عنده ستةُ أعبدٍ، وليس له مال غيرهم، فلما حضرته الوفاة أعتق العبيد، فلم يرضَ النبيُّ ﷺ عتقه، بل أمر بهم فجيء بهم فأعتق اثنين، وأرَقَّ أربعة؛ لأن الميت لا يملك إلا الوصية بالثلث.\nوفيه: مشروعية القرعة في الأشياء المتساوية؛ لأن النبي ﷺ استعمل القرعة في إخراج من يعتق ومن لا يعتق، ولقوله تعالى: ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾، وهذا فيه الرد على أبي حنيفة القائل بأنه لا تُستعمل القرعة في العبيد في هذه الصورة، وإنما يبقى كل واحد من الستة مبعَّضًا (^١)، وهذا غلط، وهو مصادم للنص، ولعل هذا الحديث لم يبلغه.\n_________\n(^١) المبسوط، للسرخسي (٧/ ٧٥)، بدائع الصنائع، للكاساني (٤/ ٤٦).","vol":"4","page":552},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-769>بَابُ جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ</span>\n\n[٩٩٧] حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ- عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ. قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: عَبْدًا قِبْطِيًّا مَاتَ عَامَ أَوَّلَ.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرًا يَقُولُ: دَبَّرَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ غُلَامًا لَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَاعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ جَابِرٌ: فَاشْتَرَاهُ ابْنُ النَّحَّامِ، عَبْدًا قِبْطِيًّا مَاتَ عَامَ أَوَّلَ فِي إِمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمُدَبَّرِ نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يَعْنِي: الْحِزَامِيَّ- عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ- عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ الْمُعَلِّمِ، حَدَّثَنِي عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ مَطَرٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ وَعَمْرِو بْنِ دِيْنَارٍ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ حَدَّثَهُمْ فِي بَيْعِ الْمُدَبَّرِ كُلُّ هَؤُلَاءِ قَالَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّادٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ.\nقوله: «فِي بَيْعِ المدبَّرِ»: المدبَّر هو: الذي علَّق سيدُه عتقَه على موته،","vol":"4","page":553},{"text":"وقال: إذا مت فهو حُرٌّ، وسُمي مدبَّرًا؛ لأن حريته تكون دُبُرَ حياةِ السيد (^١).\nوفي هذا الحديث: دليل على جواز بيع المدبَّر كالمعلَّق عتقُه بصفة، فيجوز للإنسان أن يتصرف فيه؛ لأن حكمه حكم الوصية، وسبب فعل النبي ﷺ هذا أنه كان فقيرًا، ليس له مال غيره، فلم يُنفذ النبي ﷺ تدبيره، وإنما باعه، وأخذ ثمنه وأعطاه إياه، وقال: أنفِقه على نفسك وعلى أهلك.\nوفيه: دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يتصدق بماله كله، ويبقى فقيرًا؛ ولهذا قال النبي ﷺ لكعب بن مالك ﵁- لما قال: إن من توبتي: أن أنخلع من مالي- قال: «أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» (^٢)، فلا يتصدق بماله كله ويبقى فقيرًا يتكفف الناس، إلا إذا كان له كسبٌ يومي، وكان أهله يصبرون فلا بأس.\n_________\n(^١) التعريفات، للجرجاني (ص ٢٠٧)، التعريفات الفقهية، لمحمد عميم (ص ١٩٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٦٧٦)، ومسلم (٢٧٦٩).","vol":"4","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-770>كِتَابُ الْقَسَامَةِ، وَالْمُحَارِبِينَ، وَالْقِصَاصِ، وَالدِّيَاتِ</span>.","vol":"5","page":3},{"text":"كِتَابُ الْقَسَامَةِ، وَالْمُحَارِبِينَ، وَالْقِصَاصِ، وَالدِّيَاتِ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-771>بَابُ الْقَسَامَةِ</span>\n\n[١٦٦٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ يَحْيَي- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَ يَحْيَى: وَحَسِبْتُ قَالَ: وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَّهُمَا قَالَا: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ، وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ، حَتَّى إِذَا كَانَا بِخَيْبَرَ تَفَرَّقَا فِي بَعْضِ مَا هُنَالِكَ، ثُمَّ إِذَا مُحَيِّصَةُ يَجِدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَتِيلًا فَدَفَنَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُوَ وَحُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ -وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ- فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيَتَكَلَّمَ قَبْلَ صَاحِبَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَبِّرِ الْكُبْرَ فِي السِّنِّ»، فَصَمَتَ، فَتَكَلَّمَ صَاحِبَاهُ وَتَكَلَّمَ مَعَهُمَا، فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَقْتَلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، فَقَالَ لَهُمْ: «أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا فَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبَكُمْ؟ - أَوْ قَاتِلَكُمْ؟ -» قَالُوا: وَكَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ؟ قَالَ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا؟»، قَالُوا: وَكَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى عَقْلَهُ.\n[خ: ٦١٤٣]\nوَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: أَنَّ مُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا قِبَلَ خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، فَاتَّهَمُوا الْيَهُودَ، فَجَاءَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَابْنَا عَمِّهِ حُوَيِّصَةُ، وَمُحَيِّصَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي أَمْرِ","vol":"5","page":5},{"text":"أَخِيهِ- وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْهُمْ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَبِّرِ الْكُبْرَ- أَوْ قَالَ: لِيَبْدَأِ الْأَكْبَرُ-» فَتَكَلَّمَا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ؟»، قَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ كَيْفَ نَحْلِفُ؟ ! قَالَ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمٌ كُفَّارٌ، قَالَ: فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قِبَلِهِ، قَالَ سَهْلٌ: فَدَخَلْتُ مِرْبَدًا لَهُمْ يَوْمًا، فَرَكَضَتْنِي نَاقَةٌ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ رَكْضَةً بِرِجْلِهَا.\nقَالَ حَمَّادٌ هَذَا، أَوْ نَحْوَهُ.\nوَحَدَّثَنَا الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: «فَعَقَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ»، وَلَمْ يَقُلْ فِي حَدِيثِهِ: «فَرَكَضَتْنِي نَاقَةٌ»، حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: الثَّقَفِيَّ- جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّيْنِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ، وَأَهْلُهَا يَهُودُ، فَتَفَرَّقَا لِحَاجَتِهِمَا، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، فَوُجِدَ فِي شَرَبَةٍ مَقْتُولًا، فَدَفَنَهُ صَاحِبُهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَشَى أَخُو الْمَقْتُولِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ، وَحُوَيِّصَةُ، فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَأْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَحَيْثُ قُتِلَ، فَزَعَمَ بُشَيْرٌ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَمَّنْ أَدْرَكَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: «تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ؟ - أَوْ صَاحِبَكُمْ؟»، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَهِدْنَا وَلَا حَضَرْنَا، فَزَعَمَ أَنَّهُ قَالَ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ؟»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَزَعَمَ بُشَيْرٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَقَلَهُ مِنْ عِنْدِهِ.","vol":"5","page":6},{"text":"وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ انْطَلَقَ هُوَ وَابْنُ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهُ: مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ اللَّيْثِ إِلَى قَوْلِهِ: فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ يَحْيَى: فَحَدَّثَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: «لَقَدْ رَكَضَتْنِي فَرِيضَةٌ مِنْ تِلْكَ الْفَرَائِضِ بِالْمِرْبَدِ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ سَهْلِ ابْنِ أَبِي حَثْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ: «أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْهُمُ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقُوا فِيهَا، فَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلًا»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: «فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ».\nحَدَّثَنِي إِسْحَاق بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو لَيْلَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ، خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ، فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ، وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ، أَوْ فَقِيرٍ، فَأَتَى يَهُودَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ، قَالُوا: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ- وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ- وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ- وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُحَيِّصَةَ: كَبِّرْ كَبِّرْ- يُرِيدُ السِّنَّ- فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ-: أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟ قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ، فَوَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ","vol":"5","page":7},{"text":"إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِائَةَ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ،\nفَقَالَ سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ».\n\n[١٦٧٠] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا، وقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ- مَوْلَى ميمونة زوج النَّبِيِّ ﷺ- عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْأَنْصَارِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: «وَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ نَاسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي قَتِيلٍ ادَّعَوْهُ عَلَى الْيَهُودِ».\nوَحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: «أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَاهُ عَنْ نَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ»، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ.\nقوله: «فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قِبَلِهِ»، أي: دفع ديته.\nفي هذه الحديث: أن هذه القسامة كانت في الجاهلية، وأقرها الإسلام، وهي: أن يوجد قتيلٌ في محل، أو عند قومٍ، وتكون هناك تهمة لهؤلاء أنهم قتلوه، كالعداوة كما في هذه القصة، فإن القتيل هنا عبد الله بن سهل، وقد وُجد عند اليهود.\nوفيه: أنه إذا وُجد قتيل في مكان وفيه لوث (^١)، فإنه يُطلب من أولياءِ القتيل أن يحلفوا خمسين يمينًا على شخص، ثم يُدفع لهم فيقتلونه، فإن\n_________\n(^١) اللوث هي العداوة الظاهرة بين القتيل والمدعى عليهم في القسامة، أو أمر ينشأ عنه غلبة الظن بصدق المدعي.","vol":"5","page":8},{"text":"كانوا خمسين رجلًا حلف كل واحد يمينًا، وإن كانوا خمسةً وعشرين حلف كل واحد يمينين، وهكذا تقسم عليهم الأيمان، فإن امتنعوا رُدت الأيمان على خصومهم، فإذا حلفوا برئ.\nوفيه: أن دية المقتول مائة من الإبل.\nوقوله: «فَرَكَضَتْنِي نَاقَةٌ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ رَكْضَةً بِرِجْلِهَا»، يعني: رفستني، وهذا فيه تحقيقُ أنهم أُعطوا مائةً من الإبل؛ وذلك أن سهلًا ﵁ رآها وشاهدها.\nوجمهور العلماء على الأخذ بالقسامة، وذهب بعض أهل العلم إلى إبطال حكم القسامة، وأنه لا يُعمل بها، وقالوا: إنها على خلاف الأصل، والأصل: أن الأيمان توجه على الموكل لا على المدعي، ويقولون في هذه القصة: إن الرسول ﷺ وداه من عند نفسه، ولكن هذا قول مرجوح، وتأويل لا وجه له، فإن هذا الحديث صريح في القسامة.\nوالذين قالوا بالقسامة اختلفوا: هل يجب بها القِصاص، أَوِ الدية؟ والصواب: أنه يجبُ بها القِصاص إذا حلفوا (^١).\nوقوله: «كَبِّرِ الْكُبْرَ، أَوْ قَالَ: لِيَبْدَأْ الْأَكْبَرُ» فيه: دليل على تقديم الأكبر في الأمور المتساوية، كالإمامة إذا تساووا في القراءة؛ لقوله ﷺ: «لِيَؤُمَّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَكْبَرُهُمْ سِنًّا» (^٢).\nوفيه: أن النبي ﷺ وداهم من عند نفسه، من بيت المال، وفي بعض الروايات: «فَكَرِهَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُطَلَّ دَمُهُ فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِل الصَّدَقَةِ» (^٣).\nواستشكل هذا الشافعية، قال النووي: قالوا: كيف يدفع من إبل الصدقة،\n_________\n(^١) بدائع الصنائع، للكاساني (٧/ ٢٨٦)، مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (٤/ ١٦٦)، الشرح الكبير، للدردير (٤/ ٢٣٥) شرح منتهى الارادات، للبهوتي (٣/ ٣٠٨)، المغني، لابن قدامة (١٠/ ٣٠).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٦٦٤٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٨٩٨).","vol":"5","page":9},{"text":"وإبل الصدقة تدفع إلى الأصناف الثمانية، وهؤلاء ليسوا منهم؟ ! (^١).\nفتَأوَّل له بأن المعنى: أن النبي ﷺ اشتراه من أهل الصدقات بعد أن ملكوها، ثم دفعها تبرعا إلى أهل القتيل (^٢)، وهذا بعيد.\nوهنا مسألة: هل أيمان الكفار لا تُقبل إلا في هذه الصورة؟\nالجواب: بل تقبل في أيِّ دعوى بين مسلم وكافر، فترفع المسألة إلى القضاء، ويطلب البينة على المدعي، فإن لم يكن له بينة، وُجِّه اليمين على خصمه، ولو كان كافرًا (^٣).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١١/ ١٤٨).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١١/ ١٤٨).\n(^٣) حاشية الدر المختار، لابن عابدين (٥/ ٤٠٣)، شرح مختصر خليل، للخرشي (٨/ ٥٦)، مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (٤/ ١١٨)، المغني، لابن قدامة (١٠/ ٢٥).","vol":"5","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-772>بَابُ حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ وَالْمُرْتَدِينَ</span>\n\n[١٦٧١] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ هُشَيْمٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، وَحُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَاجْتَوَوْهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَفَعَلُوا، فَصَحُّوا، ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرُّعَاةِ، فَقَتَلُوهُمْ، وَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَسَاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَبَعَثَ فِي أَثَرِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا».\nحَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو رَجَاءٍ- مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ- عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ: «أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُكْلٍ ثَمَانِيَةً قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَاسْتَوْخَمُوا الْأَرْضَ، وَسَقِمَتْ أَجْسَامُهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: أَلَا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إِبِلِهِ، فَتُصِيبُونَ مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَقَالُوا: بَلَى، فَخَرَجُوا فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَصَحُّوا، فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَطَرَدُوا الْإِبِلَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُدْرِكُوا فَجِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ، فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وَسُمِرَ أَعْيُنُهُمْ، ثُمَّ نُبِذُوا فِي الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا».\nوقَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ فِي رِوَايَتِهِ: «وَاطَّرَدُوا النَّعَمَ»، وَقَالَ: «وَسُمِّرَتْ أَعْيُنُهُمْ».\n[خ: ٦٨٩٩]\nوَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ- مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ- قَالَ: قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: حَدَّثَنَا","vol":"5","page":11},{"text":"أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: «قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْمٌ مِنْ عُكْلٍ، أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلِقَاحٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا»، بِمَعْنَى حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: «وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ السَّمَّانُ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ- مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ- عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: «كُنْتُ جَالِسًا خَلْفَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: مَا تَقُولُونَ فِي الْقَسَامَةِ؟ فَقَالَ عَنْبَسَةُ: قَدْ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ كَذَا وَكَذَا، فَقُلْتُ: إِيَّايَ حَدَّثَ أَنَسٌ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَوْمٌ»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَيُّوبَ، وَحَجَّاجٍ، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: «فَلَمَّا فَرَغْتُ، قَالَ عَنْبَسَةُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! قَالَ أَبُو قِلَابَةَ، فَقُلْتُ: أَتَتَّهِمُنِي يَا عَنْبَسَةُ؟ ! قَالَ: لَا، هَكَذَا حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ- يَا أَهْلَ الشَّامِ- مَا دَامَ فِيكُمْ هَذَا، أَوْ مِثْلُ هَذَا».\nوَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ- وَهُوَ ابْنُ بُكَيْرٍ الْحَرَّانِيُّ- أَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ مِنْ عُكْلٍ» بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: «وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ».\nوَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفَرٌ مِنْ عُرَيْنَةَ، فَأَسْلَمُوا، وَبَايَعُوهُ، وَقَدْ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ الْمُومُ- وَهُوَ الْبِرْسَامُ»، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ، وَزَادَ: «وَعِنْدَهُ شَبَابٌ مِنْ الْأَنْصَارِ قَرِيبٌ مِنْ عِشْرِينَ، فَأَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِمْ، وَبَعَثَ مَعَهُمْ قَائِفًا يَقْتَصُّ أَثَرَهُمْ».\nحَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ","vol":"5","page":12},{"text":"وَفِي حَدِيثِ هَمَّامٍ: «قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَهْطٌ مِنْ عُرَيْنَةَ»، وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ: «مِنْ عُكْلٍ، وَعُرَيْنَةَ» بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.\nوَحَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْأَعْرَجُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْيُنَ أُولَئِكَ؛ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ».\nقوله: «وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ»، أي: ترك دمهم يجري حتى ماتوا، والحسم هو: أن يُجعل مكانُ العضو المقطوع في الزيت الحار؛ ليقف الدم، والنبي ﷺ لم يحسمهم، وأرادهم أن يموتوا؛ لأنهم ارتدوا.\nفي هذا الحديث: أن هؤلاء الذين قدموا من عرينة، أو من عكل -وجُمع بينهما بأن بعضهم كان من عكل، وبعضهم كان من عرينة- على النبي ﷺ مسلمين، فاستوخموا المدينة، ولم يناسبهم هواؤها، فأصابهم المرض، فأمرهم النبي ﷺ أن يخرجوا إلى إبل الصدقة، وإبل الصدقة كانت خارج البلد، ترعى في البَر حيث الهواء النقي، فتكون ألبانها وأبوالها سليمة، خلاف التي تأكل العلف في البلد، فخرجوا إلى البرية، وتنفسوا الهواء النقي، وشربوا من أبوال وألبان هذه الإبل، فصحُّوا، وذهب ما بهم من الوخم والسقم، فلما صحوا ارتدوا عن الاسلام، وقتلوا رعاة النبي ﷺ، وسرقوا الإبل، فلما بلغ النبي ﷺ ذلك أرسل في أثرهم، فجيء بهم في منتصف النهار، فأمر النبي ﷺ بهم، فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسُملت أعينُهم؛ لأنهم سملوا أعين الرعاة، والسمل هو: إحماء الحديد وكي عيونهم، وهذا من باب القصاص.\nوهنا مسائل:\nالأُولى: هل في هذا الحديث دليل على طهارة أبوال الإبل؟\nالجواب: نعم، فيه دليل على طهارة أبوال الإبل؛ لأن النبي ﷺ أمرهم أن","vol":"5","page":13},{"text":"يشربوا من أبوالها، ولم يأمرهم بغسل أفواههم، وذهب الشافعية إلى أن أبوال الإبل نجسة، وكذلك بول ما يؤكل لحمه، وأجاب النووي ﵀ عن هذا، فقال: «إن الشافعي يرى أنه نجس (^١)، ولكن لم يأمر بغسله؛ لأن هذا من باب التداوي، والتداوي عند الشافعي جائز، ولو بالنجاسة» (^٢)، لكن هذا قول مرجوح.\nوالصواب: أن أبوال الإبل طاهرة، وكل ما يؤكل لحمه بوله طاهر، أما ما حرم أكله فهو نجس حرام الأكل، كالحمار الأهلي، والأُسُود، والنمور، والوحوش.\nالثانية: هل يستتاب المحارِبون قبل أن يُقتلوا؟\nالجواب: لا يستتاب المحارِبون قبل أن يُقتلوا بعد القدرة عليهم، وإنما تقبل توبتهم قبلها، كما قال الله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يُقتلوا أو يُصلبوا أو تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾.\nالثالثة: هل يُقتل الجماعة بالواحد؟\nالجواب: نعم، يُقتل الجماعة بالواحد، وأدلته كثيرة، منها: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَتَلَ نَفَرًا -خَمْسَةً، أَوْ سَبْعَةً- بِرَجُلٍ وَاحِدٍ قَتَلُوهُ قَتْلَ غِيلَةٍ، وَقَالَ عُمَرُ: لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا» (^٣).\n_________\n(^١) الأم، للإمام الشافعي (٢/ ٢٧٧).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١١/ ١٥٤).\n(^٣) أخرجه مالك في الموطأ (١٥٦٨)، والبيهقي في الكبرى (١٤٦٨٢).","vol":"5","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-773>بَابُ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْحَجَرِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُحَدَّدَاتِ وَالْمُثَقَّلَاتِ، وَقَتْلِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ</span>\n\n[١٦٧٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا، فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ، قَالَ: فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَبِهَا رَمَقٌ، فَقَالَ لَهَا: أَقَتَلَكِ فُلَانٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَنْ لَا، ثُمَّ قَالَ لَهَا الثَّانِيَةَ، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَنْ لَا، ثُمَّ سَأَلَهَا الثَّالِثَةَ، فَقَالَتْ: نَعَمْ، وَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا، فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ حَجَرَيْنِ».\n[خ: ٥٢٩٥]\nوَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ: «فَرَضَخَ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ».\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ قَتَلَ جَارِيَةً مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى حُلِيٍّ لَهَا، ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي الْقَلِيبِ، وَرَضَخَ رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ، فَأُخِذَ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ حَتَّى يَمُوتَ، فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ».\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَسَأَلُوهَا مَنْ صَنَعَ هَذَا بِكِ؟ فُلَانٌ؟ فُلَانٌ؟ حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا، فَأَوْمَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ، فَأَقَرَّ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ».","vol":"5","page":15},{"text":"قوله: «فَأَوْمَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ» دليل على أن إشارة الجارية وإيمائها برأسها يعتبر تهمة، ولا يوجب القصاص إلا ببينة، أو إقرار؛ ولهذا أُخذ اليهودي، واعترف، ثم اقتُصَّ منه بعد الإقرار.\nوقوله: «أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ» فيه: وجوب المماثلة في القصاص، قال تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾، وقال: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾، فمن قَتل بحجر قُتل بمثله، ومن أَغْرَقَ أُغْرِقَ، ومن أَحْرَقَ أُحْرِقَ، وهذا مستثنى من النهي عن التعذيب بالنار؛ لحديث: «لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ» (^١)، ويستثنى من المماثلة في القصاص ما إذا كان قتله بالخمر، أو باللواط؛ فإنه لا يجوز القصاص بفعل المعصية.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٥٦٠٤)، وأبو داود (٢٦٧٣).","vol":"5","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-774>بَابُ الصَّائِلِ عَلَى نَفْسِ الْإِنْسَانِ، أَوْ عُضْوِهِ، إِذَا دَفَعَهُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ، فَأَتْلَفَ نَفْسَهُ، أَوْ عُضْوَهُ، لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ</span>\n\n[١٦٧٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَاتَلَ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ- أو ابْنُ أُمَيَّةَ- رَجُلًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ، فَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، وقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: ثَنِيَّتَيْهِ، فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ؟ ! لَا دِيَةَ لَهُ».\n[خ: ٦٨٩٢]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ يَعْلَى عَنْ يَعْلَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- يَعْنِي: ابْنَ هِشَامٍ- حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَجُلًا عَضَّ ذِرَاعَ رَجُلٍ، فَجَذَبَهُ، فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ، فَرُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَبْطَلَهُ، وَقَالَ: «أَرَدْتَ أَنْ تَأْكُلَ لَحْمَهُ؟ !».\n\n[١٦٧٤] حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ بُدَيْلٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى: أَنَّ أَجِيرًا لِيَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ عَضَّ رَجُلٌ ذِرَاعَهُ، فَجَذَبَهَا، فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ، فَرُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَبْطَلَهَا، وَقَالَ: «أَرَدْتَ أَنْ تَقْضَمَهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ؟ !».\n[خ: ٢٢٦٥]\n\n[١٦٧٣] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ، فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ، أَوْ ثَنَايَاهُ، فَاسْتَعْدَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا تَأْمُرُنِي؟ ! تَأْمُرُنِي أَنْ آمُرَهُ أَنْ يَدَعَ يَدَهُ فِي فِيكَ","vol":"5","page":17},{"text":"تَقْضَمُهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ؟ ! ادْفَعْ يَدَكَ حَتَّى يَعَضَّهَا، ثُمَّ انْتَزِعْهَا».\n\n[١٦٧٤] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ وَقَدْ عَضَّ يَدَ رَجُلٍ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتَاهُ- يَعْنِي: الَّذِي عَضَّهُ- قَالَ: فَأَبْطَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ، وَقَالَ: «أَرَدْتَ أَنْ تَقْضَمَهُ كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ؟ !».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ، قَالَ: وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ: تِلْكَ الْغَزْوَةُ أَوْثَقُ عَمَلِي عِنْدِي، فَقَالَ عَطَاءٌ: قَالَ صَفْوَانُ: قَالَ يَعْلَى: كَانَ لِي أَجِيرٌ، فَقَاتَلَ إِنْسَانًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا يَدَ الْآخَرِ، قَالَ: لَقَدْ أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ أَيُّهُمَا عَضَّ الْآخَرَ، فَانْتَزَعَ الْمَعْضُوضُ يَدَهُ مِنْ فِيِ الْعَاضِّ، فَانْتَزَعَ إِحْدَى ثَنِيَّتَيْهِ، فَأَتَيَا النَّبِيَّ ﷺ، فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ.\nوَحَدَّثَنَاهُ عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nقوله: «أَرَدْتَ أَنْ تَقْضَمَهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ؟ !»: الفحل: الذكر من الإبل.\nوفي هذه الحديث: أن يعلى بن أمية- أو ابن منية؛ فأمية اسم أبيه، ومنية اسم أمه- خاصم رجلًا، فعض يده، فانتزع يده، فسقطت ثنية العاض، فرفع أمره إلى النبي ﷺ يطالب بدية ثنيته، فأبطل النبي ﷺ ديته؛ لأنه معتدٍ بفعله، والرجل كان مضطرًا إلى أن ينزع يده من فم العاض.\nوفيه: دليل على أن المعضوض إذا نزع يده من فم العاض، ثم سقط شيء من أسنانه، فإنه هدر لا دية له؛ لأنه معتدٍ، والجاني ليس له دية.","vol":"5","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-775>بَابُ إِثْبَاتِ الْقِصَاصِ فِي الْأَسْنَانِ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا</span>\n\n[١٦٧٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ أُخْتَ الرُّبَيِّعِ- أُمَّ حَارِثَةَ- جَرَحَتْ إِنْسَانًا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الْقِصَاصَ الْقِصَاصَ، فَقَالَتْ أُمُّ الرَّبِيعِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُقْتَصُّ مِنْ فُلَانَةَ؟ ! وَاللَّهِ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أُمَّ الرَّبِيعِ! الْقِصَاصُ كِتَابُ اللَّهِ، قَالَتْ: لَا، وَاللَّهِ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا أَبَدًا، قَالَ: فَمَا زَالَتْ حَتَّى قَبِلُوا الدِّيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ».\n[خ: ٤٦١١]\nقوله: «أُمُّ الرَّبِيعِ»: هكذا ضبطُها، بفتح الراء وكسر الموحدة وتخفيف المثناة، قاله النووي (^١).\nوفي رواية البخاري أن الذي قال هذا هو أخوها أنس، قال: «أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا» (^٢)، فكأنهما تعاونا: أخوها، وأمها، وهذا منهما ليس اعتراضًا على حكم الله، وحكم رسوله ﷺ، وإنما هو حسن ظن بالله، فما زالوا يحسنون الظن بالله، ويَعرضون على أهل المجني عليه الدية حتى قبلوها.\nوفي هذا الحديث: أنه إذا كسر إنسان ثنية إنسان فإنه يقتص منه؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «الْقِصَاصُ كِتَابُ اللَّهِ»، ولقوله تعالى: ﴿والسن بالسن والجروح قصاص﴾، وهذا وإن كان في شأن بني إسرائيل إلا أن شرعنا جاء\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١١/ ١٦٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٧٠٣).","vol":"5","page":19},{"text":"موافقا له.\nوهنا مسألة: هل القصاص يكون بين الرجل والمرأة على السواء؟\nالجواب: نعم، القصاص يكون بين الرجل والمرأة على السواء، في القتل، وفيما دونه.","vol":"5","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-776>بَابُ مَا يُبَاحُ بِهِ دَمُ الْمُسْلِمِ</span>\n\n[١٦٧٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ».\n[خ: ٦٨٧٨]\nحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنْ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى- وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ- قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَا يَحِلُّ دَمُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: التَّارِكُ الْإِسْلَامَ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ- أو الْجَمَاعَةَ، شَكَّ فِيهِ أَحْمَدُ- وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ».\nقَالَ الْأَعْمَشُ: فَحَدَّثْتُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنِي عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلِهِ، وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ الْأَعْمَشِ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا نَحْوَ حَدِيثِ سُفْيَانَ، وَلَمْ يَذْكُرَا فِي الْحَدِيثِ قَوْلَهُ: «وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرَهُ».\nفي هذا الباب: أن المسلم معصوم الدم، ولا يهدر دمه إلا بواحد من ثلاثة:","vol":"5","page":21},{"text":"- أن يزني وهو ثيب: والثيب هو الذي قد تزوج مرةً في العمر، ولو لم يكن معه زوجة.\n- والنفس بالنفس: وهو القتل عمدًا عدوانًا.\n- والردة عن الإسلام، ومفارقة الجماعة.","vol":"5","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-777>بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ</span>\n\n[١٦٧٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ».\n[خ: ٣٣٣٥]\nوَحَدَّثَنَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ: «لِأَنَّهُ سَنَّ الْقَتْلَ»، لَمْ يَذْكُرَا: «أَوَّلَ».\nفي هذا الحديث: أن أول من سن القتل هو قابيل؛ لأنه قتل أخاه هابيل، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فهو أول من سن القتل؛ وذلك أن قابيل وهابيل قربا قربانًا، وكان في زمانهم يشرع تقريب القربان، فإذا تقبله الله أتت نار من السماء فأكلته، فجاءت النار وأكلت قربان هابيل ولم تأكل قربان قابيل؛ فحسده فقتله بنص القرآن، ولما قال قابيل لأخيه: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ قال هابيل لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾، إذا أردت","vol":"5","page":23},{"text":"أن تبسط يدك لقتلي ما أنا بباسط يدي.\nولهذا جاء في حديث النبي (عن الفتنة: «كن كخير ابني آدم» (^١)، وفي لفظ عن رسول الله (أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي، قال: «فإن أدركت ذاك فكن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل» (^٢)، وفي لفظ أن النبي (قال: «اكسروا قسيّكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا سيوفكم بالحجارة» (^٣)، فهذه النصوص جاءت في القعود في الفتنة، وقد حملت هذه النصوص بعض الصحابة على ألا يشارك في القتال بين علي ومعاوية؛ خوفًا من هذه الفتن، وكذلك عثمان - ﵁ - لما دخل عليه الثوار لم يدافع عن نفسه، ومنع من المدافعة عنه؛ أخذًا بهذه الأحاديث.\nفلا تُقتل نفس ظلمًا إلا كان على «ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ» وهو قابيل «كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا»، أي: نصيب من الوزر؛ «لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ»، كما في الحديث الآخر: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ٤١٦)، وأبو داود (٤٢٥٩)، والترمذي (٢٢٠٤)، وابن ماجه (٣٩٦١).\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ١١٠)، والطبراني في الكبير (٤/ ٥٩).\n(^٣) أخرجه أحمد (٤/ ٤١٦)، وأبو داود (٤٢٥٩)، والترمذي (٢٢٠٤)، وابن ماجه (٣٩٦١).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٠٢٠).","vol":"5","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-778>بَابُ الْمُجَازَاةِ بِالدِّمَاءِ فِي الْآخِرَةِ، وَأَنَّهَا أَوَّلُ مَا يُقْضَى فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ</span>\n\n[١٦٧٨] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ عَنْ الْأَعْمَشِ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَوَكِيعٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ».\n[خ: ٦٥٣٣]\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ-.ح، وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: عَنْ شُعْبَةَ: «يُقْضَى»، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: «يُحْكَمُ بَيْنَ النَّاسِ».\nفي هذا الحديث: تعظيم الدماء، وأن أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء؛ لعظم حرمتها، وفي الحديث الآخر: «لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» (^١)، والله تعالى يقول: ﴿ومن يقتل مؤمن متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨٦٢).","vol":"5","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-779>بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ</span>\n\n[١٦٧٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا: أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟ ! قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَسَكَتَ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ: أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ؟ ! قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَسَكَتَ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ ! قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ- قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ- حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، فَلَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا، أَوْ ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ\nيَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ !».\nقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي رِوَايَتِهِ: «وَرَجَبُ مُضَرَ»، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: «فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي».\n[خ: ٤٤٠٦]\nقوله: «وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ» سُمِّي مضرَ -نسبة إلى قبيلة مضر -؛ لأنهم","vol":"5","page":26},{"text":"كانوا يعظمونه، وقيل: لأنهم كانوا يجعلونه في مكانه الذي جعله الله فيه، وهو بين جمادى وشعبان، فنُسب إليها لأجل ذلك، بخلاف ربيعة؛ فإنها كانت تجعل شهر رجب مكان شهر رمضان.\nهذا الحديث حديث عظيم، فيه: أن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وأن الأشهر رجعت إلى ما كانت عليه يوم خلقِ السماوات والأرض.\nوقد كان أهل الجاهلية يعملون بالنسيء، والنسيء هو: تأخير بعض الأشهر الحرم، فكانوا يؤخرون شهر محرم، ويجعلون بدله شهر صفر؛ لئلا يطول عليهم ترك القتال؛ لتطاول المدة بتوالي الأشهر الثلاثة: ذي القعدة، وذي الحجة، ومحرم، فاختلطت الشهور عليهم بسبب هذا التأخير.\nوهذا هو النسيء الذي قال الله تعالى فيه: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكفرين﴾.\nثم استدار الزمان كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، فرجعت الشهور كما كانت في الحَجَّة التي حجها رسول الله ﷺ، أي: أن كل شهر عاد إلى مكانه الذي كان عليه؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا: أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ».\nوفي هذا الحديث: أن هذه الأشهر الحرم يجب تعظيمها، والبعد عن ظلم النفس فيها أكثر من غيرها؛ ولهذا قال الله تعالى في الآية الكريمة: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾، فيحرم ظلم النفس فيها بالشرك والمعاصي أشدَّ من غيرها؛ فظلم النفس بالشرك","vol":"5","page":27},{"text":"والمعاصي حرام في كل زمان، وفي الأشهر الحرم أشد وأغلظ.\nوفيه: تعظيم الحرمات الثلاث: الدماء، والأموال، والأعراض؛ لأن النبي ﷺ سألهم: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، «فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، «فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» لتنبيههم على تعظيمها، وأن الدماء والأموال والأعراض محرمة بين الناس كما أن هذه المذكورات كلها حرام.\nوفيه: أن الصحابة ﵃ لما سئلوا قالوا: «اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ»، وكان قولهم هذا في حياة النبي ﷺ؛ لأنه ينزل عليه الوحي ﷺ، وأما بعد وفاته، فيقال: الله أعلم؛ لأن الرسول ﷺ لا يعلم أحوال أمته.\nوفيه: أن القتال بين المسلمين من الأعمال الكفرية، ولهذا قال ﷺ: «فَلَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا، أَوْ ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»، وهو كفر دون كفر، لا يخرج من الملة إلا إذا استحله فاعله، فمن استحل قتل أخيه المسلم فقد كفر، لكن إذا لم يستحله وإنما قتله استضعافًا له، أو اتباعًا للهوى والشيطان، فإنه من الأعمال الكفرية التي لا تخرج من الملة.\nوفيه: وجوب تبليغ العلم؛ ولهذا قال ﷺ: «لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ»، أي: قد يكون الذي يَبْلَغُه الحديثُ يفهم منه ما لا يفهمه المبلِّغ، فقد يكون الذي يبْلَغُه فقيهًا، والذي بلَّغه أقلَّ منه فقهًا.\nوهنا مسألة، وهي: كيف نوجه قتال الصحابة في الأشهر الحرم؟\nوالجواب: القتال في الأشهر الحرم اختلف فيه أهل العلم، فالجمهور على جواز القتال فيها، وأن التحريم منسوخ؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم قاتلوا في الأشهر الحرم، ولم يزالوا بعد وفاة النبي ﷺ يفتحون الأمصار في الأشهر الحرم (^١).\n_________\n(^١) المبسوط، للسرخسي (١٠/ ٣)، جواهر الإكليل، للأبي (١/ ٢٠٧)، مواهب الجليل، للحطاب (٣/ ٢٠٣)، روضة الطالبين، للنووي (١٠/ ٢٠٤)، نهاية المحتاج، للرملي (٨/ ٤٥)، وكشاف القناع، للبهوتي، المغني، لابن حجر (٩/ ٤٩٩).","vol":"5","page":28},{"text":"حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَخَذَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ؟ ! قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ؟ ! قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ بِالْبَلْدَةِ؟ ! قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ. قَالَ: ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَذَبَحَهُمَا، وَإِلَى جُزَيْعَةٍ مِنَ الْغَنَمِ، فَقَسَمَهَا بَيْنَنَا».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ جَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعِيرٍ، قَالَ: وَرَجُلٌ آخِذٌ بِزِمَامِهِ- أو قَالَ: بِخِطَامِهِ-»، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ.\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَعَنْ رَجُلٍ آخَرَ- هُوَ فِي نَفْسِي أَفْضَلُ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ- وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ، وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بِإِسْنَادِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ- وَسَمَّى الرَّجُلَ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عَوْنٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ: «وَأَعْرَاضَكُمْ»، وَلَا يَذْكُرُ: «ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ»، وَمَا بَعْدَهُ، وَقَالَ فِي","vol":"5","page":29},{"text":"الْحَدِيثِ: «كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ! قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ».\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ ذبح كبشين أضحيةً، وهذا غير الهدي الذي ساقه من المدينة إلى مكة.","vol":"5","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-780>بَابُ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ، وَتَمْكِينِ وَلِيِّ الْقَتِيلِ مِنَ الْقِصَاصِ، وَاسْتِحْبَابِ طَلَبِ الْعَفْوِ مِنْهُ</span>\n\n[١٦٨٠] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ: «إِنِّي لَقَاعِدٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بِنِسْعَةٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا قَتَلَ أَخِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَقَتَلْتَهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ، قَالَ: نَعَمْ قَتَلْتُهُ، قَالَ: كَيْفَ قَتَلْتَهُ؟ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَهُوَ نَخْتَبِطُ مِنْ شَجَرَةٍ، فَسَبَّنِي، فَأَغْضَبَنِي، فَضَرَبْتُهُ بِالْفَأْسِ عَلَى قَرْنِهِ، فَقَتَلْتُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: هَلْ لَكَ مِنْ شَيْءٍ تُؤَدِّيهِ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: مَا لِي مَالٌ إِلَّا كِسَائِي وَفَأْسِي، قَالَ: فَتَرَى قَوْمَكَ يَشْتَرُونَكَ؟ قَالَ: أَنَا أَهْوَنُ عَلَى قَوْمِي مِنْ ذَاكَ، فَرَمَى إِلَيْهِ بِنِسْعَتِهِ، وَقَالَ: دُونَكَ صَاحِبَكَ، فَانْطَلَقَ بِهِ الرَّجُلُ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ، فَرَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ: إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ، وَأَخَذْتُهُ بِأَمْرِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَمَا تُرِيدُ أَنْ يَبُوءَ بِإِثْمِكَ، وَإِثْمِ صَاحِبِكَ؟ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ- لَعَلَّهُ قَالَ: بَلَى- قَالَ: فَإِنَّ ذَاكَ كَذَاكَ، قَالَ: فَرَمَى بِنِسْعَتِهِ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ».\nقوله: «فَرَمَى بِنِسْعَتِهِ»: النِسعة- بنون مكسورة، ثم سين ساكنة، ثم عينٍ مهملة-: الحبل الذي يقاد به.\nوقوله: «دُونَكَ صَاحِبَكَ»، يعني: خذه، وهو اسم فعل أمر.\nوفي هذا الحديث: الأخذ بإقرار القاتل، وقبول الإقرار في الدماء.\nوفيه: أن القاتل يؤخذ، وأنه لو أُخذ بحبل فلا بأس في ذلك، وفيه شاهد","vol":"5","page":31},{"text":"لقوله تعالى: ﴿فقد جعلنا لوليه سلطانًا﴾، فهذا من السلطان الذي جعله الله لولي القتيل.\nوفيه: بيان سبب قتله، وهو أنه كان يختبط الخبط، وهو الحشيش، فسبه، فضربه بالفأس على رأسه.\nوفيه: أن النبي ﷺ عرض على القاتل دفع الدية لأولياء القتيل، فاعتذر بأنه ليس عنده شيء يدفعه لهم، وأن قومه لن يَدُوا عنه؛ لهوانه عليهم.\nوقوله ﷺ: «إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ»: هذا فيه تعريض من النبي ﷺ، حتى يعفوَ عن صاحبه.\nوالمعنى: إن قتله فقد أخذ بحقه، وصار مثلَ صاحبه، ولا منة ولا فضل لأحدهم على الآخر، بخلاف ما إذا عفا عنه؛ فإنه يكون له المن والفضل عليه، مع ما أعد الله له من الثواب في الآخرة.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ رَجُلًا، فَأَقَادَ وَلِيَّ الْمَقْتُولِ مِنْهُ، فَانْطَلَقَ بِهِ، وَفِي عُنُقِهِ نِسْعَةٌ يَجُرُّهَا، فَلَمَّا أَدْبَرَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، فَأَتَى رَجُلٌ الرَّجُلَ، فَقَالَ لَهُ مَقَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَخَلَّى عَنْهُ».\nقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ: «فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَشْوَعَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا سَأَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، فَأَبَى».\nقوله ﷺ: «الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»: هذا - أيضًا- من التعريض؛ فإنه لما طلب النبي ﷺ من الرجل أن يعفو عن قاتله، فلم يرضَ، قال النبي ﷺ: «الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» فحينها خلى سبيله.\nوهذا من باب الإيهام، لعله يفهم منه أنه داخل في ذلك، وإلا فهو ليس","vol":"5","page":32},{"text":"بداخل؛ لأن الحكم بكون القاتل والمقتول في النار إنما هو في المقتتلَين على الشحناء والعداوة والبغضاء، أما هذا فيريد أن يقتله بحق، ولهذا فهم الرجل المراد، وخلى سبيله.\nوالتعريض إذا كان له أسباب فلا بأس به، مثل: أن يأتي شخص يستفتي فيقول: هل للقاتل من توبة، فيتوسم المفتي في هذا الرجل الشرَّ، وأنه إذا أفتاه أن القتل فيه توبة فإنه يَقْتُل، فيقول له: صح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «لَيْسَ لِقَاتِلِ مُؤْمِنٍ تَوْبَةٌ، مَا نَسَخَتْهَا آيَةٌ مُنْذُ نَزَلَتْ» (^١)، فيوهمه أنه يوافق رأي ابن عباس ﵄، مع أن الصواب أن للقاتل توبة، لكنه يجيبه بذلك، ويكتفي به.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٠٢١٠).","vol":"5","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-781>بَابُ دِيَةِ الْجَنِينِ، وَوُجُوبِ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ، وَشِبْهِ الْعَمْدِ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي</span>\n\n[١٦٨١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ».\n[خ: ٥٧٥٨]\nفي هذا الحديث: أن الجنين إذا قُتل وهو في بطن أمه، ثم سقط ميتًا فإن فيه الغرة، والغرة: عبدٌ، أو أمةٌ، وهي عُشر دية أمه، أي: خمس من الإبل؛ لأن دية الرجل مائة من الإبل، ودية المرأة على النصف منها، فهي خمسون، وعُشر دية الخمسين خمس.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لَحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. ح، وَحَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بَنِ عَبَدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: «اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ، أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا، وَمَنْ مَعَهُمْ، فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لَا","vol":"5","page":34},{"text":"شَرِبَ وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ؟ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ؛ مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ».\nقوله: «فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ»، أي: يُهدر.\nوالعاقلة هم: العُصبة إلا الأبناء والآباء، وقال بعض العلماء: إن الأبناء والآباء يدخلون في العصبة، وهو الصواب (^١)، فالعصبة: الآباء، والأبناء، والأجداد، والأخوة الأشقاء، والأخوة لأب، والأعمام الأشقاء، والأعمام لأب، وأبناء العم الأشقاء، أما الأخوة من الأم، وكذلك العم من الأم، والأخ من الأم، والأخوال والخالات، وأبناء الأخوال والخالات فلا يدخلون في العصبة.\nوفي هذ الحديث: أن هاتين المرأتين اقتتلتا، وهما ضرتان، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فحكم النبي ﷺ بالدية، ولم يحكم بالقصاص؛ لأن هذا قتل شبه عمد، وهو: أن يُقصد الفعل، ولا يُقصد القتل، كأن يريد أن يرميه مثلًا، أو يضربه بعصا، لكن لا يريد أن يقتله.\nفقضى النبي ﷺ للجنين بالغرة، وقضى بدية المقتولة على عاقلتها، وجعل ميراثها لما ماتت لبنيها وزوجها.\n_________\n(^١) بدائع الصنائع، للكاساني (٤/ ٣٨)، الشرح الكبير، للدردير (٢/ ٥٢٣)، أسنى المطالب، لزكريا الانصاري (٣/ ١٠)، روضة الطالبين، للنووي (٩/ ٣٥٠)، المغني، لابن قدامة (٣/ ٤٤٨).","vol":"5","page":35},{"text":"وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: «وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا، وَمَنْ مَعَهُمْ»، وَقَالَ: «فَقَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ نَعْقِلُ؟» وَلَمْ يُسَمِّ حَمَلَ بْنَ مَالِكٍ.\n\n[١٦٨٢] حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نُضَيْلَةَ الْخُزَاعِيِّ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «ضَرَبَتِ امْرَأَةٌ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ، وَهِيَ حُبْلَى، فَقَتَلَتْهَا- قَالَ: وَإِحْدَاهُمَا لِحْيَانِيَّةٌ- قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ، وَغُرَّةً لِمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ: أَنَغْرَمُ دِيَةَ مَنْ لَا أَكَلَ وَلَا شَرِبَ وَلَا اسْتَهَلَّ؟ فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْأَعْرَابِ؟ ! قَالَ: وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الدِّيَةَ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نُضَيْلَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: «أَنَّ امْرَأَةً قَتَلَتْ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ، فَأُتِيَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَضَى عَلَى عَاقِلَتِهَا بِالدِّيَةِ، وَكَانَتْ حَامِلًا، فَقَضَى فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ، فَقَالَ بَعْضُ عَصَبَتِهَا: أَنَدِي مَنْ لَا طَعِمَ وَلَا شَرِبَ، وَلَا صَاحَ فَاسْتَهَلَّ؟ ! وَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ، قَالَ: فَقَالَ: سَجْعٌ كَسَجْعِ الْأَعْرَابِ».\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَمُفَضَّلٍ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادِهِمُ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِيهِ: «فَأَسْقَطَتْ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ، وَجَعَلَهُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَرْأَةِ»، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ: دِيَةَ الْمَرْأَةِ.","vol":"5","page":36},{"text":"في هذه الرواية: أنها قتلتها بعمود الخيمة، وفي الروايات السابقة: أنها قتلتها بحجر، فيحتمل أنهما قصتان، أو أنها رمتها بالحجر، ثم ضربتها بالعمود.\n\n[١٦٨٣] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخران: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: «اسْتَشَارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ فِي إِمْلَاصِ الْمَرْأَةِ، فَقَال الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: ائْتِنِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، قَالَ: فَشَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلمَةَ».\n[خ: ٦٩٠٥]\nقوله: «اسْتَشَارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ فِي إِمْلَاصِ الْمَرْأَةِ»، يعني: في إسقاط جنينها إذا جُني عليها، وفي رواية أخرى للبخاري عن المغيرة قال: سأل عمر بن الخطاب في إملاص المرأة، وهي التي تضرب بطنها فتلقي جنينها فقال: أيكم سمع من النبي - ﷺ - فيه شيئًا؟ (^١).\nقوله: «فَقَال الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ»، فسر الغرة بـ «عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ»، وهي خمس من الإبل، عشر دية أمه؛ لأن دية المرأة خمسون من الإبل على نصف دية الرجل، والأصل في الغرة البياض في وجه الفرس.\nقوله: «فَقَالَ عُمَرُ: ائْتِنِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، قَالَ: فَشَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلمَةَ»، هذا من باب التثبت، وإلا فإن عمر يقبل شهادة الواحد كما ثبت عنه في المسائل، «فَشَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلمَةَ».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٣١٧).","vol":"5","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-782>كِتَابُ الْحُدُودِ</span>","vol":"5","page":39},{"text":"كِتَابُ الْحُدُودِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-783>بَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ وَنِصَابِهَا</span>\n\n[١٦٨٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْطَعُ السَّارِقَ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا.\n[خ: ٦٧٩٠]\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِمِثْلِهِ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَحَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ- وَاللَّفْظُ لِلْوَلِيدِ وَحَرْمَلَةَ- قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى- وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ وَأَحْمَدَ- قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَمْرَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تُحَدِّثُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَمَا فَوْقَهُ».\nحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ","vol":"5","page":41},{"text":"عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا».\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ مِنْ وَلَدِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\n\n[١٦٨٥] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمْ تُقْطَعْ يَدُ سَارِقٍ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِجَنِّ، حَجَفَةٍ، أَوْ تُرْسٍ، وَكِلَاهُمَا ذُو ثَمَنٍ.\nوَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيِّ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، وَأَبِي أُسَامَةَ: وَهُوَ- يَوْمَئِذٍ- ذُو ثَمَنٍ.\n\n[١٦٨٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ.\n[خ: ٦٧٩٦]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ-.ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ-.ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، وَأَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ. ح، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا","vol":"5","page":42},{"text":"سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ اللَّيْثِيِّ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: قِيمَتُهُ، وَبَعْضَهُمْ قَالَ: ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ.\nهذا كتاب الحدود، والمراد بها: التعزيرات والعقوبات المقدرة في الشرع وجبت حقًّا لله تعالى، وزجرًا لمرتكبي موجباتها.\nوالحدود تطلق ويراد بها: الفرائض والواجبات، كقوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون﴾، أي: فرائض الله وواجباته، ومن إطلاق الحدود بمعنى الواجبات قوله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَّدَ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ- مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ- فَلا تَبْحَثُوا عَنْهَا» (^١): فَلا تَعْتَدُوهَا، أي: فلا تتجاوزوها.\nوتطلق الحدود ويراد بها: المنهيات والمحارم، كقوله تعالى: ﴿ولا تباشرونهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها﴾.\nوتطلق ويراد بها: العقوبات المقدرة، كالعقوبة المقدرة على السارق بقطع يده، والعقوبة المقدرة على الزاني غير المحصن وشارب الخمر والقاذف بالجلد.\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني (٤٣٥٠)، والبيهقي في الكبرى (١٨١٥٤).","vol":"5","page":43},{"text":"وفي هذه الأحاديث: بيان أن السارق تُقطع يده، ودليل القطع قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله والله عزيز حكيم﴾، وجاء في قراءة شاذة: «فاقطعوا أيمانهما» وهي قراءة ابن مسعود (^١).\nوقد بيَّن الله ﷾ الحكمة من قطع يد السارق، فقال: ﴿جزاء بما كسبا نكالًا من الله﴾، فأخبر أن قطع يد السارق تنكيل من الله تعالى به، وزجر له.\nوأجمع العلماء على قطع يد السارق (^٢)، واختلفوا في النصاب والحرز.\nأما النصاب: فذهب الظاهرية إلى أن قطع يد السارق يكون في القليل والكثير (^٣).\nوذهب جمهور العلماء إلى أن يد السارق لا تقطع إلا إذا سرق ما يبلغ النصاب، واختلفوا في مقداره.\nفقال الشافعية: النصاب هو: ربع دينار، كما جاء في حديث عائشة ﵂: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْطَعُ السَّارِقَ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا»، والدينار هو: المثقال، وقيمته ٤،٢٥ غرام، وعليه فربع الدينار: هو ربع المثقال (^٤).\nوقال الحنابلة: إن النصاب هو ربع دينار، أو ثلاثة دراهم (^٥)، على ما جاء في حديث ابن عمر أن النبي ﷺ «قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ» (^٦).\nوذهب الأحناف إلى أن النصاب عشرة دراهم (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير، في تفسيره (١١٩١٠).\n(^٢) الإقناع، لابن القطان (٢/ ٢٥٩).\n(^٣) المحلى، لابن حزم (١١/ ٣٥١).\n(^٤) المجموع، للنووي (٢٠/ ٧٩)، النجم الوهاج، للدميري (٩/ ١٥٠).\n(^٥) المغني، لابن قدامة (٩/ ١٠٥)، المبدع، لابن مفلح (٩/ ١٠٧).\n(^٦) أخرجه البخاري (٦٧٩٥)، ومسلم (١٦٨٦).\n(^٧) البحر الرائق، لابن نجيم (٥/ ٥٤)، المبسوط، للسرخسي (٩/ ١٣٧).","vol":"5","page":44},{"text":"وقال آخرون: خمسة دراهم، وقيل: ثلاثة دراهم، وقيل: درهمان، وقيل: درهم.\nوالصواب من هذه الأقوال: أنه ربع دينار، أو ثلاثة دراهم.\nوعليه؛ فإذا سرق السارق ربع دينار قُطعت يده، وإذا سرق ثلاثة دراهم قطعت- أيضًا.\nوأما الحرز:\nفقال العلماء: لا تُقطع يد السارق إلا إذا سرق من حرز، كأن يكسر الباب ويدخل البيت- مثلًا- فيسرق، وكذلك السيارة تعتبر حرزًا في نفسها، والله أعلم.\nأما إذا وجد الباب مفتوحًا، فهذا- والله أعلم- ليس حرزًا، فلا تقطع فيه اليد، ولكن يُعَزَّر بالجلد، أو بالحبس.\nوكذلك لا تقطع اليد إذا أخذ المال على وجه الاختلاس، أو النهب، أو الغصب بالقوة؛ لأنه- والحالة هذه- يعتبر غاصبًا، لا سارقًا.\nوكذلك لا تقطع يد السارق إذا كانت له شبهة، كأن يأخذ من مال أبيه، أو كأخذ الزوجة من مال زوجها.\nوقال بعضهم: إذا أخذ الشخص من بيت المال فلا تقطع يده؛ لأن له شبهة، وهي أن هذا المال من مال المسلمين (^١).\nواختلف العلماء في الموضع الذي تُقطع فيه اليد.\nفقيل: تقطع من المرفق، وقيل: من الإبط، وهذان القولان مرجوحان، والصواب: أن اليد تقطع من مفصل الكف.\nفإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى إذا سرق أولًا، كما أمر النبي ﷺ (^٢)،\n_________\n(^١) المبسوط، للسرخسي (٩/ ١٨٨)، المجموع، للنووي (٢٠/ ٩٣)، المغني، لابن قدامة (٩/ ١٣٥).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٥٣٠٣)، وأبو داود (٤٣٩٤)، والدارقطني (٣٤٦٦، ٣٤٧٥).","vol":"5","page":45},{"text":"فإذا سرق مرة ثانية ووجب عليه القطع قُطعت رجله اليسرى من مفصل القدم، فإذا سرق في الثالثة قُطعت يده اليسرى، فإذا سرق في الرابعة قُطعت رجله اليمنى، فإذا سرق في الخامسة يُعزَّر.\n\n[١٦٨٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَعَنِ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ».\n[خ: ٦٧٨٣]\nحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، كُلُّهُمْ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ يَقُولُ: «إِنْ سَرَقَ حَبْلًا، وَإِنْ سَرَقَ بَيْضَةً».\nقوله: «إِنْ سَرَقَ حَبْلًا، وَإِنْ سَرَقَ بَيْضَةً»: اختُلف في تفسير الحبل والبيضة، فقيل المراد: بالحبل: حبل السفينة، وبالبيضة: ما يكون غطاء فوق رأس الفارس، وقيل: المراد بهما: الحبل العادي، وبيضة الدجاجة.\nوالأقرب: أن يُحمل الحديث على أن السارق الذي يسرق البيضة، أو الحبل- وهما شيء يسير- يُجَرِّئُه ذلك على أن يسرق الشيء الكبير، فتُقطع يده في هذا الكبير، والله أعلم.\nوفي هذا الحديث: جواز لعَنِ العصاة على العموم؛ لأن السارق من العصاة والمراد به هنا: جنسُ السارق، لا سارق بعينه، وهذا كقوله ﷺ: «لُعِنَتِ الْخَمْرُ عَلَى عَشْرَةِ وُجُوهٍ: لُعِنَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا، وَشَارِبُهَا، وَسَاقِيهَا، وَبَائِعُهَا، وَمُبْتَاعُهَا، وَعَاصِرُهَا، وَمُعْتَصِرُهَا، وَحَامِلُهَا، وَالْمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ، وَآكِلُ ثَمَنِهَا» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤٧٨٧)، وابن ماجه (٣٣٨٠).","vol":"5","page":46},{"text":"وكذلك لا بأس بلعَنِ الكفرة على العموم، مثل: لعَنِ اليهود والنصارى.\nأما لعَنِ المعيَّنِ، ففيه خلاف، فأجازه بعضهم، ومنعه البعض.\nوالصواب: أنه لا يجوز؛ لأنه لا يُدرى حالُه، فقد يكون له شبهة، أو قد يتوب، فيتوب الله عليه، وقد تحصل له حسنات ماحية.\nواستثنى بعضهم لَعْنَ المعين إذا اشتد أذاه للمسلمين، ومن ذلك: قول أبي حنيفة ﵀ لما ذُكر عمرو بن عبيد: «لعَنِ الله عمرو بن عبيد؛ فإنه فتح للناس بابًا إلى علم الكلام» (^١).\nولا يجوز لَعْنُ الميت مطلقًا؛ لقول النبي ﷺ: «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا» (^٢).\n_________\n(^١) الجواهر المضية في طبقات الحنفية، للقرشي (١/ ٣١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٩٣).","vol":"5","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-784>بَابُ قَطْعِ السَّارِقِ الشَّرِيفِ وَغَيْرِهِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ</span>\n\n[١٦٨٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ! ثُمَّ قَامَ، فَاخْتَطَبَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا».\nوَفِي حَدِيثِ ابْنِ رُمْحٍ: «إِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ».\n[خ: ٣٤٧٥]\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ- قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ-: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ !»، فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَطَبَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَإِنِّي- وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي","vol":"5","page":48},{"text":"سَرَقَتْ، فَقُطِعَتْ يَدُهَا».\nقَالَ يُونُسُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأتِينِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهَا، فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَكَلَّمُوهُ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيهَا، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَيُونُسَ.\n\n[١٦٨٩] وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ سَرَقَتْ، فَأُتِيَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَعَاذَتْ بِأُمِّ سَلَمَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَاللَّهِ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ يَدَهَا»، فَقُطِعَتْ.\nفي هذه الأحاديث: أن امرأة مخزومية قرشية شريفة سرقت، فأهمَّ الناسَ شأنُها، فقالوا: «مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟»، أي: من يشفع لها عند النبي ﷺ؟ فقالوا: «وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ»، أي: لا يجترئ على ذلك إلا أسامة بن زيد ﵁؛ فهو «حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»، فشفع أسامة ﵁ لها عند رسول الله ﷺ، فغضب النبي ﷺ عليه من ذلك، وقال: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟»، وفي اللفظ الآخر: أنه جعل يكرر ذلك، حتى قال أسامة ﵁: «اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ» (^١).\nوفيها: تحريم الشفاعة في الحدود إذا بلغت الحاكمَ الشرعيَّ، أما قبل أن تبلغ الحاكمَ فلا بأس بالشفاعة، كما جاء في قوله ﷺ: «تَعَافَوُا الْحُدُودَ قَبْلَ أَنْ تَأْتُونِي بِهِ، فَمَا أَتَانِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ» (^٢)، يعني: إذا اتفق أهل الحي على تأديب السارق- مثلًا- أو تعزيره، بأن يضربوه ويوبخوه، ويأخذوا عليه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٠٤).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٣٧٦)، والنسائي (٤٨٨٥).","vol":"5","page":49},{"text":"تعهدًا بألَّا يعود إلى فعله مرة أخرى جاز لهم ذلك، بشرط ألَّا يكون من أصحاب السوابق.\nوأما ما كان دون الحدود فلا بأس أن يُشفع فيه عند الحاكم.\nوفيها: أن الغضب يكون لله ﷿ إذا انتُهكت محارمه؛ لأن النبي ﷺ غضب من أجل ذلك وتلوَّن وجهه.\nوفيها: أن هلاك بني إسرائيل إنما كان بسبب إقامة الحدود على الضعيف، وعدم إقامتها على الشريف، وهذا فيه تحذير لهذه الأمة أن تفعل مثل فعلهم، فتهلك كما هلكوا.\nوفيها: مشروعية الخطبة عند حصول أمر مهم.\nوفيها: مشروعية قول الخطيب: أما بعد.\nوفيها: أن في إقامة الحدود صلاحًا وخيرًا للأمة، ومن ذلك: أن هذه المرأة حسنت توبتها لما أقيم عليها الحد، ثم تزوجت، فكانت تأتي بعد ذلك إلى عائشة ﵂، فترفع حاجتها للنبي ﷺ، فيقضي حاجتها.","vol":"5","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-785>بَابُ حَدِّ الزِّنَا</span>\n\n[١٦٩٠] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الحَسَنِ عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَالرَّجْمُ».\nوَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كُرِبَ لِذَلِكَ، وَتَرَبَّدَ لَهُ وَجْهُهُ، قَالَ: فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلُقِيَ كَذَلِكَ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: «خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ، الثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ، ثُمَّ رَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ، وَالْبِكْرُ جَلْدُ مِائَةٍ، ثُمَّ نَفْيُ سَنَةٍ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمَا: «الْبِكْرُ يُجْلَدُ وَيُنْفَى، وَالثَّيِّبُ يُجْلَدُ وَيُرْجَمُ»، لَا يَذْكُرَانِ: «سَنَةً، وَلَا مِائَةً».\nفي هذه الأحاديث: إيضاحٌ لقول الله تعالى:﴾ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلًا ﴿، حيث قال ﷺ: «قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَالرَّجْمُ».","vol":"5","page":51},{"text":"وفيها: أنه يُجمع للثيب بين الجلد والرجم، وأما البكر فإنه يُجلد، ثم يُغرَّب، وليس في الأحاديث الأخرى الجمع للثيب بين الجلد والرجم، والأقرب: أن هذا منسوخ، وأن حد الثيب الرجم فقط دون الجلد، وهذا نسخ قبل التمكُّن من الفعل، والدليل على هذا: أن النبي ﷺ رجم ماعزًا ولم يجلده- كما في الحديث الآتي- ورجم الغامدية ولم يجلدها- كما سيأتي- ورجم اليهوديين ولم يجلدهما (^١)، وهذا مذهب الجماهير، وهو الحق (^٢).\nوخالف في ذلك بعض أهل الظاهر وغيرهم، فقالوا: يجمع للثيب بين الجلد والرجم (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٣٥).\n(^٢) حاشية الدر المختار، لابن عابدين (٤/ ١٤)، المدونة، لمالك بن أنس (٤/ ٥٠٤)، أسنى المطالب، لزكريا الأنصاري (٤/ ١٢٨).\n(^٣) المحلى، لابن حزم (١١/ ٢٣٤).","vol":"5","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-786>بَابُ رَجْمِ الثَّيِّبِ فِي الزِّنَا</span>\n\n[١٦٩١] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ- وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ: آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، وَإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ، أَوِ الِاعْتِرَافُ.\n[خ: ٦٨٣٠]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nفي هذا الحديث: أن آية الرجم نزلت في كتاب الله تعالى، ثم نُسخ لفظُها، وبقي حكمُها، وهي قوله تعالى: «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (^١).\nوقال عمر ﵁- وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ؛ قَرَأْنَاهَا، وَوَعَيْنَاهَا، وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ! فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٢١٢٠٧)، والحاكم (٣٥٥٤).","vol":"5","page":53},{"text":"وَإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ، أَو الِاعْتِرَافُ»، وهذا الذي كان يخشاه عمر ﵁ قد حصل من الخوارج والمعتزلة، فأنكروا الرجم، وقالوا: ليس في كتاب الله ﷿ رجم.","vol":"5","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-787>بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بالزِّنَى</span>\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَبِكَ جُنُونٌ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟»، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ».\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ، فَرَجَمْنَاهُ، وَرَوَاهُ اللَّيْثُ- أيضًا- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\n[خ: ٦٨١٦]\nوَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ- أَيْضًا- وَفِي حَدِيثِهِمَا جَمِيعًا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَمَا ذَكَرَ عُقَيْلٌ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ رِوَايَةِ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.\nفي هذا الحديث: أن الحد يقام إذا أقر المذنب على نفسه أربع مرات.","vol":"5","page":55},{"text":"واختلف العلماء: هل يقام حد الزنى بالإقرار مرة واحد، أم لا بد من أربع مرات؟\nفقال بعضهم: لا بد من تكرار الاعتراف أربع مرات؛ لأن هذا الحد يقام بشهادة أربعة شهود، فَجُعل الاعتراف أربع مرات مكان الشهود الأربعة، بخلاف الحدود الأخرى فإنه يكفي فيها شاهدان (^١).\nوفيه: أنه لا بد للحاكم من الاحتياط قبل إقامة الحد، فينظر فيمن يقيم عليه الحد: هل هو مكلف، أو غير مكلف، وهل عقله معه، أو لا؛ لهذا قال ﷺ- لماعز-: «أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ»، وجاء في بعض الروايات: «فَهَلْ تَدْرِي مَا الزِّنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُ مِنْهَا حَرَامًا مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنَ امْرَأَتِهِ حَلَالًا» (^٢).\nوفيه: أنه إذا ألَحَّ المستحق للحد على أن يقام عليه أُقيم؛ لهذا قال النبي ﷺ: «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ».\nوالأَولى ألا يأتي الإنسان ويطلب إقامة الحد على نفسه، بل يتوب فيما بينه وبين الله، ويستر على نفسه، وهذا يكفي؛ لهذا أعرض النبي ﷺ عن ماعز ثلاث مرات، وفي اللفظ الآخر: أنه لما هرب فتبعوه، ثم رموه بالحجارة، فقال النبي ﷺ: «أَلَا تَرَكْتُمُوهُ، فَلَعَلَّهُ يَتُوبُ، فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ» (^٣).\n_________\n(^١) البحر الرائق، لابن نجيم (٥/ ٦)، المغني، لابن قدامة (٩/ ٦٤).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٤٢٨)، والنسائي في الكبرى (٧٢٢٦).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢١٨٩٠)، وأبو داود (٤٤١٩)، والنسائي في الكبرى (٧١٦٧).","vol":"5","page":56},{"text":"[١٦٩٢] وَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ جِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، رَجُلٌ قَصِيرٌ أَعْضَلُ، لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَنَّهُ زَنَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَلَعَلَّكَ؟»، قَالَ: لَا، وَاللَّهِ إِنَّهُ قَدْ زَنَى الْأَخِرُ، قَالَ: فَرَجَمَهُ، ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: «أَلَا كُلَّمَا نَفَرْنَا غَازِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَلَفَ أَحَدُهُمْ- لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ- يَمْنَحُ أَحَدُهُمُ الْكُثْبَةَ، أَمَا وَاللَّهِ إِنْ يُمْكِنِّي مِنْ أَحَدِهِمْ لَأُنَكِّلَنَّهُ عَنْهُ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجُلٍ قَصِيرٍ أَشْعَثَ ذِي عَضَلَاتٍ، عَلَيْهِ إِزَارٌ، وَقَدْ زَنَى، فَرَدَّهُ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلَّمَا نَفَرْنَا غَازِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، تَخَلَّفَ أَحَدُكُمْ- يَنِبُّ نَبِيبَ التَّيْسِ- يَمْنَحُ إِحْدَاهُنَّ الْكُثْبَةَ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُمْكِنِّي مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا جَعَلْتُهُ نَكَالًا، أَوْ نَكَّلْتُهُ».\nقَالَ: فَحَدَّثْتُهُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ رَدَّهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ، وَوَافَقَهُ شَبَابَةُ عَلَى قَوْلِهِ: فَرَدَّهُ مَرَّتَيْنِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ: فَرَدَّهُ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا.\nقوله: «قَدْ زَنَى الْأَخِرُ»، يعني: الأرذل، أو الأبعد، أو اللئيم، يعني: حقر نفسه وعابها؛ لأنه فعل هذه الفاحشة، وقيل: إنها كنايةٌ يَكْنِي بها عن نفسه وعن غيره إذا أخبر عنه بما يُستقبح.\nوقوله ﷺ: «فَلَعَلَّكَ»: هذا تلقين له بالرجوع عَنِ الإقرار، وجاء في اللفظ","vol":"5","page":57},{"text":"الآخر: أنه ﷺ قال له: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ» (^١)، فلما شهد على نفسه أربع مرات أقام عليه النبي ﷺ الحد.\nوقوله: «لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ»: المراد: صوت التيس عند الجماع.\nوقوله: «أَلَا كُلَّمَا نَفَرْنَا غَازِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَلَفَ أَحَدُهُمْ- لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ- يَمْنَحُ أَحَدُهُمُ الْكُثْبَةَ»: المعنى: أنه إذا خرج النبي ﷺ غازيًا تخلف بعض الناس، وأتى إلى بعض النساء، وأعطاهن شيئًا قليلًا من اللبن وغيره ثمنًا للزنا.\nوقوله: «لَأُنَكِّلَنَّهُ عَنْهُ»، يعني: لأجعلنه عبرةً وعظةً ونكالًا لغيره.\nوفي هذا الحديث: أن للإمام والحاكم أن يتوعد المجرمين والعصاة بالزيادة عَنِ الحد؛ لأن النبي ﷺ، قال: «لَأُنَكِّلَنَّهُ عَنْهُ».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨٢٤).","vol":"5","page":58},{"text":"[١٦٩٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ- وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ- لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ-: «أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ؟»، قَالَ: وَمَا بَلَغَكَ عَنِّي؟ قَالَ: «بَلَغَنِي أَنَّكَ وَقَعْتَ بِجَارِيَةِ آلِ فُلَانٍ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ».\n\n[١٦٩٤] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ- يُقَالُ لَهُ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ- أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ فَاحِشَةً، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ مِرَارًا، قَالَ: ثُمَّ سَأَلَ قَوْمَهُ، فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا، إِلَّا أَنَّهُ أَصَابَ شَيْئًا يَرَى أَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يُقَامَ فِيهِ الْحَدُّ، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَرْجُمَهُ، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، قَالَ: فَمَا أَوْثَقْنَاهُ وَلَا حَفَرْنَا لَهُ، قَالَ: فَرَمَيْنَاهُ بِالْعَظْمِ وَالْمَدَرِ وَالْخَزَفِ، قَالَ: فَاشْتَدَّ، فَاشْتَددْنَا خَلْفَهُ، حَتَّى أَتَى عُرْضَ الْحَرَّةِ، فَانْتَصَبَ لَنَا، فَرَمَيْنَاهُ بِجَلَامِيدِ الْحَرَّةِ- يَعْنِي: الْحِجَارَةَ- حَتَّى سَكَتَ، قَالَ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا مِنَ الْعَشِيِّ، فَقَالَ: «أَوَ كُلَّمَا انْطَلَقْنَا غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، تَخَلَّفَ رَجُلٌ فِي عِيَالِنَا لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ؟ ! عَلَيَّ أَنْ لَا أُوتَى بِرَجُلٍ فَعَلَ ذَلِكَ إِلَّا نَكَّلْتُ بِهِ». قَالَ: فَمَا اسْتَغْفَرَ لَهُ، وَلَا سَبَّهُ.\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَ مَعْنَاهُ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْعَشِيِّ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَال: «أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ إِذَا غَزَوْنَا يَتَخَلَّفُ أَحَدُهُمْ عَنَّا، لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ»، وَلَمْ يَقُلْ: «فِي عِيَالِنَا».\nوَحَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،","vol":"5","page":59},{"text":"كِلَاهُمَا عَنْ دَاوُدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.\nقوله: «فَمَا اسْتَغْفَرَ لَهُ، وَلَا سَبَّهُ»: قال النووي ﵀: «أما عدم السب فلأن الحد كفارة له، مطهرة له من معصيته، وأما عدم الاستغفار فلئلَّا يغترَّ غيرُه فيقع في الزنا اتكالًا على استغفاره ﷺ» (^١)، وسيأتي في الرواية التالية أن النبي ﷺ قال: «اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ».\n\n[١٦٩٥] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى- وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيُّ- عَنْ غَيْلَانَ- وَهُوَ ابْنُ جَامِعٍ الْمُحَارِبِيُّ- عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ: «وَيْحَكَ! ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وَتُبْ إِلَيْهِ»، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَيْحَكَ! ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وَتُبْ إِلَيْهِ»، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: «فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟»، فَقَالَ: مِنَ الزِّنَا، فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَبِهِ جُنُونٌ؟»، فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، فَقَالَ: «أَشَرِبَ خَمْرًا؟»، فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَزَنَيْتَ؟»، فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَكَانَ النَّاسُ فِيهِ فِرْقَتَيْنِ: قَائِلٌ يَقُولُ: لَقَدْ هَلَكَ، لَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: مَا تَوْبَةٌ أَفْضَلَ مِنْ تَوْبَةِ مَاعِزٍ؛ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: اقْتُلْنِي\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١١/ ١٩٨ - ١٩٩).","vol":"5","page":60},{"text":"بِالْحِجَارَةِ، قَالَ: فَلَبِثُوا بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ\nوَهُمْ جُلُوسٌ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ»، قَالَ: فَقَالُوا: غَفَرَ اللَّهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ»، قَالَ: ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنَ الْأَزْدِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي، فَقَالَ: «وَيْحَكِ! ارْجِعِي، فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ»، فَقَالَتْ: أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ؟ ! قَالَ: «وَمَا ذَاكِ؟»، قَالَتْ: إِنَّهَا حُبْلَى مِنَ الزّنَا، فَقَالَ: «آنْتِ؟»، قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا: «حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ»، قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتِ الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَ: «إِذًا، لَا نَرْجُمُهَا، وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا، لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ»، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: فَرَجَمَهَا.\nفي هذا الحديث: أن الحامل لا يقام عليها حد الرجم حتى تضع؛ لأن إقامة الحد يؤدي إلى الإضرار بالجنين وقتله.\nوقوله ﷺ: «وَيْحَكِ! ارْجِعِي، فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ»: فيه: دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يتوب فيما بينه وبين الله.\nوفيه: تعريض الحاكم للمُقر بالرجوع.","vol":"5","page":61},{"text":"وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ الْأَسْلَمِيَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَزَنَيْتُ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي، فَرَدَّهُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ، فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: «أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا؟ تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا؟»، فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ إِلَّا وَفِيَّ الْعَقْلِ مِنْ صَالِحِينَا- فِيمَا نُرَى-، فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ- أَيْضًا- فَسَأَلَ عَنْهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا بِعَقْلِهِ، فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةَ حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ، قَالَ: فَجَاءَتِ الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ، فَطَهِّرْنِي، وَإِنَّهُ رَدَّهَا، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ تَرُدُّنِي؟ ! لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَحُبْلَى، قَالَ: «إِمَّا لَا فَاذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي»، فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ قَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ، قَالَ: «اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ»، فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَقَالَتْ: هَذَا يَا\nنَبِيَّ اللَّهِ قَدْ فَطَمْتُهُ، وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ، فَرَجَمُوهَا، فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ، فَرَمَى رَأْسَهَا، فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ، فَسَبَّهَا، فَسَمِعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ سَبَّهُ إِيَّاهَا، فَقَالَ: «مَهْلًا يَا خَالِدُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ»، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا، وَدُفِنَتْ.\nاختلف العلماء: هل يُحفر للمرجوم، أو لا يُحفر له، فذهب الحنابلة إلى أن الزاني إذا كان رجلًا أقيم قائمًا، ولم يوثق، ولا يُحفَر له، سواء ثبت زناه ببينة، أو إقرار.","vol":"5","page":62},{"text":"وإذا كانت امرأة فالراجح في مذهب الحنابلة: أنه إن ثبت الحد بالإقرار لم يحفر لها، وإن ثبت بالبينة حُفر لها إلى الصدر (^١).\nويرى الحنفية (^٢) والشافعية (^٣) التفريق بين الرجل والمرأة فلا يحفر للرجل، وأما المرأة فيحفر لها إلى صدرها، ويجوز تركه، ولا فرق في ثبوت الزنا بالبينة، أو بالإقرار.\nوهناك قولٌ ثانٍ للشافعية (^٤)، وهو: أنه يسن لمن ثبت زناه ببينة أن يحفر له حفرة، ينزل فيها إلى وسطه؛ لتمنعه من الهرب، وأما إذا ثبت زناه بالإقرار فلا يسن ذلك.\nوقيل: يحفر لها مطلقًا من غير تفصيل.\nوذهب المالكية (^٥) إلى أنه لا يحفر للرجل والمرأة على السواء، أي: أنهم يمنعون الحفر مطلقًا، وفي قول مرجوح عندهم: أنه يحفر للمشهود عليه دون المقر.\nوالحفر أستر ولا شك (^٦).\nوفي هذه الرواية أنه حُفر لماعز ﵁ حفرة، وفي رواية أخرى قال: «فَمَا أَوْثَقْنَاهُ وَلَا حَفَرْنَا لَهُ»، والمثبِت مقدَّم على النافي.\nويمكن الجمع بينهما بأنه في أول الأمر لم يحفر له، ولما أذلقته الحجارة وهرب حُفر له.\nوفي هذا الحديث: أن هذه المرأة الغامدية كانت مستمرة على توبتها،\n_________\n(^١) المغني، لابن قدامة (٩/ ٣٦).\n(^٢) بدائع الصنائع، للكاساني (٧/ ٥٩).\n(^٣) روضة الطالبين، للنووي (١٠/ ٩٩).\n(^٤) مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (٥/ ٤٥٧)، روضة الطالبين، للنووي (١٠/ ٩٩).\n(^٥) الذخيرة، للقرافي (١٢/ ٧٦)، الشرح الكبير، للدردير (٤/ ٣٢٠).\n(^٦) الذخيرة، للقرافي (١٢/ ٧٧) روضة الطالبين، للنووي (١٠/ ٩٩)، بدائع الصنائع، للكاساني (٧/ ٥٩).","vol":"5","page":63},{"text":"وأن الذنب أحرقها فلم تصبر على إقامة الحد حتى تضع ولدها، فلما وضعته جاءت إلى النبي ﷺ تطلب منه أن يقيم عليها الحدَّ، فأمرها أن ترضع رضيعها، فأرضعته حتى أكمل السنتين، ومع ذلك لا تزال المعصية تحرق قلبها، فلم تصبر حتى جاءت برضيعها وفي يده كسرة خبز؛ لتبين للرسول ﷺ أنه يأكل الطعام، فأمر بها النبي ﷺ فَرُجمت.\nوفيه: دليل على النهي عن سب المرجوم؛ لأنه لما سبها خالد ﵁ قال له النبي ﷺ: «مَهْلًا يَا خَالِدُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ»، وصاحب المكس هو: من يأخذ أموال الناس بدون مقابل.\nوفيه: دليل على أن المكوس من المعاصي العظيمة، وأنها فوق الزنا في الإثم.\n\n[١٦٩٦] حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- يَعْنِي: ابْنَ هِشَامٍ- حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ أَنَّ أَبَا الْمُهَلَّبِ حَدَّثَهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَلِيَّهَا، فَقَالَ: «أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا»، فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا- يَا نَبِيَّ اللَّهِ- وَقَدْ زَنَتْ؟ ! فَقَالَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى؟ !».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبَانٌ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nفي هذا الحديث: أن المرجوم يُصَلَّى عليه، وقال بعض العلماء: إنه لا يصلى عليه، والصواب: أنه يصلى عليه؛ لأن النبي ﷺ صلَّى على الغامدية.","vol":"5","page":64},{"text":"وفيه: حُسْنُ توبة الغامدية فقد تابت توبةً لو قُسِّمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم.\n[١٦٩٧/ ١٦٩٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ الْخَصْمُ الْآخَرُ- وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ-: نَعَمْ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَأْذَنْ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُلْ»، قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ: الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا»، قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَرُجِمَتْ.\n[خ: ٦٨٦٠]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح، وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nقوله: «أَنْشُدُكَ اللَّهَ»، أي: أسألك بالله.\nوقوله: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ»، أي: بحكم الله، وكتاب الله يطلق ويراد به: حكم الله ودينه وشرعه.","vol":"5","page":65},{"text":"وفي هذا الحديث: أنه ينبغي الحذر من الأُجَراء والخدم؛ فإن هذا الرجل كان «عَسِيفًا»، أي: أجيرًا عند هذا الرجل، ومن كثرة المماسة والمداخلة والاحتكاك والإهمال زنى بامرأته، وهذا مثله مثل ما يحصل في البيوت الآن من كثرة الدخول والخروج والترداد من الخدم وسائقي السيارات والأُجَراء على أهل البيت؛ فينبغي الاحتياط في هذا، وعدم السماح لهم بذلك.\nوفيه: الرجوع إلى أهل العلم، كما قال السائل: «فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ».\nوفيه: دليل على أن الزاني البكر يجلد مائة، ويغرَّب عامًا، قال الله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾، وثبت بالسنة التغريب عامًا عَنِ البلدة التي وقعت فيها الفاحشة.\nقوله: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَرُجِمَتْ»: فيه: دليل على أن إقرار أحد الطرفين بالزنا لا يعتبر إقرارًا للطرف الآخر، فهذا الأجير أقر على نفسه بالزنا، ولكن الحد لم يُقَم على المرأة التي زنى بها إلا بعد إقرارها.\nوفيه: الوكالة في قضايا الحدود، كما وكَّل النبي ﷺ أنسًا هنا.","vol":"5","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-788>بَابُ رَجْمِ الْيَهُودِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الزَّنَى</span>\n\n[١٦٩٩] حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَاءَ يَهُودَ، فَقَالَ: «مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟» قَالُوا: نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا، وَنُحَمِّلُهُمَا، وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا، وَيُطَافُ بِهِمَا، قَالَ: «فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ»، فَجَاءُوا بِهَا، فَقَرَءُوهَا، حَتَّى إِذَا مَرُّوا بِآيَةِ الرَّجْمِ، وَضَعَ الْفَتَى الَّذِي يَقْرَأُ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، وَقَرَأَ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَمَا وَرَاءَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ- وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-: مُرْهُ فَلْيَرْفَعْ يَدَهُ، فَرَفَعَهَا، فَإِذَا تَحْتَهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَقِيهَا مِنَ الْحِجَارَةِ بِنَفْسِهِ.\n[خ: ٣٦٣٥]\nوَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ أَيُّوبَ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ- مِنْهُمْ: مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ- أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُمْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجَمَ فِي الزِّنَا يَهُودِيَّيْنِ، رَجُلًا وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَأَتَتِ الْيَهُودُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِهِمَا، وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ.\nوَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ قَدْ زَنَيَا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ.\n\n[١٧٠٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا،","vol":"5","page":67},{"text":"فَدَعَاهُمْ ﷺ، فَقَالَ: «هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ !» قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ: «أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ !»، قَالَ: لَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُهُ الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، قُلْنَا: تَعَالَوْا، فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ»، فَأَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يَقُولُ: ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالتَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ، وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ\nالظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فِي الْكُفَّارِ كُلُّهَا.\nحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، إِلَى قَوْلِهِ: فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَرُجِمَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ مِنْ نُزُولِ الْآيَةِ.\nفي هذا الحديث: أن الرجم مما اتفقت فيه التوراة مع القرآن العظيم.\nوفيه: دليل على صحة نكاح الكفار؛ لأنه لو لم يصحَّ لَمَا صحَّ إحصانهم، ولو لم يصحَّ إحصانهم لما جاز رجمُهم؛ لأن الرجم إنما يكون للمحصن، وهو الذي تزوج في نكاح صحيح؛ ولهذا لما أسلم الكفار في فتح مكة أُقِرُّوا على نكاحهم الأول، ولم يؤمَروا بتجديد عقود نكاحهم.","vol":"5","page":68},{"text":"وفيه: أن الكفار مخاطَبون بفروع الشريعة، وهي مسألة خلافية بين أهل العلم، وهذا أصحُّ الأقوال فيها (^١).\nوفيه: أن الكفار إذا ترافعوا إلينا حكمنا عليهم بشريعتنا.\nوفيه: خبثُ اليهود؛ حيث غيروا حكم التوراة حتى أمام النبي ﷺ؛ لأن الفتى كان يقرأ من التوراة، فلما وصل إلى آية الرجم وضع يده عليها، أي: أنه قرأ ما قبلها وما بعدها، وهذا من جحدهم وكتمانهم للحق.\nوفيه: أن اليهود أماتوا أمْر الله ﷿؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ»؛ لأن الله ﷿ أمر بالرجم، وقد أماته اليهود.\nوفيه: بيان سبب تركهم للرجم، وهو كثرة الزنا في أشرافهم، فكانوا يتركون الحد على الشريف، ويقيمونه على الضعيف، وهذا سبب هلاكهم، كما ثبت أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ: أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» (^٢).\nوفيه: أن هذه الآيات نزلت في أهل الكتاب: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، وقوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾، وقوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾، ولكنَّ حُكْمَها عامٌّ، والقاعدة الأصولية: أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب (^٣).\n_________\n(^١) البرهان، للجويني (١/ ١٧)، البحر المحيط، للزركشي (٢/ ١٢٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٦٨٨).\n(^٣) إرشاد الفحول، للشوكاني (١/ ٣٣٢).","vol":"5","page":69},{"text":"[١٧٠١] وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: رَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ، وَرَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ وَامْرَأَتَهُ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَامْرَأَةً».\nقوله: «وَرَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ وَامْرَأَتَهُ»، أي: وصاحبته التي زنى بها.\n\n[١٧٠٢] وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى: هَلْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: قُلْتُ: بَعْدَ مَا أُنْزِلَتْ سُورَةُ النُّورِ، أَمْ قَبْلَهَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.\n[خ: ٦٨١٣]\n\n[١٧٠٣] وَحَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ».\n[خ: ٢١٥٢]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. ح، وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ","vol":"5","page":70},{"text":"زَيْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَلْدِ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ ثَلَاثًا، ثُمَّ لِيَبِعْهَا فِي الرَّابِعَةِ.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ، قَالَ: «إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ».\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا أَدْرِي أَبَعْدَ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ؟ وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَالضَّفِيرُ: الْحَبْلُ.\n\n[١٧٠٤] وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ ابْنِ شِهَابٍ: وَالضَّفِيرُ: الْحَبْلُ، حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَالشَّكُّ فِي حَدِيثِهِمَا جَمِيعًا، فِي بَيْعِهَا فِي الثَّالِثَةِ، أو الرَّابِعَةِ.\n[خ: ٢١٥٤]\nفي هذه الأحاديث: أن الأَمَة إذا زنت تُجلد، وأن سيدها يتولى جلدها، وحد الأمة نصف حد الحرة، فالحرة تجلد مائة جلدة، والأمة تجلد خمسين جلدة، قال تعالى: ﴿فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات","vol":"5","page":71},{"text":"من العذاب﴾، وهذا سواء كانت الأمة متزوجة، أو غير متزوجة، وكذلك العبد.\nوليس على العبيد ولا الإماء رجم؛ وذلك لأن الإماء أقل حالًا من الأحرار في تحمُّلهم؛ ولأن العيب في حق الحر أشد، ولأن العبد لو رُجم لضاعت ماليَّته، وكان في هذا ضرر على سيده.\nوفيها: أنه يقام على الأَمَة الحد، ولا يُثَرَّب عليها، يعني: لا تلام ولا تُوبَّخ، واستشكل هذا بأنه: كيف لا تُوَبَّخ لا سيما في أول الأمر؟ ! وأجيب بأن المراد بـ (التثريب) هنا: التعيير، كما جاء ذلك في القاموس (^١)، وبهذا يزول الإشكال.\n_________\n(^١) القاموس، للفيروز آبادي (١/ ٦٢).","vol":"5","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-789>بَابُ تَأْخِيرِ الْحَدِّ عَنِ النُّفَسَاءِ</span>\n\n[١٧٠٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْحَدَّ، مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ، فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَتْ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «أَحْسَنْتَ».\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنِ السُّدِّيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: «اتْرُكْهَا حَتَّى تَمَاثَلَ».\nفي هذا الحديث: أن من وجب في حقه الحدُّ وكان الزاني مريضًا، أو كانت المرأة حاملًا، فإن إقامة الحد تؤجَّل، كما في قصة الغامدية السابقة، وكما في هذا الحديث.","vol":"5","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-790>بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ</span>\n\n[١٧٠٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ، قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَفَّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ.\n[خ: ٦٧٧٦]\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجُلٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، ثُمَّ جَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ وَدَنَا النَّاسُ مِنَ الرِّيفِ وَالْقُرَى، قَالَ: مَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ الْخَمْرِ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا كَأَخَفِّ الْحُدُودِ، قَالَ: فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَضْرِبُ فِي الْخَمْرِ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمَا، وَلَمْ يَذْكُرِ: الرِّيفَ وَالْقُرَى.\nفي هذه الأحاديث: أن حد الخمر أربعون جلدة بالجريد والنعال، كما كان على عهد النبي ﷺ، وعلى عهدِ أبي بكر ﵁، وصدرٍ من خلافة عمر","vol":"5","page":74},{"text":"﵁، ثم لما تتابع الناس على شرب الخمر في عهد عمر ﵁، وفُتحت الفتوح، ونزلوا الأرياف، اجتهد ﵁ وشاور الصحابة، فأشاروا عليه، «فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَفَّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ»، فزاد عمر ﵁ أربعين، من باب التعزير.\n\n[١٧٠٧] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّانَاجِ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَيْرُوزَ- مَوْلَى ابْنِ عَامِرٍ الدَّانَاجِ- حَدَّثَنَا حُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَبُو سَاسَانَ قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَأُتِيَ بِالْوَلِيدِ قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكُمْ؟ فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ- أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ- أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ رَأَىهُ يَتَقَيَّأُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْ حَتَّى شَرِبَهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: قُمْ يَا حَسَنُ فَاجْلِدْهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا- فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيْهِ- فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَجَلَدَهُ، وَعَلِيٌّ يَعُدُّ حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ، فَقَالَ: أَمْسِكْ، ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ.\nزَادَ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ: وَقَدْ سَمِعْتُ حَدِيثَ الدَّانَاجِ مِنْهُ، فَلَمْ أَحْفَظْهُ.\n[خ: ٦٧٧٨]\nفي هذا الحديث: أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط- وكان أمير الكوفة- شرب الخمر، وصلى بالناس ركعتين وهو سكران، ثم التفت إليهم، فقال: «أَزِيدُكُمْ؟»، وفي اللفظ الآخر أنهم قالوا: «مَا زِلْنَا مَعَكَ فِي زِيَادَةٍ مُنْذُ","vol":"5","page":75},{"text":"اليَومِ» (^١)، «فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ- أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ-: أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ، وَشَهِدَ آخَرُ: أَنَّهُ رَأَىهُ يَتَقَيَّأُ»، فوكَّل عثمانُ عليًّا ﵁، فقال: اجلده، فوكل ابنَه الحسن ﵁، فامتنع، فأمر علي ﵁ عبد الله بن جعفر فامتثل لأمره، فجلده وعلي ﵁ يَعُدُّ، فلما وصل أربعين، قال: «أَمْسِكْ، ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ»، يعني: هذه سنة الرسول ﷺ، وهذه سنة الخليفة الراشد.\nوقول الحسن ﵁: «وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا»، يعني: كما أن عثمان وأقاربه يتولون الخلافة ويختصون بها فهم يتولون نكدها وقاذوراتها، ومعناه: ليتول هذا الجلدَ عثمانُ ﵁ بنفسه، أو بعضُ خاصة أقاربه.\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَا كُنْتُ أُقِيمُ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتَ فِيهِ، فَأَجِدَ مِنْهُ فِي نَفْسِي، إِلَّا صَاحِبَ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ مَاتَ وَدَيْتُهُ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسُنَّهُ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقوله: «إِنْ مَاتَ وَدَيْتُهُ»، يعني: دفعت دِيَتَهُ؛ لأن النبي ﷺ إنما جلد أربعين، والزيادة تعزير من عمر ﵁، فلو مات وداه.\n_________\n(^١) الاستيعاب، لابن عبد البر (٤/ ١٥٥٤).","vol":"5","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-791>بَابُ قَدْرِ أَسْوَاطِ التَّعْزِيرِ</span>\n\n[١٧٠٨] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ إِذْ جَاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ، فَحَدَّثَهُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا سُلَيْمَانُ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ».\n[خ: ٦٨٤٨]\nفي هذا الحديث: أنه لا يزاد في التعزيرات على عشرة أسواط، وأخذ به بعض العلماء كالحنابلة (^١).\nوذهب الجمهور إلى أنه يزاد على عشرة أسواط، حتى ولو وصل التعزير إلى القتل، وقالوا: إن هذا الحديث منسوخ، واحتجوا بأن الصحابة رضوان الله عليهم لم يزالوا يعزِّرون بعد وفاة النبي ﷺ، ويزيدون على عشرة أسواط (^٢).\n_________\n(^١) المغني، لابن قدامة (٩/ ١٧٦)، الروض المربع، للبهوتي (ص ٦٧٢).\n(^٢) المبسوط، للسرخسي (٢٤/ ٣٥ - ٣٦)، التوضيح، لخليل (٨/ ٣٣٧)، المجموع، للنووي (٢٠/ ١٢٤)، روضة الطالبين، للنووي (١٠/ ١٧٤)، المغني، لابن قدامة (٩/ ١٧٧).","vol":"5","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-792>بَابٌ الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا</span>\n\n[١٧٠٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ- وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالَ: «تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ».\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: فَتَلَا عَلَيْنَا آيَةَ النِّسَاءِ: ﴿أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ...﴾ الْآيَةَ.\nوَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ: «أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا يَعْضَهَ بَعْضُنَا بَعْضًا، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا، فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنِ الصُّنَابِحِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لَمِنْ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ: بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا نَنْتَهِبَ، وَلَا نَعْصِيَ، فَالْجَنَّةُ إِنْ فَعَلْنَا","vol":"5","page":78},{"text":"ذَلِكَ، فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ.\nوَقَالَ ابْنُ رُمْحٍ: كَانَ قَضَاؤُهُ إِلَى اللَّهِ.\nفي هذه الأحاديث: أن هذه البيعة التي أخذها النبي ﷺ على الرجال هي البيعة التي أخذها على النساء؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوفيها: أن إقامة الحدود مكفرة للذنوب.\nوفيها: أن ما دون الشرك من الذنوب فهو تحت المشيئة، وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾.\nوقوله: «وَلَا يَعْضَهَ بَعْضُنَا بَعْضًا»، أي: لا يَغْتَبْ بعضنا بعضًا، ولا ينمُّ بعضنا على بعض، كما في الحديث الآخر: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ قَالَ: هِيَ النَّمِيمَةُ الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٠٦).","vol":"5","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-793>بَابٌ جُرْحُ الْعَجْمَاءِ وَالْمَعْدِنِ وَالْبِئْرِ جُبَارٌ</span>\n\n[١٧١٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ».\n[خ: ١٤٩٩]\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ- يَعْنِي: ابْنَ عِيسَى- حَدَّثَنَا مَالِكٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِ اللَّيْثِ مِثْلَ حَدِيثِهِ، وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْبِئْرُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جَرْحُهُ جُبَارٌ، وَالْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ».\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ- يَعْنِي: ابْنَ مُسْلِمٍ-.ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nفي هذا الحديث: أن العجماء والمعدن إذا حصل بسببهما ضرر فإنه هدر، والعجماء هي: الدابة، وسميت بذلك؛ لأنها لا تتكلم.","vol":"5","page":80},{"text":"وقوله: «الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ»، يعني: إذا أصابت أحدًا بيدها، أو بفمها، فإنه هدر، لا دية فيه.\nوكون جرح العجماء جُبَارًا محله إذا لم يكن معها أحد، أما إذا كان معها سائق، أو قائد، أو راكب، فإن الدية تكون على العاقلة.\nوقوله: «والبِئْرُ جَرْحُهَا جُبَارٌ»، يعني: البئرَ التي تُحفر، ثم يسقط فيها الإنسان فيموت، فإنه هدر لا دية فيه، وهذا إذا حفر في ملكه بئرًا فسقط فيها إنسان فليس فيه دية، أما إذا حفر في طريق الناس فإنه يضمن ديته.\nوقوله: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ»: الركاز هو: الموجود من دفن الجاهلية، فإذا وجده الإنسان دفع الخمسَ زكاةً؛ لأنه حصل له بغير تعب.","vol":"5","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-794>كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ</span>","vol":"5","page":83},{"text":"كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-795>بَابُ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ</span>\n\n[١٧١١] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ».\n[خ: ٤٥٥٢]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ».\nقوله: «عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ»: هو نافع بن عمر الجمحي (^١).\nهذا الكتاب (كتاب الأقضية) من القضاء، والقضاء في الأصل: إمضاء الشيء والفراغ منه؛ وسمي القاضي قاضيًا؛ لأنه يُمضي الأحكام، ومنه قوله تعالى: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب﴾، أي: أمضينا.\nوقيل: من من الإيجاب؛ لأن الحاكم يُوجِب الحكم، ويُلزِم به.\nوقيل: القضاء مشتق من المنع؛ لأن الحاكم يمنع الظالم من الاعتداء على المظلوم، ومنه سميت الحِكْمة حِكْمَةً؛ لأنها تمنع السفيه من العمل\n_________\n(^١) التاريخ الأوسط، للبخاري (٢/ ١٨١)، تهذيب التهذيب، لابن حجر (٤/ ١٦).","vol":"5","page":85},{"text":"بهواه، ومنه الحَكَمة، وهي: اللجام الذي يوضع على فم الدابة يمنعها من ركوب رأسها (^١).\nوأحكام القضاء تدور حول هذا الأصل، وهو أن البينة على المدَّعِي، واليمين على المدَّعَى عليه، وهو المنكِر؛ ولو أُعطي كل واحد ما يدعي لادعى أناس دماء قوم وأموالهم، كما في الحديث الأول من الباب، وهو قوله ﷺ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ»، وعند البيهقي: «الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِى وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (^٢)، قال ابن حجر عن هذه الزيادة: «وهذه الزيادة ليست في الصحيحين وإسنادها حسن» (^٣).\nوالقَسَامة لا تخرج عن هذا الباب؛ وذلك أن اليمين توجه أولًا إلى المدَّعين فيحلفون على شخص معين خمسين يمينًا؛ لأن معهم البينة، وهي اللوث، أو العداوة؛ فالبينة معهم، فإذا نَكَلوا وُجهت الأيمان على المدَّعى عليهم.\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (١/ ٤٢٠)، لسان العرب، لابن منظور (١٢/ ١٤٣).\n(^٢) أخرجه البيهقي في الكبرى (٢١٢٠١).\n(^٣) فتح الباري، لابن حجر (٥/ ٢٨٣).","vol":"5","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-796>بَابُ الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ</span>\n\n[١٧١٢] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا زَيْدٌ- وَهُوَ ابْنُ حُبَابٍ- حَدَّثَنِي سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنِي قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ».\nفي هذا الحديث: القضاء باليمين والشاهد، وأخذ بهذا جمهور العلماء (^١)، وخالف في هذا الأحناف (^٢)، والصواب: ما دل عليه الحديث؛ فإذا كانت البينة شاهدًا واحدًا فإن الحلف باليمين يقوم مقام الشاهد الثاني، أما إذا كانت البينة شاهدين فإنه يحكم له بالبينة من غير يمين.\n_________\n(^١) الشرح الكبير، للدردير (٣/ ٤٣١)، المجموع، للنووي (٢٠/ ٢٥٧)، المغني، لابن قدامة (١٠/ ١٣٥).\n(^٢) بدائع الصنائع، للكاساني (٦/ ٢٢٥).","vol":"5","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-797>بَابُ الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ، وَاللَّحْنِ بِالْحُجَّةِ</span>\n\n[١٧١٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ».\n[خ: ٢٤٥٨]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ فَأَقْضِي لَهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيَحْمِلْهَا، أَوْ يَذَرْهَا».\nوَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ يُونُسَ، وَفِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ قَالَتْ: «سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ لَجَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ أُمِّ سَلَمَةَ».\nقولها: «سَمِعَ جَلَبَةً»، يعني: خصومة واختلاط أصوات وارتفاعها، ولجبة وجلبة بمعنى واحد.\nفي هذا الحديث: دليل على أن النبي صلى الله عليه بشر وله أحكام البشر، إلا أن","vol":"5","page":88},{"text":"الله اصطفاه بالنبوة والرسالة، فهو لا يعلم الغيب، وليس مخلوقًا من نور، كما يدعي بعض الغلاة، قال تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم﴾، فهو ﵊ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب مخلوق من ماء أبيه وأمه كسائر الناس، وهو يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق ﵊.\nوهناك طائفة يسمون (البريلوية) في الهند يقولون: إن الرسول يعلم الغيب، ويغلون في النبي ﷺ حتى يرفعوه إلى مقام الألوهية (^١).\nوفيه: أن النبي ﷺ إنما يحكم حسب البينات.\nوفيه: دليل على أن الحاكم إذا حكم بالبينة تنتهي الخصومة في الدنيا، ولكن حكم الحاكم لا يحل الحرام، ولا يحرم الحلال، بل هناك محكمة أخرى وخصومة بين يدي الله ﷿.\nوالحاكم إذا استفرغ وسعه فإنه معذور، فلو أتى المبطِل بشهود زور، ثُمَّ حكم لهم القاضي فالقاضي معذور، ولكن المبطل ليس بمعذور، حتى لو كانت الخصومة مع ذمي، أو معاهَد فلا يجوز للإنسان أن يأخذ ماله، فمالهم محترم، ولذلك قال العلماء إن القيد في قوله ﷺ: «بِحَقِّ مُسْلِمٍ» خرج مخرج الغالب في الخصومة بين المسلمين، وإلا فمالُ الذمي والمعاهد كَمَالِ المسلم.\n_________\n(^١) فرقة صوفية، نشأت في شبه القارة الهندية في مدينة بريلي بالهند. البريلويَّة عقائد وتاريخ، لإحسان إلهي ظهير (ص ١٣، ٢١٥).","vol":"5","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-798>بَابُ قَضِيَّةِ هِنْدٍ</span>\n\n[١٧١٤] حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «دَخَلَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ- امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ- عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لَا يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي، وَيَكْفِي بَنِيَّ، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ، وَيَكْفِي بَنِيكِ».\n[خ: ٥٣٦٤]\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَوَكِيعٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: ابْنَ عُثْمَانَ- كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nهذه المسألة مسماة عند أهل العلم: مسألة الظفر، وهو أن الإنسان إذا كان له حق على شخص قد أنكره، أو منعه من حقه، ثُمَّ استطاع أن يأخذه، فهل له أن يأخذه خفية؟ فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم:\nقيل: يجوز مطلقًا، وقيل: لا يجوز مطلقًا.\nوقيل: يجوز إن كان سبب الحق ظاهرًا، وأما إن لم يكن ظاهرًا فلا يجوز، وهذا هو الأرجح (^١)، كالزوجة تأخذ من مال زوجها؛ لأنها تستحق عليه النفقة، وهذا سبب ظاهر.\nومثله- أيضا-: الضيف إذا نزل فطلب القِرَى، ثُمَّ مُنِعه، فإنه يأخذ مقدار\n_________\n(^١) الشرح الكبير، للدردير (٤/ ٢٢٥) إعانة الطالبين، للبكري (٤/ ٢٨٥) المغني، لابن قدامة (١٠/ ٢٨٧).","vol":"5","page":90},{"text":"حق القرى، كما ثبت هذا في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: «إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ» (^١).\nوأما إذا كان السبب غيرَ ظاهر فلا ينبغي للإنسان أن يأخذ؛ لأنه سيُتهم بالسرقة، ويوصف بأنه خائن، وقد تُقطع يده إن لم يكن له دليل، فلا ينبغي للإنسان أن يذل نفسه.\nوفيه: دليل على أن المرأة تستفتي، ففيه: دليل على أن صوت المرأة ليس بعورة، لكن الممنوع الخضوع بالقول، والممنوع أن تتكلم بكلام فيه ترخيم وخضوع؛ لأن هذا يُطمِع الفاسق فيها، قال الله تعالى: ﴿فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولًا معروفًا﴾، يعني: مرض الشهوة؛ ولهذا نهيت المرأة أن ترفع صوتها بالتلبية في الحج.\nوفيه: دليل على أن المستفتي إذا تكلم في حق خصمه في شيء فليس هذا من الغيبة، فهند قالت: «رَجُلٌ شَحِيحٌ»، ومثلها المظلوم إذا ظلمه شخص وأخذ حقه، فله أن يتكلم في حقه عند القاضي؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» (^٢).\nالواجد، يعني: الغني، وليُّه: امتناعه من أداء الحق الذي عليه ظلم، فهذا يُحِلُّ عرضه وعقوبته.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٦١).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٧٩٤٦)، وأبو داود (٣٦٢٨)، والنسائي (٤٦٨٩)، وابن ماجه (٢٤٢٧).","vol":"5","page":91},{"text":"وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «جَاءَتْ هِنْدٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ وَاللهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُذِلَّهُمُ اللهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُعِزَّهُمُ اللهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مُمْسِكٌ، فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى عِيَالِهِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُنْفِقِي عَلَيْهِمْ بِالْمَعْرُوفِ».\n[خ: ٣٨٢٥]\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمِّهِ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: «جَاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ وَاللهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ خِبَاءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ خِبَاءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ، فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ مِنْ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ فَقَالَ لَهَا: لَا إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ».\nهكذا يفعل الإيمان، فهذه هند ﵂ لما كانت على كفرها كانت تبغض الرسول ﵊ بغضًا شديدًا، ثُمَّ بعد ذلك لما أسلمت تحول البغض إلى محبة شديدة.","vol":"5","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-799>بَابُ النَّهْيِ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَالنَّهْيِ عَنْ مَنْعٍ وَهَاتِ، وَهُوَ الِامْتِنَاعُ مِنْ أَدَاءِ حَقٍّ لَزِمَهُ، أَوْ طَلَبِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ</span>\n\n[١٧١٥] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا، وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ».\nوَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلَاثًا»، وَلَمْ يَذْكُرْ: «وَلَا تَفَرَّقُوا».\nفي هذا الحديث: أن الله تعالى يرضى لعباده ثلاثًا: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وهذا هو توحيد الله، وهو الأمر الذي خلق الخلق من أجله، وأن يعتصموا بحبل الله ودينه وشرعه، وهو الثاني، وسقط أمر ثالث جاء في بعض الروايات: «أَنْ تَنْصَحُوا لِوُلَاةِ الْأَمْرِ» (^١)، أي: أن تلزموا إمام المسلمين.\nوفيه: أن الله تعالى ينهى عباده عن ثلاث: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، والكراهة- هنا- كراهة تحريم، خلافًا للنووي فقد قال: إنها كراهة تنزيه (^٢).\nتنبيه: قول النووي: (قال العلماء الرضى والسخط والكراهة من الله تعالى المراد بها: أمره ونهيه وثوابه وعقابه أو إرادته الثواب لبعض العباد) هذا الكلام من النووي تأويل على طريقة الأشاعرة الذين يؤولون الصفات، إما بلازم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٨٣٣٤).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٢/ ١٢).","vol":"5","page":93},{"text":"الصفة أو بالإرادة، والسخط صفة ثابتة لله ﷿، قال الله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨]، وفي الصحيحين من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ ﵎ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ ! فَيَقُولُ: أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ ! فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا» (^١).\nوأيضًا صفة الكُره ثابتة لله ﷾، قال الله في حقِّ المنافقين: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦]، وفي الصحيحين عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ» (^٢).\nوهكذا صفة الرِّضَا ثابتة لله سبحانه، قال الله تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وفي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى بَدَا لِلَّهِ ﷿ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ ... فَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْكَ، وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ» (^٣).\nومذهب المُؤوِّلة يتضمن التشبيه والتعطيل، فيقولون مثلًا في معنى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]، أي: أثابهم، فأوَّلُوا الرضى بالثواب، فهم شبَّهُوا أولًا فظنوا أن رضا الرَّبِّ كرضا المخلوق وهذا تشبيه، فلمَّا وقع\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٥٠٧)، ومسلم (٢٦٨٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٤٦٤)، ومسلم، (٢٩٦٤).","vol":"5","page":94},{"text":"في نفوسهم التشبيه أوَّلُوا وحرفوا، فقالوا: ننفي الرضا ونُفسِّره بالثواب، فهم شبَّهُوا أولًا، ثُمَّ عَطَّلُوا ثانيًا.\n\n[٥٩٣] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ وَرَّادٍ- مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ- عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ ﷿ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ».\nوَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ مَنْصُورٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ»، وَلَمْ يَقُلْ: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ».\nعقوق الأمهات محرم، وهو من الكبائر، ووأد البنات: دفنهن وهن أحياء، كما كان يفعله أهل الجاهلية خوفًا من العار، أو قتل الأولاد خشية الفقر، كما قال الله: ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق﴾.\nوالمراد بقوله: «وَمَنْعًا وَهَاتِ» هو: منع الواجب، وأخذ ما لا يستحق.","vol":"5","page":95},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَشْوَعَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ».\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ عَنْ وَرَّادٍ قَالَ: «كَتَبَ الْمُغِيرَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ حَرَّمَ ثَلَاثًا، وَنَهَى عَنْ ثَلَاثٍ؛ حَرَّمَ عُقُوقَ الْوَالِدِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَلَا وَهَاتِ، وَنَهَى عَنْ ثَلَاثٍ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ».\nفي هذا الحديث: ثبوت المكاتبة بين العلماء وجوازها، وسؤال الإنسان عما أشكل عليه، والتواضع.\nوفيه: أن العلم مُشَاعٌ، وهو الظاهر المنتشر لمن يريد، وليس حكرًا على أحد؛ ولذلك كتب معاوية إلى المغيرة أن «اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ».\nوفيه: أنه يبدأ بالسلام، فيقول: سلامٌ عليك، إذا كان مسلمًا، وإذا كان غير مسلم يقول: السلام على من اتبع الهدى، كما في كتاب النبي ﷺ لهرقل: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى» (^١)، فالكافر لا يلقى ﵇.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٣).","vol":"5","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-800>بَابُ بَيَانِ أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ، أَوْ أَخْطَأَ</span>\n\n[١٧١٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي قَيْسٍ- مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ- عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ».\n[خ: ٧٣٥٢]\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِي عَقِبِ الْحَدِيثِ: قَالَ يَزِيدُ: فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فَقَالَ: هَكَذَا حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيَّ- حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيُّ، بِهَذَا الْحَدِيثِ مِثْلَ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا.","vol":"5","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-801>بَابُ كَرَاهَةِ قَضَاءِ الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ</span>\n\n[١٧١٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: «كَتَبَ أَبِي وَكَتَبْتُ لَهُ إِلَى عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ- وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ-: أَنْ لَا تَحْكُمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ».\n[خ: ٧١٥٨]\nوَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ.\nفي هذا الحديث: دليل على أن الحاكم لا يحكم وهو غضبان؛ لأن الغضب يغير شعوره، فيكون سببًا في عدم إصابة الحق، ويقاس عليه كل ما يكون سببًا في تغيير شعور الإنسان، وعدم سداده، مثل: الجوع المفرط، والشبع المفرط، والهم والحزن، أو أن يكون مشغولًا بأمر يفكر فيه، أو كان يدافع الأخبثين: البول، والغائط، فهذه الأمور وغيرها تشوش على القاضي، فعليه أن يؤجل الحكم حتى تزول هذه الأشياء.","vol":"5","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-802>بَابُ نَقْضِ الْأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ، وَرَدِّ مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ</span>\n\n[١٧١٨] حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ الْهِلَالِيُّ جَمِيعًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».\n[خ: ٢٦٩٧]\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَامِرٍ، قَالَ عَبْدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُلٍ لَهُ ثَلَاثَةُ مَسَاكِنَ، فَأَوْصَى بِثُلُثِ كُلِّ مَسْكَنٍ مِنْهَا قَالَ: يُجْمَعُ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ؟، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».\nهذا الحديث قاعدة عامة وجليلة في إبطال البدع والمحدثات.\nقوله: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، يعني: مردود عليه، وفي اللفظ الآخر: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».\nوهذا يرد على من فعل شيئًا من البدع وقد فعله غيره، ويقول: أنا لم أُحْدِثْه، فيقال له: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، فهذا الحديث فيه: إبطال البدع، ويستوي أن يكون الفاعل هو محدِث البدعة، أو أن يكون متبعًا لغيره في بدعته.","vol":"5","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-803>بَابُ بَيَانِ خَيْرِ الشُّهُودِ</span>\n\n[١٧١٩] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ: الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا؟».\nفي هذا الحديث: مدح للشاهد الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها، إلا أنه ورد في حديث آخر أن النبي ﷺ قال: «ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ، وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ» (^١)، وهذا فيه ذم، فكيف يجمع بينهما؟\nوالجواب: قال أهل العلم: إنه محمول على أحد أمرين:\nالأول: أنه محمول على من كان عنده شهادة لشخص، وهو لا يعلم بها، فيأتي ويخبره.\nالثاني: أنه محمول على الشهادة في الحِسبة في غير حقوق الآدميين، كشهادة الطلاق، والعتاق، والوصية، والحدود.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٢٨)، ومسلم (٢٥٣٥).","vol":"5","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-804>بَابُ بَيَانِ اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ</span>\n\n[١٧٢٠] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ، فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ أَنْتِ، وَقَالَتِ الْأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵉، فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا- يَرْحَمُكَ اللهُ- هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى. قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، مَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا الْمُدْيَةَ».\n[خ: ٣٤٢٧]\nفي هذه القصة أن امرأتين صغرى وكبرى كل منهما لها ابن، وذهبتا إلى البرية، فأكل الذئب ابن الكبرى، وبقي ابن الصغرى، فغارت منها، فادعت أنه ابنها، ثُمَّ تحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى؛ لأسباب رآها، إما لأنه في شرعه أنه يحكم للكبرى، أو لأنه في يدها، أو لأجل علامة رآها.\nثم بعد ذلك خرجتا من عند داود ﵇، فلقيتا سليمان فأخبرتاه بالأمر، فتأمل تأملًا آخرَ وحكم بشق الصبي شقين، لكل منهما شق؛ لأجل أن يعرف من هي صاحبة الحق، فقالت الصغرى: لا تفعل، هو ابنها لا أريده، أما الكبرى فقالت: شُقَّهُ بيننا، فقضى به للصغرى، وقد قالت الصغرى ذلك شفقة على ابنها أن يشقة سليمان.\nوقوله: «ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا»: سميت السكين سكينًا؛ لأنها تُسكِّن حركة المذبوح.","vol":"5","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-805>بَابُ اسْتِحْبَابِ إِصْلَاحِ الْحَاكِمِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ</span>\n\n[١٧٢١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَارًا لَهُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الْأَرْضَ، وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ، فَقَالَ الَّذِي شَرَى الْأَرْضَ: إِنَّمَا بِعْتُكَ الْأَرْضَ وَمَا فِيهَا قَالَ: فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ، فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلَامٌ، وَقَالَ الْآخَرُ: لِي جَارِيَةٌ قَالَ: أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِكُمَا مِنْهُ، وَتَصَدَّقَا».\n[خ: ٣٤٧٢]\nهذه القصة فيها دليل على أن بني إسرائيل كان فيهم أخيار، كما قال الله تعالى: ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين﴾، وهذه القصة تجسد معنى الورع، فقد اشترى شخص من شخص أرضًا، فلما اشتراها وجد فيها جرة من ذهب، فذهب- لورعه- للبائع، وقال: أنا وجدت في الأرض جرة ذهب، فخذ ذهبك، قال: لا، أنا بعتك الأرض وما فيها، وهذا من ورعه- أيضًا- قال: لا أنا لم أشترِ إلا الأرض، ثُمَّ تخاصما إلى رجل وأصلح بينهما، فقال لأحدهما: ألك غلام؟ قال: نعم، وقال للثاني: ألك جارية؟ قال: نعم، قال: أنكحا الغلام الجارية، وأنفقا عليهما من الذهب، وتصدقا منه.\n* * *","vol":"5","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-806>كِتَابُ اللُّقَطَةِ</span>","vol":"5","page":104},{"text":"كِتَابُ اللُّقَطَةِ\n\n[١٧٢٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَزِيدَ- مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ- عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: «اعْرِفْ عِفَاصَهَا، وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا»، قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ»، قَالَ: فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا؟ ! مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا».\nقَالَ يَحْيَى: «أَحْسِبُ قَرَأْتُ عِفَاصَهَا».\n[خ: ٢٣٧٢]\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ ابْنُ حُجْرٍ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَزِيدَ- مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ- عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ- أَوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ- ثُمَّ قَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا؟ ! مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُمْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِ مَالِكٍ، غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ","vol":"5","page":105},{"text":"رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ، فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ قَالَ: وَقَالَ عَمْرٌو فِي الْحَدِيثِ: «فَإِذَا لَمْ يَأْتِ لَهَا طَالِبٌ فَاسْتَنْفِقْهَا».\nوَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الْأَوْدِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ- وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ- عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَزِيدَ- مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ- قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ يَقُولُ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَاحْمَارَّ وَجْهُهُ وَجَبِينُهُ وَغَضِبَ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: «ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا كَانَتْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ».\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ يَزِيدَ- مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ- أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ الذَّهَبِ، أَوِ الْوَرِقِ، فَقَالَ: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ، فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ»، وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ، فَقَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا؟ ! دَعْهَا؛ فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا، وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ»، فَقَالَ: «خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ».\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَرَبِيعَةُ الرَّأْيِ ابْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَزِيدَ- مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ- عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ، زَادَ رَبِيعَةُ: فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، وَزَادَ: «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَفَ عِفَاصَهَا، وَعَدَدَهَا، وَوِكَاءَهَا فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ","vol":"5","page":106},{"text":"خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تُعْتَرَفْ، فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا، وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ كُلْهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ».\nوَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: «فَإِنِ اعْتُرِفَتْ فَأَدِّهَا، وَإِلَّا فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا، وَوِكَاءَهَا، وَعَدَدَهَا».\nهذه الأحاديث كلها تتعلق باللقطة، واللقطة فيها ألفاظ، يقال: لُقَطَة، ويقال: لُقْطَة، ويقال: لَقَطَة، ويقال: لُقَاطَة، وهي: المال، أو المتاع الذي لا يُعرف صاحبه فيجده إنسان فيأخذه (^١).\nوفي هذه الأحاديث جملة من الفوائد، منها:\n١ - بيان حكم اللقطة، وهو: أن الإنسان مأمور بأخذها؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «خُذْهَا»، وهذا الأمر للاستحباب عند جمهور العلماء (^٢)، وقال بعضهم: إنه للوجوب (^٣).\n٢ - أن اللقطة تُعرَّف سنة في مجامع الناس، في الأسواق، وعند أبواب المساجد، وفي المكان الذي وجدها فيه، ولا مانع من أن يعلن عنها في الصحف المحلية، قال بعضهم: في أول أسبوع يُعَرِّفها كل يوم، ثُمَّ في كل أسبوع.\n٣ - أنه لا بد أن يعرف عِفَاصَها، وهو الوعاء، أو الكيس الذي وُجدت فيه، ووكاءَها، وهو الرباط الذي رُبطت به، ولا بد أن يعرف عددها إذا كانت دراهم، أو دنانير، ويعرف نوع الفئة، فئة مائة، أو فئة مائتين، أو فئة\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (٤/ ٢٦٤)، لسان العرب، لابن منظور (٧/ ٣٩٢).\n(^٢) نهاية المحتاج، للرملي (٥/ ٤٢٧)، المغني، لابن قدامة (٦/ ٧٣).\n(^٣) حاشية الدر المختار، لابن عابدين (٤/ ٢٧٦)، مواهب الجليل، للحطاب (٦/ ٦٩).","vol":"5","page":107},{"text":"خمسمائة، أو غير ذلك.\nفإن جاء من يعرف أوصافها دفعها إليه، وإذا مضت سنة فإنه يملكها، ويتصرف فيها فتكون كسائر ماله، إلا أنها تكون وديعةً عنده، بمعنى: أنه إذا جاء صاحبها يومًا من الدهر وذكر أوصافها دفعها إليه.\nهذا إذا كانت اللقطة من الدراهم، أو الأمتعة وغيرها.\nأما إذا كانت من بهيمة الأنعام فإذا كانت شاة يأخذها؛ لأن الشاة لا تمتنع من السباع، قال النبي ﷺ: «خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ»، يعني: إن لم تأخذها أخذها أخوك، وإن لم تأخذها أنت ولم يأخذها أخوك أكلها الذئب.\nفإذا أخذها فليعلفها، أو يجعلها مع غنمه، وإنْ أَحَبَّ أن يبيعها ويحتفظ بثمنها- إذا كان في إبقائها مشقة عليه- فلا بأس، وإن أحب أن يأكلها ويقدر ثمنها، ثم إذا جاء صاحبها دفعها إليه فلا بأس- أيضًا.\nويكون واجد اللقطة مؤتمنًا فيما وجد، وقاعدة المؤتمن: أنه إذا فرط فتسبب في موتها- مثلًا- فإنه يضمن، وإن لم يفرط فلا يضمن.\nوأما ضالة الإبل فإن وجدها فلا يأخذها؛ ولهذا لما سئل النبي ﷺ عن ضالة الإبل قال: «مَا لَكَ وَلَهَا؟ ! مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا»؛ لأن أخفافها تتحمل وتمشي وتقطع المسافات، وترد الماء وتُخزِّنه في بطنها وتصبر على عدمه مدة أيام، فلا حاجة إلى أخذها.\n٤ - دليل على أن الغضب اليسير لا يؤثر، وهذا- أيضًا- يستدل به على أن المفتي، أو الحاكم إذا غضب غضبًا يسيرًا فلا يضر.\n٥ - أن من وسائل التعليم، أو الدعوة: تَبْيِينَ الغضب في وجه الداعي، أو المفتي إذا سئل عن شيء يغلب على الظن أن السائل يعرف حكمه.","vol":"5","page":108},{"text":"[١٧٢٣] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ، وَسَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ غَازِينَ، فَوَجَدْتُ سَوْطًا فَأَخَذْتُهُ، فَقَالا لِي: دَعْهُ، فَقُلْتُ: لَا، وَلَكِنِّي أُعَرِّفُهُ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ وَإِلَّا اسْتَمْتَعْتُ بِهِ قَالَ: فَأَبَيْتُ عَلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ غَزَاتِنَا قُضِيَ لِي أَنِّي حَجَجْتُ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَلَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَأَخْبَرْتُهُ بِشَأْنِ السَّوْطِ وَبِقَوْلِهِمَا، فَقَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ صُرَّةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَتَيْتُ بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا»، قَالَ: فَعَرَّفْتُهَا، فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا»، فَعَرَّفْتُهَا، فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا»، فَعَرَّفْتُهَا، فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، فَقَالَ: «احْفَظْ عَدَدَهَا، وَوِعَاءَهَا، وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا». فَاسْتَمْتَعْتُ بِهَا، فَلَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي بِثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ، أَوْ حَوْلٍ وَاحِدٍ.\n[خ: ٢٤٣٧]\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ- أَوْ أَخْبَرَ الْقَوْمَ وَأَنَا فِيهِمْ- قَالَ: سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ، وَسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَوَجَدْتُ سَوْطًا، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ إِلَى قَوْلِهِ: فَاسْتَمْتَعْتُ بِهَا، قَالَ شُعْبَةُ: فَسَمِعْتُهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ يَقُولُ: عَرَّفَهَا عَامًا وَاحِدًا.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ- يَعْنِي: ابْنَ عَمْرٍو- عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ سَلَمَةَ","vol":"5","page":109},{"text":"بْنِ كُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ شُعْبَةَ، وَفِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا: ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ، إِلَّا حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ: عَامَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَة، وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ، وَزَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: «فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعَدَدِهَا، وَوِعَائِهَا، وَوِكَائِهَا، فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ»، وَزَادَ سُفْيَانُ فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ: «وَإِلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مَالِكَ»، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ: «وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا».\nفي هذه الأحاديث: شكٌّ من الراوي؛ حيث قال: «لَا أَدْرِي بِثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ، أَوْ حَوْلٍ وَاحِدٍ»، فيُطرَح الشك، ويؤخذ بالأحاديث الأخرى الوارد فيها الحول، أو يعرفها ثلاثة أحوال على الزيادة من باب الورع والفضيلة، ويكون الحول هو الواجب، وما زاد عليه يكون نافلة.","vol":"5","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-807>بَاب فِي لُقَطَةِ الْحَاجِّ</span>\n\n[١٧٢٤] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ.\nفي هذا الحديث: نهي عن لقطة الحاج، وهذا النهي محمول على أنه إذا لم يعرفها؛ جمعًا بينه وبين الحديث الآخر: أن النبي ﷺ قال- في لقطة مكة-: «وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ» (^١)، فأباح النبي ﷺ أن يلتقطها المنشد.\nفمن خصائص مكة: أنها لا تُملك لقطتُها، بل يعرِّفها مدى الدهر (^٢).\nويحتمل أن هذا النهي خاص بالحاج، يعني: في أيام الموسم؛ لأنه إذا تركها جاء صاحبها ووجدها في مكانها.\n\n[١٧٢٥] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ عَنْ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا».\nقيل: إن المراد بالضالة- هنا-: الإبل خاصة، من لم يعرفها فهو ضال تائه عن الصواب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥).\n(^٢) إعلام الساجد، للزركشي (ص ١٥٢).","vol":"5","page":111},{"text":"وقيل: المراد: العموم، يعني: من أخذ اللقطة فهو ضال إلا إذا عرفها، وهذا مما يؤيد أنه يجب تعريفها إذا أخذها وإلا فليتركها.","vol":"5","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-808>بَابُ تَحْرِيمِ حَلْبِ الْمَاشِيَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِهَا</span>\n\n[١٧٢٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ، فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ، إِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَتَهُمْ، فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ».\n[خ: ٢٤٣٥]\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ جَمِيعًا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- جَمِيعًا عَنْ أَيُّوبَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ، وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا: «فَيُنْتَثَلَ» إِلَّا اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ: «فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ» كَرِوَايَةِ مَالِكٍ.\nالنهي في هذا الحديث للتحريم، أي: تحريم حلب الماشية بغير إذن مالكها إلا إذا كان هناك إذن عام، كأن يحلبها راعيها بعد أن أذن له سيده في ذلك.\nوهذا التحريم من أدلته: قوله ﷾: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾، وقوله ﷺ: «وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٥٤٨٨)، والبيهقي في الكبرى (١١٥٢٦).","vol":"5","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-809>بَابُ الضِّيَافَةِ وَنَحْوِهَا</span>\n\n[٤٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ، وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ»، قَالُوا: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ»، وَقَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ».\n[خ: ٦٠١٩، ٦١٣٥]\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ يُؤْثِمُهُ؟ قَالَ: «يُقِيمُ عِنْدَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ يَقْرِيهِ بِهِ».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ- يَعْنِي: الْحَنَفِيَّ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيَّ يَقُولُ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ، وَبَصُرَ عَيْنِي، وَوَعَاهُ قَلْبِي حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَذَكَرَ فِيهِ: «وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ»، بِمِثْلِ مَا فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ.\n\n[١٧٢٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ تَبْعَثُنَا، فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلَا يَقْرُونَنَا، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ».\n[خ: ٢٤٦١]","vol":"5","page":114},{"text":"قوله: «يَقْرِيهِ» - بفتح الياء-: من قرى الضيفَ يَقريه قِرًى: أضافه وأكرمه.\nوفي هذه الأحاديث: دليل على أن إكرام الضيف من الواجبات؛ ولهذا قال النبي ﷺ- أيضا- في الحديث الآخر: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ» (^١).\nوفيها: أن الضيافة ثلاثة أيام، فاليوم والليلة واجبة، والثلاثة أيام مستحبة؛ ولهذا قال بعض العلماء ﵏- كالليث (^٢) -: إن إكرام الضيف واجب، وقال الإمام أحمد: إنه واجب على أهل القرى والبوادي بخلاف أهل المدن (^٣)، والجمهور على أنه مستحب (^٤)، وتأولوا الحديث على الاستحباب، كما تقول العرب: حقك علي واجب.\nوأما بعد الثلاثة أيام فليس للضيف أن يقيم، بل عليه أن ينصرف، وليس له أن يبقى عنده حتى يؤثمه، يعني: يجلس عنده وليس عنده ما يَقْرِيه به، كما أنه قد يكون سببًا في منعه من عمله، ومن كسبه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠١٨).\n(^٢) المغني، لابن قدامة (٩/ ٤٣١).\n(^٣) مسائل أحمد، رواية الكوسج (٩/ ٤٦٩٣).\n(^٤) الذخيرة، للقرافي (١٣/ ٣٣٥)، حاشية الدر المختار، لابن عابدين (٤/ ٣٨١)، روضة الطالبين، للنووي (١٠/ ٣١٣ - ٣١٤)، المغني، لابن قدامة (٩/ ٤٣١).","vol":"5","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-810>بَابُ اسْتِحْبَابِ الْمُؤَاسَاةِ بِفُضُولِ الْمَالِ</span>\n\n[١٧٢٨] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ قَالَ: فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ». قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ.","vol":"5","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-811>بَابُ اسْتِحْبَابِ خَلْطِ الْأَزْوَادِ إِذَا قَلَّتْ، وَالْمُؤَاسَاةِ فِيهَا</span>\n\n[١٧٢٩] حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ الْيَمَامِيَّ- حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ- وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ- حَدَّثَنَا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ، فَأَصَابَنَا جَهْدٌ حَتَّى هَمَمْنَا أَنْ نَنْحَرَ بَعْضَ ظَهْرِنَا، فَأَمَرَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ فَجَمَعْنَا مَزَاوِدَنَا، فَبَسَطْنَا لَهُ نِطَعًا فَاجْتَمَعَ زَادُ الْقَوْمِ عَلَى النِّطَعِ قَالَ: فَتَطَاوَلْتُ لِأَحْزِرَهُ كَمْ هُوَ، فَحَزَرْتُهُ كَرَبْضَةِ الْعَنْزِ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً قَالَ: فَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ حَشَوْنَا جُرُبَنَا، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ: «فَهَلْ مِنْ وَضُوءٍ؟»، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ بِإِدَاوَةٍ لَهُ فِيهَا نُطْفَةٌ، فَأَفْرَغَهَا فِي قَدَحٍ فَتَوَضَّأْنَا كُلُّنَا نُدَغْفِقُهُ دَغْفَقَةً، أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً قَالَ:، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ، فَقَالُوا: هَلْ مِنْ طَهُورٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَرِغَ الْوَضُوءُ».\nفي هذا الحديث: عَلَمٌ من أعلام النبوة.\nوفيه: بيان قدرة الله العظيمة، وأنه على كل شيء قدير، فهو تعالى كما قال عن نفسه: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾، فهؤلاء ألف وأربعمائة شخص أصابهم جوع شديد، فأمر النبي ﷺ أن يأتي كلٌّ بما عنده، فاجتمع شيء قليل كمربض العنز، فدعا النبي الصحابة ﵃ فأكلوا كلهم وشبعوا، وملؤوا أوعيتهم.\nوكذلك الشأن في الماء، فقد أُتي النبي ﷺ بماء قليل فأُفرغ في إناء فدعا النبي ﷺ ربه أن يكثر الماء، فكثر الماء، وجعل يفور كالعيون حتى توضؤوا كلهم، وهم ألف وأربعمائة إنسان.\n\n* * *","vol":"5","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-812>كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ</span>","vol":"5","page":119},{"text":"كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-813>بَابُ جَوَازِ الْإِغَارَةِ عَلَى الْكُفَّارِ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ الْإِعْلَامِ بِالْإِغَارَةِ</span>.\n\n[١٧٣٠] حَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عن الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، قَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ، وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى سَبْيَهُمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ، قَالَ يَحْيَى: أَحْسِبُهُ قَالَ: جُوَيْرِيَةَ، أَوَ قَالَ: الْبَتَّةَ ابْنَةَ الْحَارِثِ.\n[خ: ٢٥٤١]\nوَحَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَكَانَ فِي ذَاكَ الْجَيْشِ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَلَمْ يَشُكَّ.\nقوله: «كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عن الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ» أي: دعاء الكفار إلى الإسلام قبل القتال.\nوقوله: «فَكَتَبَ إِلَيَّ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ» هذا القول ليس بجيد، والصواب: أن دعوة المشركين للقتال مشروعة مطلقًا، لكن إن كانت بلغتهم الدعوة فإن دعوتهم للإسلام مستحبة، أما إذا لم تبلغهم الدعوة فإنه يجب أن تبلغهم قبل القتال.","vol":"5","page":121},{"text":"والنبي ﷺ فعل هذا وهذا، فقد أغار على بني المصطلق وهم غارُّون، وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلتهم؛ لأنهم بلغتهم الدعوة، ولما بعث النبي ﷺ عليًّا ﵁ للقتال في خيبر قال: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ» (^١).\nوهذا هو الصواب، خلافًا لمن قال: إن الدعاء يجب مطلقًا (^٢)، ومن قال: إن الدعاء لا يجب مطلقًا (^٣).\nوهذا الحديث فيه: دليل على جواز استرقاق العرب؛ فإن بني المصطلق عرب من خزاعة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩٤٢)، ومسلم (٢٤٠٦).\n(^٢) كشاف القناع، للبهوتي (٣/ ٤١).\n(^٣) المدونة، للإمام مالك (٣/ ١٠٧)، بدائع الصنائع، للكاساني (٧/ ١٠٧)، الشرح الكبير، للدردير (٢/ ٢٨٨)، روضة الطالبين، للنووي (١٠/ ٢٨١)، المغني، لابن قدامة (١٠/ ٤٣٢).","vol":"5","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-814>بَابُ تَأْمِيرِ الْإِمَامِ الْأُمَرَاءَ عَلَى الْبُعُوثِ، وَوَصِيَّتِهِ إِيَّاهُمْ بِآدَابِ الْغَزْوِ وَغَيْرِهَا</span>.\n\n[١٧٣١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ سُفْيَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: أَمْلَاهُ عَلَيْنَا إِمْلَاءً. ح، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: «اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ- أَوْ: خِلَالٍ- فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ: أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ؛ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ\nالْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ؛ فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى","vol":"5","page":123},{"text":"حُكْمِكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ، أَمْ لَا؟».\nقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هَذَا أَوْ نَحْوَهُ، وَزَادَ إِسْحَاقُ- فِي آخِرِ حَدِيثِهِ- عَنْ يحيى ابْنِ آدَمَ قَالَ: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، قَالَ يحيى: يَعْنِي: أَنَّ عَلْقَمَةَ يَقُولُهُ لِابْنِ حَيَّانَ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ هَيْصَمٍ عن النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ بُرَيْدَةَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا بَعَثَ أَمِيرًا، أَوْ سَرِيَّةً دَعَاهُ فَأَوْصَاهُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْفَرَّاءُ عن الحُسَيْنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا.\nقوله: «تُخْفِرُوا» من أخفر يُخفِر الذمة إذا لم يوف بها ولم تتم.\nوهذا الحديث العظيم فيه: أن النبي ﷺ كان إذا أمَّر أميرًا على جيش أوصاه بتقوى الله في خاصته ومن معه.\nوفيه: وصية الإمام بأمرائه بتقوى الله ﷿، وأن يغزوا بسم الله، ويقاتلوا من كفر بالله، فسبب القتال الكفر.\nوفيه: النهي عن الغدر حتى مع الكفار؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾، فإذا أراد المقاتلةَ يخبر العدو بنبذ العهد حتى يكون هو وإياه مستويين.\nوفيه: تحريم الغلول من الغنيمة، وإخفاء شيء منها قبل قسمتها.\nوفيه: النهي عن قتل الولدان والنساء، والشيوخ الكبار الذين لا يشاركون في القتال ولا رأي لهم، والرهبان في الصوامع الذين يتعبدون، إنما يُقاتَلُ الرجالُ الذين يُقاتِلون.\nولكن كما سيأتي أن الكفار إذا بُيِّتُوا ولم يتميز النساء والصبيان فإنهم يُقتلون","vol":"5","page":124},{"text":"معهم، وكذلك الشيوخ الكبار إذا كان لهم رأي في القتال، فإنهم يقتلون، كوريد بن الصمة كان له راى يوم حنين (^١)، فقد كان شيخًا كبيرًا قد طعن في السن يُحمل على البعير، لكن كان يسيِّر الجيوش برأيه فهذا يُقتَل؛ لأن رأيه يؤثر.\nوفيه: أن النبي ﷺ أمر بالدعوة إلى ثلاث خصال: الإسلام، أو الجزية، أو القتال، وقد أخذ منه الإمام مالك ﵀ وجماعة: أن الجزية تؤخذ من جميع الكفار؛ لأنه قال ﷺ: «وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» فهذا عامٌّ، سواء من أهل الكتاب، أو من غيرهم، والجمهور على أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب خاصة، وأما بقية المشركين فلا تؤخذ منهم؛ عملًا بقول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، ويلحق بهم: المجوس، ويكون هذا الحديث إما أن يراد به أهل الكتاب، أو أنه عام مخصوص.\nوفيه: أنهم إذا دخلوا في الإسلام يُؤمرون بالهجرة إلى دار المهاجرين، فإذا فعلوا ذلك صار لهم من مال المسلمين من الغنيمة والفيء، وإن أبوا وبقوا في مكانهم صاروا كأعراب المسلمين يُعطَون من الزكاة إذا كانوا محتاجين، ولا يعطون من الغنيمة والفيء شيئًا.\nوفيه: أن الأمير يعطيهم ذمته وذمة أصحابه، وهذا أسهل من كونه يعطيهم ذمة الله وذمة نبيه ﷺ؛ لأنهم إذا نقضوا ذمته وذمة أصحابه فهو أسهل من نقضهم ذمة الله وذمة نبيه ﷺ، وكذلك- أيضًا- إذا حاصروا حصنًا، وقال أهله: ننزل على حكم الله وحكم رسوله ﷺ، فلا يعطيهم ذلك، وإنما يُنزلهم على حكمه وحكم أصحابه؛ لأنه لا يدري أيصيب حكم الله، أم لا؟\n_________\n(^١) سيره ابن هشام ج ٢/ ٤٣٨.","vol":"5","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-815>بَابٌ فِي الْأَمْرِ بِالتَّيْسِيرِ، وَتَرْكِ التَّنْفِيرِ</span>.\n\n[١٧٣٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ: «بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا».\n\n[١٧٣٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ ابْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا».\n[خ: ٤٣٤٥]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ عَدِيٍّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ شُعْبَةَ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ: «وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا».\n\n[١٧٣٤] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا».\n[خ: ٦٩]\nهذا الحديث فيه: دليل على أنه على الداعي أن يسلك مسلك التيسير إذا لم يكن فيه معصية لله ورسوله، وأن يبشر بالخير ولا ينفر؛ لأن هذا أقرب إلى قبول الناس، بل يدعوهم إلى الله ويحبب إليهم دين الإسلام، ويبين لهم محاسنه، ويجمع بين الترغيب والترهيب.","vol":"5","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-816>بَاب تَحْرِيمِ الْغَدْرِ</span>.\n\n[١٧٣٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ- يَعْنِي: أَبَا قُدَامَةَ السَّرَخْسِيَّ- قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- كلهم عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَقِيلَ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ».\n[خ: ٦١٧٧]\nحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ.\nقوله: «السَّرَخْسِيَّ» قال في القاموس: سَرَخَس بفتحتين (^١)، قال شيخنا: وأظن فيه وجهًا آخرَ بفتح فسكون، سَرْخَسِي (^٢).\nوَحَدَّثَنَا يحيى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الْغَادِرَ يَنْصِبُ اللَّهُ لَهُ لِوَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: أَلَا هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ».\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يحيى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ، وَسَالِمٍ- ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ- أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\n\n[١٧٣٦] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح، وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ».\n[خ: ٣١٨٧]\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ. ح، وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ ابْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ فِي هَذَا\n_________\n(^١) القاموس المحيط، للفيروز آبادي (١/ ٥٥٠).\n(^٢) معجم البلدان، لياقوت الحموي (٥/ ٣٣١).","vol":"5","page":127},{"text":"الْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُقَالُ: «هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عن الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ، يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ».\n\n[١٧٣٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ».\n\n[١٧٣٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ خُلَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nفي هذه الأحاديث: الوعيد الشديد للغادر، وأنه يفضح يوم القيامة، واللواء هو العلم الكبير الذي يحمله القائد، أو غيره، ويشتهر به، والمعنى: أنه يُشهَّر به ويفضح، وجاء في الحديث قوله: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ»، يعني: عند مقعدته.","vol":"5","page":128},{"text":"حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا الْمُسْتَمِرُّ ابْنُ الرَّيَّانِ، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ، أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ».\nقوله: «الْمُسْتَمِرُّ بْنُ الرَّيَّانِ» ثقة، روى له مسلم ﵀، وبعض أهل السنن، كما في التقريب.\nوقوله: «أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ» فيه: أنه من أعظم الغدر غدر أمير العامة؛ لأن هذه خيانة، ولأنه لا حاجة للغدر؛ لأنه قادر ولا أحد يمنعه، كما جاء في الحديث الآخر: «ثلاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ- قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ-: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِر» (^١)، فمنهم: ملك كذاب، وعائل مستكبر، فما الذي يدعو الملك إلى الكذب، وهو قادر على الصدق؟\nوتأول بعضهم الحديث على أنه الغدر من قبل الرعية في الخروج عليه (^٢)، لكن الأول هو الأظهر.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠٧).\n(^٢) شرح البخاري، لابن بطال (٨/ ٢٧٩).","vol":"5","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-817>بَاب جَوَازِ الْخِدَاعِ فِي الْحَرْبِ</span>.\n\n[١٧٣٩] وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِعَلِيٍّ- وَزُهَيْرٍ، قَالَ عَلِيٌّ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْحَرْبُ خَدْعَةٌ».\n[خ: ٣٠٣٠]\n\n[١٧٤٠] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْحَرْبُ خَدْعَةٌ».\n[خ: ٣٠٢٥]\nقوله: «الْحَرْبُ خَدْعَةٌ» يقال: خَدعة، وخُدعة (^١).\nوهذا الحديث فيه: أنه لا بأس بالخداع في الحرب، ومن ذلك: التورية، فإذا أراد أن يغزو جهة الشمال سأل عن طريق جهة الجنوب، وإذا أراد أن يغزو جهة الشرق سأل عن طريق جهة الغرب؛ حتى يعمي على الكفار.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٢/ ١٤).","vol":"5","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-818>بَاب كَرَاهَةِ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَالْأَمْرِ بِالصَّبْرِ عِنْدَ اللِّقَاءِ</span>.\n\n[١٧٤١] حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ عن المُغِيرَةِ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عن الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا».\n[خ: ٣٠٢٦]\nهذا الحديث فيه: النهي عن تمني لقاء العدو؛ لأن الإنسان لا يدري ماذا يحصل له، ولأنه يدل على عدم مبالاة الإنسان وتزكيته لنفسه، فلا ينبغي أن يتمنى لقاء العدو، لكن إذا حصل اللقاء فعلى المسلم أن يصبر.\n\n[١٧٤٢] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ كِتَابِ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ- يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى- فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ حِينَ سَارَ إِلَى الْحَرُورِيَّةِ يُخْبِرُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ يَنْتَظِرُ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهِمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ»، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ».\n[خ: ٣٠٢٥]\n\nقال النووي ﵀: «قوله: «عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ كِتَابِ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ مِنْ أَصْحَابِ» قال الدارقطني: هو حديث صحيح، قال: واتفاق البخاري ومسلم","vol":"5","page":131},{"text":"على روايته حجة في جواز العمل بالمكاتبة والإجازة، وقد جوزوا العمل بالمكاتبة والإجازة، وبه قال جماهير العلماء من أهل الحديث والأصول والفقه، ومنعت طائفة الرواية بها، وهذا غلط. والله أعلم» (^١).\nوفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان إذا لم يقاتل في أول النهار أخَّر حتى تزول الشمس، وتهب الرياح، وينزل النصر، وإذا كان في الصيف انتظر حتى تنكسر حرارة الشمس.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٢/ ٤٧).\n(^٢) المبسوط، للسرخسي (١٥/ ٧٤) الشرح الكبير، للدردير (٤/ ٥)، نهاية المحتاج، للرملي (٣/ ٣٩١)، المغني، لابن قدامة (٦/ ٤٧٦)، كشاف القناع، للبهوتي (٤/ ٩٥).\n(^٣) حاشية الدر المختار، لابن عابدين (٥/ ٣١١) والفتاوى الهندية، لنظام الدين البلخي (٣/ ١١١).","vol":"5","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-819>بَاب اسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ بِالنَّصْرِ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ</span>.\nحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْأَحْزَابِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، سَرِيعَ الْحِسَابِ، اهْزِم الْأَحْزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ، وَزَلْزِلْهُمْ».\nهذا الحديث فيه: مشروعية الدعاء عند لقاء العدو، وأن المجاهد يجمع بين إعداد العدة الحسية والسلاح، وبين اللجوء إلى الله تعالى، وطلب النصر منه والعون، والدعاء على الكفار.\nوفيه: التوسل إلى الله بأفعاله سبحانه، وأنه منزل الكتاب، ومجري السحاب.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى يَقُولُ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- بِمِثْلِ حَدِيثِ خَالِدٍ- غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: هَازِمَ الْأَحْزَابِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ: اللَّهُمَّ، وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ: مُجْرِيَ السَّحَابِ.\n\n[١٧٤٣] وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ إِنْ تَشَأْ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ».\nهذا الحديث فيه: إثبات القدر، وأن الله تعالى خالق كل شيء.","vol":"5","page":133},{"text":"وفيه: التسليم لقضاء الله وقدره.\nوفيه: الرد على المعتزلة والقدرية الذين يقولون: إن العباد يخلقون أفعالهم.","vol":"5","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-820>بَاب تَحْرِيمِ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي الْحَرْبِ</span>.\n\n[١٧٤٤] حَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْث. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَقْتُولَةً، فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.\n[خ: ٣٠١٤]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ تِلْكَ الْمَغَازِي، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.\nفي هذا الحديث: أن مِن عدل الإسلام أنه نهى عن قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا، أما إذا قاتلوا فيقتلون، وكذلك إذا استدعت المصلحة الهجوم عليهم وقتلهم كما في الحديث التالي.","vol":"5","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-821>بَابُ جَوَازِ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي الْبَيَاتِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ</span>.\n\n[١٧٤٥] وَحَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عن الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الذَّرَارِيِّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ، فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، فَقَالَ: «هُمْ مِنْهُمْ».\n[خ: ٣٠١٢]\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عن الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نُصِيبُ فِي الْبَيَاتِ مِنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: «هُمْ مِنْهُمْ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عن الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: لَوْ أَنَّ خَيْلًا أَغَارَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَأَصَابَتْ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: «هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ».\nفي هذه الأحاديث: جواز قتل النساء والصبيان في البَيَات؛ لأنهم لم يتميزُوا، فإذا أُريدَ الهجومُ على الكفار وكان في وسطهم نساء وأطفال فَيُقتلون، أما إذا تميزوا فلا يُقتلون.","vol":"5","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-822>بَاب جَوَازِ قَطْعِ أَشْجَارِ الْكُفَّارِ، وَتَحْرِيقِهَا</span>.\n\n[١٧٤٦] حَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَطَعَ، وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ.\nزَادَ قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ فِي حَدِيثِهِمَا: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾.\n[خ: ٤٠٣١]\nقوله: «لِينَةٍ» يعني: نخلة.\nوهذا الحديث فيه: أن النبي ﷺ والمسلمين حاصروا بني النضير مدة، فقطعوا النخيل إغاظةً للعدو، ومنهم من لم يقطع، فأقر الله تعالى الفريقين، فمن قطع النخيل فله وجه، وهو إغاظة الكفار، ومن أبقى فله وجه؛ لأنه مال سيؤول للمسلمين، فأقر الله تعالى هؤلاء وهؤلاء، وقال: ﴿ما قطعتم من لينة﴾، يعني: من نخل، ﴿أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله﴾ وهو الإذن الشرعي.","vol":"5","page":137},{"text":"حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَحَرَّقَ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ:\nوَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ = حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ\nوَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا ...﴾ الْآيَةَ.\nوَحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، أَخْبَرَنِي عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ السَّكُونِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: حَرَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ.\nقوله: «عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ» أي: على أشرافِهم ورؤسائهم.","vol":"5","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-823>بَاب تَحْلِيلِ الْغَنَائِمِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ خَاصَّةً</span>.\n\n[١٧٤٧] وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ قَدْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا، وَلَمَّا يَبْنِ، وَلَا آخَرُ قَدْ بَنَى بُنْيَانًا، وَلَمَّا يَرْفَعْ سُقُفَهَا، وَلَا آخَرُ قَدِ اشْتَرَى غَنَمًا، أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ مُنْتَظِرٌ وِلَادَهَا، قَالَ: فَغَزَا فَأَدْنَى لِلْقَرْيَةِ حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: أَنْتِ مَأْمُورَةٌ، وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيَّ شَيْئًا، فَحُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَجَمَعُوا مَا غَنِمُوا، فَأَقْبَلَتِ النَّارُ لِتَأْكُلَهُ، فَأَبَتْ أَنْ تَطْعَمَهُ، فَقَالَ: فِيكُمْ غُلُولٌ، فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ، فَبَايَعُوهُ، فَلَصِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَلْتُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ، فَبَايَعَتْهُ قَالَ: فَلَصِقَتْ بِيَدِ رَجُلَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، أَنْتُمْ غَلَلْتُمْ، قَالَ: فَأَخْرَجُوا لَهُ مِثْلَ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: فَوَضَعُوهُ فِي الْمَالِ وَهُوَ بِالصَّعِيدِ، فَأَقْبَلَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهُ، فَلَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلِنَا؛ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ ﵎ رَأَى\nضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا؛ فَطَيَّبَهَا لَنَا».\n[خ: ٣١٢٤]\nهذا الحديث فيه: أن هذا النبي هو يوشع بن نون ﵇، وهو فتى موسى ﵇ الذي ذهب معه في الرحلة البحرية، في قول الله ﷿: ﴿وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين﴾ وصار نبيًّا بعد موسى ﵇.","vol":"5","page":139},{"text":"وفيه: أنه فتح قرية، فدعا الله أن تُحبس له الشمس، فحبسها الله حتى تم الفتح يوم السبت.\nوفيه: دليل على أن الشمس حُبست ليوشع بن نون ﵇، ولم تُحبس لغيره على الصحيح، وما يذكره بعضهم كالطحاوي ﵀ أنها حُبست للنبي ﷺ في إحدى أيامه في الخندق حتى صلى فهذا ضعيف (^١)، وكذلك- أيضًا- ما قاله في أنها حبست في صبيحة الإسراء، كل هذا لا أصل له، وكذلك بعض الشيعة والرافضة يدعي أن الشمس حُبست لعلي ﵁، وهو باطل كذلك.\nوفيه: أن يوشع ﵇ قال لهم: «لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ قَدْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا، وَلَمَّا يَبْنِ»، يعني: عقد على امرأة ولم يدخل بها، «وَلَا آخَرُ قَدْ بَنَى بُنْيَانًا، وَلَمَّا يَرْفَعْ سُقُفَهَا، وَلَا آخَرُ قَدِ اشْتَرَى غَنَمًا، أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ مُنْتَظِرٌ وِلَادَهَا»؛ لأن هؤلاء تتعلق نفوسهم بما خلَّفُوا وراءهم، فالرجل الذي عقد بامرأة نفسه تتشوق للدخول بها، وكذلك من له خليفات تتعلق نفسه بأولادها، ومن له بيوت لم يرفع سقفها بعد تكون متعلقة نفسه بهذا، فتضعف همتهم، ولا يكون عندهم النشاط والتحمس والرغبة في الجهاد.\nوفيه: أن الله تعالى حبس عليهم الشمس حتى تم الفتح، فجمعوا الغنائم، فوضعوها في الصعيد على وجه الأرض، فلم تأتِ النار لتطعمها، وكانت الأمم السابقة لا تحل لهم الغنائم وإنما يجمعونها، ومن علامة قبول الله لها: أن تأتي نار من السماء فتأكلها، ولما جمعُوا الغنائم في هذه الغزوة التي غزاها يوشع ﵇ لم تأتِ النار، فقال: «فِيكُمُ غُلُولٌ» وهو الإخفاء، أو أخذ شيء من الغنيمة، ثم قال: «فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ، فَبَايَعُوهُ، فَلَصِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ» يعني: في قبيلتك، فاعترفوا، فأتوا بشيء\n_________\n(^١) شرح الشفا (١/ ٥٩٥).","vol":"5","page":140},{"text":"أخفوه من الغنيمة، مثل رأس البقرة من الذهب، فأتوه به، ووضعوه فجاءت النار فأكلته.\nوفيه: دليل على إباحة الغنيمة لأمتنا، وأن هذا من خصائصها.","vol":"5","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-824>بَابُ الْأَنْفَالِ</span>.\n\n[١٧٤٨] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ مُصْعَبِ ابْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخَذَ أَبِي مِنَ الْخُمْسِ سَيْفًا، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «هَبْ لِي هَذَا»، فَأَبَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ، أَصَبْتُ سَيْفًا، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَفِّلْنِيهِ؟ فَقَالَ: «ضَعْهُ»، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ»، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ: نَفِّلْنِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «ضَعْهُ»، فَقَامَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَفِّلْنِيهِ، أَأُجْعَلُ كَمَنْ لَا غَنَاءَ لَهُ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ»، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.\nقوله: «نَزَلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ» لم يذكر هنا من الأربع إلا هذه الواحدة وقد ذكر مسلم الأربع بعد هذا في كتاب الفضائل وهي قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\nقوله: «أَأُجْعَلُ كَمَنْ لَا غَنَاءَ لَهُ» أي: كمن لا كفاية له، يقال: ما عند فلان غناء أي لا يغتنى به.\nقوله: «ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ»، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ» قال القاضي عياض ﵀: «فيه: حجة ألا نفل إلا من الخمس، وأن أخذ سعد هذا كان قبل الخمس، ألا تراه كيف قال: \" ضعه من حيث أخذته \"، ويحتمل أن يكون هذا قبل نزول حكم الغنائم وتحليلها والحكم فيها، وهو الأظهر والصواب وعليه يدل الحديث» (^١).\n\n[١٧٤٩] حَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً وَأَنَا فِيهِمْ قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِبِلًا كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا.\n[خ: ٣١٣٤]\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ، وَفِيهِمْ ابْنُ عُمَرَ، وَأَنَّ سُهْمَانَهُمْ بَلَغَتِ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا سِوَى ذَلِكَ بَعِيرًا، فَلَمْ يُغَيِّرْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nقوله: «سَرِيَّةً» السرية: هي القطعة من الجيش تخرج وليس فيها النبي ﷺ، فإذا كان فيها النبي ﷺ تسمى غزوة.\nقوله: «وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا» والتنفيل هو الزيادة على حقه ونصيبه من الغنيمة، أي: نفلهم قائد الجيش بعيرًا، بعيرًا، وأقره\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٦/ ٥٥).","vol":"5","page":142},{"text":"النبي ﷺ، فإذا نُسب لأمير الجيش أنه نفلهم فلأنه باجتهاده، وينسب للنبي ﷺ؛ لأنه أقر ما فعله أمير الجيش.\n\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إِلَى نَجْدٍ، فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَأَصَبْنَا إِبِلًا وَغَنَمًا، فَبَلَغَتْ سُهْمَانُنَا اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعِيرًا بَعِيرًا.\nوَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ، ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عَنِ النَّفَلِ، فَكَتَبَ إِلَيَّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى. ح، وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.\n\n[١٧٥٠] وَحَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ- وَاللَّفْظُ لِسُرَيْجٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ عَنْ يُونُسَ، عن الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفَلًا سِوَى نَصِيبِنَا مِنَ الْخُمْسِ، فَأَصَابَنِي شَارِفٌ، وَالشَّارِفُ: الْمُسِنُّ الْكَبِيرُ.\n[خ: ٣١٣٥]\nوَحَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ. ح، وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَفَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً، بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ رَجَاءٍ.\nقوله: «نَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفَلًا سِوَى نَصِيبِنَا مِنَ الْخُمْسِ» قد يُستشكل","vol":"5","page":143},{"text":"مفهوم العبارة هنا، والصحيح أن التنفيل من الخمس هو الزيادة، والنصيب يكون من أربعة الأخماس؟\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قَسْمِ عَامَّةِ الْجَيْشِ، وَالْخُمْسُ فِي ذَلِكَ وَاجِبٌ كُلِّهِ.\nقوله: «قَدْ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قَسْمِ عَامَّةِ الْجَيْشِ، وَالْخُمْسُ فِي ذَلِكَ وَاجِبٌ كُلِّهِ» النفل: الزيادة، وفيه: أن الغنائم تجمع وتقسم للغانمين، فالغنيمة يؤخذ خمسها، ويقسم خمسة أخماس: خمس لله، وللرسول، ولقرابة الرسول، ولليتامى، وللمساكين، ولابن السبيل، كما قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْء فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وأربعة الأخماس تقسم على الغانمين.\nوفيه: أنه للإمام أن ينفل، يعني: يعطي زيادة لبعض الذين لهم تأثير في القتال، كبعض السرايا التي تخرج من الجيش وترجع إليه؛ ولهذا قال سعد ﵁ في الحديث السابق: «أَأُجْعَلُ كَمَنْ لَا غَنَاءَ لَهُ؟» أي: كمن لا كفاية له؟\n\nقال النووي ﵀: فيه إثبات النفل، وهو مجمع عليه، واختلفوا في محل النفل: هل هو من أصل الغنيمة، أو من أربعة أخماسها، أو من خمس الخمس، وهي ثلاثة أقوال للشافعي (^١)\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٢/ ٥٤)\n(^٢) المغنى، لابن قدامة (١٣/ ٥٣)، الاستذكار، لابن عبد البر (١٤/ ١٠٤).","vol":"5","page":144},{"text":"واختلف العلماء في الجمع بين الآيتين: ﴿يسئلونك عن الأنفال﴾، و﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ فقيل: إن الأولى منسوخة بالثانية، وقيل: إنها ليست منسوخة، بل محكمة (^١).\n_________\n(^١) تفسير ابن عطية (٢/ ٤٩٧)، الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (٨/ ٢).","vol":"5","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-825>بَابُ اسْتِحْقَاقِ الْقَاتِلِ سَلَبَ الْقَتِيلِ</span>.\n\n[١٧٥١] حَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ يحيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيِّ- وَكَانَ جَلِيسًا لِأَبِي قَتَادَةَ- قَالَ: قَالَ أَبُو قَتَادَةَ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ يحيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ- مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ-: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ قَالَ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي يحيى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ- مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ- عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَدَرْتُ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَاءِهِ، فَضَرَبْتُهُ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيَّ، فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَأَرْسَلَنِي، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَقُلْتُ: أَمْرُ اللَّهِ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ»، قَالَ: فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ: ذَلِكَ الثَّالِثَةَ، فَقُمْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟»، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ مِنْ حَقِّهِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: لَا هَا اللَّهِ؛ إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسُدِ اللَّهِ، يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ، فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صَدَقَ»\nفَأَعْطِهِ إِيَّاهُ، فَأَعْطَانِي، قَالَ: فَبِعْتُ الدِّرْعَ، فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ.","vol":"5","page":146},{"text":"وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَلَّا لَا يُعْطِيهِ أُضَيْبِعَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَيَدَعُ أَسَدًا مِنْ أُسُدِ اللَّهِ، وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ: لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ.\n[خ: ٣١٤٢]\nهذا الحديث فيه: أن الصحابة ﵃ اُبتُلوا يوم حنين، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾؛ وذلك لأنهم أُعجبوا بكثرتهم، قال بعضهم: لن نغلب اليوم من قلة، فعُوقبوا، وكانت هوازن قد كمنت لهم فرشقوهم من كل جانب، ثم ولوا مدبرين، ثم ناداهم النبي ﷺ، فرجعوا (^١)، ثم ﴿أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودًا لم تروها وعذب الذين كفروا﴾.\nوفيه: أن أبا قتادة ﵁ رأى رجلًا من المشركين قويًّا نشيطًا قد علا رجلًا من المسلمين في هذه الغزوة، فاستدار عليه أبو قتادة من خلفه وضربه بالسيف في عاتقه، فالتفت إليه هذا المشرك وضمه ضمة شديدة؛ لأنه أقوى من أبي قتادة ﵁، ثم أحس المشرك بالموت فتركه، يعني: لولا أنه أحس بالموت لكان قد قضى على أبي قتادة ﵁.\nوفيه: أن سلب المقتول كله للقاتل، والسلب: ما يكون معه من السلاح والدرع والثياب، وهذا تشجيع للمجاهدين، فأبو قتادة ﵁ قتل هذا الرجل، فلما انتهت المعركة قال النبي ﷺ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُه».\nوفيه: أنه لا بد من البينة؛ ولذا قام أبو قتادة ﵁، وقال: «مَنْ يَشْهَدُ لِي؟» أني قتلت هذا الرجل؟ فلم يجد أحدًا، ثم قال: «مَنْ يَشْهَدُ لِي؟»، فلم\n_________\n(^١) تخريج","vol":"5","page":147},{"text":"يجد، ثم قام الثالثة، فتكلم هذا الرجل، وقال: «صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ مِنْ حَقِّهِ» أي: ولكن أنا أخذتُ سلبه يا رسول الله، فأرضِهِ عني، فتكلم أبو بكر ﵁، وقال: «لَا هَا اللَّهِ، إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسُدِ اللَّهِ، يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ، فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ!»، فأقر النبي ﷺ أبا بكر ﵁، وقال: أعطه سلبه، فأعطاه سلبه.\n\n[١٧٥٢] حَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ نَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي، فَإِذَا أَنَا بَيْنَ غُلَامَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ، حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا، تَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا، فَقَالَ: يَا عَمِّ، هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، وَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا، قَالَ: فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الْآخَرُ، فَقَالَ مِثْلَهَا، قَالَ: فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَزُولُ فِي النَّاسِ، فَقُلْتُ: أَلَا تَرَيَانِ؟ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسْأَلَانِ عَنْهُ، قَالَ: فَابْتَدَرَاهُ فَضَرَبَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا حَتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: «أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟»، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُ، فَقَالَ: «هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟»، قَالَا: لَا، فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ، فَقَالَ: «كِلَاكُمَا قَتَلَهُ»، وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَالرَّجُلَانِ: مُعَاذُ ابْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَمُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ.\n[خ: ٣١٤١]\nقوله: «لئن رأيته لا يفارق سوادى سواده حتى يموت الأعجل منا»: أي شخصي شخصه، والشخص يسمى سوادا، وفي الحديث: \" أنت السواد","vol":"5","page":148},{"text":"الذى رأيت أمامى \" (^١).\nوقوله: «حتى يموت الأعجل منا» قيل: هو شيء استُعمل فى كلام العرب، كأنه يريد الأعجل أجلا والأقرب موتا (^٢).\nهذا الحديث فيه: أن عبد الرحمن بن عوف ﵁- وهو من السابقين الأولين الكبار- كان يوم بدر بين شابين حديثة أسنانهما، وهما: معاذ ابن عمر ابن الجموح، ومعاذ بن عفراء ﵄، فقال في نفسه: تمنيت لو أكون بين الكبار بدل أن أكون بين الشباب الصغار.\nوجاء في رواية: أن عبد الله بن مسعود ﵁ قتله (^٣)، وجُمع بينهما كما قال النووي ﵀: «قال القاضي: هذا قول أكثر أهل السير، قلت: يحمل على أن الثلاثة اشتركوا في قتله، وكان الإثخان من معاذ بن عمرو بن الجموح، وجاء ابن مسعود بعد ذلك وفيه رمق، فحز رقبته» (^٤).\n_________\n(^١) تخريج\n(^٢) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٦/ ٦٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٩٦٢)، ومسلم (١٨٠٠).\n(^٤) شرح مسلم، للنووي (١٢/ ٦٣).","vol":"5","page":149},{"text":"[١٧٥٣] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ رَجُلًا مِنَ الْعَدُوِّ، فَأَرَادَ سَلَبَهُ، فَمَنَعَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ- وَكَانَ وَالِيًا عَلَيْهِمْ- فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لِخَالِدٍ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُعْطِيَهُ سَلَبَهُ؟»، قَالَ: اسْتَكْثَرْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «ادْفَعْهُ إِلَيْهِ»، فَمَرَّ خَالِدٌ بِعَوْفٍ، فَجَرَّ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ أَنْجَزْتُ لَكَ مَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتُغْضِبَ، فَقَالَ: «لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ، لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ، هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي أُمَرَائِي؟ إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتُرْعِيَ إِبِلًا، أَوْ غَنَمًا، فَرَعَاهَا ثُمَّ تَحَيَّنَ سَقْيَهَا، فَأَوْرَدَهَا حَوْضًا، فَشَرَعَتْ فِيهِ، فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ، وَتَرَكَتْ كَدْرَهُ، فَصَفْوُهُ لَكُمْ، وَكَدْرُهُ عَلَيْهِمْ».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ مَنْ خَرَجَ مَعَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وَرَافَقَنِي مَدَدِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ- فِي الْحَدِيثِ-: قَالَ عَوْفٌ: فَقُلْتُ: يَا خَالِدُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ؟ ! قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي اسْتَكْثَرْتُهُ.\nقوله: «هَلْ أَنْجَزْتُ لَكَ مَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟» أي: ألم أقل لك: أني سوف أشتكيك للرسول ﵊؟\nوقوله ﷺ: «إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتُرْعِيَ إِبِلًا، أَوْ غَنَمًا، فَرَعَاهَا ثُمَّ تَحَيَّنَ سَقْيَهَا، فَأَوْرَدَهَا حَوْضًا، فَشَرَعَتْ فِيهِ، فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ، وَتَرَكَتْ كَدْرَهُ، فَصَفْوُهُ لَكُمْ، وَكَدْرُهُ عَلَيْهِمْ» معناه: أن رسول الله ﷺ مثَّل الأمر برجل استُرعِيَ إبلًا وصار يلاحظها ويرعاها ويسقيها الماء، فتشرب الصفو، فالأمراء","vol":"5","page":150},{"text":"يدبرون أمور الرعية ويرعون الجيوش، وفي هذا مشقة وشدة ومعاناة، وأما الرعية والأفراد فهم مرتاحون في هذا الباب، فلهم الصفو، وللأمراء الكدر، فلا تنازعوهم إذا حصل منهم شيء.\nهذا الحديث فيه: دليل على أنه لا ينبغي منازعة الأمراء والعلو عليهم.\n\n[١٧٥٤] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَوَازِنَ، فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَضَحَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، فَأَنَاخَهُ، ثُمَّ انْتَزَعَ طَلَقًا مِنْ حَقَبِهِ، فَقَيَّدَ بِهِ الْجَمَلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ يَتَغَدَّى مَعَ الْقَوْمِ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ، وَفِينَا ضَعْفَةٌ وَرِقَّةٌ فِي الظَّهْرِ، وَبَعْضُنَا مُشَاةٌ، إِذْ خَرَجَ يَشْتَدُّ، فَأَتَى جَمَلَهُ، فَأَطْلَقَ قَيْدَهُ، ثُمَّ أَنَاخَهُ وَقَعَدَ عَلَيْهِ، فَأَثَارَهُ فَاشْتَدَّ بِهِ الْجَمَلُ، فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ وَرْقَاءَ، قَالَ سَلَمَةُ: وَخَرَجْتُ أَشْتَدُّ، فَكُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ النَّاقَةِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ الْجَمَلِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِخِطَامِ الْجَمَلِ، فَأَنَخْتُهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رُكْبَتَهُ فِي الْأَرْضِ اخْتَرَطْتُ سَيْفِي، فَضَرَبْتُ رَأْسَ الرَّجُلِ فَنَدَرَ، ثُمَّ جِئْتُ بِالْجَمَلِ أَقُودُهُ عَلَيْهِ رَحْلُهُ وَسِلَاحُهُ، فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- وَالنَّاسُ مَعَهُ- فَقَالَ: «مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟»، قَالُوا: ابْنُ الْأَكْوَعِ، قَالَ: «لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ».\nقوله: «انْتَزَعَ طَلَقًا» أي: عقالًا من جلد.\nوقوله: «مِنْ حَقَبِهِ» بفتح الحاء والقاف، والَحقَبُ حبل يشدّ على حَقْو البعير.","vol":"5","page":151},{"text":"وقوله: «أَنَاخَهُ وَقَعَدَ عَلَيْهِ،، فَأَثَارَهُ فَاشْتَدَّ بِهِ الْجَمَلُ» أي: ركبه، ثم بعثه.\nوقوله: «فَأَثَارَهُ فَاشْتَدَّ بِهِ الْجَمَلُ» وفي رواية أن النبي ﷺ قال: «اطْلُبُوهُ، وَاقْتُلُوهُ» (^١).\nوقوله: «نَاقَةٍ وَرْقَاءَ»: الورقاء من النوق التي يخالط بياضها سواد، والذَّكَر أورق.\nوهذا الحديث فيه: أن هذا الرجل الوارد ذكره في الحديث جاء ليتجسس على المسلمين وينظر حالهم، فرأى فيهم ضعفًا ورقة وقلة في الإبل، ثم أراد الإسراع بالذهاب إلى الكفار ليخبرهم بحال المسلمين.\nوفيه: دليل على جواز قتل الجاسوس، ولا خلاف في قتل الجاسوس من الكفار، ويُقتل سواء كان حربيًّا أو ذميًّا، وإذا كان ذميًّا فقد انتقض عهده بالتجسس.\nوفيه: أن هذا السلب ليس من الخمس، وإنما هو من رأس الغنيمة.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٥١).","vol":"5","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-826>بَابُ التَّنْفِيلِ، وَفِدَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِالْأَسَارَى</span>.\n\n[١٧٥٥] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: غَزَوْنَا فَزَارَةَ- وَعَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْنَا- فَلَمَّا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمَاءِ سَاعَةٌ، أَمَرَنَا أَبُو بَكْرٍ فَعَرَّسْنَا، ثُمَّ شَنَّ الْغَارَةَ، فَوَرَدَ الْمَاءَ، فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ عَلَيْهِ وَسَبَى، وَأَنْظُرُ إِلَى عُنُقٍ مِنَ النَّاسِ فِيهِمُ الذَّرَارِيُّ، فَخَشِيتُ أَنْ يَسْبِقُونِي إِلَى الْجَبَلِ، فَرَمَيْتُ بِسَهْمٍ بَيْنهُمْ وَبَيْنَ الْجَبَلِ، فَلَمَّا رَأَوْا السَّهْمَ وَقَفُوا، فَجِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ، وَفِيهِمُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ عَلَيْهَا قَشْعٌ مِنْ أَدَمٍ، قَالَ: الْقَشْعُ: النِّطَعُ، مَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا مِنْ أَحْسَنِ الْعَرَبِ، فَسُقْتُهُمْ حَتَّى أَتَيْتُ بِهِمْ أَبَا بَكْرٍ، فَنَفَّلَنِي أَبُو بَكْرٍ ابْنَتَهَا، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي السُّوقِ، فَقَالَ: «يَا سَلَمَةُ، هَبْ لِي الْمَرْأَةَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْجَبَتْنِي، وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، ثُمَّ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْغَدِ فِي السُّوقِ، فَقَالَ لِي: «يَا سَلَمَةُ، هَبْ لِي الْمَرْأَةَ، لِلَّهِ أَبُوكَ»، فَقُلْتُ: هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَوَاللَّهِ مَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، فَبَعَثَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، فَفَدَى بِهَا نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا أُسِرُوا بِمَكَّةَ.\nقوله: «فَعَرَّسْنَا»: من التعريس: وهو نزول المسافر آخر الليل ليستريح.\nهذا الحديث فيه: شجاعة سلمة بن الأكوع ﵁.\nوفيه: دليل على جواز استرقاق العرب (^١)\nوفيه رد على من قال: إن العرب لا يسترقون، قال القاضي عياض - ﵀ -: \"اختلفوا في استرقاق العرب، فعند مالك والجمهور: أنهم كغيرهم، ويسترقون كيف كانوا\n_________\n(^١) فتح القدير، لابن الهمام (٤/ ٣٧١)، بدائع الصنائع، للكاساني (٩/ ٤٣٤٨)، أسنى المطالب، لزكريا الأنصاري (٤/ ١٩٣)، الشرح الكبير، للدردير (٢/ ١٨٤)، المغني، لابن قدامة (٨/ ٣٧٢)، الأحكام السلطانية، لأبي يعلى (ص ٣١).","vol":"5","page":153},{"text":"وعند أبي حنيفة والشافعي: لا يسترقون، فإما أن يسلموا أو يقتلوا، وهو قول بعض أصحابنا، إلا أن أبا حنيفة كان لا يسترق الرجال الكبار، واسترق النساء الصغار» (^١).\nقلت: الصحيح: أن الرق سببه الكفر، والكافر يقاتل، فإن قُتِلَ وإلا فيُسترق، سواء كان عربيًّا أو أعجميًّا.\nوفيه: دليل على أن القائد له أن ينفل بعض أفراد الجيش إذا كان له تأثير.\nوفيه: أن للسيد إذا ملك امرأة أن يجامعها، وله أن يزوجها، وله أن يبيعها، وسلمة ﵁ أبقاها.\nوفيه: دليل على استيهاب الرئيس، أو القائد من أحد أفراد الجيش، فقد لقي النبي ﷺ سلمة ﵁، فقال له: «يَا سَلَمَةُ، هَبْ لِي الْمَرْأَةَ»، فقال سلمة: يا رسول الله، إن الفتاة أعجبتني، فوالله ما كشفت لها ثوبًا، يعني: ما جامعها، ثم ذكر مرة ثانية، وقال: «يَا سَلَمَةُ، هَبْ لِي الْمَرْأَةَ، للهِ أَبُوكَ» يعني: يحثه على ذلك، فقال: «هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَوَاللَّهِ مَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا»، والنبي ﷺ لا يريد هذه المرأة لنفسه، وإنما يريد بها مصلحة المسلمين، فقد فادى بها أسارى من المسلمين في مكة.\nوفيه: دليل على جواز مفاداة أسرى المسلمين بالمرأة الكافرة الرقيقة.\nوفيه: دليل على جواز التفريق بين الأم وولدها، والأم وبنتها، إذا كانت بالغًا، وما جاء من الحديث عن عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ﵁ يَقُولُ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الأُمِّ وَوَلَدِهَا، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَى مَتَى؟ قَالَ: حَتَّى يَبْلُغَ الْغُلامُ، وَتَحِيضَ الْجَارِيَة» (^٢)؛ فهذا إذا كانت صغيرة، فإذا غنم المسلمون نساءً وأولادًا، فلا يفرق بين المرأة وأولادها الصغار؛ لأن في هذا ضررًا على الأولاد.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٦/ ٣٥).\n(^٢) أخرجه الدارقطني (٣٠٤٩)، والحاكم (٢٣٣٥)، والبيهقي في الكبرى (١٨٧٨٩)، وفي الإسناد عبد الله ابن عمرو بن حسان، قال الدارقطني: رماه علِي بن المديني بِالكذبِ.","vol":"5","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-827>بَابُ حُكْمِ الْفَيْءِ</span>.\n\n[١٧٥٦] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا، وَأَقَمْتُمْ فِيهَا، فَسَهْمُكُمْ فِيهَا، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ خُمُسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ».\nقوله: «أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا، وَأَقَمْتُمْ فِيهَا فَسَهْمُكُمْ فِيهَا» أي: القرية الأولى، قال القاضي عياض ﵀: «الفيء الذي لم يقاتل عليه المسلمون، بل جلا عنه أهله أو صالحوا عليه، فيكون سهمهم فيها، أي: حقهم من العطايا، كما يصرف الفيء» (^١)\n\n[قال سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز: «المراد بالقرية الأولى التي أقام فيها المسلمون وسكنوها، كأرض العراق والشام، وأما القرية الثانية ما أخذوه عنوة؛ فيكون غنيمة يخرج منه الخمس، وأربعة أخماسها للغانمين، والخمس يقسم خمسة أخماس، وأما التي فُتحت صلحًا، أو جلا أهلها عنها بدون قتال، فهذه تكون للنبي ﷺ، والمسلمون لهم أعطيات» (^٢).] [*]\n\n* * *\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٦/ ٣٦).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز (١٨/ ٧١).\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ورد ما بين معكوفين في الأصل الإلكتروني","vol":"5","page":155},{"text":"[١٧٥٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، عن الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً، فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ.\n[خ: ٢٩٠٤]\nحَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله: «الْكُرَاعِ» أي: الخيل.\nوهذا الحديث فيه: دليل على أن أموال بني النضير كانت للنبي ﷺ خاصة؛ لأنه لم يحصل فيها قتال، فكان ينفق على أهله ﷺ نفقة سنة، والباقي يجعله في الكُراع والسلاح عدةً في سبيل الله.\nوفيه: دليل على أنه لا بأس بادخار نفقة سنة، وأنه لا حرج في ادخار النفقة للعيال، وهذا لا ينافي التوكل على الله ﷿، إلا إذا كان هناك غلاء في الأسعار فلا يجوز للمسلم أن يضر المسلمين، فيشتري الطعام ويخزنه عنده.","vol":"5","page":156},{"text":"وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ، عن الزُّهْرِيِّ: أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَوْسٍ حَدَّثَهُ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَجِئْتُهُ حِينَ تَعَالَى النَّهَارُ، قَالَ: فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِهِ جَالِسًا عَلَى سَرِيرٍ مُفْضِيًا إِلَى رُمَالِهِ مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَقَالَ لِي: يَا مَالُ، إِنَّهُ قَدْ دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ قَوْمِكَ، وَقَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِرَضْخٍ فَخُذْهُ، فَاقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ، قَالَ: قُلْتُ: لَوْ أَمَرْتَ بِهَذَا غَيْرِي، قَالَ: خُذْهُ يَا مَالُ، قَالَ: فَجَاءَ يَرْفَا، فَقَالَ: هَلْ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي عُثْمَانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ، وَسَعْدٍ؟ فَقَالَ عُمَرُ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عَبَّاسٍ، وَعَلِيٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمَا، فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا الْكَاذِبِ الْآثِمِ الْغَادِرِ الْخَائِنِ، فَقَالَ الْقَوْمُ: أَجَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَاقْضِ بَيْنَهُمْ وَأَرِحْهُمْ، فَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ: يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا قَدَّمُوهُمْ لِذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّئِدَا، أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ، وَعَلِيٍّ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، أَتَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا نُورَثُ،\nمَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ؟»، قَالَا: نَعَمْ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ ﷺ بِخَاصَّةٍ لَمْ يُخَصِّصْ بِهَا أَحَدًا غَيْرَهُ، قَالَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾، مَا أَدْرِي هَلْ قَرَأَ الْآيَةَ الَّتِي قَبْلَهَا، أَمْ لَا، قَالَ: فَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَكُمْ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ، فَوَاللَّهِ مَا اسْتَأْثَرَ عَلَيْكُمْ، وَلَا أَخَذَهَا دُونَكُمْ، حَتَّى بَقِيَ هَذَا الْمَالُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْخُذُ مِنْهُ نَفَقَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ أُسْوَةَ الْمَالِ، ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، أَتَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، ثُمَّ نَشَدَ عَبَّاسًا، وَعَلِيًّا بِمِثْلِ مَا نَشَدَ بِهِ الْقَوْمَ، أَتَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، قَالَ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجِئْتُمَا","vol":"5","page":157},{"text":"تَطْلُبُ مِيرَاثَكَ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، وَيَطْلُبُ هَذَا مِيرَاثَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ»، فَرَأَيْتُمَاهُ كَاذِبًا آثِمًا غَادِرًا خَائِنًا! وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ، وَأَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَلِيُّ أَبِي بَكْرٍ، فَرَأَيْتُمَانِي كَاذِبًا آثِمًا غَادِرًا خَائِنًا! وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، فَوَلِيتُهَا، ثُمَّ جِئْتَنِي أَنْتَ\nوَهَذَا وَأَنْتُمَا جَمِيعٌ وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ، فَقُلْتُمَا: ادْفَعْهَا إِلَيْنَا، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا، عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ أَنْ تَعْمَلَا فِيهَا بِالَّذِي كَانَ يَعْمَلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذْتُمَاهَا بِذَلِكَ، قَالَ: أَكَذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُمَانِي لِأَقْضِيَ بَيْنَكُمَا، وَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَرُدَّاهَا إِلَيَّ.\n[خ: ٤٠٣٣]\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عن الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ قَوْمِكَ، بِنَحْوِ حَدِيثِ مَالِكٍ، غَيْرَ أَنَّ فِيهِ: فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْهُ سَنَةً، وَرُبَّمَا قَالَ مَعْمَرٌ: يَحْبِسُ قُوتَ أَهْلِهِ مِنْهُ سَنَةً، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ مِنْهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ ﷿.\nقوله: «حِينَ تَعَالَى النَّهَارُ» أي: ارتفع.\nوقوله: «فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِهِ جَالِسًا عَلَى سَرِيرٍ مُفْضِيًا إِلَى رُمَالِهِ مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ» أي: ليس بينه وبين السرير حاجز، حتى أثر هذا السرير في جسده، وفيه: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الذي مصَّر الأمصار، وفتح الفتوح ينام على فراش من سعف النخل، ليس عليه شيء يقيه، حتى أثَّر في جسده ﵁!\nوقوله: «يا مالُ، أو يا مالِ» بضم اللام وكسرها، ترخيم «مالك»، كقول","vol":"5","page":158},{"text":"النبي ﷺ لعائشة: «يَا عَائِشُ» (^١).\nوقوله: «إِنَّهُ قَدْ دَفَّ» الدَّفُّ: المشي بسرعة (^٢).\nوقوله: «بِرَضْخٍ» أي: بعطية قليلة.\nوقوله: «الْكَاذِبِ الْآثِمِ الْغَادِرِ الْخَائِنِ» يعني العباسُ ﵄ بهذا الكلام ابنَ أخيه عليَّ بنَ أبي طالب، وهذا من الكلام الذي يجري على اللسان من غير قصد عند الخصومات والغضب.\nوقوله: «يَرْفَا» أو يرفأ، بغير همزة وبهمزة، هو اسم حاجب عمر ﵁.\nوقوله: «اتَّئِدَا» أي: على رسلكما.\nوقول عمر ﵁: «فَرَأَيْتُمَاهُ كَاذِبًا آثِمًا غَادِرًا خَائِنًا! وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ» يعني: هما لا يريان أنه كاذب غادر خائن، لكن كان حالهما كحال الذي لا يصدقه.\nهذا الحديث كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «قول النبي - ﷺ -: «لا نورث ما تركنا فهو صدقة» رواه عنه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف والعباس بن عبد المطلب وأزواج النبي - ﷺ - وأبو هريرة، والرواية عن هؤلاء ثابتة في الصحاح والمسانيد مشهورة، يعلمها أهل العلم بالحديث» (^٣).\nوتحمل مطالبتهما عمر ﵄ على أنهما أرادا أن يليا هذا المال، وأن ينفقاه كما كان النبي ﷺ ينفقه، لا من باب الميراث.\nوالنبي ﷺ لا يورث، ولو كان يورث لكان لزوجاته الثمن، ولبنته فاطمة النصف، والباقي لعمه العباس ﵃ جميعًا.\nوالحكمة- والله أعلم- من أن الأنبياء لا يورثون: أنهم بُعثوا لهداية الناس ودعوتهم وإرشادهم وإنقاذهم من النار، ولم يبعثوا لجمع المال.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٧٦٨)، ومسلم (٢٤٤٧).\n(^٢) الصحاح، للجوهري (٤/ ١٣٦٠)، النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٢/ ٢٩٨).\n(^٣) منهاج السنة النبوية، لابن تيمية (٤/ ١٩٥ - ١٩٦).","vol":"5","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-828>بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ</span>.\n\n[١٧٥٨] حَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَيَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ عَائِشَةُ لَهُنَّ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ؟».\n[خ: ٦٧٣٠]\n\n[١٧٥٩] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، أَخْبَرَنَا حُجَيْنٌ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَفَدَكٍ، وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمْسِ خَيْبَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي هَذَا الْمَالِ، وَإِنِّي- وَاللَّهِ- لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ حَالِهَا، الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، قَالَ: فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ، وَصَلَّى عَلَيْهَا عَلِيٌّ، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وِجْهَةٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ، وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ بَايَعَ تِلْكَ الْأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلَا يَأْتِنَا مَعَكَ أَحَدٌ؛ كَرَاهِيَةَ مَحْضَرِ عُمَرَ بْنِ\nالْخَطَّابِ، فَقَالَ عُمَرُ- لِأَبِي بَكْرٍ-: وَاللَّهِ لَا تَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَاهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، إِنِّي وَاللَّهِ لَآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا- يَا أَبَا","vol":"5","page":160},{"text":"بَكْرٍ- فَضِيلَتَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالْأَمْرِ، وَكُنَّا نَحْنُ نَرَى لَنَا حَقًّا لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُ أَبَا بَكْرٍ، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ، فَإِنِّي لَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الْحَقِّ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ- لِأَبِي بَكْرٍ-: مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةُ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ صَلَاةَ الظُّهْرِ رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ الْبَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَا إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَرَى لَنَا فِي الْأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتُبِدَّ عَلَيْنَا بِهِ، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا فَسُرَّ بِذَلِكَ\nالْمُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا حِينَ رَاجَعَ الْأَمْرَ الْمَعْرُوفَ.\n[خ: ٤٢٤١]\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ فَاطِمَةَ، وَالْعَبَّاسَ أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- وَهُمَا حِينَئِذٍ يَطْلُبَانِ أَرْضَهُ مِنْ فَدَكٍ، وَسَهْمَهُ مِنْ خَيْبَرَ- فَقَالَ لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ عُقَيْلٍ عن الزُّهْرِيِّ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ فَعَظَّمَ مِنْ حَقِّ أَبِي بَكْرٍ، وَذَكَرَ فَضِيلَتَهُ وَسَابِقَتَهُ، ثُمَّ مَضَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَبَايَعَهُ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالُوا: أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ، فَكَانَ النَّاسُ قَرِيبًا إِلَى عَلِيٍّ حِينَ قَارَبَ الْأَمْرَ الْمَعْرُوفَ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ","vol":"5","page":161},{"text":"إِبْرَاهِيمَ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ فَاطِمَةَ- بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- سَأَلَتْ أَبَا بَكْرٍ- بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- أَنْ يَقْسِمَ لَهَا مِيرَاثَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»، قَالَ: وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَسْأَلُ أَبَا بَكْرٍ نَصِيبَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ، وَفَدَكٍ، وَصَدَقَتِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَقَالَ: لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْمَلُ بِهِ إِلَّا عَمِلْتُ بِهِ، إِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ، فَأَمَّا صَدَقَتُهُ بِالْمَدِينَةِ فَدَفَعَهَا عُمَرُ إِلَى عَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ، فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا عَلِيٌّ، وَأَمَّا خَيْبَرُ، وَفَدَكُ فَأَمْسَكَهُمَا عُمَرُ، وَقَالَ: هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَتَا لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ وَنَوَائِبِهِ، وَأَمْرُهُمَا إِلَى مَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ، قَالَ: فَهُمَا عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ.\n[خ: ٣٠٩٢]\nقوله: «فَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا- يَا أَبَا بَكْرٍ- فَضِيلَتَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ» أي: ولا نحسدك على خير ساقه الله إليك، وهذا من فضائل علي ﵁ أنه لم يحسد أبا بكر ﵁ على خير أعطاه الله إياه، ولكنه وجد في نفسه أن له حقًّا- في ظنه- وأن أبا بكر منعه هذا الحق، وهذا هو السبب الذي جعله يتأخر بعض الشيء عن مبايعته ﵁.\nوقول أبي بكر ﵁: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ، فَإِنِّي لَمْ آلُ فِيهَ عَنِ الْحَقِّ» يعني: الخلاف الذي بيني وبينكم من أجل الأموال، فأنا تابع فيه للنبي ﷺ، أقوم مقامه، وأصرفها في المصارف التي كان يصرفها فيها ﵊.","vol":"5","page":162},{"text":"[١٧٦٠] حَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عن الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا، مَا تَرَكْتُ- بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي، وَمَئُونَةِ عَامِلِي- فَهُوَ صَدَقَةٌ».\n[خ: ٢٧٧٦]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يحيى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\n\n[١٧٦١] وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ».\nقوله: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» هذا من باب الإخبار، وليس من باب النهي، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، والمعنى: أنه لا يقتسم ورثتي دينارًا؛ لأني لا أورث، ونفقة نساء النبي ﷺ تكون من الغلة ومن الريع.","vol":"5","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-829>بَابُ كَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ بَيْنَ الْحَاضِرِينَ</span>.\n\n[١٧٦٢] حَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى، وَأَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَسَمَ فِي النَّفَلِ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِلرَّجُلِ سَهْمًا.\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: «فِي النَّفَلِ».\nقوله: «فِي النَّفَلِ» يعني: الغنيمة، وأصل النفل: ما ينفله قائد الجيش لبعض الرعية، ولكن المراد- هنا-: الغنيمة، وقسم الغنيمة يكون للشخص الذي معه فرس ثلاثة أسهم: سهمان بسبب فرسه، وسهم بسبب نفسه، ويكون للراجل الذي ليس معه فرس سهم واحد، وهذا هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء (^١).\nوذهب الإمام أبو حنيفة ﵀: إلى أنه يسهم للفارس بسهمين: سهم له، وسهم لفرسه؛ لأنه لا يجعل سهم الفرس أفضل من سهم الرجل المسلم (^٢).\nوإذا أتى الإنسان بعدد من الأفراس هل يقسم لها؟ قال الجمهور (^٣): لا يقسم إلا لفرس واحد، وقيل: يقسم لفرسين (^٤)، وما زاد على ذلك فلا.\n_________\n(^١) بدائع الصنائع، للكاساني (٧/ ١٢٦)، والشرح الكبير، للدردير (٢/ ١٩٢ - ١٩٣)، الأم، للشافعي (٩/ ١٨٢)، والمغني، لابن قدامة (٩/ ٢٤٨).\n(^٢) بدائع الصنائع، للكاساني (٧/ ١٢٦).\n(^٣) الاختيار لتعليل المختار، للبلدخي (٤/ ١٣٠)، والمدونة، للإمام مالك بن أنس (١/ ٥١٩)، المجموع شرح المهذب، للنووي (١٩/ ٣٥٩)، المغني، لابن قدامة (٩/ ٢٥٠، ٢٥١).\n(^٤) المغني، لابن قدامة (٩/ ٢٥٠، ٢٥١).","vol":"5","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-830>بَابُ الْإِمْدَادِ بِالْمَلَائِكَةِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَإِبَاحَةِ الْغَنَائِمِ</span>.\n\n[١٧٦٣] حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي أَبُو زُمَيْلٍ- هُوَ سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ»، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَاءِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ؛ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلَائِكَةِ، قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: فَحَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ- يَوْمَئِذٍ- يَشْتَدُّ\nفِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ؛ إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ، فَوْقَهُ، وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ، فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ، فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ»، فَقَتَلُوا- يَوْمَئِذٍ- سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ، قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا أَسَرُوا الْأُسَارَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- لِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ-: «مَا تَرَوْنَ فِي","vol":"5","page":165},{"text":"هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى؟»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً، فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟»، قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ، فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنِّي مِنْ فُلَانٍ- نَسِيبًا لِعُمَرَ- فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا، فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ\nتَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ» - شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ- وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ فَأَحَلَّ اللَّهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ.\nهذا الحديث فيه: مشروعية الدعاء عند القتال، وأن المسلم يجمع بين إعداد العدة والسلاح، والتضرع لله والدعاء.\nوفيه: مشروعية استقبال القبلة للدعاء، ورفع اليدين، وكل هذا من أسباب قبول الدعاء، يتوضأ، ويتجه للقبلة، ويرفع يديه، ويحضر قلبه، ويلح في الدعاء، وقد فعل النبي ﷺ ذلك، وقال: «اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ».\nوفيه: أن عدة أصحاب بدر ﵃ ثلاثمائة وبضعة عشر، والبضع من ثلاثة إلى عشرة، وعدة أصحاب أهل بدر كعدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا النهر، وما جاوزه إلا مؤمن.","vol":"5","page":166},{"text":"وفيه: أن الله تعالى قد نصر عباده المؤمنين، وأمدهم بالملائكة مردفين، يعني: متتابعين، وهذه بشرى من الله تعالى لعباده، وإلا فالله تعالى قادر على أن ينصرهم بغير شيء، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾.\nوفيه: أن المَلَك قتل الكافر لما كان يشتد على رجل من المسلمين، فسمع صوت ضربة بالسوط، ويقول: «أَقْدِمْ حَيْزُومُ»، وحيزوم اسم فرسٍ للمَلَك، فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه من ضربة الملك، ثم مات من الضربة.","vol":"5","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-831>بَابُ رَبْطِ الْأَسِيرِ وَحَبْسِهِ، وَجَوَازِ الْمَنِّ عَلَيْهِ</span>.\n\n[١٧٦٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ - يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ - فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟»، قَالَ: عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟»، قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَانَ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ: «مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟»، فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ»، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ،\nفَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي، وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ: أَصَبَوْتَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\n[خ: ٤٣٧٢]","vol":"5","page":168},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْلًا لَهُ نَحْوَ أَرْضِ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ الْحَنَفِيُّ سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ.\nقوله: «إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ» يعني: على إنسان يقدِّر المعروف.\nوقوله: «وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ» يعني: إنسانًا له قيمته.\nوقوله: «وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ المالَ فَسَلْ مَا بَدَا لَكَ» لأنه سيد في قومه.\nوهذا الحديث فيه: جواز ربط الأسير في المسجد، ولو كان كافرًا.\nوفيه: دليل على أنه لا حرج في دخول الكافر المدينة، وإنما الممنوع هو دخول الكافرين حرم مكة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾؛ لأن حرمة الحرم المكي أغلظ.\nوفيه: مصلحة ربطه في المسجد حتى يراه الناس وهم يصلون، وكان سيدَ بني حنيفة.\nوفيه: أنه ﷺ أطلقه ثم اغتسل، ولم يأمره بالاغتسال؛ فدل على أن الاغتسال ليس بواجب للكافر إذا أسلم، ولأنه قد أسلم الجمع الغفير يوم مكة، ولم يؤمروا بالاغتسال، قال بعضهم: إلا إذا كان عليه جنابة في حال كفره، فإنه يجب عليه أن يغتسل.\nوفيه: أن الكفار قالوا له: «صَبَوْتَ»، فحاصرهم حصارًا اقتصاديًّا، وقال: «وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ».","vol":"5","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-832>بَابُ إِجْلَاءِ الْيَهُودِ مِنْ الْحِجَازِ</span>.\n\n[١٧٦٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ؛ إِذْ خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ»، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَاهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَادَاهُمْ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا»، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذَلِكَ أُرِيدُ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا»، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذَلِكَ أُرِيدُ»، فَقَالَ لَهُمْ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ، وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ».\n[خ: ٦٩٤٤]\n\n[١٧٦٦] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ، وَقُرَيْظَةَ حَارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ، حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ، وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَآمَنَهُمْ وَأَسْلَمُوا، وَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ: بَنِي قَيْنُقَاعَ- وَهُمْ قَوْمُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ- وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ، وَكُلَّ يَهُودِيٍّ كَانَ بِالْمَدِينَةِ.\n[خ: ٤٠٢٨]\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ مُوسَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثَ، وَحَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ أَكْثَرُ وَأَتَمُّ.\nهذا الحديث فيه: دليل على أن الذمي إذا نقض عهده يُقتل؛ ولهذا فإن","vol":"5","page":170},{"text":"بني قريظة لما نقضوا عهدهم قتلهم النبي ﷺ، وأجلى بعضهم.\nوفيه: أن الإمام مخير بين المن عليهم، واسترقاقهم، وقتلهم، فقد أجلى النبي ﷺ بني النضير، ومنَّ أولًا على بني قريظة، ثم نقضوا العهد، فقتل منهم المقاتلة، وسبى الذرية، وحكَّم فيهم سعدَ بن معاذ ﵁، كما سيأتي.","vol":"5","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-833>بَابُ إِخْرَاجِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ</span>.\n\n[١٧٦٧] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ. ح، وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ- وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ- كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقوله: «أَبُو الزُّبَيْرِ» مدلس، إلا أنه قد صرح بالسماع، ولو لم يصرح فإن روايته في الصحيحين معتبرة.\nوهذا الحديث فيه: أنه لا يجوز أن يبقى في جزيرة العرب دينان، وجاء في حديث آخر: «لَا يُتْرَكُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ» (^١)؛ لأن هذه الجزيرة العربية نبع منها الإسلام، وعلى أكتاف المسلمين قام الإسلام بها؛ فينبغي أن تكون سالمة؛ لا يبقى فيها دين إلا الإسلام، فلا يقر غير المسلمين عليها، ومعنى يقر: يجلس مدة، فقد يأتي من أهل الكتاب من يبيع سلعته، أو يبيع طعامه يومًا، أو يومين، ثم يعود فهذا لا بأس به، كما ضرب عمر بن الخطاب ﵁ لليهود والنصارى والمجوس بالمدينة إقامة ثلاث ليال يتسوقون بها ويقضون حوائجهم، ولا يقيم أحد منهم فوق ثلاث ليال (^٢)، أما أن يبقى مدة فليس له ذلك؛ ولهذا فإن ما يفعله بعض الناس من استقدام الكفرة من العمال، أو سائقي السيارات، أو الخدم فهو مخالف للشرع، ويسبب أضرارًا كثيرة من انتشار السحر وحصول الفواحش، وغيرها.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٦٣٥٢).\n(^٢) - أخرجه البيهقي في الكبرى (٣/ ٢١١/٥٤٥٤).","vol":"5","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-834>بَابُ جَوَازِ قِتَالِ مَنْ نَقَضَ الْعَهْدَ، وَجَوَازِ إِنْزَالِ أَهْلِ الْحِصْنِ عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ عَدْلٍ أَهْلٍ لِلْحُكْمِ</span>.\n\n[١٧٦٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ- قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: نَزَلَ أَهْلُ قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى سَعْدٍ، فَأَتَاهُ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا قَرِيبًا مِنَ الْمَسْجِدِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْأَنْصَارِ: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ- أَوْ: خَيْرِكُمْ-»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ»، قَالَ: تَقْتُلُ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَتَسْبِي ذُرِّيَّتَهُمْ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قَضَيْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ- وَرُبَّمَا قَالَ: قَضَيْتَ بِحُكْمِ الْمَلِكِ». وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ الْمُثَنَّى: «وَرُبَّمَا قَالَ: قَضَيْتَ بِحُكْمِ الْمَلِكِ».\n[خ: ٣٠٤٣]\nوَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ»، وَقَالَ مَرَّةً: «لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ الْمَلِكِ».\nهذا الحديث فيه: دليل على أنه لا بأس بتحكيم الإنسان في بعض القضايا، كما حكَّم النبيُّ ﷺ سعدَ بن معاذ ﵁، وقال: «لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ الْمَلِكِ».\nوفيه: رد على الخوارج الذين أنكروا على عليٍّ ﵁ مسألة التحكيم، وكفَّروا الفريقين.\nوفيه: أن بني قريظة نقضوا العهد، وأنهم إذا نقضوا العهد صار حكمهم حكم الكافر الحربي، يخير الإمام بين قتلهم، وسبيهم، والمن عليهم.","vol":"5","page":173},{"text":"وفيه: جواز القيام للقادم للسلام عليه، وأن هذا ليس ممنوعًا منه شرعًا؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» (^١)، يعني: لتلقيه والسلام عليه، والقيام ثلاثة أنواع:\nالأول: أن يقوم ليسلم عليه ويحييه، كما فعل النبي ﷺ حين جاءت فاطمة ﵂، «كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ رَحَّبَ بِهَا، وَقَامَ إِلَيْهَا فَأَخَذَ بِيَدِهَا فَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ» (^٢)، وهذا لا بأس به.\nالثاني: القيام للاحترام، وهذا مكروه، كما يفعل بعض الكبار إذا دخل أحدهم قاموا له، فإذا جلس جلسوا.\nالثالث: أن يقوم عليه وهو جالس، وهذا النوع هو الممنوع، حتى أن الصحابة لما قاموا على النبي ﷺ وهو جالس قال: «إِنْ كِدْتُمْ آنِفًا لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ، وَالرُّومِ، يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ» (^٣)، ويستثنى من هذا ما كان من الحراسة، كما كان المغيرة بن شعبة ﵁ في صلح الحديبية واقفًا على رأس النبي ﷺ يحرسه.\nوفيه: أنه لا بأس بقول سيد بالإضافة، نحو: سيدكم، سيد بني فلان، والنهي هو عن قول: فلان السيد، ولما قيل: أنت سيدنا، قال: «السَّيِّدُ اللَّهُ» (^٤)؛ سدًّا للذريعة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٤٣)، ومسلم (١٧٦٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٥٢١٧)، والترمذي (٣٨٧٢)، وابن حبان (٦٩٥٣).\n(^٣) أخرجه مسلم (٤١٣).\n(^٤) أخرجه أحمد (١٦٣٠٧)، وأبو داود (٤٨٠٦).","vol":"5","page":174},{"text":"[١٧٦٩] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ، قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ- يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْعَرِقَةِ- رَمَاهُ فِي الْأَكْحَلِ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ يَعُودُهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْخَنْدَقِ وَضَعَ السِّلَاحَ، فَاغْتَسَلَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، وَهُوَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنَ الْغُبَارِ، فَقَالَ: وَضَعْتَ السِّلَاحَ؟ وَاللَّهِ مَا وَضَعْنَاهُ، اخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَأَيْنَ؟» فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَقَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحُكْمَ فِيهِمْ إِلَى سَعْدٍ، قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ: أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ، وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ وَالنِّسَاءُ، وَتُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ.\n[خ: ٤١٢٢]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: قَالَ أَبِي: فَأُخْبِرْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ ﷿».\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ سَعْدًا قَالَ- وَتَحَجَّرَ كَلْمُهُ لِلْبُرْءِ- فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَ فِيكَ مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ ﷺ، وَأَخْرَجُوهُ، اللَّهُمَّ فَإِنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْءٌ فَأَبْقِنِي أُجَاهِدْهُمْ فِيكَ، اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَافْجُرْهَا، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِيهَا، فَانْفَجَرَتْ مِنْ لَبَّتِهِ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ وَفِي الْمَسْجِدِ مَعَهُ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ إِلَّا وَالدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ، مَا هَذَا الَّذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟ فَإِذَا سَعْدٌ جُرْحُهُ يَغِذُّ دَمًا، فَمَاتَ مِنْهَا.\nقول سعد بن معاذ ﵁- وهذا هو الذي اهتز له عرش الرحمن عند موته-: «اللَّهُمَّ","vol":"5","page":175},{"text":"فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَافْجُرْهَا، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِيهَا» هذا ليس من تمني الموت، ولكنه من تمني الشهادة.\nوَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَانْفَجَرَ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَمَا زَالَ يَسِيلُ حَتَّى مَاتَ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ قَالَ: فَذَاكَ حِينَ يَقُولُ الشَّاعِرُ:\nأَلَا يَا سَعْدُ سَعْدَ بَنِي مُعَاذٍ ... فَمَا فَعَلَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ\nلَعَمْرُكَ إِنَّ سَعْدَ بَنِي مُعَاذٍ ... غَدَاةَ تَحَمَّلُوا لَهُوَ الصَّبُورُ\nتَرَكْتُمْ قِدْرَكُمْ لَا شَيْءَ فِيهَا ... وَقِدْرُ الْقَوْمِ حَامِيَةٌ تَفُورُ\nوَقَدْ قَالَ الْكَرِيمُ أَبُو حُبَابٍ ... أَقِيمُوا قَيْنُقَاعُ وَلَا تَسِيرُوا\nوَقَدْ كَانُوا بِبَلْدَتِهِمْ ثِقَالًا ... كَمَا ثَقُلَتْ بِمَيْطَانَ الصُّخُورُ\nفي هذه الأبيات: إنما قصد هذا الشاعر تحريض سعد على استبقاء بني قريظة حلفائه ويلومه على حكمه فيهم ويذكره بفعل عبد الله بن أبي ويمدحه بشفاعته في حلفائهم بني قينقاع.\n@@","vol":"5","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-835>بَابُ مَنْ لَزمَهُ أَمْرٌ فَدَخَلَ عَلَيه أَمْرٌ آخَرُ</span>.\n\n[١٧٧٠] وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَادَى فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ انْصَرَفَ عن الأَحْزَابِ: «أَنْ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ فَصَلَّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَإِنْ فَاتَنَا الْوَقْتُ. قَالَ: فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ.\n[خ: ٩٤٦]\nقوله: «فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ»: وذلك لأنهم مجتهدون.\nوهذا الحديث فيه: أن النبي ﷺ قال: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، وفي حديث ابن عمر ﵄: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» (^١)، وجُمِعَ بينهما: بأن النبي ﷺ قال ذلك بعد أن صلى الظهر، وصلى معه ناس الظهر، ولم يُصَلِّ آخرون، فقال للذين لم يصلوا الظهر: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، وقال للذين صلوا الظهر: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، وقيل: إنه قال للفريقين.\nوفيه: أنهم أدركتهم الصلاة في الطريق فاجتهدوا؛ فمنهم من صلى في الطريق، وقالوا: لا نؤخر الوقت، وعندنا الأدلة الأخرى التي فيها تحديد الأوقات، فالرسول ﷺ لم يُرِدْ أن نؤخر الوقت، وإنما أراد الحثَّ على الإسراع، وتمسك أحدهم بالنص، وقالوا: لا نصلي حتى نصل بني قريظة، فأخروا الصلاة، فلم يصلوا العصر إلا بعد غروب الشمس، فلم يعنف النبي ﷺ أحدًا من الفريقين؛ لأنهم مجتهدون.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٤٦).","vol":"5","page":177},{"text":"قال ابن القيم ﵀: «وقد اجتهد الصحابة في زمن النبي ﷺ في كثير من الأحكام ولم يعنفهم، كما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلوا العصر في بني قريظة، فاجتهد بعضهم وصلاها في الطريق، وقال: لم يرد منا التأخير، وإنما أراد سرعة النهوض، فنظروا إلى المعنى، واجتهد آخرون وأخروها إلى بني قريظة فصلوها ليلًا، نظروا إلى اللفظ، وهؤلاء سلف أهل الظاهر، وهؤلاء سلف أصحاب المعاني والقياس» (^١)، حتى إن ابن حزم ﵀ يقول: «وعلم الله تعالى أننا لو كنا هناك ما صلينا العصر في ذلك اليوم إلا في بني قريظة ولو بعد أيام» (^٢).\n_________\n(^١) إعلام الموقعين، لابن القيم (١/ ١٥٥ - ١٥٦).\n(^٢) جوامع السيرة، لابن حزم (ص ١٩٢).","vol":"5","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-836>بَابُ رَدِّ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى الْأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمْ مِنَ الشَّجَرِ وَالثَّمَرِ حِينَ اسْتَغْنَوْا عَنْهَا بِالْفُتُوحِ</span>.\n\n[١٧٧١] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ مَكَّةَ الْمَدِينَةَ قَدِمُوا وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ، وَكَانَ الْأَنْصَارُ أَهْلَ الْأَرْضِ وَالْعَقَارِ، فَقَاسَمَهُمْ الْأَنْصَارُ عَلَى أَنْ أَعْطَوْهُمْ أَنْصَافَ ثِمَارِ أَمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ، وَيَكْفُونَهُمُ الْعَمَلَ وَالْمَئُونَةَ، وَكَانَتْ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ- وَهِيَ تُدْعَى أُمَّ سُلَيْمٍ- وَكَانَتْ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ كَانَ أَخًا لِأَنَسٍ لِأُمِّهِ، وَكَانَتْ أَعْطَتْ أُمُّ أَنَسٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِذَاقًا لَهَا، فَأَعْطَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ أَيْمَنَ- مَوْلَاتَهُ أُمَّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ- قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ خَيْبَرَ، وَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ، رَدَّ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الْأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ الَّتِي كَانُوا مَنَحُوهُمْ مِنْ ثِمَارِهِمْ، قَالَ: فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُمِّي عِذَاقَهَا، وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ أَيْمَنَ مَكَانَهُنَّ مِنْ حَائِطِهِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ مِنْ شَأْنِ أُمِّ أَيْمَنَ- أُمِّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ- أَنَّهَا كَانَتْ وَصِيفَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَتْ مِنْ الْحَبَشَةِ، فَلَمَّا وَلَدَتْ آمِنَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ\nبَعْدَ مَا تُوُفِّيَ أَبُوهُ، فَكَانَتْ أُمُّ أَيْمَنَ تَحْضُنُهُ حَتَّى كَبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَعْتَقَهَا، ثُمَّ أَنْكَحَهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ بَعْدَ مَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ.\n[خ: ٢٦٣٠]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْقَيْسِيُّ، كُلُّهُمْ عن المُعْتَمِرِ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ- حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ ابْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا- وَقَالَ حَامِدٌ، وَابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى: أَنَّ الرَّجُلَ- كَانَ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ النَّخْلاتِ مِنْ أَرْضِهِ، حَتَّى فُتِحَتْ عَلَيْهِ قُرَيْظَةُ، وَالنَّضِيرِ، فَجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيِهِ مَا كَانَ","vol":"5","page":179},{"text":"أُعْطَاهُ، قَالَ أَنَسٌ: وَإِنَّ أَهْلِي أَمَرُونِي أَنْ آتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْأَلَهُ مَا كَانَ أَهْلُهُ أَعْطَوْهُ، أَوْ بَعْضَهُ؟ وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَعْطَاهُ أُمَّ أَيْمَنَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَعْطَانِيهِنَّ، فَجَاءَتْ أُمُّ أَيْمَنَ، فَجَعَلَتِ الثَّوْبَ فِي عُنُقِي، وَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَا يُعْطِيكَهُنَّ وَقَدْ أَعْطَانِيهِنَّ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «يَا أُمَّ أَيْمَنَ اتْرُكِيهِ وَلَكِ كَذَا وَكَذَا»، وَتَقُولُ: كَلَّا وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: كَذَا، حَتَّى أَعْطَاهَا عَشْرَةَ أَمْثَالِهِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ عَشْرَةِ أَمْثَالِهِ.\n[خ: ٤١٢٠]\nهذا الحديث فيه: فضل الأنصار ﵃؛ فإن المهاجرين ﵃ هاجروا من مكة إلى المدينة، وتركوا ديارهم وأموالهم، وليس معهم شيء، فقاسمهم الأنصار ثمارهم وأموالهم نصفين، ولكن المهاجرين- لعزة أنفسهم- لم يرضوا أن يأخذوا أموال إخوانهم الأنصار إلا بالعمل، فلما لم يقبلوا قالوا لهم: إذًا تكفونا من العمل، ولكم نصف الثمرة، قالوا: رضينا، فكان المهاجرون يعملون ولهم نصف الثمار، وللأنصار النصف.\nوكان بعض الأنصار يعطي بعض المهاجرين منيحة، فيأكل ثمر النخلات، ويرد رقبتها على أصحابها.\nفلما فُتحت خيبر والنضير وصار للنبي ﷺ أسهم من النخلات ردَّ المهاجرون على الأنصار منائحهم التي أعطوها إياهم؛ لأنهم استغنوا بأنصبائهم.\nومن ذلك: أن أم أنس- وهي أم سليم ﵂- كانت قد أعطت النبي ﷺ نخلات قبل فتح خيبر، ثم بعد ذلك ردها النبي ﷺ، فأرسلت للنبي ﷺ، وقالت له: خذ نخلاتنا، وكان أعطاها أم أيمن ﵂، فلما علمت أم أيمن ﵂ قالت: «وَاللَّهِ لَا يُعْطِيكَهُنَّ وَقَدْ أَعْطَانِيهِنَّ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: يَا أُمَّ أَيْمَنَ اتْرُكِيهِ وَلَكِ كَذَا وَكَذَا، وَتَقُولُ: كَلَّا وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: كَذَا، حَتَّى أَعْطَاهَا عَشْرَةَ أَمْثَالِهِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ عَشْرَةِ أَمْثَالِهِ».\nوكانت تفعل هذا؛ لأنها كانت تدلُّ على النبي ﷺ؛ فقد كانت حاضنته، ثم بعد ذلك أعتقها النبي ﷺ، وزوَّجها زيد بن حارثة، وولدها أسامة ﵁.","vol":"5","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-837>بَابُ أَخْذِ الطَّعَامِ مِنْ أَرضِ الْعَدُوِّ</span>.\n\n[١٧٧٢] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ الْمُغِيرَةِ- حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: أَصَبْتُ جِرَابًا مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ قَالَ: فَالْتَزَمْتُهُ، فَقُلْتُ: لَا أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا، قَالَ: فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَبَسِّمًا.\n[خ: ٣١٥٣]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي حُمَيْدُ ابْنُ هِلَالٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ يَقُولُ: رُمِيَ إِلَيْنَا جِرَابٌ فِيهِ طَعَامٌ وَشَحْمٌ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَوَثَبْتُ لِآخُذَهُ، قَالَ: فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ.\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: جِرَابٌ مِنْ شَحْمٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ: الطَّعَامَ.\nهذا الحديث فيه: دليل على أنه لا بأس بأكل الطعام الحاضر المطبوخ قبل قسمة الغنيمة، أما أن يأخذ شيئًا من الغنيمة فهذا ممنوع؛ ولهذا فإن النبي ﷺ أقر عبد الله بن مغفل ﵁، ولم ينكر عليه.\n[قوله: «رُمِيَ إِلَيْنَا» الرامي من اليهود.] [*]\n_________\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ورد ما بين معكوفين في الأصل الإلكتروني","vol":"5","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-838>بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ</span>.\n\n[١٧٧٣] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ- قَالَ ابْنُ رَافِعٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ مِنْ فِيهِ إِلَى فِيهِ قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّأْمِ؛ إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ- يَعْنِي: عَظِيمَ الرُّومِ- قَالَ: وَكَانَ دَحْيَةُ الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ، فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَلْ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ، فَأَجْلَسَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا، فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي، ثُمَّ دَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ، قَال: فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَايْمُ اللَّهِ لَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ يُؤْثَرَ عَلَيَّ الْكَذِبُ لَكَذَبْتُ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: سَلْهُ: كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ،\nقَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: وَمَنْ يَتَّبِعُهُ، أَشْرَافُ النَّاسِ، أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: أَيَزِيدُونَ، أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: تَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالًا، يُصِيبُ مِنَّا، وَنُصِيبُ","vol":"5","page":182},{"text":"مِنْهُ، قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ، لَا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا؟ قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ! قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ، وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ: أَضُعَفَاؤُهُمْ، أَمْ أَشْرَافُهُمْ؟ فَقُلْتَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَزَعَمْتَ: أَنْ لَا، فَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ يَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ! وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ\nدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَهُ سَخْطَةً لَهُ؟ فَزَعَمْتَ: أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَزِيدُونَ، أَوْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ: أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ: أَنَّكُمْ قَدْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا، يَنَالُ مِنْكُمْ، وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ؟ فَزَعَمْتَ: أَنَّهُ لَا يَغْدِرُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ: أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ قُلْتُ: رَجُلٌ ائْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ، قَالَ: إِنْ يَكُنْ مَا تَقُولُ فِيهِ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ، وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ، قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ","vol":"5","page":183},{"text":"الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ\nالْأَرِيسِيِّينَ، و﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾»، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ ارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ عِنْدَهُ، وَكَثُرَ اللَّغْطُ، وَأَمَرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا، قَالَ: فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي- حِينَ خَرَجْنَا-: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ، قَالَ: فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ.\n[خ: ٤٥٥٣]\nوَحَدَّثَنَاهُ حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: وَكَانَ قَيْصَرُ لَمَّا كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ جُنُودَ فَارِسَ مَشَى مِنْ حِمْصَ إِلَى إِيلِيَاءَ شُكْرًا لِمَا أَبْلَاهُ اللَّهُ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَقَالَ: إِثْمَ الْيَرِيسِيِّينَ، وَقَالَ: بِدَاعِيَةِ الْإِسْلَامِ.\nقوله: «سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى» هذا سلام منكَّر.\nوهذا الحديث فيه: هذه القصة التي حدثت لأبي سفيان ﵁- وكان آنذاك مشركًا-.\nوفيه: أن أبا سفيان ﵁ قال: «وَايْمُ اللَّهِ» فقد كان يحلف، وكان المشركون يحلفون بالله، وباللات، والعزى، وكانوا يحجون وهم على شركهم، وكانوا يعبدون الله، ويعبدون معه غيره.\nوفيه: أن الكذب قبيح في الجاهلية والإسلام، فهذا أبو سفيان ﵁ خشي أن يؤثر عنه الكذب مع شدة عداوته للنبي ﷺ في ذلك الحين، فإذا كان أهل الجاهلية- على شركهم- يتركون الكذب؛ لأنه قبيح، فالمسلم أولى أن يبتعد عن الكذب، ولهذا قيل للنبي ﷺ: «أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا؟ قَالَ: نَعَمْ،","vol":"5","page":184},{"text":"قِيلَ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلًا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّابًا؟ قَالَ: لا» (^١).\nوفيه: أن هرقل «دَعَا بِتَرْجُمَانِهِ» والتَّرجمان- بفتح التاء، وقيل: بضمها-: هو الذي ينقل الكلام من لغة إلى لغة.\nوهرقل لقب كل من ملك الشام، كما أن من ملك الروم يقال له: قيصر، ومَن ملك الفرس يقال له: كسرى، ومَن ملك القبط يقال له: فرعون.\nوفيه: أن هرقل وجَّه إلى أبي سفيان أحد عشر سؤالًا تيقن من خلالها أن محمدًا ﷺ نبي، وهذا لأن هرقل كان من أهل الكتاب، قرأ الكتاب الأول، وعرف صفات النبي ﷺ.\nوفيه: أن الرسل تُبعث في أحساب قومها؛ حتى لا يكون لأحد فيهم مطعن، وأن هذا أدعى لقبول الناس لهم.\nوفيه: أن أتباع الرسل هم الضعفاء؛ لأن الأشراف فيهم كبر يمنعهم من اتِّباع الأنبياء؛ لأن الشرائع تقيِّدهم، وهم يريدون أن ينطلقوا من القيود؛ ولهذا قال قوم نوح لنوح ﵇: ﴿أنؤمن لك واتبعك الأرذلون﴾، وقالوا: ﴿ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلُنا بادئ الرأي﴾.\nوفيه: استنباط هرقل، فهو يقول: كيف يترك رسول الله ﷺ الكذب على الناس ثم يكذب على الله؟ !\nوفيه: أن هرقل رجل عاقل؛ لذلك قال: «وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ»، وهذا يدل على أنه عرف أن الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب فإن له حلاوة ولذة؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (^٢)، والإيمان إذا خالط بشاشة\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ (١٩)، والبيهقي في الشعب (٤٤٧٢) مرسلًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣).","vol":"5","page":185},{"text":"القلوب لا يمكن أن يرتد عنه أحد.\nوهذا يدل- أيضًا- على أن الذي منع هرقل من الإيمان أنه آثر الحياة الدنيا على الآخرة، وأن المعرفة لا تكفي وحدها بدون انقياد واتباع، فإبليس كان عارفًا، وفرعون كان عارفًا ولكن منعهم الكبر.\nوفيه: أن هرقل تضلَّع من الكتاب الأول؛ لذا قال: «وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ»، وهذا يدل على معرفته بعاقبة المرسلين.\nوفيه: أنه استدل على نبوة النبي ﷺ كذلك بقوله: «وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ»، وهذه الأسئلة يُستدل بها على نبوة الأنبياء، وأن دلائل النبوة كثيرة، وليست خاصة بالمعجزات كما يدعي الأشاعرة، وأهل البدع (^١)، وهذا من جهلهم.\nكما أن خديجة ﵂ استدلت على نبوة النبي ﷺ بصفات النبي ﷺ، فلما جاء إليها في أول البعثة، فقالت: «كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ\n_________\n(^١) الإرشاد، للجويني (ص ٣٠٩ - ٣١٥)، أصول الدين، للجويني (ص ١٧٠ - ١٧٥)، الاقتصاد في الاعتقاد، للغزالي (ص ٨١ - ٨٢)، وانظر: النبوات، لابن تيمية (ص ٢٨٣).","vol":"5","page":186},{"text":"الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ» (^١).\nوفيه: أن قوله: «إِنْ يَكُنْ مَا تَقُولُ فِيهِ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ، وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ»، يعني: أنه سيبلغ ملك المسلمين بلاد الروم، وهذا وقع للصحابة ﵃، فقد فتحوا بلاد الشام ومصر وبلاد العراق، ثم ما وراء النهر.\nوفي ابتداء كتاب النبي ﷺ بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ مشروعيةُ ابتداء الكتاب بالبسملة، كما كتب سليمان ﵇ إلى بلقيس: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلو علي وأتُوني مسلمين﴾.\nوفيه: أن الكاتب يبدأ بنفسه، فيقول: من فلان إلى فلان.\nوفيه: أن النبي ﷺ دعا هرقل إلى الإسلام، فالكفار لا يُقاتَلون حتى يُدعَوا إلى الإسلام أولًا، فإذا بلغتهم الدعوة، ولم يستجيبوا فإنه يجوز للمسلمين أن يُغِيروا عليهم من دون دعوة، ويجوز لهم أن يدعوهم مرة أخرى من باب الاستحباب، كما أغار النبي ﷺ على بني المصطلق وهم غارُّون، وأنعامهم تُسقَى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم، وكما فعل في بعض جهة خيبر، وأحيانًا يعيد الدعوة مرة أخرى، كما أمر النبي ﷺ عليًّا ﵁ في بعض السرايا لما بعثها إلى خيبر، وقال: «ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ» (^٢).\nوفيه كلام جامع عظيم في قوله: «أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ» وأَسْلِمْ تَسْلَمْ أي: من القتال والعقوبة في الدنيا، وتسلم من العذاب في الآخرة، و«يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ»؛ لأنه من أهل الكتاب، وأهل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤)، ومسلم (١٦٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٩٤٢)، ومسلم (١٧٣١).","vol":"5","page":187},{"text":"الكتاب إذا آمنوا يؤتون أجرهم مرتين، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾، وفي الحديث: «ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ، وَاتَّبَعَهُ، وَصَدَّقَهُ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَقَّ سَيِّدِهِ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَغَذَّاهَا فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا، ثُمَّ أَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ» (^١).\nوفيه ذكر الأريسيين في قوله: «وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ»: وهم الفلاحون والزارعون، والمراد: جميع الرعية، لكنه خص الفلاحين والزارعيين؛ لأنهم هم الأغلب في مملكته، ولأنهم أسرع انقيادًا، وغيرهم تبع لهم، وقيل: المراد بالأريسيين: اليهود والنصارى، وقيل المراد بهم: الملوك الذين يدعون إلى الباطل.\nوفي بعثه ﷺ إلى هرقل قول الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ دليل على أنه لا بأس ببعث الآية والآيتين إلى بلاد الكفار، وأنه لا بأس بمس كتب التفسير التي فيها بعض الآيات، وأن الممنوع هو مس المصحف كاملًا.\nوقد جاء في الحديث النهي عن سفر القرآن لأرض العدو؛ خشية أن تمسه أيديهم، فعن ابن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ؛ فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ» (^٢).\nوفيه: أنه لما خرج أبو سفيان- وكان قائد المشركين بمكة- تعجب من اهتمام هرقل بالنبي ﷺ، وقال: «لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ» أي: عظم شأن ابن أبي كبشة، يعني: النبيَّ ﷺ، وكانوا ينسبونه إلى جده أبي كبشة، قيل: هو أبوه من الرضاعة، وقيل: هو جده لأمه، وقيل: إنه رجل كان يعبد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠١١)، ومسلم (١٥٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٨٦٩).","vol":"5","page":188},{"text":"الشعرى وحده ولم يتبعه العرب، فشُبِّه به النبي ﷺ في مخالفته إياهم لدينهم، وكان الكفار إذا غضبوا عليه ﷺ قالوا: ابن أبي كبشة، وإذا رضوا قالوا: ابن عبد المطلب.\nوفيه: أن هرقل لما أنعم الله عليه فصدَّ عنه جنود الفرس مشى من حمص إلى إيلياء على قدميه شكرًا لله، وكان الملوك لا يمشون على أقدامهم، لكنه مشى شكرًا لله ﷿.\nوجاء في صحيح البخاري (^١) أن هرقل لما خرج أبو سفيان جمع القساوسة وعلماء النصارى وأهل الكتاب في مجمع عظيم، ولما دخلوا وأخذوا أمكنتهم أمر بالأبواب فأغلقت، وأخذ المفاتيح، ثم اطلع عليهم من فوق بعلو وكبرياء، وقال لهم: يا بني كذا- ناداهم بأسمائهم- هل لكم في الفلاح؟ هل لكم في النجاة؟ هل لكم في سعادة الدنيا والآخرة؟ قالوا: ماذا؟ قال: تتبعون هذا النبي، وأنتم تعلمون علم اليقين مثل الشمس أنه رسول الله، هذه صفاته عندكم، فلما رأوا هذا الكلام حاصروه إلى الأبواب يريدون أن يخلعوه ويقتلوه، ولكنه احتاط لنفسه وأغلق الأبواب، وقال: ردوهم عليَّ، فلما رجعوا إلى أماكنهم طلع عليهم مرة أخرى، وقال: إنما قلت هذا الكلام لأختبر صبركم على دينكم، وثباتكم عليه، فسجدوا له، فلما بلغ النبي ﷺ ذلك، قال: «ضَنَّ الْخَبِيثُ بِمُلْكِهِ، وَلا بَقَاءَ لِمُلْكِهِ» (^٢)، أي: بخل وشح بملكه، وسيزول.\n_________\n(^١) تخريج\n(^٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٢٥٨).","vol":"5","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-839>بَابُ كُتُبِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى مُلُوكِ الْكُفَّارِ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ ﷿</span>.\n\n[١٧٧٤] حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى، وَإِلَى قَيْصَرَ، وَإِلَى النَّجَاشِيِّ، وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ.\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرُّزِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ.\nوحَدَّثَنِيهِ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ: وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ.\nقوله: «وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ» يريد أن يقول: إن النجاشي الذي صلى عليه النبي ليس بجبار، بل ثبت إسلامه، وصلى عليه النبي ﷺ كما سبق في باب في التكبير على الجنازة (^١)، وهو لا يصلي إلا على مؤمن.\nوهذا الحديث فيه: أن النبي ﷺ كتب إلى قيصر ملك الروم، وكتب إلى كسرى ملك الفرس؛ وكتب إلى المقوقس عظيم القبط بمصر، لأنه مأمور بتبليغ الرسالة.\nوفيه: مشروعية الكتب من الرئيس ومن العالم إلى رؤساء القبائل والعشائر والأفراد، وإلى ولاة الأمور من باب النصيحة، والدعوة، وتبليغ الرسالة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٥٢).","vol":"5","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-840>بَاب فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ</span>.\n\n[١٧٧٥] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: قَالَ عَبَّاسٌ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَلَزِمْتُ أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ نُفَارِقْهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ بَيْضَاءَ أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ الْجُذَامِيُّ، فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ، قَالَ عَبَّاسٌ: وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَنْ لَا تُسْرِعَ، وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيْ عَبَّاسُ، نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ»، فَقَالَ عَبَّاسٌ- وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا-: فَقُلْتُ- بِأَعْلَى صَوْتِي-: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ قَالَ: فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا، فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ، قَالَ: فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ، وَالدَّعْوَةُ فِي الْأَنْصَارِ، يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَقَالُوا: يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، يَا بَنِي الْحَارِثِ ابْنِ الْخَزْرَجِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- وَهُوَ\nعَلَى بَغْلَتِهِ كَالْمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا إِلَى قِتَالِهِمْ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ»، قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: «انْهَزَمُوا، وَرَبِّ مُحَمَّدٍ»، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ- فِيمَا أَرَى- قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ، فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا، وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا.\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عن الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ:","vol":"5","page":191},{"text":"فَرْوَةُ ابْنُ نُعَامَةَ الْجُذَامِيُّ، وَقَالَ: «انْهَزَمُوا، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، انْهَزَمُوا، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ»، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: حَتَّى هَزَمَهُمُ اللَّهُ، قَالَ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَرْكُضُ خَلْفَهُمْ عَلَى بَغْلَتِهِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عن الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي كَثِيرُ بْنُ الْعَبَّاسِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ يُونُسَ وَحَدِيثَ مَعْمَرٍ أَكْثَرُ مِنْهُ وَأَتَمُّ.\nهذه الغزوة تسمى غزوة حُنَيْن، وحُنَيْنٌ وادٍ بين مكة والطائف حصلت فيه المعركة، وكان عدد جيش المسلمين اثني عشر ألفًا، وقالوا: لن نُغلب اليوم من قلة، فحصلت الهزيمة في أول الأمر.\nقوله: «أَيْ عَبَّاسُ، نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ» السَّمُرَةُ هي: الشجرة التي بايع الصحابة ﵃ رسول الله ﷺ تحتها يوم الحديبية، وكانوا ألفًا وأربعَمائة، وهم الذين أنزل الله فيهم: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾، وقال فيهم النبي ﷺ: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» (^١)، وقوله: «ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: «انْهَزَمُوا، وَرَبِّ مُحَمَّدٍ»»: وحينها ما بقي كافر إلا دخل في عينيه ومنخريه شيء من تلك الرملة.\nوفيه: معجزتان: معجزة قولية، ومعجزة فعلية، أما المعجزة القولية فقوله: «انْهَزَمُوا» فانهزموا، وأما المعجزة الفعلية، فهي أن هذه القبضة من التراب أوصلها الله إلى الكفار، فأصابتهم جميعًا في أعينهم، ومناخرهم، فانهزموا.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٤٧٧٨)، وأبو داود (٤٦٥٣)، والترمذي (٣٨٦٠).","vol":"5","page":192},{"text":"وهذا الحديث فيه: شجاعة النبي ﷺ، حيث كان ﷺ يركض بغلته إلى الكفار، وكان العباس ﵁ عم النبي ﷺ يأخذ بخطامها؛ لئلَّا تذهب إليهم وهو يركض، ثم نزل ﵊ ونوَّه عن نفسه: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ»، ينسب نفسه إلى جده ﵊؛ لأن جده معروف عند العرب، بخلاف أبيه عبد الله؛ فإنه مات شابًّا، والجد أب؛ فالمعنى واحد، قال تعالى: ﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب﴾.\nوكان الصحابة ﵃ يلوذون به ﷺ.\nوفيه: تحريم العُجب بالنفس، وأن العُجب سبب في الهزيمة، كما أخبر الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ﴿، ثم تداركهم الله بعد ذلك، قال الله: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، فأنزل الله الجنود لتقاتل كما في بدر، وأنزل الله السكينة والطمأنينة على النبي ﷺ وعلى المؤمنين، وغنموا غنائم عظيمة من الإبل ومن الغنم، وسَبَوا- أيضًا- نساء هوازن وذراريهم.\nثم بعد ذلك انتظرهم النبي ﷺ بضع ليالٍ فأتوا تائبين، فرأى النبي ﷺ أن يرد عليهم سبيهم، وأما الأموال فقسمت.\n[قول البراء ﵁: «وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَفِرَّ، وَكَانَتْ هَوَازِنُ- يَوْمَئِذٍ- رُمَاةً» في الرواية المتقدمة: «لا وَاللَّهِ، مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ، وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْسَ بِسِلاحٍ» يريد: أن الذين ولوا هم شبان جاءوا وليس معهم سلاح.\nوفي قوله: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ»: دليل على أن الانتساب إلى الآباء ولو كانوا كفارًا لا بأس به؛ لأنه إخبار عن الواقع، ويترتب عليه معرفة الأنساب والمواريث والعصبات والمحارم.] [*]\n_________\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ورد ما بين معكوفين في الأصل الإلكتروني","vol":"5","page":193},{"text":"[١٧٧٦] حَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ- أَوْ: كَثِيرُ سِلَاحٍ- فَلَقُوا قَوْمًا رُمَاةً، لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، جَمْعَ هَوَازِنَ، وَبَنِي نَصْرٍ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ، فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ، فَنَزَلَ فَاسْتَنْصَرَ، وَقَالَ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ. ثُمَّ صَفَّهُمْ».\n[خ: ٢٩٣٠]\nحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ الْمِصِّيصِيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْبَرَاءِ، فَقَالَ: أَكُنْتُمْ وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ يَا أَبَا عُمَارَةَ؟ فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ مَا وَلَّى، وَلَكِنَّهُ انْطَلَقَ أَخِفَّاءُ مِنَ النَّاسِ، وَحُسَّرٌ إِلَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ هَوَازِنَ، وَهُمْ قَوْمٌ رُمَاةٌ، فَرَمَوْهُمْ بِرِشْقٍ مِنْ نَبْلٍ، كَأَنَّهَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ، فَانْكَشَفُوا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُودُ بِهِ بَغْلَتَهُ، فَنَزَلَ وَدَعَا وَاسْتَنْصَرَ، وَهُوَ يَقُولُ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ، اللَّهُمَّ نَزِّلْ نَصْرَكَ»، قَالَ الْبَرَاءُ: كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ- يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ- وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ-: أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ فَقَالَ الْبَرَاءُ: وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَفِرَّ، وَكَانَتْ هَوَازِنُ- يَوْمَئِذٍ- رُمَاةً، وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمُ انْكَشَفُوا، فَأَكْبَبْنَا عَلَى الْغَنَائِمِ، فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ ابْنَ الْحَارِثِ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَهُوَ يَقُولُ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ».","vol":"5","page":194},{"text":"[خ: ٢٨٦٤].\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يحيى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ عن البَرَاءِ قَالَ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ أَتَمُّ حَدِيثًا.\n\n[١٧٧٧] وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَلَمَّا وَاجَهْنَا الْعَدُوَّ تَقَدَّمْتُ فَأَعْلُو ثَنِيَّةً، فَاسْتَقْبَلَنِي رَجُلٌ مِنَ الْعَدُوِّ فَأَرْمِيهِ بِسَهْمٍ، فَتَوَارَى عَنِّي، فَمَا دَرَيْتُ مَا صَنَعَ، وَنَظَرْتُ إِلَى الْقَوْمِ فَإِذَا هُمْ قَدْ طَلَعُوا مِنْ ثَنِيَّةٍ أُخْرَى، فَالْتَقَوْا هُمْ وَصَحَابَةُ النَّبِيِّ ﷺ، فَوَلَّى صَحَابَةُ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَرْجِعُ مُنْهَزِمًا وَعَلَيَّ بُرْدَتَانِ مُتَّزِرًا بِإِحْدَاهُمَا، مُرْتَدِيًا بِالْأُخْرَى، فَاسْتَطْلَقَ إِزَارِي فَجَمَعْتُهُمَا جَمِيعًا، وَمَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنْهَزِمًا، وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ رَأَى ابْنُ الْأَكْوَعِ فَزَعًا»، فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، فَقَالَ: «شَاهَتِ الْوُجُوهُ»، فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلَأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ ﷿، وَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنَائِمَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. قوله: «الْمِصِّيصِيُّ» فيه وجهان: المَصِيصي، والمِصِّيصي، بتخفيف الصاد مع فتح الميم، وبتشديد الصاد المكسورة مع كسر الميم (^١).\n_________\n(^١) اللباب في تهذيب الأنساب، لابن الأثير (١/ ٣٢٢)، لب اللباب في تحرير الأنساب، للسيوطي (ص ٢٤٧).","vol":"5","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-841>بَابُ غَزْوَةِ الطَّائِفِ</span>.\n\n[١٧٧٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الشَّاعِرِ الْأَعْمَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: حَاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ الطَّائِفِ، فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ: «إِنَّا قَافِلُونَ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، قَالَ أَصْحَابُهُ: نَرْجِعُ وَلَمْ نَفْتَتِحْهُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ»، فَغَدَوْا عَلَيْهِ فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا». قَالَ: فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\n[خ: ٤٣٢٥]\nفي هذا الحديث أن حصار النبي ﷺ للطائف قد طالت مدته، ولم ينالوا منه شيئا فقال النبي ﷺ لأصحابه: «إِنَّا قَافِلُونَ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ-»، يعني: سنرجع، لكن ذلك ثقل على الصحابة فقالوا: «نَرْجِعُ وَلَمْ نَفْتَتِحْهُ» يعني: نرجع ولا نفتح الطائف بعد طول الحصار ولم ننل منه شيئًا، فقال لهم النبي ﷺ: «اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ، فَغَدَوْا عَلَيْهِ فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ»، لأن أهل الطائف كانوا يرسلون على أصحاب النبي ﷺ من وراء الحصار فيصيبونهم بالجراح، ويرسل عليهم المسلمون شيئًا فلا يصيبونهم، فحصل لهم جراحات كثيرة، فقال النبي ﷺ: «إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا». قَالَ: فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» وهذا من ضعف الإنسان وطبيعته؛ فقد كرهوا الرجوع أولًا قبل الفتح، فلما أصابتهم جراح أعجبهم الرجوع، فضحك النبي ﷺ من طبيعة الإنسان.","vol":"5","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-842>بَابُ غَزْوَةِ بَدْرٍ</span>.\n\n[١٧٧٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَاوَرَ حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا، قَالَ: فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا، وَوَرَدَتْ عَلَيْهِمْ رَوَايَا قُرَيْشٍ، وَفِيهِمْ غُلَامٌ أَسْوَدُ لِبَنِي الْحَجَّاجِ، فَأَخَذُوهُ، فَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ، فَيَقُولُ: مَا لِي عِلْمٌ بِأَبِي سُفْيَانَ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ ضَرَبُوهُ، فَقَالَ: نَعَمْ أَنَا أُخْبِرُكُمْ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ، فَإِذَا تَرَكُوهُ فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: مَا لِي بِأَبِي سُفْيَانَ عِلْمٌ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ فِي النَّاسِ، فَإِذَا قَالَ هَذَا- أَيْضًا- ضَرَبُوهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ انْصَرَفَ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَضْرِبُوهُ إِذَا صَدَقَكُمْ، وَتَتْرُكُوهُ إِذَا كَذَبَكُمْ!»، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ»، قَالَ: وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى\nالْأَرْضِ هَهُنَا هَهُنَا، قَالَ: فَمَا مَاطَ أَحَدُهُمْ عَنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nقوله: «فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ انْصَرَفَ» أي: سلم من صلاته حيث خففها، ففيه: تخفيف الصلاة استحبابًا إذا عرض أمرٌ في أثنائها.\nوقوله: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَضْرِبُوهُ إِذَا صَدَقَكُمْ، وَتَتْرُكُوهُ إِذَا كَذَبَكُمْ!» تضربوه","vol":"5","page":197},{"text":"وتتركوه، فيه حذف النون من المضارع بلا ناصب ولا جازم، وهي لغة (^١).\nوفي هذا الحديث: أن هذا في غزوة بدر، وأن النبي ﷺ شاورهم، وتكلم وهو يريد الأنصار؛ لأن النبي ﷺ قدم عليهم وبايعوه على أن يحموه مما يحمون منه أنفسهم وأهليهم إذا كان في المدينة، وهم الآن ليسوا في المدينة، بل في بدر، فلما عرفوا ذلك، قال سعد بن معاذ ﵁: «إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا» وفي رواية: «وَلَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههما قاعدون﴾، وَلَكِنْ نَقُولُ: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ» (^٢)، فَسُرَّ النبي ﷺ.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٦/ ١٣٨)، شرح مسلم، للنووي (١٢/ ١٢٥)، الدر المصون، للسمين الحلبي (٤/ ٤٠٩).\n(^٢) تخريج","vol":"5","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-843>بَابُ فَتْحِ مَكَّةَ</span>.\n\n[١٧٨٠] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَفَدَتْ وُفُودٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ- وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ- فَكَانَ يَصْنَعُ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ الطَّعَامَ، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَدْعُوَنَا إِلَى رَحْلِهِ، فَقُلْتُ: أَلَا أَصْنَعُ طَعَامًا، فَأَدْعُوَهُمْ إِلَى رَحْلِي، فَأَمَرْتُ بِطَعَامٍ يُصْنَعُ، ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا هُرَيْرَةَ مِنَ الْعَشِيِّ، فَقُلْتُ: الدَّعْوَةُ عِنْدِي اللَّيْلَةَ، فَقَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَا أُعْلِمُكُمْ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِكُمْ- يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ- ثُمَّ ذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةَ، فَقَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ، وَبَعَثَ خَالِدًا عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْأُخْرَى، وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحُسَّرِ، فَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي كَتِيبَةٍ، قَالَ: فَنَظَرَ فَرَأَىنِي، فَقَالَ: «أَبُو هُرَيْرَةَ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «لَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ» - زَادَ: غَيْرُ شَيْبَانَ- فَقَالَ: «اهْتِفْ لِي بِالْأَنْصَارِ»، قَالَ: فَأَطَافُوا بِهِ، وَوَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشًا لَهَا وَأَتْبَاعًا، فَقَالُوا: نُقَدِّمُ هَؤُلَاءِ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ، وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الَّذِي سُئِلْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ، وَأَتْبَاعِهِمْ»، ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْهِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، ثُمَّ\nقَالَ: «حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا»، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَمَا شَاءَ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا إِلَّا قَتَلَهُ، وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا شَيْئًا، قَالَ: فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَجَاءَ الْوَحْيُ- وَكَانَ إِذَا جَاءَ الْوَحْيُ لَا يَخْفَى عَلَيْنَا- فَإِذَا جَاءَ فَلَيْسَ أَحَدٌ يَرْفَعُ طَرْفَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَنْقَضِيَ","vol":"5","page":199},{"text":"الْوَحْيُ، فَلَمَّا انْقَضَى الْوَحْيُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ»، قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «قُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ؟»، قَالُوا: قَدْ كَانَ ذَاكَ، قَالَ: «كَلَّا، إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَيْكُمْ، وَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ»، فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ، وَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا إِلَّا الضِّنَّ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ، وَيَعْذِرَانِكُمْ»، قَالَ: فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى دَارِ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَغْلَقَ النَّاسُ أَبْوَابَهُمْ، قَالَ: وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، قَالَ: فَأَتَى عَلَى صَنَمٍ إِلَى جَنْبِ\nالْبَيْتِ- كَانُوا يَعْبُدُونَهُ- قَالَ: وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْسٌ، وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ الْقَوْسِ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى الصَّنَمِ جَعَلَ يَطْعُنُهُ فِي عَيْنِهِ، وَيَقُولُ: «جَاءَ الْحَقُّ، وَزَهَقَ الْبَاطِلُ»، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا فَعَلَا عَلَيْهِ حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ.\nوَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: ثُمّ قَالَ بِيَدَيْهِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى: «احْصُدُوهُمْ حَصْدًا»، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: قَالُوا: قُلْنَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَمَا اسْمِي إِذًا؟ كَلَّا إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ».\nحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا يحيى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ قَالَ: وَفَدْنَا إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَفِينَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَكَانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَصْنَعُ طَعَامًا يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ، فَكَانَتْ نَوْبَتِي، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، الْيَوْمُ نَوْبَتِي، فَجَاءُوا إِلَى الْمَنْزِلِ، وَلَمْ يُدْرِكْ طَعَامُنَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، لَوْ حَدَّثْتَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يُدْرِكَ طَعَامُنَا، فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَجَعَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُمْنَى، وَجَعَلَ الزُّبَيْرَ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُسْرَى، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْبَيَاذِقَةِ وَبَطْنِ الْوَادِي، فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، ادْعُ لِي الْأَنْصَارَ»، فَدَعَوْتُهُمْ، فَجَاءُوا يُهَرْوِلُونَ، فَقَالَ:","vol":"5","page":200},{"text":"«يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «انْظُرُوا إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ غَدًا أَنْ تَحْصُدُوهُمْ حَصْدًا» - وَأَخْفَى بِيَدِهِ، وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ- وَقَالَ: «مَوْعِدُكُمْ الصَّفَا»، قَالَ: فَمَا أَشْرَفَ- يَوْمَئِذٍ- لَهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ، قَالَ: وَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّفَا، وَجَاءَتْ الْأَنْصَارُ، فَأَطَافُوا بِالصَّفَا، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي\nسُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ»، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: أَمَّا الرَّجُلُ، فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، وَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «قُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، أَلَا فَمَا اسْمِي إِذًا؟ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ، فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ»، قَالُوا: وَاللَّهِ مَا قُلْنَا إِلَّا ضِنًّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ: «فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ».\nقولهم: «وَاللَّهِ مَا قُلْنَا إِلَّا ضِنًّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ»: من الضِّنِّ- بكسر الضاد- أي: الشُّح.\nوقوله: «وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ الْقَوْسِ»: هو المنعطف من طرف القوس.\nوقوله: «يَطْعُنُهُ» بضم العين على المشهور سماعًا، ويجوز فتح العين قياسًا؛ لأن القاعدة: أن الفعل إذا كان ثانيه أو ثالثه حرف حلق فإنه تُفتح عين مضارعه، مثل: فتح يفتَح، رهب يرهَب، نهب ينهَب.\nوقوله: «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ» الدارمي هو شيخ البخاري وشيخ مسلم ﵏، وهو صاحب «السنن»، و«الرد على بشر المريسي».\nوقوله: «الْبَيَاذِقَةِ» هم الرجالة، والكلمة فارسية معربة.\nوهذا الحديث فيه: قصة فتح مكة الذي قال الله تعالى فيه: ﴿إِذَا جَاءَ","vol":"5","page":201},{"text":"نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، وهذه السورة فيها إعلام للنبي ﷺ بقرب أجله، والمعنى: إذا جاء نصر الله وفتحت مكة ودخل الناس في دين الله أفواجًا فقد انتهت مهمتك في الدنيا، فاستعد إلى لقائنا؛ ولهذا فهم ابن عباس ﵄ أنها أجل رسول الله ﷺ (^١).\nوفيه: ما كان عليه الصحابة ﵃ من الكرم والتآلف فيما بينهم، ففي قصة أبى هريرة ﵁ أن كل واحد منهم كان له يوم يجتمعون فيه عنده ويأكلون.\nوفيه: أنه ينبغي لقائد الجيش أن ينظم الجيش، وأن تنظيم الجيش وترتيبه وتقسيمه من أسباب النصر؛ ولهذا قسمهم النبي ﷺ إلى ثلاثة أقسام: المجنبة اليمنى، والمجنبة اليسرى، والقلب، وجعل على كل مجنبة قائدًا، وجعل على الحُسَّر الذين ليس معهم سلاح قائدًا، وهذا الترتيب له آثار طيبة في النصر على الأعداء، مع الثقة بالله تعالى، ووعده بالنصر، والتضرع إليه، والإيمان به وبرسوله ﷺ، وعمل ما أوجب الله، وترك ما حرم الله، والإكثار من ذكر الله ﷿، كما قال الله تعالى- في أسباب النصر-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.\nوفيه: دليل على أن مكة فُتحت عنوة، كما هو قول الجمهور (^٢)؛ ولهذا أمر النبي ﷺ الأنصار، وقال لهم: «احْصُدُوهُمْ حَصْدًا».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٢٧).\n(^٢) فتح القدير، لابن الهمام (٤/ ٣٠٣ - ٣٠٥)، حاشية الدر المختار، لابن عابدين (٣/ ٣١٩)، الشرح الكبير، للدردير (٢/ ١٨٩)، المغني، لابن قدامة (٢/ ٧١٦).","vol":"5","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-844>بَابُ إِزَالَةِ الْأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ</span>.\n\n[١٧٨١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ- قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ كَانَ بِيَدِهِ، وَيَقُولُ: «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ، إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا، جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ».\nزَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: يَوْمَ الْفَتْحِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِهِ: «زَهُوقًا»، وَلَمْ يَذْكُرِ الْآيَةَ الْأُخْرَى، وَقَالَ بَدَلَ: نُصُبًا: صَنَمًا.\n[خ: ٢٤٧٨]\nهذا الحديث فيه: أنه يشرع قراءة هاتين الآيتين عند إزالة المنكر، والشرك أعظم منكر.","vol":"5","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-845>بَابُ لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا بَعْدَ الْفَتْحِ</span>.\n\n[١٧٨٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَوَكِيعٌ عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عن الشَّعْبِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».\nحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ أَحَدٌ مِنْ عُصَاةِ قُرَيْشٍ غَيْرَ مُطِيعٍ، كَانَ اسْمُهُ الْعَاصِي، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُطِيعًا.\nقوله: «لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا»: قال القاضي عياض ﵀: «إعلام منه ﷺ بأنهم سيسلمون كلهم كما كان، وأنهم لا يرتدون بعده كما ارتد غيرهم ممن حورب وقتل صبرًا، ولم يرد أنهم يقتلون ظلمًا صبرًا وغير صبر، فقد جرى على قريش بعد ذلك ما هو معلوم» (^١).\nوقوله: «مِنْ عُصَاةِ قُرَيْشٍ» ليس المراد: العصاة من المعصية، وإنما المراد: مَن اسمه العاص، فم يكن وقتئذ أسلم ممن كان اسمه العاص سوى العاص بن الأسود، فغير النبى ﷺ اسمه فسماه مطيعًا.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٦/ ١٤٧)، شرح مسلم، للنووي (١٢/ ١٣٤).","vol":"5","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-846>بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ فِي الْحُدَيْبِيَةِ</span>.\n\n[١٧٨٣] حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الصُّلْحَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَكَتَبَ: هَذَا مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالُوا: لَا تَكْتُبْ رَسُولُ اللَّهِ، فَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ نُقَاتِلْكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيٍّ: «امْحُهُ»، فَقَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَمْحَاهُ، فَمَحَاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ، قَالَ: وَكَانَ فِيمَا اشْتَرَطُوا أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، فَيُقِيمُوا بِهَا ثَلَاثًا، وَلَا يَدْخُلُهَا بِسِلَاحٍ إِلَّا جُلُبَّانَ السِّلَاحِ، قُلْتُ: لِأَبِي إِسْحَاقَ: وَمَا جُلُبَّانُ السِّلَاحِ؟ قَالَ: الْقِرَابُ وَمَا فِيهِ.\n[خ: ٢٦٩٨]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ كَتَبَ عَلِيٌّ كِتَابًا بَيْنَهُمْ، قَالَ: فَكَتَبَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بِنَحْوِ حَدِيثِ مُعَاذٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ: هَذَا مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ الْمِصِّيصِيُّ، جَمِيعًا عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ- وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ- أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عن البَرَاءِ قَالَ: لَمَّا أُحْصِرَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ الْبَيْتِ صَالَحَهُ أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا، فَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثًا، وَلَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ- السَّيْفِ وَقِرَابِهِ- وَلَا يَخْرُجَ بِأَحَدٍ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهَا، وَلَا يَمْنَعَ أَحَدًا يَمْكُثُ بِهَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ، قَالَ لِعَلِيٍّ: «اكْتُبْ الشَّرْطَ بَيْنَنَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»، فَقَالَ لَهُ الْمُشْرِكُونَ: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ تَابَعْنَاكَ، وَلَكِنْ اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ","vol":"5","page":205},{"text":"عَبْدِ اللَّهِ، فَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَمْحَاهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا وَاللَّهِ لَا أَمْحَاهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَرِنِي مَكَانَهَا»، فَأَرَاهُ مَكَانَهَا، فَمَحَاهَا، وَكَتَبَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ، قَالُوا لِعَلِيٍّ: هَذَا آخِرُ يَوْمٍ مِنْ شَرْطِ صَاحِبِكَ، فَأْمُرْهُ فَلْيَخْرُجْ، فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَخَرَجَ.\nوقَالَ ابْنُ جَنَابٍ- فِي رِوَايَتِهِ-: مَكَانَ: تَابَعْنَاكَ: بَايَعْنَاكَ.\n\n[١٧٨٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ قُرَيْشًا صَالَحُوا النَّبِيَّ ﷺ، فِيهِمْ: سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيٍّ: «اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، قَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا بِاسْمِ اللَّهِ، فَمَا نَدْرِي مَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَلَكِنْ اكْتُبْ مَا نَعْرِفُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَقَالَ: «اكْتُبْ: مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ»، قَالُوا: لَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَاتَّبَعْنَاكَ، وَلَكِنْ اكْتُبْ: اسْمَكَ، وَاسْمَ أَبِيكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اكْتُبْ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ»، فَاشْتَرَطُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَكْتُبُ هَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ سَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا».\n\n[١٧٨٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سِيَاهٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ- يَوْمَ صِفِّينَ- فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ، لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا، وَذَلِكَ فِي الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ ! قَالَ: «بَلَى»، قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ ! قَالَ: «بَلَى»، قَالَ: فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا، وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ !","vol":"5","page":206},{"text":"فَقَالَ: «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا».\nقَالَ: فَانْطَلَقَ عُمَرُ، فَلَمْ يَصْبِرْ مُتَغَيِّظًا، فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ ! قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ ! قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا، وَنَرْجِعُ، وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ ! فَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا، قَالَ: فَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْفَتْحِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ، فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ فَتْحٌ هُوَ؟ ! قَالَ: «نَعَمْ، فَطَابَتْ نَفْسُهُ، وَرَجَعَ».\n[خ: ٣١٨٢]\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عن الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَقُولُ- بِصِفِّينَ-: أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ، وَلَوْ أَنِّي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَرَدَدْتُهُ، وَاللَّهِ مَا وَضَعْنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا إِلَى أَمْرٍ قَطُّ، إِلَّا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ إِلَّا أَمْرَكُمْ هَذَا.\nلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ نُمَيْرٍ: إِلَى أَمْرٍ قَطُّ.\nوَحَدَّثَنَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، كِلَاهُمَا عن الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَفِي حَدِيثِهِمَا: إِلَى أَمْرٍ يُفْظِعُنَا.\nوَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ- بِصِفِّينَ- يَقُولُ: اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ، وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا فَتَحْنَا مِنْهُ فِي خُصْمٍ إِلَّا انْفَجَرَ عَلَيْنَا مِنْهُ خُصْمٌ.\n\n[١٧٨٦] وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: لَمَّا","vol":"5","page":207},{"text":"نَزَلَتْ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ - مَرْجِعَهُ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهُمْ يُخَالِطُهُمُ الْحُزْنُ وَالْكَآبَةُ، وَقَدْ نَحَرَ الْهَدْيَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ-: لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا.\nوَحَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ.\n\n[قوله: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا» وفي رواية للبخاري: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ، لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» (^١) والمراد: بـ «ما طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» ما هنا في رواية مسلم: «الدُّنْيَا جَمِيعًا».\nوهذا كان بعد صلح الحديبية، وقد سمى الله صلح الحديبية فتحًا.] [*]\nقوله: «عَنْ أَبِي حَصِينٍ» بفتح الحاء وكسر الصاد.\nوقوله: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ» وهو يوم الحديبية، وأبو جندل هو العاص بن سهيل بن عمرو، جاء يرصف في قيوده، والنبي ﷺ يكتب كتابًا مع سهيل، فجاء مسلمًا يرمي بنفسه بين المسلمين، قال: يا أيها الناس قد عذبني المشركون، فقال سهيل: من الشروط أنك ترد علينا هذا العاصي، فقال الذي معه: لم نكتب إلى الآن الكتاب، ولكن النبي ﷺ رده إليهم (^٢).\nوقوله: «مَا فَتَحْنَا مِنْهُ فِي خُصْمٍ إِلَّا انْفَجَرَ عَلَيْنَا مِنْهُ خُصْمٌ» المراد: الناحية والجهة، كالشيء الذي يتشقق على الإنسان، إذا سددنا هذا انفتح هذا، والمعنى: أن كل الأمور التي مضت، منها صلح الحديبية إذا وضعنا سيوفنا على عاتقنا، وأوقفنا القتال أضفى بنا إلى أمر حميد، إلا مسألة صفين؛ فإنها أضفت بنا إلى الشدة.\nهذه الأحاديث في صلح الحديبية، وقد كان النبي ﷺ وأصحابه ﵃ قد جاؤوا معتمرين، فصدهم كفار قريش، ثم وقع الصلح بينهم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤١٧٧)\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٧٣١)\n\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ورد ما بين معكوفين في الأصل الإلكتروني","vol":"5","page":208},{"text":"وفيها: دليل على جواز مصالحة الكفار عند الحاجة، وقد صالحهم النبي ﷺ عشر سنين، فأخذ بعض العلماء أنه لا يجوز الصلح مع الكفار أكثر من عشر سنين، وقال بعضهم: يجوز الصلح دون تحديد مدة، ولكنه لا يجوز الصلح الدائم (^١).\nوفيها: جواز قبول الشروط التي فيها غضاضة على المسلمين إذا كان فيها مصلحة، فإن قريشًا صالحت النبي ﷺ واشترطوا شروطًا فيها غضاضة على المسلمين، منها: أن من جاء منهم من أهل مكة مسلمًا فإن المسلمين يردونه عليهم، ومن جاء من المسلمين مرتدًّا فإنه لا يُرد عليهم.\nوفيها: أن بعض الصحابة امتعض من غضاضة هذه الشروط، حتى إن عمر ﵁ اشتد عليه الأمر، وجاء للنبي ﷺ، وقال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ ! قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ ! قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا، وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ !»، فقال النبي ﷺ: «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا»، ثم بعد ذلك لم يصبر، فذهب إلى أبى بكر ﵁، «فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ ! قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ ! قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا، وَنَرْجِعُ، وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ ! فَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مِثْلَ مَقَالَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ لَمْ يَحْضُرْ مَجْلِسَهُ ﷺ، وهذا يدل على الفقه العظيم لأبي بكر ﵁، والصبر والقوة في الحق، والتميُّز على عمر ﵁، وفي رواية: «فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ» (^٢).\nوهذه الشروط التي قبلها المسلمون صار فيها الخير والمصلحة والفتح والبركة، فقد وضعت الحرب أوزارها، واختلط المشركون بالمسلمين،\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (٨/ ٣٩ - ٤١)، المغني، لابن قدامة (٨/ ٤٥٩)، جواهر الإكليل شرح مختصر خليل، للأبي (١/ ٢٦٩)، شرح روض الطالب (٣/ ٢٢٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٧٣١).","vol":"5","page":209},{"text":"وسمعوا القرآن، ولانت قلوبهم، وأسلم كثير منهم، وتفرغ النبي ﷺ لقتال اليهود، وفُتحت خيبر؛ ولهذا سماه الله تعالى فتحًا، قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾.\nوقد نفَّذ النبي ﷺ شروط الصلح، فالذين أسلموا ردهم النبي ﷺ، ولكنهم لم يرجعوا إلى الكفار، ووقفوا في طريق قافلة الكفار يقطعونها حتى آذوهم، وأخذوا تجارتهم، حتى قالوا للنبي ﷺ: خذهم، ونزل القرآن بأنه من جاء من النساء مسلماتٍ فلا يصح أن يردوهم إلى الكفار، فلم يردهم النبي ﷺ: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴿.\nثم بعد سنتين نقضت قريش العهد، فغزاهم النبي ﷺ في عقر دارهم، وفَتَحَ مكَّة.\nوفيها: دليل على أنه في الصلح لا بأس للإنسان أن يذكر اسمه، واسم أبيه، إذا كان مشهورًا، ولهذا قال النبي ﷺ: «مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ»، ولما لم يقبلوا هذا قال: «مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ»، ولم يقل: ابن عبد المطلب.\nقال بعض العلماء: لا بد أن يذكر أربعة أشياء: اسمه، واسم أبيه، واسم جده، ونسبته، وإذا كان مشهورًا فلا حرج أن يذكر اسمه واسم أبيه فقط (^١).\nوفيها: أن من الشروط التي اشترطتها قريش على النبي ﷺ: أن يرجع هذا العام، ولا يعتمر، قالوا: لئلَّا تسمع العرب بأنه ضُغط علينا، وفي العام القادم يعتمر المسلمون، بشرط ألا يدخلوا إلا بجلبان السلاح، أي: بالسلاح الخفيف، والحكمة في ذلك: أنهم لا يستطيعون حينها الدفاع عن أنفسهم، وكذلك لئلَّا يتحدث الناس أنهم دخلوا بالسلاح.\nواشترطوا كذلك: ألا يقيموا في مكة أكثر من ثلاثة أيام بعد العمرة.\nوفيها: أن هذه العمرة التي مُنع المسلمون منها تحلل منها النبي ﷺ، وهي عمرة تامة، وسُمِّيَت العمرة التي بعدها عمرةَ القضاء، من المقاضاة والمصالحة، لا من قضاء العمرة التي صُدُّوا عنها.\nوفيها: أنه قد شق على الصحابة ﵃ رجوعهم ولم يتموا العمرة، فأمرهم النبي ﷺ أن يتحللوا بأن يحلقوا رؤوسهم ويذبحوا؛ لأنهم\n_________\n(^١) مواهب الجليل، للحطاب (٥/ ٨٠)، تحفة المحتاج، لابن حجر الهيتمي (٥/ ١٨٧)، المغني، لابن قدامة (٤/ ٥٤٣).","vol":"5","page":210},{"text":"محصورون، والمُحْصَر: هو الممنوع من الوصول إلى البيت الحرام، أو الممنوع من عرفة، أو الممنوع من الحج، فلما أمرهم النبي ﷺ لم يجبه أحد وتوقفوا، فكرر عليهم النبي ﷺ الأمر، فلم يفعل أحد؛ وليس ذلك عصيانًا لأمره ﷺ، ولكن رجاء أن يسمح الكفار لهم، ولعل النبي ﷺ يراجعهم حتى يتموا العمرة، فغضب النبي ﷺ، فدخل على أم سلمة ﵂،: «فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ، اخْرُجْ ثُمَّ لا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ، نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا» (^١)، وكان هذا رأيًا سديدًا لأم سلمة ﵂، وهو يدل على رجاحة عقلها، وبعض النساء قد يكون عندها رأي يفوق رأي الرجال، وكم من امرأة خير من آلاف الرجال.\nفخرج النبي ﷺ وذبح هديه وحلق رأسه، فتتابع الناس، كل يذبح، ويحلق، ويسابق بعضهم بعضًا، حتى كاد يضر بعضهم بعضًا، والسبب في ذلك: أنهم علموا أن الأمر انتهى، ولا أمل لهم أنهم يذهبوا إلى مكة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٣١).","vol":"5","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-847>بَابُ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ</span>.\n\n[١٧٨٧] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عن الوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ، حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ قَالَ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلَّا أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ، قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، قَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا، فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُهُ، مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ، فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ، لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: «انْصَرِفَا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ».\nقوله: «خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ»: هو حُسَيْلٌ بحاء مضمومة ثم سين مفتوحة مهملتين ثم ياء ثم لام، ويقال له أيضا حِسْلٌ بكسر الحاء وإسكان السين، وهو والد حذيفة واليمان لقب له (^١).\nهذا الحديث فيه: الوفاء بالعهد، وبركته، وأن الله تعالى جعله سببًا من أسباب النصر.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٢/ ١٤٤).","vol":"5","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-848>بَابُ غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ</span>.\n\n[١٧٨٨] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جميعًا عَن جَرِيرٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عن الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَوْ أَدْرَكْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاتَلْتُ مَعَهُ، وَأَبْلَيْتُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنْتَ كُنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ ! لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ، وَأَخَذَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ وَقُرٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ !»، فَسَكَتْنَا، فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ !»، فَسَكَتْنَا، فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ !»، فَسَكَتْنَا، فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، فَقَالَ: «قُمْ يَا حُذَيْفَةُ، فَأْتِنَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ»، فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا إِذْ دَعَانِي بِاسْمِي أَنْ أَقُومَ، قَالَ: «اذْهَبْ، فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ، وَلَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ»، فَلَمَّا وَلَّيْتُ مِنْ عِنْدِهِ جَعَلْتُ كَأَنَّمَا أَمْشِي فِي حَمَّامٍ، حَتَّى أَتَيْتُهُمْ، فَرَأَيْتُ أَبَا سُفْيَانَ يَصْلِي ظَهْرَهُ بِالنَّارِ، فَوَضَعْتُ سَهْمًا فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْمِيَهُ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: وَلَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ، وَلَوْ رَمَيْتُهُ لَأَصَبْتُهُ، فَرَجَعْتُ وَأَنَا أَمْشِي فِي مِثْلِ الْحَمَّامِ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ\nبِخَبَرِ الْقَوْمِ، وَفَرَغْتُ قُرِرْتُ، فَأَلْبَسَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ فَضْلِ عَبَاءَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ يُصَلِّي فِيهَا، فَلَمْ أَزَلْ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحْتُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قَالَ: «قُمْ يَا نَوْمَانُ».\nقوله: «وَقُرٌّ» - بضم القاف والراء المشددة- هي الريح الباردة الشديدة.\nوقوله ﷺ: «وَلَا تَذْعَرْهُمْ» يعني: لا تفزعهم ولا تحركهم.","vol":"5","page":213},{"text":"وقوله: «يَصْلِي ظَهْرَهُ بِالنَّارِ»: وذلك من شدة البرد.\nوقوله ﷺ: «يَا نَوْمَانُ» يعني: يا كثير النوم.\nوهذا الحديث فيه: أن حذيفة ﵁ أراد أن يبين لهذا الرجل أن الأمر بتوفيق الله ﷿، فقد كان يقول: لو كنت مع رسول الله لأبليت وقاتلت، فأراد أن يقول له: لا تستطيع أن تفعل هذا إلا بتوفيق من الله ﷿، فالمنافقون والمشركون أدركوا رسول الله ﷺ، ولم ينفعهم إدراكهم له؛ لأن الله تعالى لم يوفقهم.\nوقد بيَّن له حذيفة ﵁ أن الأمر كان شديدًا، وكان الجو باردًا، وكانت الريح شديدةً والعدو كثيرًا، وقد زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، حتى إن النبي ﷺ يقول- ثلاث مرات-: «أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟»، ولم يقم أحد، وفي الثالثة قال: «جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فلم يقم أحد، حتى سمى حذيفةَ رصي الله عنه.\nوقد قال الله ﷿- في هذه الغزوة-: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، ثم بعد ذلك نصرهم الله تعالى بالريح، والجنود، والملائكة.\nوفيه: دليل على أنه ينبغي على الإمام أن يرسل العيون والجواسيس والطلائع لتأتي بخبر العدو.\nوفيه: معجزة من المعجزات، ودليل من دلائل نبوة النبي ﷺ، كما فيه بيان قدرة الله تعالى، وذلك في قوله: «فَلَمَّا وَلَّيْتُ مِنْ عِنْدِهِ جَعَلْتُ كَأَنَّمَا أَمْشِي فِي حَمَّامٍ»، فالجو شديد البرد، ولكن لما مشى حذيفة ﵁ في أمر الله تعالى، وفي حاجة رسول الله ﷺ جعل الله تعالى الجوَّ عليه دافئًا، فكأنه يمشي في حمام دافئ، فلما رجع حذيفة ﵁ وانتهى- رجع إليه البرد.","vol":"5","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-849>بَابُ غَزْوَةِ أُحُدٍ</span>.\n\n[١٧٨٩] وَحَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ ابْنِ زَيْدٍ، وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي سَبْعَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا رَهِقُوهُ، قَالَ: «مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا، وَلَهُ الْجَنَّةُ- أَوْ: هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ-؟»، فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ رَهِقُوهُ- أَيْضًا- فَقَالَ: «مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا، وَلَهُ الْجَنَّةُ- أَوْ: هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟»، فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِصَاحِبَيْهِ: «مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا».\nقوله: «رَهِقُوهُ» - بكسر الهاء-، يعني: غشوه وقربوا منه، قال القاضي عياض في المشارق: «قيل ولا يستعمل لا في المكروه» (^١).\nوقوله: «مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا» يعني: أن قريشًا ما أنصفت الأنصار، حيث إن السبعة من الأنصار قتلوا واحدًا بعد واحد، وبقي القرشيان، وروي «ما أنصفَنَا أصحابُنَا» (^٢) - بفتح الفاء-، ويكون المعنى: ما أنصفَنا الذين فروا وتركونا.\n_________\n(^١) مشارق الأنوار، للقاضي عياض (١/ ٣٠١).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٢/ ١٤٧).","vol":"5","page":215},{"text":"[١٧٩٠] حَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يُسْأَلُ عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: جُرِحَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَهُشِمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ، فَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَغْسِلُ الدَّمَ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَسْكُبُ عَلَيْهَا بِالْمِجَنِّ، فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَزِيدُ الدَّمَ إِلَّا كَثْرَةً أَخَذَتْ قِطْعَةَ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا، ثُمَّ أَلْصَقَتْهُ بِالْجُرْحِ، فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ.\n[خ: ٢٩١١]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ: أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ: وَهُوَ يَسْأَلُ عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: أَمَا- وَاللَّهِ- إِنِّي لَأَعْرِفُ مَنْ كَانَ يَغْسِلُ جُرْحَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَنْ كَانَ يَسْكُبُ الْمَاءَ، وَبِمَاذَا دُووِيَ جُرْحُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ: وَجُرِحَ وَجْهُهُ، وَقَالَ مَكَانَ: هُشِمَتْ: كُسِرَتْ.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُطَرِّفٍ- كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ: أُصِيبَ وَجْهُهُ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُطَرِّفٍ: جُرِحَ وَجْهُهُ.\n\n[١٧٩١] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَشُجَّ فِي رَأْسِهِ، فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهُ، وَيَقُولُ: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ، وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟ ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾».","vol":"5","page":216},{"text":"[١٧٩٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: «رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ».\n[خ: ٣٤٧٧]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عن الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَهُوَ يَنْضِحُ الدَّمَ عَنْ جَبِينِهِ.\nقوله: «وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ» الرباعية: هي السن الذي بعد الثنية، ولكل إنسان رباعيتان من الأعلى، ورباعيتان من الأسفل.\nهذه الأحاديث فيها:\n١. أنه في غزوة أحد كُسرت رباعيته ﵇، وجُرح وجهه، وسال منه الدم، وهُشِّمت البيضة على رأسه، وسقط في حفرة، وصاح الشيطان: إن محمدًا قد قتل (^١).\n٢. دليل على أن النبي ﷺ بشر، وأن الأنبياء يصيبهم ما يصيب البشر من الأمراض، وتسليط الأعداء، والموت؛ ليعظم الله لهم الأجر، قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾.\n٣. دلالة على أن الأمر لله ﷾، ولو كان بيد النبي ﷺ شيء لدافع عن نفسه ودفعه، قال تعالى: ﴿قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم﴾.\n٤. دليل على مشروعية العلاج والمداواة، وأنه لا ينافي التوكل على الله.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٦٠٩).","vol":"5","page":217},{"text":"٥. مشروعية الأخذ الأسباب، وإعداد العدة للعدو، فالنبي ﷺ لبس البيضة على رأسه، ولبس الدرع، وظهر بين الدرعين، وهو سيد المتوكلين ﵊.\n٦. أن النبي ﷺ استعمل العلاج، فكان عليٌّ ﵁ يصب الماء عليه، وفاطمة ﵂ تغسل الجرح، لكن صار الماء يزيده، فلما رأت فاطمة ﵂ أن الدم يزداد أحرقت الحصير حتى صار رمادًا وألصقته به فاستمسك الدم.\n٧. فضل الأنبياء وصبرهم وتحملهم؛ فإن الأنبياء ﵈ أفضل الناس، وأصبر الناس على الأذى، فهذا نبي كريم ﷺ ضربه قومه وأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: «رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» فمن يستطيع هذا؟ وبعض الناس لو تكلم فيه أحد بكلمة ما صبر، ورد عليه بمثلها، بل ورد الصاع صاعين، وقد يضربه!","vol":"5","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-850>بَابُ اشْتِدَادِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ</span>.\n\n[١٧٩٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ ابْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا هَذَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ»، وَهُوَ- حِينَئِذٍ- يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿».\n[خ: ٤٠٧٣]\nقوله: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿» سبب شدة الغضب هنا: أن الذي يقتله رسول الله ﷺ إنما جاء لقتال رسول الله ﷺ، بخلاف من يقتله رسول الله ﷺ حدًّا، أو قصاصًا، وقد قَتل النبيُّ ﷺ في غزوة بدر أبيَّ بن خلف، فهذا الحديث يصدق عليه، إذ لما أراد قتل النبي ﷺ فقال: والله لأقتلن محمدا، بلغ ذلك رسولَ الله ﷺ فقال: «أنا أقتله إن شاء الله» (^١)، وكان ذلك في غزوة بدر.\nوهذا الحديث فيه: إثبات صفة الغضب لله، خلافًا للأشاعرة والمعتزلة الذين أنكروا وصف الله تعالى بالغضب.\nوفيه: مشروعية الجهاد في سبيل الله، وأن النبي ﷺ هو أفضل المجاهدين.\n_________\n(^١) عبد الرزاق في «المصنف» (٩٧٣١).","vol":"5","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-851>بَابُ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ، وَالْمُنَافِقِينَ</span>.\n\n[١٧٩٤] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ- يَعْنِي: ابْنَ سُلَيْمَانَ- عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو ابْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالْأَمْسِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلَا جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ، فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ، فَأَخَذَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ، وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ، لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالنَّبِيُّ ﷺ سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ، فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ، فَجَاءَتْ- وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ- فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ، ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ، وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا، وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ» - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمُ الضِّحْكُ، وَخَافُوا دَعْوَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ ابْنِ عُقْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ»، وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ،\nفَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ.\nقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ غَلَطٌ فِي هَذَا الحَدِيثِ.@@\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدٌ، وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ، إِذْ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِسَلَا جَزُورٍ، فَقَذَفَهُ عَلَى","vol":"5","page":220},{"text":"ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَخَذَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ، وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ الْمَلَأَ مِنْ قُرَيْشٍ: أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ- أَوْ: أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ»، شُعْبَةُ الشَّاكُّ- قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُلْقُوا فِي بِئْرٍ، غَيْرَ أَنَّ أُمَيَّةَ- أَوْ: أُبَيًّا- تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ فَلَمْ يُلْقَ فِي الْبِئْرِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَزَادَ: وَكَانَ يَسْتَحِبُّ ثَلَاثًا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ» - ثَلَاثًا- وَذَكَرَ فِيهِمُ: «الْوَلِيدَ ابْنَ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ»، وَلَمْ يَشُكَّ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَنَسِيتُ السَّابِعَ.\nقوله: «وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، أَوْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ. شُعْبَةُ الشَّاكُّ» الصواب: أنه أمية بن خلف.\nوَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ، فَدَعَا عَلَى سِتَّةِ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ: أَبُو جَهْلٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى عَلَى بَدْرٍ قَدْ غَيَّرَتْهُمُ الشَّمْسُ، وَكَانَ يَوْمًا حَارًّا.\n[خ: ٢٤٠]\nقول ابن إسحاق ﵀: «الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ غَلَطٌ فِي هَذَا الحَدِيثِ» صحيح، والصواب: أن الذي دعا عليه رسول الله ﷺ هو الوليد بن عتبة، وليس ابن","vol":"5","page":221},{"text":"عقبة، كما يأتي في رواية أبي بكر بن شيبة، وكما في البخاري.\nوقوله: «وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ» وقع في البخاري تسميته عمارة بن الوليد (^١).\nوقوله: «وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا، وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا» الدعاء ثلاثًا والسؤال ثلاثًا وصف أغلبي، وإلا فقد يدعو ﷺ، أو يسأل مرة، أو مرتين.\nوهذا الحديث فيه: أن الله تعالى استجاب دعوة نبيه ﷺ، فصار هؤلاء السبعة صرعى يوم بدر.\nوفيه: أن الوليد بن عتبة وضع سلا جزور بين كتفيه ﷺ وهو يصلي، ولم يستطع عبد الله بن مسعود ﵁ ولا غيره أن يزيله، لكن فاطمة ﵂- وكانت جويرية صغيرة- جاءت وأزالته، وجعلت تشتمهم ولا يؤاخذونها؛ لأنهم يعرفون أنها طفلة صغيرة.\nوقد أثار النووي ﵀ مسألة، فقال: «وفي هذا الحديث إشكال، فإنه يقال: كيف استمر في الصلاة مع وجود النجاسة على ظهره؟ وأجاب القاضي عياض بأن هذا ليس بنجس، قال: لأن الفرث ورطوبة البدن طاهران، والسلا من ذلك، وإنما النجس: الدم، وهذا الجواب يجيء على مذهب مالك ومن وافقه أن روث ما يؤكل لحمه طاهر، ومذهبنا ومذهب أبي حنيفة وآخرين نجاسته، وهذا الجواب الذي ذكره القاضي ضعيف أو باطل؛ لأن هذا السلا يتضمن النجاسة؛ من حيث إنه لا ينفك من الدم في العادة، ولأنه ذبيحة عبَّاد الأوثان، فهو نجس، وكذلك اللحم وجميع أجزاء هذا الجزور، وأما الجواب المرضي أنه ﷺ لم يعلم ما وضع على ظهره، فاستمر في سجوده استصحابًا للطهارة، وما ندري هل كانت هذه الصلاة فريضة فتجب إعادتها على الصحيح عندنا أم غيرها، فلا تجب؟ فإن وجبت\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٠).","vol":"5","page":222},{"text":"الإعادة فالوقت موسع لها، فإن قيل: يبعد أن لا يحس بما وقع على ظهره، قلنا: وإن أحس به فما يتحقق أنه نجاسة، والله أعلم» (^١).\nقلت: الصحيح أن هذا كان في مكة قبل زمن التشريع؛ لأن التشريع كان في المدينة.\n\n[١٧٩٥] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ- وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ- قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ: يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ- وَأَنَا مَهْمُومٌ- عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رُدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ؟ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ»، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».\n[خ: ٣٢٣١]\nقوله: «فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ» القرن: هو الجبل الصغير المنبثق عن جبل كبير.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٢/ ١٥١).","vol":"5","page":223},{"text":"وهذا الحديث فيه: بيان ما لقي ﵊ من قومه من الشدة والأذى.\nوفيه: صبره ﵊ وحلمه.\nوفيه: أنه ﵊ إنما يريد هداية الناس، لا أن ينتقم لنفسه.\nوفيه: أنه ﵊ ينظر إلى العاقبة، وهو يقول: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».\n\n[١٧٩٦] حَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كلاهما عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ يحيى: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عن الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ قَالَ: دَمِيَتْ إِصْبَعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْمَشَاهِدِ، فَقَالَ:\nهَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ = وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عن الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَارٍ، فَنُكِبَتْ إِصْبَعُهُ.\nقوله: «هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ» هذا بيت من الرجز، ولم يقل النبي ﷺ بيتًا صالحًا إلا هذا البيت، ونحوه كذلك ما تقدم من قوله في غزوة حنين:\nأَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ\nوهذا لا يكون به ﷺ شاعرًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾، ولكن هذا ومثله مما يأتي عفو الخاطر، فهذا غير مقصود، ولا يكون شعرًا إلا ما كان مقصودًا من قائله.\nوالرَّجز مُختلِف فيه: هل هو من الشعر، أو لا؟ ثم لو سُلم أنه من الشعر","vol":"5","page":224},{"text":"فهذا بيت واحد، ومن يقول البيت والبيتين والثلاثة لا يعتبر شاعرًا.\n\n[١٧٩٧] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عن الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ سَمِعَ جُنْدُبًا يَقُولُ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.\n[خ: ٤٩٥]\nقوله: «وُدِّعَ» يعني: تُرِكَ.\nوقوله: «قَلَى» يعني: أَبغض.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا يحيى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عن الأَسْوَدِ ابْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ يَقُولُ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ! قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُلَائِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عن الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِهِمَا.\nقولها: «قَرِبَكَ» بكسر الراء، وفي المضارع بفتحها.\nوهذا الحديث فيه: بعض الأذى الذي أصابه ﷺ، وهذا من الأذى القولي، والأذى الفعلي وقد حصل له كذلك من أهل الطائف، ومن أبي جهل لعنه الله.","vol":"5","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-852>بَابٌ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى اللَّهِ، وَصَبْرِهِ عَلَى أَذَى الْمُنَافِقِينَ</span>.\n\n[١٧٩٨] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ- قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَكِبَ حِمَارًا عَلَيْهِ إِكَافٌ تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ، وَأَرْدَفَ وَرَاءَهُ أُسَامَةَ، وَهُوَ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَذَاكَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، وَالْيَهُودِ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ خَمَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ وَقَفَ، فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: أَيُّهَا الْمَرْءُ، لَا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا، إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَلَا تُؤْذِنَا فِي مَجَالِسِنَا، وَارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ فَمَنْ جَاءَكَ مِنَّا فَاقْصُصْ عَلَيْهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: اغْشَنَا فِي مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ،\nقَالَ: فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَتَوَاثَبُوا، فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ ثُمَّ رَكِبَ دَابَّتَهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ ابْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ: «أَيْ سَعْدُ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ- يُرِيدُ: عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ أُبَيٍّ- قَالَ: كَذَا وَكَذَا»، قَالَ: اعْفُ عَنْهُ- يَا رَسُولَ اللَّهِ- وَاصْفَحْ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَاكَ اللَّهُ الَّذِي أَعْطَاكَ، وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ أَنْ يُتَوِّجُوهُ، فَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ، فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَهُ شَرِقَ بِذَلِكَ فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ، فَعَفَا عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ.\n[خ: ٦٢٥٤]\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْمُثَنَّى- حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ، وَزَادَ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ.","vol":"5","page":226},{"text":"قوله: «أَبُو حُبَابٍ» هذه كنية عبد الله بن أبي ﵁، وهذا من باب التلطف والتأليف.\nوقوله: «وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ» أي: القرية، والمراد: مدينة الرسول ﷺ.\nقوله: «وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ» أي: قبل أن يظهر إسلامه، وإلا فهو ما أسلم، وقد مات على نفاقه وكفره، لكن قبل غزوة بدر لم يكن أظهر الإسلام، فلما حصلت غزوة بدر ظهر نجم النفاق، فقال عبد الله بن أبي: هذا أمر توجه؛ فأظهر الإسلام، وأبطن الكفر.\nوهذا الحديث فيه: صبر النبي ﷺ على دعوته إلى الله.\nوفيه: دليل على مشروعية السلام على المجلس الذي فيه أخلاطُ كفارٍ ومسلمين، أما إذا كانوا كفارًا فقط فلا يُبدؤون بالسلام، كما قال النبي ﷺ: «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ» (^١).\nوفيه: مشروعية زيارة المريض على الدابة.\nوفيه: مشروعية الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق.\nوفيه: تلطف النبي ﷺ وعفوه وصفحه.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢١٦٧).","vol":"5","page":227},{"text":"[١٧٩٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَالَ: فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ وَرَكِبَ حِمَارًا، وَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ- وَهِيَ أَرْضٌ سَبَخَةٌ- فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَوَاللَّهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِكَ، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: وَاللَّهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ، قَالَ: فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، قَالَ: فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ، قَالَ: فَكَانَ بَيْنَهُمْ ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ، وَبِالْأَيْدِي، وَبِالنِّعَالِ قَالَ: فَبَلَغَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.\n[خ: ٢٦٩١]\nهذا الحديث فيه: أنه لعل هذه القصة الواردة في الحديث قصة أخرى غير القصة السابقة، وفيها نزلت الآية، وفيها: أن النبي ﷺ لم يزل يخفضهم حتى سكنوا.\nوفيه: مشروعية الإصلاح بين المؤمنين.","vol":"5","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-853>بَابُ قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ</span>.\n\n[١٨٠٠] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ؟»، فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَكَ، قَالَ: فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، فَقَالَ: آنْتَ أَبُو جَهْلٍ؟ فَقَالَ: وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ- أَوَ قَالَ: قَتَلَهُ قَوْمُهُ- قَالَ: وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: فَلَوْ غَيْرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِي.\n[خ: ٣٩٦٣]\nحَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ يَعْلَمُ لِي مَا فَعَلَ أَبُو جَهْلٍ؟» بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ وَقَوْلِ أَبِي مِجْلَزٍ كَمَا ذَكَرَهُ إِسْمَاعِيلُ.\nقوله: «أَبُو مِجْلَزٍ» مَجْلَز على وزن مِنبَر.\nوقوله: «فَلَوْ غَيْرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِي»، والأكَّار: الفلاح؛ لأن بني عفراء من الأنصار، والأنصار زُرَّاع، وقد قال هذا محتقرًا له، والمعنى: لو قتلني تاجر لكان أولى، فهو لا يزال في كِبْره حتى عند الموت.\nويروى أنه لما كان على صدره عبدُ الله بن مسعود قال له: «لَقَدِ ارْتَقَيْتَ مُرْتَقًى صَعْبًا يَا رُوَيْعِيَ الغَنَمِ» (^١)، يعني: عبد الله بن مسعود ﵁، فأجهز عليه، حتى وهو في الموت لا يزال مستمرًّا في كبره وتعاظمه وخيلائه الذي منعه من قبول الحق واتباعه والإيمان برسول الله ﷺ.\n_________\n(^١) دلائل النبوة، للبيهقي (٣/ ٨٦).","vol":"5","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-854>بَابُ قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ طَاغُوتِ الْيَهُودِ</span>.\n\n[١٨٠١] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ الزُّهْرِيُّ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ- وَاللَّفْظُ لِلزُّهْرِيِّ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟»، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: ائْذَنْ لِي، فَلْأَقُلْ قَالَ: «قُلْ»، فَأَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ، وَذَكَرَ مَا بَيْنَهُمَا، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَرَادَ صَدَقَةً وَقَدْ عَنَّانَا، فَلَمَّا سَمِعَهُ قَالَ: وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ، قَالَ: إِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ الْآنَ، وَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ أَمْرُهُ، قَالَ: وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ تُسْلِفَنِي سَلَفًا، قَالَ: فَمَا تَرْهَنُنِي؟ قَالَ: مَا تُرِيدُ؟ قَالَ: تَرْهَنُنِي نِسَاءَكُمْ، قَالَ: أَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ أَنْ نَرْهَنَكَ نِسَاءَنَا؟! قَالَ لَهُ: تَرْهَنُونِي أَوْلَادَكُمْ، قَالَ: يُسَبُّ ابْنُ أَحَدِنَا، فَيُقَالُ: رُهِنَ فِي وَسْقَيْنِ مِنْ تَمْرٍ، وَلَكِنْ نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ- يَعْنِي: السِّلَاحَ- قَالَ: فَنَعَمْ، وَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِالْحَارِثِ، وَأَبِي عَبْسِ بْنِ جَبْرٍ، وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ، قَالَ: فَجَاءُوا فَدَعَوْهُ لَيْلًا، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ، قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ: غَيْرُ عَمْرٍو، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إِنِّي لَأَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ صَوْتُ دَمٍ، قَالَ: إِنَّمَا هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَرَضِيعُهُ وَأَبُو نَائِلَةَ، إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ\nإِلَى طَعْنَةٍ لَيْلًا لَأَجَابَ، قَالَ مُحَمَّدٌ: إِنِّي إِذَا جَاءَ فَسَوْفَ أَمُدُّ يَدِي إِلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَدُونَكُمْ، قَالَ: فَلَمَّا نَزَلَ نَزَلَ وَهُوَ مُتَوَشِّحٌ، فَقَالُوا: نَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الطِّيبِ، قَالَ: نَعَمْ، تَحْتِي فُلَانَةُ هِيَ أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ، قَالَ: فَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَشُمَّ، فَتَنَاوَلَ فَشَمَّ، ثُمَّ قَالَ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَعُودَ؟ قَالَ: فَاسْتَمْكَنَ مِنْ رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: دُونَكُمْ، قَالَ: فَقَتَلُوهُ.\n[خ: ٤٠٣٧]","vol":"5","page":230},{"text":"[هذا الحديث في قصة قتل كعب بن الأشرف، وهو يهودي إلا أنه كان من يهود العرب، كان من بني نبهان: بطن من طيئ، وكان خبيثًا يؤذي النبي ﷺ ويؤلب عليه الناس ويسبه؛ فأهدر النبي ﷺ دمه.\nقوله: «فقام محمد بن مسلمة». أما محمد بن مسلمة فهو ابن أخت كعب بن الأشرف، وأما أبو نائلة فأخوه من أمه، وهما اللذان قتلاه.\nقوله: «ائْذَنْ لِي، فَلْأَقُلْ قَالَ: «قُلْ»»، يعني: ائذن لي أن أتكلم فيك حتى يأمن جانبنا، فأذن له النبي ﷺ.\nفأتى محمدُ بن مسلمة كعبَ بن الأشرف فقال له: «إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ»، يقصد الرسول ﷺ «قَدْ أَرَادَ صَدَقَةً وَقَدْ عَنَّانَا»، يعني: سألنا صدقة وأتعبنا، ففرح بذلك كعب، فقال: «وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ»، أي: سيأتيكم وقت فتملونه.\nقوله: «إِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ الْآنَ، وَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ أَمْرُهُ»، يعني: نحن قد اتبعناه الآن، وما نريد أن نتركه حتى ننظر آخر أمره، وإنما قال له ذلك حتى يأمن جانبهما.\nقوله: «قَالَ: وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ تُسْلِفَنِي سَلَفًا» وهي كما ذكر بعد «وَسْقَيْنِ مِنْ تَمْرٍ»، وقد طلب كعبُ الرهن مكان الوسقين، فعرض عليه محمد بن مسلمة أخيرا: «وَلَكِنْ نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ- يَعْنِي: السِّلَاحَ- قَالَ: فَنَعَمْ» فيه: إشارة إلى أنهم سيقتلونه بالسلاح - واتفقوا على ذلك.\nقوله: «فَجَاءُوا فَدَعَوْهُ لَيْلًا، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ، قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ: غَيْرُ عَمْرٍو، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إِنِّي لَأَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ صَوْتُ دَمٍ، قَالَ: إِنَّمَا هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَرَضِيعُهُ وَأَبُو نَائِلَةَ» أي: ليس هذا وقت خروج، فقد كانت ذات نباهة وعقل، فقال لها: لا بأس فهذا محمد بن مسلمة ابن أختي وأبو نائلة أخي من الرضاعة، فلا خطر منهما، امرأته ذكرته لكن لم يتذكر؛ لأن الله أراد هلاكه، وقال: «إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ لَيْلًا لَأَجَابَ» يقصد أن هذا كرم منه، وإلا لكان سيئ الرد.\nقوله: «فَاسْتَمْكَنَ مِنْ رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: دُونَكُمْ» أي: أمسك رأسه بقوة وقال: عليكم عدو الله، فضربوا رقبته بالسيف «قَالَ: فَقَتَلُوهُ.» فلما أتوا النبي ﷺ أخبروه بذلك.] [*]\n\nوقوله: «حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو» سفيان هذا هو ابن عيينة، وعمرو هو ابن دينار (^١)، ويروى عن سفيان بن عيينة أنه قال: سمعت من عمرو بن دينار تسعمائة وخمسين حديثًا، عدةَ ما لبث نوح في قومه (^٢).\nقوله: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟» يعني: من يقتله.\nوقوله ﷺ: «آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» فيه: أن الله تعالى لا يضره أحد من خلقه، لكنه الأذى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فالكلام أذى.\nوهذا الحديث فيه: أن كعب بن الأشرف نقض العهد، وكان أبوه من طيئ من العرب وأمه يهودية، وصار يهوديًّا، وكان يؤذي النبي ﷺ، ويذهب إلى قريش ويحثهم على حربه ويشجعهم؛ ولهذا أمر النبي صلى الله وسلم بقتله.\n_________\n(^١) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، للقسطلاني (٦/ ٢٨٣).\n(^٢) سير أعلام النبلاء، للذهبي (٨/ ٤٦٠).\n\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ورد ما بين معكوفين في الأصل الإلكتروني","vol":"5","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-855>بَابُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ</span>.\n\n[١٣٦٥] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزَا خَيْبَرَ، قَالَ: فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ، وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ، فَأَجْرَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ، وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، وَانْحَسَرَ الْإِزَارُ عَنْ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، وَإِنِّي لَأَرَى بَيَاضَ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ» - قَالَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ- قَالَ: وَقَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ، فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ، قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَالْخَمِيسَ، قَالَ: وَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ أَبِي طَلْحَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَقَدَمِي تَمَسُّ قَدَمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَأَتَيْنَاهُمْ حِينَ بَزَغَتِ الشَّمْسُ، وَقَدْ أَخْرَجُوا مَوَاشِيَهُمْ وَخَرَجُوا بِفُؤُوسِهِمْ، وَمَكَاتِلِهِمْ وَمُرُورِهِمْ، فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسَ، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ»، قَالَ: فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ ﷿.\nقوله: «وَالْخَمِيسَ» هو الجيش، كما في القاموس وغيره (^١)؛ وسمي خيمسًا؛ لأنه خمسة أقسام: ميمنة، وميسرة، ومقدمة، ومؤخرة، وقلب.\nوقوله: «وَمُرُورِهِمْ» جمع مر- بفتح الميم- وهي: المساحي.\n_________\n(^١) القاموس المحيط، للفيروز آبادي (١/ ٥٤١)، النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٢/ ٧٩)، مقاييس اللغة، لابن فارس (٢/ ٢١٨).","vol":"5","page":232},{"text":"وفي هذه الأحاديث: أن خيبر كانت مسكن اليهود وفيها حصونهم.\nوفيها: دليل على أن خيبر فُتحت عَنوة، وبعض حصونها فُتحت صلحًا؛ ولهذا اصطفاها النبي ﷺ لنفسه ولم يخمسها.\nوفيها: دليل على أن النبي ﷺ بغتهم صباحًا.\nوفيها: استحباب التبكير في الهجوم على العدو إذا بلغتهم الدعوة.\nوفيها: دليل على أنه لا يجب تكرار الدعوة مرة أخرى؛ لأنهم بلغتهم الدعوة.\nوفيها: أن النبي ﷺ صلى مبكرًا صلاة الفجر في غلس، والغلس هو اختلاط ظلمة الليل بضوء الصبح، ففيه: مشروعية التبكير في صلاة الصبح لكن مع تحقق طلوع الفجر.\nوفيها: جواز تسمية صلاة الفجر بصلاة الغداة.\nوفيها: جواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق.\nوفيها: أن قوله: «وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ» إما لأن أسواقهم ضيقة، أو لأن أبا طلحة ﵁ قرب من النبي ﷺ.\nواستدل بعضهم بهذا الحديث على أن الفخذ ليس بعورة؛ لأن فخذ النبي ﷺ انكشف، ورأى أنس بياضه، والصواب: أنه عورة؛ لما جاء في الحديث «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ» (^١)، وهذا يحمل على أنه انكشف إزاره من دون اختياره ضرورةَ الركوب والإغارة، وليس فيه أنه استدام ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٥٩٢٦)، وأبو داود (٤٠١٤)، والترمذي (٢٧٩٥).","vol":"5","page":233},{"text":"حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ قَالَ: «إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ».\n\n[١٨٠٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ عَبَّادٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ- مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ- عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، فَتَسَيَّرْنَا لَيْلًا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ لِعَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ: أَلَا تُسْمِعُنَا مِنْ هُنَيْهَاتِكَ؟ وَكَانَ عَامِرٌ رَجُلًا شَاعِرًا فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ يَقُولُ:\nاللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا\nفَاغْفِرْ فِدَاءً لَكَ مَا اقْتَفَيْنَا ... وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا\nوَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا\nوَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا\nفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ هَذَا السَّائِقُ؟»، قَالُوا: عَامِرٌ، قَالَ: «يَرْحَمُهُ اللَّهُ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: وَجَبَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْلَا أَمْتَعْتَنَا بِهِ، قَالَ: فَأَتَيْنَا خَيْبَرَ فَحَاصَرْنَاهُمْ حَتَّى أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ فَتَحَهَا عَلَيْكُمْ»، قَالَ: فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ مَسَاءَ الْيَوْمِ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا هَذِهِ النِّيرَانُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟»، فَقَالُوا: عَلَى لَحْمٍ، قَالَ: «أَيُّ لَحْمٍ؟»، قَالُوا: لَحْمُ حُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَهْرِيقُوهَا، وَاكْسِرُوهَا»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَوْ يُهْرِيقُوهَا وَيَغْسِلُوهَا، فَقَالَ: «أَوْ ذَاكَ»، قَالَ: فَلَمَّا تَصَافَّ الْقَوْمُ كَانَ سَيْفُ عَامِرٍ فِيهِ قِصَرٌ، فَتَنَاوَلَ بِهِ سَاقَ يَهُودِيٍّ لِيَضْرِبَهُ وَيَرْجِعُ ذُبَابُ سَيْفِهِ، فَأَصَابَ رُكْبَةَ عَامِرٍ فَمَاتَ مِنْهُ قَالَ: فَلَمَّا قَفَلُوا، قَالَ سَلَمَةُ- وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي قَالَ-: فَلَمَّا رَأَىنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاكِتًا قَالَ: «مَا","vol":"5","page":234},{"text":"لَكَ؟»، قُلْتُ لَهُ: فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، قَالَ: «مَنْ قَالَهُ؟»، قُلْتُ: فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: «كَذَبَ مَنْ قَالَهُ إِنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ- وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ- إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ».\nوَخَالَفَ قُتَيْبَةُ مُحَمَّدًا فِي الْحَدِيثِ فِي حَرْفَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّادٍ: وَأَلْقِ سَكِينَةً عَلَيْنَا.\n[خ: ٤١٩٦]\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ- وَنَسَبَهُ غَيْرُ ابْنِ وَهْبٍ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ-: إِنَّ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ قَاتَلَ أَخِي قِتَالًا شَدِيدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَارْتَدَّ عَلَيْهِ سَيْفُهُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، وَشَكُّوا فِيهِ، رَجُلٌ مَاتَ فِي سِلَاحِهِ! وَشَكُّوا فِي بَعْضِ أَمْرِهِ، قَالَ سَلَمَةُ: فَقَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي أَنْ أَرْجُزَ لَكَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَعْلَمُ مَا تَقُولُ قَالَ: فَقُلْتُ:\nوَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا\nفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صَدَقْتَ».\nوَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا\nوَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا\nقَالَ: فَلَمَّا قَضَيْتُ رَجَزِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَالَ هَذَا؟» قُلْتُ: قَالَهُ أَخِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَرْحَمُهُ اللَّهُ»، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ نَاسًا لَيَهَابُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، يَقُولُونَ: رَجُلٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا».\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ ابْنًا لِسَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ، فَحَدَثَنيِ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: حِينَ قُلُتُ: إِنَّ نَاسًا يَهَابُونَ الصَّلاةَ عَلَيْهِ، فَقَالَ","vol":"5","page":235},{"text":"رَسُولُ الله ﷺ: «كَذَبُوا، مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَتَيْنِ» - وَأَشَارَ بِإصْبَعَيهِ.\nقوله: «ذُبَابُ سَيْفِهِ» أي: طرفه.\nوقوله: «لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ» أي: جاد في عمله.\nوهذا الحديث فيه: جواز الحداء، كما قال عامر ﵁، فلا بأس بالحداء الذي لا محظور فيه، وهذا الحداء ليس فيه تلحين، وليس شعرًا جماعيًّا كما يفعل بعض الشباب، ويسمونها أناشيد إسلامية، وهم جماعة يرفعون الصوت وينزلونه، وهذا فيه تشبه بالصوفية، وليس فيه تأمل للمعنى، وإنما فيه طرب للسامع.\nوفيه: أن عامرًا ﵁ قال له النبي ﷺ: «يَرْحَمُهُ اللَّهُ»، فقالوا: «وَجَبَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ»، يعني: وجبت له الشهادة؛ لأن النبي صلى الله وسلم إذا قال لشخص في هذا الموقف: «يَرْحَمُهُ اللهُ» دل على أنه سوف يستشهد قريبًا.\nويستفاد من استشكال الصحابة ﵃ فعل عامر ﵁ لما ارتد إليه سيفه، وقولهم: إنه قتل نفسه، وإنه بطل عمله- أن ما يسمى بالعمليات الاستشهادية والعمليات الانتحارية التي يفعلها الفلسطينيون وغيرهم غير مشروعة؛ لأن الذي يعمل هذه العمليات يقتل نفسه متعمدًا، وبهذا أفتى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (^١).\nوفيه: أن الحمر الأنسية سميت كذلك، لأنها تأنس الناس، بخلاف الحمر الوحشية فإنها صيد.\nوفيه: أن النبي صلى الله وسلم لما أوقدوا النار عليها سألهم على أي شيء توقد؟ قالوا: على لحم، قال: «أَيُّ لَحْمٍ»؟ قالوا: «الحُمُر الإِنْسِيَّة»، قال: «أَهْرِيقُوهَا وَاكْسِرُوهَا» مبالغةً.\nوفيه: دليل على تحريم لحوم الحمر، وأنها نجسة، هذا هو الصواب، وقال بعضهم: إن النبي ﷺ أمر بإكفائها؛ لأنهم أخذوها قبل الغنيمة،فأمر\n_________\n(^١) مسائل الإمام ابن باز (ص ١٦٧).","vol":"5","page":236},{"text":"بهذا عقوبةً لهم، وقال الآخرون: لأنها حمولة الناس؛ فلهذا نهاهم، والصواب: أنه نهاهم لأنها نجسة، ولهذا أمر الرسول ﷺ بإكفائها وكسر آنيتها في الأول، ثم اكتفى بغسلها.","vol":"5","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-856>بَابُ غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ، وَهِيَ الْخَنْدَقُ</span>.\n\n[١٨٠٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ، وَلَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ، وَهُوَ يَقُولُ:\nوَاللَّهِ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا\nفَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... إِنَّ الْأُلَى قَدْ أَبَوْا عَلَيْنَا\nقَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ:\nإِنَّ الْمَلَا قَدْ أَبَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا\nوَيَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا.\nهذا الحديث فيه: أن القائد ينبغي أن يكون قدوة للناس، فالنبي ﷺ كان كذلك، فكان ينقل معهم اللبِن، ويحفر معهم ﵊ يوم الخندق حتى وارى التراب بياض بطنه ﵊.","vol":"5","page":238},{"text":"[١٨٠٤] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَحْفِرُ الْخَنْدَقَ، وَنَنْقُلُ التُّرَابَ عَلَى أَكْتَافِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ، وَالْأَنْصَارِ».\n[خ: ٣٧٩٧]\n\n[١٨٠٥] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَهْ = فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ».\n[خ: ٣٧٩٥]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ»، قَالَ شُعْبَةُ، أَوَ قَالَ:\nاللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَهْ ... فَأَكْرِمْ الْأَنْصَارَ، وَالْمُهَاجِرَهْ\nوَحَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى، وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ شَيْبَانُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانُوا يَرْتَجِزُونَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ معهم، وهم يقولون:\nاللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَهْ ... فَانْصُرْ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ\nوَفِي حَدِيثِ شَيْبَانَ بَدَلَ: «فَانْصُرْ»: «فَاغْفِرْ».\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانُوا يَقُولُونَ- يَوْمَ الْخَنْدَقِ-:\nنَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا ... عَلَى الْإِسْلَامِ مَا بَقِينَا أَبَدًا\nأَوَ قَالَ: عَلَى الْجِهَادِ، شَكَّ حَمَّادٌ- وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ:\n«اللَّهُمَّ إِنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ الْآخِرَهْ ... فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ، وَالمُهَاجِرَهْ»\n[خ: ٢٨٣٥]","vol":"5","page":239},{"text":"هذا الحديث فيه: أن الخندق حُفِرَ حول المدينة، وكان هذا بإشارة من سلمان الفارسي ﵁، قال: إن أهل فارس يفعلون هذا، ويجعل لها الأبواب، ويكون فيها الحراس حتى إذا جاءت خيولهم ما تستطيع أن تدخل المدينة، فلما جاؤوا وجدوا خندقًا، قالت قريش: إن هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها (^١).\nوالأحزاب جموع الكفرة الذين جاؤوا وأحاطوا بالمدينة، وقريش ومن جاء معهم من القبائل سموا أحزابًا؛ لأنهم تحزبوا وتجمعوا على قتال النبي ﷺ.\n_________\n(^١) تخريج","vol":"5","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-857>بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا</span>.\n\n[١٨٠٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ يَزِيدَ ابْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ يَقُولُ: خَرَجْتُ قَبْلَ أَنْ يُؤَذَّنَ بِالْأُولَى وَكَانَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْعَى بِذِي قَرَدٍ، قَالَ: فَلَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَقَالَ: أُخِذَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: مَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطَفَانُ، قَالَ: فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ: يَا صَبَاحَاهْ، قَالَ: فَأَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ انْدَفَعْتُ عَلَى وَجْهِي حَتَّى أَدْرَكْتُهُمْ بِذِي قَرَدٍ، وَقَدْ أَخَذُوا يَسْقُونَ مِنَ الْمَاءِ، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ بِنَبْلِي، وَكُنْتُ رَامِيًا، وَأَقُولُ: أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ، وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ، فَأَرْتَجِزُ حَتَّى اسْتَنْقَذْتُ اللِّقَاحَ مِنْهُمْ، وَاسْتَلَبْتُ مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً، قَالَ: وَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ وَالنَّاسُ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ حَمَيْتُ الْقَوْمَ الْمَاءَ وَهُمْ عِطَاشٌ، فَابْعَثْ إِلَيْهِمُ السَّاعَةَ، فَقَالَ: «يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ: مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ»، قَالَ: ثُمَّ رَجَعْنَا وَيُرْدِفُنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى نَاقَتِهِ حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ.\n[خ: ٤١٩٤]\nقوله: «أُخِذَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»: جمع لقحة، وهي الناقة ذات اللبن قريبة العهد بالولادة.\nوقوله: «فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ: يَا صَبَاحَاهْ، قَالَ: فَأَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ»: لأن المدينة كانت صغيرة، ولأنه لم يكن هناك أصوات سيارات ولا نحوها، فإذا صرخ الصارخ يسمع المدينة كلها.\nقوله: «وَأَقُولُ: أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ، وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ، فَأَرْتَجِزُ حَتَّى اسْتَنْقَذْتُ اللِّقَاحَ مِنْهُمْ»: وقوله: أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ = واليَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ، أي: يعرِّف بنفسه حتى يهابه الأعداء.","vol":"5","page":241},{"text":"والرجز شعر على بحر من بحور الشعراء، خفيف يستطيعه الكل.\nوقوله: «واليَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ»: أي: يوم اللئيم الذي رضع اللؤم من أمه صغيرًا، وقيل: هو الذي يمص ثدي الناقة والبقرة حتى لا يسمع سؤال الفقراء، فهو يقول: اليوم هو اليوم الذي يُهزَم فيه اللئام أمثالكم.\n\n[١٨٠٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ وَهَذَا حَدِيثُهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ- وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ- حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: قَدِمْنَا الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، وَعَلَيْهَا خَمْسُونَ شَاةً لَا تُرْوِيهَا، قَالَ: فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَبَا الرَّكِيَّةِ، فَإِمَّا دَعَا، وَإِمَّا بَسَقَ فِيهَا، قَالَ: فَجَاشَتْ، فَسَقَيْنَا، وَاسْتَقَيْنَا، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَانَا لِلْبَيْعَةِ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَبَايَعْتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ، ثُمَّ بَايَعَ وَبَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَسَطٍ مِنَ النَّاسِ قَالَ: «بَايِعْ يَا سَلَمَةُ»، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فِي أَوَّلِ النَّاسِ قَالَ: «وَأَيْضًا»، قَالَ: وَرَأَىنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَزِلًا- يَعْنِي: لَيْسَ مَعَهُ سِلَاحٌ- قَالَ: فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَفَةً، أَوْ دَرَقَةً، ثُمَّ بَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ النَّاسِ قَالَ: «أَلَا تُبَايِعُنِي يَا سَلَمَةُ؟ !»، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فِي أَوَّلِ النَّاسِ، وَفِي أَوْسَطِ النَّاسِ، قَالَ: «وَأَيْضًا»، قَالَ: فَبَايَعْتُهُ الثَّالِثَةَ، ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا سَلَمَةُ، أَيْنَ\nحَجَفَتُكَ، أَوْ دَرَقَتُكَ الَّتِي أَعْطَيْتُكَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقِيَنِي عَمِّي عَامِرٌ عَزِلًا، فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «إِنَّكَ كَالَّذِي قَالَ الْأَوَّلُ: اللَّهُمَّ أَبْغِنِي حَبِيبًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي»، ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ رَاسَلُونَا الصُّلْحَ حَتَّى","vol":"5","page":242},{"text":"مَشَى بَعْضُنَا فِي بَعْضٍ وَاصْطَلَحْنَا، قَالَ: وَكُنْتُ تَبِيعًا لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَسْقِي فَرَسَهُ وَأَحُسُّهُ وَأَخْدِمُهُ، وَآكُلُ مِنْ طَعَامِهِ، وَتَرَكْتُ أَهْلِي وَمَالِي مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، قَالَ: فَلَمَّا اصْطَلَحْنَا نَحْنُ وَأَهْلُ مَكَّةَ وَاخْتَلَطَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ، أَتَيْتُ شَجَرَةً فَكَسَحْتُ شَوْكَهَا، فَاضْطَجَعْتُ فِي أَصْلِهَا، قَالَ: فَأَتَانِي أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَجَعَلُوا يَقَعُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَبْغَضْتُهُمْ، فَتَحَوَّلْتُ إِلَى شَجَرَةٍ أُخْرَى وَعَلَّقُوا سِلَاحَهُمْ وَاضْطَجَعُوا، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَادَى مُنَادٍ مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي، يَا لِلْمُهَاجِرِينَ، قُتِلَ ابْنُ زُنَيْمٍ، قَالَ: فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي، ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَى أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةِ وَهُمْ رُقُودٌ، فَأَخَذْتُ سِلَاحَهُمْ فَجَعَلْتُهُ ضِغْثًا فِي يَدِي، قَالَ، ثُمَّ قُلْتُ: وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَأْسَهُ إِلَّا ضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاهُ، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَجَاءَ عَمِّي عَامِرٌ بِرَجُلٍ مِنْ الْعَبَلَاتِ- يُقَالُ لَهُ: مِكْرَزٌ- يَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى\nالله عليه وسلم عَلَى فَرَسٍ، مُجَفَّفٍ فِي سَبْعِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «دَعُوهُمْ يَكُنْ لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُورِ، وَثِنَاهُ»، فَعَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ...﴾\nالْآيَةَ كُلَّهَا، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْنَا رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَنِي لَحْيَانَ جَبَلٌ وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَاسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ رَقِيَ هَذَا الْجَبَلَ اللَّيْلَةَ، كَأَنَّهُ طَلِيعَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ سَلَمَةُ: فَرَقِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِظَهْرِهِ مَعَ رَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ، وَخَرَجْتُ مَعَهُ بِفَرَسِ طَلْحَةَ أُنَدِّيهِ مَعَ الظَّهْرِ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيُّ قَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَاقَهُ أَجْمَعَ، وَقَتَلَ رَاعِيَهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ، خُذْ هَذَا الْفَرَسَ، فَأَبْلِغْهُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَغَارُوا","vol":"5","page":243},{"text":"عَلَى سَرْحِهِ، قَالَ: ثُمَّ قُمْتُ عَلَى أَكَمَةٍ، فَاسْتَقْبَلْتُ الْمَدِينَةَ، فَنَادَيْتُ ثَلَاثًا: يَا صَبَاحَاهْ، ثُمَّ خَرَجْتُ فِي آثَارِ الْقَوْمِ أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ وَأَرْتَجِزُ، أَقُولُ: أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ = وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ، فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَأَصُكُّ سَهْمًا فِي رَحْلِهِ حَتَّى خَلَصَ نَصْلُ السَّهْمِ إِلَى كَتِفِهِ، قَالَ: قُلْتُ:\nخُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ = وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ\nقَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ، وَأَعْقِرُ بِهِمْ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ أَتَيْتُ شَجَرَةً، فَجَلَسْتُ فِي أَصْلِهَا ثُمَّ رَمَيْتُهُ، فَعَقَرْتُ بِهِ حَتَّى إِذَا تَضَايَقَ الْجَبَلُ، فَدَخَلُوا فِي تَضَايُقِهِ عَلَوْتُ الْجَبَلَ، فَجَعَلْتُ أُرَدِّيهِمْ بِالْحِجَارَةِ قَالَ: فَمَا زِلْتُ كَذَلِكَ أَتْبَعُهُمْ حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ بَعِيرٍ مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي، وَخَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، ثُمَّ اتَّبَعْتُهُمْ أَرْمِيهِمْ حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً، وَثَلَاثِينَ رُمْحًا يَسْتَخِفُّونَ، وَلَا يَطْرَحُونَ شَيْئًا إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ آرَامًا مِنَ الْحِجَارَةِ يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى أَتَوْا مُتَضَايِقًا مِنْ ثَنِيَّةٍ، فَإِذَا هُمْ قَدْ أَتَاهُمْ فُلَانُ بْنُ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ، فَجَلَسُوا يَتَضَحَّوْنَ- يَعْنِي: يَتَغَدَّوْنَ- وَجَلَسْتُ عَلَى رَأْسِ قَرْنٍ، قَالَ الْفَزَارِيُّ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى؟ قَالُوا: لَقِينَا مِنْ هَذَا الْبَرْحَ، وَاللَّهِ مَا فَارَقَنَا مُنْذُ غَلَسٍ يَرْمِينَا حَتَّى انْتَزَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي أَيْدِينَا، قَالَ: فَلْيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ أَرْبَعَةٌ، قَالَ: فَصَعِدَ إِلَيَّ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ فِي الْجَبَلِ، قَالَ: فَلَمَّا أَمْكَنُونِي مِنَ الْكَلَامِ، قَالَ: قُلْتُ: هَلْ تَعْرِفُونِي؟ قَالُوا: لَا، وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ، وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا أَطْلُبُ رَجُلًا مِنْكُمْ إِلَّا أَدْرَكْتُهُ، وَلَا يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ فَيُدْرِكَنِي، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَنَا أَظُنُّ قَالَ: فَرَجَعُوا، فَمَا\nبَرِحْتُ مَكَانِي حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ، قَالَ: فَإِذَا أَوَّلُهُمْ الْأَخْرَمُ الْأَسَدِيُّ عَلَى إِثْرِهِ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَعَلَى إِثْرِهِ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: فَأَخَذْتُ بِعِنَانِ الْأَخْرَمِ، قَالَ: فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، قُلْتُ: يَا أَخْرَمُ، احْذَرْهُمْ لَا يَقْتَطِعُوكَ حَتَّى يَلْحَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، قَالَ: يَا سَلَمَةُ، إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتَعْلَمُ","vol":"5","page":244},{"text":"أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ فَلَا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ، قَالَ: فَخَلَّيْتُهُ فَالْتَقَى هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: فَعَقَرَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرَسَهُ وَطَعَنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ، وَتَحَوَّلَ عَلَى فَرَسِهِ، وَلَحِقَ أَبُو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، فَوَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَتَبِعْتُهُمْ أَعْدُو عَلَى رِجْلَيَّ حَتَّى مَا أَرَى وَرَاءِي مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا غُبَارِهِمْ شَيْئًا، حَتَّى يَعْدِلُوا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ فِيهِ مَاءٌ- يُقَالُ لَهُ: ذَو قَرَدٍ- لِيَشْرَبُوا مِنْهُ وَهُمْ عِطَاشٌ، قَالَ: فَنَظَرُوا إِلَيَّ أَعْدُو وَرَاءَهُمْ، فَخَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ- يَعْنِي: أَجْلَيْتُهُمْ عَنْهُ- فَمَا ذَاقُوا مِنْهُ قَطْرَةً، قَالَ: وَيَخْرُجُونَ فَيَشْتَدُّونَ فِي ثَنِيَّةٍ، قَالَ: فَأَعْدُو فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَأَصُكُّهُ بِسَهْمٍ فِي نُغْضِ كَتِفِهِ، قَالَ: قُلْتُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ = وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ، قَالَ:\nيَا ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ أَكْوَعُهُ بُكْرَةَ، قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ، أَكْوَعُكَ بُكْرَةَ، قَالَ: وَأَرْدَوْا فَرَسَيْنِ عَلَى ثَنِيَّةٍ، قَالَ: فَجِئْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: وَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطِيحَةٍ فِيهَا مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ، وَسَطِيحَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَتَوَضَّأْتُ وَشَرِبْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي حَلَّأْتُهُمْ عَنْهُ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَخَذَ تِلْكَ الْإِبِلَ، وَكُلَّ شَيْءٍ اسْتَنْقَذْتُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَكُلَّ رُمْحٍ وَبُرْدَةٍ، وَإِذَا بِلَالٌ نَحَرَ نَاقَةً مِنَ الْإِبِلِ الَّذِي اسْتَنْقَذْتُ مِنَ الْقَوْمِ، وَإِذَا هُوَ يَشْوِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ كَبِدِهَا وَسَنَامِهَا، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَلِّنِي فَأَنْتَخِبُ مِنَ الْقَوْمِ مِائَةَ رَجُلٍ فَأَتَّبِعُ الْقَوْمَ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخْبِرٌ إِلَّا قَتَلْتُهُ، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ فِي ضَوْءِ النَّارِ، فَقَالَ: «يَا سَلَمَةُ، أَتُرَاكَ كُنْتَ فَاعِلًا؟)، قُلْتُ: نَعَمْ، وَالَّذِي أَكْرَمَكَ، فَقَالَ: «إِنَّهُمُ الْآنَ لَيُقْرَوْنَ فِي أَرْضِ غَطَفَانَ»، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ، فَقَالَ: نَحَرَ لَهُمْ فُلَانٌ جَزُورًا، فَلَمَّا كَشَفُوا جِلْدَهَا رَأَوْا غُبَارًا، فَقَالُوا: أَتَاكُمُ الْقَوْمُ، فَخَرَجُوا هَارِبِينَ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَانَ خَيْرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو","vol":"5","page":245},{"text":"قَتَادَةَ، وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ»، قَالَ: ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ\nسَهْمَيْنِ: سَهْمَ الْفَارِسِ، وَسَهْمَ الرَّاجِلِ، فَجَمَعَهُمَا لِي جَمِيعًا، ثُمَّ أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ، قَالَ: وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ لَا يُسْبَقُ شَدًّا، قَالَ: فَجَعَلَ يَقُولُ: أَلَا مُسَابِقٌ إِلَى الْمَدِينَةِ؟ ! هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ؟ ! فَجَعَلَ يُعِيدُ ذَلِكَ، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُ كَلَامَهُ، قُلْتُ: أَمَا تُكْرِمُ كَرِيمًا، وَلَا تَهَابُ شَرِيفًا؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي وَأُمِّي ذَرْنِي فَلِأُسَابِقَ الرَّجُلَ، قَالَ: إِنْ شِئْتَ، قَالَ: قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَيْكَ، وَثَنَيْتُ رِجْلَيَّ فَطَفَرْتُ فَعَدَوْتُ، قَالَ: فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا، أَوْ شَرَفَيْنِ أَسْتَبْقِي نَفَسِي، ثُمَّ عَدَوْتُ فِي إِثْرِهِ، فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا، أَوْ شَرَفَيْنِ، ثُمَّ إِنِّي رَفَعْتُ حَتَّى أَلْحَقَهُ، قَالَ: فَأَصُكُّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ سُبِقْتَ وَاللَّهِ، قَالَ: أَنَا أَظُنُّ، قَالَ: فَسَبَقْتُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا لَبِثْنَا إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ يَرْتَجِزُ بِالْقَوْمِ:\nتَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا\nوَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا ... فَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا\nوَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا\nفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ هَذَا؟»، قَالَ: أَنَا عَامِرٌ، قَالَ: «غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ»، قَالَ: وَمَا اسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِإِنْسَانٍ يَخُصُّهُ إِلَّا اسْتُشْهِدَ، قَالَ: فَنَادَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ- وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ-: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَوْلَا مَا مَتَّعْتَنَا بِعَامِرٍ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا خَيْبَرَ، قَالَ: خَرَجَ مَلِكُهُمْ مَرْحَبٌ يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ وَيَقُولُ:\nقَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ\nإِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ\nقَالَ: وَبَرَزَ لَهُ عَمِّي عَامِرٌ، فَقَالَ:","vol":"5","page":246},{"text":"قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرٌ ... شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِر\nقَالَ: فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ، وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ، فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ، فَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ، قَالَ سَلَمَةُ: فَخَرَجْتُ، فَإِذَا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُونَ: بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ، قَتَلَ نَفْسَهُ!، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَالَ ذَلِكَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِكَ، قَالَ: «كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، بَلْ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ»، ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَى عَلِيٍّ، وَهُوَ أَرْمَدُ، فَقَالَ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ- أَوْ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ-»، قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ، وَهُوَ أَرْمَدُ حَتَّى أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَبَسَقَ فِي عَيْنَيْهِ، فَبَرَأَ وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، وَخَرَجَ مَرْحَبٌ، فَقَالَ:\nقَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ\nإِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ\nفَقَالَ عَلِيٌّ:\nأَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ ... كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ\nأُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ\nقَالَ: فَضَرَبَ رَأْسَ مَرْحَبٍ، فَقَتَلَهُ، ثُمَّ كَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ.\nقَالَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يحيى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِطُولِهِ، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ بِهَذَا.\nقوله: «بِظَهْرِهِ» الظهر: البعير الذي يركبه الإنسان.\nوقوله: «لَيُقْرَوْنَ» من القِرى، أي: الضيافة.\nوقوله: «فَجَمَعَهُمَا لِي جَمِيعًا» لأن سلمة ﵁ كان يستحق السهمين.","vol":"5","page":247},{"text":"وقوله: «لَا يُسْبَقُ شَدًّا» شدًّا، أي: عَدْوًا على الرِّجلين.\nوقوله: «قَدْ سُبِقْتَ وَاللَّهِ» هذه المسابقة بعد التعب العظيم في استنقاذ السرح.\nوقوله: «يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ» - بكسر الطاء- أي: يرفعه مرة، ويضعه مرة.\nوقوله: «مُجَرَّبُ» اسم مفعول من التجريب، والمعنى هنا: مجرب بالشجاعة وقهر الفرسان.\nوقوله: «لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ» لأنه لم يقتل نفسه، بل رجع ذباب السيف إليه بدون اختياره.\nوقوله: «الرِّكية» هي البئر.\nوقوله: «فَكَسَحْتُ شَوْكَهَا» يعني: أزلت ما تحتها من الشوك.\nوقوله: «قُتِلَ ابْنُ زُنَيْمٍ» أي: ابن الزنا، ولما سمع سلمة ﵁ هذا القول احتمل أنهم يريدون النبي ﷺ؛ ولهذا ساقهم سلمة ﵁ كأنهم دواب، وأخذ سلاحهم.\nوقوله: «العَبَلَات» ينسبهم إلى أمهم عبلة.\nوقوله: «وَخَرَجْتُ مَعَهُ بِفَرَسِ طَلْحَةَ أُنَدِّيهِ» أي: أظهره، وأبرزه؛ ليأكل من العشب، أو بمعنى: أسقيه الماء، ثم أتركه يرعى العشب.\nوقوله: «البرَح» أي: الشدة.\nوقوله: «فَلَمَّا أَمْكَنُونِي مِنَ الْكَلَامِ، قَالَ: قُلْتُ: هَلْ تَعْرِفُونِي؟ قَالُوا: لَا، وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ» يقول هذا ليخيفهم ويرعبهم، ويقول: «وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا أَطْلُبُ رَجُلًا مِنْكُمْ إِلَّا أَدْرَكْتُهُ، وَلَا يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ فَيُدْرِكَنِي».\nوقوله: «حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» أي: شجعان النبي ﷺ.\nوقوله: «حَلَّأْتُهُمْ عَنْهُ» يعني: أجليتهم عن الماء، فما ذاقوا منه قطرة.\nوقوله: «إِنَّهُمُ الْآنَ لَيُقْرَوْنَ فِي أَرْضِ غَطَفَانَ» هذا من علامات النبوة؛ حيث","vol":"5","page":248},{"text":"أخبر ﷺ أنهم في بلاد غطفان يُقرَون، فكان الأمر كما قال.\nوقوله: «فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ يَرْتَجِزُ بِالْقَوْمِ» هو أخو سلمة ﵁، ويحتمل أنه أخوه من الرضاعة، وعمه من النسب.\nوقوله: «مُغَامِر» يعني: أنه يدخل في الحروب ولا يبالي.\nوقول علي ﵁:\nقال علي ﵁ ذلك، ثم ضرب رأس مَرْحَبٍ، فقتله، ثم كان الفتحُ على يديه، فقد انهزموا لما قُتل كبيرهم.\nوقوله: «أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ» هو اسم من أسماء الأسد، وكان علي ﵁ قد سمته أمه أولًا أسد بن هشام بن عبد مناف، لكن لما جاء أبوه أبو طالب غيَّر اسمه وجعله عليًّا.\nوقوله: «كَيْلَ السَّنْدَرَهْ» يعني: يوفيهم بالكيل صاعًا، والمعنى: أنه يتابع القتل والضربات عليهم.\nوهذا الحديث فيه: أن هذه القصة كانت في صلح الحديبية، حيث ذهب الصحابة ﵃ معتمرين، وكانوا أربع عشرة مائة، وهم الذين بايعوا النبي ﷺ تحت الشجرة، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾، وقال فيهم النبي ﷺ: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» (^١)، وكان صلح الحديبية الحد الفاصل بين السابقين الأولين ومن بعدهم، فمن أسلم قبل الحديبية فهو من السابقين الأولين، ومن أسلم بعد الحديبية فليس منهم.\nوفيه: معجزة من المعجزات العظيمة، وهو من دلائل النبوة، ومن دلائل قدرة الله ﵎ القائل في كتابه: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾ فهذه ركية فيها ماء شرب منها خمسون شاة وفرغت، فبصق النبي ﷺ فيها، ودعا فارتفع الماء حتى سقوا، واستقوا وهم ألف وأربعمائة، وملؤوا كلَّ إناء.\nوفيه: أنه لا بأس من تكرار البيعة مرتين وثلاثًا للشجاع؛ تنشيطًا له،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٤٧٧٨)، وأبو داود (٤٦٥٣)، والترمذي (٣٨٦٠).","vol":"5","page":249},{"text":"فسلمة ﵁ بايع النبي ﷺ ثلاث مرات: في أول الناس، وفي وفي أوسط الناس، وفي آخرهم.\nوفي هذه البيعة بايع الصحابة ﵃ النبي ﷺ على قتال المشركين حتى الموت؛ لأن النبي ﷺ أرسل عثمان ﵁ يخبرهم أنهم ما جاؤوا للقتال، وإنما جاؤوا للعمرة، فاحتبسوا عثمان ﵁، فشاع بين الصحابة أن عثمان ﵁ قد قُتل، فبايع النبي ﷺ الصحابة ﵃ على قتالهم حتى الموت، فلما سمعت قريش بالمبايعة خافوا وأطلقوه.\nوفيه: استحباب بعث الإمام الطلائع، وبث العيون والجواسيس؛ لمعرفة أخبار العدو.\nوفيه: أنه لا بأس أن يؤخذ من الغنيمة بإذن القائد ما يحتاجه الجيش.\nوفيه: دليل على أنه لا بأس بالمسابقة بالأقدام، واختلف العلماء هل يجوز عليها العِوض؟ والصواب: أنه لا يجوز، والنبي ﷺ سابق عائشة ﵂ فسبقها في أول الأمر، ثم سبقته بعد ذلك (^١).\nأما العِوض فهو خاص بالمسابقة على الخيل، أو الإبل، أو الرماية، كما في حديث: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ» (^٢).\nوفيه: منقبة لعلي ﵁؛ حيث إن النبي ﷺ أخبر أنه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله.\nوفيه: إثبات المحبة لله تعالى، والرد على من أنكرها من الأشاعرة والمعتزلة والجهمية.\nوفيه: الرد على الخوارج الذين يُكفِّرون عليًّا ﵁ فإنه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٦٢٧٧)، وأبو داود (٢٥٧٨).\n(^٢) أخرجه أحمد (٧٤٨٢)، وأبو داود (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٣٥٨٥)، وابن ماجه (٢٨٧٨).","vol":"5","page":250},{"text":"وفيه: علامة من علامات النبوة، حيث إنه جيء بعلي ﵁ وهو أرمد فتفل النبي ﷺ في عينيه، فبرأ.","vol":"5","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-858>بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ...﴾ الْآيَةَ</span>.\n\n[١٨٠٨] حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ، يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، فَأَخَذَهُمْ سِلْمًا فَاسْتَحْيَاهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾.\nقوله: «فَأَخَذَهُمْ سِلْمًا» قال القاضي عياض ﵀: «كذا ضبطناه بسكون اللام، وفي نسخة: \" سَلَمَا \" بفتح اللام، وكذا ضبطناه عن هشام بن أحمد الفقيه عن أبى على الغسانى، وهو أظهر هنا، أي: أسارى» (^١).\nقوله تعالى: «﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم﴾» نزلت في هؤلاء الكفار الذين كانوا يريدون الغدر بالنبي ﷺ، لكن الله أمكنه منهم، وأخذهم أسارى، فعفا عنهم النبي ﷺ، فأنزل الله هذه الآية.\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٦/ ٢٠٢).","vol":"5","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-859>بَابُ غَزْوَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ</span>.\n\n[١٨٠٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ ابْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ اتَّخَذَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ خِنْجَرًا، فَكَانَ مَعَهَا، فَرَأَىهَا أَبُو طَلْحَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ أُمُّ سُلَيْمٍ مَعَهَا خِنْجَرٌ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا هَذَا الْخِنْجَرُ؟» قَالَتْ: اتَّخَذْتُهُ إِنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَقَرْتُ بِهِ بَطْنَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْتُلْ مَنْ بَعْدَنَا مِنَ الطُّلَقَاءِ، انْهَزَمُوا بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَفَى وَأَحْسَنَ».\nوحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ أُمِّ سُلَيْمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ حَدِيثِ ثَابِتٍ.\n\n[١٨١٠] حَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ، وَنِسْوَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ مَعَهُ إِذَا غَزَا، فَيَسْقِينَ الْمَاءَ، وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى.\n\n[١٨١١] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عَمْرٍو- وَهُوَ أَبُو مَعْمَرٍ الْمِنْقَرِيُّ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ مُجَوِّبٌ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ، قَالَ: وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا، شَدِيدَ النَّزْعِ، وَكَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ: فَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ الْجَعْبَةُ مِنَ النَّبْلِ، فَيَقُولُ: «انْثُرْهَا لِأَبِي طَلْحَةَ»، قَالَ: وَيُشْرِفُ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ، فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ- بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي- لَا تُشْرِفْ لَا يُصِبْكَ سَهْمٌ","vol":"5","page":253},{"text":"مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ، نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا، تَنْقُلَانِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا، ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِهِمْ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَآَنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ أَبِي طَلْحَةَ إِمَّا مَرَّتَيْنِ، وَإِمَّا ثَلَاثًا مِنَ النُّعَاسِ.\n[خ: ٣٨١١]\nهذه الأحاديث فيها: مباشرة النبي ﷺ للجهاد، وأن الجهاد من أفضل الأعمال، وأجلِّ القربات والطاعات، والإيمان بالله ورسوله مع الجهاد في سبيله هو التجارة الرابحة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، وقال بعد ذلك: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾، والجهاد في سبيل الله من أسباب تكفير السيئات، ورفع الدرجات.\nوالجهاد ذروة الإسلام؛ لما فيه من إعلاء كلمة الله، ونشر دينه، وقمع الكفر وأهله، وتوسيع رقعة الإسلام.\nولهذا فإن النبي ﷺ باشر الجهاد بنفسه، وباشره الصحابة رضوان الله عليهم، وهو واجب على الأمة الإسلامية عمومًا مع القدرة، وأما بالنسبة للأفراد فالأصل أنه فرض كفاية، ويجب في بعض الحالات.\nوفيه: فضل أبي طلحة ﵁، حيث إنه يدافع عن النبي ﷺ ويقيه بنفسه بحَجَفة، والحجفة هي: التي يتقي بها الفارس وقْعَ النبال.\nوفيه: دليل على شجاعة وقوة إيمان أبي طلحة ﵁، وقد سقط منه السيف مرة، أو مرتين من النعاس، والنعاس في الجهاد دليل الإيمان، قال الله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ بخلاف المنافقين","vol":"5","page":254},{"text":"فإنه لا يتم لهم النعاس في الجهاد؛ لما في قلوبهم من الهلع والخوف والرعب؛ لعدم صحة الإيمان في قلوبهم، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يغشى طائفة منكم﴾ هذا في غزوة أحد، يغشى طائفة منكم، وهم المؤمنون، ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾؛ وهم المنافقون قد أهمتهم أنفسهم فلا يأتيهم النعاس.\nوقد تعلق بهذه الأحاديث بعض المعاصرين، وقالوا بجواز جهاد النساء مع الرجال ومشاركتهن لهم في الحروب، واختلاطهن بالرجال في الأعمال، وفي المستوصفات الصحية، وغيرها.\nوالجواب على ذلك من وجوه:\nالوجه الأول: أن خروج النساء مع النبي ﷺ في الغزو كان قبل نزول الحجاب، كما في حديث أنس: «وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ، أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا تَنْقُزَانِ القِرَبَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: تَنْقُلانِ القِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا» (^١)، فكان خروجهن قبل نزول الحجاب، وقبل الحجاب يُتوسع في النظر إلى النساء ما لا يُتوسع إليه بعد الحجاب، والحجاب كان في السنة السابعة.\nالوجه الثاني: أن عائشة ﵂ كانت صغيرة، فقد كانت في العاشرة أو الحادية عشرة، وأم سليم ﵂ كانت امرأة كبيرة عاقلة، وأنس ﵁ كان صغيرًا- أيضًا.\nالوجه الثالث: أن النساء لم يباشرن القتال، وإنما كن يسقينَ الماء ويداوينَ الجرحى ويصنعنَ الطعام، وهذا يجوز في حال الحرب، ولا يجوز في حال السعة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٨٨٠)، ومسلم (١٨١١).","vol":"5","page":255},{"text":"وقال النووي ﵀: «وهذه المداواة لمحارمهن وأزواجهن، وما كان منها لغيرهم لا يكون فيه مس بشرة إلا في موضع الحاجة» (^١).\nالوجه الرابع: أن النساء مع النبي ﷺ كان عندهن من الإيمان والتقوى والورع ما يحجزهن عن الفساد، بخلاف نساء هذا العصر، فإن عندهن من ضعف الإيمان والتعرض للرجال والاختلاط بهم في غير ضرورة ولا حاجة ما يكون سببًا في الشر والفساد والفتنة.\nوبهذا يبطل تعلق هؤلاء المعاصرين بهذه الأحاديث.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٢/ ١٨٨).","vol":"5","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-860>بَابُ النِّسَاءِ الْغَازِيَاتِ يُرْضَخُ لَهُنَّ، وَلَا يُسْهَمُ، وَالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ صِبْيَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ</span>.\n\n[١٨١٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ: أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ خَمْسِ خِلَالٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْلَا أَنْ أَكْتُمَ عِلْمًا مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ، كَتَبَ إِلَيْهِ نَجْدَةُ: أَمَّا بَعْدُ، فَأَخْبِرْنِي: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَهَلْ كَانَ يَضْرِبُ لَهُنَّ بِسَهْمٍ؟ وَهَلْ كَانَ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ؟ وَمَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ؟ وَعَنِ الْخُمْسِ، لِمَنْ هُوَ؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ، وَقَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِنَّ، فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى، وَيُحْذَيْنَ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَأَمَّا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ، فَلَا تَقْتُلِ الصِّبْيَانَ، وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي: مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ؟ فَلَعَمْرِي إِنَّ الرَّجُلَ لَتَنْبُتُ لِحْيَتُهُ، وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الْأَخْذِ لِنَفْسِهِ، ضَعِيفُ الْعَطَاءِ مِنْهَا، فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ مَا يَأْخُذُ النَّاسُ فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ الْيُتْمُ، وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْخُمْسِ، لِمَنْ هُوَ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ: هُوَ لَنَا، فَأَبَى عَلَيْنَا قَوْمُنَا ذَاكَ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ: أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ خِلَالٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ حَاتِمٍ: وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ، فَلَا تَقْتُلِ الصِّبْيَانَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ تَعْلَمُ مَا عَلِمَ الْخَضِرُ مِنَ الصَّبِيِّ الَّذِي قَتَلَ، وَزَادَ إِسْحَاقُ فِي حَدِيثِهِ عَنْ حَاتِمٍ: وَتُمَيِّزَ الْمُؤْمِنَ، فَتَقْتُلَ الْكَافِرَ، وَتَدَعَ الْمُؤْمِنَ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ بْنُ عَامِرٍ الْحَرُورِيُّ إِلَى ابْنِ","vol":"5","page":257},{"text":"عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنِ الْعَبْدِ، وَالْمَرْأَةِ يَحْضُرَانِ الْمَغْنَمَ، هَلْ يُقْسَمُ لَهُمَا؟ وَعَنْ قَتْلِ الْوِلْدَانِ، وَعَنِ الْيَتِيمِ، مَتَى يَنْقَطِعُ عَنْهُ الْيُتْمُ؟ وَعَنْ ذَوِي الْقُرْبَى، مَنْ هُمْ؟ فَقَالَ لِيَزِيدَ: اكْتُبْ إِلَيْهِ، فَلَوْلَا أَنْ يَقَعَ فِي أُحْمُوقَةٍ مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ، اكْتُبْ: إِنَّكَ كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْمَرْأَةِ، وَالْعَبْدِ يَحْضُرَانِ الْمَغْنَمَ، هَلْ يُقْسَمُ لَهُمَا شَيْءٌ؟ وَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُحْذَيَا، وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ قَتْلِ الْوِلْدَانِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقْتُلْهُمْ، وَأَنْتَ فَلَا تَقْتُلْهُمْ، إِلَّا أَنْ تَعْلَمَ مِنْهُمْ مَا عَلِمَ صَاحِبُ مُوسَى مِنَ الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ، وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْيَتِيمِ، مَتَى يَنْقَطِعُ عَنْهُ اسْمُ الْيُتْمِ؟ وَإِنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ اسْمُ الْيُتْمِ حَتَّى يَبْلُغَ، وَيُؤْنَسَ مِنْهُ رُشْدٌ، وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ ذَوِي الْقُرْبَى، مَنْ هُمْ؟ وَإِنَّا زَعَمْنَا: أَنَّا هُمْ، فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْنَا قَوْمُنَا.\nوَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِطُولِهِ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا يُحَدِّثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ بْنُ عَامِرٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: فَشَهِدْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ حِينَ قَرَأَ كِتَابَهُ، وَحِينَ كَتَبَ جَوَابَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ أَرُدَّهُ عَنْ نَتْنٍ يَقَعُ فِيهِ مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ، وَلَا نُعْمَةَ عَيْنٍ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّكَ سَأَلْتَ عَنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ، مَنْ هُمْ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَرَى: أَنَّ قَرَابَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُمْ نَحْنُ، فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْنَا قَوْمُنَا، وَسَأَلْتَ عَنِ الْيَتِيمِ، مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُهُ؟ وَإِنَّهُ إِذَا بَلَغَ النِّكَاحَ، وَأُونِسَ مِنْهُ رُشْدٌ، وَدُفِعَ إِلَيْهِ مَالُهُ فَقَدِ انْقَضَى يُتْمُهُ، وَسَأَلْتَ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْتُلُ مِنْ صِبْيَانِ الْمُشْرِكِينَ أَحَدًا؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ","vol":"5","page":258},{"text":"ﷺ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَأَنْتَ فَلَا تَقْتُلْ مِنْهُمْ أَحَدًا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ تَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا عَلِمَ الْخَضِرُ مِنَ الْغُلَامِ حِينَ قَتَلَهُ، وَسَأَلْتَ عَنِ الْمَرْأَةِ، وَالْعَبْدِ هَلْ كَانَ لَهُمَا سَهْمٌ مَعْلُومٌ إِذَا حَضَرُوا الْبَأْسَ؟ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَهْمٌ مَعْلُومٌ، إِلَّا أَنْ يُحْذَيَا مِنْ غَنَائِمِ الْقَوْمِ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ عن المُخْتَارِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَ بَعْضَ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يُتِمَّ الْقِصَّةَ كَإِتْمَامِ مَنْ ذَكَرْنَا حَدِيثَهُمْ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ: أَخْلُفُهُمْ فِي رِحَالِهِمْ، فَأَصْنَعُ لَهُمُ الطَّعَامَ، وَأُدَاوِي الْجَرْحَى، وَأَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى.\nوَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nهذا الحديث فيه: أن السائل هو نجدة بن عامر الحروري، وهو من الخوارج، كتب لابن عباس ﵄ يسأله عن هذه المسائل، فأجابه، وقال: «لَوْلَا أَنْ أَكْتُمَ عِلْمًا مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ» لأنه من الخوارج الذين يكفِّرون المسلمين بالمعاصي؛ فلا يستحق أن يكتب إليه، لكنه خاف ﵁ من كتمان العلم، وقال: «وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ أَرُدَّهُ عَنْ نَتْنٍ يَقَعُ فِيهِ مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ، وَلَا نُعْمَةَ عَيْنٍ» والنتن هو: الشيء الذي له رائحة كريهة، والمعنى: أنه شبه وقوعه في الغلط بشم شيء له رائحة كريهة، والنُّعْمَةُ، يعني: المسرة.\nوأهل البدع يجب هجرهم، وهو من أهل البدع الذين يكفِّرون بالمعاصي.","vol":"5","page":259},{"text":"وفيه: أنه ذكر أن النبي ﷺ كان يغزو بالنساء، لكنهن لا يباشرن القتال، فكنَّ يداوينَ الجرحى، ويسقينَ الماء، ويصنعنَ الطعام.\nوفيه: أن النساء والصبيان لا يُقتلون إلا إذا شاركوا في القتال.\nوفيه: أن يُتم اليتيم ينقضي بأمرين: الأول: البلوغ، والثاني: حصول الرشد.\nوالرشد معناه: حسن التصرف، أما يتم اليتيم من حيث هو فينقضي بالبلوغ، فإذا بلغ ذهب عنه اليتم، لكن لا يعطى ماله إلا إذا ضُمَّ إلى ذلك حسن التصرف، وقد بين الله هذين الشرطين في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾؛ ولهذا قال ابن عباس ﵄: «فَلَعَمْرِي إِنَّ الرَّجُلَ لَتَنْبُتُ لِحْيَتُهُ، وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الْأَخْذِ لِنَفْسِهِ، ضَعِيفُ الْعَطَاءِ مِنْهَا».\nوفيه: أنه سئل عن خمس الخمس لبني هاشم وبني المطلب، كما في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ فقال ابن عباس ﵄: «وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ: هُوَ لَنَا، فَأَبَى عَلَيْنَا قَوْمُنَا ذَاكَ» ذكر النووي ﵀ أن الذي أبى عليهم هو معاوية ﵁ (^١)، والصواب: أن الذي أبى عليهم قبل ذلك هو أبو بكر وعمر ﵄.\nوفيه: أن الخضر علم عن الصبي أنه لو عاش لكان كافرًا؛ لأنه نبي يوحى إليه؛ ولهذا قال في آخر القصة: ﴿وما فعلته عن أمري﴾، فقال ابن عباس ﵄: «إِلَّا أَنْ تَكُونَ تَعْلَمُ مَا عَلِمَ الْخَضِرُ مِنَ الصَّبِيِّ الَّذِي قَتَلَ» فاقتل الصِّبْية إذًا، والمعنى: أنك لا تعلم فلا تقتل.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٢/ ١٩٢).","vol":"5","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-861>بَابُ عَدَدِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ ﷺ</span>.\n\n[١٢٥٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي بِالنَّاسِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ اسْتَسْقَى قَالَ: فَلَقِيتُ- يَوْمَئِذٍ- زَيْدَ ابْنَ أَرْقَمَ، وَقَالَ: لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ غَيْرُ رَجُلٍ، أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ رَجُلٌ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: كَمْ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: تِسْعَ عَشْرَةَ، فَقُلْتُ: كَمْ غَزَوْتَ أَنْتَ مَعَهُ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً قَالَ: فَقُلْتُ: فَمَا أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا؟ قَالَ: ذَاتُ الْعُسَيْرِ- أَوِ: الْعُشَيْرِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يحيى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ سَمِعَهُ مِنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَحَجَّ بَعْدَ مَا هَاجَرَ حَجَّةً لَمْ يَحُجَّ غَيْرَهَا حَجَّةَ الْوَدَاعِ.\n\n[١٨١٣] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَالَ جَابِرٌ: لَمْ أَشْهَدْ بَدْرًا، وَلَا أُحُدًا، مَنَعَنِي أَبِي، فَلَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ قَطُّ.\n\n[١٨١٤] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ. ح، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَاتَلَ فِي ثَمَانٍ مِنْهُنَّ، وَلَمْ يَقُلْ أَبُو بَكْرٍ: مِنْهُنَّ.\nوَقَالَ فِي حَدِيثِهِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ.\n[خ: ٤٤٧٣]\nوَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ كَهْمَسٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِتَّ عَشْرَةَ غَزْوَةً.\n\n[١٨١٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ-","vol":"5","page":261},{"text":"عَنْ يَزِيدَ- وَهُوَ ابْنُ أَبِي عُبَيْدٍ- قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ يَقُولُ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، وَخَرَجْتُ فِيمَا يَبْعَثُ مِنَ الْبُعُوثِ تِسْعَ غَزَوَاتٍ، مَرَّةً عَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ، وَمَرَّةً عَلَيْنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ- فِي كِلْتَيْهِمَا-: سَبْعَ غَزَوَاتٍ.\n[خ: ٤٢٧١]\nقوله: «قَاتَلَ فِي ثَمَانٍ» هذه الثماني التي قاتل فيها ﷺ هي: بدر، وأحد، والأحزاب، وخيبر، والفتح، وهوزان، والطائف، وتبوك.\nوفي حديث زيد بن أرقم وحديث عبد الله بن بريدة ﵄: أن النبي ﷺ غزا تسع عشرة، وفي حديث جابر ﵁ أنه قال: تسع عشرة، وهو قد تخلف عن بدر وأحد، فدل على أنها أكثر من تسع عشرة، وهي على حديث جابر ﵁ إحدى وعشرين، فدل على أن قول زيد بن أرقم وعبد الله بن بريدة ﵄ تسع عشرة، يعنيان: أن منها تسع عشرة، وليس المراد الحصر.\nوذكر ابن سعد في الطبقات: «كان عدد مغازي رسول الله ﷺ التي غزا بنفسه سبعًا وعشرين غزوة، وكانت سراياه التي بعث بها سبعًا وأربعين سرية» (^١).\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى، لابن سعد (٢/ ٦).","vol":"5","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-862>بَابُ غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ</span>.\n\n[١٨١٦] حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي عَامِرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ، بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ، قَالَ: فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا، فَنَقِبَتْ قَدَمَايَ، وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي، فَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ، فَسُمِّيَتْ: غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ؛ لِمَا كُنَّا نُعَصِّبُ عَلَى أَرْجُلِنَا مِنَ الْخِرَقِ، قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: فَحَدَّثَ أَبُو مُوسَى بِهَذَا الْحَدِيثِ، ثُمَّ كَرِهَ ذَلِكَ قَالَ: كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ أَفْشَاهُ، قَالَ أَبُو أُسَامَةَ: وَزَادَنِي غَيْرُ بُرَيْدٍ: وَاللَّهُ يُجْزِي بِهِ.\n[خ: ٤١٣٨]\n\n[غزوة ذات الرقاع هي غزوة محارب خصفة، وجمهور أهل المغازي على ذلك وأنهما غزوة واحدة، وجزم بذلك ابن إسحاق، وهو اختيار الإمام البخاري (^١)، أما الواقدي فقال: هما غزوتان مختلفتان فذات الرقاع غزوة، ومحارب خصفة غزوة أخرى، وقد وقع خلاف حول غزوة ذات الرقاع هل هي سنة أربع أو سنة خمس.\nقوله: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ، بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ» يعني: نركبه عقبة عقبة، وهو أن يركب الرجل قليلًا ثم ينزل ويركب الآخر بالنوبة، فيتناوبون على البعير واحدًا بعد واحد، وإذا كانوا اثنين فواحد يمشي، وإذا كانوا أربعة فيمشي ثلاثة، ثم بعد ذلك إذا مشى البعير وقتًا نزل الراكب وركب أحد المشاة، وهكذا.\nقوله: «فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا» يعني: رقت جلودها وتأثرت من المشي.\nقوله: «فَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ، فَسُمِّيَتْ: غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ» المقصود من تسمية ذات الرقاع، فقد اختلفوا في تسميتها، فأبو موسى ﵁ رأى أنها سميت ذات الرقاع؛ لأنهم كانو ايعصبون على أرجلهم الخرق، وقيل: إنها سميت بذلك لاسم الجبل، وقيل: للسببين معًا.] [*]\nهذا الحديث فيه: ما أصاب الصحابة رضوان الله عليهم من الشدة، ففي قصة أبي موسى ﵁ أنه نُقبت قدمه، وأصابتها الجروح وسقطت أظفاره ولف قدميه بالرِّقاع، ثم كره أن يكون أفشى شيئًا من عمله؛ ولهذا قال: «واللهُ يَجْزِي بِهِ»، لكن ذكره من باب نشر العلم.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥/ ١١٣).\n\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ورد ما بين معكوفين في الأصل الإلكتروني","vol":"5","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-863>بَابُ كَرَاهَةِ الِاسْتِعَانَةِ فِي الْغَزْوِ بِكَافِرٍ</span>.\n\n[١٨١٧] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مَالِكٍ. ح، وحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكِ ابْنِ أَنَسٍ، عن الفُضَيْلِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نِيَارٍ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ بَدْرٍ، فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ، فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَأَوْهُ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: جِئْتُ لِأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَارْجِعْ؛ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ»، قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قَالَ: «فَارْجِعْ؛ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ»، قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ: «تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟»، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَانْطَلِقْ».\nهذا الحديث فيه: أن النبي ﷺ لم يستعن بمشرك؛ لأنه لا يأمنه، فرده مرتين حتى أسلم.","vol":"5","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-864>كِتَابُ الْإِمَارَةِ</span>","vol":"5","page":266},{"text":"كِتَابُ الْإِمَارَةِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-865>بَابُ النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ</span>\n\n[١٨١٨] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يَعْنِيَانِ: الْحِزَامِيَّ- ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، وقَالَ عَمْرٌو رِوَايَةً: «النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ؛ مُسْلِمُهُمْ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ لِكَافِرِهِمْ».\n[خ: ٣٤٩٥]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ؛ مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ».\n\n[١٨١٩] وَحَدَّثَنِي يَحيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ، وَالشَّرِّ».\n\n[١٨٢٠] وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانِ».\n[خ: ٣٥٠١]\nقوله: «روايةً»، يعني: يرفعه إلى النبي ﷺ.","vol":"5","page":267},{"text":"قوله: «مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم»، يعني: أن الولاية والإمارة والشرف فيهم في الجاهلية، وفي الإسلام.\nهذه الأحاديث فيها: أن الإمارة والزعامة والخلافة تكون في قريش، سواء في الجاهلية، أو في الإسلام، وأن الناس تبعٌ لقريش، مسلمهم لمسلمهم، وكافرهم لكافرهم، في الخلافة والإمارة والولاية، وأنه فيهم ما بقي منهم اثنان، وهذا دليل على أن الخلافة تكون في قريش عند الاختيار والانتخاب.\nوهناك قيد في رواية البخاري، وهو: «مَا أَقَامُوا الدِّينَ» (^١)، وهذا قيد لا بد منه، ومفهومه: أنهم إذا لم يقيموا الدين فإن الخلافة تنتقل إلى غيرهم، وأنه إذا وجد فيهم من يقيم الدين عند الاختيار والانتخاب فإنه يجب أن يكون الخليفة من قريش، فإذا كان الاختيار والانتخاب للمسلمين فإنه يجب عليهم أن يختاروا من قريش إذا وجد من يقيم الدين فتثبت الخلافة، كما اختار الصحابة، وانتخبوا أبا بكر الصديق ﵁، فلما توفي النبي ﷺ اجتمع الأنصار في ثقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة وأمير فجاءهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ي، ولما أرادوا أن يختاروا خليفة من الأنصار بين لهم الصديق وعمر م أن الخلافة لا تكون إلا في قريش، وبين لهم قول النبي ﷺ: «الأئمة من قريش» (^٢)، وأن الناس تبع لهم؛ فاختاروا أبا بكر ﵁ وانتخبوه للخلافة، ثم ثبتت الخلافة لعمر ﵁ بولاية العهد من أبي بكر ﵁، واتفق الناس عليه، ثم ثبتت الخلافة لعثمان ﵁- أيضًا- بانتخاب أهل الحل والعقد وهو من قريش، ثم ثبتت الخلافة لعلي ﵁ بمبايعة أكثر أهل الحل والعقد وهو من قريش؛ فإذا كان الاختيار والانتخاب للمسلمين فإنه يجب أن يكون الخليفة من قريش إذا وجد فيهم من يقيم الدين؛ فإن لم يوجد فيهم من يقيم الدين فتكون الولاية في غيرهم، كما حصل في الخلافة الراشدة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥٠٠).\n(^٢) أخرجه أحمد (٣/ ١٢٩)، والنسائي في الكبرى (٣/ ٤٦٧).","vol":"5","page":268},{"text":"والدولة الأموية، والدولة العباسية، ثم لما سقطت بغداد في أيدي التتار سنة ٦٥٦ هـ انتقلت الخلافة من قريش.\nفيه: منقبة لقريش؛ فالناس تبع لقريش في هذا الشأن- يعني: في الإمارة والولاية- لأن أصولهم شريفة، ومعادنهم طيبة، وأنسابهم عالية.\nوهذه الأحاديث الخبر فيها بمعنى الأمر، والمعنى: اجعلوا هذا الأمر فيهم، ولو كان خبرًا حقيقيًّا لما تخلف، ولما سقطت الخلافة العباسية على أيدي التتار، وانتقلت الخلافة إلى الأعاجم، وإلى الدولة العثمانية.\nوالخلافة والولاية إنما تثبت بواحد من ثلاثة أمور:\nالأول: الاختيار والانتخاب من أهل الحل والعقل: كما ثبتت الخلافة لأبي بكر الصديق ﵁، وكذلك ثبتت الخلافة لعثمان ﵁، وكذلك لعلي ﵁.\nالثاني: ولاية العهد من الخليفة السابق: كما ثبتت الخلافة لعمر ﵁ بعهدٍ من الصديق، وأجمع عليه الصحابة.\nالثالث: القوة والغلبة: فإذا غلب الناسَ بسيفه وسلطانه وخضعوا له، وجب له عليهم السمع والطاعة، وثبتت له الإمارة بذلك؛ وذلك لأن الشرع يتشوف إلى استتباب الأمن والاستقرار وعدم الفوضى والاضطراب، ويدل على ذلك الأحاديث التي فيها الأمر بالسمع والطاعة لولاة الأمور، مثل: قوله ﷺ: «وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» (^١)، ومعروف أن العبد الحبشي ليس من قريش، والخلافة من بعد الخلفاء الراشدين إلى الآن لم تثبت بالاختيار والانتخاب، ووقعت كلها بالقوة والغلبة.\nأما تولية الحكم عن طريق التصويت والانتخابات- كما يُفعل الآن في الدول الكافرة وأشباهها- فهذا باطل مخالف للشرع؛ لأنهم لا يعملون بالشريعة الإسلامية من الأساس، فهم إما كفار وإما أشباه كفار.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١٤٢).","vol":"5","page":269},{"text":"[١٨٢١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ. ح وَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ اللهِ الطَّحَّانَ- عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَنْقَضِي حَتَّى يَمْضِيَ فِيهِمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً»، قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ خَفِيَ عَلَيَّ، قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي: مَا قَالَ؟ قَالَ: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ».\n[خ: ٧٢٢٣]\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا مَا وَلِيَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا»، ثُمَّ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَلِمَةٍ خَفِيَتْ عَلَيَّ، فَسَأَلْتُ أَبِي مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ فَقَالَ: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ».\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: «لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا».\nحَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَزَالُ الْإِسْلَامُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً»، ثُمَّ قَالَ كَلِمَةً لَمْ أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ لِأَبِي: مَا قَالَ؟ فَقَالَ: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً»، قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَقُلْتُ لِأَبِي: مَا قَالَ؟ فَقَالَ: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ».\nحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَزْهَرُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى","vol":"5","page":270},{"text":"رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعِي أَبِي، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزًا مَنِيعًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً»، فَقَالَ كَلِمَةً صَمَّنِيهَا النَّاسُ، فَقُلْتُ لِأَبِي: مَا قَالَ؟ قَالَ: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ».\nقوله: «لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزًا مَنِيعًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً» المعنى: أن الإسلام لا يزال عزيزًا قويًّا وفي ازدياد في خلافة هؤلاء الاثني عشر خليفة، ثم بعد ذلك يكون الأمر فيه ضعف.\nوهؤلاء الاثنا عشر خليفة هل هم متوالون، أم لا؟ على قولين:\nالقول الأول: أنهم متوالون، وهم: الخلفاء الراشدون الأربعة، ومعاوية بن أبي سفيان، وابنه يزيد، وعبد الملك بن مروان، وأولاده الأربعة: الوليد بن عبد الملك، وسليمان بن عبد الملك، وهشام بن عبد الملك، ويزيد بن عبد الملك، وبينهم عمر بن عبد العزيز، فهؤلاء الاثنا عشر خليفة لايزال أمر الإسلام ماضيًا وعزيزًا في زمانهم، ثم بعد ذلك حصل الضعف والنقص، كما هو معروف الآن.\nفهم اثنا عشر خليفة يكون الإسلام في زمنهم عزيزًا منيعًا ولا يزال أمر الناس ماضيًا، أما عبد الله بن الزبير ﵄ فلم يجتمع الناس عليه، وأما علي - ﵁ - ففي حكم المُجْتَمع عليه؛ فقد بايعه أكثر أهل الحل والعقد، وأما الحسن بن علي ﵄ فولايته تابعة لولاية أبيه.\nالقول الثاني: ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ أن الأظهر أنهم غير متوالين، وأن المهدي منهم في آخر الزمان.\nوالصواب: أنهم متوالون، والواقع يؤيد هذا، وأما قول: إن المهدي منهم فهذا بعيد؛ لأن المهدي لا يخرج إلا في آخر الزمان، وفي زمانه يخرج الدجال، ويحصل اختلاف، والنبي ﷺ يقول: «لا يزال أمر الناس ماضيًا»، وأين المضي وقد حصل اختلاف قبل المهدي في سنوات خدَّاعة؟ !","vol":"5","page":271},{"text":"وفي الحديث: الرد على الرافضة الذي يقولون: إن النبي ﷺ نص على اثني عشر خليفة وأنهم معصومون، وأن الخليفة الأول هو عليٌّ ﵁ هو الخليفة الأول، ثم الحسن ﵁ الخليفة الثاني، ثم الحسين ﵁ الخليفة الثالث، ثم الباقي كلهم من نسل الحسين: علي بن الحسين زين العابدين، ثم محمد بن علي الباقر، ثم جعفر بن محمد الصادق، ثم موسى بن جعفر الكاظم، ثم علي بن موسى الرضا، ثم محمد بن علي الجواد، ثم علي بن محمد الهادي، ثم الحسن بن علي العسكري، ثم المهدي المنتظر الذي دخل سرداب سامراء محمد بن الحسن سنة ستين ومائتين ولم يخرج إلى الآن، وشيخ الإسلام يقول: «دخل السرداب من أكثر من أربعمائة سنة، ولا يعرف له عين ولا أثر ولا يدرك له حس ولا خبر» (^١)، ونحن نقول: مضى عليه ألف ومائتا سنة ولم يخرج، لأنه شخص موهوم لا حقيقة له؛ لأن أباه الحسن بن علي العسكري مات عقيمًا، ولكنهم اختلقوا له ولدًا وأدخلوه السرداب، وهم يقولون: إنه دخل السرداب بعد موت أبيه، وعمره إما سنتان، وإما ثلاث، وإما خمس، وإما نحو ذلك، ومثل هذا بنص القرآن يتيم يجب أن يحفظ له ماله حتى يؤنس منه الرشد، ويحضنه من يستحق حضانته من أقربائه، فإذا صار له سبع سنين أمر بالطهارة، والصلاة، فمن لا توضأ، ولا صلى، وهو تحت حجر وليه في نفسه، وماله بنص القرآن لو كان موجودا يشهده العيان لما جاز أن يكون هو إمام أهل الإيمان، فكيف إذا كان معدوما، أو مفقودا مع طول هذه الغيبة؟ ! (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١١/ ٤٣٩)، (٢٨/ ٤٨٠)، درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية (٦/ ٢٦٩).\n(^٢) منهاج السنة النبوية، لابن تيمية (١/ ١٢٢).","vol":"5","page":272},{"text":"[١٨٢٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ- عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَعَ غُلَامِي نَافِعٍ: أَنْ أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ- يَوْمَ جُمُعَةٍ عَشِيَّةَ رُجِمَ الْأَسْلَمِيُّ يَقُولُ-: «لَا يَزَالُ الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، أَوْ يَكُونَ عَلَيْكُمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ». وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «عُصَيْبَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَفْتَتِحُونَ الْبَيْتَ الْأَبْيَضَ، بَيْتَ كِسْرَى، أَوْ آلِ كِسْرَى»، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَذَّابِينَ فَاحْذَرُوهُمْ»، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِذَا أَعْطَى اللهُ أَحَدَكُمْ خَيْرًا فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ»، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «أَنَا الْفَرَطُ عَلَى الْحَوْضِ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ سَمُرَةَ الْعَدَوِيِّ: حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ حَاتِمٍ.\nقوله: «الْبَيْتَ الْأَبْيَضَ»: هو قصر كِسرَى - كما قال «بَيْتَ كِسْرَى، أَوْ آلِ كِسْرَى»، وكَانَ مَبنيًّا بالجص (^١)، وهذا من المعجزات الظاهرة لرسول الله ﷺ وقد فتحوه بحمد الله في زمن عمر بن الخطاب ﵁.\nوقوله: «إِذَا أَعْطَى اللهُ أَحَدَكُمْ خَيْرًا فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ» والخير هنا: المال، فإذا أعطى الله أحدنا مالًا فليبدأ بنفسه وأهل بيته، يعني: بمن تلزمه النفقتة عليهم وعولهم، وفي الحديث: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ\n_________\n(^١) كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (١/ ٤٥٥).","vol":"5","page":273},{"text":"شَيْءٌ، فَهَكَذَا وَهَكَذَا- يَقُولُ فَبَيْنَ يَدَيْكَ، وَعَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ» (^١).\nوقوله: «أَنَا الْفَرَطُ عَلَى الْحَوْضِ» الفرط هو: السابق الذي يتقدم القوم ليهيئ لهم المكان، ويعد لهم الماء ليسقيهم، وهذا في الموقف يوم القيامة، فحوض نبينا ﷺ في الموقف يوم القيامة: طوله مسافة شهر، وعرضه مسافة شهر، وهو أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا حتى يدخل الجنة، وهناك أقوام يذادون عنه - أي: يُطردون- كما تذاد الإبل العطاش؛ لأنهم غيروا وبدلوا، قال ﷺ: «ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن غير بعدي»، وفي نفس الحديث: «يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض، فأقول: يا رب أصحابي» - وفي لفظ: «أصيحابي أصيحابي» (^٢) - «فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى» (^٣)، يعني: بعدًا بعدًا.\nوفي هذا الحديث: عَلَمٌ من أعلام نبوة رسول الله ﷺ وهي: إخباره عن أمور وقعت بعد موته ﷺ، فقد تم فتح بلاد الفرس في زمن الخليفة عمر بن الخطاب ﵁، ووُجد الكذابون.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٩٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٣٠٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٥٨٥).","vol":"5","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-866>بَابُ الِاسْتِخْلَافِ وَتَرْكِهِ</span>\n\n[١٨٢٣] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: حَضَرْتُ أَبِي حِينَ أُصِيبَ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا، فَقَالَ: رَاغِبٌ وَرَاهِبٌ، قَالُوا: اسْتَخْلِفْ، فَقَالَ: أَتَحَمَّلُ أَمْرَكُمْ حَيًّا وَمَيِّتًا؟ لَوَدِدْتُ أَنَّ حَظِّي مِنْهَا الْكَفَافُ: لَا عَلَيَّ، وَلَا لِي، فَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي- يَعْنِي: أَبَا بَكْرٍ- وَإِنْ أَتْرُكْكُمْ فَقَدْ تَرَكَكُمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ حِينَ ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ.\n[خ: ٧٢١٨]\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ- وألفاظهم متقاربة- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقَالَتْ: أَعَلِمْتَ أَنَّ أَبَاكَ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: مَا كَانَ لِيَفْعَلَ، قَالَتْ: إِنَّهُ فَاعِلٌ، قَالَ: فَحَلَفْتُ أَنِّي أُكَلِّمُهُ فِي ذَلِكَ، فَسَكَتُّ حَتَّى غَدَوْتُ وَلَمْ أُكَلِّمْهُ، قَالَ: فَكُنْتُ كَأَنَّمَا أَحْمِلُ بِيَمِينِي جَبَلًا حَتَّى رَجَعْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْ حَالِ النَّاسِ وَأَنَا أُخْبِرُهُ، قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ مَقَالَةً فَآلَيْتُ أَنْ أَقُولَهَا لَكَ، زَعَمُوا أَنَّكَ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ، وَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَكَ رَاعِي إِبِلٍ، أَوْ رَاعِي غَنَمٍ، ثُمَّ جَاءَكَ وَتَرَكَهَا رَأَيْتَ أَنْ قَدْ ضَيَّعَ، فَرِعَايَةُ النَّاسِ أَشَدُّ! قَالَ: فَوَافَقَهُ قَوْلِي، فَوَضَعَ رَأْسَهُ سَاعَةً، ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَيَّ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ ﷿ يَحْفَظُ دِينَهُ، وَإِنِّي لَئِنْ لَا أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَسْتَخْلِفْ، وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدِ اسْتَخْلَفَ، قَالَ: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَأَبَا بَكْرٍ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَعْدِلَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَدًا، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ.","vol":"5","page":275},{"text":"قوله: «حَضَرْتُ أَبِي حِينَ أُصِيبَ»، يعني: لما طعنه أبو لؤلؤة المجوسي- وهو يصلي بالناس الفجر- ست طعنات إحداهن تحت سرته (^١).\nوقوله: «رَاغِبٌ وَرَاهِبٌ»، أي: أنا راغب فيما عند الله تعالى، وراهب من عذابه.\nوقوله: «لَوَدِدْتُ أَنَّ حَظِّي مِنْهَا الْكَفَافُ: لَا عَلَيَّ، وَلَا لِي» هذا من تواضعه ﵁، فهو يودُّ حين يلقى ربه أن يكون الأمر كفافًا، ما له حسنات، ولا عليه سيئات، مع أنه من السابقين ﵁، وهذا من عظيم خوفه من الله ﷿.\nوقوله: «قَالُوا: اسْتَخْلِفْ، فَقَالَ: أَتَحَمَّلُ أَمْرَكُمْ حَيًّا وَمَيِّتًا»، يعني: يكفي أني تحملت تبعاتها في حياتي، فهل أتحملها- أيضًا- بعد مماتي؟ وهذا من ورع عمر ﵁ مع سيرته العادلة، وجهاده، وصحبته الطويلة للنبي (، فودَّ أن يحصل على الكفاف، وترك الأمر شورى بين الستة المعروفين، وهم: الزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وعثمان وعلي - ﵃ -.\nوقوله: «فَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي- يَعْنِي: أَبَا بَكْرٍ- وَإِنْ أَتْرُكْكُمْ فَقَدْ تَرَكَكُمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ» وهذا دليل على أنه يجوز للخليفة أن يستخلف وليًّا للعهد بعده، ويجوز أن يترك، أما دليل الاستخلاف فيؤخذ من عزمه ﷺ الذي حكته عائشة، وهو لا يعزم إلا على أمر جائز، وقد فهم أبوبكر - ﵁ - من عزمه الجواز، ولهذا استخلف أبو بكر عمر ﵄ واتفق الناس على قبوله، ورجح عمر الترك؛ لأنه الذي وقع من رسول الله ﷺ.\nمسألة: هل ما فعله أبو بكر - ﵁ - من الاستخلاف أولى أو ما فعله عمر - ﵁ -؟\nوالجواب: ما فعله أبو بكر - ﵁ - من عهده إلى واحد بعده أولى من ترك الشورى لستة؛ لما فيه من جمع الكلمة.\n_________\n(^١) الاستيعاب، لابن عبد البر (٣/ ١١٥٤).","vol":"5","page":276},{"text":"وفي الحديث: دليل أن على خلافة أبي بكر - ﵁ - ثبتت بالانتخاب والاختيار، لا بالنص، ومن أدلة هذا: قول عمر - ﵁ -.\nوقيل: إنها ثبتت بالنص، والذين قالوا بالنص اختلفوا، فمنهم من قال: بالنص الجلي، ومنهم من قال: بالنص الخفي، واستدلوا بأدلة، منها:\n١ - أن النبي ﷺ قدَّم أبا بكر ليؤم الناس في مرض موته (^١).\n٢ - حديث المنام، الدلو الذي دلي من السماء وأخذه بعرقيها ﷺ ثم أخذ بعرقيها أبو بكر (^٢).\n٣ - حديث المرأة التي جاءت، وقالت للنبي - ﷺ -: إن لم أجدك قال - ﷺ -: «فائتي أبا بكر» (^٣).\n٤ - قول النبي ﷺ: «لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا» (^٤).\nلكن الواقع أن هذه ليست صريحة، والصواب: أن خلافة أبي بكر إنما ثبتت بالاختيار والانتخاب من أهل الحل والعقد، وأما هذه الأمور التي ذكروها فهي مرشدة، ترشد الناس وتدلهم على اختيار أبي بكر، كما قال شيخ الإسلام (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٤)، ومسلم (٤١٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٦٧٦)، ومسلم (٢٣٩٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٣٦١)، ومسلم (٢٣٨٦).\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٦٦)، ومسلم (٢٣٨٢).\n(^٥) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٣٥/ ٤٧ - ٤٩)، منهاج السنة، لابن تيمية (١/ ١٣٩ - ١٤١).","vol":"5","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-867>بَابُ النَّهْيِ عَنْ طَلَبِ الْإِمَارَةِ، وَالْحِرْصِ عَلَيْهَا</span>\n\n[١٦٢٥] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ أُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا».\nوَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ يُونُسَ، وَمَنْصُورٍ، وَحُمَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ، وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ كُلُّهُمْ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ.\nهذا الحديث فيه: النهي الصريح عن طلب الولايات من قضاء وإمارة وغيرها، وأن من طلب الولاية لا يعطاها؛ لأنه إذا طلبها فهذا دليل على أنه متساهل، وأنه قد يقصر في بعض ما تتطلبه الولاية، وسيأتي قول النبي ﷺ: «إِنَّا لَا نُوَلِّي هَذَا مَنْ سَأَلَهُ، وَلَا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ» (^١)، وأما من أُلزم بها من غير طلب فإنه يعان عليها؛ ولهذا قال هنا: «وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا».\nويستثنى من هذا:\n١ - الإمامة في الصلاة، فلا بأس بطلبها لمن هو لها أهل لها وكان قادرًا عليها؛ لحديث عثمان بن أبي العاص: أنه قال لرسول الله ﷺ: اجعلني إمام قومي، قال: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ» (^٢)؛ ولأنها ولاية خاصة بمن يؤمهم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١٤٩)، ومسلم (١٧٣٣).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٦٢٧٠)، وأبو داود (٥٣١)، والنسائي (٦٧٢).","vol":"5","page":278},{"text":"٢ - طلب الولاية إذا كان يرى أنه أحسن من غيره فيها، وأن غيره لا يقوم مقامه فيها، كما حكى تعالى طلب يوسف لها من العزيز، فَقَالَ: ﴿اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾.\n\n[١٧٣٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللهُ ﷿، وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّا- وَاللهِ- لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ».\n[خ: ٦٩٢٣]\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ حَاتِمٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمَعِي رَجُلَانِ من الأَشْعَرِيِّينَ، أَحَدُهُمَا: عَنْ يَمِينِي، وَالْآخَرُ: عَنْ يَسَارِي، فَكِلَاهُمَا سَأَلَ الْعَمَلَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَسْتَاكُ، فَقَالَ: «مَا تَقُولُ يَا أَبَا مُوسَى- أَوْ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ؟ -»، قَالَ: فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ، قَالَ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ، وَقَدْ قَلَصَتْ، فَقَالَ: «لَنْ- أَوْ: لَا- نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى- أَوْ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ-»، فَبَعَثَهُ عَلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ: انْزِلْ، وَأَلْقَى لَهُ وِسَادَةً، وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا كَانَ يَهُودِيًّا، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ رَاجَعَ دِينَهُ- دِينَ السَّوْءِ- فَتَهَوَّدَ، قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ: اجْلِسْ نَعَمْ، قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- فَأَمَرَ بِهِ","vol":"5","page":279},{"text":"فَقُتِلَ، ثُمَّ تَذَاكَرَا الْقِيَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا مُعَاذٌ: أَمَّا أَنَا فَأَنَامُ وَأَقُومُ، وَأَرْجُو فِي نَوْمَتِي مَا أَرْجُو فِي قَوْمَتِي. [خ: ٦٩٢٣]\nهذا الحديث فيه من الفوائد:\n١ - دليل على قوة معاذ ﵁ في الحق.\n٢ - وجوب قتل المرتد.\n٣ - المبادرة إلى تنفيذ الحكم الشرعي؛ لأن التأخير قد يؤدي إلى تعطيل الحكم.\n٤ - المبادرة إلى إنكار المنكر وإقامة الحدود على من وجب عليه.\n٥ - التذاكر في أمور العبادة، قال ابن حجر: «في رواية سعيد بن أبي بردة، فَقَالَ كيف تقرأ القرآن أي في صلاة الليل قوله، فَقَالَ أحدهما هو معاذ ووقع في رواية سعيد بن أبي بردة، فَقَالَ أبو موسى أقرؤه قائما وقاعدا وعلى راحلتي وأتفوقه بفاء وقاف بينهما واو ثقيلة أي ألازم قراءته في جميع الأحوال» (^١)، فكان الحديث بينهما في أمور العبادة للحث والترغيب والتنشيط والتأسي، وهكذا مجالس سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز ﵀ ليس فيها شيء من حديث الدنيا.\n٦ - دليل على فضل الصحابة، فهم لم يتذاكرا في أمور الدنيا ولا خاضوا في البيع ولا في الشراء.\n٧ - دليل على أن الإنسان يؤجر على نومه إذا نوى به التقوي على طاعة الله، والقيام بمصالح العباد.\n٨ - تزاور الإخوان والأمراء والعلماء؛ فكان أبو موسى ﵁ على مخلاف\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (١٢/ ٢٧٥).","vol":"5","page":280},{"text":"ومعاذ ﵁ على مخلاف، وكانا يتزاوران ويتذاكران.\n٩ - إكرام الضيف.\n١٠ - أن المباحات يؤجر عليها بالنية إذا صارت وسائل للمقاصد الواجبة أو المندوبة أو تكميلًا لشيء منهما.","vol":"5","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-868>بَابُ كَرَاهَةِ الْإِمَارَةِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ</span>\n\n[١٨٢٥] حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيِّ عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ الْأَكْبَرِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا».\n\n[١٨٢٦] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُقْرِئِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْقُرَشِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ».\nقوله: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟»، يعني: ألا تجعلني في ولاية؟ فَقَالَ له: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ»، يعني: بسبب زهده وورعه، «وَإِنَّهَا أَمَانَةُ»، يعني: مسؤولية «وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا» فالولاية تكون على أصحابها يوم القيامة خزيًا وندامة وفضيحة بسبب تفريطهم وعدم قيامهم بالواجب المنوط بهم.\nهذا الحديث فيه: أن أمر الولايات والمناصب وتقلُّدها أمر عظيم، فينبغي لمن تولى ولاية أن يقوم بحقوقها، ويؤدي الواجب الذي عليه فيها، وإلا صارت يوم القيامة حسرة وندامة.","vol":"5","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-869>بَابُ فَضِيلَةِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ، وَعُقُوبَةِ الْجَائِرِ، وَالْحَثِّ عَلَى الرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ، وَالنَّهْيِ عَنْ إِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ</span>\n\n[١٨٢٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو- يَعْنِي: ابْنَ دِينَارٍ- عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ: يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ﷿- وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ- الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ، وَأَهْلِيهِمْ، وَمَا وَلُوا».\nقوله: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ» جمع مقسط، وهو العادل، ومنه: قوله تعالى: ﴿وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾.\nوقوله: «الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا»، أي: الذين يعدلون في حكمهم، ومن ذلك: حكم الرجل في أهله وأولاده، وفي الولايات التي يتولاها.\nهذا الحديث فيه: فضل العادلين في حكمهم، ولكن في الحديث السابق أن النبي ﷺ قال- لأبي ذر لما طلب الولاية-: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا» فكيف الجمع بينه وبين حديث الباب؟ نقول: إن الأحاديث التي فيها الوعيد على تولِّي الإمارة محمولة على من لم يكن أهلًا لها، أو كان أهلًا لها، ولكن لم يعدل فيها، أما من كان أهلًا للولاية وعدل فيها فقد دلت النصوص على فضله، كما في حديث الباب، وحديث: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ","vol":"5","page":283},{"text":"فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ؛ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (^١)؛ ذلك لأنه به تؤمَّن السبل، وتقام الحدود، ويُنتصف للمظلوم من الظالم، ويؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويجاهَد في سبيل الله تحت رايته، ويقام معه الحج.\nوفي الحديث: إثبات صفة اليدين لله ﷿، قال الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وقال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، وأن يديه كلتيهما يمين، يعني: في الشرف والفضل وعدم النقص، وإلا فقد ثبت في صحيح مسلم أن لله سبحانه يمينًا وشمالًا (^٢)، لكن كلٌّ منهما يمين في البركة والشرف والفضل وعدم النقص، بخلاف المخلوق فإن يده الشمال أضعف من اليمين في الغالب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧٨٨).","vol":"5","page":284},{"text":"[١٨٢٨] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَتْ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، فَقَالَتْ: كَيْفَ كَانَ صَاحِبُكُمْ لَكُمْ فِي غَزَاتِكُمْ هَذِهِ؟ فَقَالَ: مَا نَقَمْنَا مِنْهُ شَيْئًا، إِنْ كَانَ لَيَمُوتُ لِلرَّجُلِ مِنَّا الْبَعِيرُ، فَيُعْطِيهِ الْبَعِيرَ، وَالْعَبْدُ فَيُعْطِيهِ الْعَبْدَ، وَيَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ، فَيُعْطِيهِ النَّفَقَةَ، فَقَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ لَا يَمْنَعُنِي الَّذِي فَعَلَ فِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخِي أَنْ أُخْبِرَكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ- فِي بَيْتِي هَذَا-: «اللهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ حَرْمَلَةَ الْمِصْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nقوله: «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ» شماسة مثلثة الشين، يقال: شمُاسة، أو شَماسة، أو شِماسة، وذكر الحافظ أنه بالكسر (^١).\nهذا الحديث فيه: فضيلة لعمرو بن العاص ﵁، فقد كان واليًا على مصر، وكان يعتني بالرعية، فمن مات له بعير أعطاه من بيت المال بعيرًا، ومن مات له عبد أعطاه عبدًا، ومن احتاج إلى النفقة أنفق عليه.\nوفيه: فضل عائشة ﵂، وأنها لم تكتم الحديث، رغم ما حصل من عمرو ﵁ لأخيها محمد.\nوفيه: فضل الولاة الذين يرفقون بالرعية، والوعيد الشديد على من شق عليهم.\nودعاء النبي ﷺ على الولاة الظلمة بأن يشق الله عليهم، ودعاؤه للولاة العادلين بأن يرفق الله بهم- مستجاب.\n_________\n(^١) تقريب التهذيب، لابن حجر (ص ٣٤٢).","vol":"5","page":285},{"text":"[١٨٢٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».\n[خ: ٢٥٥٤]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ-.ح. وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحيَى- يَعْنِي: الْقَطَّانَ- كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، جَمِيعًا عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: ابْنَ عُثْمَانَ-.ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أُسَامَةُ كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ.\nقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِهَذَا، مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ.\nوَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، بِمَعْنَى حَدِيثِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَدْ قَالَ: «الرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ، وَمَسْئُولٌ","vol":"5","page":286},{"text":"عَنْ رَعِيَّتِهِ».\nوَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمِّي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي رَجُلٌ سَمَّاهُ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِهَذَا الْمَعْنَى.\nهذا الحديث فيه: دليل على عظم المسؤولية، وليس هناك أحد يستطيع التنصل منها، كل واحد مسؤول أمام الله، لكن هذه المسؤولية تختلف، وأعظمها: مسؤولية إمام المسلمين ورئيس الدولة، ثم الأمراء، وكل أمير مسؤول عن إمارته، ثم الوزراء، وكل وزير مسؤول عن وزارته، ثم القضاة مسؤولون، ومدراء المدارس ورؤساء الأقسام كلهم مسؤولون، وإمام المسجد مسؤول عن جماعة المسجد، وإن كانت ولايته ضعيفة، والمؤذن مسؤول، والرجل مسؤول عن زوجته وأولاده وخدمه ودوابه، هل يحسن إليهم، أو يسيء، والمرأة راعية في بيت زوجها على أولادها وبناتها، وهي مسؤولة عنهم، وكذلك الخادم راعٍ في مال سيده، والإنسان مسؤول عن نفسه وحده، هل يستقيم على طاعة الله، وهل يكبح جماح نفسه، ولا يتبع الهوى والشيطان، أم يستجيب لداعي الهوى والنفس؟ !","vol":"5","page":287},{"text":"[١٤٢] وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: عَادَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزَنِيَّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ».\nوَحَدَّثَنَاهُ يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: دَخَلَ ابْنُ زِيَادٍ عَلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، وَهُوَ وَجِعٌ، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي الْأَشْهَبِ، وَزَادَ قَالَ: أَلَّا كُنْتَ حَدَّثْتَنِي هَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ؟ ! قَالَ: مَا حَدَّثْتُكَ- أَوْ: لَمْ أَكُنْ لِأُحَدِّثَكَ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ: أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ زِيَادٍ دَخَلَ عَلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ فِي مَرَضِهِ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ، لَوْلَا أَنِّي فِي الْمَوْتِ لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ».\nوَحَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنِي سَوَادَةُ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي: أَنَّ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ مَرِضَ، فَأَتَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ يَعُودُهُ، نَحْوَ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ مَعْقِلٍ.\nوهو كقوله: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ».\nهذا الحديث فيه: وعيد شديد للولاة الظلمة الذين يغشون رعيتهم.\nوفيه: أن غش الرعية وعدم النصح لهم من كبائر الذنوب، وأن الغاش متوعد بالنار.","vol":"5","page":288},{"text":"وعبيد الله بن زياد هذا كان أميرًا على العراق وكان ظالمًا، فمرض معقل بن يسار الصحابي الجليل، فدخل عليه عبيد الله يزوره، فحدثه بهذا الحديث خشيةً من كتمان العلم، وكان لم يحدثه قبل ذلك؛ لأنه كان ظالمًا فكان يخشى من شره وظلمه له حال حياته، فَقَالَ لمعقل: «أَلَّا كُنْتَ حَدَّثْتَنِي هَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ؟ !، فَقَالَ: مَا حَدَّثْتُكَ- أَوْ: لَمْ أَكُنْ لِأُحَدِّثَكَ».\nفأبلغه بأن غش الرعية من كبائر الذنوب، وأنه متوعد عليه بالنار، والحرمان من دخول الجنة.\n\n[١٨٣٠] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ أَنَّ عَائِذَ بْنَ عَمْرٍو- وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ- دَخَلَ عَلَى عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُطَمَةُ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ»، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ، فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ نُخَالَةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَالَ: وَهَلْ كَانَتْ لَهُمْ نُخَالَةٌ؟ ! إِنَّمَا كَانَتِ النُّخَالَةُ بَعْدَهُمْ، وَفِي غَيْرِهِمْ.\nقوله: «أَيْ بُنَيَّ»، أي: حرف نداء، والمنادى: عبيد الله.\nوقوله: «إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُطَمَةُ» يقال: الرِّعاء والرُّعاء: بكسر الراء المشددة وضمها، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ والرعاء: جمع راعٍ، وهو الذي يرعى الأمة ويليها.\nوالحطمة: الذي يحطم رعيته من الغنم والإبل وغيرها، ويسلك بها المسالك الوعرة في سَوقها ومرعاها، ولا يرفق بها، بل يعنف فيها، وإذا كان هذا في رعاية الإبل والغنم فرعاية الأمم والناس والدول أعظم وأعظم، فهذا يدل على الوعيد الشديد على الولاة الظلمة.\nوقوله: «فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ نُخَالَةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ»: هذا كلام قبيح من","vol":"5","page":289},{"text":"عبيد الله غلب عليه طبعه الجاف وشراسة خلقه وظلمه، وكان الواجب عليه أن يقول: جزاك الله خيرًا، أسأل الله أن لا يجعلنا منهم، ولا يقول مقولته الشنيعة التي قال.","vol":"5","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-870>بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ</span>\n\n[١٨٣١] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَذَكَرَ الْغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ».\n[خ: ٣٠٧٣]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ أَبِي حَيَّانَ، وَعُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ جميعا عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ، وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ- عَنْ أَيُّوبَ عَنْ يَحيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، قَالَ حَمَّادٌ: ثُمَّ سَمِعْتُ يَحيَى بَعْدَ ذَلِكَ يُحَدِّثُهُ، فَحَدَّثَنَا بِنَحْوِ مَا حَدَّثَنَا عَنْهُ أَيُّوبُ.","vol":"5","page":291},{"text":"وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ يَحيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.\nهذا الحديث فيه: الوعيد الشديد على الغلول، والغلول أصله: الخيانة والسرقة من الغنيمة قبل أن تقسم، والغلول يشمل: الأخذ من الأموال المشتركة خُفية، من بيت المال، أو من الصدقات التي جمعت، أو من الأوقاف.\nقال الله تعالى: ﴿ومن يغلل يأتِ بما غل يوم القيامة، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾، أي: ومن غل شيئًا فإنه يأتي به يوم القيامة يعذَّب به.\nوالنبي ﷺ قد نصح الأمة وحذرهم من الغلول، فَقَالَ: «لَا أُلْفِيَنَّ»، يعني: لا أجدنَّ أحدَكم يأتي يوم القيامة على رقبته البعير الذي أخذه من الغنيمة وأخفاه، لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بقرة لها صوت، لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته شاة، لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، أي: أوراق، والمراد صحائف سيآته، وقيل: ما يكتب عليه من الحقوق التي أثم بتأخير وفائها، لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته نفس لها صياح، يعني: عبدٌ غله، أو حرٌّ تملكه، لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته ذهبًا وفضة غلهما.\nوالمعنى: أن الغالَّ يأتي يوم القيامة حاملًا على رقبته ما غله يعذَّب به، فيكون فضيحة له أمام الناس- نعوذ بالله من ذلك.\nوإذا تاب الغالُّ فيجب عليه أن يرد ما غله إذا استطاع، وقال بعضهم: يخرج الخمس لولي الأمر، ويتصدق بالباقي، إذا تعذر عليه أن يرده.","vol":"5","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-871>بَابُ تَحْرِيمِ هَدَايَا الْعُمَّالِ</span>\n\n[١٨٣٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا مِنَ الْأَسْدِ، يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ- قَالَ عَمْرٌو، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ: عَلَى الصَّدَقَةِ- فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا لِي، أُهْدِيَ لِي قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: «مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ- أَوْ: فِي بَيْتِ أُمِّهِ- حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا؟ ! وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَنَالُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا، إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ؛ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ»، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ !» مَرَّتَيْنِ.\n[خ: ٦٦٣٦]\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حميد قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ- رَجُلًا مِنَ الْأَزْدِ- عَلَى الصَّدَقَةِ، فَجَاءَ بِالْمَالِ، فَدَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: هَذَا مَالُكُمْ، وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَفَلَا قَعَدْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ فَتَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْكَ، أَمْ لَا؟»، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيبًا، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُفْيَانَ.\nهذا الحديث فيه: أن ما يهدى للعمال فهو من الغلول، فإذا أعطي عامل على الصدقة هدية فإنه لا يقبلها، وعليه أن يردها إلى بيت المال؛ لأنه ما أهدي إليه إلا لكونه عاملًا، ولو لم يكن عاملًا ما جاءته الهدية، وقال النبي","vol":"5","page":293},{"text":"ﷺ: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا، فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ» (^١).\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا مِنَ الْأَزْدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ- يُدْعَى ابْنَ الْأُتْبِيَّةِ- فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ قَالَ: هَذَا مَالُكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا؟ !»، ثُمَّ خَطَبَنَا، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللهُ، فَيَأْتِي، فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ، إِنْ كَانَ صَادِقًا؟ ! وَاللهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ، إِلَّا لَقِيَ اللهَ تَعَالَى يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ»، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ !» بَصُرَ عَيْنِي، وَسَمِعَ أُذُنِي.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وأبو معاوية. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدَةَ، وَابْنِ نُمَيْرٍ: فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ، كَمَا قَالَ أَبُو أُسَامَةَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ: «تَعْلَمُنَّ وَاللهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا»، وَزَادَ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: قَالَ: بَصُرَ عَيْنِي، وَسَمِعَ أُذُنَايَ، وَسَلُوا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ؛ فَإِنَّهُ كَانَ حَاضِرًا مَعِي، وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ ذَكْوَانَ- وَهُوَ أَبُو الزِّنَادِ- عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ، فَجَاءَ بِسَوَادٍ كَثِيرٍ، فَجَعَلَ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٩٤٣)، والبيهقي في الكبرى (١٣٠٢٠).","vol":"5","page":294},{"text":"يَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، قَالَ عُرْوَةُ: فَقُلْتُ لِأَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ فَقَالَ: مِنْ فِيهِ إِلَى أُذُنِي.\nقوله: «اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا مِنَ الْأَزْدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ» يجمع الصدقة، وهي الزكاة؛ فالصدقة تعني صدقة الفريضة.\nقوله: «فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ» ومعه الصدقات، وهذا مثل القول الآن: حاسبني محاسبة، وهذا فيه: أن للوالي أن يحاسب عماله، لينظر ما قبضوه وما لم يقبضوه.\nقوله: «هَذَا مَالُكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ»، يعني: هدايا من الناس أعطوه إياها «فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا؟ !» فما جاءتك الهدية إلا من أجل العمل، ولولا أنك موظف عندنا ما أعطيت الهدية؛ فلا بد أن تردها إلى بيت المال.\nقوله: «ثُمَّ خَطَبَنَا، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ» فيه: مشروعية الخطبة، ويشرع أن يحمد الله ويثني عليه، ويشرع أن يقول: أما بعد.\nقوله: «فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا». والهدية التي يأخذها العامل غلول يأتي به يوم القيامة يعذب به.\nقوله: «وَاللهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ، إِلَّا لَقِيَ اللهَ تَعَالَى يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» يعذب به.\nقوله: «فَلَأَعْرِفَنَّ» بالنفي، أي ما ينبغي أن تكونوا على هذه الحال فأعرفكم بها.\nقوله: «أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاء، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ»، يعني: فيأتي يحمل هذا الغلول الذي سرقه وأخذه بغير حق، يحمله على رقبته يوم القيامة ويعذب به، إن كان بعيرًا أو بقرة أو شاة يحمل هذا على رقبته، والرغاء صوت البعير، والثغاء وهو صوت البقرة، والشاة «تَيْعَرُ»،","vol":"5","page":295},{"text":"وهذه فضيحة على رؤوس الأشهاد، ويعذب به، وهذا فيه تحذير من الغلول وهو السرقة من الغنيمة، ويدخل في ذلك الهدية للعمال.\nقوله: «ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ» لمبالغته في هذا الأمر اللهم هل بلغت أن الهدايا غلول وأنها محرمة.\nوقوله: «بَصُرَ عَيْنِي وَسَمِعَ أُذُنِي» هذا قول أبي حميد، يعني: أنا متأكد من هذا، فقد أبصرت عيني النبي ﷺ حين رأيت بياض إبطيه، وسمعت أذني كلامه.\nوهذا الحديث فيه: عناية النبي ﷺ بهذا الأمر، وذلك أنه رفع يديه مرتين، أو ثلاثًا حتى رُئي بياض إبطيه، وفي اللفظ الآخر: «حتى رُئِيَ عفرتي إبطيه» والعفرة هي: البياض الذي ليس بناصع، بل فيه شيء من لون الأرض، ثم إنه رفع يديه، وقال: «اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ».","vol":"5","page":296},{"text":"[١٨٣٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ، فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا، فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولًا، يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَسْوَدُ من الأَنْصَارِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ، قَالَ: «وَمَا لَكَ؟»، قَالَ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: وَأَنَا أَقُولُهُ الْآنَ: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَلْيَجِئْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَ، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ، وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ.\nقوله: «فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا»، يعني: الإبرة التي يخاط بها.\nقوله: «فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَ» ذلك على قدر ما يراه الإمام له من استحقاقه فى عمله أو حاجته أو سابقته (^١).\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٦/ ٢٣٨).","vol":"5","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-872>بَابُ وُجُوبِ طَاعَةِ الْأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَتَحْرِيمِهَا فِي الْمَعْصِيَةِ</span>\n\n[١٨٣٤] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيِّ، بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ، أَخْبَرَنِيهِ يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.\n[خ: ٤٥٨٤]\n\n[١٨٣٥] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ يَعْصِنِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِعِ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي».\n[خ: ٧١٣٧]\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: «وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي».\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَهُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ زِيَادٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، بِمِثْلِهِ سَوَاءً.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ- مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، سَمِعَ أَبَا","vol":"5","page":298},{"text":"عَلْقَمَةَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ حَيْوَةَ أَنَّ أَبَا يُونُسَ- مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ- حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ، وَقَالَ: «مَنْ أَطَاعَ الْأَمِيرَ»، وَلَمْ يَقُلْ: «أَمِيرِي»، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.\nفي هذه الأحاديث: الأمر ببذل السمع والطاعة للأمراء وولاة الأمور، وهي دالة في مجموعها على مادل عليه القرآن الكريم في قوله سبحانه ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ والمراد بأولي الأمر: العلماء والأمراء، وقيل: هم الأمراء، وقيل: هم العلماء، والصواب: أنها تشمل الفريقين.\nوهذه الأحاديث مقيِّدة للأحاديث التي فيها إطلاق الأمر بالطاعة، فقد قيدتها هنا بأن تكون الطاعة في المعروف، ولا تكون في المعصية؛ لقول النبي ﵊: «الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» (^١)، ولقوله ﵊: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ» (^٢).\nولهذا فإن الله ﷾ أعاد الفعل في طاعة الرسول ﵊ ولم يعده في طاعة أولي الأمر في قوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر﴾ فلم يقل: «وأطيعوا أولي الأمر» لبيان: أن أولياء الأمور إنما يطاعون في طاعة الله ورسوله، وأعاد الفعل في طاعة الرسول؛ لأن الرسول معصوم لا يأمر إلا بطاعة الله، بخلاف ولي الأمر فإنه قد يأمر بطاعة الله، وقد يأمر بمعصيته، فلا يطاع إلا في الطاعة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٤٠)، ومسلم (١٨٤٠).\n(^٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١٠٩٥).","vol":"5","page":299},{"text":"[١٨٣٦] وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ».\nقوله: «عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ»، يعني: لولاة الأمور.\nوقوله: «فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ»، يعني: في الشيء الذي تكرهه، والشيء الذي تحبه.\nوقوله: «وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ»، يعني: وفي حالة تفضيل غيرك عليك، كما أخبر النبي ﷺ الأنصار أنه سيؤثر عليهم غيرهم، فَقَالَ: «اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ».\nفالواجب: السمع والطاعة لولاة الأمور في طاعة الله وفي الأمور المباحة في العسر واليسر، وفي المنشط والمكره، أما المعاصي فلا يطاع فيها أحد؛ لا الأمير ولا من دونه، فالأمير لا يطاع في المعصية، وكذلك الوالد إذا أمر بمعصية لا يطيعه ولده في ذلك، ولكن يتلطف معه، والزوجة إذا أمرها زوجها بمعصية لا تطيعه، والعبد إذا أمره سيده بمعصية لا يطيعه.\nلكن ليس معنى أنهم يعصون ولاة الأمور في الأمر بمعصية الله أنهم يتمردون، ويثورون، ويخرجون عليهم، ويؤلبون الناس ضدهم.","vol":"5","page":300},{"text":"[١٨٣٧] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَا: فِي الْحَدِيثِ: عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ، وَحَدَّثَنَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ كَمَا، قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ.\nهذا الحديث فيه: أن الولاية تثبت لمن غلب الناس بالقوة والسيف، وتجب له السمع والطاعة، ولو كان عبدًا حبشيًّا مجدع الأطراف، ومعلوم أن العبد لا يولى على الناس لو كان الاختيار لهم؛ وذلك لأن السمع والطاعة لولاة الأمور فيه استتباب الأمن وحقن الدماء، وفيه: جمعٌ للكلمة، وفيه: القوة أمام الأعداء، بخلاف الخروج على ولاة الأمور فإنه يترتب عليه مفاسد من اختلاف الكلمة، واختلال الأمن، وتربص الأعداء بالوطن الدوائر، وتدخلهم في شؤون البلاد، مما يترتب عليه إراقة الدماء، واختلال مصالح المسلمين، وأحوالهم السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والتعليمية، إلى غير ذلك من المفاسد العظيمة التي تترتب على الخروج على ولاة الأمور، والواقع في بعض البلدان العربية الآن أوضح برهان على ما نقول، والعاقل مَن وُعظ بغيره!","vol":"5","page":301},{"text":"[١٨٣٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَحيَى بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَدَّتِي تُحَدِّثُ: أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهُوَ يَقُولُ: «وَلَوِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا».\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: عَبْدًا حَبَشِيًّا، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعًا.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ حَبَشِيًّا مُجَدَّعًا، وَزَادَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِمِنًى أَوْ بِعَرَفَاتٍ.\nقوله: «وَلَوِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ»، يعني: يجب أن يكون مسلمًا يحكم في الناس بكتاب الله تعالى، أما غير المسلم فهذا- كما سيأتي- يجب الخروج عليه عند القدرة، ووجود البديل المسلم، وأمنِ الفتنة، أما إذا لم يوجد البديل المسلم، لكن وجدت القدرة فلا يجوز الخروج عليه، بل يبقى الناس على ما هم عليه، ويطيعونه في طاعة الله تعالى.","vol":"5","page":302},{"text":"وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ يَحيَى بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ الْحُصَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُهَا تَقُولُ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَوْلًا كَثِيرًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ» - حَسِبْتُهَا قَالَتْ: أَسْوَدُ- «يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا».\n\n[١٨٣٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ».\n[خ: ٧١٤٤]\nوَحَدَّثَنَاهُ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ-.ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\n\n[١٨٤٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ زُبَيْدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ جَيْشًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا، فَأَوْقَدَ نَارًا، وَقَالَ: ادْخُلُوهَا، فَأَرَادَ نَاسٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: إِنَّا قَدْ فَرَرْنَا مِنْهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا: «لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَالَ لِلْآخَرِينَ قَوْلًا حَسَنًا، وَقَالَ: لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ».\n[خ: ٧١٤٥]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ- وَتَقَارَبُوا فِي اللَّفْظِ- قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا من الأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا،","vol":"5","page":303},{"text":"فَأَغْضَبُوهُ فِي شَيْءٍ، فَقَالَ: اجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا لَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا، فَأَوْقَدُوا، ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ يَأْمُرْكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَسْمَعُوا لِي وَتُطِيعُوا؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَادْخُلُوهَا، قَالَ: فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَوا: إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ النَّارِ، فَكَانُوا كَذَلِكَ وَسَكَنَ غَضَبُهُ، وَطُفِئَتِ النَّارُ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nقوله: «لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، يعني: أنه يستمر عذابهم ويدوم، ولكن إلى أمد، وهو من باب الوعيد، يعني: أنهم يرتكبون كبيرة من الكبائر إذا امتثلوا أمره بدخول النار التي أوقدوها.\nوهذا الرجل الذي أمَّره رسول الله ﷺ على الناس هو عبد الله بن حذافة السهمي، وقد جاءت تسميته في حديث آخر.\nهذا الحديث فيه: أنه لا طاعة في معصية الله، وإنما الطاعة في المعروف.","vol":"5","page":304},{"text":"[١٧٠٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ يَحيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ.\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ- يَعْنِي: ابْنَ إِدْرِيسَ- حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَيَحيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنْ يَزِيدَ- وَهُوَ ابْنُ الْهَادِ- عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ.\nقوله: «وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ»، يعني: لا نخرج على ولاة أمورنا، ولا نقاتلهم، حتى ولو فضَّلوا علينا غيرنا، ولو منعونا حقَّنا.\nوفي اللفظ الآخر: «أَدُّوا الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَسَلُوا اللهَ الَّذِي لَكُمْ» (^١)، يعني: ولو منعكم ولاة الأمور من حقكم فاسألوا الله الذي لكم، ويجب عليكم أن تطيعوهم وتؤدوا الحق الذي لهم عليكم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣٦٤٠).","vol":"5","page":305},{"text":"حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبِ بْنِ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنِي بُكَيْرٌ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّة قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ- وَهُوَ مَرِيضٌ- فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا- أَصْلَحَكَ اللهُ- بِحَدِيثٍ يَنْفَعُ اللهُ بِهِ، سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: دَعَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، قَالَ: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ».\nوهذا الحديث صريح في أنه لا يجوز الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي، أو الظلم، أو الفسق، أو الجور.\nوقوله: «وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ»، يعني: وبايعناه على أن لا نخرج على ولاة أمورنا.\nوقوله: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» هذا استثناء، أي: فإنه يجوز لكم منازعتهم، والخروج عليهم في حالة الكفر الصريح الذي لا لبس فيه.\nوما ذاك إلا لأن الخروج على ولاة الأمور يترتب عليه مفاسد عظيمة، والقاعدة هي: أنه إذا وُجدت مفسدتان ولا بد من ارتكاب واحدة منهما فَتُرتكب المفسدة الصغرى؛ لدفع المفسدة الكبرى، فعندنا مفسدتان الآن: مفسدة المعصية، ومفسدة الخروج على ولاة الأمور، والخروج على ولاة الأمور يترتب عليه مفاسد عظيمة، وتوجد مفسدة أخرى وهي المعصية التي يفعلها ولي الأمر من الظلم والجور والفسق وهي مفاسد صغرى، ففسوقه على نفسه، وفجوره على نفسه، وظلمه على نفسه، وحتى ولو ظلم بعض","vol":"5","page":306},{"text":"الناس، وقتل بعضهم، وسجن بعضهم الآخر، وأخذ مال بعضهم، فهذه كلها مفسدة صغرى لا توجِب الخروج على ولاة الأمور.\nلكن إذا وُجد الكفر الصريح الواضح فمفسدة الكفر أعظم، فيجوز الخروج، بل يجب مع القدرة عليه؛ لقوله ﷺ: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ».\nفإذا وُجد الكفر الصريح جاز الخروج على ولاة الأمور بشروط، هي:\n- وجود البديل المسلم: بأن يزال الكافر، ويؤتى بدله بالحاكم المسلم، أما إذا أزيل الكافر وجيء بعده بكافر مثله، فما حصل المقصود، وذلك مثل الحكومات الكافرة، تُزال حكومة كافرة، وتأتي حكومة أخرى كافرة، وهذا لا يحصل به المقصود.\n- وجود القدرة والاستطاعة؛ لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، أما إذا لم يكن عند الخارجين استطاعة وخرجوا فقد سعوا إلى إهلاك أنفسهم، ولم يحصل المراد.\nفإذا لم توجد القدرة ولم يوجد البديل المسلم، فعلى الناس أن يصبروا على ظلم ولاتهم وحكامهم؛ لقول الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾، ولقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها﴾، ولقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾.\nهذا الحديث فيه: رد على الخوارج والمعتزلة والرافضة وغيرهم من أهل البدع الذين يرون الخروج على ولاة الأمور بالفسق، والمعاصي.\nوفي حديث عوف بن مالك الأشجعي- الذي سيأتي- قال ﵊: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ»، يعني: خيار ولاة أموركم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتدعون لهم ويدعون لكم «وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُم الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ» قلنا: «يا رَسُولَ اللهِ أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟»، يعني: ما داموا هكذا أشرارًا، قال: «لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ».","vol":"5","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-873>بَابٌ فيِ الإِمَامِ إِذَا أَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ وَعَدَلَ كَانَ لَهُ أَجْرٌ</span>\n\n[١٨٤١] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ ﷿ وَعَدَلَ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ، وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ».\nهذا الحديث فيه: بيان فضل ولاة الأمور؛ لأنهم يقيمون الجهاد ويعقدون الألوية ويُقاتَل مِن ورائهم؛ ولهذا لا يصلح الناس بدون إمارة، ومن ثم قال العقلاء: ستون سنة من سلطان ظالم خير من ليلة واحدة بلا سلطان. وما أحسنَ قولَ عبد الله بن المبارك:\nلَوْلَا الْأَئِمَّةُ لَمْ تَأْمَنْ لَنَا سُبُلٌ ... وَكَانَ أَضْعَفُنَا نَهْبًا لِأَقْوَانَا (^١)\nفلو تُرك الناس يفعل كل منهم ما يشاء ماذا سيحصل في هذه الليلة من الفساد من إراقة الدماء وانتهاك الحرمات؟ ! فالإمام- مع ظلمه وفسقه وجوره- في وجوده تتحقق المصالح الأخرى، فالأمن معه يستتب، والحدود تقام، والمظلوم يُنصَف من ظالمه، ومن يريد شرًّا يمتنع من شره؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ» والجُنة: الترس الذي يتقي به الفارس وَقْعَ النبال، فكذلك ولاة الأمور ترس بين الناس وبين الفتن والشرور، تُتقى به الشرور والمفاسد، فإن أمر بطاعة الله فيطاع فله الثواب، وإن أمر بالمعصية فلا يطاع وعليه الوزر والعقاب.\n_________\n(^١) حلية الأولياء، لأبي نعيم (٨/ ١٦٤)، سير أعلام النبلاء، للذهبي (٨/ ٤١٤).","vol":"5","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-874>بَابُ الْأَمْرِ بالْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ، الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ</span>\n\n[١٨٤٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: قَاعَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ خَمْسَ سِنِينَ، فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ تَكْثُرُ»، قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ، فَالْأَوَّلِ، وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ اللهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ».\n[خ: ٣٤٥٥]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ فُرَاتٍ عَنْ أَبِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nهذا الحديث فيه: عَلَمٌ من أعلام النبوة، حيث أخبر ﵊ بكثرة الخلفاء والأمراء، فكثروا بعد النبي ﷺ كما أخبر.\nوقوله: «فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ»، يعني: يلزمكم الوفاء بالبيعة الأولى، فإذا بويع لأمير فيجب الوفاء ببيعته، فإذا جاء أمير آخر ينازعه فإنه يُقتل؛ لأنه جاء بعد أن اجتمعت كلمة الناس على الأول، كما جاء في الحديث الآخر: «وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا رَقَبَةَ الْآخَرِ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦٥٠١)، وأبو داود (٤٢٤٨)، والنسائي (٤١٩١).","vol":"5","page":309},{"text":"[١٨٤٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ. ح، وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قَالَ: «تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ».\n[خ: ٣٦٠٣]\nقوله: «إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ»، يعني: سيكون من الولاة من يؤثِر عليكم غيركم، من نحو تفضيلٍ في الأعطيات، وفي الوظائف، فيجب الصبر عليهم، وكون ولاة الأمور يؤثرون بعض الناس على بعض فهذا لا يمنع الرعية من أداء الحق الذي عليهم، ويسألون الله الذي لهم.\nهذا الحديث فيه: أنه يحصل في آخر هذه الأمة أمور منكرة، كما سيأتي في الحديث الآتي: «إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ جُعِلَتْ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ وأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا».","vol":"5","page":310},{"text":"[١٨٤٤] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، فَأَتَيْتُهُمْ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَمِنَّا: مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءَهُ، وَمِنَّا: مَنْ يَنْتَضِلُ، وَمِنَّا: مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ؛ إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي، إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي\nيُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ، وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ»، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْشُدُكَ اللهَ، آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ فَأَهْوَى إِلَى أُذُنَيْهِ وَقَلْبِهِ بِيَدَيْهِ، وَقَالَ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا ابْنُ عَمِّكَ مُعَاوِيَةُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ، وَنَقْتُلَ أَنْفُسَنَا، وَاللهُ يَقُولُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ قَالَ: فَسَكَتَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: أَطِعْهُ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَاعْصِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا","vol":"5","page":311},{"text":"الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُنْذِرِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ الصَّائِدِيِّ قَالَ: «رَأَيْتُ جَمَاعَةً عِنْدَ الْكَعْبَةِ»، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الأَعْمَشِ.\nقوله: «وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ» ينتضل، يعني: يرمي بالنشاب، وجشره، يعني: حول دوابه التي ترعى، فناداهم النبي ﷺ وهم على هذه الحال فاجتمعوا.\nوقوله: «الصَّلَاةَ جَامِعَةً» الصلاة منصوبة على الإغراء، أي: الزموا الصلاةَ، وجامعةً: منصوبة على الحال، يعني: الزموا الصلاة حال كونها جامعةً، وهذا نداء يُنادَى به المتفرقون.\nوقوله: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ»، يعني: واجب على الأنبياء أن يبلغوا رسالات الله، ويبشروا الناس بخير ما يعلمونه للأمة، وينذروهم من شر ما يعلمونه، وقد فعلوا فبلغوا رسالات ربهم، وأدوا، ونصحوا عليهم الصلاة والسلام.\nوخير ما يُعلِّمه الأنبياء للناس أن يوحدوا الله ويخلصوا له العبادة، ولا يشركوا به شيئًا، وأن تجتمع كلمتهم على الحق، وأن ينشروا دين الله ويجاهدوا في سبيل الله، فمن أحب أن يُزحزَح عن النار ويُدخَل الجنة فليثبت على دين الإسلام وليستقم عليه، حتى يأتيه الموت وهو على ذلك، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، يعني: الزموا تقوى الله واستقيموا على طاعة الله فتأتيكم المنية وأنتم على الإسلام، غير مغيرين ولا مبدلين.\nوقوله: «وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ»، أي: وليعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به من النصح والصدق والإخلاص.","vol":"5","page":312},{"text":"هذا الحديث فيه: قول ابن عبد رب الكعبة لعبد الله بن عمرو: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بالباطل، وأن نقتل أنفسنا، وهذا غلط من ابن عبد رب الكعبة؛ لأن معاوية ﵁ لم يأمر بأكل أموال الناس بالباطل، فهو صحابي جليل من كُتَّاب الوحي وهو خال المؤمنين، ولا يمكن أن يأمر الناس بأن يقتل بعضهم بعضًا، ولا بأن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، وأما الحروب التي حصلت منه لأهل العراق فهذا اجتهاد منه ومن الصحابة، فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ منهم فله أجر، وخطؤه مغفور بإذن الله تعالى.","vol":"5","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-875>بَابُ الْأَمْرِ بِالصَّبْرِ عِنْدَ ظُلْمِ الْوُلَاةِ، وَاسْتِئْثَارِهِمْ</span>\n\n[١٨٤٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ: أَنَّ رَجُلًا من الأَنْصَارِ خَلَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلَانًا؟ فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً؛ فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ».\n[خ: ٣٧٩٢]\nوَحَدَّثَنِي يَحيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يُحَدِّثُ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ: أَنَّ رَجُلًا من الأَنْصَارِ خَلَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ. بِمِثْلِهِ، وَحَدَّثَنِيهِ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَقُلْ: خَلَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ.","vol":"5","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-876>بَاب فِي طَاعَةِ الْأُمَرَاءِ، وَإِنْ مَنَعُوا الْحُقُوقَ</span>\n\n[١٨٤٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ، وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا؛ فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا؛ فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ».\nهذا الحديث فيه: أن الأمير إذا منع أحدًا حقَّه فإن له أن يُسمَع ويطاع في المعروف، ويؤدي الناس الحق الذي عليهم، ويسألون الله الحق الذي لهم.","vol":"5","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-877>بَابُ الأَمْرِ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ عَنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، وَتَحْذِيرِ الدُّعَاةِ إِلَى الْكُفْرِ</span>\n\n[١٨٤٧] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الْحَضْرَمِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وفيه: دَخَنٌ»، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: «قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ»، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: «نَعَمْ، قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِمَامَهُمْ»، فَقُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ، وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ، وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ».\n[خ: ٣٦٠٦]\nحديث حذيفة حديث عظيم قد ساقه شارح الطحاوية، واستدل به على عموم الجماعة (^١).\nوقوله: «دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ» وهذا قد وقع منذ أزمان، فوجد دعاة إلى مذهب الخوارج، ومذهب المعتزلة، وإلى الفرق الضالة، ودعاة إلى\n_________\n(^١) شرح الطحاوية، لابن أبي العز (٢/ ٥٤١).","vol":"5","page":316},{"text":"القاديانية، ودعاة إلى الاشتراكية والشيوعية، والقومية، والماسونية، والإباحية، وإلى الصوفية القبورية، وإلى مذهب وحدة الوجود، فكل هؤلاء دعاة على أبواب جهنم.\nوقوله: «قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا»، يعني: هم من العرب فصحاء، ألسنتهم حداد، كما هو الواقع الآن في الإذاعات وفي الصحف والمجلات يدعون إلى الشر وإلى التحرر وإلى الإباحية، وكذلك يدعون إلى العولمة، ويعنون بعولمة العالم: أن يكون الناس شيئًا واحدًا في الثقافة والعادات، فيكون العالم كله كأنه قرية صغيرة، فتذوب فيه العقائد والأخلاق! .\nوقوله: «فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟»، يعني: إن أدركني هذا الزمن ورأيت هذه الشرور، فماذا أعمل؟\nوقوله: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ»، أي: إذا وجدت جماعة للمسلمين ولهم إمام فالزمهم وكن معهم، والجماعة المذكورة هي: أهل السنة والجماعة، الذين يدعون إلى الأمر بتوحيد الله وإفراده بالعبادة، وصار هذا ديدنهم وشعارهم، فكن معهم.\nوقوله: «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟»، يعني: قلت: يا رسول الله، فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام، فماذا أعمل؟ قال: اعتزل تلك الفرق التي على الباطل، واهرب بدينك واترك هذه الفرق الضالة، واعبد ربك حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك، كما ورد الحديث الآخر: «يُوشِكَ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الرَّجُلِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ، وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ» (^١) - نسأل الله السلامة والعافية، وأن يعيذنا ويعيذكم من الفتن!\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩).","vol":"5","page":317},{"text":"وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحيَى- وَهُوَ ابْنُ حَسَّانَ- حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ- يَعْنِي: ابْنَ سَلَّامٍ- حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ سَلَّامٍ عَنْ أَبِي سَلَّامٍ قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ، فَجَاءَ اللهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ»، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ».\nقوله: «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ»، يعني: أمراء يأتم الناس بهم، وفي الحديث الآخر: «إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ» (^١) فالأئمة يكونون في الخير أو في الشر، قال الله تعالى- في أئمة الخير-: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾، وقال- في أئمة الشر-: ﴿وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون﴾، وهم آل فرعون، ويدخل في أئمة الخير: أئمة أهل السنة والجماعة.\nوقوله: «قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ»، يعني: أجسامهم أجسام إنس وقلوبهم قلوب شياطين؛ لما فيها من الشر والفساد والدعوة إليه.\nوقوله: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ» فيه: تحريم الخروج على ولي الأمر، ولو ظلم، ولو فسق، ولو ضرب\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٢٣٩٣)، وأبو داود (٤٢٥٢)، والترمذي (٢٢٢٩).","vol":"5","page":318},{"text":"ظهرك، أو سجنك، أو أخذ مالك بغير حق، فيحرم الخروج على ولاة الأمور بسبب ظلمهم وجورهم وفسادهم.\n\n[١٨٤٨] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ- يَعْنِي: ابْنَ حَازِمٍ- حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي قَيْسِ بْنِ رِيَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ».\nوَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ رِيَاحٍ الْقَيْسِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَقَالَ: «لَا يَتَحَاشَ مِنْ مُؤْمِنِهَا».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ رِيَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ، ثُمَّ مَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِلْعَصَبَةِ، وَيُقَاتِلُ لِلْعَصَبَةِ فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِي، وَمَنْ خَرَجَ مِنْ أُمَّتِي عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، لَا يَتَحَاشَ مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي بِذِي عَهْدِهَا فَلَيْسَ مِنِّي».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أَمَّا ابْنُ الْمُثَنَّى فَلَمْ يَذْكُرِ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ، وَأَمَّا ابْنُ بَشَّارٍ، فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.\nهذا الحديث فيه: الوعيد الشديد على من خرج من طاعة ولي الأمر،","vol":"5","page":319},{"text":"وأنه بخروجه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، ومتوعَّد بأن يموت ميتة جاهلية؛ لأن أهل الجاهلية لا يلتزمون بطاعة إمام، وليس لهم ولاية في الغالب، بل يأكل القوي منهم الضعيف، فمن خرج من طاعة ولي الأمر فعليه الوعيد الشديد لمشابهته أهل الجاهلية في ذلك.\nوفيه: التحذير من العصبيات.\nوفيه: التحذير من القتل والتساهل فيه.\nوفيه: التحذير من عدم الوفاء؛ فإن هذا من كبائر الذنوب.\nوقوله: «رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ» هي الراية غير المعروفة التي لا يعرف وجهها، ولا يعرف وجه القتال فيها، ولا شرعيته، فقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ، وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ» (^١).\nفالواجب حينئذٍ: اعتزال الفرق المتقاتلة إذا لم يعرف وجه الصواب في ذلك، أما إذا عرف وجه الحق والصواب فإنه يكون مع الحق، فإذا كان هناك جماعة ولهم إمام، ثم خرج عليهم بعض الناس، فالواجب أن يقاتَلوا، كما مر.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٠٨).","vol":"5","page":320},{"text":"[١٨٤٩] حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْوِيه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ فَمِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ».\n[خ: ٧٠٥٣]\nوَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا الْجَعْدُ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا، فَمَاتَ عَلَيْهِ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً».\n\n[١٨٥٠] حَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَدْعُو عَصَبِيَّةً، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ».\n\n[١٨٥١] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ- وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ- عَنْ زَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ- حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَرَّةِ مَا كَانَ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ-، فَقَالَ: اطْرَحُوا لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ آتِكَ لِأَجْلِسَ، أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ أَتَى ابْنَ مُطِيعٍ، فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.\nحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ نَافِعٍ عَن ابْنِ عُمَرَ.","vol":"5","page":321},{"text":"قوله: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»، أي: من خلع يدًا من طاعة ولي الأمر لقي الله ولا حجة له.\nهذا الحديث فيه: الوعيد الشديد على الخروج على ولاة الأمور، وأنه من كبائر الذنوب.\nوعبد الله بن مطيع هذا كان أمير المدينة في زمن ولاية يزيد بن معاوية، وكان أهل المدينة قد خلعوا يزيدًا، وأنكر عليهم عبد الله بن عمر، ثم حصل بعد ذلك أن أرسل يزيد بن معاوية جيشًا لإخضاع أهل المدينة وتأديبهم وعقوبتهم، فأخضعه الجيش، ثم أمره أن يستبيح المدينة ثلاثة أيام، فاستباحها، وحصل من جراء ذلك شر وفساد عظيم، ومقتلة كبيرة بسبب شؤم الخروج على ولي الأمر.\nأما الحال في رؤساء الجمهوريات الحاليين: فإن كانوا مسلمين فلهم البيعة، ولهم السمع والطاعة، وأما إن كانوا كفارًا فهذا فيه تفصيل، وهو: إن كانت هناك قدرة على خلعهم وإبدالهم برئيس مسلم وجب الخروج، وإلا فلا خروج، ووجب على الرعية الصبر والسمع والطاعة في طاعة الله، قال الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾.","vol":"5","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-878>بَابُ حُكْمِ مَنْ فَرَّقَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مُجْتَمِعٌ</span>\n\n[١٨٥٢] حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ نَافِعٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، وقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَرْفَجَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ- وَهِيَ جَمِيعٌ- فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ».\nوَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ. ح وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ الْخَثْعَمِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ. ح وَحَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُخْتَارِ، وَرَجُلٌ سَمَّاهُ، كُلُّهُمْ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنْ عَرْفَجَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا: «فَاقْتُلُوهُ».\nوَحَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَرْفَجَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ».\nقوله: «إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ»، يعني: ستكون فتن وأمور حادثة تنكرونها.\nقوله: «يَشُقَّ عَصَاكُمْ»، أي: يفرق جماعتكم.\nوقوله: «فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ- وَهِيَ جَمِيعٌ- فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ»، أي: فمن جاءكم وأمركم مجتمع على إمام واحد- ولو كان هذا الإمام الذي اجتمعوا عليه قد غلبهم بالقوة فقد ثبتت له الولاية بذلك- يريد أن يفرق كلمتكم فاضربوا عنقه كائنًا من كان؛ لأنه من البغاة الذين يريدون أن يفرقوا كلمة المسلمين، بعد اجتماعها واستتباب الأمن.","vol":"5","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-879>بَابُ إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ</span>\n\n[١٨٥٣] وَحَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا».","vol":"5","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-880>بَابُ وُجُوبِ الْإِنْكَارِ عَلَى الْأُمَرَاءِ فِيمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ، وَتَرْكِ قِتَالِهِمْ مَا صَلَّوْا، وَنَحْوِ ذَلِكَ</span>\n\n[١٨٥٤] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: لَا، مَا صَلَّوْا».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ جميعا عَنْ مُعَاذٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي غَسَّانَ- حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيُّ- حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْعَنَزِيِّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: «لَا، مَا صَلَّوْا»، أَيْ: مَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ، وَأَنْكَرَ بِقَلْبِهِ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ- حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ، وَهِشَامٌ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَحْوِ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ».\nوَحَدَّثَنَاهُ حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ هِشَامٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، إِلَّا قَوْلَهُ: «وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» لَمْ يَذْكُرْهُ.\nقوله: «فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ»، يعني: سلم من العقوبة والإثم، وتأوله النووي، فَقَالَ: «معناه من كره ذلك المنكر فقد برئ من إثمه","vol":"5","page":325},{"text":"وعقوبته وهذا في حق من لا يستطيع إنكاره بيده ولا لسانه فليكرهه بقلبه وليبرأ وأما من روى فمن عرف فقد برئ فمعناه والله أعلم فمن عرف المنكر ولم يشتبه عليه فقد صارت له طريق إلى البراءة من إثمه وعقوبته بأن يغيره بيديه أو بلسانه فإن عجز فليكرهه بقلبه وقوله ﷺ: «وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» معناه ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع» (^١).\nوقوله: «لَا، مَا صَلَّوْا» وفي حديث عوف الآتي: «مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ» وهو دليل على أن ترك الصلاة كفر.\nهذا الحديث فيه: نهي عن الخروج على الولاة إذا كانوا يصلون، فدل على أنهم إذا لم يصلوا فَيُخرَج عليهم بالشروط المتقدمة؛ لأنهم- حينئذٍ- قد أتوا كفرًا بواحًا.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٢/ ٢٤٣).","vol":"5","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-881>بَابُ خِيَارِ الْأَئِمَّةِ وَشِرَارِهِمْ</span>\n\n[١٨٥٥] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ رُزَيْقِ بْنِ حَيَّانَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ قَرَظَةَ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ: لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ، فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ، وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ».\nقوله: «وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ» الصلاة هنا: الدعاء.\nقوله: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ: لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ» مفهومه أنهم إذا لم يقيموا الصلاة فهم كفار يجوز الخروج عليهم، وهذا يدل على أن ترك الصلاة كفر.\nقوله: «وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ» فأهل السنة فلا يرون الخروج على ولاة الأمر بالمعاصي، بل يرون الصبر على ولاة الأمور، ولهذا فان أهل السنة حينما يكتبون عقائدهم يقولون فيها: (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا، وَإِنْ جَارُوا، وَلَا نَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَنَرَى طَاعَتَهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ ﷿ فَرِيضَةً، مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ، وَنَدْعُو لَهُمْ بِالصَّلَاحِ وَالْمُعَافَاةِ) (^١).\n_________\n(^١) شرح الطحاوية، لابن أبي العز (٢/ ٥٤٠).","vol":"5","page":327},{"text":"حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ مُسْلِمٍ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، أَخْبَرَنِي مَوْلَى بَنِي فَزَارَةَ- وَهُوَ رُزَيْقُ بْنُ حَيَّانَ- أَنَّهُ سَمِعَ مُسْلِمَ بْنَ قَرَظَةَ- ابْنَ عَمِّ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ- يَقُولُ: سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، أَلَا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ».\nقَالَ ابْنُ جَابِرٍ: فَقُلْتُ- يَعْنِي: لِرُزَيْقٍ حِينَ حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ-: اللهِ يَا أَبَا الْمِقْدَامِ لَحَدَّثَكَ بِهَذَا، أَوْ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ مُسْلِمِ بْنِ قَرَظَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَوْفًا يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: إِي وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَسَمِعْتُهُ مِنْ مُسْلِمِ بْنِ قَرَظَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ رُزَيْقٌ- مَوْلَى بَنِي فَزَارَةَ- قَالَ مُسْلِم: وَرَوَاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ قَرَظَةَ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nقوله: «فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ»، يعني: جلس على ركبتيه.","vol":"5","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-882>بَابُ اسْتِحْبَابِ مُبَايَعَةِ الْإِمَامِ الْجَيْشَ عِنْدَ إِرَادَةِ الْقِتَالِ، وَبَيَانِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ</span>\n\n[١٨٥٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةً، فَبَايَعْنَاهُ، وَعُمَرُ آخِذٌ بِيَدِهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ- وَهِيَ سَمُرَةٌ- وَقَالَ: بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ، وَلَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ.\n[خ: ٤١٥٤]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمْ نُبَايِعْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى الْمَوْتِ، إِنَّمَا بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعَ جَابِرًا يَسْأَلُ: كَمْ كَانُوا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ: كُنَّا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، فَبَايَعْنَاهُ، وَعُمَرُ آخِذٌ بِيَدِهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ- وَهِيَ سَمُرَةٌ- فَبَايَعْنَاهُ، غَيْرَ جَدِّ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ اخْتَبَأَ تَحْتَ بَطْنِ بَعِيرِهِ.\nهذا الحديث فيه: أن الجد بن قيس هذا لم يبايع النبي ﷺ؛ لنفاقه- نسأل الله العافية- وجلس تحت بطن ناقته، فَحُرم هذا الخير العظيم.\nوأهل بيعة الرضوان هم أفضل الناس، فقد أخبر الله تعالى أنه رضي عنهم، فَقَالَ ﷾: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.\nوثبت في صحيح مسلم من حديث حفصة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» (^١)، وهذا فضل عظيم لأهل بيعة\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٤٧٧٨)، وأبو داود (٤٦٥٣)، والترمذي (٣٨٦٠).","vol":"5","page":329},{"text":"الرضوان، وهي الحد الفاصل بين السابقين الأولين وغيرهم، فمن أسلم قبل الحديبية فهو من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ومن أسلم بعدها فليس من السابقين الأولين في أصح قولي العلماء.\nوهذه البيعة تسمى بيعة الرضوان، وتسمى عمرة الحديبية، وذلك أن النبي ﷺ أحرم بالعمرة في السنة السادسة من الهجرة، فلما نزل بالحديبية، صده المشركون ومنعوه، فأرسل النبي ﷺ إليهم عثمان ليخبرهم أنه ما جاء لقتال، وإنما جاء للعمرة، فاحتبسوا عثمان، فشاع بين المسلمين أنه قد قتل، فبايع النبي ﷺ الصحابة على قتال قريش، فلما سمعت قريش بذلك خافوا، وأطلقوا عثمان.\nوقوله: «بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ، وَلَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ» والمعنى واحد، فقد بايعوه على الصبر على القتال، والاستمرار عليه حتى النصر، أو الموت، لكن المقصود: أن هذه البيعة حصلت على عدم الفرار، وقيل لسلمة بن الأكوع ﵁: على أي شيء بايعتم النبي ﷺ يوم الحديبية؟ قال: «على الموت» (^١)، فالنبي ﷺ بايعهم على الصبر والثبات حتى الموت.\nوفيه: جواز أن يبايع الإمام، أو قائد الجيش على عدم الفرار.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩٦٠)، ومسلم (١٨٦٠).","vol":"5","page":330},{"text":"وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ- مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ مُجَالِدٍ- قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يُسْأَلُ: هَلْ بَايَعَ النَّبِيُّ ﷺ بِذِي الْحُلَيْفَةِ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ صَلَّى بِهَا، وَلَمْ يُبَايِعْ عِنْدَ شَجَرَةٍ إِلَّا الشَّجَرَةَ الَّتِي بِالْحُدَيْبِيَةِ.\nقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بِئْرِ الْحُدَيْبِيَةِ.\nحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ- وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ- قَالَ سَعِيدٌ وَإِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ: «أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ»، وقَالَ جَابِرٌ: لَوْ كُنْتُ أُبْصِرُ لَأَرَيْتُكُمْ مَوْضِعَ الشَّجَرَةِ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، فَقَالَ: «لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ. ح وَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: الطَّحَّانَ- كِلَاهُمَا يَقُولُ: عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً».\nوَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا وقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ.\n\n[١٨٥٧] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو- يَعْنِي: ابْنَ مُرَّةَ- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ الشَّجَرَةِ","vol":"5","page":331},{"text":"أَلْفًا وَثَلَاثَمِائَةٍ، وَكَانَتْ أَسْلَمُ ثُمْنَ الْمُهَاجِرِينَ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد. ح وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\n\n[١٨٥٨] وَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ خَالِدٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْأَعْرَجِ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ الشَّجَرَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يُبَايِعُ النَّاسَ، وَأَنَا رَافِعٌ غُصْنًا مِنْ أَغْصَانِهَا عَنْ رَأْسِهِ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً قَالَ: لَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ، وَلَكِنْ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ.\nوَحَدَّثَنَاهُ يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ يُونُسَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله: «كُنَّا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ»: هنا ذكر أن عددهم ألف وخمسمائة، وفي حديث ثانٍ أن عددهم «أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً» (^١)، وفي ثالث أنهم «أَلْفًا وَثَلَاثَمِائَةٍ» ويجمع بينها: بأن عددهم ألف وأربعمائة، وعدد دون المائة، فمن قال: ألف وأربعمائة حذف الكسر، ومن قال: ألف وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال: ألف وثلاثمائة فهو لم يتيقن العدد، وإنما قاله عن تقدير.\nوقوله: «لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا»، يعني: لكفانا الماء الذي في البئر، فهذا مختصر من خبرهم في بئر الحديبية كما في صحيح البخاري عَنِ البَرَاءِ ﵁ قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً وَالحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ، فَنَزَحْنَاهَا، حَتَّى لَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً، فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَفِيرِ البِئْرِ «فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَجَّ فِي البِئْرِ» فَمَكَثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ اسْتَقَيْنَا حَتَّى رَوِينَا، وَرَوَتْ، أَوْ صَدَرَتْ رَكَائِبُنَا (^٢)، وهذا من قدرة الله العظيمة، ومن آياته الباهرة، وأنه على كل شيء قدير، ومن دلائل نبوة نبينا محمد ﷺ، حيث كثَّر الله الماء ببركة دعائه ﵊ وبصقه فيه، حتى قال جابر: «لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥٧٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٥٧٧).","vol":"5","page":332},{"text":"[١٨٥٩] وَحَدَّثَنَاهُ حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ طَارِقٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: كَانَ أَبِي مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِنْدَ الشَّجَرَةِ قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فِي قَابِلٍ حَاجِّينَ، فَخَفِيَ عَلَيْنَا مَكَانُهَا، فَإِنْ كَانَتْ تَبَيَّنَتْ لَكُمْ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ.\n[خ: ٤١٦٤]\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ: وَقَرَأْتُهُ عَلَى نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَنَسُوهَا مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ.\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ الشَّجَرَةَ، ثُمَّ أَتَيْتُهَا بَعْدُ فَلَمْ أَعْرِفْهَا.\nقوله: «فِي قَابِلٍ»، يعني: في السنة القادمة.\nهذا الحديث فيه: أنهم بحثوا عن هذه الشجرة، ولم يجدوها، وخفي مكانها على المسيب ﵁، لكن ورد عَنْ نَافِعٍ قوله: «كَانَ النَّاسُ يَأْتُونَ الشَّجَرَةَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: شَجَرَةُ الرِّضْوَانِ، فَيُصَلُّونَ عِنْدَهَا، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَأَوْعَدَهُمْ فِيهَا، وَأَمَرَ بِهَا فَقُطِعَتْ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ١٠٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧٥٤٥).","vol":"5","page":333},{"text":"[١٨٦٠] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ- مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ- قَالَ: قُلْتُ لِسَلَمَةَ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعْتُمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ.\n[خ: ٤١٦٩]\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ عَنْ سَلَمَةَ بِمِثْلِهِ.\n\n[١٨٦١] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحيَى عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَتَاهُ آتٍ، فَقَالَ: هَا ذَاكَ ابْنُ حَنْظَلَةَ يُبَايِعُ النَّاسَ، فَقَالَ: عَلَى مَاذَا؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ، قَالَ: لَا أُبَايِعُ عَلَى هَذَا أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.\n[خ: ٢٩٥٩]\nقوله: «أَتَاهُ آتٍ» وفي رواية البخاري: «لما كان زمن الحرة أتاه آت» (^١)، والحرة وقعة وقعت في حرة المدينة في خلافة يزيد بن معاوية؛ وذلك أن أهل المدينة خلعوا يزيد بعدما انتقدوه ونقموا عليه أشياء، فبايع عبدالله بن المطيع وابن حنظلة الناس على الموت، فلما بلغ يزيد ﵁ الخبر أرسل جيشًا من الشام فقاتل أهل المدينة؛ لأنهم خلعوه، واستباح المدينة ثلاثة أيام عقوبة لهم.\nفلما أراد ابن حنظلة وابن المطيع مبايعة عبدالله بن زيد على الموت قال: «لَا أُبَايِعُ عَلَى هَذَا أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وكان كثير من الصحابة ما يزالون أحياءً زمن الحرة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩٥٩).","vol":"5","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-883>بَابُ تَحْرِيمِ رُجُوعِ الْمُهَاجِرِ إِلَى اسْتِيطَانِ وَطَنِهِ</span>\n\n[١٨٦٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ: ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ، تَعَرَّبْتَ؟ ! قَالَ: لَا، وَلَكِنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَذِنَ لِي فِي الْبَدْوِ.\n[خ: ٧٠٨٧]\nهذا الحديث فيه: أن سلمة بن الأكوع أقر الحجاج على قوله: «ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ، تَعَرَّبْتَ؟ !».\nوفيه: أنه لا يجوز للإنسان أن يسكن البادية ويتعرب ويترك المدن؛ لأنه في البادية يبتعد عن سماع المواعظ، وعن الجمع والجماعات، فقد جاء في الحديث الآخر: «اجْتَنِبُوا الْكَبَائِرَ السَّبْعَ ... وَالتَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ» (^١)، إلا إذا كان في آخر الزمان، وظهر الفساد، ونُزع الخير من المدن والقرى، وخاف الإنسان على دينه من الفتن، ولم يوجد في المدن والقرى مواعظ ولا جمعة ولا جماعات، ولا تعلم ولا تعليم، ففي هذه الحالة يخرج الإنسان إلى البادية ويفر بدينه، كما جاء في الحديث: «يُوشِكَ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الرَّجُلِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ، وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي عاصم في الجهاد (٢٧٤)، والطبراني في الكبير (٥٦٣٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩).","vol":"5","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-884>بَابُ الْمُبَايَعَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَالْجِهَادِ، وَالْخَيْرِ، وَبَيَانِ مَعْنَى: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ</span>\n\n[١٨٦٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، حَدَّثَنِي مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ السُّلَمِيُّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أُبَايِعُهُ عَلَى الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: «إِنَّ الْهِجْرَةَ قَدْ مَضَتْ لِأَهْلِهَا، وَلَكِنْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَالْجِهَادِ، وَالْخَيْرِ».\nقوله: «إِنَّ الْهِجْرَةَ قَدْ مَضَتْ لِأَهْلِهَا، وَلَكِنْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ وَالْخَيْرِ»، يعني: لا هجرة من مكة إلى المدينة؛ لأنها صارت دار إسلام، لكن بقي ما يتعلق بالجهاد والخير؛ فإن هذه أعمال صالحة، ولكن الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام باقية إلى قيام الساعة.\nوَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ السُّلَمِيُّ قَالَ: جِئْتُ بِأَخِي أَبِي مَعْبَدٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ الْفَتْحِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَايِعْهُ عَلَى الْهِجْرَةِ، قَالَ: «قَدْ مَضَتِ الْهِجْرَةُ بِأَهْلِهَا»، قُلْتُ: فَبِأَيِّ شَيْءٍ تُبَايِعُهُ؟ قَالَ: «عَلَى الْإِسْلَامِ، وَالْجِهَادِ، وَالْخَيْرِ»، قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: فَلَقِيتُ أَبَا مَعْبَدٍ فَأَخْبَرْتُهُ، بِقَوْلِ مُجَاشِعٍ، فَقَالَ: صَدَقَ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عَاصِمٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: فَلَقِيتُ أَخَاهُ، فَقَالَ: صَدَقَ مُجَاشِعٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ: أَبَا مَعْبَدٍ.\n\n[١٣٥٣] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ: «لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا».","vol":"5","page":336},{"text":"وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ رَافِعٍ عَنْ يَحيَى بْنِ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُهَلْهِلٍ-.ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ كُلُّهُمْ عَنْ مَنْصُورٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقوله: «لَا هِجْرَةَ»، يعني: من مكة إلى المدينة، ولكن بقي الجهاد والنية الصالحة.\nوقوله: «وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا»، أي: إذا طلب الإمام منكم النفير، يعني: الخروج إلى الجهاد، فانفروا، أي: فاخرجوا.\nهذا الحديث فيه: دليل على أن الجهاد فرض كفاية، وقد يكون فرض عين، وذلك في حالة ما إذا استنفر الإمام الرعية، فمن استنفره الإمام فقد صار الجهاد فرض عين في حقه، وكذلك إذا احتل العدو بلدًا من بلاد المسلمين فقد صار الجهاد في حقهم فرض عين، فعليهم أن يدافعوا عن أرضهم حتى يندفع عدوهم، فإن لم يندفع وجب على من حولهم من القرى والبلدان المجاورة مساندتهم ومناصرتهم، وكذلك يصير فرض عين على المسلم إذا وقف في صف القتال، فليس له أن يفر، إلا أن يكون متحرفًا لقتال، أو متحيزًا إلى فئة.","vol":"5","page":337},{"text":"[١٨٦٤] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا».\n\n[١٨٦٥] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: «وَيْحَكَ! إِنَّ شَأْنَ الْهِجْرَةِ لَشَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَهَلْ تُؤْتِي صَدَقَتَهَا؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ، فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا».\n[خ: ١٤٥٢]\nوَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا»، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ: «فَهَلْ تَحْلُبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا؟»، قَالَ: نَعَمْ.\nقوله: «لَنْ يَتِرَكَ»، يعني: لن يُنقصك.\nوقوله: «وَيْحَكَ! إِنَّ شَأْنَ الْهِجْرَةِ لَشَدِيدٌ فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ تُؤْتِي صَدَقَتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ» خوَّف النبي ﷺ من لا يقوى على الهجرةِ وتركِ بلده وأهله وملازمة النبي ﷺ، فلم يستطع أن يقوم بحقوق الهجرة، فَقَالَ له ﷺ: «فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ تُؤْتِي صَدَقَتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ» والبحار يعني: القرى، يعني: اعمل وأنت في قريتك، أو بلدك، وفي مكانك، واجتهد في العمل الصالح، والله لا ينقصك من ثواب عملك شيئًا.","vol":"5","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-885>بَابُ كَيْفِيَّةِ بَيْعَةِ النِّسَاءِ</span>\n\n[١٨٦٦] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: كَانَتِ الْمُؤْمِنَاتُ إِذَا هَاجَرْنَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُمْتَحَنَّ بِقَوْلِ اللهِ ﷿: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ ...﴾، إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ، قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «انْطَلِقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ»، وَلَا وَاللهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ غَيْرَ أَنَّهُ يُبَايِعُهُنَّ بِالْكَلَامِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللهِ مَا أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى النِّسَاءِ قَطُّ إِلَّا بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى، وَمَا مَسَّتْ كَفُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَفَّ امْرَأَةٍ قَطُّ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُنَّ- إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ-: «قَدْ بَايَعْتُكُنَّ» - كَلَامًا.\n[خ: ٥٢٨٨]\nوَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَبُو الطَّاهِرِ، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ هَارُونُ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ عَنْ بَيْعَةِ النِّسَاءِ قَالَتْ: مَا مَسَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ امْرَأَةً قَطُّ، إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا، فَإِذَا أَخَذَ عَلَيْهَا فَأَعْطَتْهُ قَالَ: «اذْهَبِي فَقَدْ بَايَعْتُكِ».\nمعنى البيعة: المعاهدة والالتزام، وكان النبي ﷺ يبايع الرجال على السمع والطاعة والالتزام بالإسلام، وكان يبايع الرجال مصافحةً بيده، أما النساء فإنه يبايعهن بالكلام دون مصافحة على ألَّا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين، فإذا أقرت إحداهن بهذا قال: «اذْهَبِي فَقَدْ بَايَعْتُكِ» ولهذا قالت عائشة: «وَلَا وَاللهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ غَيْرَ أَنَّهُ يُبَايِعُهُنَّ بِالْكَلَامِ» ولما مدت إليه امرأة يدها امتنع، وقال: «إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ، إِنَّمَا","vol":"5","page":339},{"text":"قَوْلِي لِامْرَأَةٍ، كَقَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ» (^١).\nقولها: «فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ»: وفي لفظ في البخاري: «فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّرْطِ» (^٢) يشير إلى شرط الإيمان، «فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ»: معناه فقد بايع البيعة الشرعية (^٣).\nهذا الحديث فيه: أنه يحرم على المسلم مصافحة المرأة الأجنبية التي ليست محرمًا، فيحرم عليه مصافحة مثل: زوجة الأخ، وزوجة العم، وزوجة الخال، وأخت الزوجة، وبنت العم، وبنت الخال، فهؤلاء ليسوا بمحارم، فلا يجوز مصافحتهن، ولو كانت إحداهن كبيرة في السن، ولا يقبل رأسها، وإنما يلقي ﵍ بالكلام، وهي ترد عليه بدون مصافحة، وبدون خضوع في القول.\nوكذلك يحرم عليه الخلوة بمن ذُكر، ويجب أن يكون معهم محرم ثالث، ولا يكون هناك ريبة؛ ولهذا كان المس أشد من النظر، يعني: مس جسد المرأة أشد من النظر إليها.\nوهنا نحب أن نلفت النظر إلى مسألة مهمة، وهي: أنه لا ينبغي للقراء أن يتساهلوا في رقية النساء، فتجد بعضهم يضع يده على رأس المرأة، أو كتفها، أو يدها، وهذا لا ينبغي له، وإنما له أن ينفث بدون مس؛ لأن هذا من أسباب الشر والفساد، وتحريك الشهوة.\nوفيه: حرص النبي ﷺ على النساء كحرصه على الرجال، وبيعتهن إن دلت فإنما تدل على مكانة المرأة في المجتمع الإسلامي، والاعتراف بتأثيرها الإيجابي في عدة جوانب إن التزمت بحدود الشرع؛ وتكون بذلك على ثغر من ثغور الإسلام.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٧٠٠٦)، والنسائي (٤١٨١)، والترمذي (١٥٩٧)، وابن ماجه (٢٨٧٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٢٨٨).\n(^٣) شرح مسلم، للنووي (١٣/ ١٠)، وفتح الباري، لابن حجر (٩/ ٤٢٥).","vol":"5","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-886>بَابُ الْبَيْعَةِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِيمَا اسْتَطَاعَ</span>\n\n[١٨٦٧] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَيُّوبَ- قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: كُنَّا نُبَايِعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، يَقُولُ لَنَا: «فِيمَا اسْتَطَعْتَ».\n[خ: ٧٢٠٢]\nهذا الحديث فيه: رحمته ﷺ بأمته وأصحابه، حيث كان يلقنهم عند البيعة قولهم: «فِيمَا اسْتَطَعْتَ».","vol":"5","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-887>بَابُ بَيَانِ سِنِّ الْبُلُوغِ</span>\n\n[١٨٦٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: عَرَضَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْقِتَالِ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي.\nقَالَ نَافِعٌ: فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ- وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ- فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ كَانَ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَاجْعَلُوهُ فِي الْعِيَالِ.\n[خ: ٢٦٦٤]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: الثَّقَفِيَّ- جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ: وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَاسْتَصْغَرَنِي.\nوقوله: «فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا» المراد: أن يفرضوا له عطاء سنويًّا في بيت المال على انفراده؛ لأنه صار رجلًا، ومن كان دون ذلك فيكون في العيال تبعًا لأبيه، وهذا العطاء يشبه ما يسمى في المملكة العربية السعودية- الآن- بالمناخ، فيأتي الناس كل سنة ويُنيخون إبلهم عند الحكومة، وينزلون ضيوفًا، ويُعطَون مقررًا ماليًّا سنويًّا، وقد يُعطَون طعامًا وكسوةً.\nهذا الحديث فيه: أن من بلغ خمس عشرة سنة من الصبيان فهو بالغ، هذا إذا لم ينبت له شعر خشن حول الفرج، ولم يحتلم، أما إذا احتلم قبل ذلك، أو نبت له هذا الشعر الخشن فهو بالغ؛ إذ للبلوغ علامات،","vol":"5","page":342},{"text":"فالعلامة الأولى: إنبات الشعر الخشن حول الفرج، والعلامة الثانية: إنزال المني في اليقظة، أو في النوم، والعلامة الثالثة: بلوغه خمس عشرة سنة، وتزيد الأنثى علامة رابعة، وهي: الحيض، فمن حاضت فإنها تكون بالغة، ولو كانت بنت تسع سنين.","vol":"5","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-888>بَابُ النَّهْيِ أَنْ يُسَافَرَ بِالْمُصْحَفِ إِلَى أَرْضِ الْكُفَّارِ إِذَا خِيفَ وُقُوعُهُ بِأَيْدِيهِمْ</span>\n\n[١٨٦٩] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ.\n[خ: ٢٩٩٠]\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ؛ فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ».\nقَالَ أَيُّوبُ: فَقَدْ نَالَهُ الْعَدُوُّ، وَخَاصَمُوكُمْ بِهِ.\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ-.ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَالثَّقَفِيُّ كُلُّهُمْ عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: ابْنَ عُثْمَانَ- جَمِيعًا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ وَالثَّقَفِيِّ: فَإِنِّي أَخَافُ، وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ وَحَدِيثِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ: مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ.\nهذا الحديث فيه: النهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن تناله أيديهم بسوء، أو امتهان، وإذا انتفت هذه العلة جاز السفر بالقرآن، وقد انتفت هذه العلة في هذا الزمن، فإن القرآن موجود الآن عند الكفرة، ويطبعونه، ويذيعونه في إذاعاتهم.\nوفي حكم السفر بالقرآن إلى أرض العدو ثلاثة أقوال للعلماء:","vol":"5","page":344},{"text":"القول الأول: جواز السفر بالقرآن مطلقًا.\nالقول الثاني: منعه مطلقًا.\nالقول الثالث: جواز السفر به إذا لم يُخَفْ أن تناله أيدي الكفار بسوء، أو امتهان، وهذا هو القول الوسط، الذي دل عليه الحديث.\nقوله: «وَخَاصَمُوكُمْ بِهِ»، أي: جادلوكم به.","vol":"5","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-889>بَابُ الْمُسَابَقَةِ بَيْنَ الْخَيْلِ وَتَضْمِيرِهَا</span>\n\n[١٨٧٠] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَابَقَ بِالْخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ مِنَ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا.\n[خ: ٤٢٠]\nوَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحيَى وَهُوَ الْقَطَّانُ، جميعًا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ- كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ أَيُّوبَ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادٍ، وَابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَجِئْتُ سَابِقًا فَطَفَّفَ بِي الْفَرَسُ الْمَسْجِدَ.\nوالسبْق بإسكان الباء، يعني: المسابقة، أما السبَق- بتحريك الباء- فهو الرهن الذي يوضع لذلك، يعني: العوض، والعوض لا يجوز إلا في السباق على الخيل والإبل والسهم -الرماية-؛ فهذه هي التي يجوز أخذ","vol":"5","page":346},{"text":"العوض عليها في المسابقة.\nوالسبق بين الخيل مشروع؛ لما فيه من التدرب على الجهاد؛ لأن الخيل هي التي تعد للجهاد.\nقوله: «فَطَفَّفَ بِي الْفَرَسُ الْمَسْجِدَ»، يعني: قفز الفرس على جدار المسجد؛ لأن السباق كان ينتهي إلى المسجد، وكان جداره قصيرًا.\nهذا الحديث فيه: مشروعية تضمير الخيل؛ لما فيه من التدرب على الجهاد والتمرين عليه.\nوتضمير الخيل هو: أن تُطعم طعامًا كثيرًا حتى تسمن، ثم بعد ذلك تحبس في مكان ويقلل لها الطعام فلا تعطى إلا مقدارًا قليلًا يكفيها، ثم تجلل بالجلال حتى تعرق، ويذهب رهلها، ويخف لحمها، وتشتد سواعدها، وتكون قوية الساعدين، سريعة العَدْو.\nوفيه: مشروعية التعلم على ضروب الرماية وأنواعها؛ لما فيه من التمرن والتدرب على الجهاد.\nوفيه: مشروعية السباق على الخيل، وعلى الإبل، وعلى الأقدام، لكن إذا كان السباق بعوض فلا يجوز إلا في ثلاث: الخيل، والإبل، والسهام؛ لما جاء في الحديث: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ» (^١).\nوالخف في الحديث: كناية عن الإبل، والحافر كناية عن الخيل، والنصل كناية عن السهم، وذلك بتقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه؛ أي ذي خف، أو ذي حافر، أو ذي نصل، ونصل السهم حديدته، وسُمِّي السباق بالخيل رِهانًا، وبالسِّهام نضالًا.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٧٤٨٢)، وأبو داود (٢٥٨٥)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٣٥٨٥).","vol":"5","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-890>بَاب الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ</span>\n\n[١٨٧١] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».\n[خ: ٢٨٤٩]\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحيَى كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أُسَامَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ.\n\n[١٨٧٢] وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَصَالِحُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ وَرْدَانَ جَمِيعًا عَنْ يَزِيدَ، قَالَ الْجَهْضَمِيُّ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْوِي نَاصِيَةَ فَرَسٍ بِإِصْبَعِهِ وَهُوَ يَقُولُ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: الْأَجْرُ، وَالْغَنِيمَةُ».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْماعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\n\n[١٨٧٣] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: الْأَجْرُ، وَالْمَغْنَمُ».\n[خ: ٢٨٥٠]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، وَابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْخَيْرُ مَعْقُوصٌ بِنَوَاصِي الْخَيْلِ»، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: «الْأَجْرُ، وَالْمَغْنَمُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».","vol":"5","page":348},{"text":"وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ حُصَيْنٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: عُرْوَةُ بْنُ الْجَعْدِ.\nحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ جَمِيعًا عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، جَمِيعًا عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَمْ يَذْكُرِ: «الْأَجْرَ، وَالْمَغْنَمَ»، وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: سَمِعَ عُرْوَةَ الْبَارِقِيَّ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ.\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْعَيْزَارِ بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا، وَلَمْ يَذْكُرِ: «الْأَجْرَ، وَالْمَغْنَمَ».\n\n[١٨٧٤] وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْبَرَكَةُ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ».\n[خ: ٢٨٥١]\nوَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ-.ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ سَمِعَ أَنَسًا يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nقوله: «مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ»، وفي الرواية الأخرى «معقوص»: وهو بمعنى معقود، أي ملوي بها ومضفور فيها والعقصة: الضفيرة، والناصية: الشعر الذي يكون على جبهة الفرس، والمراد: الفرس ذاته، بمعنى: أن الخير معقود في الفرس لذاته، فعبَّر بناصيته وأراد جميعه.\nوهذه الأحاديث فيها: فضل الخيل وأنها لا تزال باقية إلى يوم القيامة.\nوفيه: دليل على أن الجهاد باقِ إلى يوم القيامة، فقد ورد في الحديث","vol":"5","page":349},{"text":"الآخر: «وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللهُ ﷿ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ» (^١).\nوفيه: فضل الخيل، والمراد بالخيل المعقود بنواصيها الخير: المعدة للجهاد، وفي الحديث: «الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَطَالَ بِهَا فِي مَرْجٍ، أَوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنَ الْمَرْجِ، أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ، وَلَوْ أَنَّهُ انْقَطَعَ طِيَلُهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا، أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ، فَهِيَ لِذَلِكَ أَجْرٌ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا، فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ، وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْحُمُرِ؟ فَقَالَ: مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾» (^٢).\nومعنى نواءً، أي: معاداةً.\nوفيه: إشارة إلى أن المخترعات الحديثة تزول في آخر الزمان، وأن الناس يرجعون إلى الخيل والسيوف، ويدل على هذا ما جاء في الأحاديث من حروب آخر الزمان أنها بالسيوف، وأن فتح القسطنطينية يفتحها المؤمنون ويعلقون سيوفهم بالزيتون، ثم يصيح الشيطان: إن الدجال خلفكم في أهليكم (^٣).\nوكذلك جاء في بعض الأحاديث في صحيح مسلم في الجيش الذي يخرج من المدينة يقول فيه النبي ﷺ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ، وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ، وَأَلْوَانَ خُيُولِهِمْ، هُمْ خَيْرُ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ- أَوْ: مِنْ خَيْرِ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٥٣٢)، وأبو يعلى في المسند (٤٣١١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٣٧١)، ومسلم (٩٨٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٨٩٧).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٨٩٩).","vol":"5","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-891>بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ صِفَاتِ الْخَيْلِ</span>\n\n[١٨٧٥] وَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَلْمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَكْرَهُ الشِّكَالَ مِنَ الْخَيْلِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: وَالشِّكَالُ: أَنْ يَكُونَ الْفَرَسُ فِي رِجْلِهِ الْيُمْنَى بَيَاضٌ، وَفِي يَدِهِ الْيُسْرَى، أَوْ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى، وَرِجْلِهِ الْيُسْرَى.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ-.ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيعٍ، وَفِي رِوَايَةِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، وَلَمْ يَذْكُرْ النَّخَعِيَّ.\nقوله: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَكْرَهُ الشِّكَالَ مِنَ الْخَيْلِ» الشِّكَال هي: المخالفة في اللون، وتكون في يدي الفرس ورجليه، وكان النبي ﷺ يكره المخالفة في اللون في يدي الفرس ورجليه، وقيل: السبب في الكراهة: أن ذلك الجنس لا يكون فيه نجابة، وقيل: لأنه على صورة المشكول، وقيل يحتمل أن يكون قد جرب ذلك الجنس فلم يكن فيه نجابة (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٣/ ١٩).","vol":"5","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-892>بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ، وَالْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ</span>\n\n[١٨٧٦] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ- وَهُوَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ- عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَضَمَّنَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهَادًا فِي سَبِيلِي، وَإِيمَانًا بِي، وَتَصْدِيقًا بِرُسُلِي، فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ حِينَ كُلِمَ، لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ، وَرِيحُهُ مِسْكٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ أَبَدًا، وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ، وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو، فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ».\n[خ: ٣٦]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nوَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا جِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ».\n[خ: ٣١٢٣]\nحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ- وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ- إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ».\n[خ: ٢٣٧]","vol":"5","page":352},{"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ الْمُسْلِمُ فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا إِذَا طُعِنَتْ تَفَجَّرُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالْعَرْفُ عَرْفُ الْمِسْكِ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ فِي يَدِهِ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ، وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً فَيَتَّبِعُونِي، وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَقْعُدُوا بَعْدِي».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مَا قَعَدْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ»، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ، وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ، «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ أُحْيَى»، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: الثَّقَفِيَّ-.ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ كُلُّهُمْ عَنْ يَحيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَتَخَلَّفَ خَلْفَ سَرِيَّةٍ»، نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَضَمَّنَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ» إِلَى قَوْلِهِ: «مَا تَخَلَّفْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى».\nهذه الأحاديث فيها: فضل عظيم للمجاهدين.\nوفيها: فضل الشهادة، وفضل الإخلاص في الجهاد، وأن المجاهد المؤمن الصادق مضمون له الجنة إن استشهد، وأنه إن بقي فإنه يرجع بما نال من أجر،","vol":"5","page":353},{"text":"أو غنيمة، فله إحدى الحسنين، إما: الشهادة، وإما الأجر والغنيمة.\nوفيها: أن النبي ﷺ يود أن يخرج مع كل سرية، لكن الذي كان يمنعه من ذلك أن أصحابه يريدون أن يشاركوه، وكثير من الصحابة فقير ليست عندهم استطاعة ولا قدرة للجهاد، فيشق عليهم أن يتخلفوا عن النبي ﷺ، وهو ليس عنده شيء يعينهم به في الجهاد؛ ولذلك كان لا يخرج في السرايا رفقًا بأصحابه.\nوفيها: جواز أن يحلف الإنسان لتأكيد كلامه، وإن لم يطلب منه الحلف، و«أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْلِفُ: «لا وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ» (^١)، فنفوس العباد كلها بيد الله.\nوفيها: إثبات اليد لله ﷿ على ما يليق بجلاله.\nوقوله: «وَالْعَرْفُ عَرْفُ الْمِسْكِ» العَرف: الريح، يعني: والريح ريح المسك.\nوقوله: «تَكَفَّلَ» تكفل وتضمن بمعنًى، أي: أن الجنة مكفولة ومضمونة لمن فعل ذلك.\nوقوله: «وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ» قيل: المراد بكلمته: كلمة الشهادة التي وعدها الله المجاهد في كتابه وعلى لسان رسوله، وكلمة الله تطلق على الخبر والأمر، فالخبر يصدَّق، والأمر ينفَّذ.\nوقوله: «لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ» الكَلْم: الجرح، والمعنى: ما جُرح جرحًا في سبيل الله إلا ويأتي يوم القيامة اللون لون الدم، والريح ريح المسك.\nوقوله: «وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ» - بفتح العين- من باب: فرح يفرَح، ومعناه: يتفجر.\nوقوله: «وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ»، يعني: والله أعلم بالمخلص الذي جرح في سبيل الله مِن الذي يريد الدنيا، أو المراءاة والشهرة، فالله أعلم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٣٩١).","vol":"5","page":354},{"text":"بمن يجرح في سبيله عن إخلاص وصدق، فلا يقال: فلان شهيد في الآخرة؛ لأنه لا يعلم نيته إلا الله، وإن كان شهيدًا في أحكام الدنيا؛ فلا يغسل ولا يصلى عليه، ويدفن في ثيابه ودمائه، فالله أعلم بأحوال عباده.","vol":"5","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-893>بَابُ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى</span>\n\n[١٨٧٧] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ، وَحُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ لَهَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ يَسُرُّهَا أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا، وَلَا أَنَّ لَهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلَّا الشَّهِيدُ، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ، فَيُقْتَلَ فِي الدُّنْيَا؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ».\n[خ: ٢٨١٧]\nهذا الحديث فيه: أن كل مؤمن يموت ويرى ما عند الله له من الكرامة، لا يريد أن يرجع إلى الدنيا حتى لو أعطي الدنيا كلها؛ لأنه قد استراح من الدنيا ونصبها وألمها ومتاعبها وهمومها، فلا يرضى الرجوع إليها إلا الشهيد؛ لما يرى من فضل الشهادة والثواب العظيم، فهو يتمنى أن يعود فيقتل، ثم يعود فيقتل.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ غَيْرُ الشَّهِيدِ، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ، فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ».\n\n[١٨٧٨] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْوَاسِطِيُّ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿؟ قَالَ: «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ»، قَالَ: فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ»، وَقَالَ- فِي","vol":"5","page":356},{"text":"الثَّالِثَةِ-: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللهِ، لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ، وَلَا صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى».\n[خ: ٢٧٨٥]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\n\n[١٨٧٩] حَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ أَسْقِيَ الْحَاجَّ، وَقَالَ آخَرُ: مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ أَعْمُرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَقَالَ آخَرُ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ، وَقَالَ: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ دَخَلْتُ فَاسْتَفْتَيْتُهُ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ...﴾ الْآيَةَ إِلَى آخِرِهَا.\nوَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، أَخْبَرَنِي زَيْدٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي تَوْبَةَ.\nقوله: «كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللهِ» يعني: الصائم المستمر في صومه لا يفطر، والقائم الذي يقوم ويصلي ولا يفتر، والقانت هنا: المطيع.\nقوله: «لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ»، يعني: لو طوِّق ذلك وفُرض أنه جائز، مع أن هذا لا يطيقه الإنسان، ولو استطاعه لكان ممنوعًا شرعًا، فإن","vol":"5","page":357},{"text":"الشرع نهى عن التبتل (^١)، وعن الوصال في الصوم (^٢).\nقوله: «لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» هذا التحدث ورفع الصوت فى مساجد الجماعات، وإن كان فى باب الخير والعلم، إذا كان وقت اجتماع الناس وانتظارهم الصلاة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٧٤)، ومسلم (١٤٠٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٦٥)، ومسلم (١١٠٣).","vol":"5","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-894>بَابُ فَضْلِ الْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ</span>\n\n[١٨٨٠] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».\n[خ: ٢٧٩٢]\n\n[١٨٨١] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَالْغَدْوَةَ يَغْدُوهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».\n[خ: ٢٧٩٤]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «غَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».\n\n[١٨٨٢] حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ يَحيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنْ أُمَّتِي»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: «وَلَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ غَدْوَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».\n[خ: ٢٧٩٣]\n\n[١٨٨٣] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- وَإِسْحَاقَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ الْمَعَافِرِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ».\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ","vol":"5","page":359},{"text":"أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِهِ سَوَاءً.\nقوله: «لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ» الغدوة: بالفتح، المرة الواحدة من الغدو، وهو الخروج من أول النهار إلى انتصافه، والروحة: بالفتح- أيضًا- المرة الواحدة من الرواح، وهو الخروج في المساء من زوال الشمس إلى غروبها.\nقوله: «خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» يعني: ذهاب المجاهد في سبيل الله خير له من الدنيا وما فيها، ورجوعه خير له من الدنيا وما فيها.\nقوله: «خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ»، أي: خير من الدنيا وما فيها.\nهذا الحديث فيه: فضل الجهاد في سبيل الله، وأن الغدوة والروحة فيه خير من الدنيا وما فيها.","vol":"5","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-895>بَابُ بَيَانِ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُجَاهِدِ فِي الْجَنَّةِ مِنَ الدَّرَجَاتِ</span>\n\n[١٨٨٤] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ»، فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ، فَقَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ، فَفَعَلَ، ثُمَّ قَالَ: «وَأُخْرَى يُرْفَعُ بِهَا الْعَبْدُ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»، قَالَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ».\nقوله: «مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» من رضي بالله ربًّا، يعني: من آمن بالله وصدقه، ورضي بالإسلام دينًا فانقاد له واتبع أحكامه، وبمحمد ﷺ نبيًّا: فآمن به واتبعه وصدَّقه وحكَّم شريعته- فقد وجبت له الجنة.\nهذا الحديث فيه: بيان فضل الجهاد في سبيل الله، وأن المجاهدين لهم درجات عالية في الجنة، وهذا الحديث كقول الله تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الحسنى﴾ فالحسنى: الدرجات العليا من الجنة.\nوفيه: أن الرضى يكون بالقلب بالتصديق وبالاتباع، وبتحكيم الشريعة.","vol":"5","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-896>بَابُ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كُفِّرَتْ خَطَايَاهُ إِلَّا الدَّيْنَ</span>\n\n[١٨٨٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: أَنَّهُ قَامَ فِيهِمْ، فَذَكَرَ لَهُمْ: «أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْإِيمَانَ بِاللهِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ»، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كَيْفَ قُلْتَ؟»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَعَمْ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلَّا الدَّيْنَ؛ فَإِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ لِي ذَلِكَ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا يَحيَى- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ- عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ.\nوَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ- يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ-: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ- وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ-، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ ضَرَبْتُ بِسَيْفِي، بِمَعْنَى حَدِيثِ الْمَقْبُرِيِّ.\n\n[١٨٨٦] حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحيَى بْنِ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ- يَعْنِي: ابْنَ فَضَالَةَ- عَنْ عَيَّاشٍ- وَهُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيُّ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ».","vol":"5","page":362},{"text":"وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بْنُ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الدَّيْنَ».\nهذه الأحاديث فيها: فضل الإيمان والجهاد في سبيل الله.\nوفيه: أن الشهادة في سبيل الله تكفِّر الخطايا إلا الدَّيْن فإنه من حقوق الناس، وحقوق الناس مبنية على المشاحَّة، لكن هذا الدَّيْن إن كان أخذه المدين وهو ينوي أداءه فإن الله تعالى يُرضي عنه الدائن، وإن كان أخذه لا يريد أداءه فهو مطالَب به؛ لما ثبت في صحيح البخاري ﵀ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ» (^١)؛ ولهذا لا يجوز للإنسان أن يأخذ أموال الناس، وهو لا ينوي الوفاء والأداء.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣٨٧).","vol":"5","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-897>بَابُ بَيَانِ أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ</span>\n\n[١٨٨٧] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللهِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً، فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي، وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا؟ ! فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ، نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا.\nقوله: «سَأَلْنَا عَبْدَ اللهِ» هو عبد الله بن مسعود، ويعرف بأصحابه؛ لأن مسروقًا من أصحابه، وكذلك عبد الله بن عمر إذا قيل: عبد الله يعرف بأصحابه، وكذلك ابن عباس يعرف بأصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين.\nهذا الحديث فيه: فضل الشهيد، وأنه يحيا حياة برزخية بعد قتله، وأن أرواح الشهداء تتنعم في البرزخ في جوف طير خضر؛ وذلك أن الشهيد لما بذل جسده لله وأبلي جسده عوَّض الله روحه جسدًا آخَرَ تتنعم بواسطته،","vol":"5","page":364},{"text":"وهي حواصل طير خضر؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ».\nوأما المؤمن غير الشهيد فإنه إذا مات تنتقل روحه للجنة، وتتنعم وحدها، وتأخذ شكل طائر، كما جاء في الحديث الآخر عن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ ﵎ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ» (^١)، يعني: يأكل من ثمر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثون.\nوفيه: أن أرواح الشهداء في عيش طيب، فإن الله تعالى يطلع عليهم فيقول لهم: «هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي، وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا».\nوفيه: أنهم تمنوا أن ترد أرواحهم إلى أجسامهم ليُقتلوا في سبيل الله تعالى مرة أخرى حتى يزيد ثوابهم وأجرهم، والله تعالى كتب أن أهلها لا يرجعون.؟ !\nوالشهداء أحياء حياة برزخية بنص القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ فهذا دليل على أنهم أحياء، وليسوا بأموات، ولكنها حياة برزخية خاصة، وليست كالحياة الدنيا.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٥٧٧٨)، والنسائي (٢٠٧٣)، وابن ماجه (٤٢٧١).","vol":"5","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-898>بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ</span>\n\n[١٨٨٨] حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ حَمْزَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «رَجُلٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ اللهَ رَبَّهُ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ».\n[خ: ٢٧٨٦]\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ».\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فَقَالَ: «وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ»، وَلَمْ يَقُلْ: «ثُمَّ رَجُلٌ».\nهذا الحديث فيه: أن أفضل الناس مؤمن يجاهد في سبيل الله بماله ونفسه، وهذه هي التجارة الرابحة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ وهو في أعلى المنازل، ثم «مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ اللهَ رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ»، قال العلماء: إنما يكون هذا في أوقات الفتن والحروب، وانتزاع الخير من المدن والقرى، إذا لم يكن فيها جمعة ولا جماعات، ولا وعظ فيها ولا إرشاد، فمن خاف على نفسه أن يفتن","vol":"5","page":366},{"text":"في دينه فإن له أن ينتقل من المدن والقرى إلى البرية، يعبد الله في شعب من الشعاب، ويتخذ غنمًا، وهذا مثل الحديث الآخر الذي يقول فيه النبي ﷺ: «يُوشِكَ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الرَّجُلِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ، وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ» (^١).\nثم إن من يخالط الناس، ويصبر على آذاهم، أفضل ممن لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم، كما ورد في الحديث (^٢)، وهذا هو طريق الأنبياء، يخالطون الناس، ويصبرون على آذاهم، ويدعون إلى الله، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويعظون الناس ويرشدونهم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩).\n(^٢) أخرجه أحمد (٥٠٢٢)، والترمذي (٢٥٠٧)، وابن ماجه (٤٠٣٢).","vol":"5","page":367},{"text":"[١٨٨٩] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَعْجَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ: رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً، أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ، يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ، أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ، فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ، أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْدِيَةِ، يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ، لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إِلَّا فِي خَيْرٍ».\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، وَيَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي حَازِمٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: عَنْ بَعْجَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَدْرٍ، وَقَالَ: «فِي شِعْبَةٍ مِنْ هَذِهِ الشِّعَابِ» خِلَافَ رِوَايَةِ يَحْيَى.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ بَعْجَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ بَعْجَةَ، وَقَالَ: «فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ».\nقوله: «مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ»، يعني: عيشهم وحياتهم.\nوقوله: «يَطِيرُ»، أي: يسارع.\nوقوله: «عَلَى مَتْنِهِ»، أي: على ظهره.\nوقوله: «هَيْعَةً»، أي: صوت حضور العدو.\nوقوله: «أَوْ فَزْعَةً» الفزعة: النهوض إلى العدو.\nوقوله «يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ»، أي: يطلب الموت في مواطنه التي يرجى فيها؛ لشدة رغبته في الشهادة.","vol":"5","page":368},{"text":"قوله: «فِي غُنَيْمَةٍ» بضم الغين مصغرًا، تصغير غنم، أي: قطعة فيها.\nوقوله: «فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ» الشعفة- بفتح الشين والعين-: أعلى الجبل.\nهذا الحديث فيه: أن هذا الرجل الذي يمسك عنان فرسه، كلما سمع صوت الداعي للجهاد طار على ظهر فرسه، وسارع إلى الجهاد؛ يبتغي بذلك الشهادة.\nومن المسارعة للجهاد في سبيل الله: إعداد العدة، وهذا يختلف باختلاف الأزمنة، ففي أوقات يكون بالخيل، وفي أوقات أخرى يكون بالسلاح، مثل الأسلحة المتطورة الحديثة، ويكون عنده استعداد وإلمام وتمرين، حتى إذا ما دعا داعي الجهاد سارع.\nوأما الرجل الثاني فهو رجل في قطعة غنم في شعف الجبال يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه، ويدع الناس من شره، وهذا في أوقات الفتن كما سبق.\nوفيه: فضيلة الجهاد والرباط والحرص على الشهادة.","vol":"5","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-899>بَابُ بَيَانِ الرَّجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ</span>\n\n[١٨٩٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ»، فَقَالَوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿ فَيُسْتَشْهَدُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى الْقَاتِلِ، فَيُسْلِمُ فَيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿ فَيُسْتَشْهَدُ».\n[خ: ٢٨٢٦]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَضْحَكُ اللهُ لِرَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ»، قَالُوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «يُقْتَلُ هَذَا فَيَلِجُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى الْآخَرِ، فَيَهْدِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَيُسْتَشْهَدُ».\nهذا الحديث فيه: إثبات صفة الضحك لله ﷿، كما يليق بجلاله وعظمته، فالضحك معلوم، ولكن الكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة، وهكذا يقال في جميع الصفات.\nوفيه: أن الله يضحك لهذين الرجلين؛ أحدهما: مسلم، والآخر: كافر، يقتتلان، فيقتل الكافرُ المسلمَ فيموت شهيدًا، ثم يتوب الله على الكافر، ويسلم بعد ذلك، فيقاتل، فيُستشهد، أو يموت على الإسلام، فكِلَاهُمَا يدخل الجنة.","vol":"5","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-900>بَابُ مَنْ قَتَلَ كَافِرًا، ثُمَّ سَدَّدَ</span>\n\n[١٨٩١] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ فِي النَّارِ أَبَدًا».\n\n[١٨٩٤] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ الْهِلَالِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَجْتَمِعَانِ فِي النَّارِ اجْتِمَاعًا يَضُرُّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ»، قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مُؤْمِنٌ قَتَلَ كَافِرًا، ثُمَّ سَدَّدَ».\nهذا الحديث فيه: أنه لا يجتمع المسلم مع الكافر في دركة واحدة؛ لأن دركة العاصي غير دركة الكافر، فالعاصي يعذَّب في الطبقة العليا من النار، ولا تصلاه النار من جميع الجهات، وكذلك: حرم الله على النار أن تأكل وجوه المصلين، وإذا دخل النار يعذب على قدر معاصيه، ثم يخرج منها.\nبخلاف الكافر؛ فإن النار تصلاه من جميع الجهات، في الدركات السفلى من النار.","vol":"5","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-901>بَابُ فَضْلِ الصَّدَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَتَضْعِيفِهَا</span>\n\n[١٨٩٢] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ، فَقَالَ: هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعُمِائَةُ نَاقَةٌ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ زَائِدَةَ. ح وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله: «مَخْطُومَةٌ» الخطام قريب من الزمام، فخطام البعير أن يؤخذ حبل من ليف أو شعر أو كتان فيجعل في أحد طرفيه حلقة ثم يشد فيه الطرف الآخر حتى يصير كالحلقة، ثم يقاد البعير، ثم يثنى على مخطمه. وأما الذي يجعل في الأنف دقيقا فهو الزمام (^١).\nهذا الحديث فيه: فضل النفقة في سبيل الله، وأنها تُضاعف لسبعمائة ضعف، وهذا الحديث كقول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه.\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (٢/ ٥٠).","vol":"5","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-902>بَابُ فَضْلِ إِعَانَةِ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَرْكُوبٍ وَغَيْرِهِ، وَخِلَافَتِهِ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ</span>\n\n[١٨٩٣] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي أُبْدِعَ بِي فَاحْمِلْنِي، فَقَالَ: «مَا عِنْدِي»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا أَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ».\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله: «أُبْدِعَ بِي» وفى بعض النسخ: «بُدّع» بالألف، قال القاضي عياض: هو الصواب، ومعروف اللغة (^١)، والمعنى: انقطع بي السبيل، وهلكت دابتي.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٦/ ٣١٦).","vol":"5","page":373},{"text":"[١٨٩٤] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ فَتًى مِنْ أَسْلَمَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُرِيدُ الْغَزْوَ، وَلَيْسَ مَعِي مَا أَتَجَهَّزُ! قَالَ: «ائْتِ فُلَانًا، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ تَجَهَّزَ فَمَرِضَ»، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: أَعْطِنِي الَّذِي تَجَهَّزْتَ بِهِ، قَالَ: يَا فُلَانَةُ، أَعْطِيهِ الَّذِي تَجَهَّزْتُ بِهِ، وَلَا تَحْبِسِي عَنْهُ شَيْئًا، فَوَاللهِ لَا تَحْبِسِي مِنْهُ شَيْئًا، فَيُبَارَكَ لَكِ فِيهِ.\nهذا الحديث فيه: سرعة امتثال الصحابي ﵁ لأوامر رسول الله ﷺ، وثقته بوعد الله ورسوله.\nوفيه: أن من دل على خير فله مثل أجر فاعله.\n\n[١٨٩٥] وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو الطَّاهِرِ، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، وقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا».\n[خ: ٢٨٤٣]\nحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ فَقَدْ غَزَا».","vol":"5","page":374},{"text":"هذا الحديث فيه: فضل من جهز الغازي أو خلفه في أهله بخير، وأن له مثل أجر الغازي، وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه، فيكون الغازي المجاهد له أجر الجهاد، والذي يجهزه له أجر الجهاد؛ لأنه جاهد بماله، ويجهزه يعني: يعطيه ما يكفيه ليشتري السلاح والمركوب، أو يعطيه نفقة تكفيه، والذي يخلفه في أهله بخير له أجر الغازي- أيضًا- لأن الغازي يحتاج إلى من يخلفه في أهله وأولاده وينفق عليهم ويرعى شؤونهم؛ فالذي يخلفه بخير- يعني: يقوم مقامه- له أجر الغازي.\n\n[١٨٩٦] وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ- مَوْلَى الْمَهْرِيِّ- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي لَحْيَانَ مِنْ هُذَيْلٍ، فَقَالَ: «لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا، وَالْأَجْرُ بَيْنَهُمَا».\nوَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الْوَارِثِ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ عَنْ يَحيَى، حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ- مَوْلَى الْمَهْرِيِّ- حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بَعْثًا بِمَعْنَاهُ، وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ- يَعْنِي: ابْنَ مُوسَى- عَنْ شَيْبَانَ عَنْ يَحيَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقوله: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي لَحْيَانَ مِنْ هُذَيْلٍ»، أي: بعث إليهم بعثًا يغزونهم؛ لكونهم في ذلك الوقت كفارًا.\nوقوله: «وَالْأَجْرُ بَيْنَهُمَا»: هو محمول على ما إذا خلف المقيمُ الغازيَ في أهله بخير، فهو كقوله- في الحديث السابق-: «وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ فَقَدْ غَزَا».","vol":"5","page":375},{"text":"وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ- مَوْلَى الْمَهْرِيِّ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ إِلَى بَنِي لَحْيَانَ: لِيَخْرُجْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ رَجُلٌ، ثُمَّ قَالَ- لِلْقَاعِدِ-: «أَيُّكُمْ خَلَفَ الْخَارِجَ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ بِخَيْرٍ كَانَ لَهُ مِثْلُ نِصْفِ أَجْرِ الْخَارِجِ».\nقوله: «كَانَ لَهُ مِثْلُ نِصْفِ أَجْرِ الْخَارِجِ» المعنى- والله أعلم-: أن الأجر بينهما، كالحديث السابق: «وَالْأَجْرُ بَيْنَهُمَا».","vol":"5","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-903>بَابُ حُرْمَةِ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ، وَإِثْمِ مَنْ خَانَهُمْ فِيهِنَّ</span>\n\n[١٨٩٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْقَاعِدِينَ يَخْلُفُ رَجُلًا مِنَ الْمُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِهِ فَيَخُونُهُ فِيهِمْ إِلَّا وُقِفَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَأْخُذُ مِنْ عَمَلِهِ مَا شَاءَ، فَمَا ظَنُّكُمْ؟ !».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَال- يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ- بِمَعْنَى حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، وَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ قَعْنَبٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فَقَالَ: «فَخُذْ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شِئْتَ»، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «فَمَا ظَنُّكُمْ».\nهذا الحديث فيه: حرمة نساء المجاهدين على القاعدين، وأنه ينبغي للقاعدين أن يحترموا نساء المجاهدين، ولا يتعرضوا لهن بريبة، وأن يحسنوا إليهن.\nوفيه: عظم خيانة المجاهد في أهله، وأن من خان المجاهد في أهله فإنه يوقف له يوم القيامة، ويقال له: خذ من حسناته ما شئت.\nوقوله: «فَمَا ظَنُّكُمْ؟»، يعني: هل يبقي له شيء؟ ! وهذا فيه الوعيد الشديد على هذا الأمر العظيم.\nوفيه: أن حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، أي: كما أن أمهاتكم أشد حرمة عليكم من غيرهن من النساء، فنساء المجاهدين كذلك، وأنه يجب عليكم العناية بنساء المجاهدين مثل ما يجب عليكم","vol":"5","page":377},{"text":"العناية بأمهاتكم.\nوكيف يليق بالمسلم الذي ذهب أخوه للجهاد في سبيل الله؛ لإعلاء كلمة الله، والدفاع عن حوزة الإسلام أن يخونه في أهله، هذه خيانة عظيمة؟ !","vol":"5","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-904>بَابُ سُقُوطِ فَرْضِ الْجِهَادِ عَنِ الْمَعْذُورِينَ</span>\n\n[١٨٩٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: أَنَّهُ سَمِعَ الْبَرَاءَ يَقُولُ- فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ -: فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْدًا، فَجَاءَ بِكَتِفٍ يَكْتُبُهَا، فَشَكَا إِلَيْهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ضَرَارَتَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.\nقَالَ شُعْبَةُ: وَأَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ رَجُلٍ: عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، بِمِثْلِ حَدِيثِ الْبَرَاءِ، وقَالَ ابْنُ بَشَّار فِي رِوَايَتِهِ: سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.\n[خ: ٢٨٣١]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كَلَّمَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَنَزَلَتْ: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ.\nهذا الحديث فيه: فضل المجاهدين، وأن الأعمى ممن عذرهم الله في التخلف عن الجهاد مع رسول الله ﷺ، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ وفي الآية الأخرى قيد: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.\nوفيه: أن المعذور يُعطَى الأجر بنيته إذا نصح لله ورسوله، كما في الحديث الآخر: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا","vol":"5","page":379},{"text":"مَعَكُمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ ! قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ» (^١).\nوفي لفظ: «إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ» وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي رَهْطٍ من الأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: «وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، قَالَ: فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِإِبِلٍ فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا- أَوْ: قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ- لَا يُبَارِكُ اللهُ لَنَا، أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا فَأَتَوْهُ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ حَمَلَكُمْ، وَإِنِّي وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، ثُمَّ أَرَى خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» (^٢)، وأنزل الله فيهم هذه الآية: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَاّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾.\nوكل عمل لا يستطيع الإنسان أداءه فله مثل أجر من عمله، إذا كان ناصحًا لله ورسوله، وكان قد بَذَل الأسباب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤٢٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣١٣٣)، ومسلم (١٦٤٩).","vol":"5","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-905>بَابُ ثُبُوتِ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ</span>\n\n[١٨٩٩] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ- وَاللَّفْظُ لِسَعِيد- أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: أَيْنَ أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ قُتِلْتُ؟ قَالَ: «فِي الْجَنَّةِ»، فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ كُنَّ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلُ.\nوَفِي حَدِيثِ سُوَيْدٍ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ.\n[خ: ٤٠٤٦]\n\n[١٩٠٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ زَكَرِيَّاءَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّبِيتِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ الْمِصِّيصِيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى- يَعْنِي: ابْنَ يُونُسَ- عَنْ زَكَرِيَّاءَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّبِيتِ قَبِيلٍ من الأَنْصَارِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَمِلَ هَذَا يَسِيرًا، وَأُجِرَ كَثِيرًا».\nقوله: «جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّبِيتِ» بنو النبيت: قبيلة من الأنصار.\nهذا الحديث فيه: أن هذا الصحابي قد أسلم في الحال، ثم جاهد، ثم استشهد، وهذا هو العمل اليسير.","vol":"5","page":381},{"text":"[١٩٠١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ- وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ- قَالُوا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- وَهُوَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ- عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بُسَيْسَةَ عَيْنًا يَنْظُرُ مَا صَنَعَتْ عِيرُ أَبِي سُفْيَانَ، فَجَاءَ وَمَا فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا أَدْرِي مَا اسْتَثْنَى بَعْضَ نِسَائِهِ، قَالَ: فَحَدَّثَهُ الْحَدِيثَ قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَتَكَلَّمَ، فَقَالَ: «إِنَّ لَنَا طَلِبَةً، فَمَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا، فَلْيَرْكَبْ مَعَنَا»، فَجَعَلَ رِجَالٌ يَسْتَأْذِنُونَهُ فِي ظُهْرَانِهِمْ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: «لَا، إِلَّا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا»، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَصْحَابُهُ حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ، وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يُقَدِّمَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ»، فَدَنَا الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ»، قَالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ! قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: بَخٍ بَخٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ: بَخٍ بَخٍ؟»، قَالَ: لَا وَاللهِ- يَا رَسُولَ اللهِ- إِلَّا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ:\n«فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا»، فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ.\nقوله: «عَيْنًا»، أي: متجسسًا ورقيبًا.\nوقوله: «إِنَّ لَنَا طَلِبَةً» - بفتح الطاء وكسر اللام-، أي: شيئًا تطلبه.\nوقوله: «ظُهْرَانِهِمْ» - بضم الظاء وإسكان الهاء-: مركوباتهم.\nوقوله: «بَخٍ بَخٍ» كلمة تقال لتفخيم الأمر وتعظيمه في الخير.","vol":"5","page":382},{"text":"وقوله: «فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ» القرن: الجعبة.\nهذا الحديث فيه: مشروعية بعث العيون والجواسيس؛ لمعرفة أخبار العدو.\nوفيه: أن الإمام قد يوري في الغزوة حتى لا يعلم الأعداء بأمره.\nوفيه: طلب الشهادة والشوق إلى لقاء الله إذا قوي الإيمان.\nوفيه: أنه لا بأس من الانغماس في صفوف الأعداء في وقت القتال، ولو أدى ذلك إلى شهادته، وأن هذا لا يعتبر من إلقاء النفس في التهلكة، واستدل به بعض المعاصرين على مشروعية الأعمال الانتحارية، بأن ينغمس أحدهم في الكفار ويفجر نفسه! وهذا فيه نظر؛ لأن عمير بن الحمام ﵁ لم يتعمد قتل نفسه، وإنما قتله الكفار، وكذلك الصحابة الذين شاركوا في غزو الروم لما جاء رجل ودخل في صف الكفار، وقالوا: «سُبْحَانَ اللهِ يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ هَذَا التَّأْوِيلَ» (^١).\n\n[١٩٠٢] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى التَّمِيمِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا، وقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي- وَهُوَ بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ- يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ»، فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، آنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ، ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ، فَأَلْقَاهُ، ثُمَّ مَشَى بِسَيْفِهِ إِلَى الْعَدُوِّ، فَضَرَبَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٥١٢)، والترمذي (٢٩٧٢).","vol":"5","page":383},{"text":"قوله: «أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ»، يعني: أودعكم؛ فلعلي لا ألقاكم.\nوقوله: «كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ» جفن السيف: غِمده، ومن كسر جفن السيف في هذا الموطن فكأنه يقول بلسان حاله إني داخل للمعركة غير خارج منها إلا بنصر أو شهادة، وفيه ما فيه من تشجيع للمجاهدين وتخويف للأعداء وإرهابهم.\n\n[٦٧٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَوا: أَنِ ابْعَثْ مَعَنَا رِجَالًا يُعَلِّمُونَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلًا من الأَنْصَارِ- يُقَالُ لَهُمُ الْقُرَّاءُ- فِيهِمْ خَالِي حَرَامٌ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَدَارَسُونَ بِاللَّيْلِ يَتَعَلَّمُونَ، وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بِالْمَاءِ فَيَضَعُونَهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَحْتَطِبُونَ، فَيَبِيعُونَهُ، وَيَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لِأَهْلِ الصُّفَّةِ وَلِلْفُقَرَاءِ، فَبَعَثَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَعَرَضُوا لَهُمْ، فَقَتَلُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا الْمَكَانَ، فَقَالَوا: اللهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا: أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ، وَرَضِيتَ عَنَّا، قَالَ: وَأَتَى رَجُلٌ حَرَامًا- خَالَ أَنَسٍ- مِنْ خَلْفِهِ، فَطَعَنَهُ بِرُمْحٍ حَتَّى أَنْفَذَهُ، فَقَالَ حَرَامٌ: فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ- لِأَصْحَابِهِ-: «إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ قُتِلُوا، وَإِنَّهُمْ قَالُوا: اللهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا: أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ، وَرَضِيتَ عَنَّا».\n\n[١٩٠٣] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: عَمِّيَ الَّذِي سُمِّيتُ بِهِ لَمْ يَشْهَدْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَدْرًا، قَالَ: فَشَقَّ عَلَيْهِ، قَالَ: أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ غُيِّبْتُ عَنْهُ، وَإِنْ أَرَانِيَ اللهُ مَشْهَدًا- فِيمَا بَعْدُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ- لَيَرَانِي اللهُ مَا أَصْنَعُ، قَالَ: فَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا، قَالَ: فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ: يَا أَبَا عَمْرٍ، وَأَيْنَ؟ فَقَالَ: وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ، قَالَ: فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ، قَالَ:","vol":"5","page":384},{"text":"فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ، مِنْ بَيْنِ ضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ، قَالَ: فَقَالَتْ أُخْتُهُ- عَمَّتِيَ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ-: فَمَا عَرَفْتُ أَخِي إِلَّا بِبَنَانِهِ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾، قَالَ: فَكَانُوا يُرَوْنَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ، وَفِي أَصْحَابِهِ.\nقوله: «فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ»، يعني: فزت بالشهادة والجنة.\nوهذا الحديث فيه: فضل الشهداء، وأنهم في الجنة مرضيٌّ عنهم.","vol":"5","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-906>بَابُ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ</span>\n\n[١٩٠٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: أَنَّ رَجُلًا أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ أَعْلَى فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ».\n[خ: ٢٨١٠]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ».\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، الرَّجُلُ يُقَاتِلُ مِنَّا شَجَاعَةً، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.\nقوله: «الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً»، أي: لأنه يحب القتال لشجاعته، ولا يقاتل في سبيل الله.","vol":"5","page":386},{"text":"وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿، فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ، وَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا، فَقَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ».\n[خ: ١٢٣]\nفي هذه الأحاديث: فضل الإخلاص لله ﷿ عامة، وفي الجهاد خاصة، وأن الأعمال لا تكون مقبولة عند الله إلا بالإخلاص، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وذلك دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ والإخلاص هو: قصد الإنسان بعبادته وجه الله والدار الآخرة، لا يقصد رياء ولا سمعة ولا حمية، ولا دنيا ولا جاهًا ولا منصبًا، ولا أي مقصد آخر، فإذا تخلف الإخلاص حل محله الشرك.\nوثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (^١)، وفي الصحيحين- أيضًا- من حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (^٢)، وفي لفظ لمسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (^٣).\nأما القتال للدفاع عن الوطن، وعن النفس وعن الأهل، وعن المال، فإن المقتول في ذلك شهيد، لكنه ليس كشهيد المعركة الذي يُدفن في ثيابه، ولا يغسل ولا يُصلَّى عليه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٧١٨).","vol":"5","page":387},{"text":"فالمقتول للدفاع عن الوطن شهيد في الفضل والأجر؛ لذلك يُغسَّل وُيصلَّى عليه، وكذلك الشهداء الآخَرون، كالمبطون، والغريق، والحريق، والمقتول ظلمًا دفاعًا عن نفسه، أو أهله، أو بلده، أو وطنه، هؤلاء كلهم شهداء في الفضل والأجر.","vol":"5","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-907>بَابُ مَنْ قَاتَلَ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ اسْتَحَقَّ النَّارَ</span>\n\n[١٩٠٥] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ لَهُ نَاتِلُ أَهْلِ الشَّامِ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ: رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ».\nوَحَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: تَفَرَّجَ النَّاسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ لَهُ نَاتِلٌ الشَّامِيُّ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ.","vol":"5","page":389},{"text":"قوله: «تَفَرَّجَ النَّاسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة»، أي: تفرقوا بعد اجتماعهم.\nهذا الحديث فيه: بيان عظم شأن الإخلاص، وأنه لا بد منه حتى يكون العمل مقبولًا، وفيه: دليل على أن الرياء محبطٌ للأعمال، ومن أسباب دخول النار.\nوفيه: دليل على أن الفضل الوارد في المجاهدين، وفي العلماء، وفي غيرهم إنما هو للمخلصين الذين أخلصوا أعمالهم لله، أما المجاهدون الذين يجاهدون رياءً، وكذلك القراء والعلماء الذين يقرؤون ويتعلمون رياءً، وكذلك المنفقون الذين ينفقون في وجوه الخيرات رياءً- فإن أعمالهم حابطَة، وهم على خطر من دخول النار.","vol":"5","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-908>بَابُ بَيَانِ قَدْرِ ثَوَابِ مَنْ غَزَا فَغَنِمَ، وَمَنْ لَمْ يَغْنَمْ</span>\n\n[١٩٠٦] حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِي هَانِئٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الْآخِرَةِ، وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ، وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ».\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلَّا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلَّا تَمَّ أُجُورُهُمْ».\nهذا الحديث فيه: فضل السرية إذا غزت، وأخفقت ولم تغنم، فإن أجرهم وثوابهم كامل عند الله ﵎، وهذا فيه تعزية لمن أصيب من المجاهدين.\nوفيه: أنهم إذا غنموا وسلموا تعجلوا ثلثي أجرهم.\nومن ثم آثر كثير من السلف قلة المال وقنعوا به إما ليتوفر لهم ثوابهم في الآخرة وإما ليكون أقل لحسابهم عليه (^١).\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (١١/ ٢٧٨).","vol":"5","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-909>بَابُ قَوْلِهِ ﷺ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَعْمَالِ</span>\n\n[١٩٠٧] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».\n[خ: ٦٦٨٩]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ ابْنُ زَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: الثَّقَفِيَّ-.ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ- يَعْنِي: ابْنَ غِيَاثٍ- وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِإِسْنَادِ مَالِكٍ وَمَعْنَى حَدِيثِهِ، وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِنْبَرِ يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nهذا حديث عظيم، وهو أصل في النية والإخلاص، حتى قال الشافعي ﵀: «يدخل في حديث الأعمال بالنيات ثلث العلم» (^١)، وقال بعضهم: «إنه ثلث الإسلام» (^٢)، وقال بعضهم: «إنه ربع الإسلام» (^٣)، وقال\n_________\n(^١) السنن الكبرى، للبيهقي (٢/ ٢٣).\n(^٢) عمدة القاري، للعينى (١/ ٢٩٩).\n(^٣) طرح التثريب، للعراقي (٢/ ٦).","vol":"5","page":392},{"text":"عبد الرحمن بن المهدي: «ينبغي أن نضع هذا الحديث في كل باب» (^١).\nوهذا الحديث تلقته الأمة بالقبول، وأجمع العلماء على صحته، مع أنه حديث صحيح غريب، ما رواه عن النبي ﷺ إلا عمر بن الخطاب، ولا رواه عن عمر بن الخطاب إلا علقمة بن وقاص الليثي، ولا رواه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولا رواه عن محمد بن إبراهيم التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم انتشر بعد يحيى بن سعيد الأنصاري، ورواه عنه ما يقرب من مائتي إنسان.\nقوله: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ»، أي: لا عمل إلا بالنية.\nثم مثَّل النبي ﷺ بعملين؛ أحدهما: مبني على النية الخالصة، والثاني: مبني على إرادة الدنيا، فَقَالَ: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»، يعني: من كان يقصد بهجرته الله والدار الآخرة فله أجر الهجرة، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو أمرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه.\nوهذا الحديث فيه: بيان أن المجاهد ينبغي له أن يقصد في جهاده وجه الله والدار الآخرة وإعلاء كلمة الله.\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٣/ ٢٣٢).","vol":"5","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-910>بَابُ اسْتِحْبَابِ طَلَبِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى</span>\n\n[١٩٠٨] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ».\n\n[١٩٠٩] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ- قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ حَرْمَلَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو شُرَيْحٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ».\nوَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو الطَّاهِرِ فِي حَدِيثِهِ: «بِصِدْقٍ».\nهذا الحديث فيه: فضل طلب الشهادة بصدق، وأن من طلب الشهادة بصدق ثم مات على فراشه كتب الله له أجر الشهيد، وهذا الفضل مقيد بأن يسعى بصدق في طلب الشهادة، فمن كان هذا شأنه فإن الله سبحانه يبلغه منازل الشهداء، وإن مات على فراشه.","vol":"5","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-911>بَابُ ذَمِّ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ</span>\n\n[١٩١٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ الْأَنْطَاكِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ وُهَيْبٍ الْمَكِّيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ- مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ».\nقَالَ ابْنُ سَهْمٍ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: فَنُرَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.\nقوله: «فَنُرَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ» هذا التقييد من عبد الله بن المبارك اجتهاد منه ﵀.\nأما كون هذا الحديث خاصًّا بمن كان على عهد الرسول ﷺ ففيه نظر، والصواب: أنه عام في كل زمان وعهد، وأن من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق.\nفينبغي على الإنسان أن يكون على استعداد لجهاد الكفار والمشركين، وأن يتهيأ لذلك، بحيث يحدث به نفسه، ويكون له على بال، فإذا حصلت فرصةٌ جاهد في سبيل الله؛ حتى لا يكون من المعرضين المتخلفين عن الجهاد كالمنافقين.","vol":"5","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-912>بَابُ ثَوَابِ مَنْ حَبَسَهُ عَنِ الْغَزْوِ مَرَضٌ، أَوْ عُذْرٌ آخَرُ</span>\n\n[١٩١١] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَقَالَ: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ».\nوَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: «إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ».\nقوله: «شَرِكُوكُمْ» - بكسر الراء-، بمعنى: شاركوكم.\nهذا الحديث فيه: أن الإنسان إذا أراد العمل الصالح ومنعه منه مانع فإنه يحصل له الأجر بنيته، والدليل على ذلك: حديث أبي موسى: «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» (^١)، يعني: من كان يصلي في الليل ثم مرض ولم يستطع القيام فإن الله يكتب له في مدة مرضه أجر صلاته التي لم يصلها، ومن كان يصوم الاثنين والخميس ثم مرض ولم يستطع صومهما لمرض، أو سفر فإن الله يكتب له أجر الصوم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩٩٦).","vol":"5","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-913>بَابُ فَضْلِ الْغَزْوِ فِي الْبَحْرِ</span>\n\n[١٩١٢] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ، ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ- أَوْ: مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ»، يَشُكُّ أَيَّهُمَا قَالَ- قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ» - كَمَا قَالَ فِي الْأُولَى- قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: «أَنْتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ»، فَرَكِبَتْ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ الْبَحْرَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، فَهَلَكَتْ.\n[خ: ٢٧٨٩]\nحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَحيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أُمِّ حَرَامٍ- وَهِيَ خَالَةُ أَنَسٍ- قَالَتْ: أَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ عِنْدَنَا، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ- بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي-؟ قَالَ: «أُرِيتُ قَوْمًا مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ ظَهْرَ الْبَحْرِ كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ»، فَقُلْتُ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: «فَإِنَّكِ مِنْهُمْ»، قَالَتْ: ثُمَّ نَامَ، فَاسْتَيْقَظَ- أَيْضًا- وَهُوَ يَضْحَكُ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَقُلْتُ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: «أَنْتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ»، قَالَ: فَتَزَوَّجَهَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بَعْدُ","vol":"5","page":397},{"text":"فَغَزَا فِي الْبَحْرِ، فَحَمَلَهَا مَعَهُ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ قُرِّبَتْ لَهَا بَغْلَةٌ، فَرَكِبَتْهَا، فَصَرَعَتْهَا، فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا.\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، وَيَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ حَبَّانَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ خَالَتِهِ- أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ- أَنَّهَا قَالَتْ: نَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا قَرِيبًا مِنِّي، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَتَبَسَّمُ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَضْحَكَكَ؟ قَالَ: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ يَرْكَبُونَ ظَهْرَ هَذَا الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ»، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ.\nوَحَدَّثَنِي يَحيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ابْنَةَ مِلْحَانَ- خَالَةَ أَنَسٍ- فَوَضَعَ رَأْسَهُ عِنْدَهَا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحيَى بْنِ حَبَّانَ.\nهذا الحديث فيه: أن أم حرام بنت ملحان كان بينها وبين النبي الله ﷺ محرمية، قال النووي ﵀: «اتفق العلماء على أنها كانت محرما له ﷺ، واختلفوا فى كيفية ذلك، فَقَالَ بن عبد البر وغيره: كانت إحدى خالاته من الرضاعة (^١)، وقال آخرون: بل كانت خالة لأبيه أو لجده لأن عبد المطلب كانت أمه من بني النجار» (^٢).\nقلت: وهذا أولى ممن قال: إنها ليست محرمًا له، وأن هذا خاص بالنبي ﷺ أنه يدخل على غير محارمه، وهذا ليس بشيء.\nوفيه: دليل على أن المحرم يدخل على محرمه وتفلي رأسه وتطعمه ويخلو بها، والنبي ﷺ كغيره في ذلك.\n_________\n(^١) التمهيد، لابن عبد البر (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٣/ ٥٨).","vol":"5","page":398},{"text":"وفيه: عَلَم من أعلام النبوة؛ حيث أخبر النبي ﷺ: أن أُمَّ حَرَامٍ ستكون من الذين يركبون البحر كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ فكانت منهم.\nوفيه: جواز ركوب البحر للرجال والنساء.\nوفيه: أن المجاهد إذا خرج للجهاد ثم مات في الطريق- ذهابًا أو إيابًا- فهو في سبيل الله، كما في قصة أم حرام؛ فإنها لما رجعت سقطت من دابتها، فصرعتها دابتها فماتت، فاعتبرها النبي ﷺ من الغزاة المجاهدين الأولين، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.\nوفيه: أن المرأة إذا خرجت فإنها لا تباشر القتال، كما سبق في الأحاديث، وإنما تكون مع الغزاة تطعمهم وتسقيهم، وتداوي الجرحى.\nوفيه: حرص أُمِّ حرام ﵂ على الخير.","vol":"5","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-914>بَابُ فَضْلِ الرِّبَاطِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿</span>\n\n[١٩١٣] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ- يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ- عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ».\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ عَنْ سَلْمَانَ الْخَيْرِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى.\nقوله: «وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ»: موافق لقول الله تعالى في الشهداء: ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾، والأحاديث السابقة أن أرواح الشهداء تأكل من ثمار الجنة (^١).\nهذا الحديث فيه: فضل الرباط في سبيل الله، والرباط هو: الإقامة على الحدود لصد الأعداء، وهذا فيه فضل عظيم؛ لأن المرابط يتصدى للأعداء ولهجماتهم وضرباتهم.\nوفيه: أن كل واحد يموت يُسأل في قبره ويفتن، ففي الحديث يقول النبي ﷺ: «فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ» (^٢)، لكن المرابط إذا مات أُمن من فتان القبر.\nوفيه: أن عمل المرابط لا ينقطع بعد موته.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٣/ ٦١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٦).","vol":"5","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-915>بَابُ بَيَانِ الشُّهَدَاءِ</span>\n\n[١٩١٤] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ»، وَقَالَ: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿».\n[خ: ٦٥٢]\n\n[١٩١٥] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، قَالَ: «إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ»، قَالُوا: فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ».\nقَالَ ابْنُ مِقْسَمٍ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِيكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ: «وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ».\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ سُهَيْلٌ: قَالَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مِقْسَمٍ: أَشْهَدُ عَلَى أَخِيكَ أَنَّهُ زَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «وَمَنْ غَرِقَ فَهُوَ شَهِيدٌ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَفِي حَدِيثِهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مِقْسَمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَزَادَ فِيهِ: «وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ».\n\n[١٩١٦] حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ- يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ- حَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ قَالَتْ: قَالَ لِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: بِمَ مَاتَ يَحيَى بْنُ أَبِي عَمْرَةَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: بِالطَّاعُونِ، قَالَتْ:","vol":"5","page":401},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ».\n[خ: ٢٨٣٠]\nوَحَدَّثَنَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عَاصِمٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ.\nهذا الحديث فيه: فضل إماطة الأذى عن الطريق وأن ذلك قد يكون سببًا في دخول الجنة، وهو شعبة من شعب الإيمان، كما في الحديث المشهور: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» (^١).\nوفيه: أن الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، فهؤلاء شهداء في الفضل والأجر والثواب، لكنهم يُغَسَّلون ويُصلَّى عليهم ويُدفنون في مقابر المسلمين.\nأما شهيد المعركة في ساحة الجهاد فإنه لا يُغَسَّل ولا يُصَلَّى عليه، بل يُدفن في ثيابه.\nوأما من مات في سبيل الله- يعني: بدون قتال- فإنه يغسل، كما جاء في قصة أم حرام بنت ملحان عندما خرجت في كتيبة المعركة، ثم صرعتها دابتها فماتت، فاعتبرت شهيدة في سبيل الله، لكنها غُسِّلتْ وصُلِّي عليها.\nومن الشهداء:\nالمطعون: وهو الذي يموت بالطاعون، ويسمونه في اللغة الأجنبية: «الكوليرا»، وهو مرض يخرج في مراق اللحم، ويحصل معه إسهال وترجيع في وقت واحد.\nالمبطون: وهو الذي مات بداء البطن.\nالغريق: وهو الذي يموت غريقًا في الماء.\nصاحب الهدم: وهو الذي يسقط عليه جدار، أو بيت فيموت، قال شيخنا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: «والشهداء أقسام\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٥).","vol":"5","page":402},{"text":"لكن أفضلهم شهيد المعركة في سبيل الله ﷿، ومنهم المطعون، الموت بالطاعون، والمبطون الذي يموت بالإسهال في البطن، وصاحب الهدم الذي يموت بالهدم، يسقط عليه جدار أو سقف، وفي حكمه من يموت بدهس السيارات، وانقلاب السيارات، وصدام السيارات، هذا من جنس الهدم» (^١)، وجاء في الحديث الآخر: «الشَّهَادَةُ سَبْعٌ- سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللهِ-: الْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجَمْعٍ شَهِيدٌ» (^٢).\nوصاحب ذات الجنب، أي: من يموت بذات الجنب، وهي قروح تكون في الجنب يموت منها الإنسان، والمرأة تموت بِجَمْعٍ، وهي المرأة تكون حاملًا جامعة في بطنها ولدها فتموت، وصاحب الحريق وهو من يموت بالنار.\nوجاء في الحديث الآخر: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (^٣)، وجاء كذلك: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ، أَوْ دُونَ دَمِهِ، أَوْ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (^٤)، كما جاء- أيضًا-: «وَمَنْ قُتِلَ فِي ذَاتِ اللهِ ظُلْمًا، فَهُوَ شَهِيدٌ» (^٥)، كل هؤلاء شهداء في الفضل والأجر، ولكنهم ليسوا كشهيد المعركة؛ فإنهم يُغسلون ويُصَلَّى عليهم.\n_________\n(^١) فتاوى نور على الدرب، لابن باز (٤/ ٣٣٨).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٣٧٥٣)، وأبو داود (٣١١١)، والنسائي في الكبرى (١٩٨٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٤٨٠)، ومسلم (١٤١).\n(^٤) أخرجه أحمد (١٦٥٢)، وأبو داود (٤٧٧٢)، والترمذي (١٤٢١)، والنسائي (٤٠٩٤).\n(^٥) أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ١٥٧).","vol":"5","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-916>بَابُ فَضْلِ الرَّمْيِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، وَذَمِّ مَنْ عَلِمَهُ، ثُمَّ نَسِيَهُ</span>\n\n[١٩١٧] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ ثُمَامَةَ بْنِ شُفَيٍّ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِر يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ- وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ- يَقُولُ: «﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ».\nهذا الحديث فيه تفسير للقوة المذكورة في الآية بأنها الرمي، وهذا من جوامع كلمه ﷺ.\nوالرمي عام يشمل الرمي بالمدفع، أو بالمنجنيق، أو بالقنبلة، وسائر أنواع السلاح التي يُرمَى بها في كل عصر وزمن.\nوأحسن طرق التفسير: أن يُفَسَّر القرآن بالقرآن، ثم أن يُفَسَّر القرآن بالحديث، كما فسر النبي ﷺ الظلم بالشرك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٦٠)، ومسلم (١٢٤).","vol":"5","page":404},{"text":"[١٩١٨] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرَضُونَ، وَيَكْفِيكُمُ اللهُ، فَلَا يَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ».\nوَحَدَّثَنَاهُ دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nهذا الحديث فيه: أن اللهو بالأسهم له فضل عظيم؛ لما فيه من التدريب والتمرين على الرماية، ولما فيه من الاستعداد للجهاد في سبيل الله، فينبغي للإنسان أن يكون على استعداد للتدريب المستمر على أنواع الأسلحة الموجودة في كل زمان؛ حتى يستعد لجهاد الكفار والمشركين إذا دعا ولي الأمر إلى النفير العام.\nوفيه: فضل الرمي والمناضلة بنية الجهاد والإعداد له.\n\n[١٩١٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ: أَنَّ فُقَيْمًا اللَّخْمِيَّ قَالَ- لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ-: تَخْتَلِفُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْغَرَضَيْنِ، وَأَنْتَ كَبِيرٌ يَشُقُّ عَلَيْكَ، قَالَ عُقْبَةُ: لَوْلَا كَلَامٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَمْ أُعَانِيهِ، قَالَ الْحَارِثُ: فَقُلْتُ- لِابْنِ شَمَاسَةَ-: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: إِنَّهُ قَالَ: «مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ، ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا- أَوْ: قَدْ عَصَى».\nهذا الحديث فيه: أن عقبة بن عامر كان كبير السن، وكان مع ذلك","vol":"5","page":405},{"text":"يختلف بين غرضين يتمرن على السلاح، فقيل له: أنت كبير وتتمرن؟ ! فاستدل بالحديث الوارد في الوعيد على أن «مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ، ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا- أَوْ: قَدْ عَصَى» وهذا معناه: أن تركه من الكبائر.","vol":"5","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-917>بَابُ قَوْلِهِ ﷺ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ</span>\n\n[١٩٢٠] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ».\nوَلَيْسَ فِي حَدِيثِ قُتَيْبَةَ: «وَهُمْ كَذَلِكَ».\n\n[١٩٢١] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَعَبْدَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا مَرْوَانُ- يَعْنِي: الْفَزَارِيَّ- عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَنْ يَزَالَ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ».\n[خ: ٣٦٤٠]\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَرْوَانَ سَوَاءً.\n\n[١٩٢٢] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا يُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ».\n\n[١٩٢٣] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».","vol":"5","page":407},{"text":"قوله: «أَمْرُ اللهِ» الريح الطيبة التي تأتي فتقبض أرواح المؤمنين والمؤمنات قرب قيام الساعة، كما جاء في الحديث: «إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ رِيحًا من اليَمَنِ، أَلْيَنَ مِنَ الْحَرِيرِ، فَلَا تَدَعُ أَحَدًا فِي قَلْبِهِ» - قَالَ أَبُو عَلْقَمَةَ-: «مِثْقَالُ حَبَّةٍ» - وقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ-: «مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ» (^١)، وجاء في غيره: «ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّأْمِ» (^٢)، وجاء أنها لا تترك أحدًا من المؤمنين، ففي الحديث: «حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ» (^٣).\nوذلك حتى لا يبقى في الأرض إلا الكفرة شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة.\nوقوله: «ظَاهِرِينَ» أنهم ظاهرون بالحجة والبيان، وقد يكونون ظاهرين بالسيف والسنان.\nهذا الحديث فيه: بشارة لهذه الأمة بأن الخير لا يزال فيها، وأنه لا ينزع منها إلا قرب قيام الساعة، ووقتَئذٍ لا يبقى إلا الكفرة، وذلك إذا قُبضت أرواح المؤمنين والمؤمنات في آخر الزمان.\nوهذا الحديث رواه عدد من الصحابة، منهم: ثوبان، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن سمرة، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم أجمعين.\nوالطائفة الظاهرة هم: أهل السنة والجماعة، وهم الطائفة المنصورة، وهم أهل الحق، وهم أهل الحديث العاملون به، قال الإمام أحمد ﵀: «إِنْ لَمْ يَكُونُوا أَصْحَابَ الْحَدِيثِ فَلا أَدْرِي مَنْ هُمْ؟» (^٤) فكل من استقام على شرع الله ودينه وترسَّم خطى النبي ﷺ وأصحابه فهو من الطائفة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٤٠).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٩٤٠).\n(^٤) أخرجه الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث (ص ٢٤).","vol":"5","page":408},{"text":"المنصورة في الدنيا، السالمة من عذاب النار يوم القيامة، كما في الحديث الآخر: «افْتَرَقَتْ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَافْتَرَقَتْ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: الْجَمَاعَةُ» (^١).\nقال النووي: «قلت ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون ومنهم فقهاء ومنهم محدثون ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة فإن هذا الوصف ما زال بحمد الله تعالى من زمن النبي ﷺ إلى الآن ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٩٩٢)، والطبراني في الكبير (١٢٩).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٣/ ٦٧).","vol":"5","page":409},{"text":"[١٠٣٧] حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ أَنَّ عُمَيْرَ بْنَ هَانِئٍ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ».\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ- وَهُوَ ابْنُ بُرْقَانَ- حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ذَكَرَ حَدِيثًا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ أَسْمَعْهُ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مِنْبَرِهِ حَدِيثًا غَيْرَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَلَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».\nهذا الحديث فيه: بشارة، وهي أن من أراد الله به خيرًا فقهه الله في الدين.\nقال العلماء: هذا الحديث له منطوق ومفهوم، فمنطوقه: أن من فقَّهه الله في الدين فقد أراد الله به خيرًا، ومفهومه: أن من لم يفقِّهه الله في الدين لم يرد به خيرًا، وفي حديث آخر: «أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرُ اللهِ وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمٌ، أَوْ مُتَعَلِّمٌ» (^١) وملعونة يعني: مذمومة.\nوالعصابة المذكورة في الحديث قد تكون كثيرة، وقد تكون قليلة، وتختلف باختلاف الأوقات والأزمان والأحوال.\nوقال بعضهم: إن هذه الطائفة قد تتنقل، فليس لها مكان معين، قد يكون بعضها في الشام، كما جاء في الحديث- كما سبق- أنها في الشام، فهذا المراد به: أنه في بعض الأزمان، وقد تكون في الحجاز، وقد تكون في\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٣٢٢)، وابن ماجه (٤١١٢).","vol":"5","page":410},{"text":"نجد، وقد تكون في مصر، وقد تكون في أي مكان، وقد تكون مفرقة؛ بعضها هنا، وبعضها هناك.\n\n[١٩٢٤] حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيُّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مَسْلَمَةَ بْنِ مُخَلَّدٍ، وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ، هُمْ شَرٌّ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَدْعُونَ اللهَ بِشَيْءٍ إِلَّا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، فَقَالَ لَهُ مَسْلَمَةُ: يَا عُقْبَةُ، اسْمَعْ مَا يَقُولُ عَبْدُ اللهِ، فَقَالَ عُقْبَةُ: هُوَ أَعْلَمُ، وَأَمَّا أَنَا فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللهِ قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَجَلْ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا كَرِيحِ الْمِسْكِ مَسُّهَا مَسُّ الْحَرِيرِ، فَلَا تَتْرُكُ نَفْسًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا قَبَضَتْهُ، ثُمَّ يَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ عَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ».\nهذا الحديث فيه: أن شرار الخلق الذين تقوم عليهم الساعة قوم يعبدون الأصنام والأوثان بعد قبض أرواح المؤمنين والمؤمنات، وهم في ذلك حسنةٌ أرزاقُهم، دارَّةٌ عيشتُهم، ويتسافدون- يُجامِع ذكورُهم إناثَهم- في الشوارع، فتعم الفواحش، وذلك بكفرهم وضلالهم، وفي الحديث الآخر: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ: مَنْ تُدْرِكُهُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَمَنْ يَتَّخِذُ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ» (^١).\nوقوله: «قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ»، أي: يقهرونه لا بالسلاح، وإنما يقهرونه بالحجة والبيان والبرهان والظهور، وقبول الناس للحق الذي يبينونه لهم،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٠٤١٣)، والطبراني في الكبير (٣٨٤٤).","vol":"5","page":411},{"text":"وهذا يعتبر قهرًا للأعداء.\nوقوله: «ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا كَرِيحِ الْمِسْكِ مَسُّهَا مَسُّ الْحَرِيرِ»، يعني: هذه الريح رائحتها طيبة، ومسها مس الحرير، ولا تؤذي، وتكون راحة للمؤمنين.\nوهذا يقع في آخر الزمان، بعد خروج الدجال، وبعد المهدي، وبعد يأجوج ومأجوج، وينزل عيسى ﵇ يحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ، ويسلَّط المسلمون على اليهود ويقتلونهم قتلًا ذريعًا، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر فيتكلم الحجر، ويخبر باليهودي الذي اختفى وراءه، ففي الحديث: «تُقَاتِلُونَ الْيَهُودَ حَتَّى يَخْتَبِيَ أَحَدُهُمْ وَرَاءَ الْحَجَرِ، فَيَقُولُ: يَا عَبْدَ اللهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ» (^١).\n\n[١٩٢٥] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ».\nهذا الحديث فيه: أن أهل الغرب- في هذه الرواية- المراد بهم: العرب، وسموا أهل الغرب لملازمتهم الغرب، وهو جلد البعير الذي يُستخرج به الماء على الإبل، وقيل: المراد بهم: أهل الشام، أو بيت المقدس، وقيل غير ذلك، لكن الأقرب: أنهم العرب.\nوهذه بشارة أن الحق يبقى في العرب، ويكون معهم- أيضًا- أهل الحق من العجم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩٢٥)، ومسلم (٢٩٢١).","vol":"5","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-918>بَابُ مُرَاعَاةِ مَصْلَحَةِ الدَّوَابِّ فِي السَّيْرِ، وَالنَّهْيِ عَنِ التَّعْرِيسِ فِي الطَّرِيقِ</span>\n\n[١٩٢٦] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ فَأَعْطُوا الْإِبِلَ حَظَّهَا مِنَ الْأَرْضِ، وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ فَأَسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ، وَإِذَا عَرَّسْتُمْ بِاللَّيْلِ فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ؛ فَإِنَّهَا مَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ فَأَعْطُوا الْإِبِلَ حَظَّهَا مِنَ الْأَرْضِ، وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ فَبَادِرُوا بِهَا نِقْيَهَا، وَإِذَا عَرَّسْتُمْ فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ؛ فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ، وَمَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ».\nقوله: «فَبَادِرُوا بِهَا نِقْيَهَا» النِّقي- بكسر النون-: المخ.\nوقوله: «إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ، فَأَعْطُوا الْإِبِلَ حَظَّهَا مِنَ الْأَرْضِ»، يعني: إذا سافرتم وقت العشب والمرعى والكلأ، فأعطوا الإبل حظها، يعني: لا تسرعوا في السير، واتركوها ترعى؛ لأنها تستفيد من أكل العشب.\nوقوله: «وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ، فَبَادِرُوا بِهَا نِقْيَهَا»، يعني: إذا سافرتم في الجدب والقحط فأسرعوا السير حتى لا تنقطع وتتعب وتهزل: لقلة العشب.\nوقوله: «وَإِذَا عَرَّسْتُمْ فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ؛ فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ، وَمَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ» التعريس هو: نزول المسافر آخر الليل للاستراحة، فأرشد النبي ﷺ ألا يستريح الناس على حواف الطريق؛ فهي طرق الدواب والهوام، والآن هي طرق السيارات.","vol":"5","page":413},{"text":"هذا الحديث فيه: بعض من آداب السفر، أرشدنا إليها النبي ﷺ، فقد كان الناس يسافرون على الإبل.\nوفيه: إرشادات نبوية تدل على نصحه ﵊ وشفقته على أمته، قال الله تعالى- في وصف النبي ﷺ-: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فهو حريص على هدايتهم، وإيصال النفع الدنيوي والأخروي إليهم.","vol":"5","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-919>بَابُ السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، وَاسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ الْمُسَافِرِ إِلَى أَهْلِهِ، بَعْدَ قَضَاءِ شُغْلِهِ</span>\n\n[١٩٢٧] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَأَبُو مُصْعَبٍ الزُّهْرِيُّ، وَمَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح وَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى التَّمِيمِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ سُمَيٌّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ»، قَالَ: نَعَمْ.\n[خ: ١٨٠٤]\nهذا الحديث فيه: أن السفر نوع من أنواع العذاب، والمراد بالعذاب- هنا-: المشقة والألم؛ لأن السفر يمنع المسافر طعامه وشرابه ونومه، يعني: المعتاد من ذلك، فلا يكون لهم الطعام المعتاد في البلد، ولا نومهم المعتاد، بل يتغير عليهم وقت النوم، ووقت الأكل، فهذه مشقة؛ ولهذا أرشد النبي ﷺ وقال: «فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ»، أي: حتى يستريح من تعب السفر.","vol":"5","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-920>بَابُ كَرَاهَةِ الطُّرُوقِ، وَهُوَ: الدُّخُولُ لَيْلًا لِمَنْ وَرَدَ مِنْ سَفَرٍ</span>\n\n[١٩٢٨] حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ لَيْلًا، وَكَانَ يَأْتِيهِمْ غُدْوَةً، أَوْ عَشِيَّةً.\n[خ: ١٨٠٠]\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ لَا يَدْخُلُ.\n\n[٧١٥] حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ. ح وَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ سَيَّارٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ، فَقَالَ: «أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلًا- أَيْ: عِشَاءً- كَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَيَّارٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا قَدِمَ أَحَدُكُمْ لَيْلًا فَلَا يَأْتِيَنَّ أَهْلَهُ طُرُوقًا؛ حَتَّى تَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ، وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ».\nوَحَدَّثَنِيهِ يَحيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَطَالَ الرَّجُلُ الْغَيْبَةَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ طُرُوقًا.\nوَحَدَّثَنِيهِ يَحيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُحَارِبٍ عَنْ جَابِرٍ قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا، يَتَخَوَّنُهُمْ، أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ.","vol":"5","page":416},{"text":"وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَالَ سُفْيَانُ: لَا أَدْرِي هَذَا فِي الْحَدِيثِ، أَمْ لَا- يَعْنِي: أَنْ يَتَخَوَّنَهُمْ، أَوْ يَلْتَمِسَ عَثَرَاتِهِمْ؟ .\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَارِبٍ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِكَرَاهَةِ الطُّرُوقِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: يَتَخَوَّنُهُمْ، أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ.\nهذا الحديث فيه: إرشادات نبوية من النبي ﷺ؛ مما يدل على نصحه ﵊، وكمال شفقته بالأمة، فقد نهى هنا عن الطرق ليلًا، وهو القدوم من السفر والدخول على الأهل ليلًا، وكل آتٍ في الليل يسمى طارقًا، فلا ينبغي أن يأتي أحد أهله فجأة، وهم لا يعلمون وقت قدومه.\nفكان النبي ﷺ لا يطرق أهله ليلًا، إنما كان يأتيهم غدوة، أو عشية، يعني: في أول النهار، أو في آخره؛ لأنه إذا فاجأهم بغتة فقد يرى شيئًا لا يناسبه.\nوقوله: «حَتَّى تَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ»، يعني: أنه لا ينبغي أن يدخل على أهله ليلًا حتى يبلغهم الخبر، حتى تستحد المغيبة، والاستحداد: إزالة شعر العانة بالموسى، وتمتشط الشعثة يعني: تمشط شعرها.\nوهذا مقيد بالحديث الآخر، وهو: «إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الْغَيْبَةَ فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا» (^١).\nأما إذا كانت الغيبة قصيرة، وهم يعلمون وقت رجوعه فقد زال المحظور، وكذلك إذا أعلمها بالهاتف عن موعد وصوله.\nوقوله: «يَتَخَوَّنُهُمْ، أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ»، يعني: كأنه يتجسس عليهم، ويريد أن يطَّلع على شيء، أو يتهمهم بالخيانة، وهذا لا ينبغي أن يكون.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٤٤).","vol":"5","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-921>كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ، وَمَا يُؤْكَلُ مِنَ الْحَيَوَانِ</span>","vol":"5","page":419},{"text":"كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ، وَمَا يُؤْكَلُ مِنَ الْحَيَوَانِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-922>بَابُ الصَّيْدِ بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ</span>\n\n[١٩٢٩] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُرْسِلُ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ، فَيُمْسِكْنَ عَلَيَّ، وَأَذْكُرُ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ»، قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَتَلْنَ، مَا لَمْ يَشْرَكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مَعَهَا»، قُلْتُ لَهُ: فَإِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْدَ فَأُصِيبُ، فَقَالَ: «إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ».\n[خ: ٥٤٧٦]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ بَيَانٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قُلْتُ: إِنَّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِهَذِهِ الْكِلَابِ، فَقَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ وَإِنْ قَتَلْنَ، إِلَّا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ، فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَطَهَا كِلَابٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا تَأْكُلْ».\n[خ: ٥٤٨٣]\nوحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْمِعْرَاضِ، فَقَالَ: «إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلَا تَأْكُلْ»، وَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْكَلْبِ، فَقَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا","vol":"5","page":421},{"text":"أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ»، قُلْتُ: فَإِنْ وَجَدْتُ مَعَ كَلْبِي كَلْبًا آخَرَ فَلَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَهُ، قَالَ: «فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ».\n[خ: ٢٠٥٤]\nوحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ يَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْمِعْرَاضِ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ، وَعَنْ نَاسٍ ذَكَرَ شُعْبَةُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْمِعْرَاضِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.\nالصيد: له إطلاقان في اللغة، فيطلق ويراد به اسم المفعول، أي: المصيد، ويطلق ويراد به المصدر، أي: الصيد، وكذلك الذبائح، فتطلق ويراد بها المصدر، أي: الذبح، وتطلق ويراد بها اسم المفعول، أي: الذبيحة، فهي (فعيلة) بمعنى: مفعولة (^١). وهذا الكتاب عقده المؤلف ﵀ لبيان أحكام الصيد، والمصيد، والذبائح.\nوفي هذه الأحاديث: دليل على جوازِ الاصطياد بالكلب، وحِلِّ ما صاده بشروطه، وهي:\nالشرط الأول: أن يكون الكلب معلَّمًا، والمعلَّم هو الذي يَرسَلُ إذا أُرسل، وينزجر إذا زُجر.\nالشرط الثاني: الإرسال، وذلك بأن يرسله صاحبه.\nالشرط الثالث: أن يكون المرسِل من أهل الذكاة، وهو المسلم، أو الكتابي.\nالشرط الرابع: ألا يأكل الكلب من الصيد، فإن أكل فلا يؤكل؛ لأنه إنما\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (٢/ ١٥٣)، المحكم، لابن سيده (٣/ ٢٩٢).","vol":"5","page":422},{"text":"أمسك على نفسه، ولم يمسك على صاحبه.\nالشرط الخامس: أن يسمي المرسِلُ اللهَ عند إرسال الكلب.\nالشرط السادس: ألا يكون مع كلبه كلب آخر غير معلَّم أرسله صاحبه.\nفإذا وُجدت هذه الشروط الستة كان ما صاده الكلب حلالًا جائزا أكلُه.\nوالكلب المعلَّم يجوز اقتناؤه، أما الكلب غير المعلَّم فلا يجوز اقتناؤه؛ لقول النبي ﷺ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا- إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ- نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» (^١).\nوفيها: بيان فضل العلم؛ وذلك أن الكلاب تمتاز هي كذلك بقابليتها للتعلم؛ فالكلب غير المعلَّم لا يحل أكل صيده، وكذلك إذا لم يرسله صاحبه، أو إذا كان أرسله وثني أو ملحد فلا يحل أكل صيده؛ لأنه ليس من أهل الذكاة، وكذلك إذا كان معه كلب آخر غير معلم أرسله صاحبه.\nواختلف في الشرط الرابع- وهو ألا يَأكل الكلب من الصيد، فذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يُؤكل ما صاده (^٢)، وهو الذي يدل عليه حديث عدي ﵁، وهو مخرج في الصحيحين.\nوذهب آخرون من أهل العلم إلى أنه يجوز أكل ما صاده الكلب المعلَّم، ولو أكل منه، واستدلوا بحديث أبي ثعلبة ﵁ عند أبي داود قال: «فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ» (^٣)، وحملوا حديث عدي بن حاتم ﵁ على الاستحباب، لكن هذا مرجوح.\nوالصواب: ما ذهب إليه جمهور العلماء من العمل بحديث عدي بن حاتم ﵁، وأنه إذا أكل الكلب من الصيد فلا يؤكل، وأما الزيادة في حديث أبي ثعلبة ﵁: «فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ» فهي زيادة شاذة؛ لأن القاعدة أن الزيادة-\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٧٤).\n(^٢) المغني، لابن قدامة (٩/ ٣٦٩).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢٨٥٢).","vol":"5","page":423},{"text":"ولو كان الراوي ثقة- إذا كانت مخالفة لمن هو أوثق فإنها تُرَدُّ، كما قال الحافظ ابن حجر: «وزيادة راويهما- أي: الصحيح والحسن- مقبولة ما لم تقع منافية لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة» (^١)، وهذه الزيادة وقعت منافية لمن هو أوثق، فحديث عدي ﵁ في الصحيحين، وهو مقدم على حديث أبي ثعلبة ﵁ في سنن أبي داود.\nودل حديث عدي ﵁ على جواز أكل ما صاده بالمعراض إذا أصابه بحده وخَزَق، أي: دخل في الصيد، ومثله- أيضًا- لو رمى طيرًا بحجر، ثم مات بثقله فلا يؤكل، فلا بد أن يكون محددًا، له حد كالسكين، مثل الرصاصة تخرج محددة، وأما إذا أصابه بعَرْضه فلا يأكل؛ فإنه موقوذ.\nوالمعراض هو: عصا، أو رمح، أو خشبة في طرفها حديدة يرمي بها الصيد فيصيب بعرضه لا بحدّه.\nوفيها: دليل اشتراط التسمية على الصيد، وكذلك الذبائح.\nوقد اختلف العلماء في التسمية على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: إنه يصح أكل الصيد والذبيحة ولو لم يسمِّ عليها، حتى ولو ترك التسمية عمدًا، أو سهوًا، وإلى هذا ذهب الشافعي ﵀ (^٢)، وهو رواية عن الإمام مالك ﵀ (^٣)، والإمام أحمد ﵀ (^٤).\nالقول الثاني: إنه إذا ترك التسمية فلا تحل الذبيحة، سواء تركها سهوًا، أو عمدًا، وإلى هذا ذهب الظاهرية (^٥).\nالقول الثالث: فيه تفصيل، وهو: أنه إذا ترك التسمية على الصيد عمدًا فلا\n_________\n(^١) نزهة النظر، لابن حجر (ص ٦٨).\n(^٢) المجموع، للنووي (٨/ ٤٠٨).\n(^٣) النوادر والزيادات، لابن أبي زيد (٤/ ٣٤٢).\n(^٤) المغني، لابن قدامة (٩/ ٣٦٧).\n(^٥) المحلى، لابن حزم (٧/ ٤١٢).","vol":"5","page":424},{"text":"تحل الذبيحة، وإذا تركها سهوًا ونسيانًا حلت الذبيحة، وهذا الذي ذهب إليه جمهور العلماء (^١)، وهو الصواب، وهذا القول هو الوسط؛ لأن الناسي معفو عنه، فعن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾، قال: دخل قلوبهم منها شيء، لم يدخل قلوبهم من شيء، فَقَالَ النبي ﷺ: «قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا، قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا﴾، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ» (^٢).\nوقال ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (^٣).\nمسألة: هل يجوز الأكل مما أمسك كلبٌ أرسله مَن لا دين له؟\nالجواب: لا بد أن يكون المرسِل من أهل الذكاة، وهو المسلم، أو الكتابي، أما إذا كان المرسِلُ لكلب الصيد وثنيًّا، أو ملحدًا، أو مرتدًا فلا يحل صيده، كما لا تحل ذبيحته.\n_________\n(^١) المغني، لابن قدامة (٩/ ٣٦٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٦).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٣)، وابن حبان (٧٢١٩).","vol":"5","page":425},{"text":"وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ، فَقَالَ: «مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْهُ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ»، وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَيْدِ الْكَلْبِ، فَقَالَ: «مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، فَإِنَّ ذَكَاتَهُ أَخْذُهُ فَإِنْ وَجَدْتَ عِنْدَهُ كَلْبًا آخَرَ، فَخَشِيتَ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مَعَهُ وَقَدْ قَتَلَهُ، فَلَا تَأْكُلْ؛ إِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى غَيْرِهِ».\n[خ: ٥٤٧٥]\nوحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nوحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ- وَكَانَ لَنَا جَارًا وَدَخِيلًا وَرَبِيطًا بِالنَّهْرَيْنِ- أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أُرْسِلُ كَلْبِي، فَأَجِدُ مَعَ كَلْبِي كَلْبًا قَدْ أَخَذَ، لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَ، قَالَ: «فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ».\nوحَدَّثَنَا مَحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ.\nقوله: «فَهُوَ وَقِيذٌ»: وقيذ: فعيل، بمعني مفعول، يعني: موقوذ، مثل قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة﴾، والموقوذة هي: المضروبة التي ضُربت حتى ماتت، تُضرب بعصا، أو بحجر، أو يقتلها بثقله، والموقوذة ميتة، أما الذي خزقه شيء محدد ودخل فيه فهذا يحل.\nوقوله: «دَخِيلًا»: أي: مداخلًا له بأموره، وله صلة وارتباط به.\nوقوله: «وَرَبيِطًا»: أي: مرابطًا بالنهرين.","vol":"5","page":426},{"text":"وفي هذا الحديث: أنه إذا اجتمع حاظر ومبيح قُدم الحاظر على المبيح (^١)، فإذا أرسلتَ كلبك المعلم ووجدتَ معه كلبًا آخر ووجدتَ صيدًا، فهذا الصيد يحتمل أن يكون قتله كلبك المعلَّم، ويحتمل أن يكون قتله الكلب الآخر، فيُغلَّب جانب الحظر، ومثله- كما سيأتي- إذا صاد صيدًا، ثم سقط في الماء فلا يدري هل قتله الماء، أو قتله السهم، فيغلب جانب الحظر، فلا يحل أكله، وكذلك- أيضًا- إذا سميتَ على كلبك والكلب الآخر لم يُسمَّ عليه.\nحَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ السَّكُونِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ، وَإِنْ رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ، فَكُلْ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ».\n[خ: ٥٤٨٤]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الصَّيْدِ قَالَ: «إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلَ فَكُلْ، إِلَّا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ».\nوهذا دليل آخر لقاعدة: إذا اجتمع حاظر ومبيح قُدم جانب الحظر، ولأن الأصل في الذبائح والصيد المنع، فإذا شك الإنسان هل هو ضربه بسهم،\n_________\n(^١) المحصول، للرازي (٢/ ٣٢٣)، جمع الجوامع، للسبكي (٢/ ٢٩٧)، البرهان ١/ ٣٦٢، التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، للأسنوي (٢٧٦).","vol":"5","page":427},{"text":"ثم سقط في الماء، وشك ما يدري هل قتله الماء، أو قتله السهم؟ فيُغلَّب جانب المنع والحظر، وكذلك هو الأصل في الصيد.\nوالحديث فيه ثلاثة مواضع يُغِلَّب فيها جانب الحظر:\nالموضع الأول: إذا خالط كلبه كلابًا أخرى؛ فإنه ما يدري هل الذي قتل كلبه أو كلب غيره؛ فلا يأكل تغليبًا لجانب الحظر.\nالموضع الثاني: وإذا رمى صيده ووقع في الماء فلا يأكل؛ لأنه لا يدري هل قتله الماء أم قتله سهمه؟ فلا يأكل تغليبًا لجانب الحظر.\nالموضع الثالث: إذا رمى الصيد وغاب عنه يومًا أو يومين ثم وجده ليس به إلا أثر سهمه فإنه يأكل.","vol":"5","page":428},{"text":"[١٩٣٠] حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ يَقُولُ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، وَأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، أَوْ بِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَحِلُّ لَنَا مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكُمْ بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ تَأْكُلُونَ فِي آنِيَتِهِمْ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا، ثُمَّ كُلُوا فِيهَا، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ صَيْدٍ فَمَا أَصَبْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، ثُمَّ كُلْ، وَمَا أَصَبْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، ثُمَّ كُلْ، وَمَا أَصَبْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ».\n[خ: ٥٤٧٨]\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ، كِلَاهُمَا عَنْ حَيْوَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ وَهْبٍ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ صَيْدَ الْقَوْسِ.\nفي هذا الحديث: أن هذا الحكم بالنسبة لآنية أهل الكتاب؛ لأنه قد يكون في هذه الآنية شيء من النجاسة، كلحم الميتة، أو الخمر؛ لهذا أمرهم النبي ﷺ بغسلها؛ لأن أهل الكتاب قد يأكلون فيها الميتة، وقد يشربون فيها الخمر.\nوفيه: أنه إذا وجد الصيد حيًّا فلا بد من ذبحه، أما إذا وجد الكلب قد قتله فإن قتله ذكاته، ولكن لو وجده حيًّا، ثم تركه حتى مات فلا يحل أكله.","vol":"5","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-923>بَاب إِذَا غَابَ عَنْهُ الصَّيْدُ، ثُمَّ وَجَدَهُ</span>\n\n[١٩٣١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَغَابَ عَنْكَ، فَأَدْرَكْتَهُ، فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الَّذِي يُدْرِكُ صَيْدَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ: «فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثَهُ فِي الصَّيْدِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مُعَاوِيَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي الزَّاهِرِيَّةِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، بِمِثْلِ حَدِيثِ الْعَلَاءِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ نُتُونَتَهُ، وَقَالَ فِي الْكَلْبِ: «كُلْهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ إِلَّا أَنْ يُنْتِنَ فَدَعْهُ».\nفي هذه الأحاديث: أن الصيد إذا أنتن فإنه ينبغي تركه.\nوفيها: دليل على كراهة أكل الصيد إذا أنتن، وكذلك الطعام المنتن مكروه، إذا لم يتحقق أنه مضر، أما إذا تحقق أنه مضر فإنه يحرم (^١)، وقيل: إنه يحرم على كل حال حتى ولو لم يتحقق ضرره.\nقال المازري: «فإنّ ذلك لأنَّ النفوس تعافه وتستقذره الطباع فنهي عنه\n_________\n(^١) المستدرك على مجموع فتاوى ابن تيمية لمحمد بن عبد الرحمن بن قاسم (٥/ ١٣٨).","vol":"5","page":430},{"text":"تنزيها أو يكون ذلك يضر بالأجسام ويسقمها فينهى عنه تحريما. وقد روي أنَّهﷺ- «أكل إهالة سَنِخَة والسَّنِخَة المتغيرة» (^١)، ومحملها على أنهّا لم تضر ولم تستقذر فلا يكون ذلك مخالفا لهذا الحديث» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٢٨٦١)، والنسائي في الكبرى (٦٦٠٢).\n(^٢) المعلم، للمازري (٣/ ٧٢).","vol":"5","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-924>بَاب تَحْرِيمِ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ</span>\n\n[١٩٣٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ.\nزَادَ إِسْحَاقُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، فِي حَدِيثِهِمَا: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلَمْ نَسْمَعْ بِهَذَا حَتَّى قَدِمْنَا الشَّامَ.\n[خ: ٥٥٣٠]\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ.\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ عُلَمَائِنَا بِالْحِجَازِ، حَتَّى حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ، وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الشَّامِ.\nوَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ.\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَغَيْرُهُمْ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَر. ح، وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ. ح، وحَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ، وَعَمْرٍ، وَكُلُّهُمْ ذَكَرَ الْأَكْلَ، إِلَّا صَالِحًا، وَيُوسُفَ، فَإِنَّ حَدِيثَهُمَا: نَهَى عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ.","vol":"5","page":432},{"text":"[١٩٣٣] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ- عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ عَنْ عَبِيدَةَ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ».\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\n\n[١٩٣٤] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ.\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، وَأَبُو بِشْرٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ.\nوحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْر. ح، وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ أَبُو بِشْرٍ: أَخْبَرَنَا عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ.\nفي هذه الأحاديث: النهي عن أكل ذي الناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير، وأنه يحرم أكل كل ذي ناب من السباع يفترس به، كالأسد، والنمر، والفهد، والكلب، وقال بعضهم: والسِّنَّوْر، وهو القط.\nويستثنى من هذا: الضبعُ، فإن له نابًا، لكنه حلال، وهو من الصيد،","vol":"5","page":433},{"text":"والنبي ﷺ جعل في صيده للمحرم شاة (^١).\nوكذلك كل ذي مخلب من الطير يفترس به فهو كالناب في السباع، كالصقر والباز، وما أشبهها من الطيور التي تفترس بمخلبها، فهذه محرمة.\nوتحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير من الأحكام التي استقلت بها السنة، وليست في القرآن، والسنة وحي ثانٍ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (٢٦٤٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣٤٧٢).","vol":"5","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-925>بَاب إِبَاحَةِ مَيْتَاتِ الْبَحْرِ</span>\n\n[١٩٣٥] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ- وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ- نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً، قَالَ: فَقُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ، فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ، وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبَطَ، ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالْمَاءِ، فَنَأْكُلُهُ، قَالَ: وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ، فَأَتَيْنَاهُ، فَإِذَا هِيَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتَةٌ، ثُمَّ قَالَ: لَا، بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا، قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا، وَنَحْنُ ثَلَاثُ مِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ بِالْقِلَالِ الدُّهْنَ، وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ كَالثَّوْرِ، أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ، فَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْبِ عَيْنِهِ، وَأَخَذَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَأَقَامَهَا، ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا، فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا، وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه\nوسلم، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ؟ فَتُطْعِمُونَا»، قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْهُ فَأَكَلَهُ.\n[خ: ٤٣٦١]\nفي هذا الحديث: فضل الصحابة ﵃، وصبرهم، ورغبتهم فيما عند الله ﷿، وصدقهم مع الله، وتقديمهم محبةَ الله ومحبةَ رسوله، والجهادَ في سبيله على كل شيء، ومع ما هم فيه من قلة ذات اليد وقلة الزاد والطعام فقد","vol":"5","page":435},{"text":"صبروا ﵃، وجاهدوا ونشروا دين الله، فكانت العاقبة الحميدة لهم في الدنيا والآخرة، مصَّروا الأمصار، وفتحوا البلدان، وكسروا ملك كسرى، وقصروا ملك قيصر، وجاءتهم الدنيا بعد ذلك وهي راغمة، كما قال: أبو هريرة ﵁: «وَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا» (^١)، يعني: تستخرجونها.\nوفيه: أن النبي ﷺ بعث سرية تأخذ أخبار الكفار وعيونهم، فيؤخذ منه بعث الإمام السرايا إلى العدو يتطلعون ويأخذون الأخبار.\nوفيه: أن النبي ﷺ أمَّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح ﵁، فيؤخذ منه مشروعية تأمير الأمير على السرية، وكذلك يُؤمِّر المسافرون عليهم أميرا ينصح لهم، كما ينصح الأمير الرعية، ويجب عليهم السمع والطاعة له.\nوذهب بعض العلماء إلى أن كل رفقة تسافر يجب أن يُؤمِّروا عليهم أحدهم، ولو كانوا ثلاثة، يسمعون له ويطيعونه، وينصح لهم حتى لا يختلفوا.\nوفيه: أن الأمير ينصح لهم ويتولى أمورهم؛ ولهذا فإن النبي ﷺ أمر أبا عبيدة ﵁، وأعطاه جرابًا من تمر، فكان يوزع منه على الجيش، وكانوا ثلاثمائة، يوزع عليهم في أول الأمر قبضة قبضة، في كل يوم، ثم لما قل التمر صار يعطيهم تمرة تمرة، فلما سئل الصحابي: ماذا تفعلون بهذه التمرة؟ قال: كنا نمصها ثم نشرب عليها الماء، وكنا نضرب الخبط بعِصِيِّنا، ونَبُلُّه بالماء ونأكله، وهذه شدة عظيمة أصابتهم، علمتهم معنى الصبر.\nثم بعد ذلك لما أقبلوا على ساحل البحر رأوا من بعيد شيئا عظيما ككثيب الرمل، فلما وصلوا إليه وجدوه دابة عظيمة تسمى العنبر، جزر عنها البحر ونفضها فماتت، فلما أقبلوا عليها قال أبو عبيدة ﵁: هذه ميتة، - والميتة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩٧٧)، ومسلم (٥٢٣).","vol":"5","page":436},{"text":"حرام، ولم يكن يعلم الحكم الشرعي في ميتة البحر أنها حلال- ولكن نحن مضطرون لأن نأكل الميتة، ونحن رسل رسول الله، ومجاهدون في سبيل الله، ومضطرون إلى أكل الميتة، وقد قال الله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله فمن اضطر غير باع ولا عادٍ فلا إثم عليه﴾، وقال سبحانه: ﴿وقد فصل ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾، فمكث عليها شهرا يأكلون من لحمها حتى سمنوا.\nفلما وصلوا إلى النبي ﷺ أخبرهم أن ميتة البحر حلال، قال: «هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ، فَتُطْعِمُونَا؟، قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْهُ فَأَكَلَهُ».\nوقد قال النبي ﷺ في البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (^١)، وقال ﷺ: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ، وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ، وَالطِّحَالُ» (^٢).\nوفيه: أن هذه الدابة كانت آية من آيات الله العظيمة، أكلوا منها شهرًا، وهم ثلاثمائة، قال: حتى سَمِنَّا بعد الجوع الشديد الذي أصابنا، وكانوا يغرفون بالقلال السَّمن من عينه، كأنه بئر، ثم أقعد أبو عبيدة ﵁ في وَقْب عينه- وهو النقرة التي تكون في العين- ثلاثة عشر رجلًا، وأخذوا ضلعًا من أضلاعه، فرحل أبو عبيدة ﵁ أعظم بعير، وجلس عليه أطول رجل، فمر من تحته، فلم يصبه، كما سيأتي في الحديث الآتي، وهذا يدل على أنها دابة عظيمة.\nوقوله: «هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ؟ فَتُطْعِمُونَا»: هذا ليبين لهم ﷺ حله، وليطيب نفوسهم.\nواستدل بهذا الحديث العلماء على أن ميتة البحر حلال، لا تحتاج إلى\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)، والنسائي (٥٩)، وابن ماجه (٣٨٦).\n(^٢) أخرجه أحمد (٥٦٩٠)، وابن ماجه (٣٣١٤).","vol":"5","page":437},{"text":"تذكية، سواء مات حتف أنفه، وسواء مات في البحر، أو خرج حيًّا ومات.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ ثَلَاثُ مِائَةِ رَاكِبٍ، وَأَمِيرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ نَرْصُدُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، فَأَقَمْنَا بِالسَّاحِلِ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ حَتَّى أَكَلْنَا الْخَبَطَ، فَسُمِّيَ: جَيْشَ الْخَبَطِ، فَأَلْقَى لَنَا الْبَحْرُ دَابَّةً يُقَالُ لَهَا: الْعَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا نِصْفَ شَهْرٍ، وَادَّهَنَّا مِنْ وَدَكِهَا، حَتَّى ثَابَتْ أَجْسَامُنَا قَالَ: فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَنَصَبَهُ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى أَطْوَلِ رَجُلٍ فِي الْجَيْشِ وَأَطْوَلِ جَمَلٍ، فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ فَمَرَّ تَحْتَهُ، قَالَ: وَجَلَسَ فِي حَجَاجِ عَيْنِهِ نَفَرٌ، قَالَ: وَأَخْرَجْنَا مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ كَذَا وَكَذَا قُلَّةَ وَدَكٍ، قَالَ: وَكَانَ مَعَنَا جِرَابٌ مِنْ تَمْرٍ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِي كُلَّ رَجُلٍ مِنَّا قَبْضَةً قَبْضَةً، ثُمَّ أَعْطَانَا تَمْرَةً تَمْرَةً، فَلَمَّا فَنِيَ وَجَدْنَا فَقْدَهُ.\nفي هذا الحديث قال: «أَقَمْنَا نِصْفَ شَهْرٍ»، وهناك قال: «أَقَمْنَا شَهْرًا»، وفي الرواية الآتية: «أَقَمْنَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا»، والجمع بينها: أن مدة الإقامة شهر، ومن قال: المدة نصف شهر، أو ثمانية عشر يومًا أراد المدة التي أقاموا فيها عند الساحل، ثم بعد ذلك ارتحلوا من الساحل، وأكملوا الشهر.\nوفيه: مشروعية تتبع أخبار الكفار، وأخذها والتجسس عليهم، واعتراض أموالهم وأخذها وقتلهم؛ لأنهم كفار حربيون، فليس لهم أمان، أما الكفار المؤتمنون الذين لهم عهد وذمة، أو دخلوا بأمان، فهؤلاء لا يجوز قتلهم، ولا أخذ أموالهم؛ ولهذا جاء في الحديث: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١٦٦).","vol":"5","page":438},{"text":"وحَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرًا يَقُولُ فِي جَيْشِ الْخَبَطِ: إِنَّ رَجُلًا نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ ثَلَاثًا، ثُمَّ نَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ.\nقوله: «إِنَّ رَجُلًا نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ» جزائر: جمع جزور، يعني: نحر ثلاثًا من الإبل، ثم نحر ثلاثًا، وهذا الرجل هو قيس بن عبادة ﵁، وكان جوادا كريمًا.\nوقوله: «ثُمَّ نَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ» لأن الإبل هي المركوب، فإذا نحروها لم يبق لهم مركوب.\nوحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ- يَعْنِي: ابْنَ سُلَيْمَانَ- عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَعَثَنَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ ثَلَاثُ مِائَةٍ نَحْمِلُ أَزْوَادَنَا عَلَى رِقَابِنَا.\nفي هذا الحديث: أن المجاهد يحمل الزاد على رقبته إذا لم يتيسر معه شيء يحمل عليه، كما فعل الصحابة رضوان الله عليهم، وقد كانوا يعتقبون البعير في بعض الغزوات، أي: يتعاقبون عليه، فيجب على المسلم أن يتعود على الخشونة والقوة والشدة ولا يكون مترفًا، والمترف لا يصلح للجهاد، ويروى عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: «اخْشَوْشِنُوا، وَاخْشَوْشِبُوا، وَاخْلَوْلِقُوا، وَتَمَعْدَدُوا كَأَنَّكُمْ مَعَدٌّ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ، وَزِيَّ الْعَجَمِ» (^١).\nفعلى المسلم أن يتعود على الخشونة، والشهامة، ويتعلم ضروب الفروسية والرماية بأنواعها، ويتعود على الجري وعلى المشي، حتى يصلح لمقابلة الأعداء.\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤٥٥٩).","vol":"5","page":439},{"text":"وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً ثَلَاثَ مِائَةٍ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، فَفَنِيَ زَادُهُمْ، فَجَمَعَ أَبُو عُبَيْدَةَ زَادَهُمْ فِي مِزْوَدٍ، فَكَانَ يُقَوِّتُنَا حَتَّى كَانَ يُصِيبُنَا كُلَّ يَوْمٍ تَمْرَةٌ.\nوحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ كَثِيرٍ- قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً أَنَا فِيهِمْ إِلَى سِيفِ الْبَحْرِ، وَسَاقُوا جَمِيعًا بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ، كَنَحْوِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ: فَأَكَلَ مِنْهَا الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُنْذِرِ الْقَزَّازُ، كِلَاهُمَا عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْثًا إِلَى أَرْضِ جُهَيْنَةَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.\nفي هذا الحديث: أن أبا عبيدة ﵁ لما قلَّ الطعام جمع ما عندهم حتى تكون فيه البركة، ثم قسمه بينهم بالسوية، كما فعل النبي ﷺ في مشورة عمر ﵁ لما قل الزاد، قال: «إِنْ رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ تَدْعُوَ لَنَا بِبَقَايَا أَزْوَادِهِمْ فَتَجْمَعَهَا، ثُمَّ تَدْعُوَ اللهَ فِيهَا بِالْبَرَكَةِ، فَإِنَّ اللهَ ﵎ سَيُبَلِّغُنَا بِدَعْوَتِكَ- أَوْ قَالَ: سَيُبَارِكُ لَنَا فِي دَعْوَتِكَ» (^١). فجعل هذا يأتي بكسرة، وهذا يأتي بتمرة، فدعا النبي ﷺ وبرَّك فيه، فكثَّر الله تعالى الطعام، فملؤوا أزوادهم وآنيتهم، وقال ﷺ: «إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٥٤٤٩).","vol":"5","page":440},{"text":"عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُمْ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٨٦)، ومسلم (٢٥٠٠).","vol":"5","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-926>بَاب تَحْرِيمِ أَكْلِ لَحْمِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ</span>\n\n[١٤٠٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ، وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ح، وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ يُونُسَ: وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ.\n[خ: ٤٢١٦]\n\n[١٩٣٦] وحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ أَبَا إِدْرِيسَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا ثَعْلَبَةَ قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ.\n[خ: ٥٥٢٧]\n\n[٥٦١] وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، وَسَالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ.\n[خ: ٤٢١٧]\nوَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ. ح، وحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ يَوْمَ خَيْبَرَ وَكَانَ النَّاسُ احْتَاجُوا إِلَيْهَا.","vol":"5","page":442},{"text":"قوله: «وَكَانَ النَّاسُ احْتَاجُوا إِلَيْهَا»، يعني: أنهم من شدة الجوع أصابهم مخمصة شديدة، واحتاجوا إلى أكلها، فذبحوها، وطبخوها، وأوقدوا النيران، ولم يعلم النبي ﷺ، فَقَالَ: «مَا هَذِهِ النِّيرَانُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟»، قَالُوا: عَلَى لَحْمٍ، قَالَ: «عَلَى أَيِّ لَحْمٍ؟»، قَالُوا: عَلَى لَحْمِ حُمُرٍ إِنْسِيَّةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَهْرِقُوهَا وَاكْسِرُوهَا»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْ نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا، قَالَ: «أَوْ ذَاك» (^١)، وهم كانوا قد ذبحوها قبل أن تحرَّم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦١٤٨)، ومسلم (١٨٠٢).","vol":"5","page":443},{"text":"[١٩٣٧] وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَقَالَ: أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ يَوْمَ خَيْبَرَ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَدْ أَصَبْنَا لِلْقَوْمِ حُمُرًا خَارِجَةً مِنْ الْمَدِينَةِ، فَنَحَرْنَاهَا، فَإِنَّ قُدُورَنَا لَتَغْلِي إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ: أَنْ اكْفَئُوا الْقُدُورَ، وَلَا تَطْعَمُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئًا، فَقُلْتُ: حَرَّمَهَا تَحْرِيمَ مَاذَا؟ قَالَ: تَحَدَّثْنَا بَيْنَنَا، فَقُلْنَا: حَرَّمَهَا أَلْبَتَّةَ، وَحَرَّمَهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ.\n[خ: ٣١٥٥]\nوحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ- يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى يَقُولُ: أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ لَيَالِيَ خَيْبَر، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ وَقَعْنَا فِي الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَانْتَحَرْنَاهَا، فَلَمَّا غَلَتْ بِهَا الْقُدُورُ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ: «أَنْ اكْفَئُوا الْقُدُورَ، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئًا»، قَالَ: فَقَالَ نَاسٌ: إِنَّمَا نَهَى عَنْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ، وَقَالَ آخَرُونَ: نَهَى عَنْهَا أَلْبَتَّةَ.\n\n[١٩٣٨] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ -وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ- قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى يَقُولَانِ: أَصَبْنَا حُمُرًا فَطَبَخْنَاهَا، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ: «اكْفَئُوا الْقُدُورَ».\n[خ: ٤٢٢٢]\nوحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ الْبَرَاءُ: أَصَبْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ حُمُرًا، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنِ اكْفَئُوا الْقُدُورَ.\nوحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: نُهِينَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّة.\nوحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَاصِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ البَرَاءِ","vol":"5","page":444},{"text":"ابْنِ عَازِبٍ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُلْقِيَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ نِيئَةً وَنَضِيجَةً، ثُمَّ لَمْ يَأْمُرْنَا بِأَكْلِهِ.\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ- يَعْنِي: ابْنَ غِيَاثٍ- عَنْ عَاصِمٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\n\n[١٩٣٩] وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عَامِرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا أَدْرِي، إِنَّمَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ حَمُولَةَ النَّاسِ، فَكَرِهَ أَنْ تَذْهَبَ حَمُولَتُهُمْ، أَوْ حَرَّمَهُ فِي يَوْمِ خَيْبَرَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ.\n[خ: ٤٢٢٧]\nفي هذه الأحاديث: تحريم الحمر الأهلية، وفي الحكمة من تحريمها أقوال (^١):\nالقول الأول: إنها حرمت لأجل أنها لم تخمَّس، يعني: لم يؤخذ منها خمس الغنيمة، فإذا غنم المسلمون غنائم الكفار يؤخذ الخمس من رأسها، ويقسم خمسة أخماس: خمس لله وللرسول، وخمس لقرابة الرسول ﷺ، وخمس لليتامى، وخمس للمساكين، وخمس لابن السبيل، ثم تقسم أربعة أخماسها على الغانمين.\nالقول الثاني: إنها حُرمت من أجل أنها حَمولة الناس، فكره أن تذهب حمولتهم، كما قال ابن عباس ﵄.\nالقول الثالث: إنها حرمت لذاتها؛ لأنها نجسة، وهذا هو الصواب، ويدل على ذلك الأحاديث التي ستأتي، وفيها: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ؛ فَإِنَّهَا رِجْسٌ أَوْ نَجِسٌ، قَالَ: فَأُكْفِئَتِ الْقُدُورُ بِمَا فِيهَا».\n_________\n(^١) بدائع الصنائع، للكاساني (٥/ ٣٧)، التاج والإكليل، للمواق (٤/ ٣٥٦)، المجموع، للنووي (٩/ ٦)، المغني، لابن قدامة (٩/ ٤٠٧)، المحلى، لابن حزم (٧/ ٤٠٦).","vol":"5","page":445},{"text":"وقد أشكل على ابن عباس ﵄، فظن أنها حرمت من أجل كونها حمولة الناس، وكان يفتي بعد ذلك بجواز أكلها؛ لحديث غالب بن أبجر ﵁ قَالَ: «أَصَابَتْنَا سَنَةٌ، فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي شَيْءٌ أُطْعِمُ أَهْلِي إِلَّا شَيْءٌ مِنْ حُمُرٍ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَابَتْنَا السَّنَةُ وَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي مَا أُطْعِمُ أَهْلِي إِلَّا سِمَانُ الْحُمُرِ، وَإِنَّكَ حَرَّمْتَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَقَالَ: «أَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ حُمُرِكَ، فَإِنَّمَا حَرَّمْتُهَا مِنْ أَجْلِ جَوَّالِ الْقَرْيَةِ يَعْنِي الْجَلَّالَةَ» (^١).\nوالمقصود: أن الحمر كانت حلالًا قبل ذلك.\n\n[١٨٠٢] وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- وَهُوَ ابْنُ إِسْماعِيلَ- عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ فَتَحَهَا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ الْيَوْمَ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا هَذِهِ النِّيرَانُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟»، قَالُوا: عَلَى لَحْمٍ، قَالَ: «عَلَى أَيِّ لَحْمٍ؟»، قَالُوا: عَلَى لَحْمِ حُمُرٍ إِنْسِيَّةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَهْرِيقُوهَا وَاكْسِرُوهَا»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْ نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ: «أَوْ ذَاكَ».\n[خ: ٦١٤٨]\nوحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، وَصَفْوَانُ بْنُ عِيسَى. ح، وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، كُلُّهُمْ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله: «وَاكْسِرُوهَا»، أي: واكسروا القدور، وهو من المبالغة في البعد عنها،\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٨٠٩)، والبيهقي في الكبرى (١٧٩١٢).","vol":"5","page":446},{"text":"و«أَهْرِيقُوهَا»، يعني: أهرقوا اللحم الذي فيها، قالوا: «يَا رَسُولَ اللهِ أَوْ نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ: أَوْ ذَاكَ»، وكأنه قد جاءه الوحي ﷺ في الحال.\n\n[١٩٤٠] وحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ أَصَبْنَا حُمُرًا خَارِجًا مِنَ الْقَرْيَةِ، فَطَبَخْنَا مِنْهَا، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ أَلَا إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْهَا، فَإِنَّهَا رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، فَأُكْفِئَتِ الْقُدُورُ بِمَا فِيهَا وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِمَا فِيهَا.\nفي هذا الحديث: الجمع بين الضمير العائد على الله والضمير العائد على الرسول ﷺ في قوله: «يَنْهَيَانِكُمْ»، ومثله حديث أنس ﵁: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (^١).\nوجاء في الحديث الآخر: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى خَطِيبًا يَخْطُبُ وَيَقُولُ: مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى، فَقَالَ: «بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ» (^٢).\nقال العلماء: إن هذا كان أولًا، ثم نسخ، وقيل: لأن الخطيب كان يحتاج إلى توسع في الخطبة، ولا ينبغي له أن يختصر فيها، وقيل: إن هذا من باب التنبيه على الأدب، والأفضل: ألا يجمع، وإن جمع فلا حرج.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٨٧٠).","vol":"5","page":447},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ جَاءَ جَاءٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُكِلَتِ الْحُمُرُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُفْنِيَتِ الْحُمُرُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ، فَنَادَى إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ أَوْ نَجِسٌ، قَالَ: فَأُكْفِئَتِ الْقُدُورُ بِمَا فِيهَا.\nهذا الحديث: من الأدلة على أن لحوم الحمر الأهلية حرمت لذاتها، فقد جاء رجل وقال: أكلت الحمر، وجاء آخر وقال: فنيت الحمر، فظنوا أن النهي من أجل أنها حمولة الناس، لكن الحديث صريح في أن التحريم من أجل أنها نجسة.","vol":"5","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-927>بَاب فِي أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ</span>\n\n[١٩٤١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَقُتَيْبَةُ ابْنُ سَعِيدٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ.\n[خ: ٤٢١٩]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أَكَلْنَا زَمَنَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ، وَحُمُرَ الْوَحْشِ، وَنَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ.\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. ح، وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\n\n[١٩٤٢] وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، وَوَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَكَلْنَاهُ.\n[خ: ٥٥١١]\nوَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nفي هذه الأحاديث: تحريم أكل الحمار الأهلي، وحِلُّ الحمار الوحشي، والخيل، وهو الذي عليه جمهور العلماء (^١)، وهو الصواب، وخالف في\n_________\n(^١) التاج والإكليل، للمواق (٤/ ٣٥٦)، المجموع، للنووي (٩/ ٤)، المغني، لابن قدامة (٩/ ٤٠٧ - ٤٠٨)، المحلى، لابن حزم (٧/ ٤٠٦).","vol":"5","page":449},{"text":"ذلك بعض العلماء، وكره لحوم الخيل (^١)، والصواب: أن لحوم الخيل حلال، كما قال: «وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ».\nوالذين منعوا استدلوا بقوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها﴾، قالوا: كونه قَرَنها مع البغال والحمير، ولم يأذن في أكلها يدل على أنها مثلها في التحريم، لكن هذا مرجوح، والأحاديث صريحة في حل أكل لحوم الخيل.\n_________\n(^١) بدائع الصنائع، للكاساني (٥/ ٣٨)، حاشية الدر المختار، لابن عابدين (٦/ ٣٠٤ - ٣٠٥)، التاج والإكليل، للمواق (٤/ ٣٥٦).","vol":"5","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-928>بَاب إِبَاحَةِ الضَّبِّ</span>\n\n[١٩٤٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الضَّبِّ، فَقَالَ: «لَسْتُ بِآكِلِهِ، وَلَا مُحَرِّمِهِ».\n[خ: ٥٥٣٦]\nوحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الضَّبِّ، فَقَالَ: «لَا آكُلُهُ، وَلَا أُحَرِّمُهُ».\nوحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ عَنْ أَكْلِ الضَّبِّ، فَقَالَ: «لَا آكُلُهُ، وَلَا أُحَرِّمُهُ».\nوحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِمِثْلِهِ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو الرَّبِيعِ، وَقُتَيْبَةُ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ. ح، وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ. ح، وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح، وحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ عُقْبَةَ. ح، وحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الضَّبِّ بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ أَيُّوبَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضَبٍّ، فَلَمْ يَأْكُلْهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهُ، وَفِي حَدِيثِ أُسَامَةَ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ.\n\n[١٩٤٤] وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ، سَمِعَ الشَّعْبِيَّ، سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ","vol":"5","page":451},{"text":"أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ سَعْدٌ، وَأُتُوا بِلَحْمِ ضَبٍّ، فَنَادَتِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كُلُوا، فَإِنَّهُ حَلَالٌ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِي».\n[خ: ٧٢٦٧]\nوحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ قَالَ: قَالَ لِي الشَّعْبِيُّ: أَرَأَيْتَ حَدِيثَ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَاعَدْتُ ابْنَ عُمَر قَرِيبًا مِنْ سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةٍ وَنِصْفٍ، فَلَمْ أَسْمَعْهُ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ هَذَا، قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمْ سَعْدٌ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذ.\n\n[١٩٤٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيد مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ: أَخْبِرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ»، قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ، فَأَكَلْتُهُ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْظُرُ.\n\n[١٩٤٦] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، جميعًا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ- الَّذِي يُقَالُ لَهُ: سَيْفُ اللهِ- أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى مَيْمُونَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- وَهِيَ خَالَتُهُ، وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ- فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا، قَدِمَتْ بِهِ أُخْتُهَا حُفَيْدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ، فَقَدَّمَتِ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدَّمُ إِلَيْهِ طَعَامٌ حَتَّى يُحَدَّثَ بِهِ وَيُسَمَّى لَهُ، فَأَهْوَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ إِلَى الضَّبِّ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ: أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِمَا قَدَّمْتُنَّ لَهُ، قُلْنَ: هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ","vol":"5","page":452},{"text":"الْوَلِيدِ: أَحَرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي؛ فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ»، قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ، فَأَكَلْتُهُ، وَرَسُولُ اللهِ يَنْظُرُ فَلَمْ يَنْهَنِي.\n[خ: ٥٣٩١]\nوَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنِي، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِث- وَهِيَ خَالَتُهُ-، فَقُدِّمَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَحْمُ ضَبٍّ جَاءَتْ بِهِ أُمُّ حُفَيْدٍ بِنْتُ الْحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي جَعْفَرٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَأْكُلُ شَيْئًا حَتَّى يَعْلَمَ مَا هُوَ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، وَزَادَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: وَحَدَّثَهُ ابْنُ الْأَصَمِّ عَنْ مَيْمُونَةَ، وَكَانَ فِي حَجْرِهَا.\n\n[١٩٤٥] وحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ- وَنَحْنُ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ- بِضَبَّيْنِ مَشْوِيَّيْنِ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ: يَزِيدَ بْنَ الْأَصَمِّ عَنْ مَيْمُونَةَ.\nوحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ: أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلٍ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ وَعِنْدَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِلَحْمِ ضَبٍّ، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ.\n\n[١٩٤٧] وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ ابْنُ نَافِعٍ: أَخْبَرَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَهْدَتْ خَالَتِي أَمُّ حُفَيْدٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ سَمْنًا، وَأَقِطًا، وَأَضُبًّا، فَأَكَلَ مِنَ السَّمْنِ، وَالْأَقِطِ، وَتَرَكَ الضَّبَّ تَقَذُّرًا، وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.\n[خ: ٢٥٧٥]","vol":"5","page":453},{"text":"[١٩٤٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ قَالَ: دَعَانَا عَرُوسٌ بِالْمَدِينَةِ، فَقَرَّبَ إِلَيْنَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ ضَبًّا، فَآكِلٌ وَتَارِكٌ، فَلَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنَ الْغَدِ فَأَخْبَرْتُهُ فَأَكْثَرَ الْقَوْمُ حَوْلَهُ حَتَّى، قَالَ بَعْضُهُمْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا آكُلُهُ، وَلَا أَنْهَى عَنْهُ، وَلَا أُحَرِّمُهُ»، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِئْسَ مَا قُلْتُمْ، مَا بُعِثَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ إِلَّا مُحِلًّا وَمُحَرِّمًا، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ وَعِنْدَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَامْرَأَةٌ أُخْرَى إِذْ قُرِّبَ إِلَيْهِمْ خُوَانٌ عَلَيْهِ لَحْمٌ، فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَأْكُلَ، قَالَتْ لَهُ مَيْمُونَةُ: إِنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ، فَكَفَّ يَدَهُ، وَقَالَ: «هَذَا لَحْمٌ لَمْ آكُلْهُ قَطُّ»، وَقَالَ لَهُمْ: «كُلُوا»، فَأَكَلَ مِنْهُ الْفَضْلُ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْمَرْأَةُ، وَقَالَتْ مَيْمُونَةُ: لَا آكُلُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَيْءٍ يَأْكُلُ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ.\nالعروس هو: المتزوج حديثًا، ويطلق على الرجل والمرأة، والِخوان- بكسر الخاء وفتحها-: ما يُوضع عليه الطَّعام وأدواته.\nوالضب المحنوذ: يعني: المشوي، وقيل: المشوي على الحجارة المحماة، والمشوي يكون ألذَّ من المطبوخ.\nوقوله: «وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِي»، أي: أنه ليس من الطعام الذي اعتدت أكله.\nوقوله: «لَا آكُلُهُ، ولا أُحَرِّمُهُ»، يعني: لا آكله؛ لأني لم أعتد أكله، ولا أحرمه، والذي لا يحرمه ﷺ يكون حلالًا.\nوقوله: «لَيْسَ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَإِنِّي أَعَافُهُ»، يعني: أكرهه تقذرًا؛ لأن هذا الضب الذي أتي به من أرض نجد، وليس في أرض الحجاز؛ ولهذا فإن النبي ﷺ ما اعتاد أكله، فأكله خالد بن الوليد ﵁، والنبي ﷺ ينظر إليه ولم ينهَه.","vol":"5","page":454},{"text":"في هذه الأحاديث: دليل على حل الضب، وذلك من وجوه متعددة:\nالأول: أن النبي ﷺ صرح بذلك، فَقَالَ: «كُلُوا؛ فَإِنَّهُ حَلَالٌ» وهذا أمر، والأمر للإباحة.\nالثاني: أن النبي ﷺ قال: «لَا أُحَرِّمُهُ»، والذي لا يحرمه فهو حلال.\nالثالث: أن النبي ﷺ أقر خالدًا ﵁ على أكله، وهو قول الجماهير (^١)، وأما من كرهه من الأحناف (^٢) فلا وجه لهذه الكراهة.\n\n[١٩٤٩] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حميد قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضَبٍّ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَقَالَ: «لَا أَدْرِي لَعَلَّهُ مِنَ الْقُرُونِ الَّتِي مُسِخَتْ».\n\n[١٩٥٠] وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنِ الضَّبِّ، فَقَالَ: لَا تَطْعَمُوهُ، وَقَذِرَهُ، وَقَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُحَرِّمْهُ، إِنَّ اللهَ ﷿ يَنْفَعُ بِهِ غَيْرَ وَاحِدٍ، فَإِنَّمَا طَعَامُ عَامَّةِ الرِّعَاءِ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ عِنْدِي طَعِمْتُهُ.\n\n[١٩٥١] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ دَاوُدَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضٍ مَضَبَّةٍ، فَمَا تَأْمُرُنَا، أَوْ فَمَا تُفْتِينَا؟ قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ، فَلَمْ يَأْمُرْ وَلَمْ يَنْهَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللهَ ﷿ لَيَنْفَعُ بِهِ غَيْرَ وَاحِدٍ، وَإِنَّهُ لَطَعَامُ عَامَّةِ هَذِهِ الرِّعَاءِ وَلَوْ\n_________\n(^١) المدونة، لمالك بن أنس (١/ ٥٤١)، الأم، للشافعي (٢/ ٢٦٥)، المجموع، للنووي (٩/ ١٠)، مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، للكوسج (٨/ ٣٩٦٩ - ٣٩٧٠)، المغني، لابن قدامة (٩/ ٤٢٢).\n(^٢) بدائع الصنائع، للكاساني (٥/ ٣٦)، تبيين الحقائق، للزيلعي (٥/ ٢٩٥).","vol":"5","page":455},{"text":"كَانَ عِنْدِي لَطَعِمْتُهُ إِنَّمَا عَافَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ.\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي فِي غَائِطٍ مَضَبَّةٍ، وَإِنَّهُ عَامَّةُ طَعَامِ أَهْلِي، قَالَ: فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقُلْنَا: عَاوِدْهُ فَعَاوَدَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ نَادَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الثَّالِثَةِ، فَقَالَ: «يَا أَعْرَابِيُّ، إِنَّ اللهَ لَعَنَ- أَوْ غَضِبَ عَلَى سِبْطٍ مِنْ- بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَمَسَخَهُمْ دَوَابَّ يَدِبُّونَ فِي الْأَرْضِ، فَلَا أَدْرِي لَعَلَّ هَذَا مِنْهَا فَلَسْتُ آكُلُهَا وَلَا أَنْهَى عَنْهَا».\nقوله: «لَعَلَّهُ مِنَ الْقُرُونِ الَّتِي مُسِخَتْ» هذه الكلمة قالها النبي ﷺ قبل أن يُعلمه الله بأن الممسوخ لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام، ولا ينسل، وقبل أن يعلمه الله بحِلِّ الضب، ثم أوحى الله إليه حله؛ لهذا قال عمر ﵁: «إِنَّ اللهَ ﷿ يَنْفَعُ بِهِ غَيْرَ وَاحِدٍ»، كرعاة الإبل والغنم، يصيدون الأضب ويأكلونها.\nوقول عمر ﵁: «وَإِنَّهُ لَطَعَامُ عَامَّةِ هَذِهِ الرِّعَاءِ» الرعاء يعني: الرعاة، أي: رعاة الإبل والغنم، ومنه قوله تعالى: ﴿حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير﴾.\nوقوله: «إِنِّي فِي غَائِطٍ مَضَبَّةٍ» والغائط: الأرض المنخفضة، ومضبة، أي: فيها أضب، يعني: في أرض منخفضة كثيرة الأضب.","vol":"5","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-929>بَاب إِبَاحَةِ الْجَرَادِ</span>\n\n[١٩٥٢] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ.\n[خ: ٥٤٩٥]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: سَبْعَ غَزَوَاتٍ، وقَالَ إِسْحَاقُ: سِتَّ، وقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: سِتَّ أَوْ سَبْعَ.\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح، وحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: سَبْعَ غَزَوَاتٍ.\nفي هذا الحديث: دليل على حل الجراد، والجراد حلال بالإجماع على أي صفة كان، وميتته حلال، سواء أكان حيًّا، أم مات حتف أنفه، وسواء صاده مسلم، أو غيره، وسواء طبخه وهو حي، أو مات ثم طبخه.\nقال النووي: «قال مالك في المشهور عنه، وأحمد في رواية: لا يحل إلا إذا مات بسببٍ، بأن يقطع بعضه، أو يسلق، أو يلقى في النار حيًّا أو يشوى، فإن مات حتف أنفه أو في وعاء لم يحل، والله أعلم» (^١).\nوهذا قول مرجوح، والصواب: أنه حلال على أي حال كان؛ لما سبق من قوله ﷺ: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ، وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ، وَالطِّحَالُ» (^٢).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٣/ ١٠٤).\n(^٢) أخرجه أحمد (٥٦٩٠)، وابن ماجه (٣٣١٤).","vol":"5","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-930>بَاب إِبَاحَةِ الْأَرْنَبِ</span>\n\n[١٩٥٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَرَرْنَا فَاسْتَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَوْا عَلَيْهِ فَلَغَبُوا، قَالَ: فَسَعَيْتُ حَتَّى أَدْرَكْتُهَا، فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا، فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا وَفَخِذَيْهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَتَيْتُ بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَبِلَهُ.\n[خ: ٢٥٧٢]\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ يَحْيَى: بِوَرِكِهَا أَوْ فَخِذَيْهَا.\nقوله: «فَاسْتَنْفَجْنَا أَرْنَبًا»، أي: أَثَرْناه من جُحْره.\nوقوله: «فَلَغَبُوا»، يعني: تعبوا أشدَّ التعب وعجزوا عن أخذه.\nومر الظهران: موقع قريب من مكة.\nفي هذا الحديث: دليل على حل الأرنب، وأنه من الصيد الحلال.","vol":"5","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-931>بَاب إِبَاحَةِ مَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى الِاصْطِيَادِ، وَالْعَدُوِّ، وَكَرَاهَةِ الْخَذْفِ</span>\n\n[١٩٥٤] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: رَأَى عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ يَخْذِفُ، فَقَالَ لَهُ: لَا تَخْذِفْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ، أَوَ قَالَ: يَنْهَى عَنِ الْخَذْفِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُصْطَادُ بِهِ الصَّيْدُ، وَلَا يُنْكَأُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَلَكِنَّهُ يَكْسِرُ السِّنَّ، وَيَفْقَأُ الْعَيْنَ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْذِفُ، فَقَالَ لَهُ: أُخْبِرُكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ، أَوْ يَنْهَى عَنِ الْخَذْفِ، ثُمَّ أَرَاكَ تَخْذِفُ؟ ! لَا أُكَلِّمُكَ كَلِمَةً كَذَا وَكَذَا.\n[خ: ٥٤٧٩]\nحَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَد، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا كَهْمَسٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nوحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ صُهْبَانَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْخَذْفِ.\nقَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ فِي حَدِيثِهِ: وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَنْكَأُ الْعَدُوَّ، وَلَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ، وَلَكِنَّهُ يَكْسِرُ السِّنَّ، وَيَفْقَأُ الْعَيْنَ، وقَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: إِنَّهَا لَا تَنْكَأُ الْعَدُوَّ، وَلَمْ يَذْكُرْ: تَفْقَأُ الْعَيْنَ.\nوحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ قَرِيبًا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ خَذَفَ، قَالَ: فَنَهَاهُ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ، وَقَالَ: «إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ»، قَالَ: فَعَادَ، فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْهُ، ثُمَّ تَخْذِفُ؟ ! لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا.\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.","vol":"5","page":459},{"text":"في هذه الأحاديث: النهي عن الخذف، وهو: رمي الحصاة، أو النواة بين الأصبعين: سبابة اليمنى، وسبابة اليسرى، أو بالسبابة والإبهام.\nوالنبي ﷺ نهى عن الخذف، والنهي للتحريم، وبيَّن ﷺ أنه ليس فيه مصلحة، بل فيه مضرة، فهو «يَكْسِرُ السِّنَّ، وَيَفْقَأُ الْعَيْنَ»، وكذلك بالنسبة للصيد «فَإِنَّهُ لَا يُصْطَادُ بِهِ الصَّيْدُ، وَلَا يُنْكَأُ بِهِ الْعَدُوُّ»؛ فلهذا نهى عبد الله بن المغفل قريبه عنه، ثم رآه بعد ذلك يخذف، ولم يمتثل الأمر، فحلف أن لا يكلمه.\nوفيها: دليل على أن هجر العصاة وأهل البدع مشروع، إذا كان الهجر يفيد معهم، ومن ذلك أن عبد الله بن عمر ﵄ قال لابنه: إن رسول الله ﷺ قال: «لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ أَنْ يُصَلِّينَ فِي الْمَسْجِدِ»، فَقَالَ ابْنٌ لِعَبْدِ اللهِ: «إِنَّا لَنَمْنَعُهُنَّ، قَالَ: فَسَبَّهُ سَبًّا شَدِيدًا، وَقَالَ: نُحَدِّثُكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَقُولُ: إِنَّا لَنَمْنَعُهُنَّ؟ !» (^١)، يعني: أنه عارض السنة، ولو قال: إنه يحصل من خروجهن فتنة، أو قال: فما الحيلة؟ لكان أهون، أما أن يقول: «إِنَّا لَنَمْنَعُهُنَّ» فهو إذن يعارض السنة، ويصادم النص الثابت عن النبي ﷺ.\nوهذا دليل- أيضًا- على أن هجر العصاة ليس محددًا بحد، بل حتى يتوبوا، أما قول النبي ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» (^٢) فالمراد بهذا: هجره من أجل الدنيا، أما من أجل الدين فيهجره حتى يتوب؛ ولهذا هجر النبي ﷺ كعب بن مالك ﵁ لما تخلف عن غزوة تبوك هو وصاحباه هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع ﵄، هجرهم النبي ﷺ والمسلمون خمسين ليلة، حتى أنزل الله توبتهم.\nوذهب بعض المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره إلى أن الهجر إنما يستعمل إذا كان مفيدًا، وإذا كان العاصي يرتدع به عن معصيته،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥١٠٧)، وأصله متفق عليه.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٠٧٧)، ومسلم (٢٥٦٠).","vol":"5","page":460},{"text":"والمبتدع يرتدع به عن بدعته، وأما إذا كان لا يستفاد منه فلا، وبعض العصاة يزيد شره إذا هجرته، وإذا لم تهجره فقد يستحيي منك بعض الشيء، ويقلل من شره، فإذا هجرته قل حياؤه، وصار لا يبالي، فمثل هذا لا يُهجر، وإنما يستمر في نصيحته، فيكون الهجر كالدواء المر، إن كان يفيد استعملناه، وإن كان لا يفيد تركناه (^١).\nأما إذا كثر الشر وكثر أعوانه فالغالب أنهم لا يبالون بالهجر.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٨/ ٢٠٧).","vol":"5","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-932>بَاب الْأَمْرِ بِإِحْسَانِ الذَّبْحِ، وَالْقَتْلِ، وَتَحْدِيدِ الشَّفْرَةِ</span>\n\n[١٩٥٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ. ح، وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ. ح، وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ سُفْيَانَ. ح، وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ بِإِسْنَادِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ وَمَعْنَى حَدِيثِهِ.\nقوله: «فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ»: أي: يكون الذبح بالسيف مثلًا، لكونه أنجز وأسرع.\nوقوله: «فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ»: أي: بإحداد السكين، وتعجيل إمرارها.","vol":"5","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-933>بَاب النَّهْيِ عَنْ صَبْرِ الْبَهَائِمِ</span>\n\n[١٩٥٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ جَدِّي أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ دَارَ الْحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ، فَإِذَا قَوْمٌ قَدْ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرْمُونَهَا، قَالَ: فَقَالَ أَنَسٌ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ.\n[خ: ٥٥١٣]\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. ح، وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. ح، وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\n\n[١٩٥٧] وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\n\n[١٩٥٨] وحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَأَبُو كَامِلٍ- وَاللَّفْظُ لأَبِي كَامِلٍ- قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِنَفَرٍ قَدْ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَتَرَامَوْنَهَا، فَلَمَّا رَأَوْا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا عَنْهَا، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هَذَا.\n[خ: ٥٥١٥]\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: مَرَّ ابْنُ عُمَر بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَيْرًا وَهُمْ يَرْمُونَهُ، وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ لَعَنَ اللهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا.\n\n[١٩٥٩] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح، وحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ","vol":"5","page":463},{"text":"جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُقْتَلَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوَابِّ صَبْرًا.\nقوله: «غَرَضًا»، يعني: هدفًا.\nوقول جابر ﵄: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُقْتَلَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوَابِّ صَبْرًا»، يعني: أُخذ ورُبط وقُتل حبسًا، بدون أن يستطيع أن يدافع عن نفسه.\nوقوله: «بِكُلِّ خَاطِئَةٍ»، أي: ما لم يصب المرمى، وكلمة (خاطئة) لغةٌ في (مخطئة)، يقال: لمن قصد شيئًا فأصاب غيره خطأً: مخطئ، وفي لغة قليلة: خاطئ، وهذا الحديث جاء على اللغة الأُولى، حكاها أبو عبيد والجوهري وغيرهما (^١).\nفي هذه الأحاديث: النهي عن صبر البهائم، وهذا النهي للتحريم، وصبر البهائم معناه: أن تحبس دجاجةٌ، أو أرنبٌ، أو شاةٌ، وتجعل هدفًا يُرمى، حتى تُقتل بالرمي، وهذا تعذيب لها، وهو محرم من الكبائر؛ لأن النبي ﷺ لعن فاعله، كما في حديث ابن عمر ﵄: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هَذَا»، واللعن لا يكون إلا على كبيرة من كبائر الذنوب، والكبيرة هي: ما تُوعِّد عليه بالنار، أو اللعنة، أو الغضب، أو أوجب حدًّا في الدنيا.\nوهذا الحكم عام فيما يؤكل، وفيما ما لايؤكل، فلا يجوز- أيضا- أن يُجعل غيرُ المأكول هدفًا للرمي، بزعم أنه لا يجوز أكله؛ لأنه لا يجوز قتله إلا لغرض صحيح، وإذا قتل فليحسن قتله.\nوبعض الناس يستعمل الماء فيصبه في جحر الضب حتى يموت، وهذا ليس جيدًا إذا تسبب في موته، أما إذا كان يخرجه فقط من جحره ليأخذه فلا بأس.\n_________\n(^١) تاج العروس، للزبيدي (١/ ٢١٢)، القاموس المحيط، للفيروزآبادي (ص ٣٩).","vol":"5","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-934>كِتَابُ الْأَضَاحِيِّ</span>","vol":"5","page":466},{"text":"كِتَابُ الْأَضَاحِيِّ\n<span data-type=\"title\" id=toc-935>بَابُ وَقْتِهَا</span>\n\n[١٩٦٠] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ يحيى بْنُ يحيى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، حَدَّثَنِي جُنْدَبُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: شَهِدْتُ الْأَضْحَى مَع رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَعْدُ أَنْ صَلَّى وَفَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ سَلَّمَ، فَإِذَا هُوَ يَرَى لَحْمَ أَضَاحِيَّ قَدْ ذُبِحَتْ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَقَالَ: «مَنْ كَانَ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ- أَوْ: نُصَلِّيَ- فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ».\n[خ: ٩٨٥]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ قَالَ: شَهِدْتُ الْأَضْحَى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ بِالنَّاسِ نَظَرَ إِلَى غَنَمٍ قَدْ ذُبِحَتْ، فَقَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ شَاةً مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ».\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَا: «عَلَى اسْمِ اللَّهِ»، كَحَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ.\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَسْوَدِ، سَمِعَ جُنْدَبًا الْبَجَلِيَّ قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صلى يَوْمَ أَضْحًى، ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: «مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ».","vol":"5","page":467},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nالأضاحي: جمع أُضحية وإِضحية، وهي: الذبيحة التي تذبح أيام عيد الأضحى، بنية التقرب إلى الله ﷿.\nوأيام الذبح أربعة أيام على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهي: يوم العيد، وأيام التشريق الثلاثة، وهو مذهب الشافعي، وبه قال علي ﵁ وآخرون (^١).\nوقيل: أيام الأضاحي: يوم العيد، ويومان بعده (^٢).\nوقيل: يوم النحر وحده، وهو قول ابن سيرين (^٣).\nوحكى القاضي عياض: أن الأضاحي تستمر إلى نهاية شهر ذي الحجة (^٤)، لكن هذا قول شاذ.\nوفي هذه الأحاديث: دليل على أن الصلاة قبل الخطبة، كما جاء في هذا الحديث: «صَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ».\nوفيها: أن الأضحية تكون بعد صلاة العيد، ومن ذبح قبل الصلاة فإنه يعيد أضحيةً مكانها؛ لقوله ﷺ: «مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ».\nوالأضحية سنة مؤكدة عند جمهور العلماء (^٥).\n_________\n(^١) الأم، للشافعي (٣/ ٥٨٨)، المغني، لابن قدامة (٣/ ٣٨٥).\n(^٢) المبسوط، للسرخسي (١٢/ ٩)، المدونة، لمالك (١/ ٥٥٠)، التاج والإكليل، للمواق (٤/ ٣٦٩)، المغني، لابن قدامة (٣/ ٣٨٤).\n(^٣) المغني، لابن قدامة (٣/ ٣٨٥).\n(^٤) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٦/ ٤٠١).\n(^٥) أسنى المطالب، لزكريا الأنصاري (١/ ٥٣٤)، المجموع شرح المهذب، للنووي (٨/ ٣٨٣)، المغني، لابن قدامة (٩/ ٤٣٥)، شرح منتهى الإرادات، للبهوتي (١/ ٦١٢).","vol":"5","page":468},{"text":"وذهب الأحناف إلى أنها واجبة على القادر الموسر (^١)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (^٢).\nواشترط الأحناف في إيجابها على المقيم: أن يملك نصابًا (^٣).\nوذهب بعض العلماء إلى أنها واجبة على الموسر إلا الحاج.\nوقيل: واجبة على المقيم بالأمصار دون المسافرين.\nوالذبح في الليل جائز مع الكراهة عند بعض العلماء (^٤)، وذهب مالك وجماعة إلى أن الذبح بالليل لا يجوز (^٥).\nوالأضحية شعيرة عظيمة، وهي سنة الخليلين أبينا إبراهيم، ونبينا محمد عليهما الصلاة والسلام، والقول بأنها واجبة على المسلم القادر قول قوي، حتى أن شيخ الإسلام ﵀ قال: «ومن عدم ما يُضحِّي به ويعقُّ اقترض وضحَّى وعقَّ، مع عدم القدرة على الوفاء، والأضحية من النفقة بالمعروف، فتضحي امرأة من مال زوجها عن أهل البيت بلا إذنه، ومَدِينٌ لم يطالبه ربُّ الدَّينِ» (^٦).\nوكذلك- أيضًا- وليُّ اليتيم له أن يضحي عنه، وهذا يدل على أنها شعيرة عظيمة.\nوينبغي على الإنسان أن يذبح الأضحية في بيته، ويتولى الذبح بنفسه- إن قدر على ذلك- ويأكل ويُهدي منها.\n_________\n(^١) المبسوط، للسرخسي (١٢/ ٨)، الاختيار لتعليل المختار، لعبد الله بن محمود (٥/ ١٦)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لابن نجيم (٨/ ١٩٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٣/ ١٦٢).\n(^٣) البحر الرائق، لابن نجيم (٨/ ١٩٨).\n(^٤) روضة الطالبين، للنووي (٣/ ٢٠٠).\n(^٥) المدونة، لمالك بن أنس (١/ ٥٥٠)، التاج والإكليل، للمواق (٤/ ٣٧١).\n(^٦) الفتاوى الكبرى، لابن تيمية (٥/ ٣٨٥).","vol":"5","page":469},{"text":"وما يفعله بعض الناس من كونهم يعطون الدراهم لبعض المؤسسات ليذبحوها خارج البلاد فهذا خطأ مخالف للسنة.\nكما ينبغي على أصحاب البوادي أن يضحوا بعد ارتفاع الشمس قدر رمح، ومضي مقدار صلاة العيد والخطبتين.\nومن كان في مكة حاجًّا فيكفيه الهديُ، لكن لو أوصى أهله بأن يذبحوا الأضحية في بلده يكون أحسن.","vol":"5","page":470},{"text":"[١٩٦١] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عَامِرٍ عَنِ البَرَاءِ قَالَ: ضَحَّى خَالِي أَبُو بُرْدَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً مِنَ الْمَعْزِ، فَقَالَ: «ضَحِّ بِهَا، وَلَا تَصْلُحُ لِغَيْرِكَ»، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ ضَحَّى قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ».\n[خ: ٥٥٥٦]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ خَالَهُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نِيَارٍ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ اللَّحْمُ فِيهِ مَكْرُوهٌ، وَإِنِّي عَجَّلْتُ نَسِيكَتِي لِأُطْعِمَ أَهْلِي وَجِيرَانِي وَأَهْلَ دَارِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَعِدْ نُسُكًا»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِنْدِي عَنَاقَ لَبَنٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، فَقَالَ: «هِيَ خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ، وَلَا تَجْزِي جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: «لَا يَذْبَحَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يُصَلِّيَ» قَالَ: فَقَالَ خَالِي: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ اللَّحْمُ فِيهِ مَكْرُوهٌ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ هُشَيْمٍ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ عَامِرٍ عَنِ البَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَوَجَّهَ قِبْلَتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَلَا يَذْبَحْ حَتَّى يُصَلِّيَ»، فَقَالَ خَالِي: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ نَسَكْتُ عَنِ ابْنٍ لِي، فَقَالَ: «ذَاكَ شَيْءٌ عَجَّلْتَهُ لِأَهْلِكَ»، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي شَاةً خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْنِ، قَالَ: «ضَحِّ بِهَا؛ فَإِنَّهَا خَيْرُ نَسِيكَةٍ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ زُبَيْدٍ الْإِيَامِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ البَرَاءِ بْنِ","vol":"5","page":471},{"text":"عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا نُصَلِّي، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَنْحَرُ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ»، وَكَانَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ قَدْ ذَبَحَ، فَقَالَ: عِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ، فَقَالَ: «اذْبَحْهَا، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ».\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ زُبَيْدٍ، سَمِعَ الشَّعْبِيَّ عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ. ح، وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.\nوَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ- يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ- حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمِ نَحْرٍ، فَقَالَ: «لَا يُضَحِّيَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يُصَلِّيَ»، قَالَ رَجُلٌ: عِنْدِي عَنَاقُ لَبَنٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، قَالَ: «فَضَحِّ بِهَا، وَلَا تَجْزِي جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: ذَبَحَ أَبُو بُرْدَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَبْدِلْهَا»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ عِنْدِي إِلَّا جَذَعَةٌ- قَالَ شُعْبَةُ: وَأَظُنُّهُ قَالَ: وَهِيَ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اجْعَلْهَا مَكَانَهَا، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ».\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّكَّ فِي قَوْلِهِ: هِيَ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ.","vol":"5","page":472},{"text":"قوله: «جَذَعَةٌ»، يعني: عمرها أشهر، ولم تتم السنة.\nوقوله: «مُسِنَّة»: هي: ما تم لها سنة.\nقوله: «هَذَا يَوْمٌ اللَّحْمُ فِيهِ مَكْرُوهٌ»: قال القاضي عياض: «رويناه في مسلم من طريق العذري (مَقْرُومٌ) بالقاف والميم. وصوب بعضهم هذه الرواية، وقال: معناه: يُشتَهى فيه اللحم، يقال: قرمت إلى اللحم وقرمته إذا اشتهيته» (^١)، والمعنى: أن اللحم في هذا اليوم يُشتهَى؛ فلذلك تعجَّلتُ وذبحتُ قبل الصلاة وأطعمتُ أهلي وجيراني.\nوقيل: صوابه: «اللَّحَمُ فِيهِ مَكْرُوهٌ» - بفتح الحاء- أي: تركُ الذبح والتضحية، وبقاءُ أهله فيه بلا لحم حتى يشتهوه مكروهٌ.\nوقيل: معناه: أن المكروه هو التضحية بما لا يجزئ لمخالفة السنة.\nوقيل: المعنى: هذا يوم طلب اللحم فيه مكروه شاق.\nوقوله: «هِيَ خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ»، أي: النسيكة الثانية خير من الأولى التي زعمتَ أنك نسكتَ بها قبل الصلاة؛ لأنها هي الأضحية، وأما الأُولى فشاة لحم.\nفي هذا الحديث: أن الأضحية يبدأ وقتها بعد صلاة العيد والخطبة، فمن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه، وأصاب السنة، ومن ذبح قبل الصلاة فهي لحم، وليست أضحية.\nوفيه: خصوصية لأبي بردة بن نيار ﵁؛ لقول النبي ﷺ له: «ضَحِّ بِهَا، وَلَا تَصْلُحُ لِغَيْرِكَ»؛ لأن الماعز الذي يجزِئُ في الأضحية لا بد أن يُتم سَنَةً.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٦/ ٤٠٤).","vol":"5","page":473},{"text":"[١٩٦٢] وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ- وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- يَوْمَ النَّحْرِ-: «مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ»، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ، وَذَكَرَ هَنَةً مِنْ جِيرَانِهِ- كَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَدَّقَهُ- قَالَ: وَعِنْدِي جَذَعَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، أَفَأَذْبَحُهَا؟ قَالَ: فَرَخَّصَ لَهُ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي أَبَلَغَتْ رُخْصَتُهُ مَنْ سِوَاهُ، أَمْ لَا؟ قَالَ: وَانْكَفَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى كَبْشَيْنِ، فَذَبَحَهُمَا، فَقَامَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ، فَتَوَزَّعُوهَا- أَوَ قَالَ: فَتَجَزَّعُوهَا.\n[خ: ٩٥٤]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَهِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ، فَأَمَرَ مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَنْ يُعِيدَ ذِبْحًا، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ.\nوَحَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْحَسَّانِيُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يَعْنِي: ابْنَ وَرْدَانَ- حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أَضْحًى قَالَ: فَوَجَدَ رِيحَ لَحْمٍ، فَنَهَاهُمْ أَنْ يَذْبَحُوا، قَالَ: «مَنْ كَانَ ضَحَّى فَلْيُعِدْ»، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا.\nقوله: «لَا أَدْرِي أَبَلَغَتْ رُخْصَتُهُ مَنْ سِوَاهُ، أَمْ لَا؟»، يعني: أنه شك هل بلغت الرخصة أحدًا غيره، أم لا؟ وسبق في الأحاديث: أن الرخصة خاصة به، ولم تبلغ غيره، ولا تجزي أحدًا بعده.\nوفي هذا الحديث: دليل على جواز تعدد الأضحية؛ ولذلك ضحى النبي ﷺ بكبشين، فمن ضحى بكبشين، أو بثلاثة فلا حرج، ولكن الشاة تجزي عَنِ الرجل وأهل بيته.","vol":"5","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-936>بَابُ سِنِّ الْأُضْحِيَّةِ</span>\n\n[١٩٦٣] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ».\nقوله: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ»: ظاهره: أن الجذع لا يجزئ إلا في حالة الإعسار، لكن الأحاديث الأخرى دلَّت على أنه يذبح الجذع من الضأن، ولو لم يعسر عليه.\nوفي هذا الحديث: دليل أنه لا بد أن تكون الأضحية مسنة، سواء من الإبل، أو البقر، أو الغنم، إلا الضأن فإن الجذع يجزئ فيه.\nوالمسن من الإبل: ما أتم خمس سنين، والمسن من البقر: ما أتم سنتان، والمسن من المعز: ما أتم سنة.\n\n[١٩٦٤] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: صلى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْمَدِينَةِ، فَتَقَدَّمَ رِجَالٌ فَنَحَرُوا، وَظَنُّوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ نَحَرَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ كَانَ نَحَرَ قَبْلَهُ أَنْ يُعِيدَ بِنَحْرٍ آخَرَ، وَلَا يَنْحَرُوا حَتَّى يَنْحَرَ النَّبِيُّ ﷺ.\nفي هذا الحديث: بيان أن النحر لا بد أن يكون بعد نحر النبي ﷺ، وعليه قال الإمام مالك ﵀: لا يجوز للإنسان أن ينحر حتى ينحر الإمام (^١).\n_________\n(^١) المدونة، لمالك بن أنس (١/ ٤٨١)، مواهب الجليل، للحطاب (٤/ ٢٤٥).","vol":"5","page":475},{"text":"والجمهور (^١) يتأولون هذا على أن المراد: زجرهم عَنِ التعجيل الذي قد يؤدِّي إلى فعلها قبل الوقت، وقالوا: بجواز الذبح، ولو لم يذبح الإمام.\nفإن قيل: كيف يعرف الناس أن الإمام نحر؟\nقيل: الأصل أن ينحر الإمام عند المصلى، كما جاء عن ابن عمر: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْحَرُ، أَوْ يَذْبَحُ بِالْمُصَلَّى» (^٢) حتى يراه الناس، ثم ينحروا بعده.\n\n[١٩٦٥] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى أَصْحَابِهِ ضَحَايَا، فَبَقِيَ عَتُودٌ، فَذَكَرَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «ضَحِّ بِهِ أَنْتَ»، قَالَ قُتَيْبَةُ: عَلَى صَحَابَتِهِ.\n[خ: ٢٣٠٠]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ بَعْجَةَ الْجُهَنِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِينَا ضَحَايَا، فَأَصَابَنِي جَذَعٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ أَصَابَنِي جَذَعٌ، فَقَالَ: «ضَحِّ بِهِ».\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ حَسَّانَ- أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ- وَهُوَ ابْنُ سَلَّامٍ- حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، أَخْبَرَنِي بَعْجَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَسَمَ ضَحَايَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ، بِمِثْلِ مَعْنَاهُ.\n_________\n(^١) الأم، للشافعي (٢/ ٢٤٣) المبسوط، للسرخسي (٤/ ٢٥٣)، المغني، لابن قدامة (٩/ ٤٥٦)، نهاية المحتاج، للرملي (٨/ ١٣٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٩٨٢).","vol":"5","page":476},{"text":"قوله: «فَبَقِيَ عَتُودٌ»: العتود: الذكر من المعز.\nوفي هذا الحديث: رخصة لعقبة بن عامر ﵁ كما كان مثلها رخصة لأبي بردة بن نيار ﵁ المذكور في حديث البراء بن عازب ﵁، وبهذا تأوله بعض العلماء، قاله النووي (^١)، وهذا هو المتعين.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٣/ ١١٩).","vol":"5","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-937>بَابُ اسْتِحْبَابِ الضَّحِيَّةِ، وَذَبْحِهَا مُبَاشَرَةً بِلَا تَوْكِيلٍ، وَالتَّسْمِيَةِ، وَالتَّكْبِيرِ</span>\n\n[١٩٦٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى، وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا.\n[خ: ٥٥٦٥]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، قَالَ: وَرَأَيْتُهُ يَذْبَحُهُمَا بِيَدِهِ، وَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا، قَالَ: وَسَمَّى وَكَبَّرَ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِهِ، قَالَ: قُلْتُ: آنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ أَنَسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَيَقُولُ: بِاسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ.\nقوله: «بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ»: الكبش: هو الذكر من الضأن، والأملح: هو الذي فيه بياض خالص، وقيل: الذي فيه بياض وسواد، وقيل: الذي فيه بياض وحمرة، وقيل: الذي بياضه ليس بصافٍ.\nوالأقرن: الذي له قرن.\nقوله: «عَلَى صِفَاحِهِمَا»، أي: صفحة العنق: وهي جانبه، وإنما فعل هذا ليكون أثبتَ له وأمكن؛ لئلا تضطرب الذبيحة برأسها فتمنعه من إكمال الذبح أو تؤذيه.\nوفي هذه الأحاديث: مشروعية التضحية بالذَّكَر من الضأن.","vol":"5","page":478},{"text":"وفيها: استحباب التضحية بالأملح والأقرن؛ لفعل النبي ﷺ ذلك.\nوفيها: استحباب التسمية عند الذبح والتكبير، ووضع الرجل على صفحة العنق، وكل هذا من السنة.\nوفيها: استحباب تولي الإنسان ذبح أضحيته بيده إن كان يستطيع، وإلا وكَّل مسلمًا، قال العلماء: وينبغي أن يشهدها.\n\n[١٩٦٧] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ حَيْوَةُ: أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي الْمُدْيَةَ»، ثُمَّ قَالَ: «اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ»، فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أَخَذَهَا، وَأَخَذَ الْكَبْشَ، فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ».\nقوله: «يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ»، يعني: أن فيه سوادًا في عينيه، وفي ركبتيه.\nوفي هذا الحديث: مشروعية شحذ المدية، وهي: السكين، والشحذ: السَّن حتى تكون حادة؛ لأن هذا أسرع في إزهاق روح البهيمة، وهو من الإحسان في الذبح؛ لما جاء في الحديث: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» (^١)، والشفرة هي: السكين، ويحدها: أي: يسنها؛ ولهذا قال النبي ﷺ لعائشة ﵂: «هَلُمِّي المُدْيَةَ، اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ».\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩٥٥).","vol":"5","page":479},{"text":"ويستحب في الأضحية أن تكون سمينة ومليحة، وإلا فأي شاة يذبحها تجزئ، إذا استوفت الشروط، وكل ما كان أطيبَ لحمًا وأنفعَ للفقراء فهو أفضل.\nويسن أن يقول المضحي: اللهم تقبل مني، وفي لفظ آخر: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ يَوْمَ النَّحْرِ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَذَبَحَ أَحَدَهُمَا، فَقَالَ: «هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ»: وَذَبَحَ الآخَرَ، وَقَالَ: «هَذَا عَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ عَنْ أُمَّتِي» (^١)، وهذه حجة من يقول: إن الأضحية ليست واجبة؛ وفي الحديث الثاني: «اللهُمَّ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَعَنْ مَنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ» (^٢)، يعني: الأموات والأحياء جميعًا.\nوفيه: مشروعية الدعاء عند نحر الأضحية، كما دعا النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ».\nوفيه: مشروعية الأضحية عَنِ الأموات (^٣)، خلافًا لمن قال: لا تشرع (^٤)، فهذا ليس بصحيح.\nوالصواب: أنها مشروعة عَنِ الحي والميت، لكن لا يُخَصُّ الميت بأضحية، إلا إذا وصَّى، ويكتفي المضحي بأضحيةٍ عن نفسه، وعن الأحياء والأموات، وإذا خصَّ الميتَ فلا حرج، لكن بعض الناس غَلَوا في هذا، فصاروا يُضحُّون عَنِ الأموات، ولا يضحون عَنِ الأحياء، فعكسوا القضية، وهذا غلط.\n_________\n(^١) أخرجه البزار (١٢٠٩) كشف الأستار.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب (١٣٧٦).\n(^٣) بدائع الصنائع (٥/ ٧٢)، حاشية الدر المختار، لابن عابدين (٥/ ٢١٤)، الشرح الكبير، للدردير (٢/ ١٢٢)، نهاية المحتاج، للرملي (٨/ ١٣٦)، المغني، لابن قدامة (١١/ ١٠٧).\n(^٤) أسنى المطالب، لزكريا الأنصاري (٣/ ٦٠)، المجموع، للنووي (٨/ ٣٨٠)، المغني، لابن قدامة (٨/ ٥٨١).","vol":"5","page":480},{"text":"وتوسط الشيخ ابن عثيمين ﵀ لما سُئِل: هل الأضحية مشروعة عَنِ الأموات، أو عَنِ الأحياء؟\nفقال: «مشروعة عَنِ الأحياء؛ إذ لم يرد عَنِ النبي ﷺ، ولا عَنِ الصحابة- فيما أعلم- أنهم ضحوا عَنِ الأموات استقلالًا، فإن رسول الله ﷺ مات له أولاد- من بنين، أو بنات- في حياته، ومات له زوجات وأقارب يحبهم، ولم يُضحِّ عن واحد منهم، فلم يضحِّ عن عمه حمزة، ولا عن زوجته خديجة، ولا عن زوجته زينب بنت خزيمة، ولا عن بناته الثلاث، ولا عن أولاده ﵃، ولو كان هذا من الأمور المشروعة لبيَّنه الرسول ﷺ في سنته قولًا، أو فعلًا، وإنما يضحي الإنسان عنه وعن أهل بيته.\nوأما إدخال الميت تبعًا فهذا قد يستدل له بأن النبي ﷺ ضحَّى عنه وعن أهل بيته (^١)، وأهل بيته يشمل زوجاته اللاتي مِتْنَ واللاتي على قيد الحياة، وكذلك ضحَّى عن أمته، وفيهم من هو ميت، وفيهم من لم يوجد، لكن الأضحية عليهم استقلالًا لا أعلم لذلك أصلًا في السنة.\nولهذا قال بعض العلماء: إن الأضحية عنهم استقلالًا بدعة يُنهَى عنها، ولكن القول بالبدعة قول صعب؛ لأن أدنى ما نقول فيها: إنها من جنس الصدقة، وقد ثبت جواز الصدقة عَنِ الميت، وإن كانت الأضحية في الواقع لا يراد بها مجرد الصدقة بلحمها، أو الانتفاع به؛ لقول الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا﴾، ولكن أهم شيء فيها هو التقرب إلى الله بالذبح» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البزار (١٢٠٩) كشف الأستار.\n(^٢) الشرح الممتع، لابن عثيمين (٧/ ٤٢٣).","vol":"5","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-938>بَابُ جَوَازِ الذَّبْحِ بِكُلِّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، إِلَّا السِّنَّ، وَالظُّفُرَ، وَسَائِرَ الْعِظَامِ</span>\n\n[١٩٦٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا يحيى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا، وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى، قَالَ ﷺ: «أَعْجِلْ- أَوْ: أَرْنِي- مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكَ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» قَالَ: وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا».\n[خ: ٢٤٨٨، ٥٥٠٩]\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ، فَأَصَبْنَا غَنَمًا وَإِبِلًا، فَعَجِلَ الْقَوْمُ فَأَغْلَوْا بِهَا الْقُدُورَ، فَأَمَرَ بِهَا، فَكُفِئَتْ، ثُمَّ عَدَلَ عَشْرًا مِنَ الْغَنَمِ بِجَزُورٍ، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ، كَنَحْوِ حَدِيثِ يحيى بْنِ سَعِيدٍ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ عَنْ جَدِّهِ رَافِعٍ، ثُمَّ حَدَّثَنِيهِ عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى، فَنُذَكِّي بِاللِّيطِ؟ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَقَالَ: فَنَدَّ عَلَيْنَا بَعِيرٌ مِنْهَا، فَرَمَيْنَاهُ بِالنَّبْلِ حَتَّى وَهَصْنَاهُ.\nوَحَدَّثَنِيهِ الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ بِتَمَامِهِ، وَقَالَ فِيهِ: وَلَيْسَتْ","vol":"5","page":482},{"text":"مَعَنَا مُدًى، أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ: فَعَجِلَ الْقَوْمُ، فَأَغْلَوْا بِهَا الْقُدُورَ، فَأَمَرَ بِهَا فَكُفِئَتْ، وَذَكَرَ سَائِرَ الْقِصَّةِ.\nقوله: «أَعْجِلْ- أَوْ أَرْنِي»: أرْني: هذه اللفظة اختُلف فيها، فقيل: (أرنِ) بدون ياء، وروي: (أرني) بالياء، وروي (أَرِنْ) (^١) بكسر الراء وسكون النون، وهي بمعنى: اعجل، أي: أسرع بالذبيحة قبل أن تموت.\nوقوله: «بِذِي الحُلَيْفَةِ»: هو مكان من تهامة بين حادة وذات عرق، وليس بذي الحليفة التي هي ميقات أهل المدينة.\nوقوله: «أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ»: فيه: دليل على أن العظام لا يجوز الذبح بها، وكذلك الظفر.\nوقوله: «وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ»، يعني: سكين هؤلاء الكفرة، فلا يجزئ الذبح بالظفر والعظم، وسواء كان طاهرًا، أو نجسًا، من حيوان، أو غيره، خلافًا لمن قال من أهل العلم: إنه يجوز الذبح بالعظم والسن، وهو رواية عَنِ الإمام مالك (^٢)، وهذا قول ضعيف لا وجه له (^٣).\nوالصواب: أنه لا يجوز الذبح بالسن والعظم مطلقًا.\nواختلف العلماء في الواجب قطعه في الذبيحة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٥٠٩).\n(^٢) التاج والإكليل، للمواق (٤/ ٣٣٢)، مواهب الجليل، للحطاب (٣/ ٢٤٢).\n(^٣) المجموع، للنووي (٩/ ٩٤)، بداية المجتهد، لابن رشد (١/ ٤٦٢)، حاشية الدر المختار، لابن عابدين (٥/ ١٨٧)، الشرح الكبير، للدردير (٢/ ١٧٨)، الروض المربع، للبهوتي (ص ٦٩٠).","vol":"5","page":483},{"text":"فقال بعض العلماء: الواجب قطعه أربعة أشياء: الحلقوم: وهو مجرى النفس، والمريء: وهو مجرى الطعام والشراب، والودجان: وهما العرقان المحيطان بالحلقوم.\nوقال آخرون: يكفي قطع الحلقوم والمريء، ولو لم يقطع الودجين، وهذا مرجوح؛ لأنه إذا لم يقطع المريء فكيف يخرج الدم؟ ! والنبي ﷺ يقول: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ».\nوقال بعضهم: يكفي قطع الودجين؛ لأنهما موضع إنهار الدم، ولو لم يقطع الحلقوم والمريء.\nوقال بعضهم: لا بد من قطع الحلقوم والمريء، وأحد الودجين.\nوالصواب: أنه لا بد من قطع هذه الأربعة كلها.\nوقوله: «كُفِئَتْ»، أي: قُلبت، وأُريق ما فيها.\nوقوله: «فَنُذَكِّي بِاللِّيطِ؟»: اللِّيط: قشور القصب، وهي محددة كالسكين، فلا بأس أن يذبح به، فيمره على الحلق، حتى ينهرَ الدم، ومن ذلك: «أَنَّ جَارِيَةً لَهُمْ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا مَوْتًا، فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا» (^١)، أما إذا ضربه بثقله وقتله به فهذا وقِيذٌ.\nوقوله: «وَهَصْنَاهُ»: بالهاء والصاد المهملة، يعنى: رميناه رميًا شديدًا حتى سقط في الأرض، وفي رواية: «رَهَصْنَاهُ» (^٢)، أي: حبسناه.\nفي هذه الأحاديث: بيان أن الذبيحة إنما تحل بثلاثة شروط:\nالأول: أن يكون المذكي من أهل التذكية، وهو المسلم، أو الكتابي؛ لقول الله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم﴾، وطعامهم هو ذبائحهم، فالكتابي مستثنى من سائر الكفرة، أما الوثني\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٥٠١).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٣/ ١٢٨).","vol":"5","page":484},{"text":"والشيوعي والمجوسي والمرتد، والزنديق، والمنافق، ومن كان من النصيرية والدروز، والباطنية، والرافضة، وغيرهم من الكفرة ممن ينتسبون إلى الإسلام- فلا، وكذلك تارك الصلاة.\nالثاني: أن يسمي اللهَ عند الذبح؛ لقوله ﷺ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذَكَرَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ».\nالثالث: إنهار الدم بآلة حادة، سواء كانت من حديد، أو نحاس، أو حجر، أو خزف، أو زجاج، أو قصب، أو غيرها، إلا السن، والظفر؛ فإنه مستثنى، وقد بين النبي ﷺ العلة في عدم إجزاء الذبح بالسن والظفر، فقال: «أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ».\nقوله: «فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ»، أي: شرد وهرب نافرًا.\nقوله: «إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ» قال النووي ﵀: «والأوابد: النفور والتوحش، وهو جمع آبدة بالمد وكسر الباء المخففة، ويقال منه: أبدتَ بفتح الباء تأبُد بضمها وبكسرها وتأبَدَّت، ومعناه: نفرت من الإنس وتوحشت» (^١).\nوفيها: دليل على أن البهيمة من الأنعام إذا توحَّشت وشردت، ولم يقدر صاحبها على إمساكها صار حكمها حكم الصيد المتوحِّش، مثاله: إذا توحش بعير مثلًا، وشرد، وطُلب، ولم يُستَطَع إمساكُه- صار حكمه حكم الصيد، فَيُرمَى في أي موضع كان من جسده، فإذا أصابه حلَّ له أكله، وكذلك لو تمردت الدجاجة وطارت ولم يُقدر عليها صار حكمها حكم الطير، وكذلك الثور من البقر، والتيس من الغنم؛ لقول النبي ﷺ- لما نَدَّ بعير، فرماه بعض الصحابة بسهم، فحبسه الله، فقال النبي ﷺ-: «إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا».\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٣/ ١٢٥).","vol":"5","page":485},{"text":"وألحق العلماء بذلك: البعير إذا تردَّى في بئر، ولم يُستَطَع نحرُه، فإنه يُرمَى في أي موضع من جسده، ويكون حكمه حكم الصيد المتوحش؛ لأن كلًّا منهما لا يُقدَر عليه في هذه الحالة.\nوفيها: أنهم أصابوا نهب إبل- والنهب يعني: الغنيمة- فطبخوا منها، فأمر النبي ﷺ أن تُكفأ القدور وهي تغلي؛ وذلك لأنهم طبخوها بعد أن وصلوا البلد قبل أن تقسَّم، والأصل: أن يؤكل من الغنيمة قبل الوصول إلى البلد ما يحتاجون إليه قبل القسمة، أما إذا وصلوا إلى البلد فلا يحل الأكل منها؛ لهذا أمر النبي ﷺ بالقدور «فَكُفِئَتْ» وهي تفور باللحم.\nوفيها: أن النبي ﷺ عَدَلَ كل بعير بعشر شياه، وهذا في الغنيمة، أما في الأضحية فكل بعير يُعْدَلُ بسبع شياه.","vol":"5","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-939>بَابُ بَيَانِ مَا كَانَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَبَيَانِ نَسْخِهِ، وَإِبَاحَتِهِ إِلَى مَتَى شَاءَ</span>\n\n[١٩٦٩] حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ مِنْ لُحُومِ نُسُكِنَا بَعْدَ ثَلَاثٍ.\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يحيى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدٍ- مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ- أَنَّهُ شَهِدَ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: فَصَلَّى لَنَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ نَهَاكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا لُحُومَ نُسُكِكُمْ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَلَا تَأْكُلُوا.\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ. ح، وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\n\n[١٩٧٠] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنْ لَحْمِ أُضْحِيَّتِهِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ».\n[خ: ٥٥٧٤]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: ابْنَ عُثْمَانَ- كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ","vol":"5","page":487},{"text":"عَبْدُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ.\nقَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَأْكُلُ لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: بَعْدَ ثَلَاثٍ.\nفي هذه الأحاديث: دليل على أن الصلاة قبل الخطبة يوم العيد، وأن الصلاة تقدَّم، بخلاف الجمعة فإن الخطبة فيها قبل الصلاة، من حديث طارق بن شهاب «قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ» (^١)، أي: فقد أدَّى ما عليه، يعني: أنكر المنكر.\nوقوله: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ مِنْ لُحُومِ نُسُكِنَا بَعْدَ ثَلَاثٍ»، أي: بعد أيام التشريق الثلاثة، وسبب النهي: وجود الفقراء الذين جاءُوا إلى المدينة، فأمرهم النبي ﷺ ألَّا يدخروا من اللحوم شيئًا فوق ثلاثة أيام حتى يتصدقوا على الفقراء، وفي العام التالي قال لهم النبي ﷺ: «إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ، فَكُلُوا، وَادَّخِرُوا، وَتَصَدَّقُوا».\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٩).","vol":"5","page":488},{"text":"[١٩٧١] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ.\nقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرَةَ، فَقَالَتْ: صَدَقَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الْأَضْحَى زَمَنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ادَّخِرُوا ثَلَاثًا، ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ»، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الْأَسْقِيَةَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ، وَيَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَا ذَاكَ؟» قَالُوا: نَهَيْتَ أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَقَالَ: «إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ، فَكُلُوا، وَادَّخِرُوا، وَتَصَدَّقُوا».\nقوله: «حَضْرَةَ الْأَضْحَى» - بفتح الحاء وضمها وكسرها-، يعني: وقتَ الأضحى.\nقوله: «إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ»: قال النووي: «قال أهل اللغة: الدافَّة- بتشديد الفاء-: قوم يسيرون جميعًا سيرًا خفيفًا، ودافة الأعراب: مَن يَرِدُ منهم المِصْرَ، والمراد هنا: مَن ورد من ضعفاء الأعراب» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٣/ ١٣٠).","vol":"5","page":489},{"text":"[١٩٧٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: «كُلُوا، وَتَزَوَّدُوا، وَادَّخِرُوا».\n[خ: ١٧١٩]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثِ مِنًى، فَأَرْخَصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «كُلُوا، وَتَزَوَّدُوا»، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: قَالَ جَابِرٌ: حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَةَ، قَالَ: نَعَمْ.\nقوله: «فَوْقَ ثَلَاثِ مِنًى»، يعني: أيام التشريق، الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، أي: أنهم استمروا يأكلون حتى جاءُوا المدينة، أي: قريبًا من عشرة أيام.\n\n[١٩٧٢] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا لَا نُمْسِكُ لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَزَوَّدَ مِنْهَا، وَنَأْكُلَ مِنْهَا- يَعْنِي: فَوْقَ ثَلَاثٍ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا نَتَزَوَّدُهَا إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nفي هذا الحديث: أن المشروع في تقسيم الأضحية: أن يتصدق بالثلث، ويأكل الثلث، ويهدي الثلث، وكذلك الهدي، والعقيقة وهذا هو الأفضل، وقيل: يأكل النصف، ويتصدق بالنصف.","vol":"5","page":490},{"text":"والراجح: أن ينظر إلى ما هو الأرفق له، والأنفع للفقير.\nقالوا: وأقل شيء يتصدق به قدر أوقية، وإن أكلها ضمنها، يعني: يشتري بقدر الأوقية لحمًا، ويتصدق بقدرها.\n\n[١٩٧٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنِ الجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، لَا تَأْكُلُوا لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ»، وقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: «ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ»، فَشَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ لَهُمْ عِيَالًا، وَحَشَمًا، وَخَدَمًا، فَقَالَ: «كُلُوا، وَأَطْعِمُوا، وَاحْبِسُوا- أَوِ: ادَّخِرُوا»، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: شَكَّ عَبْدُ الْأَعْلَى.\nقوله: «فَشَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ لَهُمْ عِيَالًا، وَحَشَمًا، وَخَدَمًا»: الحشم هم: خدم الرجل ومن يغضب له، وعطف الخدم عليه من باب عطف الخاص على العام.\n\n[١٩٧٤] حَدَّثَنَا إِسْحاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ فِي بَيْتِهِ بَعْدَ ثَالِثَةٍ شَيْئًا»، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا عَامَ أَوَّلَ، فَقَالَ: «لَا، إِنَّ ذَاكَ عَامٌ كَانَ النَّاسُ فِيهِ بِجَهْدٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ يَفْشُوَ فِيهِمْ».\n[خ: ٥٥٦٩]\nقوله: «بِجَهْدٍ»، يعني: مشقة وفاقة.\nوقوله: «يَفْشُوَ»، يعني: ينتشر ويشيع.","vol":"5","page":491},{"text":"وقوله: «مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ»: كقوله: «إِذَا دَخَلَ العَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ»، فجعل الإرادة للمضحي، وهذا يدل على أنها ليست واجبة، وفيها خلاف بين أهل العلم، وقد سبق تفصيله (^١).\n\n[١٩٧٥] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَحِيَّتَهُ، ثُمَّ قَالَ: «يَا ثَوْبَانُ، أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ»، فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ رَافِعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nوَحَدَّثَنِي إِسْحاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ثَوْبَانَ- مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ-: «أَصْلِحْ هَذَا اللَّحْمَ»، قَالَ: فَأَصْلَحْتُهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ مِنْهُ حَتَّى بَلَغَ الْمَدِينَةَ.\nوَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَقُلْ: فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.\n\n[٩٧٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَنْ أَبِي سِنَانٍ، وقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: عَنْ ضِرَارِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مُحَارِبٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ أَبُو سِنَانٍ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ\n_________\n(^١) في شرح حديث رقم (١٩٦٠).","vol":"5","page":492},{"text":"ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا».\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ»، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي سِنَانٍ.\nقوله: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا»: هذا النهي عن زيارة القبور كان خوفًا من أن يتعلق الناس بالقبور؛ لأنهم كانوا حديثي عهد بإسلام، ثم لما استقر الإسلام في نفوس الناس نُسخ هذا النهي.\nقوله: «وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ»: هذا النهي كان لأجل الفقراء، ثم نُسخ.\nقوله: «وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا»: النبيذ هو: عصير العنب، أو التمر، ويسمى: المريس، أو عصير الشعير، أو عصير الذرة، وكانوا ينتبذونه ويشربونه، فإذا مضى عليه ثلاثة أيام ومع شدة الحر يقذف بالزبد فيتخمر، فربما يتخمر وهم لا يعلمون، والأسقية هي: الأوعية من جلد الغنم، أو غيره، مثل: القربة التي يُجعل فيها الماء حتى يبرد، والمعنى: أنهم كانوا يجعلون النبيذ في السقاء، وفي شدة الحر يتمزق، فنهاهم النبي ﷺ عَنِ النبيذ إلا في السقاء، ثم رخَّص لهم أن ينتبذوا في كل وعاء.\nوالناسخ يُعرف- أحيانًا- بقول الشارع، نحو: قوله: «نَهَيْتُكُم ... فَزُورُوهَا»، و«نَهَيْتُكُم ... فَادَّخِرُوا»، و«نَهَيْتُكُم ... فَانْتَبِذُوا»، وأحيانًا يُعرف بقول الصحابي؛ كقول جابر ﵁: «كَانَ آخِرَ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: عَدَمُ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» (^١)، وأحيانًا يُعرف بالتاريخ، فإذا تعارض\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٤٢٦٢)، وأبو داود (١٩٢)، والنسائي (١٨٥).","vol":"5","page":493},{"text":"الحديثان، ولم يمكن الجمع بينهما ينظر للتاريخ، فالمتأخر ينسخ المتقدم.\nوفي هذه الأحاديث: بيان علة النهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، وهي: الدَّافَّة، وهم: الفقراء الذين دَفُّوا على المدينة، ثم نُسخ النهي، وعاد الأمر كما كان، فيجوز للإنسان أن يدخر من لحوم الأضاحي ما بدا له، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء (^١).\nوذهب بعض العلماء إلى أن النهي ليس منسوخًا، وإنما هو باقٍ، وهذا ما رُوي عن علي (^٢) وابن عمر ﵄ (^٣)، وقال بعضهم: النهي ليس للتحريم، وإنما هو للتنزيه.\nوقال آخرون من أهل العلم: ليس هناك نسخ، وإنما نهى عنه لعلة وجود الدافة، ثم زالت فعاد الأمر كما كان.\nوبعضهم يرى أنه لو وُجدت حالة مثل ما حصل في المدينة بأن جاء فقراء في بعض السنين فإنه يعود الأمر كما كان.\nوفيها: ذكر ثلاثة أشياء جُمع فيها بين الناسخ والمنسوخ:\nالأول: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا»، فالمنسوخ النهي عن زيارة القبور، والناسخ قوله: «فَزُورُوهَا».\nوالثاني: قوله: «وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ»: فالناسخ قوله: «فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ»: والمنسوخ: «وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ».\nوالثالث: «وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا»، فالناسخ: «فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا»، والمنسوخ: «وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ».\n_________\n(^١) الاختيار لتعليل المختار، لأبي الفضل الحنفي (٥/ ٢٠)، أسنى المطالب، لزكريا الأنصاري (١/ ٥٤٦)، المغني، لابن قدامة (٩/ ٤٤٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٥٧٣)، ومسلم (١٩٦٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٥٧٤)، ومسلم (١٩٧٠).","vol":"5","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-940>بَابُ الْفَرَعِ وَالْعَتِيرَةِ</span>\n\n[١٩٧٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ يحيى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا فَرَعَ، وَلَا عَتِيرَةَ»، زَادَ ابْنُ رَافِعٍ فِي رِوَايَتِهِ: وَالْفَرَعُ: أَوَّلُ النِّتَاجِ كَانَ يُنْتَجُ لَهُمْ فَيَذْبَحُونَهُ.\n[خ: ٥٤٧٣]\nفي هذا الحديث: نفي الفرع والعتيرة.\nوالفرع: هو أول نتاج الناقة، أو الشاة، أو البقرة، وكانوا في الجاهلية يذبحونه لأصنامهم.\nوالعتيرة: هي الذبيحة في العشر الأُوَل من رجب، ويقال لها: الرَّجَبِيَّة، ونفيها يدل على عدم مشروعيتها، لكن جاء في أحاديث أُخَرَ ما يفيد استحبابها، من ذلك قوله ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أَضْحَاةً وَعَتِيرَةً، أَتَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَةُ؟ هِيَ الَّتِي يُسَمِّيهَا النَّاسُ الرَّجَبِيَّةُ» (^١)؛ ولهذا اختلف العلماء في الفرع والعتيرة هل هما مشروعان، أم لا؟\nفذهب الشافعية إلى أن الفرع والعتيرة مستحبان، وأنه يستحب للإنسان أن يذبح أول نتاج ويتصدق به، وكذلك الذبيحة في رجب (^٢).\nوأجاب الشافعية عن حديث: «لَا فَرَعَ، وَلَا عَتِيرَةَ»: بأن النفي هنا هو نفي\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧٨٨٩)، وأبو داود (٢٧٨٨)، والترمذي (١٥١٨)، وابن ماجه (٣١٢٥).\n(^٢) أسنى المطالب، لزكريا الأنصاري (١/ ٥٥٠)، النجم الوهاج، لأبي البقاء (٩/ ٥٣٤).","vol":"5","page":495},{"text":"الوجوب، أو أنه نفي استحباب كونه أفضلَ من الأضحية، واستدلوا بآثار وردت في الباب، وقالوا: هذا يدل على أن الفرع والعتيرة مستحبان، وأن النفي لما كانوا يذبحونه لآلهتهم وأصنامهم.\nوالقول الثاني لأهل العلم: أن الفرع والعتيرة غير مشروعين، وغير مستحبين، وأن قوله: «لَا فَرَعَ، وَلَا عَتِيرَةَ»: يفيد النهي، كما نقل القاضي عياض عن جمهور العلماء أن هذا الحكم منسوخ (^١)، وهو الصواب.\nوقد أجاب بهذا سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ في فتاويه، فقال: «قوله: (ولا تسن الفرعة، ولا العتيرة)، وفيما أفهم الآن أنه أقرب إلى التحريم. قوله: «لَا فَرَعَ، وَلَا عَتِيرَةَ»: نفي كونهما سنةً، أي: خلافًا لما يراه بعض الجاهلية من أن ذلك سنة، هذا معنى كلام بعضهم، لكن النفي يفيد البطلان، كـ «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ»، (^٢) أفلا يكون «لَا فَرَعَ، وَلَا عَتِيرَةَ»: إبطالًا لذلك؟ ! فالأصل سقوط ذلك، ولا حاجة إلى تأويل، بل هو ساقط بالإسقاط النبوي، سقط سنةً وفعلًا، هذا مع دلالة: «وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»، (^٣) مع دلالة أن الرسول منع من مشابهة الجاهلية، ثم هذا من باب العبادات، والعبادات توقيفية، فلو لم ينفها ﷺ كانت منتفية؛ فإن أمور الجاهلية كلها منتفية لا يُحتاج إلى أن ينصص على كل واحد منها» (^٤).\nقلت: والأقرب أن هذا منسوخ، وإن كان هذا نفيًا فإنه يدل على النهي، والنفي أبلغ من النهي، أما استحباب الشافعية فهو مرجوح.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياص (٦/ ٤٣٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٧٠٧)، ومسلم (٢٢٢٠).\n(^٣) أخرجه أحمد (٥١١٤)، وأبو داود (٤٠٣١).\n(^٤) فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ (٦/ ١٤٠).","vol":"5","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-941>بَابُ نَهْيِ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ وَهُوَ مُرِيدُ التَّضْحِيَةِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِهِ، أَوْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا</span>\n\n[١٩٧٧] حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ، وَبَشَرِهِ شَيْئًا».\nقِيلَ لِسُفْيَانَ: فَإِنَّ بَعْضَهُمْ لَا يَرْفَعُهُ، قَالَ: لَكِنِّي أَرْفَعُهُ.\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ- تَرْفَعُهُ- قَالَ: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ وَعِنْدَهُ أُضْحِيَّةٌ يُرِيدُ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ شَعْرًا، وَلَا يَقْلِمَنَّ ظُفُرًا».\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ الْعَنْبَرِيُّ أَبُو غَسَّانَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ، وَأَظْفَارِهِ».\nوَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ الْهَاشِمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمَرَ- أَوْ: عَمْرِو- بْنِ مُسْلِمٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nوَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو اللَّيْثِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ».","vol":"5","page":497},{"text":"حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عَمَّارٍ اللَّيْثِيُّ قَالَ: كُنَّا فِي الْحَمَّامِ قُبَيْلَ الْأَضْحَى، فَاطَّلَى فِيهِ نَاسٌ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَمَّامِ: إِنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَكْرَهُ هَذَا- أَوْ: يَنْهَى عَنْهُ- فَلَقِيتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ- يَا ابْنَ أَخِي-: هَذَا حَدِيثٌ قَدْ نُسِيَ وَتُرِكَ. حَدَّثَتْنِي أُمُّ سَلَمَةَ- زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مُعَاذٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يحيى، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- ابْنِ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُسْلِمٍ الْجُنْدَعِيِّ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- أَخْبَرَتْهُ، وَذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ، بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ.\nقوله: «فَاطَّلَى فِيهِ نَاسٌ»، يعني: أزالوا شعر العانة بالنّورة؛ لأن ابن المسيب يكره إزالة شعر العانة في العشر الأول من ذي الحجة لمن أراد أن يضحي، وليس المراد: أن سعيدًا يكره إزالة الشعر مطلقًا.\nوفي هذه الأحاديث: دليل على عدم وجوب الأضحية؛ لقوله ﷺ: «وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ»: حيث جعل الإرادة إلى الإنسان، فدل على أنها ليست واجبة، ومفهومه: أنه إذا لم يُرِدْ أن يضحي فلا حرج عليه.\nوفيها: النهي لمن أراد أن يضحي بعد دخول العشر أن يأخذ من شعره، أو بشرته، أو ظفره شيئًا.\nواختلف العلماء في هذا النهي، فذهب الإمام أحمد- في رواية أبي داود وإسحاق- إلى أن النهي للتحريم (^١)؛ لأن الأصل في النهي التحريم.\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد، لأحمد بن حنبل (١/ ٤٥٠)، الإقناع، لأبي النجا (١/ ٤٠٨)، المغني، لابن قدامة (٩/ ٤٣٦).","vol":"5","page":498},{"text":"وذهب الإمام الشافعي ﵀ إلى أن النهي للتنزيه، فلو أخذ من شعره فلا إثم عليه (^١).\nوذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ إلى أنه لا يحرم ولا يكره، وهذا ضعيف؛ لأنه مخالف للحديث (^٢).\nوالصواب: القول الأول، أي: أن النهي للتحريم، إلا إذا وُجد صارف لهذا النهي، ولا صارف هنا.\nوبعض العامة الذين ابتلوا بحلق لحاهم يشق عليهم أن يبقوا عشرة أيام لا يحلق فيها لحيته- نسأل الله العافية- فتجد بعضهم يسأل عن أخذ الشعر هل يجوز أخذ الشعر في العشر، وإذا أخذتُ هل تصح الأضحية، أو لا تصح؟ وحلق اللحية خلال العام أعظم معصية من الأخذ من الشعر أو الأظفار أيام العشر، وبلغ الأمر ببعضهم أنه قد لا يضحي لهذا السبب، وعلى كل حال لو أخذ من شعره، أو أظفاره فهذا لا يمنع من الأضحية، والأضحية صحيحة.\nمسألة: إذا دخل العشر من ذي الحجة وأراد أن يضحي، ثم اعتمر في العشر فهل له أن يقص من شعره إذا طاف وسعى؟\nوالجواب: نعم له أن يقص من شعره؛ لأن هذا واجبٌ، ونسكٌ لا تتم العمرة إلا به، فإذا طاف وسعى قص من شعره، ثم يمسك بعد ذلك، لكن إذا قصر من شعره وتحلل فلا يأخذ من أظفاره ولا من شعره حتى يضحي.\nواختلف العلماء في الحكمة في هذا النهي، فقيل: الحكمة من النهي حتى يبقى المسلم سالم الأجزاء للعتق من النار، فتكون أجزاؤه كلها باقية.\nوقيل: هو من باب التشبه بالمُحْرِم.\nوالأول أرجح؛ لأن الأضحية من موجبات المغفرة والعتق من النار.\n_________\n(^١) المجموع شرح المهذب، للنووي (٨/ ٣٩١).\n(^٢) التجريد، للقدوري (١٢/ ٦٣٤٤).","vol":"5","page":499},{"text":"وقولُ الحنابلة: «ومن أراد التضحية فدخل العشر حرم عليه وعلى من يضحِّي عنه أخذُ شيء من شعره وظفره وبشرته إلى الذبح» (^١) هو اجتهادٌ منهم، والرسول ﷺ لم يقل: عليه وعلى من يضحِّي عنه.\nبل الصواب: أن الذي يُخاطَب بترك شعره وأظفاره هو المضحِّي فقط، أما سائر أهل بيته فلا يمتنعون من ذلك على الصحيح.\n_________\n(^١) الإقناع، للحجاوي (١/ ٤٠٨).","vol":"5","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-942>بَابُ تَحْرِيمِ الذَّبْحِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَعْنِ فَاعِلِهِ</span>\n\n[١٩٧٨] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنْ مَرْوَانَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسِرُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: فَغَضِبَ، وَقَالَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسِرُّ إِلَيَّ شَيْئًا يَكْتُمُهُ النَّاسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ حَدَّثَنِي بِكَلِمَاتٍ أَرْبَعٍ، قَالَ: فَقَالَ: مَا هُنَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَيَّانَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قُلْنَا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَخْبِرْنَا بِشَيْءٍ أَسَرَّهُ إِلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: مَا أَسَرَّ إِلَيَّ شَيْئًا كَتَمَهُ النَّاسَ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ الْمَنَارَ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ أَبِي بَزَّةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ: أَخَصَّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ: مَا خَصَّنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ كَافَّةً، إِلَّا مَا كَانَ فِي قِرَابِ سَيْفِي هَذَا، قَالَ: فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً مَكْتُوبٌ فِيهَا: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ \\مَنْ سَرَقَ مَنَارَ الْأَرْضِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا».","vol":"5","page":501},{"text":"في هذه الأحاديث: ردٌّ على الشيعة الرافضة الذين يزعمون أن أهل البيت خُصُّوا بشيء دون الناس، وأن النبي ﷺ خصَّهم بالوصية، وأنه أوصى إلى اثني عشر إمامًا، ولكن أهل السنة كتموا ذلك، وارتدَّ الصحابة، وأخفَوُا النصوصَ التي فيها النص على أن عليًّا هو الخليفة، وولَّوا أبا بكر زورًا وبهتانًا وظلمًا، ثم ولَّوا عمر زورًا وبهتانًا وظلمًا، ثم ولَّوا عثمان زورًا وبهتانًا وظلمًا.\nوهكذا اعتقاد الرافضة في علي ﵁، ولما سأله هذا الرجل: «مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسِرُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: فَغَضِبَ، وَقَالَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسِرُّ إِلَيَّ شَيْئًا يَكْتُمُهُ النَّاسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ حَدَّثَنِي بِكَلِمَاتٍ أَرْبَعٍ»، وفي لفظ آخر: «إِلَّا هَذِهِ الصَّحِيفَةَ» (^١)، وفي لفظ آخر: «إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللهُ رَجُلًا فِي كِتَابِ اللهِ» (^٢).\nوفيها: أن هذه الأمور الأربعة من الكبائر؛ لأن النبي ﷺ لعن مَن فعلها، وضابط الكبيرة أنها: كل شيء خُتم بنار، أو لعنة، أو غضب في الآخرة، أو أوجب حدًّا في الدنيا.\nقوله: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ»، وجاء في اللفظ الآخر: «مِنَ الْكَبَائِرِ: شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ ! قَالَ: «نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ!» (^٣)، يعني: يتسبب في لعن والديه، فكأنه لعنهما، لكن إذا لعنهما مباشرة فهو يكون أعظم وأعظم.\nوقوله: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ»: وهذا شرك، فمن ذبح لغير الله فهو مشرك ملعون.\nوقوله: «لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا»: والمحدث هو: المبتدع، وقيل: المحدث هو من يؤوي من ارتكب حدًّا، ويمنع من إقامة الحد عليه، أو يؤويه حتى ينصره وتنتشر هذه البدعة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١١)، ومسلم (١٣٧٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٠٤٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠).","vol":"5","page":502},{"text":"وقوله: «لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ»: المراد بمنار الأرض: الحدود التي تفصل بين الجار وجاره حتى يأخذ زيادة من أرض جاره، وهذا ملعون؛ لأنه غير منار الأرض، وقيل: منار الأرض: العلامات التي فوق الطرقات التي يستدل بها المسافرون في الطرق، فيزيلها حتى يضلَّ المسافرون، فهو يُحمَل على هذا وهذا، وقد ورد في الحديث الآخر: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٥٣)، ومسلم (١٦١٢).","vol":"5","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-943>كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ</span>","vol":"6","page":3},{"text":"كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-944>بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، وَمِنَ التَّمْرِ، وَالْبُسْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَغَيْرِهَا مِمَّا يُسْكِرُ</span>\n\n[١٩٧٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: أَصَبْتُ شَارِفًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَغْنَمٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَارِفًا أُخْرَى، فَأَنَخْتُهُمَا يَوْمًا عِنْدَ بَابِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَ عَلَيْهِمَا إِذْخِرًا لِأَبِيعَهُ، وَمَعِي صَائِغٌ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَأَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى وَلِيمَةِ فَاطِمَةَ، وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَشْرَبُ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ مَعَهُ قَيْنَةٌ تُغَنِّيهِ، فَقَالَتْ:\nأَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ\nفَثَارَ إِلَيْهِمَا حَمْزَةُ بِالسَّيْفِ، فَجَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا، وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، ثُمَّ أَخَذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا، قُلْتُ لِابْنِ شِهَابٍ: وَمِنَ السَّنَامِ؟ قَالَ: قَدْ جَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا فَذَهَبَ بِهَا، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ عَلِيٌّ: فَنَظَرْتُ إِلَى مَنْظَرٍ أَفْظَعَنِي، فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، فَخَرَجَ وَمَعَهُ زَيْدٌ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَدَخَلَ عَلَى حَمْزَةَ، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ، فَرَفَعَ حَمْزَةُ بَصَرَهُ، فَقَالَ: هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِآبَائِي، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَهْقِرُ حَتَّى خَرَجَ عَنْهُمْ.\n[خ: ٣٠٩١]\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.","vol":"6","page":5},{"text":"وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ أَبُو عُثْمَانَ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنَ الْمَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْطَانِي شَارِفًا مِنَ الْخُمُسِ- يَوْمَئِذٍ- فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِيَ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ يَرْتَحِلُ مَعِيَ، فَنَأْتِي بِإِذْخِرٍ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنَ الصَّوَّاغِينَ، فَأَسْتَعِينَ بِهِ فِي وَلِيمَةِ عُرْسِي، فَبَيْنَا أَنَا أَجْمَعُ لِشَارِفَيَّ مَتَاعًا مِنَ الْأَقْتَابِ وَالْغَرَائِرِ وَالْحِبَالِ، وَشَارِفَايَ مُنَاخَانِ إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَجَمَعْتُ حِينَ جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ، فَإِذَا شَارِفَايَ قَدِ اجْتُبَّتْ أَسْنِمَتُهُمَا، وَبُقِرَتْ خَوَاصِرُهُمَا، وَأُخِذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا، فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنَيَّ حِينَ رَأَيْتُ ذَلِكَ الْمَنْظَرَ مِنْهُمَا، قُلْتُ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ قَالُوا: فَعَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ فِي شَرْبٍ مِنْ الْأَنْصَارِ غَنَّتْهُ قَيْنَةٌ وَأَصْحَابَهُ، فَقَالَتْ فِي غِنَائِهَا:\nأَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ\nفَقَامَ حَمْزَةُ بِالسَّيْفِ فَاجْتَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا، وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، فَأَخَذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، قَالَ: فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَجْهِيَ الَّذِي لَقِيتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا لَكَ؟»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ، عَدَا حَمْزَةُ عَلَى نَاقَتَيَّ فَاجْتَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا، وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، وَهَا هُوَ ذَا فِي بَيْتٍ مَعَهُ شَرْبٌ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرِدَائِهِ، فَارْتَدَاهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي، وَاتَّبَعْتُهُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، حَتَّى جَاءَ الْبَابَ الَّذِي فِيهِ حَمْزَةُ، فَاسْتَأْذَنَ، فَأَذِنُوا لَهُ، فَإِذَا هُمْ شَرْبٌ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلُومُ حَمْزَةَ فِيمَا فَعَلَ، فَإِذَا حَمْزَةُ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ، فَنَظَرَ حَمْزَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ، فَنَظَرَ إِلَى سُرَّتِهِ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ، فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ حَمْزَةُ: وَهَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي، فَعَرَفَ","vol":"6","page":6},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ ثَمِلٌ، فَنَكَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرَى، وَخَرَجَ، وَخَرَجْنَا مَعَهُ.\nوَحدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقوله: «مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ»: هم طائفة من اليهود، و«قينقاع» اسم مصروف على إرادة الحي، ويجوز عدم صرفه على إرادة القبيلة.\nوقوله: «يُقَهْقِرُ»: المراد: رجوع القهقرى: وهو الرجوع إلى وراء ووجهه إليك، وإنما فعل ذلك ﷺ خوفًا من أن يبدو من حمزة ﵁ أمر يكرهه إذا ولَّاه ظهره؛ لكونه مغلوبًا بالسُّكْر.\nوقوله: «فَنَأْتِي بِإِذْخِرٍ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنَ الصَّوَّاغِينَ»: فيه: صحة استعمال الفقهاء في قولهم: بعت منه ثوبًا، ووهبت منه كتابًا، أو جارية.\nوقوله: «فِي شَرْبٍ» - بفتح الشين وإسكان الراء-: هم الجماعة الشاربون.\nوقوله: «مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ»: لأنه لا زال في سكره.\nوقوله: «ثَمِلٌ» - بفتح الثاء وكسر الميم- أي: سكران.\nوفي هذا الحديث: بيان شدة آثار الخمر، وأنَّ الخمر خبيثة؛ تصل بالإنسان إلى ما لا تُحمَد عُقباه.\nوفيه: أنَّ حمزة بن عبد المطلب ﵁ كان يشرب الخمر مع جماعة قبل أن تُحرَّم؛ لأن الخمر لم تُحَرَّم إلا بعد أُحُدٍ، وكان هذا بعد غزوة بدر، وقبل غزوة أُحُد، فهو لا لوم عليه ﵁.\nوفيه: مشروعية قتال الكفار، وحِل الغنائم لهذه الأمة.\nوفيه: أن الخمر تُغيِّب العقل، والسكران يُخيَّل إليه أنه يكون في عالمٍ آخر؛ يُخيَّل إليه أنه مَلِك، وأنه يأمر بما يشاء، وينهى عما يشاء.\nوفيه: أن سبب فعلة حمرة ﵁ جارية كانت تُغنِّيه:\nأَلَا يَا حَمْزُ بِالشُّرُفِ","vol":"6","page":7},{"text":"النِّوَاءِ\nيعني: عليك بها، والشُّرُف يعني: النوق السمينة، والواحدة تسمى: شارِفة، وجمعها شُرُف، أي: عليك بالإبل النواء السمينة، وهي جمع ناوٍ، وهي: السمينة، والأبيات تقول:\nأَلَا يَا حَمْزُ بالشُّرُفِ النِّوَاءِ ... وَهُنَّ مُعقَّلَاتٌ بِالفِنَاءِ\nضَعِ السِّكِّينَ فِي اللَّبَّاتِ مِنْهَا ... وبرِّدْهُنَّ حَمْزٌ بِالدِّمَاءِ\nوكان قد هيجَّته الخمر والمغنية، فخرج وأخذ السيف، وجبَّ أسنمة الناقتين، ثم شقَّ بطونهما، واستخرج الأمعاء، وجعل يأكل.\nوفيه: أن هاتين الشارِفتين كانتا رأسَ مال علي ﵁، وكان قد وعد رجلًا من الصُوَّاغ للاحتشاش عليهما؛ ليبيع ما يحتشه، حتى يجمع شيئًا من المال؛ ليستعين به على وليمة زواجه من بنت النبي ﷺ فاطمة، وهذا فيه دليل على أنَّ زواج علي من فاطمة كان بعد غزوة بدر، وقبل غزوة أحد.\nوفيه: أنه لا بأس بالاحتشاش والاحتطاب؛ لأن الحشيش والحطب مباح للجميع، وكون الإنسان يحتش، ويحتطب ليأخذ الحشيش من البر ويبيعه، ويكُف الله به وجهه عَنِ السؤال، هذا هو الذي ينبغي، ولا يسعى للناس ويشحذ منهم.\nوفيه: أنَّ الاحتشاش والاحتطاب لا عيب فيهما، ولا ينقصان من المروءة، فهذا علي ﵁ وهو من أشرف الناس، ومع ذلك أقرَّه النبي ﷺ على الاحتشاش والاحتطاب.\nوفيه: مشروعية الوليمة للعرس؛ ولهذا قال: «أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِيَ بِفَاطِمَةَ»، والبناء يعني: الزواج، وسُمِّي الزواج بناءً؛ لأن العرب كانت إذا تزوج المتزوج يُضرَب له خيمة، فقيل للمتزوج: يبتني.\nوالإذخر: نوعٌ من الحشيش الرطب يجعله أهل مكة بدلًا من الجريد في سقوف البيوت، وهو كذلك يُجعَل في القبور بين الخلل الذي يوجد فيها، وكذلك يُوقد به الصاغة والحدَّادون النار.","vol":"6","page":8},{"text":"وفيه: جواز الاستعانة باليهود، وهذا قبل أن يأمر النبي ﷺ بإخراجهم من جزيرة العرب.\nوفيه: أن المعاملة مع اليهود ليست من التولِّي ولا من الموالاة، والتولِّي: محبة الكفار ومعاونتهم على المسلمين، وهذه رِدَّة، والموالاة: معاشرتهم ومصادقتهم، والبيع والشراء ليس من هذا في شيء، فإذا باع واشترى معهم فلا حرج، مع الحذر من شرِّهِم، وهو شيء عارض كأن يأتي الواحد منهم ويبيع سلعته يومين ويذهب، أو كان في غير جزيرة العرب فلا بأس.\nوفيه: دليل على لبس الرداء، وأنَّ الإنسان يلبس ثيابًا لمقابلة الناس غير الثياب التي يتخفَّف بها في بيته، فإذا أراد الخروج ومقابلة الناس يلبس الثياب المناسبة، كما أقر النبي ﷺ عمر لما قال له- حين رأى حُلَّةً تُباع- قال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ، فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ» (^١).\nوفيه: أن الخمر كانت في ذلك الوقت لم تُحرَّم بعد؛ ثم حُرِّمت بعد ذلك، فأشكل ذلك على بعض الصحابة ﵃، فقالوا: يا رسول الله: قُتِل إخواننا وهي في بطونهم! فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثم اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثم اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ لأنها لم تكن قد حُرِّمت في ذلك الوقت، ثم بعد ذلك حرَّمها الله تعالى.\nوفيه: بيان شدة الخمر وآثارِها السيئة، وأنها من كبائر الذنوب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٨٦)، ومسلم (٢٠٦٨).","vol":"6","page":9},{"text":"[١٩٨٠] حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ- أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ يَوْمَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ، وَمَا شَرَابُهُمْ إِلَّا الْفَضِيخُ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي، فَقَالَ: اخْرُجْ فَانْظُرْ، فَخَرَجْتُ فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قَالَ: فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَاهْرِقْهَا، فَهَرَقْتُهَا، فَقَالُوا- أَوَ قَالَ بَعْضُهُمْ-: قُتِلَ فُلَانٌ، قُتِلَ فُلَانٌ، وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ، قَالَ: فَلَا أَدْرِي هُوَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.\n[خ: ٢٤٦٤]\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ: سَأَلُوا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الفَضِيخِ، فَقَالَ: مَا كَانَتْ لَنَا خَمْرٌ غَيْرَ فَضِيخِكُمْ هَذَا الَّذِي تُسَمُّونَهُ الْفَضِيخَ، إِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِيهَا أَبَا طَلْحَةَ، وَأَبَا أَيُّوبَ، وَرِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِنَا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: هَلْ بَلَغَكُمُ الْخَبَرُ؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: فَإِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ: يَا أَنَسُ، أَرِقْ هَذِهِ الْقِلَالَ، قَالَ: فَمَا رَاجَعُوهَا، وَلَا سَأَلُوا عَنْهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ: وَأَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: إِنِّي لَقَائِمٌ عَلَى الْحَيِّ عَلَى عُمُومَتِي أَسْقِيهِمْ مِنْ فَضِيخٍ لَهُمْ، وَأَنَا أَصْغَرُهُمْ سِنًّا، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، فَقَالُوا: اكْفِئْهَا يَا أَنَسُ، فَكَفَأْتُهَا، قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: مَا هُوَ؟ قَالَ: بُسْرٌ وَرُطَبٌ؟ قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَنَسٍ: كَانَتْ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ.\nقَالَ سُلَيْمَانُ: وَحَدَّثَنِي، رَجُلٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ- أَيْضًا.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كُنْتُ قَائِمًا عَلَى الْحَيِّ أَسْقِيهِمْ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَنَسٍ: كَانَ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَأَنَسٌ شَاهِدٌ فَلَمْ يُنْكِرْ أَنَسٌ","vol":"6","page":10},{"text":"ذَاكَ، وقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعِي أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ: وَأَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ، وَأَبَا دُجَانَةَ، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا دَاخِلٌ، فَقَالَ: حَدَثَ خَبَرٌ، نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، فَأَكْفَأْنَاهَا- يَوْمَئِذٍ- وَإِنَّهَا لَخَلِيطُ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ، قَالَ قَتَادَةُ: وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: لَقَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، وَكَانَتْ عَامَّةُ خُمُورِهِمْ- يَوْمَئِذٍ- خَلِيطَ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّار قَالُوا: أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: إِنِّي لَأَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ، وَأَبَا دُجَانَةَ، وَسُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاء مِنْ مَزَادَةٍ فِيهَا خَلِيطُ بُسْرٍ وَتَمْرٍ. بِنَحْوِ حَدِيثِ سَعِيدٍ.\nقوله: «مِنْ مَزَادَةٍ»: والمزادة: قربة السقاء، يجعلون فيها خمرًا، وهي من الجلد.\nوفي هذا الحديث: سرعة مبادرة الصحابة رضوان الله عليهم لامتثال أمر الله وأمر رسوله، وهذا هو الفرق بين الصحابة وبين غيرهم، فالصحابة ﵃ يمتثلون الأوامر، وينتهون عَنِ النواهي، ولا يتلكؤون ولا يتأخرون، بخلاف مَن بعدهم؛ ولهذا ما راجَعُوها بعد خبر الرجل، بمجرد أن سمعوا المنادي أهرقوها مع شدة تعلُّقِهِم بها؛ لأنهم كانوا يشربونها في الجاهلية، ولا يستطيعون الانفكاك عنها؛ ولهذا تدرَّج الله ﷾ في تحريمها، فبيَّن أولًا أنَّ فيها منافع وفيها مضار، ثم نهى عن شربها في وقت قربان الصلاة، ثم حرمها بعد ذلك تحريمًا باتًّا.\nوقالت عائشة ﵂: «يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ المُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ، لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ:","vol":"6","page":11},{"text":"﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا» (^١)، يعني: بمجرد ما نزل الحجاب امتثلنَّ أمر الله وأمر رسوله.\nوفيه: دليل على قبول خبر الواحد، والرد على مَن قال بعدم قبوله.\nوفيه: دليل على أنَّ صغير القوم يخدمهم.\nوفيه: أنَّ شرابهم كان من الفضيخ، والفضيخ: البُسر والتمر، يُفضَخ البُسر، أو التمر، ثم يُصَب عليه الماء، حتى يغلي ويكون خمرًا.\nوفيه: الرد على الكوفيين والأحناف (^٢) الذين يقولون: لا يسمى خمرًا إلا عصير العنب، والصحيح: أن كلًّا من عصير العنب، أو عصير التمر والبُسر، والزبيب، والذرة، والعسل، والشعير- كلها يكون منها الخمر، والخمر ليس خاصًّا بالعنب فقط.\nوقد ذهب الأحناف إلى أنه خاصٌّ بالعنب، ولا يسمى خمرًا ما عداه، ويجوز شرب القليل الذي لا يُسكِر منه، يعني: أنه إذا أسكر امتنعوا عنه.\nوالصواب: أنَّ الجميع لا يجوز شربه، فكل ما أسكر كثيره فقليله حرام.\nفالخمر عام ويكون من عدة أشياء، كما قال عمر ﵁: «أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وَهْيَ مِنْ خَمْسَةٍ؛ مِنْ: العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالعَسَلِ، وَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ. وَالخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ» (^٣)، ومن ثم فهي تسمى خمرًا، ويدل على ذلك الحديث- كما سيأتي-: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» من أي شيءٍ كان.\nوفيه: أنَّ أهل المدينة أراقوا الخمر، وأنها جرت في سكك المدينة، فاحتجَّ بعض العلماء على أنَّ الخمر ليست نجسة؛ بدليل أنها أُهرقَت في سِكَك المدينة، والشوارع ضيقة، فلا بد أن تمسَّ الأرجل والثياب، ولم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٧٥٨).\n(^٢) البحر الرائق، لابن نجيم (٨/ ٢٤٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٦١٩)، ومسلم (٣٠٣٢).","vol":"6","page":12},{"text":"يأمرهم النبي ﷺ بغسل أرجلهم، وكثيرٌ منهم لم يكن له نعل؛ فدلَّ على أنها طاهرة.\nوذهب الجمهور (^١) إلى أنها نجسة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ فقالوا: إنها نجسة، ولا يلزم من كونها تجري في السِكَك أنه لا يمكن اجتنابُها، وقالوا: إنها نجسة، ولا يجوز إبقاؤها؛ لأنَّ إبقاءها وسيلة إلى أن تتخلَّل.\nوقد اختلف العلماء فيما إذا انقلبت الخمر خلًّا هل تحل، أو لا تحل؟\nفمن العلماء مَن قال بإباحتها، ومنهم من قال بتحريمها.\nومنهم من فصَّل، فقال: إذا تخلَّلت بنفسها حلَّت، وإذا تخلَّلت بمعالجة بأن وُضع عليها شيء، أو مواد فلا تحل (^٢).\nوقول الجمهور بنجاستها له وجاهته؛ من جهة أنه ينبغي البُعد عَنِ الخمر وعن إبقائِها؛ لأن إبقاءها وسيلة لشُربِها.\nوفيه: أنهم يستعملون خليط البُسر والتمر ليكون أسرع في التخمُّر.\n_________\n(^١) البحر الرائق، لابن نجيم (٨/ ٢٤٧)، إرشاد السالك، لشهاب الدين المالكي (١/ ٤)، المجموع شرح المهذب، للنووي (٢/ ٥٦٣)، مغني المحتاج، للشربيني (١/ ٢٢٥)، المغني، لابن قدامة (٩/ ١٧١).\n(^٢) عيون المسائل، للقاضي عبد الوهاب (ص ٥٣٧)، المجموع، للنووي (٢/ ٥٧٥)، المغني، لابن قدامة (٩/ ١٧٢).","vol":"6","page":13},{"text":"[١٩٨١] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ قَتَادَةَ بْنَ دِعَامَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُخْلَطَ التَّمْرُ وَالزَّهْوُ، ثُمَّ يُشْرَبَ، وَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ عَامَّةَ خُمُورِهِمْ يَوْمَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ.\n\n[١٩٨٠] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَأَبَا طَلْحَةَ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ شَرَابًا مِنْ فَضِيخٍ وَتَمْرٍ، فَأَتَاهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ- يَا أَنَسُ-: قُمْ إِلَى هَذِهِ الْجَرَّةِ فَاكْسِرْهَا، فَقُمْتُ إِلَى مِهْرَاسٍ لَنَا، فَضَرَبْتُهَا بِأَسْفَلِهِ حَتَّى تَكَسَّرَتْ.\n\n[١٩٨٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ- يَعْنِي: الْحَنَفِيَّ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: لَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فِيهَا الْخَمْرَ، وَمَا بِالْمَدِينَةِ شَرَابٌ يُشْرَبُ إِلَّا مِنْ تَمْرٍ.\nقوله: «أَنْ يُخْلَطَ التَّمْرُ وَالزَّهْوُ»: الزهو: البُسر المُلوَّن الأحمر، أو الأصفر.\nوفي هذا الحديث: أنه ﷺ قد نهى أن يُخلَط الزهو بالتمر، فيجمع بين لونين، فيسرع التخمُّر قبل أن يظهر الطعم، وإنما إذا أراد عصيرًا فيجعل التمر وحده، أو الزهو وحده حتى لا يسرع التخمُّر، كما سيأتي، يشربه فردًا فردًا.\nوالمقصود: أن العرب كانوا يحتاجون إلى نوع من العصير، فيصبون الماء على التمر حتى يكون حاليًا، فيشربوه يومًا، أو يومين، لكن في اليوم الثالث وبفعل الحر يصير خمرًا، فيقذف بالزَبَد؛ ولهذا نهى النبي ﷺ عَنِ الجمع","vol":"6","page":14},{"text":"بينهما؛ خشية أن يتخمَّر سريعًا قبل أن يظهر طعمه، فيشرب الإنسان مُسكِرًا وهو لا يدري.\nوهذا النهي اختلف العلماء فيه، فذهب بعض المالكية إلى أن النهي للتحريم (^١)، وذهب الجمهور إلى أن النهي لكراهة التنزيه (^٢)، وذهب بعض الأحناف (^٣) إلى أن النهي ليس للتحريم ولا للتنزيه وهذا صادَم للنَّصَّ.\nوالصواب: أن أقل أحواله الكراهة.\n_________\n(^١) المدونة، لمالك بن أنس (٤/ ٥٢٣)، الفواكه الدواني، للنفراوي (٢/ ٢٨٨).\n(^٢) المجموع، للنووي (٢/ ٥٦٦)، المغني، لابن قدامة (٩/ ١٧٢).\n(^٣) المبسوط، للسرخسي (٢٤/ ٥).","vol":"6","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-945>بَابُ تَحْرِيمِ تَخْلِيلِ الْخَمْرِ</span>\n\n[١٩٨٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. ح، وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا، فَقَالَ: «لَا».\nقوله: «لَا»، يعني: لا يجوز، وهذا فيه دليل على أنه لا يجوز تخليل الخمر، وأن تخليلها لا يُحِلُّها، فإذا كان عنده خمر وأراد أن يُعالِجها ويضع عليها بعض المواد، أو يضيف إليها شيئًا حتى تكون خلًّا فلا يجوز، كما دلَّ عليه هذا الحديث، ومن هنا يظهر قوة مذهب الجمهور في القول بأنها نجسة وأنه يجب إراقتُها.\nواختلف العلماء فيما إذا تخلَّلت الخمر بنفسها هل تطهُر، أو لا تطهُر؟\nفمن العلماء مَن قال: إنها تطهُر، ومنهم مَن قال: إنها لا تطهُر (^١)، ولا ينبغي للإنسان أن يُبقيها؛ ويجب عليه إهراقُها.\n_________\n(^١) المجموع، للنووي (٢/ ٥٧٨ - ٥٧٩)، المغني، لابن قدامة (٩/ ١٧٢ - ١٧٣).","vol":"6","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-946>بَابُ تَحْرِيمِ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ</span>\n\n[١٩٨٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ الْجُعْفِيَّ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الخَمْرِ، فَنَهَاهُ، أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا، فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ».\nفي هذا الحديث: دليل على أنه لا يجوز المُداوَاة بالخمر، وأنها ليست دواء، ولكنها داء، وفي الحديث الآخر: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُم» (^١)، فالخمر محرَّمة، ولا يجوز استعمالُها ولو للدواء؛ ويجب إزالتُها فلا يُبقيها لا للدواء ولا للتخلُّل.\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٦٩٦٦)، وابن حبان (١٣٩١)، والبيهقي في الكبرى (٢٠١٧١).","vol":"6","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-947>بَابُ بَيَانِ أَنَّ جَمِيعَ مَا يُنْبَذُ مِمَّا يُتَّخَذُ مِنَ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ يُسَمَّى خَمْرًا</span>\n\n[١٩٨٥] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ أَبَا كَثِيرٍ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ، وَالْعِنَبَةِ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو كَثِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ، وَالْعِنَبَةِ».\nوَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، وَعِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ التَّوْأَمِ عَنْ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: الْكَرْمَةِ، وَالنَّخْلَةِ»، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: «الْكَرْمِ، وَالنَّخْلِ».\nفي هذا الحديث: دليل على جواز تسمية العنب كَرمة، وجاء في الحديث الآخر: «لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ» (^١).\nواختلف العلماء في ذلك، فمن العلماء مَن قال: إن النهي كان أولًا، ومنهم مَن حمل النهي على التنزيه.\nوفيه: أن الخمر تكون من النخل، ومن العنب، فإذا صبَّ عليه الماء، ثم انتظر عليه يومين أو ثلاثة في الحر صار خمرًا، وكذلك التمر، وهو رد على مَن قال: لا تكون إلا من العنب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦١٨٢)، ومسلم (٢٢٤٧).","vol":"6","page":18},{"text":"والخمر يجوز شربها للضرورة المتحققة، فقد نصَّ العلماء على أنه إذا غصَّ ولم يجد ما يدفع الغص إلا بشربةٍ من الخمر فيشرب للضرورة؛ لأن الغُصَّة قد تؤدي إلى الموت، أما أن يشربها من عطش فلا؛ لأنها محرمة، وهي فوق ذلك تزيد العطش.","vol":"6","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-948>بَابُ كَرَاهَةِ انْتِبَاذِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ مَخْلُوطَيْنِ</span>\n\n[١٩٨٦] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُخْلَطَ الزَّبِيبُ وَالتَّمْرُ، وَالْبُسْرُ وَالتَّمْرُ.\n[خ: ٥٦٠١]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا، وَنَهَى أَنْ يُنْبَذَ الرُّطَبُ وَالْبُسْرُ جَمِيعًا.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ لِي عَطَاءٌ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ الرُّطَبِ وَالْبُسْرِ، وَبَيْنَ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ نَبِيذًا».\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ- مَوْلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ- عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ الزَّبِيبُ وَالتَّمْرُ جَمِيعًا، وَنَهَى أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا.\n\n[١٩٨٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ أَنْ يُخْلَطَ بَيْنَهُمَا، وَعَنِ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ أَنْ يُخْلَطَ بَيْنَهُمَا.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو مَسْلَمَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَخْلِطَ بَيْنَ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ، وَأَنْ نَخْلِطَ الْبُسْرَ وَالتَّمْرَ.\nوَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُفَضَّلٍ- عَنْ","vol":"6","page":20},{"text":"أَبِي مَسْلَمَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ مِنْكُمْ فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيبًا فَرْدًا، أَوْ تَمْرًا فَرْدًا، أَوْ بُسْرًا فَرْدًا».\nوَحدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْعَبْدِيُّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَخْلِطَ بُسْرًا بِتَمْرٍ، أَوْ زَبِيبًا بِتَمْرٍ، أَوْ زَبِيبًا بِبُسْرٍ، وَقَالَ: «مَنْ شَرِبَهُ مِنْكُمْ»، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيعٍ.\n\n[١٩٨٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَنْتَبِذُوا الزَّهْوَ وَالرُّطَبَ جَمِيعًا، وَلَا تَنْتَبِذُوا الزَّبِيبَ وَالتَّمْرَ جَمِيعًا، وَانْتَبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ».\n[خ: ٥٦٠٢]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ- وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ- عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أِبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَنْتَبِذُوا الزَّهْوَ وَالرُّطَبَ جَمِيعًا، وَلَا تَنْتَبِذُوا الرُّطَبَ وَالزَّبِيبَ جَمِيعًا، وَلَكِنْ انْتَبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ»، وَزَعَمَ يَحْيَى أَنَّهُ لَقِيَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي قَتَادَةَ، فَحَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ هَذَا.\nوَحدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ بِهَذَيْنِ الْإِسْنَادَيْنِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «الرُّطَبَ وَالزَّهْوَ، وَالتَّمْرَ وَالزَّبِيبَ».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبَانُ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ خَلِيطِ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ، وَعَنْ خَلِيطِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ،","vol":"6","page":21},{"text":"وَعَنْ خَلِيطِ الزَّهْوِ وَالرُّطَبِ، وَقَالَ: «انْتَبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ.\n\n[١٩٨٩] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي كَثِيرٍ الْحَنَفِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ، وَالْبُسْرِ وَالتَّمْرِ، وَقَالَ: «يُنْبَذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ».\nوَحدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذَيْنَةَ- وَهُوَ أَبُو كَثِيرٍ الْغُبَرِيُّ- حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\n\n[١٩٩٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُخْلَطَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا، وَأَنْ يُخْلَطَ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ جَمِيعًا، وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ جُرَشَ يَنْهَاهُمْ عَنْ خَلِيطِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ.\nوَحدَّثَنِيهِ وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: الطَّحَّانَ- عَنِ الشَّيْبَانِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْبُسْرَ وَالتَّمْرَ.\n\n[١٩٩١] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَدْ نُهِيَ أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا، وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: قَدْ نُهِيَ أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا، وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا.\nقوله: «نَهَى عَنْ خَلِيطِ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ، وَعَنْ خَلِيطِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ، وَعَنْ خَلِيطِ الزَّهْوِ وَالرُّطَبِ»: الزهو: البسر المنقط، وهو الذي بدأ فيه شيء من التتمير،","vol":"6","page":22},{"text":"نهى عن هذا الخليط، وإنما من أراد أن ينبذ فلينبذ كل واحد منهما على حدة.\nوأصل النهي التحريم، ولهذا أخذ بعض العلماء بظاهر الحديث وقال: لا يجوز الجمع بينهما مطلقًا، وقال آخرون: يجوز الجمع إذا لم يصل إلى حد الإسكار.\nوفي هذه الأحاديث: الرد على الكوفيين الذين لايعدون نبيذ البسر والتمر خمرًا، وإنما يعدون الخمر نبيذ العنب فقط؛ ولهذا جاء في صحيح البخاري عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «إِنِّي لَأَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ وَأَبَا دُجَانَةَ وَسُهَيْلَ بْنَ البَيْضَاءِ، خَلِيطَ بُسْرٍ وَتَمْرٍ؛ إِذْ حُرِّمَتِ الخَمْرُ، فَقَذَفْتُهَا، وَأَنَا سَاقِيهِمْ وَأَصْغَرُهُمْ، وَإِنَّا نَعُدُّهَا- يَوْمَئِذٍ- الخَمْرَ»، يعني: أن نبيذ البسر والتمر يكون خمرًا، وليس الخمر خاصًّا بنبيذ العنب، كما يقول الحنفية (^١).\nوفيها: الدليل على إباحة النبيذ، والنبيذ هو العصير، يستخرج من التمر، أو البسر، أو الزبيب، لكن النبي ﷺ نهى عَنِ الجمع بينهما؛ خشية أن يسرع إليه التخمر فربما شرِبه وظنَّ أنه غير مُسكِر؛ لأن طعمه لم يتغيَّر، فلا يُجعل زبيب وتمر معًا، أو بُسر وتمر معًا، وإنما يُعصر كل واحد منهما على حدة، وهذا إذا كان في الحر، لكن في الثلاجات الآن لا يضر جعل العصير مدة طويلة.\n_________\n(^١) تبيين الحقائق، للزيلعي (٦/ ٤٤).","vol":"6","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-949>بَابُ النَّهْيِ عَنِ الانْتِبَاذِ فِي الْمُزَفَّتِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَبَيَانِ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَأَنَّهُ الْيَوْمَ حَلَالٌ مَا لَمْ يَصِرْ مُسْكِرًا</span>\n\n[١٩٩٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ أَنْ يُنْبَذَ فِيهِ.\n[خ: ٥٥٨٧]\nوَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ أَنْ يُنْتَبَذَ فِيهِ.\n\n[١٩٩٣] قَالَ: وَأَخْبَرَهُ أَبُو سَلَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَنْتَبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ، وَلَا فِي الْمُزَفَّتِ»، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاجْتَنِبُوا الْحَنَاتِمَ.\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ المُزَفَّتِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ قَالَ: قِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: مَا الْحَنْتَمُ؟ قَالَ: الْجِرَارُ الْخُضْرُ.\nحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ- لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ-: «أَنْهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُقَيَّرِ- وَالْحَنْتَمُ: الْمَزَادَةُ الْمَجْبُوبَةُ- وَلَكِنِ اشْرَبْ فِي سِقَائِكَ، وَأَوْكِهِ».\n\n[١٩٩٤] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ شُعْبَةَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُنْتَبَذَ فِي الدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ.\n[خ: ٥٥٩٤]\nهَذَا حَدِيثُ جَرِيرٍ، وَفِي حَدِيثِ عَبْثَرٍ وَشُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ","vol":"6","page":24},{"text":"الدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ.\n\n[١٩٩٥] وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قُلْتُ لِلْأَسْوَدِ: هَلْ سَأَلْتَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَمَّا يُكْرَهُ أَنْ يُنْتَبَذَ فِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَخْبِرِينِي عَمَّا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُنْتَبَذَ فِيهِ، قَالَتْ: نَهَانَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَنْ نَنْتَبِذَ فِي الدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَمَا ذَكَرَتِ الْحَنْتَمَ وَالْجَرَّ؟ قَالَ: إِنَّمَا أُحَدِّثُكَ بِمَا سَمِعْتُ، أَأُحَدِّثُكَ مَا لَمْ أَسْمَعْ؟\n[خ: ٥٥٩٥]\nوَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- هُوَ الْقَطَّانُ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَشُعْبَةُ قَالَا: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، وَسُلَيْمَانُ، وَحَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ- يَعْنِي: ابْنَ الْفَضْلِ- حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ حَزْنٍ الْقُشَيْرِيُّ قَالَ: لَقِيتُ عَائِشَةَ، فَسَأَلْتُهَا عَنِ النَّبِيذِ، فَحَدَّثَتْنِي: أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ النَّبِيذِ، فَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْتَبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَالْحَنْتَمِ.\nوَحَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ عَنْ مُعَاذَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُزَفَّتِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، إِلَّا أَنَّهُ جَعَلَ مَكَانَ الْمُزَفَّتِ الْمُقَيَّرَ.\n\n[١٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ","vol":"6","page":25},{"text":"ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَنْهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُقَيَّرِ».\nوَفِي حَدِيثِ حَمَّادٍ جَعَلَ مَكَانَ الْمُقَيَّرِ الْمُزَفَّتِ.\n[خ: ١٣٩٨]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَالنَّقِيرِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَالنَّقِيرِ، وَأَنْ يُخْلَطَ الْبَلَحُ بِالزَّهْوِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ يَحْيَى الْبَهْرَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَحْيَى ابْنِ أَبِي عُمَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُزَفَّتِ.\n\n[١٩٩٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنِ التَّيْمِيِّ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الجَرِّ أَنْ يُنْبَذَ فِيهِ.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُزَفَّتِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُنْتَبَذَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ- عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الشُّرْبِ فِي الْحَنْتَمَةِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ.\n\n[١٩٩٧] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَيَّانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ","vol":"6","page":26},{"text":"جُبَيْرٍ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا شَهِدَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَالنَّقِيرِ.\nحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ- يَعْنِي: ابْنَ حَازِمٍ- حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ، فَقَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَبِيذَ الْجَرِّ، فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ؟ قَالَ: وَمَا يَقُولُ؟ قُلْتُ: قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَبِيذَ الْجَرِّ، فَقَالَ: صَدَقَ ابْنُ عُمَرَ حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَبِيذَ الْجَرِّ، فَقُلْتُ: وَأَيُّ شَيْءٍ نَبِيذُ الْجَرِّ؟ فَقَالَ: كُلُّ شَيْءٍ يُصْنَعُ مِنَ الْمَدَرِ.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُ، فَانْصَرَفَ قَبْلَ أَنْ أَبْلُغَهُ، فَسَأَلْتُ مَاذَا قَالَ؟ قَالُوا: نَهَى أَنْ يُنْتَبَذَ فِي الدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْد. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، جَمِيعًا عَنْ أَيُّوبَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ عَنِ الثَّقَفِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: ابْنَ عُثْمَانَ-.ح، وَحَدَّثَنِي هَارُونُ الْأَيْلِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَلَمْ يَذْكُرُوا: فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، إِلَّا مَالِكٌ وَأُسَامَةُ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ؟ قَالَ: فَقَالَ: قَدْ زَعَمُوا ذَاكَ، قُلْتُ: أَنَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: قَدْ زَعَمُوا ذَاكَ.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَر: أَنَهَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ؟","vol":"6","page":27},{"text":"قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ طَاوُسٌ: وَاللَّهِ إِنِّي سَمِعْتُهُ مِنْهُ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ، فَقَالَ أَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُنْبَذَ فِي الْجَرِّ وَالدُّبَّاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الجَرِّ، وَالدُّبَّاءِ.\nحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ، وَالدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ؟ قَالَ: نَعَمْ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الحَنْتَمِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ، قَالَ: سَمِعْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.\nوَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ، قَالَ: وَأُرَاهُ قَالَ: وَالنَّقِيرِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الجَرِّ، وَالدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَقَالَ: «انْتَبِذُوا فِي الْأَسْقِيَةِ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ جَبَلَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الحَنْتَمَةِ، فَقُلْتُ: مَا الْحَنْتَمَةُ؟ قَالَ: الْجَرَّةُ.\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، حَدَّثَنِي زَاذَانُ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: حَدِّثْنِي بِمَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْأَشْرِبَةِ بِلُغَتِكَ، وَفَسِّرْهُ لِي بِلُغَتِنَا؛ فَإِنَّ لَكُمْ لُغَةً سِوَى لُغَتِنَا، فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الحَنْتَمِ- وَهِيَ: الْجَرَّةُ- وَعَنِ الدُّبَّاءِ- وَهِيَ: الْقَرْعَةُ- وَعَنِ الْمُزَفَّتِ- وَهُوَ: الْمُقَيَّرُ- وَعَنِ النَّقِيرِ- وَهِيَ: النَّخْلَةُ تُنْسَحُ نَسْحًا،","vol":"6","page":28},{"text":"وَتُنْقَرُ نَقْرًا- وَأَمَرَ أَنْ يُنْتَبَذَ فِي الْأَسْقِيَةِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ- عِنْدَ هَذَا الْمِنْبَرِ، وَأَشَارَ إِلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ، فَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْحَنْتَمِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، وَالْمُزَفَّتِ- وَظَنَنَّا أَنَّهُ نَسِيَهُ- فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ- يَوْمَئِذٍ- مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَقَدْ كَانَ يَكْرَهُ.\n\n[١٩٩٨] وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ النَّقِيرِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَالدُّبَّاءِ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنِ الجَرِّ، وَالدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ.\nقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ، وَسَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الجَرِّ، وَالْمُزَفَّتِ، وَالنَّقِيرِ.\nقوله: «الدُّبَّاء»: هي القرع، وهو يسمى قرع نجد، تُؤخَذ اللُّبة التي في وسطها، ثم يُنتبَذُ فيها النبيذ، عصير التمر، أو عصير العنب، أو الذرة، أو الشعير.\nوقوله: «وَعَنِ النَّقِيرِ، وَهِيَ النَّخْلَةُ تُنْسَحُ نَسْحًا، وَتُنْقَرُ نَقْرًا»، يعني: تُقشَر، ثم تُنقَر، ثم يُصَب فيها النبيذ.\nوقوله: «المزفَّت»، أي: المطلي بالزفت، أو القار، أو المبلط فيكون صُلبًا.","vol":"6","page":29},{"text":"وقوله: «الحنتم»: هي الجِرار المطبوخة بالطين مثل: الأزيار التي يُوضَع فيها الماء ليُبرَّد.\nوهذه الأوعية ثقيلة، فنهاهم النبي ﷺ في أول الإسلام أن ينتبذوا فيها؛ لأنه إذا نُبِذَ فيها النبيذ ووُضِع فيها العصير تخمَّر، وربما شربه الإنسان وهو لا يدري أنه مُسكِر، فأمرهم النبي ﷺ أن ينتبذوا في الأوعية الرقيقة كالأسقية والجلد، فإنها إذا نُبِذَ فيها النبيذ وتخمَّر تشقَّقت وتمزَّقت، فيعرف الإنسان أن ما فيها قد صار مُسكِرًا، بخلاف الظروف الثقيلة الكثيفة.\nوقوله: «والمَزَادَةُ المَجْبُوبَةُ»: المزادة هي: القِربة المجبوبة التي ليس لها عزلاوان في أسفلها، مقطوعة الرأس، وليس لها شيء يتنفَّس فيه الشراب.\nوقوله: «ولَكِنِ اشْرَبْ فِي سِقَائِكَ»: السقاء من الجلد.\nوقوله: «وَأَوْكِهِ»، يعني: اربِط فمه، والوِكاء هو: الرباط؛ فإنك إذا جعلت النبيذ في السقاء في الجلد وربطت فمه، ثم تخمَّر يتمزَّق، بخلاف إذا لم يربط الفم.\nوقوله: «أَمَا ذَكَرَتِ الْحَنْتَمَ وَالْجَرَّ؟»: الحنتم والجر هو المطبوخ من الطين والمدر، مثل: الزير المطبوخ من الفخَّار والطين، يُطبَخ ويكون صلبًا، يُصَب فيه الماء ليُبرَّد، وذلك قبل أن تُوجَد الثلاجات.\nوقوله: «نَهَى عَنِ الجَرِّ أَنْ يُنْبَذَ فِيهِ»: نهى عنه؛ لأن الجر خفيف، والمطبوخ من الطين كثيف، فإذا نُبِذَ فيه النبيذ تخمَّر بعد يومين، أو ثلاثة، ولا ينتبه له الإنسان، أما إذا نُبِذ في الجلد وتخمَّر تمزَّق، وتشقَّق، فيعرف الإنسان أن ما فيها قد صار مُسكِرًا.\nوقوله: «وَأَيُّ شَيْءٍ نَبِيذُ الْجَرِّ؟ فَقَالَ: كُلُّ شَيْءٍ يُصْنَعُ مِنَ الْمَدَرِ»: المدر: الطين، يعني: يُطبَخ من الطين، والفخار وهو الطين الذي يُطبَخ ويصير جرَّة يُصَب فيها الماء لتبرده.\nفي هذه الأحاديث: النهي عَنِ الانتباذ في الظروف الكثيفة، كالدُبَّاء،","vol":"6","page":30},{"text":"والنقير، والمُقيَّر، والحنتم؛ لأن هذه الظروف الكثيفة إذا انتُبِذَ فيها العصير يتخمَّر بعد يومين، أو ثلاثة من شدة الحر، ولا يتبيَّن التخمر، فنُهِيَ عن هذا في أول الإسلام، ثم بعد ذلك نُسِخ لما استقرَّ الإسلام، وعرف الناس تحريم المُسكِر، ورخَّص لهم النبي ﷺ أن ينتبذوا في كل وعاء.\nوفيه: ذكر وفد عبد القيس وقد أسلموا قديمًا، وهم أول مَن أسلم في أول الهجرة؛ ولهذا نهاهم النبي ﷺ أن ينتبذوا في هذه الأوعية الكثيفة، ثم بعد ذلك رَخَّص لهم في الانتباذ في أي وعاء، على ألا يشرب أحد مُسكِرًا، وكان مسجد وفد عبد القيس في جامع جواثا، وهو ثاني جامع جُمِعَ فيه بعد مسجد النبي ﷺ، فقد أُقيمت الجمعة في مسجد النبي ﷺ وثاني جمعة أُقيمَت في مسجد جواثا، وهو موجود الآن في الأحساء، ويعتبر من الآثار.","vol":"6","page":31},{"text":"[١٩٩٩] وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا يُنْتَبَذُ لَهُ فِيهِ نُبِذَ لَهُ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُنْبَذُ لَهُ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ.\nوَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ يُنْتَبَذُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سِقَاءٍ، فَإِذَا لَمْ يَجِدُوا سِقَاءً نُبِذَ لَهُ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ- وَأَنَا أَسْمَعُ، لِأَبِي الزُّبَيْرِ-: مِنْ بِرَامٍ؟ قَالَ: مِنْ بِرَامٍ.\n\n[٩٧٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَنْ أَبِي سِنَانٍ، وقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: عَنْ ضِرَارِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مُحَارِبٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ أَبُو سِنَانٍ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا».\nوَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا ضَحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «نَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ، وَإِنَّ الظُّرُوفَ- أَوْ ظَرْفًا- لَا يُحِلُّ شَيْئًا، وَلَا يُحَرِّمُهُ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مُعَرِّفِ بْنِ وَاصِلٍ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الأَشْرِبَةِ فِي ظُرُوفِ الْأَدَمِ، فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ، غَيْرَ أَنْ لَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا».\n\n[٢٠٠٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي","vol":"6","page":32},{"text":"عِيَاضٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: لَمَّا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ النَّبِيذِ فِي الْأَوْعِيَةِ قَالُوا: لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَجِدُ، فَأَرْخَصَ لَهُمْ فِي الْجَرِّ غَيْرِ الْمُزَفَّتِ.\n[خ: ٥٥٩٣]\nقوله: «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا يُنْتَبَذُ لَهُ فِيهِ نُبِذَ لَهُ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ»: هذا بدء النسخ.\nوقوله: «فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ»: هو ظرف كثيف، وهو أبلغ وأقوى من الجر والمزفَّت.\nوقوله: «فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ- وَأَنَا أَسْمَعُ لِأَبِي الزُّبَيْرِ-: مِنْ بِرَامٍ؟ قَالَ: مِنْ بِرَامٍ»: البرام من الحجارة، أو من النحاس، وهي أشياء صلبة تكون قدورًا كبيرة.\nوفي هذه الأحاديث: بيان أنه نُسِخ بعد ذلك النهي عَنِ الانتباذ في الأسقية، وأبيح الانتباذ في الأوعية الصلبة، مع الحذر من شرب المُسكِر.\nوقوله: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الأَشْرِبَةِ فِي ظُرُوفِ الْأَدَمِ»: الأدم، يعني: الجلد.","vol":"6","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-950>بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَأَنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ</span>\n\n[٢٠٠١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ البِتْعِ، فَقَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ».\n[خ: ٢٤٢]\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ البِتْعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ وَصَالِحٍ: سُئِلَ عَنِ البِتْعِ، وَهُوَ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ وَفِي حَدِيثِ صَالِحٍ: أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ شَرَابٍ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».\n\n[١٧٣٣] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنَا وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ شَرَابًا يُصْنَعُ بِأَرْضِنَا يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ- مِنَ الشَّعِيرِ- وَشَرَابٌ يُقَالُ لَهُ: الْبِتْعُ- مِنَ الْعَسَلِ- فَقَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».\n[خ: ٤٣٤٥]\nهذه الأحاديث من جوامع الكلم، وجوامع الكلم هو أن تكون الألفاظ قليلة والمعاني كثيرة، كما سيأتي، فقول النبي ﷺ: «كُلُّ شَرَابٍ مُسْكِرٍ","vol":"6","page":34},{"text":"حَرَامٌ»: هذا عام؛ فكل شراب يُسكِر ويُغطِّي العقل فهو حرام، من أي شيءٍ كان، ومن ذلك: نبيذ العسل؛ وهو البِتع، وهو شراب يشربه أهل اليمن.\nوفي هذه الأحاديث: أن كل شرابٍ أسكر يُسمى خمرًا، وفي اللفظ الآخر: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ»، كما سيأتي، سواء كان من نبيذ العسل كالبِتع، أو من نبيذ الشعير كالمِزر، أو من نبيذ التمر وهو ما يسمى المريس، أو من التفاح، أو من أي شيءٍ كان، إذا كان يُسكِر فهو يسمى خمرًا، وهو حرام.\nأما إن كان لا يُسكِر فلا بأس، فنبيذ العسل، ونبيذ الشعير يشرب إذا انتُبِذ اليوم الأول والثاني والثالث، فإذا تغيَّر، أو صار فيه مبادئ الإسكار فيجب إراقته، كما سيأتي.","vol":"6","page":35},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَهُ مِنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ لَهُمَا: «بَشِّرَا، وَيَسِّرَا، وَعَلِّمَا، وَلَا تُنَفِّرَا»، وَأُرَاهُ قَالَ: «وَتَطَاوَعَا» قَالَ: فَلَمَّا وَلَّى رَجَعَ أَبُو مُوسَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لَهُمْ شَرَابًا مِنَ الْعَسَلِ يُطْبَخُ حَتَّى يَعْقِدَ، وَالْمِزْرُ يُصْنَعُ مِنَ الشَّعِيرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ مَا أَسْكَرَ عَنِ الصَّلَاةِ فَهُوَ حَرَامٌ».\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي خَلَفٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ- وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو- عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: «ادْعُوَا النَّاسَ، وَبَشِّرَا، وَلَا تُنَفِّرَا، وَيَسِّرَا، وَلَا تُعَسِّرَا» قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفْتِنَا فِي شَرَابَيْنِ كُنَّا نَصْنَعُهُمَا بِالْيَمَنِ: الْبِتْعُ، وَهُوَ مِنَ الْعَسَلِ يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ، وَالْمِزْرُ، وَهُوَ مِنَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ بِخَوَاتِمِهِ، فَقَالَ: «أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ أَسْكَرَ عَنِ الصَّلَاةِ».\nقوله: «كُلُّ مَا أَسْكَرَ عَنِ الصَّلَاةِ فَهُوَ حَرَامٌ»: هذا فيه تقييد بالصلاة، والحديث الآخر: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»: ولم يقيد بالصلاة، والأحاديث يُضَم بعضها إلى بعض.\nوفي هذا الحديث: دليل على أن الداعية ينبغي له أن يمتثل أوامر النبي ﷺ، ويكون فيه خلق التبشير والتيسير.\nوفيه: دليل على أن الأمراء إذا كانوا في مكان واحد فعليهم أن يتطاوعوا ولا يختلفوا، وأن يكون بينهم اتفاق؛ لأن الاختلاف الظاهر يدعو إلى","vol":"6","page":36},{"text":"اختلاف القلوب وتنكُّرِها، ويكون فيه ضرر على الدعوة وعلى المدعوين.\nوينبغي للداعية أن يسلك هذا الطريق، فيُبشِّر الناس ولا يُقنطهم، ولا يُنفِّرهُم، ويرشدهم إلى الخير، ويعدهم بأنَّ هذا الدين منصور، وأنَّ العاقبة للمتقين، وأنَّ الله مع المؤمنين، وأنَّ الله مع المتقين، وهكذا؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «ادْعُوَا النَّاسَ، وَبَشِّرَا، وَلَا تُنَفِّرَا، وَيَسِّرَا، وَلَا تُعَسِّرَا».\n\n[٢٠٠٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِنْ جَيْشَانَ- وَجَيْشَانُ مِنْ الْيَمَنِ- فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنَ الذُّرَةِ، يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَوَ مُسْكِرٌ هُوَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللَّهِ ﷿ عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: «عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ- أَوْ: عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ».\nفي هذا الحديث: وعيد شديد لِمَن شرب الخمر، وهو يدل على أنه من الكبائر، فقد توعد عليه بالنار، وجعل على من يقترفه الحد في الدنيا.","vol":"6","page":37},{"text":"[٢٠٠٣] حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا- فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَتُبْ- لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ».\n[خ: ٥٥٧٥]\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، كِلَاهُمَا عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».\nوَحَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطَّلِبِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ».\nفي هذه الأحاديث: قاعدتان:\nالأولى: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ»: وهو عام يشمل جميع المسكرات من أي شيءٍ كانت.\nوالثانية: «وكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ»، وكلا الجملتين من جوامع الكلم.","vol":"6","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-951>بَابُ عُقُوبَةِ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ إِذَا لَمْ يَتُبْ مِنْهَا بِمَنْعِهِ إِيَّاهَا فِي الْآخِرَةِ</span>\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ».\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ، فَلَمْ يُسْقَهَا»، قِيلَ لِمَالِكٍ: رَفَعَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ- يَعْنِي: ابْنَ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيَّ- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ.\nفي هذه الأحاديث: الوعيد الشديد على شرب الخمر، وهو يدل على أنها من الكبائر، فإنه يتوعَّد شاربها بأنه يُحرَمها في الآخرة، وإذا دخل الجنة فله ما لأهل الجنة، وقد يُعفَى عنه، فهو تحت مشيئة الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ وهذا مذهب أهل السنة والجماعة: أنَّ مرتكب الكبيرة الذي لم يتب منها ومات مصرًّا عليها، يكون تحت المشيئة، فقد يعفو الله عنه، وقد يُعذِّبه، وإذا عُذِّب فإنه يخرج من النار برحمة أرحم الراحمين، وشفاعة الشافعين.","vol":"6","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-952>بَابُ إِبَاحَةِ النَّبِيذِ الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ، وَلَمْ يَصِرْ مُسْكِرًا</span>.\n\n[٢٠٠٤] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ أَبِي عُمَرَ الْبَهْرَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْتَبَذُ لَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَيَشْرَبُهُ إِذَا أَصْبَحَ يَوْمَهُ ذَلِكَ، وَاللَّيْلَةَ الَّتِي تَجِيءُ، وَالْغَدَ، وَاللَّيْلَةَ الْأُخْرَى، وَالْغَدَ إِلَى الْعَصْرِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ سَقَاهُ الْخَادِمَ، أَوْ أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَحْيَى الْبَهْرَانِيِّ قَالَ: ذَكَرُوا النَّبِيذَ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْتَبَذُ لَهُ فِي سِقَاءٍ، قَالَ شُعْبَةُ: مِنْ لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ فَيَشْرَبُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءِ إِلَى الْعَصْرِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ سَقَاهُ الْخَادِمَ، أَوْ صَبَّهُ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي عُمَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْقَعُ لَهُ الزَّبِيبُ، فَيَشْرَبُهُ الْيَوْمَ، وَالْغَدَ، وَبَعْدَ الْغَدِ إِلَى مَسَاءِ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِ فَيُسْقَى، أَوْ يُهَرَاقُ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْبَذُ لَهُ الزَّبِيبُ فِي السِّقَاءِ، فَيَشْرَبُهُ يَوْمَهُ، وَالْغَدَ، وَبَعْدَ الْغَدِ، فَإِذَا كَانَ مَسَاءُ الثَّالِثَةِ شَرِبَهُ وَسَقَاهُ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ أَهَرَاقَهُ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى أَبِي عُمَرَ النَّخَعِيِّ قَالَ: سَأَلَ قَوْمٌ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ بَيْعِ الْخَمْرِ وَشِرَائِهَا وَالتِّجَارَةِ فِيهَا، فَقَالَ: أَمُسْلِمُونَ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ بَيْعُهَا، وَلَا شِرَاؤُهَا، وَلَا التِّجَارَةُ فِيهَا، قَالَ:","vol":"6","page":40},{"text":"فَسَأَلُوهُ عَنِ النَّبِيذِ، فَقَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، ثُمَّ رَجَعَ، وَقَدْ نَبَذَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي حَنَاتِمَ، وَنَقِيرٍ، وَدُبَّاءٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُهْرِيقَ، ثُمَّ أَمَرَ بِسِقَاءٍ فَجُعِلَ فِيهِ زَبِيبٌ وَمَاءٌ، فَجُعِلَ مِنَ اللَّيْلِ، فَأَصْبَحَ فَشَرِبَ مِنْهُ يَوْمَهُ ذَلِكَ، وَلَيْلَتَهُ الْمُسْتَقْبَلَةَ، وَمِنَ الْغَدِ حَتَّى أَمْسَى، فَشَرِبَ وَسَقَى، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَمَرَ بِمَا بَقِيَ مِنْهُ فَأُهْرِيقَ.\nقوله: «فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ سَقَاهُ الْخَادِمَ، أَوْ أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ»، أي: إن حصل فيه شيء من مبادئ التغيُّر صبَّه، وإذا ما وجد فيه شيئًا سقاه الخادم، ولا يشربه تنزُّهًا منه ﵊ في مساء الثالثة؛ لأن الغالب أنه في مساء الثالثة قد يتغيَّر من شدة الحر.\n\n[٢٠٠٥] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ- يَعْنِي: ابْنَ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيَّ- حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ- يَعْنِي: ابْنَ حَزْنٍ الْقُشَيْرِيَّ- قَالَ: لَقِيتُ عَائِشَةَ، فَسَأَلْتُهَا عَنِ النَّبِيذِ، فَدَعَتْ عَائِشَةُ جَارِيَةً حَبَشِيَّةً، فَقَالَتْ: سَلْ هَذِهِ؛ فَإِنَّهَا كَانَتْ تَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ الْحَبَشِيَّةُ: كُنْتُ أَنْبِذُ لَهُ فِي سِقَاءٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَأُوكِيهِ، وَأُعَلِّقُهُ، فَإِذَا أَصْبَحَ شَرِبَ مِنْهُ.\nقولها: «وَأُوكِيهِ»، يعني: أربطه، وهي القِربة التي تُوكَى، يعني: يُربط فمها، وتُعلق، وفيها نبيذ، فإذا احتاج فكَّ فم القربة وحلَّها وشرب، ثم أعادها.","vol":"6","page":41},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ يُونُسَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سِقَاءٍ يُوكَى أَعْلَاهُ، وَلَهُ عَزْلَاءُ، نَنْبِذُهُ غُدْوَةً، فَيَشْرَبُهُ عِشَاءً، وَنَنْبِذُهُ عِشَاءً، فَيَشْرَبُهُ غُدْوَةً.\nقولها: «وَلَهُ عَزْلَاءُ»، يعني: له ثقب من الأسفل يتنفس منه الشراب.\n\n[٢٠٠٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ أَبِي حَازِمٍ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: دَعَا أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي عُرْسِهِ، فَكَانَتِ امْرَأَتُهُ- يَوْمَئِذٍ- خَادِمَهُمْ- وَهِيَ الْعَرُوسُ- قَالَ سَهْلٌ: تَدْرُونَ مَا سَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ أَنْقَعَتْ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ، فَلَمَّا أَكَلَ سَقَتْهُ إِيَّاهُ.\n[خ: ٥١٧٦]\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلًا يَقُولُ: أَتَى أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَدَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: فَلَمَّا أَكَلَ سَقَتْهُ إِيَّاهُ.\nقوله: «أَنْقَعَتْ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ، فَلَمَّا أَكَلَ سَقَتْهُ إِيَّاهُ»، يعني: صبَّت على تمرات من الليل، فصار هذا عصير تمرات في تور، وهو إناء من حجارة، أو من نحاس، وهذا يُحتمل أن يكون كما قال النووي: «محمول على أنه كان قبل الحجاب» (^١)، ويحتمل أن يكون بعد الحجاب مع التحشُّم، وهذا موجود في البوادي وغيرها، قد تأتي المرأة لتخدم القوم مع التحجُّب والحشمة، إذا لم يُوجَد أحد يخدمهم، ولكن إذا خُشِيَت الفتنة فإنه يُمنَع من ذلك.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٣/ ١٧٧).","vol":"6","page":42},{"text":"وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: أَبَا غَسَّانَ- حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ: فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الطَّعَامِ أَمَاثَتْهُ، فَسَقَتْهُ، تَخُصُّهُ بِذَلِكَ.\n[خ: ٥١٨٢]\nقوله: «أَمَاثَتْهُ»، يعني: عركتهُ وحرَّكتهُ، يعني: تمرس التمر مع الماء حتى يكون عصيرًا كاملًا، وهذا يسمى مريسًا.\nوقوله: «تَخُصُّهُ بِذَلِكَ»: فيه: دليل على أنه لا بأس من تخصيص الكبير، أو الرئيس، أو الفاضل بشيء إذا كان هذا لا يتأثَّر به الحاضرون، بل يسُرُّهم، والصحابة كان يسُرُّهم كونها تخُص النبي بهذا ﵊، وإلا فالأصل أنه لا يُخَص أحد بشيء.","vol":"6","page":43},{"text":"[٢٠٠٧] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ سَهْلٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ- وَهُوَ: ابْنُ مُطَرِّفٍ أَبُو غَسَّانَ- أَخْبَرَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَدِمَتْ، فَنَزَلَتْ فِي أُجُمِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَاءَهَا، فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا، فَلَمَّا كَلَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، قَالَ: «قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّي»، فَقَالُوا لَهَا: أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَتْ: لَا، فَقَالُوا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَكِ لِيَخْطُبَكِ، قَالَتْ: أَنَا كُنْتُ أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ، قَالَ سَهْلٌ: فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- يَوْمَئِذٍ- حَتَّى جَلَسَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: «اسْقِنَا» لِسَهْلٍ، قَالَ: فَأَخْرَجْتُ لَهُمْ هَذَا الْقَدَحَ، فَأَسْقَيْتُهُمْ فِيهِ، قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْلٌ ذَلِكَ الْقَدَحَ، فَشَرِبْنَا فِيهِ، قَالَ: ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَوَهَبَهُ لَهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِسْحاقَ قَالَ: «اسْقِنَا يَا سَهْلُ».\n[خ: ٥٦٣٧]\n\n[٢٠٠٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِقَدَحِي هَذَا الشَّرَابَ كُلَّهُ: الْعَسَلَ، وَالنَّبِيذَ، وَالْمَاءَ، وَاللَّبَنَ.\nفي هذا الحديث: دليل على مشروعية نظر الخاطب للمخطوبة.\nوقوله: «فَنَزَلَتْ فِي أُجُمِ بَنِي سَاعِدَةَ»، يعني: في حصنهم، وجمعه آجام.\nقولها: «أَنَا كُنْتُ أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ»، يعني: ندمَت على استعاذتها، وقالت: إنها لم تُوفَّق لمقابلة النبي ﷺ والكلام معه بما يليق.\nوقوله: «فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْلٌ ذَلِكَ الْقَدَحَ، فَشَرِبْنَا فِيهِ، قَالَ: ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ","vol":"6","page":44},{"text":"عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَوَهَبَهُ لَهُ»: فيه: دليل على أنَّ هذا التور الذي سقي فيه النبي ﷺ بقي مدة، فاستوهبه عمر بن عبد العزيز من سهل، أي: طلب أن يهبه له؛ ليتبرَّك به؛ لأن النبي ﷺ شرب فيه.\nوفيه: دليل على جواز التبرُّك بآثار النبي ﷺ لِمَا جعل الله في جسده وما لامس جسده من البركة، وهذا خاص بالنبي ﷺ لا يُقَاسُ عليه غيره.","vol":"6","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-953>بَابُ جَوَازِ شُرْبِ اللَّبَنِ</span>\n\n[٢٠٠٩] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ البَرَاءِ، قَال: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: لَمَّا خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَرَرْنَا بِرَاعٍ وَقَدْ عَطِشَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَحَلَبْتُ لَهُ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ.\n[خ: ٣٩٠٨]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولَ: لَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَتْبَعَهُ سُراقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَسَاخَتْ فَرَسُهُ، فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ لِي، وَلَا أَضُرُّكَ، قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ، قَالَ: فَعَطِشَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَمَرُّوا بِرَاعِي غَنَمٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فَأَخَذْتُ قَدَحًا فَحَلَبْتُ فِيهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ.\nفي هذا الحديث: معجزة من معجزاته ﷺ وهي من حماية الله لنبيه ﷺ، والقصة كانت في سفر هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، وكان معه أبو بكر الصديق ﵁ وتبعهم سُراقة بن مالك رسول المشركين، وكانت قريش تطلب النبي ﷺ، وأعدَّت جائزة عظيمة لمَن يأتي به، فلحقَهُم سُراقَة، فدعا عليه النبي ﷺ، فساخت قوائم فرسه، فقال: «يَا مُحَمَّدُ، قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا عَمَلُكَ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُخَلِّصَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ» (^١)، واللفظ هنا: «ادْعُ اللَّهَ لِي، وَلَا أَضُرُّكَ»، فدعا الله له.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٥).","vol":"6","page":46},{"text":"وفيه: أن النبي ﷺ عطش في الطريق فحلب له أبو بكر ﵁ كُثبةً، يعني: قليلًا من اللبن فشربه.\nواستُشكل هذا: كيف يأخذه أبو بكر الصديق ﵁، ويشرب النبي ﷺ من لبن الغنم دون إذن صاحبها؟\nفقيل: إن هذا حربي، والحربي ماله حلال.\nوقيل: إن هذا من باب إدلال النبي ﷺ.\nوقيل: إنها كانت من عادتهم أنهم يسقون مَن يمر بهم.\nوقيل: إنَّ النبي ﷺ كان مضطرًا؛ لشدة عطشه.\nوالأقرب: أن العرب كانت لهم أخلاق كريمة، فيسرهم أن يمر بهم الضيف فيشرب من لبن غنمهم.\n\n[١٦٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ عَبَّادٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا، فَأَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ ﵇: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ».\n[خ: ٤٧٠٩]\nوَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ بِإِيلِيَاءَ.\nقوله: «وَلَمْ يَذْكُرْ بِإِيلِيَاءَ»: إيلياء هي: بيت المقدس.\nوفي هذا الحديث: أن هذه القصة كانت ليلة الإسراء قبل أن تُحرَّم الخمر، ولكنَّ الله ألهم نبيه ﷺ، وهداه للفطرة، والفطرة هي الإسلام.","vol":"6","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-954>بَابٌ فِي شُرْبِ النَّبِيذِ، وَتَخْمِيرِ الْإِنَاءِ</span>\n\n[٢٠١٠] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِقَدَحِ لَبَنٍ مِنَ النَّقِيعِ لَيْسَ مُخَمَّرًا، فَقَالَ: «أَلَّا خَمَّرْتَهُ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ عُودًا»، قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: إِنَّمَا أُمِرَ بِالْأَسْقِيَةِ أَنْ تُوكَأَ لَيْلًا، وَبِالْأَبْوَابِ أَنْ تُغْلَقَ لَيْلًا.\nوَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، وَزَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِقَدَحِ لَبَنٍ، بِمِثْلِهِ، قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْ زَكَرِيَّاءُ قَوْلَ أَبِي حُمَيْدٍ: بِاللَّيْلِ.\n\n[٢٠١١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَسْقِيكَ نَبِيذًا؟ فَقَالَ: بَلَى، قَالَ: فَخَرَجَ الرَّجُلُ يَسْعَى، فَجَاءَ بِقَدَحٍ فِيهِ نَبِيذٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَّا خَمَّرْتَهُ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ عُودًا» قَالَ: فَشَرِبَ.\n[خ: ٥٦٠٦]\nوَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ- يُقَالُ لَهُ: أَبُو حُمَيْدٍ- بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ مِنَ النَّقِيعِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا خَمَّرْتَهُ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ عُودًا».\nقوله: «اسْتَسْقَى»، يعني: طلب مَن يسقيه.","vol":"6","page":48},{"text":"وفي هذا الحديث: دليل على أنه لا بأس بشرب النبيذ، وأنَّ الأصل في الأشياء الإباحة؛ فالمشروبات والمأكولات الأصل فيها الإباحة إلا ما دلَّ الدليل على تحريمه، قال الله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾، ولهذا استسقى النبي ﷺ، فأُتي له بالنبيذ، والنبيذ: العصير، والغالب أن يكون عصير التمر، وهو ما يسمى بالمريس.\nوفيه: أن الرئيس، أو الداعية، أو العالم، أو الوالد إذا طلب من أبنائه، أو من تلاميذه، أو مَن يسرهم ذلك أن يسقيه فلا حرج.\nوفيه: أن الرجل جعل يسعى، يعني: يمشي مُسرِعًا، فقد أتى به له من النقيع، وهو موضع بوادي العقيق، حماه النبي ﷺ.\nوفيه: استحباب تخمير الإناء؛ ولذا قال له النبي ﷺ: «أَلَا خَمَّرْتَهُ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ عُودًا؟»، يعني: ألا غطيته؟ والتخمير هو: التغطية، ومنه: خمار المرأة، يعني: ما تُغطي به وجهها، ومنه: الخمر، سمي خمرًا؛ لأنه يغطي العقل.\nوفيه: استحباب تخمير الإناء، فإن لم يجد شيئًا فإنه يعرض عليه عودًا عرضًا لا طولًا، ويذكر اسم الله، كما سيأتي في الحديث.\nوفيه: استحباب إيكاء الأسقية، يعني: ربط فم القربة والسقاء؛ لئلَّا يدخل فيه شيء من الهوام والحشرات.\nوفيه: أن ما قاله أبو حميد ﵁: أن هذا خاصٌّ بالليل فهذا اجتهاد منه؛ فإيكاء الأسقية دائم في الليل والنهار، وكذلك إغلاق الأبواب، لكنه يتأكد في الليل.","vol":"6","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-955>بَابُ الْأَمْرِ بِتَغْطِيَةِ الْإِنَاءِ، وَإِيكَاءِ السِّقَاءِ، وَإِغْلَاقِ الْأَبْوَابِ، وَذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهَا، وَإِطْفَاءِ السِّرَاجِ وَالنَّارِ عِنْدَ النَّوْمِ، وَكَفِّ الصِّبْيَانِ وَالْمَوَاشِي بَعْدَ الْمَغْرِبِ</span>\n\n[٢٠١٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، وَأَغْلِقُوا الْبَابَ، وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَحُلُّ سِقَاءً، وَلَا يَفْتَحُ بَابًا، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا أَنْ يَعْرُضَ عَلَى إِنَائِهِ عُودًا، وَيَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ، فَلْيَفْعَلْ؛ فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ».\nوَلَمْ يَذْكُرْ قُتَيْبَة فِي حَدِيثِهِ: «وَأَغْلِقُوا الْبَابَ».\nفي هذا الحديث: إرشادات نبوية ينبغي للمسلم أن يعتني بها.\nقوله: «غَطُّوا الإِنَاءَ»، أي: الإناء الذي فيه شيءٌ من الطعام، أو الشراب.\nوقوله: «وَأَوْكِئُوا السِّقَاءَ»، يعني: اربطه بالوكاء، والوكاء هو الرباط الذي يُربط به فم القربة.\nوقوله: «وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ»، يعني: عند النوم، وهذا عام في كل الأنوار التي يُخشَى أن يكون فيها الإحراق، أما إن كان لا يُخشَى منها شيء فلا حرج؛ لأن النبي ﷺ بَيَّن وقال: «فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ»: والفويسقة: الفأرة، تجُر الفتيلة، وهذه العلة معروفة، فإذا كان لا يُخشَى منها فلا حرج، مثل الدفاية التي لا يُخشَى منها ضرر، أو المصابيح التي لا يخشى منها ضرر، فلا حرج، والأولَى إطفاء السراج على كل حال.\nوجاء في الحديث الآخر: «وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ؛ فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا","vol":"6","page":50},{"text":"اجْتَرَّتِ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ» (^١)، فأرشد النبي ﷺ إلى إطفاء الأنوار، وقال في لفظٍ آخر: «إِنَّمَا هَذِهِ النَّارُ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَأَكْفِئُوا الْإِنَاءَ، أَوْ خَمِّرُوا الْإِنَاءَ»، وَلَمْ يَذْكُرْ تَعْرِيضَ الْعُودِ عَلَى الْإِنَاءِ.\nقوله: «وَأَكْفِئُوا الإِنَاءَ»، يعني: اقلبوه، وظاهر هذا: أنه حتى ولو كان الإناء فارغًا فيُكفأ.\nوَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَغْلِقُوا الْبَابَ»، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَخَمِّرُوا الْآنِيَةَ»، وَقَالَ: «تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ ثِيَابَهُمْ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ، وَقَالَ: «وَالْفُوَيْسِقَةُ تُضْرِمُ الْبَيْتَ عَلَى أَهْلِهِ».\nقوله: «وَالْفُوَيْسِقَةُ»: هي الفأرة، وهي تصغير فاسقة؛ وسميت فويسقة لخروجها عن طبيعة غيرها بالإيذاء، والفسق هو الخروج، ومنه حديث: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْحُدَيَّا، وَالْغُرَابُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣١٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٣١٤)، ومسلم (١١٩٨).","vol":"6","page":51},{"text":"وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ- أَوْ: أَمْسَيْتُمْ- فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْتَشِرُ- حِينَئِذٍ- فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ، وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا، وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا، وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ».\n[خ: ٣٣٠٤]\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ، نَحْوًا مِمَّا أَخْبَرَ عَطَاءٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَقُولُ: «اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ ﷿».\nوَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَطَاءٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ كرواية روح.\nقوله: «إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ»، يعني: ظلامه، وقيل: أوله، وقيل: ظُلمة الليل ما بين المغرب والعشاء.\nوقوله: «فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ»، يعني: امنعوهم من الخروج في هذا الوقت.\nوقوله: «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْتَشِرُ- حِينَئِذٍ»: المراد: جنس الشيطان، والعلة: أن الشياطين تنتشر- حينئذٍ- فقد تؤذي الصبيان.","vol":"6","page":52},{"text":"[٢٠١٣] وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُرْسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ؛ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْبَعِثُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِ زُهَيْرٍ.\nوقوله: «فَوَاشِيكُمْ»: جمع فاشية، وهي: البهائم التي تنتشر من الإبل والغنم ونحوها.\nوقوله: «حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ العِشَاءِ»، أي: ظُلمة أول الليل، وهي الظُلمة ما بين المغرب والعشاء.\n\n[٢٠١٤] وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ عَنِ القَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ؛ فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ، لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ، أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ، إِلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ».\nوَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فَإِنَّ فِي السَّنَةِ يَوْمًا يَنْزِلُ فِيهِ وَبَاءٌ»، وَزَادَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ، قَالَ اللَّيْثُ: فَالْأَعَاجِمُ عِنْدَنَا يَتَّقُونَ ذَلِكَ فِي كَانُونَ الْأَوَّلِ.","vol":"6","page":53},{"text":"في هذا الحديث: العلة في الأمر بتغطية الإناء وإيكاء السقاء، وقد بيَّن النبي ﷺ العلة بأنه ينزل في السنة ليلة فيها وباء، لا يَترك إناءً مكشوفًا إلا نزل فيه، ولا سقاءً محلولًا إلا نزل فيه.\nوقوله: «فَالْأَعَاجِمُ عِنْدَنَا يَتَّقُونَ ذَلِكَ فِي كَانُونَ الْأَوَّلِ»: كانون الأول هو شهر ديسمبر، أي: الشهر الأخير من شهور السنة الميلادية، حسب الأسماء السريانية المستعملة في المشرق العربي، والأعاجم يحذرون ويخشون أن تكون الليلة التي ينزل فيها الوباء فيه.\n\n[٢٠١٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ».\n[خ: ٦٢٩٣]\n\n[٢٠١٦] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي عَامِرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: احْتَرَقَ بَيْتٌ عَلَى أَهْلِهِ بِالْمَدِينَة مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا حُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَأْنِهِمْ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ».\n[خ: ٦٢٩٤]\nفي هذه الأحاديث: أنه لا بد من إطفاء النار في البيت قبل النوم، وذلك مثل الدفاية إذا كانت فتيلة، أو كان يُخشى أن تسقط، فإنها تطفأ، أما إذا كان لا يخشى منها شيء فلا.","vol":"6","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-956>بَابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا</span>\n\n[٢٠١٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَيَضَعَ يَدَهُ، وَإِنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ مَرَّةً طَعَامًا، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّهَا تُدْفَعُ، فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا فِي الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهَا، ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنَّمَا يُدْفَعُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَنْ لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ جَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بِهَذَا الْأَعْرَابِيِّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ يَدَهُ فِي يَدِي مَعَ يَدِهَا».\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ خَيْثَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ الْأَرْحَبِيِّ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: كُنَّا إِذَا دُعِينَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى طَعَامٍ، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَقَالَ: كَأَنَّمَا يُطْرَدُ، وَفِي الْجَارِيَةِ كَأَنَّمَا تُطْرَدُ، وَقَدَّمَ مَجِيءَ الْأَعْرَابِيِّ فِي حَدِيثِهِ قَبْلَ مَجِيءِ الْجَارِيَةِ، وَزَادَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: ثُمَّ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ، وَأَكَلَ.\nوَحدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَدَّمَ مَجِيءَ الْجَارِيَةِ قَبْلَ مَجِيءِ الْأَعْرَابِيِّ.\nفي هذا الحديث: وجوب قول: «بِاسْمِ اللهِ»: عند الأكل؛ لأن الشيطان يستحل الطعام إذا لم يُذكَر اسم الله عليه، ويستحل السُكنَى في البيت الذي لا يُذكَر اسم الله عند الدخول إليه، فإذا ذكر اسم الله عند الدخول وعند","vol":"6","page":55},{"text":"الطعام فإنه لا مأوَى للشيطان ولا طعام.\nوأما حكاية النووي الإجماع على استحباب التسمية، فقد تعقبه الحافظ ابن حجر ﵀، فقال: «وفي نقل الإجماع على الاستحباب نظر إلا إن أريد بالاستحباب أنه راجح الفعل وإلا فقد ذهب جماعة إلى وجوب ذلك وهو قضية القول بإيجاب الأكل باليمين؛ لأن صيغة الأمر بالجميع واحدة» (^١).\n\n[٢٠١٨] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: أَبَا عَاصِمٍ- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ، وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ».\nوَحدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عَاصِمٍ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ طَعَامِهِ»، «وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ دُخُولِهِ».\nفي هذا الحديث: التسمية عند دخول البيت وعند الطعام، وهذا مثل ما جاء في الحديث: «إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ قَالَ: يُقَالُ- حِينَئِذٍ-: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ، فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ، وَكُفِيَ، وَوُقِيَ؟» (^٢).\nومثل قوله ﷺ: «إِذَا وَلَجَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَوْلَجِ وَخَيْرَ\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (٩/ ٥٢٢).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٥٠٩٠)، والترمذي (٣٤٢٦)، والنسائي في الكبرى (٩٨٣٧).","vol":"6","page":56},{"text":"الْمَخْرَجِ، بِاسْمِ اللَّهِ وَلَجْنَا، وَبِاسْمِ اللَّهِ خَرَجْنَا، وَعَلَى اللَّهِ رَبِّنَا تَوَكَّلْنَا، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ عَلَى أَهْلِهِ» (^١).\nوقد ذكر النووي ﵀ وجماعة (^٢) أنه إذا سمى واحد من الآكلين كفاهم، لكن ظاهر النصوص أن كل واحد مطلوب منه التسمية.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٠٩٦)، والبيهقي في الدعوات الكبير (٤٨٠).\n(^٢) شرح مسلم، للنوي (١٣/ ١٨٩)، الأذكار، للنووي (ص ٢٣١)، شرح المشكاة، للطيبي (٩/ ٢٨٣٨).","vol":"6","page":57},{"text":"[٢٠١٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ».\n\n[٢٠٢٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ نُمَيْرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ جَدِّهِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ».\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِ سُفْيَانَ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ حَرْمَلَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حَدَّثَهُ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِشِمَالِهِ، وَلَا يَشْرَبَنَّ بِهَا؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِهَا» قَالَ: وَكَانَ نَافِعٌ يَزِيدُ فِيهَا: وَلَا يَأْخُذُ بِهَا، وَلَا يُعْطِي بِهَا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الطَّاهِرِ: «لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدُكُمْ».\n\n[٢٠٢١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: «كُلْ بِيَمِينِكَ» قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: «لَا اسْتَطَعْتَ» - مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ- قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ.\nفي هذه الأحاديث: وجوب الأكل باليمين، والشرب باليمين، والنهي عَنِ الأكل بالشمال، والشرب بالشمال.","vol":"6","page":58},{"text":"وفيها: دليل على أنَّ مَن عارَض السنة يُخشَى عليه من العقوبة العاجلة، فهذا الرجل عوقِب في الحال، قال النبي ﷺ له: «كُلْ بِيَمِينِكَ»، قَالَ: «لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: «لَا اسْتَطَعْتَ» - مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ- قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ»، يعني: دعا عليه أن يجعله الله لا يستطيع، فشُلَّت يده في الحال، فما رفعها إلى فِيهِ؛ عقوبة عاجلة له.\nوعن ابن عمر ﵄ أنه قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ، إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا»: قَالَ: فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ، فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا، مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ» (^١).\nفلا يجوز للإنسان معارضة السنة، ويُخشَى عليه من العقوبة إذا فعل ذلك، لكن إذا كان متأولًا فهو غير معارِض للسنة.\nقال بعض العلماء: هذه الأوامر للاستحباب؛ لأنها من باب الآداب، لكن ظاهر الحديث أنها للوجوب، ولو كانت للاستحباب مَا دعا النبي ﷺ على من لم يستجب للأكل بيمينه، والأصل في الأوامر الوجوب إلا بصارف، والأصل في النواهي التحريم إلا بصارف.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٤٢).","vol":"6","page":59},{"text":"[٢٠٢٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، سَمِعَهُ مِنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي: «يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ».\n[خ: ٥٣٧٩]\nوَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَكَلْتُ يَوْمًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلْتُ آخُذُ مِنْ لَحْمٍ حَوْلَ الصَّحْفَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلْ مِمَّا يَلِيكَ».\nفي هذا الحديث: دليل على وجوب هذه الثلاثة: التسمية، والأكل باليمين، وأكل الإنسان مما يليه.\nوفيه: تعليم الصغار، وعمر بن أبي سلمة كان صغيرًا فأرشده النبي ﷺ، فينبغي إرشاد الصغار وتعليمهم الآداب الإسلامية، وتأديبهم- أيضًا- إذا أخلُّوا بهذه الواجبات؛ ولهذا قال إبراهيم النخعي: «وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ» (^١)، حتى يتأدَّب ويتعلَّم، فيُؤدَّب الصغير ويُعلَّم حتى ينشأ وقد حسنت أخلاقه وتعلَّم الآداب الشرعية، وكذلك اليتيم لا يترك لتفسد أخلاقه وتسوء، بل يؤدب كذلك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به (٢٦٥٢).","vol":"6","page":60},{"text":"[٢٠٢٣] وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ اخْتِنَاثِ الْأَسْقِيَةِ.\n[خ: ٥٦٢٥]\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ اخْتِنَاثِ الْأَسْقِيَةِ أَنْ يُشْرَبَ مِنْ أَفْوَاهِهَا.\nوَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَاخْتِنَاثُهَا أَنْ يُقْلَبَ رَأْسُهَا، ثُمَّ يُشْرَبَ مِنْهُ.\nفي هذا الحديث: أن اختناث الأسقية منهي عنه، وهذا النهي للتنزيه، والذي صرفه عَنِ التحريم حديث كبشة بنت ثابت ﵂، كما سيأتي.\nوقد فُسِّر الاختناث- أيضًا- بالشرب من أفواه الأسقية.\nوأصل الاختناث: من التخنُث، والتكسُّر، والانطواء، ومنه يسمى مَن يتشبَّه بالنساء، أو مَن يشبه في طبعه وحركاته وكلامه النساء، يُقال: هذا تخنَّث، فالمُخنَّث هو الذي يتشبَّه بالنساء، وهذا محرم، فعن كبشة بنت ثابت ﵂ قال: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَشَرِبَ مِنْ فِي قِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ قَائِمًا، فَقُمْتُ إِلَى فِيهَا فَقَطَعْتُهُ» (^١)، وهي إنما قطعته لتتبرَّك به؛ لِمَا جعل الله في جسده ﷺ وما مسَّه من البركة، فهذا فيه: دليل على أنَّ النهي هنا ليس للتحريم؛ فالنبي ﷺ إنما نهى عن اختناث الأسقية، وهو: الشرب من فمها، ثم شرب هو من فم القِربة وهو قائم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٧١١٥)، والترمذي (١٨٩٢)، وابن ماجه (٣٤٢٣).","vol":"6","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-957>بَابُ كَرَاهِيَةِ الشُّرْبِ قَائِمًا</span>\n\n[٢٠٢٤] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ: نَهَى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِمًا، قَالَ: قَتَادَةُ، فَقُلْنَا: فَالْأَكْلُ؟ فَقَالَ: ذَاكَ أَشَرُّ- أَوْ: أَخْبَثُ.\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ قَتَادَةَ.\n\n[٢٠٢٥] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَبِي عِيسَى الْأُسْوَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا.\nوَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ وَابْنِ الْمُثَنَّى- قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَبِي عِيسَى الْأُسْوَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا.\n\n[٢٠٢٦] حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ- يَعْنِي: الْفَزَارِيَّ- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ، أَخْبَرَنِي أَبُو غَطَفَانَ الْمُرِّيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا، فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ».\nهذا الزجر والنهي عَنِ الشرب قائمًا محمول على كراهة التنزيه، والذي صرف النهي عَنِ التحريم إلى الكراهة شربه ﷺ من زمزم من دلو منها وهو قائم، كما في سياق المؤلف له عن ابن عباس ﵄ من أربع طرق، وهو الآتي بعده.","vol":"6","page":62},{"text":"وقوله: «لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا، فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ»: هذا كان أولًا، ثم نُسخ.\nوعلى القول بعدم النسخ فإن من شرب قائما نسيانا فإنه معفو عنه بالاتفاق، قال المازري: «ولا خلاف بين أهل العلم أن من شرب قائمًا ناسيًا فليس عليه أن يستقيء» (^١)، ويؤيد ذلك: الأدلة الدالة على أن الناسي معفو عنه.\n_________\n(^١) المعلم، للمازري (٣/ ١١٤).","vol":"6","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-958>بَابٌ فِي الشُّرْبِ مِنْ زَمْزَمَ قَائِمًا</span>\n\n[٢٠٢٧] وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ.\n[خ: ١٦٣٧]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ مِنْ دَلْوٍ مِنْهَا وَهُوَ قَائِمٌ.\nوَحَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ. ح، وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ يَعْقُوبُ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، وَمُغِيرَةُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ وَهُوَ قَائِمٌ.\nوَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ، سَمِعَ الشَّعْبِيَّ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ، فَشَرِبَ قَائِمًا، وَاسْتَسْقَى وَهُوَ عِنْدَ الْبَيْتِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: فَأَتَيْتُهُ بِدَلْوٍ.\nقوله: «واسْتَسْقَى»، يعني طلب من يسقيه، وأُتِيَ له بماء وهو عند البيت.\nوفي هذه الأحاديث: أنَّ النبي ﷺ شرب من زمزم وهو قائم، والقاعدة عند أهل العلم: أنَّ النبي ﷺ إذا نهى عن شيء ثم فعله، يُصرَف النهي عَنِ التحريم إلى كراهة التنزيه، ويكون فعله لبيان الجواز، والنهي لبيان الكراهة التنزيهية.","vol":"6","page":64},{"text":"وذهب الإمام ابن القيم ﵀ إلى تحريم الشرب قائمًا، وهو مع جلالة قدره وإمامته وأنَّ هذه القاعدة الأصولية معروفة قد شدَّد في هذا، وقال: إنه يحرُم الشرب قائمًا أخذًا بهذا الحديث (^١)، والقائل وإن كان عظيمًا وإن كان إمامًا كبيرًا إلا أنه ليس بمعصوم، وقد يكون له بعض الأقوال المرجوحة.\nوالصواب في هذه المسألة: أنَّ الشرب قائمًا جائز، ولكن الشرب قاعدًا أفضل، فإنه أَرْوَى، وَأَبْرَأُ، وَأَمْرَأُ، والشرب قائمًا جائز؛ لأن النبي ﷺ فعله.\nولا خلاف بين أهل العلم أنه لا يجب عليه فعل القيء، ويؤيده الأدلة التي تدل على أنَّ الناسي معفو عنه، قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أو أَخْطَأْنَا﴾، وقال ﵊: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (^٢).\nوقال النووي ﵀: «وأما قوله ﷺ: «فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ»: فمحمول على الاستحباب والندب، فيستحب لمن شرب قائمًا أن يتقيأه؛ لهذا الحديث الصحيح الصريح، فإن الأمر إذا تعذر حمله على الوجوب حُمل على الاستحباب» (^٣).\nقلت: وهذا ضعيف؛ لأن الناسي معفو عنه، ولأن التقيؤ يترتب عليه مضار ومشقة، وما دام أن النبي ﷺ شرب قائمًا فالصواب أنَّ الأمر بالاستقاءة كان أولًا، ثم نُسِخ، بدليل أنَّ النبي ﷺ شرب قائمًا ولم يتقيأ.\nوإذا تعارَض حديثان، فالقاعدة عند أهل العلم: أنه يُسلَك مسلَك الجمع، ثم النسخ، ثم الترجيح، ثم التوقُّف، أي: يتوقف المجتهد حتى\n_________\n(^١) زاد المعاد، لابن القيم (١/ ١٤٤).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥)، وابن حبان (٧٢١٩).\n(^٣) شرح مسلم، للنووي (١٣/ ١٩٥).","vol":"6","page":65},{"text":"يتبيَّن له واحد من الأمور الثلاثة (^١).\nومثل هذا ما ثبت عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ» (^٢)، وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت: «مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا» (^٣)، فخالف فعله مرة لبيان الجواز بشروطه.\nومما يدل على جواز الشرب قائما ما ثبت عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ: «أَنَّهُ شَهِدَ عَلِيًّا ﵁ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ جَلَسَ فِي الرَّحَبَةِ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ، فَلَمَّا حَضَرَت الْعَصْرُ أُتِيَ بِتَوْرٍ، فَأَخَذَ حَفْنَةَ مَاءٍ، فَمَسَحَ يَدَيْهِ وَذِرَاعَيْهِ وَوَجْهَهُ وَرَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ فَضْلَهُ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ أَنْ يَشْرَبُوا وَهُمْ قِيَامٌ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ، وَهَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ» (^٤).\n_________\n(^١) قواطع الأدلة، للسمعاني (١/ ٤٠٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٤)، ومسلم (٢٧٣).\n(^٣) أخرجه الترمذي (١٢)، والنسائي (٢٩).\n(^٤) أخرجه أحمد (١١٧٣)، وابن خزيمة (١٩)، وابن حبان (١٠٧٩).","vol":"6","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-959>بَابُ كَرَاهَةِ التَّنَفُّسِ فِي نَفْسِ الْإِنَاءِ، وَاسْتِحْبَابِ التَّنَفُّسِ ثَلَاثًا خَارِجَ الْإِنَاءِ</span>\n\n[٢٦٧] حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ.\n[خ: ١٥٣]\nفي هذا الحديث: النهي عَنِ التنفس في الإناء؛ لأنه يُقَذِّرُهُ على غيره، ولأنه قد ينتقل شيء من الرائحة، وقد يخرج- أيضًا- من فمه، أو من أنفه شيء في الماء، فلا ينبغي للإنسان أن يتنفس في الإناء، وإذا أراد أن يتنفس يُبِين الكأس، أو الإناء من فمه، ثم يتنفس خارجه.\n\n[٢٠٢٨] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ عَزْرَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا.\n[خ: ٥٦٣١]\nقوله: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا»، يعني: يتنفس خارج الإناء ثلاثًا، أي: إذا قُدِّم له الإناء ليشرب يشرب أولًا، ثم يُبين القدح عن فمه، ثم يشرب، ثم يُبين، ثلاث مرات، وهذا من الجمع بين الحديثين؛ فالحديث الأول أنه نهى أن يتنفس في الإناء، يعني: في داخل الإناء، والحديث الثاني أن النبي ﷺ كان يتنفس في الإناء، يعني: خارجه.","vol":"6","page":67},{"text":"حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي عِصَامٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ: «إِنَّهُ أَرْوَى، وَأَبْرَأُ، وَأَمْرَأُ»، قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا.\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ عَنْ أَبِي عِصَامٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ، وَقَالَ: فِي الْإِنَاءِ.\nقوله: «إِنَّهُ أَرْوَى»، يعني: أكثر رِيًّا.\nوقوله: «وَأَبْرَأُ»، يعني: أبعد من العطش وحره.\nوقوله: «وَأَمْرَأُ»، يعني: أحسن استساغةً.\nوالعلماء يحملون الأوامر إذا كانت في الآداب على الاستحباب، ويحملون النواهي على التنزيه (^١).\nوالظاهرية وجماعة يحملونها على الوجوب (^٢)، فالأصل في الأوامر الوجوب، والأصل في النواهي التحريم إلا بصارفٍ، كفعل النبي ﷺ، فالنهي عَنِ التنفس في الإناء الأصل فيه التحريم؛ لِمَا فيه من المفاسد والمضار.\n_________\n(^١) البرهان، للجويني (١/ ١٠٩).\n(^٢) الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم (٣/ ٢).","vol":"6","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-960>بَابُ اسْتِحْبَابِ إِدَارَةِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَنَحْوِهِمَا عَنْ يَمِينِ الْمُبْتَدِئِ</span>\n\n[٢٠٢٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَشَرِبَ، ثُمَّ أَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ، وَقَالَ: «الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ».\n[خ: ٢٥٧١]\nقوله: «قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ»، يعني: قد خُلِط بماء، ولم ينكر النبي ﷺ ذلك، وشرب منه، ففيه: دليل على جواز خلط اللبن بالماء، بل قد يكون فيه مصالح، إما لتكثيره إذا كان قليلًا حتى يكفي القوم ويشربوا، أو ليبرُد إذا كان حارًّا، ومن ذلك: حديث قصة هجرة النبي ﷺ ومعه أبو بكر الصديق ﵁، وفيه: «فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ اشْرَبْ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ، قَالَ: فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ» (^١).\nوإنما النهي عن خلط اللبن بالماء إذا كان للبيع فهذا غش، وقال ﵊: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» (^٢).\nوفي هذا الحديث: أنَّ الإنسان إذا شرب فإنه يُعطي الأيمنَ فالأيمنَ، فالأيمنُ أحقُّ به، ولو كان على يساره كبيرُ سنٍّ، أو عالم، ولكن لا مانع أن يُستأذَن الأيمنُ، فإن أذِن أُعطِيَ للأيسر، فإن لم يأذن يُعطَى وهو أحقُّ بذلك، فكما في حديث قصة الأعرابي أن النبي ﷺ أعطى للأعرابي وكان عن يمينه، وعن يساره أشياخ، فقال: «الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ»، وفي الحديث الآخر- كما سيأتي-: أنَّ النبي ﷺ كان عن يمينه ابن عباس ﵄، وعن يساره الأشياخ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٠٠٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠٢).","vol":"6","page":69},{"text":"كأبي بكر وغيره، فلما شرب النبي ﷺ قال لعبد الله بن عباس ﵄: «أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ الأَشْيَاخَ؟ فقال: لا، يَا رَسُولَ اللهِ، لا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا»، فوضعه في يده؛ لأنه أحق به.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرٍ، وَمَاتَ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ، وَكُنَّ أُمَّهَاتِي يَحْثُثْنَنِي عَلَى خِدْمَتِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا دَارَنَا، فَحَلَبْنَا لَهُ مِنْ شَاةٍ دَاجِنٍ، وَشِيبَ لَهُ مِنْ بِئْرٍ فِي الدَّارِ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ- وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ شِمَالِهِ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ، فَأَعْطَاهُ أَعْرَابِيًّا عَنْ يَمِينِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ».\nقوله: «وَكُنَّ أُمَّهَاتِي يَحْثُثْنَنِي عَلَى خِدْمَتِهِ»: المقصود: أم سليم أمه، وخالته أم حرام، وتسمى أمًّا؛ لأن الخالة بمنزلة الأم، قال النبي ﷺ: «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ» (^١).\nقال النووي ﵀: «المراد بأمهاته: أمه أم سليم، وخالته أم حرام وغيرهما من محارمه، فاستعمل لفظ الأمهات في حقيقته ومجازه» (^٢).\nوهذه مسألة لغوية؛ هل يُستعمل الشيء في الحقيقة والمجاز في وقتٍ واحد؟ ! مَن أجاز هذا استدلَّ بهذا الحديث، وقال: إن أنسًا ﵁ استعمل لفظ الأم في الحقيقة والمجاز، فقوله: «أُمَّهَاتِي»: يشمل أمه الحقيقية، ويشمل أمه المجازية وهي الخالة، لكن هذا ليس بجيد، والمقصود: أنها بمنزلة الأم، والحقيقة أنه ليس في الكتاب ولا في السنة مجاز، وكذلك في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٩٩).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٣/ ٢٠٢).","vol":"6","page":70},{"text":"اللغة؛ لأن هذا لم يعرف إلا في القرون المتأخرة؛ وأهل اللغة لا يعرفون المجاز، وكذلك الصحابة والتابعون والقرون الثلاثة الأولى.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ أَبِي طُوَالَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي دَارِنَا، فَاسْتَسْقَى فَحَلَبْنَا لَهُ شَاةً، ثُمَّ شُبْتُهُ مِنْ مَاءِ بِئْرِي هَذِهِ، قَالَ: فَأَعْطَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ، وَعُمَرُ وِجَاهَهُ، وَأَعْرَابِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ شُرْبِهِ، قَالَ عُمَرُ: هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ- يُرِيهِ إِيَّاهُ- فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَعْرَابِيَّ، وَتَرَكَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْأَيْمَنُونَ، الْأَيْمَنُونَ، الْأَيْمَنُونَ، قَالَ أَنَسٌ: فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ».\nقوله: «الْأَيْمَنُونَ، الْأَيْمَنُونَ، الْأَيْمَنُونَ»، يعني: الأيمنون مُقدَّمون، على حذف الخبر، وهذه هي السنة؛ فالسنة أن يُعطَى من على اليمين؛ ولذا قال الرسول ﷺ: «الأَيْمَنُونَ»: مؤكَّدة ثلاث مرات.\nوقول أنس ﵁: «فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ»، يعني: أن إدارة الماء، أو اللبن على مَن كان عن يمين الشارب سنة.","vol":"6","page":71},{"text":"[٢٠٣٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: «أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟»، فَقَالَ الْغُلَامُ: لَا- وَاللَّهِ- لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا، قَالَ: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَدِهِ.\n[خ: ٢٣٥١]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَقُولَا: فَتَلَّهُ، وَلَكِنْ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ قَالَ: فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ.\nهذا الغلام هو ابن عباس ﵄، وقد سبقت القصة، واحتجَّ بها بعض العلماء في أنه لا يُؤثَر في القُرَب، وإنما يُؤثَر في الأمور المباحة، فالقُربة والطاعة ليس فيها إيثار، مثل ما إذا كنتَ في الصف الأول، ثم جاء إنسان له مكانة، أو إنسان عالم، أو كبير، فهل تُؤثِره فتقوم عن مكانك وتجلسه؟ بعضهم يقول: لا، فهذه قُربَة، لا يُؤثَر بها، وإنما يُؤثَر في الأمور المباحة والأمور الدنيوية، أما في القُرَب فلا، وقال آخرون من أهل العلم: لا بأس أن يُؤثِره، فيجلسه مكانه من باب إيثاره على نفسه، ويقدمه عليها، ومَن قال: لا يُؤثر احتج بقصة ابن عباس ﵄، فابن عباس ما آثَر أبا بكر ﵁، بل تمسَّك بحقه؛ لأن هذه قُربة، كونه يشرب بعد النبي ﷺ، وكونه يضع فمه في المكان الذي وضع فيه النبي ﷺ فيستفيد، وعلى كل حال هي مسألة خلافية بين أهل العلم.","vol":"6","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-961>بَابُ اسْتِحْبَابِ لَعْقِ الْأَصَابِعِ، وَالْقَصْعَةِ، وَأَكْلِ اللُّقْمَةِ السَّاقِطَةِ بَعْدَ مَسْحِ مَا يُصِيبُهَا مِنْ أَذًى، وَكَرَاهَةِ مَسْحِ الْيَدِ قَبْلَ لَعْقِهَا</span>\n\n[٢٠٣١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا».\n[خ: ٥٤٥٦]\nحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَاصِمٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ مِنَ الطَّعَامِ فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا».\n\n[٢٠٣٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ مِنَ الطَّعَامِ، وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ حَاتِمٍ: الثَّلَاثَ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ- أَوْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ- أَخْبَرَه عَنْ أَبِيهِ كَعْبٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، فَإِذَا فَرَغَ لَعِقَهَا.","vol":"6","page":73},{"text":"وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ حَدَّثَاهُ- أَوْ أَحَدُهُمَا- عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\n\n[٢٠٣٣] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِلَعْقِ الْأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ، وَقَالَ: «إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّهِ الْبَرَكَةُ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأْخُذْهَا، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى، وَلْيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، وَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ. ح، وَحدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: «وَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا»، وَمَا بَعْدَهُ.\nحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى، ثُمَّ لِيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ تَكُونُ الْبَرَكَةُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: «إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ»، إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ الْحَدِيثِ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذِكْرِ اللَّعْقِ، وَعَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَذَكَرَ اللُّقْمَةَ، نَحْوَ حَدِيثِهِمَا.\n\n[٢٠٣٤] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا","vol":"6","page":74},{"text":"بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ قَالَ: وَقَالَ: «إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْهَا الْأَذَى، وَلْيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَسْلُتَ الْقَصْعَةَ» قَالَ: «فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ».\n\n[٢٠٣٥] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيَّتِهِنَّ الْبَرَكَةُ».\nوَحدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ- قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَلْيَسْلُتْ أَحَدُكُمُ الصَّحْفَةَ»، وَقَالَ: «فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ- أَوْ: يُبَارَكُ لَكُمْ».\nفي هذه الأحاديث: آداب الأكل، وأنه ينبغي للمسلم أن يعمل بهذه الآداب، وهي أنه إذا أكل الطعام يلعق أصابعه بنفسه، أو يُلعِقَها غيره ممن لا يتقذَّر بذلك، من زوجةٍ، أو خادمٍ، أو ولد.\nوفيها: النهي عن مسح الأصابع قبل لعقها، وأنه ينبغي ألا يمسحها بالمنديل حتى يلعقها، وجاء في الحديث بيان السبب، قال: «إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّهِ الْبَرَكَةُ».\nوفيها- أيضًا-: الأكل بثلاثة أصابع، وهي: السبابة، والوسطى، والإبهام.\nوفيها: لعق الصحفة، يعني: الإناء الذي يكون فيه الطعام.\nقال النووي ﵀: «استحباب لعق اليد محافظة على بركة الطعام وتنظيفًا لها، واستحباب الأكل بثلاث أصابع ولايضم إليها الرابعة والخامسة إلا لعذر، بأن يكون مرقًا وغيره، مما لا يمكن بثلاث، وغير ذلك من الأعذار، واستحباب لعق القصعة وغيرها، واستحباب أكل اللقمة الساقطة بعد مسح","vol":"6","page":75},{"text":"أذى يصيبها، هذا إذا لم تقع على موضع نجس، فإن وقعت على موضع نجس تنجست ولا بد من غسلها إن أمكن، فإن تعذر أطعمها حيوانًا، ولايتركها للشيطان» (^١).\nوعلى كل حال ينبغي للإنسان أن يتأدَّب بالآداب الإسلامية، فيحرص على امتثال هذه الأوامر، فيلعق أصابعه إذا أكل بيده، وإذا أكل بملعقة يلعق الملعقة، ولا يبقي فيها شيئًا من الطعام؛ لأنَّ لعق الأصابع يُخرجه من صفات المتكبرين، فإن أهل الكبر في الغالب لا يلعقون أيديهم.\nوفيها: أنه إذا سقطت اللقمة فإنه يُميط ما بها من الأذى، ثم يأكلها، ولا يدعها للشيطان؛ لأنه إذا تركها صارت للشيطان، فينبغي له أن يحرص على أخذها وإزالة الأذى وأكلها، حتى لا يُعين الشيطان بشيء؛ لأن الشيطان عدو، والعدو لا يُعان بشيء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، فكما أنَّ العدو من الإنس لا يُعان بشيء ولا يُساعَد بشيء، فكذلك العدو من الجن لا يُعان بشيء، فلا يقول الإنسان: هذه لُقمة يسيرة؛ لأننا نقول: لا يُعان بشيء مطلقًا لا بقليل ولا بكثير.\nوفيها: أن الشيطان يحضر للإنسان في كل شيء، حتى عند الطعام، وعند الشراب، وعند كل شيء؛ فينبغي للإنسان أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ولهذا شُرِع للإنسان التسمية عند الأكل وعند الشرب، وعند الدخول للمنزل، وعند دخول الخلاء، وهذا فيه: حماية للمسلم وصيانته من الشيطان؛ لأن الشيطان حريص على إغواء بني آدم، وإيصال الأذى والضرر إليهم بكل طريقة، فهو عدو يعمل جاهدًا على إيصال الضرر إلى عدوه.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٣/ ٢٠٤).","vol":"6","page":76},{"text":"مسألة: هل يأكل الشيطان حقيقة؟\nوالجواب: نعم، الشيطان يأكل حقيقة، كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ، وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ»: قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ»: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ»، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ\nالْكُرْسِيِّ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ؛ فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟»: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: مَا هِيَ؟ قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ- وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ- فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟»: قَالَ:","vol":"6","page":77},{"text":"لَا، قَالَ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ» (^١).\nفهو- إذن- يأكل ويشرب، وقد مر في الحديث: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» (^٢)، وهذا صريح في أن الشيطان يأكل ويشرب، لكن بالشمال، وقد سأل الجنُّ النبيَّ ﷺ الطعامَ؟ فقال: «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ» (^٣)، فالصحيح أن الجن يأكلون، ويعود اللحم على العظم أوفر ما كان، ويأكلونه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣١١).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٠٢٠).\n(^٣) أخرجه مسلم (٤٥٠).","vol":"6","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-962>بَابُ مَا يَفْعَلُ الضَّيْفُ إِذَا تَبِعَهُ غَيْرُ مَنْ دَعَاهُ صَاحِبُ الطَّعَامِ، وَاسْتِحْبَابِ إِذْنِ صَاحِبِ الطَّعَامِ لِلتَّابِعِ</span>\n\n[٢٠٣٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو شُعَيْبٍ، وَكَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَعَرَفَ فِي وَجْهِهِ الْجُوعَ، فَقَالَ لِغُلَامِهِ: وَيْحَكَ! اصْنَعْ لَنَا طَعَامًا لِخَمْسَةِ نَفَرٍ؛ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النَّبِيَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ، قَالَ: فَصَنَعَ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَدَعَاهُ خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَاتَّبَعَهُمْ رَجُلٌ، فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ هَذَا اتَّبَعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ رَجَعَ» قَالَ: لَا، بَلْ آذَنُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.\n[خ: ٢٠٨١]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ سُفْيَانَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِ جَرِيرٍ، قَالَ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّاد، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ، حَدَّثَنَا عَمَّارٌ- وَهُوَ ابْنُ رُزَيْقٍ- عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ. ح، وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ.","vol":"6","page":79},{"text":"قوله: «وَكَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ»: اللحام: هو الذي يبيع اللحم، وهو الجزار.\nوفيه: دليل على أنه لا بأس بمهنة الجزارة، وأنها حِرفةٌ شريفة، بل كل الحِرَف طيبة، الجزارة، والنجارة، والحدادة، والتجارة، وينبغي للمسلم أن يكون له مهنة وصنعة يكسب منها؛ حتى يُعِفَّ نفسه، ويُعِف أولاده، إلا الحرف غير الشريفة مثل: الحجَّام، فهذه حِرفةٌ رديئة دنيئة؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ» (^١)، أي: مكروه.\nوفي هذا الحديث: أن هذا الطعام كان مُحدَّدًا لخمسة أشخاص، فإذا كان الطعام محدَّدًا فلا ينبغي لأحد أن يأتي زيادة إلا بإذن؛ ولهذا استأذن النبي ﷺ لهذا الرجل؛ لأن الطعام مُحدَّد لخمسة، أما إذا كان الطعام ليس مُحدَّدًا فلا بأس، مثل الطعام الآن الذي في بعض الفنادق، يحددونه بالكراسي بالعدد، فهذا لا يمكن للإنسان أن يأتي بأحد زيادة؛ لأنه مُحدَّد، أما إذا كان غير مُحدَّد كصحن يستدير عليه الناس، فهذا غير مُحدَّد، فهو يقبل الزيادة.\nوفيه: دليل على أنَّ الإنسان إذا دُعِي، ثم تبعه بعض الناس فعليه أن يستأذن له، يقول: معنا فلان، إنْ أذِنتَ له، وهو مُخيَّر بين أن يأذن له، أو لا يأذن له؛ لأنه قد يكون هناك إحراج له إذا أذِن له، قد يكون الطعام مُحدَّدًا، وليس له مكان، وقد يكون هؤلاء الذين دُعُوا يريدون أن يتحدثوا بأمورٍ خاصة، ولا يريدون أن يكون معهم غيرهم، وقد يكون هذا الذي جاء إليهم فاسق مثلًا، أو يأخذ أخبارهم إلى غيرهم، فلا يُؤذَن له في هذه الحالة.\nلكن يُستحب له أن يأذن له إذا لم يكن هناك مانع، ولم تترتب عليه مفسدة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٦٨).","vol":"6","page":80},{"text":"[٢٠٣٧] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ جَارًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَارِسِيًّا كَانَ طَيِّبَ الْمَرَقِ، فَصَنَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ جَاءَ يَدْعُوهُ، فَقَالَ: وَهَذِهِ- لِعَائِشَةَ- فَقَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا»، فَعَادَ يَدْعُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَهَذِهِ، قَالَ: لَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا»، ثُمَّ عَادَ يَدْعُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهَذِهِ، قَالَ: نَعَمْ، فِي الثَّالِثَةِ، فَقَامَا يَتَدَافَعَانِ حَتَّى أَتَيَا مَنْزِلَهُ.\nقوله: «وَهَذِهِ- لِعَائِشَةَ»، أي: الإشارة لعائشة ﵂، كأنها حاضرة، أي: وهذه معنا في الدعوة.\nوقوله: «فَقَامَا يَتَدَافَعَانِ»، يعني: يتبع أحدهما أثر الآخر؛ لأن عائشة ﵂ كانت تتبع أثر النبي ﷺ.\nوفي هذا الحديث: أنه لا بأس بأكل الطيبات والتمتع بها من المرق والفاكهة واللحم وغيرها؛ فإن الطيبات قد أحلها الله ﷿، والمسلم يتمتع بها، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾، وإنما الذي ينبغي للإنسان هو أن لا يُسرِف في المباحات وألا يتوسَّع فيها، أما تناول الطيبات فهذا مما أحله الله ﷿.","vol":"6","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-963>بَابُ جَوَازِ اسْتِتْبَاعِهِ غَيْرَهُ إِلَى دَارِ مَنْ يَثِقُ بِرِضَاهُ بِذَلِكَ، وَبِتَحَقُّقِهِ تَحَقُّقًا تَامًّا، وَاسْتِحْبَابِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الطَّعَامِ</span>\n\n[٢٠٣٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ- أَوْ لَيْلَةٍ- فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: «مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟» قَالَا: الْجُوعُ- يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ: «وَأَنَا- وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا»، فَقَامُوا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيْنَ فُلَانٌ؟» قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ، إِذْ جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي، قَالَ: فَانْطَلَقَ، فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا مِنْ هَذِهِ، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ»، فَذَبَحَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ-: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ».\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو هِشَامٍ- يَعْنِي: المُغِيرَةَ بْنَ سَلَمَةَ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: بَيْنَا أَبُو بَكْرٍ قَاعِدٌ وَعُمَرُ مَعَهُ إِذْ أَتَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا أَقْعَدَكُمَا هَا هُنَا؟» قَالَا: أَخْرَجَنَا الْجُوعُ مِنْ بُيُوتِنَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ خَلَفِ بْنِ خَلِيفَةَ.","vol":"6","page":82},{"text":"قوله: «فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا»: فيه: جواز الشبع والريِّ، وما جاء من كراهته فهو محمول على المداومة.\nوقوله: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، أي: عَنِ القيام بحق شكر النعم.\nوقولها: «مَرْحَبًا وَأَهْلًا»: فيه: الترحيب بالضيف، فمرحبًا وأهلًا، يعني: قد نزلتم على الرحب وعلى السعة.\nوفي هذا الحديث: أن الله تعالى يبتلي الأخيار من الأنبياء والصالحين بالجوع والفقر، كما يبتلي- أيضًا- بالمال والغنى، فالفقر والغنى مطيتان، والمسلم إذا افتقر وجاع تضرَّع إلى الله وصبر، وإذا شبع واغتنى شكر وحمد الله، هكذا هو المسلم، يكون صابرًا عند البأساء والشدة، ويكون شاكرًا عند النعماء والسعة، ويكون مستغفرًا تائبًا عند الذنب، وهذه علامة السعادة وعنوانها، والإنسان يتقلَّب بين أحوال ثلاثة: فهو إما في شدة فيحتاج إلى الصبر، وإما في سعة ورخاء فيحتاج إلى الشكر، وإما في ذنب فيحتاج إلى التوبة.\nوفيه: دليل على أنَّ الدنيا يعطيها الله من يُحب ومَن لا يُحب، ولا يعطي الدين إلا مَن يحب، فهذا رسول الله ﷺ- وهو خير الناس وأفضلهم- أصابه الجوع والشدة، وكذلك أبو بكر وعمر ﵄.\nوفيه: دليل على أنه لا بأس أن تُقدِّم المرأة للضيوف إذا لم يكن هناك ريبة ولا شك، وبشرط ألا يكون الزائر واحدًا؛ لأن زيارة الواحد تتحقق بها الخلوة، وقد قال النبي ﷺ: «لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ»، فَقَامَ: رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً، قَالَ: «اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» (^١)، ولا زالت المرأة تقدم للضيوف في البادية وفي غيرها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٠٦)، ومسلم (١٣٤١).","vol":"6","page":83},{"text":"وفيه: أنَّ النبي ﷺ سأل عن صاحب البيت، فقالت: «ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ»، يعني: يطلب لنا الماء العذب؛ فإنه لا بأس باستعذاب الماء، وليس من الترف كون الإنسان يطلب الماء العذب الحلو، أو يشتري الطعام الطيب.\nوفيه: المبادرة إلى تقديم ما تيسَّر وكان جاهزًا للضيف؛ لأنه قد يحتاج إلى الأكل، فيُقدَّم له ما تيسَّر من التمر أو القهوة أوغيرهما، فقد قدَّم الأنصاري ﵁ للنبي ﷺ عِذقًا فيه بُسرٌ وتمرٌ ورُطب.\nوفيه: أنه لا بأس بذبح شاة للضيف، أو بعير، على حسب ما يناسب الضيوف، وأنَّ هذا من إكرام الضيف.\nوفيه: استحباب إكرام الضيف، قال النبي ﷺ: «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» (^١)، والضيافة واجبة؛ ففي الحديث: «الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ» (^٢)، وإذا لم يُعْطَ الضيفُ حقَّه جاز له أن يأخذ حقه، إذا لم يترتب عليه مفسدة، كما جاء في الحديث: «إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَا، فَمَا تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ لَنَا: إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأُمِرَ لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ» (^٣).\nوللضيف حقٌ واجب في اليوم والليلة، ثم بعد ذلك يكون مستحبًّا ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك فهو فضل.\nوفيه: أنه ينبغي للإنسان أن يختار للضيف ما لا يضر بماله؛ ولهذا لما أخذ الرجل المُدية قال النبي ﷺ: «إِيَّاكَ والحَلُوبَ»، فهذه لا تُذبح، بل تُترَك لأهل البيت، يحلبون منها اللبن، ويُستفاد بها.\nوفيه: حمد الله عند تجدُّد النعم، واندفاع النقم، فإنه لما جاء الأنصاري\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٠١٩)، ومسلم (٤٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٤٦١)، ومسلم (١٧٢٧).","vol":"6","page":84},{"text":"وجد النبي ﷺ، وأبا بكر ﵁، وعمر ﵁ قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي».\nوفيه: أنَّ الإنسان يُسأل عَنِ النعيم، فلما أكلوا، وشربوا، وأكلوا من الرطب والبُسر واللحم، قال النبي ﷺ: «لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، أي: لتُسألُنَّ عن شكر هذه النعمة، قيل: إن هذا سؤال تعداد النعم وإظهار المنَّة، وليس سؤال محاسبة وتعذيب، فإذا كان الإنسان قد أدَّى شكر النعمة فليس عليه شيء؛ لأنه استعملها في طاعة الله، وحمِدَ الله ونسبها إلى الله؛ وعظَّم الله في قلبه.\nوفيه: أنه لا بأس بالحلف لتأكيد المقام، فإنهما قالا: «وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ»، وكذلك النبي ﷺ حلف، فقال: «وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا».\nوفيه: إثبات اليد لله ﷿، وقد قال ﵎: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾.","vol":"6","page":85},{"text":"[٢٠٣٩] حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ- مِنْ رُقْعَةٍ عَارَضَ لِي بِهَا، ثُمَّ قَرَأَهُ عَلَيَّ- قَالَ: أَخْبَرَنَاهُ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمَصًا، فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي، فَقُلْتُ لَهَا: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمَصًا شَدِيدًا، فَأَخْرَجَتْ لِي جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ قَالَ: فَذَبَحْتُهَا، وَطَحَنَتْ فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي، فَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَنْ مَعَهُ، قَالَ: فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَدْ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَنَتْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا، فَتَعَالَ أَنْتَ فِي نَفَرٍ مَعَكَ، فَصَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُورًا فَجِئْتُ بِكُمْ»، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَتَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ»، فَجِئْتُ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْدَمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي، فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ، فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ لِي، فَأَخْرَجْتُ لَهُ عَجِينَتَنَا، فَبَصَقَ فِيهَا، وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا، فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: «ادْعِي خَابِزَةً،\nفَلْتَخْبِزْ مَعَكِ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ، وَلَا تُنْزِلُوهَا»، وَهُمْ أَلْفٌ، فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَتَنَا- أَوْ كَمَا قَالَ الضَّحَّاكُ-: لَتُخْبَزُ كَمَا هُوَ.\n[خ: ٤١٠٢]\nقوله: «فِي نَفَرٍ مَعَكَ»: النفر: من ثلاثة إلى تسعة.\nوقوله: «وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ»: هي تصغير بَهيمة، يعني: الصغيرة من الضأن أو من الماعز، والبهيمة الداجن: هي التي تعيش في البيت، وتأكل فيه.\nوقوله: «يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ: إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُورًا فَجِئْتُ بِكُمْ»، والسُور","vol":"6","page":86},{"text":"هو: الطعام، وهي كلمة فارسية؛ وفيه: أنه لا بأس أن تتكلم بكلمات أجنبية معدودة، وقد يُقال: إن هذه من الكلمات التي تتوافق فيها اللغات، كما قالوا في: ﴿أبابيل﴾، و﴿سجيل﴾، قالوا: إنها كلمات تتفق فيها اللغات، توافق اللغةُ العربيةُ فيها اللغةَ الفارسيةَ، وهذا لا يُخرج الكلام عن كونه عربيًّا.\nوقولها: «بِكَ وَبِكَ»، يعني: بك يكون العيب عليك، فماذا نعمل؟ !\nوقوله: «فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ»، يعني: أنه ﷺ عمد إلى القدر ثم تفل فيه ودعا بالبركة، فقبِل الله دعوة نبيه ﷺ وبارك الله في هذا الطعام.\nوقوله ﷺ- لزوجة جابر ﵁-: «ادْعِي خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ»، أي: سيبارك الله في هذا الطعام، وتحتاج معها إلى خابزات.\nوقوله: «وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ، وَلَا تُنْزِلُوهَا»، أي: اغرفي، والقدح المغرفة، يقال: قدَحت المرق أقدَحه- بفتح الدال- غرفته (^١)، والبُرمة: القِدْر.\nوفي هذا الحديث: من دلائل نبوة نبينا ﵊، وأنَّ الله على كل شيءٍ قدير ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فهذا صاع من شعير كفى ألفًا، وبقي الطعام كما هو، وتكثير الطعام علامة من علامات النبوة.\nوفيه: أن الجوع قد يظهر على الوجه، وقد رأى جابر ﵁ الجوع على وجه النبي ﷺ.\nوفيه: دليل على جواز المُسارَرَة، وكون الإنسان يسارر آخر بحاجة إذا كان معه جماعة لا حرج فيه، وإنما النهي عن أن يتناجى اثنان دون الثالث إذا كانوا ثلاثة؛ لأن هذا يُحزِنه، أما إذا كان العدد كثيرًا وأسرَّ إلى واحد فلا حرج.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٣/ ٢١٧).","vol":"6","page":87},{"text":"[٢٠٤٠] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِأُمِّ سُلَيْم: قَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَارًا لَهَا، فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوْبِي وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ، وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟» قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: «أَلِطَعَامٍ؟»، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- لِمَنْ مَعَهُ-: «قُومُوا» قَالَ: فَانْطَلَقَ، وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ، فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلُمِّي مَا عِنْدَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ»، فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا،\nفَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ»، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ»، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ»، حَتَّى أَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ رَجُلًا، أَوْ ثَمَانُونَ.\n[خ: ٣٥٧٨]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَدْعُوَهُ، وَقَدْ جَعَلَ طَعَامًا، قَالَ: فَأَقْبَلْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ النَّاسِ، فَنَظَرَ إِلَيَّ،","vol":"6","page":88},{"text":"فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقُلْتُ: أَجِبْ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: «قُومُوا»، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا صَنَعْتُ لَكَ شَيْئًا، قَالَ: فَمَسَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَدَعَا فِيهَا بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: «أَدْخِلْ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِي عَشَرَةً»، وَقَالَ: «كُلُوا»، وَأَخْرَجَ لَهُمْ شَيْئًا مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، فَخَرَجُوا، فَقَالَ: «أَدْخِلْ عَشَرَةً»، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، فَمَا زَالَ يُدْخِلُ عَشَرَةً، وَيُخْرِجُ عَشَرَةً، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ، فَأَكَلَ حَتَّى شَبِعَ، ثُمَّ هَيَّأَهَا، فَإِذَا هِيَ مِثْلُهَا حِينَ أَكَلُوا مِنْهَا.\nوَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ: ثُمَّ أَخَذَ مَا بَقِيَ، فَجَمَعَهُ، ثُمَّ دَعَا فِيهِ بِالْبَرَكَةِ، قَالَ: فَعَادَ كَمَا كَانَ، فَقَالَ: دُونَكُمْ هَذَا.\nوَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَمَرَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ أَنْ تَصْنَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا لِنَفْسِهِ خَاصَّةً، ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَيْهِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ وَسَمَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا، فَقَالَ: كُلُوا، وَسَمُّوا اللَّهَ، فَأَكَلُوا، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَهْلُ الْبَيْتِ، وَتَرَكُوا سُؤْرًا.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ فِي طَعَامِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ فِيهِ: فَقَامَ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى الْبَابِ حَتَّى أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كَانَ شَيْءٌ يَسِيرٌ، قَالَ: «هَلُمَّهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُ فِيهِ الْبَرَكَةَ».\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ","vol":"6","page":89},{"text":"النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ فِيهِ: ثُمَّ أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَكَلَ أَهْلُ الْبَيْتِ، وَأَفْضَلُوا مَا أَبْلَغُوا جِيرَانَهُمْ.\nقوله: «إِنَّمَا صَنَعْتُ لَكَ شَيْئًا»، يعني: شيئًا قليلًا، لا يكفي لهذا العدد الكثير.\nوقوله: «دُونَكُمْ هَذَا»: هو اسم فعل بمعنى: خذوا هذا، أي: وزِّعوه على من حولكم.\nوقوله: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ»: لأن البيت لا يتَّسع لهم جميعًا، فيدخلون عشرة عشرة، يدخل عشرة ويأكلون، ثم ينصرفون، ويدخل عشرة، وهكذا.\nوفي هذا الحديث: عَلَم من أعلام النبوة، حيث عرف ﷺ أن الذي أرسله هو أبو طلحة ﵁، وعلم أنه أرسله لطعام، وهذا كله من الغيب؛ لأنه لا يعلم مَن الذي أرسله ولا يعلم أنه يدعوه لطعام إلا الله ﷾، وهذا من علم الغيب أطلع الله عليه نبيه ﷺ.\nوفيه- أيضًا-: عَلَم من أعلام النبوة، وهو تكثير الطعام، وتكثير الطعام حصل للنبي ﷺ مرات متعددة كما في قصة جابر ﵁- في الحديث السابق- وفي هذه القصة- أيضًا- طعام قليل كفى هؤلاء القوم، وهم سبعون، أو ثمانون.\nوفيه: أنَّ أم سليم أرسلت ابنها أنسًا ﵁ بأقراص من شعير، فأسرَّ إلى النبي ﷺ، فدعا النبي ﷺ أصحابه، فلما قال أبو طلحة ﵁- لأم سليم ﵂-: جاء رسول الله ﷺ بالناس، فقالت أم سليم: «اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ»، وهذا يدل على فقهها؛ ومعنى قولها ذلك: أن رسول الله ﷺ يعلم أنَّ الطعام قليل، ولكن ما دعاهم إلا وهو يعلم ما سيُقدِّر الله، أو ما سيكون من تكثير الطعام.\nوفيه: دليل على أنَّه يُقال في حياة النبي ﷺ «اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ»؛ لأن الرسول ﷺ ينزل عليه الوحي، ومن ذلك: حديث معاذ بن جبل ﵁ حين قال له النبي ﷺ: «أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهُ عَلَى العِبَادِ؟» قال: «قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ","vol":"6","page":90},{"text":"أَعْلَمُ» (^١)، وأما بعد مماته ﷺ فيُقال: «اللهُ أَعْلَمُ»؛ لأنه لا يعلم الغيب ﵊.\nوفيه: مشروعية استقبال الضيوف والترحيب بهم، فقد تقدَّم أبا طلحة القوم ليستقبلهم.\nوفيه: مشروعية التسمية عند الطعام.\nوَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: رَأَى أَبُو طَلْحَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُضْطَجِعًا فِي الْمَسْجِدِ، يَتَقَلَّبُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، فَأَتَى أُمَّ سُلَيْمٍ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُضْطَجِعًا فِي الْمَسْجِدِ يَتَقَلَّبُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وَأَظُنُّهُ جَائِعًا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: ثُمَّ أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَبُو طَلْحَةَ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَأَهْدَيْنَاهُ لِجِيرَانِنَا.\nفي هذا الحديث: أنَّ النبي ﷺ تصيبه الشدة والجوع كغيره، وكذلك الحر والبرد والأمراض والأسقام، وهو دليل على أنه ليس بإله يُعبَد ﷺ، ولكنه نبيٌّ كريم يُطَاع ويُتبَّع، ولو كان إلهًا لَمَا أصابه النقص، فالإله كامل لا يلحقه نقص، ولا يحتاج إلى أحد، كما أن الإله مُنزَّه عَنِ الأمراض والأسقام، والحاجة إلى الطعام والشراب، ورسول الله ﷺ بشر، سقط في حفرة، وكُسِرَت رَبَاعِيَتُهُ، وشُجَّ وجهُهُ ﵊.\nوفيه: أَن الأخيار قد تصيبهم الشدائد والمِحَن، وفي الحديث: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً: الْأَنْبِيَاء، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٣٧٣)، ومسلم (٣٠).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٧٠٧٩).","vol":"6","page":91},{"text":"والنبي ﷺ حصل له الكمال في هذا، فهو يتقلَّب أحيانًا بين الجوع والشبع، فإذا جاع صبر وتضرَّع إلى الله، وإذا شبع حمد الله وشكره.\nوفيه: عناية الصحابة بالنبي ﷺ وملاحظتهم له، فقد قال أبو طلحة ﵁: «إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُضْطَجِعًا فِي الْمَسْجِدِ يَتَقَلَّبُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وَأَظُنُّهُ جَائِعًا»، والصحابة ﵃ قد لا يعلمون هذا، وهو يُخفيه عنهم ﵊.\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ أَنَّ يَعْقُوبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا مَعَ أَصْحَابِهِ يُحَدِّثُهُمْ، وَقَدْ عَصَّبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ- قَالَ أُسَامَةُ: وَأَنَا أَشُكُّ عَلَى حَجَرٍ- فَقُلْتُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: لِمَ عَصَّبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَطْنَهُ؟ فَقَالُوا: مِنَ الْجُوعِ، فَذَهَبْتُ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ- وَهُوَ زَوْجُ أُمِّ سُلَيْمٍ بِنْتِ مِلْحَانَ- فَقُلْتُ يَا أَبَتَاهُ: قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَصَّبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ، فَسَأَلْتُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ، فَقَالُوا: مِنَ الْجُوعِ، فَدَخَلَ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى أُمِّي، فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، عِنْدِي كِسَرٌ مِنْ خُبْزٍ وَتَمَرَاتٌ، فَإِنْ جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحْدَهُ أَشْبَعْنَاهُ، وَإِنْ جَاءَ آخَرُ مَعَهُ، قَلَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ سَائِرَ الْحَدِيثِ بِقِصَّتِهِ.\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ مَيْمُونٍ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي طَعَامِ أَبِي طَلْحَةَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.\nقوله: «فَقُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ»، أي: قال أنس ﵁ لأبي طلحة ﵁: يا أبتاه؛ لأنه زوج أمه، فهو بمنزلة أبيه.\nوقوله: «قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَصَّبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ، فَسَأَلْتُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ»: وذلك لأن أنسًا ﵁ كان صغيرًا لا يدري؛ ولذا يسأل الصحابة: لماذا عصَّب الرسول ﷺ بطنه؟","vol":"6","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-964>بَابُ جَوَازِ أَكْلِ الْمَرَقِ، وَاسْتِحْبَابِ أَكْلِ الْيَقْطِينِ، وَإِيثَارِ أَهْلِ الْمَائِدَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَإِنْ كَانُوا ضِيفَانًا إِذَا لَمْ يَكْرَهْ ذَلِكَ صَاحِبُ الطَّعَامِ</span>\n\n[٢٠٤١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ- فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ- عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُبْزًا مِنْ شَعِيرٍ، وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ، قَالَ أَنَسٌ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ الصَّحْفَةِ، قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مُنْذُ يَوْمَئِذٍ.\n[خ: ٢٠٩٢]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَجِيءَ بِمَرَقَةٍ فِيهَا دُبَّاءٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ مِنْ ذَلِكَ الدُّبَّاءِ وَيُعْجِبُهُ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ جَعَلْتُ أُلْقِيهِ إِلَيْهِ وَلَا أَطْعَمُهُ، قَالَ: فَقَالَ أَنَسٌ: فَمَا زِلْتُ بَعْدُ يُعْجِبُنِي الدُّبَّاءُ.\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ وَعَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَزَادَ: قَالَ ثَابِتٌ: فَسَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: فَمَا صُنِعَ لِي طَعَامٌ بَعْدُ أَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُصْنَعَ فِيهِ دُبَّاءٌ إِلَّا صُنِعَ.\nقوله: «مِنْ حَوَالَيِ الصَّحْفَةِ»، يعني: حواليها وما قرُبَ منها، وأما في الحديث الآخر فقد قال النبي ﷺ- للغلام-: «وكُلْ مِمَّا يَلِيكَ»، وهو لا ينافي هذا؛ فإن النبي ﷺ كان يتتبع الدباء مما يليه من حوالي الصحفة، أو","vol":"6","page":93},{"text":"أنَّ هذا خاصٌّ بالنبي ﷺ؛ لأن الصحابة كان يُعجِبهُم ذلك، ويتبرَّكون بما مسَّ يده ﵊.\nوقوله: «فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مُنْذُ يَوْمَئِذٍ»، يعني: موافقةً للنبي ﷺ، وقال: «فَمَا صُنِعَ لِي طَعَامٌ بَعْدُ أَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُصْنَعَ فِيهِ دُبَّاءٌ إِلَّا صُنِعَ».\nوفي هذا الحديث: مشروعية إجابة الدعوة، حيث أجاب النبي ﷺ دعوة الخيَّاط؛ لِمَا فيها من الأُلفة وأسباب المحبة.\nواختلف العلماء هل إجابة الدعوة واجبة، أو مستحبة، والمشهور عند الجمهور (^١): أنَّ إجابة دعوة العُرس واجبة، وما عداها مستحب، ولكن ظاهر الأدلة العموم، ولكن إذا كان عليه في الحضور مشقة فيعتذر.\nوفيه: دليل على أنَّ مهنة الخياطة مهنةٌ شريفة، وهكذا جميع المهن، مثل: الجزارة، والحدادة، والنجارة، وسائر المهن الجديدة، فيكون سباكًا وكهربائيًّا ومُبلِّطًا، ونقاشًا، كل هذه مهن شريفة يكسب منها الإنسان المال بالحلال.\nوفيه: أنَّ النبي ﷺ كان يحب الدُبَّاء، وهو القرع.\n_________\n(^١) مواهب الجليل، للحطاب (٤/ ٢)، التاج والإكليل، للمواق (٥/ ٢٤١)، أسنى المطالب، لزكريا الأنصاري (٣/ ٢٢٤)، روضة الطالبين، للنووي (٧/ ٣٣٣)، المغني، لابن قدامة (٧/ ٢٧٦).","vol":"6","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-965>بَابُ اسْتِحْبَابِ وَضْعِ النَّوَى خَارِجَ التَّمْرِ، وَاسْتِحْبَابِ دُعَاءِ الضَّيْفِ لِأَهْلِ الطَّعَامِ، وَطَلَبِ الدُّعَاءِ مِنَ الضَّيْفِ الصَّالِحِ، وَإِجَابَتِهِ لِذَلِكَ</span>\n\n[٢٠٤٢] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي قَالَ: فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ طَعَامًا وَوَطْبَةً، فَأَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ أُتِيَ بِتَمْرٍ، فَكَانَ يَأْكُلُهُ، وَيُلْقِي النَّوَى بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ، وَيَجْمَعُ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى- قَالَ شُعْبَةُ: هُوَ ظَنِّي، وَهُوَ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِلْقَاءُ النَّوَى بَيْنَ الْإِصْبَعَيْنِ- ثُمَّ أُتِيَ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ، قَالَ، فَقَالَ أَبِي- وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ-: ادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَقَالَ: «بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ، وَارْحَمْهُمْ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح، وَحدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَشُكَّا فِي إِلْقَاءِ النَّوَى بَيْنَ الْإِصْبَعَيْنِ.\nقوله: «فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ طَعَامًا وَوَطْبَةً»: الوَطبة هي: الحيس، والحيس: أن يجمع التمر البرني والأقط المدقوق والسمن.\nوفي هذا الحديث: أنه ﷺ جعل يجمع النوى بين إصبعيه السبابة والوسطى.\nوفيه: أنه طلب منه أن يدعو له، فدعا له بالبركة، قال: «بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ، وَارْحَمْهُمْ»، ففيه: مشروعية الدعاء للمضيف بعد الانتهاء من الطعام.","vol":"6","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-966>بَابُ أَكْلِ الْقِثَّاءِ بِالرُّطَبِ</span>\n\n[٢٠٤٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ الْهِلَالِيُّ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ.\n[خ: ٥٤٤٠]\nفي هذا الحديث: أنه لا بأس بأكل القثاء بالرطب، والقثاء: الخيار.\nوفيه: أنه لا بأس بأكل طعامين في وقتٍ واحد، وذلك أنَّ القثاء بارد، والرطب حار، وفي رواية غير مسلم: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ بِالرُّطَبِ، فَيَقُولُ: نَكْسِرُ حَرَّ هَذَا بِبَرْدِ هَذَا، وَبَرْدَ هَذَا بِحَرِّ هَذَا» (^١)، فيتعادلان.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٨٣٦).","vol":"6","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-967>بَابُ اسْتِحْبَابِ تَوَاضُعِ الْآكِلِ وَصِفَةِ قُعُودِهِ</span>\n\n[٢٠٤٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، كِلَاهُمَا عَنْ حَفْصٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سُلَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُقْعِيًا يَأْكُلُ تَمْرًا.\nقوله: «مُقْعِيًا»: المُقعي هو: الذي يجلس على أليتيه، وينصب ساقيه، يعني: غير متمكِّن.\nوَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُصْعَبِ ابْنِ سُلَيْمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَمْرٍ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُهُ وَهُوَ مُحْتَفِزٌ، يَأْكُلُ مِنْهُ أَكْلًا ذَرِيعًا، وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: أَكْلًا حَثِيثًا.\nقوله: «وَهُوَ مُحْتَفِزٌ»، يعني: غير متمكِّن في جلوسه، مستعجل، جالسًا على أليتيه، ناصبًا ساقيه.","vol":"6","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-968>بَابُ نَهْيِ الْآكِلِ مَعَ جَمَاعَةٍ عَنْ قِرَانِ تَمْرَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا فِي لُقْمَةٍ، إِلَّا بِإِذْنِ أَصْحَابِهِ</span>\n\n[٢٠٤٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ جَبَلَةَ بْنَ سُحَيْمٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ أَصَابَ النَّاسَ- يَوْمَئِذٍ- جَهْدٌ، وَكُنَّا نَأْكُلُ، فَيَمُرُّ عَلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ وَنَحْنُ نَأْكُلُ، فَيَقُولُ: لَا تُقَارِنُوا؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ، قَالَ شُعْبَةُ: لَا أُرَى هَذِهِ الْكَلِمَةَ إِلَّا مِنْ كَلِمَةِ ابْنِ عُمَرَ- يَعْنِي: الِاسْتِئْذَانَ.\n[خ: ٢٤٥٥]\nوَحَدَّثَنَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا قَوْلُ شُعْبَةَ، وَلَا قَوْلُهُ: وَقَدْ كَانَ أَصَابَ النَّاسَ- يَوْمَئِذٍ- جَهْدٌ.\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقْرِنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ.\nفي هذا الحديث: النهي عَنِ القِران في أكل التمر في جماعة، يعني: ألا يأكل الرجل تمرتين سواءً، إلا أن يستأذن أصحابه.\nوالنهي هنا للتحريم، كما قال الظاهرية (^١)، والجمهور (^٢) قالوا: إنه للكراهة، لكن ظاهر الأدلة أنه للتحريم.\n_________\n(^١) المحلى، لابن حزم (٧/ ٤٢٢).\n(^٢) المبسوط، للسرخسي (٢٤/ ١٢)، الثمر الداني، للآبي (ص ٦٩٣ - ٦٩٤)، روضة الطالبين، للنووي (٧/ ٣٤٠)، النجم الوهاج، للدميري (٧/ ٣٨٩).","vol":"6","page":98},{"text":"وقال بعضهم: إن هذا إذا كان الطعام قليلًا فلا يجمع بين الثنتين؛ لأن من يأكل تمرتين في وقتٍ واحد يغالب أصحابه، ومثله العنب، فلا يأكل عنبتين في وقتٍ واحد إلا إذا استأذن أصحابه، فإذا استأذنهم وأذنوا له فلا بأس، أو كان الإنسان وحده فلا حرج.","vol":"6","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-969>بَابٌ فِي ادِّخَارِ التَّمْرِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَقْوَاتِ لِلْعِيَالِ</span>\n\n[٢٠٤٦] حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَجُوعُ أَهْلُ بَيْتٍ عِنْدَهُمُ التَّمْرُ».\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَحْلَاءَ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا عَائِشَةُ، بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ، يَا عَائِشَةُ بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ- أَوْ جَاعَ أَهْلُهُ»، قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.\nقوله: «عَنْ أَبِي الرِّجَالِ»: سُمِّي بأبي الرِّجال؛ لأنه وُلِدَ له عشرة ذكور.\nوفي هذا الحديث: دليل على أنَّ البيت الذي فيه تمر لا يجوع أهله، كما قال النبي ﷺ: «لَا يَجُوعُ أَهْلُ بَيْتٍ عِنْدَهُمُ التَّمْرُ».\nوذلك أنَّ التمر غذاءٌ وفاكهة؛ ولأن التمر غذاءٌ جاهز لا يحتاج إلى طبخ ولا أي شيء آخر، بخلاف غيره من الأرز، أو الحبوب، أو غيرها، فيحتاج إلى إشعال النار، ويحتاج إلى طبخ، ويحتاج إلى مدة، وقد يكون الإنسان جائعًا، ولا يستطيع الصبر، بخلاف التمر، فهو جاهز.","vol":"6","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-970>بَابُ فَضْلِ تَمْرِ الْمَدِينَةِ</span>\n\n[٢٠٤٧] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِمَّا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حِينَ يُصْبِحُ لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ حَتَّى يُمْسِيَ».\n[خ: ٥٧٦٨]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعْدًا يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ».\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيد، كِلَاهُمَا عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، وَلَا يَقُولَانِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ.\n\n[٢٠٤٨] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ شَرِيكٍ- وَهُوَ ابْنُ أَبِي نَمِرٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ شِفَاءً- أَوْ: إِنَّهَا تِرْيَاقٌ- أَوَّلَ الْبُكْرَةِ».\nقوله: «تِرْيَاق»، يعني: شفاء، وفي عطف الترياق على الشفاء بـ «أو» شك من الراوي، والشفاء أشمل من الترياق (^١).\nوقوله: «أَوَّل البُكْرَةِ»، يعني: في أول الصبح.\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٢٣٩).","vol":"6","page":101},{"text":"وفي هذا الحديث: فضل الأكل من تمر المدينة في الصباح في أول البكور، وأنَّه إذا أكل هذا سبع تمرات فإنه- بإذن الله- لا يصيبه سمٌّ ولا سحر.\nوفيه: أنه لا بد من هذا العدد- سبع تمرات- وهذا العدد فيه سِرٌّ، فالله تعالى خلق السماوات سبع سماوات، وخلق سبع أرضين، والطواف بالبيت سبع، وآيات الفاتحة سبع ... إلخ.\nوقوله: «إنَّ فِي عَجْوَةِ العَالِيَةِ تِرْيَاقًا»: العالية: طرف من أطراف المدينة، والحديث الأول: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَراتٍ مِمَّا بَيْنَ لَابَتَيْهَا»، ولابتاها: هما الحرَّتان، وهي حجارة سود من جهة الشمال، ومن جهة الشرق والغرب على حدود الحرم النبوي.\nوالعجوة: نوع جيد من التمر في المدينة خاصة، والحديث الأول ليس فيه تخصيص العجوة، يعني: من أي تمر من تمر المدينة من أي نخلة، سواء من عجوة، أو غيرها، فيحتمل أن يُقال: إنَّ هذا عام في تمر المدينة، ويحتمل أن يكون الحديث الثاني يخصِّص الحديث الأول.\nقال شيخُنا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: «ويرجى أن ينفع الله بذلك التمر كله، لكن نص على المدينة؛ لفضل تمرها والخصوصية فيه، ويرجى: أن الله ينفع ببقية التمر إذا تصبَّح بسبع تمرات، وقد يكون ﷺ ذكر ذلك لفضل خاص، ومعلم خاص لتمر المدينة لا يمنع من وجود تلك الفائدة من أنواع التمر الأخرى التي أشار إليها ﵊، وجاء في بعض الروايات: «سَبْعَ تَمَرَاتٍ» (^١) من غير قيد» (^٢).\nوالعجوة نوعٌ خاص من نخل المدينة، وهي موجودة الآن، حبة تمر سوداء، وهي صغيرة تُباع الآن بثمنٍ مرتفع؛ بسبب كون الناس علموا هذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٦٨).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز (٨/ ١٠٩).","vol":"6","page":102},{"text":"الحكم الشرعي، وصار الناس يُقبلون على العجوة، وإن لم تكن العجوة مرغوبة من جهة الأكل، وإنما يشترونها من أجل الفائدة الحديثية، وإلا فهناك ما هو أفخر منها كالسكري ونحوه من ناحية الطعم، لكن هذا النوع جاء من جهة الفائدة الربانية، التي بيَّنها النبي ﷺ.","vol":"6","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-971>بَابُ فَضْلِ الْكَمْأَةِ، وَمُدَاوَاةِ الْعَيْنِ بِهَا</span>\n\n[٢٠٤٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ».\n[خ: ٤٤٧٨]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ الْعُرَنِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ شُعْبَةُ: لَمَّا حَدَّثَنِي بِهِ الْحَكَمُ لَمْ أُنْكِرْهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ.\nحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنِ الحَكَمِ عَنِ الحَسَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ».\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ الْعُرَنِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ».\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ يَقُولُ: قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: قَالَ","vol":"6","page":104},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: فَلَقِيتُ عَبْدَ الْمَلِكِ، فَحَدَّثَنِي عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ».\nقوله: «الكمأة»: وتسمى في بعض الأوساط في نجد: الفقع، وهي نبات يُستخرَج من الأرض، وهو أنواع، ومن أحسن أنواعه ما يقال له: الزبيدي- يعرفه أهل الاختصاص-، والعرب- أيضًا- تسمي الكمأة: بنات الرعد؛ لأنها تكثر بكثرته، ثم تنفطر عنها الأرض، وهي كثيرة بأرض العرب، فأجودها ما كانت أرضه رملة قليلة الماء.\nواختلف العلماء في قوله ﷺ: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ»: فقيل: المعنى: أنه يشبه المن الذي أنزله الله على بني إسرائيل في كون كلٍّ منهما يُؤخَذ بدون كُلفة، أو مشقة، فالكمأة تُؤخَذ دون كُلفة أو مشقة، دون سقي، وبذر، كما أنَّ المَنَّ الذي أنزله الله على بني إسرائيل ينزل من السماء ويأخذونه بدون كُلفة.\nوقال آخرون من أهل العلم: بل إنه من المَن الذي أنزله الله على بني إسرائيل حقيقةً؛ عملًا بظاهر الحديث، يعني: بقي شيء من أصوله في الأرض، فكان منها الكمأة.\nوقد قيل بأن الله أنزله على بني إسرائيل في التيه، وهو في صحراء سيناء التي بين فلسطين ومصر، عاقب الله بني إسرائيل في التيه لما نكلوا عَنِ الجهاد مع نبيهم ودخول بيت المقدس عاقبهم الله بالتيه.","vol":"6","page":105},{"text":"وقيل: المراد بالمن أنها من المن الذي يمتن الله به على عباده، يأخذونه عفوًا بغير علاج.\nواختُلِف- أيضًا- في معنى قول النبي ﷺ: «وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ»، وقد ذكر ابن الجوزي في كون مائها شفاءً للعين قولين:\nالقول الأول: أن ماءها شفاء للعين حقيقة.\nالقول الثاني: أن المراد ماؤها الذي تنبت به، فإنه أول مطر يقع في الأرض وهو مطر وسْمي؛ لأنها تنبت في الغالب من مطر الوسم.\nوالأولون اختلفوا في كيفية الاستعمال على أقوال:\nالقول الأول: تستعمل صرفًا- مجردًا، ويُعالَج به العين.\nالقول الثاني: تخلط بالأدوية، فيكتحل بها العين.\nالقول الثالث: إذا كان لإزالة الحرارة التي في العين فإنه يُستعمَل مفردًا، وإن كان لغير ذلك فإنه يُركَّب مع غيره.\nالقول الرابع: تؤخذ فتشق وتوضع على الجمر حتى يغلي ماؤها، ثم يؤخذ الميل فيجعل في ذلك الشق، وقال النووي ﵀: «والصحيح، بل الصواب: أن ماءها مجردًا شفاء للعين مطلقًا فيعصر ماؤها ويجعل في العين منه، وقد رأيت أنا وغيري في زمننا من كان عمي وذهب بصره حقيقة فكحل عينه بماء الكمأة مجردًا فشفي، وعاد إليه بصره» (^١).\nوكان المن ينزل على بني إسرائيل على الشجر يُشبِه العسل الحلو لمَّا كانوا في التيه.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٤/ ٥).","vol":"6","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-972>بَابُ فَضِيلَةِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْكَبَاثِ</span>\n\n[٢٠٥٠] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ نَجْنِي الْكَبَاثَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ مِنْهُ» قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّكَ رَعَيْتَ الْغَنَمَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا؟»، أَوْ نَحْوَ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ.\n[خ: ٣٤٠٦]\nقوله: «بِمَرِّ الظَّهْرَانِ نجْنِي الْكَبَاثَ»: الكباث هو: ثمر الآراك؛ والآراك: هو السواك، وهو شجرٌ له ثمر، ومَرُّ الظهرانِ: موضِعٌ قديم من مكة خلال مرحلة، أو مرحلتين.\nوقوله: «نَعَمْ، وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا؟»: جاء في لفظ آخر: «نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ» (^١).\nقال العلماء: الحكمة في رعي الأنبياءِ الغنمَ: أنهم حينما يرعون الغنم يحصل لهم نوع من التواضع والسكينة الموجودة في الغنم، ثم يترقَّون من سياسة الغنم بالنصيحة والتواضع إلى سياسة الأمم والدول.\nوفي هذا الحديث: دليل على إباحة ثمر الآراك؛ لأن الأصل في الأشياء الحِل والإباحة، وأنَّ الإنسان إذا سبق إلى مباحٍ في البَرِّ فهو أحقُّ به؛ لأنه لا يُمَلَّكُ، فهو منتشر في الصحاري، ومَن سبق إلى مباح فهو أحقُّ به من غيره، فله أن يتصرف فيه ويبيعه، وكذا إذا أخذ الماء من البئر وحازه في دلوه، أو إنائه، فله أن يبيعه، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، يعني: أحلَّهُ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢٦٢).","vol":"6","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-973>بَابُ فَضِيلَةِ الْخَلِّ وَالتَّأَدُّمِ بِهِ</span>\n\n[٢٠٥١] حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «نِعْمَ الْأُدُمُ- أَوِ: الْإِدَامُ- الْخَلُّ».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُوسَى بْنُ قُرَيْشِ بْنِ نَافِعٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «نِعْمَ الْأُدُمُ»، وَلَمْ يَشُكَّ.\n\n[٢٠٥٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهْلَهُ الْأُدُمَ، فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ، وَيَقُولُ: «نِعْمَ الْأُدُمُ الْخَلُّ، نِعْمَ الْأُدُمُ الْخَلُّ».\nفي هذا الحديث: أنَّ النبي ﷺ أثنى على الخل، والخل: سائل فيه حموضة.\nوفيه: أنَّ الخل نوعٌ من الإدام، فإذا كان الإنسان عنده خبز يابس، ثم غمسه بالخل صار إدامًا يكفيه.\nوفيه: تواضع النبي ﷺ ورِضاه بما قسم الله له.\nوفيه: عدم عيب الطعام، وأن على الإنسان ألا يتكلف.\nوفيه: أنه ينبغي على الإنسان أن يتحمَّل ويصبر ويأكل ما تيسَّر ويخشوشن، ويشكر الله ﷿.\nوفيه استحباب الحديث على الأكل تأنيسًا للآكلين، ذكرذلك النووي ﵀. للعزو","vol":"6","page":108},{"text":"حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنِ المُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ نَافِعٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ فِلَقًا مِنْ خُبْزٍ، فَقَالَ: «مَا مِنْ أُدُمٍ؟»، فَقَالُوا: لَا، إِلَّا شَيْءٌ مِنْ خَلٍّ، قَالَ: «فَإِنَّ الْخَلَّ نِعْمَ الْأُدُمُ»، قَالَ جَابِرٌ: فَمَا زِلْتُ أُحِبُّ الْخَلَّ مُنْذُ سَمِعْتُهَا مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، وقَالَ طَلْحَةُ: مَا زِلْتُ أُحِبُّ الْخَلَّ مُنْذُ سَمِعْتُهَا مِنْ جَابِرٍ.\nحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، إِلَى قَوْلِهِ: «فَنِعْمَ الْأُدُمُ الْخَلُّ»، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.\nفي هذا الحديث: أن من الصحابة والتابعين مَن أحب ما أحبه النبي ﷺ، فلما أحب النبيُّ ﷺ الخلَّ أحبَّه جابر ﵁، ثم أحبَّه طلحة منذ سمعه من جابر، ومثل ذلك أحب أنس ﵁ الدُبَّاء؛ موافقةً له ﷺ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٩٢)، ومسلم (٢٠٤١).","vol":"6","page":109},{"text":"وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي زَيْنَبَ، حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ طَلْحَةُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا فِي دَارِي، فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَى بَعْضَ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَدَخَلَ، ثُمَّ أَذِنَ لِي فَدَخَلْتُ الْحِجَابَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «هَلْ مِنْ غَدَاءٍ؟»، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَأُتِيَ بِثَلَاثَةِ أَقْرِصَةٍ فَوُضِعْنَ عَلَى نَبِيٍّ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرْصًا فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَخَذَ قُرْصًا آخَرَ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيَّ، ثُمَّ أَخَذَ الثَّالِثَ فَكَسَرَهُ بِاثْنَيْنِ، فَجَعَلَ نِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَنِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيَّ، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ مِنْ أُدُمٍ؟» قَالُوا: لَا، إِلَّا شَيْءٌ مِنْ خَلٍّ، قَالَ: «هَاتُوهُ، فَنِعْمَ الْأُدُمُ هُوَ».\nقوله: «فَدَخَلْتُ الْحِجَابَ عَلَيْهَا»، أي: دخلتُ الحجاب إلى الموضع الذي فيه المرأة، وليس فيه أنه رأى بشرتها.\nقوله: «فَوُضِعْنَ عَلَى نَبِيّ»: قال النووي ﵀: «هكذا هو في أكثر الأصول نبي بنون مفتوحة، ثم باء موحدة مكسورة، ثم ياء مثناة تحت مشددة، وفسَّروه بمائدة من خوص، ونقل القاضي عياض عن كثير من الرواة أو الأكثرين أنه بَتِّيٌّ بباء موحدة مفتوحة، ثم مثناة فوق مكسورة مشددة، ثم ياء مثناة من تحت مشددة، والبَتُّ كساء من وبر، أو صوف فلعله منديل وُضع عليه هذا الطعامُ، قال: ورواه بعضهم بضم الباء وبعدها نون مكسورة مشددة قال القاضي الكناني: هذا هو الصواب، وهو طبق من خوص» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٤/ ٨).","vol":"6","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-974>بَابُ إِبَاحَةِ أَكْلِ الثُّومِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ خِطَابَ الْكِبَارِ تَرْكُهُ، وَكَذَا مَا فِي مَعْنَاهُ</span>\n\n[٢٠٥٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ أَكَلَ مِنْهُ، وَبَعَثَ بِفَضْلِهِ إِلَيَّ، وَإِنَّهُ بَعَثَ إِلَيَّ يَوْمًا بِفَضْلَةٍ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا؛ لِأَنَّ فِيهَا ثُومًا، فَسَأَلْتُهُ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ مِنْ أَجْلِ رِيحِهِ»، قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا كَرِهْتَ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ.\nفي هذا الحديث: دليل على أنَّ الثوم ليس بحرام، وهو مُجمَع عليه، وكذلك البصل والكُرَّاث، ولكنه يُكرَه أكله لمَن أراد حضور المسجد ليصلي الجماعة، أو أراد أن يقابل أحدًا، أو يكون هناك اجتماع، أو مقابلة لبعض الأكابر، أو غيرهم؛ لئلَّا يؤذي الناسَ برائحته، وأما قول النبي ﷺ في الحديث الآخر: «مَنْ أَكَلَهُمَا فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، وَقَالَ: إِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ آكِلِيهِمَا فَأَمِيتُمُوهُمَا طَبْخًا» (^١)، فالمراد بالخبث هنا: ليس خبث التحريم، وإنما المراد: الكراهة من أجل الرائحة، أما إذا أكل من أجل ترك الجماعة فهو آثِم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦٢٤٧)، وأبو داود (٣٨٢٧).","vol":"6","page":111},{"text":"وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ- وَاللَّفْظُ مِنْهُمَا قَرِيبٌ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ يَزِيدَ، أَبُو زَيْدٍ الْأَحْوَل، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَفْلَحَ- مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ- عَنْ أَبِي أَيُّوبَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي السُّفْلِ، وَأَبُو أَيُّوبَ فِي الْعِلْوِ، قَالَ: فَانْتَبَهَ أَبُو أَيُّوبَ لَيْلَةً، فَقَالَ: نَمْشِي فَوْقَ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَتَنَحَّوْا، فَبَاتُوا فِي جَانِبٍ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «السُّفْلُ أَرْفَقُ»، فَقَالَ: لَا أَعْلُو سَقِيفَةً أَنْتَ تَحْتَهَا، فَتَحَوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْعُلُوِّ، وَأَبُو أَيُّوبَ فِي السُّفْلِ، فَكَانَ يَصْنَعُ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا، فَإِذَا جِيءَ بِهِ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِهِ، فَيَتَتَبَّعُ مَوْضِعَ أَصَابِعِهِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فِيهِ ثُومٌ، فَلَمَّا رُدَّ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقِيلَ لَهُ: لَمْ يَأْكُلْ، فَفَزِعَ، وَصَعِدَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا، وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ»، قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا تَكْرَهُ- أَوْ: مَا كَرِهْتَ- قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُؤْتَى.\nقوله: «وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُؤْتَى»، يعني: يأتيه الوحي؛ فَيَكره أن يكون كرِيهَ الرائحة.\nوقوله: «قَالَ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا، وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ»: فيه: التصريح أنَّ الثوم ليس بحرام.\nوذلك كما سأل خالد ﵁ عن الضب لما أُتِيَ النبيُّ ﷺ بالضب قال: «أَحَرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟» قَالَ: «لا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» (^١)؛ فالضب حلالٌ بالإجماع، وكذلك الثوم حلالٌ بالإجماع.\nوفي هذا الحديث: فضل أبي أيوب الأنصاري ﵁، فإنه قال: «فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا تَكْرَهُ- أَوْ: مَا كَرِهْتَ».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٣٩١)، ومسلم (١٩٤٥).","vol":"6","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-975>بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِيثَارِهِ</span>\n\n[٢٠٥٤] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ، فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ، فَقَالَ: «مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ ﵀؟»، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: أَنَا- يَا رَسُولَ اللَّهِ- فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، قَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئِ السِّرَاجَ، وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ، قَالَ: فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «قَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ».\n[خ: ٣٧٩٨]\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ بَاتَ بِهِ ضَيْفٌ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا قُوتُهُ وَقُوتُ صِبْيَانِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: نَوِّمِي الصِّبْيَةَ، وَأَطْفِئِ السِّرَاجَ، وَقَرِّبِي لِلضَّيْفِ مَا عِنْدَكِ، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُضِيفَهُ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُضِيفُهُ، فَقَالَ: «أَلَا رَجُلٌ يُضِيفُ هَذَا ﵀؟»، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو طَلْحَةَ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَذَكَرَ فِيهِ نُزُولَ الْآيَةِ كَمَا ذَكَرَهُ وَكِيعٌ.","vol":"6","page":113},{"text":"قوله: «إِنِّي مَجْهُودٌ»، يعني: أصابني الجهد والجوع.\nوقوله: «ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ»: فيه: دليل على ما أصاب النبي ﷺ من الشدة والجوع، وهو رسول الله أفضل الخلق، ولكن الله يبتليه ليصبر، فيعظم له الأجر، ويكون قدوةً للناس، صابرًا عند الشدة والبأساء والضرَّاء، شاكرًا عند النعمة والرخاء.\nوقوله: «وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ، قَالَ: فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ»: الظاهر: أن هذا كان قبل الحجاب، فصار الجو مظلمًا، فذهبت كأنها تُصلِحُه، فأطفأته، فصار الضيف يأكل، ورفعا أيديهما حتى شبع الضيف.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، يعني: ولو كان بهم مجاعة يُقَدِّمون غيرهم عليهم، وهم الأنصار ﵃.\nوفي هذا الحديث: إثبات صفة العَجَب لله ﵎ في قوله: «قَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ»: وهي ثابتة لله، كما يليق بجلاله، كسائر الصفات، فهو لا يُماثِل أحدًا في صفاته سبحانه، ومثل صفة العجب الضحكُ، والاستواء، والعُلُو، والرضا، والسخط، والعلم، والقدرة، والسمع.\nوالقاعدة عند أهل العلم: أنَّ الله تعالى تُثبَت له الصفات التي أثبتها لنفسه، أو أثبتها له رسوله ﷺ من غير تكييفٍ ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل.\nومما يدل على العَجَب- أيضًا-: قول الله تعالى في سورة الصافات في إحدى القراءات: «بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ» [الصافات: ١٢] بضم تاء «عَجِبْتُ» (^١)، وهي في قراءة حفص: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ بفتح تاء عجبتَ، ومنه حديث: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ لَيَعْجَبُ مِنَ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ» (^٢).\n_________\n(^١) المبسوط في القراءات العشر، لابي بكر النيسابوري (ص ٣٧٥)، حجة القراءات، لابن زنجلة (ص ٦٠٦).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٧٣٧١).","vol":"6","page":114},{"text":"وأما قول النووي ﵀: «قوله ﷺ: «عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ» قال القاضي: المراد بالعجب من الله: رضاه ذلك، قال: وقد يكون المراد: عجبتْ ملائكة الله، وأضافه إليه ﷾ تشريفًا» (^١).\nفهذا تأويل لا وجه له على طريقة أهل البدع؛ فالعجب غير الرضا، فهذا وصفٌ، وذاك آخَرُ.\n\n[٢٠٥٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ المِقْدَادِ قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لِي، وَقَدْ ذَهَبَتْ أَسْمَاعُنَا وَأَبْصَارُنَا مِنَ الْجَهْدِ، فَجَعَلْنَا نَعْرِضُ أَنْفُسَنَا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقْبَلُنَا، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَانْطَلَقَ بِنَا إِلَى أَهْلِهِ، فَإِذَا ثَلَاثَةُ أَعْنُزٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «احْتَلِبُوا هَذَا اللَّبَنَ بَيْنَنَا» قَالَ: فَكُنَّا نَحْتَلِبُ، فَيَشْرَبُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنَّا نَصِيبَهُ، وَنَرْفَعُ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَصِيبَهُ، قَالَ: فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لَا يُوقِظُ نَائِمًا، وَيُسْمِعُ الْيَقْظَانَ، قَال: ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَأْتِي شَرَابَهُ فَيَشْرَبُ، فَأَتَانِي الشَّيْطَانُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَقَدْ شَرِبْتُ نَصِيبِي، فَقَالَ: مُحَمَّدٌ يَأْتِي الْأَنْصَارَ فَيُتْحِفُونَهُ وَيُصِيبُ عِنْدَهُمْ، مَا بِهِ حَاجَةٌ إِلَى هَذِهِ الْجُرْعَةِ، فَأَتَيْتُهَا فَشَرِبْتُهَا، فَلَمَّا أَنْ وَغَلَتْ فِي بَطْنِي، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهَا سَبِيلٌ، قَالَ: نَدَّمَنِي الشَّيْطَانُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ! مَا صَنَعْتَ؟ أَشَرِبْتَ شَرَابَ مُحَمَّدٍ؟ فَيَجِيءُ فَلَا يَجِدُهُ، فَيَدْعُو عَلَيْكَ فَتَهْلِكُ، فَتَذْهَبُ دُنْيَاكَ وَآخِرَتُكَ، وَعَلَيَّ شَمْلَةٌ إِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى قَدَمَيَّ خَرَجَ\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٤/ ١٣).","vol":"6","page":115},{"text":"رَأْسِي، وَإِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى رَأْسِي خَرَجَ قَدَمَايَ، وَجَعَلَ لَا يَجِيئُنِي النَّوْمُ، وَأَمَّا صَاحِبَايَ فَنَامَا وَلَمْ\nيَصْنَعَا مَا صَنَعْتُ، قَالَ: فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَسَلَّمَ كَمَا كَانَ يُسَلِّمُ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى شَرَابَهُ، فَكَشَفَ عَنْهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: الْآنَ يَدْعُو عَلَيَّ، فَأَهْلِكُ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي، وَأَسْقِ مَنْ أَسْقَانِي» قَالَ: فَعَمَدْتُ إِلَى الشَّمْلَةِ فَشَدَدْتُهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ الشَّفْرَةَ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى الْأَعْنُزِ أَيُّهَا أَسْمَنُ، فَأَذْبَحُهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا هِيَ حَافِلَةٌ وَإِذَا هُنَّ حُفَّلٌ كُلُّهُنَّ، فَعَمَدْتُ إِلَى إِنَاءٍ لِآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَا كَانُوا يَطْمَعُونَ أَنْ يَحْتَلِبُوا فِيهِ، قَالَ: فَحَلَبْتُ فِيهِ حَتَّى عَلَتْهُ رَغْوَةٌ، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَشَرِبْتُمْ شَرَابَكُمُ اللَّيْلَةَ؟» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْرَبْ، فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْرَبْ، فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَلَمَّا عَرَفْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ رَوِيَ وَأَصَبْتُ دَعْوَتَهُ، ضَحِكْتُ حَتَّى أُلْقِيتُ إِلَى الْأَرْضِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِحْدَى سَوْآتِكَ يَا مِقْدَادُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَ مِنْ أَمْرِي كَذَا وَكَذَا، وَفَعَلْتُ كَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا هَذِهِ إِلَّا رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، أَفَلَا كُنْتَ آذَنْتَنِي فَنُوقِظَ صَاحِبَيْنَا فَيُصِيبَانِ مِنْهَا؟» قَالَ: فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُبَالِي إِذَا أَصَبْتَهَا وَأَصَبْتُهَا مَعَكَ مَنْ أَصَابَهَا مِنَ النَّاسِ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ\nقوله: «أَقْبَلْتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لِي، وَقَدْ ذَهَبَتْ أَسْمَاعُنَا وَأَبْصَارُنَا مِنَ الْجَهْدِ»، يعني: جاعوا حتى ذهبت أسماعهم وأبصارهم من المشقة.\nوقوله: «فَجَعَلْنَا نَعْرِضُ أَنْفُسَنَا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقْبَلُنَا»، يعني: يقول: مَن يُقيتُنا؟ مَن يستضيفُنا؟ ولا أحد يقبلهم، وهو محمول على أنهم ليس عندهم شيء، وهذا يدل على ما أصاب الصحابة من","vol":"6","page":116},{"text":"الشدة وضيق ذات اليد، لكن ما ضرَّهم هذا، بل- على رغم ما كانوا فيه- نشروا دين الله، ودعوا إلى الله فأفلحوا.\nوقوله: «فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَانْطَلَقَ بِنَا إِلَى أَهْلِهِ»، يعني: قبِلهم النبي ﷺ، واستضافهم.\nوقوله: «فَإِذَا ثَلَاثَةُ أَعْنُزٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: احْتَلِبُوا هَذَا اللَّبَنَ بَيْنَنَا، قَالَ: فَكُنَّا نَحْتَلِبُ، فَيَشْرَبُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنَّا نَصِيبَهُ، وَنَرْفَعُ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَصِيبَهُ»: فيه: أن النبي ﷺ أعطاهم الأعنز، يحتلبون ويشربون، يحتلب هؤلاء الثلاثة، ويرفعون للنبي ﷺ قسمه.\nوقوله: «فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لَا يُوقِظُ نَائِمًا، وَيُسْمِعُ الْيَقْظَانَ»، أي: فإذا جاء النبي ﷺ وهم نائمون يسلِّم تسليمًا يُسمِع اليقظان، ولا يُوقِظ النائم، وهذا هو الذي ينبغي للإنسان، لا يرفع الصوت بحيث يؤذي النائمين، ولا يخفض الصوت بحيث لا يسمعه اليقظان.\nوقوله: «فَلَمَّا أَنْ وَغَلَتْ فِي بَطْنِي»، يعني: لما شربها ودخلت بطنه وصار لا يستطيع إخراجها.\nوقوله: «فَعَمَدْتُ إِلَى الشَّمْلَةِ فَشَدَدْتُهَا»: الشملة: قماشٌ قصير لا يلفُّ جسده، إن وضعها على رأسه خرجت رجلاه، وإن وضعها على رجليه خرجت رأسه.\nوقوله: «فَإِذَا هِيَ حَافِلَةٌ وَإِذَا هُنَّ حُفَّلٌ كُلُّهُنَّ»، أي: وجد ضرعها ملآنَ من اللبن.\nوقوله: «فَحَلَبْتُ فِيهِ حَتَّى عَلَتْهُ رَغْوَةٌ»، أي: زبد الحليب، يُقال: رَغوة، ورِغوة، ورُغوَة فهي مثلثة الراء.\nوقوله: «إِحْدَى سَوْآتِكَ يَا مِقْدَادُ»، يعني: عملتَ إحدى سوآتِك يا مقداد، أي: فعلتَ فِعلةً فيها سوء لك.","vol":"6","page":117},{"text":"[٢٠٥٦] وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، جَمِيعًا عَنِ المُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ مُعَاذٍ- حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، وَحَدَّثَ- أَيْضًا- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟»، فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ، فَعُجِنَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَبَيْعٌ، أَمْ عَطِيَّةٌ- أَوْ قَالَ: أَمْ هِبَةٌ؟»، فَقَالَ: لَا، بَلْ بَيْعٌ، فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً، فَصُنِعَتْ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَوَادِ الْبَطْنِ أَنْ يُشْوَى، قَالَ: وَايْمُ اللَّهِ مَا مِنَ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ إِلَّا حَزَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُزَّةً حُزَّةً مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَ لَهُ، قَالَ: وَجَعَلَ قَصْعَتَيْنِ، فَأَكَلْنَا مِنْهُمَا أَجْمَعُونَ وَشَبِعْنَا، وَفَضَلَ فِي الْقَصْعَتَيْنِ، فَحَمَلْتُهُ عَلَى الْبَعِيرِ، أَوْ كَمَا قَالَ.\n[خ: ٢٦١٨]\nفي هذا الحديث: أنه ﷺ لما جاء هذا الرجل المشرك في غنم يسوقها أراد النبي ﷺ شيئًا منها، فقال: «أَبَيْعٌ، أَمْ عَطِيَّةٌ- أَوْ قَالَ: أَمْ هِبَةٌ؟» ففيه أنه لو قال: هبة لقبلها منه ﷺ؛ فدل هذا على قبول هدية المشرك وهبة المشرك، وعليه بوب البخاري ﵀ للحديث بقوله: «باب قبول الهدية من المشركين» (^١).\nقوله: «حَزَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُزَّةً حُزَّةً»، يعني: قطع له قطعة.\nوقوله: «بِسَوَادِ الْبَطْنِ»، أي: الكبد.\nوقوله: «مُشْعَانٌّ»، يعني: ثائر الرأس.\nوفي هذا الحديث: أن كبد شاة كفت مائة وثلاثين شخصًا، وأكلوا حتى\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦/ ٧٧).","vol":"6","page":118},{"text":"شبعوا، ثم حملوا على البعير قصعتين.\nوفيه: علامة من علامات النبوة، ودلالة على قدرة الله ﵎ فهذه شاة واحدة كثَّرها الله ﷿ ببركة النبي ﷺ حتى إن كل واحد أُعطي قطعة من الكبد، وكبد الشاة لا تكفي إلا اثنين أو ثلاثة! !\nوفيه: حسن خلق النبي ﷺ وعنايته بأصحابه؛ حيث حز لكل واحد قطعة، فإن كان حاضرًا دفعها له، وإن كان غائبًا أبقاها له.\nوفيه: أن النبي ﷺ اشترى هذه الشاة من المشرك، فدل على أن البيع للمشركين والشراء منهم ليس من الموالاة؛ لأن الموالاة هي معاشرتهم ومصادقتهم واتخاذهم أصدقاء، وإخبارهم بأسرار المسلمين، ومحبتهم، ونصرتهم على المسلمين.","vol":"6","page":119},{"text":"[٢٠٥٧] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْقَيْسِيُّ، كُلُّهُمْ عَنِ المُعْتَمِرِ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ مُعَاذٍ- حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: قَالَ أَبِي: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا نَاسًا فُقَرَاءَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَرَّةً: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثَةٍ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ بِسَادِسٍ» - أَوْ كَمَا قَالَ- وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ، وَانْطَلَقَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِعَشَرَةٍ، وَأَبُو بَكْرٍ بِثَلَاثَةٍ، قَالَ: فَهُوَ وَأَنَا وَأَبِي وَأُمِّي، وَلَا أَدْرِي هَلْ قَالَ: وَامْرَأَتِي، وَخَادِمٌ بَيْنَ بَيْتِنَا وَبَيْتِ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَ: وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلِّيَتِ الْعِشَاءُ ثُمَّ رَجَعَ، فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ بَعْدَمَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ- أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ؟ - قَالَ: أَوَ مَا عَشَّيْتِهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ، قَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ فَغَلَبُوهُمْ، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، وَقَالَ: يَا غُنْثَرُ: فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا، لَا هَنِيئًا، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، قَالَ: فَايْمُ اللَّهِ، مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، قَالَ: حَتَّى\nشَبِعْنَا، وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ، أَوْ أَكْثَرُ، قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ، مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لَا- وَقُرَّةِ عَيْنِي- لَهِيَ الْآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مِرَارٍ، قَالَ: فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ- يَعْنِي: يَمِينَهُ- ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، قَالَ: وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ، فَمَضَى الْأَجَلُ فَعَرَّفْنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، إِلَّا أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُمْ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ.\n[خ: ٦٠٢]\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ الْعَطَّارُ عَنِ الجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي","vol":"6","page":120},{"text":"عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: نَزَلَ عَلَيْنَا أَضْيَافٌ لَنَا، قَالَ: وَكَانَ أَبِي يَتَحَدَّثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ: فَانْطَلَقَ، وَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، افْرُغْ مِنْ أَضْيَافِكَ، قَالَ: فَلَمَّا أَمْسَيْتُ جِئْنَا بِقِرَاهُمْ، قَالَ: فَأَبَوْا، فَقَالُوا: حَتَّى يَجِيءَ أَبُو مَنْزِلِنَا، فَيَطْعَمَ مَعَنَا، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّهُ رَجُلٌ حَدِيدٌ، وَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا خِفْتُ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْهُ أَذًى، قَالَ: فَأَبَوْا، فَلَمَّا جَاءَ لَمْ يَبْدَأْ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنْهُمْ، فَقَالَ: أَفَرَغْتُمْ مِنْ أَضْيَافِكُمْ؟ قَالَ: قَالُوا: لَا- وَاللَّهِ- مَا فَرَغْنَا، قَالَ: أَلَمْ آمُرْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: وَتَنَحَّيْتُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، قَالَ: فَتَنَحَّيْتُ، قَالَ: فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ، أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِي إِلَّا جِئْتَ، قَالَ: فَجِئْتُ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا لِي ذَنْبٌ، هَؤُلَاءِ أَضْيَافُكَ، فَسَلْهُمْ، قَدْ أَتَيْتُهُمْ بِقِرَاهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يَطْعَمُوا حَتَّى تَجِيءَ، قَالَ: فَقَالَ: مَا لَكُمْ أَنْ لَا تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ؟ قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ، قَالَ: فَقَالُوا: فَوَاللَّهِ لَا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ.\nقَالَ: فَمَا رَأَيْتُ كَالشَّرِّ كَاللَّيْلَةِ قَطُّ، وَيْلَكُمْ! مَا لَكُمْ أَنْ لَا تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ؟ قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَمَّا الْأُولَى فَمِنَ الشَّيْطَانِ، هَلُمُّوا قِرَاكُمْ، قَالَ: فَجِيءَ بِالطَّعَامِ، فَسَمَّى فَأَكَلَ وَأَكَلُوا، قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَرُّوا وَحَنِثْتُ، قَالَ: فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: «بَلْ أَنْتَ أَبَرُّهُمْ، وَأَخْيَرُهُمْ» قَالَ: وَلَمْ تَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ.\nهذه القصة فيها تكثير الطعام لأبي بكر ﵁، وهي كرامة من كرامات الأولياء، فقوله: «فَايْمُ اللَّهِ، مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا»، أي: إلا زاد، وهذه من كرامات الأولياء.\nقوله: «أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا نَاسًا فُقَرَاءَ»: الصفة: غرفة في مسجد النبي ﷺ كان يسكن فيها الفقراء الذين ليس لهم أهل ولا مال، وكان عددهم","vol":"6","page":121},{"text":"يقارب سبعين، وبعضهم ما يجد إلا إزارًا ليس عليه رداء.\nقوله: «وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلِّيَتِ الْعِشَاءُ ثُمَّ رَجَعَ، فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»: فيه: دليل على أنهم كانوا يتعشون قبل صلاة العشاء- يعني: بعد المغرب أو قبله- وهكذا كان الناس هنا في نجد قبل وجود المدارس والوظائف المنظمة، كانوا لا يأكلون إلا أكلتين- أكلة قبل الظهر وأكلة بعد العصر، أو بعد المغرب، وهذا هو العشاء الصحي، كما يقول الأطباء.\nوقول امرأة أبي بكر: «لا، وَقُرَّةِ عَيْنِي»، كلمة «لا» للنفي، و«قُرَّةِ عَيْنِي» قَسَمٌ، وقرة العين: مسرَّة العين، وهو ما يسر الإنسان، وهذا حلف بغير الله، لكنَّ هذا كان قبل النهي عَنِ الحلف بغير الله في أول الهجرة، وكان الناس يحلفون بآبائهم، ثم جاء النهي بعد ذلك، فقال النبي ﷺ: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ» (^١).\nوقوله: «أَمَّا الْأُولَى فَمِنَ الشَّيْطَانِ»، يعني: كونه حلف فهذا من الشيطان؛ ولذا حنث وأكل.\nوقوله: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَرُّوا وَحَنِثْتُ»، يعني: هم حلفوا ألا يأكلوا حتى آكل، فبرُّوا وحنثتُ أنا، فقال له النبي ﷺ: «بَلْ أَنْتَ أَبَرُّهُمْ وَأَخْيَرُهُمْ»؛ لأن الإنسان إذا حلف على شيء، ثم رأى غيره خيرًا منه عليه أن يحنثَ، وهذا هو الأفضل؛ لقول النبي ﷺ: «وَإِنِّي وَاللَّهِ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا» (^٢).\nوقوله: «وَلَمْ تَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ»، يعني: لا يدري عبد الرحمن هل كفَّر أبوه عن يمينه، أم لا، لكن لا بد أن يكون قد كفَّر عنها.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٢٤٨)، والنسائي (٣٧٦٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣١٣٣).","vol":"6","page":122},{"text":"وفي هذا الحديث: فضل الإيثار والمواساة في الطعام.\nوفيه: أنَّ الداعية والعالِم يبدأ بنفسه، فالنبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثَةٍ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ بِسَادِسٍ»، والنبي ﷺ بدأ بنفسه، وأخذ معه عشرة، وأبو بكر ﵁ أخذ معه ثلاثة.\nوفيه: أنَّ طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية، أي: يبارك الله فيه.\nوفيه: أنَّ أبا بكر ﵁ وكَّل أمْرَ الضيافة إلى ابنه عبد الرحمن ﵁، وهو دليل على أنه لا بأس بالإنسان إذا كان عنده ضيوف، وعنده مَن يقوم مقامه ويسُدُّ مسدَّه، أن يذهب لحوائجه وأعماله وأشغاله؛ اكتفاءً بمَن ينوب عنه، فأبو بكر ﵁ أخذ ثلاثة أضياف، ووكل أمرهم إلى ابنه عبد الرحمن، وذهب هو إلى النبي ﷺ.\nوفيه: محبة أبي بكر للنبي ﷺ، وملازمته له في ليله ونهاره، وحلِّه وترحالِه.\nوفيه: دليل على أنهم كانوا يتعشون قبل العشاء، وهذه عادة الصحابة، وعادة العرب، كان العشاء بعد العصر قبل المغرب، وإذا تأخَّر يكون بعد المغرب، أما بعد صلاة العشاء فليس إلا النوم، ينامون مُبكرِّين، فالنبي ﷺ كان إذا صلى العشاء آوَى إلى فراشه، ثم يستيقظ آخر الليل، لكن الآن قد تغيَّرت الأحوال، وحدثت الأعمال والوظائف، واتسعت البلدان، وصار العَشاء في منتصف الليل، أو بعد ثلثي الليل خاصة عند أهل المدن، وأما الفلاحون وأهل الريف فكثير منهم لا يزالون محافظين على عادة القدماء.\nوفيه: أن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ اختفى عن أبيه؛ لأنَّ أبا بكر ﵁ كان فيه شدة وقوة، وهو يخشى من غضبه عليه، فناداه أبو بكر ﵁، وقال: «يا غُنْثَرُ»: من شدة غضبه عليه، وهي كلمة تُطلَق على الجاهل، أو اللئيم، أو السفيه، فسكت عبد الرحمن وكرَّر عليه، وجدَّع، أي: دعا عليه، وكأنه يقول له: جدع اللهُ أنفَك، وسبَّه.","vol":"6","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-976>بَابُ فَضِيلَةِ الْمُوَاسَاةِ فِي الطَّعَامِ الْقَلِيلِ، وَأَنَّ طَعَامَ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الثَّلَاثَةَ وَنَحْوِ ذَلِكَ</span>\n\n[٢٠٥٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «طَعَامُ الِاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الْأَرْبَعَةِ».\n[خ: ٥٣٩٢]\n\n[٢٠٥٩] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ».\nوَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَذْكُرْ: سَمِعْتُ.\nحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ.\nأبو الزبير مدلِّس، وقد عنعن، لكنَّ البخاريَّ ومسلمًا اعتنيا برواية المدلسين، فرويَا عنهم؛ وانتقيا من رواية المدلسين ما ثبت سماعهم له.","vol":"6","page":124},{"text":"حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «طَعَامُ الرَّجُلِ يَكْفِي رَجُلَيْنِ، وَطَعَامُ رَجُلَيْنِ يَكْفِي أَرْبَعَةً، وَطَعَامُ أَرْبَعَةٍ يَكْفِي ثَمَانِيَةً».\nفي هذا الحديث: الحث على مكارم الأخلاق، والاجتماع على الطعام والتسمية حتى تنزل البركة.\nوفيه: فضيلة الاجتماع وعدم التفرق؛ وذلك لنزول البركة في الاجتماع، وزوالها بزواله.\nوفيها: فضل المواساة في الطعام.","vol":"6","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-977>بَابٌ الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ</span>\n\n[٢٠٦٠] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالُوا: أَخْبَرَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، وَالْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ».\n[خ: ٥٣٩٣]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ، كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعًا قَالَ: رَأَى ابْنُ عُمَرَ مِسْكِينًا، فَجَعَلَ يَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: فَجَعَلَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا، قَالَ: فَقَالَ: لَا يُدْخَلَنَّ هَذَا عَلَيَّ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ».\n\n[٢٠٦١] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنَ عُمَرَ.\n\n[٢٠٦٢] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنِ العَلَاءِ","vol":"6","page":126},{"text":"عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ.\n\n[٢٠٦٣] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَافَهُ ضَيْفٌ وَهُوَ كَافِرٌ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ، فَحُلِبَتْ، فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاهٍ، ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ، فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ».\nاتفق العلماء على أنه ليس المراد بهذه الأحاديث ظاهرها، وأن خِلْقة المؤمن وخِلْقة الكافر واحدة، فالأمعاء واحدة في المؤمن والكافر، والكافر قد يسلم والمؤمن قد يكفر وأمعاؤه لا تتغير، وفي ذلك أقوال كثيرة كلها ترجع إلى شيء واحد، وهو: أن أمعاء المؤمن والكافر واحدة، ولكن المؤمن يأكل الحلال، ويسمي الله عند أكله، ويحمده عند الفراغ منه، ويقل حرصه على الطعام، ويتقلل منه ومن الدنيا، والكافر يأكل الحرام، ولا يسمي الله عند الأكل ويكثر حرصه على الطعام ونهمه فيه، ولا يتقلل منه ولا من الدنيا.\nوفي هذا الحديث: أنه قد نُقل عن أهل الطب: أنَّ الإنسان له معدة، ويتبعها ثلاث رِقاق، ثم ثلاث غِلاظ، فتكون سبعة.\nوفيه: أنَّ الكافر يأكل في سبعة أمعاء؛ لأنه لا يسمي الله ﷿، وأن الشيطان يُشارِكُه، فلا يُشبِعهُ إلا أن تمتلئ الأمعاء كلها، بخلاف المؤمن؛ فإنه- لاقتصاده وتسميته- يُشبِعهُ وعاء واحد.\nواختُلِف في هذا الرجل، هل هو ثمامة بن أُثال، أو غيره، ولا يترتب على هذا شيء، وهذا حديث صريح بأنه نزل ضيفًا على النبي ﷺ، وهو كافر.","vol":"6","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-978>بَابُ لَا يَعِيبُ الطَّعَامَ</span>\n\n[٢٠٦٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، كَانَ إِذَا اشْتَهَى شَيْئًا أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ.\n[خ: ٣٥٦٣]\nوَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، وَعُمَرُ بْنُ سَعْدٍ أَبُو دَاوُدَ الْحَفْرِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي يَحْيَى- مَوْلَى آلِ جَعْدَةَ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَابَ طَعَامًا قَطُّ، كَانَ إِذَا اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِهِ سَكَتَ.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nفي هذه الأحاديث: حُسن خلقه ﵊، وأنه لم يعب طعامًا قط، فكان إنِ اشتهاه أكله، وإنْ لم يناسبه تركه.\nومن ذلك: أنَّ أنسًا ﵁ خدم النبي ﷺ عشر سنين، قال: «مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَلا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا؟» (^١)،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٦٨)، ومسلم (٢٣٠٩).","vol":"6","page":128},{"text":"وكان أنس ﵁ شابًّا كيِّسًا فطِنًا، يُلاحظ ما يناسب النبي ﷺ، ويفعله.\nوبعض الناس يعيب الطعام، ويقول: هذا مالح، وهذا حلو، وهذا حامض ... وهكذا، وهذا خطأ، ولكن لا حرج أن يُنبَّهَ الخادم، أو الطباخ بالأشياء التي تنقُص الطعام فيما بعد، وهذا من باب التعليم، وكذلك إذا سأله الطباخ نفسه عن عيوب الطعام، أما إذا قُدِّم إليه الطعام فلا يعيبه.\n* * *","vol":"6","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-979>كِتَابُ اللِّبَاسِ وَالزِّينَةِ</span>","vol":"6","page":131},{"text":"كِتَابُ اللِّبَاسِ وَالزِّينَةِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-980>بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الشُّرْبِ وَغَيْرِهِ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ</span>\n\n[٢٠٦٥] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ».\n[خ: ٥٦٣٤]\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ أَيُّوبَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ- يَعْنِي: ابْنَ حَازِمٍ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّرَّاجِ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ نَافِعٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ: «أَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ، أَوْ يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ»، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ ذِكْرُ الْأَكْلِ وَالذَّهَبِ إِلَّا فِي حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ.\nفي هذا الحديث: وعيدٌ شديد يدل على أنَّ الشرب في إناء الفضة من الكبائر،","vol":"6","page":133},{"text":"يُتوعَّد أهله بالنار- نسأل الله السلامة والعافية- وهذا عام للنساء والرجال.\nومناسبة ذكر الشرب في هذا الحديث لكتاب اللباس أنه من الزينة، وهو كلبس الذهب والفضة.\nوفيه قوله: وَزَادَ فِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ: «أَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ»، وفي هذه الزيادة: تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، يعني: للرجال والنساء، ففيها نص على الذهب مع الفضة، ونص على الأكل مع الشرب.\nوهذه الزيادة في حديث علي بن مسهر زيادة من ثقة فهي مقبولة.\nوَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو مَعْنٍ الرَّقَّاشِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عُثْمَانَ- يَعْنِي: ابْنَ مُرَّةَ- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ خَالَتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ».\nفي هذا الحديث: نص على الشرب ونص على الذهب والفضة، والأكل أشد من الشرب؛ لأن الشرب أسرع فيكون الأكل أولى بالتحريم، وهذا ولو لم ينص على الأكل، لكنه نص عليه في حديث ابن مسهر السابق.\nولا يجوز استعمال الذهب والفضة في جميع أنواع الاستعمالات للرجال والنساء، سواء كان إناء شرب، أو أكل، أو ملعقة يأكل بها، أو قلمًا يكتب به، أو مُكحلَة يكحُل بها عينه، وحتى النظارة- أيضًا- لا يجوز أن تُجعَل من الفضة، ولا من الذهب، لا للرجال ولا للنساء.\nإنما الذي تختص به المرأة التحلِّي بالذهب والفضة للزينة والجمال، فتلبس في يديها أساور، وفي أصابعها خواتم، وفي ساقها خلخالًا، وفي أنفها كذلك لا بأس، وفي عنقها قلادة، وفي أذنها قرطًا، وكذا الساعة للمرأة.","vol":"6","page":134},{"text":"أما الرجل فلا يلبس ساعته من الذهب، ولا الفضة، إلا خاتم الفضة.\nوكذلك لا ينبغي اقتناء التُحَف، ولا الكيسان من الذهب والفضة، فهذا فيه إسراف ووسيلة إلى استعماله؛ فإنه إذا جُعِل كأس من الذهب تحفة فهو وسيلة إلى أن يأتي هو وغيره فيشرب فيه، وكذلك لا تُحلَّى بها البيوت ولا السقوف؛ لأنها أموال فتُصَان ولا تُضيَّع.\nولا يجوز أن يموه الكأس بالذهب، ولو بالقليل، إلا ما جاء في الحديث، وهو الضبة، فإذا انكسر القدح جعل فيه ضبة يسيرة في مكان الكسر أو سلكًا من فضة خاصة.\nوفي صحة الوضوء من إناء الذهب أو الفضة قولان:\nالقول الأول: لا يصح وضوؤه؛ لأنه منهيٌ عنه.\nالقول الثاني- وهو الصواب-: أنه يصح مع الإثم (^١).\nويجوز استعمال الألماس، لكن إذا كان فيه إسراف فلا يجوز لأجل الإسراف، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾.\nأما السن من الذهب ففيه كلام لأهل العلم، قد يُقال: إنه إذا احتاج إليه ضرورة، أو كونه أجود من غيره جاز، وإلا فإذا وُجِد سن يقوم مقامه غير الذهب فلا يجوز استعماله.\nوقد جاء في بعض الآثار أن بعض الصحابة انقطع أنفه فاتخذ أنفًا من فضة، فأمره النبي ﷺ أن يتخذ أنفًا من ذهب (^٢)، لكن هذا للضرورة.\nوقد نص العلماء على أنه لا بأس بتحلية السيف بشيء من الذهب (^٣).\n_________\n(^١) اللباب، للميداني (٤/ ١٥٩)، الكافي، لابن عبد البر (١/ ١٦٢)، المجموع، للنووي (١/ ٢٥٠)، المغني، لابن قدامة (١/ ٥٥ - ٥٦).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٩٠٠٦)، وأبو داود (٤٢٣٢)، والترمذي (١٧٧٠)، والنسائي (٥١٦١).\n(^٣) شرح مختصر خليل، للخرشي (١/ ٩٩)، الشرح الكبير، للدردير (١/ ٦٣)، المجموع، للنووي (٦/ ٣٨)، كشاف القناع، للبهوتي (٥/ ٣٢)، الروض المربع، للبهوتي (ص ٢٠٩).","vol":"6","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-981>بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ عَلَى الرَّجُلِ، وَإِبَاحَتِهِ لِلنِّسَاءِ، وَإِبَاحَةِ الْعَلَمِ وَنَحْوِهِ لِلرَّجُلِ، مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْبَعِ أَصَابِعَ</span>\n\n[٢٠٦٦] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ. ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ أَوِ الْمُقْسِمِ، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ، وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمَ أَوْ عَنْ تَخَتُّمٍ بِالذَّهَبِ، وَعَنْ شُرْبٍ بِالْفِضَّةِ، وَعَنِ الْمَيَاثِرِ، وَعَنِ الْقَسِّيِّ، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ، وَالْإِسْتَبْرَقِ، وَالدِّيبَاجِ».\n[خ: ٥٦٣٥]\nقوله: «مُعَاوِيَةُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ»: مُقَرِّن: بالميم المضمومة بعدها قاف مفتوحة، بعدها راء مشددة مكسورة.\nهذا الحديث حديثٌ عظيم، والعبادات الواردة فيه عبادات عظيمة إذا حقَّقها المسلمون سادت بينهم الأُلفة والمحبة والوئام، ومن هذه العبادات:\nعيادة المريض: وهي من أجلِّ القُرُبات وأفضل الطاعات، يعود الإنسان المريض فيتضامَن معه ومع أهله، ويُشارِكه في ألمه ويُنفِّس له في أجله، ويقول له: أنت إنسان طيب يرجى أن يعافيك الله، ويدعو له بالشفاء، وربما زال المرض بسبب النشاط الذي في نفسه، ويرى المريض أنَّ إخوانه معه، وأنَّ المؤمنين كالجسد الواحد، وقد يحتاجه المريض فيوصيه على أولاده، أو يوصيه في قضاء حاجةٍ له.","vol":"6","page":136},{"text":"وقد جاء في الحديث أنَّ «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ» (^١)، يعني: جناها، وجاء في الحديث الآخر أنَّه «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ» (^٢).\nواتِّباع الجنائز: وهو أن يتبع المسلم جنازة أخيه حتى تُدفَن، وهذا فيه فضلٌ عظيم وأجرٌ كبير، كما سيأتي في الحديث الآخر أنَّ «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ- إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا- فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ انْتَظَرَ حَتَّى يُوضَعَ فِي قَبْرِهِ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ، أَحَدُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ قِيرَاطٌ» (^٣)، وهذا مما يُقوِّي الصلة والرابطة بين المسلمين.\nوتشميت العاطس: وهو أنَّ العاطس إذا عطس، فقال: (الحمد لله) يُشمِّتُه أخوه فيقول له: (يرحمك الله) فيُجيبُهُ العاطس: (يهديكم الله ويُصلِح بالكم) هكذا هي السنة. (^٤)\nفإن لم يحمد الله فلا يُشمَّت، فقد جاء في الحديث الآخر: عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا، وَلَمْ يُشَمِّتِ الْآخَرَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَمَّتَّ هَذَا، وَلَمْ تُشَمِّتْنِي؟ ! قَالَ: «إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ، وَلَمْ تَحْمَدِ اللَّهَ» (^٥).\nوأما الكافر فإنه لا يُدعَى له بالرحمة، وإنما يُدعَى له بالهداية، وقد كَانَتْ اليهود يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجَاءَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ، فَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ: «يَهْدِيكُمُ اللَّهُ، وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٦٨).\n(^٢) أخرجه أحمد (٦١٢)، والترمذي (٩٦٩)، وابن ماجه (١٤٤٢).\n(^٣) أخرجه أحمد (٩٥٥١)، والنسائي (٥٠٣٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٢٢٤).\n(^٥) أخرجه البخاري (٦٢٢١).\n(^٦) أخرجه أحمد (١٩٥٨٤)، وأبو داود (٥٠٣٨)، والترمذي (٢٧٣٩).","vol":"6","page":137},{"text":"وهذه العبادات- زيارة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس- من السنن المؤكدة، وبعض العلماء يرى أنَّ تشميت العاطس واجب، ويستدل بما فعل أبو داود صاحب السنن: قال ابن حجر ﵀: «أخرج بن عبد البر بسند جيد عن أبي داود صاحب السنن أنه كان في سفينة فسمع عاطسا على الشط حمد فاكترى قاربا بدرهم حتى جاء إلى العاطس فشمته ثم رجع فسئل عن ذلك فقال لعله يكون مجاب الدعوة» (^١)، وهذا يدل على أنه يرى أنَّ تشميت العاطس واجب.\nوإبرار المُقسِم: فإذا أقسم عليك أخوك فعليك أن تبرَّ قسمه إذا أمكنك ذلك، كأن يحلف عليك، ويقول: والله لتأكلن طعامي، والله لتأكلن ذبيحتي، والله لتجلسن عندي، فتبرَّ قسمه، فتجلس وتأكل طعامه وتشرب قهوته إلا إذا كان عليك في هذا مضرَّة، أو مشقة، أو كان لا يمكنك إبرار المُقسِم، كأن يحلف عليك يقول: والله لتعطيني من الزكاة، وهو لا يستحق فلا يمكن أن تبره في قسمه.\nلكن لا ينبغي للإنسان أن يُقسِم؛ لأنه قد يشق على أخيه، ثم هو- أيضًا- إذا لم يبرَّ أخاه بقسمه يجب عليه الكفارة؛ فلا ينبغي للإنسان أن يحلف، لكن ينبغي له أن يؤكِّد ويطلب منه، فإن وافق فالحمد لله، وإلا فلا يتكلَّف ولا يُكلِّف.\nنصرة المظلوم: من حق الإنسان على أخيه إذا كان مظلومًا أن ينصره، بل حتى الظالم- أيضًا- ينبغي نصره، ونصر الظالم بحجزه ومنعه من الظلم، ونصر المظلوم بإعطائه حقه، كما في الحديث الآخر: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا!»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ ! قَالَ: «تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ» (^٢).\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٦١٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٤٤٤).","vol":"6","page":138},{"text":"إجابة الداعي: فتُجيب دعوة أخيك إذا دعاك؛ فإن فيه جبرًا لخاطره، وهو من أسباب الألفة والمحبة.\nوالجمهور على أنَّ إجابة الدعوة مستحبة إلا إذا كان في وليمة عُرس فإنها تجب، ولكن ظاهر النصوص أنَّ إجابة الدعوة واجبة سواء لعُرس أو لغيره، ولكن إذا كان الإنسان يشق عليه أو لا يناسبه فإنه يستسمح من أخيه ويستأذن منه، أما إذا كان يترتب على المدعو مضرة فلا؛ كأن تكون الدعوة فيها منكر من تصوير ذوات الأرواح أو نحوه، أو كانت الدعوة تتأخر إلى وقتٍ متأخر بحيث يؤدي إلى النوم عن صلاة الفجر، أو الإخلال بوِردِه، فهذا عذرٌ له، فيستسمح من صاحب الدعوة.\nإفشاء السلام: فتُسلِّم على مَن عرفت ومَن لم تعرف، فكل مَن لقيته من المسلمين تسلم عليه، وهذه هي السنة، فقد جاء في صحيح البخاري مُعلَّقًا مجزومًا به: «ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ، فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ: الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالْإِنْفَاقُ مِنَ الْإِقْتَارِ» (^١)، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، يعني: بذل السلام لكل أحد.\nإلا إذا عرف أنه غير مسلم فلا يُبدأ بالسلام، لكن إذا سلَّم وهو غير مسلم فيُرَدُّ عليه بقول: (وعليكم) كما قال الرسول ﷺ في الحديث الآخر: «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» (^٢)، ولا يُكمِّلُها؛ ولهذا جاء في الحديث: أنَّ اليهود كانوا يأتون النبي ﷺ، ويسلمون ولكنهم يحذفون اللام، يقولون: السام، أي: الموت، فعن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَفَهِمْتُهَا، فَقُلْتُ: عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ\n_________\n(^١) ذكره البخاري معلَّقا بصيغة الجزم (١/ ١٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٢٥٨)، ومسلم (٢١٦٣).","vol":"6","page":139},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَقَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ» (^١) فرددتُ عليه بمثل ما قال.\nوأما المنهيات فأولها: التختُّم بالذهب:: وهذا محرم على الرجال، وأما النساء فإنه مباحٌ لهم، كما سيأتي في الأحاديث.\nثم: الشرب بآنية الذهب والفضة:: وهذا مُجمَعٌ على تحريمه للرجال والنساء، كما سبق في الأحاديث قوله: «وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا»، أي: للكفار؛ فلا يجوز استعمال جميع أنواع الذهب والفضة، كما سبق تفصيله.\nونهى عن المياثِرِ: وهي جمع مِيثرة، هي بكسر الميم وسكون التحتانية وفتح المثلثة بعدها راء ثم هاء ولا همز فيها، وأصلها من الوثارة، أو الوِثرة بكسر الواو وسكون المثلثة، والوثير هو الفراش الوطيء، وهي فراش صغير من حرير يضعه راكب البعير تحته، وهي شيء يضعه الراكب تحته على الفرس، أو على الدابة، ويقال له: الأرجوان، يفعله الأعاجم، ويكون من الصوف، فإذا كان من الحرير فهو محرم، وقد يقال: نُهي عنها لئلا يُتشبه بالأعاجم.\nونهى عن الديباج والحرير، والإستبرق والقِسِّيِّ: هذه كلها أنواع من الحرير؛ والقسي ثياب مضلعة بالحرير تعمل بالقس (^٢)، وهو موضع من بلاد مصر تُصنَع فيها هذه الثياب من الحرير.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٢٥٦)، ومسلم (٢١٦٥).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٤/ ٣٤).","vol":"6","page":140},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، إِلَّا قَوْلَهُ: «وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ أَوِ الْمُقْسِمِ»، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْحَرْفَ فِي الْحَدِيثِ، وَجَعَلَ مَكَانَهُ: «وَإِنْشَادِ الضَّالِّ».\nحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِ زُهَيْرٍ، وَقَالَ: «إِبْرَارِ الْقَسَمِ» مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: «وَعَنِ الشُّرْبِ فِي الْفِضَّةِ فَإِنَّهُ مَنْ شَرِبَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْ فِيهَا فِي الْآخِرَةِ».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، وَلَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ بِإِسْنَادِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ زِيَادَةَ جَرِيرٍ وَابْنِ مُسْهِرٍ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنِي بَهْزٌ، قَالُوا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ بِإِسْنَادِهِمْ، وَمَعْنَى حَدِيثِهِمْ، إِلَّا قَوْلَهُ: «وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ»، فَإِنَّهُ قَالَ بَدَلَهَا: «وَرَدِّ السَّلَامِ»، وَقَالَ: «نَهَانَا عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ- أَوْ حَلْقَةِ الذَّهَبِ».\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ آدَمَ، وَعَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، بِإِسْنَادِهِمْ، وَقَالَ: «وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ» مِنْ غَيرِ شَكٍّ.\nقوله: «وَإِنْشَادِ الضَّالِّ»: إنشاد الضال من المنهيات، والضالة هي الضائعة، والمنهي: إنشاد الضالة في المسجد فقط.\nوالضال عام يشمل الطفل الصغير، ويشمل الدابة، وكل شيء ثمين.","vol":"6","page":141},{"text":"قوله: «لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ»: ضعيف (^١)، لكنه قرنه بأبي إسحاق الشيباني وهو ثقة (^٢).\n\n[٢٠٦٧] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَهْلِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، سَمِعْتُهُ يَذْكُرُهُ عَنْ أَبِي فَرْوَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُكَيْمٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ بِالْمَدَائِنِ، فَاسْتَسْقَى حُذَيْفَةُ، فَجَاءَهُ دِهْقَانٌ بِشَرَابٍ فِي إِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَرَمَاهُ بِهِ، وَقَالَ: إِنِّي أُخْبِرُكُمْ أَنِّي قَدْ أَمَرْتُهُ أَنْ لَا يَسْقِيَنِي فِيهِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَشْرَبُوا فِي إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَلْبَسُوا الدِّيبَاجَ وَالْحَرِيرَ؛ فَإِنَّهُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\n[خ: ٥٤٢٦]\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي فَرْوَةَ الْجُهَنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُكَيْمٍ يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ بِالْمَدَائِنِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ: «يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ أَوَّلًا عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ حُذَيْفَةَ، ثُمّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ، سَمِعَهُ مِنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ حُذَيْفَةَ، ثُمّ حَدَّثَنَا أَبُو فَرْوَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُكَيْمٍ، فَظَنَنْتُ أَنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ ابْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ بِالْمَدَائِنِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: «يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حدثنا أبي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ- يَعْنِي: ابْنَ أَبِي لَيْلَى- قَالَ: شَهِدْتُ حُذَيْفَةَ اسْتَسْقَى بِالْمَدَائِنِ، فَأَتَاهُ إِنْسَانٌ بِإِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَذَكَرَهُ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ.\n_________\n(^١) تقريب التهذيب، لابن حجر (ص ٤٦٤).\n(^٢) تقريب التهذيب، لابن حجر (ص ٢٥٢).","vol":"6","page":142},{"text":"وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذٍ وَإِسْنَادِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي الْحَدِيثِ: شَهِدْتُ حُذَيْفَةَ، غَيْرُ مُعَاذٍ وَحْدَهُ، إِنَّمَا قَالُوا: إِنَّ حُذَيْفَةَ اسْتَسْقَى.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مَنْ ذَكَرْنَا.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حدثنا أبي، حَدَّثَنَا سَيْفٌ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ: اسْتَسْقَى حُذَيْفَةُ، فَسَقَاهُ مَجُوسِيٌّ فِي إِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَقَالَ: إِنِّي سمعت رسول اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا».\nقوله: «فَإِنَّهُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا»، يعني: للكفرة في الدنيا؛ لأنهم لا يرعوون، ولا يأتمرون بأوامر الله، ولا ينتهون عن نواهيه، فهي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة يوم القيامة، فإن المؤمنين يوم القيامة يتنعَّمون بالشرب بأواني الذهب والفضة ولباس الحرير، وهو ليس من حرير الدنيا وليس من ذهب الدنيا، فليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء، كما قال ابن عباس ﵁ (^١).\nوقوله: «اسْتَسْقَى»، يعني: طلب السُقيا، فالهمزة والسين والتاء للطلب، فأتاه مجوسي بإناء من فضة فرماه حذيفة ﵁ به، وقال: إني لو لم أنهه إلا\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١/ ٤١٦).","vol":"6","page":143},{"text":"مرة أو مرتين لَمَا رميته به، يعني: أنه نهاه وبيَّن له أنه لا يجوز.\nوقوله: «دِهْقَانٌ»: هو: الزعيم يُطلَق على زعيم القرية، أو رئيسها، أو زعيم الفلاحين، وهذا الدهقان أو المجوسي يحتمل أنه كان خادم حذيفة.\nوفي هذا الحديث: امتثال الصحابة للأوامر والنواهي.\nمسألة: قد يستشكل أن كيف أبقى حذيفة ﵁ هذا الكأس من الفضة؟ وإبقاء الكأس وسيلة إلى الشرب فيها؟\nالجواب: يُحتمَل أنَّ حذيفة ﵁ أبقاه ليبيعه، أو أنَّ هذا الإناء كان للمجوسي، وهذا الخادم المجوسي لحذيفة في غير بلاد العرب المنهي عن إبقائهم فيها، فالمجوس يجوز إبقاؤهم في غير بلاد العرب لاستخدامهم فإنه بالمدائن- والمدائن بلد على دجلة بينها وبين بغداد سبعة فراسخ كانت مسكن ملوك الفرس- فالنبي ﷺ قال: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا» (^١).\nورمي حذيفةُ المجوسيَّ بالكأس: من باب التعزير، فهو تعزير لمن يتعدَّى حدوده، حتى ولو لم يكن مسلمًا؛ لأن أهل الذمة والمجوس عليهم أن يلتزموا بأحكام الشرع إذا بقوا تحت ولاية المسلمين.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧٦٧).","vol":"6","page":144},{"text":"[٢٠٦٨] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ، فَلَبِسْتَهَا لِلنَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ»، ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَوْتَنِيهَا، وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا». فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ.\n[خ: ٨٨٦]\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِ مَالِكٍ.\nقوله: «حُلَّةً سِيَرَاءَ»: هي برود يخالطها حرير، والحُلَّة في الغالب تكون من إزارٍ ورداء.\nوقوله: «وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ»: وعُطارد- بضم العين- اسم شخص له هذه الحُلَّة التي تُباع عند باب المسجد.\nوقوله: «فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ»: فيه دليل على أنه لا بأس بإعطاء القريب الكافر وبرِّهِ والنفقة عليه وكسوته والوقف عليه إذا لم يكن حربيًّا، وقد يكون هذا دعوة له إلى الإسلام، والله تعالى يقول: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم﴾ وقد ثبت في الحديث الصحيح: أن أَسْمَاءَ بِنْت أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ","vol":"6","page":145},{"text":"أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قُلْتُ: وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: «نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ» (^١).\nوفي هذا الحديث: دليل على استحباب التجمُّل للجمعة وللوفد؛ لأن النبي ﷺ لم يُنكِر على عمر قوله: تلبسه يوم الجمعة، وللوفد، وإنما أنكر عليه أنه عرض عليه شراء الحرير.\nوفيه: دليل على تحريم لباس الحرير للرجال، وأنَّ لبسها من الكبائر، يقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ»، يعني: مَن لا نصيب له في الآخرة.\nوأما إلباس الصبي الحرير فالصواب: أنَّ الصبي مثل الكبير يُمنَع مما يُمنَع منه الرجال، وأما قول النووي بأنه يُلبَّس الصبيان الذهب والحرير فهذا ليس بجيد (^٢).\nوفيه: دليل على أنه لا بأس بالبيع عند باب المسجد.\nوفيه: دليل على أن الإنسان إذا أعطى شخصًا لباسًا لا يحل له فليس هذا إذن باستعماله، وإنما له أن يبيعه ويستفيد من ثمنه، أو يعطيه لمَن يحل له لبسه.\nولا يفيد الكفار كونهم يمتنعون من لبس الحرير مع كفرهم، فهم في الآخرة يُعذَّبون على الكفر، وعلى لبسهم الحرير لو لبسوه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٢٠)، ومسلم (١٠٠٣).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٤/ ٣٣).","vol":"6","page":146},{"text":"وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَى عُمَرُ عُطَارِدًا التَّمِيمِيَّ يُقِيمُ بِالسُّوقِ حُلَّةً سِيَرَاءَ، وَكَانَ رَجُلًا يَغْشَى الْمُلُوكَ، وَيُصِيبُ مِنْهُمْ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَأَيْتُ عُطَارِدًا يُقِيمُ فِي السُّوقِ حُلَّةً سِيَرَاءَ، فَلَوِ اشْتَرَيْتَهَا، فَلَبِسْتَهَا لِوُفُودِ الْعَرَبِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ- وَأَظُنُّهُ قَالَ: - وَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ»، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحُلَلٍ سِيَرَاءَ، فَبَعَثَ إِلَى عُمَرَ بِحُلَّةٍ، وَبَعَثَ إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ بِحُلَّةٍ، وَأَعْطَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ حُلَّةً، وَقَالَ: «شَقِّقْهَا خُمُرًا بَيْنَ نِسَائِكَ»، قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ بِحُلَّتِهِ يَحْمِلُهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَعَثْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ، وَقَدْ قُلْتَ بِالْأَمْسِ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ ! فَقَالَ: «إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا، وَلَكِنِّي بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتُصِيبَ بِهَا»، وَأَمَّا أُسَامَةُ فَرَاحَ فِي حُلَّتِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَظَرًا، عَرَفَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَنْكَرَ مَا صَنَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَنْظُرُ إِلَيَّ، فَأَنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِهَا، فَقَالَ: «إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا، وَلَكِنِّي بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتُشَقِّقَهَا خُمُرًا بَيْنَ نِسَائِكَ».\nقوله: «وَلَكِنِّي بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتُصِيبَ بِهَا»، أي: حاجتك بعد بيعها.\nقوله: «خُمُرًا»، ويُقال: خُمْرًا- بضم الميم وإسكانها-: جمع خمار، والخمار: ما تُغطِي به المرأة رأسها ووجهها، وهذا صريح في أنَّ الإنسان إذا أهدى لشخصٍ شيئًا لا يحل له فليس هذا إذن له باللبس، كما سبق ذكره.\nوفيه: دليل على جواز لبس النساء الحرير، وهو مجمع عليه اليوم، وقد كان فيه خلاف لبعض السلف، ثم زال.","vol":"6","page":147},{"text":"وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحيَى- وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ- قالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: وَجَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حُلَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ بِالسُّوقِ، فَأَخَذَهَا فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْتَعْ هَذِهِ، فَتَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ، وَلِلْوَفْدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ»، قَالَ: فَلَبِثَ عُمَرُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ، فَأَقْبَلَ بِهَا عُمَرُ حَتَّى أَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ: «إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ- أَوْ: إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ-»، ثُمَّ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ؟ ! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَبِيعُهَا وَتُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ».\nوَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقوله: «مِنْ إِسْتَبْرَقٍ» «بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ»: الإستبرق والديباج: نوعان من الحرير أحدهما رقيق والآخر غليظ.\nقوله: «ابْتَعْ هَذِهِ»، أي: اشترها «فَتَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ، وَلِلْوَفْدِ» فما أنكر عليه النبي ﷺ ذلك؛ فدل على أن التجمل يوم الجمعة بالثياب الجميلة أو عند مقابلة الوفد مشروع ..","vol":"6","page":148},{"text":"حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ رَأَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ آلِ عُطَارِدٍ قَبَاءً مِنْ دِيبَاجٍ، أَوْ حَرِيرٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَوِ اشْتَرَيْتَهُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ»، فَأُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُلَّةٌ سِيَرَاءُ، فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيَّ قَالَ: قُلْتُ: أَرْسَلْتَ بِهَا إِلَيَّ، وَقَدْ سَمِعْتُكَ قُلْتَ فِيهَا مَا قُلْتَ؟ ! قَالَ: «إِنَّمَا بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتَسْتَمْتِعَ بِهَا».\nقوله: «قَبَاءً»: كساء ضيق الكمين والوسط مشقوق من الخلف، يلبس في السفر وفي الحضر؛ لأنه أعون على الحركة، وكان إلى عهد قريب يلبس الناس ما يشبه هذا ويسمونه الدقلة والزبون، وهو ثوب مفتوح من الأمام وله أزارير من أسفل وفيه شق من الخلف، ويشبه القباء الجبة المصرية المعروفة الآن، والتي تلبس فوق الثياب.\nقوله: «لِتَسْتَمْتِعَ بِهَا»، يعني: لتبيعها، وتنتفع بالثمن.","vol":"6","page":149},{"text":"وَحَدَّثَنِي ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ آلِ عُطَارِدٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحيَى بْنِ سَعِيدٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتَنْتَفِعَ بِهَا، وَلَمْ أَبْعَثْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا».\nحدثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ لِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْإِسْتَبْرَقِ قَالَ: قُلْتُ: مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاجِ وَخَشُنَ مِنْهُ، فَقَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: رَأَى عُمَرُ عَلَى رَجُلٍ حُلَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، فَأَتَى بِهَا النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ: «إِنَّمَا بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ؛ لِتُصِيبَ بِهَا مَالًا».\n\n[٢٠٦٩] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ- مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ- وَكَانَ خَالَ وَلَدِ عَطَاءٍ قَالَ: أَرْسَلَتْنِي أَسْمَاءُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَرِّمُ أَشْيَاءَ ثَلَاثَةً: الْعَلَمَ فِي الثَّوْبِ، وَمِيثَرَةَ الْأُرْجُوَانِ، وَصَوْمَ رَجَبٍ كُلِّهِ، فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ رَجَبٍ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الْأَبَدَ؟ ! وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ»؛ فَخِفْتُ أَنْ يَكُونَ الْعَلَمُ مِنْهُ، وَأَمَّا مِيثَرَةُ الْأُرْجُوَانِ؛ فَهَذِهِ مِيثَرَةُ عَبْدِ اللَّهِ، فَإِذَا هِيَ أُرْجُوَانٌ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَسْمَاءَ فَخَبَّرْتُهَا، فَقَالَتْ: هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ كِسْرَوَانِيَّةٍ لَهَا لِبْنَةُ دِيبَاجٍ، وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيبَاجِ، فَقَالَتْ: هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ، حَتَّى قُبِضَتْ، فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا.\n[خ: ٥٨٢٨]","vol":"6","page":150},{"text":"قوله: «مِيثَرَةُ الْأُرْجُوَانِ» أما الميثرة: فهي شيء كالفِراش الصغير يُتخذ من الحرير، أو الصوف أو غيرهما، يجعله الراكب على البعير تحته، والأرجوان، أي: الأحمر.\nوقوله: «فَخِفْتُ أَنْ يَكُونَ الْعَلَمُ»، يعني: أنه لا يحرم العلم، وإنما يتركه تورعًا؛ خوفًا من دخوله في عموم النهي عن الحرير.\nقوله: «فَهَذِهِ مِيثَرَةُ عَبْدِ اللَّهِ»، أي: أنه أنكر ما بلغها عنه في الميثرة، وأن ميثرته أرجوان، أي: حمراء، قد تكون من صوف، وقد تكون من الحرير، والممنوع ما كان من الحرير.\nقوله: «جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ»: جمع طيلسان، شِبْه الأَرْدِية يوضع على الكتفين والظهر، له أعلام.\nقوله: «كِسْرَوَانِيَّةٍ»: نسبة إلى كسرى ملك الفرس.\nقوله: «لِبْنَةُ»: لبنة بكسر اللام، رقعة في جيب القميص.\nقوله: «وَفَرْجَيْهَا»، أي: لها فتحة من الأمام.\nوفيه: جواز لبس الجبة، ولبس ما له فرجان، وكان يسمى عندنا الزبون والدقلة.\nقوله: «مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيبَاجِ»: الديباج: نوع من الحرير.\nوفيه: جواز لبس مكفوف الطرف بالحرير، ما لم يزد على أربع أصابع، وهذا كما قيده الحديث.\nوقوله: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ رَجَبٍ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الْأَبَدَ؟ !»: فيه: أنه يرى جواز الدهر وهو مذهب ابن عمر ومذهب أبيه عمر وابن أبي طلحة وغيرهم من سلف الأمة، ومذهب الشافعي وغيره من العلماء، والصواب هو المنع من صوم الدهر، ففي الحديث: «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ» (^١)، وفي لفظ: «لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ» (^٢)، وهو مكروهٌ، أو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٧٧)، ومسلم (١١٥٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (١١٦٢).","vol":"6","page":151},{"text":"محرم، وقد ورد في حديث- وإن كان فيه ضعف-: «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ، ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ هَكَذَا»، وَقَبَضَ كَفَّهُ (^١).\nولكن أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يومًا ويُفطِر يومًا (^٢)؛ وهو صيام نصف الدهر، هذا إذا كان عنده فراع ونشاط، أما إذا كان صوم نصف الدهر يؤثِّر عليه في ترك الكسب لأولاده فلا ينبغي، ويصوم ثلاثة أيام من كل شهر، أو يصوم الاثنين والخميس، أو يصوم يومًا ويُفطِر يومين.\nوقوله: «وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ»: العَلَم في الثوب يكون خيطًا من حرير في طرف الثوب، أو يكون في الأزارير، وهذا لا بأس به في حدود أربعة أصابع، كما جاء في الحديث الآخر.\nوقد بينت أسماء أن النبي ﷺ لبس هذه الجُبَّة، وفيها شيء من العَلَم المستثنى، وهو في جيب القميص، ولها فتحتان من الأمام، وهذا الشيء اليسير مُستثنى؛ ولهذا أخذت أسماء جبة النبي ﷺ هذه التي فيها لِبنة من الحرير.\nفلما أنكر ابن عمر العَلَم بيَّنت له أسماء أنَّ الشيء اليسير مستثنى، وقالت: إنَّا نستشفِي به للمرضى، وهذا فيه: أنَّ النبي ﷺ يُتبرَّك بما لامَس جسده، وهذا خاصٌ به ﵊ ولا يُقَاسُ عليه غيره.\nوالصحابة كانوا يتبرَّكون به ﵊ فإذا تنخَّم ووقعت نُخامتَهُ في يد واحدٍ منهم دَلَكَ بها وجهه، وإذا توضأ أخذوا القطرات (^٣)، ولما حلق رأسه في\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٩٧١٣)، وابن خزيمة (٢١٥٤)، وابن حبان (٣٥٨٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٣١)، ومسلم (١١٥٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٧٣١).","vol":"6","page":152},{"text":"حجة الوداع كان أبو طلحة يقسم على الناس الشعرة والشعرتين (^١)، ولما نام عند أم سليم- وكان بينه وبينها محرمية- وعرق في القيلولة سلتت العرق، وجعلته في قارورة لها، وقالت: «وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ» (^٢).\nلكن هذا خاص بالنبي ﷺ ولا يُقَاس عليه غيره؛ فالصحابة ما فعلوا هذا، لا مع أبي بكر، ولا مع عمر؛ لأن هذا من وسائل الشرك، خلافًا للنووي الذي يرى التبرُّك بآثار الصالحين (^٣)، وكذلك الحافظ ابن حجر (^٤).\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ كَعْبٍ أَبِي ذِبْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُ يَقُولُ: أَلَا لَا تُلْبِسُوا نِسَاءَكُمُ الْحَرِيرَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ؛ فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ».\nقوله: «ذِبْيَانَ»: بضم الذال وكسرها.\nهذا مما خفيت فيه السنة على عبد الله بن الزبير، فقد نهى الناس أن يُلبِسوا النساء الحرير، والقاعدة في هذا: أنَّ مَن حفظ من الصحابة حجة على مَن لم يحفظ، فعبد الله بن الزبير خطب الناس، وقال: «لا تُلبِسوا النساء الحرير؛ فإن النبي ﷺ قال: مَن لبِسَ الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة»، وقد سبق أنَّ النبي ﷺ أعطى أسامة الحرير، وقال: «شَقِّقْهَا خُمُرًا بَيْنَ نِسَائِكَ»، وكذلك في الحديث الآخر أن النبي ﷺ قال: «الْحَرِيرُ وَالذَّهَبُ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، وَحِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٠٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٣٣١).\n(^٣) شرح مسلم، للنووي (١٤/ ٤٤).\n(^٤) فتح الباري، لابن حجر (٣/ ١٤٤).\n(^٥) أخرجه أحمد (١٩٥١٥)، والترمذي (١٧٢٠).","vol":"6","page":153},{"text":"حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ- وَنَحْنُ بِأَذْرَبِيجَانَ-: يَا عُتْبَةُ بْنَ فَرْقَدٍ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَدِّكَ، وَلَا مِنْ كَدِّ أَبِيكَ، وَلَا مِنْ كَدِّ أُمِّكَ؛ فَأَشْبِعِ الْمُسْلِمِينَ فِي رِحَالِهِمْ مِمَّا تَشْبَعُ مِنْهُ فِي رَحْلِكَ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ، وَزِيَّ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَلَبُوسَ الْحَرِيرَ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لَبُوسِ الْحَرِيرِ قَالَ: إِلَّا هَكَذَا- وَرَفَعَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِصْبَعَيْهِ: الْوُسْطَى، وَالسَّبَّابَةَ، وَضَمَّهُمَا.\nقَالَ زُهَيْرٌ: قَالَ عَاصِمٌ: هَذَا فِي الْكِتَابِ قَالَ: وَرَفَعَ زُهَيْرٌ إِصْبَعَيْهِ.\nحدثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَاصِمٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَرِيرِ بِمِثْلِهِ.\nقوله: «مِمَّا تَشْبَعُ مِنْهُ»: المعنى: أن هذا المال ليس من كسبك، ولا مما ورثتَ عن أبيك أو أمك، بل هو مال المسلمين فشاركهم فيه وأشبعهم، ولا تختص عنهم بشيء.\nقوله: «وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ، وَزِيَّ أَهْلِ الشِّرْكِ»: زي- بكسر الزاي- يعني: لباس.\nهذا الكتاب الذي كتبه عمر ﵁ إلى عُتبة بن فرقد الذي كان أميرًا على الجيش يأمره بالعناية بهم، وألا يختصَّ عنهم بشيء، يقول له: هذا المال ليس من كدِّك ولا من كدِّ أبيك ولا من كدِّ أمك، يعني: لم تتعب فيه وإنما هو مال المسلمين، فعليك أن تُشبِعهم كما تشبع أنت، وعليك أن توصِل المال إليهم من غير تعب، وألَّا تختصَّ عنهم بشيء.\nوقوله: «وإياكم والتنعُّم»، يعني: ينبغي للإنسان أن يتعوَّد على الخشونة؛ حتى يكون عنده قدرة على الصبر وتحمُّل الشدائد والجهاد ومقارعة","vol":"6","page":154},{"text":"الأعداء، جاء عن عمر ﵁ أنه قال: «اخْشَوْشِنُوا، وَاخْشَوْشِبُوا، وَاخْلَوْلِقُوا، وَتَمَعْدَدُوا كَأَنَّكُمْ مَعَدٌّ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ، وَزِيَّ الْعَجَمِ» (^١).\nوقوله: «وإياكم ولبوسَ الحريرِ»: لبوس- بفتح اللام- ما يلبس من الحرير، إلا موضع أربعة أصابع، كما مر.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَهُوَ عُثْمَانُ- وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ- وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ- أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: كُنَّا مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ، فَجَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ إِلَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْآخِرَةِ، إِلَّا هَكَذَا». وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: بِإِصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الْإِبْهَامَ، فَرُئِيتُهُمَا أَزْرَارَ الطَّيَالِسَةِ، حِينَ رَأَيْتُ الطَّيَالِسَةَ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ قَالَ: كُنَّا مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ قَالَ: جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ- وَنَحْنُ بِأَذْرَبِيجَانَ مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ، أَوْ بِالشَّامِ-: أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْحَرِيرِ، إِلَّا هَكَذَا- إِصْبَعَيْنِ- قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: فَمَا عَتَّمْنَا أَنَّهُ يَعْنِي: الْأَعْلَامَ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ- حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي عُثْمَانَ.\nقوله: «فَمَا عَتَّمْنَا»، يعني: ما تأخرَّنا ولا أبطأنا في معرفة مراده، وأنه أراد الأعلام، وهي: جمع عَلَم، وهو طرف الثوب.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٩٧٣٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٦٨٦٥).","vol":"6","page":155},{"text":"حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَأَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ بِالْجَابِيَةِ، فَقَالَ: نَهَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ، أَوْ أَرْبَعٍ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرُّزِّيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nفي هذا الحديث: إباحة العَلَم من الحرير في الثوب، إذا لم يزد على أربعة أصابع، وهذا مذهب الجمهور (^١)، وهو الصواب، وقيل: لا يباح العَلَم مطلقًا، وقيل: يباح العَلَم مطلقًا بلا تقدير أربع أصابع، ومذهب الجمهور أصح؛ لقوله: «إِلَّا مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ، أَوْ أَرْبَعٍ».\n_________\n(^١) بدائع الصنائع، للكاساني (٥/ ١٣١)، شرح مختصر خليل، للخرشي (١/ ٢٥٢)، المجموع للنووي (٤/ ٤٣٧).","vol":"6","page":156},{"text":"[٢٠٧٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَيَحيَى بْنُ حَبِيبٍ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ حَبِيبٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَبِسَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا قَبَاءً مِنْ دِيبَاجٍ أُهْدِيَ لَهُ، ثُمَّ أَوْشَكَ أَنْ نَزَعَهُ، فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ أَوْشَكَ مَا نَزَعْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «نَهَانِي عَنْهُ جِبْرِيلُ»، فَجَاءَهُ عُمَرُ يَبْكِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَرِهْتَ أَمْرًا، وَأَعْطَيْتَنِيهِ، فَمَا لِي؟ ! قَالَ: «إِنِّي لَمْ أُعْطِكَهُ لِتَلْبَسَهُ، إِنَّمَا أَعْطَيْتُكَهُ تَبِيعُهُ»، فَبَاعَهُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ.\nقوله: «أَبُو الزُّبَيْرِ»: اسمه الوليد بن مسلم وهو مدلس، لكنه صرح بالسماع، ولو لم يصرح فإنه محمول على السماع في الصحيحين خاصة.\nوفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ لبس قَبَاءً من حرير، وهذا قبل التحريم، ثم جاء التحريم فنزعه النبي ﷺ نزعًا شديدًا كالكارِه له، وقال: «نهاني عنه جبريل»: وهذا أول النهي عنه، ثم أرسل به إلى عمر، فجاء به عمر يبكي.\nوفيه: أنه لا بأس أن يُهدَى الحرير للرجل، ولو كان لا يلبسه، وليس إهداؤه إليه أمرًا له بلبسه، فهو إما أن يبيعه وإما أن يعطيه زوجته، أو يُهديه لأحد ممن يلبسه، كذلك لو أُهدِيَ له خاتم من ذهب تقبله، فيفعل فيه كما فعل في الحرير.","vol":"6","page":157},{"text":"[٢٠٧١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عَوْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُلَّةُ سِيَرَاءَ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَيَّ فَلَبِسْتُهَا، فَعَرَفْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: «إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا، إِنَّمَا بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتُشَقِّقَهَا خُمُرًا بَيْنَ النِّسَاءِ».\n[خ: ٢٦١٤]\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- قالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عَوْنٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ: فَأَمَرَنِي، فَأَطَرْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي، وَفِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَر: فَأَطَرْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي، وَلَمْ يَذْكُرْ: فَأَمَرَنِي.\nقوله: «حُلَّةُ سِيَرَاءَ»: حلة حرير فيها خطوط.\nوقوله: «فَأَطَرْتُهَا»، أي: قسمتها.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ أَبِي عَوْنٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْحَنَفِيِّ عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ثَوْبَ حَرِيرٍ، فَأَعْطَاهُ عَلِيًّا، فَقَالَ: «شَقِّقْهُ خُمُرًا بَيْنَ الْفَوَاطِمِ».\nوقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ: بَيْنَ النِّسْوَةِ.\nقوله: «أُكَيْدِرَ دُومَةَ»: وهو من بلاد الشام، قرب تبوك، وكان \" أكيدر \" ملكها، وهو أكيدر بن عبد الملك الكندي، أسره خالد بن الوليد ﵁ فى غزوة تبوك، وسلبه هذه الحلة وكانت قباء من ديباج مخوص بالذهب، فأمنه","vol":"6","page":158},{"text":"النبي﵊- ورده إلى موضعه، وضرب عليه الجزية (^١).\nوقوله: «الفَوَاطِمِ»: جمع فاطمة، وعلي ﵁ كان عنده عدد من الفواطم، وهن: زوجته فاطمة بنت النبي ﷺ، وأمه فاطمة بنت أسد، وفاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب.\nوفي هذا الحديث: دليل على جواز قبول هدية الكافر، وهناك أحاديث أخرى تدل على المنع، ومن العلماء مَن جمع بينهما، وقال: قد تُقبَل إذا كان فيه مصلحة وقد تُرَد.\nوفيه: جواز قبول هدية الحرير للرجال، كما سبق تفصيله.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٧/ ٤٩٨).","vol":"6","page":159},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: كَسَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُلَّةَ سِيَرَاءَ، فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ قَالَ: فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي.\n\n[٢٠٧٢] وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَأَبُو كَامِلٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كَامِلٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عُمَرَ بِجُبَّةِ سُنْدُسٍ، فَقَالَ عُمَرُ: بَعَثْتَ بِهَا إِلَيَّ وَقَدْ قُلْتَ فِيهَا مَا قُلْتَ؟ ! قَالَ: «إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا، وَإِنَّمَا بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتَنْتَفِعَ بِثَمَنِهَا».\n\n[٢٠٧٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ».\n[خ: ٥٨٣٢]\n\n[٢٠٧٤] وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِيُّ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنِي شَدَّادٌ أَبُو عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ».\n\n[٢٠٧٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ، فَلَبِسَهُ ثُمَّ صَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا، كَالْكَارِهِ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: «لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ».\n[خ: ٣٧٥]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: أَبَا عَاصِمٍ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله: «بِجُبَّةِ سُنْدُسٍ»: هو حرير رقيق.","vol":"6","page":160},{"text":"قوله: «أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ، فَلَبِسَهُ»: هو ثوب فيه فتحة، أو فتحتان من الأسفل، أو من الأمام، يسمونها: الزبون، أو الدقلة، وكان فروج الحرير جائزًا في أول الإسلام، ثم جاء النهي عنه، كما في الحديث السابق.\nقوله: «ثُمَّ صَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا، كَالْكَارِهِ لَهُ»: فيه: أنه نسخ لبس الحرير، وكان أولًا مباحًا للرجال حيث لبسه (ثم أوحي إليه بتحريمه فنزعه نزعًا شديدًا.\nقوله: «لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ»: يؤخذ منه التحريم.","vol":"6","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-982>بَابُ إِبَاحَةِ لُبْسِ الْحَرِيرِ لِلرَّجُلِ إِذَا كَانَ بِهِ حِكَّةٌ، أَوْ نَحْوُهَا</span>\n\n[٢٠٧٦] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَنْبَأَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فِي الْقُمُصِ الْحَرِيرِ فِي السَّفَرِ مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا- أَوْ: وَجَعٍ كَانَ بِهِمَا.\n[خ: ٢٩١٩]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَلَمْ يَذْكُرْ: فِي السَّفَرِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- أَوْ: رُخِّصَ- لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ؛ لِحِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ أَنَسًا أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ شَكَوَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقَمْلَ، فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ فِي غَزَاةٍ لَهُمَا.\nفي هذا الحديث: أنه لا بأس بلبس الحرير للعلاج لمَن كان فيه حكة، وجاء في اللفظ الآخر: أنه بسبب القمل (^١)، والحرير فيه برودة تزيل عنه الحرارة، قال بعض العلماء: إنَّ هذا خاص بالسفر؛ لأن النبي ﷺ إنما رخَّص لهم في السفر،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩٢٠)، ومسلم (٢٠٧٦).","vol":"6","page":162},{"text":"وقال آخرون: يكون في السفر وفي الحضر؛ لأن العلة التي من أجلها رخَّص هي العلاج.\nوبعض العلماء أجاز هذا- أيضًا- في الجهاد في الحر؛ لإغاظة العدو، لكن هذا يحتاج إلى دليل.","vol":"6","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-983>بَابُ النَّهْيِ عَنْ لُبْسِ الرَّجُلِ الثَّوْبَ الْمُعَصْفَرَ</span>\n\n[٢٠٧٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَحيَى، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ ابْنَ مَعْدَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ نُفَيْرٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَخْبَرَهُ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ؛ فَلَا تَلْبَسْهَا».\nوَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَا: عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ.\nحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ الْمُوصِلِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: «أَأُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا؟ !» قُلْتُ: أَغْسِلُهُمَا، قَالَ: بَلْ أَحْرِقْهُمَا».\n\n[٢٠٧٨] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عن نافع عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ وَالْمُعَصْفَرِ، وَعَنْ تَخَتُّمِ الذَّهَبِ، وَعَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ.\nقوله: «ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ»: المُعصفر هو: المصبوغ بالعُصفُر، والعصفُر صبغٌ أحمر إذا صُبِغَ به الثوب صار أحمر.\nوقوله: «إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ؛ فَلَا تَلْبَسْهَا»: فيه أن العلة في النهي هنا: أنه من لباس الكفار.","vol":"6","page":164},{"text":"وقوله: «أَأُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا؟ !» قُلْتُ: أَغْسِلُهُمَا، قَالَ: «بَلْ أَحْرِقْهُمَا»: فيه: أن العلة في النهي هنا: أنه من لباس النساء.\nفهذا قولان في علة النهي.\nوفي هذا الحديث: أن النهي إما للتحريم أو للتنزيه.\nوالصواب: أن النهي هنا للتنزيه والصارف له عن التحريم إلى التنزيه أنَّ النبي ﷺ لبس حُلَّةً حمراء (^١)، والقاعدة: أنَّ النبي ﷺ إذا نهى عن شيء ثم فعله فإن النهي يكون للتنزيه، كما أنه إذا أمر بشيء ثم لم يفعله فإن الأمر يكون للاستحباب.\nوقيل: إن الحُلَّة التي لبسها النبي ﷺ ليست حمراء خالصة، بل فيها خطوط فيُحمَل النهي على الأحمر الخالص، والجواز على الأحمر غير الخالص، ذهب إلى هذا ابن القيم ﵀ في زاد المعاد فجمع بينهما، فقال: «ولبس حلة حمراء، والحلة إزار ورداء، ولا تكون الحلة إلا اسما للثوبين معا، وغلط من ظن أنها كانت حمراء بحتا لا يخالطها غيره، وإنما الحلة الحمراء: بردان يمانيان منسوجان بخطوط حُمر مع الأسود، كسائر البرود اليمنية، وهي معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط الحمر، وإلا فالأحمر البحت منهي عنه أشد النهي» (^٢)، وذلك مثل الأشمغة الآن فيه خطوط بيض وليست حمراء خالصة.\nومن العلماء مَن ذهب إلى الجواز مطلقًا، وقد نسبه النووي إلى الجمهور (^٣)، ومن العلماء مَن قال: إن النهي محمول على لبس الأحمر في المحافل والأسواق، والجواز محمول على لبسه في الدور والأفنية.\nوقد يُشكل على القول بالتنزيه أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥٥١)، ومسلم (٢٣٣٧).\n(^٢) زاد المعاد، لابن القيم (١/ ١٣٢).\n(^٣) شرح مسلم، للنووي (١٤/ ٥٤).","vol":"6","page":165},{"text":"الْكُفَّارِ؛ فَلَا تَلْبَسْهَا»، والكفار تجب مخالفتهم، وأُشكِل عليه أن النبي ﷺ قال: «أَأُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا؟»، وقال عمرو: «أَغْسِلُهُمَا» قَالَ: «بَلْ أَحْرِقْهُمَا»»، والجواب: أن هذا محمول على المبالغة في البعد عنهما.\nوفيه: النهي عن لبس المُزعفَر، وهو ما فيه زعفران، والنهي عن المُعصفر إنما هو للمُحرِم.\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: نَهَانِي النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْقِرَاءَةِ وَأَنَا رَاكِعٌ، وَعَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ، وَالْمُعَصْفَرِ.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ، وَعَنْ لِبَاسِ الْقَسِّيِّ، وَعَنِ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَعَنْ لِبَاسِ الْمُعَصْفَرِ».\nفي هذا الحديث: تحريم القراءة في الركوع، وفي الحديث الآخر: «أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ﷿، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» (^١).\nوفيه: تحريم لُبس الذهب للرجال، وكذلك المُعصفَر، كما سبق ذكره.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٧٩).","vol":"6","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-984>بَابُ فَضْلِ لِبَاسِ ثِيَابِ الْحِبَرَةِ</span>\n\n[٢٠٧٩] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: قُلْنَا لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَيُّ اللِّبَاسِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- أَوْ: أَعْجَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَال: الْحِبَرَةُ.\n[خ: ٥٨١٢]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَحَبَّ الثِّيَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحِبَرَةُ.\nقوله: «الحِبرَة»: ثيابٌ مُزينَة فيها خطوط، وفيها تجميل، وسميت حبرة لأنها تُحبّر - أي: تحسن وتزين- بالنقوش والخطوط.\nوفيه: دليل على جواز لبس الثوب الجميل المُزيَّن الملون المخطط، ما لم يكن من خصائص النساء، إذ الأصل في اللباس الحل، إلا ما دل الدليل على تحريمه.\nوفيه: دليل على أنه لا بأس بلبس ثياب القطن وثياب الصوف والكتان.","vol":"6","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-985>بَابُ التَّوَاضُعِ فِي اللِّبَاسِ، وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الْغَلِيظِ مِنْهُ، وَالْيَسِيرِ فِي اللِّبَاسِ وَالْفِرَاشِ وَغَيْرِهِمَا، وَجَوَازِ لُبْسِ الثَّوْبِ الشَّعَرِ، وَمَا فِيهِ أَعْلَامٌ</span>\n\n[٢٠٨٠] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا إِزَارًا غَلِيظًا مِمَّا يُصْنَعُ بِالْيَمَنِ، وَكِسَاءً مِنَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْمُلَبَّدَةَ، قَالَ: فَأَقْسَمَتْ بِاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُبِضَ فِي هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ.\n[خ: ٥٨١٨]\nحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ ابْنُ حُجْرٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ إِزَارًا وَكِسَاءً مُلَبَّدًا، فَقَالَتْ: فِي هَذَا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: فِي حَدِيثِهِ: إِزَارًا غَلِيظًا.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: إِزَارًا غَلِيظًا.\nقوله: «مُلَبَّدًا»: أي مرقَّعًا.\nوفي هذا الحديث: دليل على أنه لا بأس بلبس الغليظ من الثياب والخشِن.\nوفيه: أنه لا بأس بالثياب التي تأتي من بلاد الكفار.","vol":"6","page":168},{"text":"[٢٠٨١] وَحَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِيهِ. ح وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعَرٍ أَسْوَدَ.\nقولها: «مِرْط»، يعني: ثوب.\nوقولها: «مُرَحَّل»، يعني: فيه صورة رِحال الإبل، وفي لفظٍ «مُرجَّل»، أي: عليه صور الرجال على هيئة خطوط.\nوفي هذا الحديث: أنه لا بأس بلبس الثوب الذي فيه صور غير صور ذوات الأرواح، كأن يكون فيه صور رحل البعير.\nوفيه: أنه لا بأس بلبس ثوب الصوف المغزول من الشعر، كما أنه يجوز لبس ثوب القطن والكتان.\nوفيه جواز لبس الأَسود، وجواز لبس الملون، ومثله ما ثبت أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٥٨).","vol":"6","page":169},{"text":"[٢٠٨٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ وِسَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي يَتَّكِئُ عَلَيْهَا مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ.\nوَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ أَدَمًا حَشْوُهُ لِيفٌ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَا: ضِجَاعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: يَنَامُ عَلَيْهِ.\nقولها: «مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ»: الأدم: الجلد، وليس في بيته شيء؛ لأنه يريد الله والدار الآخرة، والله ﷿ زوى الدنيا عن نبيه ﷺ لا لهوانه عليه، ولكن ليتوفر أجره وثوابه يوم القيامة.\nوفيه: أنه لا بأس باتخاذ الوسائد.","vol":"6","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-986>بَابُ جَوَازِ اتِّخَاذِ الْأَنْمَاطِ</span>\n\n[٢٠٨٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- وَقَالَ عَمْرٌو وَقُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- لَمَّا تَزَوَّجْتُ-: «اتَّخَذْتَ أَنْمَاطًا؟»، قُلْتُ: وَأَنَّى لَنَا أَنْمَاطٌ؟ ! قَالَ: «أَمَا إِنَّهَا سَتَكُونُ».\n[خ: ٣٦٣١]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجْتُ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اتَّخَذْتَ أَنْمَاطًا؟»، قُلْتُ: وَأَنَّى لَنَا أَنْمَاطٌ؟ ! قَالَ: «أَمَا إِنَّهَا سَتَكُونُ»، قَالَ جَابِرٌ: وَعِنْدَ امْرَأَتِي نَمَطٌ، فَأَنَا أَقُولُ: نَحِّيهِ عَنِّي، وَتَقُولُ: قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّهَا سَتَكُونُ».\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَزَادَ: «فَأَدَعُهَا».\nقوله: «اتَّخَذْتَ أَنْمَاطًا؟»: الأنماط- بفتح الهمزة-: جمع نَمَط- بفتح النون والميم-، وهو ظِهارة الفِراش، ويُطلَق- أيضًا- على البِساطِ الخفيف الذي له خمل يُجعَل على الهودج، وقد يُجعَل سِترًا.\nوفي هذا الحديث: دليل على أنه لا بأس باستعمال الأنماط.\nوفيه: علَم من أعلام النبوة؛ حيث أخبر النبي ﷺ أنها ستكون أنماط لجابر، ثم وُجِدَت الأنماط عند جابر، فكان جابر يقول لامرأته: «نَحِّيهِ عَنِّي» -كما سيأتي- كراهةً له.\nوفيه: أنه لا بأس باتخاذ اللين من الفُرُش والوسائد، والأصل في هذا","vol":"6","page":171},{"text":"قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فلا بأس للإنسان أن يتمتَّع بما أحل الله من المآكِل والمشارب والملابس والفُرُش، من غير إسراف ولا مخيلة.","vol":"6","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-987>بَابُ كَرَاهَةِ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ مِنَ الْفِرَاشِ، وَاللِّبَاسِ</span>\n\n[٢٠٨٤] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ، وَفِرَاشٌ لِامْرَأَتِهِ، وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ، وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ».\nفي هذا الحديث: أنه على الإنسان أن لا يتخذ فُرُشًا زائدة عن حاجته؛ فيكفي فِراشٌ للإنسان، وفِراشٌ لامرأته إذا انفردتْ مثلًا في وقتٍ ما، أو كانت مريضة، وفِراشٌ للضيف، وأما الرابع فللشيطان؛ لأنه زائدٌ عن الحاجة.\nقيل: المعنى لأنه من الإسراف، والإسراف يأمر به الشيطان، وقيل: المعنى على ظاهره، وأنَّ الشيطان ينام في الفراش الزائد، كما أنَّ الإنسان إذا دخل بيته، ولم يُسمِّ قال الشيطان: أدركتم المبيت، فكذلك يبيت في الفراش الذي ليس له أحد.\nوفيه: حثَّ على الاقتصاد وعدم الإسراف.\nوأما زيادة الفرش لتوقع ضيوف كثر، فإذا كان يأتيه عدد من الضيوف جاز، وتكون كلمة فراشٍ للضيف المراد بها: جنس الضيف، والضيف يُطلَق على الواحد وعلى الاثنين وعلى العشرة.","vol":"6","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-988>بَابُ تَحْرِيمِ جَرِّ الثَّوْبِ خُيَلَاءَ، وَبَيَانِ حَدِّ مَا يَجُوزُ إِرْخَاؤُهُ إِلَيْهِ، وَمَا يُسْتَحَبُّ</span>\n\n[٢٠٨٥] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، كُلُّهُمْ يُخْبِرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ».\n[خ: ٥٧٨٣]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قالا: حَدَّثَنَا يَحيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أُسَامَةُ كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ وَزَادُوا فِيهِ: «يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَنَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الَّذِي يَجُرُّ ثِيَابَةُ مِنَ الْخُيَلَاءِ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، وَجَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».","vol":"6","page":174},{"text":"وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «ثِيَابَهُ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ مُسْلِمَ بْنَ يَنَّاقَ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَجُرُّ إِزَارَهُ، فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَانْتَسَبَ لَهُ، فَإِذَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ، فَعَرَفَهُ ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأُذُنَيَّ هَاتَيْنِ يَقُولُ: «مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ إِلَّا الْمَخِيلَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ- يَعْنِي: ابْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ-.ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حدثنا أبي، حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ- يَعْنِي: ابْنَ نَافِعٍ- كُلُّهُمْ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَنَّاقَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي يُونُسَ: عَنْ مُسْلِمٍ أَبِي الْحَسَنِ، وَفِي رِوَايَتِهِمْ جَمِيعًا: «مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ»، وَلَمْ يَقُولُوا: «ثَوْبَهُ».\nقوله: «مُسْلِمِ بْنِ يَنَّاقَ»: بالمثناة التحتانية، بعدها نون ثم قاف، وهو غير مصروف.","vol":"6","page":175},{"text":"وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ- وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ- قَالُوا: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ يَقُولُ: أَمَرْتُ مُسْلِمَ بْنَ يَسَارٍ- مَوْلَى نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ- أَنْ يَسْأَلَ ابْنَ عُمَرَ- قَالَ: وَأَنَا جَالِسٌ بَيْنَهُمَا-: أَسَمِعْتَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الَّذِي يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ شَيْئًا؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\n\n[٢٠٨٦] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي إِزَارِي اسْتِرْخَاءٌ، فَقَالَ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ، ارْفَعْ إِزَارَكَ»، فَرَفَعْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: «زِدْ»، فَزِدْتُ، فَمَا زِلْتُ أَتَحَرَّاهَا بَعْدُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: إِلَى أَيْنَ؟ فَقَالَ: أَنْصَافِ السَّاقَيْنِ.\n\n[٢٠٨٧] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدٍ- وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ- وَرَأَى رَجُلًا يَجُرُّ إِزَارَهُ، فَجَعَلَ يَضْرِبُ الْأَرْضَ بِرِجْلِهِ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، وَهُوَ يَقُولُ: جَاءَ الْأَمِيرُ، جَاءَ الْأَمِيرُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى مَنْ يَجُرُّ إِزَارَهُ بَطَرًا».\n[خ: ٥٧٨٨]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ-.ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ: كَانَ مَرْوَانُ يَسْتَخْلِفُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الْمُثَنَّى: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُسْتَخْلَفُ عَلَى الْمَدِينَةِ.\nفي هذه الأحاديث: الوعيد الشديد على مَن جرَّ ثوبه خُيلاء، وأنه إذا جرَّ ثوبه للاختيال والبَطَر فإنه مرتكبٌ لكبيرة من كبائر الذنوب، فالواجب الحذر من جر الثوب سواء كان الثوب إزارًا، أو قميصًا، أو بنطالًا، أو","vol":"6","page":176},{"text":"مشلحًا، فكل ما كان يُجَر إذا كان من باب الخُيلاء فعليه الوعيد الشديد، وإن لم يكن من الخيلاء فعليه الوعيد الآخر: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الْإِزَارِ فَفِي النَّارِ» (^١).\nوهما حكمان مختلفان: فإن كان للخُيلاء فعليه الوعيد الشديد، وهو: لا ينظر الله إليه يوم القيامة، وإن كان لغير الخيلاء فهو متوعَّدٌ عليه بالنار، ولا يُحمَل أحدهما على الآخر، كما قال النووي (^٢)؛ لأنه لا يُحمَل المطلق على المقيَّد إلا إذا كان حكمًا واحدًا.\nوالمستحب أن يكون الثوب إلى أنصاف الساقين، كما في حديث الباب عن ابن عمر قال: «مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي إِزَارِي اسْتِرْخَاءٌ، فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ: ارْفَعْ إِزَارَكَ، فَرَفَعْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: زِدْ، فَزِدْتُ، فَمَا زِلْتُ أَتَحَرَّاهَا بَعْدُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: إِلَى أَيْنَ؟ فَقَالَ: أَنْصَافِ السَّاقَيْنِ»، وفي الحديث الآخر: «إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ» (^٣).\nفهناك لبسٌ مستحب وهو أن يكون إلى أنصاف الساقين، وهناك لبس جائز؛ وهو أن ينزل الثوب من أنصاف الساقين إلى الكعب، وهناك محرَّم وهو ما تحت الكعب.\nوجاء في الحديث أنَّ أبا بكر قال للنبي ﷺ: «إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ ثَوْبِي يَسْتَرْخِي إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلَاءَ» (^٤)، ذلك أن إزاره كان يسترخِي؛ لأنه كان نحيفًا فينزل ثوبه بدون اختياره، ومدح النبي ﷺ لأبي بكر ﵁ من المدح القليل الذي يعلم أنه فيه، ولا يفضي إلى عجب ولا فتنة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٨٧).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٤/ ٦٣).\n(^٣) أخرجه أحمد (١١٠١٠)، وابن ماجه (٣٥٧٣).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٦٦٥).","vol":"6","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-989>بَابُ تَحْرِيمِ التَّبَخْتُرِ فِي الْمَشْيِ مَعَ إِعْجَابِهِ بِثِيَابِهِ</span>\n\n[٢٠٨٨] حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ- يَعْنِي: ابْنَ مُسْلِمٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي قَدْ أَعْجَبَتْهُ جُمَّتُهُ وَبُرْدَاهُ إِذْ خُسِفَ بِهِ الْأَرْضُ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ».\n[خ: ٥٧٨٩]\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ قَالُوا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ هَذَا.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يَعْنِي: الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ يَمْشِي فِي بُرْدَيْهِ قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ فِي بُرْدَيْنِ»، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سمعت رسول اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَتَبَخْتَرُ فِي حُلَّةٍ»، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِهِمْ.\nقوله: «قَدْ أَعْجَبَتْهُ جُمَّتُهُ وَبُرْدَاهُ»: الجُمَّة: الشعر يضرِب إلى الأذن، والبردان، يعني: الثوبين.\nقوله: «فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»: هذه عقوبة عاجلة، مع","vol":"6","page":178},{"text":"ما أعد الله له من العقوبة في الآخرة؛ لأن هذا وُصف بالعجب، والعجب من كبائر الذنوب؛ لأنه من أعمال القلوب الخبيثة، وكذلك الكبر والخيلاء واحتقار الناس وازدراؤهم.\nوفي هذا الحديث: تحريم العُجب والتبختر والاختيال في المشي، والعُجب من كبائر الذنوب القلبية، وبيان أن التواضع واجب.\nوالحكم واحد لهذه الأمة ولغيرها، وقد يقع اشكال في كون هذا الرجل من بني إسرائيل، أو أنه خبرٌ عمّا سيحدث في هذه الأمة في المستقبل؟\nوالصواب: أن الظاهر أنه خبر عن رجل من بني إسرائيل أعجبته نفسه فخسف الله به الأرض.","vol":"6","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-990>بَابٌ فيِ طَرْحِ خَاتَمِ الذَهَبِ</span>\n\n[٢٠٨٩] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حدثنا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ.\n[خ: ٥٨٦٤]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nفي هذا الحديث: النهي عن خاتم الذهب، والنهي للتحريم، وهو خاص بالرجال، أما النساء فيجوز لهن التحلِّي بالذهب بالإجماع.\n\n[٢٠٩٠] وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الْمُثَنَّى قَالَ: سَمِعْتُ النَّضْرَ بْنَ أَنَسٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ، وَقَالَ: «يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ، فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ»، فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: خُذْ خَاتَمَكَ انْتَفِعْ بِهِ، قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا آخُذُهُ أَبَدًا، وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ! .\nقوله: «لَا وَاللَّهِ لَا آخُذُهُ أَبَدًا، وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ!»: فيه مبالغة فى امتثال طاعته واجتناب نهيه، وفيه أن أصحابه فهموا من طرحه وطرح النبي ﷺ خاتم نفسه صحة الملك والانتفاع، وإنما طرحه عنه تحينًا للبسه، ويحتمل أن الرجل تركه لغيره ممن يستحقه من المساكين؛ لأن تركه لذلك","vol":"6","page":180},{"text":"من إضاعة المال (^١).\nوفي هذا الحديث: وعيد يدل على أن لبس الذهب للرجال من الكبائر؛ لأنه تُوعِّد عليه بالنار، والتوعُّد بالنار يدل على أنه من الكبائر.\nودل الحديث على أنه لا بأس باتخاذ الخاتم، وظاهر النصوص أنه جائز، وقال بعضهم: لا يتخذه إلا سلطان أو من يحتاج إلى الخاتم، واستظهر الحافظ ابن حجر ﵀ أن تركه أولى لما فيه من التزين والترفه، والاختيار أنه مباح، وإن كان البعض يخشى أن يكون التختم سببًا في الفتنة خاصة إذا كان المتختم صغيرًا يستخدمه للتزين والتجمل، فإن كان لبسه للخاتم يؤدي إلى فتنة فلا، والأولى أن يكون الخاتم من فضة.\n\n[٢٠٩١] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى التَّمِيمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَكَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ، فَصَنَعَ النَّاسُ، ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَعَهُ، فَقَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أَلْبَسُ هَذَا الْخَاتَمَ، وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ، فَرَمَى بِهِ»، ثُمَّ قَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا»، فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ. وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لِيَحيَى.\n[خ: ٦٦٥١]\nقوله: «فَصَّهُ»: بفتح الفاء وكسرها، والخاتم فيه أربع لغات: خاتَم وخاتِم وخِتيام وخَاتام.\nوفي هذا الحديث: دليل على أنَّ الذهب كان مباحًا في أول الإسلام للرجال، ثم نُهِيَ عنه.\nوفيه: بيان الناسخ والمنسوخ في وقتٍ واحد؛ المنسوخ: التختُّم\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٦/ ٦٠٥).","vol":"6","page":181},{"text":"بالذهب، والناسخ: النهي عنه، ونزعُه، وقوله ﷺ: «والله لا ألبسُهُ أبدًا»، ومثل ذلك الحرير حيث كان في أول الهجرة مباحًا للرجال، ثم نُهِيَ عنه، وقال: «لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ» (^١).\nوفيه: جَعْلُ فص الخاتم من جهة باطن الكف إن تيسَّر؛ اقتداءً بالنبي ﷺ، وهو أبعد- أيضًا- عن الزهو والإعجاب.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. ح وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي خَاتَمِ الذَّهَبِ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ خَالِدٍ: وَجَعَلَهُ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى.\nوَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ- يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ- عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ. ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أُسَامَةَ، جَمَاعَتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَاتَمِ الذَّهَبِ، نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ.\nفي هذا الحديث: استحباب جعل الخاتم في اليد اليمنى، وإن كان في اليسرى فلا بأس، ويكون في الخنصر والبنصر، وأما الوسطى والسبابة فلا يجعل فيهما الخاتم، وسيأتي كل ما ذكرناه في الأحاديث القادمة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٧٥)، ومسلم (٢٠٧٥).","vol":"6","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-991>بَابُ لُبْسِ النَّبِيِّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَلُبْسِ الْخُلَفَاءِ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ</span>\nحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حدثنا أَبِي حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، فَكَانَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُمَرَ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ، حَتَّى وَقَعَ مِنْهُ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.\nقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَتَّى وَقَعَ فِي بِئْرِ، وَلَمْ يَقُلْ: مِنْهُ.\n[خ: ٥٨٧٣]\nقوله: «مِنْ وَرِقٍ»: الورِق: الفضة.\nوفيه: جواز لبس خاتم الفضة للرجال.\nوفيه: أنه يُجعَل للخاتم فص.\nوفيه: جواز نقش اسم الله على الخاتم، ونقش اسم صاحب الخاتم عليه، كل هذا لا بأس به؛ لأن النبي ﷺ نقش عليه: (محمد رسول الله).\nولبس الخاتم جائز، أما كونه سنة فيحتاج إلى تأمل؛ لأن النبي ﷺ ما أمرنا بلبس الخواتم، ولا اتخذ خاتمًا إلا لما قيل له: إنَّ الملوك لا يقبلون الكتاب إلا مختومًا، فاتخذ الخاتم، وجعل يختم به.","vol":"6","page":183},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: اتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ أَلْقَاهُ، ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، وَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَقَالَ: «لَا يَنْقُشْ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِ خَاتَمِي هَذَا»، وَكَانَ إِذَا لَبِسَهُ جَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَطْنَ كَفِّهِ، وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ مِنْ مُعَيْقِيبٍ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ.\n\n[٢٠٩٢] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ يَحيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، وَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَقَالَ لِلنَّاسِ: «إِنِّي اتَّخَذْتُ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، وَنَقَشْتُ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَلَا يَنْقُشْ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِهِ».\n[خ: ٥٨٧٤]\nوَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.\nفي هذا الحديث: نسخ جواز لبس الخاتم من الذهب.\nوفيه: الأمر بأن لا ينقُش أحدٌ على نقش خاتمه ﷺ؛ لئلا يلتبس نقشه بنقش غيره.\nوفيه: رواية مسلم عن أحمد بن حنبل رحمهما الله، قال: «وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ».","vol":"6","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-992>بَابُ فِي اتِّخَاذِ النَّبِيِّ ﷺ خَاتَمًا لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الْعَجَمِ</span>\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الرُّومِ قَالَ: قَالُوا: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا، قَالَ: فَاتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.\n[خ: ٦٥]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الْعَجَمِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الْعَجَمَ لَا يَقْبَلُونَ إِلَّا كِتَابًا عَلَيْهِ خَاتَمٌ، فَاصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ.\nحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ أَخِيهِ خَالِدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَر وَالنَّجَاشِيِّ، فَقِيلَ: إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا بِخَاتَمٍ، فَصَاغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا حَلْقَتُهُ فِضَّةً، وَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.\nفي هذا الحديث: بيان سبب اتخاذه ﷺ الخاتم، وهو أنه أراد أن يختم رسائله، ولم يقل ﷺ للناس: اتخذوا الخاتم، فدلَّ على أن اتخاذه لا يعدو كونه مباحًا.","vol":"6","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-993>بَابُ فِي طَرْحِ الْخَوَاتِمِ</span>\n\n[٢٠٩٣] حَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ- يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ- عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ أَبْصَرَ فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ يَوْمًا وَاحِدًا، قَالَ: فَصَنَعَ النَّاسُ الْخَوَاتِمَ مِنْ وَرِقٍ فَلَبِسُوهُ، فَطَرَحَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمَهُ، فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِمَهُمْ.\n[خ: ٥٨٦٨]\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي زِيَادٌ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ: «رَأَى فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ يَوْمًا وَاحِدًا، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اضْطَرَبُوا الْخَوَاتِمَ مِنْ وَرِقٍ فَلَبِسُوهَا، فَطَرَحَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمَهُ، فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِمَهُمْ.\nحَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nفي هذا الحديث: أنَّ النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من ورِق، يعني: من فضة فاتخذ الناس خواتم من فضة، فطرحه، ثم طرحهُ الناس.\nقال بعضهم: إنَّ هذا وهمٌ من ابن شهاب الزهري؛ وإلا فالذي طرحه هو خاتم الذهب، فوهِم ﵀ مع جلالته وإمامته وحفظه. قال هذا القاضي عياض وجماعة (^١).\nقوله: «اضْطَرَبُوا»، أي: ضربوا وصنعوا، وصاغوا.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٦/ ٦٠٣).","vol":"6","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-994>بَابُ فِي خَاتَمِ الْوَرِقِ فَصُّهُ حَبَشِيٌّ</span>\n\n[٢٠٩٤] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ خَاتَمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ وَرِقٍ، وَكَانَ فَصُّهُ حَبَشِيًّا.\nوَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبَّادُ بْنُ مُوسَى، قالا: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحيَى- هُوَ الْأَنْصَارِيُّ ثم الزرقي- عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَبِسَ خَاتَمَ فِضَّةٍ فِي يَمِينِهِ فِيهِ فَصٌّ حَبَشِيٌّ، كَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ.\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ يَحيَى.\nقوله: «فَصٌّ حَبَشِيٌّ»: مصنوع في الحبشة، كأنه نوع خاص.\nوفي هذا الحديث: جواز التختم باليمين؛ لحديث أنس الذي يأتي بعده.\nوفيه: أن السنة جعلُ خاتم الرجل في الخنصر، وفي حديث علي الآتي: النهي عن التختم بالوسطى والسبابة، قال النووي: «وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ» (^١)، قلت: والأصل أن النهي للتحريم إلا بصارف.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٤/ ٧١).","vol":"6","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-995>بَابٌ فِي لُبْسِ الْخَاتَمِ فِي الْخِنْصِرِ مِنَ الْيَدِ</span>\n\n[٢٠٩٥] وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ- وَأَشَارَ إِلَى الْخِنْصِرِ مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى.\nفيه جواز التختم باليد اليسرى، وأن السنة جعل الخاتم بالخنصر.","vol":"6","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-996>بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّخَتُّمِ فِي الْوُسْطَى، وَالَّتِي تَلِيهَا</span>\n\n[٢٠٧٨] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: نَهَانِي- يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ- أَنْ أَجْعَلَ خَاتَمِي فِي هَذِهِ، أَوِ الَّتِي تَلِيهَا- لَمْ يَدْرِ عَاصِمٌ فِي أَيِّ الثِّنْتَيْنِ-، وَنَهَانِي عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ، وَعَنْ جُلُوسٍ عَلَى الْمَيَاثِرِ، قَالَ: فَأَمَّا الْقَسِّيُّ فَثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ يُؤْتَى بِهَا مِنْ مِصْرَ وَالشَّامِ، فِيهَا شِبْهُ كَذَا، وَأَمَّا الْمَيَاثِرُ فَشَيْءٌ كَانَتْ تَجْعَلُهُ النِّسَاءُ لِبُعُولَتِهِنَّ عَلَى الرَّحْلِ كَالْقَطَائِفِ الْأُرْجُوَانِ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ ابْنٍ لَأَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ عن النبي ﷺ بِنَحْوِهِ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: نَهَى- أَوْ: نَهَانِي- يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.\n\n[٢٠٩٥] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَتَخَتَّمَ فِي إِصْبَعِي هَذِهِ أَوْ هَذِهِ، قَالَ: فَأَوْمَأَ إِلَى الْوُسْطَى، وَالَّتِي تَلِيهَا.\nقوله: «عَنْ لُبْسِ القَسِّيِّ»: أي الحرير.\nوقوله: «وَعَنْ جُلُوسٍ عَلَى الْمَيَاثِرِ»: المياثر: ما يجعله الأعاجم على الحمر عند ركوبهم.\nويُلبس الخاتم في الخُنصر، أو في البنصر، ولا يُلبس في السبابة، ولا في الوسطى، ولا في الإبهام، هذا بالنسبة للرجل، أما المرأة فتلبسه في أي أصابعها شاءت.","vol":"6","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-997>بَابُ مَا جَاءَ فيِ الانْتِعَالِ، وَالاسْتِكْثَارِ مِنَ النِّعَالِ</span>\n\n[٢٠٩٦] حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ- فِي غَزْوَةٍ غَزَوْنَاهَا-: «اسْتَكْثِرُوا مِنَ النِّعَالِ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ رَاكِبًا مَا انْتَعَلَ».\nقوله: «فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ رَاكِبًا مَا انْتَعَلَ»، يعني: أنه يُشبِه الراكب في انتفاء المشقة، واتقاء المؤذيات، بخلاف الحافي؛ فالحافي يؤذيه الزجاج والشوك؛ ولهذا أمر النبي ﷺ بالاستكثار من النعال في بعض الغزوات؛ لأنهم كانوا يمشون- في الغالب- حافين، وليس لهم مراكب، فإذا كان عنده عدد من النعال وانقطع نعل لبس الثاني.\nوفيه: نصيحة الإمام والقائد للرعية.","vol":"6","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-998>بَابُ إِذَا انْتَعَلَ فَلْيَبْدَأَ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا خَلَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ</span>\n\n[٢٠٩٧] حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدٍ- يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيُمْنَى، وَإِذَا خَلَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ، وَلْيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا، أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا».\n[خ: ٥٨٥٦]\nحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا، أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا».\n[خ: ٥٨٥٥]\n\n[٢٠٩٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى جَبْهَتِهِ، فَقَالَ: أَلَا إِنَّكُمْ تَحَدَّثُونَ أَنِّي أَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِتَهْتَدُوا، وَأَضِلَّ، أَلَا وَإِنِّي أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَمْشِ فِي الْأُخْرَى حَتَّى يُصْلِحَهَا».\nوحدثينيه عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ وَأَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْمَعْنَى.\nقوله: «سِشْعُ»: هو سير النعل.\nوفي هذا الحديث: أن السنة أن يبدأ المسلم لبس نعله باليمين، ويبدأ خلعه بالشمال، كما يفعل في دخوله المسجد وخروجه منه.\nوفيه: النهي عن لبس النعل الواحدة؛ لأن فيه تشويهًا، ولأن لبسه في إحدى الرجلين قد يكون سببًا في سقوطه، فقد تكون أحد الرجلين مرتفعة،","vol":"6","page":191},{"text":"وجاء- أيضًا- في أثر لمالك ﵀: «وإنما كره المشي في النعل الواحدة لغير ضرورة، لأن الشيطان يمشي في نعل واحدة، فيكون تشبُّه بالشيطان في ذلك» (^١).\nفإذا قُطع أحد النعلين فإن كان يمكنه متابعة المشي فيهما، وإلا ينزعهما.\nوكذلك الشراب (الجوارب)، لا يلبس شرابًا واحدًا؛ لأن فيه تشويهًا، والأصل في مثل هذه الآداب والنواهي الامتثال لأمره ﷺ تعبدًا، سواء أصبنا في معرفة العلة، أم لا.\nوأصل النهي التحريم، لكن الجمهور يحمل النهي إذا كان في الآداب على التنزيه.\n_________\n(^١) الفواكه الدواني، للنفراوي (٢/ ٣١٥).","vol":"6","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-999>بَابُ النَّهْيِ عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَالِاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ</span>\n\n[٢٠٩٩] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِشِمَالِهِ، أَوْ يَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَاشِفًا عَنْ فَرْجِهِ.\nحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قال رسول اللَّهِ ﷺ أَوْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ- أَوْ: مَنِ انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِهِ- فَلَا يَمْشِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى يُصْلِحَ شِسْعَهُ، وَلَا يَمْشِ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ، وَلَا يَأْكُلْ بِشِمَالِهِ، وَلَا يَحْتَبِي بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ، وَلَا يَلْتَحِفْ الصَّمَّاءَ».\nسبق ذِكرُ المصنف أنَّ النبي ﷺ رأى رجلًا يأكل بشماله، فقال: «كُلْ بِيَمِينِكَ»، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: «لَا اسْتَطَعْتَ، مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ!»، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ (^١)، فشُلت يده في الحال، عقوبة له.\nوفي اللفظ الآخر: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» (^٢)، والنهي للتحريم.\nقوله: «وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ»: هو أن يشتمل في ثوبٍ واحد.\nوقد فسَّره أهل اللغة بتفسير، وفسَّره الفقهاء بتفسير آخر، فأهل اللغة فسَّروا اشتمال الصماء بأن يتجلل في ثوبٍ واحد ليس له منفذ كالصخرة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٠٢١).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٠٢٠).","vol":"6","page":193},{"text":"الصماء، فربما أصابه شيء، حشرة أو نحوها، فلا يستطيع أن يُخرِج يديه؛ لأنه ملفوف كالكيس، وربما كتم نفَسه، وربما رفسته دابة.\nأما تفسير الفقهاء فقالوا: هو أن يشتمل بثوبٍ واحد، فيأتي به ويجعلُه على جسده، ثم يرفع أحد طرفيه؛ فتبدو عورته، فنُهِيَ عن ذلك لِمَا فيه من كشف العورة، وكان العرب يتساهلون بالعورات.\nوقوله: «وَأَنْ يَحْتَبِيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَاشِفًا عَنْ فَرْجِهِ»: الاحتباء: أن يجلس على أليتيه، وينصب ساقيه، ويأتي بقطعة قماش- شرشف، أو فوطة- ويستر بها ظهره ورجليه، ويبقى ما أمامه مكشوفًا من جهة السماء، فلو جاء إنسان ووقف رأى عورته، هذا إذا لم يكن عليه سروال، أما إذا كان يلبس سروالًا فلا حرج.\nأما النهي عن الاحتباء يوم الجمعة، فهو لأجل أنه يشبه المتكئ فيأتيه النُعاس ولا يسمع الخطبة.","vol":"6","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1000>بَابٌ فِي مَنْعِ الِاسْتِلْقَاءِ عَلَى الظَّهْرِ، وَوَضْعِ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى</span>\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَالِاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَأَنْ يَرْفَعَ الرَّجُلُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى، وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَمْشِ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ، وَلَا تَحْتَبِ فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ، وَلَا تَأْكُلْ بِشِمَالِكَ، وَلَا تَشْتَمِلِ الصَّمَّاءَ، وَلَا تَضَعْ إِحْدَى رِجْلَيْكَ عَلَى الْأُخْرَى إِذَا اسْتَلْقَيْتَ».\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ- يَعْنِي: ابْنَ أَبِي الْأَخْنَسِ- عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَسْتَلْقِيَنَّ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ يَضَعُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى».","vol":"6","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1001>بَابُ فِي إِبَاحَةِ الِاسْتِلْقَاءِ، وَوَضْعِ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى</span>\n\n[٢١٠٠] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى.\n[خ: ٤٧٥]\nحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حميد، قالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nتقدم في الباب السابق: النهي عن الاستلقاء ووضع الرجل على الأخرى، وفي هذا الباب: أن النبي ﷺ استلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى، والجمع بينهما: أن النهي محمول على إذا لم يأمن انكشاف العورة، وأما فعل النبي ﷺ فهو محمول على أنه فعل هذا أحيانًا في المسجد؛ ليستريح من تعب، وليس عنده أحد، وقد أمِن انكشاف العورة.","vol":"6","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1002>بَابُ نَهْيِ الرَّجُلِ عَنِ التَّزَعْفُرِ</span>\n\n[٢١٠١] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَأَبُو الرَّبِيعِ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ التَّزَعْفُرِ. قَالَ قُتَيْبَةُ: قَالَ حَمَّادٌ: يَعْنِي: لِلرِّجَالِ.\n[خ: ٥٨٤٦]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ.\nفي هذا الحديث: النهي عن التزعفُر للرجال.\nوتزعفَر الرجل، يعني: لبس الثوب المُزعفَر، والثوب المُزعفَر هو المصبوغ بالزعفران، والقاعدة أنَّ الأصل في النهي التحريم إلا بصارف يصرِفُه، واختلف العلماء في التزعفُر للرجل؛ فمن العلماء مَن حمل النهي على ظاهره وقال: إنَّ النهي للتحريم، ومنهم مَن حمل النهي على التنزيه، ومنهم مَن قال: يُحمَل النهي على ما إذا كان الصبغ قبل النسج، والجواز على ما إذا كان الصبغ بعد النسج.\nومنهم مَن حمل هذا الحديث على المُحرِم، وقال: إن النهي محمول على المُحرِم؛ لأن الزعفران نوعٌ من الطيب، وليوافِق حديث ابن عمر لما سأله عن ما يلبس المُحرِم؟ قال: «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ، أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٤).","vol":"6","page":197},{"text":"ومنهم مَن قال: حكمه حكم المُعصفَر، وهو الثوب المصبوغ بالعُصفُر، وقد سبق الكلام فيه.","vol":"6","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1003>بَابُ فيِ صِبْغَ الشَّعْرِ، وَتَغْيِيرِ الشَّيْبِ</span>\n\n[٢١٠٢] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ- أَوْ جَاءَ عَامَ الْفَتْحِ، أَوْ يَوْمَ الْفَتْحِ- وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ مِثْلُ الثَّغَامِ- أَوِ الثَّغَامَةِ- فَأَمَرَ- أَوْ فَأُمِرَ بِهِ- إِلَى نِسَائِهِ، قَالَ: «غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ».\nقوله: «وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا»: والثغامة: نبتٌ أبيض اللون، فشبَّه به الشيب.\nوسيأتي الكلام عن مسألة الصَّبغ في الباب القادم.","vol":"6","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1004>بَابُ فِي مُخَالَفَةِ الْيَهُودِ فِي الصَّبْغِ</span>\n\n[٢١٠٣] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحيَى- قَالَ يَحيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ».\n[خ: ٣٤٦٢]\nوفي هذه الأحاديث: أنَّ أبا قُحافة جيء به للنبي ﷺ ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا، فقال ﷺ: «غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ»، وفي اللفظ الآخر: «وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ»، وفي الحديث الثاني: أنَّ النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ»، والأصل في الأوامر الوجوب- كما سبق- والنبي ﷺ أمر بتغيير الشيب، وقال: «غيِّروا هذا»، وكذلك قال في اليهود: «فَخَالِفُوهُمْ»، فاختلف العلماء- أيضًا- في هذا: فمِنهم مَن قال: إن الأمر بالتغيير للاستحباب، وكذلك الأمر بمخالفة أهل الكتاب، وكأن الصارِف- والله أعلم- للأمر عن الوجوب ما يُرَى من بعض الصحابة من التأخُّر عن الصبغ، ولم يُنكِر عليهم النبي ﷺ، أو أنَّ هذا من الآداب.\nوالصبغ يكون بالأحمر الخالص كالحناء، أو بالصُفرة، أو بالحناء والكتم، وجاء في الحديث ما يدل على أنَّ الصبغ بالحناء والكتم أفضل (^١)، وجاء- أيضًا- عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄ أنهما خضبا بالحناء والكَتَم (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢١٣٠٧)، وأبو داود (٤٢٠٥)، والترمذي (١٧٥٣)، والنسائي (٥٠٧٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٩٢٠)، ومسلم (٢٣٤١).","vol":"6","page":200},{"text":"والكتَم: بفتح التاء المثناة من فوق المخففة -وقيل بتشديد التاء-، نبات يصبغ به الشعر يكثر بياضه أو حمرته إلى الدهمة، وقيل: هو حناء قريش (^١).\nوفيها: النهي عن الصبغ بالسواد، والأصل في النهي التحريم، وهذا هو الظاهر، وهو الذي رجَّحه النووي (^٢)، وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنَّ النهي للتنزيه، وليس للتحريم، وجاء عن بعض السلف أنه خضب بالسواد، وقد روي عن الحسن والحسين وعن عثمان هذا (^٣)، وهذا إن صح فقد يُحمَل على أنه لم يبلغهما النهي، أو أنهم تأولوا، والأقرب- والله أعلم- أن تغيير الشيب سنة، وهذه المسألة تحتاج إلى جمع الأدلة والنظر فيها بتأنٍ وتمعنٍ.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٥/ ٩٥ - ٩٦).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٤/ ٨٠).\n(^٣) زاد المعاد، لابن القيم (٤/ ٣٣٧).","vol":"6","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1005>بَابُ لا تَدْخُلُ الْمَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلبٌ ولَا صُورةٌ</span>\n\n[٢١٠٤] حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: وَاعَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلُ ﵇ فِي سَاعَةٍ يَأْتِيهِ فِيهَا، فَجَاءَتْ تِلْكَ السَّاعَةُ، وَلَمْ يَأْتِهِ، وَفِي يَدِهِ عَصًا، فَأَلْقَاهَا مِنْ يَدِهِ، وَقَالَ: «مَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَلَا رُسُلُهُ»، ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، مَتَى دَخَلَ هَذَا الْكَلْبُ هَاهُنَا؟»، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا دَرَيْتُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَاعَدْتَنِي، فَجَلَسْتُ لَكَ، فَلَمْ تَأْتِ، فَقَالَ: مَنَعَنِي الْكَلْبُ الَّذِي كَانَ فِي بَيْتِكَ؛ إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ».\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: أَنَّ جِبْرِيلَ وَعَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يُطَوِّلْهُ كَتَطْوِيلِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ.\nقوله: «جِرْوُ»: ولد الكلب الصغير، يقال له: جِرو وجَرو.\nوفي هذا الحديث: دليل على أنَّ الملائكة لا تدخل البيت الذي فيه كلب ولا صورة، والمراد: ملائكة الرحمة، أما الحَفَظَة والكَتَبَة فإنهم لا يُفارِقون الإنسان.\nوالحكمة في ذلك: قيل: لأن الكلب شيطان، وقيل: لأنه نجس وله رائحة كريهة، وأنه منهي عن اقتنائه.\nوكذلك الصورة؛ لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة؛ لِمَا فيها من المضاهاة لخلق الله، كما سيأتي من الحكمة في تحريمها.","vol":"6","page":202},{"text":"[٢١٠٥] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ السَّبَّاقِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا، فَقَالَتْ مَيْمُونَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدِ اسْتَنْكَرْتُ هَيْئَتَكَ مُنْذُ الْيَوْمِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِي اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَلْقَنِي، أَمَا وَاللَّهِ مَا أَخْلَفَنِي»، قَالَ: فَظَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَهُ ذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ فُسْطَاطٍ لَنَا، فَأَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً، فَنَضَحَ مَكَانَهُ فَلَمَّا أَمْسَى لَقِيَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ: «قَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي أَنْ تَلْقَانِي الْبَارِحَةَ؟ قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ»، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ حَتَّى إِنَّهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِ كَلْبِ الْحَائِطِ الصَّغِيرِ، وَيَتْرُكُ كَلْبَ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ.\nقوله: «أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا»: يعني: منقبضًا، والواجِم قيل: هو الحزين، وقيل: الساكت الذي تظهر عليه السآمة والهم.\nوقوله: «ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ فُسْطَاطٍ لَنَا»: وجاء في رواية أخرى: «وَكَانَ ذَلِكَ الكَلْبُ جَرْوًا لِلْحَسَنِ، أَوِ الحُسَيْنِ» (^١)، فأمر به النبي ﷺ فأُخرِج، فلقيَه جبريل، وفي رواية لحديث ميمونة: فظل يومه على ذلك، ثم وقع في نفسه جرو كلب فأمر به فأخرج، ثم أخذ بيده ماء فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل، وزاد فيه الأمر بقتل الكلاب (٥).\nوحديث أبي هريرة في السنن وصححه الترمذي وابن حبان وهو أتم سياقًا منه، ولفظه: «أتاني جبريل فقال: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٠١٩٣)، والترمذي (٢٨٠٦).","vol":"6","page":203},{"text":"وكان في البيت كلب، فمُر برأس التمثال الذي على باب البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومُر بالستر فليقطع فليجعل منه وسادتين منبوذتين توطآن، ومر بالكلب فليخرج، ففعل رسول الله ﷺ» (^١). وفي رواية النسائي: «إما أن تقطع رءوسها أو تجعل بسطا توطأ» (^٢).\nوفي هذا الحديث: أنَّ النبي ﷺ أمر بمكانه فنضح بالماء، واحتُجَّ به على نجاسة الكلب، وأما المالكية فإنهم يرون أن الكلب طاهر (^٣)؛ ولذا تأولوا هذا الحديث على أنه لعله كان يخشى أن يكون قد حصل منه روث، أو بول، ومن المعلوم: أن الكلب إذا كان يابسًا، وليس فيه رطوبة فالنجاسة اليابسة لا تؤثِّر، فيحتمل أنه نضحه لأجل ما حصل من رطوبة لُعابِه، أو شيءٍ من ذلك.\nوفيه: أن الملائكة لا تدخل البيت الذي فيه كلب، أو صورة.\nوفيه: أنَّ النبي ﷺ أمر بقتل الكلاب، وهذا كان أولًا، ثم نُسِخَ الأمر بقتلها، حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير دون الكبير؛ لأن الحائط الصغير لا حاجة إلى بقاء الكلب فيه، فيستطيع صاحبه أن يلاحظه، بخلاف الحائط الكبير.\nومن العلماء مَن قال: يستثنى الكلب الذي يجوز اقتناؤه، فلا يمنع من دخول الملائكة، وقيل: إنه عام، فكل كلب يمنع من دخول الملائكة.\nوأما الصورة فإذا كانت لها ظل كالصورة المجسَمَّة من الخشب، أو من غيره، فهذه حرامٌ بالإجماع؛ وتمنع دخول الملائكة، أما إذا كانت الصورة ليس لها ظل كالصور التي في الورق، أو في القماش فقد أباحها بعض العلماء، وهو قولٌ ضعيف مردود.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤١٥٨)، والترمذي (٢٨٠٦)، والنسائي (٥٣٦٥).\n(^٢) أخرجه النسائي (٥٣٦٥).\n(^٣) المعونة، لأبي محمد عبد الوهاب (ص ١٨٠).","vol":"6","page":204},{"text":"والصواب الذي عليه الجمهور: المنع- أيضًا كما سيأتي-؛ لأن الستر الذي هتكهُ النبي ﷺ لم يكن له ظل، ومن ذلك: الصورة الفوتوغرافية.\nأما اقتناء الصورة؛ فإن كانت الصورة مُمتهنَة كأن تُوطأ في الفُرُش والبِساط فالأقرب أنَّها جائزة ولا تمنع دخول الملائكة، وأما إذا كانت مُعلَّقَة، أو في الثياب فهذه محرمة لا يجوز اقتناؤها.\n\n[٢١٠٦] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ يَحيَى وَإِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقال الآخران: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ».\n[خ: ٣٢٢٦]\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحيَى، قالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا طَلْحَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ».\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ، وَذِكْرِهِ الْإِخْبَارَ فِي الْإِسْنَادِ.\nقوله: «الْإِخْبَارَ»: بكسر الهمزة، والمعنى: أن الزهري قال في حديثه: أخبرني كما قال يونس أخبرني في إسناده، فكذلك قال معمر عن الزهري أخبرني، لا بالعنعنة، كما في إسناد يونس عن الزهري.","vol":"6","page":205},{"text":"حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ- صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ».\nقَالَ بُسْرٌ: ثُمَّ اشْتَكَى زَيْدٌ بَعْدُ فَعُدْنَاهُ، فَإِذَا عَلَى بَابِهِ سِتْرٌ فِيهِ صُورَةٌ، قَالَ: فَقُلْتُ- لِعُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ- رَبِيبِ مَيْمُونَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ-: أَلَمْ يُخْبِرْنَا زَيْد عَنِ الصُّوَرِ يَوْمَ الْأَوَّلِ، فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَلَمْ تَسْمَعْهُ حِينَ قَالَ: «إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ؟ !».\n[خ: ٣٢٢٦]\nحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ الْأَشَجّ حَدَّثَهُ أَنَّ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ حَدَّثَهُ- وَمَعَ بُسْرٍ عُبَيْدُ اللَّهِ الْخَوْلَانِيُّ- أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ».\nقَالَ بُسْرٌ: فَمَرِضَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ فَعُدْنَاهُ، فَإِذَا نَحْنُ فِي بَيْتِهِ بِسِتْرٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَقُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ: أَلَمْ يُحَدِّثْنَا فِي التَّصَاوِيرِ، قَالَ: إِنَّهُ قَالَ: إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ، أَلَمْ تَسْمَعْهُ؟ ! قُلْتُ: لَا، قَالَ: بَلَى قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ.\nقوله: «إلَّا رَقْمًا فِي ثَوبٍ»: تعلَّق به بعض مَن أجاز الصورة إذا كانت في الورق، أو في الثوب، ولكن يُجاب عنه بأحد جوابين:\nالأول: أن يُقال: لعل المراد بالرقم هنا: النقوش والخطوط، أو أنها صور غير ذوات الأرواح كالشجر، وما أشبه ذلك.\nوالثاني: أنه لعله لم يعلم أنه كان على بابه ستر؛ فبذلك يكون معذورًا.","vol":"6","page":206},{"text":"حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِح عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَبِي الْحُبَابِ- مَوْلَى بَنِي النَّجَّارِ- عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا تَمَاثِيلُ».\n\n[٢١٠٧] قَالَ: فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا يُخْبِرُنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا تَمَاثِيلُ»، فَهَلْ سَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكُمْ مَا رَأَيْتُهُ فَعَلَ، رَأَيْتُهُ خَرَجَ فِي غَزَاتِهِ، فَأَخَذْتُ نَمَطًا، فَسَتَرْتُهُ عَلَى الْبَابِ، فَلَمَّا قَدِمَ فَرَأَى النَّمَطَ عَرَفْتُ الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِهِ، فَجَذَبَهُ حَتَّى هَتَكَهُ، أَوْ قَطَعَهُ، وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ»، قَالَتْ: فَقَطَعْنَا مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ، وَحَشَوْتُهُمَا لِيفًا، فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيَّ.\n[خ: ٥٩٥٤]\nقوله: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ»: فيه: كراهة كسوة الحجارة والطين.\nوفي هذا الحديث: إنكار المنكر باليد مع القدرة عليه؛ لأن النبي ﷺ هتَكَه وقطَّعهُ، ولأن هذا هو الأصل، كما جاء في حديث أبي سعيد قوله ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» (^١).\nوفيه: أن الصورة إذا كانت في قماش، وقُطِع قطعتين زال المحظور؛ ولهذا قطعته عائشة قطعتين، وجعلت كل قطعة في وسادة وحشتهما، فلم يُنكِر ذلك عليها النبي ﷺ؛ لأنه بذلك قد زال حكم الصورة.\nوفيه: الرد على مَن قال: إن الصورة التي ليس لها ظل جائزة، فهذه لم\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٩).","vol":"6","page":207},{"text":"يكن لها ظل.\nواستثنى بعضهم لُعب البنات حتى المُجسَّم، وقال بعضهم: إنَّه كان مباحًا أولًا ثم نسخ، واللُعب التي جاءت في قصة عائشة ليست من جنس الصور الموجودة الآن، فقد كان الناس يأتون بعظم مثلًا ويُلبِّسونه خِرَقًا ويجعلونه على صورة رجل، أو على صورة امرأة، أما الصور الموجودة الآن فإنها تخالف اللُّعب القديمة المذمورة آنفا؛ فإنها تحاكي الآدميين في الهيئة والكلام والضحك والبكاء والحركة، فينبغي منعها؛ لما فيها من مظاهاة خلق الله، والافتتان بها.\nوالتصوير محرَّم على أي وجهٍ كان، سواء كان التصوير مجسَّما، أو غير مجسَّم، والصور الفوتوغرافية يُستثنَى منها الضرورة التي يُحتاج إليها، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾، مثل: صور الأوراق النقدية، وصورة تحقيق الشخصية، ورخصة قيادة السيارة، وجواز السفر، ويستثنى منها- أيضًا- صور المجرمين حتى يُقبَض عليهم، وما عدا ذلك يكون ممنوعًا.\nولكن بعض الناس لا يُبالي، فيقتني الصور ويُصوِّر نفسه وأولاده ويجعلها في برواز، ويجعلها أمام الداخل بيته، ويقول: هذه للذكرى.\nوإن قوم نوح ما عبدوا الأصنام إلا بسبب صور للذكرى؛ فإنه لما مات عدد من الصالحين منهم قالوا: نصورهم حتى نتذكر عبادتهم، فلما طال عليهم الأمد عبدوهم، فعن ابن عباس ﵄ أنه قال: «صَارَتِ الأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي العَرَبِ بَعْدُ أَمَّا وَدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ، ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ، عِنْدَ سَبَإٍ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الكَلاعِ، أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ، أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ","vol":"6","page":208},{"text":"تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ» (^١).\nوقال ابن القيم ﵀: «قال ابن جرير: وكان من خبر هؤلاء فيما بلغنا ما حدثنا به ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسرًا كانوا قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورّناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم» (^٢).\nولمنع التصوير حِكم:\nمنها: أنها من أسباب الشرك، كما في هذا الحديث.\nومنها: أن فيها المضاهاة لخلق الله.\nومنها: أن أصحاب الصور يُعذَّبون، ويُقال لهم: أحيوا ما خلقتم، كما سيأتي ذلك في الأحاديث.\nومن العلماء المعاصرين مَن أباح الصور الفوتوغرافية، وقال: إنَّ هذه ليست صورة، وإنما هي حبسٌ للظل، بينما الصورة هي التي يصورها الإنسان بيده وينقشها، ولكن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ يرى أنَّ التحريم عام حتى في الصورة الفوتوغرافية.\nومن الأدلة على العموم: حديث علي ﵁ أنه قال لأبي هيَّاج الأسدي: «أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ ! أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ» (^٣)، والطمس إنما يكون في الصورة التي ليس لها ظل وهي التي تكون على الورق.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٩٢٠).\n(^٢) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ١٨٣).\n(^٣) أخرجه مسلم (٩٦٩).","vol":"6","page":209},{"text":"ومن القواعد الأصولية: أنَّ النكرة في سياق النفي، أو النهي، أو الشرط تعُم، وهنا كلمة صورة جاءت نكرة في قوله: «أن لا تدع صورةً» وسبقها نهي فهي تعُم أي صورة، مجسمة أو غير مجسمة، فوتوغرافية أو غير فوتوغرافية.\nوالمراد بالصورة: ما فيه الوجه والرأس، فإذا قُطِعَ الوجه والرأس زال المحظور؛ سواء كانت مُجسَّمة أو غير مُجسمة؛ لأنه لا يعيش إنسان بدون رأس، ولا يكفي وضع خط على الحلق مثل ما يفعل بعض الناس، بل لا بد من أن يُطمس الرأس كاملًا أو يُقطع.\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَزْرَةَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ لَنَا سِتْرٌ فِيهِ تِمْثَالُ طَائِرٍ، وَكَانَ الدَّاخِلُ إِذَا دَخَلَ اسْتَقْبَلَهُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «حَوِّلِي هَذَا، فَإِنِّي كُلَّمَا دَخَلْتُ فَرَأَيْتُهُ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا»، قَالَتْ: وَكَانَتْ لَنَا قَطِيفَةٌ، كُنَّا نَقُولُ: عَلَمُهَا حَرِيرٌ، فَكُنَّا نَلْبَسُهَا.\nوحدثينيه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى وَزَادَ فِيهِ- يُرِيدُ عَبْدَ الْأَعْلَى-: فَلَمْ يَأْمُرْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِهِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ سَفَرٍ، وَقَدْ سَتَّرْتُ عَلَى بَابِي دُرْنُوكًا فِيهِ الْخَيْلُ ذَوَاتُ الْأَجْنِحَةِ، فَأَمَرَنِي فَنَزَعْتُهُ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ عَبْدَةَ: قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ.\nقوله: «الدُّرْنُوك»: هو الستر من القماش.\n\nوفي هذا الحديث: أنَّ هذا التمثال فيه صورة؛ لذلك قال النبي ﷺ: «حوِّلِي هَذَا»؛ فالتمثال يُذكِّر بالدنيا، وهذا- والله أعلم- كان قبل التحريم؛","vol":"6","page":210},{"text":"فلهذا أمر بالتحويل، ولم يأمر بالطمس، بخلاف النمط الأول فإنه هَتَكَهُ.\nحَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مُتَسَتِّرَةٌ بِقِرَامٍ فِيهِ صُورَةٌ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ فَهَتَكَهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ».\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا، بِمِثْلِ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ أَهْوَى إِلَى الْقِرَامِ فَهَتَكَهُ بِيَدِهِ.\nوَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا، لَمْ يَذْكُرَا: مِنْ.\nقولها: «الْقِرَامِ»: هو الستر الرقيق.\nوفي هذا الحديث: دليل على أنه ينبغي للإنسان أن تظهر عليه علامات الإنكار؛ حتى يعلم العاصي أنَّ هذا منكر، ولهذا تلوَّن وجه النبي ﷺ ثم غيَّر المنكر بيده.\nوفيه: وجوب التغيير باليد مع القدرة، فإن كان لا يستطيع، أو يترتب على هذا مفسدة أكبر فينتقل إلى التغيير باللسان، فإن عجز أنكر بقلبه بأن يكره هذا المنكر، ولا يجلس في المكان الذي فيه.\nوفيه: دليل على أنَّ التصوير من الكبائر؛ ولهذا قال: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ».","vol":"6","page":211},{"text":"وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرَامٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَلَمَّا رَآهُ هَتَكَهُ، وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، وَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ؛ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَطَعْنَاهُ، فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً، أَوْ وِسَادَتَيْنِ».\nقولها: «سَهْوَةً»: السَهْوة- بفتح السين وسكون الهاء: صُفَّة، وقيل: خزانة أو رف أو طاق جعلت عليه سترة.\nقولها: «فَلَمَّا رَآهُ هَتَكَهُ»: أي: شقه ونزعه.\nقولها: «فَقَطَعْنَاهُ، فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً، أَوْ وِسَادَتَيْنِ»: أي: شقته خرقتين، خرقة على وسادة وخرقة على أخرى «فَكَانَتَا فِي البَيْتِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا» (^١) وأزالت أثر التماثيل.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهُ كَانَ لَهَا ثَوْبٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ مَمْدُودٌ إِلَى سَهْوَةٍ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي إِلَيْهِ، فَقَالَ: «أَخِّرِيهِ عَنِّي»، قَالَتْ: فَأَخَّرْتُهُ فَجَعَلْتُهُ وَسَائِدَ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٧٩).","vol":"6","page":212},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيَّ وَقَدْ سَتَرْتُ نَمَطًا فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَنَحَّاهُ، فَاتَّخَذْتُ مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ.\nوَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- أَنَّهَا نَصَبَتْ سِتْرًا فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَعَهُ قَالَتْ: فَقَطَعْتُهُ وِسَادَتَيْنِ، فَقَالَ رَجُلٌ- فِي الْمَجْلِسِ حِينَئِذٍ- يُقَالُ لَهُ رَبِيعَةُ بْنُ عَطَاءٍ- مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ-: أَفَمَا سَمِعْتَ أَبَا مُحَمَّدٍ يَذْكُرُ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْتَفِقُ عَلَيْهِمَا؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا، قَالَ: لَكِنِّي قَدْ سَمِعْتُهُ- يُرِيدُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ.\nحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ، فَعَرَفْتُ- أَوْ فَعُرِفَتْ- فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ، فَمَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟»، فَقَالَتْ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ تَقْعُدُ عَلَيْهَا، وَتَوَسَّدُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ».\n[خ: ٢١٠٥]\nقولها: «يرتفق عليهما»، أي: يتكئ عليهما، ومن ذلك المرفقة؛ لأن المتكئ يضع مرفقه عليها.\nقولها: «وَتَوَسَّدُهَا»، يعني: تتوسدُها، على حذف إحدى التاءين.\nوقوله: «مَا بَالُ هَذَهِ النُّمْرُقَةِ»: النُمرُقةُ: نوع من القماش.\nوفي هذا الحديث: أن التوبة تكون لله، وتكون للمخلوق؛ تكون","vol":"6","page":213},{"text":"للمخلوق في تقسيم الحق؛ ولهذا قالت: أتوب إلى الله وإلى رسوله، يعني: أتوب إلى الله من الذنب من المعصية، وأتوب إليك يا رسول الله، من التقصير في حقك.\nوالتوبة: هي الرجوع والندم على ما مضى.\nوفيه: الوعيد الشديد على المُصوِّرين، وأنهم يُعذَّبون يوم القيامة.\nوفيه: أنه يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وهذا أمر تعجيز للتعذيب؛ لأنهم لا يستطيعون، وفي الحديث: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ!»)، وهذا من باب التعجيز له.","vol":"6","page":214},{"text":"وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْح عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حدثنا أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَخِي الْمَاجِشُونِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَبَعْضُهُمْ أَتَمُّ حَدِيثًا لَهُ مِنْ بَعْضٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَخِي الْمَاجِشُونِ قَالَتْ: فَأَخَذْتُهُ فَجَعَلْتُهُ مِرْفَقَتَيْنِ فَكَانَ يَرْتَفِقُ بِهِمَا فِي الْبَيْتِ.\n\n[٢١٠٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الَّذِينَ يَصْنَعُونَ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ».\n[خ: ٥٩٥١]\nحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ، قالا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ-.ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا الثَّقَفِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِع، عَن ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\n\n[٢١٠٩] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قال رسول اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْمُصَوِّرُونَ».\nوَلَمْ يَذْكُرْ الْأَشَجُّ: «إِنَّ».\n[خ: ٥٩٥٠]\nوَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ،","vol":"6","page":215},{"text":"بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي رِوَايَةِ يَحيَى، وَأَبِي كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابًا: الْمُصَوِّرُونَ»، وَحَدِيثُ سُفْيَانَ كَحَدِيثِ وَكِيعٍ.\nوَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ مَسْرُوقٍ فِي بَيْتٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ مَرْيَمَ، فَقَالَ مَسْرُوقٌ: هَذَا تَمَاثِيلُ كِسْرَى؟ فَقُلْتُ: لَا، هَذَا تَمَاثِيلُ مَرْيَمَ، فَقَالَ مَسْرُوقٌ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قال رسول اللَّهِ ﷺ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْمُصَوِّرُونَ».\n\n[٢١١٠] قَالَ مُسْلِم: قَرَأْتُ عَلَى نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيِّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ، فَأَفْتِنِي فِيهَا؟ فَقَالَ لَهُ: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، قَالَ: أُنَبِّئُكَ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا، فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ. وقَالَ: إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاصْنَعِ الشَّجَرَ، وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ، فَأَقَرَّ بِهِ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ».\n[خ: ٢٢٢٥]\nفي هذا الحديث: دليل على أنه لا بأس بالصورة إذا لم يكن لها روح، أما التي لها روح فهي محرمة، سواء كانت صورة إنسان، أو حيوان، أو حشرة، أو حوت، أما ما لا روح له فلا بأس به، فيصور الإنسان بحارًا، وأنهارًا، وطائراتٍ وسياراتٍ، وأشجارًا ولو كانت مثمرةً، وروي عن مجاهد أنه منع من تصوير الشجر الذي له ثمر، لكن هذا قول ضعيف.","vol":"6","page":216},{"text":"وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَجَعَلَ يُفْتِي، لا يَقُولُ: قال رسول اللَّهِ ﷺ، حَتَّى سَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: ادْنُهْ، فَدَنَا الرَّجُلُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ!».\nحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قالا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حدثنا أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\n\n[٢١١١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ- قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي دَارِ مَرْوَانَ، فَرَأَى فِيهَا تَصَاوِيرَ، فَقَالَ: سمعت رسول اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً».\n[خ: ٥٩٥٣]\nوحدثينيه زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو هُرَيْرَةَ دَارًا تُبْنَى بِالْمَدِينَةِ لِسَعِيدٍ، أَوْ لِمَرْوَانَ، قَالَ: فَرَأَى مُصَوِّرًا يُصَوِّرُ فِي الدَّارِ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: «أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً».\n\n[٢١١٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال رسول اللَّهِ ﷺ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ تَمَاثِيلُ، أَوْ تَصَاوِيرُ».\nقوله: «فَرَأَى مُصَوِّرًا يُصَوِّرُ»: فيه: أن الشر قديم.","vol":"6","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1006>بَابُ كَرَاهَةِ الْكَلْبِ وَالْجَرَسِ فِي السَّفَرِ</span>\n\n[٢١١٣] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُفَضَّلٍ- حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ، وَلَا جَرَسٌ».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\n\n[٢١١٤] وَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ».\nفي هذا الحديث: بيان الحكمة في النهي عن الجرس، وأنه من مزامير الشيطان، ولا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا جرس.\nوقد وُجِدَت عدة أجراس؛ كجرس الباب، وجرس الساعة، وجرس الجوال، فهل لا تصحب الملائكة من معه جوال إذا كان فيه جرس؟ الأقرب- والله أعلم- أنَّه إذا كان جرسًا عاديًّا فلا يُمنع، أما إذا كان جرسًا فيه صوت المزمار، أو ما يسمونه الآن نغمة موسيقية؛ فيُمنع لأن هذا من مزمار الشيطان.","vol":"6","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1007>بَابُ كَرَاهَةِ قِلَادَةِ الْوَتَرِ فِي رَقَبَةِ الْبَعِيرِ</span>\n\n[٢١١٥] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ أَنَّ أَبَا بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، قَالَ: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَسُولًا- قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ-: «لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ- أَوْ: قِلَادَةٌ- إِلَّا قُطِعَتْ». قَالَ مَالِكٌ: أُرَى ذَلِكَ مِنَ الْعَيْنِ.\n[خ: ٣٠٠٥]\nقوله: «قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ- أَوْ: قِلَادَةٌ»: شك من الراوي.\nوقوله: «أُرَى»: بضم الهمزة، أي: أظن أن النهي مختص بمن فعل ذلك بسبب رفع ضرر العين، وأما مَن فعله لغير ذلك من زينة، أو ليقود البعير به فلا بأس بها.","vol":"6","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1008>بَابُ النَّهْيِ عَنْ ضَرْبِ الْحَيَوَانِ فِي وَجْهِهِ، وَوَسْمِهِ فِيهِ</span>\n\n[٢١١٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْوَجْهِ، وَعَنِ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ.\nوَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِهِ.\n\n[٢١١٧] وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَيْهِ حِمَارٌ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الَّذِي وَسَمَهُ».\n\n[٢١١٨] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ نَاعِمًا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ- مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ- حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا مَوْسُومَ الْوَجْهِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، قَالَ: «فَوَاللَّهِ لَا أَسِمُهُ إِلَّا فِي أَقْصَى شَيْءٍ مِنَ الْوَجْهِ». فَأَمَرَ بِحِمَارٍ لَهُ فَكُوِيَ فِي جَاعِرَتَيْهِ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَوَى الْجَاعِرَتَيْنِ.\nقوله: «فَكُوِيَ فِي جَاعِرَتَيْهِ»: الجاعرتان هما: حرفان مشرفان على الدبر، وهذا أبعد شيء عن الوجه.\nفي هذه الأحاديث: النهي عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه، والنهي هنا للتحريم، بل إنه من الكبائر؛ لأن النبي ﷺ لعن من فعل ذلك، ويُنكر الضرب في الوجه؛ لأن الوجه مجمع المحاسن، ولأنه يظهر فيه الشين سريعًا، فلا يجوز ضرب وجه الآدمي، ولا وجه الحيوان، فقد","vol":"6","page":220},{"text":"جاء في الحديث الآخر: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِب الْوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» (^١).\nوكذلك وسم الحيوان في الوجه، والوسم هو أن يجعل فيه علامة، بأن تُحمى حديدة في النار ثم يُلسع بها مكانٌ من الحيوان، لتكون علامة لأهل القبيلة، أو علامة لفلان أن هذه إبله، أو هذه غنمه، ويجوز أن يوسم في مكان ليس فيه ضرر كالفخذ مثلًا، أو كالأذن، أو ما أشبه ذلك.\nوهذا الوسم وإن كان فيه نوع من التعذيب إلا أنه مستثنى للمصلحة، مثل: ثقب آذان البنات الصغيرات؛ لأجل الحلي، فهذا فيه إيذاء لهن، لكنه مستثنى لأجل المصلحة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦١٢).","vol":"6","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1009>بَابُ جَوَازِ وَسْمِ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ فِي غَيْرِ الْوَجْهِ، وَنَدْبِهِ فِي نَعَمِ الزَّكَاةِ، وَالْجِزْيَةِ</span>\n\n[٢١١٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا وَلَدَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ، قَالَتْ لِي: يَا أَنَسُ، انْظُرْ هَذَا الْغُلَامَ، فَلَا يُصِيبَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُحَنِّكُهُ، قَالَ: فَغَدَوْتُ، فَإِذَا هُوَ فِي الْحَائِطِ، وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ جَوْنِيَةٌ، وَهُوَ يَسِمُ الظَّهْرَ الَّذِي قَدِمَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ.\n[خ: ٥٨٢٤]\nقوله: «وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ جَوْنِيَةٌ»: الخميصة كساء، أو قماش فيه أعلام، وهي نسبة إلى: حوتية، وحونية، وجونية، وحوثية- فيها وجوه- وقد تكون منسوبة إلى قبيلة، أو إلى المكان الذي نُسجت فيه.\nوفي هذا الحديث: تواضع النبي ﷺ؛ حيث إنه باشر الوسم بنفسه ﵊.\nوفيه: تعليمه ﷺ للأمة وللرؤساء أن يباشروا أعمالهم بأنفسهم.\nوفيه: العناية بأموال الدولة وأموال المسلمين؛ لهذا فإنه وسم إبل الصدقة؛ لأنها للمسلمين حتى لا تضيع ولا تختلط بغيرها.\nوفيه: أنه لا بأس بلبس الثوب المخطط الذي فيه علامة، إذا لم يكن فيه تشبه بالنساء.\nوفيه: التبرك به ﵊، فقد كان الصحابة يأتون بأطفالهم ليحنكهم النبي، يعني: يدلك الحنك بالتمر، وكان النبي يمضغه، ثم يضعه في فم الصبي حتى يكون في فمه ما باشره النبي ﷺ.\nوالتحنيك ليس خاصًّا به، لكن التبرك خاص به ﵊.","vol":"6","page":222},{"text":"أما قول النووي وغيره في التبرك بالصالحين (^١)، فهذا خطأ؛ لأن الصحابة لم يتبركوا بأبي بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين، لأن هذا من وسائل الشرك.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يُحَدِّثُ: أَنَّ أُمَّهُ حِينَ وَلَدَتِ انْطَلَقُوا بِالصَّبِيِّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُحَنِّكُهُ، قَالَ: فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ فِي مِرْبَدٍ يَسِمُ غَنَمًا. قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْثَرُ عِلْمِي أَنَّهُ قَالَ: «فِي آذَانِهَا».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِرْبَدًا وَهُوَ يَسِمُ غَنَمًا- قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ-: «فِي آذَانِهَا».\nوحدثينيه يَحيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ وَيَحيَى، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُ فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمِيسَمَ، وَهُوَ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ.\nقوله «فِي آذَانِهَا»: لأن الغنم توسم في آذانها؛ والأذن من الرأس، وليست من الوجه، والمربد: مكان حبس الغنم.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٥/ ١٦١).","vol":"6","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1010>بَابُ كَرَاهَةِ الْقَزَعِ</span>\n\n[٢١٢٠] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي يَحيَى- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْقَزَعِ، قَالَ: قُلْتُ لِنَافِعٍ: وَمَا الْقَزَعُ؟ قَالَ: يُحْلَقُ بَعْضُ رَأْسِ الصَّبِيِّ، وَيُتْرَكُ بَعْضٌ.\n[خ: ٥٩٢٠]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حدثنا أَبِي قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَجَعَلَ التَّفْسِيرَ فِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ قَوْلِ عُبَيْدِ اللَّهِ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُثْمَانَ الْغَطَفَانِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ نَافِعٍ. ح وَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا رَوْحٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ، بِإِسْنَادِ عُبَيْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ، وَأَلْحَقَا التَّفْسِيرَ فِي الْحَدِيثِ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَعَبْدُ بْنُ حميد عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّرَّاجِ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ.\nفي هذا الحديث: النهي عن القزع، والقزع هو: حلق بعض الرأس، وترك البعض، وفي غير صحيح مسلم أن النبي ﷺ رأى صبيًّا قد حلق بعض رأسه، فقال: «احْلِقُوهُ كُلَّهُ، أَوِ اتْرُكُوهُ كُلَّهُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤١٩٥)، والنسائي (٥٠٤٨).","vol":"6","page":224},{"text":"فإذا حلق مقدم الرأس، أو مؤخر الرأس، أو جانبًا من الجوانب فكل هذا منهي عنه.\nومشهور عند بعض العلماء أن النهي للتنزيه، ولكن الأصل في القاعدة: أن النهي للتحريم إلا بصارف.\nوالقص غير الحلق، فلا يدخل في النهي.\nولكن التشبه محرم، فلا يجوز التشبه سواء في الحلق أو في قص قصات فيها تشبه بالكفار، قال ﷺ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (^١).\nولكن إذا كان الحلق لعلاج فلا بأس به.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥١١٤)، وأبو داود (٤٠٣١).","vol":"6","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1011>بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْجُلُوسِ فِي الطُّرُقَاتِ، وَإِعْطَاءِ الطَّرِيقِ حَقَّهُ</span>\n\n[٢١٢١] حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ!»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا، نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ»، قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ».\n[خ: ٢٤٦٥]\nوَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ- يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ- كِلَاهُمَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nفي هذا الحديث: دليل على أنه لا بد من إعطاء الطريق حقه لمن يجلس فيه، وإلا فليجلس في بيته، فإذا جلس في الطريق كأن يجلس في دكان، أو في شارع فلا بد أن يعطي الطريق حقه، وقد بين النبي صلى الله عليه سلم حق الطريق، وهو: غض البصر، فإذا مرت امرأة يغض بصره، ورد السلام إذا سلم عليه أحد، وكف الأذى فلا يؤذي أحدًا، لا بقول، ولا بفعل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا رأى منكرًا ينهى عنه، ويأمر بالمعروف، فهذه بعض حقوق الطريق.","vol":"6","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1012>بَابُ تَحْرِيمِ فِعْلِ الْوَاصِلَةِ وَالْمُسْتَوْصِلَةِ، وَالْوَاشِمَةِ وَالْمُسْتَوْشِمَةِ، وَالنَّامِصَةِ وَالْمُتَنَمِّصَةِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ وَالْمُغَيِّرَاتِ خَلْقِ اللَّهِ</span>\n\n[٢١٢٢] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي ابْنَةً عُرَيِّسًا أَصَابَتْهَا حَصْبَةٌ فَتَمَرَّقَ شَعْرُهَا، أَفَأَصِلُهُ؟ فَقَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ».\n[خ: ٥٩٤١]\nحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي وَعَبْدَةُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، أَخْبَرَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ غَيْرَ أَنَّ وَكِيعًا وَشُعْبَةَ فِي حَدِيثِهِمَا: فَتَمَرَّطَ شَعْرُهَا.\nوَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ امْرَأَةً أَتَت النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَتْ: إِنِّي زَوَّجْتُ ابْنَتِي فَتَمَرَّقَ شَعَرُ رَأْسِهَا، وَزَوْجُهَا يَسْتَحْسِنُهَا، أَفَأَصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَنَهَاهَا.\nقولها: «إِنَّ لِي ابْنَةً عُرَيِّسًا»: العُرَيِّس: تصغير عَرُوس، والعروس يطلق على الرجل وعلى المرأة، وهو المتزوج حديثًا.\nوقولها: «أَصَابَتْهَا حَصْبَةٌ»: الحصبة: مرض معروف يصيب الأطفال- في الغالب- وقد يصيب الكبار.\nوقولها: «فَتَمَرَّقَ شَعْرُهَا» - بالراء المشددة-، أي: تساقط، يقال تمزَّق،","vol":"6","page":227},{"text":"وتمرَّق، وتمرَّط، وتساقط.\nوفيه: دليل على تحريم وصل الشعر، وأنه من الكبائر؛ لأن النبي ﷺ لعن الواصلة والمستوصلة، فقال: «لعن الله الواصلة، والمستوصلة».\nوالواصلة هي: التي تصل الشعر بغيره، والمستوصلة التي يُفعل بها ذلك، وسواء كان وصل الشعر بشعر، أو بخرق، أو بخيوط؛ لأن هذا من الزور؛ لكونها تصل الشعر بالشعر؛ ليتوهم أن هذا شعرها، وهو ليس شعرها.\nويستثنى من ذلك: الخيوط الصغيرة التي يُربط بها أطراف الشعر، وهن يسمينه بالقرامل؛ لئلَّا يُنتقضَ الشعر.","vol":"6","page":228},{"text":"[٢١٢٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قالا: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ مُسْلِمٍ يُحَدِّثُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ جَارِيَةً مِنْ الْأَنْصَارِ تَزَوَّجَتْ، وَأَنَّهَا مَرِضَتْ فَتَمَرَّطَ شَعَرُهَا، فَأَرَادُوا أَنْ يَصِلُوهُ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ: فَلَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ.\n[خ: ٥٢٠٥]\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَافِعٍ، أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَنَّاقَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ زَوَّجَتِ ابْنَةً لَهَا، فَاشْتَكَتْ، فَتَسَاقَطَ شَعْرُهَا، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجَهَا يُرِيدُهَا، أَفَأَصِلُ شَعَرَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لُعِنَ الْوَاصِلَاتُ».\nوحدثينيه مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَافِعٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «لُعِنَ الْمُوصِلَاتُ».\n\n[٢١٢٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا يَحيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ.\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nفي هذا الحديث: لعنُ الواشمة، والمستوشمة، والواصلة والمستوصلة، والواشمة: هي التي تفعل الوشم، والمستوشمة: هي التي يُفعل بها ذلك.\nوالوشم: هو أن يغرز الجلد بإبرة حتى يخرج الدم، ثم يُصب فيه نوع من","vol":"6","page":229},{"text":"الكحل ويبقى، وقد يفعل هذا بالصبي في حالة الصغر ويبقى الوشم طول حياته.\nوهذا يجب إزالته عند القدرة، فإن كان لا يستطيع فهو معذور، ويكون الإثم على الفاعل، وهو من كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ لعن فاعله، والمفعول به.\nوتحريم الوشم يشمل الرجل والمرأة، لكن النبي ﷺ لعن الواشمة؛ لأن النساء غالبًا هن اللاواتي يفعلن ذلك.","vol":"6","page":230},{"text":"[٢١٢٥] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ- أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ- يُقَالُ لَهَا أُمُّ يَعْقُوبَ، وَكَانَتْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ- فَأَتَتْهُ، فَقَالَتْ: مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ لَعَنْتَ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ لَوْحَيِ الْمُصْحَفِ فَمَا وَجَدْتُهُ، فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: فَإِنِّي أَرَى شَيْئًا مِنْ هَذَا عَلَى امْرَأَتِكَ الْآنَ، قَالَ: اذْهَبِي فَانْظُرِي، قَالَ: فَدَخَلَتْ عَلَى امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا، فَقَالَ: أَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ نُجَامِعْهَا.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- وَهُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ- وَهُوَ ابْنُ مُهَلْهِلٍ- كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمَعْنَى حَدِيثِ جَرِيرٍ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَفِي حَدِيثِ مُفَضَّلٍ: الْوَاشِمَاتِ وَالْمَوْشُومَاتِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُجَرَّدًا عَنْ سَائِرِ الْقِصَّةِ مِنْ ذِكْرِ أُمِّ يَعْقُوبَ.\nوَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ- يَعْنِي: ابْنَ حَازِمٍ- حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.\n[خ: ٤٨٨٦]","vol":"6","page":231},{"text":"قوله: «عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ»: عبد الله هو ابن مسعود ﵁.\nوقوله: «أَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ نُجَامِعْهَا»، يعني: لم نساكنها ولم نجتمع معها، بل يطلقها، وقيل: المراد بالجماع: الوطء، لكن هذا ضعيف.\nوفي هذا الحديث: أن النامصة: هي التي تفعل النمص، والمتنمصة التي يُفعل بها النمص، والنمص هو أخذ شعر الحاجب بأن تنتف شعر الحاجب، أو تحلقه، أو تقصه، وكل هذه الأفعال من الكبائر.\nوالمتفلجات للحسن، وهي التي تبرد ما بين الأسنان بالمبرد حتى يتسع ما بينها ويصير فيها فتحة وتسمى فلجة للجمال، تفعله المرأة الكبيرة تتجمل به، وكأن أسنانها شابة، أما إذا فعلته لا للحسن، وإنما للعلاج فلا بأس.\nواللعن هو الطرد والبعد عن رحمة الله، واللعن على شيء يدل على أنه من الكبائر.\nوالنمص يكون في الحاجب، أما في اللحية والشارب فلا؛ لأنهما تشوهان خلقة المرأة، فلا بأس بأخذهما، كما أن أهداب العينين تدخل في النمص، وما بين الحاجبين لا يدخل في النمص.\nوفي الحديث الأول: «لعن رسول الله»، وفي الثاني: «لعن الله»، والحكم واحد، لعن الله ﷿، أو لعن رسوله ﷺ يدل على أن الفعل كبيرة.\nوفيه: أن النساء في الزمن الأول في عهد الصحابة كن يحفظن القرآن، وهذه المرأة أم يعقوب كانت تقرأ القرآن كله من أوله إلى آخره.","vol":"6","page":232},{"text":"[٢١٢٦] وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا شَيْئًا.\n\n[٢١٢٧] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ- عَامَ حَجَّ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ كَانَتْ فِي يَدِ حَرَسِيٍّ يَقُولُ-: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ، وَيَقُولُ: «إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ».\n[خ: ٣٤٦٨]\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ: «إِنَّمَا عُذِّبَ بَنُو إِسْرَائِيلَ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ فَخَطَبَنَا، وَأَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعَرٍ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ أَحَدًا يَفْعَلُهُ إِلَّا الْيَهُودَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَلَغَهُ فَسَمَّاهُ الزُّورَ.\nقوله: «قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ»: هي شعر مقدَّم الرأس المقبل على الجبهة، وقيل: شعر الناصية.\nوقوله: «في يَدِ حَرَسِيٍّ»، أي: في يد شُرَطِيٍّ.\nقوله: «أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ !» فيه: إنكار عليهم بإهمالهم إنكار المنكر وغفلتهم عنه.","vol":"6","page":233},{"text":"قوله: «وَأَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعَرٍ»، يعني: شعرًا شبَّك بعضه ببعض.\nوقوله: «فَسَمَّاهُ الزُّورَ»: لما فيه من التزوير، وهذا يدل على تحريم ما يسمى بالباروكة، وهي: الشعر صناعي تلبسه المرأة، أو الرجل إذا كان الرأس أقرع، فالذي يراه يظن أن هذا هو الرأس الذي خلقه الله، والواقع أنه شعر صناعي، وهذا من كبائر الذنوب، وهو من أسباب هلاك بني إسرائيل.\nوفي هذا الحديث: أن معاوية ﵁ لما قدم المدينة نصح الناس.\nوفيه: دليل على أن ولي الأمر عليه أن ينصح الناس، ويلاحظ الرعية، ويأمرهم وينهاهم؛ لأن الله استرعاه إياهم.\nوفيه: أن العلماء هم الذين يوجهون الناس وينصحونهم؛ لأن الله أعطاهم العلم وبين لهم الأحكام، وقد سأل معاوية، وقال: يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ !\nوفيه: اعتناء الخلفاء وسائر ولاة الأمور بإنكار المنكر، وإشاعة إزالته، وتوبيخ من أهمل إنكاره ممن توجب ذلك عليه.\nوفيه: أن الوصل محرم لأمرين: الأول: التزوير، والثاني: أنه من فعل اليهود، ولا يجوز التشبه بهم.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قالا: أَخْبَرَنَا مُعَاذٌ- وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ- حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ- ذَاتَ يَوْمٍ-: إِنَّكُمْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ زِيَّ سَوْءٍ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الزُّورِ، قَالَ: وَجَاءَ رَجُلٌ بِعَصًا عَلَى رَأْسِهَا خِرْقَةٌ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: أَلَا، وَهَذَا الزُّورُ. قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: مَا يُكَثِّرُ بِهِ النِّسَاءُ أَشْعَارَهُنَّ مِنَ الْخِرَقِ.\nقوله: «مَا يُكَثِّرُ بِهِ النِّسَاءُ أَشْعَارَهُنَّ مِنَ الْخِرَقِ»: فيه: تحريم تعظيم الرؤوس بالخرق، وأن هذا من الزور؛ لكونه يُرِي ناظِرَه خلافَ الواقع.","vol":"6","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1013>بَابُ النِّسَاءِ الْكَاسِيَاتِ الْعَارِيَاتِ، الْمَائِلَاتِ الْمُمِيلَاتِ</span>\n\n[٢١٢٨] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال رسول اللَّهِ ﷺ: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا».\nقوله: «كاسيات عاريات»: اختلف أهل العلم في تفسيرها:\nفقيل: المعنى كاسيات البعض، عاريات البعض، يعني: بعضُ أجسامهن مكسوٌّ، وبعض أجسامهن عارٍ؛ لأن الثياب قصيرة، أو لكون الثياب رقيقة تصف البشرة، فهي في الظاهر كاسية؛ لأن عليها قماشًا، وفي الواقع عارية؛ لأن بشرتها تظهر من وراء ما تلبس، أو لأن ما تلبسه ضيق يُبرِز مفاتنَ الجسد، وهذا واقع في هذا الزمان، فالنساء في الأسواق كاسيات عاريات يبدين وجوههن، وسواعدن، وشيئًا من أرجلهن وسُوقهن.\nوقيل: المعنى: كاسيات من نعم الله، عاريات من شكرها.\nوقوله: «مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ»: قيل: مائلات إلى الفواحش عن طاعة الله ﷿، ومميلات، يعني: يفعلن بغيرهن ذلك، أي: يملن غيرهن إلى الفواحش.\nوقيل: مائلات يتبخترن ويمشين مشية التبختر.\nوقيل: يمتشطن مشطة ميلاء، وهي مشطة البغايا الزانيات.\nوقوله: «رؤوسهن كأسنمة البخت»، البخت: نوع من الإبل له سنامان، فالنبي ﷺ شبه رؤوسهن بأسنمة البخت؛ وذلك أن المرأة تعظم رأسها وتكبره بالخرق والعصائب، فيصير كأنه رأس ثانية مثل الإبل، وهذا موجود","vol":"6","page":235},{"text":"الآن في المستوصفات الصحية وغيرها، الممرضات وغيرهن يجعلن العصائب على رؤوسهن ويكبرنه بالخرق.\nوفي هذا الحديث: وعيد شديد لهذين الصنفين، وهو يدل على أن فعلهما من الكبائر.\nوفيه: أن صنفين من أهل النار لم يرهما النبي ﷺ، وهذه من علامات ودلائل النبوة، حيث أخبر النبي ﷺ بصفاتهما، وقد وقع كما أخبر، والصنفان هما:\nالصنف الأول: قوم معهم سياط يضربون بها الناس، وهذا يصدق على الشرطة وغيرهم الذين يضربون الناس بغير حق.\nوالصنف الثاني: نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت، ثم قال النبي ﷺ: «لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا».","vol":"6","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1014>بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّزْوِيرِ فِي اللِّبَاسِ وَغَيْرِهِ، وَالتَّشَبُّعِ بِمَا لَمْ يُعْطَ</span>\n\n[٢١٢٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَعَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقُولُ: إِنَّ زَوْجِي أَعْطَانِي مَا لَمْ يُعْطِنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ».\n\n[٢١٣٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ لِي ضَرَّةً، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ أَتَشَبَّعَ مِنْ مَالِ زَوْجِي بِمَا لَمْ يُعْطِنِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ».\n[خ: ٥٢١٩]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله: «الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ» المعنى: أن الذي يُظهر شيئًا ليس له كلابس ثوبي زور، يعني: كأنه فعل الزور مرتين، وهذه المرأة التي تتشبع بما لم تُعطَ- خصوصًا إذا كان لها ضرة- تقول: إن زوجي أعطاني كذا وكذا، وهي كاذبة، تتشبع بما لم تُعطَ، تتزين بما ليس لها؛ لتظهر للناس أنها مكرمة، أو لتغيظ جارتها إذا كان لها جارة، أو ضرتها، وهذا حرام.\nوقوله: «كَلَابِسِ ثَوْبَي زُوْرٍ»: ثوب الزور يشمل صورًا متعددة، منها: أن تتزين المرأة بما لم تعط؛ لتوهم أن زوجها أعطاها لتغيظ جارتها، ومنها: أن يتلبس الإنسان بصور الزهاد، وهو ليس بزاهد.\nوقيل: هو كمن لبس ثوبين لغيره وأوهم أنهما له.\nوقيل: هو من يلبس قميصًا واحدًا ويصل بكميه كمين آخرين فيظهر أن","vol":"6","page":237},{"text":"عليه قميصين.\nقال النووي ﵀: «وحكى الخطابي قولا آخر أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِالثَّوْبِ الْحَالَةُ وَالْمَذْهَبُ وَالْعَرَبُ تَكْنِي بِالثَّوْبِ عَنْ حَالِ لَابِسِهِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ كالكاذب القائل مالم يكن وقولا آخر أَنَّ الْمُرَادَ الرَّجُلُ الَّذِي تُطْلَبُ مِنْهُ شَهَادَةَ زُورٍ فَيَلْبَسُ ثَوْبَيْنِ يَتَجَمَّلُ بِهِمَا فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِحُسْنِ هَيْئَتِهِ» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٤/ ١١١).","vol":"6","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1015>كِتَاب الْآدَابِ</span>","vol":"6","page":240},{"text":"كِتَاب الْآدَابِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-1016>بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ، وَبَيَانِ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الْأَسْمَاءِ</span>\n\n[٢١٣١] حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: أَخْبَرَنَا وقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا- وَاللَّفْظُ لَهُ- قالا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ- يَعْنِيَانِ: الْفَزَارِيَّ- عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: نَادَى رَجُلٌ رَجُلًا بِالْبَقِيعِ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنِّي لَمْ أَعْنِكَ، إِنَّمَا دَعَوْتُ فُلَانًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي».\n[خ: ٢١٢١]\n\n[٢١٣٢] حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ زِيَادٍ- وَهُوَ الْمُلَقَّبُ بِسَبَلَانَ- أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، سَمِعَهُ مِنْهُمَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، يُحَدِّثَانِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قال رسول اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ: عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ».\nقوله: «وَهُوَ الْمُلَقَّبُ بِسَبَلَانَ»: سبلان: بفتح السين والباء.","vol":"6","page":241},{"text":"[٢١٣٣] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا، وقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ، فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا، فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ: لَا نَدَعُكَ تُسَمِّي بِاسْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَانْطَلَقَ بِابْنِهِ حَامِلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وُلِدَ لِي غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا، فَقَالَ لِي قَوْمِي: لَا نَدَعُكَ تُسَمِّي بِاسْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي؛ فَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ».\n[خ: ٣١١٥]\nحَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا، فَقُلْنَا: لَا نَكْنِيكَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَسْتَأْمِرَهُ، قَالَ: فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ وُلِدَ لِي غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ بِرَسُولِ اللَّهِ، وَإِنَّ قَوْمِي أَبَوْا أَنْ يَكْنُونِي بِهِ حَتَّى تَسْتَأْذِنَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: «سَمُّوا بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي، فَإِنَّمَا بُعِثْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ».\nحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: الطَّحَّانَ- عَنْ حُصَيْنٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَلَمْ يَذْكُرْ: «فَإِنَّمَا بُعِثْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قال رسول اللَّهِ ﷺ: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي؛ فَإِنِّي أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ»، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: «وَلَا تَكْتَنُوا».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «إِنَّمَا جُعِلْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،","vol":"6","page":242},{"text":"حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وُلِدَ لَهُ غُلَامٌ، فَأَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ مُحَمَّدًا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «أَحْسَنَت الْأَنْصَارُ سَمُّوا بِاسْمِي، وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورٍ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ-.ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ حُصَيْنٍ. ح وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَإِسْحاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، وَمَنْصُورٍ، وَسُلَيْمَانَ، وَحُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالُوا: سَمِعْنَا سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن النبي ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِ مَنْ ذَكَرْنَا حَدِيثَهُمْ مِنْ قَبْلُ، وَفِي حَدِيثِ النَّضْرِ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: وَزَادَ فِيهِ حُصَيْنٌ وَسُلَيْمَانُ، قَالَ حُصَيْنٌ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ»، وقَالَ سُلَيْمَانُ: «فَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ».\nحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ، فَسَمَّاهُ الْقَاسِمَ، فَقُلْنَا: لَا نَكْنِيكَ أَبَا الْقَاسِمِ، وَلَا نُنْعِمُكَ عَيْنًا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «أَسْمِ ابْنَكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ».\n[خ: ٦١٨٦]\nوَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ-.ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- كِلَاهُمَا عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: وَلَا نُنْعِمُكَ عَيْنًا.","vol":"6","page":243},{"text":"[٢١٣٤] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي»، قَالَ عَمْرٌو: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ.\n[خ: ٣٥٣٩]\nفي هذه الأحاديث: الأمر من النبي ﷺ بالتسمي باسمه، والنهي عن التكني بكنيته، واختلف العلماء في هذه المسألة على ستة مذاهب:\nالأول: أنه لايحل التكني بأبي القاسم لأحد سواء كان اسمه محمدًا أو أحمدَ، أم لم يكن.\nالثاني: أن النهي منسوخ، وإنما هذا في حياته ﵊، للعلة الموجودة في الحديث أن رجلًا نادى: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنِّي لَمْ أَعْنِكَ، إِنَّمَا دَعَوْتُ فُلَانًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي»، وهذا مذهب جمهور العلماء (^١).\nالثالث: أن النهي للتنزيه، والصارف له عن التحريم أنه لا زال السلف يكنون بكنية النبي ﷺ في القرون المفضلة، فهناك من تكنى بأبي القاسم، ولم ينكر عليه أحد، فدل على أن النهي ليس للتحريم.\nالرابع: أن التكني بأبي القاسم المقصود في الحديث إنما يختص بمن كان اسمه محمد أو أحمد، أما من لم يكُن اسمه محمدًا أو أحمدَ فلا بأس.\nالخامس: أنه ينهى عن التكني بأبي القاسم مطلقًا ويُنهى عن التسمية بالقاسم لئلا يُكنَّى أبوه بأبي القاسم وهومذهب الشافعية (^٢).\n_________\n(^١) الدر المختار، لابن عابدين (٦/ ٤١٧)، مواهب الجليل، للحطاب (٣/ ٢٥٦)، المجموع، للنووي (٨/ ٤٣٩ - ٤٤٠).\n(^٢) أسنى المطالب، لزكريا الأنصاري (٣/ ١٠٥)، المجموع، للنووي (٨/ ٤٣٩).","vol":"6","page":244},{"text":"السادس: وذهب المالكية إلى أن النهي كان مخصوصا بحياة رسول الله ﷺ أما بعد وفاته فتباح التسمية باسمه والتكني بكنيته (^١).\nوفي هذا الحديث: أن أفضل الأسماء، وأحب الأسماء إلى الله هو: عبد الله وعبد الرحمن؛ لأن اسم (الله) أعرف المعارف، وهو علم على الرب ﷾ بالذات الإلهية، والإله هو المألوه الذي تألَهُه القلوب محبةً وإجلالًا وتعظيمًا وخوفًا ورجاءً وتوكلًا وإنابةً، وبقية الأسماء تأتي أوصافًا لاسم (الله)، قال تعالى: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيًّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾، وقال تعالى: ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا اله إلا هو الملك القدوس﴾.\nوفيه: أن كنية النبي ﷺ أبو القاسم، وأن الكنية إنما هي مأخوذة من الاسم والمعنى الذي وُصف به ﵊، وهو أنه يَقسم، قال: «فَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ»، وليس لأن ابنه القاسم.\nوالصواب: أن النهي عن التكني بكنيته خاص بحياته ﷺ؛ لِما يحصل من اللبس بسبب ذلك.\nقوله: «فَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ»: هذا يشعر بأن الكنية من المعنى، والوصف الذي اتصف به، لا بسبب اسم ابنه.\n_________\n(^١) مواهب الجليل، للحطاب (٣/ ٢٥٦).","vol":"6","page":245},{"text":"[٢١٣٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ نُمَيْرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ نَجْرَانَ سَأَلُونِي، فَقَالُوا: إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ: يَا أُخْتَ هَارُونَ، وَمُوسَى قَبْلَ عِيسَى بِكَذَا وَكَذَا، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ».\nفي هذا الحديث: رد شبهة ألقاها النصارى على المغيرة بن شعبة ﵁ قالوا: إنكم تقرؤون هذا: ﴿يا أخت هارون﴾ وهي مريم، فكيف تقرؤون هذا، وبين موسى وعيسى ﵉ دهور؟، كيف تكون أم عيسى أخت هارون، فأجاب النبي ﷺ عن هذه الشبهة، فقال: «إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنْبِيَائِهِمْ»، يعني: أن هارون الذي أضيفت إليه أم عيسى ليس هو هارون النبي ﵇.\nوفيه: دليل على جواز التسمي بأسماء الأنبياء.\nومن العلماء من أجاز التسمي بأسماء الملائكة، ومنهم من منعه.\nوالصواب: أنه لا بأس به، لكن الممنوع أن تسمى الأنثى بأسماء الملائكة، مثل: «مَلَك»؛ لأن في هذا تنقُّصًا من الملائكة، ولأن فيه مشابهة للمشركين الذين يجعلون الملائكة إناثًا، قال الله تعالى: ﴿إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى﴾.","vol":"6","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1017>بَابُ كَرَاهَةِ التَّسْمِيَةِ بِالْأَسْمَاءِ الْقَبِيحَةِ وَبِنَافِعٍ وَنَحْوِهِ</span>\n\n[٢١٣٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَن الرُّكَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَمُرَةَ، وقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ الرُّكَيْنَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُسَمِّيَ رَقِيقَنَا بِأَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ، أَفْلَحَ، وَرَبَاح، وَيَسَارٍ، وَنَافِعٍ.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الرُّكَيْنِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: قال رسول اللَّهِ ﷺ: «لَا تُسَمِّ غُلَامَكَ رَبَاحًا، وَلَا يَسَارًا، وَلَا أَفْلَحَ، وَلَا نَافِعًا».\n\n[٢١٣٧] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ عَنْ رَبِيعِ بْنِ عُمَيْلَةَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: قال رسول اللَّهِ ﷺ: «أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ، وَلَا تُسَمِّيَنَّ غُلَامَكَ يَسَارًا، وَلَا رَبَاحًا، وَلَا نَجِيحًا، وَلَا أَفْلَح؛ فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَلَا يَكُونُ، فَيَقُولُ: لَا». إِنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ، فَلَا تَزِيدُنَّ عَلَيَّ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنِي جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ- وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ-.ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادِ زُهَيْرٍ، فَأَمَّا حَدِيثُ جَرِيرٍ وَرَوْح فَكَمِثْلِ حَدِيثِ زُهَيْرٍ بِقِصَّتِهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ شُعْبَةَ، فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا ذِكْرُ تَسْمِيَةِ الْغُلَامِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْكَلَامَ الْأَرْبَعَ.\nقوله: «غُلَامَكَ»، يعني: عبدك.","vol":"6","page":247},{"text":"وقوله: «أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ»، يعني: بعد كلام الله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.\nوفي هذا الحديث: علة النهي عن التسمية برباح ونجيح، يسأل عنه، فيقال: رباح موجود؟ فيقول: لا، ما عندنا رباح، وهذا غلط؛ لما فيه من نفي الربح، ويسأل: هل عندك نجيح؟ هل عندك يسار؟ فيقول: لا، ما عندنا نجيح، ما عندنا يسار، وهذا غلط، فإنه ينبغي للإنسان أن يتفاءل.\nوقوله: «إِنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ، فَلَا تَزِيدُنَّ عَلَيَّ»: هذا من كلام الراوي.\n\n[٢١٣٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنْهَى عَنْ أَنْ يُسَمَّى بِيَعْلَى، وَبِبَرَكَةَ، وَبِأَفْلَحَ، وَبِيَسَارٍ، وَبِنَافِعٍ، وَبِنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ سَكَتَ بَعْدُ عَنْهَا، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ تَرَكَهُ.\nفي هذا الحديث: ما يدل على أن النهي السابق ليس للتحريم، وإنما هو للتنزيه، أو أنه منسوخ، بدليل أن النبي ﷺ نهى أولًا، ثم أراد أن ينهى- كما قال جابر ﵁-: فقبض ﵊.\nويدل على ذلك- أيضًا- أن النبي ﷺ لم يغير اسم أم بركة، وكذلك ابن عمر ﵄ لم يغير اسم نافع مولاه.","vol":"6","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1018>بَابُ اسْتِحْبَابِ تَغْيِيرِ الِاسْمِ الْقَبِيحِ إِلَى حَسَنٍ، وَتَغْيِيرِ اسْمِ بَرَّةَ إِلَى زَيْنَبَ وَجُوَيْرِيَةَ وَنَحْوِهِمَا</span>\n\n[٢١٣٩] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بشار، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيَّرَ اسْمَ عَاصِيَةَ، وَقَالَ: أَنْتِ جَمِيلَةُ. قَالَ أَحْمَدُ مَكَانَ أَخْبَرَنِي: عَنْ.\nهذه رواية الإمام مسلم عن الإمام أحمد بن حنبل، وقد روى عنه كثيرًا، أما البخاري فلم يروِ عنه إلا قليلًا في موضع، أو موضعين؛ لأن البخاري شارك الإمام أحمد في شيوخ كثر.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ ابْنَةً لِعُمَرَ كَانَتْ يُقَالُ لَهَا عَاصِيَةُ، فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَمِيلَةَ.\n\n[٢١٤٠] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- قالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ- عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ جُوَيْرِيَةُ اسْمُهَا بَرَّةُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْمَهَا جُوَيْرِيَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ خَرَجَ مِنْ عِنْدَ بَرَّةَ.\nوَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ عَنْ كُرَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ.\n\n[٢١٤١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، سَمِعْتُ أَبَا رَافِعٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حدثنا أبى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي","vol":"6","page":249},{"text":"هُرَيْرَةَ: أَنَّ زَيْنَبَ كَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ، فَقِيلَ: تُزَكِّي نَفْسَهَا، فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ.\nوَلَفْظُ الْحَدِيثِ لِهَؤُلَاءِ دُونَ ابْنِ بَشَّارٍ، وقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ.\n[خ: ٦١٩٢]\n\n[٢١٤٢] حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قالا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، حَدَّثَتْنِي زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ اسْمِي بَرَّةَ، فَسَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ قَالَتْ: وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وَاسْمُهَا بَرَّةُ، فَسَمَّاهَا زَيْنَبَ.\nحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: سَمَّيْتُ ابْنَتِي بَرَّةَ، فَقَالَتْ لِي زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ هَذَا الِاسْمِ، وَسُمِّيتُ بَرَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمُ؛ اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ»، فَقَالُوا: بِمَ نُسَمِّيهَا؟ قَالَ: «سَمُّوهَا زَيْنَبَ».\nفي هذه الأحاديث: أنه ﷺ كره اسم العصيان، فغيَّر عاصية إلى جميلة، وغير اسم برة إلى اسم زينب؛ لما فيه من التزكية.\nمسألة: انتشر الآن اسم (هدى)، واسم (إيمان) فهل يقال: إن فيه تزكية فيمنع؟\nالجواب: هذا محتمل، وقد يقال: تركه أولى، لكن القول بالمنع يحتاج إلى تأمل.\nوفيها: بيان سبب النهي عن التمسية ببرة وحكمته وسبب تغييره، وهو لما فيه من تزكية المسمى بهذا الاسم.","vol":"6","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1019>بَابُ تَحْرِيمِ التَّسَمِّي بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ، وَبِمَلِكِ الْمُلُوكِ</span>\n\n[٢١٤٣] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ- قَالَ الْأَشْعَثِيُّ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ: رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ».\n[خ: ٦٢٠٦]\nزَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي رِوَايَتِهِ، لَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهُ ﷿ قَالَ الْأَشْعَثِيُّ: قَالَ سُفْيَانُ: مِثْلُ شَاهَانْ شَاهْ، وقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: سَأَلْتُ أَبَا عَمْرٍو عَنْ أَخْنَعَ، فَقَالَ: أَوْضَعَ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عن رسول الله ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَخْبَثُهُ وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ: رَجُلٍ كَانَ يُسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ. لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ».\nقوله: «شَاهَانْ شَاهْ»، أي: ملك الأملاك عند الفرس، وهم يقدمون المضاف إليه على المضاف.\nوقوله: «سَأَلْتُ أَبَا عَمْرٍو»: هو اللغوي المشهور.\nوقوله: «أَخْنَعَ»، أي: أوضع، وقيل معنى أخنع: أخبث، فأوضع وأحقر اسم هو ملك الأملاك.\nوفيه: دليل على تحريم اسم ملك الأملاك، وهو من المحرمات الغليظة؛ لأن هذا من أسماء الله ﷾، ومثلها: قاضي القضاة، وكان في بعض الأزمنة يسمون رئيس القضاة قاضي القضاة، والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب التوحيد بَوَّب وقال: «باب التسمي بقاضي","vol":"6","page":251},{"text":"القضاة ونحوه» (^١)، وذكر ﵀ هذا الحديث، يريد أن يقيس عليه، والمعنى واحد.\n_________\n(^١) التوحيد، لابن عبد الوهاب (ص ١١٥).","vol":"6","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1020>بَابُ اسْتِحْبَابِ تَحْنِيكِ الْمَوْلُودِ عِنْدَ وِلَادَتِهِ، وَحَمْلِهِ إِلَى صَالِحٍ يُحَنِّكُهُ، وَجَوَازِ تَسْمِيَتِهِ يَوْمَ وِلَادَتِهِ، وَاسْتِحْبَابِ التَّسْمِيَةِ بِعَبْدِ اللَّهِ وَإِبْرَاهِيمَ وَسَائِرِ أَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈</span>\n\n[٢١٤٤] حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ذَهَبْتُ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ وُلِدَ- وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عَبَاءَةٍ يَهْنَأُ بَعِيرًا لَهُ- فَقَالَ: «هَلْ مَعَكَ تَمْرٌ؟»، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَنَاوَلْتُهُ تَمَرَاتٍ، فَأَلْقَاهُنَّ فِي فِيهِ، فَلَاكَهُنَّ، ثُمَّ فَغَرَ فَا الصَّبِيِّ، فَمَجَّهُ فِي فِيهِ، فَجَعَلَ الصَّبِيُّ يَتَلَمَّظُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «حُبُّ الْأَنْصَارِ التَّمْرَ»، وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ.\n[خ: ٥٤٧٠]\nقوله: «حُبُّ الْأَنْصَارِ»: مصدر، أو حِبُّ الأنصار- بكسر الحاء، يعني: محبوبهم.\nفي هذا الحديث: تواضع النبي ﷺ، ومباشرته العملَ بنفسه، فقد جاء إليه أنس بأخيه عبد الله وهو يهنأ البعير، يعنى: يطليه من الجرب بنفسه.\nوفيه: تعليم للرؤساء والأمراء والكبراء أن يباشروا الأعمال بأنفسهم.\nوفيه: جواز تحنيك الصبي، وهو دلك حنكه بالتمر، أو بالحلو.\nوفيه: مشروعية التبرك بالنبي ﷺ، وأما التبرك بغيره فلا يجوز، كما ذكرنا سابقًا.\nوفيه: جواز التسمية يوم الولادة، ويجوز يوم السابع.","vol":"6","page":253},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ يَشْتَكِي، فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ فَقُبِضَ الصَّبِيُّ، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ: مَا فَعَلَ ابْنِي؟ قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هُوَ أَسْكَنُ مِمَّا كَانَ، فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ، فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَتْ: وَارُوا الصَّبِيَّ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو طَلْحَةَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: «أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا»، فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: احْمِلْهُ حَتَّى تَأْتِيَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، وَبَعَثَتْ مَعَهُ بِتَمَرَاتٍ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: «أَمَعَهُ شَيْءٌ؟» قَالُوا: نَعَمْ تَمَرَاتٌ، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَمَضَغَهَا، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْ فِيهِ، فَجَعَلَهَا فِي فِي الصَّبِيِّ، ثُمَّ حَنَّكَهُ، وَسَمَّاهُ عَبْدَاللَّهِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسٍ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، نَحْوَ حَدِيثِ يَزِيدَ.\nقوله: «أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟»: فيه: تسمية الليلة الماضية بالليلة، وهي البارحة.\nوفي هذا الحديث: تسمية النبي ﷺ الولد بعبد الله، وفي الحديث السابق: «إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللهِ عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ» (^١).\nوفيه: فضل أم سليم وصبرها وتحملها وحسن تبعلها لزوجها؛ فإنها لما جاء زوجها أبو طلحة يسأل عن ابنه وكان مريضًا، قالت له: «هُوَ أَسْكَنُ مِمَّا كَانَ»: وهذا من باب التورية، أرادت أنه ميت، والميت لا يتحرك، وهو ظن أنه سكن عنه المرض، والتورية جائزة للحاجة كما مرَّ.\nثم قدمت له العشاء وتزينت له حتى جامعها فحملت من هذه الليلة، ثم\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢١٣٢).","vol":"6","page":254},{"text":"لما ولدت ذهب به أخوه أنس إلى النبي ﷺ وأرسلت معه تمرات، ثم مضغها ووضعها في فيه وحنكه بها.\n\n[٢١٤٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: وُلِدَ لِي غُلَامٌ، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ.\n[خ: ٥٤٦٧]\nفي هذا الحديث: جواز التسمية في اليوم الأول، وقد جاء في الحديث الآخر: «كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُمَاطُ عَنْهُ الْأَذَى، وَيُسَمَّى» (^١) يعني: في اليوم السابع، فلا بأس بالتسمية في اليوم السابع، أو في اليوم الأول، والأمر في هذا واسع.\nوفيه: جواز التسمية بأسماء الأنبياء؛ فلهذا سماه إبراهيم، وفي الحديث السابق: «إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنْبِيَائِهِمْ».\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٩٦٧٣)، والترمذي (١٥٢٢)، وابن ماجه (٣١٦٥).","vol":"6","page":255},{"text":"[٢١٤٦] حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِح، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْحَاقَ- أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا قَالَا: خَرَجَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ حِينَ هَاجَرَتْ، وَهِيَ حُبْلَى بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْر، فَقَدِمَتْ قُبَاءً، فَنُفِسَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ بِقُبَاءٍ، ثُمَّ خَرَجَتْ حِينَ نُفِسَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُحَنِّكَهُ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا، فَوَضَعَهُ فِي حَجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَكَثْنَا سَاعَةً نَلْتَمِسُهَا قَبْلَ أَنْ نَجِدَهَا، فَمَضَغَهَا، ثُمَّ بَصَقَهَا فِي فِيهِ، فَإِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ بَطْنَهُ لَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَتْ أَسْمَاءُ: ثُمَّ مَسَحَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ، ثُمَّ جَاءَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانٍ، لِيُبَايِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَهُ بِذَلِكَ الزُّبَيْرُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُ مُقْبِلًا إِلَيْهِ، ثُمَّ بَايَعَهُ.\n[خ: ٣٩٠٩]\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، قالت: فَخَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلْتُ بِقُبَاءٍ، فَوَلَدْتُهُ بِقُبَاءٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَوَضَعَهُ فِي حَجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ، فَمَضَغَهَا، ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ حَنَّكَهُ بِالتَّمْرَةِ، ثُمَّ دَعَا لَهُ وَبَرَّكَ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا هَاجَرَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ حُبْلَى بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ.\n\n[٢١٤٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ- يَعْنِي: ابْنَ عُرْوَةَ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ، فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ، وَيُحَنِّكُهُمْ.","vol":"6","page":256},{"text":"[٢١٤٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جِئْنَا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُحَنِّكُهُ، فَطَلَبْنَا تَمْرَةً، فَعَزَّ عَلَيْنَا طَلَبُهَا.\nقوله: «فَمَكَثْنَا سَاعَةً نَلْتَمِسُهَا»: وذلك بسبب الحاجة، وقلة ذات اليد.\nوقوله: «ثُمَّ مَسَحَهُ»: للتبريك.\nوقوله: «وَصَلَّى عَلَيْهِ»، أي: دعا له.\nوقوله: «وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ»، يعني: بعد الهجرة.\nوقوله: «ثُمَّ حَنَّكَهُ بِالتَّمْرَةِ»، أي: دلك حنكه بالتمرة كما في القاموس.\nوفي هذا الحديث: ما أصاب الصحابة من الشدة في أول الأمر، فقد بحثوا عن تمرة فما وجدوها، ثم بعد ذلك وسع الله عليهم.\nوالمقصود: أن أول شيء دخل بطنه ريقُ النبي ﷺ، وهو يريد البركة، لكن النووي أخذ من مجموع هذه الأحاديث: أن التحنيك سنة، لكنه معلوم أن الصحابة يتبركون به وإلا كان يحنكه أي واحد منهم.\nولما بلغ عبد الله سبع سنين أرسله أبوه الزبير إلى النبي ليبايعه، فلما رآه النبي ﷺ تبسم له ثم بايعه، وهذا من باب الاستحباب والتمرين، مثل ما يؤمر بالصلاة لسبع، ويؤمر بالصيام قبل البلوغ؛ ليمرن على فعل الخير، والمبايعة من فعل الخير.","vol":"6","page":257},{"text":"[٢١٤٩] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- وَهُوَ ابْنُ مُطَرِّفٍ أَبُو غَسَّانَ- حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُتِيَ بِالْمُنْذِرِ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ وُلِدَ، فَوَضَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى فَخِذِهِ، وَأَبُو أُسَيْدٍ جَالِسٌ، فَلَهِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِشَيْءٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَمَرَ أَبُو أُسَيْدٍ بِابْنِهِ، فَاحْتُمِلَ مِنْ عَلَى فَخِذِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَقْلَبُوهُ، فَاسْتَفَاقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَيْنَ الصَّبِيُّ؟»، فَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: أَقْلَبْنَاهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «مَا اسْمُهُ؟»، قَالَ: فُلَانٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ اسْمُهُ الْمُنْذِرُ»، فَسَمَّاهُ- يَوْمَئِذٍ- الْمُنْذِرَ.\n[خ: ٦١٩١]\nقوله: «فَوَضَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى فَخِذِهِ»: فيه حسن خلق النبي ﷺ.\nوقوله: «فَأَقْلَبُوهُ»، أي: رَدُّوه وصرفوه.\nوقوله: «فَاسْتَفَاقَ»، يعني: انتبه من شغله وفِكْره الذي كان فيه.\nوقوله: «فَسَمَّاهُ يَوْمَئِذٍ الْمُنْذِرَ»: فيه جواز تغيير الاسم، ولا حرج فيه إذا لم يترتب عليه مفسدة.\nوفي هذا الحديث: أنه لا بأس بالتسمي بالأسماء التي لا محذور فيها، مثل: منذر، فليس هو من أسماء الأنبياء، ومثله عبد الله، وعبد الرحمن.","vol":"6","page":258},{"text":"[٢١٥٠] حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ- قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ: كَانَ فَطِيمًا- قَالَ: فَكَانَ إِذَا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَآهُ، قَالَ: «أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» قَالَ: فَكَانَ يَلْعَبُ بِهِ.\n[خ: ٦٢٠٣]\nفي هذا الحديث: حسن خلق النبي ﷺ، ومداعبته للصبيان، وإيناسه لأهلهم.\nفقد كان أبو عمير أخًا لأنسٍ فطيمًا، يعني: صغيرًا، وكان عنده عصفور يلعب به، يقال له نغر، يصغِّره النبي، فيقول: «أَبَا عُمَيرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟».\nوفيه: تقوية الروابط بين ولي الأمر وبين الرعية، فمع ما عنده ﷺ من الأعمال العظيمة، كتبليغ الرسالة والدعوة ومقابلة الوفود كان يفعل هذا! .\nوفيه: أنه لا بأس بتكنية الصغير، وتكنية من لم يتزوج، وكذلك البنت تكنى، ولو كانت صغيرة، مثل: ما كنى النبي ﷺ أم خالد، وكانت صغيرة، وألبسها ثوبًا، وقال: «يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَا» (^١)، والسنا بلسان الحبشية: الحسن.\nوفيه: جواز إدخال الصيد إلى الحرم المدني، أو المكي، ومن المعلوم أنه منهي عن الصيد في الحرم المكي والحرم المدني، لكن إدخال الصيد لا بأس به، وله أن يتصرف فيه.\nيقول بعض العلماء: إذا دخل الحرم ومعه صيد فإنه يجعله حرًّا طليقًا في الحرم، وإذا خرج من الحرم أمسكه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٨٤٥).","vol":"6","page":259},{"text":"وقد يقال: إنه يفرق بين الحرم المكي والحرم المدني؛ لأن الحرم المكي أغلظ حرمة.\nوالصواب: أنه إذا كان خارج الحرم وأدخله فلا محذور، والمحذور أن يصيد في الحرم.\nوفيه: دليل على أنه لا بأس باللعب بالطير إن لم يكن فيه أذية له، ولم يكن تقصير في حق الطير من طعام.","vol":"6","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1021>بَابُ جَوَازِ قَوْلِهِ لِغَيْرِ ابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، وَاسْتِحْبَابِهِ لِلْمُلَاطَفَةِ</span>\n\n[٢١٥١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا بُنَيَّ».\n\n[٢١٥٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ- قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: مَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَحَدٌ عَنِ الدَّجَّالِ أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ، فَقَالَ لِي: «أَيْ بُنَيَّ وَمَا يُنْصِبُكَ مِنْهُ، إِنَّهُ لَنْ يَضُرَّكَ؟ !» قَالَ: قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ مَعَهُ أَنْهَارَ الْمَاءِ، وَجِبَالَ الْخُبْزِ، قَالَ: «هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمُغِيرَةِ: «أَيْ بُنَيَّ» إِلَّا فِي حَدِيثِ يَزِيدَ وَحْدَهُ.\nهذه الأحاديث استدل بها المؤلف ﵀ على جواز قول الإنسان لمن هو أصغر منه: يا بني، من باب التلطف، وأنه بمثابة ابنه بالشفقة والعناية؛ ولهذا قال النبي ﷺ لأنس «يَا بُنَيَّ»، وقال للمغيرة: «أَيْ بُنَيَّ»، وأي: حرف نداء بمعنى: يا.\nكما أنه يجوز للإنسان أن يقول لمن هو أكبر منه: (يا عم)، إجلالًا له.\nولا بأس أن يقول الإنسان: (يا أخي) لمن هو من أقرانه من باب التودد والتلطف، كما قالت خديجة لابن عمها ورقة بن نوفل لما أتت بالنبي ﷺ","vol":"6","page":261},{"text":"إليه في أول البعثة، «يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ» (^١).\nوفي هذا الحديث: أن المغيرة سأل النبي صلى الله علية وسلم عن الدجال، والدجال فعَّال، وهي صيغة مبالغة من الدجل، وهو كثرة الكذب، والدجاجلة كثيرون، فالسحرة كلهم دجاجلة، والدجال الأكبر هو الذي يأتي في آخر الزمان من بني آدم يدَّعي الصلاح أولًا، ثم يدعي النبوة، ثم يدعي الربوبية، ومعه صورة الجنة والنار، ومعه الخوارق، وستأتي أحاديثه في أشراط الساعة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤).","vol":"6","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1022>بَابُ الِاسْتِئْذَانِ</span>\n\n[٢١٥٣] حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا- وَاللَّهِ- يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: كُنْتُ جَالِسًا بِالْمَدِينَةِ فِي مَجْلِسِ الْأَنْصَارِ، فَأَتَانَا أَبُو مُوسَى فَزِعًا- أَوْ مَذْعُورًا- قُلْنَا: مَا شَأْنُكَ؟ ! قَالَ: إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ، فَأَتَيْتُ بَابَهُ، فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا؟ فَقُلْتُ: إِنِّي أَتَيْتُكَ فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلَاثًا، فَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ»، فَقَالَ عُمَرُ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ، وَإِلَّا أَوْجَعْتُكَ، فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لَا يَقُومُ مَعَهُ إِلَّا أَصْغَرُ الْقَوْمِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قُلْتُ: أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ قَالَ: فَاذْهَبْ بِهِ.\n[خ: ٦٢٤٥]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَقُمْتُ مَعَهُ فَذَهَبْتُ إِلَى عُمَرَ، فَشَهِدْتُ.\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ أَنَّ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: كُنَّا فِي مَجْلِسٍ عِنْدَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَأَتَى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ مُغْضَبًا، حَتَّى وَقَفَ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ، هَلْ سَمِعَ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ فَإِنْ أُذِنَ لَكَ وَإِلَّا فَارْجِعْ؟»، قَالَ أُبَيٌّ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَمْسِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، فَرَجَعْتُ، ثُمَّ جِئْتُهُ الْيَوْمَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي جِئْتُ أَمْسِ، فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، قَالَ: قَدْ سَمِعْنَاكَ، وَنَحْنُ- حِينَئِذٍ- عَلَى شُغْلٍ، فَلَوْ مَا اسْتَأْذَنْتَ حَتَّى يُؤْذَنَ لَكَ! قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ","vol":"6","page":263},{"text":"كَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَوَاللَّهِ لَأُوجِعَنَّ ظَهْرَكَ وَبَطْنَكَ، أَوْ لَتَأْتِيَنَّ بِمَنْ يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا، فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: فَوَاللَّهِ لَا يَقُومُ مَعَكَ إِلَّا أَحْدَثُنَا سِنًّا قُمْ يَا أَبَا سَعِيدٍ، فَقُمْتُ حَتَّى أَتَيْتُ عُمَرَ، فَقُلْتُ: قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ هَذَا.\nقوله: «حَدَّثَنَا- وَاللَّهِ»: حلف للتأكيد.\nوقوله: «لَا يَقُومُ مَعَهُ إِلَّا أَصْغَرُ الْقَوْمِ»: ليبين أن هذا الأمر مشهور ومعروف عند الصغار والكبار، وأنه ثابت عن النبي ﷺ.\nقوله: «فَلَوْ مَا اسْتَأْذَنْتَ»، أي هلَّا استأذنتَ؛ تحضيضًا على الاستئذان.\nوفعلُ عمر ﵁ هنا هو من باب الزجر حتى لا يتسارع الناس في التحديث عن رسول الله ﷺ بدون تثبت؛ لأنه قد وُجد أناس يتسرعون ولا يتثبتون في أحاديث رسول الله ﷺ فأراد أن يتثبتوا في ذلك، ولم يقل ذلك اتهامًا لأبي موسى، ولا لأن خبر الواحد لا يقبل، كما ظنه البعض.","vol":"6","page":264},{"text":"حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُفَضَّلٍ- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ أَبَا مُوسَى أَتَى بَابَ عُمَرَ، فَاسْتَأْذَنَ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاحِدَةٌ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: ثِنْتَانِ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: ثَلَاثٌ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَتْبَعَهُ فَرَدَّهُ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ هَذَا شَيْئًا حَفِظْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهَا، وَإِلَّا فَلَأَجْعَلَنَّكَ عِظَةً، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَتَانَا، فَقَالَ: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ»، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ قَالَ: فَقُلْتُ: أَتَاكُمْ أَخُوكُمُ الْمُسْلِمُ قَدْ أُفْزِعَ تَضْحَكُونَ، انْطَلِقْ فَأَنَا شَرِيكُكَ فِي هَذِهِ الْعُقُوبَةِ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: هَذَا أَبُو سَعِيدٍ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الجُرَيْرِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَا: سَمِعْنَاهُ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِمَعْنَى حَدِيثِ بِشْرِ بْنِ مُفَضَّلٍ عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ.\nقوله: «فَهَا»، أي فهاتِ البينة.\nوقوله: «أَتَاكُمْ أَخُوكُمُ الْمُسْلِمُ قَدْ أُفْزِعَ تَضْحَكُونَ»: يضحكون تعجبًا من فزع أبي موسى مع قوة حجته؛ وذلك لأن عمر ﵁ كان مهيبًا.\nوقوله: «انْطَلِقْ فَأَنَا شَرِيكُكَ فِي هَذِهِ الْعُقُوبَةِ»: قال هذا أبو سعيد؛ لأنه يعرف أن هذا الشيء ثابت عن النبي ﷺ فلا عقوبة عليه! .\nوهذا يدل على أدب من الآداب الإسلامية، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾.\nوفي هذا الحديث: أن الاستئذان ثلاث، فإذا أُذن لك وإلا فارجع، وبعض","vol":"6","page":265},{"text":"الجهلة تجده يقف عند الباب ويؤذي أهل البيت، حتى أن بعضهم يطرق الباب أكثر من ثلاثين مرة، والناس لهم حاجات، وقد لا يستطيعون المقابلة في هذا الوقت، قد يكون أحدهم مريضًا، أو في الحمام، أو مشغولًا، وقد يكون طالب علم يحضر بحثًا، أو لا يريد المقابلة في هذا الوقت، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هو أزكى لكم﴾ فعلى الطارق حينها أن يرجع وهو مرتاح البال.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ أَبَا مُوسَى اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ ثَلَاثًا- فَكَأَنَّهُ وَجَدَهُ مَشْغُولًا- فَرَجَعَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ تَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، ائْذَنُوا لَهُ، فَدُعِيَ لَهُ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: إِنَّا كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا، قَالَ: لَتُقِيمَنَّ عَلَى هَذَا بَيِّنَةً، أَوْ لَأَفْعَلَنَّ، فَخَرَجَ فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا إِلَّا أَصْغَرُنَا، فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ، فَقَالَ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا، فَقَالَ عُمَرُ: خَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ. ح وَحَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ يَعْنِى بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرَ فِي حَدِيثِ النَّضْرِ: أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ.\nقوله: «أَلْهَانِي عَنهُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ»، يعني: ألهتني المعاملة بالتجارة وطلب الرزق بهذه الأسواق، ففاتني الحديث، وكذلك الأنصار كانوا يشتغلون بحروثهم ومزارعهم، والذي يشتغل بالتجارة يفوته شيء من الدروس العلمية ومجالس الفقه والحديث.","vol":"6","page":266},{"text":"[٢١٥٤] حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ أَبُو عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: جَاءَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، هَذَا أَبُو مُوسَى، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، هَذَا الْأَشْعَرِيُّ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ، رُدُّوا عَلَيَّ، فَجَاءَ، فَقَالَ يَا أَبَا مُوسَى: مَا رَدَّكَ، كُنَّا فِي شُغْلٍ؟ ! قَالَ: سمعت رسول اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ وَإِلَّا فَارْجِعْ» قَالَ: لَتَأْتِيَنِّي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ، وَإِلَّا فَعَلْتُ وَفَعَلْتُ، فَذَهَبَ أَبُو مُوسَى، قَالَ عُمَرُ: إِنْ وَجَدَ بَيِّنَةً تَجِدُوهُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ عَشِيَّةً، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً، فَلَمْ تَجِدُوهُ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ بِالْعَشِيِّ وَجَدُوهُ، قَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، مَا تَقُولُ، أَقَدْ وَجَدْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، قَالَ: عَدْلٌ، قَالَ: يَا أَبَا الطُّفَيْلِ، مَا يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، فَلَا تَكُونَنَّ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! إِنَّمَا سَمِعْتُ شَيْئًا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَلَا تَكُنْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَمَا بَعْدَهُ.\nقوله: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ»: هذه كنية أبي بن كعب ﵁، وفي الحديث نفسه ذُكرت كنية أخرى له، فقد قال له عمر: «يَا أَبَا الطُّفَيْلِ، مَا يَقُولُ هَذَا؟» فهو له كنيتان.\nوفي هذا الحديث: أن أبا موسى ﵁ استأذن ثلاثًا، المرة الأولى قال: «هَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ قَيْسٍ» يبين اسمه، ثم في الثانية قال: «هَذَا أَبُو مُوسَى» كنيته، ثم في الثالثة قال: «هَذَا الْأَشْعَرِيُّ» لقبه.","vol":"6","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1023>بَابُ كَرَاهَةِ قَوْلِ الْمُسْتَأْذِنِ: أَنَا، إِذَا قِيلَ: مَنْ هَذَا</span>؟\n\n[٢١٥٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَدَعَوْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ هَذَا؟»، قُلْتُ: أَنَا، قَالَ: فَخَرَجَ، وَهُوَ يَقُولُ: «أَنَا، أَنَا».\n[خ: ٦٢٥٠]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟»، فَقُلْتُ: أَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَنَا، أَنَا».\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وَأَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. ح وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمْ: كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ.\nفي هذا الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان إذا استأذن، فقيل: من بالباب أن يقول: أنا، لأن كلمة (أنا) ليس فيها تعريف، ولكن يسمي نفسه، فيقول: أنا فلان، أو أبو فلان، كما استأذن أبو موسى الأشعري، فذكر اسمه وكنيته ولقبه، كما مر.\nولهذا كرر النبي ﷺ وقال: «أَنَا، أَنَا»، كالكاره لذلك.","vol":"6","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1024>بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ</span>\n\n[٢١٥٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قالا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى-.ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي جُحْرٍ فِي بَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْتَظِرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ»، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِذْنُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ».\n[خ: ٦٩٠١]\nقوله: «اطَّلَعَ فِي جُحْرٍ فِي بَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»: الجحر: هو الفتحة تكون بالباب.","vol":"6","page":269},{"text":"وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِنْ جُحْرٍ فِي بَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِدْرًى يُرَجِّلُ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ طَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ الْإِذْنَ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ وَيُونُسَ.\n\n[٢١٥٧] حَدَّثَنَا يَحْيي بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- وَأَبِي كَامِلٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِنْ بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَامَ إِلَيْهِ بِمِشْقَصٍ، أَوْ مَشَاقِصَ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَخْتِلُهُ لِيَطْعُنَهُ.\n[خ: ٦٢٤٢]\n\n[٢١٥٨] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ».\n[خ: ٦٨٨٨]\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ».\nقوله: «بِمِشْقَصٍ»: هو بكسر الميم وإسكان الشين المعجمة وفتح القاف، وهو: نصل السهم إذا كان طويلا ليس بعريض.\nفي هذه الأحاديث: ما يدل على أن الاطلاع على بيوت الغير من شق","vol":"6","page":270},{"text":"الباب، أو من الشباك، أو من السطوح من المحرمات الشديدة، وأنه يجوز للإنسان أن يخذفه إذا رآه يطلع عليه، وأنه إذا خذفه وفقأ عينه فليس عليه شيء، وتكون عينه هدرًا؛ لأنه معتدٍ، وذلك لأن الناس لهم عورات في بيوتهم، والإنسان له بينه وبين أهله أحوال لا يريد أن يطلع عليها أحد.\nوفيه: دليل على أن الاستئذان من أجل ألا يقع بصر الإنسان على ما حرم الله عليه، كأن ينظر إلى امرأة لا تحل له.\nوفيه: دليل على أنه لا يجب على المرأة أن تحتجب من الأعمى؛ لأن النبي ﵊ قال: «إِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ الْإِذْنَ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» والأعمى لا يبصر، ويدل على ذلك حديث فاطمة بنت قيس، وهو في الصحيح أنها لما طُلقت قال لها ﷺ: «اعْتَدِّي عَنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ» (^١)، يعني: فلا يبصرك.\nوأما حديث نبهان عن أم سلمة ﵂ أنه دخل ابن مكتوم على زوجتين من أزواج النبي ﷺ، فقال: «احْتَجِبَا مِنْهُ»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسَ أَعْمَى، لَا يُبْصِرُنَا وَلَا يَعْرِفُنَا؟ قال: «أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا، ألَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ؟ !» (^٢).\nفهذا الحديث من رواية نبهان عن أم سلمة، ونبهان قال فيه الحافظ في التقريب: «إنه مقبول» (^٣)، والمقبول لا يقبل حديثه إلا إذا وجد له متابع، أو شاهد، ثم لو صح حديث نبهان لكان شاذًّا مخالفًا للأحاديث الصحيحة، ولمن هو أوثق منه، كهذا الحديث، وحديث فاطمة بنت قيس ﵂.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٨٠).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٥٩٩٦)، وأبو داود (٤١١٢)، والترمذي (٢٧٧٨).\n(^٣) تقريب التهذيب، لابن حجر (٧٠٩٢).","vol":"6","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1025>بَابُ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ</span>\n\n[٢١٥٩] حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقوله: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ»: بالمد والقصر، أما المد فبضم الفاء وفتح الجيم والهمزة على السطر (فُجَاءَة)، وأما القصر فبفتح الفاء وإسكان الجيم والهمزة على الألف (فَجْأَة) والمراد بها: نظر البغتة، كأن يرى امرأة مثلًا خرجت من باب، أو من سيارة هكذا فجأةً.\nوفيه: دليل على أن نظر الفجأة معفو عنه ما لم يستدمِ النظرَ، فإن استمر فهو آثم، ويجب عليه أن يصرف بصره، وفي الحديث أن النبي ﵊ قال لعلي ﵁: «يَا عَلِيُّ، لَا تُتْبع النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ؛ فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى، وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ» (^١).\nوقول النووي: «قال القاضي: قال العلماء: وفي هذا حجة أنه لايجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة مستحبة لها» (^٢).\nهذا من الغرائب، كيف والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، وقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٢٤٨١)، وأبو داود (٢١٤٩)، والترمذي (٢٧٧٧).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٤/ ١٣٩).","vol":"6","page":272},{"text":"أَبْصَارِهِمْ﴾، وفي الحديث: «فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي» (^١) فكيف لا يدل كل ذلك على أنه يجب على المرأة أن تستر وجهها؟ !\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤١٤١)، ومسلم (٢٧٧٣).","vol":"6","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1026>كِتَابُ السَّلَامِ</span>","vol":"6","page":275},{"text":"كِتَابُ السَّلَامِ\nهذا الكتاب عقده المؤلف عن السلام، والسلام اسم من أسماء الله ﷿، كما قال الله تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ﴾، والسلام تحية المؤمنين في الدنيا والآخرة، وهو تحيتهم في الجنة، قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾، فالمؤمن ينبغي له أن يفشي السلام على كل أحد لقيه، ويبدأ من يلقاه بالسلام إلا إذا عرف أنه غير مسلم فلا يبدأه بالسلام؛ لقول النبي ﷺ: «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ، وَلَاالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ»، كما سيأتي.\nوجاء في صحيح البخاري معلَّقًا مجزومًا به: «ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ، فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ: الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالْإِنْفَاقُ مِنَ الْإِقْتَارِ» (^١).\nفمنها: بذل السلام للعالَم، وليس من عرفتَ فحسب، وبعض الناس لا يسلم إلا على من يعرف، وهذا غلط، وابتداء السلام سنة مستحبة وردُّهُ واجب؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾.\nفالسلام دعاء بالبركة، فإذا قلت لأخيك: السلام عليك، يعني: نزلت عليك بركة اسم السلام، وقيل: المعنى: الدعاء له بالسلامة.\nوإذا كانوا جماعة وسلم أحدهم فقد حصل على السنية، وإذا رد واحد كذلك كفى، وإن سلموا جميعًا وردوا جميعًا فلا بأس.\n_________\n(^١) البخاري (١/ ١٥).","vol":"6","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1027>بَاب يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ</span>\n\n[٢١٦٠] حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي زِيَادٌ أَنَّ ثَابِتًا- مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ- أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ».\n[خ: ٦٢٣٢]\nهذا الحديث فيه: أن هذا كله للاستحباب، فإن عكسوا، فسلم الماشي على الراكب، والكثير على القليل جاز ذلك، وكان خلاف الأفضل، وفي رواية في صحيح البخاري: «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الكَبِيرِ» (^١)، فلو عكس وسلم الكبير على الصغير جاز، لكنه خلاف الأفضل.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٢٣١).","vol":"6","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1028>بَاب مِنْ حَقِّ الْجُلُوسِ عَلَى الطَّرِيقِ: رَدُّ السَّلَامِ</span>\n\n[٢١٦١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: كُنَّا قُعُودًا بِالْأَفْنِيَةِ نَتَحَدَّثُ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَامَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: «مَا لَكُمْ وَلِمَجَالِسِ الصُّعُدَاتِ؟ ! اجْتَنِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ»، فَقُلْنَا: إِنَّمَا قَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَاسٍ، قَعَدْنَا نَتَذَاكَرُ وَنَتَحَدَّثُ، قَالَ: «إِمَّا لَا فَأَدُّوا حَقَّهَا: غَضُّ الْبَصَرِ، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَحُسْنُ الْكَلَامِ».\n\n[٢١٢١] حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ»، قَالَوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ»، قَالَوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ هِشَامٍ- يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ- كِلَاهُمَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله: «بِالْأَفْنِيَةِ»: حريم الدار، وما كان في جوانبها وقريبًا منه.\nوقوله: «الصُّعُدَاتِ» هي الطرقات، واحدها: صعيد، وهو الطريق.\nوقوله: «إِمَّا لَا فَأَدُّوا حَقَّهَا»، أي: إن لم تتركوها.\nوقوله: «غَضُّ الْبَصَرِ»: هو عن المرأة الأجنبية إذا رأيتَها، وإلا فإنك لم","vol":"6","page":279},{"text":"تعطِ الطريقَ حقَّه، فلا تجلس.\nوقوله: «وَكَفُّ الْأَذَى»: هو كفُّ الأذى عن الناس؛ فلا تغتب ولا تنمَّ، ولا تسخر، ولا تتكلم بباطل، ولا تهمز، ولا تلمز من رأيت، ولا تحتقر أحدًا.\nوقوله: «وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَر»: فإذا رأيت منكرًا تنهى عنه، وإذا رأيت أحدًا يشرب الدخان تنهاه عن منكره، وإذا رأيت أحدًا مسفرًا ثيابه تنهاه، وإذا رأيت إنسانًا يسمع الغناء تنهاه، فإذا كانت هذه الأمور صعبة عليك فاجلس في بيتك ولا تجلس في الدكاكين، ولا تجلس في الطرقات.\nهذا الحديث فيه: أن الجلوس في الطرقات يترتب عليه مفاسد، منها:\n١ - تعرض الإنسان للفتنة، قد يفتن بالنظر إلى امرأة.\n٢ - أنه قد يرى منكرًا فلا ينهى عنه.\n٣ - أنه قد يغتاب أحدًا أو يسخر بأحد.\n٤ - أنه قد يتأخر بعض الناس عن قضاء حوائجهم، فقد تكون امرأة ليس لها أحد تريد أن تشتري حاجتها فإذا رأت الرجال تأخَّرت.\n٥ - فإذا جلس في بيته سلم من هذه الأمور، وسلم منه الناس.","vol":"6","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1029>بَاب مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ: رَدُّ السَّلَامِ</span>\n\n[٢١٦٢] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ». ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ: رَدُّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ».\n[خ: ١٢٤٠]\nقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كَانَ مَعْمَرٌ يُرْسِلُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَأَسْنَدَهُ مَرَّةً عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.\nقوله: «تَشْمِيتُ» بالشين المعجمة، ويقال تسميت- بالسين المهملة-.\nوقوله: «خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ» مفهوم العدد هنا لا يفيد الحصر، بدليل الأحاديث التي بعده قال ﷺ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ».\nوأما قوله: «خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ» فتجب هنا مثل قول العرب: حقك علي واجب، يعني: متأكِّد، فحمله الجمهور على تأكد السنية، مثل ما جاء في الحديث الآخر: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» (^١)، أي: بالغ، وقد حمله الجمهور على تأكد السنية.\nهذا الحديث فيه: أن رد السلام واجب عند جميع المحققين؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، وتشميت العاطس كذلك واجب عند بعض العلماء.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٧٩).","vol":"6","page":281},{"text":"وإجابة الدعوة كذلك واجبة على تفصيل سبق.\nوعيادة المريض من المستحبات.\nوفيه: أن الجمهور يرون أن هذه الأمور مستحبة ما عدا إجابة الدعوة، فَقَالَوا: إن دعوة العرس واجبة (^١)، بينما يرى آخرون أن الآداب المذكورة في الحديث حكمها الوجوب، والقول بالوجوب هنا قول قوي، ويحتمل أنها تجب وجوبًا كفائيًّا، يعني: إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ»، قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ».\nقوله: «فَحَمِدَ اللَّهَ»: فيه: أنه إذا لم يحمد الله فلا يشمت، وهذا من باب التعزير.\nوهذه الست قيل: إنها واجبة وجوبًا كفائيًّا، وهي عند الجمهور سنن مؤكدة، كما سبق بيانه.\n_________\n(^١) حاشية الدر المختار، لابن عابدين (٦/ ٣٤٧)، المجموع، للنووي (١٦/ ٣٩٦ - ٣٩٧)، شرح مختصر خليل، للخرشي (٣/ ٣٠٢)، المغني، لابن قدامة (٧/ ٢٧٦).","vol":"6","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1030>بَابُ النَّهْيِ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ، وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ</span>\n\n[٢١٦٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ جَدِّهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ».\n[خ: ٦٢٥٨]\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لَهُمَا- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْنَا فَكَيْفَ نَرُدُّ عَلَيْهِمْ؟ قَالَ: قُولُوا: «وَعَلَيْكُمْ».\n\n[٢١٦٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى بْنِ يَحْيَى- قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَر يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الْيَهُودَ إِذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقُلْ: عَلَيْكَ».\n[خ: ٦٢٥٧]\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فَقُولُوا: وَعَلَيْكَ».\n\n[٢١٦٥] وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا عَائِشَةُ،","vol":"6","page":283},{"text":"إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ»، قَالَتْ: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: «قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ».\n[خ: ٦٢٥٦]\nوَحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمَا جَمِيعًا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قَدْ قُلْتُ: عَلَيْكُمْ»، وَلَمْ يَذْكُرُوا الْوَاوَ.\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أُنَاسٌ مِنْ الْيَهُودِ، فَقَالَوا: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، قَالَ: «وَعَلَيْكُمْ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَالذَّامُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا عَائِشَةُ، لَا تَكُونِي فَاحِشَةً»، فَقَالَتْ: مَا سَمِعْتَ مَا قَالُوا؟ ! فَقَالَ: «أَوَلَيْسَ قَدْ رَدَدْتُ عَلَيْهِمُ الَّذِي قَالُوا، قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ!».\nحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَفَطِنَتْ بِهِمْ عَائِشَةُ، فَسَبَّتْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَهْ يَا عَائِشَةُ؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ»، وَزَادَ: فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ ...﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.\n\n[٢١٦٦] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَلَّمَ نَاسٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَوا: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَقَالَ: «وَعَلَيْكُمْ»، فَقَالَتْ عَائِشَةُ- وَغَضِبَتْ-: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ ! قَالَ: «بَلَى قَدْ سَمِعْتُ، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّا نُجَابُ عَلَيْهِمْ، وَلَايُجَابُونَ عَلَيْنَا».\n\n[٢١٦٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ-","vol":"6","page":284},{"text":"عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ، وَلَاالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كُلُّهُمْ عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: إِذَا لَقِيتُم الْيَهُودَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ، وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.\nقولها: «بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَالذَّامُ»: الذام، يعني: العيب.\nهذه الأحاديث فيها: دليل على أن اليهود والنصارى لا يُبدؤون بالسلام، وكذلك غيرهم من الكفرة، وإنما خص اليهود والنصارى؛ لأنهم هم الذين يكونون تحت الدولة الإسلامية إذا دفعوا الجزية والتزموا بالشروط، وكذلك غيرهم من المستأمنين والمعاهدين والرافضة، كل هؤلاء الكفرة لا يُبدؤون بالسلام، وإذا سلموا يُرد عليهم، لكن يقال: وعليكم، أو عليكم بدون الواو، فقد ورد هذا وهذا، والأفضل بالواو.\nوفيها: خبث اليهود، فهم يقولون: السام عليكم، يعني: الموت عليكم، ويحذفون اللام.\nوفيها: أنك إذا مشيت في طريق فرأيت كافرًا فاضطره إلى أضيقه، وهذا فيه بيان عزة الإسلام، ولعل هذا- أيضًا- فيه دعوة لهم إلى الإسلام، وكذلك دفعُ الجزية فيها ذل لهم وصَغَار، ودعوة لهم إلى الإسلام؛ حتى يَسلَموا من هذا الذل إذا أسلموا.\nوثبت من حديث أَسْمَاءَ ابْنَةِ يَزِيدَ ﵂: «مَرَّ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ فِي نِسْوَةٍ،","vol":"6","page":285},{"text":"فَسَلَّمَ عَلَيْنَا» (^١).\nلكن السلام على الواحدة إذا كان يخشى منه الفتنة فلا يسلم عليها، أما إذا كان معها محرم فلا بأس بالسلام حينئذٍ.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٧٥٦١)، وأبو داود (٥٢٠٤)، وابن ماجه (٣٧٠١).","vol":"6","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1031>بَابُ اسْتِحْبَابِ السَّلَامِ عَلَى الصِّبْيَانِ</span>\n\n[٢١٦٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ سَيَّارٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى غِلْمَانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ.\n[خ: ٦٢٤٧]\nوَحَدَّثَنِيهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nوَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَيَّارٍ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، فَمَرَّ بِصِبْيَانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَحَدَّثَ ثَابِتٌ أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي مَعَ أَنَسٍ، فَمَرَّ بِصِبْيَانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَحَدَّثَ أَنَسٌ أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَمَرَّ بِصِبْيَانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ.\nهذا الحديث فيه: مشروعية السلام على الصبيان.\nوفيه: تواضع النبي ﷺ، واقتداء الصحابة ﵃ به.\nوفيه- أيضًا-: تعليم الصبيان السنة والأدب.","vol":"6","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1032>بَابُ جَوَازِ جَعْلِ الْإِذْنِ رَفْعُ حِجَابٍ، أَوْ نَحْوِهِ مِنَ الْعَلَامَاتِ</span>\n\n[٢١٦٩] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ- وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذْنُكَ عَلَيَّ أَنْ يُرْفَعَ الْحِجَابُ، وَأَنْ تَسْتَمِعَ سِوَادِي حَتَّى أَنْهَاكَ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقوله: «وَأَنْ تَسْتَمِعَ سِوَادِي» والسِّواد والسِّرار بمعنى واحد، وهو كلام السر، والسِّواد يطلق على الشخص، يعني: أن يقرب شخصي من شخصك وأن يرى شخصي شخصك.\nهذا الحديث فيه: دليل على أنه لا بأس أن يجعل الإنسان بينه وبين غيره علامة على الإذن، فإذا رأى هذه العلامة دخل من غير إذن، كأن يرفع الحجاب، أو إذا فتح الباب، أو إذا كان أزال الستارة.\nوفيه: جواز اعتماد العلامة في الإذن في الدخول، بأن يجعل الأمير، أو القاضي، أو العالم، أو التاجر علامة على دخول الناس عليه، أو دخول طائفة معينة؛ كرفع الستر، أو فتح الباب، وكذلك لو جعل علامة بينه وبين خدمه ومماليكه وكبار أولاده وأهله.","vol":"6","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1033>بَابُ إِبَاحَةِ الْخُرُوجِ لِلنِّسَاءِ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ</span>\n\n[٢١٧٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَ مَا ضُرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَابُ لِتَقْضِيَ حَاجَتَهَا، وَكَانَتِ امْرَأَةً جَسِيمَةً تَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْمًا، لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا، فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ يَا سَوْدَةُ: وَاللهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا، فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ؟ ! قَالَتْ: فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِي، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى وَفِي يَدِهِ عَرْقٌ فَدَخَلَتْ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي خَرَجْتُ، فَقَالَ لِي عُمَرُ كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ: فَأُوحِيَ إِلَيْهِ، ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ، وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ، فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ».\n[خ: ٤٧٩٥]\nوَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: يَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْمُهَا، زَادَ أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِيثِهِ، فَقَالَ هِشَامٌ: يَعْنِي: الْبَرَازَ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: وَكَانَتِ امْرَأَةً يَفْرَعُ النَّاسَ جِسْمُهَا، قَالَ: وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى.\nوَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَزْوَاج رَسُولِ اللهِ ﷺ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ- وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ- وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: احْجُبْ نِسَاءَكَ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ- زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ- لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً، وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ؛ حِرْصًا عَلَى أَنْ يُنْزَلَ الْحِجَابُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ الْحِجَابَ.","vol":"6","page":289},{"text":"حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حدثنا أبي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nقوله: «تَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْمًا»: أي تطولهن فتكون أطول منهن، والفارع المرتفع العالي (^١).\nوقوله: «عَرْقٌ» - بفتح العين وسكون الراء-: عظم لحم.\nوقوله: «البَرَاز» الفضاء، والبراز: الخارج، كان النساء يخرجن في الليل لقضاء حاجتهن، وليس عندهن في البيوت كُنُفٌ ولا حمامات، وليس هناك أنوار ولا كهرباء، ومِن حرصِ عمرَ ﵁ على الحجاب كان يقول للنبي ﷺ: «احْجُبْ نِسَاءَكَ» حتى أمر الله بالحجاب.\nوقوله: «وَاللَّهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا، فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ»: هو حرص منه على إنزال الحجاب، فاستحت ورجعت، وهي تريد أن تقضي حاجتها في الليل.\nهذا الحديث فيه: أن الوحي أحيانًا يكون خفيفًا على النبي ﷺ، ولا يغير شعوره، وأحيانًا يكون الوحي ثقيلًا عليه، ونزل عليه الوحي مرة وفخذه على فخذ زيد فكادت أن تَرُضَّ (^٢).\nقوله: «الْمَنَاصِعِ»: جمع منصع، وهي مواضع خارج المدينة، وهي أرض وأمكنة متسعة.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٤/ ١٥١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٨٣٢).","vol":"6","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1034>بَابُ تَحْرِيمِ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ، وَالدُّخُولِ عَلَيْهَا</span>\n\n[٢١٧١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ حُجْرٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَلَا لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا، أَوْ ذَا مَحْرَمٍ».\nقوله: «إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا»، يعني: زوجًا، «أو ذا محرم» من محارمها.\nهذا الحديث فيه: النهي عن الخلوة بالأجنبية، وهو نهي تحريم؛ وخص الثيب لأنها هي التي يُدخَل عليها، أما البكر فهي- في الغالب- مصونة عن ذلك.\n\n[٢١٧٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ».\n[خ: ٥٢٣٢]\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَحَيْوَةَ بْنِ شُرَيح، وَغَيْرِهِمْ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ حَدَّثَهُمْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: وَسَمِعْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: الْحَمْوُ أَخُ الزَّوْجِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَقَارِبِ الزَّوْجِ، ابْنُ الْعَمِّ وَنَحْوُهُ.","vol":"6","page":291},{"text":"قوله: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» الحمو: قريب الزوج، مثل: أخ الزوج وابن أخ الزوج وعم الزوج وابن عم الزوج، وشُبّه الحمو بالموتِ، والموتُ أفظعُ حادث ينزل بالإنسان في هذه الحياة؛ لأن الحمو يدخل في البيت ولا يستنكر دخوله؛ فيحصل من دخوله الشر والفساد، لكن لو جاء الأجنبي ودخل فالكل ينكر عليه؛ فلهذا خص النبي ﷺ الحمو، أما أبو الزوج وابن الزوج فهؤلاء محارم للزوجة.\nوهذا الحديث فيه: تحريم الدخول على النساء؛ لأنه خلوة، سواء كان في البيت، أو في السيارة، أو في المصعد الكهربائي، والخلوة من أسباب الشر والفساد، فلا بد أن يكون معهما ثالث تزول به الخلوة من غير ريبة، أما إذا كانت ريبة فلا ولو كانوا مائة فلا يجوز.\n\n[٢١٧٣] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرٍ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حَدَّثَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ دَخَلُوا عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ- وَهِيَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ- فَرَآهُمْ، فَكَرِهَ ذَلِكَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَالَ: لَمْ أَرَ إِلَّا خَيْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ قَدْ بَرَّأَهَا مِنْ ذَلِكَ»، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: «لَا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا عَلَى مُغِيبَةٍ إِلَّا وَمَعَهُ رَجُلٌ، أَوِ اثْنَانِ».\nقوله: «مُغِيبَةٍ» - بضم الميم وكسر الغين- يعني: من غاب زوجها عن البيت، سواء كان مسافرًا، أو كان في البلد، فلا يدخل أحد على مغيبة إلا أن يكونا رجلين أو ثلاثة لتزول بهم الخلوة، أما إذا كان هناك ريبة وشك فلا","vol":"6","page":292},{"text":"يجوز ولو كانوا عشرة، إذا كانوا أشرارًا أو تواطؤوا على الشر، أما الواحد فلا يدخل.\nوالأطفال لا تزول بهم الخلوة، ولو كانوا مميزين، فلا بد أن يكون الثالث بالغًا.","vol":"6","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1035>بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ رُئِيَ خَالِيًا بِامْرَأَةٍ، وَكَانَتْ زَوْجَتَهُ، أَوْ مَحْرَمًا لَهُ أَنْ يَقُولَ هَذِهِ فُلَانَةُ؛ لِيَدْفَعَ ظَنَّ السُّوءِ بِهِ</span>\n\n[٢١٧٤] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَعَ إِحْدَى نِسَائِهِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَدَعَاهُ، فَجَاءَ، فَقَالَ: «يَا فُلَانُ، هَذِهِ زَوْجَتِي فُلَانَةُ»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ كُنْتُ أَظُنُّ بِهِ، فَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّ بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ».\n\n[٢١٧٥] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حميد- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ لِأَنْقَلِبَ، فَقَامَ مَعِيَ لِيَقْلِبَنِي- وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ- فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ ﷺ أَسْرَعَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ»، فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا- أَوَ قَالَ: شَيْئًا».\n[خ: ٢٠٣٥]\nوَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ أَنَّ صَفِيَّةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، وَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْلِبُهَا، ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَعْمَرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ»، وَلَمْ يَقُلْ: يَجْرِي.\nقوله: «فتحدثَتْ عندَهُ ساعةً»، يعني: جزءًا من الزمن، وليس المراد","vol":"6","page":294},{"text":"الساعة المحددة المعروفة، والساعة تطلق على الزمن القليل والكثير، من ذلك: قول النبي ﷺ- في فتح مكة-: «أَلَا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» (^١)، وكانت الساعة من الضحى إلى بعد العصر فسماها ساعة.\nوقولها: «قام معي ليقلبني»، أي: ليوصلني، وفيه: دليل على مشروعية ذلك، وهل خرج النبي ﷺ أو أنه في المسجد؟ ظاهره: أنه خرج، والنووي يرى أنه ما خرج، وأنه بقي في المسجد (^٢).\nهذا الحديث فيه من الفوائد:\n١ - دليل على أن الإنسان عليه أن يدفع ظن السوء، فإذا خشي الإنسان أن يُظن به ذلك فيخبر عن نفسه إذا كان معه أهله يقول: هؤلاء أهلي معي، أو هذه أختي معي، أو هذه أمي.\n٢ - دليل على أن الشيطان يجري من الآدمي مجرى الدم، وهو على حقيقته، خلافًا لمن تأوَّلَه، وهذا فيه رد على المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام الذين ينكرون أن يكون الجني يلابس الإنسي (^٣)، والأدلة في الرد عليهم كثيرة، منها: هذا الحديث، ومنها: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾، وقوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾.\n٣ - دليل على مشروعية الاعتكاف، وكان هذا الاعتكاف في رمضان، ويتأكد في العشر الأواخر منه.\n٤ - دليل على أن المرأة تزور زوجها في معتكَفه.\n٥ - مشروعية التسبيح عند التعجب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٢)، ومسلم (١٣٥٥).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٤/ ١٥٧).\n(^٣) تفسير الكشاف، للزمخشري (١/ ٣٢٠).","vol":"6","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1036>بَاب مَنْ أَتَى مَجْلِسًا فَوَجَدَ فُرْجَةً فَجَلَسَ فِيهَا، وَإِلَّا وَرَاءَهُمْ</span>\n\n[٢١٧٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ- فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ- عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ- مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ نَفَرٌ ثَلَاثَةٌ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ، أَمَّا أَحَدُهُمْ: فَأَوَى إِلَى اللهِ فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ: فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ: فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ».\n[خ: ٦٦]\nوَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْبٌ- وَهُوَ ابْنُ شَدَّادٍ. ح وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ حَدَّثَهُ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ فِي الْمَعْنَى.\nقوله: «فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ» فيه: أن هذا الفعل أضيف إلى الله من باب المقابلة.\nوقوله: «وَأَمَّا الْآخَرُ: فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ» فهذا من باب الصفات التي تثبت لله من باب المقابلة، مثل: ﴿إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم﴾، و﴿مكروا ومكر الله﴾ فالله تعالى يمكر بالماكرين، ويكيد للكائدين، ويستهزئ بالمستهزئين، ومن أوى إلى الله آواه، ومن أعرض أعرض الله عنه.","vol":"6","page":296},{"text":"ولا يقال: إن من اسماء الله الماكر أو المعرض أو الكائد، فالمكر صفة ذم، ولكنها في مقابلة مكر الماكر صفة مدح، والكيد صفة ذم وفي مقابلة كيد الكائد صفة مدح، وهكذا صفة الإعراض صفة ذم، ولكنها في مقابلة المعرض صفة مدح، فالله تعالى يعرض عن المعرض، ويستحي من المستحي.\nأما صفة الحياء فقد ثبتت في نصوص كثيرة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحق﴾، وفي الحديث: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ» (^١) فصفة الحياء ثابتة لله ﷿ كما يليق بجلاله وعظمته كسائر صفاته.\nالأكثرون على أنها: (سَتِيرٌ) على وزن: فعيل، ككثير من صفات الله تعالى كعليم وخبير وسميع وبصير ... إلخ.\nهذا الحديث فيه الكثير من الفوائد، منها:\n١ - فضل حلق الذكر.\n٢ - مشروعية عقد حلق الذكر ومجالس العلم في المساجد.\n٣ - فضل من حضر هذه الحلق وجلس فيها.\n٤ - أنه ينبغي للإنسان أن يحرص على مجالس الذكر وأن يزاحم ركب أهل العلم حتى يستفيد ويتعلم.\n٥ - بيان التفاوت بين هؤلاء الثلاثة؛ فالأول حرص وسبق صاحبيه إلى الفرجة، والثاني جلس خلف الحلقة واستحيا من أن يخترق الجالسين ليجد لنفسه مكانًا في الحلقة، وأما الثالث فولَّى مدبرًا وأعرض كأنه ليس له عذر ظاهر.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧٩٧٠)، وأبو داود (٤٠١٢)، والنسائي (٤٠٦).","vol":"6","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1037>بَابُ تَحْرِيمِ إِقَامَةِ الْإِنْسَانِ مِنْ مَوْضِعِهِ الْمُبَاحِ الَّذِي سَبَقَ إِلَيْهِ</span>\n\n[٢١٧٧] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ».\n[خ: ٦٢٦٩]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى وَهُوَ الْقَطَّانُ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: الثَّقَفِيَّ- كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَقْعَدِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. ح وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: ابْنَ عُثْمَانَ- كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي الْحَدِيثِ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا، وَزَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قُلْتُ: فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، قَالَ: فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا.\nهذا الحديث فيه: نهي، وهذا النهي أصله للتحريم، وهو تحريم أن يقيم الإنسان الرجل ويجلس مكانه؛ لأنه إذا أقامه وجلس مكانه صار شيء من الحزازات والوساوس التي تكدر خاطره، فيفضي ذلك إلى الشحناء والعداوة","vol":"6","page":298},{"text":"والبغضاء والكراهية، والإسلام أراد من المسلمين أن يكونوا إخوة متحابين متآلفين، قال الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، وقال ﵊: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (^١)، وقال ﵊: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا- وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ» (^٢)، ولكن ينبغي التفسح والتوسع.\nومن سبق إلى مكان فهو أحق به في المسجد وفي الجمعة والجماعة، أو حلقة العلم، ولا ينبغي للإنسان أن يأتي المسجد ويقيم أحدًا ويجلس مكانه، قال العلماء: حتى ولو كان عبده أو ولده، لكن إذا قام هو باختياره ليجلسه مكانه فلا بأس، كما سيأتي في مسألة الإيثار.\nوأما الحجز ففيه تفصيل؛ إن كان وضع شيئًا يحجز به، وذهب ليتوضأ أو لشيء لا بد منه ورجع قريبًا فلا بأس، أما أن يضعه ليجلس الساعات الطوال يبيع ويشتري، أو ينام فلا يجوز.\n\n[٢١٨٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِي مَجْلِسِهِ».\nوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا قَامَ لَهُ رَجُلٌ عَنْ مَجْلِسِهِ لَمْ يَجْلِسْ فِيهِ.\n[خ: ٤٣٢٤]\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوفعل ابن عمر هذا من باب سد الذريعة؛ لأنه يخشى أن يكون قام من مجلسه حياءً، وأن نفسه لم تطب، لكن إذا علم أنه يسره ذلك، وطابت نفسه فلا بأس أن يجلس.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٨٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٤٤٦)، ومسلم (٢٥٨٥).","vol":"6","page":299},{"text":"وهذا من الإيثار بالقُرَب والإيثار بالقربة مكروه عند بعض العلماء، وإنما الإيثار يكون في أمور الدنيا، وفي حظوظ النفس؛ ولهذا كان ابن عمر لا يريد أن يفعل هذا الشخص المكروه، أو خلاف الأولى، هكذا قال النووي (^١).\n\n[٢١٧٨] وَحَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ- وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللهِ- عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ لَيُخَالِفْ إِلَى مَقْعَدِهِ، فَيَقْعُدَ فِيهِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: افْسَحُوا».\nهذا الحديث ظاهره تقييد النهي بيوم الجمعة، والتحقيق: أنه ليس قيدًا، فمثله الجماعة والأمكنة الأخرى، ولكن يقول: افْسَحوا لي، فهناك باب مسدود، وباب مفتوح، فالباب المسدود أن يقيم غيره، والشارع إذا سد بابًا فتح بابًا آخرَ، ففتح باب التفسح والتوسع.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٤/ ١٦١).","vol":"6","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1038>بَاب إِذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ عَادَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ</span>\n\n[٢١٧٩] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، وَقَالَ قُتَيْبَةُ- أَيْضًا-: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ»، وَفِي حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ: «مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ».\nهذا الحديث فيه: أنه إذا قام الإنسان من مجلسه، ثم عاد إليه فهو أحق به، كأن يقوم- مثلًا- لكي يتوضأ، أو لحاجة عرضت له لا بد منها، أو ليجلس في مؤخرة المسجد يتكئ على سارية، أو ما أشبه ذلك، أو قام لحلقة في نفس المسجد، وسيرجع إلى الصف، فهو أحق به، أما من قام وذهب الساعات الطوال في أمور دنياه وحوائجه، ثم أتى فهو حينها ليس أحق به، بل من تقدم فهو أحق منه، لكن إذا كان يترتب على هذا مفسدة، أو خشي أن يحصل بينه وبين من أزاله كلام وأخذٌ وردٌّ، فإنه لا يجلس مكانه دفعًا للمفسدة الأكبر؛ لأن الشريعة جاءت بدرأ المفاسد وتقليلها، وجلب المصالح وتكميلها.","vol":"6","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1039>بَابُ مَنْعِ الْمُخَنَّثِ مِنَ الدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ الْأَجَانِبِ</span>\n\n[٢١٨٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ- أَيْضًا- وَاللَّفْظُ هَذَا- حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ مُخَنَّثًا كَانَ عِنْدَهَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ لِأَخِي أُمِّ سَلَمَةَ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّة، إِنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا، فَإِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى بِنْتِ غَيْلَانَ؛ فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ، وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ، قَالَ فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «لَا يَدْخُلْ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُمْ».\n\n[٢١٨١] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ مُخَنَّثٌ، فَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ، قَالَ: فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا، وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، وَهُوَ يَنْعَتُ امْرَأَةً، قَالَ: إِذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَعٍ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَلَا أَرَى هَذَا يَعْرِفُ مَا هَاهُنَا لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُنَّ»، قَالَتْ: فَحَجَبُوهُ.\nقوله: «فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ»، أي: أربع عُكَنٍ وثمان عكن- أي: الإطواء فى البطن من السِّمَنِ- أي: أربع عكن تقبل بهن من كل ناحية، ولكل واحدة طرفان، فإذا أدبرت صارت الأطراف ثمانية.\nوقولها: «كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ مُخَنَّثٌ»: المخنِّث والمخنَّث- بكسر النون وفتحها مع التشديد-: هو الذي يشبه النساء في حركاته، وفي أقواله وفي أفعاله، وقد يكون هذا خلقة وطبيعة دون اختياره، وقد يكون هذا","vol":"6","page":302},{"text":"تصنعًا، فإن فعله تصنعًا فهذا ملعون على لسان النبي ﷺ، فقد جاء في الحديث: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» (^١).\nوالمخنثون الذين كانوا في زمن النبي ﷺ يشبهون النساء بحركاتهم وأقوالهم، وليس لهم شهوة بالنساء؛ ولهذا فحكمهم حكم النساء، فكانوا يدخلون عليهن.\nوفيه: دليل على أنه يجب منع المخنث من الرجال من الدخول على النساء إذا كان له شهوة، وأنه لا يجوز للنساء أن تبرز له، وأن حكمه حكم الرجال الفحول، كما حجب النبي ﷺ ذلك المخنث- وكان يدعى هيتًا، أو ماتعًا- لما تكلم بهذا الكلام.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٨٨٥).","vol":"6","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1040>بَابُ جَوَازِ إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ إِذَا أَعْيَتْ فِي الطَّرِيقِ</span>\n\n[٢١٨٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو كُرَيْبٍ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ وَمَا لَهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ، وَلَامَمْلُوكٍ، وَلَاشَيْءٍ غَيْرَ فَرَسِهِ، قَالَتْ: فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ وَأَكْفِيهِ مَئُونَتَهُ، وَأَسُوسُهُ وَأَدُقُّ النَّوَى لِنَاضِحِهِ، وَأَعْلِفُهُ، وَأَسْتَقِي الْمَاءَ، وَأَخْرُزُ غَرْبَهُ وَأَعْجِنُ، وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ، وَكَانَ يَخْبِزُ لِي جَارَاتٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ، قَالَتْ: وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رَأْسِي وَهِيَ عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ، قَالَتْ: فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي، فَلَقِيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدَعَانِي، ثُمَّ قَالَ: «إِخْ إِخْ»، لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ قَالَتْ: فَاسْتَحْيَيْتُ، وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ، فَقَالَ: وَاللهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى عَلَى رَأْسِكِ أَشَدُّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ، قَالَتْ: حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ، فَكَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ، فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَتْنِي.\n[خ: ٥٢٢٤]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ أَسْمَاءَ قَالَتْ: كُنْتُ أَخْدُمُ الزُّبَيْرَ خِدْمَةَ الْبَيْتِ، وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ، وَكُنْتُ أَسُوسُهُ، فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْخِدْمَةِ شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ سِيَاسَةِ الْفَرَسِ، كُنْتُ أَحْتَشُّ لَهُ وَأَقُومُ عَلَيْهِ وَأَسُوسُهُ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّهَا أَصَابَتْ خَادِمًا جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ سَبْيٌ فَأَعْطَاهَا خَادِمًا، قَالَتْ: كَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ، فَأَلْقَتْ عَنِّي مَئُونَتَهُ، فَجَاءَنِي رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أُمَّ عَبْدِ اللهِ، إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكِ، قَالَتْ: إِنِّي إِنْ رَخَّصْتُ لَكَ، أَبَى ذَاكَ الزُّبَيْرُ، فَتَعَالَ فَاطْلُبْ إِلَيَّ وَالزُّبَيْرُ شَاهِدٌ، فَجَاءَ، فَقَالَ: يَا أُمَّ عَبْدِ اللهِ، إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكِ، قَالَتْ: مَا لَكَ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا دَارِي؟ فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ: مَا لَكِ أَنْ تَمْنَعِي رَجُلًا فَقِيرًا يَبِيعُ، فَكَانَ يَبِيعُ إِلَى أَنْ كَسَبَ،","vol":"6","page":304},{"text":"فَبِعْتُهُ الْجَارِيَةَ، فَدَخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ، وَثَمَنُهَا فِي حَجْرِي، فَقَالَ: هَبِيهَا لِي، قَالَتْ: إِنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهَا.\nقوله: «بَاب جَوَازِ إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ إِذَا أَعْيَتْ فِي الطَّرِيقِ»، أي: من غير خلوة بها كأن يكون مع جيش، أو معه جماعة.\nوهذا الحديث فيه: أن المرأة تخدم زوجها، مما جرت العادة به، وكانت أسماء بنت أبي بكر زوج الزبير تخدم زوجها خدمة عظيمة، فكانت تعجن، وكانت تسوس الفرس وتغرز غَرْبَه، وتدق له النوى، وتحمله على رأسها وتعلف ناضحه، وكانت تغسل ثيابه وتطبخ، فأخذ العلماء من هذا أن المرأة تخدم زوجها بما جرت العادة به.\nوالفقهاء يرون أن خدمة المرأة لزوجها إنما هي من باب المعروف والإحسان، وليس ذلك واجبًا عليها، فلو امتنعت ليس له أن يجبرها، أما الواجب عليها فأن تلزم البيت، ولا تخرج إلا بإذنه وكذلك- أيضًا- لا تمنع نفسها إذا طلبها، أما الخدمة فهي من باب الاستحباب.\nولكن الأقرب- والله أعلم- أنها تخدم زوجها بما جرت العادة به، وأن هذا يلزمها من غير مشقة عليها.\nوكان الزبير ﵁ فقيرًا في ذلك الوقت ليس له مال إلا هذا الفرس، والأرض التي أقطعه إياها النبي ﷺ، ففيه: دليل على جواز الإقطاع، وهو أن يقطع ولي الأمر قطعة أرض لشخص ما، وهو ما يسمى اليوم بالمنحة، فالنبي ﷺ أقطع الزبير أرضًا، وكانت بعيدة عن المدينة مسافة ثلثي فرسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل اثنان كيلو متر إلا ثلث كيلو تقريبًا، فكانت هذه المسافة أكثر من ثلاثة كيلو مترات تمشيها أسماء، حتى شق ذلك عليها مشقة عظيمة، فأصابها الجهد والتعب، فمرت بالنبي ﷺ ومعه رجال ورآها متعبة، وكادت أن تهلك، فَقَالَ النبي ﷺ للبعير: «إِخْ إِخْ»، وهي كلمة تقال","vol":"6","page":305},{"text":"للبعير ليبرك، فبرك البعير فاستحيت أن تركب وعرفت غيرة الزبير، وكان الزبير عنده غيرة عظيمة؛ ولهذا لما قالت له بعد ذلك: «فاستحييت، وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى عَلَى رَأْسِكِ أَشَدُّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ».\nوفيه: أنهم استدلوا بالحديث على جواز إركاب المرأة الأجنبية إذا كانت منقطعة وأعيت، ولم يكن محرمًا لها، إذا لم تكن هناك خلوة، بأن يكون معهم رجال.\nوقال بعضهم: إن هذا خاص بالنبي ﷺ، وأن النبي ﷺ معصوم، وهذا من خصوصياته، قاله المازري (^١)، والأقرب أنه ليس هذا من خصوصياته وأن الخصوصية تحتاج إلى دليل، ولكن هذا من باب المروءة، فإذا وجد امرأة منقطعة في الطريق وكان يخشى عليها من التعب أو الهلاك أو من اللصوص فإنها تركب معه.\nوفيه: أنها مع تلك المشقة- قبل حصول الخادم- لم تمتنع ﵂ ولا اشتكت، ولا حصلت خصومة بينها وبين زوجها، وبعض النساء لو زاد عليها شيء من العمل ولو قليلًا لاشتكت.\nوفيه: أن هذا الخادم من السبي، وليس مثل الخدم عندنا فهم من الأحرار.\nوفيه: دليل على أن المرأة لها أن تتصرف في مالها بدون إذن زوجها إذا كانت رشيدة، كما فعلت أسماء ﵂ وباعت الجارية للرجل، وأما حديث: «لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا» (^٢)، فهذا إما أنه شاذ، أو أنه محمول على تصرفها في مال زوجها، لا في مال نفسها، وقد أعتقت ميمونة- زوج النبي ﷺ- وليدة لها، ولم تخبر النبي ﷺ، ولم ينكر عليها (^٣).\n_________\n(^١) المعلم، للمازري (٢/ ٨١).\n(^٢) أخرجه أحمد (٦٧٢٧)، وأبو داود (٣٥٤٧)، والنسائي (٢٥٤٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٥٩٢)، ومسلم (٩٩٩).","vol":"6","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1041>بَابُ تَحْرِيمِ مُنَاجَاةِ الِاثْنَيْنِ دُونَ الثَّالِثِ بِغَيْرِ رِضَاهُ</span>\n\n[٢١٨٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ».\n[خ: ٦٢٨٨]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَيُّوبَ بْنَ مُوسَى، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ.\n\n[٢١٨٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ مَنْصُورٍ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الْآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُحْزِنَهُ».\n[خ: ٦٢٩٠]\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ».\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.","vol":"6","page":307},{"text":"وفي هذه الأحاديث: نهي- والنهي للتحريم- أي تحريم تناجي اثنين دون الثالث إذا كانوا ثلاثة، ومثله إذا كانوا أربعة فيتناجى ثلاثة دون الرابع، وقد بين النبي ﷺ الحكمة في النهي وهو من أجل أن ذلك يحزنه.\nفإذا كانوا ثلاثة في مجلس وصار اثنان يتحدثون سرًّا وتركوا الثالث يقع في نفسه وساوس، يَقُولُ: فيم يتكلمون؟ ! فهذا يحزنه، فإما أن يشركوه في الحديث معهم، وإلا فلا يتكلموا.\nومثله: إذا كانوا يتكلمون بلغة أخرى كأن يتكلم اثنان بلغة وهو لا يعرفها، فهذا مثل التناجي؛ لأن هذا يحزنه.\nفإذا اختلطوا بالناس وصاروا جماعة في مجلس كبير فلا بأس، أو كانوا أربعة مثلًا وتناجى اثنان دون اثنين فلا بأس، وكذلك إذا استأذنوه فلا بأس، وفي استئذانه احتفاء به.","vol":"6","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1042>بَابُ الطِّبِّ وَالْمَرَضِ وَالرُّقَى</span>\n\n[٢١٨٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ إِذَا اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَقَاهُ جِبْرِيلُ، قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ يُبْرِيكَ، وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيكَ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ، وَشَرِّ كُلِّ ذِي عَيْنٍ».\n\n[٢١٨٦] حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ الصَّوَّافُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟»، فَقَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ، أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ».\nالإمام مسلم ﵀ لم يفرد الطب والمرض والرقى وما يتصل بذلك من السحر وغيرها في كتاب، بل أورد الأحاديث المتعلقة بذلك في كتاب السلام؛ فإن الأخذ بأسباب علاج الأمراض طريق للسلامة.\nوفي هذه الأحاديث: مشروعية الرقية الشرعية، وأنها من أسباب الشفاء، ويستحب للإنسان أن يرقي نفسه، ويرقي غيره، وقد كان النبي ﷺ يرقي نفسه، كان إذا نام يجمع كفيه ويقرأ فيهما: ﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوذتين وينفث فيهما ويمسح بهما رأسه وما استطاع من جسده يكرر هذا ثلاثًا (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠١٧).","vol":"6","page":309},{"text":"والرقية الشرعية مثل أن يقرأ عليه الفاتحة كما فعل بعض الصحابة ﵃ ورقى أحدهم اللديغ (^١)، ويرقي بالمعوذتين وبآية الكرسي وبرقى شرعية، كما في هذا الحديث: «بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ، أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ»، أو كما جاء في حديث آخر: «أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (^٢).\nوفيه: تكرار الدعاء، وتكرار الرقية.\nوقد رغب رسول الله ﷺ المسلمين في الرقية، فَقَالَ: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» (^٣)، وفي الحديث الآخر: «لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ» (^٤)، يعني: لا رقية أشفى وأولى من رقية العين والحمة، والعين، أي: الإصابة بالعين، والحمة: لدغ ذوات السموم؛ كالحية والعقرب، وإلا فالرقية جائزة في كل شيء يؤذي الإنسان، يقول النبي ﷺ في الحديث -كما سيأتي-: «اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٠٧)، ومسلم (٢٠٠١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٦٧٥)، ومسلم (٢١٩١).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٢٠٠).\n(^٤) أخرجه أحمد (١٩٩٠٨)، وأبو داود (٣٨٨٤)، والترمذي (٢٠٥٧)، وابن ماجه (٣٥١٣).","vol":"6","page":310},{"text":"[٢١٨٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْعَيْنُ حَقٌّ».\n[خ: ٥٧٤٠]\n\n[٢١٨٨] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا».\nقوله: «وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ» فيه: دليل على إثبات القدر، وأنه لا يحصل من العين ضرر ولا يحصل شيء من الخير والشر إلا إذا سبق به قضاء الله وقدره.\nوالإيمان بالقدر أصل من أصول الإيمان، وركن من أركانه الستة، لا يصح الإيمان إلا به، ومن أنكر القدر فهو كافر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾.\nوسأل جبريل ﵇ النبيَّ ﷺ عن الإيمان، فَقَالَ له: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (^١)، ولما قيل لابن عمر في أواخر عهد الصحابة: إن هناك أناسًا ينفون القدر، فيقولون: لاقدر والأمر أنف، قال ابن عمر: «فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١).","vol":"6","page":311},{"text":"فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ، حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ»، ثم روى الحديث (^١).\nوالقدر له أربع مراتب: العلم، والكتابة، والإرادة، والخلق، فالله تعالى علم الأشياء قبل كونها، ثم كتبها في اللوح المحفوظ، ولا يقع شيء إلا إذا أراد الله وقوعه، ثم يخلقه سبحانه ويوجده في الوقت الذي قدر أن يوجد فيه.\nوقوله: «وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا» هذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب، يعني: إذا عرف أن شخصًا أصاب شخصًا بعينه فإنه يؤمر بالاسغتسال، ويجب عليه أن يغسل، وجاء في السنة أنه يغسل وجهه، ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه وداخلة إزاره- وهو: الطرف المتدلي تحت حقوه الأيمن- ثم يصب على رأس الْمَعِينِ، وظهره من خلفه، ويُكفأ الإناء من خلفه، فيشفى بإذن الله (^٢)، ويؤمر- أيضًا- أن يأتي ويبرك عليه ويدعو له ويرقيه، وإذا امتنع فإنه يلزم من قبل ولاة الأمور؛ لأن النبي ﷺ قال: «وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا».\nقال المازري ﵀: «وقد اختلف في العائن هل يجبر على الوضوء للمعيون أم لا؟ واحتجّ من قال بالجبر بقوله في الموطأ «توضّأ له» (^٣)، وبقوله في مسلم «إذا استغسِلتم فاغسِلوا» وهذا أمر يحمل على الوجوب.\nويتَّضِح عندي الوجوب ويبعد الخلاف فيه إذا خُشي على المَعِينِ الهلاك، وكان وضوء العائن مما جرت العادة بالبرء به، أو كان الشرع أخبر به خبرًا عامًّا، ولم يمكن زوال الهلاك عن المَعِينِ إلا بوضوء هذا العائن فإنه يصير من باب مَن تعيَّن عليه إحياء نفس مسلم، وهو يجبر على بذل الطَّعام الذي له ثمن ويضرُّ بذله فكيف بهَذا! ! هذا مما لا يرتفع الخلاف فيه» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٥٩٨٠)، والنسائي في الكبرى (٧٦١٨)، وابن ماجه (٣٥٠٩).\n(^٣) أخرجه مالك في الموطأ (١٦٧٨) بلفظ: «فتوضأ له عامر».\n(^٤) المعلم، للمازري (٣/ ١٥٧).","vol":"6","page":312},{"text":"وفي هذه الأحاديث: إثبات العين، وأنها حق.\nوفيها: الرد على من أنكر وقوع العين من المبتدعة وغيرهم (^١)؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «العَينُ حَقٌّ»، وهذا الحديث موافق لما دل عليه القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾، فالحديث موافق للآية.\nوفيها: دليل على إثبات الأسباب والطبائع والغرائز، وأن العين سبب، والله تعالى ربط الأسباب بالمسببات فجعل المرض الذي يصيب الإنسان له سبب؛ كالعين أو السحر أو السم، هذا هو الصواب خلافًا للجبرية كالأشاعرة وغيرهم الذين ينفون الأسباب.\nمسألة: إذا عُرف أن شخصًا ما عائن، وأصاب شخصًا بعينه فقتله، ففي حكمه تفصيل عند أهل العلم:\nأولا: إن كان تعمد إصابته بالعين وقتله فيُقتل قصاصًا.\nثانيا: إن كان قد خرجت منه العين من غير اختياره فعليه الدية.\nلكن لا يحكم عليه إلا بإقراره؛ لأن هذا أمر داخلي.\nوواجب على الإنسان إذا كان يصيب الناس بعينه أن يُبرّك، وأن يذكر الله، وأن يتقي الله فلا يؤذي الناس ولا يقتلهم، قال العلماء: إذا علم أن شخصًا يصيب الناس بعينه فإن على ولي أمره أن يحبسه في بيته ولا يتركه يخرج للناس، ولا يصلي مع الجماعة- أيضًا-؛ لئلَّا يصيب الناس بعينه، فإذا كان الذي يأكل الكراث والبصل ممنوعًا من الجماعة؛ لئلَّا يؤذي الناس برائحته الكريهة فالذي يصيب الناس بعينه أشد؛ لأنه يقتلهم.\nوقد زعم بعض الطبائعيين المثبتين للعين: أن العائن تنبعث من عينه قوة\n_________\n(^١) المعلم، للمازري (٣/ ١٥٥)، إكمال المعلم، للقاضي عياض (٧/ ٨٢)، شرح مسلم، للنووي (١٤/ ١٧١)، فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٢٠٠ - ٢٠٣).","vol":"6","page":313},{"text":"سمية تتصل بالمَعِينِ فيهلك، أو يصاب، قالوا: ولا يمتنع هذا، كما لا يمتنع انبعاث قوة سمية من الأفعى والعقرب تتصل باللديغ فيهلك، وإن كان ما ينبعث من العين غير محسوس، وهذا ليس ببعيد.\nوصفة وضوء العائن عند العلماء: أن يؤتى العائن بقدح من ماء- ولا يوضع القدح في الأرض- فيأخذ منه غرفة، فيتمضمض بها، ثم يمجها في القدح، ثم يأخذ منه ماء يغسل وجهه، ثم يأخذ بشماله ماء يغسل به كفه اليمنى، ثم بيمينه ماءً يغسل به مرفقه الأيسر، ولا يغسل ما بين المرفقين والكعبين، ثم يغسل قدمه اليمنى، ثم اليسرى على الصفة المتقدمة، وكل ذلك في القدح، ثم داخلة إزاره وهو الطرف المتدلي الذي يلي حقوه الأيمن، وقد ظن بعضهم أن داخلة الإزار كناية عن الفرج، وجمهور العلماء على ما قدمناه، فإذا استكمل هذا صبه على المَعِينِ مِن خلفه على رأسه، وهذا المعنى لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه.","vol":"6","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1043>بَاب السِّحْرِ</span>\n\n[٢١٨٩] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَحَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ- يُقَالُ لَهُ لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ- قَالَتْ: حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ- أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ- دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، أَشَعَرْتِ أَنَّ اللهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟ جَاءَنِي رَجُلَانِ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ: الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ- أَوِ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي- مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ، قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ قَالَ: وَجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ»، قَالَتْ: فَأَتَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، وَاللهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ»، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ؟ قَالَ: «لَا، أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللهُ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا، فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُفِنَتْ».\n[خ: ٥٧٦٥]\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُحِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَسَاقَ أَبُو كُرَيْبٍ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَقَالَ فِيهِ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْبِئْرِ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا، وَعَلَيْهَا نَخْلٌ، وَقَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَخْرِجْهُ، وَلَمْ يَقُلْ: أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُفِنَتْ.\nقوله: «فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ»: المشط: المعروف الذي يُسرح به الشعر،","vol":"6","page":315},{"text":"والمشاطة: هي الشعر الذي يتساقط من الرأس واللحية، أو الخيوط هي التي تؤخذ من الثوب والقماش.\nوقوله: «وَجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ»، أي: وعاء طلع النخل، وهو الغشاء الذي يكون عليه، ويطلق على الذكر والأثنى؛ فلذا قيده (طلعة ذكر) بإضافة طلعة إلى ذكر.\nوقوله: «يَا عَائِشَةُ، وَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ»، أي: أن ماءها أحمر كأنه نقعة الحناء، وهذا- والله أعلم- بسبب ما يلقى فيه من الأشياء، أو بسبب تغيره، وحولها نخل كأنه رؤوس الشياطين، قال العلماء: لأنه دقيق يشبه رؤوس الشياطين.\nهذا الحديث فيه: إثبات السحر، وهو القول الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة، خلافًا للمعتزلة الذين أنكروا وجود السحر، وأنكروا خوارق العادات التي تجري على أيدي السحرة، وكذلك الخوارق التي تجري على أيدي الصالحين.\nوشبهتهم في ذلك: أنه لو حصل خارق على يدي الساحر، أو على يدي الولي لالتبست به معجزة الأنبياء وهذا باطل، والصواب: أن الساحر يحصل له خوارق بإذن الله، فقد يطير في الهواء، وقد يغوص في البحار.\nوالسحر له تأثير، كما بين الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يُفَرِّقُون بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾، وقد يَقتل وقد يُمْرِض، ومنه ما هو حقيقة ومنه ما هو خيال؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، فلولا أن له حقيقةً لما أمر الله بالاستعاذة منه، ومنه ما هو خيال؛ لقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾، خلافًا لأبي حنيفة القائل بأن السحر تخييل فقط.\nوالكهنة يحصل لهم خوارق، وكذلك الدجالون، وآخرهم الدجال الذي","vol":"6","page":316},{"text":"يخرج في آخر الزمان ويُجري الله على يديه الخوارقَ ابتلاءً وامتحانًا، فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت ويقطع الرجل نصفين فيقول له: قم فيستوي قائمًا.\nوالسحر له أنواع متعددة، والذي حصل للنبي ﷺ من جنس المرض الذي يتعلق بالجسد، يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، يخيل إليه أنه وطئ زوجته ولم يطأها، ولا يتعلق سحره بعقله، ولا بعصمته، ولا بتبليغه الرسالة.\nوقد أنكر بعض أهل البدع أن يكون النبي ﷺ قد سُحر، يقولون: إن هذا يُخِلُّ بالتبليغ ويخل بعصمته وهو معصوم، وهذا باطل للحديث الصحيح الثابت في الصحيحين أن النبي ﷺ قد سُحِر، وقد تلقته الأمة بالقبول، فأحاديث الصحيحين تفيد العلم، بل إن الحديث إذا صح سنده واتصل وتعددت رواته ولم يكن شاذًّا ولا معلَّلًا فإنه يفيد العلم ويجب قبوله والعمل به، فالنبي ﷺ سُحِر فيما يتعلق بأمور الدنيا، وهذا من جنس الأمراض التي تصيبه، كما أنه ﷺ مرض فسقط عن الفرس وجحشت رجله ﵊ (^١)، وكان يوعك كما يوعك الرَّجُلان (^٢)، وصُبَّ عليه من سبع قِرب (^٣)، وكسرت رَبَاعيته يوم أحد وشُجَّ وجهه وسقط في حفرة ﵊ (^٤).\nوفيه: أن الله تعالى شفى نبيه ﵊ من هذا السحر وعافاه منه بسبب دعائه، فقد دعا، ثم دعا، ثم دعا.\nوفيه: أنه يجب اللجوءُ إلى الله والتضرعُ إليه ودعاؤه عند الكربات والمصائب وفي كل وقت.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٧٨)، ومسلم (٤١١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٦٢٨)، ومسلم (٢٥٧١).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٨).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٩١١)، ومسلم (١٧٩٠).","vol":"6","page":317},{"text":"وفيه: أن النبي ﷺ جاءه ملكان في النوم وأخبراه بأنه سُحر، ورؤيا الأنبياء وحي، فجلس أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، قال: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب- يعني: مسحور- قال: مَن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، قال: وجُفِّ طلعة ذكر، قال: أين؟ قال: في بئر ذي أروان، وفي لفظ في غير الصحيحين: «تَحْتَ رَعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ» (^١)، وهذا يدل على خبث اليهود، فقد سحروه في مشط ومشاطة.\nوجاء في رواية في غير الصحيحين: أن فيه إبر مغروزة وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة فجاء جبريل فرقى النبي ﷺ بالمعوذتين، وهي إحدى عشرة آية فكلما قرأ آية انحلت عقدة (^٢).\nلكن في الصحيح هنا: أنه لم يحرقه، قالت عائشة: «أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ؟» وهذا دليل على أن السحر إذا أُخرج وأُحرق يزول، ولأن النبي ﷺ أقر عائشة على قولها.\nوفيه: أن النبي ﷺ شفاه الله، والظاهر: أن الله شفاه بسبب الرقية والدعاء.\nوفيه: دليل على أن الرقية تنفع في حل السحر، ولو لم يُحرق السحر؛ ولهذا لما قالت عائشة ﵂ للنبي ﷺ: «أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ؟»، قَالَ: «أما أنا فشفاني الله»، يعني: بدون إحراق.\nولم يعاقب النبي ﷺ الساحر؛ لئلَّا يثير على الناس شرًّا بالتحدث فيه؛ إذ لو أَخرج السحر وأَحرقه لتحدث الناس: ماذا فعل؟ من الذي سحره؟ ما هو السحر؟ وكذلك خوفًا من أن يقتل الصحابةُ هذا اليهوديَّ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٦٣).\n(^٢) أخرجه المستغفري في فضائل القرآن (٢/ ٧٣١)، والبيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٢٤٨)، (٧/ ٩٢ - ٩٤)، والواحدي في أسباب النزول (١/ ٥٠٣)، وانظر: فتح الباري (١٠/ ٢٣٠)، والدر المنثور (٨/ ٦٨٧).","vol":"6","page":318},{"text":"ولم يعلم بعض الصحابة بسحره ﵊؛ لأنه لم يؤثر على النبي ﷺ في دعوته وتبليغه، وخروجه للناس وصلاته بهم.\nوفيه: أن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂: «ما شعرتِ أن الله أفتاني فيما استفتيته» ففيه: دليل على أنه يقال: إن الله يفتي، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾.\nوفيه: أن حكم تعلم السحر وتعليمه فيه تفصيل: فهو محرم، لكن إن كان يتعلق بالشياطين فهو كفر؛ لأنه لا بد أن يفعل الشرك.\nأما إذا كان السحر لا يتعلق بالشياطين فهو من باب الشعوذة والتطبب من غير اتصال بالشياطين، وليس فيه شرك، لا دعوة لغير الله، ولا دعاء الشياطين، وفاعل هذا يكون مرتكبًا لكبيرة، أما إذا استحل إيذاء المسلم فيكفر؛ لأنه استحل أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة.\n- والساحر يجب قتله، وقد ثبت هذا عن النبي ﷺ (^١)، وعن جابر وعن عمر ﵄ أنه أمر بقتله (^٢)، وعن حفصة ﵂ (^٣).\nوعند الأئمة الثلاثة مالك وأبي حنيفة وأحمد أنهم يرون أن الساحر كافر على كل حال وأنه يجب قتله (^٤).\nوالإمام الشافعي ﵀ فصَّل، وقال: «والسحر اسم جامع لمعان مختلفة فيقال للساحر: صف السحر الذي تسحر به، فإن كان ما يسحر به كلام كفر صريح استتيب منه فإن تاب، وإلا قتل، وأخذ ماله فيئا، وإن كان ما يسحر به\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١٤٦٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٠٤٣)، وأبو يعلى (٨٦٠)، والبهقي في الكبرى (١٦٤٩٨).\n(^٣) أخرجه مالك في الموطأ (١٤).\n(^٤) حاشية الدر المختار، لابن عابدين (٤/ ٢٤٠)، الشرح الكبير، للدردير (٤/ ٣٠٢)، كشاف القناع، للبهوتي (١٤/ ٢٧٥)، الإنصاف، للمرداوي (١٠/ ٣٤٩).","vol":"6","page":319},{"text":"كلاما لا يكون كفرا وكان غير معروف، ولم يضر به أحدا نهي عنه فإن عاد عزر، وإن كان يعلم أنه يضر به أحدا من غير قتل فعَمِدَ أن يعمله عزر» (^١).\nوعند التأمل نرى أنه ليس هناك اختلاف بين الشافعي وبين الأئمة الثلاثة؛ وذلك لأن الشافعي ﵀ أدخل في السحرِ السحرَ اللغويَّ؛ لأن السحر في اللغة معناه: ما يؤثر في الخفاء، فمادة: (السين والحاء والراء) تدل على الخفاء، والأئمة الثلاثة لم يدخلوا السحر اللغوي في مسمى السحر؛ فلهذا قالوا: الساحر على كل حال كافر، وإلا فالأئمة الأربعة كلهم متفقون على أنه إذا تضمن السحر كفرًا فإنه يكفر.\n_________\n(^١) الأم، للشافعي (١/ ٢٩٣)، المجموع، للنووي (١٩/ ٢٤٥).","vol":"6","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1044>بَابُ السُّمِّ</span>\n\n[٢١٩٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ، قَالَ: «مَا كَانَ اللهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ»، قَالَ: أَوَ قَالَ: عَلَيَّ: قَالَ: قَالُوا: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: «لَا»، قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.\n[خ: ٢٦١٧]\nوَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ زَيْدٍ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ أَنَّ يَهُودِيَّةً جَعَلَتْ سَمًّا فِي لَحْمٍ، ثُمَّ أَتَتْ بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِ خَالِدٍ.\nقوله: «فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ»: واللهوات- بفتح اللام والهاء- جمع لهاة- بفتح اللام- وهي اللحمة الحمراء المعلقة في أصل الحنك، وقيل: اللحمات اللواتي في سقف أقصى الفم، ومعنى قوله: «فمازلت أعرفها»، أي: العلامة، وكأنه بقي للسم علامة وأثر من سواد أو غيره في طرف أقصى الحلق، كأنه إذا فتح النبي ﷺ فمه رأى أنس ﵁ السواد في أقصى الفم.\nهذا الحديث فيه: أن النبي ﷺ أصابه السم، وهو من جنس السحر الذي أصابه.\nوفيه: دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بشر تصيبهم الأمراض، وكذلك رسول الله ﵊، وهو نبي كريم يطاع ويتبع ويحب، ولكنه لا يعبد، ولو كان يصلح للعبادة لما أصابته الأمراض والأسقام؛ لأن الإله منزه عن أن يصيبه شيء من ذلك، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ","vol":"6","page":321},{"text":"مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾.\nوفيه: الرد على من قال: إن النبي ﷺ نور، وأنه جزء من الله- والعياذ بالله- فهؤلاء كفرة، ليس هو نورًا ﷺ، بل هو بشر مخلوق من ذكر وأنثى من أبيه عبد الله وأمه آمنة بنت وهب.\nوفيه: خبث اليهود؛ فقد سموا النبي ﷺ وسحروه، وهذه اليهودية- واسمها زينب بنت الحارث أخت مرحب اليهودي الذي قتل يوم خيبر- سمت النبي ﷺ، وقالت له لما سألها: إن كنت كذابًا نستريح منك، وإن كنت نبيًّا فلا يضرك (^١).\nوفيه: أن النبي ﷺ لم يقتلها، وجاء في حديث آخر: «أن النبي ﷺ دفعها إلى أولياء بشر فقتلوها» (^٢)، ويجمع بينهما: أن النبي ﷺ عفا عنها في أول الأمر، ثم بعد ذلك لما مات الصحابي الذي أكل مع النبي ﷺ جاء أولياؤه يطلبون القصاص، فدفعها إليهم فقتلوها.\n- من الأسرار والحكم في سَمِّ النبي ﷺ:\n١. الدلالة على أنه بشر ﷺ.\n٢. تعظيم الله ﵎ له الأجر في رفع درجاته.\n٣. لتقتدي به الأمة في الصبر والتحمل.\n٤. ليعلم الناس أن الدنيا دار أكدار وأحزان وهموم ما هي بدار نعيم، ولو كانت دار نعيم ما أصاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من كدرها شيء، والرسل عليهم الصلاة والسلام أفضل الناس وأحب الناس إلى الله، ومع ذلك أصابتهم الأكدار والهموم والأحزان؛ لا لهوانهم على الله ﷿، بل لعظم منزلتهم؛ ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الآخر: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلاءً: الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ، فَالأَمْثَلُ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١٦٩).\n(^٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات (١٩٢١).\n(^٣) أخرجه النسائي في الكبرى (٧٤٤٠).","vol":"6","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1045>بَابُ اسْتِحْبَابِ رُقْيَةِ الْمَرِيضِ</span>\n\n[٢١٩١] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا وقَالَ زُهَيْرٌ- وَاللَّفْظُ لَهُ-: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا»، فَلَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَثَقُلَ أَخَذْتُ بِيَدِهِ لِأَصْنَعَ بِهِ نَحْوَ مَا كَانَ يَصْنَعُ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ يَدِي، ثُمَّ قَالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَاجْعَلْنِي مَعَ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى»، قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ قَدْ قَضَى.\n[خ: ٥٦٧٥]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ سُفْيَانَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنِ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ فِي حَدِيثِ هُشَيْمٍ وَشُعْبَةَ: مَسَحَهُ بِيَدِهِ، قَالَ: وَفِي حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ: مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ، وقَالَ: فِي عَقِبِ حَدِيثِ يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ مَنْصُورًا، فَحَدَّثَنِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ بِنَحْوِهِ.\nوَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا عَادَ مَرِيضًا يَقُولُ: «أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِهِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ","vol":"6","page":323},{"text":"ﷺ إِذَا أَتَى الْمَرِيضَ يَدْعُو لَهُ، قَالَ: «أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا».\nوَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَدَعَا لَهُ، وَقَالَ: وَأَنْتَ الشَّافِي.\nوَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَمُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ وَجَرِيرٍ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَرْقِي بِهَذِهِ الرُّقْيَةِ: «أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ بِيَدِكَ الشِّفَاءُ، لَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا أَنْتَ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقالت عائشة: «فَلَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَقُلَ أَخَذْتُ بِيَدِهِ لِأَصْنَعَ بِهِ نَحْوَ مَا كَانَ يَصْنَعُ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ يَدِي»، يعني: فأمسح وأدعو له، فانتزعها من يدها؛ لأن الموت قد حضر، ولا فائدة، كما قال الله تعالى: ﴿كلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرونُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، ولا تستطيعون أن ترجعوها.\nقولها: «فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ قَدْ قَضَى»، أي: قد مات.\nفي هذه الأحاديث: مشروعية الفعل والقول بالنسبة لزائر المريض وراقيه، بالدعاء له بالشفا، ومسح مكان الألم، تلك الأدعية: «أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ","vol":"6","page":324},{"text":"سَقَمًا» وفي اللفظ الآخر: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ البَاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا» (^١).\nوفيها: أن من أسماء الله تعالى: الشافي؛ لأن النبي ﵊ أطلقه على الله.\nوكان النبي ﷺ إذا جاءه المريض مسحه بيده ولاسيما على المكان الذي يألم منه، ثم يدعو له بالدعاء السابق.\nوفيها: مشروعية هذه الأدعية النبوية للمريض.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٤٢).","vol":"6","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1046>بَابُ رُقْيَةِ الْمَرِيضِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَالنَّفْثِ</span>\n\n[٢١٩٢] حَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي.\n[خ: ٥٠١٦]\nوَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ: بِمُعَوِّذَاتٍ.\nقوله: «الْمُعَوِّذَات»: هي بتشديد الواو المكسورة.\nهذا الحديث فيه: مشروعية الرقية بالمعوذات، ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و﴿قل أعوذ برب الناس﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾، وسميت المعوذات من باب التغليب، مع أنهما معوذتان فقط.\nوالرقية بالفاتحة رقية شرعية كما سيأتي، والقرآن كله رقية.\nوفيه: مشروعية النفث، وهو نفخٌ مع ريق خفيف، وهو أقل من التَّفل.","vol":"6","page":326},{"text":"حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُ عَنْهُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ. ح وَحَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي زِيَادٌ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِ مَالِكٍ نَحْوَ حَدِيثِهِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا إِلَّا فِي حَدِيثِ مَالِكٍ، وَفِي حَدِيثِ يُونُسَ وَزِيَادٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ.\nوهذا الحديث فيه: مشروعية أن يرقي الإنسان نفسه، وهو أولى من غيره، فيقرأ على نفسه الفاتحة، وآية الكرسي، والمعوذتين، وقل هو أحد، وكان النبي ﷺ يفعل هذا، في كل ليلة ينفث، يقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين وينفث بيديه، ويمسح بهما رأسه وما استطاع من جسده، فلما مرض وتعب صارت عائشة تنفث في يديه تمسح بيديه؛ رجاء بركتها، لكن في مرض الموت انتزعهما منها؛ لأن الموت قد حضر.","vol":"6","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1047>بَابُ اسْتِحْبَابِ الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ، وَالنَّمْلَةِ، وَالْحُمَةِ، وَالنَّظْرَةِ</span>\n\n[٢١٩٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الرُّقْيَةِ، فَقَالَتْ: رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَهْلِ بَيْتٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي الرُّقْيَةِ مِنْ كُلِّ ذِي حُمَةٍ.\n[خ: ٥٧٤١]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَهْلِ بَيْتٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي الرُّقْيَةِ مِنَ الْحُمَةِ.\nقوله: «رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ»، أي: أذن في الرقية من كل ذات سم، والسم مثلث السين.\n\n[٢١٩٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ- قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْح، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَهَا: «بِاسْمِ اللهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا؛ لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا».\nقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: يُشْفَى، وقَالَ زُهَيْرٌ: لِيُشْفَى سَقِيمُنَا.\n[خ: ٥٧٤٥]\nهذا الحديث فيه: مشروعية هذا العمل، وهو أنه يبل إصبعه من ريقه ثم يضعها على التراب، ثم يضعها على المكان الذي يألم منه، فيقول: «بِاسْمِ اللَّهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا؛ لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا»، وهذا في كل تربة إذا كانت طاهرة.","vol":"6","page":328},{"text":"[٢١٩٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُمَا- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَرٍ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شَدَّادٍ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُهَا أَنْ تَسْتَرْقِيَ مِنَ الْعَيْنِ.\n[خ: ٥٧٣٨]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حدثنا أبي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنِي أَنْ أَسْتَرْقِيَ مِنَ الْعَيْنِ.\nفي هذه الأحاديث: مشروعية الاسترقاء من العين، والاسترقاء: طلب الرقية، يعني: إذا أصيب الإنسان بعين يجوز له الاسترقاء، يعني: يطلب من يرقيه بآيات من القرآن؛ بالمعوذتين، وقل هو الله أحد، وبآية الكرسي، وبالفاتحة، وبالدعاء، وهكذا الاسترقاء من ذوات السموم، كما في الحديث الآخر: «لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ» (^١)، فالرقية من العين والحمة أشفى من غيرها.\nوهذا لا ينافي تمام التوكل إذا كانت الحاجة داعية لذلك وتَعَيّن طريقا للعلاج، ويحتمل أن النبي ﷺ أمرها أن تسترقي لا لنفسها بل لغيرها، كما في رواية في المسند عنها ﵂ قالت: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَسَمِعَ صَوْتَ صَبِيٍّ يَبْكِي، فَقَالَ: «مَا لِصَبِيِّكُمْ هَذَا يَبْكِي، هَلَّا اسْتَرْقَيْتُمْ لَهُ مِنَ الْعَيْنِ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٩٩٠٨)، وأبو داود (٣٨٨٤)، والترمذي (٢٠٥٧)، وابن ماجه (٣٥١٣).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٤٤٤٢).","vol":"6","page":329},{"text":"[٢١٩٦] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ- فِي الرُّقَى- قَالَ: رُخِّصَ فِي الْحُمَةِ، وَالنَّمْلَةِ، وَالْعَيْنِ.\n[خ: ٥٧٣٩]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا حَسَنٌ- وَهُوَ ابْنُ صَالِحٍ- كِلَاهُمَا عَنْ عَاصِمٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ، وَالْحُمَةِ، وَالنَّمْلَةِ.\nوَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ.\nقوله: «رُخِّصَ فِي الْحُمَةِ» الحمة: ذوات السموم.\nقوله: «وَالنَّمْلَةِ، وَالْعَيْنِ»: النملة: قروح تخرج في الجنب، والعين: الحسد، وليس المراد من الحديث: الحصر في هذه الثلاثة، وأما حديث: «لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ» (^١)، أي: لا رقية أشفى وأولى منها؛ لشدة ضررهما، وشدة الحاجة إلى الرقية منهما.\n\n[٢١٩٧] حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِجَارِيَةٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- رَأَى بِوَجْهِهَا سَفْعَةً، فَقَالَ: «بِهَا نَظْرَةٌ، فَاسْتَرْقُوا لَهَا»، يَعْنِي: بِوَجْهِهَا صُفْرَةً.\nقوله: «سفعة»، أي: سواد وتغير في الوجه.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٩٩٠٨)، وأبو داود (٣٨٨٤)، والترمذي (٢٠٥٧)، وابن ماجه (٣٥١٣).","vol":"6","page":330},{"text":"[٢١٩٨] حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِآلِ حَزْمٍ فِي رُقْيَةِ الْحَيَّةِ، وَقَالَ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ: «مَا لِي أَرَى أَجْسَامَ بَنِي أَخِي ضَارِعَةً، تُصِيبُهُمُ الْحَاجَةُ؟ !»، قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ الْعَيْنُ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ، قَالَ: «ارْقِيهِمْ»، قَالَتْ: فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «ارْقِيهِمْ».\n\n[٢١٩٩] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أَرْخَصَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رُقْيَةِ الْحَيَّةِ لِبَنِي عَمْرٍو، قَالَ أَبُو الزُّبَيْر: وَسَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: لَدَغَتْ رَجُلًا مِنَّا عَقْرَبٌ، وَنَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرْقِي؟ قَالَ: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ».\nوَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَرْقِيهِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ وَلَمْ يَقُلْ: أَرْقِي.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ لِي خَالٌ يَرْقِي مِنَ الْعَقْرَبِ، فَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الرُّقَى، قَالَ: فَأَتَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى، وَأَنَا أَرْقِي مِنَ الْعَقْرَبِ، فَقَالَ: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ».\nوَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الرُّقَى، فَجَاءَ آلُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنَ","vol":"6","page":331},{"text":"الْعَقْرَبِ، وَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى قَالَ: فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا أَرَى بَأْسًا، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ».\nقوله: «أَجْسَامَ بَنِي أَخِي»، أي: أولاد جعفر بن أبي طالب؛ لأنه أخوه من الرضاع.\nوقوله: «ضَارِعَةً» يعني: نحيفة.\nوهذا الحديث فيه: مشروعية الرقية من العين.\nوأسماء بنت عميس كانت زوجة لجعفر بن أبي طالب فلما قتل جعفر تزوجها أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم أجمعين.","vol":"6","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1048>بَابُ لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ</span>\n\n[٢٢٠٠] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: «اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ».\nوهذا الحديث فيه: دليل على جواز كل رقية ما لم يكن فيها شرك، أو أن تكون الرقية مجهولة لا يُعرف معناها.\nوفيه: دليل على أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب؛ إلا ما أطلعه الله ﵎ عليه، وإلا لعلم كُنه رقاهم التي يقصدون، ولما طلب منهم أن يعرضوها عليه.\nوفيه: أن على المفتي الاطلاع على كامل حيثيات المسألة المستفتى فيها، وما يتعلق بها من أمور قبل أن يصدر فتواه، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره.","vol":"6","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1049>بَابُ جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ بِالْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارِ</span>\n\n[٢٢٠١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانُوا فِي سَفَرٍ، فَمَرُّوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَلَمْ يُضِيفُوهُمْ، فَقَالَوا لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ فَإِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ لَدِيغٌ أَوْ مُصَابٌ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: نَعَمْ، فَأَتَاهُ فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَبَرَأَ الرَّجُلُ، فَأُعْطِيَ قَطِيعًا مِنْ غَنَمٍ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَقَالَ: حَتَّى أَذْكُرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ مَا رَقَيْتُ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَتَبَسَّمَ، وَقَالَ: «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ !»، ثُمَّ قَالَ: «خُذُوا مِنْهُمْ، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ مَعَكُمْ».\n[خ: ٢٢٧٦]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ كِلَاهُمَا عَنْ غُنْدَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَجَعَلَ يَقْرَأُ أُمَّ الْقُرْآنِ وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ، وَيَتْفِلُ فَبَرَأَ الرَّجُلُ.\nهذا الحديث فيه: جواز أخذ الأجرة على الرقية، إما أن يتفقا عليها، أو يأخذ الراقي ما يعطاه من دون شرط، ومثله أخذ الأجرة على التطبب، ولو لم يبرأ المريض.\nوفيه: جواز الاسترقاء عند الحاجة، وجواز الاقتصار في الرقية على الفاتحة، فإنها رقية.\nوفيه: الرقية بالمعوذتين.\nوفيه: أن الاسترقاء عند الحاجة إليه لا يخل بشرط السبعين ألفًا، فقد أمر النبي ﷺ أسماء بنت عميس أن تسترقي لأولاد جعفر، وأمر عائشة أن","vol":"6","page":334},{"text":"تسترقي لأولاد أخيها.\nوفيه: أن الفاتحة رقية من اللدغة وذوات السموم.\nوقوله ﷺ: «خُذُوا مِنْهُمْ وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ مَعَكُمْ»: فيه: تطييب لخاطرهم؛ ليعلموا حِلٌّ ما أخذوه.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَخِيهِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: نَزَلْنَا مَنْزِلًا فَأَتَتْنَا امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ لُدِغَ، فَهَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ؟ فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مِنَّا- مَا كُنَّا نَظُنُّهُ يُحْسِنُ رُقْيَةً- فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَبَرَأَ فَأَعْطَوْهُ غَنَمًا، وَسَقَوْنَا لَبَنًا، فَقُلْنَا: أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً؟ فَقَالَ: مَا رَقَيْتُهُ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، قَالَ: فَقُلْتُ: لَا تُحَرِّكُوهَا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «مَا كَانَ يُدْرِيهِ أَنَّهَا رُقْيَةٌ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ مَعَكُمْ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مِنَّا، مَا كُنَّا نَأْبِنُهُ بِرُقْيَةٍ.\nوقوله: «إِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ» السليم: هو اللديغ، والعرب يسمون اللديغَ سليمًا تفاؤلًا بالسلامة، كما يسمون الصحراء مفازة- وهي مهلكة- تفاؤلًا بالفوز وقطعها بالسلامة، والمسحور يسمونه مطبوبًا تفاؤلًا بالطيب.\nقوله: «مَا كُنَّا نَأْبِنُهُ بِرُقْيَةٍ»، يعني: ما كنا نظنُّ أنه يعرف الرقية، فما كان يُعرف بالرقية، فرقاه بفاتحة الكتاب.\nهذا الحديث فيه: دليل على أن المهم في الرقية حضور القلب وتأمل المعنى وحسن الظن بالله ﵎.","vol":"6","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1050>بَابُ اسْتِحْبَابِ وَضْعِ يَدِهِ عَلَى مَوْضِعِ الْأَلَمِ مَعَ الدُّعَاءِ</span>\n\n[٢٢٠٣] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِاسْمِ اللهِ، ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللهِ، وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ».\nهذا الحديث فيه: مشروعية أن يضع الإنسان يده على المكان الذي يتألم منه في جسده، ويقول هذا الذكر: «بِاسْمِ اللَّهِ» ثلاثًا، ثم يقول: «أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر» سبع مرات، وفي اللفظ الآخر: «أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦٢٦٨)، وأبو داود (٣٨٩١)، والترمذي (٢٠٨٠)، وابن ماجه (٣٥٢٢).","vol":"6","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1051>بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَيْطَانِ الْوَسْوَسَةِ فِي الصَّلَاةِ</span>\n\n[٢٢٠٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ- يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ- فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا»، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي.\nحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ نُوحٍ ثَلَاثًا.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ.\nقوله: «الْجُرَيْرِيِّ»: مصغر.\nهذا الحديث فيه: أن الوساوس من الشيطان، والشيطان الموكل بالوساوس يقال له خِنزب، ويقال: خَنزب.\nفإذا كثرت الوساوس فإنه يشرع للإنسان أن يتفل عن يساره ثلاثًا، ويقول: أعوذ بالله من الشيطان، حتى ولو كان في الصلاة، ولوكان مع جماعة يميل إلى يساره قليلًا وينفث نفثًا خفيفًا لا يعلم به من بجواره، مع حضور القلب وحسن الظن بالله، وقد كان عثمان بن أبي العاص مبتلى بشيء من ذلك، فلما أرشده النبي ﷺ إلى هذا الذكر قال: «فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي».","vol":"6","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1052>بَاب لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، وَاسْتِحْبَابِ التَّدَاوِي</span>\n\n[٢٢٠٤] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَأَبُو الطَّاهِرِ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو- وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ ﷿».\nهذا الحديث من جوامع الكلم؛ لأن كلمة: (كُلٍّ) من صيغ العموم.\nوفيه: أن لكل داءٍ دواءً، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله؛ لأن العلاج قد يصيب، وقد لا يصيب، وقد يكون الدواء لغير هذا الداء، فقد يعالج الإنسان بغير دوائه، وقد يعالج في وقت غير مناسب، وقد يكون الدواء شيئًا واحدًا لشخص واحد ويختلف، قد يصلح له في هذا الشهر، ولا يصلح في الشهر الماضي، أو القادم، وقد يكون الدواء لا بد أن يأخذ منه نسبة محددة فيزيد فلا يبرأ، أو ينقص فلا يبرأ، فإذا وافق الدواء صار علاجًا لهذا الداء بإذن الله.\nوجاء في اللفظ الآخر استثناء شيئين: «الْهَرَمُ» (^١) و«السَّامَ، وَهُوَ الْمَوْتُ» (^٢)، فهذان لا علاج لهما، فالموت ليس له علاج، فإذا جاء الأجل فلا حيلة، وكذلك الشيخوخة والكِبَر ليس لهما علاج، فلا يمكن أن يعود الإنسان شابًّا مرة أخرى.\nوالتداوي مستحب على الصحيح، وقال بعض العلماء: إنه مباح،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٨٤٥٤)، وأبو داود (٣٨٥٥)، والنسائي في الكبرى (٥٨٧٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٣٤١٨)، وابن حبان (٦٠٦٤)، والطبراني في الأوسط (١٥٦٤)، والصغير (٩٢).","vol":"6","page":338},{"text":"والصواب: أنه مستحب؛ لأن النبي ﷺ أمر به، وقال: «إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا، وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ» (^١)، والأمر أقل أحواله الاستحباب، وبعض العلماء يرى أنه قريب من الوجوب.\nوهذا الحديث فيه: الإرشاد إلى العلاج، وأنه لا ينافي التوكل على الله، فالنبي ﷺ تعالج، وأمر بأن يصب عليه من سبع قِرب لما مرض مرضه الأخير (^٢)، وهذا من العلاج، ولما جُرح يوم أحد كان عليٌّ ﵁ يصب الماء على جرحه وفاطمة تغسله، فلما رأت أن الدم يزيد ولا يستمسك أمرت بحصير فأحرقته فألصقته في مكانه، وهذا علاج، ولم ينكر عليها النبي ﷺ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٨٧٤)، والبيهقي في الكبرى (١٩٦٨١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٩١٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٤٣).","vol":"6","page":339},{"text":"[٢٢٠٥] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَأَبُو الطَّاهِرِ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَادَ الْمُقَنَّعَ، ثُمَّ قَالَ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى تَحْتَجِمَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ فِيهِ شِفَاءً».\n[خ: ٥٦٨٣\\] للمراجعة هل المائلة قبل المعقوفة مقصودة هنا؟\nحَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ قَالَ: جَاءَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فِي أَهْلِنَا، وَرَجُلٌ يَشْتَكِي خُرَاجًا بِهِ- أَوْ جِرَاحًا-، فَقَالَ: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: خُرَاجٌ بِي قَدْ شَقَّ عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا غُلَامُ ائْتِنِي بِحَجَّامٍ، فَقَالَ لَهُ: مَا تَصْنَعُ بِالْحَجَّامِ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أُعَلِّقَ فِيهِ مِحْجَمًا، قَالَ: وَاللهِ إِنَّ الذُّبَابَ لَيُصِيبُنِي، أَوْ يُصِيبُنِي الثَّوْبُ، فَيُؤْذِينِي وَيَشُقُّ عَلَيَّ، فَلَمَّا رَأَى تَبَرُّمَهُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ»، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ»، قَالَ: فَجَاءَ بِحَجَّامٍ فَشَرَطَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ.\nقوله: «مِحْجَمًا» على وزن منبر، وهي الآلة التي تمص الدم، ويُجمع بها موضع الحجامة.\nوالحجامة هي: سحب الدم في موضع محدد، وهي علاج عند الحاجة إليه، فلا بد أن ينظر أهل الخبرة هل هو محتاج للحجامة، أم لا؟ .\nوالحجامة تكون على حسب ما ينظر أهل الخبرة، تكون في نقرة القفا، أو تكون في مكان ما من الجسم، أو من الرأس على حسب نظر ما يراه المعالج، لأن هناك مختصين بمعرفة الحجامة وأسبابها ووقتها وزمانها.\nوهذا الحديث فيه: أن الشفاء قد يكون في واحدة من هذه، أو فيها","vol":"6","page":340},{"text":"جميعًا، وقد استعمل جابر ﵁ الحجامة مع هذا الرجل الذي كان فيه الخُرّاج، فلما حجمه زال ما به من الألم، وكان جابر ﵁ عنده خبرة فيما يتعلق بالحجامة.\nوكذلك- أيضًا- العسل فيه شفاء، كما قال الله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾.\nوكذلك الكي بالنار إذا لم يوجد علاج آخر يقوم مقامه، وإلا فإن الكي يؤخَّر، كما قيل: آخر العلاج الكي؛ لأن الكي فيه إيلام بالنار شديد؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ».\n\n[٢٢٠٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ اسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الْحِجَامَةِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا طَيْبَةَ أَنْ يَحْجُمَهَا، قَالَ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَخَاهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَوْ غُلَامًا لَمْ يَحْتَلِمْ.\nهذا الحديث فيه: مسألة؛ وهي: هل على المرأة أن تستأذن زوجها في الحجامة؟\nالجواب: لا، وإنما استئذان أم سلمة رسولَ الله ﷺ في العلاج من باب حسن العشرة، كما لو استأذنت المرأة زوجها فيما يتعلق بالتصرف في مالها فهذا من حسن العشرة، فإن لها الحق في التصرف في مالها دون إذنه.","vol":"6","page":341},{"text":"[٢٢٠٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ-: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ طَبِيبًا، فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا، ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ.\nوَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرَا: فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا.\nوفيه: دليل على جواز التطبب، وأنه لا بأس بقطع عرق، أو عضو، أو كُلْيَةٍ، أو غيرها عند الحاجة إليه؛ كي يُستأصَلَ الداءُ.\nوالسبب في أنه كواه؛ حتى يحسم الجرح؛ لينقطع الدم؛ لأنه إذا قطع العرق لا يزال الدم ينزف.\nوَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: رُمِيَ أُبَيٌّ يَوْمَ الأَحْزَابِ عَلَى أَكْحَلِهِ، فَكَوَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ.\nقوله: «عَلَى أَكْحَلِهِ» الأكحل عرق معروف، يقال: هو عرق الحياة في كل عضو شعبة منه، وقيل: هو عرق واحد يقال له في اليد: الأكحل، وفي الفخذ: النَّسَا، وفي الظهر: الأبهر.","vol":"6","page":342},{"text":"[٢٢٠٨] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي أَكْحَلِهِ، قَالَ: فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ بِمِشْقَصٍ، ثُمَّ وَرِمَتْ فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ.\nهذا كله نوع من التطبب، وفيه: دليل على جواز التطبب، وتعلم الطب والعلاج، وأن هذا من الأسباب المشروعة التي لا تنافي التوكل على الله ﷿، كما مر سابقًا.\n\n[١٢٠٢] حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ، وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَاسْتَعَطَ.\nهذا الحديث فيه: دليل على أن النبي ﷺ فعل الحجامة وأعطى الحجام أجرته، ففيه دليل على أن أجرة الحجام ليست حرامًا، وأما حديث: «وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ» (^١)، فالمراد بالخبث: الكراهة، يعني: هذا كسب رديء، لكنه ليس بحرام.\nوفيه: مشروعية فعل السعوط، وهو: صب الدواء في الأنف للعلاج.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٦٨).","vol":"6","page":343},{"text":"[١٥٧٧] وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ-: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَكَانَ لَا يَظْلِمُ أَحَدًا أَجْرَهُ.\n\n[٢٢٠٩] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ؛ فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ شِدَّةَ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ؛ فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ».\nوَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: ابْنَ عُثْمَانَ- كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ؛ فَأَطْفِئُوهَا بِالْمَاءِ».\nحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ؛ فَأَطْفِئُوهَا بِالْمَاءِ».\n\n[٢٢١٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ؛ فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ».\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.","vol":"6","page":344},{"text":"[٢٢١١] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ: أَنَّهَا كَانَتْ تُؤْتَى بِالْمَرْأَةِ الْمَوْعُوكَةِ، فَتَدْعُو بِالْمَاءِ فَتَصُبُّهُ فِي جَيْبِهَا، وَتَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «ابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ»، وَقَالَ: «إِنَّهَا مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ».\n[خ: ٥٧٢٤]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ صَبَّتِ الْمَاءَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَيْبِهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ أَنَّهَا مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، قَالَ أَبُو أَحْمَدَ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\n\n[٢٢١٢] حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الْحُمَّى فَوْرٌ مِنْ جَهَنَّمَ فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ».\n[خ: ٥٧٢٦]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، حَدَّثَنِي رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «الْحُمَّى مِنْ فَوْرِ جَهَنَّمَ؛ فَابْرُدُوهَا عَنْكُمْ بِالْمَاءِ».\nوَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو بَكْرٍ: عَنْكُمْ، وَقَالَ: قَالَ: أَخْبَرَنِي رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ.\nقولها: «أَنَّهَا كَانَتْ تُؤْتَى بِالْمَرْأَةِ الْمَوْعُوكَةِ» الموعوكة: هي التي أصابها وعك، والوعك: المرض، يعني: أصابتها الحمى، فتأمر بأن يصب الماء في جيبها، وهذا علاج، والنبي ﷺ لما أصيب بالحمى في مرض موته أمر أن يُصَبَّ عليه من سبع قِرب لم تحلَّ أوكيتُهُنَّ.\nهذا الحديث فيه: أن الإبراد بالماء علاج من الحمى الحارة، أما الحمى النفاضة التي يشعر فيها الإنسان بالبرد فالظاهر: أنه لا يناسبها الماء.","vol":"6","page":345},{"text":"وفيه: دليل على إثبات النار وأنها موجودة مخلوقة الآن، والرد على المعتزلة الذين قالوا: تُخلق يوم القيامة، وفيه: أن الحرارة التي تكون من الحمى من فيح جهنم، وكذلك شدة الحر الذي يكون في الصيف نَفَس من نَفَس جهنم، كما أن شدة البرد- أيضًا- نَفَس من زمهرير النار؛ لأن النار نوعان: حار وبارد- نعوذ بالله!","vol":"6","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1053>بَابُ كَرَاهَةِ التَّدَاوِي بِاللَّدُودِ</span>\n\n[٢٢١٣] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَدَدْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ، فَأَشَارَ أَنْ لَا تَلُدُّونِي، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةَ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: «لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا لُدَّ غَيْرُ الْعَبَّاسِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ».\n[خ: ٤٤٥٨]\nقوله: «لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا لُدَّ» اللد- بفتح اللام- هو صب الدواء من أحد جانبي فم المريض، أو بإدخال الإصبع في حنكه، ومقصود اللد: إذا كان المريض لا يريد أن يفتح فمه، فيجبر على العلاج؛ فلأجل ذلك صَبُّوا في فم النبي ﷺ بدون اختياره كما في الحديث، فقد فهموا أن الرسول ﷺ لو كان صحيحًا لما منعهم، فلهذا قالوا: نحن نجبره على ما فيه منفعة له؛ اجتهادًا منهم.\nفلما أفاق من مرضه اقتص منهم، وقال: «لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا لُدَّ غَيْرُ الْعَبَّاسِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ»، فأمر بكل واحد أن يصب في فمه مثل ما صب في فمه قصاصًا.\nوهذا الحديث فيه: دليل على أن الإنسان له أن يقتص من غيره إذا اعتدى عليه، ولكن لا يزيد.\nوالحديث من الأدلة التي صرفت الأمر بالتداوي عن الوجوب؛ لأن النبي ﷺ لم يُرِدِ العلاجَ، وهم أجبروه فاقتصَّ منهم.\nوبعض الناس يجبر المريض على العلاج، كما يعمل بعض الأبناء مع آباءهم فيجبرونهم على العلاج، والأب: قد لا يريد العلاج، فيجيره أبناؤه،","vol":"6","page":347},{"text":"ويصيح بهم، فيجبرونه، وليس في هذا العلاج إجبار؛ لأنه ليس بواجب.\nأما إذا كان المريض ليس معه فكر ولا شعور، أو كان صغيرًا، فمثل هذا يجتهد وليه في العلاج، أو في الترك، فينظر ما هو الأصلح ويفعله له.","vol":"6","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1054>بَابُ التَّدَاوِي بِالْعُودِ الْهِنْدِيِّ، وَهُوَ الْكُسْتُ</span>\n\n[٢٨٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَر- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ- أُخْتِ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ- قَالَتْ: دَخَلْتُ بِابْنٍ لِي عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، فَبَالَ عَلَيْهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ.\n\n[٢٢١٤] قَالَتْ: وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ بِابْنٍ لِي قَدْ أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْعُذْرَةِ، فَقَالَ: «عَلَامَهْ تَدْغَرْنَ أَوْلَادَكُنَّ بِهَذَا الْعِلَاقِ؟ ! عَلَيْكُنَّ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ؛ فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ، مِنْهَا: ذَاتُ الْجَنْبِ، يُسْعَطُ مِنَ الْعُذْرَةِ، وَيُلَدُّ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ».\n[خ: ٥٦٩٢]\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أُمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنٍ- وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ اللَّاتِي بَايَعْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهِيَ أُخْتُ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ أَحَدِ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ- قَالَ: أَخْبَرَتْنِي أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِابْنٍ لَهَا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَأْكُلَ الطَّعَامَ، وَقَدْ أَعْلَقَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْعُذْرَةِ، قَالَ يُونُسُ: أَعْلَقَتْ: غَمَزَتْ، فَهِيَ تَخَافُ أَنْ يَكُونَ بِهِ عُذْرَةٌ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عَلَامَهْ تَدْغَرْنَ أَوْلَادَكُنَّ بِهَذَا الْإِعْلَاقِ؟ ! عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ- يَعْنِي: بِهِ الْكُسْتَ-؛ فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ، مِنْهَا: ذَاتُ الْجَنْبِ».\n\n[٢٨٧] قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: وَأَخْبَرَتْنِي أَنَّ ابْنَهَا ذَاكَ بَالَ فِي حَجْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ عَلَى بَوْلِهِ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلًا.","vol":"6","page":349},{"text":"قولها: «أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْعُذْرَةِ»، أي: عالجتْ وجع لهاته بإصبعيها، والعذرة- بضم العين وبالذال-: وجع في الحلق يهيج من الدم.\nوقوله: «الْعِلَاقِ»: وفي رواية: الإعلاق، مصدر أعلقت عنه، أي: أزلت عنه العلوق، وهي الآفة والداهية، والإعلاق: هو معالجة عذرة الصبي، وهي وجع حلقه.\nوقوله: «عَلَامَهْ تَدْغَرْنَ أَوْلَادَكُنَّ بِهَذَا الْعِلَاقِ؟ !» الدغر: رفع العظم أي عظم، وقد نهى عنه النبي ﷺ؛ لأن فيه تعذيبًا للصبي، وأقل أحوال النهي الكراهة.\nوقوله: «عَلَيْكُنَّ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ؛ فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ» العود الهندي: خشب يؤتى به من بلاد الهند طيب الرائحة قابض فيه مرارة يسيرة، وقشره كأنه جلد موشَّى، ويصلح إذا مضغ، أو يمضمض بطبيخه لطيب نكهته، وإذا شرب منه قدر مثقال نفع من لزوجة المعدة وضعفها، وسكن لهيبها، وإذا شُرب بالماء نفع من وجع الكبد، ووجع الجنب وقرحة الأمعاء.\nوالمعنى: أنه يستسعط به، ويكون سببًا في فك الاختناق بسبب ضغط اللّوزتين.\nوقوله ﷺ: «يُسْعَطُ مِنَ الْعُذْرَةِ وَيُلَدُّ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ»، ذات الجنب: مرض معروف، يُلَدُّ به، يعني: يُصَبُّ في فمه سعوط من العود الهندي، ويقال له: القسط والكست، لغتان مشهورتان.\nوهذا الحديث فيه: أن أم محصن أخت عكاشة بن محصن ﵄ الذي قال لما قال النبي ﷺ: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ» قَالُوا: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ، وَلَايَسْتَرْقُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»، فَقَامَ عُكَّاشَةُ، فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: «أَنْتَ مِنْهُمْ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٤١)، ومسلم (٢١٨).","vol":"6","page":350},{"text":"وفيه: أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام وبال على النبي ﷺ فأمر به فَرُشَّ، وهذا يدل على أن بول الغلام الذي لم يأكل الطعام يكفي فيه الرش والنضح بدون غسل وفرك، أما إذا أكل الطعام فإنه لا بد من غسله.\nوفيه: فضل العود الهندي، وأنه فيه سبعة أنواع من الشفاء من الأمراض، منها: ذات الجنب، ومنها: العذرة.\nوفيه: نصحه ﵊ للأمة.","vol":"6","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1055>بَابُ التَّدَاوِي بِالْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ</span>\n\n[٢٢١٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ»، وَالسَّامُ: الْمَوْتُ، وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ: الشُّونِيزُ.\n[خ: ٥٦٨٨]\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عُقَيْلٍ، وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ، وَيُونُسَ: الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ، وَلَمْ يَقُلِ: الشُّونِيزُ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ دَاءٍ إِلَّا فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ مِنْهُ شِفَاءٌ إِلَّا السَّامَ».\nهذه الأحاديث فيها: فضل الحبة السوداء، والعلاج بها، وأنها شفاء من كل داء إلا السام، أي: الموت، فالموت لا حيلة فيه.\nوالشونيز: اسمها، وبعضهم يسميها: الحبة السوداء، أو الأخدل، ولا يزال بعض الناس يتعالج بها؛ لأنها مفيدة، كما أخبر النبي ﷺ، والإنسان ينبغي أن يتعالج بالعلاجات النبوية، وتكون مقدَّمة على علاجات الأطباء.","vol":"6","page":352},{"text":"قال السنوسي ﵀: «قوله «وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ: الشُّونِيزُ» هو الأشهر وقال الحسن هي الخردل وقيل هي الحبة الخضراء والعرب تسمي الأخضر أسود، والأسود أخضر، والحبة الخضراء: ثمرة البطم المسمى: بالضرو، قال القرطبي وتفسيرها بالشونيز أولى بل يتعين لأنه أكثر منافع من الخردل والضرو والشونيز قيده بعض شيوخنا بفتح الشين وقال ابن الأعرابي: العرب تقول بكسر الشين، قال غيره: هو بضم الشين» (^١)\n_________\n(^١) مكمل إكمال الإكمال، للسنوسي (٦/ ٢٧).","vol":"6","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1056>بَاب التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ</span>\n\n[٢٢١٦] حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ، ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إِلَّا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ، فَطُبِخَتْ، ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ، فَصُبَّتِ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: كُلْنَ مِنْهَا؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ، تُذْهِبُ بَعْضَ الْحُزْنِ».\nقوله: «التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ، تُذْهِبُ بَعْضَ الْحُزْنِ»، يعني: تريح فؤاده، وتزيل الحزن والهم.\nهذا الحديث فيه: استحباب استعمال التلبينة للمحزون؛ لأنها تذهب الحزن، والتلبينة كما ذكر: حساء من دقيق، أو نخالة، يطبخ ويؤتى بثريد ويصب عليه، ثم هي تشبه اللبن في البياض.\nوفيه: جواز الاجتماع في بيت أهل الميت لوقت محدد للتعزية وتسلية المصاب، لا يكون مثل ما يفعل بعض الناس، فيذبح الذبائح، ويجمع الناس لها.","vol":"6","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1057>بَابُ التَّدَاوِي بِسَقْيِ الْعَسَلِ</span>\n\n[٢٢١٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَة عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: إِنَّ أَخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اسْقِهِ عَسَلًا»، فَسَقَاهُ، ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: إِنِّي سَقَيْتُهُ عَسَلًا فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا، فَقَالَ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَاءَ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: «اسْقِهِ عَسَلًا»، فَقَالَ: لَقَدْ سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «صَدَقَ اللهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ»، فَسَقَاهُ فَبَرَأَ.\n[خ: ٥٦٨٤]\nوَحَدَّثَنِيهِ عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: ابْنَ عَطَاءٍ- عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: إِنَّ أَخِي عَرِبَ بَطْنُهُ، فَقَالَ لَهُ: «اسْقِهِ عَسَلًا»، بِمَعْنَى حَدِيثِ شُعْبَةَ.\nقوله: «إِنَّ أَخِي عَرِبَ بَطْنُهُ»: عرب بطنه- بفتح العين وكسر الراء- ومعناه: فسدت معدته.\nوهذا الحديث فيه: استعمال العسل وفي العسل شفاء، كما قال الله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾.\nوفيه: أن هذا الرجل جاء وشكا أن أخيه استطلق بطنه، فَقَالَ ﷺ: «اسْقِهِ عَسَلًا» فسقاه، فَقَالَ: فلم يزده إلا استطلاقًا، فَقَالَ له ثلاث مرات: «اسْقِهِ عَسَلًا»، فكأن العسل- والله أعلم- زاد الاستطلاق؛ لأن المريض محتاج إلى استفراغ ما فيه من المؤذي، ثم في النهاية يكون فيه الشفاء، فَقَالَ النبي ﷺ: «صَدَقَ اللهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ» وكذب، يعني: أخطأ.","vol":"6","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1058>بَابُ الطَّاعُونِ وَالطِّيَرَةِ وَالْكَهَانَةِ وَنَحْوِهَا</span>\n\n[٢٢١٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَأَبِي النَّضْرِ- مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ- عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْد مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الطَّاعُونِ؟ فَقَالَ أُسَامَةُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الطَّاعُونُ رِجْزٌ- أَوْ عَذَابٌ- أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ- أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ- فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ»، وقَالَ أَبُو النَّضْرِ: لَا يُخْرِجُكُمْ إِلَّا فِرَارٌ مِنْهُ.\n[خ: ٣٤٧٣]\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ، وَنَسَبَهُ ابْنُ قَعْنَبٍ، فَقَالَ: ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الطَّاعُونُ آيَةُ الرِّجْزِ ابْتَلَى اللهُ ﷿ بِهِ نَاسًا مِنْ عِبَادِهِ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَفِرُّوا مِنْهُ».\nهَذَا حَدِيثُ الْقَعْنَبِيِّ وَقُتَيْبَةَ نَحْوُهُ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أُسَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ هَذَا الطَّاعُونَ رِجْزٌ سُلِّطَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ- أَوْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ- فَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا».\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ الطَّاعُونِ، فَقَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: أَنَا أُخْبِرُكَ عَنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هُوَ عَذَابٌ- أَوْ رِجْزٌ- أَرْسَلَهُ اللهُ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ- أَوْ نَاسٍ كَانُوا قَبْلَكُمْ- فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا عَلَيْهِ، وَإِذَا دَخَلَهَا","vol":"6","page":356},{"text":"عَلَيْكُمْ فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ-.ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِإِسْنَادِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَ حَدِيثِهِ.\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ- أَوِ السَّقَمَ- رِجْزٌ عُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ، ثُمَّ بَقِيَ بَعْدُ بِالْأَرْضِ، فَيَذْهَبُ الْمَرَّةَ، وَيَأْتِي الْأُخْرَى، فَمَنْ سَمِعَ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا يَقْدَمَنَّ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَقَعَ بِأَرْضٍ وَهُوَ بِهَا فَلَا يُخْرِجَنَّهُ الْفِرَارُ مِنْهُ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ- يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ- حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِ يُونُسَ نَحْوَ حَدِيثِهِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ حَبِيبٍ قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ، فَبَلَغَنِي أَنَّ الطَّاعُونَ قَدْ وَقَعَ بِالْكُوفَةِ، فَقَالَ لِي عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَغَيْرُهُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ فَوَقَعَ بِهَا فَلَا تَخْرُجْ مِنْهَا، وَإِذَا بَلَغَكَ أَنَّهُ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلْهَا»، قَالَ: قُلْتُ: عَمَّنْ؟ قَالُوا: عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ يُحَدِّثُ بِهِ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَوا: غَائِبٌ، قَالَ: فَلَقِيتُ أَخَاهُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: شَهِدْتُ أُسَامَةَ يُحَدِّثُ سَعْدًا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ رِجْزٌ- أَوْ عَذَابٌ، أَوْ بَقِيَّةُ عَذَابٍ- عُذِّبَ بِهِ أُنَاسٌ مِنْ قَبْلِكُمْ، فَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا، وَإِذَا بَلَغَكُمْ أَنَّهُ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا»، قَالَ حَبِيبٌ: فَقُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ: آنْتَ سَمِعْتَ أُسَامَةَ يُحَدِّثُ سَعْدًا وَهُوَ لَا يُنْكِرُ؟ قَالَ: نَعَمْ.\nوَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ","vol":"6","page":357},{"text":"سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، وَخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، بِمَعْنَى حَدِيثِ شُعْبَةَ، وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: كَانَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَسَعْدٌ جَالِسَيْنِ يَتَحَدَّثَانِ، فَقَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، وَحَدَّثَنِيهِ وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: الطَّحَّانَ- عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.\nهذه الأحاديث كلها تتعلق بالطاعون، والطاعون: قروح تخرج في مناطق من الجسد، قد تكون في البطن، وقد تكون تحت الإبط، أو في الأصابع، ثم تلتهب التهابًا شديدًا حتى يحمر الجسد أو يسود أو يخضر ويكون معها خفقان في القلب، وهو يسمى في هذا العصر مرض (الكوليرا) باللغة الأجنبية.\nوقد دلت هذه الأحاديث على أن الطاعون عذاب عُذب به من كان قبلنا؛ ولهذا قال النبي ﷺ عن الطاعون: «رِجْزٌ عُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ»، ولكن الله جعله شهادة لهذه الأمة، وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه لهذه الأمة.\nوثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (^١) والمطعون هو الذي مات بمرض الطاعون.\nوهذه الأحاديث فيها: دليل على أنه لا يخرج من بلد الطاعون إذا وقع فيها فرارًا منه، ولا يقدم عليها.\nأما إذا خرج لحاجة عارضة لا فرارًا من الطاعون فلا بأس، وهذا النهي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٣)، ومسلم (١٩١٤).","vol":"6","page":358},{"text":"أصله للتحريم، ولكن في حديث أبي هريرة، كما سيأتي: «لَا عَدْوَى، وَلَاطِيَرَةَ، وَلَاصَفَرَ، وَلَاهَامَةَ» مع حديث: «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ»، وحديث: «فِرَّ مِنَ المجذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ» (^١)، والجمع بينها بأن النهي في هذه الأحاديث للتنزيه، والأمر للاستحباب، فيكون النهي عن الدخول في بلد الطاعون والنهي عن الخروج عنها للتنزيه، وليس للتحريم.\n\n[٢٢١٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أَهْلُ الْأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ عُمَرُ: ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ، وَلَانَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَانَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي الْأَنْصَارِ، فَدَعَوْتُهُمْ لَهُ، فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ، وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْح فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ رَجُلَانِ، فَقَالَوا: نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ، وَلَاتُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللهِ؟ !، فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ! - وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلَافَهُ- نَعَمْ، نَفِرُّ\nمِنْ قَدَرِ اللهِ إِلَى قَدَرِ اللهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٠٧).","vol":"6","page":359},{"text":"عُدْوَتَانِ، إِحْدَاهُمَا خَصْبَةٌ، وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ، قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ- وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ- فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ»، قَالَ: فَحَمِدَ اللهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ثُمَّ انْصَرَفَ.\n[خ: ٥٤١٧، ٥٧٣٠]\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ: قَالَ: وَقَالَ لَهُ- أَيْضًا-: أَرَأَيْتَ أَنَّهُ لَوْ رَعَى الْجَدْبَةَ وَتَرَكَ الْخَصْبَةَ أَكُنْتَ مُعَجِّزَهُ؟ ! قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَسِرْ إِذًا قَالَ: فَسَارَ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، فَقَالَ: هَذَا الْمَحِلُّ- أَوَ قَالَ: هَذَا الْمَنْزِلُ- إِنْ شَاءَ اللهُ.\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْحَارِث حَدَّثَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ عُمَر خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا جَاءَ سَرْغَ بَلَغَهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ»، فَرَجَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ سَرْغَ.\n[خ: ٥٧٢٩]\nوَعَنِ ابْنِ شِهَاب عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا انْصَرَفَ بِالنَّاسِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.\nقوله: «حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أَهْلُ الْأَجْنَادِ» سرغ: مكان قريب من الشام، بلدة مما يلي الحجاز، والأجناد: المدن الخمس المعروفة، وهي:","vol":"6","page":360},{"text":"فلسطين والأردن ودمشق وحمص وقنسرين، كانت كلها تسمى الشام.\nوقوله: «لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ!»، يعني: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة لأدبته؛ لأن رجوعي إنما هو باستشارة الناس، وأكثر الناس أشاروا عليَّ بذلك، ولأن معي أهل الحل والعقد وقد أشاروا عليَّ بذلك، وقيل: المعنى: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة لما عتبتُ عليه، أما أنت فإني أعتب عليك؛ لأنك من أهل الفضل، فكيف تنكر علينا؟ !\nوقوله: «نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ»، يعني: إننا لا نخرج عن قدر الله إن ذهبنا فنحن نسير وفق قدر الله، وإن رجعنا فحن نسير وفق قدر الله كذلك، وقدرُ الله ماضٍ ومشيئة العبد لا بد أن تكون تابعة لمشيئة الله، قال الله تعالى: ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليمًا حكيمًا﴾.\nوفي كل من المشورتين رجوع إلى الأصل؛\nفالذين أشاروا على عمر ﵁ بالرجوع معهم أصل وهو النصوص التي تدل على اجتناب أسباب الهلاك، والبعد عن أسباب الخطر.\nوالذين أشاروا عليه بالقدوم معهم أصل، وهو التوكل على الله والتسليم لقضاء الله وقدره.\nوقوله: «أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ، إِحْدَاهُمَا خَصْبَةٌ، وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ» عدوتان، يعني: جانبان، عدوة خصبة، وعدوة جدبة، عدوة فيها عشب وعدوة ممحلة، فلو رعى في أيهما فقد رعى بقدر الله، وهذا فيه: العمل بالقياس.\nوقوله: «أَكُنْتَ مُعَجِّزَهُ»، أي: أكنت تنسبه إلى العجز، يعني: يرعى واديًا واحدًا فيه طرف فيه عشب، والطرف الثاني لا عشب فيه، فهذا ينسب إلى العجز.","vol":"6","page":361},{"text":"قوله: «فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ثُمَّ انْصَرَفَ» أي: فحمد عمرُ اللهَ أن وافق اجتهاده النص، ورجع بالناس، وهذا من موافقات عمر ﵁، وقد كان موفَّقًا مُلهَمًا موافقًا للنصوص.\nولعمر ﵁ موافقات قبلها، منها:\n١. موافقاته في تحديد ميقات أهل العراق: ذات عرق، فقد حدده عمر بالاجتهاد قبل أن يعلم بالنص (^١).\n٢. أن عمر قال للنبي ﷺ: «يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾» (^٢).\n٣. أنه قال: «يا رسول الله لو حجبت نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فأنزل الله الحجاب» (^٣).\nوقوله: «الْمَحِلُّ»: بفتح الحاء وكسرها.\nوهذا الحديث فيه: أنه أطلق الوباء على الطاعون، قيل: الوباء المرض العام، وقيل: الطاعون.\nوفيه: مشروعية المشاورة من ولي الأمر فيما يجدُّ بالمسلمين من حوادث ونوازل، عملًا بقول الله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾، ولهذا لما أراد عمر ﵁ أن يقدم على الشام وقد وقع بها الطاعون استشار الناس، فاستشار المهاجرين فانقسموا قسمين، منهم من قال: نرى أن تمضي لهذا الأمر، ومنهم من قال: نرى أن ترجع ومعك وجوه الناس وأعيانهم، فَقَالَ: ارتفعوا عني، ثم استشار الأنصار فسلكوا سبيل المهاجرين، وانقسموا قسمين، منهم من قال: نرى أن تقدم، ومنهم من قال: نرى أن ترجع.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٣١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٤٨٣)، ومسلم (٢٣٩٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٧٩٠)، ومسلم (٢٣٩٩).","vol":"6","page":362},{"text":"ثم استشار مشيخة قريش، ومهاجرة الفتح، فأجمعوا كلهم على الإشارة بأن يرجع، فرأى عمر ﵁ أن أكثر الأقوال على الرجوع فهوي الرجوع.","vol":"6","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1059>بَابٌ لَا عَدْوَى، ولَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، وَلَا نَوْءَ، وَلَا غُولَ، وَلَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ</span>\n\n[٢٢٢٠] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لِأَبِي الطَّاهِرِ- قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حِينَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا عَدْوَى، وَلَاصَفَرَ، وَلَاهَامَةَ»، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا بَالُ الْإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيَجِيءُ الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيُجْرِبُهَا كُلَّهَا؟ ! قَالَ: «فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟ !».\n[خ: ٥٧١٧]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا عَدْوَى، وَلَاطِيَرَةَ، وَلَاصَفَرَ، وَلَاهَامَةَ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ.\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ عَنْ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا عَدْوَى»، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، وَصَالِح، وَعَنْ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ابْنِ أُخْتِ نَمِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى، وَلَاصَفَرَ، وَلَاهَامَةَ».\n\n[٢٢٢١] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: «لَا عَدْوَى»، وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ»، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمَا كِلْتَيْهِمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ صَمَتَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ","vol":"6","page":364},{"text":"قَوْلِهِ: لَا عَدْوَى، وَأَقَامَ عَلَى أَنْ لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصح، قَالَ: فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ- وَهُوَ ابْنُ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ-: قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ تُحَدِّثُنَا مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثًا آخَرَ قَدْ سَكَتَّ عَنْهُ، كُنْتَ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا عَدْوَى»، فَأَبَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ، وَقَالَ: لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ، فَمَا رَآهُ الْحَارِثُ فِي ذَلِكَ حَتَّى غَضِبَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ، فَقَالَ لِلْحَارِثِ: أَتَدْرِي مَاذَا قُلْتُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قُلْتُ: أَبَيْتُ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى»، فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَة، أَوْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَ.\n[خ: ٥٧٧١]\nحدثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنُونَ: ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى»، وَيُحَدِّثُ مَعَ ذَلِكَ:» لَا يُورِدُ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ «بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\n\n[٢٢٢٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى، وَلَا هَامَةَ، وَلَا نَوْءَ، وَلَا صَفَرَ».\n\n[٢٢٢٢] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا غُولَ».\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ وَهُوَ التُّسْتَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا عَدْوَى، وَلَا غُولَ، وَلَا صَفَرَ».","vol":"6","page":365},{"text":"وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا عَدْوَى، وَلَا صَفَرَ، وَلَا غُولَ»، وَسَمِعْتُ أَبَا الزُّبَيْر يَذْكُرُ أَنَّ جَابِرًا فَسَّرَ لَهُمْ قَوْلَهُ: وَلَاصَفَرَ، فَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: الصَّفَرُ: الْبَطْنُ، فَقِيلَ لِجَابِرٍ: كَيْفَ؟ قَالَ: كَانَ يُقَالُ دَوَابُّ الْبَطْنِ، قَالَ: وَلَمْ يُفَسِّرِ: الْغُولَ، قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: هَذِهِ الْغُولُ الَّتِي تَغَوَّلُ.\nقوله: «لَا عَدْوَى»: أي: لا عدوى على ما يعتقده الجاهليون من كون الأمراض تعدي بطبعها، وإنما الأمر بيد الله سبحانه، إن شاء انتقل الداء من المريض إلى الصحيح، وإن شاء سبحانه لم يقع ذلك، ولكنَّ المسلمين مأمورون بأخذ الأسباب النافعة، وترك ما قد يفضي إلى الشر.\nوقوله: «وَلَا صَفَرَ»: قيل: المراد بالصفر: تأخير محرم إلى شهر صفر، وهو النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، وذلك أن أهل الجاهلية كانت تقوم بينهم الحروب كثيرًا، لكنهم يوقفون الحروب في الأشهر الحرم، والأشهر الحرم ثلاث متوالية: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، ورجب، فتطول عليهم المدة، فإذا احتاجوا إلى الحرب أخَّروا محرم إلى صفر، فيقاتلون في شهر محرم، وقد أنكر الله عليهم ذلك، وبين أنه زيادة في الكفر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.\nوقيل: المراد بالصفر: دودة في البطن تزعم العرب أنها تهيج عند الجوع، وربما قتلت صاحبها، وكانت العرب تزعم أنها أعدى من الجرب، فنفاه الإسلام، وهذا تفسير النووي (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٤/ ٢١٥).","vol":"6","page":366},{"text":"وقيل: المراد بالصفر شهر صفر، وهذا لم يذكره النووي، وهو التشاؤم بشهر صفر، فنفاه الإسلام.\nوقوله: «وَلَا هَامَةَ»: الهامة هي: طائر الليل، وقيل: هو البوم، كانت العرب تزعم أنه إذا وقع على دار أحدهم في الليل فإنها تنعى إليه واحدًا من أهل بيته فيتشاءم، وقيل: الهامة: عظام الميت، كانوا في الجاهلية يزعمون أنها تصير هامة فتطير، فأبطلها الإسلام.\nوقوله: «وَلَا غُولَ»: قيل: الغول: جنس من الشياطين، كانت العرب تزعم أنها تتراءى للناس في الفلوات والصحاري، وتتغول تغولًا، يعني: تتلون تلوُّنًا، فتضل الناس وتهلكهم، فأبطلها الإسلام.\nوقال آخرون من أهل العلم: ليس المراد بالحديث نفي الغُولِ، بل الغول موجودة، ولكن المراد من الحديث: نفي تغولها، يعني: تلونها وظهورها للناس واغتيالها، وإلا فهي موجودة بدليل حديث جابر مرفوعًا: «فَإِذَا تَغَوَّلَتْ لَكُمُ الْغِيلَانُ، فَبَادِرُوا بِالْأَذَانِ» (^١)، وهذا دليل على أنها تتلون، والحديث وإن كان فيه ضعف، لكن اعتمده كثير من العلماء (^٢)، ولعل له شواهد (^٣)، وهذ واقع فبعض الناس إذا سافر وحده يجد في الصحاري وفي البراري غيلان تتلون بتلونات تُرعبه وتخيفه، فإذا أذن أذانه للصلاة ذهبت.\nومن ذلك: حديث أبي أيوب: «أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ سَهْوَةٌ فِيهَا تَمْرٌ، فَكَانَتْ تَجِيءُ الْغُولُ فَتَأْخُذُ مِنْهُ» (^٤) فهذه أدلة على أن الغيلان موجودة، ولكن النبي\n_________\n(^١) وقد أُعِلَّ بالانقطاع بين الحسن البصري وجابر؛ فإنه لم يسمع منه، انظر: العلل، لابن المديني (ص ٥١)، والمراسيل، لابن أبي حاتم (ص ٣٦).\n(^٢) أخرجه البزار (١٢٤٧)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٥٠)، (٦/ ١٨٧)، (٨/ ٤٨٧)، وأبوعوانة في مستخرجه (١٠٢٥)، والطبراني في الدعاء (٢٠٠٩)، وفي الأوسط (٧٤٣٦).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٤٧١)، وأحمد (١٤٢٧٧، ١٥٠٩١)، والنسائي في الكبرى (١٠٧٢٥).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢٨٨٠).","vol":"6","page":367},{"text":"ﷺ أبطل اعتقاد الجاهلية بأنها تتلون، وتغتال الناس.\nوقوله: «وَلَانَوْءَ»: النوء: هو النجم، فكانوا في الجاهلية يعتقدون أنه إذا سقط النجم في المشرق وطلع رَقيبه في المغرب فيوجد مطر، فأبطله الإسلام، فالذي يُنزل المطر هو الله، ولا يجوز نسبة المطر إلى النجم، بل هذا من الشرك، قال الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾، أي: تجعلون شكركم على نعمة الله أنكم تجحدون نعمته، وتنسبونها إلى غيره.\nقوله: «فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟ !» المعنى: أن الجمل الأول من الذي أعداه؟ ! من الذي أنزل به المرض؟ ! وهذا ليبين لهم ﵊ أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأنه إذا أراد أن تَجْرَب أجربت، وإذا لم يرد أن تجرب فلن تجرب.\nفالإبل إذا خلطت مع إبل جرباء قد تجرب وقد لا تجرب، إذا قدر الله أنها تجرب تجرب، وإذا لم يقدر فلا تجرب، وكم من صحيح يجلس بين من به مرض يعدي، ويسلمه الله، وقد يصيبه المرض إذا قدر الله.\nقوله: «لَعَمْرِي»: للتأكيد، وليس للقسم، وأبو هريرة ﵁ كان يحدث الحديثين: «لَا عَدْوَى، وَلَاهَامَةَ، وَلَانَوْءَ، وَلَاصَفَرَ» وحديث: «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» ثم سكت عن حديث: «لَا عَدْوَى، وَلَاهَامَةَ، وَلَانَوْءَ، وَلَاصَفَرَ» وأقام على حديث: «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» فيحتمل أنه نسي، ويحتمل أنه قصد ذلك؛ خوفًا من أن يحدث به قومًا لا يعرفون الجمع بين الحديثين، على حد قول علي ﵁: «حَدِّثُوا النَّاسَ، بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ، اللَّهُ وَرَسُولُهُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٧).","vol":"6","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1060>بَابُ الطِّيَرَةِ وَالْفَأْلِ، وَمَا يَكُونُ فِيهِ مِنَ الشُّؤْمِ</span>\n\n[٢٢٢٣] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: «الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ».\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. ح وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَفِي حَدِيثِ عُقَيْلٍ: عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ، وَفِي حَدِيثِ شُعَيْبٍ: قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، كَمَا قَالَ مَعْمَرٌ.\n\n[٢٢٢٤] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ، الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ».\n[خ: ٥٧٧٦]\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ»، قَالَ: قِيلَ: وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: «الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ».\n\n[٢٢٢٣] وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنِي مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَتِيقٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَأُحِبُّ الْفَأْلَ الصَّالِحَ».\n[خ: ٥٧٥٤]\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا عَدْوَى،","vol":"6","page":369},{"text":"وَلَاهَامَةَ، وَلَاطِيَرَةَ، وَأُحِبُّ الْفَأْلَ الصَّالِحَ».\n\n[٢٢٢٥] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حَمْزَةَ، وَسَالِمٍ ابْنَي عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الشُّؤْمُ فِي الدَّارِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ».\n[خ: ٥٧٥٣]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حَمْزَةَ، وَسَالِمٍ ابْنَي عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَإِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: الْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ، وَالدَّارِ».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ وَحَمْزَةَ ابْنَي عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ، وَحَمْزَةَ ابْنَي عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ. ح وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الشُّؤْمِ بمثل حديث مَالِكٍ، لَا يَذْكُرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: الْعَدْوَى، وَالطِّيَرَةَ، غَيْرُ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ.\nوَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنْ يَكُنْ مِنَ الشُّؤْمِ شَيْءٌ حَقٌّ، فَفِي الْفَرَسِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ».","vol":"6","page":370},{"text":"وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: حَقٌّ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ، فَفِي الْفَرَسِ، وَالْمَسْكَنِ، وَالْمَرْأَةِ».\n\n[٢٢٢٦] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنْ كَانَ فَفِي الْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ، وَالْمَسْكَنِ»، يَعْنِي: الشُّؤْمَ.\n[خ: ٢٨٥٩]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\n\n[٢٢٢٧] وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ، فَفِي الرَّبْعِ، وَالْخَادِمِ، وَالْفَرَسِ».\nقوله: «وَلَا طِيَرَةَ»: هذا نهي عن التشاؤم بالمكروهات من قول، أو فعل، أو التشاؤم بالمسموعات والمرئيات، أو بالأمكنة، أو بالأسماء، أو بالألفاظ.\nوأصله: التطير بالسوارح والبوارح، وكانت العرب تُنَفّر الظباء أو الطيور فإذا ذهبت جهة اليمين تبركوا بها وتيمنوا، ومضوا لحاجتهم وأسفارهم، وإذا ذهبت جهة الشمال تشاءموا وأحجموا عن سفرهم وحاجتهم، فأبطل الإسلام هذا المسلك.\nومن ذلك: أن بعض الناس يبيع ويشتري فإذا فتح الدكان، ثم جاء أول واحد يشتري منه وكان أعور تشاءم وأغلق الدكان في ذلك اليوم، ولا يفتح","vol":"6","page":371},{"text":"الدكان إلا في اليوم الثاني، وهذا من التشاؤم.\nوقوله: «وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ»: الفأل فُسِّر بالكلمة الطيبة، والفأل نوع من الطِّيَرَةِ، يستعمل فيما يسرُّ وفيما يسوء، والغالب أنه يستعمل فيما يَسُرُّ، أما الطيرة فإنها تستعمل فيما يسوء، وفرَّق النبي ﷺ بين الفأل والطيرة؛ لأن الفأل فيه حسن ظن بالله، والمسلم يؤمِّل ويرجو فائدة الله، وعائدته وبره وخيره، وإذا أخطأ في الرجاء فلا يضره، بخلاف الطيرة فإنها سوء ظن بالله وتوقُّع للشر والبلاء.\nوالفأل مثل أن يسمع الإنسان المريض شخصًا يقول: يا معافَى يا سالم فيتفاءل بالسلامة من المرض والشفاء، أو إنسان ضاع له شيء فسمع إنسانًا يقول: يا واجد، فيتفاءل بأن يجد ضالته.\nوقوله: «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ، فَفِي الرَّبْعِ، وَالْخَادِمِ، وَالْفَرَسِ»: الرّبع، يعني: المسكن، يطلق على الأرض وعلى المسكن، فالشؤم في الدار وفي المرأة وفي الفرس، وفي الخادم، وسيأتي مزيد تفصيل لمعاني الحديث في باب: «اجْتِنَابِ الْمَجْذُومِ وَنَحْوِهِ».","vol":"6","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1061>بَابُ تَحْرِيمِ الْكَهَانَةِ، وَإِتْيَانِ الْكُهَّانِ</span>\n\n[٥٣٧] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُمُورًا كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ، قَالَ: «فَلَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ»، قَال: قُلْتُ: كُنَّا نَتَطَيَّرُ، قَالَ: «ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ، فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنِي حُجَيْنٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْمُثَنَّى- حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ، غَيْرَ أَنَّ مَالِكًا فِي حَدِيثِهِ ذَكَرَ الطِّيَرَةَ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْكُهَّانِ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ، قَالَ: كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ.\nقوله: «فَلَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ» الكهان: جمع كاهن، والكاهن هو الذي له ولي","vol":"6","page":373},{"text":"من الجن يأتي إليه ويخبره بالمغيبات، بما تسترقه الشياطين من الوحي، ومما يكون غائبًا عنه في البلدان الأخرى.\nوالساحر: هو الذي يعقد العقد وينفث فيها.\nوالعرَّاف: هو الذي يدَّعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق، ومكان الضالة.\nوالمنجم: هو الذي يستدل بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، والذي يضرب بالحصى، أو يقرأ الفنجان، أو يخط في التراب والرمل ويدعي علم الغيب، كل هؤلاء كفرة.\nقوله: «ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ، فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ»، يعني: أن الإنسان يجد التطير في نفسه، فلا ينبغي أن يرده عن حاجته، بل يمضي فيها، فليس لما يجده في نفسه تأثير.\nقوله: «كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ»: هذا الحديث فيه: الخط في التراب، والخط إذا كان فيه ادعاء بعلم الغيب فهذا من الكهانة.\nوفيه: أن من وافق خطه خط ذلك النبي ﵇ فلا بأس، لكنه لا يستطيع أن يعلم أنه وافق خط ذلك النبي ﵇ أم لا؟ والمعنى: أنه لا ينبغي له أن يخط؛ لأنه لا يستطيع أن يعلم أنه وافق خط ذلك النبي ﵇.\n\n[٢٢٢٨] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْكُهَّانَ كَانُوا يُحَدِّثُونَنَا بِالشَّيْءِ، فَنَجِدُهُ حَقًّا، قَالَ: «تِلْكَ الْكَلِمَةُ الْحَقُّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ، فَيَقْذِفُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ، وَيَزِيدُ فِيهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ».\nقوله: «يَخْطَفُهَا» بفتح الطاء على المشهور، وفي لغة قليلة كسرها.\nقوله: «كَذْبَةٍ» بفتح الكاف وكسرها، وأنكر بعضهم الكسر.","vol":"6","page":374},{"text":"وهذا الحديث فيه: شدة كذب الكهان وحبهم للكذب، حيث أنه يلقي إليهم وليهم من الجن كلمة واحدة سُمعت من السماء من الحق فيزيد الكاهن معها مائة كذبة، ويخبر الناسَ بهذا الكذب الكثير، فَيُصَدّقه الناس بجميع كذبه من أجل واحدة.\nوفيه: قبول الناسِ الشرَّ والباطلَ، حيث يصدقونه بالكذب الكثير من أجل الواحدة، ولا يكذبونه للكذب الكثير.\nحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ- وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللهِ- عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: سَأَلَ أُنَاسٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْكُهَّانِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَيْسُوا بِشَيْءٍ»، قَالَوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانًا الشَّيْءَ يَكُونُ حَقًّا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْجِنِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ، فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ رِوَايَةِ مَعْقِلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ.\nقوله ﷺ: «لَيْسُوا بِشَيْءٍ»، يعني: لا حقيقة لقولهم؛ لأن قولهم باطل، ولا يوثق بأخبارهم، ولا ينبغي الإتيان إليهم ولا سؤالهم؛ لأن في هذا رفعًا من شأنهم، بل الواجب تكذيبهم والإنكار عليهم، والتبليغ عنهم، ومعاقبتهم من قبل ولاة الأمور بالسجن، أو بالضرب، أو بالقتل، على حسب ما يستحقون.\nوقوله: «فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ»: من قَرَّ يَقُرُّ، قال أهل اللغة والغريب: «القَرُّ: بفتح القاف ترديدك الكلام في أذن المخاطب حتى يفهمه» (^١).\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (٤/ ٣٩)، لسان العرب، لابن منظور (٥/ ٨٤).","vol":"6","page":375},{"text":"وقوله: «قَرَّ الدَّجَاجَةِ» صوتها إذا قطعته، يقال: قرت تقرُّ قرًّا وقريرًا، فإن رَدَّدته قلتَ: قرقرت قرقرة.\n\n[٢٢٢٩] حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد، قَالَ حَسَنٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَقَالَ عَبد: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حدثنا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ جُلُوسٌ لَيْلَةً مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَاذَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟»، قَالَوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَإِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَالِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ رَبُّنَا ﵎ اسْمُهُ، إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ مَاذَا قَالَ، قَالَ: فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَتَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ، فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ وَيُرْمَوْنَ بِهِ، فَمَا جَاءُوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ فِيهِ، وَيَزِيدُونَ».\nوَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ- يَعْنِي: ابْنَ عُبَيْدِ اللهِ- كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ يُونُسَ قَالَ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَفِي حَدِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ: وَلَكِنْ يَقْرِفُونَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ، وَفِي حَدِيثِ يُونُسَ: وَلَكِنَّهُمْ يَرْقَوْنَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ، وَزَادَ فِي","vol":"6","page":376},{"text":"حَدِيثِ يُونُسَ: «وَقَالَ اللهُ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾»، وَفِي حَدِيثِ مَعْقِلٍ كَمَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ فِيهِ، وَيَزِيدُونَ.\nقوله: «يَقْرِفُونَ» بالراء، وروي بالذال: «يَقْذِفُونَ» (^١)، ومعناه: يخلطون فيه بالكذب.\nوهذا الحديث فيه: بيان إبطال اعتقاد أهل الجاهلية، فكانوا يعتقدون أنه إذا رمي بشهاب فاستنار أنه وُلِدَ عظيم أو مات عظيم، فالنبي ﷺ أبطل ذلك، فَقَالَ: لا يرمى بها لموت أحد، ولا لحياته؛ وذلك لأن الله سبحانه تعالى إذا قضى بالأمر سبح حملة العرش ثم يسبح الذين يلونهم، ثم يسبح كل أهل السماء، حتى يبلغ التسبيح السماء الدنيا، ثم يستخبرون حملة العرش: ماذا قال الله؟ فيقولون: قال الحق، فيتحدث بها أهل السماء السابعة، ثم يصل الحديث إلى أهل السماء الدنيا، ثم يتحدث به الملائكة في العنان، والشياطين يركب بعضهم بعضًا بدون ملاصقة فيسمع الشيطان الذي مِن فوق الملائكة تتحدث بالأمر الذي قضاه الله، إما في العنان أو في السماء الدنيا، ثم يلقي الكلمة على الشيطان الذي تحته، ثم يلقيها الآخر على من تحته، حتى تصل إلى الشيطان الذي في الأرض، والشيطان الذي في الأرض يلقيها في أذن الكاهن يقرها كقر الدجاجة، ولكن الشهب تلاحقهم، وتحرقهم أحيانًا قبل أن يلقي الشيطان في أذن الكاهن، وأحيانًا يلقيها قبل أن يُحرَق.\nوفيه: أن الشهب تحرق الشياطين، ولكن الشياطين لا يفنون، وهذا يدل على كثرة الشياطين، وكثرة ولادة الشياطين.\nوقوله: «يَرْقَوْنَ» قال النووي ﵀: «قال القاضي عياض: ضبطناه عن\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٤/ ٢٢٦).","vol":"6","page":377},{"text":"شيوخنا بضم الياء وفتح الراء وتشديد القاف، قال: ورواه بعضهم بفتح الياء وإسكان الراء، قال في المشارق: قال بعضهم: صوابه: بفتح الياء وإسكان الراء وفتح القاف، قال: وكذا ذكره الخطابي، قال: ومعناه معنى يزيدون، يقال: رَقِي فلانٌ إلى الباطل- بكسر القاف- أي: رفعه، وأصله من الصعود، أي: يدَّعون فيها فوق ماسمعوا، قال القاضي: وقد يصح الرواية الأولى على تضعيف هذا الفعل وتكثيره، والله أعلم» (^١).\n\n[٢٢٣٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ- عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً».\nوهذا الحديث فيه: وعيد شديد على من أتى العراف، والعراف: من جملة أنواع الكهان، وهو الذي يدعي علم الغيب عن طريق معرفة الأمور التي يستدل بها على المسروق ومكان الضالة.\nوالمعنى: أنه لا يثاب على صلاته، ولكنه لا يعيد الصلاة، فصلاته صحيحة، ومثله من صلى في أرض مغصوبة أو صلى في ثوب مغصوب، أو صلى في ثوب حرير، أو توضأ بماء مغصوب كل هؤلاء لا ثواب لهم، ولكن صلاتهم صحيحة؛ لأن الصلاة إذا أداها الإنسان كما أمر الله يترتب عليها شيئان: الأول: صحة الصلاة، والثاني: الثواب.\nفإذا تلبس بالمعصية فإنه تصح صلاته، ولكنه يأثم، على الصحيح من\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٤/ ٢٢٧)، إكمال المعلم، للقاضي عياض (٧/ ١٥٩)، مشارق الأنوار على صحاح الآثار، للقاضي عياض (١/ ٢٩٩).","vol":"6","page":378},{"text":"أقوال العلماء؛ ولهذا لا يؤمر بإعادة الصلاة أربعين يومًا.\nوهذا الحديث: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً»، وأما حديث أبي هريرة في مسند الإمام أحمد: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ» (^١).\nوقد جمع بعضهم بينهما بأنه إذا صدقه فإنه يكفر، وإذا سأله ولم يصدقه فإنه يعاقب بأنه لا يثاب على صلاته أربعين يومًا، لكن ورد نفس الحديث بلفظ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» (^٢).\nواختلف العلماء في هذا الكفر، فمن العلماء من قال: إنه كفر دون كفر لا يُخرج من الملة، ومن العلماء من توقف في الكفر فلم يقل: يُخرج عن الملة، أو لا يخرج عن الملة.\nوهذا الخلاف فيما إذا صدقه في الأمور الماضية كشيء يتعلق بمكان الضالة، ومعرفة المسروق.\nأما إذا صدقه في دعوى علم الغيب فإنه يكفر؛ لأنه مكذب لله تعالى، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وقال سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾، فمن صدق أحدًا في دعوى علم الغيب فإنه يكفر كفرًا أكبر يخرج من الملة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٩٥٣٦).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٦٦٣٨).","vol":"6","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1062>بَابُ اجْتِنَابِ الْمَجْذُومِ وَنَحْوِهِ</span>\n\n[٢٢٣١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَهُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ، فَارْجِعْ.\nقوله: «الشَّرِيدِ»: هو بتخفيف الراء.\nهذه الأحاديث التي مرت مشلكة فلا بد من الجمع بينها: الحديث الأول حديث أبي هريرة: «لاعَدْوَى، وَلَاصَفَرَ، وَلَاهَامَةَ»، وزاد في الحديث الآخر: «وَلَا غُولَ» وحديث: «فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ»، وحديث: «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ»، وحديث: «وفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَد» (^١) وفي هذا الحديث الأخير جاء وفد ثقيف إلى النبي ﷺ ومعهم رجل مجذوم فأرسل إليه النبي ﷺ: «إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ»، ولم يقابله، ولم يبايعه، وهذا في السنة التاسعة من الهجرة، وهناك حديث آخر أن النبي ﷺ أخذ بيد مجذوم وأجلسه على طعام وقال: «كُلْ بِسْمِ اللهِ، ثِقَةً بِاللهِ، وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ» (^٢)، وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ لِي مَوْلًى مَجْذُومٌ، فَكَانَ يَنَامُ عَلَى فِرَاشِي، وَيَأْكُلُ فِي صِحَافِي، وَلَوْ كَانَ عَاشَ كَانَ عَلَى ذَلِكَ». (^٣)\nوأصح ما قيل في الجمع بينها: أن حديث أبي هريرة: «لاعَدْوَى، وَلَاصَفَرَ،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٠٧).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٩٢٥)، والترمذي (١٨١٧)، وابن ماجه (٣٥٤٢).\n(^٣) أخرجه ابن جرير في تهذيب الآثار (٨٢)، وابن أبي شيبه في المصنف (٢٤٥٤١).","vol":"6","page":380},{"text":"وَلَاهَامَةَ»، أي: لا عدوى على الوجه الذي كان يعتقده أهل الجاهلية، وهو أن المرض يُعدي بطبعه وذاته من غير مشيئة الله وقدره وإرادته.\nوأما حديث: «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» وحديث: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَد» (^١) وحديث وفد ثقيف «إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ»، وحديث الطاعون: «فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ»، فهذه محمولة على أنها من باب اجتناب أسباب الهلاك، والأسباب قد يحصل لها مسبَّبٌ وقد لا يحصل، فالنبي ﷺ بنصحه وإرشاده للأمة نهى أن يورد ممرض على مصح، وهو أن يورد صاحب الإبل المريضة على إبل صحيحة؛ لأنه قد يقدر الله أن ينتقل إليها المرض، وقد لا تنتقل، لكنه سبب، وقد يحصل المسبَّبُ إذا قدر الله، وكذلك أمره بالفرار من المجذوم فهذا كله من باب الأمر باجتناب أسباب الهلاك.\nومن العلماء من قال: إن حديث: «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ»، وحديث: «وفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ» (^٢) وحديث وفد ثقيف- إنها منسوخة بحديث أبي هريرة، وأنه ليس هناك شيء يعدي، فلا يفر الإنسان من المجذوم، ولا بأس أن يورد ممرض على مصح.\nولكن هذا قول مرجوح؛ لأن النسخ لا يصار إليه إلا بشرطين (^٣):\nالشرط الأول: عدم إمكان الجمع، وقد أمكن.\nالشرط الثاني: معرفة التاريخ.\nومن العلماء من قال: إنما أمر بأن يُفَرَّ من المجذوم كالفرار من الأسد، من أجل رائحته الكريهة، وقُبحِ صورته، لا من أجل أنه يُعدي، وهذا- أيضًا- قول مرجوح.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٠٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٧٠٧).\n(^٣) الوجيز، للزحيلي (٢/ ٢٤٣).","vol":"6","page":381},{"text":"والراجح القول الأول.\nوقد قال رسول الله ﷺ: «لَا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ»، لكن جاء حديث: «وَإِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: الْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ، وَالدَّارِ»، وفي لفظ: «إِنْ يَكُنْ مِنَ الشُّؤْمِ شَيْءٌ حَقٌّ، فَفِي الْفَرَسِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ»، وفي لفظ: «إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ، فَفِي الْفَرَسِ، وَالْمَسْكَنِ، وَالْمَرْأَةِ»، وفي لفظ: «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ، فَفِي الرَّبْعِ، وَالْخَادِمِ، وَالْفَرَسِ»، قال الخطابي وجماعة: «إن هذا مستثنى من قوله: «ولا طيرة»» (^١)، وأن هذه الثلاث قد يكون فيها شؤم، فالدار يكون فيها شؤم بضيقها وسوء جيرانها، فيبيعها ويبدلها بغيرها، وقد يكون الشؤم في المرأة بأن تكون عقيمًا، أو تكون سليطة اللسان، أو تتعرض للريب، ولا تحفظ نفسها فيطلقها، وقد يكون الشؤم في الفرس، بأن تكون لا يُغْزَى عليها في سبيل الله، أو بغلاء ثمنها، وقد يقال: إن السيارة الآن تنوب مقام الفرس، إذا كانت تؤذيه فيبيعها، وفي الخادم بأن يكون سيئ الخلق ولا يؤدي ما أوكل إليه فيستبدله.\nوقيل: المعنى أن بعض الأعيان قد يجعل الله فيها شيئًا من الشؤم، أو شيئًا من النحاسة والشر، وليس هذا من باب التشاؤم.\n_________\n(^١) معالم السنن، للخطابي (٤/ ٢٣٦).","vol":"6","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1063>بابُ قَتْلِ الْحَيَّاتِ وَغَيْرِهَا</span>\n\n[٢٢٣٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِ ذِي الطُّفْيَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يَلْتَمِسُ الْبَصَرَ، وَيُصِيبُ الْحَبَلَ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: الْأَبْتَرُ، وَذُو الطُّفْيَتَيْنِ.\nقوله: «عَبْدَةُ»: بإسكان الباء وفتحها.\n\n[٢٢٣٣] وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ، وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ، وَالْأَبْتَرَ؛ فَإِنَّهُمَا يَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَلَ، وَيَلْتَمِسَانِ الْبَصَرَ»، قَالَ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْتُلُ كُلَّ حَيَّةٍ وَجَدَهَا، فَأَبْصَرَهُ أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، أَوْ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ يُطَارِدُ حَيَّةً، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ نُهِيَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ.\n[خ: ٣٢٩٧]\nوَحَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ يَقُولُ: «اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ، وَالْكِلَابَ، وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ، وَالْأَبْتَرَ؛ فَإِنَّهُمَا يَلْتَمِسَانِ الْبَصَرَ، وَيَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَالَى».\nقَالَ الزُّهْرِيُّ: وَنُرَى ذَلِكَ مِنْ سُمَّيْهِمَا- وَاللهُ أَعْلَمُ- قَالَ سَالِمٌ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: فَلَبِثْتُ لَا أَتْرُكُ حَيَّةً أَرَاهَا إِلَّا قَتَلْتُهَا، فَبَيْنَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً يَوْمًا مِنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ، مَرَّ بِي زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ، أَوْ أَبُو لُبَابَةَ، وَأَنَا","vol":"6","page":383},{"text":"أُطَارِدُهَا، فَقَالَ: مَهْلًا يَا عَبْدَ اللهِ، فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهِنَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ نَهَى عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ.\nقوله: «وَنُرَى»: بضم النون، يعني: نظن.\nوَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ صَالِحًا قَالَ: حَتَّى رَآنِي أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، وَزَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَا: إِنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ، وَفِي حَدِيثِ يُونُسَ: «اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ»، وَلَمْ يَقُلْ: «ذَا الطُّفْيَتَيْنِ، وَالْأَبْتَرَ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ كَلَّمَ ابْنَ عُمَرَ؛ لِيَفْتَحَ لَهُ بَابًا فِي دَارِهِ يَسْتَقْرِبُ بِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَوَجَدَ الْغِلْمَةُ جِلْدَ جَانٍّ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: الْتَمِسُوهُ فَاقْتُلُوهُ، فَقَالَ أَبُو لُبَابَةَ: لَا تَقْتُلُوهُ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ الَّتِي فِي الْبُيُوتِ.\nوَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْتُلُ الْحَيَّاتِ كُلَّهُنَّ، حَتَّى حَدَّثَنَا أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ الْبَدْرِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ جِنَّانِ الْبُيُوتِ، فَأَمْسَكَ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى وَهُوَ الْقَطَّانُ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا لُبَابَةَ يُخْبِرُ ابْنَ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي لُبَابَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ","vol":"6","page":384},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللَّه أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ أَخْبَرَهُ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ الَّتِي فِي الْبُيُوتِ.\nقوله: «ذَا الطُّفْيَتَيْنِ»: هو: نوع من الحيات، وهي الحية التي فوق ظهرها خطان أبيضان.\nوقوله: «الْأَبْتَرَ»: نوع آخر من الحيات، وهي حية قصيرة الذنب، أو أنه أزرق مقطوع الذنب.\nوقوله: «يَسْتَقْرِبُ بِهِ»: يطلب به قرب المسجد.\nقوله: «الْجِنَّانِ»: ويقال لها: عوامر البيوت من الجن، وهذا هو حجةُ مَن قال: إنه خاص ببيوت المدينة، وحجتهم في ذلك حديث: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» (^١)، وقال بعض العلماء: إنه عام في جميع البلدان.\nهذه الأحاديث فيها: الأمر بقتل الحيات، والأمر أقل أحواله الاستحباب، يستحب للمسلم أن يقتل الحيات؛ لما فيها من الضرر والشر؛ لأنها من ذوات السموم فهي تفرغ سمها في الإنسان، ولأنها من الفواسق، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا» (^٢).\nويتأكد الاستحباب- أيضًا- في قتل ذي الطفيتين، والأبتر، وقد بيَّن النبي ﷺ العلة وهي أنهما يستسقطان الحبل، ويلتمسان البصر، وفي لفظ: «يَخْطِفَانِ الْبَصَرَ»؛ ولهذا قال زهير: «نُرَى أنَّ ذلك مِن سُمِّيِّهِمَا»، ففي بصريهما سم زائد عن باقي الحيات، فإذا نظرتا إلى الإنسان خطفا بصره\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٢٣٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (١١٩٨).","vol":"6","page":385},{"text":"فعمي، والعياذ بالله، وإذا نظرتا إلى الحامل أسقطت الحمل؛ ولهذا قال: «فَإِنَّهُمَا يَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَلَ»، والحبل: الحمل.\nوالحيات كلها مأمور بقتلها، ويستثنى من ذلك: الجِنَّان، وهي حيات البيوت، والجنَّان جمع جنة، وهي الحية الصغيرة، وقيل: الحية الدقيقة، وقيل: الدقيقة البيضاء، وتسمى العوامر، فإنها لا تُقتل حتى تُؤذَنَ، أو يُحَرَّجَ عليها ألَّا تبرزَ ثلاثة أيام، كما سيأتي.\nوذو الطفيتين والأبتر يُقتلان على كل حال، وفي أي مكان في البيوت، وفي البراري، وفي الحل وفي الحرم؛ لخبثهما ولشدة ضررهما، وشرهما.\nوأما الحديث الأول وهو أن النبي ﷺ أمر بقتل الكلاب، فَقَالَ: «اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ، وَالْكِلَابَ»، فهذا كان أولًا، ثم نهى عن ذلك، وقال: «وْلَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا كُلِّهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ» (^١)، ويستثنى من ذلك نوعان من الكلاب فإنهما يقتلان: النوع الأول: الأسود البهيم فإنه شيطان يُقتل، ولا يمنع من كونه بهيمًا أن يوجد فيه نقطتان من البياض.\nوالنوع الثاني: الكلب العقور؛ لأنه من الفواسق، كما سبق في الحديث، وسمي فاسقًا لخروجه عن طبيعة غيره بالإيذاء والضرر.\nويقاس على الخمس حيوانات المذكورة في الحديث كلُّ مؤذٍ فإنه يُقتل، وقتل الذباب والحشرات المؤذية داخل في ذلك.\nولو كانت هناك هرة تؤذي الناس بإفساد الطعام، أو أكل الدجاج والحمام أو إلقاء اللبن وإفساده ولا يُردع شرُّها إلا بالقتل تُقتل، وأما التي لا تؤذي فإنها لا تُقتل.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦٣٤٦)، وأبو داود (٢٨٤٥)، والترمذي (١٤٨٦)، والنسائي (٤٢٨٠)، وابن ماجه (٣٢٠٥).","vol":"6","page":386},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: الثَّقَفِيَّ- قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيَّ، وَكَانَ مَسْكَنُهُ بِقُبَاءٍ، فَانْتَقَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَبَيْنَمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ جَالِسًا مَعَهُ يَفْتَحُ خَوْخَةً لَهُ، إِذَا هُمْ بِحَيَّةٍ مِنْ عَوَامِرِ الْبُيُوتِ، فَأَرَادُوا قَتْلَهَا، فَقَالَ أَبُو لُبَابَةَ: إِنَّهُ قَدْ نُهِيَ عَنْهُنَّ- يُرِيدُ: عَوَامِرَ الْبُيُوتِ- وَأُمِرَ بِقَتْلِ الْأَبْتَرِ، وَذِي الطُّفْيَتَيْنِ، وَقِيلَ: هُمَا اللَّذَانِ يَلْتَمِعَانِ الْبَصَرَ، وَيَطْرَحَانِ أَوْلَادَ النِّسَاءِ.\nقوله: «يَفْتَحُ خَوْخَةً لَهُ»: الخوخة: فتحة صغيرة كان الصحابة يفتحونها على المسجد، فلما كان في آخر حياة النبي ﷺ قال: «لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ» (^١) إشارة إلى أنه الخليفة بعده.\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ عِنْدَنَا ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَوْمًا عِنْدَ هَدْمٍ لَهُ، فَرَأَى وَبِيصَ جَانٍّ، فَقَالَ: اتَّبِعُوا هَذَا الْجَانَّ فَاقْتُلُوهُ، قَالَ أَبُو لُبَابَةَ الْأَنْصَارِيُّ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْبُيُوتِ، إِلَّا الْأَبْتَرَ، وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ؛ فَإِنَّهُمَا اللَّذَانِ يَخْطِفَانِ الْبَصَرَ، وَيَتَتَبَّعَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ.\nوَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أُسَامَةُ أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ مَرَّ بِابْنِ عُمَرَ وَهُوَ عِنْدَ الْأُطُمِ الَّذِي عِنْدَ دَارِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَرْصُدُ حَيَّةً، بِنَحْوِ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٩٠٤)، ومسلم (٢٣٨٣).","vol":"6","page":387},{"text":"وهذا الحديث فيه: دليل على أن الأبتر وذا الطفيتين مستثنيان من عوامر البيوت، وهو دليل على أن عوامر البيوت لا يمكن أن تتصور بصورة ذي الطفيتين والأبتر، فإن تصور فهو شيطان يُقتل ولا حرمة له.\n\n[٢٢٣٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ يَحْيَى وَإِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَارٍ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾، فَنَحْنُ نَأْخُذُهَا مِنْ فِيهِ رَطْبَةً؛ إِذْ خَرَجَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهَا»، فَابْتَدَرْنَاهَا لِنَقْتُلَهَا فَسَبَقَتْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَقَاهَا اللهُ شَرَّكُمْ، كَمَا وَقَاكُمْ شَرَّهَا».\n[خ: ٤٩٣٠]\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ.\nقوله: «فَنَحْنُ نَأْخُذُهَا مِنْ فِيهِ رَطْبَةً»، يعني: حين نزولها.\nوقوله: «اقْتُلُوهَا» هذا أمر، وأصل الأوامر الوجوب؛ فَتُقتل لما فيها من الضرر والشر، ولذلك لا ينبغي للإنسان أن يتركها إن كان عنده القدرة على قتلها.\nوقوله: «وَقَاهَا اللهُ شَرَّكُمْ»، يعني: قَتْلَها، فهو بالنسبة إليها يكون شرًّا، وإلا فهو خير؛ لأنه امتثال لأمر النبي ﷺ.\nوقوله ﷺ: «كَمَا وَقَاكُمْ شَرَّهَا»، أي: حيث سلمتم من إيذائها ولسعها لكم.","vol":"6","page":388},{"text":"[٢٢٣٥] وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ- يَعْنِي: ابْنَ غِيَاثٍ- حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ مُحْرِمًا بِقَتْلِ حَيَّةٍ بِمِنًى.\nقوله: «أَمَرَ مُحْرِمًا بِقَتْلِ حَيَّةٍ بِمِنًى»: لأنها تُقتل في الحل وفي الحرم، كما في الحديث الآخر: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا» (^١).\n\n[٢٢٣٤] وَحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَارٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ.\n\n[٢٢٣٦] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ صَيْفِيٍّ- وَهُوَ عِنْدَنَا مَوْلَى ابْنِ أَفْلَح- أَخْبَرَنِي أَبُو السَّائِبِ- مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ- أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي بَيْتِهِ، قَالَ: فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُهُ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ، فَسَمِعْتُ تَحْرِيكًا فِي عَرَاجِينَ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا حَيَّةٌ فَوَثَبْتُ لِأَقْتُلَهَا، فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنِ اجْلِسْ فَجَلَسْتُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَشَارَ إِلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ، فَقَالَ: أَتَرَى هَذَا الْبَيْتَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: كَانَ فِيهِ فَتًى مِنَّا حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، قَالَ: فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ، فَكَانَ ذَلِكَ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِأَنْصَافِ النَّهَارِ، فَيَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَأْذَنَهُ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خُذْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ؛ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ»، فَأَخَذَ الرَّجُلُ سِلَاحَهُ، ثُمَّ رَجَعَ،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٩٨).","vol":"6","page":389},{"text":"فَإِذَا امْرَأَتُهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ قَائِمَةً، فَأَهْوَى إِلَيْهَا الرُّمْحَ لِيَطْعُنَهَا بِهِ، وَأَصَابَتْهُ غَيْرَةٌ، فَقَالَتْ لَهُ: اكْفُفْ عَلَيْكَ رُمْحَكَ، وَادْخُلِ الْبَيْتَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا الَّذِي أَخْرَجَنِي، فَدَخَلَ فَإِذَا بِحَيَّةٍ عَظِيمَةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ فَانْتَظَمَهَا بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَرَكَزَهُ فِي الدَّارِ، فَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ، فَمَا يُدْرَى أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا الْحَيَّةُ، أَمِ\nالْفَتَى، قَالَ: فَجِئْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، وَقُلْنَا: ادْعُ اللهَ يُحْيِيهِ لَنَا، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ».\nقوله: «فَرَكَزَهُ»، أي: الرمح.\nوهذا الحديث حجة لمن قال: إن إيذان الجِنَّان خاص ببيوت المدينة.\nوفيه: دليل على أن الجِنَّانَ تؤذن ثلاثةَ أيام، أو يُحَرَّجَ عليها، يقال لها: أُحَرِّجُ عليك ألا تبرزي لنا، فإن خرجت بعد ذلك فإنها شيطان تُقتل ولا حرمة لها، ولا يجعل الله لها سبيلًا على المؤمن.","vol":"6","page":390},{"text":"وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَسْمَاءَ بْنَ عُبَيْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ السَّائِبُ- وَهُوَ عِنْدَنَا أَبُو السَّائِبِ- قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ إِذْ سَمِعْنَا تَحْتَ سَرِيرِهِ حَرَكَةً، فَنَظَرْنَا فَإِذَا حَيَّةٌ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ صَيْفِيٍّ، وَقَالَ فِيهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ لِهَذِهِ الْبُيُوتِ عَوَامِرَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْهَا، فَحَرِّجُوا عَلَيْهَا ثَلَاثًا، فَإِنْ ذَهَبَ، وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ كَافِرٌ»، وَقَالَ لَهُمْ: «اذْهَبُوا فَادْفِنُوا صَاحِبَكُمْ».\nوَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، حَدَّثَنِي صَيْفِيٌّ عَنْ أَبِي السَّائِبِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ قَدْ أَسْلَمُوا، فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْعَوَامِرِ، فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلَاثًا، فَإِنْ بَدَا لَهُ بَعْدُ فَلْيَقْتُلْهُ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ».\nقوله ﷺ: «فإنه كافر»: دلَّ على أن الشيطان كافر؛ لأن من أسلم من الجن لا يسمى شيطانًا.\nوقوله: «إنَّ لهذه البيوتِ عوامِرَ» هذا عام، وهذا حجة لمن أخذ بالعموم، وقال: إن إيذان الجِنَّانِ ثلاثًا يكون في المدينة، أو في غيرها.\nوقوله: «فَحَرِّجُوا عَلَيْهَا ثَلَاثًا»: الإطلاق (ثلاثًا) يُقَيَّدُ بما قبله: ثلاثة أيام.","vol":"6","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1064>بَابُ اسْتِحْبَابِ قَتْلِ الْوَزَغِ</span>\n\n[٢٢٣٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا بِقَتْلِ الْأَوْزَاغِ.\nوَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: أَمَرَ.\n[خ: ٣٣٠٧]\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُمَّ شَرِيكٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا اسْتَأْمَرَتِ النَّبِيَّ ﷺ فِي قَتْلِ الْوِزْغَانِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهَا، وَأُمُّ شَرِيكٍ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ.\nاتَّفَقَ لَفْظُ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي خَلَفٍ، وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وَحَدِيثُ ابْنِ وَهْبٍ قَرِيبٌ مِنْهُ.\nهذا الحديث فيه: الأمر بقتل الوزغ، والوزغ يجمع على أوزاغ، وَوُزْغان، ويسمى بالظاطور والبرصي، وهو معروف؛ وأُمر بقتله لأنه فاسق، حيث خرج عن طبيعة غيره بالإيذاء، وإلقاء السم في الإناء، ومن خبثه: أنه كان ينفخ على نار إبراهيم، وكانت الدواب الأخرى تطفئ النار. وهو من الفواسق يُقتل في الحل والحرم.","vol":"6","page":392},{"text":"[٢٢٣٨] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حميد قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ، وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا.\n\n[٢٢٣٩] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِلْوَزَغِ: الْفُوَيْسِقُ، زَادَ حَرْمَلَةُ قَالَتْ: وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ.\n[خ: ١٨٣١]\n\n[٢٢٤٠] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قَتَلَ وَزَغَةً فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ، فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً، وَمَنْ قَتَلَهَا فِي الضَّرْبَةِ الثَّانِيَةِ، فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً لِدُونِ الْأُولَى، وَإِنْ قَتَلَهَا فِي الضَّرْبَةِ الثَّالِثَةِ، فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً لِدُونِ الثَّانِيَةِ».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ زَكَرِيَّاءَ-.ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ كُلُّهُمْ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمَعْنَى حَدِيثِ خَالِدٍ عَنْ سُهَيْلٍ إِلَّا جَرِيرًا وَحْدَهُ فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ: «مَنْ قَتَلَ وَزَغًا فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ كُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ دُونَ ذَلِكَ، وَفِي الثَّالِثَةِ دُونَ ذَلِكَ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ زَكَرِيَّاءَ- عَنْ سُهَيْلٍ، حَدَّثَتْنِي أُخْتِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ سَبْعِينَ حَسَنَةً».\nهذا الحديث فيه: الحث على قتل الوزغ، والحرص على أن يكون قتله في أول ضربة حتى يحوز الأجر المترتب على ذلك.\nوفيه: أن قتله في الضربة الأولى أكثر أجرًا، ففي الحديث الأول: أن قتله","vol":"6","page":393},{"text":"من الضربة الأولى أجره مائة حسنة، وفي الحديث الثاني: سبعون، والجمع بينهما أنه لا مانفاةَ بينهما؛ لأن هذا مفهوم عدد لا يفيد الحصر، مثل ما جاء في صلاة الجماعة: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (^١)، وفي حديث آخر: «تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ» (^٢)، وهذا مفهوم عدد لا حصر له.\nأو أن الله تعالى أوحى إلى نبيه أولًا أن في قتله في الضربة الأولى: سبعين، ثم تصدق الله بالزيادة فزاد هذه الأمة خيرًا، فصار قتله في الضربة الأولى بمائة، أو أن هذا يختلف باختلاف القاتلين للوزغ حسب اختلاف إخلاصهم، وأحوالهم من الإيمان.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (٦٤٩).","vol":"6","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1065>بَابُ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النَّمْلِ</span>\n\n[٢٢٤١] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «أَنَّ نَمْلَةً قَرَصَتْ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ، فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ أَفِي أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَهْلَكْتَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ».\n[خ: ٣٠١٩]\nقوله: «تُسَبِّحُ»: فيه: دليل على أن الحيوانات تسبح الله، قال تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾، وقال سبحانه: ﴿سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم﴾، فكل المخلوقات تسبح، والله تعالى يعلم تسبيحها.\nوهذا الحديث فيه: أن الله تعالى عتب على هذا النبي كونه أحرق قرية النمل، يعني: بيت النمل بسبب أن واحدة منها قرصته، ولم يعتب الله عليه بالقتل، أو الإحراق، وإنما لشمول العقوبة الجميع، وكأنه- والله أعلم- أنه جائز في شريعة ذلك النبي أن يحرق بالنار، أما في شريعتنا فجاء النهي عنه، قال النبي ﷺ: «إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ» (^١)، ولما أمر ﷺ بقتل رجلين بإحراقهم بالنار، قال بعد ذلك: «إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا بِالنَّارِ، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ أَخَذْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا» (^٢).\nفلا يجوز الحرق في شريعتنا إلا قصاصًا، فمن أحرق شخصًا بالنار فإنه يُحرَق قصاصًا؛ لقوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦٠٣٤)، وأبو داود (٢٦٧٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٩٥٤).","vol":"6","page":395},{"text":"أما هذا النبي فإن التحريق كان جائزًا في شريعته، ولكن الله أنكر عليه أنْ قتل قرية النمل بسبب نملة واحدة، فلو قتل نملة واحدة- ولو أحرقها- لما عتب الله عليه.\nوأما في شريعتنا فقد روى أبو داود وغيره من حديث ابن عباس ﵁ قال: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةُ، وَالنَّحْلَةُ، وَالْهُدْهُدُ، وَالصُّرَدُ» (^١)، يعني: إلا ما كان مؤذيًا فإنه يُقتل، وأما الصرد فهو: طائر ضخم الرأس والمنقار، له ريش عظيم نصفه أبيض ونصفه أسود.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فَأَمَرَ بِجِهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَأُحْرِقَتْ فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ فَأَمَرَ بِجِهَازِهِ، فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا، وَأَمَرَ بِهَا فَأُحْرِقَتْ فِي النَّارِ، قَالَ: فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً».\nقوله: «بِجِهَازِهِ» - بفتح الجيم وكسرها-، أي: بمتاعه.\nوقوله: «فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً»، أي: فهلَّا عاقبتَ نملة واحدة، أي: قصاصًا.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣٠٥٧)، وأبو داود (٥٢٦٧)، وابن ماجه (٣٢٢٤).","vol":"6","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1066>بَابُ تَحْرِيمِ قَتْلِ الْهِرَّةِ</span>\n\n[٢٢٤٢] حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ، سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَاهِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ».\n[خ: ٣٤٨٢]\nوَحَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ مَعْنَاهُ.\nوَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ، لَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَسْقِهَا، وَلَمْ تَتْرُكْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: رَبَطَتْهَا، وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: حَشَرَاتِ الْأَرْضِ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد، قَالَ عَبد: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.","vol":"6","page":397},{"text":"قوله ﷺ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ» في للسببية، أي: بسبب هرة، فدخلت بسببها النار.\nوهذا الحديث فيه: دليل على أن هذه المرأة دخلتِ النار بسبب تعذيب هذه الهرة.\nوفيه: دليل على إثبات الأسباب، وأن الله تعالى يربط الأسباب بالمسببات، فيجعل صلة الرحم سببًا في طول العمر، وقطيعة الرحم سببًا في قصره، وتعذيب الهرة سببًا في دخول النار.\nوفيه: الرد على من أنكر الأسباب من الجبرية كالأشاعرة وغيرهم.\nوفيه: دليل على احترام الحيوان، وأنه لا يؤذَى ولا يُقتل إلا بسبب، وإذا كان هذا التعذيب في النار بسبب إيذاء هرة بحبسها، فكيف بمن يحبس مسلمًا أو يؤذيه أو يقتله؟ ! وحرمة المؤمن عند الله عظيمة! .\nمسألة: استشكل بعضهم قوله ﷺ: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ» والنار لم يدخلها أحد بعد؛ لأن القيامة لم تقم.\nوالجواب من وجوه:\nالأول: أن تعذيبها في النار يكون في قبرها، والعذاب في القبر مقدمة للعذاب في النار، وهذا ما ذهب إليه كثير من العلماء، ولكن ظهر لي أجوبة غير هذا، منها:\nالثاني: أن العبد الفاجر أو الكافر إذا دخل القبر فُتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسَمومها، كما ثبت في الحديث الصحيح (^١)، فيكون هذا تعذيبًا له من نفس النار.\nالثالث: أن روح المؤمن تُنقَل إلى الجنة، وروح الكافر تُنقَل إلى النار، فَتُعذب الروح في النار بعدما يموت صاحبها ولها صلة بالجسد.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٨٥٣٤)، وأبو داود (٤٧٥٣).","vol":"6","page":398},{"text":"الرابع: أن قوله: «دخلتِ امرأةٌ النَّارَ» بمعنى: ستدخل في المستقبل؛ وعبَّر بالماضي لتحقق وقوعه، قال الله تعالى: ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾، يعني: سيأتي أمر الله.\nفهذه الأجوبة ظهرت لي، ولم يذكرها الشُّرَّاح، ولم يذكرها شيخنا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀.\nويجب إذا حبس إنسان الطيورَ أو الدجاج وغيرها أن ينفق عليها ويطعمها بالمعروف.\nمسألة: هل يجوز قتل الحشرات بالكهرباء؟\nوالجواب: أفتت اللجنة الدائمة الدائمة للأفتاء بالمملكة العربية السعودية برئاسة سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز ﵀ بما نصه: «إذا كانت هذه الحشرات مؤذية بالفعل ولا سبيل للتخلص من أذاها إلا بقتلها بالصعق الكهربائي ونحوه، جاز قتلها بذلك، استثناء من الأمر بإحسان القتلة للضرورة، لعموم قوله ﷺ: (خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالحُدَيَّا، وَالغُرَابُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ) ولأمره بغمس الذباب في الشراب، وقد يكون في ذلك قتل له» (^١).\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة الدائمة (٢٦/ ١٩٢).","vol":"6","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1067>بَابُ فَضْلِ سَاقِيِ الْبَهَائِمِ الْمُحْتَرَمَةِ وَإِطْعَامِهَا</span>\n\n[٢٢٤٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ- فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ- عَنْ سُمَيٍّ- مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ مَاءً، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ، فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ»، قَالَوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا، فَقَالَ: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ».\n[خ: ٢٣٦٣]\nقوله: «يَأْكُلُ الثَّرَى»، أي: يخرج لسانه، يكاد يأكل الثرى من شدة العطش.\nوقوله: «رَقِيَ» - بكسر القاف-، أي: صعد، وزنًا ومعنًى، بخلاف: رقَى- بفتح القاف- فهو من الرقية، وهي التي يُرقَى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع.\nوهذا الحديث فيه: فضل الإحسان إلى البهائم، وأنه من أسباب المغفرة.\nقوله: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ»: الكبد الرطبة هي كبد الحي، أما الميت فكبده يابسة.\nوفيه: دليل على أن جميع الحيوانات فيها أجر؛ الحيوانات والدواب والحشرات، إلا المأمور بقتله كالحيات والعقارب والسباع المأمور بقتلها، فهذه لا تُسقى، وما عداها فإن في سقيه أجرًا، حتى الكافر الذمي","vol":"6","page":400},{"text":"والمستأمَن والمعاهد ففي إطعامه وسقيه أجر، إلا الكافر الحربي فهذا يُقتل، والمرتد يُقتل كذلك، ولا يسقى ولا يطعم.\nوفيه: جواز قول شكر الله لك؛ فإن النبي ﷺ قال: «شَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ».\nوفيه: أن سَقْيَ الحيوانات حتى الكلاب من أسباب المغفرة.\nوفيه: تواضع هذا الرجل حيث أمسك الخفَّ بفيه؛ ليسقي كلبًا.\n\n[٢٢٤٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ، قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا».\n[خ: ٣٤٦٧]\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ- قَدْ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ- إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ، فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ».\nقوله: «يُطِيفُ» - بضم الياء-، أي: يدور حولها، يقال: طاف به وأطاف، إذا دار حوله.\nوقوله: «أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا»: البغي هي: الزانية.\nوقوله: «فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا»: الموق- بضم الميم- هو: الخفُّ، وهو فارسي معرَّب، ومعنى: فنزعت له بموقها، أي: استقت له، يقال: نزعتَ بالدلو إذا استقيتَ به من البئر.\nوقوله: «رَكِيَّة»: الركية هي: البئر.\nوهذه المرأة بغي من بغايا بني إسرائيل، أي: زانية، ومعروف أن الزنا","vol":"6","page":401},{"text":"من كبائر الذنوب العظيمة، رأت كلبًا يدور حول الركية يلهث، يكاد يأكل الثرى، فَرَحِمَتْه ثم نزلت، وأخذت الماء بخفها فسقته، فغفر الله لها هذه الكبيرة العظيمة.\nوهذا الحديث فيه: دليل على أن بعض الحسنات العظيمة قد يمحو الله بها الكبائر، فهذه زانية، ولكن هذه الحسنة العظيمة غفر الله لها بها هذه الكبيرة، وهذا قد يكون مخصِّصًا لقول الله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه يكفر عنكم سيئاتكم﴾ فإن الآية فيها أن الله تعالى اشترط في تكفير السيئات اجتناب الكبائر، ولقوله ﷺ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٣٣).","vol":"6","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1068>كِتَابُ الْأَلْفَاظِ مِنَ الْأَدَبِ وَغَيْرِهَا</span>","vol":"6","page":404},{"text":"كِتَابُ الْأَلْفَاظِ مِنَ الْأَدَبِ وَغَيْرِهَا\n<span data-type=\"title\" id=toc-1069>بَابُ النَّهْيِ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ</span>\n\n[٢٢٤٦] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَي قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللهُ ﷿: يَسُبُّ ابْنُ آدَمَ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ».\n[خ: ٤٨٢٦]\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللهُ ﷿: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ».\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قَالَ اللهُ ﷿: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَقُولُ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ؛ فَإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ؛ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ؛ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ».","vol":"6","page":405},{"text":"هذا حديث قدسي؛ لأن النبي ﵊ أضافه إلى الله، فهو من كلام الله لفظًا ومعنًى، وأما الأحاديث النبوية فهي من الله معنى، ومن الرسول ﷺ لفظًا.\nقوله: «وَأَنَا الدَّهْرُ»، يعني: خالق الدهر، ومدبر الدهر، ومقلِّب الدهر ومصرفه، والدهر هو الليل والنهار؛ ولهذا قال: «بِيَدِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ»، وجاء في الحديث الآخر: «وَأَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ»، والأحاديث يفسر بعضها بعضًا.\nفي هذا الحديث: أن الدهر هو الليل والنهار، وليس من أسماء الله، وقد غلط ابن حزم ﵀ حينما عد الدهر من أسماء الله؛ لأنه لم يتأمل، ولم ينظر، ولم يجمع بين النصوص، فخطَّأه العلماء وهذا معدود في غلطاته (^١).\nوفيه: دليل على تحريم سبِّ الدهر، وقيل أنه من الكبائر؛ لأن الدهر ليس له من الأمر شيء، فالسب يقع على مَن دبَّره، وهو الله ﵎، وأن ذلك فيه إيذاء لله، قال الله تعالى: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ»، ولا يلزم من الأذى الضرر؛ لأن الله لا يضره أحد من خلقه، قال الله تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابًا مهينًا﴾.\nومن أمثلة سب الدهر قول أحدهم: يا خيبة الدهر، ويقول الشاعر:\nعَضَّنَا الدَّهْرُ بِنَابِهْ ... لَيْتَ مَا حَلَّ بِنَا بِهْ (^٢)\nأما إن وصف اليوم بأنه بارد، أو حار، أو يوم عصيب فهذا وصف له، وليس من السب.\n_________\n(^١) المحلى، لابن حزم (٨/ ٣١)، مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢/ ٤٩١ - ٤٩٤).\n(^٢) نهاية الأرب، للنويري (٧/ ٩٢)، خزانة الأدب، للحموي (١/ ٥٨).","vol":"6","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1070>بَابُ كَرَاهَةِ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ كَرْمًا</span>\n\n[٢٢٤٧] حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَسُبُّ أَحَدُكُمُ الدَّهْرَ؛ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ لِلْعِنَبِ: الْكَرْمَ؛ فَإِنَّ الْكَرْمَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ».\n[خ: ٦١٨٣]\nحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُولُوا: كَرْمٌ؛ فَإِنَّ الْكَرْمَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ».\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ: الْكَرْمَ؛ فَإِنَّ الْكَرْمَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ».\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: الْكَرْمُ؛ فَإِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ لِلْعِنَبِ: الْكَرْمَ؛ إِنَّمَا الْكَرْمُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ».\n\n[٢٢٤٨] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى- يَعْنِي: ابْنَ يُونُسَ- عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُولُوا: الْكَرْمُ، وَلَكِنْ قُولُوا: الْحَبْلَةُ- يَعْنِي: الْعِنَبَ».\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُولُوا: الْكَرْمُ، وَلَكِنْ قُولُوا: الْعِنَبُ وَالْحَبْلَةُ».","vol":"6","page":407},{"text":"في هذه الأحاديث: النهي عن تسمية العنب بالكرم، وإنما يسمى العنبَ، والحبلة-بفتحتين، وبإسكان الموحدة- وهي شجرة العنب.\nوقوله: «فَإِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ»، يعني: هو أولى بهذه التسمية؛ لما جعل الله فيه من الإيمان والهدى، والنور والتقوى.\nوهذا النهي للتنزيه ليس للتحريم؛ لما جاء في الأحاديث الأخرى من تسميته بالكرم، كما في الصحيحين أنه ﷺ نهى عن «بَيْعِ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا» (^١).\nوفي سبب كراهة ذلك قال العلماء: أن لفظة: (الكرم) كانت العرب تطلقها على شجر العنب، وعلى العنب، وعلى الخمر المتخذة من العنب؛ سموها كرمًا لكونها تحمل على الكرم والسخاء، فكره الشرع إطلاق هذه اللفظة على العنب وشجره؛ لئلَّا يتذكروا بها الخمر وتهيج نفوسهم إليها، فيقعوا فيها، أو يقاربوها (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٨٥)، ومسلم (١٥٤٢).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٥/ ٤).","vol":"6","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1071>بَابُ حُكْمِ إِطْلَاقِ لَفْظَةِ الْعَبْدِ، وَالْأَمَةِ، وَالْمَوْلَى، وَالسَّيِّدِ</span>\n\n[٢٢٤٩] حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي، وَأَمَتِي؛ كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللهِ، وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: غُلَامِي، وَجَارِيَتِي، وَفَتَايَ، وَفَتَاتِي».\n[خ: ٢٥٥٢]\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي؛ فَكُلُّكُمْ عَبِيدُ اللهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: فَتَايَ، وَلَا يَقُلِ الْعَبْدُ: رَبِّي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: سَيِّدِي».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: وَلَا يَقُلِ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ: مَوْلَايَ. وَزَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: فَإِنَّ مَوْلَاكُمُ اللهُ ﷿.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: اسْقِ رَبَّكَ، أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: رَبِّي، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي، مَوْلَايَ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي أَمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتَايَ، فَتَاتِي، غُلَامِي».\nفي هذه الأحاديث: النهي عن قول السيد لعبده: عبدي، وأمتي؛ وذلك أن العبودية في الحقيقة إنما هي لله ﷿، فَنُهي السيدُ أن يقول: عبدي؛ أدبًا مع جناب الرب، وحسمًا لمادة المشاركة؛ لما فيه من الإيهام بأنه مشارِك لله في استحقاق العبودية.","vol":"6","page":409},{"text":"وكذلك نُهي العبدُ أن يقول: ربي، وأُمر بأن يقول: سيدي، ومولاي؛ وذلك لأن الربوبية في الحقيقة إنما يستحقها الله ﷿.\nوقد عارض هذا الحديثَ ما جاء في حديث أشراط الساعة: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا» (^١)، وفي لفظ: «إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّهَا» (^٢)، وقال الله تعالى- عن يوسف-: ﴿إنه ربي أحسن مثواي﴾، فاختلف العلماء في الجمع بينهما على أقوال:\nالقول الأول: أن النهي هنا محمول على التنزيه، والذي صرف النهي عن التحريم إلى التنزيه قوله تعالى: ﴿إنه ربي أحسن مثواي﴾، وحديث أشراط الساعة المتقدم.\nالقول الثاني: أن النهي على أصله، وأما قوله تعالى: ﴿إنه ربي أحسن مثواي﴾ فهذا في شرع مَن قبلنا، أما نحن فإن نبينا قد نهانا، وأما ما في حديث أشراط الساعة كقوله: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا» فربتها: هذا في الأنثى، والذي في الحديث هنا النهي بالنسبة للذكر، قال: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ»، وبالنسبة للأنثى فالنهي محمول على التنزيه.\nالقول الثالث: أن النهي محمول على الوصف، فقوله: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ»، يعني: يصفه بالرب، وأما ما جاء في الآية وحديث: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا»، أو «رَبَّهَا» فهذا من باب وصفها بذلك لا دعاؤها به، وتسميتها به، وفرق بين الدعاء والتسمية، وبين الوصف، كما تقول: زيد فاضل، فتصفه بذلك ولا تسميه به ولا تدعوه به.\nالقول الرابع: النهي محمول على ما إذا أضيف إلى ياء المتكلم، فلا يقل العبد: ربي، ولا يقل السيد: عبدي، والجواز محمول على ما إذا أضيف إلى غير ياء المتكلم، فإذا قيل: عبد فلان، أو أمة فلان فلا بأس.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (٩).","vol":"6","page":410},{"text":"القول الخامس: أن النهي محمول على الكثرة، أي: إذا كان يُكثِر من هذا، والجواز محمول على ما إذا كان هذا في نادر الأحوال.\nوالأقرب: أن النهي محمول على التنزيه، ثم يليه القول بأنه محمول على ما إذا أضيف إلى ياء المتكلم.\nوقد بوب الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب التوحيد باب: لا يقول عبدي وأمتي، وذكر هذا الحديث (^١).\nوكذلك نُهي أن يقول العبد لسيده: يا مولاي، والنهي هنا للتنزيه- أيضًا- إذا أضيف إلى ياء المتكلم مولاي، وإلا فكلمة المولى لا بأس بها، وجاء إطلاقها على ستة عشر معنًى، كما ذكر النووي (^٢)، فتطلق على: الله تعالى، وتطلق على الناصر والمعين، وعلى غير ذلك.\nوإذا أضافه إلى غيره فلا بأس: مولى فلان، وكذلك السيد، سيد بني فلان، كما قال النبي ﷺ للأنصار: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» (^٣) أي: سعد بن معاذ ﵁.\n_________\n(^١) كتاب التوحيد، لمحمد بن عبد الوهاب (ص ١٢٧).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٥/ ٦ - ٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٠٤٣)، ومسلم (١٧٦٨).","vol":"6","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1072>بَابُ كَرَاهَةِ قَوْلِ الْإِنْسَانِ خَبُثَتْ نَفْسِي</span>\n\n[٢٢٥٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي».\n[خ: ٦١٧٩]\n\n[٢٢٥١] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلْيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي».\nهَذَا حَدِيثُ أَبِي كُرَيْبٍ، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَمْ يَذْكُرْ: لَكِنْ، وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\n[خ: ٦١٨٠]\nقوله: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِي»: كره النبي ﷺ لفظ: الخبث، وقال: «وَلْيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي»، يعني: ضاقت.\nوخبثت ولَقِسَتْ بمعنى واحد، لكنه كره كلمة الخبث. وهذا النهي للتنزيه- أيضًا.","vol":"6","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1073>بَابُ اسْتِعْمَالِ الْمِسْكِ، وَأَنَّهُ أَطْيَبُ الطِّيبِ، وَكَرَاهَةِ رَدِّ الرَّيْحَانِ، وَالطِّيبِ</span>\n\n[٢٢٥٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنِي خُلَيْدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَصِيرَةٌ تَمْشِي مَعَ امْرَأَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، فَاتَّخَذَتْ رِجْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ، وَخَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ مُغْلَقٌ مُطْبَقٌ، ثُمَّ حَشَتْهُ مِسْكًا، وَهُوَ أَطْيَبُ الطِّيبِ، فَمَرَّتْ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ، فَلَمْ يَعْرِفُوهَا، فَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا». وَنَفَضَ شُعْبَةُ يَدَهُ.\nحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ خُلَيْدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَالْمُسْتَمِرِّ قَالَا: سَمِعْنَا أَبَا نَضْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَشَتْ خَاتَمَهَا مِسْكًا، وَالْمِسْكُ أَطْيَبُ الطِّيبِ.\nقال القاضي عياض على هذا الحديث: «ذكر مسلم حديث الإسرائيلية القصيرة، وهو اتخاذها لذلك رجلين من خشب حتى مشيت بين الطويلتين فلم تعرف، واتخاذها المسك في خاتمها وهو أطيب الطيب. إذا كانت فعلت هذه المرأة هذا لتستتر لا تتميز فحسن ذلك، وإن فعلته لتظهر نفسها بالكمال للرجال والتزين لهم فغير مباح فعلها فى الشرع.\nوأما اتخاذها المسك فى خاتمها وإشارتها به، فذلك غير مباح عندنا إذا خرجن. والطيب على النساء إذا لم يخرجن غير ممنوع» (^١) وكلام القاضي\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٧/ ١٩٣).","vol":"6","page":413},{"text":"في منع المرأة من التطيب إذا هي خرجت صحيح، كما أنها منعت من التبرج وإظهار الزينة.\n\n[٢٢٥٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُقْرِئِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلَا يَرُدُّهُ؛ فَإِنَّهُ خَفِيفُ الْمَحْمِلِ، طَيِّبُ الرِّيحِ».\nفي هذا الحديث: النهي عن رد الريحان، وهذا نهي للكراهة، أو للتحريم، والأصل أنه للتحريم.\nوبيَّن النبي ﷺ الحكمة من ذلك بقوله: «فَإِنَّهُ خَفِيفُ الْمَحْمِلِ، طَيِّبُ الرِّيحِ» فكيف ترد شيئًا طيبَ الريح خفيفَ المحمل؟ !\nوفيه: دليل على أن المسكَ أطيبُ الطيب، وأصل المسك يؤخذ من الغزال، وذلك أن الغزال تكون فيه وربة مثل الكرة الصغيرة، ثم تيبس، ثم تؤخذ، فإذا قُرضت يأتي منها المسك؛ ولهذا يقول الشاعر يمدح أحد الملوك (^١):\nفَإِنْ تَفُقِ الْأَنَامَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ ... فَإِنَّ الْمِسْكَ بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ\nيقول: أنت تفوق الناس وأنت من الناس، وهذا له عندنا دليل، فالمسك بعض دم الغزال، وهو قد خالف الدمَ وصار أعلى منه، وأنت من الناس وصرت أعلى من الناس.\nويبقى إشكال: وهو أن هذا المسك أُخذ من حيٍّ وما قُطع من الحي حكمه\n_________\n(^١) ديوان المتنبي (ص ٢٦٨).","vol":"6","page":414},{"text":"حكم الميتة؛ لما ورد في الحديث عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَبِهَا نَاسٌ يَعْمِدُونَ إِلَى أَلْيَاتِ الْغَنَمِ، وَأَسْنِمَةِ الْإِبِلِ فَيَجُبُّونَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ» (^١)، فأنكر النبي ﷺ عليهم، فكيف يُستعمل ما أخذ من الغزال؟ !\nوأجيب بأن هذا مستثنًى من الحديث، أو أن هذا حكمه حكم المنفصل، كحكم البيض المأخوذ من الدجاجة، وحكم الجنين المنفصل من الحيوان.\n\n[٢٢٥٤] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَبُو طَاهِرٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اسْتَجْمَرَ اسْتَجْمَرَ بِالْأَلُوَّةِ غَيْرَ مُطَرَّاةٍ، وَبِكَافُورٍ يَطْرَحُهُ مَعَ الْأَلُوَّةِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ يَسْتَجْمِرُ رَسُولُ اللهِ ﷺ.\nقوله: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اسْتَجْمَرَ اسْتَجْمَرَ بِالْأَلُوَّةِ غَيْرَ مُطَرَّاةٍ» اسْتَجْمَرَ، يعني: تبخَّر، وسمي الاستجمار؛ لأن المبخرة يُجعل فيها الجمر.\nوالْألُوَّةُ- بفتح الهمزة وضمها، وضم اللام-: هي العود يتطيبون به، وغَيْرَ مُطَرَّاةٍ، أي: غير مخلوطة بأطياب أخرى.\nوقال النووي: «أما الألوة فقال الأصمعي وأبو عبيد وسائر أهل اللغة والغريب: هي العود يُتبخَّر به، قال الأصمعي: أراها فارسية معرَّبة» (^٢).\nوفي هذا الحديث: استحباب الطيب للرجال، كما هو مستحب للنساء، لكن طيب الرجل ما ظهر ريحه وخفي لونه، والمرأة بالعكس.\nوفيه: استحباب خصوص الكافور، والعود.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢١٩٠٤)، وأبو داود (٢٨٥٨)، والترمذي (١٤٨٠).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٥/ ١٠).","vol":"6","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1074>كِتَاب الشِّعْرِ</span>","vol":"6","page":417},{"text":"كِتَاب الشِّعْرِ\n\n[٢٢٥٥] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: «هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ شَيْءٌ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «هِيهْ»، فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا، فَقَالَ: «هِيهْ»، ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ بَيْتًا، فَقَالَ: «هِيهْ»، حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِائَةَ بَيْتٍ.\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، أَوْ يَعْقُوبَ بْنِ عَاصِمٍ عَنِ الشَّرِيدِ قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ خَلْفَهُ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ.\nقوله: «هِيهْ» بكسر الهاء وإسكان الياء وسكون الهاء الثانية، والهاء الأولى بدل من الهمزة، وأصله: (إيه)، وهي كلمة يؤتى بها للاستزادة من الكلام المعهود، وهي اسم فعل أمر، أي: زدني.\nوأمية بن أبي الصلت له شعر حسن، وكان مشركًا؛ ولهذا جاء في الحديث قوله: «كَادَ أَنْ يُسْلِمَ» (^١)، وجاء في اللفظ الآخر أنه: «آمن لسانه وكفر قلبه» (^٢)؛ لأن بعض كلامه كان في الإيمان بالله، والعلو وإثبات العرش.\nوفيه: دليل على أنه لا بأس من إنشاد الشعر الطيب الذي لا محظور فيه، حتى ولو كان الذي قاله كافرًا.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٩٤٦٤)، وابن ماجه (٣٧٥٨).\n(^٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٩/ ٢٧٢).","vol":"6","page":419},{"text":"وَحَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ يَحْيَي، أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِفِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: اسْتَنْشَدَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، وَزَادَ قَالَ: إِنْ كَادَ لِيُسْلِمُ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ: فَلَقَدْ كَادَ يُسْلِمُ فِي شِعْرِهِ.\n\n[٢٢٥٦] حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، جَمِيعًا عَنْ شَرِيكٍ، قَالَ ابْنُ حُجْرٍ: أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَشْعَرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ: كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ».\n[خ: ٦١٤٧]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ: كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ».\nوَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ.\nوَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَصْدَقُ بَيْتٍ قَالَهُ الشَّاعِرُ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ. وَكَادَ ابْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَصْدَقُ بَيْتٍ قَالَتْهُ الشُّعَرَاءُ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَحْيَي بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَصْدَقَ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ: كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ»، مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ.","vol":"6","page":420},{"text":"قوله: «كَادَ» بمعنى: قرب وأوشك أن يسلم، لكنه لم يسلم.\nقوله: «أَشْعَرُ كَلِمَةٍ» المراد بالكلمة: القطعة من الكلام.\nوقال هنا: أشعر كلمة، وفي اللفظ الآخر: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ»، وهذا حق، لكن بقية البيت: «وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ» ليس بصحيح، فكل نعيم يزول إلا نعيم الجنة.\nوأشعر كلمة، يعني: أقواها وأصدقها شعرًا.\n\n[٢٢٥٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ الرَّجُلِ قَيْحًا يَرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا». قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِلَّا أَنَّ حَفْصًا لَمْ يَقُلْ: يَرِيهِ.\n[خ: ٦١٥٤]\n\n[٢٢٥٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا يَرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا».\nقوله: «يَرِيهِ» - بفتح الياء وكسر الراء- من الوري وهو الفساد، يعني: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا يفسده ويقضي عليه خير عليه من أن يمتلئ شعرًا، وهذا ذم لامتلاء الجوف من الشعر.\nقال العلماء: ومعنى هذا: ذم لمن كان يستولي عليه الشعر، ويكون أكثر وقته، حتى يشغله عن قراءة القرآن وعن العلوم الشرعية، أما من كان يستعمل الشعر في بعض الأحيان فلا يتناوله الذم؛ لأن حسان بن ثابت وكعب بن زهير كانا يقولان الشعر، ولم ينكر عليهما النبي ﷺ.","vol":"6","page":421},{"text":"[٢٢٥٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ يُحَنِّسَ- مَوْلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْعَرْجِ؛ إِذْ عَرَضَ شَاعِرٌ يُنْشِدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خُذُوا الشَّيْطَانَ، أَوْ أَمْسِكُوا الشَّيْطَانَ؛ لأن يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا».\nقوله: «بِالْعَرْجِ»: بفتح العين وإسكان الراء: قرية بينها وبين المدينة نحو سبعين ميلًا، قريبة من الأبواء.\nوقوله ﷺ: «خُذُوا الشَّيْطَانَ»: يحتمل أن هذا الرجل كان كافرًا؛ لأنه سماه شيطانًا، ويحتمل أن شعره من الشعر المذموم، وإلا فالشعر من حيث هو كلام: حسنه حسن، وقبيحه قبيح، وإذا لم يغلب على الإنسان فلا بأس به، فإذا كان الإنسان يغلب عليه الشعر ويلهيه عن ذكر الله وعن تلاوة القرآن فهذا هو المنهي عنه، وعليه بوب الإمام البخاري ﵀ فقال: «باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن»، وإلا فالرجز الطيب لا محذور فيه، وإذا كان الشعر فيه نصر للحق وأهله، وبيان محاسن الإسلام، والذب عنه، ورد الباطل وذمه، وذم أهله- فهو محمود.","vol":"6","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1075>بَابُ تَحْرِيمِ اللَّعِبِ بِالنَّرْدَشِيرِ</span>\n\n[٢٢٦٠] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ».\nفي هذا الحديث: تحريم اللعب بالنردشير، والنرد كلمة فارسية معرَّبة، وشير بمعنى: الحلو.\nومثله: اللعب بالشطرنج، وحكمه قيل: محرم، وقيل: مكروه، لكن هذا الحديث يدل على التحريم؛ لأنه قال: «فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ»؛ فالذي يصبغ يده بلحم الخنزير ودمه قد فعل محرمًا.","vol":"6","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1076>كِتَاب الرُّؤْيَا</span>","vol":"6","page":425},{"text":"كِتَاب الرُّؤْيَا\n\n[٢٢٦١] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا أُعْرَى مِنْهَا، غَيْرَ أَنِّي لَا أُزَمَّلُ، حَتَّى لَقِيتُ أَبَا قَتَادَةَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلْمًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا؛ فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ».\n[خ: ٥٧٤٧]\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ- وَعَبْدِ رَبِّهِ، وَيَحْيَى- ابْنَيْ سَعِيدٍ- وَمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِمْ قَوْلَ أَبِي سَلَمَةَ: كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا أُعْرَى مِنْهَا، غَيْرَ أَنِّي لَا أُزَمَّلُ.\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: أُعْرَى مِنْهَا، وَزَادَ فِي حَدِيثِ يُونُسَ: فَلْيَبْصُقْ عَلَى يَسَارِهِ حِينَ يَهُبُّ مِنْ نَوْمِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يعني: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا؛ فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ»، فَقَالَ: إِنْ كُنْتُ","vol":"6","page":427},{"text":"لَأَرَى الرُّؤْيَا أَثْقَلَ عَلَيَّ مِنْ جَبَلٍ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَمَا أُبَالِيهَا.\nوَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يعني: الثَّقَفِيَّ-.ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَإِنْ كُنْتُ لَأَرَى الرُّؤْيَا، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَابْنِ نُمَيْرٍ، قَوْلُ أَبِي سَلَمَةَ، إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَزَادَ ابْنُ رُمْحٍ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ: وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالرُّؤْيَا السَّوْءُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأَى رُؤْيَا فَكَرِهَ مِنْهَا شَيْئًا فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ لَا تَضُرُّهُ، وَلَا يُخْبِرْ بِهَا أَحَدًا، فَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَةً فَلْيُبْشِرْ وَلَا يُخْبِرْ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: إِنْ كُنْتُ لَأَرَى الرُّؤْيَا تُمْرِضُنِي، قَالَ: فَلَقِيتُ أَبَا قَتَادَةَ، فَقَالَ: وَأَنَا كُنْتُ لَأَرَى الرُّؤْيَا فَتُمْرِضُنِي، حَتَّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلَا يُحَدِّثْ بِهَا إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، وَإِنْ رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشَرِّهَا، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا؛ فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ».\n\n[٢٢٦٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ».","vol":"6","page":428},{"text":"[٢٢٦٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ، وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا، وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَالرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ: فَرُؤْيَا الصَّالِحَةِ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ، فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ».\nقَالَ: وَأُحِبُّ الْقَيْدَ، وَأَكْرَهُ الْغُلَّ، وَالْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ، فَلَا أَدْرِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ، أَمْ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.\n[خ: ٧٠١٧]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَيُعْجِبُنِي الْقَيْدُ، وَأَكْرَهُ الْغُلَّ، وَالْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ».\nحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يعني: ابْنَ زَيْدٍ- حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَهِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ النَّبِيَّ ﷺ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَدْرَجَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَهُ: وَأَكْرَهُ الْغُلَّ ... إِلَى تَمَامِ الْكَلَامِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ.\n\n[٢٢٦٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَأَبُو دَاوُدَ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ","vol":"6","page":429},{"text":"جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ».\n[خ: ٦٩٨٧]\n[٢٢٦٤ م] وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ.\n[خ: ٦٩٩٤]\n\n[٢٢٦٣] حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ».\n[خ: ٦٩٨٨]\nوَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْخَلِيلِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رُؤْيَا الْمُسْلِمِ يَرَاهَا، أَوْ تُرَى لَهُ».\nوَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رُؤْيَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ- يعني: ابْنَ الْمُبَارَكِ-.ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْبٌ- يعني: ابْنَ شَدَّادٍ- كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِيهِ.\n\n[٢٢٦٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ».\nوَحَدَّثَنَاه ابْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.","vol":"6","page":430},{"text":"وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ- يعني: ابْنَ عُثْمَانَ- كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ: قَالَ نَافِعٌ: حَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ.\nقوله: «أُعْرَى مِنْهَا» - بضم الهمزة وإسكان العين- بمعنى: تصيبني الحمى، وفي اللفظ الآخر: «إِنْ كُنْتُ لَأَرَى الرُّؤْيَا تُمْرِضُنِي».\nوقوله: «أُزَمَّل»: بضم الهمزة، أي: أُلَفُّ وأُغُطَّى.\nالحُلْمُ- بضم فسكون-: الرُّؤْيا، والجمع: أحْلامٌ، وَحَلَمَ به وعنه: رَأى له رُؤْيا، أو رآهُ في النَّوْمِ.\nوالحِلْمُ- بالكسر-: الأناةُ، والعَقْلُ، والجمع: أحْلامٌ، وحُلومٌ، ومنه: ﴿أمْ تَأمُرُهُم أحْلامُهُم بهذا﴾.\nوالحُلُم- بضمتين-: زمن البلوغ.\nوالرؤيا هي: ما يراه الإنسان في النوم، ويقال له: حُلْم، والفعل «رأى» يطلق على الرؤيا البصرية، ويطلق على رؤيا العلم، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾، يعني: ألم تعلم.\nوحاصل ما دل عليه هذا الحديث وغيره من الأحاديث: أن أدب الرؤيا الصالحة ثلاثة أشياء:\nالأول: يحمد الله عليها.\nالثاني: أن يستبشر بها.\nالثالث: أن يتحدث بها، لكن لمن يحب لا لمن يكره.\nوأما أدب الرؤيا المكروهة فهو:\nالأول: أن يتعوذ بالله من شرها.","vol":"6","page":431},{"text":"الثاني: أن يتعوذ من الشيطان.\nالثالث: أن ينفث عن يساره ثلاثًا، ويقول: أعوذ بالله من الشيطان ومن شر ما رأيت.\nالرابع: ألا يذكرها لأحد لقوله: «ولا يذكرها لأحد».\nالخامس: أن يقوم فيتوضأ ويصلي، كما جاء في البخاري: «فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلَا يَقُصَّهُ عَلَى أَحَدٍ، وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ» (^١)\nالسادس: أن يتحول من جنبه الذي كان عليه، فإن كان على الأيمن يتحول على الأيسر، والعكس.\nوقوله: «إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ»: اختلف العلماء في اقتراب الزمان على أقوال أشهرها قولان:\nالقول الأول: أن المراد باقتراب الزمان تقارب زمان الليل والنهار وهو وقت استوائهما، أي: أيام الربيع.\nالقول الثاني: أن المراد باقتراب الزمان انتهاء مدته، وهذا هو الصواب، ففي آخر الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، والمراد: نفي الكذب عنها أصلًا على الراجح.\nوقوله: «وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا»، يعني: من كان صادق اللهجة، فإن رؤياه تصدق، وأما الكاذب في حديثه فإن رؤياه تكذب.\nوفي هذه الأحاديث: بيان أن الرؤيا ثلاثة أنواع:\nالنوع الأول: الرؤيا الصالحة من الله، وهي التي تسر الإنسان.\nالنوع الثاني: تحزين من الشيطان وهي الرؤيا السيئة.\nالنوع الثالث: رؤيا حديث النفس، وهي ما يُحدِّث به المرء نفسه في اليقظة، ثم يراه في النوم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٠١٧).","vol":"6","page":432},{"text":"وقوله: «وَأُحِبُّ الْقَيْدَ، وَأَكْرَهُ الْغُلَّ»؛ لأن القيد في المنام ثبات في الدين، وتقييد عن المعاصي، والغل يكون في العنق، وهو من صفات أهل النار.\nوقوله: «وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»، وسيأتي في اللفظ الثاني: «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ» فالإطلاق في هذين اللفظين يقيد باللفظ الآخر: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ»؛ ولهذا قيدها الإمام البخاري في ترجمته على هذا الحديث بقوله: «باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة».\nوفي هذا اللفظ: «جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ»، وفي اللفظ الثاني: «جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» (^١)، وفي اللفظ الثالث: «جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»، وفي اللفظ الرابع: «جزء من ستة وسبعين جزءًا» (^٢)، وفي اللفظ الخامس: «جزء من أربعين جزءًا» (^٣)، وفي اللفظ السادس: «جزء من أربعة وأربعين جزءًا»، وفي اللفظ السابع: «جزء من تسعة وأربعين» (^٤).\nوفسر بعضهم قوله ﷺ: «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» أن مدة رسالة نبينا ﷺ كانت ثلاثًا وعشرين سنة، وأول ما بُدئ به نبينا ﷺ الرؤيا الصادقة، ورؤيا الأنبياء وحي، فكان لا يري رؤيا إلا وقعت مثل فلق الصبح، وكانت مدة الرؤيا ستة أشهر من ربيع إلى رمضان، ثم جاءه الملك بالوحي، فنسبة ستة أشهر إلى ثلاث وعشرين كنسبة الجزء إلى ستة وأربعين جزءًا.\nوأرجح ما قيل في هذا الاختلاف الوارد في أجزاء الرؤيا الصالحة: أن الرؤيا الصالحة تختلف باختلاف صدق الرائي ودرجة إخلاصه، فمن كان أصدق حديثًا وإيمانًا تكون رؤياه جزءًا من خمس وأربعين، وجاء في لفظ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» (^٥)، وإذا ضعف إيمانه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٩٨٧).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٢٢٣).\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ١٣٥).\n(^٤) أخرجه أحمد (٢/ ٢١٩).\n(^٥) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٦/ ٤٢٠).","vol":"6","page":433},{"text":"وصدقه صارت الرؤيا جزءًا من سبعين جزءًا مثلًا، فهي تختلف باختلاف الرائي على حسب إيمانه وصدقه وإخلاصه.\nوالرؤيا من المبشرات، وفي لفظ آخر: «ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ، وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ» (^١).\nوالرؤيا الصالحة ليس فيها تكليف، فلو رأى شيئًا يخالف الشرع فلا يعمل به، حتى لو رأى النبي ﷺ يأمره بشيء، أو ينهاه عن شيء مخالف للشرع فلا يعمل به، كما قرر ذلك أهل العلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٧١٤١)، وابن ماجه (٣٨٩٦).","vol":"6","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1077>بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي</span>\n\n[٢٢٦٦] حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يعني: ابْنَ زَيْدٍ- حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَهِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي».\n[خ: ٦٩٩٣]\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ- أَوْ: لَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ- لَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي».\n\n[٢٢٦٧] وَقَالَ: فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ».\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا عَمِّي، فَذَكَرَ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا بِإِسْنَادَيْهِمَا سَوَاءً، مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ.\n\n[٢٢٦٨] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ فَقَدْ رَآنِي؛ إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَمَثَّلَ فِي صُورَتِي، وَقَالَ: إِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ فَلَا يُخْبِرْ أَحَدًا بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِهِ فِي الْمَنَامِ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ فَقَدْ رَآنِي؛ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِي».\nقوله: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي» شرط العلماء في ذلك: أن يكون رآه","vol":"6","page":435},{"text":"ﷺ على صورته وخلقته، وصفته المعروفة التي وردت في الأحاديث، يعني: رآه ربعة من الرجال متوسطًا، لا بالطويل ولا بالقصير، أبيض مشربًا بحمرة، كث اللحية، أما إذا رآه على هيئة مخالفة لما جاء في الأحاديث فهو لم يره، وليست حقًّا، فلو رأى النبي ﷺ قصيرًا، أو رآه طويلًا، أو رآه لا لحية له، أو رأى لحيته بيضاء، أو رآه أسود فليس هو.\nوقوله في اللفظ الآخر: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ»، أي: أنه سيراه في اليقظة إذا كان في حياته، أما بعد موته فالمراد: يراه في الآخرة؛ لأنه ﷺ بعد موته لا يُبعث قبل يوم القيامة، وإن كان بعضهم اعترض على هذا القول، فقال: كل المؤمنين يرونه في الآخرة.\nوالجواب: يحتمل أنه من المبشرات بأنه مؤمن، فيفيده ذلك نشاطًا ورغبةً في الخير وسعيًا إليه.","vol":"6","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1078>بَابُ لَا يُخْبِرُ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِهِ فِي الْمَنَامِ</span>\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ- لِأَعْرَابِيٍّ جَاءَهُ، فَقَالَ: إِنِّي حَلَمْتُ أَنَّ رَأْسِي قُطِعَ، فَأَنَا أَتَّبِعُهُ، فَزَجَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ-: «لَا تُخْبِرْ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِكَ فِي الْمَنَامِ».\nوَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي ضُرِبَ، فَتَدَحْرَجَ فَاشْتَدَدْتُ عَلَى أَثَرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- لِلْأَعْرَابِيِّ-: «لَا تُحَدِّثْ النَّاسَ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِكَ فِي مَنَامِكَ»، وَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدُ يَخْطُبُ، فَقَالَ: «لَا يُحَدِّثَنَّ أَحَدُكُمْ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِهِ فِي مَنَامِهِ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي قُطِعَ، قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ، وَقَالَ: «إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ، فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ»، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: إِذَا لُعِبَ بِأَحَدِكُمْ، وَلَمْ يَذْكُرِ: الشَّيْطَانَ.\nقوله: «فَزَجَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ» وقال في الحديث الثاني: «فَضَحِكَ» يجمع بينهما بأنه ضحك ﷺ وزجره.\nوفي هذه الأحاديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يحدِّثَ بالشيء الذي يسوؤه، بل يتحول إلى جنبه الأيمن، ويستعيذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان مع النفث، ويصلي ركعتين، كما مر.","vol":"6","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1079>بَابُ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا</span>\n\n[٢٢٦٩] حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، أَوْ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.\nح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَى اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا بِأَيْدِيهِمْ، فَالْمُسْتَكْثِرُ، وَالْمُسْتَقِلُّ، وَأَرَى سَبَبًا وَاصِلًا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ، فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ بِهِ، ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلَا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ، وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي فَلَأَعْبُرَنَّهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اعْبُرْهَا»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا الظُّلَّةُ، فَظُلَّةُ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْطِفُ مِنَ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ، فَالْقُرْآنُ حَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ، وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ، فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ، وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، فَالْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ، فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ، أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ\nﷺ: «أَصَبْتَ بَعْضًا، وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا» قَالَ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّي مَا الَّذِي أَخْطَأْتُ قَالَ: «لَا تُقْسِمْ».\n[خ: ٧٠٤٦]\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ- مُنْصَرَفَهُ مِنْ أُحُدٍ-","vol":"6","page":438},{"text":"فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كَانَ مَعْمَرٌ أَحْيَانًا يَقُولُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَحْيَانًا يَقُولُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي أَرَى اللَّيْلَةَ ظُلَّةً، بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- وَهُوَ ابْنُ كَثِيرٍ- عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مِمَّا يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا فَلْيَقُصَّهَا أَعْبُرْهَا لَهُ»، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ ظُلَّةً، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.\nقوله: «ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ»، يعني بهم: ولاة الأمر من بعده، وهو أبو بكر ﵁، ثم تعلق به رجل آخر، وهو عمر ﵁، ثم تعلق به رجل ثالث فانقطع، وهو عثمان ﵁؛ لأنه قُتل، ثم وصل، وتولى الخلافة بعده علي بن أبي طالب ﵁.\nوفي هذه الأحاديث: دليل على أن المعبر للرؤيا قد يصيب، وقد يخطئ.\nوفيها: الرد على من قال: إن الرؤيا على جناحي طائر فإذا أُوِّلَت وقعت، فهذا أبو بكر ﵁ لما أوَّل أصاب بعضًا، وأخطأ بعضًا، فالذي أخطأ فيه لا يقع، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف بلفظ: «الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ، مَا لَمْ تُعَبَّرْ، فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ» (^١)، وقد أشار البخاري في صحيحه إلى أن هذا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦١٨٢)، وأبو داود (٥٠٢٠)، وابن ماجه (٣٩١٤)، وفي سند الحديث: وكيع بن عُدُس، انفرد بالرواية عنه يعلى بن عطاء، قال ابن القطان: مجهول الحال، وقال الذهبي: لا يُعرَف.","vol":"6","page":439},{"text":"الحديث ضعيف، فقال: «باب: من لم يَرَ الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب» (^١)، وأتى بحديث أبي بكر هذا؛ لبيان ضعف هذا الحديث.\nوفيها: دليل على أنه لا يجب الإبرار للمقسم، إذا كان يترتب عليه مشقة؛ إذ قد يكون في تفسير ذلك الشيء الذي أخطأ فيه ما يتعلق بالفتن، أو بالحروب التي تقع بعده، أو ما يحصل من خلاف بين أصحابه، فلم يفسر له لأجل ذلك، والله أعلم، ولعل هذا هو وجه الخطأ في تعبير الرؤيا من أبي بكر، كما قال الكرماني: لأنه كان يلزم من تبيينه مفسدة إذ ذاك فزالت بعده، وهو محتمل وليس ببعيد.\nوفيها: دليل على أن النبي ﷺ كان يسألهم عن الرؤيا، وأنه لا بأس من عرض الرؤيا على المعبر ليعبرها إذا كان من أهل العلم والبصيرة بها، فالرؤيا علم خاص يلهمه الله من يشاء من الأنبياء والناس، مثل يوسف ﵇، فقد علمه الله من تأويل الرؤى، قال الله تعالى: ﴿ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك﴾، وكما يلهمه الله بعض الناس كما هو معلوم.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٩/ ٤٣).","vol":"6","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1080>بَابُ رُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ</span>\n\n[٢٢٧٠] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ- فِيمَا يَرَى النَّائِمُ- كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ، فَأُتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ، فَأَوَّلْتُ الرِّفْعَةَ لَنَا فِي الدُّنْيَا، وَالْعَاقِبَةَ فِي الْآخِرَةِ، وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ».\nقوله: «بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ»: نوع من الرطب، يقال له: رطب ابن طاب، مثل: الصقعي، ونبتة سيف، وغيرهما من أنواع التمور.\nوهذه الرؤيا قد رآها النبي ﷺ، ورؤيا الأنبياء وحي.\nوفي هذا الحديث: إشارة وبشرى إلى أن ديننا قد طاب، وتم وكمل، وحُددت قواعده، وهذا من الفأل الحسن.\nوفيه: التفاؤل بالكلام الحسن؛ فإن النبي ﷺ أوَّلَ «كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ» أوَّلَ (رافعًا) بالرِّفعة في الدنيا، وأوَّلَ (عُقْبَةَ) بالعاقبة في الآخرة، وأوَّلَ «رُطَبِ ابْنِ طَابٍ» بأن ديننا قد طاب.\n\n[٢٢٧١] وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَذَبَنِي رَجُلَانِ؛ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الْأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إِلَى الْأَكْبَرِ».\n[خ: ٢٤٦]\nفي هذا الحديث: أن من الأدب إعطاء الأكبر أولًا، ولما أراد أن يتكلم","vol":"6","page":441},{"text":"عبد الرحمن بن سهل قبل محيصة بن مسعود، وكان عبد الرحمن أصغر قال له النبي ﷺ: «كَبِّرْ كَبِّرْ» (^١)، يعني: ليتكلم الأكبر.\nوفيه: أن رؤيا الأنبياء وحي، وهي توافق ما في اليقظة، كما جاء في حديث عبد الرحمن بن سهل ومحيصة.\n\n[٢٢٧٢] حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ جَدِّهِ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ: أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ، أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ، وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ: أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى، فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ، وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَأَيْتُ فِيهَا- أَيْضًا- بَقَرًا، وَاللَّهُ خَيْرٌ، فَإِذَا هُمُ النَّفَرُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ بَعْدُ، وَثَوَابُ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ».\n[خ: ٣٦٢٢]\nقوله: «فَذَهَبَ وَهَلِي»، بفتح الهاء، كما قال النووي، والمعنى: فهمي واعتقادي وظني.\nوقوله: «هَجَرُ»: مدينة في البحرين.\nوقوله: «يَثْرِبُ»: اسم المدينة المنورة في الجاهلية.\nوقوله: «وَاللَّهُ خَيْرٌ»: هكذا في الرواية بالرفع، كما قال القاضي عياض في ضبطها، بضم الهاء والراء على أنه مبتدأ وخبر (^٢)، والوجه الآخر بالجر لفظ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١٧٣)، ومسلم (١٦٦٩).\n(^٢) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٧/ ٢٣٢).","vol":"6","page":442},{"text":"الجلالة على القسَم، قال الحافظ ابن حجر: «في رواية ابن إسحاق: وإني رأيت والله خيرًا، رأيت بقرًا، وهي أوضح، والواو للقسم والله بالجر وخيرًا مفعول رأيت» (^١).\nوقوله: «بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ»، أي: بعد بدر الثانية.\n\n[٢٢٧٣] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ، فَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَفِي يَدِ النَّبِيِّ ﷺ قِطْعَةُ جَرِيدَةٍ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ، قَالَ: «لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ أَتَعَدَّى أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ، وَإِنِّي لَأُرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا أُرِيتُ، وَهَذَا ثَابِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّي»، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ.\n[خ: ٤٣٧٣]\n\n[٢٢٧٤] فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَسَأَلْتُ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّكَ أَرَى الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا أُرِيتُ»، فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا، فَأُوحِيَ إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ: أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ مِنْ بَعْدِي، فَكَانَ أَحَدُهُمَا: الْعَنْسِيَّ صَاحِبَ صَنْعَاءَ، وَالْآخَرُ: مُسَيْلِمَةَ صَاحِبَ الْيَمَامَةِ».\nقوله: «قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ»، يعني: مع وفد أهل اليمامة، وذلك في عام الوفود، وكان في السنة التاسعة، وكان قد ادَّعى النبوة في ذلك الوقت، لكنه لم يظهر أمره إلا بعد وفاة النبي ﷺ.\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (٧/ ٣٧٧).","vol":"6","page":443},{"text":"وقوله ﷺ: «فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ مِنْ بَعْدِي»، ولكنهما خرجا في حياة النبي ﷺ، فالمراد: أنه سيظهر شأنهما بعده، وإلا فالأسود العنسي قُتِل قبل وفاة النبي ﷺ بثلاثة أيام، ومسيلمة الكذاب ادَّعى النبوة في حياة النبي ﷺ، وإنما عظم شأنهما بعد وفاته ﷺ، لا سيما مسيلمة الكذاب، ولما ظهر أمره واشتد قُتل يوم اليمامة.\nوقوله ﷺ: «فَكَانَ أَحَدُهُمَا: الْعَنْسِيَّ صَاحِبَ صَنْعَاءَ، وَالْآخَرُ: مُسَيْلِمَةَ صَاحِبَ الْيَمَامَةِ» في هذه الرواية محتمل أنه من كلام النبي ﷺ، أو من كلام الراوي، وهي في البخاري بالجزم بأنها من الراوي: «فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَحَدُهُمَا العَنْسِيُّ، الَّذِي قَتَلَهُ فَيْرُوزُ بِاليَمَنِ، وَالآخَرُ مُسَيْلِمَةُ الكَذَّابُ» (^١).\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ خَزَائِنَ الْأَرْضِ، فَوَضَعَ فِي يَدَيَّ أُسْوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرَا عَلَيَّ، وَأَهَمَّانِي، فَأُوحِيَ إِلَيَّ: أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَذَهَبَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا: صَاحِبَ صَنْعَاءَ، وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ».\n\n[٢٢٧٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمُ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا؟».\n[خ: ٧٠٤٧]\nقوله: «الْبَارِحَةَ»: من برح الشيء: إذا مضى، والعرب تقول: فعلنا البارحة كذا وكذا لليلة التي قد مضت، ويقال ذلك بعد زوال الشمس،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٧٩).","vol":"6","page":444},{"text":"ويقولون قبل الزوال: فعلنا الليلة كذا وكذا (^١)، وظاهر الحديث: أن التعبير بالبارحة يكون لما قبل الزوال وبعده.\nوقوله: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمُ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا؟»: ذلك؛ لأن الصبح قريب من الليل، ولا يكون صاحب الرؤيا قد انشغل بأمور الدنيا، مما قد يتطرق إليه شيء من النسيان، أو يختلط عليه الأمر.\n_________\n(^١) لسان العرب، لابن منظور (٢/ ٤١٢).","vol":"6","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1081>كِتَاب الْفَضَائِلِ</span>","vol":"6","page":447},{"text":"كِتَاب الْفَضَائِلِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-1082>بَابُ فَضْلِ نَسَبِ النَّبِيِّ ﷺ، وَتَسْلِيمِ الْحَجَرِ عَلَيْهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ</span>\n\n[٢٢٧٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ، جَمِيعًا عَنِ الْوَلِيدِ، قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ أَبِي عَمَّارٍ شَدَّادٍ أَنَّهُ سَمِعَ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ».\n\n[٢٢٧٧] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، حَدَّثَنِي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ».\nهذا كتاب الفضائل بدأ بفضائل النبي ﷺ؛ لأنه سيد الخلق وأفضلهم على الإطلاق.\nوهذا الحديث فيه: أن الله تعالى اصطفى محمدًا من خيار فهو خيار من خيار؛ فإن الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش واصطفى نبينا ﷺ من بني هاشم، فقد اجتمع فيه شرف النسب وشرف الدين والفضل والخُلق ﵊؛ لهذا قال هرقل:","vol":"6","page":449},{"text":"«وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا» (^١)، فليس فيهم مغمَز عليهم الصلاة والسلام.\nوالله تعالى له حكمة بالغة وله الفضل في الاصطفاء والاختيار، فالله تعالى اصطفى آدم وآل إبراهيم وآل عمران، قال تعالى: ﴿إن الله اصطفى آدم وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين﴾، واصطفى مريم ابنة عمران، قال تعالى: ﴿يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين﴾، كما أن الله تعالى اصطفى مكة من بين البقاع فهي أفضلها، واصطفى شهر رمضان من بين الشهور فهو أفضلها، ﴿وربك يخلق مايشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون﴾.\nوفيه: فضيلة من فضائل النبي ﷺ: وهي أنه كان يسلم عليه الحجر، وهذا من دلائل النبوة ومن المعجزات، وقد جعل الله في الحجر إحساسًا وشعورًا، كما قال تعالى- عن الحجارة-: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥٥٣)، ومسلم (١٧٧٣).","vol":"6","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1083>بَابُ تَفْضِيلِ نَبِيِّنَا ﷺ عَلَى جَمِيعِ الْخَلَائِقِ</span>\n\n[٢٢٧٨] حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا هِقْلٌ- يعني: ابْنَ زِيَادٍ- عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ».\nقوله: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ»، وفي اللفظ الآخر في غير الصحيح: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ» (^١)، يعني: أنه لم يقل هذا عن فخر، وإنما قاله بيانًا لمنزلته ﵊، ولأن هذا من البلاغ الذي يبلِّغه للأمة حتى تعلم الأمة مكانته ومنزلته عند الله ﷿.\nوهذا الحديث فيه: الرد على المخرفين من الصوفية وغيرهم الذين يزعمون أن النبي ﷺ يحضر موالدهم، ومجالسهم، وأنه يكون معهم فإنه ﷺ\" أو من ينشق عنه القبر\" فهو قد مات، فلا يحضر معهم! وهذا كله من أبطل الباطل.\nوفيه: أن من فضائله ﵊: أنه أول من ينشق عنه القبر، فجسده الشريف في قبره ﵊، وروحه الكريمة الطاهرة في أعلى عليين، ولها صلة بالجسد.\nوفيه: أن له الشفاعة العظمى يوم القيامة، والتي يتأخر عنها أولو العزم من الرسل: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وهو المقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخِرون، وهو أول مشفع ﵊ بعد أن يأذن الله له، ثم يشفعه.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٠٩٨٧)، والترمذي (٣١٤٨)، وابن ماجه (٤٣٠٨).","vol":"6","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1084>بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ﷺ</span>\n\n[٢٢٧٩] وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يعني: ابْنَ زَيْدٍ- حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِمَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ، فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَتَوَضَّئُونَ، فَحَزَرْتُ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الثَّمَانِينَ قَالَ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ.\n[خ: ١٦٩]\nقوله: «فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ»، يعني: بإناء واسع- أي: متسع الفم- قصير الجدار- أي: قريب القعر- وأصل الرحرح: السعة والانبساط، فهذا الإناء لا يسع الماء الكثير فهو أدل على عِظم المعجزة (^١).\nوهذا الحديث- أيضًا- من دلائل النبوة ومن علاماتها، ومن فضائله ﵊؛ وذلك أنه أُتي بقدح قصير الجدار، فيه ماء قليل لا يغطي يديه، ولا يغمر أصابعه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه ﵊، حتى كثر الماء فتوضأ القوم، وكانوا ما بين الستين إلى السبعين من إناء ما يكاد يغطي أصابعه.\nوهذا الحديث فيه: أن الماء ينبع من بين أصابعه ﷺ، وهذا كذلك من دلائل النبوة ومن علاماتها، ومن فضائله ﵊.\nواختلفت أنظار العلماء في هذه المعجزة:\nفمنهم من قال: إن الماء ينبع من بين أصابعه.\nومنهم من قال: إنه ينبع من نفس أصابعه، وهذا أبلغ، والله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء ﷾، قال تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٧/ ٢٣٩)، شرح مسلم، للنووي (١٥/ ٣٨)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ٣٠٤).","vol":"6","page":452},{"text":"وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ، فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ، قَالَ: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ.\nحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- يعني: ابْنَ هِشَامٍ- حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ بِالزَّوْرَاءِ، قَالَ: وَالزَّوْرَاءُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ السُّوقِ، وَالْمَسْجِدِ فِيمَا ثَمَّهْ دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَوَضَعَ كَفَّهُ فِيهِ، فَجَعَلَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ قَالَ: قُلْتُ: كَمْ كَانُوا يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ: كَانُوا زُهَاءَ الثَّلَاثِمِائَةِ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ بِالزَّوْرَاءِ، فَأُتِيَ بِإِنَاءِ مَاءٍ لَا يَغْمُرُ أَصَابِعَهُ، أَوْ قَدْرَ مَا يُوَارِي أَصَابِعَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ هِشَامٍ.\nقوله: «وَالْمَسْجِدِ فِيمَا ثَمَّهْ» ثمه بمعنى: هناك، وهي ظرف مكان للقريب، وثَمَّ- بغير الهاء- ظرف مكان للبعيد.\nقوله: «زُهَاءَ» - بضم الزاي وبالمد- بمعنى: قدْر.\nوقوله: «كَمْ كَانُوا يَا أَبَا حَمْزَةَ؟» أبو حمزة كنية أنس بن مالك ﵁، وهذه واقعة أخرى، وقد توضؤوا وكانوا قريبًا من ثلاثمائة، والحادثة الأولى ما بين الستين إلى السبعين.\nوقوله: «لا يغمر أصابعه»، أي: لا يغطي أصابعه، فهو ماء قليل لا يغطي الأصابع، ومع هذا كثَّره الله حتى كفى هؤلاء القوم فتوضؤوا منه.","vol":"6","page":453},{"text":"[٢٢٨٠] وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ أُمَّ مَالِكٍ، كَانَتْ تُهْدِي لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي عُكَّةٍ لَهَا سَمْنًا، فَيَأْتِيهَا بَنُوهَا فَيَسْأَلُونَ الْأُدْمَ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ، فَتَعْمِدُ إِلَى الَّذِي كَانَتْ تُهْدِي فِيهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَتَجِدُ فِيهِ سَمْنًا، فَمَا زَالَ يُقِيمُ لَهَا أُدْمَ بَيْتِهَا حَتَّى عَصَرَتْهُ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: «عَصَرْتِيهَا؟»، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «لَوْ تَرَكْتِيهَا مَا زَالَ قَائِمًا».\n\n[٢٢٨١] وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَطْعِمُهُ، فَأَطْعَمَهُ شَطْرَ وَسْقِ شَعِيرٍ، فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْهُ وَامْرَأَتُهُ وَضَيْفُهُمَا حَتَّى كَالَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ، وَلَقَامَ لَكُمْ».\nقوله: «لَوْ تَرَكْتِيهَا مَا زَالَ قَائِمًا»، أي: لبقي السمن موجودًا حاضرًا.\nوقوله: «عَصَرَتْهُ» يعني: نظرت ما فيها، فلما فعلت ذلك ذهب ما فيها من البركة.\nوهذا مثل ما حصل لعائشة ﵂ فكان عندها شيء من شعير في رفٍّ وكانت تأخذ منه، ولا ينتهي فلما كالته ونظرت كم مقدار الباقي انتهى (^١)، وكل هذا ببركة النبي ﷺ، وهو من دلائل نبوته.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٩٧)، ومسلم (٢٩٧٣).","vol":"6","page":454},{"text":"[٧٠٦] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ- وَهُوَ ابْنُ أَنَسٍ- عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يَجْمَعُ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمًا أَخَّرَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- عَيْنَ تَبُوكَ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِيَ النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا مِنْكُمْ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا»، حَتَّى آتِيَ فَجِئْنَاهَا وَقَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهَا رَجُلَانِ، وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاء، قَالَ: فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ مَسَسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا؟» قَالَا: نَعَمْ، فَسَبَّهُمَا النَّبِيُّ ﷺ، وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، قَالَ: ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا، حَتَّى اجْتَمَعَ فِي شَيْءٍ، قَالَ: وَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا، فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ- أَوَ قَالَ: غَزِيرٍ شَكَّ أَبُو عَلِيٍّ أَيُّهُمَا قَالَ- حَتَّى اسْتَقَى النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ: يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ أَنْ تَرَى مَا هَاهُنَا\nقَدْ مُلِئَ جِنَانًا.\nوهذا كله من دلائل النبوة.\nوقوله: «وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ»، أي: كَسَيْر النعل؛ تشبيهًا لرقة سيلان الماء به.\nوقوله: «تَبِضُّ» - بفتح الياء وكسر الموحدة وتشديد الضاد- أي: تسيل، وضبطها بعضهم بالصاد المهملة، أي: تبرق.\nوقوله: «فَسَبَّهُمَا» فيه: دليل على أن من خالف أوامر الله، أو أوامر رسوله يُسب، وهذا محمول على أن هذين الرجلين بلغهما نهي الرسول ﷺ عن مس ماء تبوك وقد خالفاه.","vol":"6","page":455},{"text":"وقوله: «مُنْهَمِرٍ»: كثير.\nوقوله: «جِنَانًا»: جمع جَنة- بفتح الجيم.\nوهذا الحديث فيه فوائد، منها: أن النبي ﷺ جمع في تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء وهو نازل، فدل على أن المسافر له أن يجمع وهو نازل، يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء وإن كان هذا قليلًا، والأكثر من فعله ﷺ: أنه لا يجمع إلا إذا جدَّ به السير إذا كان ماشيًا يجمع الظهر والعصر، أما إذا كان نازلًا في مكان في السفر فإنه يصلي كل صلاة في وقتها قصرًا بدون جمع، كما يفعل الحجاج في منى يصلون الظهر في وقته ركعتين، والعصر في وقته ركعتين، والمغرب في وقته ثلاثًا، وأما في عرفة فإن الجمع لأجل أن يتسع وقت الوقوف في مزدلفة؛ لأنه في ارتحال، ولكن للمسافر أن يجمع ولو كان نازلًا في مكانٍ خلافًا لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو إمام كبير فإنه قرر ﵀ أن المسافر لا يجمع إذا كان نازلًا، وإنما يجمع إذا اشتد به السير، فإذا كان نازلًا فإنه يقصر ولا يجمع (^١)، فشيخ الإسلام ﵀ حين قرر هذا فات عليه ما فعله النبي ﷺ في غزوة تبوك مع سعة علمه وطول باعه.\nكما أنه فات عليه ﵀ وتلميذه ابن القيم أن النبي ﷺ جمع بين محمد وآل محمد، وإبراهيم وآل إبراهيم في الصلاة الإبراهيمية: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (^٢).\nقال ﵀: «فهذه الأحاديث التي في الصحاح: لم أجد فيها ولا فيما نُقل\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢١/ ٤٣٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٣٧٠).","vol":"6","page":456},{"text":"لفظ: «إبراهيم، وآل إبراهيم» (^١) بل المشهور في أكثر الأحاديث والطرق لفظ: «آلِ إِبْرَاهِيمَ» (^٢) وفي بعضها لفظ: «إبراهيم» (^٣) وقد يجيء في أحد الموضعين لفظ: «آل إبراهيم» وفي الآخر لفظ: «إبراهيم» (^٤)\nوقد جاء في البخاري: «إبراهيم وآل إبراهيم» (^٥)، وهذا يدل على أن الإنسان مهما بلغ شأوه في العلم قد يفوت عليه شيء منه.\nوهذا الحديث فيه: من دلائل النبوة: أن الله تعالى كثَّر الماء القليل الذي في العين، فهي تبضُّ، يعني: تنبع نبعًا قليلًا، وفي لفظ: «تبص» (^٦) بالصاد، يعني: تبرق.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٧٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٣٦٩)، ومسلم (٤٠٦).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٨١٠٤)، والنسائي (١٢٩١).\n(^٤) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٢/ ٤٥٦).\n(^٥) أخرجه البخاري (٣٣٧٠).\n(^٦) شرح مسلم، للنووي (١٥/ ٤١).","vol":"6","page":457},{"text":"[١٣٩٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَأَتَيْنَا وَادِيَ الْقُرَى عَلَى حَدِيقَةٍ لِامْرَأَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اخْرُصُوهَا»، فَخَرَصْنَاهَا، وَخَرَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، وَقَالَ: «أَحْصِيهَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكِ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، وَانْطَلَقْنَا حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ، فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ»، فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ، وَجَاءَ رَسُولُ ابْنِ الْعَلْمَاءِ- صَاحِبِ أَيْلَةَ- إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِكِتَابٍ، وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْدَى لَهُ بُرْدًا، ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِيَ الْقُرَى، فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةَ عَنْ حَدِيقَتِهَا: «كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا؟»، فَقَالَتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي مُسْرِعٌ، فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيُسْرِعْ مَعِيَ، وَمَنْ شَاءَ\nفَلْيَمْكُثْ»، فَخَرَجْنَا حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: «هَذِهِ طَابَةُ، وَهَذَا أُحُدٌ، وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ خَيْرَ دُورِ الْأَنْصَارِ دَارُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ»، فَلَحِقَنَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَيَّرَ دُورَ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَنَا آخِرًا، فَأَدْرَكَ سَعْدٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَيَّرْتَ دُورَ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلْتَنَا آخِرًا، فَقَالَ: «أَوَ لَيْسَ بِحَسْبِكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنَ الْخِيَارِ؟ !».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِهِ: وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ، وَلَمْ","vol":"6","page":458},{"text":"يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ مِنْ قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ: فَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَحْرِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nقوله: «اخْرُصُوهَا» - بضم الراء وبكسرها وجهان- والأول أشهر، والخرص هو: التقدير، أي: قدِّروا كم يكون تمرها.\nوقوله: «دُورَ الْأَنْصَارِ»: الدور جمع: دار، والمراد بها هنا: القبائل، ودار بني النجار هم أخوال النبي ﷺ، ودار بني عبد الأشهل هم الأوس، ومنهم سعد بن معاذ، ودار بني عبد الحارث هم الخزرج، ومنهم سعد بن عبادة.\nوقوله: «وَهَذَا أُحُدٌ، وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»: فيه: أن بعض الجمادات قد يجعل الله ﵎ فيها إحساسًا، كما قال الله- عن الحجارة-: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾.\nقوله: «خَيَّرْتَ دُورَ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلْتَنَا آخِرًا»، يعني: فضلت قبائل الأنصار، وجعلتنا آخر القبائل فضلًا.\nوقوله: «أَوَ لَيْسَ بِحَسْبِكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنَ الْخِيَارِ؟ !»، يعني: ألا يكفيكم أن تكونوا من الخيار المفضلين.\nوقوله: «فَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَحْرِهِمْ»، يعني: ببلدتهم، كتب له أن يبقى واليًا عليها، والبحر يطلق على البلدة.\nوهذا الحديث فيه الكثير من الفوائد، منها:\n١. مشروعية خرص الثمار والحبوب على أهلها من أجل إخراج الزكاة.\n٢. مشروعية إرسال الإمام السعاةَ لجباية الزكاة.","vol":"6","page":459},{"text":"٣. أن فيه علما من أعلام النبوة؛ حيث إن النبي ﷺ أخبرهم أنها ستهب ريح شديدة وقد هبت بالفعل.\n٤. نصحُ النبي ﷺ وشفقته على أمته؛ حيث أمرهم بما يصلح أمور دينهم ودنياهم، فهو أولًا: أخبرهم بأن هذه الريح ستهب، وثانيًا: نهاهم عن القيام، وثالثًا: أمرهم أن يشدَّ كلُّ واحد عقالَ بعيره حتى لا يتفلت؛ لأنه إذا تفلت قد يقوم في وقت هبوب الريح فيتضرر، كما حصل لهذا الرجل المذكور في الحديث الذي قام وأخذته الريح وألقته إلى مسافة.\n٥. مشروعية الإسراع في السير إلى الأهل إذا انتهت حاجة الإنسان، كما في الحديث الآخر: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ» (^١)، أي: فليسرع إلى أهله.\n٦. تسمية المدينة: طابة، وطيبة، والمدينة، أما تسميتها يثرب فهذا كان اسمها في الجاهلية، وأما قوله تعالى: ﴿وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا﴾ فهذا حكاه الله عن المنافقين بالاسم الجاهلي السابق، وأما تسمية المدينة بالمنورة ومكة بالمكرمة فهذا مما لا أصل له، وإن كان منتشرًا على ألسنة الناس، فالله تعالى سمَّاها مكة، ويقال: مكة وبكة، ولم يقل: المكرمة، وكذلك المدينة لم يقل: المنورة.\n٧. أن النبي ﷺ فضل بني النجار وهم أخواله ﷺ؛ لأن أمَّ جده عبد المطلب من بني النجار، ثم خير الأوس، ثم الخزرج.\n٨. قبول هدية الكافر، وأنه لا بأس بها، ويجوز ردها، هذا على حسب المصلحة إن رأى قبول الهدية قبلها، وإن رأى ردها ردها، وسليمان ﵊ رد هدية بلقيس لما قالت: ﴿إنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٩٢٧).","vol":"6","page":460},{"text":"تَفْرَحُونَ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ والنبي ﷺ قبل الهدية من المقوقس، وقد أهدى له مارية القبطية (^١)، وهنا- أيضًا- قَبل من رسول ابن العَلْماء الهدية.\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٨/ ٢١٢).","vol":"6","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1085>بَابُ تَوَكُّلِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعِصْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ مِنَ النَّاسِ</span>\n\n[٨٤٣] حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ- يعني: ابْنَ سَعْدٍ- عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ، فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، قَالَ: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْوَادِي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ رَجُلًا أَتَانِي، وَأَنَا نَائِمٌ، فَأَخَذَ السَّيْفَ فَاسْتَيْقَظْتُ، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي، فَلَمْ أَشْعُرْ إِلَّا وَالسَّيْفُ صَلْتًا فِي يَدِهِ، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ، قُلْتُ: اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ، قَالَ: فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ»، ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ- وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ- أَخْبَرَهُمَا: أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ النَّبِيُّ ﷺ قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ يَوْمًا، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَمَعْمَرٍ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ: ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.","vol":"6","page":462},{"text":"قوله: «صَلْتًا»، أي: مسلولًا.\nوقوله: «فَشَامَ السَّيْفَ»، أي: رده في غمده.\nوهذا الحديث فيه الكثير من الفوائد، منها:\n١. حفظ الله وكفايته للنبي ﷺ، قال الله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾.\n٢. أن فيه علمًا من أعلام نبوته ﵊.\n٣. حسن خلق النبي ﷺ حيث لم يعاقب هذا الأعرابي، وقد ورد في حديث آخر: «أنه جاء أعرابي للنبي ﷺ وهو نائم فأخذ سيفه، ثم استيقظ، فقال له: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: «اللهُ»، فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْهُ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ السَّيْفَ، فَقَالَ لَهُ: «مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟»، قَالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ» (^١)، فلم يعاقبه النبي ﷺ.\n٤. شجاعة النبي ﷺ.\n٥. أن القائد ينبغي أن يكون قدوة للناس.\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (١٧٧٨)، والحاكم (٤٣٢٢)، وعبد بن حميد في مسنده (١٠٦٩).","vol":"6","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1086>بَابُ بَيَانِ مَثَلِ مَا بُعِثَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ</span>\n\n[٢٢٨٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي عَامِرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ ﷿ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا مِنْهَا، وَسَقَوْا، وَرَعَوْا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلًا، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ، وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ».\n[خ: ٧٩]\nقوله: «الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ» مختصان بالنبات الرطب، والحشيش مختص باليابس، والكلأ بالهمزة يقع على اليابس والرطب، وبدون همزة للرطب.\nوقوله: «قِيعَانٌ» جمع قاع، وهو الأرض المستوية، وقيل: الملساء، وقيل: التي لا نبات فيها.\nوهذا حديث عظيم رواه الشيخان البخاري ومسلم، وقد مثَّل النبي ﷺ فيه ما بعثه الله به من الهدى والعلم بالمطر الكثير، ثم قسم النبي ﷺ الناس تجاه ما بعثه الله به ﷺ إلى ثلاث طوائف، وشبهها بثلاثة أنواع من الأرض هي:\nالأولى: أرضٌ طيبةٌ لمّا أصابها المطر قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير.\nالثانية: أجادب لا تنبت العشب والكلأ، ولكنها أمسكت الماء.","vol":"6","page":464},{"text":"الثالثة: قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأً ولا عشبًا.\nوالناس على مثل هذه الأقسام الثلاثة:\nالقسم الأول: هم العلماء الذين تعلَّموا وتفقَّهوا وتبصَّروا في دين الله وفي شريعته واستخرجوا كنوزها، تعلموا وعملوا بعلمهم وعلمّوا الناس، هؤلاء مثلهم مثل الطائفة الطيبة التي قبلت الماء فاستفادت هي في نفسها، وأنبت الكلأ والعشب الكثير فاستفاد الناس من هذا الماء والعشب الكثير، وكذلك العلماء استفادوا لأنفسهم فعلموا وعملوا وأفادوا غيرهم من الناس وحتى الدواب.\nالقسم الثاني: مثل المحدثين الذي حفظوا الأحاديث وضبطوها واعتنوا بالرواية والرواة، وميزوا الصحيح من السقيم، وأوصلوها إلى من بعدهم، فاستفاد من بعدهم من هذه الأحاديث التي وجدوها نقية مخرَّجة مصحَّحة فاستفادت منها الطائفة الأولى، وتفقهوا في أحكامها وعملوا بها، فهؤلاء المحدثون أوصلوا الأحاديث إلى من بعدهم، فمثلهم مثل الأرض الأجادب التي أمسكت الماء حتى جاء الناس فاستقوا وشربوا وزرعوا ورعوا.\nالقسم الثالث: وهم الذين لم يتعلموا دين الله، ولم يعملوا به، فمثلهم مثل القيعان التي لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فلا تستفيد لنفسها ولا تفيد غيرها، هذا مثل لمن أعرض عن دين الله ولم يتفقه ولم يتبصر ولم يعمل به، فهو لم يستفد من العلم والهدى الذي بعث به النبي ﷺ.\nوهذا الحديث فيه: جواز ضرب الأمثال، والمثل ينقل الإنسان من المحسوس إلى المعقول، والأمثال فيها فائدة، وقد أكثر الله تعالى من ضربها، وكذلك نبيه ﷺ، قال تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾.\nوفيه: فضل تعلم العلم.","vol":"6","page":465},{"text":"وفيه: ذم الإعراض عن العلم، قال تعالى: ﴿والذين كفروا عما أنذروا معرضون﴾، فلا ينبغي للإنسان أن يكون معرضًا، بل ينبغي له أن يكون عنده إقبال ونشاط وجهاد للنفس حتى يكون مع المشمرين والمستفيدين والمقبلين.","vol":"6","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1087>بَابُ شَفَقَتِهِ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ وَمُبَالَغَتِهِ فِي تَحْذِيرِهِمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ</span>\n\n[٢٢٨٣] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمَهُ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ، إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ؛ فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَدْلَجُوا فَانْطَلَقُوا عَلَى مُهْلَتِهِمْ، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ، فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي، وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ».\nقوله: «وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ» النذير العريان أصله: أن رجلًا أراد أن ينصح قومه وكان بعيدًا عنهم، وقد رأى العدو فأراد أن يحذرهم من بُعد، فخلع ثوبه وجعل يلوح به ليحذرهم وينذرهم، فأطاعه بعضهم فأدلجوا وهربوا فنجوا، وكذبه آخرون، فصبحهم العدو واجتاحهم فأهلكهم.\nوهذا الحديث فيه: مثل آخر ضربه النبي ﷺ لمن أطاعه فسعد، ومن عصاه فشقي، وهو أن ناصحًا نصح قومه وحذرهم من اجتياح العدو لهم، وقال لهم: إني رأيت العدو بجيشه قد أقبل عليكم، وقال: إني أنا النذير العريان، والنبي ﷺ لا شك أنه النذير، والله تعالى يقول: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، وكل نبي أنذر قومه، ومن ذلك: قول الله ﵎- عن نوح ﵊-: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾.","vol":"6","page":467},{"text":"وثبت أن النبي ﷺ نادى بأعلى صوته بمكة: «يَا صَبَاحَاهُ» (^١) حتى اجتمع الناس، فَخَصَّ وَعَمَّ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ» (^٢) وأنذر القبائل قبيلة قبيلة، وأنذر أقاربه، وقال: «يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» (^٣)، وحذر الأمة كلها من عذاب الله ومن سخطه، وبيَّن وأنذر، وبلَّغ أتم البلاغ ﵊، أبدى وأعاد في هذا، فمن أطاعه وصدَّقه وآمن به، ووحَّد الله ﷿ وأخلص له العبادة، واتبع رسوله ﷺ نجا، ومن كذَّب هلك.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٠٧).\n(^٢) أخرجه أحمد (٨٧٢٦)، والترمذي (٣١٨٥)، والنسائي (٣٦٤٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٧٥٣)، ومسلم (٢٠٦).","vol":"6","page":468},{"text":"[٢٢٨٤] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ، وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهِ».\n[خ: ٦٤٨٣]\nوَحَدَّثَنَاهُ عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاشُ، وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ، وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا» قَالَ: «فَذَلِكُمْ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، فَتَغْلِبُونِي تَقَحَّمُونَ فِيهَا».\n\n[٢٢٨٥] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سَلِيمٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي».\nقوله: «فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ» الحجز: معقد الإزار.\nوهذا الحديث فيه: مثل ثالث، مثَّل النبي ﷺ نفسه وأمته برجل استوقد نارًا فجعل الفَراش والجنادب يقعن فيها، وهو يمنعهم، أي: أن الناس يتقحمون فيها يُوقِعون أنفسهم في النار بالشرك والمعاصي، والنبي ﷺ يأخذ بحجزهم، أي: يمنعهم من الوقوع في النار بنصحه وإرشاده وتحذيره، وهم","vol":"6","page":469},{"text":"يغلبونه ويتقحمون فيها بالكفر والمعاصي، ويتفلتون منه- نسأل الله تعالى السلامة والعافية.\nوقد حذر النبي ﷺ أمته من أسباب الشرك والمعاصي التي هي أسباب دخول النار، وحَمى حِمى التوحيد ﷺ، وسد كل طريق يوصل إلى الشرك، ولكن بعض الناس يوقع نفسه في النار ولا يبالي بارتكاب المعاصي والكبائر والمخالفات.","vol":"6","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1088>بَابُ ذِكْرِ كَوْنِهِ ﷺ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ</span>\n\n[٢٢٨٦] حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بُنْيَانًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُطِيفُونَ بِهِ يَقُولُونَ: مَا رَأَيْنَا بُنْيَانًا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا إِلَّا هَذِهِ اللَّبِنَةَ، فَكُنْتُ أَنَا تِلْكَ اللَّبِنَةَ».\n[خ: ٣٥٣٥]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ أَبُوَ الْقَاسِمِ ﷺ: «مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ ابْتَنَى بُيُوتًا فَأَحْسَنَهَا وَأَجْمَلَهَا وَأَكْمَلَهَا، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ وَيُعْجِبُهُمُ الْبُنْيَانُ، فَيَقُولُونَ: أَلَّا وَضَعْتَ هَاهُنَا لَبِنَةً، فَيَتِمَّ بُنْيَانُكَ؟ !»، فَقَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ: «فَكُنْتُ أَنَا اللَّبِنَةَ».\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بُنْيَانًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ ! قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلِي وَمَثَلُ النَّبِيِّينَ»، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.\n\n[٢٢٨٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلِي وَمَثَلُ","vol":"6","page":471},{"text":"الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا، فَأَتَمَّهَا وَأَكْمَلَهَا، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا، وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا، وَيَقُولُونَ: لَوْلَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ»، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَأَنَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ، جِئْتُ فَخَتَمْتُ الْأَنْبِيَاءَ».\n[خ: ٣٥٣٤]\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سَلِيمٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ بَدَلَ أَتَمَّهَا: أَحْسَنَهَا.\nقوله: «وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ» هو كما قال الله تعالى- في كتابه-: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.\nوهذا الحديث فيه: رد على الملاحدة وغيرهم ممن يزعم أن هناك نبيًّا بعد نبينا ﷺ.\nوفيه: أن هذا من باب ضرب الأمثال، وقد ضرب النبي ﷺ مثلًا لنفسه وللأنبياء عليهم الصلاة والسلام من قبله، وهو أن رجلًا بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة، فالنبي ﷺ هو تلك اللبنة، وهو خاتم النبيين ختم به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتم به البناء.","vol":"6","page":472},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1089>بَابُ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى رَحْمَةَ أُمَّةٍ قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا</span>\n\n[٢٢٨٨] قَالَ مُسْلِم: وَحُدِّثْتُ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، وَمِمَّنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِنْ عِبَادِهِ، قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا، فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا وَسَلَفًا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَإِذَا أَرَادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ، عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيٌّ، فَأَهْلَكَهَا وَهُوَ يَنْظُرُ، فَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِهَلَكَتِهَا حِينَ كَذَّبُوهُ، وَعَصَوْا أَمْرَهُ».\nهذا الحديث فيه: أنه إذا أراد الله ﵎ بأمة عذابًا أهلكها ونبيها حي يشاهد ذلك إذا كذبوه، كما أهلك الله قوم نوح ﵊ وهو يشاهدهم، وكذلك قوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وقوم لوط عليهم الصلاة والسلام وكل نبي منهم يشاهد قومه حال هلاكهم.","vol":"6","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1090>بَابُ إِثْبَاتِ حَوْضِ نَبِيِّنَا ﷺ وَصِفَاتِهِ</span>\n\n[٢٢٨٩] حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ».\n[خ: ٦٥٧٥]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ جَمِيعًا عَنْ مِسْعَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ جُنْدَبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nقوله: «أَنَا فَرَطُكُمْ» الفرط: المتقدم الذي يقدم القوم، ويهيئ لهم المكان، ويعد لهم ما يحتاجون إليه، فَيُعد لهم الرشا والدلو ويهيئ لهم الماء.\nوأحاديث الحوض من الأحاديث التي بلغت حد التواتر، وهي تفيد القطع واليقين، والإيمان بها فرض، وهذا الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما، ورواه مسلم عن اثني عشر صحابيًّا، وقد أنكر الخوارج والمعتزلة الحوض وأنكروا الشفاعة، كما أنكروا الصراط بجهلهم وضلالهم، والأحاديث المتواترة في السنة قليلة ليست بكثيرة تبلغ أربعة عشر حديثًا، منها: حديث الشفاعة، ومنها: حديث الحوض، ومنها: حديث: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (^١)، ومنها: حديث المسح على الخفين، ومنها: حديث: «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا»، (^٢)، كما قال التاودي في حاشيته على صحيح البخاري (^٣):\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٠)، ومسلم في المقدمة (٣).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢١٥٧)، والطيالسي (٢٦١٧).\n(^٣) حاشية التاودي بن سودة على صحيح البخاري (١/ ١٢٥).","vol":"6","page":474},{"text":"مِمَّا تَوَاتَرَ حَدِيْثُ: مَنْ كَذَبْ ... وَمَنْ بَنَى للهِ بَيْتًا وَاحْتَسَبْ\nوهذا الحديث من الأحاديث التي قد بلغت حدَّ التواتر، وكثير من الأحاديث أحاديث آحاد، وحديث الآحاد إن صح سنده وعدلت رواته فإنه يفيد القطع والعلم، ويجب الإيمان به، وأما ما يدعيه بعض المبتدعة أن أحاديث الآحاد دلالتها ظنية فهذا باطل، بل هو من أبطل الباطل، ولو رُدَّت أحاديث الآحاد لَرُدَّتِ السنةُ بأكملها.\nقال النووي ﵀: «قال القاضي عياض ﵀: (أحاديث الحوض صحيحة والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة لا يتأول، ولا يختلف فيه). قال القاضي: (وحديثه متواتر النقل، رواه خلائق من الصحابة، فذكره مسلم من رواية ابن عمرو بن العاص وعائشة وأم سلمة وعقبة بن عامر وابن مسعود وحذيفة وحارثة بن وهب والمستورد وأبي ذر وثوبان وأنس وجابر بن سمرة، ورواه غير مسلم من رواية أبي بكر الصديق وزيد بن أرقم وأبي أمامة وعبد الله بن زيد وأبي برزة وسويد بن حبلة وعبد الله بن الصنابحي والبراء بن عازب وأسماء بنت أبي بكر وخولة بنت قيس وغيرهم)، قلت: ورواه البخاري ومسلم- أيضًا- من رواية أبي هريرة، ورواه غيرهما من رواية عمر بن الخطاب وعائذ بن عمر وآخرين، وقد جمع ذلك كله الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه: (البعث والنشور) بأسانيده وطرقه المتكاثرات. قال القاضي: (وفي بعض هذا ما يقتضي كون الحديث متواترًا») (^١).\nوأهل البدع- عندهم قاعدة فاسدة قالوا: إن القرآن والأحاديث المتواترة قطعية الثبوت، ولكنها جميعًا ظنية الدلالة (^٢)، ففي قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ هو قطعي الثبوت، لكن دلالته على ثبوت الاستواء\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٥/ ٥٣).\n(^٢) عزووووووووووووووووووووووووووو.","vol":"6","page":475},{"text":"ظنية، فيحتمل أن المراد من ﴿استوى﴾ الاستواء المعلوم من لغة العرب، ويحتمل أن المراد من ﴿استوى﴾ استولى، فالآية ظنية الدلالة، هكذا قالوا!\nفالقرآن والأحاديث المتواترة قطعية الثبوت قطعية الدلالة.\n\n[٢٢٩٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يعني: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، مَنْ وَرَدَ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، وَلَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ».\nقَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَسَمِعَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ، وَأَنَا أُحَدِّثُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتَ سَهْلًا يَقُولُ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ.\n[خ: ٦٥٨٣]\n\n[٢٢٩١] قَالَ: وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَسَمِعْتُهُ يَزِيدُ، فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي.\n[خ: ٦٥٨٤]\nوَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَن النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يَعْقُوبَ.\nقوله: «سحقًا سحقًا»، أي: بُعدًا بُعدا، والسحيق: البعيد.\nوهذا الحديث فيه: دليل على أن من ورد الحوض فإنه يشرب، وأن من شرب لا يظمأ بعدها أبدًا حتى يدخل الجنة، وهذا فضل عظيم.\nوفيه: أنه يذاد قوم عن الحوض ويُطردون لكونهم ارتدوا كهؤلاء الأعراب الذين ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ.","vol":"6","page":476},{"text":"[٢٢٩٢] وَحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ الْجُمَحِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ، وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ الْوَرِقِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَا يَظْمَأُ بَعْدَهُ أَبَدًا».\n[خ: ٦٥٧٩]\nقوله: «وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ»، أي: طوله كعرضه، كما في حديث أبي ذر الآتي.\nوقوله: «الوَرِق»، يعني: الفضة.\nوقوله: «وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ»، أي: في كثرة عددها؛ وذلك لأن الوارد عليه كثير.","vol":"6","page":477},{"text":"[٢٢٩٣] قَالَ: وَقَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ حَتَّى أَنْظُرَ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، وَسَيُؤْخَذُ أُنَاسٌ دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي، فَيُقَالُ: أَمَا شَعَرْتَ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ؟ ! وَاللَّهِ مَا بَرِحُوا بَعْدَكَ يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ» قَالَ: فَكَانَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا، أَوْ أَنْ نُفْتَنَ عَنْ دِينِنَا.\n[خ: ٦٥٩٣]\n\n[٢٢٩٤] وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ- وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ-: «إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، فَوَاللَّهِ لَيُقْتَطَعَنَّ دُونِي رِجَالٌ، فَلَأَقُولَنَّ: أي رَبِّ مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي، فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ، مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ».\n\n[٢٢٩٥] وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو- وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ الْهَاشِمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ- مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ- عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ النَّاسَ يَذْكُرُونَ الْحَوْضَ، وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا كَانَ يَوْمًا مِنْ ذَلِكَ، وَالْجَارِيَةُ تَمْشُطُنِي، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ»، فَقُلْتُ لِلْجَارِيَةِ: اسْتَأْخِرِي عَنِّي، قَالَتْ: إِنَّمَا دَعَا الرِّجَالَ، وَلَمْ يَدْعُ النِّسَاءَ، فَقُلْتُ: إِنِّي مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَكُمْ فَرَطٌ عَلَى الْحَوْضِ، فَإِيَّايَ لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ فَيُذَبُّ عَنِّي، كَمَا يُذَبُّ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، فَأَقُولُ: فِيمَ هَذَا؟ ! فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا».\nوَحَدَّثَنِي أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ- وَهُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو- حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَافِعٍ قَالَ: كَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ تُحَدِّثُ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ","vol":"6","page":478},{"text":"ﷺ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ- وَهِيَ تَمْتَشِطُ-: «أَيُّهَا النَّاسُ»، فَقَالَتْ لِمَاشِطَتِهَا: كُفِّي رَأْسِي، بِنَحْوِ حَدِيثِ بُكَيْرٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ.\nقوله: «فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا» فيه: دليل على أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، في حياته، ولا عن أحوال أمته بعد وفاته؛ ولهذا يقال له: «إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ» ففيه: الرد على من غالى في النبي ﷺ وقال: إنه يعلم الغيب.\nوفي لفظ آخر: «إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ» (^١) والنبي ﷺ لا يعلم من الغيب إلا ما علَّمه الله، كما قال الله تعالى- لنبيه-: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، وقال- له-: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ وفي الآيات ما يدل على ضعف حديث: «حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُحَدِّثُونَ وَنُحَدِّثُ لَكُمْ، وَوَفَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ، فَمَا رَأَيْتُ مِنَ خَيْرٍ حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَيْهِ، وَمَا رَأَيْتُ مِنَ شَرٍّ اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ لَكُمْ» وهو حديث ضعيف (^٢).\nوهذا الحديث فيه: دليل على دخول النساء في لفظ: الناس، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، فهو يشمل الذكور والإناث.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٤٩)، ومسلم (٢٨٦٠).\n(^٢) أخرجه البزار (١٩٢٥) البحر الزخار. وفي سنده عبد العزيز بن أبي رواد، قال ابن هانئ- في سؤالاته (٢٣٢٧) -: «سألته- يعني: أبا عبد الله- عن عبد العزيز بن أبي رواد؟ فقال: ليس حديثه بشيء».","vol":"6","page":479},{"text":"وفيه: تحذير للأمة من التغيير بعده؛ لقوله: «فَإِيَّايَ لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ فَيُذَبُّ عَنِّي» فظاهره أنه يحذر نفسه، ولكن المراد به تحذير الغير، يعني: إياكم أن تغيروا وتبدلوا فتُذَادوا عن الحوض، واثبتوا على دينكم، واستقيموا على الإيمان.\n\n[٢٢٩٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا، فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: «إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي- وَاللَّهِ- لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ، وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ- أَوْ: مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ- وَإِنِّي- وَاللَّهِ- مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَتَنَافَسُوا فِيهَا».\n[خ: ٤٠٤٢]\nقوله: «فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ»، أي: دعا لهم مثل دعاء الميت، وليس المراد: أنه صلى عليهم صلاة الميت، فهذا قول ضعيف مرجوح، فالصلاة هنا بمعنى: الدعاء، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾، يعني: ادع لهم.\nهذا الحديث فيه الكثير من الفوائد، منها:\n١. دليل على أن النبي ﷺ في آخر حياته ودَّع الأحياء والأموات وصلى على قتلى أُحد صلاة الميت، يعني: دعا لهم دعاء الميت، ثم خطب الناس.\n٢. دليل على أن الحوض موجود الآن وأنه مخلوق.\n٣. إثبات الحوض والرد على الخوارج والمعتزلة في إنكاره.\n٤. عَلَم من أعلام النبوة ومعجزة من معجزاته ﷺ وهو الإخبار بأن أمته ستملك خزائن الأرض، وقد وقع كما أخبر، ففتحت أمته المشارق","vol":"6","page":480},{"text":"والمغارب، وأُعطوا كنوز كسرى وقيصر في خلافة عمر ﵁.\n٥. دليل على أن الأمة معصومة من أن تجتمع على الشرك، فلا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق منصورة، كما جاء في الأحاديث: «لا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلا مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ» (^١).\n٦. التحذير من الدنيا والتنافس فيها، وأنها سبب الهلاك.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبٌ- يعني: ابْنَ جَرِيرٍ- حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ يُحَدِّثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ مَرْثَدٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ- كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ- فَقَالَ: «إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَإِنَّ عَرْضَهُ كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى الْجُحْفَةِ، إِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا، وَتَقْتَتِلُوا فَتَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»، قَالَ عُقْبَةُ: فَكَانَتْ آخِرَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ.\nهذا الحديث فيه: دليل على أن الحوض واسع سعة عظيمة، وأن طوله مسافة شهر وعرضه مسافة شهر، وزواياه سواء- يعني: أن طوله كعرضه سواء- وماؤه أبيض من الفضة، وريحه أطيب من المسك، وفي لفظ آخر: «حَوْضِي مَا بَيْنَ عَدَنٍ إِلَى عُمَانَ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَكْوَابُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَأَوَّلُ النَّاسِ عَلَيَّ وُرُودًا فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ الشُّعْثُ رؤوسًا، الدُّنْسُ ثِيَابًا، الَّذِينَ لا تُفْتَحُ لَهُمْ أَبُوابُ السُّدَدِ، وَلا يَنْكِحُونَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٤١).","vol":"6","page":481},{"text":"الْمُتَنَعِّمَاتِ، الَّذِينَ يُعْطُونَ كُلَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ وَلا يُعْطَوْنَ الَّذِي لَهُمْ» (^١)؛ لأن الواردين على الحوض كثير، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدًا حتى يدخل الجنة.\nوفيه: أنه لا يخشى ﵊ من أن تُطْبِقَ الأمة وتجتمع على الشرك، وإلا فالشرك واقع في هذه الأمة لا محالة، قال ﵊: «وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، حَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الْأَوْثَانَ» (^٢)، وقال ﵊ «لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى» (^٣)، وقال ﵊: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ عَلَى ذِي الخَلَصَةِ- وَذُو الخَلَصَةِ طَاغِيَةُ دَوْسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ» (^٤).\nوفي هذه الأحاديث: الرد على من قال: إن هذه الأمة مطهرة، وأنها لا يقع فيها الشرك، وهذا قول باطل؛ لأن الشرك قد وقع في هذه الأمة، ولكنها معصومة من أن تُطبق على الشرك، فأهل الحق وأهل التوحيد- وهم الطائفة المنصورة- باقون إلى قيام الساعة، ولكنها قد تقل في وقت، وتكثر في وقت آخر، وقد تكون مجتمعة وقد تكون متفرقة، فالأمة معصومة كلها إلى يوم القيامة من أن تطبق على الشرك، ويدل على هذا الحديث الآخر: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» (^٥) فالمعنى أنه يئِس من أن تطبق الأمة كلها على الشرك.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٢٣٦٧)، والترمذي (٢٤٤٤)، والطبراني في الكبير (١٤٤٣)، والحاكم (٧٣٧٤)، وابن أبي عاصم في السنة (٧٤٧).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٢٤٥٢)، وأبو داود (٤٢٥٢)، والترمذي (٢٢١٩)، وابن ماجه (٣٩٥٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٩٠٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (٧١١٦)، ومسلم (٢٩٠٦).\n(^٥) أخرجه مسلم (٢٨١٢).","vol":"6","page":482},{"text":"[٢٢٩٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَلَأُنَازِعَنَّ أَقْوَامًا، ثُمَّ لَأُغْلَبَنَّ عَلَيْهِمْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ».\n[خ: ٦٥٧٦]\nوَحَدَّثَنَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ جَرِيرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: أَصْحَابِي، أَصْحَابِي.\nحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ جَمِيعًا عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِنَحْوِ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، وَفِي حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ مُغِيرَةَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ.\nوَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، كِلَاهُمَا عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، وَمُغِيرَةَ.\nقوله: «إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ» وهذا كالأعراب الذين ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ من بني حنيفة وبني أسد.","vol":"6","page":483},{"text":"[٢٢٩٨] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ حَارِثَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «حَوْضُهُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ، وَالْمَدِينَةِ»، فَقَالَ لَهُ الْمُسْتَوْرِدُ: أَلَمْ تَسْمَعْهُ؟ قَالَ: الْأَوَانِي؟ قَالَ: لَا، فَقَالَ الْمُسْتَوْرِدُ: تُرَى فِيهِ الْآنِيَةُ مِثْلَ الْكَوَاكِبِ.\n[خ: ٦٥٩١]\nوَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهُ سَمِعَ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ الْخُزَاعِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: وَذَكَرَ الْحَوْضَ، بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ الْمُسْتَوْرِدِ وَقَوْلَهُ.\nهذا الحديث فيه: أن عدد أواني الحوض كعدد الكواكب وعدد النجوم؛ لأن الواردين على الحوض من الكثرة بمكان.\n\n[٢٢٩٩] حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ- حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَمَامَكُمْ حَوْضًا مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْهِ كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ، وَأَذْرُحَ».\n[خ: ٦٥٧٧]\nقوله: «كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ، وَأَذْرُحَ» هما قريتان في الشام والمسافة بينهما ثلاثة أيام، فكيف الجمع بين هذا الحديث وبين الحديث الأول: «مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ، وَالْمَدِينَةِ» و«أيلة والمدينة» فتلك مسافة شهر، وهذه مسافة ثلاثة أيام، والجمع بينهما: أن المسافة الطويلة محمولة على السير البطيء، وما بين جرباء وأذرح تحمل على السير السريع سير البريد، وبهذا تجتمع الأحاديث ولا تختلف.","vol":"6","page":484},{"text":"حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَمَامَكُمْ حَوْضًا كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ، وَأَذْرُحَ».\nوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُثَنَّى: حَوْضِي.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: قَرْيَتَيْنِ بِالشَّأْمِ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَلَاثِ لَيَالٍ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ بِشْرٍ: ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.\nوَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ.\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَمَامَكُمْ حَوْضًا كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ، وَأَذْرُحَ، فِيهِ أَبَارِيقُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ وَرَدَهُ فَشَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا».\n\n[٢٣٠٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا آنِيَةُ الْحَوْضِ؟ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا، أَلَا فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْمُصْحِيَةِ، آنِيَةُ الْجَنَّةِ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا لَمْ يَظْمَأْ، آخِرَ مَا عَلَيْهِ يَشْخَبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ، عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ مَا بَيْنَ عَمَّانَ إِلَى أَيْلَةَ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ».","vol":"6","page":485},{"text":"قوله: «فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْمُصْحِيَةِ»، يعني: التي ليس فيها قمر ويتبين فيها عدد نجوم السماء، أما إذا كان فيها قمر فإنه يحجب النجوم، والمعنى: أن أباريق الحوض كعدد النجوم كثرة في الليلة المظلمة.\nقوله: «يَشْخَبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ»، يعني: يصب في الحوض ميزابان من الجنة من نهر الكوثر، والحوض في الموقف موقف القيامة.\nواختلفوا في كون الورود على الحوض بعد الصراط، أو قبل الصراط على قولين:\nالقول الأول: أن الحوض قبل الصراط، وقبل الميزان؛ لأن الناس يرِدون عطاشًا فيناسب أن يرِدوا على الحوض، وهو- أيضًا- قبل الميزان، لأنه لو كان بعد الميزان لعرف من رجحت سيئاته أنه لا يرد على الحوض، وقد ثبت أنه يذاد قوم عن الحوض، فدل ذلك على أن الحوض قبل الميزان.\nالقول الثاني: أن الحوض بعد الصراط، لكن هذا قول مرجوح، والصواب القول الأول.","vol":"6","page":486},{"text":"[٢٣٠١] حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ- قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ- حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنِّي لَبِعُقْرِ حَوْضِي أَذُودُ النَّاسَ لِأَهْلِ الْيَمَنِ، أَضْرِبُ بِعَصَايَ حَتَّى يَرْفَضَّ عَلَيْهِمْ»، فَسُئِلَ عَنْ عَرْضِهِ؟ فَقَالَ: «مِنْ مَقَامِي إِلَى عَمَّانَ»، وَسُئِلَ عَنْ شَرَابِهِ؟ فَقَالَ: «أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الْجَنَّةِ؛ أَحَدُهُمَا: مِنْ ذَهَبٍ وَالْآخَرُ: مِنْ وَرِقٍ».\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ، بِإِسْنَادِ هِشَامٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ عُقْرِ الْحَوْضِ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ مَعْدَانَ عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثَ الْحَوْضِ، فَقُلْتُ لِيَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ: هَذَا حَدِيثٌ سَمِعْتَهُ مِنْ أَبِي عَوَانَةَ، فَقَالَ: وَسَمِعْتُهُ- أَيْضًا- مِنْ شُعْبَةَ، فَقُلْتُ: انْظُرْ لِي فِيهِ، فَنَظَرَ لِي فِيهِ، فَحَدَّثَنِي بِهِ.\n\n[٢٣٠٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ- يعني: ابْنَ مُسْلِمٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَأَذُودَنَّ عَنْ حَوْضِي رِجَالًا كَمَا تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنَ الْإِبِلِ».\n[خ: ٢٣٦٧]\nوَحَدَّثَنِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\n\n[٢٣٠٣] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَدْرُ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ، وَصَنْعَاءَ مِنْ الْيَمَنِ، وَإِنَّ فِيهِ مِنَ الْأَبَارِيقِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ».\n[خ: ٦٥٨٠]","vol":"6","page":487},{"text":"[٢٣٠٤] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ صُهَيْبٍ يُحَدِّثُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: «لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ رِجَالٌ مِمَّنْ صَاحَبَنِي، حَتَّى إِذَا رَأَيْتُهُمْ وَرُفِعُوا إِلَيَّ، اخْتُلِجُوا دُونِي، فَلَأَقُولَنَّ، أي: رَبِّ أُصَيْحَابِي، أُصَيْحَابِي، فَلَيُقَالَنَّ لِي: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ!».\n[خ: ٦٥٨٢]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، جَمِيعًا عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِهَذَا الْمَعْنَى، وَزَادَ: «آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ».\n\n[٢٣٠٣] وَحَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، وَهُرَيْمُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى- وَاللَّفْظُ لِعَاصِمٍ- حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ، وَالْمَدِينَةِ».\nوَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ. ح وَحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُمَا شَكَّا، فَقَالَا: «أَوْ مِثْلَ مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَعَمَّانَ»، وَفِي حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ: مَا بَيْنَ لَابَتَيْ حَوْضِي.\nوَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرُّزِّيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «تُرَى فِيهِ أَبَارِيقُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ».\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ، مِثْلَهُ، وَزَادَ: «أَوْ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ».\n\n[٢٣٠٥] حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعِ بْنِ الْوَلِيدِ السَّكُونِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي","vol":"6","page":488},{"text":"﵀، حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ خَيْثَمَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَإِنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَ طَرَفَيْهِ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَأَيْلَةَ، كَأَنَّ الْأَبَارِيقَ فِيهِ النُّجُومُ».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَعَ غُلَامِي نَافِعٍ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «أَنَا الْفَرَطُ عَلَى الْحَوْضِ».\nقوله: «كَمَا تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنَ الْإِبِلِ» وذلك بسبب تغييرهم وتبديلهم.\nوقوله: «اخْتُلِجُوا دُونِي»، أي: اقتطعوا.\nوقوله: «عِنْدَ عُقْرِ الحَوْض»: عقر- بضم العين وإسكان القاف- هو موقف الإبل من الحوض إذا وردته، وقيل: مؤخره.\nوقوله: «أَذُودُ النَّاسَ لِأَهْلِ الْيَمَنِ، أَضْرِبُ بِعَصَايَ حَتَّى يَرْفَضَّ عَلَيْهِمْ» معناه: أطرد الناس عنه غير أهل اليمن ليرفض على أهل اليمن، وهذه كرامة لأهل اليمن في تقديمهم في الشرب منه مجازاة لهم بحسن صنيعهم، وتقدمهم في الإسلام، والأنصار من اليمن، فيدفع غيرهم حتى يشربوا، كما دفعوا في الدنيا عن النبي ﷺ الأعداء والمكروهات.\nوقوله: «حَتَّى يَرْفَضَّ عَلَيْهِمْ»، أي: حتى يسيل عليهم.\nقوله: «يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ» قال القاضي عياض ﵀: «كذا رويناه من طريق الفارسي والسجزي بغين معجمه وتاء باثنتين فوقها، وكذا ذكره ثابت والهروى والخطابي، وأكثرهم» ونسبه النووي للجمهور، وقال: «وكذا هو في معظم نسخ بلادنا»، وقال الأزهري: «هكذا سمعته من محمد بن إسحاق» يعني شيخه: السعدي.","vol":"6","page":489},{"text":"وأصله: اتباع الشرب الشرب، والقول القول، قال الهروي: «ومعناه: يدفقان فيه الماء دفقًا متتابعًا دائمًا»، وجاء في رواية «يعبُّ» وهي بمعناها، وفي أخرى «يثعب» بمعنى: يتفجر (^١).\nوقوله: «يَمُدَّانِهِ»، أي: يزيدانه ويكثرانه.\nوقوله: «أَيْلَةَ»: بلدة في الأردن في أطراف الشام على حدود المملكة السعودية.\nوهذا الحديث فيه: منقبة لأهل اليمن، والأنصار من أهل اليمن، وهم الأوس والخزرج.\n_________\n(^١) تهذيب اللغة، للأزهري (٨/ ١٢)، غريب الحديث، للخطابي (١/ ٩٣)، الغريبين، للهروي (٤/ ١٣٦٠)، إكمال المعلم، للقاضي عياض (٧/ ٢٦٥)، شرح مسلم، للنووي (١٥/ ٦٣).","vol":"6","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1091>بَابٌ فِي قِتَالِ جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ</span>\n\n[٢٣٠٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْ شِمَالِهِ يَوْمَ أُحُدٍ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَابُ بَيَاضٍ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ- يعني: جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ ﵉.\n[خ: ٤٠٥٤]\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا سَعْدٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْ يَسَارِهِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، يُقَاتِلَانِ عَنْهُ كَأَشَدِّ الْقِتَالِ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ.\nهذا الحديث فيه من الفوائد:\n١. أن الملائكة قاتلت يوم أحد مع النبي ﷺ.\n٢. أن نزول الملائكة كان في عدد من الغزوات، وليس خاصًّا ببدر.\n٣. دليل على أن الملائكة قد يراهم بعض الناس، كما في هذا الحديث فقد رآهما سعد بن أبي وقاص ﵁، وكما في حديث جبريل ﵊ حين جاء في صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر ورآه الصحابة ﵃ في صورة رجل (^١)، وكان يأتي كثيرًا في صورة دحية الكلبي ﵁ وكان رجلًا جميلًا (^٢)، وكما جاءت الملائكة في صورة شبابٍ حِسان، إلى إبراهيم ﵊، ثم إلى لوط، ورآهم قوم لوط وهم قومٌ كفار.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٦٣٤)، ومسلم (٢٤٥١).","vol":"6","page":491},{"text":"٤. أن الملائكة منحها الله القدرة على أن تتصور بالصور المختلفة، فهذا جبريل وميكائيل رآهما سعد بن أبي وقاص، في صورة رجلين عليهما ثيابٌ بيض، وكان جبريل يأتي إلى النبي ﷺ في صور متعددة، كما في هذا الحديث أنه جاء في صورة رجل عليه ثيابٌ بيض يقاتل عن النبي ﷺ أشد القتال.\nورآه النبي ﷺ على الصورة التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح كل جناح يملأ ما بين السماء والأرض، رآه على هذه الصورة مرتين، مرة في السماء ليلة المعراج (^١)، ومرة في الأرض في أول البعثة حين كان النبي ﷺ يتعبد في غار حراء فرآه على هذه الصورة؛ ولهذا حصل للنبي ﷺ رعب شديد، وجاء إلى خديجة يرجف قلبه من رؤية الملك، وقال: زملوني زملوني، دثروني دثروني، وقال لخديجة ﵂: كدت أن يختلج عقلي، فهدَّأتْ من روعه، وقالت: «كَلَّا أَبْشِرْ، فَوَاللهِ، لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، وَاللهِ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ» (^٢).\n٥ - نصر الله تعالى لنبيه وللمؤمنين، وأن الله تعالى نصرهم بجندٍ من عنده، والملائكة جندٌ من جنود الله، ينصر الله بهم المؤمنين، ويخذل بهم الكافرين، كما خذلهم يوم الأحزاب، فإن الله تعالى أرسل على الأحزاب الذين تحزَّبوا وتجمَّعوا على قتال المسلمين ريحًا وجندًا من الملائكة تزلزلهم وتقذف الرعب في قلوبهم، كما قال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾، وهذه بشارة للمؤمنين أن الملائكة تقاتل معهم، وإلا فالنصر من عند الله، لكنَّ في هذا تطمينًا لقلوب المؤمنين، كما قال\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٣٢)، ومسلم (١٧٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠).","vol":"6","page":492},{"text":"الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ به قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.\nوالملائكة خلقها الله في خلقة عظيمة، كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وفي الحديث قال النبي ﷺ: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ» (^١).\nفالملائكة جنود الله وما يعلم جنود ربك إلا هو، وفي الحديث: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا» (^٢)، فالله تعالى جعل لهم وظائفَ، فمنهم: من هو موكل بالنار وإيقاد العذاب لأهلها، ومنهم: من هو موكل بالجنة وإعداد الكرامة لأهلها، ومنهم: من هو موكل بالنطفة يدبر أمرها حتى تتم، ومنهم: من هو موكل بكتابة الحسنات والسيئات لبني آدم، ومنهم: من هو موكل بحفظ بني آدم، ومنهم: من هو موكل بالقطر والنبات، ومنهم: من هو موكل بالجبال، فكل حركة في السماوات والأرض ناشئة عن الملائكة، بإذن الله وأمره، بإذن الله الكوني القدري.\nوقد ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز بوظائفهم، كما في قوله تعالى: ﴿والمرسلات عرفًا فالعاصفات عصفًا والناشرات نشرًا والفارقات فرقًا فالملقيات ذكرًا﴾.\nوقال: ﴿والنازعات غرقًا والناشطات نشطًا والسابحات سبحًا والسابقات سبقًا فالمدبرات أمرًا﴾.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٧٢٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٤٦)، وأبو الشيخ في العظمة (٤٧٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٨٤٢).","vol":"6","page":493},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1092>بَابٌ فِي شَجَاعَةِ النَّبِيِّ ﵇ وَتَقَدُّمِهِ لِلْحَرْبِ</span>\n\n[٢٣٠٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَاجِعًا، وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ، فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ، وَهُوَ يَقُولُ: «لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا» قَالَ: «وَجَدْنَاهُ بَحْرًا- أَوْ: إِنَّهُ لَبَحْرٌ»، قَالَ: وَكَانَ فَرَسًا يُبَطَّأُ.\n[خ: ٢٩٠٨]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَزَعٌ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَةَ، يُقَالُ لَهُ: مَنْدُوبٌ، فَرَكِبَهُ، فَقَالَ: «مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَعٍ»، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا.\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يعني: ابْنَ الْحَارِثِ- قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: فَرَسًا لَنَا، وَلَمْ يَقُلْ: لِأَبِي طَلْحَةَ، وَفِي حَدِيثِ خَالِدٍ عَنْ قَتَادَةَ: سَمِعْتُ أَنَسًا.\nهذا الحديث فيه من الفوائد:\n١. ما جبل الله نبيه ﵊ عليه من الأخلاق الكريمة، فكان أشجع الناس، ومن شجاعته ﵊: أنه لما سمع صوتًا في المدينة، وفزع الناس ركب على فرسٍ لأبي طلحة عُري، يعني: ليس عليه شيء، وسبقهم إلى الصوت، يعني: تعجل سريعًا وذهب ووقف على الخبر، ثم استقبل الناس، وهو","vol":"6","page":494},{"text":"يقول: «لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا»، يعني: ليس هناك شيء.\n٢. دليل على أنه لا بأس بالمسارعة في الدخول إلى العدو والإتيان بالخبر السريع إذا لم يخشَ الهلاك على نفسه، فلا بأس بأن يذهب إلى العدو ويستبرئ الخبر، وإن كان ظاهره أن فيه خطورة، وكما قال النبي ﷺ يوم الأحزاب: «أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟» (^١)، ففي هذا مخاطرة، لكنه ليس فيه هلاكٌ محقق.\n٣. تبشير الناس بزوال الخطر.\n٤. استحباب جعل السيف في العنق؛ ليكون قريبًا منه إذا احتاجه لقتال.\n٥. جواز استعارة الفرس.\n٦. جواز الغزو على الفرس المستعار.\n٧. كرامة ومعجزة للنبي ﷺ؛ لكون هذا الفرس كان بطيئًا ثقيلًا، فلما ركبه النبي ﷺ صار سريعًا، قال: «وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا»، يعني: واسع الجري.\n٨. جواز الركوب على الفرس العُري ليس عليه سرج، وهو يدل على شجاعة وتمرس على ركوب الخيل؛ لأن الإنسان الذي لم يتعلم ولم يتدرب على ركوب الخيل قد لا يستطيع ركوب الفرس عُريًا.\n٩. أنه لا بأس في تسمية الحيوانات، فهذا فرس اسمه مندوب، وكان للنبي ﷺ حمار يقال له عفير، وكان له بغلة يقال لها دلدل، وهذا الفرس كان لأبي طلحة ﵁، وكان للنبي ﷺ فرسٌ يقال له مندوب- أيضًا- ويحتمل أنهما فرسان، أو أنه كان لأبي طلحة، ثم كان للنبي ﷺ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧٨٨).","vol":"6","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1093>بَاب كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ</span>\n\n[٢٣٠٨] حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ- يعني: ابْنَ سَعْدٍ- عَنِ الزُّهْرِيِّ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.\n[خ: ٦]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مُبَارَكٍ عَنْ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nهذا الحديث فيه: أن النبي ﷺ وصفُهُ الجود، والله تعالى هو أجود الأجودين، وأجود بني آدم هو نبينا ﵊.\nوفيه: أن جوده يتضاعف في رمضان، كجود ربه ﷾ في رمضان.\nوفيه: زيادة الخير عند الالتقاء بالصالحين؛ ولهذا كان النبي ﷺ إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة.\nوفيه: استحباب مدارسة القرآن في رمضان وفي غيره، لكنه في رمضان أوكد؛ لأن النبي ﷺ كان يعرض القرآن على جبريل ﵇، يعني: يقرأه عليه.","vol":"6","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1094>بَاب كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا</span>\n\n[٢٣٠٩] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي أُفًّا قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ لِمَ فَعَلْتَ كَذَا، وَهَلَّا فَعَلْتَ كَذَا.\nزَادَ أَبُو الرَّبِيعِ: لَيْسَ مِمَّا يَصْنَعُهُ الْخَادِمُ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ: وَاللَّهِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ، بِمِثْلِهِ.\n[خ: ٦٠٣٨]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ- وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ- قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، أَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي، فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ، قَالَ: فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا، وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا.\n[خ: ٦٩١١]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، حَدَّثَنِي سَعِيدٌ- وَهُوَ ابْنُ أَبِي بُرْدَةَ- عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تِسْعَ سِنِينَ، فَمَا أَعْلَمُهُ قَالَ لِي قَطُّ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا، وَلَا عَابَ عَلَيَّ شَيْئًا قَطُّ.\n\n[٢٣١٠] حَدَّثَنِي أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ زَيْدُ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ- وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ- قَالَ: قَالَ إِسْحَاق: قَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ، لِمَا أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجْتُ","vol":"6","page":497},{"text":"حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: «يَا أُنَيْسُ، أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ»، قَالَ، قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.\n\n[٢٣٠٩] قَالَ أَنَسٌ: وَاللَّهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ تِسْعَ سِنِينَ، مَا عَلِمْتُهُ قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ، لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا، أَوْ لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ، هَلَّا فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا.\n\n[٢٣١٠] وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَأَبُو الرَّبِيعِ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا.\nوهذا الحديث فيه: حُسن خلق النبي ﷺ؛ حيث إن أنسًا خدمه «تسع سنين»، وفي الرواية الأخرى: «عَشْرَ سِنِينَ» فما عابه بشيء قط، وما قال لشيءٍ فعله: لم فعلته؟ ولا لشيءٍ تركه: لِمَ لَمْ تفعله، وليس معنى ذلك: أن الخادم لا يوجَّه ولا يعلَّم ولا يؤدَّب إذا أخطأ، لا بل الخادم والعامل يوجه ويعلم ويؤدب إذا أخطأ، لكن النبي ﷺ لم يعب على أنس شيئًا؛ لأمرين:\nالأمر الأول: أن النبي ﷺ أحسن الناس خلقًا.\nوالأمر الثاني: أن أنسًا كان غلامًا كيسًا فطنًا، كما قال أبو طلحة: «إِنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ» فكان يلاحظ النبي ﷺ في أمره ونهيه، ولا يُخل بشيء من ذلك.","vol":"6","page":498},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1095>بَاب مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ، فَقَالَ: لَا، وَكَثْرَةُ عَطَائِهِ</span>\n\n[٢٣١١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ، فَقَالَ: لَا.\n[خ: ٦٠٣٤]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيُّ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يعني: ابْنَ مَهْدِيٍّ- كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ، مِثْلَهُ سَوَاءً.\nهذا الحديث فيه: دليل على حسن خلقه ﵊؛ لأنه ما سئل عن شيء قط فقال: لا، وهذا من كرمه فكان لا يرد سائلًا، كما قال الفرزدق- يمدح علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (^١) -:\nمَا قَالَ لَا قَطُّ إِلَّا فِي تَشَهُّدِهِ ... لَوْلَا التَّشّهُّدُ كَانَتْ لَاءَهُ نَعَمُ\nوهذا لا ينبغي أن يكون إلا للنبي ﷺ.\nوعمومًا فالتشهد نفسه لا يصح إلا بالنفي والإثبات.\n_________\n(^١) ديوان الفرزدق (ص ٥١٢).","vol":"6","page":499},{"text":"[٢٣١٢] وَحَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يعني: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا، إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ، أَسْلِمُوا؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ.\nقوله: «لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ»، أي: لا يخاف الفقر، وهذا من حسن خلقه ﵊، فكان يتألف الناس على الإسلام، فيعطي عطاءً يعجز عنه الملوك، ويعيش في نفسه وأهله عيش الفقراء ﵊؛ ولهذا أعطى الرجل غنمًا في وادٍ بين جبلين يتألفه على الإسلام؛ ولهذا فقد أثَّر هذا فيه، فذهب إلى قومه، وقال: «يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ»، أي: عطاء من لا يبالي الفقر، فكان ﵊ يعطي الرجل وهو عدوٌ له، فلا يزال يعطيه حتى يكون صديقًا حميمًا، ويدخل في قلبه الإسلام.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ؟ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَأَتَى قَوْمَهُ، فَقَالَ: أي قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَوَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ، فَقَالَ أَنَسٌ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا، فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا.\nقوله: «لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا»، يعني: أن الرجل كان يسلم من أجل الدنيا، طمعًا فيها، ثم بعد ذلك إذا دخل الإيمان قلبه، وخالطته بشاشته تغير وتحولت رغبته إلى الآخرة، وتجددت النية بنية جديدة فما يريد بدخوله الإسلام إلا الدار الآخرة.","vol":"6","page":500},{"text":"[٢٣١٣] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ الْفَتْحِ- فَتْحِ مَكَّةَ- ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَاقْتَتَلُوا بِحُنَيْنٍ، فَنَصَرَ اللَّهُ دِينَهُ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ مِائَةً مِنَ النَّعَمِ، ثُمَّ مِائَةً، ثُمَّ مِائَةً.\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ صَفْوَانَ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَعْطَانِي، وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ، فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي، حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ.\nقوله: «صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ» كان قد دعا عليه النبي ﷺ في القنوت، ثم أسلم.\nوهذا الحديث فيه: أن العطاء والمنع منه ﵊ لله ليس لأجل الدنيا أو لأجل الأهواء، وإنما كان يعطي لله، يتألف الناس على الإسلام، فيعطي من دخل في الإسلام جديدًا ليقوى إيمانه، ويعطي- أيضًا- من لم يُسلم حتى يُسلم، فكان عطاؤه لله ومنعه لله ﵊؛ ولهذا في حنين، حين غنم المسلمون كثيرًا من النَّعَم، فغنموا ما يقارب من ألفي رأس، فأعطى صفوان بن أمية- وكان حديث عهد بالإسلام- مائة من الإبل، ثم مائة، ثم مائة؛ يتألفه على الإسلام، فما زال يعطيه حتى كان الرسول من أحب الناس إليه ﵊.\nفإذا خالطت بشاشةُ الإيمان القلوبَ فإنه يصنع الأعاجيب، فهذه هند بنت عتبة بن ربيعة لما أسلمت قالت للنبي ﷺ: «يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُذِلَّهُمُ اللهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُعِزَّهُمُ اللهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٨٢٥)، ومسلم (١٧١٤).","vol":"6","page":501},{"text":"[٢٣١٤] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ عَمْرٍو عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرٍ، أَحَدُهُمَا يَزِيدُ عَلَى الْآخَرِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ سُفْيَانُ: وَسَمِعْتُ- أَيْضًا- عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ- وَزَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ، لَقَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا»، وَقَالَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، فَقُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ، فَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ بَعْدَهُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى مَنْ كَانَتْ لَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِدَةٌ، أَوْ دَيْنٌ، فَلْيَأْتِ، فَقُمْتُ: فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ، أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا»، فَحَثَى أَبُو بَكْرٍ مَرَّةً، ثُمَّ قَالَ لِي: عُدَّهَا، فَعَدَدْتُهَا، فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ، فَقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا.\n[خ: ٢٢٩٦]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ جَاءَ أَبَا بَكْرٍ مَالٌ مِنْ قِبَلِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دَيْنٌ، أَوْ كَانَتْ لَهُ قِبَلَهُ عِدَةٌ، فَلْيَأْتِنَا، بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَة.\nقوله: «لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ»: البحرين تطلق على المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية، وليس المراد البلد المعروف، وهي الآن الإحساء، وكان هذا المال من الجزية، أو من الخراج.","vol":"6","page":502},{"text":"وهذا الحديث فيه: أن النبي ﷺ من حُسن خلقه أنه كان يفي بالوعد، وكذلك كان خليفته أبو بكر الصديق ﵁.\nوفيه: دليل على استحباب الوفاء بالوعد.\nوكان من خُلق النبي ﷺ الوفاء بالوعد، وقال بعض العلماء من المالكية وغيرهم: إنه يجب الوفاء بالوعد، والجمهور على أنه مستحب.","vol":"6","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1096>بَابُ رَحْمَتِهِ ﷺ الصِّبْيَانَ، وَالْعِيَالَ، وَتَوَاضُعِهِ، وَفَضْلِ ذَلِكَ</span>\n\n[٢٣١٥] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ- وَاللَّفْظُ لِشَيْبَانَ- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ، فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ»، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى أُمِّ سَيْفٍ امْرَأَةِ قَيْنٍ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو سَيْفٍ، فَانْطَلَقَ يَأْتِيهِ، وَاتَّبَعْتُهُ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى أَبِي سَيْفٍ، وَهُوَ يَنْفُخُ بِكِيرِهِ، قَدِ امْتَلَأَ الْبَيْتُ دُخَانًا، فَأَسْرَعْتُ الْمَشْيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَيْفٍ: أَمْسِكْ، جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَمْسَكَ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّبِيِّ، فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، فَقَالَ أَنَسٌ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ وَهُوَ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «تَدْمَعُ الْعَيْنُ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَاللَّهِ يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ».\n[خ: ١٣٠٣]\nهذا الحديث فيه: جواز تسمية المولود في اليوم الأول؛ لأن النبي ﷺ قال: «وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ، فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ» فلا بأس بتسمية المولود في اليوم الأول، ويجوز تأخير تسميته إلى اليوم السابع، كما في حديث: «كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُمَاطُ عَنْهُ الْأَذَى، وَيُسَمَّى» (^١) فالأمر فيه واسع فله أن يسمى في اليوم الأول، أو في اليوم السابع.\nوفيه: جواز التسمية بأسماء الأنبياء.\nوهذا الولد إبراهيم من مارية القبطية، التي أهداها له المقوقس ملك مصر.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٠١٨٨)، والترمذي (١٥٢٢)، وابن ماجه (٣١٦٥).","vol":"6","page":504},{"text":"وفيه: أن النبي ﷺ دفعه إلى ظئر ترضعه، وهي امرأة قين (حداد) اسمه أبو سيف.\nوفيه: حُسن خلق النبي ﷺ فقد ذهب إلى بيت أبي سيف؛ ليرى ابنه، ولم يقل: ائتوني بالصبي بل ذهب بنفسه، ومعه أنس ﵁.\nوفيه: دليل على أنه لا بأس بحزن القلب ودمع العين عند المصيبة، ودمع العين لا يلام عليه الإنسان، وإنما يلام على البكاء المقرون بالصراخ والعويل والندب والنياحة، أما دمع العين بدون صوت فلا بأس به؛ لأنها رحمة جعلها الله في قلوب من شاء الله، كما جاء في الحديث: «وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» (^١).\nوفي الحديث الآخر: «أَلا تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا- وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ» (^٢).\n\n[٢٣١٦] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضِعًا لَهُ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ، فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ، وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ، وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا، فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ، قَالَ عَمْرٌو: فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي، وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْيِ، وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ تُكَمِّلَانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ».\nقوله: «كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضِعًا لَهُ» ولعل أمه مارية القبطية لم يكن فيها لبن.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٨٤)، ومسلم (٩٢٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٠٤)، ومسلم (٩٢٤).","vol":"6","page":505},{"text":"ولإبراهيم ابن النبي ﷺ ظئران، يعني: مرضعتين؛ وذلك أنه مضى عليه سنة، أو ستة عشر شهرًا، وهذه الرضاعة في البرزخ، وأما يوم القيامة فإن الأطفال يكونون في الجنة كبارًا (^١).\n\n[٢٣١٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ ! فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالُوا: لَكِنَّا وَاللَّهِ مَا نُقَبِّلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَأَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ»، وقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: «مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ».\n[خ: ٥٩٩٨]\n\n[٢٣١٨] وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ أَبْصَرَ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُ الْحَسَنَ، فَقَالَ: إِنَّ لِي عَشْرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمْ، لَا يُرْحَمْ».\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\n\n[٢٣١٩] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ- يعني: ابْنَ غِيَاثٍ- كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ لَا يَرْحَم النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ ﷿».\n[خ: ٦٠١٣]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٨٤٢).","vol":"6","page":506},{"text":"إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ جَرِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ.\nوهذا لحديث فيه: أن تقبيل الأطفال من الرحمة.\nوفيه: أن الجزاء من جنس العمل، وأن من رحم عباد الله ﵀؛ لأن رحمة الناس بالفقراء والمساكين، بل وبالبهائم والطيور من أسباب رحمة الله للعبد، فمن كان رحيمًا بالفقراء والمساكين والأيتام والأطفال يؤنسهم ويُقبِّلهم ويرحمهم ويحسن إليهم، فهذا من أسباب رحمة الله له؛ لأن الجزاء من جنس العمل.","vol":"6","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1097>بَابُ كَثْرَةِ حَيَائِهِ ﷺ</span>\n\n[٢٣٢٠] حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عُتْبَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَأَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عُتْبَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ.\n[خ: ٣٥٦٢]\nقوله: «مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا»، أي: في سترها.\nوهذا من حسن خلقه ﵊ أنه كان شديد الحياء وكان إذا كره شيئًا لا يتكلم من شدة حيائه، وإنما يعرف ذلك في وجهه ﵊.\nفإن كان في هذا الشيء انتهاك لحرمات الله فإنه يغضب لله، ومن ذلك لما شفع أسامة ﵁ في شأن المرأة المخزومية غضب النبي ﷺ وقال: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٧٥)، ومسلم (١٦٨٨).","vol":"6","page":508},{"text":"[٢٣٢١] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو حِينَ قَدِمَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْكُوفَةِ، فَذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا، وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا»، قَالَ عُثْمَانُ: حِينَ قَدِمَ مَعَ مُعَاوِيَةَ إِلَى الْكُوفَةِ.\n[خ: ٣٥٥٩]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ- يعني: الْأَحْمَرَ- كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nهذا الحديث فيه: بيان حسن خلقه ﵊، فلم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، فلا يسب أحدًا ولا يشتم، ولا يضرب أحدًا بيده لا خادمًا ولا امرأةً، إلا أن تنتهك حرمات الله فيغضب لله وينتقم لله، وكان يقول: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنَكُمْ أَخْلاقًا» (^١) وحسن الخلق عرَّفه الحسن البصري، فقال: «حقيقة حسن الخلق: بذلُ المعروف، وكفُّ الأذى، وطلاقة الوجه» (^٢)، أي: يبذل المعروف في الناس، ويكف أذاه عنهم، وتظهر علامة البِشر على وجهه، فيعامل الناس معاملة إنسانية طيبة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥٥٩)، ومسلم (٢٣٢١).\n(^٢) الآداب الشرعية، لابن مفلح (٢/ ٢٠٧).","vol":"6","page":509},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1098>بَابُ تَبَسُّمِهِ ﷺ وَحُسْنِ عِشْرَتِهِ</span>\n\n[٢٣٢٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَثِيرًا، كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَيَضْحَكُونَ، وَيَتَبَسَّمُ ﷺ.\nهذا الحديث فيه: استحباب جلوس المصلي في مصلاه الذي صلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس، وجاء في السُنن: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَلَّى الغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ»، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ» (^١) والحديث فيه ضعف، ولكن له طرق يقوي بعضها بعضًا، فيرتقي إلى درجة الحسن لغيره، وحسَّنه شيخنا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (^٢).\nوفيه: أنه لا بأس بالتحدث بحديث الجاهلية وغيرها بعض الأحيان، وجواز التبسم، والضحك، والأفضل أن يكون الضحك تبسمًا لا قهقهة.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٥٨٦).\n(^٢) فتاوى نور على الدرب، لابن باز (١٠/ ٤٣٨).","vol":"6","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1099>بَابٌ فيِ رَحْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِلنِّسَاءِ، وَأَمْرِ السَّوَّاقِ مَطَايَاهُنَّ بِالرِّفْقِ بِهِنَّ</span>\n\n[٢٣٢٣] حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ جَمِيعًا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَغُلَامٌ أَسْوَدُ يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ، يَحْدُو، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدَكَ سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ!».\n[خ: ٦١٦١]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ، بِنَحْوِهِ.\nوَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى عَلَى أَزْوَاجِهِ وَسَوَّاقٌ يَسُوقُ بِهِنَّ، يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ، فَقَالَ: «وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدًا سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ!» قَالَ: قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَلِمَةٍ، لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ، لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا التَّيْمِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مَعَ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُنَّ يَسُوقُ بِهِنَّ سَوَّاقٌ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «أَيْ أَنْجَشَةُ، رُوَيْدًا سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ!».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَادٍ حَسَنُ الصَّوْتِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رُوَيْدًا يَا أَنْجَشَةُ، لَا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ!»، يعني: ضَعَفَةَ النِّسَاءِ.\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَذْكُرْ: حَادٍ حَسَنُ الصَّوْتِ.","vol":"6","page":511},{"text":"قوله: «رُوَيْدًا سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ!»، يعني: لئلَّا تتأثر النساء من هذا الصوت فتميل إلى ما حرم الله، أو لئلا تتأثر النساء بسرعة الإبل فتتضرر أو تسقطهن الإبل بسبب هذا الحُداء.\nهذا الحديث فيه: دليل على جواز الحُداء بالإبل، وأنه لا بأس أن يكون له حادٍ يحدو بالإبل؛ لأن هذا يحثه على السير، والحداء ليس من الغناء المحرم.\nوقد شبه النبي ﷺ النساء بقوارير الزجاج في سرعة تأثرها، وسرعة الانكسار إليها، فكما أن القارورة من الزجاج ضعيفة تتأثر ويسهل انكسارها، فكذلك المرأة ضعيفة وتتأثر.\nوفيه: دليل على أنه ينبغي عزل الرجال عن النساء، وعزل النساء عن الرجال، فتكون النساء على حدة والرجال على حدة في المستشفيات والمستوصفات الصحية، وفي جميع الأعمال، فتعمل النساء مستقلات عن الرجال، وسواء كان هذا في الأسفار، أو في المدن، أو في غيرها.\nوفي الأسفار كان النبي ﷺ يجعل النساء على حدة، والرجال على حدة، وكذلك- أيضًا- في البلد في الأعمال والتعليم، يكون تعليم الإناث على حدة، وتعليم الرجال على حدة، كذلك التطبب في المستشفيات يكون علاج النساء على حدة، وعلاج الرجال على حدة، ولا يجوز الاختلاط؛ لأنه شر يسبب فساد المجتمعات.","vol":"6","page":512},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1100>بَابُ قُرْبِ النَّبِيِّ ﵇ مِنَ النَّاسِ وَتَبَرُّكِهِمْ بِهِ</span>\n\n[٢٣٢٤] حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ، وهارون بن عبد الله جَمِيعًا عَنْ أَبِي النَّضْرِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ- يعني: هَاشِمَ بْنَ الْقَاسِمِ- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ، جَاءَ خَدَمُ الْمَدِينَةِ بِآنِيَتِهِمْ فِيهَا الْمَاءُ، فَمَا يُؤْتَى بِإِنَاءٍ إِلَّا غَمَسَ يَدَهُ فِيهَا، فَرُبَّمَا جَاءُوهُ فِي الْغَدَاةِ الْبَارِدَةِ، فَيَغْمِسُ يَدَهُ فِيهَا.\n\n[٢٣٢٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْحَلَّاقُ يَحْلِقُهُ، وَأَطَافَ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَةٌ، إِلَّا فِي يَدِ رَجُلٍ.\nهذا الحديث فيه: بيان ما جعل الله في جسد النبي ﷺ من البركة وكان الصحابة يأتون بالماء فيغمس يده فيه؛ ليتبركوا به، وإذا حلق رأسه فلا تقع شعرة إلا في يد رجل منهم يتبرك بها لما جعل الله في جسده وآثاره ﷺ من البركة، وهذا التبرك خاص بالنبي ﷺ ولا يقاس عليه غيره فلا يتبرك بغيره؛ لأنه من وسائل الشرك، ولو فُعل مع غيره قد يؤدي إلى الشرك، وأما ما ذكره النووي والحافظ ابن حجر أن فيه جواز التبرك بآثار الصالحين فهذا ليس بصحيح، ولما حلق النبي ﷺ شعره في حجة الوداع، أعطاه أبا طلحة ليوزعه على الناس الشعرة والشعرتين (^١)، وَإِذَا تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ (^٢)، وكما سيأتي في قصة أم سليم أنه لما نام عندها رسول الله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧١)، ومسلم (١٣٠٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٩).","vol":"6","page":513},{"text":"ﷺ وعرق سلتت العرق وجعلته في قارورة لها، وقالت: «عَرَقُكَ أَدُوفُ بِهِ طِيبِي» (^١)، وفي رواية: «مَا هَذَا الَّذِي تَصْنَعِينَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟» قَالَتْ: «أَجْعَلُ عَرَقَكَ فِي طِيبِي، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ» (^٢).\n\n[٢٣٢٦] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَالَ: «يَا أُمَّ فُلَانٍ، انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ، حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ، فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا».\nقوله: «فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ» وهذا ليس من الخلوة بالأجنبية، وإنما كان هذا في ممر الناس ومشاهدتهم، لكنهم لا يسمعون كلامهما.\nوهذا الحديث فيه: بروز النبي ﷺ للناس لقضاء حوائجهم، فلم يكن على بابه حرس ولا حُجَّاب يحجبونه عن الناس، فكان يعظ الجاهل ويطعم الفقير، ويحمل الكَلَّ، ويعين على نوائب الحق، ويبلغ دعوة الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهكذا ينبغي للولاة والأمراء والعلماء ألا يكونوا محجوبين عن الناس، بل يكونوا قريبين منهم حتى يقضوا حوائجهم.\nوقد جاء الوعيد الشديد على من احتجب من الولاة عن الناس، ففي الحديث: «مَا مِنْ إِمَامٍ أَوْ وَالٍ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْخَلَّةِ، وَالْمَسْكَنَةِ، إِلَّا أَغْلَقَ اللَّهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ، دُونَ حَاجَتِهِ، وَخَلَّتِهِ، وَمَسْكَنَتِهِ» ولما بلغ هذا الحديث معاوية ﵁ جعل على حوائج الناس شخصًا معينًا؛ خوفًا من هذا الحديث (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٢٨١)، ومسلم (٢٣٣٢).\n(^٢) أخرجه النسائي (٥٣٧١).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٨٠٣٣)، وأبو داود (٢٩٤٨)، والترمذي (١٣٣٢).","vol":"6","page":514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1101>بَابُ مُبَاعَدَتِهِ ﷺ لِلْآثَامِ، وَاخْتِيَارِهِ مِنَ الْمُبَاحِ أَسْهَلَهُ، وَانْتِقَامِهِ لِلَّهِ عِنْدَ انْتِهَاكِ حُرُمَاتِهِ</span>\n\n[٢٣٢٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ ﷿.\n[خ: ٣٥٦٠]\nوَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُحَمَّدٍ، فِي رِوَايَةِ فُضَيْلٍ ابْنُ شِهَابٍ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ مُحَمَّدٌ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ.\nوَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ.\nهذا الحديث فيه: بيان ما كان عليه النبي ﷺ من حبه للسهل الميسر على أمته من التشريع، فإنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن حرامًا أو مكروهًا، فإن كان حرامًا أو مكروهًا كان أبعد الناس عنه.\nوفيه: أنه ما انتقم ﷺ لنفسه إذا آذاه بعض الناس، فقد سحره يهودي- وهو لبيد بن أعصم- فلم ينتقم منه (^١)، وسمَّته يهودية ولم ينتقم منها (^٢)، وجذبه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٦٨٩)، ومسلم (٢١٨٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٦١٧)، ومسلم (٢١٩٠).","vol":"6","page":515},{"text":"أعرابي حتى أثَّر الرداء في صفحة عنقه، وقال: «يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ» (^١).\nفهذه أخلاق عظيمة، كما قال الله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾، وينبغي للمسلمين التخلق بأخلاقه ﵊ والاقتداء به، فهو الأسوة للأمة، قال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا﴾.\n\n[٢٣٣٠] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَيْسَرُ مِنَ الْآخَرِ، إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِهِ: أَيْسَرَهُمَا، وَلَمْ يَذْكُرَا مَا بَعْدَهُ.\n[خ: ٣٥٦١]\n\n[٢٣٢٨] حَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ، فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ ﷿.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.\nهذا الحديث فيه: خلق من أخلاقه الحسنة ﵊، وهو: أنه ما ضرب بيده خادمًا ولا امرأة ولا دابة، ولا انتقم لنفسه ممن آذاه، فإنه يعفو ﵊ إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٨٠٩)، ومسلم (١٠٥٧).","vol":"6","page":516},{"text":"وفيه: أن كونه ما ضرب بيده امرأة ولا خادمًا ولا دابة هذا هو الأفضل، ولكن الصبي يؤدب على تركه الصلاة؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» (^١).\nوفيه: أن الأفضل عدم ضرب المرأة والخادم والدابة والاكتفاء بالوعظ والتوجيه، وهذا ما كان عليه الرسول ﷺ فماضرب بيده امرأة ولا خادمًا ولا دابة، إلا أن يجاهد في سبيل الله.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦٦٨٩)، وأبو داود (٤٩٥).","vol":"6","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1102>بَابُ طِيبِ رَائِحَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَلِينِ مَسِّهِ، وَالتَّبَرُّكِ بِمَسْحِهِ</span>\n\n[٢٣٢٩] حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادِ بْنِ طَلْحَةَ الْقَنَّادُ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ- وَهُوَ ابْنُ نَصْرٍ الْهَمْدَانِيُّ- عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْأُولَى، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ، وَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَاسْتَقْبَلَهُ وِلْدَانٌ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّيْ أَحَدِهِمْ، وَاحِدًا وَاحِدًا، قَالَ: وَأَمَّا أَنَا، فَمَسَحَ خَدِّي، قَالَ: فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا، أَوْ رِيحًا، كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُؤْنَةِ عَطَّارٍ.\nقوله: «صَلَاةَ الْأُولَى»: هي صلاة الظهر.\nوقوله: «كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُؤْنَةِ عَطَّارٍ»، يعني: الإناء الذي يوضع فيه العطر والطيب، ويقال لها السك، وكان ﵊ يحب الطيب ويكثر منه حتى أنه أثَّر في شعر لحيته ﵊ (^١).\nوهذا الحديث فيه: أنه ﷺ هنا جعل يمسح خد الصبيان، فتحصل لهم بذلك البركة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥٤٧).","vol":"6","page":518},{"text":"[٢٣٣٠] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا هَاشِمٌ- يعني: ابْنَ الْقَاسِمِ- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- وَهُوَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ- عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ أَنَسٌ: مَا شَمَمْتُ عَنْبَرًا قَطُّ، وَلَا مِسْكًا، وَلَا شَيْئًا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا مَسِسْتُ شَيْئًا قَطُّ، دِيبَاجًا وَلَا حَرِيرًا أَلْيَنَ مَسًّا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nقوله: «وَلَا مَسِسْتُ شَيْئًا قَطُّ، دِيبَاجًا وَلَا حَرِيرًا أَلْيَنَ مَسًّا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»، يعني: أن يديه كانت لينة، ليست صلبة ولا يابسة، بل هي ألين من الحرير.\nوَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْهَرَ اللَّوْنِ، كَأَنَّ عَرَقَهُ اللُّؤْلُؤُ، إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ، وَلَا مَسِسْتُ دِيبَاجَةً، وَلَا حَرِيرَةً، أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا شَمِمْتُ مِسْكَةً، وَلَا عَنْبَرَةً، أَطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nقوله: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْهَرَ اللَّونِ»، يعني: أبيضَ اللون مستنيرًا، وكان بياضه مشربًا بالحمرة، وهذا هو أعلى الجمال، وليس بياضه بياضًا خالصًا؛ لأن البياض الخالص يميل إلى الصفرة، وهذا ليس فيه جمال.\nوقوله: «كَأَنَّ عَرَقَهُ اللُّؤْلُؤُ»، أي: في الصفاء والبياض.","vol":"6","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1103>بَابُ طِيبِ عَرَقِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّبَرُّكِ بِهِ</span>\n\n[٢٣٣١] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمٌ- يعني: ابْنَ الْقَاسِمِ- عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ فَنَام عِنْدَنَا، فَعَرِقَ، وَجَاءَتْ أُمِّي بِقَارُورَةٍ، فَجَعَلَتْ تَسْلِتُ الْعَرَقَ فِيهَا، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، مَا هَذَا الَّذِي تَصْنَعِينَ؟ !» قَالَتْ: هَذَا عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ فِي طِيبِنَا، وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ.\n[خ: ٦٢٨١]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- وَهُوَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ- عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُ بَيْتَ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا، وَلَيْسَتْ فِيهِ، قَالَ: فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَنَامَ عَلَى فِرَاشِهَا، فَأُتِيَتْ، فَقِيلَ لَهَا: هَذَا النَّبِيُّ ﷺ نَامَ فِي بَيْتِكِ، عَلَى فِرَاشِكِ، قَالَ: فَجَاءَتْ وَقَدْ عَرِقَ وَاسْتَنْقَعَ عَرَقُهُ عَلَى قِطْعَةِ أَدِيمٍ عَلَى الْفِرَاشِ، فَفَتَحَتْ عَتِيدَتَهَا، فَجَعَلَتْ تُنَشِّفُ ذَلِكَ الْعَرَقَ فَتَعْصِرُهُ فِي قَوَارِيرِهَا، فَفَزِعَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: «مَا تَصْنَعِينَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ !»، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا قَالَ: «أَصَبْتِ».\nقوله: «عَتِيدَتَهَا»، يعني: شنطتها أو محفظتها الصغيرة، أو الصندوق الصغير، تجعل فيه القوارير فجعلت تنشف العرق وتصب فيه، قالت: نعالج به الصبيان، ونتبرك به.\nهذا الحديث فيه: أن الرسول ﵊ أقرها على ما صنعته بعرقه، ولم ينكر عليها، بل قال لها- كما سيأتي-: «أَحْسَنْتِ» أو «أَصَبْتِ» وذكر النووي: أن أم سليم كانت محرمًا له ﷺ (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٥/ ٨٧).","vol":"6","page":520},{"text":"قلتُ: لعله من قِبَل الرضاعة.\nوفيه: دليل على أنه لا بأس بدخول الإنسان على إحدى محارمه، والنوم عندها وعلى فراشها ليست هي فيه.\n\n[٢٣٣٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْتِيهَا فَيَقِيلُ عِنْدَهَا، فَتَبْسُطُ لَهُ نِطْعًا فَيَقِيلُ عَلَيْهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْعَرَقِ، فَكَانَتْ تَجْمَعُ عَرَقَهُ فَتَجْعَلُهُ فِي الطِّيبِ وَالْقَوَارِيرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا هَذَا؟ !» قَالَتْ: عَرَقُكَ أَدُوفُ بِهِ طِيبِي.\nقوله: «فَيَقِيلُ عِنْدَهَا»، يعني: ينام عندها في الضحى، أو في الظهر.\nقولها: «أَدُوفُ بِهِ طِيبِي»، يعني: أخلطه مع الطيب فأجعله معه.","vol":"6","page":521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1104>بَابُ عَرَقِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْبَرْدِ، وَحِينَ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ</span>\n\n[٢٣٣٣] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كَانَ لَيُنْزَلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْغَدَاةِ الْبَارِدَةِ، ثُمَّ تَفِيضُ جَبْهَتُهُ عَرَقًا.\n[خ: ٢]\nكان ينزل على رسولِ اللَّهِ ﷺ الوحي في اليوم الشديد البرد فتفيض جبهته عرقًا من شدة الوحي عليه وثقله، وقد نزل عليه الوحي وكانت فخذه على فخذ زيد بن أرقم ﵁ فكادت أن تُرَضَّ من ثقل الوحي (^١)، وينزل عليه الوحي مرة أخرى وهو على ناقته، فتصف ذلك عائشةُ ﵂ بقولها: «إِنْ كَانَ لَيُوحَى إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ، فَتَضْرِبُ عَلَى جِرَانِهَا مِنْ ثِقَلِ مَا يُوحَى إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ» (^٢)، وقولها: جرانها، أي: باطن عنُقها، وأحيانًا أخرى كان ينزل عليه الوحي وهو يتعرق العَرْق (^٣)، وهو العظم الذي فيه شيء من اللحم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٨٣٢).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٤٨٦٨)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ٥٣). بالرقم لو كان\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٧٩٥٩)، ومسلم (٢١٧٠).","vol":"6","page":522},{"text":"وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ بِشْرٍ جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ: كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، ثُمَّ يَفْصِمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُهُ، وَأَحْيَانًا مَلَكٌ فِي مِثْلِ صُورَةِ الرَّجُلِ، فَأَعِي مَا يَقُولُ».\nوهذا الحديث فيه: فائدة مجيء الوحي مثل صلصلة الجرس؛ لكي يتفرغ ويستعد لما ينزل عليه، فإذا جاء مثل صلصلة الجرس صار مستعدًّا ومتهيئًا للوحي، وأحيانًا يأتيه فيتمثل له رجلًا فيكلمه، كما جاء في حديث عمر ﵁: «إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ» (^١)، فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان.\nوالوحي أنواع: النوع الأول: أنه يأتيه مثل صلصلة الجرس.\nالنوع الثاني: يأتيه فيتمثل له رجلًا ويكلمه.\nالنوع الثالث: أن الملك ينفث في روعه ﷺ، كما في الحديث: «إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها؛ فأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية؛ فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته» (^٢).\nالنوع الرابع: الرؤيا الصادقة، ورؤيا الأنبياء وحي، فقد رأى إبراهيم ﵊\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٧٦٩٤)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢٦).","vol":"6","page":523},{"text":"أنه يذبح ولده إسماعيل ﵊ فقام يريد تنفيذ هذه الرؤيا؛ لأنها وحي، فأنزل الله تعالى عليه: ﴿قد صدقت الرؤيا﴾، وكذلك النبي ﷺ كان في أول البعثة لا يرى الرؤيا «إلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ» (^١).\nالنوع الخامس: أن يكلمه الله من وراء حجاب من دون واسطة، كما كلم الله موسى ﵊، وكلم نبينا ﷺ ليلة المعراج من دون واسطة (^٢)، كما قال الله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم﴾.\n\n[٢٣٣٤] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ كُرِبَ لِذَلِكَ، وَتَرَبَّدَ وَجْهُهُ.\nقوله: «كُرِبَ»، يعني: اشتد به الكرب وأصابه.\nوقوله: «وَتَرَبَّدَ وَجْهُهُ»، يعني: تغير وجهه وصار فيه نوع من التكدر من شدة الوحي عليه وثقله.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٢).","vol":"6","page":524},{"text":"[٢٣٣٥] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ نَكَسَ رَأْسَهُ، وَنَكَسَ أَصْحَابُهُ رُءُوسَهُمْ، فَلَمَّا أُتْلِيَ عَنْهُ رَفَعَ رَأْسَهُ.\nقوله: «إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ نَكَسَ رَأْسَهُ»، يعني: خفض رأسه وجعل ينظر إلى الأرض.\nقوله: «فَلَمَّا أُتْلِيَ»، أي: انجلى عنه الوحي وارتفع رفع رأسه.","vol":"6","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1105>بَابٌ فِي سَدْلِ النَّبِيِّ ﷺ شَعْرَهُ وَفَرْقِهِ</span>\n\n[٢٣٣٦] حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ مَنْصُورٌ: حَدَّثَنَا، وقَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ- يَعْنِيَانِ ابْنَ سَعْدٍ- عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ أَشْعَارَهُمْ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ، فَسَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاصِيَتَهُ، ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nقوله: «فَسَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاصِيَتَهُ، ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ»: سدل الشعر: هو ترك الشعر ينزل على الجبين، والفرق هو أن يفرق الشعر من وسط الرأس على الجانبين، وكانت العرب يتركون شعورهم، ولا يحلقون رؤوسهم، وكان النبي كذلك يترك شعره، بخلاف ما يحدث الآن من حلق الشعر، وكان المشركون لهم طريقة في ترك الشعر، وكذا أهل الكتاب لهم طريقة أخرى، فالمشركون لا يفرقون الشعر، بل يتركونه ينزل على الجبين، فكان النبي ﷺ يسدل مثلهم، وكان أهل الكتاب يفرقون شعورهم من الجانبين، وكان النبي ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنه عنه، أو فيما لم يُؤمر به، فسدل النبي ﷺ ثم فرق شعره بعد ذلك، واستمر على الفرق، فالفرق من السنة، ولعل هذا كان في أول الهجرة فقد كان يحب موافقتهم تأليفًا لهم، ثم بعد ذلك لما أعز الله الإسلام وقوي المسلمون صار يحب مخالفتهم ويأمر بها؛ ولهذا قال ﵊: «إِنَّ اليَهُودَ، وَالنَّصَارَى لا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ» (^١) وقال- أيضًا-:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٦٢)، ومسلم (٢١٠٣).","vol":"6","page":526},{"text":"«خَالِفُوا الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ، وَلَا خِفَافِهِمْ» (^١)، ولما قدم المدينة وجدهم يصومون اليوم العاشر من شهر محرم، فقال: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ» (^٢) وقال: «صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَخَالِفُوا فِيهِ الْيَهُودَ، صُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا، أَوْ بَعْدَهُ يَوْمًا» (^٣).\nإذن الأصل اتباع النبي ﵊ في ترك الشعر، وكان النبي ﵊ لا يحلق شعر الرأس إلا في حج أو عمرة، وإلا فإنه يوفره-كما سيأتي في الأحاديث- فيكون شعره جمة أو لمة أو وفرة، لكن سئل أحمد عن ترك الشعر، فقال: «لو كنا نقوى عليه، له كلفة أو مؤنة» (^٤)، يعني: يحتاج الشعر إلى دهن وغسل وكد، والحلق مباح وبعضهم كره حلق الرأس، والأقرب: أن حلق الرأس مباح.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٦٥٢)، وابن حبان (٢١٨٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠٠٤)، ومسلم (١١٣٠).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢١٥٤)، وابن خزيمة (٢٠٩٥).\n(^٤) الوقوف والترجل من مسائل الإمام أحمد، للخلال البغدادي (ص ١١٨).","vol":"6","page":527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1106>بَابٌ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا</span>\n\n[٢٣٣٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مَرْبُوعًا، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، عَظِيمَ الْجُمَّةِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ، عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ ﷺ.\n[خ: ٣٥٥١]\nقوله: «رَجُلًا مَرْبُوعًا، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ» وروي بكسر الجيم (رَجِلًا) يعني: شعره بين السبوط والاسترسال، فليس مسترسلًا ولا متجعدًا، فكان رسول الله ﷺ رَجِل الشعر، مربوعًا، وهو المتوسط في الطول والقصر فليس قصيرًا مترددًا تزدريه العين، ولا طويلًا بائنًا، وهو بعيد ما بين المنكبين ﵊، أي: ما بين الكتفين.\nوقوله: «عَظِيمَ الْجُمَّةِ» الجمة: الشعر الذي يصل إلى الكتف، فيقال له جمة، وأما اللُّمة فهو الشعر الذي يلم إلى المنكبين، يعني: قريبًا من المنكبين، والوفرة هو الشعر الذي يصل إلى شحمة الأذنين.\nوقوله: «عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ»: فيه: دليل على جواز لبس الثوب الأحمر، وجاء في حديث أبي جُحيفة ﵁ «وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا، فَصَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيِ الْعَنَزَةِ» (^١).\nمشمرًا، أي: مرتفع الحلة إلى منتصف الساق، وورد النهي عن لبس\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٧٦)، ومسلم (٥٠٣).","vol":"6","page":528},{"text":"الأحمر (^١)، وجمع بعضهم بينه وبين النهي، بأن النهي محمول على الأحمر الخالص، والجواز محمول على الأحمر الذي فيه خطوط، فالنبي ﷺ لبس حلة حمراء لكن ليست مصمتة، بل فيها خطوط.\nوقوله: «مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ» فهو أحسن الناس ﷺ.\nحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ أَحْسَنَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَعْرُهُ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ، وَلَا بِالْقَصِيرِ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: لَهُ شَعَرٌ.\nقوله: «فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ»: الحلة: واحدة الحلل، وهي برود اليمن، ولا تسمى حلة إلا إذا كانت مكونةً من ثوبين من جنس واحد (^٢).\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَحْسَنَهُ خَلْقًا، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الذَّاهِبِ، وَلَا بِالْقَصِيرِ.\n[خ: ٣٥٤٩]\nوكان النبي ﷺ أحسن الناس وجهًا وأحسنهم خَلْقًا، وأحسنهم خُلُقًا- أيضًا- والخَلق، يعني: الصورة والشكل والهيئة، والخُلق: المعاني والصفات، كما قال الله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥٧٥١)، وابن ماجه (٣٦٠١).\n(^٢) النهاية، لابن الأثير (١/ ١٠٣٥).","vol":"6","page":529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1107>بَابُ صِفَةِ شَعَرِ النَّبِيِّ ﷺ</span>\n\n[٢٣٣٨] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: كَيْفَ كَانَ شَعَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: كَانَ شَعَرًا رَجِلًا، لَيْسَ بِالْجَعْدِ، وَلَا السَّبْطِ بَيْنَ أُذُنَيْهِ، وَعَاتِقِهِ.\n[خ: ٥٩٠٥]\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَا: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَضْرِبُ شَعَرُهُ مَنْكِبَيْهِ.\n[خ: ٥٩٠٤]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ شَعَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ.","vol":"6","page":530},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1108>بَابٌ فِي صِفَةِ فَمِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَيْنَيْهِ، وَعَقِبَيْهِ</span>\n\n[٢٣٣٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَلِيعَ الْفَمِ، أَشْكَلَ الْعَيْنِ، مَنْهُوسَ الْعَقِبَيْنِ، قَالَ: قُلْتُ لِسِمَاكٍ: مَا ضَلِيعُ الْفَمِ؟ قَالَ: عَظِيمُ الْفَمِ، قَالَ: قُلْتُ: مَا أَشْكَلُ الْعَيْنِ؟ قَالَ: طَوِيلُ شَقِّ الْعَيْنِ، قَالَ: قُلْتُ: مَا مَنْهُوسُ الْعَقِبِ؟ قَالَ: قَلِيلُ لَحْمِ الْعَقِبِ.\nقوله: «ضَلِيعُ الْفَمِ»، يعني: واسع الفم وهذا هو الجمال، وهو مما يُمدح به الإنسان، وكان طويل شق العين قليل لحم العقبين، هذا وصفه ﵊؛ ولهذا فمن رأى النبي ﷺ في المنام فلا بد أن يراه على الصورة التي خُلق عليها حتى تكون الرؤيا حقًّا، أما إذا رآه مخالفًا لما ورد في الأحاديث فلا يكون قد رآه حقًّا.\nوصورته الحقيقية: أنه كان رَجِلَ الشعر- أي: بين الجعودة والسبوطة- مربوعَ القامة- أي: ليس بالطويل ولا بالقصير- كثَّ اللحية، أبيضَ مشربًا بالحمرة، ضليعَ الفم، بعيد ما بين المنكبين.\nهذا وصفه في الحقيقة، فإذا رآه راءٍ في المنام على خلاف هذه الصورة والوصف بأن رآه- مثلًا- قصيرًا، أو طويلًا، أو أسودَ، أو ليس له لحية فلا يكون قد رآه حقًّا.","vol":"6","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1109>بَاب كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَبْيَضَ، مَلِيحَ الْوَجْهِ</span>\n\n[٢٣٤٠] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَرَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: نَعَمْ، كَانَ أَبْيَضَ، مَلِيحَ الْوَجْهِ.\nقَالَ مُسْلِمُ بْنُ الحْجَّاجِ: مَاتَ أَبُو الطُّفَيْلِ سَنَةَ مِائَةٍ، وَكَانَ آخِرَ مَنْ مَاتَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ رَجُلٌ رَآهُ غَيْرِي، قَالَ، فَقُلْتُ لَهُ: فَكَيْفَ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: كَانَ أَبْيَضَ، مَلِيحًا، مُقَصَّدًا.\nقوله: «قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الحْجَّاجِ»: هو المؤلف صاحب الصحيح.\nوقوله: «مَاتَ أَبُو الطُّفَيْلِ سَنَةَ مِائَةٍ»: اسمه عامر بن واثلة، وهو آخر من مات من الصحابة، هذا قول، وذُكر في التقريب قول آخر: أنه مات سنة عشر ومائة، ولعله أقرب (^١).\nقوله: «مُقَصَّدًا» ضبطه الشارح بفتح الصاد المشددة، أي: ليس بجسيم ولا نحيف، ولا طويل ولا قصير.\nوقوله: «وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ رَجُلٌ رَآهُ غَيْرِي»: المعنى أن من رآه من الصحابة ﵃ كلهم كان قد مات قبله، وبقي هو آخرهم، فصدق عليه أنه ما على وجه الأرض رجل رآه غيره.\n_________\n(^١) تقريب التهذيب، لابن حجر (ص ٢٨٨).","vol":"6","page":532},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1110>بَابُ شَيْبِةِ ﷺ</span>\n\n[٢٣٤١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ عَنْ هِشَامٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: هَلْ خَضَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَأَى مِنَ الشَّيْبِ إِلَّا- قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: كَأَنَّهُ يُقَلِّلُهُ- وَقَدْ خَضَبَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ.\n[خ: ٥٨٩٤]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَضَبَ؟ فَقَالَ: لَمْ يَبْلُغْ الْخِضَابَ، كَانَ فِي لِحْيَتِهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ، قَالَ، قُلْتُ لَهُ: أَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَخْضِبُ؟ قَالَ: فَقَالَ: نَعَمْ، بِالْحِنَّاءِ، وَالْكَتَمِ.\nالحناء حمراء والكتم أسود، فإذا خُلِط بينهما صار يضرب إلى الحمرة، وهذا هو الأفضل، وإذا خضب بالحناء فقط، أو بصفرة فقط فلا بأس، يخضب بالحناء الخالصة أو بالصفرة الخالصة، أو بالحناء والكتم معًا، وهو الذي خضب به أبو بكر وخضب به عمر، وأما النبي ﷺ فإن شيبه كان قليلًا؛ ولهذا لم يخضب، كما في هذا الحديث، وجاء في حديث أم سلمة ﵂ أنه خضب (^١)، وكان ﷺ يكثر من الطيب فإذا أكثر منه ودهن انقلب الشعر إلى حمرة فكأنه خضب، وقيل: إنه ليس في رأسه ولحيته إلا ما يقارب عشرين شعرة بيضاء ﵊ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٨٩٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٥٤٧)، ومسلم (٢٣٤٧).","vol":"6","page":533},{"text":"وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَخَضَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَرَ مِنَ الشَّيْبِ إِلَّا قَلِيلًا.\nحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ خِضَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ فِي رَأْسِهِ فَعَلْتُ، وَقَالَ: لَمْ يَخْتَضِبْ، وَقَدِ اخْتَضَبَ أَبُو بَكْرٍ بِالْحِنَّاءِ، وَالْكَتَمِ، وَاخْتَضَبَ عُمَرُ بِالْحِنَّاءِ بَحْتًا.\nحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: يُكْرَهُ أَنْ يَنْتِفَ الرَّجُلُ الشَّعْرَةَ الْبَيْضَاءَ مِنْ رَأْسِهِ، وَلِحْيَتِهِ، قَالَ: وَلَمْ يَخْتَضِبْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إِنَّمَا كَانَ الْبَيَاضُ فِي عَنْفَقَتِهِ، وَفِي الصُّدْغَيْنِ، وَفِي الرَّأْسِ نَبْذٌ.\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله: «إِنَّمَا كَانَ الْبَيَاضُ فِي عَنْفَقَتِهِ، وَفِي الصُّدْغَيْنِ، وَفِي الرَّأْسِ نَبْذٌ»: ضبطوا نبذ على وجهين: بضم النون وفتح الباء، وبفتح النون وإسكان الباء، والعنفقة: الشعر الذي ينبت على الشفة السفلى والصدع: ما بين الأذن والعين، يعني: لم يصبه الشيب إلا في شعيرات قليلة في هذه المواضع.\nوجاء في لفظ آخر- كما سيأتي-: أنها تقارب عشرين شيبة.","vol":"6","page":534},{"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، وهارون بن عبد الله جَمِيعًا عَنْ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ خُلَيْدِ بْنِ جَعْفَرٍ، سَمِعَ أَبَا إِيَاسٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَيْبِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا شَانَهُ اللَّهُ بِبَيْضَاءَ.\nوفي هذا الكلام نظر؛ لأن بياض الشعر ليس شينًا، بل هو نور المسلم، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعًا: «لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ؛ فَإِنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ» (^١).\n\n[٢٣٤٢] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ مِنْهُ بَيْضَاءَ- وَوَضَعَ زُهَيْرٌ بَعْضَ أَصَابِعِهِ عَلَى عَنْفَقَتِهِ- قِيلَ لَهُ: مِثْلُ مَنْ أَنْتَ يَوْمَئِذٍ؟ فَقَالَ: أَبْرِي النَّبْلَ، وَأَرِيشُهَا.\n[خ: ٣٥٤٥]\nقوله: «أَبْرِي النَّبْلَ وَأَرِيشُهَا»، أي: أجعل للنبل ريشًا، وهو كناية عن كونه مميِّزا وقتها.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦٦٧٢)، وأبو داود (٤٢٠٢).","vol":"6","page":535},{"text":"[٢٣٤٣] حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبْيَضَ قَدْ شَابَ، كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يُشْبِهُهُ.\n[خ: ٣٥٤٣]\nوَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، بِهَذَا، وَلَمْ يَقُولُوا: أَبْيَضَ قَدْ شَابَ.\n\n[٢٣٤٤] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ سُئِلَ عَنْ شَيْبِ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَقَالَ: كَانَ إِذَا دَهَنَ رَأْسَهُ، لَمْ يُرَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِذَا لَمْ يَدْهُنْ رُئِيَ مِنْهُ.\nهذا الحديث فيه: أنه كان إذا دهن لم ير منه شيء من الشيب؛ لأن الطيب يغطي الشيب، ويكون لونه أحمر، وإذا تأخر عن دهنه ولم يتعاهده بان الشيب.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ سِمَاكٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ شَمِطَ مُقَدَّمُ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، وَكَانَ إِذَا ادَّهَنَ لَمْ يَتَبَيَّنْ، وَإِذَا شَعِثَ رَأْسُهُ تَبَيَّنَ، وَكَانَ كَثِيرَ شَعْرِ اللِّحْيَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَجْهُهُ مِثْلُ السَّيْفِ، قَالَ: لَا، بَلْ كَانَ مِثْلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَكَانَ مُسْتَدِيرًا، وَرَأَيْتُ الْخَاتَمَ عِنْدَ كَتِفِهِ، مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ، يُشْبِهُ جَسَدَهُ.\nقوله: «بَلْ كَانَ مِثْلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ»، يعني: أن وجهه كان مستديرًا كالشمس وكالقمر، وليس مستطيلًا كالسيف.","vol":"6","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1111>بَابُ إِثْبَاتِ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ، وَصِفَتِهِ، وَمَحَلِّهِ مِنْ جَسَدِهِ ﷺ</span>\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ خَاتَمًا فِي ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّهُ بَيْضَةُ حَمَامٍ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا حَسَنُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ سِمَاكٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\n\n[٢٣٤٥] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ- عَنِ الْجَعْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ، فَمَسَحَ رَأْسِي، وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ.\n[خ: ١٩٠]\nقوله: «زِرِّ الْحَجَلَةِ» الحجلة- بفتح الحاء والجيم-: بيت كالقبة له أزرار وعُرَى، وزِرُّها يشبه بيضة الحمامة، وقيل: الحجلة: الطائر المعروف وزرها: بيضتها.","vol":"6","page":537},{"text":"[٢٣٤٦] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يعني: ابْنَ زَيْدٍ-.ح وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ. ح وَحَدَّثَنِي- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ- يعني: ابْنَ زِيَادٍ- حَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَكَلْتُ مَعَهُ خُبْزًا، وَلَحْمًا- أَوَ قَالَ: ثَرِيدًا- قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: أَسْتَغْفَرَ لَكَ النَّبِيُّ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكَ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، قَالَ: ثُمَّ دُرْتُ خَلْفَهُ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عِنْدَ نَاغِضِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى جُمْعًا عَلَيْهِ خِيلَانٌ كَأَمْثَالِ الثَّآلِيلِ.\nقوله: «حَمَّادٌ- يعني: ابْنَ زَيْدٍ» هو إمام أهل البصرة، توفي هو ومالك بن أنس إمام دار الهجرة في عام واحد.\nوقوله: «عِنْدَ نَاغِضِ كَتِفِهِ»: الناغض: أعلى الكتف، وقيل: هو العظم الرقيق الذي على طرفه (^١).\nوقوله: «جُمْعًا»، أي: مجتمعًا كجمع الكف.\nوقوله: «خِيْلَانٌ» - بكسر الخاء المعجمة وإسكان الياء-: جمع خال، وهي الشامة في الجسد، عليها شعيرات سود.\nوهذا الحديث فيه: أن خاتم النبوة كقطعة لحم مستديرة مثل بيضة الحمامة ومثل زر الحجلة، ولونه مثل لون جسده ﵊، عند أعلى كتفه الأيسر أقل من جمع الكف، وعليه شامة، وحوله شعيرات، هذا وصف خاتم النبوة، والسائب بن يزيد ﵁ دعا له النبي ﷺ ومسحه وكان وَجِعًا،\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (٥/ ١٩٢).","vol":"6","page":538},{"text":"وتوضأ النبي ﷺ وشرب السائب من وَضوئه فشفاه الله تبركًا به ﵊.\nوفي حديث عبد الله بن سرجس أن النبي ﵊ استغفر له، واستغفر للمؤمنين جميعًا عملًا بقول الله تعالى: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾، يعني: سأل الله لهم المغفرة لمن كان في حياته، ولمن يأتي بعد ذلك من أمته.","vol":"6","page":539},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1112>بَابٌ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَبْعَثِهِ، وَسِنِّهِ</span>\n\n[٢٣٤٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ، وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَلَيْسَ بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَقِ، وَلَا بِالْآدَمِ، وَلَا بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ، وَلَا بِالسَّبِطِ، بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً، وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ.\n[خ: ٣٥٤٧]\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ-.ح وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، كِلَاهُمَا عَنْ رَبِيعَةَ- يعني: ابْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِهِمَا: كَانَ أَزْهَرَ.\nقوله: «لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ»، يعني: هو ربعة من الرجال بين الطويل والقصير.\nوقوله: «وَلَيْسَ بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَقِ»: شديد البياض كلون الجصِّ، بل هو مشرب بحمرة.\nوقوله: «أزهر»، يعني: أبيضَ نيرًا ﵊.\nوقوله: «فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً»: وذلك على حذف الكسر على عادة العرب، وسيأتي تحقيق في سنه ﷺ في الباب القادم.","vol":"6","page":540},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1113>بَاب كَمْ سِنُّ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُبِضَ</span>\n\n[٢٣٤٨] حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الرَّازِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ زَائِدَةَ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَأَبُو بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَعُمَرُ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.\n\n[٢٣٤٩] وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، بِمِثْلِ ذَلِكَ.\n[خ: ٣٥٣٦]\nوَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبَّادُ بْنُ مُوسَى قَالَا: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا مِثْلَ حَدِيثِ عُقَيْلٍ.\nهذا الحديث فيه: أن ما ورد في الباب الماضي من أن الله ﷿ بعثه على رأس أربعين سنة وأقام بمكة عشر سنين، فهو على حذف الكسر على عادة العرب، والواقع أنه أقام بمكة ثلاث عشرة سنة بعد البعثة، وأقام في المدينة عشرًا، وتوفاه الله على رأس ستين في قول البعض، وفي قول آخر- وهو الصواب-: أنه توفاه الله على رأس ثلاث وستين سنة، وكذلك أبو بكر قبضه الله وهو ابن ثلاث وستين، وقبض عمر وهو ابن ثلاث وستين، وقبض علي وهو ابن ثلاث وستين، أما عثمان فإنه قارب أو جاوز الثمانين بقليل.","vol":"6","page":541},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1114>بَاب كَمْ أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ، وَالْمَدِينَةَ</span>\n\n[٢٣٥٠] حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ: قُلْتُ لِعُرْوَةَ: كَمْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: عَشْرًا، قَالَ، قُلْتُ: فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ.\nقوله: «عَنْ عَمْرٍو»: هو عمرو بن دينار، وسفيان هو أثبت الناس فيه.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، قَالَ، قُلْتُ لِعُرْوَةَ: كَمْ لَبِثَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: عَشْرًا، قُلْتُ: فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: بِضْعَ عَشْرَةَ، قَالَ: فَغَفَّرَهُ، وَقَالَ: إِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ.\nقوله: «فَغَفَّرَهُ» - بالغين المعجمة والفاء المشددة- أي: دعا له بالمغفرة، وهذه الكلمة إنما تقال لمن أخطأ.\n\n[٢٣٥١] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.\nقوله: «وَتُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ» هذا هو المعتمد مما روي عن ابن عباس ﵁ في قدر عمره ﷺ وأنه ثلاث وستون سنة.","vol":"6","page":542},{"text":"وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيْهِ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.\n\n[٢٣٥٢] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا سَلَّامٌ أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، فَذَكَرُوا سِنِيَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَكْبَرَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَمَاتَ أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَقُتِلَ عُمَرُ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.\nقَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، يُقَالُ لَهُ عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، فَذَكَرُوا سِنِيَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَمَاتَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَقُتِلَ عُمَرُ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاق يُحَدِّثُ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ الْبَجَلِيِّ عَنْ جَرِير أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأَنَا ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.\nقوله: «وَأَنَا ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ»، أي: أنه حال خطبته الناس كان ابن ثلاث وستين، وقد عاش بعدها سبعة عشر عامًا فبلغ الثمانين.","vol":"6","page":543},{"text":"[٢٣٥٣] وَحَدَّثَنِي ابْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ عَمَّارٍ- مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ- قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: كَمْ أَتَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ؟ فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَحْسِبُ مِثْلَكَ مِنْ قَوْمِهِ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَاكَ! قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي قَدْ سَأَلْتُ النَّاسَ، فَاخْتَلَفُوا عَلَيَّ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَعْلَمَ قَوْلَكَ فِيهِ، قَالَ: أَتَحْسُبُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمْسِكْ أَرْبَعِينَ بُعِثَ لَهَا خَمْسَ عَشْرَةَ بِمَكَّةَ، يَأْمَنُ وَيَخَافُ، وَعَشْرَ مِنْ مُهَاجَرِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يُونُسَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ.\nقوله: «أَتَحْسُبُ؟» - بضم السين- من الحساب، أي: أتعرف الحساب؟\nوَحَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ- يعني: ابْنَ مُفَضَّلٍ- حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، حَدَّثَنَا عَمَّارٌ- مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ- حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ خَالِدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، يَسْمَعُ الصَّوْتَ، وَيَرَى الضَّوْءَ سَبْعَ سِنِينَ، وَلَا يَرَى شَيْئًا، وَثَمَانَ سِنِينَ يُوحَى إِلَيْهِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرًا.\nقوله: «إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ»: هو إسحاق بن راهويه الإمام المشهور.","vol":"6","page":544},{"text":"وهذا الحديث فيه: أنه ﵊ أقام بمكة خمس عشرة سنة، منها: سبع يرى الضوء ويسمع الصوت، يعني: صوت الهاتف من الملائكة، ويرى الضوء وهي أنوار الملائكة حتى رأى الملك بعد ذلك، وثمان يوحى إليه، فسبع وثمان خمس عشرة سنة، وعشر سنين في المدينة هذا على ما ذهب إليه ابن عباس، والصواب: أنه أقام بمكة ثلاث عشرة، لا خمس عشرة سنة.\nوهذا الذي اعتمده الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في رسالته: (الأصول الثلاثة)، فقال: «... وله من العمر ثلاث وستون سنة، منها: أربعون قبل النبوة وثلاث وعشرون نبيًّا رسولًا ... فلما استقر في المدينة أمر ببقية شرائع الإسلام، مثل: الزكاة، والصوم، والحج، والأذان، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام، أخذ على هذا عشر سنين» (^١).\n_________\n(^١) ثلاثة الأصول، لمحمد بن عبد الوهاب (ص ٢٠ - ٢٢).","vol":"6","page":545},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1115>بَابٌ فِي أَسْمَائِهِ ﷺ</span>\n\n[٢٣٥٤] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يُمْحَى بِيَ الْكُفْرُ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى عَقِبِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ، وَالْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ».\n[خ: ٣٥٣٢]\nقوله: «الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى عَقِبِي»، أي: على أَثَري، وبعد زمان نبوتي ورسالتي؛ إذ ليس بعدي نبي.","vol":"6","page":546},{"text":"حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِي أَسْمَاءً أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيَّ، وَأَنَا الْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ أَحَدٌ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ رَءُوفًا رَحِيمًا».\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ شُعَيْبٍ، وَمَعْمَرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَفِي حَدِيثِ عُقَيْلٍ قَالَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: وَمَا الْعَاقِبُ؟ قَالَ: الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ، وَفِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ، وَعُقَيْلٍ: الْكَفَرَةَ، وَفِي حَدِيثِ شُعَيْبٍ: الْكُفْرَ.\nقوله: «وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ» هو صاحب السنن، شيخ مسلم والبخاري.\nهذا الحديث فيه: أسماؤه ﵊، وله أسماء كثيرة، والله تعالى له أسماء لا يحصيها أحد ولا يمكن أن يحصيها أحد من الخلق، كما في الحديث: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ»، (^١) فلله أسماء استأثر بها في علم الغيب عنده، ولله مائة اسم إلا واحدًا موصوفة بأن من أحصاها دخل الجنة، وله أسماء كثيرة، لكن هذه الأسماء موصوفه بهذا الوصف، والرسول ﵊ له أسماء كثيرة والقرآن- أيضًا- له أسماء كثيرة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣٧١٢).","vol":"6","page":547},{"text":"ومن أسماء النبي ﷺ: محمد وأحمد؛ لكثرة محامده وكثرة أوصافه الحميدة، ومن أسمائه: الماحي الذي يمحو الله به الكفر، ومنها: الحاشر الذي يُحشر الناس على عقبه، ومنها: العاقب الذي ليس بعده نبي، وسماه الله رؤوفًا رحيمًا، وكل هذا من أسمائه ﵊.\nوالأسماء تشتق منها الصفات، لا العكس، فالرحمن من أسماء الله مشتمل على صفة الرحمة، والله متضمن صفة الألوهية، والعزيز متضمن صفة العز، والقدير متضمن صفة القدرة، لكن من صفاته الفعلية: الغضب، ولكن لا يشتق منها اسم الغاضب، وكذلك لا يشتق من صفة المقت اسم: الماقت، وأيضًا لا يشتق من قوله تعالى: ﴿ويمكرون ويمكر الله﴾ اسم: الماكر؛ فالأسماء والصفات توقيفية.\n\n[٢٣٥٥] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَمِّي لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءً، فَقَالَ: «أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْمُقَفِّي، وَالْحَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ».\nهذا الحديث فيه: أن من أسمائه: الحاشر، أي: الذي يُحشر الناس على عقبه، يعني: هو آخر الأنبياء فليس بعده نبي، والساعة تقوم في آخر هذه الأمة، ويحشر الناس بعده، يعني: بعد نبوته.\nوفيه: أن من أسمائه ﵊: نبي التوبة ونبي الرحمة، يعني: الذي جاء رحمة للعالمين. أما (طه) فهما حرفان من الحروف المقطعة التي تُفتتح بها السُّوَر، وليستا اسمًا من أسماء النبي ﵊، قال تعالى: ﴿طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾.","vol":"6","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1116>بَابُ عِلْمِهِ ﷺ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَشِدَّةِ خَشْيَتِهِ</span>\n\n[٢٣٥٦] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْرًا فَتَرَخَّصَ فِيهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَأَنَّهُمْ كَرِهُوهُ، وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: «مَا بَالُ رِجَالٍ بَلَغَهُمْ عَنِّي أَمْرٌ تَرَخَّصْتُ فِيهِ، فَكَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ، فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً».\n[خ: ٦١٠١]\nحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ- يعني: ابْنَ غِيَاثٍ-.ح وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، وقَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ نَحْوَ حَدِيثِهِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَمْرٍ، فَتَنَزَّهَ عَنْهُ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَغَضِبَ حَتَّى بَانَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْغَبُونَ عَمَّا رُخِّصَ لِي فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً».\nهذا الحديث فيه: فضل النبي ﷺ، وأنه أعلم الناس بالله وأخشاهم له.\nوفيه: أنه ﵊ لم يذكرهم بأعيانهم، وإنما يقول: ما بال رجال، فلا يجرح شعور واحد بعينه، ولا يأتي باسمه، وإنما يذكره بوصفه، فيقول: ما بال أقوام فعلوا كذا وكذا؟ وهذا من حسن خلقه ﵊.\nوفيه: أن ما فعله النبي ﷺ لا ينبغي لمسلم أن يتورع عنه، ولا أن يتنزه عنه، أو يكون في نفسه شيء منه؛ لأن النبي ﷺ أورع الناس وأتقاهم وأخشاهم لله، فهو ﷺ الأسوة، إلا إذا كان هذا الشيء من خصائصه ﵊.","vol":"6","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1117>بَابُ وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ ﷺ</span>\n\n[٢٣٥٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: سَرِّحِ الْمَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ، فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ»، فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: «يَا زُبَيْرُ اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ»، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾.\n[خ: ٢٣٥٩]\nقوله: «شِرَاجِ الْحَرَّةِ» مسايل الماء، وأحدها شرجة، والحرة أرض تركبها حجارة سود.\nوقوله: «سَرِّحْ»، أي: أَرسِلْ.\nوقوله: «فَتَلَوَّنَ وَجْهُ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ»، أي: تغير من الغضب؛ لانتهاك حرمات النبوة.\nوقوله: «حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ» المراد بالجدر: أصل الجدار، وقيل: المراد: أصول الشجر.\nهذا الحديث فيه: أنه كان للزبير ﵁ جار من الأنصار والزبير هو الجار الأعلى، وجاره الأنصاري هو الذي بعده، فلما سال الماء بالوادي مر الماء على بستان الزبير ﵁، فقال الأنصاري له: سرح الماء يمر لا تحبسه في","vol":"6","page":550},{"text":"بستانك، وكأن الزبير أراد أن يحبس الماء شيئًا قليلًا، ثم يرسله إليه، فاختصما إلى النبي ﷺ فأمر النبي ﷺ الزبير بأن يسقي، ثم يرسل الماء، ولا يحبسه، فأراد النبي ﷺ أن يغض الزبير عن جزء من حقه؛ لأن حقه أن يحبس الماء حتى يغطي كعب القدم، ومع هذا غضب الأنصاري، فقال ما قال، ولكن النبي ﷺ عفا عنه، ولم ينتقم لنفسه ﵊، وهذا من حسن خلقه ﵊، كما عفا- أيضًا- عن اليهودية التي سمَّته، وعفا اليهودي الذي سحره، ولكن بعد وفاة النبي ﷺ لا يُعفى عمن يهينه ﵊، أو يسخر منه، أو يتنقصه، أو يسبه فإنه يكون بذلك مرتدًا ويُقتل.","vol":"6","page":551},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1118>بَابُ تَوْقِيرِهِ ﷺ وَتَرْكِ إِكْثَارِ سُؤَالِهِ عَمَّا لَا ضَرُورَةَ إِلَيْهِ، أَوْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَكْلِيفٌ، وَمَا لَا يَقَعُ وَنَحْوِ ذَلِكَ</span>\n\n[١٣٣٧] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ قَالَا: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ، وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ- وَهُوَ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ- أَخْبَرَنَا لَيْثٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ سَوَاءً.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يعني: الْحِزَامِيَّ-.ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح وَحَدَّثَنَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، كُلُّهُمْ قَالَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ»، وَفِي حَدِيثِ هَمَّامٍ: «مَا تُرِكْتُمْ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»، ثُمَّ ذَكَرُوا نَحْوَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.\nهذا الحديث فيه: قاعدة في الأوامر والنواهي، فالنواهي تترك والأوامر يفعل الإنسان منها ما يستطيع؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ،","vol":"6","page":552},{"text":"وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وقال الله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، وقال النبي ﷺ لعمران بن الحصين ﵁: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (^١).\nوفيه: بيان أن هلاك الأولين سببه كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام، فلا ينبغي للإنسان أن يكثر من إيراد المسائل، وإنما يسأل ما يحتاج إليه، وأما المسائل التي فيها تعنت، أو اعتراض على المسؤول، أو فيها إعنات له، وإيقاع له في الحرج، أو أن يسأل الإنسان من باب الرياء، أو أن يسأل عن الأشياء التي لم تقع، هذه هي المنهي عنها، أما سؤال الاسترشاد فهذا مطلوب، والله ﷿ يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١١٧).","vol":"6","page":553},{"text":"[٢٣٥٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا، مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ».\n[خ: ٧٢٨٩]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: - أَحْفَظُهُ كَمَا أَحْفَظُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ- الزُّهْرِيُّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا، مَنْ سَأَلَ عَنْ أَمْرٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ عَلَى النَّاسِ، مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ».\nوَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ: رَجُلٌ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ، وَنَقَّرَ عَنْهُ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ يُونُسَ، عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدًا.\nقوله: «أَعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا»: الجرم- بضم الجيم- هو: الإثم والذنب، وأما الجِرم- بالكسر- فهو الجسم، يقال: النجاسة لها جِرم، فأعظم المسلمين جُرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته.\nفالسؤال في زمن الوحي للتحريم، لكن النهي عن الأسئلة التي لا حاجة إليها عام.\nوقوله: «وَنَقَّرَ عَنْهُ»، يعني: بحث، وهو يدل بصفة عامة أن النبي ﷺ نهى عن كثرة السؤال، كما في الحديث: «وَنَهَى عَنْ ثَلَاثٍ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ» (^١) ففيه: النهي عن أن ينقر المسلم ويبحث عن الأشياء\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٩٢)، ومسلم (٥٩٣).","vol":"6","page":554},{"text":"الصعبة ويتعنت فيها، وهذا ملحوظ عند بعض الناس، وواقع عند الشباب خاصة، فتجد عنده تعنتًا وتنقيرًا!\n\n[٢٣٥٩] حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ السُّلَمِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ اللُّؤْلُئِيُّ- وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ- قَالَ مَحْمُودٌ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ، فَخَطَبَ، فَقَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» قَالَ: فَمَا أَتَى عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمٌ أَشَدُّ مِنْهُ، قَالَ: غَطَّوْا رُءُوسَهُمْ، وَلَهُمْ خَنِينٌ، قَالَ: فَقَامَ عُمَرُ، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، قَالَ: فَقَامَ ذَاكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: أَبُوكَ فُلَانٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.\n[خ: ٤٦٢١]\nقوله: «وَلَهُمْ خَنِينٌ»: الخنين دون الانتحاب، وقيل: هو تردد البكاء حتى يصير في الصوت غُنَّة، وقيل: هو رفع الصوت بالبكاء، وقيل: هو صوت يخرج من الأنف، خَنَّ يخن خنينًا.","vol":"6","page":555},{"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيٍّ الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ فُلَانٌ»، وَنَزَلَتْ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ...﴾ تَمَامَ الْآيَةِ.\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى لَهُمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ، وَذَكَرَ أَنَّ قَبْلَهَا أُمُورًا عِظَامًا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَنِي عَنْ شَيْءٍ، فَلْيَسْأَلْنِي عَنْهُ، فَوَاللَّهِ لَا تَسْأَلُونَنِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ، مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا»، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَأَكْثَرَ النَّاسُ الْبُكَاءَ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَكْثَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: «سَلُونِي»، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ، فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ»، فَلَمَّا أَكْثَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَنْ يَقُولَ: «سَلُونِي»، بَرَكَ عُمَرُ، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَالَ عُمَرُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَوْلَى وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا، فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ»، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ: مَا سَمِعْتُ بِابْنٍ قَطُّ\nأَعَقَّ مِنْكَ، أَأَمِنْتَ أَنْ تَكُونَ أُمُّكَ قَدْ قَارَفَتْ بَعْضَ مَا تُقَارِفُ نِسَاءُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَتَفْضَحَهَا عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ: وَاللَّهِ لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ أَسْوَدَ لَلَحِقْتُهُ.\n[خ: ٦٣٥٩]\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا","vol":"6","page":556},{"text":"عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَحَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ مَعَهُ، غَيْرَ أَنَّ شُعَيْبًا قَالَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ قَالَتْ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ.\nحَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: «سَلُونِي، لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ، إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ»، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْقَوْمُ أَرَمُّوا، وَرَهِبُوا، أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ أَمْرٍ قَدْ حَضَرَ، قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، كَانَ يُلَاحَى، فَيُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَنْ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ»، ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ قَطُّ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، إِنِّي صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَرَأَيْتُهُمَا دُونَ هَذَا الْحَائِطِ».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يعني: ابْنَ الْحَارِثِ-.ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ.\n\n[٢٣٦٠] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: «سَلُونِي عَمَّ شِئْتُمْ»، فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ»، فَقَامَ آخَرُ، فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ»، فَلَمَّا","vol":"6","page":557},{"text":"رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْغَضَبِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ.\nوَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ، قَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ».\n[خ: ٩٢]\nقوله: «أَوْلَى»: لفظة تهديد ووعيد، وقيل: كلمة تلهُّف.\nوقوله: «الْمَعْنِيُّ» - بكسر النون وتشديد الياء-: نسبة إلى معن بن زائدة.\nوقوله: «يُلَاحَى»، أي: يُخاصَم.\nوقوله: «أَمْرٍ قَدْ حَضَرَ»، أي: أمر يكرهون حصوله.\nوقوله: «أَرَمُّوا»، يعني: سكتوا.\nوقوله: «وَرَهِبُوا»، يعني: خافوا أن يكونوا بين أمر قد حضر.\nوهذا الحديث فيه: أن الصحابة ﵃ ألحفوا في المسألة، وسألوا النبي كثيرًا فغضب ﵊ بسبب ذلك، وصعد المنبر، وقال: «سَلُونِي، لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ، إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ» فقام عبد الله بن حذافة- وكان في شك من نسبه لأبيه، فكان إذا خاصمه بعض الناس طعنوا في نسبه- فأراد أن يعلم من أبوه، فأعلمه الرسول ﷺ بأن أباه حذافة، فثبت نسبه واطمأن؛ لأن نسبه صحيح، ثم قام رجل آخر وسأله، فلما رأى عمر ذلك، قال: «رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» حتى سكن غضبه ﵊.\nوفيه: أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، وهو رد على المعتزلة الذين يقولون: إنهما تخلقان يوم القيامة، وأن خلقهما الآن حيث لا جزاء عبث، والعبث محال على الله! وهذا من جهلهم وضلالهم، ويكفي في الرد عليهم أن الله تعالى أخبر عن الجنة، فقال: ﴿أعدت للمتقين﴾، وقال عن النار: ﴿أعدت للكافرين﴾، وفي الحديث: «فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا","vol":"6","page":558},{"text":"إِلَى الْجَنَّةِ. قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا، وَطِيبِهَا»، وفي الحديث- أيضًا-: «فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ، فَافْرِشُوا لَهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا، وَسَمُومِهَا» (^١) وكذلك قوله ﷺ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الحَائِطِ»، قيل: المعنى صُوِّرت، وقيل: المعنى: قُرِّبت، وقيل: المعنى: كُشفت، والأقرب أن معنى عُرضت، أي: صورت؛ لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضًا ففي الحديث الآخر: «إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِي الجَنَّةُ وَالنَّارُ، حَتَّى رَأَيْتُهُمَا وَرَاءَ الحَائِطِ» (^٢) وفي صلاة الكسوف رأى النبي ﷺ الجنة والنار (^٣)، وكل هذا فيه رد على المعتزلة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٨٥٣٤)، وأبو داود (٤٧٥٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٣٦٢)، ومسلم (٢٣٥٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٤٥).","vol":"6","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1119>بَابُ وُجُوبِ امْتِثَالِ مَا قَالَهُ شَرْعًا دُونَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ مَعَايِشِ الدُّنْيَا عَلَى سَبِيلِ الرَّأْيِ</span>\n\n[٢٣٦١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- وَهَذَا حَدِيثُ قُتَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ، فَقَالَ: «مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟»، فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ، يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى، فَيَلْقَحُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا»، قَالَ: فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ، فَتَرَكُوهُ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ، فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا، فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللَّهِ شَيْئًا، فَخُذُوا بِهِ؛ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ ﷿».\nقوله: «فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ»؛ وذلك لأن الرسول ﷺ ليس فلاحًا، فهو حضري عاش بمكة، ومكة ليس فيها نخيل.\nوهذا الحديث فيه: أنهم كانوا يلقحون النخل، فيأخدون من طلع النخل الذكر، ويجعلونه في الأنثى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا» فصار شيصًا في ذلك العام، أي: تمرًا رديئًا لم يشتد نواه، فقال: إنما قلت هذا من باب الرأي والظن فيما يتعلق بأمور الدنيا، فإن شئتم أخذتم به، وإن شئتم تركتموه، وأما فيما يتعلق بأمور الشرع وما أخبرتكم به عن الله فخذوه فإني لن أكذب على الله.","vol":"6","page":560},{"text":"[٢٣٦٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرُّومِيِّ الْيَمَامِيُّ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ- وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ- حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ، حَدَّثَنِي رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ قَالَ: قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ- يَقُولُونَ: يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ- فَقَالَ: «مَا تَصْنَعُونَ؟» قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ، قَالَ: «لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا»، فَتَرَكُوهُ، فَنَفَضَتْ- أَوْ فَنَقَصَتْ- قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ، فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ».\nقَالَ عِكْرِمَةُ: أَوْ نَحْوَ هَذَا، قَالَ الْمَعْقِرِيُّ: فَنَفَضَتْ، وَلَمْ يَشُكَّ.\nقوله: «وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ» منسوب إلى معقر، وهي ناحية من اليمن.\nوقوله: «يَأْبُرُونَ»، يعني: يُلَقِّحون، فالتأبير هو التلقيح، وهو شق طلع النخلة الأنثى ووضع شيء من طلع النخل الذكر فيها.\nوقوله: «فَنَفَضَتْ»، أي: سقطت ثمارها.\nوقوله: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ»، أي: في أمر الدنيا ومعايشها.","vol":"6","page":561},{"text":"[٢٣٦٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ، فَقَالَ: «لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ»، قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِمْ، فَقَالَ: «مَا لِنَخْلِكُمْ» قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ».\nقوله: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ»، يعني: إنما هي أمور تعارف عليها الناس فيما بينهم، يعرفونها بالتجارب مما يتعلق بالزراعة والفلاحة والبذر والسقي والغرس، وغيرها من أمور الدنيا.","vol":"6","page":562},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1120>بَابُ فَضْلِ النَّظَرِ إِلَيْهِ ﷺ وَتَمَنِّيهِ</span>\n\n[٢٣٦٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ فِي يَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ وَلَا يَرَانِي، ثُمَّ لَأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُمْ».\nقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: الْمَعْنَى فِيهِ عِنْدِي: لَأَنْ يَرَانِي مَعَهُمْ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَهُوَ عِنْدِي مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ.\n[خ: ٣٥٨٩]\nقوله: «قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ» هو إبراهيم بن سفيان راوي الصحيح.\nوهذا الحديث فيه: حث النبي ﷺ الناسَ على ملازمته وحضور مجالسه، والأخذ عنه وتبليغ العلم قبل أن يُقبض ﵊، يقول: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ وَلَا يَرَانِي، ثُمَّ لَأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُمْ»، يعني: قبل أن يأتي اليوم الذي لا تروني فيه فتندموا، أي: بسبب وفاته ﵊.\nقال النووي ﵀: «ومقصود الحديث: حثُّهم على ملازمة مجلسه الكريم، ومشاهدته حضرًا وسفرًا؛ للتأدب بآدابه، وتعلم الشرائع وحفظها ليبلغوها، وإعلامهم أنهم سيندمون على ما فرطوا فيه من الزيادة من مشاهدته وملازمته، ومنه: قول عمر ﵁: (أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ) (^١) والله أعلم» (^٢).\nوفيه: الحث على طلب العلم والاعتناء به، والحرص على أخذه عن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٦٢)، ومسلم (٢١٥٣).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٥/ ١١٩).","vol":"6","page":563},{"text":"العلماء قبل موتهم، كما قال النبي ﵊: «إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ» (^١) لأنه قد يأتي وقت لا يجد الطالب عالمًا يأخذ عنه العلم بسبب كثرة الجهل، وقلة العلم في آخر الزمان.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٠)، ومسلم (٢٦٧٣).","vol":"6","page":564},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1121>بَابُ فَضَائِلِ عِيسَى ﵇</span>\n\n[٢٣٦٥] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ، الْأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ، وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ».\n[خ: ٣٤٤٢]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى، الْأَنْبِيَاءُ أَبْنَاءُ عَلَّاتٍ، وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَ عِيسَى نَبِيٌّ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ» قَالُوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، فَلَيْسَ بَيْنَنَا نَبِيٌّ».\nقوله: «إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ» الإخوة من الأب يقال لهم: إخوة من علات، أو أولاد علات، أو أبناء علات، والإخوة من الأم يقال لهم: أولاد أخياف، والإخوة الأشقاء يقال لهم: أولاد أعيان.\nوفي هذه الأحاديث: فضائل عيسى ﵇.\nوفيها: بيان أن الأنبياء دينهم واحد، وشرائعهم مختلفة؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ» فالأب واحد، والأمهات متعددة، فدين الأنبياء واحد، وهو توحيد الله وإخلاص العبادة له، وكل الأنبياء بعثهم الله","vol":"6","page":565},{"text":"بالتوحيد والنهي عن الشرك، بعثهم الله بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتعظيم الأوامر والنواهي وطاعة كل نبي في زمانه.\nوأما الشرائع فتختلف فيها الأوامر والنواهي، والحلال والحرام، كما قال الله تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا﴾.\nفدين الأنبياء جميعًا هو الإسلام، هو دين آدم ونوح وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد نبينا صلى الله عليهم جميعًا وسلم، فدينهم جميعًا هو الإسلام العام الذي هو توحيد الله وإخلاص العبادة له، والنهي عن الشرك، وأما الإسلام بمعناه الخاص فهو: ما بعث الله به محمدًا ﷺ من الشريعة الخاتمة.\nولهذا فكل نبي قال: إنه من المسلمين، فهذا نوح قال: ﴿وأنا من المسلمين﴾، وقالت بلقيس: ﴿وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين﴾، وقال إبراهيم: ﴿إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين﴾ فالإسلام دين الأنبياء جميعًا، قال الله: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾، وقال سبحانه: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ ولا يقبل الله من أحد دينًا غير الإسلام.\nقال الله تعالى: ﴿لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾، ﴿وإلى عاد أخاهم هودًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾، ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾، ﴿وإلى مدين أخاهم شعيبًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ هذا هو الإسلام، يعني: الاستسلام لله تعالى بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله.\nوكذلك كل نبي يُطاع في زمانه، يجب طاعته وامتثال أوامره واجتناب ونواهيه، ثم لما بُعث نبينا محمد ﷺ صار الإسلام بمعناه الخاص: الشريعة","vol":"6","page":566},{"text":"الخاتمة التي جاء بها نبينا ﷺ وهو توحيد الله، وما جاء به من الشريعة الخاتمة.\nوفيها: بيان أنه ليس بين نبينا محمد ﷺ وعيسى ﵊ نبي، وهو آخر أنبياء بني إسرائيل.\n\n[٢٣٦٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ، إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ، إِلَّا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ»، ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.\n[خ: ٣٤٣١]\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَا: يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسَّةِ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ، وَفِي حَدِيثِ شُعَيْبٍ: مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ.\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا يُونُسَ سُلَيْمًا- مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ- حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، إِلَّا مَرْيَمَ، وَابْنَهَا».\n\n[٢٣٦٧] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صِيَاحُ الْمَوْلُودِ حِينَ يَقَعُ نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ».\nوهذا الحديث فيه: منقبة لعيسى ومريم ﵉، فإن كل مولود يمسه الشيطان ويطعن فيه؛ ولذلك يستهل صارخًا، وفي اللفظ الآخر في صحيح","vol":"6","page":567},{"text":"البخاري: «غَيْرَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ فِي الحِجَابِ» (^١).\nوفيه: أن الله استجاب دعاءَ أم مريم ﵍: ﴿وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾، فأعاذها الله وذريتها- أي: عيسى ﵊- من الشيطان فلم يمسهم الشيطان.\n\n[٢٣٦٧] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، رَجُلًا يَسْرِقُ، فَقَالَ لَهُ عِيسَى: سَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلَّا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللَّهِ، وَكَذَّبْتُ نَفْسِي».\nوهذا الحديث فيه: تعظيم عيسى ﵊ لله ﷿ فإنه صدَّق الحالف، وهذا محمول على أنه رآه يسرق في الظاهر، لكنه في الباطن ليس بسارق، إما لأن له حقًّا في هذا المال، أو لأن صاحبه أذن له، كما قال القاضي عياض (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٨٦).\n(^٢) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٧/ ٣٣٩).","vol":"6","page":568},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1122>بَاب مِنْ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﷺ</span>\n\n[٢٣٦٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَابْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الْمُخْتَارِ. ح وَحَدَّثَنِي- وَاللَّفْظُ لَهُ- عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ﵇».\n[خ: ٣٤٤٤]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ: سَمِعْتُ مُخْتَارَ بْنَ فُلْفُلٍ- مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْمُخْتَارِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nقوله: «خَيْرَ الْبَرِيَّةِ»، يعني: خير الناس، وفيه منقبة عظيمة لإبراهيم ﵊، ومن المعلوم أن نبينا ﷺ أفضل الناس وسيد ولد آدم، وقد قال ﵊: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ» (^١)، وقال: «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ». (^٢)\nوقوله: «ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ﵇»: يحتمل أن النبي ﷺ قال ذلك قبل أن يُعلمه الله أنه خير الناس، وأنه سيد الناس، ويحتمل أن نبينا قال ذلك تواضعًا لجده الخليل من باب التواضع وهضم النفس، وإلا فنبينا ﷺ خير\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٠٩٨٧)، والترمذي (٣٦١٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١).","vol":"6","page":569},{"text":"البرية، كما قال الله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية﴾، يعني: هم خير مَن برأهم الله وخلقهم، ومن أسماء الله: البارئ الذي برأ الخلق.\n\n[٢٣٧٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يعني: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ ﵇ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ».\n[خ: ٣٣٥٦]\nقوله: «بِالْقَدُومِ»: يقال: بالقدوم بالتخفيف والتشديد، والتخفيف أرجح، والقدوم مكان بالشام، وقيل: المراد بالقدوم الآلة التي اختتن بها، وإنما اختتن وهو ابن ثمانين؛ لأن الله لم يأمره بذلك إلا في ذلك الوقت، فامتثل أمر الله ﷿ واختتن.\nوالاختتان: قطع الجلدة التي تغطي رأس الذكر وتمنع ظهوره، وهو سنة مستحبة، وقيل: هو واجب في حق الذكور؛ لأن إبقاءها قد يبقي شيئًا من البول، أو الأساخ، والختان من الفطرة، كما قال النبي ﷺ: «عشر من الفطرة»، (^١) وذكر منها: الختان في حق الذكور والإناث، لكنه في حق الذكور واجب.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦١).","vol":"6","page":570},{"text":"[١٥١] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ؛ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ، طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ، لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ».\nوَحَدَّثَنَاهُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ.\nقوله: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ»: المراد بالشك: طلب الترقي من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين، حيث قال الله- عن إبراهيم ﵇-: ﴿أَوَ لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾، فسمى ما بين مرتبة علم اليقين وعين اليقين شكًّا، فإن مراتب اليقين ثلاثة:\nالمرتبة الأولى: مرتبة علم اليقين، وتحصل بالأخبار المتواترة.\nالمرتبة الثانية: مرتبة عين اليقين، وتحصل بالرؤية والمشاهدة.\nالمرتبة الثالثة: مرتبة حق اليقين، وتحصل بالمباشرة.\nويمثل العلماء لذلك بالوادي إذا جرى، فإذا أخبره الثقات بأنه جرى فقد حصل له علم اليقين، ثم إذا رأى وشاهد الوادي يجري فقد حصل له عين اليقين، فإذا باشر الوادي وشرب منه فقد حصل له حق اليقين، وكذلك حقائق الآخرة والجنة، فالمسلم عنده علم اليقين من أخبار الله وأخبار رسوله، فإذا رأى الجنة وشاهدها حصل له عين اليقين، فإذا دخل الجنة وباشر نعيمها حصل له حق اليقين.","vol":"6","page":571},{"text":"وقوله: «وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ»: فيه: الثناء على يوسف ﵇ بالصبر؛ حيث إنه لما جاءه رسول الملك لم يخرج، وقال للرسول: ﴿ارجع إلى ربك فسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾؛ حتى يُظهر براءته.\nوقوله: «وَحَدَّثَنَاهُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ»: هذا شك، لكنه شك في المتابعات، لا في الأصول فلا يضر.\nوهذا الحديث فيه: أن الملائكة يمكن أن يراهم الناس وأنهم يتشكلون بصور مختلفة، فالملائكة جاؤوا في صورة رجال من بني آدم، جاؤوا لإبراهيم وللوط ﵈ ورآهم الناس، كما أن الجني يمكن أن يتشكل، وأن يتصور في صورة رجل، أو امرأة، أو قط، أو حية، ويُرى- أيضًا- وقد أعطاهم الله القدرة على التشكل، لكن الأصل أن الناس لا يرون الجنَّ، وهذا هو الأغلب؛ لقوله تعالى: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾.","vol":"6","page":572},{"text":"وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَغْفِرُ اللَّهُ لِلُوطٍ، إِنَّهُ أَوَى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ».\n\n[٢٣٧١] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ ﵇ قَطُّ، إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ: ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ: قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وَوَاحِدَةٌ فِي شَأْنِ سَارَةَ: فَإِنَّهُ قَدِمَ أَرْضَ جَبَّارٍ، وَمَعَهُ سَارَةُ، وَكَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهَا: إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَتِي، يَغْلِبْنِي عَلَيْكِ، فَإِنْ سَأَلَكِ، فَأَخْبِرِيهِ: أَنَّكِ أُخْتِي؛ فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الْإِسْلَامِ؛ فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ مُسْلِمًا غَيْرِي وَغَيْرَكِ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرْضَهُ، رَآهَا بَعْضُ أَهْلِ الْجَبَّارِ، أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ، لَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَكُونَ إِلَّا لَكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَأُتِيَ بِهَا، فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَقُبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً، فَقَالَ لَهَا: ادْعِي اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، وَلَا أَضُرُّكِ، فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَةِ الْأُولَى، فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، فَلَكِ اللَّهَ أَنْ لَا أَضُرَّكِ، فَفَعَلَتْ، وَأُطْلِقَتْ يَدُهُ، وَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي\nبِشَيْطَانٍ، وَلَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ، فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ، قَالَ: فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي، فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ انْصَرَفَ، فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ؟ قَالَتْ: خَيْرًا، كَفَّ اللَّهُ يَدَ الْفَاجِرِ، وَأَخْدَمَ خَادِمًا»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ.\n[خ: ٣٣٥٨]","vol":"6","page":573},{"text":"قوله: «فِي ذَاتِ اللَّهِ»: فيه: أن لله ذاتًا لا تشبه الذوات، ومن ذلك: قول خبيب- لما أسره المشركون- (^١):\nوَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ\nوقوله: «ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ»: والثالثة- أيضًا- في ذات الله، لكنه في الثالثة لم يقل: في ذات الله؛ لأن له حظًّا فيها يتعلق بزوجته، والكذبات الثلاث هي:\nالكذبة الأولى: قوله: «﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾» لما طلبوا منه أن يذهب معهم إلى عيدهم قال: ﴿إني سقيم﴾ قيل: إن المعنى تأول إلى أنه سيصيبه السقم، وأن كل إنسان معرَّض للسقم، وأنه لما نظر في النجوم قال: إني سقيم، يريهم من باب الإيهام.\nالكذبة الثانية: أنه كسر الأصنام وقد وضع الفأس على الصنم الكبير لما ذهبوا إلى عيدهم، بعد أن حطم أصنامهم، فجاؤوا وقالوا: من فعل هذا بآلهتنا؟ فقال: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾، وفي قراءة الكسائي الوقف على قوله: ﴿بل فعله﴾ والتقدير: بل فعله فاعل، ثم قال: ﴿كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون﴾، أي: كبير الأصنام هو هذا.\nوعلى كل حال فقد سماها النبي ﷺ كذبات، وهي مباحة وجائزة له؛ لأنه يجادل بها عن دين الله ﷿، وهي من باب التهكم على عُبَّاد الأوثان؛ لعلهم يرجعون إلى رشدهم.\nالكذبة الثالثة: في قصة زوجته سارة وهي ابنة عمه وكانت من أجمل النساء، فلما مروا بأرض جبار مصر في ذلك الزمان، ورآها بعض أتباع الجبار قالوا: إن هنا امرأة دخلت أرضك من أجمل النساء ما ينبغي أن تكون\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٤٥).","vol":"6","page":574},{"text":"إلا لك، فخشي من ذلك إبراهيم ﵊، وقال لزوجته: «يَا سَارَةُ: لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، فَلا تُكَذِّبِينِي» (^١).\nوهذا الحديث فيه: أن إبراهيم ﵊ لم يكذب إلا ثلاث كذبات، وهي في الحقيقة ليست كذبات صريحة، لكنها تورية ومجادلة عن دين الله.\nوفيه: دليل على أنه في ذلك الوقت لم يكن هناك مسلم إلا إبراهيم وزوجته.\nواستشكل بعضهم بأن لوطًا- وهو ابن أخيه- كان مسلمًا.\nوأجيب بأن المراد بالأرض: أرض مصر في ذلك الزمان.\nوفيه: دليل على أن الوضوء كان مشروعًا عند الأنبياء السابقين، وفي الحديث: «فَذَلِكَ وُضُوئِي، وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي» (^٢).\nوفيه: أن هذا الجبار لما طلب سارة حفظها الله منه، ولم يسلطه عليها، ففيه حفظ الله لأوليائه، وهذا تفسير لقول الله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا﴾، فقد جعل الله لها مخرجًا، وكفاها الله كيد الفاجر ثلاث مرات، فكان في كل مرة إذا مد يده قُبضت، وفي لفظ: «ادْعِي اللَّهَ لِي وَلا أَضُرُّكِ» (^٣)، وفي لفظ: «فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ، قَالَ الأَعْرَجُ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ يُقَالُ هِيَ قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ» (^٤) فعل هذا ثلاث مرات، وفى المرة الثالثة قال: «إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ، وَلَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ، فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ، قَالَ: فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي، فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ انْصَرَفَ، فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ؟ قَالَتْ: خَيْرًا، كَفَّ اللَّهُ يَدَ الْفَاجِرِ، وَأَخْدَمَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٥٨).\n(^٢) أخرجه أحمد (٥٧٣٥)، والدارقطني (٢٦٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٣٥٨)، ومسلم (٢٠٠٩).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٢١٧).","vol":"6","page":575},{"text":"خَادِمًا»، وهاجر هي أم إسماعيل، قال أبو هريرة: «فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ»، يعني: أمكم أيها العرب وهي أم إسماعيل، وسموا بني ماء السماء لخلوص نسب العرب وصفائه، أو لأن العرب يتتبعون مواقع القطر؛ فلهذا نُسبوا إلى السماء.","vol":"6","page":576},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1123>بَاب مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى ﵇</span>\n\n[٣٣٩] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى ﵇، يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا، إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ، قَالَ: فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ، قَالَ: فَجَمَحَ مُوسَى بِأَثَرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْأَةِ مُوسَى، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، فَقَامَ الْحَجَرُ بَعْدُ، حَتَّى نُظِرَ إِلَيْهِ، قَالَ: فَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ بِالْحَجَرِ نَدَبٌ سِتَّةٌ، أَوْ سَبْعَةٌ، ضَرْبُ مُوسَى ﵇ بِالْحَجَرِ.\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ مُوسَى ﵇ رَجُلًا حَيِيًّا قَالَ: فَكَانَ لَا يُرَى مُتَجَرِّدًا قَالَ: فَقَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ: إِنَّهُ آدَرُ، قَالَ: فَاغْتَسَلَ عِنْدَ مُوَيْهٍ، فَوَضَعَ ثَوْبهُ عَلَى حَجَرٍ، فَانْطَلَقَ الْحَجَرُ يَسْعَى، وَاتَّبَعَهُ بِعَصَاهُ يَضْرِبُهُ، ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَنَزَلَت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾.\nقوله: «عِنْدَ مُوَيْهٍ» تصغير ماء.\nوهذا الحديث فيه: بيان أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون وهم عراة، وكانت العرب- أيضًا- يتساهلون في التحفظ من إظهار العورات في","vol":"6","page":577},{"text":"الجاهلية قبيل مبعث النبي ﷺ، وكان موسى ﵇ يستحي من قومه وهم عراة، فكان يغتسل وحده، فاتهموه بأنه يستتر عنهم من عيب به في جسده، وهو أنه آدر، والآدر هو منتفخ الخصيتين، فأراد الله تعالى أن يبرئ موسى من هذه التهمة، فلما أراد أن يغتسل ووضع موسى ثوبه على الحجر فرَّ الحجر بثوبه.\nوفيه: بيان لقدرة الله العظيمة حيث وضع في الجماد القدرة على الفرار، وهذا لايكون إلا في ذوات الأرواح، والله على كل شيء قدير، وتبع موسى الحجر، وقال: ثوبي حجر، يعني: هاتِ ثوبي يا حجر، فعامله معاملة العاقل لما رآه فرَّ بثوبه! وتوقف الحجر أمام الملأ من بني إسرائيل فرأوا موسى في أحسن ما يكون من الخلقة الحسنة، قالوا: سبحان الله! موسى من أحسن الناس خلقًا ما فيه عيب!\nفأخذ موسى ثوبه، ومن شدة حنقه على الحجر أخذ العصا، وجعل يضرب الحجر بعصاه، حتى أثَّر الضرب في الحجر على شكل ندب، يعني: فتحات ستة أو سبعة، ومعلوم أن العصا لا تؤثر في الحجر لكنه أثَّر فيه، ولعل هذا يكون شفاء لغيظ موسى ﵇ أنه أثر فيه وأوجعه، وأنزل الله في ذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهًا﴾.\nوفيه: دليل على جواز الاغتسال عريانًا إذا لم يكن عنده أحد، وأنه لا كراهة في ذلك؛ خلافًا للنووي الذي يقول: «وأما كشف الرجل عورته في حال الخلوة بحيث لا يراه آدمي فإن كان لحاجة جاز، وإن كان لغير حاجة ففيه خلاف العلماء في كراهته وتحريمه، والأصح عندنا أنه حرام» (^١)، وهذا لا وجه له؛ لأن الإنسان إذا كان يغتسل عريانًا وحده في الحمام وأغلق على\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٤/ ٣٢).","vol":"6","page":578},{"text":"نفسه، أو كان يغتسل في بِركة أو في نهر وليس حوله أحد فلا بأس بذلك، كما اغتسل أيوب عريانًا؛ إذ لم يكن عنده أحد (^١).\n\n[٢٣٧٢] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد قَالَ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵇، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَفَقَأَ عَيْنَهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ، قَالَ: فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ، فَقُلْ لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ، قَالَ، أي: رَبِّ، ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ، قَالَ: فَالْآنَ، فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ، لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، تَحْتَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ».\n[خ: ١٣٣٩]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵇، فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ قَالَ: فَلَطَمَ مُوسَى ﵇ عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ، فَفَقَأَهَا، قَالَ: فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَكَ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ، وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي، قَالَ: فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى عَبْدِي، فَقُلِ: الْحَيَاةَ تُرِيدُ؟ فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ، فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَمَا تَوَارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرَةٍ، فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً، قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ، قَالَ: فَالْآنَ مِنْ قَرِيبٍ، رَبِّ أَمِتْنِي مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ»، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٩١).","vol":"6","page":579},{"text":"قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ.\nقوله: «فَفَقَأَ عَيْنَهُ» وهذا على ظاهره، خلافًا لمن تأوله، فقال: إن المراد أنه غلبه بالحجة! وهذا لا وجه له، وجاء في الحديث: «مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمْرَضُ إِلَّا خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» (^١).\nقوله: «فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ»: المتن: الظهر، يعني: على ظهر ثور.\nوقوله: «فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ»: فيه: الرغبة بالدفن في الأرض المقدسة، وفي المقبرة التي فيها صالحون؛ لمشاركتهم في تنزُّلِ الرحمات.\nوهذا الحديث فيه: أن ملك الموت جاء في صورة رجل إلى موسى ﵇، وقال: إنه أراد أن يقبض روحه، فصكه موسى ﵇ ففقأ عينه، ويحتمل أنه لم يعلم أنه ملك الموت؛ لأنه جاء في صورة رجل.\nوفيه: أن الله تعالى لم يؤاخذ موسى ﵇ لمكانته عند الله؛ لأن الأولياء يُغتفر لهم ما لا يغتفر لغيرهم، والله يسامحهم لما لهم من المكانة عند الله ﷿، فموسى ﵇ وجيه عند الله ﷿، كما قال: ﴿وكان عند الله وجيهًا﴾ والرسل عليهم الصلاة والسلام خلاصة الأولياء، وأفضل الرسل أولو العزم، وموسى ﵇ منهم؛ لذلك لم يؤاخذه الله بفعله هذا، بل غفر له.\nوفيه: دليل على أن ملك الموت يتصور في صورة إنسان.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥٨٦).","vol":"6","page":580},{"text":"[٢٣٧٣] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَةً لَهُ أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا كَرِهَهُ- أَوْ لَمْ يَرْضَهُ، شَكَّ عَبْدُ الْعَزِيزِ- قَالَ: لَا، وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى الْبَشَرِ، قَالَ: فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَلَطَمَ وَجْهَهُ، قَال: تَقُولُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى الْبَشَرِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا! قَالَ: فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا، وَقَالَ: فُلَانٌ لَطَمَ وَجْهِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ» قَالَ: قَالَ- يَا رَسُولَ اللَّهِ-: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى الْبَشَرِ، وَأَنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا! قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: «لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ- أَوْ فِي أَوَّلِ مَنْ بُعِثَ- فَإِذَا مُوسَى ﵇، آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي، أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ، أَوْ بُعِثَ قَبْلِي، وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇».\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ سَوَاءً.\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ: رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ، وَرَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى الْعَالَمِينَ، قَالَ: فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ","vol":"6","page":581},{"text":"ﷺ: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى؛ فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَمْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَى اللَّهُ؟».\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَرَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.\n\n[٢٣٧٤] وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ يَهُودِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فَلَا أَدْرِي، أَكَانَ مِمَّنْ صَعِقَ، فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوِ اكْتَفَى بِصَعْقَةِ الطُّورِ».\n[خ: ٢٤١٢]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَنِي أَبِي.\nقوله: «فُلَانٌ لَطَمَ وَجْهِي»: فيه: أن النبي ﷺ لم يقتصَّ لليهودي من المسلم الذي لطمه؛ لأن لطمة المسلم كانت غيرة لله ولرسوله ﷺ.\nوقوله: «وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇»: وهذا قاله النبي ﷺ قبل أن يعلم أنه أفضل من يونس بن متى، وقيل: إنه قال ذلك لئلَّا يتوهم بعض الجاهلين نقصًا في يونس وحطًّا من مرتبته بسبب قصته لما غاضب قومه وركب السفينة فالتقمه الحوت، فقد يظن بعض الناس أن فيه حطًّا من مرتبته.","vol":"6","page":582},{"text":"وفي الحديث الآخر: «مَنْ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ» (^١).\nهذا الحديث فيه: النهي عن التفضيل على وجه العصبية والحمية، مما يؤدي إلى تنقص المفضول؛ ولهذا غضب النبي ﷺ، وقال: «لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ»، أو أن النبي ﷺ قال ذلك من باب التواضع، وإنما يكون التفضيل بالنصوص، كما قال الله تعالى: ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض﴾، وقال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾.\nوأما قوله- في الحديث-: «فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَمْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَى اللَّهُ؟»: فقد نبه بعض المحققين على أن في آخر الحديث وهمًا من بعض الرواة؛ حيث إن فيه استثناءً من صعقة البعث، وليس هناك استثناء من صعقة البعث، ولأن نبينا ﷺ كما جاء في الحديث الآخر قال: «وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٢).\nوإنما الاستثناء في الصعقة التي تصيب الناس في موقف القيامة إذا تجلى الله للخلائق، كما في الحديث الآخر: «لا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، أَمْ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ الأُولَى» (^٣).\nفالصعقات ثلاث:\nالصعقة الأولى: صعقة الموت، يموت الناس كلهم إلا من استُثني، قال الله تعالى: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماء والأرض إلا ما شاء الله﴾ مثل الأرواح، ومثل الحور العين في الجنان، هذا مستثنى، استثناه الله.\nالصعقة الثانية: صعقة البعث: ﴿ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون﴾،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٦٠٤).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٠٩٨٧)، والترمذي (٣٦١٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٤١٢)، ومسلم (٢٣٧٤).","vol":"6","page":583},{"text":"وهذه لا استثناء فيها، وأول من تنشقق عنه الأرض هو نبينا ﷺ.\nوهناك صعقة ثالثة: في موقف القيامة إذا وقف الناس بين يدي الله يوم الحساب، وتجلى الله لفصل القضاء صعق الناس، فيكون نبينا ﷺ أول من يفيق فيجد موسى مُمسكًا بقائمة العرش، هذه هي التي فيها الاستثناء، لكنها في الموقف يوم القيامة.\nفوهم بعض الرواة وظن أن الاستثناء المذكور في الموقف هو في صعقة البعث، ولكن الصواب أن صعقة البعث ليس فيها استثناء، وهذا هو الذي عليه المحققون من أهل العلم، وهذا الوهم في هذا الحرف لا يؤثر؛ لأن الحديث صحيح، ولكن حصل وهم في حرف، مثل ما حصل في الحديث الآخر: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (^١)، فهو قد انقلب على بعض الرواة، فقال: «حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ». (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠٣١).","vol":"6","page":584},{"text":"[٢٣٧٥] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَتَيْتُ»، وَفِي رِوَايَةِ هَدَّابٍ: «مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ».\nوَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى- يعني: ابْنَ يُونُسَ-.ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ».\nوَزَادَ فِي حَدِيثِ عِيسَى: مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي.\nقوله: «وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ»: هذه صلاة تلذذ، كما يتلذذ أهل الجنة بالتسبيح، فهم يُلهَمون التسبيح كما يُلهَمون النَفَس، كذلك موسى يصلي، أي: صلاة تنعم وتلذذ في قبره، وإلا فالتكليف قد انقطع بوفاته.\nهذا الحديث فيه: أنه لما توفي موسى ﵇ أخذت الروح شكل الجسد، ومر النبي بموسى ليلة أسري به وهو قائم يصلي في القبر، ولما عرج به لقيه في السماء السادسة، والروح لها شأن عظيم؛ لأن الروح خفيفة تصعد بسرعة، وتأخذ شكل الجسد، فرآه على صورته، فالنبي رأى أرواح الأنبياء، وقد أخذت شكل الأجساد إلا عيسى؛ لأنه رفع بروحه وجسده؛ فهو لم يمت.","vol":"6","page":585},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1124>بَابٌ فِي ذِكْرِ يُونُسَ ﵇، وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى</span>\n\n[٢٣٧٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ- يعني: اللَّهَ ﵎-: «لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ لِي»، وقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: «لِعَبْدِي أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇».\nقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ.\n[خ: ٣٤١٦]\n\n[٢٣٧٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ ﷺ- يعني: ابْنَ عَبَّاسٍ- عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى»، وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ.\n[خ: ٣٣٩٥]","vol":"6","page":586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1125>بَاب مِنْ فَضَائِلِ يُوسُفَ ﵇</span>\n\n[٢٣٧٨] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: «أَتْقَاهُمْ» قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: «فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ، ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ» قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: «فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، إِذَا فَقُهُوا».\n[خ: ٣٣٥٣]\nقوله: «فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟»: المعادن هي أصول العرب، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا صاروا فقهاء عالمين بالإحكام الشرعية؛ لأنهم في الجاهلية كانوا ذوي أخلاق حميدة من الكرم والشجاعة، ومنعِ الظلم، وإكرام الضيف، وهي أخلاق حميدة، فإذا فقهوا وأسلموا فالإسلام يزيدها كمالًا وجمالًا، فإذا كانوا خيارًا في الجاهلية صاروا خيارا في الإسلام؛ لأن الإسلام يحث على هذه المكارم من الأخلاق.","vol":"6","page":587},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1126>بَابٌ فِي فَضَائِلِ زَكَرِيَّاءَ ﵇</span>\n\n[٢٣٧٩] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كَانَ زَكَرِيَّاءُ نَجَّارًا».\nقوله: «كَانَ زَكَرِيَّاءُ نَجَّارًا»: النجارة حرفة من الحرف، وفيه: دليل على أن الاحتراف والتكسب ليس فيه كراهة، ولا يعد عيبًا ولا نقصًا، فهذا نبي الله زكريا كان نجارًا، وجاء في الحديث الآخر: «أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ ﵇، كَانَ لا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» (^١) يصنع الدروع، وكان النبي ﷺ يرعى الغنم (^٢).\nوفيه: أنه ينبغي على الإنسان أن تكون له حرفة يكفُّ بها وجهه عن الناس، ولا يكون عالة على غيره، وقد سئل النبي ﷺ عن أفضل ما يعمله الإنسان قال: «بَيْعٌ مَبْرُورٌ، وَعَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ» (^٣).\nوالأعمال الحرفية لا يعيبها شيء إلا إذا كانت رديئة، مثل: عمل الحجَّام فهذه حرفة رديئة؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ» (^٤) وما عدا ذلك ليس في الاشتغال بالحرف عيبًا، فكون الإنسان يحترف النجارة أو الحدادة أو الجزارة أو الخياطة، أو من الحرف الجديدة كأن يكون بناءً أو مبلطًا أو دهَّانًا أو سبَّاكًا أو كهربائيًّا، أو يبيع ويشتري، هذا خير من أن يكون عاطلًا كما يفعل بعض الناس! والمقصود: أنه ينبغي للشباب وغير الشباب أن يلاحظوا هذا الشيء، ولا يركنوا إلى الوظائف الحكومية، فهؤلاء أصحاب همم رديئة، والإنسان يجب أن يكون صاحب همة عالية.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٧٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٦٢).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٥٨٣٦)، والبيهقي في الكبرى (١٠٣٩٧).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٥٦٨).","vol":"6","page":588},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1127>بَاب مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ ﵇</span>\n\n[٢٣٨٠] حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى ﵇ صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ ﵇، فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَامَ مُوسَى ﵇ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ، أي: النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ، قَالَ: فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ مُوسَى، أي: رَبِّ، كَيْفَ لِي بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ، فَانْطَلَقَ، وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ، وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَحَمَلَ مُوسَى ﵇ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، وَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ يَمْشِيَانِ، حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ، فَرَقَدَ مُوسَى ﵇، وَفَتَاهُ، فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ، حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْمِكْتَلِ، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ، قَالَ: وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُ جِرْيَةَ الْمَاءِ، حَتَّى كَانَ مِثْلَ الطَّاقِ، فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا، وَلَيْلَتِهِمَا، وَنَسِيَ صَاحِبُ مُوسَى أَنْ\nيُخْبِرَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ مُوسَى ﵇ قَالَ لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا، قَالَ: وَلَمْ يَنْصَبْ، حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا، قَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، قَالَ: يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا، حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ، فَرَأَى رَجُلًا مُسَجًّى عَلَيْهِ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ","vol":"6","page":589},{"text":"عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: أَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ! قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ، عَلَّمَكَهُ اللَّهُ، لَا أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ، عَلَّمَنِيهِ، لَا تَعْلَمُهُ، قَالَ لَهُ مُوسَى ﵇: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا؟ قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا؟ ! قَالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا، وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي، فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا، قَالَ: نَعَمْ، فَانْطَلَقَ الْخَضِرُ، وَمُوسَى يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمَاهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعَرَفُوا الْخَضِرَ، فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ، فَنَزَعَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ\nإِلَى سَفِينَتِهِمْ، فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا! قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ ! قَالَ: لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ، وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا، ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ، إِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ، فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا! قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ ! قَالَ: وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الْأُولَى، قَالَ: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي، قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، فَأَقَامَهُ- يَقُولُ: مَائِلٌ- قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَقَامَهُ، قَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا، وَلَمْ يُطْعِمُونَا، لَوْ شِئْتَ لَتَخِذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا! قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا»، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى لَوَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمَا» قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَانَتِ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا، قَالَ: وَجَاءَ عُصْفُورٌ حَتَّى وَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، ثُمَّ","vol":"6","page":590},{"text":"نَقَرَ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ،\nإِلَّا مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنَ الْبَحْرِ!».\nقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَكَانَ يَقْرَأُ: (وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا)، وَكَانَ يَقْرَأُ: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا).\n[خ: ١٢٢]\nقوله: «الْبِكَالِيَّ»: بكسر الموحدة وتخفيف الكاف على الراجح، وهو قول المحققين، وهو منسوب إلى بني بكال بطن من حمير، وقيل: من همدان (^١).\nوقوله: «بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ»: هي المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية الآن.\nوقوله: «فَهُوَ ثَمَّ» - بفتح المثلثة-: ظرف مكان بمعنى هناك.\nوقوله: «الْمِكْتَلِ»: ما يكال به.\nوقوله: «نَوْلٍ»، أي: أجرة.\nوهذه القصة- قصة موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام- قصها الله علينا في القرآن الكريم في سورة الكهف.\nوهذا الحديث فيه من الفوائد:\n١ - بيان وتوضيح لهذه القصة التي قصها الله في القرآن الكريم، والسنة تفسر القرآن وتوضحه، وتبين المشكل، وتوضح المجمل وتفصل، وتخصص العام، وتقيد المطلق، وأحيانًا تأتي بأحكام جديدة مستقلة، إذن فللسنة مع القرآن ثلاث أحوال:\nالحال الأولى: أن تأتي بأحكام مثل أحكام القرآن، كأحكام الصلاة والزكاة والصوم والحج، فقد جاءت في القرآن، وجاءت في السنة.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٧/ ٣٦٤)، شرح مسلم، للنووي (١٥/ ١٣٦)، فتح الباري، لابن حجر (٨/ ٤١٣).","vol":"6","page":591},{"text":"الحال الثانية: أن تأتي بأحكام فتفصل ما في القرآن من الإجمال، وتقيد ما فيه من المطلق، وتوضح المجمل، وتخصص العام.\nالحال الثالثة: أن تأتي بأحكام جديدة مستقلة، كتحريم كل ذي ناب من السباع، وتحريم كل ذي مخلب من الطير، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، فإن هذه الأحكام جاءت في السنة ولم تأتِ في القرآن، والسنة هي الوحي الثاني، كما قال النبي ﷺ: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» (^١).\nومن أنكر السنة فقد كفر؛ لأنه مكذب لله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.\nلكن جماعة يزعمون أنهم لا يعملون إلا بالقرآن ويسمون أنفسهم: (القرآنيين) يقولون: نحن نعمل بالقرآن لا غير، وهؤلاء كذبة؛ لأنهم لو كانوا يعملون بالقرآن لعملوا بالسنة- أيضًا-؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾.\nومما جاء في السنة مفصِّلًا وموضِّحًا ما في القرآن: قصة موسى مع الخضر، فقد قصها الله تعالى في القرآن الكريم.\n٢ - أن سعيد بن جبير سأل ابن عباس، وقال: إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى الذي حصلت له القصة مع الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل، وإنما هو موسى آخر، فقال ابن عباس: كذب عدو الله، وهذا من باب المبالغة في الزجر، ولا يراد به حقيقته، وليس مقصوده أنه عدو الله حقيقة، بل نوف البكالي تابعي جليل (^٢) لكنه غلط هنا، فظن أن موسى الذي\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧١٧٤)، وأبو داود (٤٦٠٤).\n(^٢) نَوْف- بفتح النون وسكون الواو بعدها فاء- البِكالي وهو- بكسر الموحدة مخففًا وبعد الألف لام- ويقال: إنه ابن امرأة كعب الأحبار، وقيل: ابن أخيه، وهو تابعي صدوق. فتح الباري، لابن حجر (٨/ ٤١٢).","vol":"6","page":592},{"text":"جرى له مع الخضر ما قصه القرآن ليس هو موسى بني إسرائيل، ومعنى: كذب، يعني: أخطأ، ويقال لمن أخطأ: كذب، سواء كان عمدًا، أو سهوًا، وهو أخطأ سهوًا؛ لأنه لم يتعمد هذا، والحديث صريح في أن موسى الذي حصلت له القصة مع الخضر هو موسى بن عمران نبي بني إسرائيل، وهو أحد أولي العزم.\nوملخص القصة: أن موسى ذهب يتعلم من الخضر واختلف في سبب تسميته بالخضر، والصواب ما جاء في الحديث النبوي: «إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرَ أنه جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فَإذا هى تهْتَزُّ من خلفه خَضْرَاءَ» (^١)، فسمي من أجل ذلك بالخضر.\n٣ - الحث على الرحلة في طلب العلم، فهذا موسى ﵊ نبي كريم من أولي العزم ارتحل وسافر وركب البحر؛ ليزداد علمًا، والله تعالى قال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، فلا يزال الإنسان يتعلم حتى يموت، والصحابة كذلك كانوا يرحلون، فقد رحل جابر بن عبد الله من المدينة إلى الشام في طلب حديث واحد، قال البخاري في صحيحه: «وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ» (^٢)، وهو حديث المظالم، وما زال الصحابة ومن بعدهم العلماء يرحلون في طلب العلم، كما قال الإمام أحمد: «مع المِحبرة إلى المَقْبرة» (^٣) وقد أخذ بذلك العلماء فرحلوا في طلب العلم، وما يزالون يرحلون في هذا الشأن، وفي رواية لهذا الحديث أنه قال: «جِئْتُ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا، قَالَ: أَمَا يَكْفِيكَ أَنَّ التَّوْرَاةَ بِيَدَيْكَ، وَأَنَّ الوَحْيَ يَأْتِيكَ يَا مُوسَى» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٠٢).\n(^٢) صحيح البخاري (١/ ٢٦).\n(^٣) مناقب الإمام أحمد، لابن الجوزي (ص ٣٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٧٢٦).","vol":"6","page":593},{"text":"٤ - أنه لا ينبغي للإنسان أن يسافر وحده؛ ولهذا سافر موسى مع فتاه، وهذا الفتى ليس غلامًا أو عبدًا له، كما يظنه بعضه الناس، بل هو صاحب له، وهو يوشع بن نون، وقد صار نبيًّا بعد وفاة موسى ﵇، وهو الذي سرى ببني إسرائيل، وفتح بيت المقدس، وهو الذي حُبست له الشمس، وقال- يخاطب الشمس-: «إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا» (^١) فحبست حتى تم له الفتح ليلة السبت ليوافق ما عندهم من الشريعة.\n٥ - أنه وضع الحوت في مكتل فأحيا الله الحوت، وهذا من آيات الله العظيمة، حوت مَمَلّح يأكلونه غداء أحياه الله واضطرب ودخل البحر، وقد عادت له الحياة بأمر الله، فأحياه الله فخرج من المكتل، ودخل البحر فأمسك الله جرية الماء عنه، فصار مثل الطاقة في الماء، وهذا من آيات الله العظيمة وهي من الدلائل على قدرة الله على إحياء الموتى ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.\n٦ - اختلف العلماء في الخضر هل هو نبي، أم هو عبد صالح؟ على قولين:\nالقول الأول- للجمهور-: وهو أنه عبد صالح.\nالقول الثاني: أنه نبي، وهو الصواب؛ والدليل على ذلك: أن هذه الأفعال التي فعلها لا يمكن أن يفعلها إلا بوحي من الله، فلا يمكن أن يخرق السفينة، ويقتل الغلام، فهذه أمور عظيمة لا يقدم عليها إلا بوحي، ويدل على ذلك قول الخضر لموسى: ﴿وما فعلته عن أمري﴾، يعني: ما فعلت هذه إلا بأمر من الله، وبوحي منه.\nولكن الجمهور يرون أنه ولي، وأنه عبد صالح، وأن الله كشف له وألهمه بأن يخرق السفينة، وأن يقتل الغلام، وهو بعيد، وخصوصًا قتل الغلام فأنه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١٢٤)، ومسلم (١٧٤٧).","vol":"6","page":594},{"text":"أمر ليس بالهين أن يأتي إلى غلام ويخلع رقبته ويلقيها هكذا! وقد مات وقُبض، وليس حيًّا الآن، كما يعتقد بعض الصوفية الذين يقولون: إنه موجود الآن، ويجتمع مع النبي، وهذا من خرافاتهم.\n٧ - أن الخضر اشترط على موسى ﵇ أن لا يسأله عن شيء حتى يخبره الخضر، وإن كان مخالفًا لظاهر الشرع، ثم قال له: إنك لن تستطيع معي صبرًا؛ لأنك سترى شيئًا يخالف ظاهر الشرع فلا تستطيع الصبر عليه.\nوالاستطاعة نوعان:\nالنوع الأول: استطاعة بمعنى: توفر الأسباب والآلات التي بها يستطيع الإنسان أن يفعل.\nالنوع الثاني: استطاعة بمعنى: التوفيق للفعل، وهي القدرة المقارنة للفعل، وهي المرادة هنا، أي: استطاعة التوفيق.\nفاشترط عليه الخضر ألا يسأله عن شيء حتى يحدث له منه ذكرًا، فوافق موسى على الشرط، فبينما هما يمشيان على الساحل؛ إذ مرت بهما سفينة فطلبوا من أصحابها أن يحملوهما فعرفوا الخضر فحملوهما بغير أجرة، فلما ركبا لم يتفاجأ موسى إلا والخضر قد أخذ قدومًا وجعل يضرب السفينة ضربًا حتى خرقها، فانزعج موسى لهذا الأمر، فقال له: هذا أمر عظيم ﴿أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئًا إمرًا﴾ عظيمًا، فهؤلاء أناس أحسنوا إلينا وحملونا من غير أجرة أنقابلهم بالإساءة؟ ! فذكَّره الخضر بالشرط الذي ضربه بينه وبينه، فقال: ﴿ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا﴾، وبهذا استدل العلماء على أنه: إذا اجتمعت مفسدتان لا يمكن درؤهما فإنه تُرتكب المفسدة الصغرى لدفع المفسدة الكبرى، وإذا اجتمعت مصلحتان لا يمكن فعلهما فإنه تُفعل المصلحة العظمى وتُترك المصلحة الصغرى، فالخضر يعلم أن هناك ملكًا ظالمًا يأخذ كل سفينة غصبًا، وهذه مفسدة، والسفينة لمساكين، ففيه: دليل على أن المسكين قد يملك شيئًا؛","vol":"6","page":595},{"text":"لأن المساكين يملكون سفينة، فالمسكين هو الذي لا يملك ما يكفيه لمدة سنة، وقد يملك بعض الشيء، فهؤلاء المساكين لهم سفينة، وهذا الملك الظالم يأخذ السفينة الصالحة والسفينة التي فيها عيب لا يأخذها، فأراد الخضر أن يجعل فيها عيبًا حتى تبقى للمساكين، فارتكب الخضر المفسدة الصغرى تلافيًا للمفسدة الكبرى، فهنا مفسدتان: إما أن لا يخرقها ويتركها صالحة ويترتب عليه أن الملك سيأخذ السفينة كاملة، أو أن يجعل فيها عيبًا، وتبقى للمساكين.\nثم جاءت المسألة الثانية- وهي أعظم وأشد- وذلك أن موسى والخضر نزلا من السفينة وصارا يمشيان على الساحل فمرا على صبيان يلعبون، ومعهم غلام فأخذ برأسه واقتلعها وألقاها كالكرة بين يديه، فانزعج موسى انزعاجًا عظيمًا، فقال: ﴿أقتلت نفسًا زكية بغير نفس لقد جئت شيئًا نُكرًا﴾، أي: أمرًا منكرًا عظيمًا، فشدد عليه الخضر، فقال له: ﴿ألم أقل لك﴾ فأكد هنا، وفي الأولى قال: ﴿ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا﴾ وهذه المرة قال: ﴿ألم أقل لك﴾ بزيادة لك، فكان الإنكار أشد.\nثم أخبره بعد ذلك أن الله أوحى إليه أن هذا الغلام طُبع يوم طبع كافرًا، وأنه لو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا، وأن الله أمره بذلك وأن الله سيبدل والديه من هو خير منه؛ ويمنعهما من شره؛ لأنه لو عاش لصار شرًا على والديه، وأرهقهما طغيانًا وكفرًا، فقال له موسى في المرة الثانية: ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني﴾، أي: إن عارضتك غير هذه المرة، أو أنكرت عليك غير هذه المرة فأنت معذور في ترك صحبتي.\nثم جاءت المرة الثالثة فنزلوا قرية- يذكر أنها أنطاكية أو غيرها- واستطعما أهلها فأبوا استضافتهم، وكانوا قومًا لئامًا فلم يضيفوهم، فوجدا فيها جدارًا آيلًا للسقوط، فقام الخضر يبنيه ويقيمه، فقال موسى: كيف تبني","vol":"6","page":596},{"text":"هذا الجدار لقوم لئام امتنعوا عن ضيافتنا، فخذ أجرة ما بنيته لهم! فقال له الخضر عند ذلك: ﴿هذا فراق بيني وبينك﴾، وأخبره أن هذا الجدار كان تحته كنز ليتيمين في المدينة، والله تعالى قدَّر أنهما سيعيشان، ويبلغان الحلم، ويأخذان هذا الكنز، فأراد أن يبنيه حتى يكون علامة، لأنه لو سقط لاندثر وضاع الكنز، ثم بين له الخضر أن علم الله واسع لا يحيط به أحد، وقال: «يَا مُوسَى: إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ لا تَعْلَمُهُ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لا أَعْلَمُهُ» (^١)، «مَا عِلْمُكَ وَعِلْمِي وَعِلْمُ الخَلائِقِ فِي عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِقْدَارُ مَا غَمَسَ هَذَا العُصْفُورُ مِنْقَارَهُ» (^٢) وقد جاء عصفور على حرف السفينة فغمس منقاره في البحر، والحرف: الطَّرَف، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ﴿، يعني: متطرفًا في دينه﴾ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ فالمتطرف في دينه الذي لم يتمكن الإيمان من قلبه إن أصابه خير اطمأن به، وبقي على إيمانه، وإن أصابته فتنة ارتد عن دينه- نعوذ بالله- عند ذلك عرف موسى ﵇ أن هذا العبد عنده علم ليس عنده.\nوقوله: «وَكَانَ يَقْرَأُ: وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا»: لعل المراد: عن ابن عباس، كما هو في سند الحديث.\nوهذه القراءة ليست قراءة سبعية، فتحمل على أنها قراءة تفسيرية، يعني: إن الله قدَّر أن هذا الغلام لو عاش لكان كافرًا، ففيه: دليل على أن الله يعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، وهذا كقوله تعالى- عن الكفرة-: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾، حينما طلبوا أن يُرَدُّوا إلى الدنيا، وقال- عن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك-: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾، فالله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٠١)، ومسلم (٢٣٨٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٧٢٧).","vol":"6","page":597},{"text":"سبحانه يعلم ما كان في الماضي، ويعلم ما يكون في الحاضر، ويعلم ما سيكون في المستقبل.\n٨ - أنه ينبغي للإنسان أن يكِل العلم إلى الله.\n٩ - أن النبي ﵇ قد يغلط، وقد يفعل خلاف الأولى، ولكن الله يسدده، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يُقَرُّون على الخطأ، بل يُنَبَّهون عليه.\n١٠ - دليل على أن الإنسان لا يزال يتعلم ولو بلغ من العلم ما بلغ.\n١١ - دليل على أن العلم مشاع وأنه قد يكون عند المفضول ما ليس عند الفاضل من العلم، فمن المعلوم أن موسى ﵇ أفضل من الخضر من غير شك؛ لأن موسى ﵊ من أولي العزم من الرسل، والخضر يُختلف فيه هل هو نبي، أو ولي، وعلى القول بأنه نبي فهو لا يصل إلى مرتبة موسى، ومع ذلك أخذ الفاضل العلم من المفضول؛ ولهذا قال العلماء: «لا يكون الرجل عالمًا حتى يكتب عمن هو فوقه، وعمن هو دونه، وعمن هو مثله» (^١).\n١٢ - دليل على أن الإنسان يتعلم ويُعلِّم في نفس الوقت، فهذا موسى ﵇ يعلم بني إسرائيل مما علمه الله، ومع ذلك تعلم من الخضر، ففي وقت يتعلم، وفي وقت آخر يعلِّم.\n١٣ - أن الله يحفظ مال اليتيم بسبب صلاح أبيه؛ لأن الله تعالى هيأ لهذين اليتيمين من يحفظ مالهما، أو يكون سببًا في حفظه، بسبب صلاح أبيهما.\n_________\n(^١) الجامع لأخلاق الراوي، للخطيب (٢/ ٢١٦).","vol":"6","page":598},{"text":"حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَقَبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى الَّذِي ذَهَبَ يَلْتَمِسُ الْعِلْمَ لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ: أَسَمِعْتَهُ يَا سَعِيدُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: كَذَبَ نَوْفٌ، حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّهُ بَيْنَمَا مُوسَى ﵇ فِي قَوْمِهِ يُذَكِّرُهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ- وَأَيَّامُ اللَّهِ: نَعْمَاؤُهُ وَبَلَاؤُهُ-؛ إِذْ قَالَ: مَا أَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ رَجُلًا خَيْرًا وَأَعْلَمَ مِنِّي! قَالَ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنِّي أَعْلَمُ بِالْخَيْرِ مِنْهُ، أَوْ عِنْدَ مَنْ هُوَ إِنَّ فِي الْأَرْضِ رَجُلًا هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ: يَا رَبِّ فَدُلَّنِي عَلَيْهِ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: تَزَوَّدْ حُوتًا مَالِحًا؛ فَإِنَّهُ حَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ، قَالَ: فَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَعُمِّيَ عَلَيْهِ فَانْطَلَقَ وَتَرَكَ فَتَاهُ، فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمَاءِ، فَجَعَلَ لَا يَلْتَئِمُ عَلَيْهِ، صَارَ مِثْلَ الْكُوَّةِ، قَالَ: فَقَالَ فَتَاهُ: أَلَا أَلْحَقُ نَبِيَّ اللَّهِ فَأُخْبِرَهُ، قَالَ: فَنُسِّيَ، فَلَمَّا تَجَاوَزَا، قَالَ لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا، قَالَ: وَلَمْ يُصِبْهُمْ نَصَبٌ حَتَّى تَجَاوَزَا، قَالَ: فَتَذَكَّرَ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي\nالْبَحْرِ عَجَبًا، قَالَ: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَأَرَاهُ مَكَانَ الْحُوتِ، قَالَ: هَاهُنَا وُصِفَ لِي، قَالَ: فَذَهَبَ يَلْتَمِسُ فَإِذَا هُوَ بِالْخَضِرِ، مُسَجًّى ثَوْبًا مُسْتَلْقِيًا عَلَى الْقَفَا- أَوَ قَالَ: عَلَى حَلَاوَةِ الْقَفَا- قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَكَشَفَ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ، قَالَ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ، مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: وَمَنْ مُوسَى؟ قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ: مَجِيءٌ، مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: جِئْتُ: ﴿تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا، شَيْءٌ أُمِرْتُ بِهِ أَنْ أَفْعَلَهُ إِذَا رَأَيْتَهُ لَمْ تَصْبِرْ! قَالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا، وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، قَالَ: فَإِنِ","vol":"6","page":599},{"text":"اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا، قَالَ: انْتَحَى عَلَيْهَا، قَالَ لَهُ مُوسَى ﵇: أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا! قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ ! قَالَ: لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ، وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غِلْمَانًا يَلْعَبُونَ، قَالَ: فَانْطَلَقَ إِلَى أَحَدِهِمْ بَادِيَ الرَّأْيِ فَقَتَلَهُ، فَذُعِرَ عِنْدَهَا مُوسَى ﵇ ذَعْرَةً مُنْكَرَةً: قَالَ: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- عِنْدَ هَذَا الْمَكَانِ-: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا،\nوَعَلَى مُوسَى، لَوْلَا أَنَّهُ عَجَّلَ لَرَأَى الْعَجَبَ، وَلَكِنَّهُ أَخَذَتْهُ مِنْ صَاحِبِهِ ذَمَامَةٌ، قَالَ: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي، قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا، وَلَوْ صَبَرَ لَرَأَى الْعَجَبَ»، قَالَ: وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى أَخِي كَذَا، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا، «فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ لِئَامًا، فَطَافَا فِي الْمَجَالِسِ فَاسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ، قَالَ: لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا، قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ، وَأَخَذَ بِثَوْبِهِ، قَالَ: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ ... إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَإِذَا جَاءَ الَّذِي يُسَخِّرُهَا وَجَدَهَا مُنْخَرِقَةً، فَتَجَاوَزَهَا، فَأَصْلَحُوهَا بِخَشَبَةٍ، وَأَمَّا الْغُلامُ فَطُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِرًا، وَكَانَ أَبَوَاهُ قَدْ عَطَفَا عَلَيْهِ، فَلَوْ أَنَّهُ أَدْرَكَ أَرْهَقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً، وَأَقْرَبَ رُحْمًا، وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ ... إِلَى آخِرِ الْآيَةِ».\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، نَحْوَ حَدِيثِهِ.","vol":"6","page":600},{"text":"قوله: «مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ»: فيه: دليل على أن شريعة موسى ليست عامة لأهل الأرض، وإنما هي خاصة ببني إسرائيل، وأما شريعة نبينا محمد ﷺ فهي عامة لجميع أهل الأرض، للثقلين الجن والإنس؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: ... وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً» (^١).\nوقوله: «ذَعْرَةً مُنْكَرَةً»، أي: أصابه ذعر ورعب شديد.\nوقوله: «وَلَكِنَّهُ أَخَذَتْهُ مِنْ صَاحِبِهِ ذَمَامَةٌ»، يعني: أخذه الاستحياء منه، من كثرة اعتراضه عليه، وقيل: ملامة.\nوقوله: «شَيْءٌ أُمِرْتُ بِهِ» يدل على أن الخضر نبي يوحى إليه، ويدل عليه- أيضًا- قوله- لموسى في آخر القصة-: ﴿وما فعلته عن أمري﴾، وهذا قول بعض العلماء، وذهب الأكثرون إلى أنه عبد صالح، وأن الله ألهمه وكشف له عن حال الغلام، واليتيمين والسفينة، ولكنه قول مرجوح، وإن كان قول الأكثرين.\nهذا الحديث فيه: أن الخضر له شريعة غير شريعة موسى ﵇، فهو خارج عن شريعته؛ لأن الخضر لم يؤمر باتباع موسى ﵇، وموسى لم يرسل إلى الخضر؛ ولهذا قال العلماء: إن من نواقض الإسلام الزعم بأنه يجوز الخروج عن شريعة محمد ﷺ، كما وسِع الخضر الخروج عن شريعة موسى، فهذا يكفر صاحبه لوجود فرق بين شريعة نبينا محمد ﵊، وشريعة موسى ﵇، فإن شريعة محمد ﷺ عامة للثقلين، يعني: لأهل الأرض كلهم إنسهم وجنهم، وشريعة موسى خاصة وليست عامة.\nفمن زعم أنه يجوز له الخروج عن شريعة محمد ﷺ كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇ فقد ارتدَّ عن دين الإسلام، يقول الشيخ محمد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١).","vol":"6","page":601},{"text":"ابن عبد الوهاب ﵀: «من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇- فهو كافر» (^١).\nوَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ: (لَتَّخِذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا).\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى ﵇، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْخَضِرُ، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا الطُّفَيْلِ، هَلُمَّ إِلَيْنَا، فَإِنِّي قَدْ تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَهَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: بَلْ عَبْدُنَا الْخَضِرُ، قَالَ: فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا افْتَقَدْتَ الْحُوتَ، فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَسَارَ مُوسَى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسِيرَ، ثُمَّ قَالَ لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا، فَقَالَ فَتَى مُوسَى- حِينَ سَأَلَهُ الْغَدَاءَ-: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، فَقَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، إِلَّا أَنَّ يُونُسَ قَالَ: فَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي\nالْبَحْرِ».\nقوله: «يَا أَبَا الطُّفَيْلِ» أبو الطفيل هي كنية أبي بن كعب ﵁، ويكنى\n_________\n(^١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ٣٦٢).","vol":"6","page":602},{"text":"كذلك بأبي المنذر، وفي الحديث قال النبي ﷺ: «وَاللهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ» (^١) لما سأله: أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾.\nوقوله: «تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي»، يعني: تجادلا وتحاورا واختلفا في صاحب موسى؛ هل هو موسى بني إسرائيل ﵇، أو غيره؟ فبين له أبي بن كعب ﵁ أنه موسى نبي بني إسرائيل ﵊.\nوقوله: «فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً»، يعني: علامةً إذا فقدها يجدون الخضر، وهو من الحديث المرفوع من كلام النبي ﷺ، وليس من كلام أُبي، ولا ابن عباس، وأن موسى هو موسى بني إسرائيل وليس غيره.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨١٠).","vol":"6","page":603},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1128>كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ</span>","vol":"7","page":3},{"text":"كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-1129>بَابُ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁</span>\n\n[٢٣٨١] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حَدَّثَهُ قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُءُوسِنَا، وَنَحْنُ فِي الْغَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟».\n[خ: ٣٦٥٣]\n\n[٢٣٨٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: «عَبْدٌ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ»، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَبَكَى، فَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الْمُخَيَّرُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ، لَا تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ».\n[خ: ٣٩٠٤]\nحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، وَبُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَطَبَ","vol":"7","page":5},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ يَوْمًا، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ.\n\n[٢٣٨٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي الْهُذَيْلِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي، وَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ ﷿ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي أَحَدًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ خَلِيلًا».\nحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيَّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ خَلِيلًا، وَلَكِنْ صَاحِبُكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ- وَاللَّفْظُ لَهُمَا- قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:","vol":"7","page":6},{"text":"«أَلَا إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ خِلٍّ مِنْ خِلِّهِ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، إِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ».\nفي هذه الأحاديث: بيان فضائل أبي بكر ﵁، والتي منها الصحبةُ الخاصة، حيث صحب النبي ﷺ في الغار، وصحبه في الهجرة من مكة إلى المدينة، وهذه منقبة عظيمة له ﵁ ليست لغيره، لم تكن لعمر ﵁ ولا لغيره، فقد قال تعالى: ﴿إذ يقول لصاحبه﴾، والصحابة كلهم صحابته ﷺ، لكنها صحبة خاصة، وقال تعالى: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾، وهذه معية خاصة تقتضي الحرص والنصر والكلاءة والتأييد، فالمعية معيتان:\nالمعية العامة: تكون لله تعالى مع الناس كلهم، المؤمن، والكافر، فهو تعالى معهم باطلاعه وإحاطته ونفوذ قدرته ومشيئته، يقول الله تعالى: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾، ويقول تعالى: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم﴾، ويقول تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو معهم﴾ هذه معية عامة، وتأتي في سياق المحاسبة، والمجازاة، والتخويف، وتكون للمؤمن والكافر، وتقتضي الاطلاع والإحاطة ونفوذ القدرة والمشيئة.\nوالمعية الخاصة: فهي خاصة بالمؤمن، وتأتي في سياق المدح والثناء، وتقتضي الكلاءة والتأييد، كما في هذه الآية: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ وقوله ﷺ: «مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا»، فهذه معية خاصة، وقوله ﷾ لموسى وهارون: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ فهذه معية خاصة أيضًا، فلما جاء معهم فرعون جاءت المعية العامة: ﴿إنا معكم مستمعون﴾، وكذلك في قوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾، وقوله تعالى: ﴿إن الله مع الصابرين﴾.","vol":"7","page":7},{"text":"وأفضل الصحابة: أبو بكر الصديق ﵁، بإجماع أهل السنة والجماعة؛ فإن عيسى ابن مريم ﵇ حين ينزل في آخر الزمان يكون من هذه الأمة، فيكون أبو بكر ﵁ هو أفضل هذه الأمة بعد نبيها عيسى ﵇؛ لأن عيسى ﵇ نبي ومن هذه الأمة، ثم يليه أبو بكر الصديق ﵁، ثم يلي أبا بكر في الفضيلة: عمر، ثم يليه عثمان، ثم يليه علي، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة ﵃ جميعًا، هذا هو الصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة، فترتيبهم في الفضيلة كترتيبهم في الخلافة، قال ابن أبي العز ﵀: «وقد روي عن أبي حنيفة تقديم علي على عثمان، ولكن ظاهر مذهبه تقديم عثمان، وعلى هذا عامة أهل السنة» (^١).\nأما من قدم عليًّا ﵁ في الخلافة على عثمان ﵁ فهو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة الواسطية: «الخليفة بعد رسول الله ﷺ: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ﵃. ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة؛ فهو أضل من حمار أهله» (^٢)؛ ولهذا قال العلماء: «من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار» (^٣)، يعني: احتقر رأيهم؛ لأنهم أجمعوا على تقديم عثمان ﵁ على عليٍّ ﵁ في الخلافة.\nوذهبت الرافضة إلى أن أفضل الصحابة: علي بن أبي طالب ﵁، وذهب بعضهم إلى أن أفضل الناس: ابن عباس ﵄، وبعضهم قال: أفضلهم: جعفر ﵁، وهذه كلها أقوال باطلة.\nوالصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن أفضل الناس أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم البقية العشرة المبشرين بالجنة ﵃ جميعًا، ثم السابقون الأولون من المهاجرين، وقد اختلف فيهم فقيل: هم من صلى\n_________\n(^١) شرح الطحاوية، لابن أبي العز (٢/ ٧٢٧).\n(^٢) العقيدة الواسطية، لابن تيمية (ص ١١٨).\n(^٣) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٤/ ٤٢٦).","vol":"7","page":8},{"text":"إلى القبلتين، وقيل: من أسلم قبل الحديبية وقاتل، وهذا هو الصواب؛ لأن الله تعالى جعل التفضيل بالسبق والجهاد قبل الحديبية، فمن أسلم قبل الحديبية فهو من السابقين الأولين، ومن أسلم بعدها فليس من السابقين الأولين، قال الله تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا﴾ والمراد بالفتح: الحديبية، وسماه الله فتحًا لِما يعقبه من النصر، ودخول الناس في الإسلام، ثم قال: ﴿وكلًّا وعد الله الحسنى﴾، فكلٌّ موعود بالجنة، السابقون وغير السابقين، لكنهم لا يستوون في الفضيلة.\nوأما من قال: إنه من صلى إلى القبلتين، فهذا ليس عليه دليل؛ لأن الصلاة إلى القبلة المنسوخة ليس فيها دليل خاص، ولأنه بعد القبلة الأولى أسلم جمع غفير، ولو كان من صلى إلى القبلتين فالقبلة الأولى قد نسخت بعد ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا فيكون العدد قليلًا من السابقين الأولين، لكن قبل صلح الحديبية كان العدد كبيرًا.\nثم يلي السابقين المهاجرين في الأفضلية من أسلم بعد الحديبية، وقبل فتح مكة ومنهم خالد بن الوليد ﵁، ثم بعد ذلك من أسلموا في الفتح، ويسمون: الطلقاء، ومنهم: أبو سفيان بن حرب ﵁ قائد الجيوش، وابناه يزيد ومعاوية ﵄ كلهم أسلموا بعد الفتح، ولذلك لما سار عمر ﵁ بالجيش حين وقع الطاعون في الشام، استشار السابقين الأولين، ثم استشار الأنصار، ثم استشار مسلمة قريش، ومسلمة الفتح.\nوفيها: أن من مناقب أبي بكر ﵁ ما ميزه الله تعالى به من العلم لما خطب النبي ﷺ في الناس، وقال: «عَبْدٌ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَبَكَى، فَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا»، فتعجب بعض الناس، وقالوا: ما بال هذا الشيخ يبكي؟ ! وأبو بكر ﵁ قد فهم أن النبي ﷺ هو العبد المخير، وفهم قرب أجله؛ فلهذا بكى، وقال:","vol":"7","page":9},{"text":"«فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا»، فكان أبو بكر ﵁ أعلمَهم.\nوفيها: أن الصحابة الذين كانت بيوتهم ملاصقة لمسجد النبي ﷺ كانت لهم أبواب صغيرة يفتحونها على المسجد بحيث يخرجون من البيت للمسجد مباشرة، فقال النبي ﷺ في آخر حياته: «سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا المَسْجِدِ، غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ».\nقال بعضهم: إن هذا نص على أنه هو الخليفة بعده، وكذلك نصَّ ﷺ على خلافته في قصة المرأة التي جاءت في حاجة لها، وقالت: إن لم أجدك- تعني: الموت- قال: «فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ»، قالوا: هذا يدل على أنه هو الخليفة، وهذا ليس بنص، لأنه قد يُوَكل في قضاء الحوائج من لا يصلح للخلافة، وقد يولى- أيضًا- في الصلاة من لا يصلح للخلافة، وكذلك الحديث في مرضه حين قال: «ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ، أَبَاكِ، وَأَخَاكِ، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى، وَيَأْبَى اللهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ»، قالوا: هذا نص، والصحيح أن هذا ليس بنص، وإنما هو إخبار عن المستقبل.\nوالصواب: أن خلافة الصديق ﵁ ثبتت بالاختيار والانتخاب من قبل أهل الحل والعقد، ويدل على ذلك الاختلاف الذي حصل بين الأنصار، لما أسرعوا إلى سقيفة بني ساعدة، وأرادوا أن يولوا واحدًا من الأنصار فلو كان هناك نص لَمَا حصل النزاع، ولَمَّا جاء أبو بكر وعمر ﵄ لم يذكروا نصًّا، وإنما ذكروا أن الخلافة لا تكون إلا في قريش.\nوكذلك عمر ﵁ لما طُعن قيل له: استخلف، فقال: «إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو بَكْرٍ، وَإِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» (^١)، وقال هذا بمحضر من الصحابة ﵃ ولم ينكروا عليه، فكان إجماعًا، ولو كان هناك نص لقالوا لعمر ﵁: لا، الرسول ﷺ نص\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢١٨)، ومسلم (١٨٢٣).","vol":"7","page":10},{"text":"على أن الخليفة أبو بكر ﵁، كيف تقول: لم يستخلف؟ !\nوفيها: أن من مناقبه ﵁ قول النبي ﷺ: «وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ»، الخلة: هي نهاية المحبة وكمالها، والخليل هو: المحبوب الذي بلغ الغاية في المحبة حتى تخللت محبته شغاف القلب، ووصلت إلى سويدائه، والخليل لا يتسع قلبه لأكثر من واحد من البشر من المخلوقين، وأما المحب فيتسع قلبه للآلاف؛ ولهذا فإن النبي ﷺ اتسع قلبه لمحبة كثيرين، فأبو بكر ﵁ كان من أحب الناس إليه، وعائشة ﵂ كانت من أحب الناس إليه، وزيد بن حارثة ﵁ كان حِبَّ رسول الله، وأسامة ﵁ ابن حِبِّ رسول الله ﷺ.\nوفيها: أن نبينا ﷺ شارك إبراهيم ﵇ في الخلة، فإبراهيم ﵇ خليل الله، ومحمد ﷺ خليل الله.\nوفيها: إثبات الخلة لله ﷿، وهي صفة من صفاته ﷾، خلافًا للجهمية الذين أنكروا الخلة، وقالوا: إن معناها الفقر والحاجة، وهذا من جهلهم وضلالهم، ففسروا الخلة بالفقر والحاجة، وقالوا: إبراهيم خليل الله، أي: هو الفقير المحتاج إلى الله، وهذا من جهلهم وضلالهم؛ لأن تفسير الخلة بالفقر والحاجة يشاركه فيها حتى الكفرة، فالفقير محتاج إلى الله، فعلى قولهم يكون الكفارُ أخلاءَ لله! .\nوأول من أنكر الخلة: الجعد بن درهم، وهو أول من حُفِظ عنه في الإسلام إنكار الصفات، فأنكر أن يتخذ الله إبراهيم خليلًا، وأنكر أن يكلم اللهُ موسى تكليمًا، فقتله خالد بن عبد الله القسري أمير العراق والمشرق بواسط، بفتوى من علماء زمانه وأكثرُهم من التابعين؛ فصلى بالناس العيد وجاء بالجعد مقيدًا موثوقًا، وجعله تحت عقب المنبر فصلى بالناس، ثم خطب، وقال في آخر الخطبة: «ضحوا، تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم؛ فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا»، ثم نزل وأخذ السكين وذبحه ذبح الشاة والناس ينظرون،","vol":"7","page":11},{"text":"فأثنى عليه العلماء وشكروه (^١).\nوفي ذلك يقول ابن القيم ﵀ في الكافية الشافية:\nوَلِأَجْلِ ذَا ضَحَّى بِجَعْدٍ خَالِد الـ ... ـقُسريُّ يَوْمَ ذَبَائِحِ القُرْبَانِ\nإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لَيْسَ خَلِيلَهُ ... كَلَّا وَلَا مُوسَى الكَلِيمُ الدَّانِي\nشَكَرَ الضَّحِيَّةَ كُلُّ صَاحِبِ سُنَّةٍ ... للهِ دَرُّكَ مِنْ أَخِي قُرْبَانِ (^٢)\nولا شك أن هذه الأضحية تفوق سائر الأضاحي في الأجر والثواب؛ لأن فيها قطعًا لدابر الشر والفساد، لكن هذا الرجل لم يمت حتى اتصل به شخص آخر يقال له: الجهم بن صفوان، وأخذ منه هذه العقيدة الخبيثة، ثم نشر هذا المذهب الخبيث، وانتشر ونُسب إلى الجهم بن صفوان، فقيل: مذهب الجهمية، والأصل أن يقال: مذهب الجعدية؛ لأنه مؤسس هذه العقيدة الفاسدة.\nمسألة: هل ينبغي للمسلم أن يحب الله ﷾ محبة الخلة؟\nوالجواب: يجب على كل مؤمن أن يحب الله تعالى، وأن يحب رسوله صلى الله عليه، وليس بمؤمن من لم يحبهما، أما محبة الخلة فلا، فمن قال: أنا خليل الله يكون كذابًا؛ لأن كمال المحبة تقرب إلى الطاعة والانقياد، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، فالصادق في محبته هو المطيع، فمن كان صادقًا في محبته فهو مطيع لله، ومن ادعى المحبة والولاء لله وللرسول ولا يطيعه فهو كاذب، كما قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، وهذه الآية يسميها العلماء: آية المحنة، فإن كان المحب صادقًا في دعوى محبة الله فلا بد لذلك من علامة، وهي: اتباع الرسول ﵊، وأما من كان يدعي محبة الله ومحبة رسوله وهو لا يطيع الله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (ص ٢٩).\n(^٢) القصيدة النونية، لابن القيم (ص ٨).","vol":"7","page":12},{"text":"ورسوله فدعواه كاذبة.\nوأما قول أبي هريرة ﵁: «أَوْصَانِي خَلِيلِي» (^١) فيقصد به النبي ﷺ فهي خلة من جهة واحدة من قبل أبي هريرة، فأبو هريرة ﵁ اتخذ النبي ﷺ خليلًا، لكن النبي ﷺ لم يتخذه خليلًا.\n\n[٢٣٨٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: «عَائِشَةُ»، قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: «أَبُوهَا»، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «عُمَرُ»، فَعَدَّ رِجَالًا.\n[خ: ٣٦٦٢]\n\n[٢٣٨٥] وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ: وَسُئِلَتْ مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْلِفًا لَوِ اسْتَخْلَفَهُ؟ قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ، فَقِيلَ لَهَا: ثُمَّ مَنْ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: عُمَرُ، ثُمَّ قِيلَ لَهَا: مَنْ بَعْدَ عُمَرَ؟ قَالَتْ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، ثُمَّ انْتَهَتْ إِلَى هَذَا.\nقوله: «سَمِعْتُ عَائِشَةَ: وَسُئِلَتْ مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْلِفًا لَوِ اسْتَخْلَفَهُ؟ قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ، فَقِيلَ لَهَا: ثُمَّ مَنْ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: عُمَرُ، ثُمَّ قِيلَ لَهَا: مَنْ بَعْدَ عُمَرَ؟ قَالَتْ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، ثُمَّ انْتَهَتْ إِلَى هَذَا»: هذا اجتهاد من عائشة ﵂، وفيه: دليل على أن فضل الشيخين متقرر عند الصحابة ﵃: أبو بكر، ثم عمر، ﵄، وأن الصحابة مجمعون على تقديم الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، وفيه: الرد على الرافضة الذين يتنقصونهما.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٧٨)، ومسلم (٧٢١).","vol":"7","page":13},{"text":"[٢٣٨٦] حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ فَلَمْ أَجِدْكَ؟ قَالَ أَبِي: كَأَنَّهَا تَعْنِي الْمَوْتَ قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ».\n[خ: ٣٦٥٩]\nوَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ أَبَاهُ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ فَأَمَرَهَا بِأَمْرٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبَّادِ بْنِ مُوسَى.\nفي هذا الحديث: دليل لمن قال: إن خلافة الصديق ﵁ ثبتت بالنص، ولكن هذا ليس بصحيح، بل هذا الحديث فيه وكالة في قضاء الحوائج، وقد يوكل في قضاء الحوائج من لا يصلح للخلافة، ولا يلزم أن يكون هذا نصًّا، لكن فيه الإشارة إلى فضيلته.\n\n[٢٣٨٧] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ: «ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَبَاكِ، وَأَخَاكِ، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ، وَيَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى، وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ».\nفي هذا الحديث: دليل- أيضًا- لمن قال: إن خلافة الصديق ﵁ ثبتت بالنص، فقد قال النبي ﷺ- في مرض موته لعائشة ﵂-: «ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ، أَبَاكِ، وَأَخَاكِ، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا»، وهذا ليس بصريح، بل هو إخبار عن","vol":"7","page":14},{"text":"المستقبل؛ لأنه ﷺ لم يكتب كتابًا، ولم يقل: الخليفة بعدي أبو بكر، وإنما قال: «وَيَأْبَى اللهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ»، يعني: يأبى الله قضاءً وقدرًا والمسلمون اختيارًا وانتخابًا إلا أبا بكر، فوقع الأمر كما كان.\n\n[١٠٢٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ عَنْ يَزِيدَ- وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا قَالَ: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا قَالَ: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ».\nفي هذا الحديث: منقبة للصديق ﵁؛ حيث اجتمعت فيه هذه الأمور الأربعة في يوم واحد: الصيام، وعيادة المريض، واتباع الجنازة، وإطعام المساكين، فدل على أنه كان سبَّاقًا للخيرات ﵁.\nوفيه: دليل على أن من اجتمعن فيه في يومٍ واحد دخل الجنة.","vol":"7","page":15},{"text":"[٢٣٨٨] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً لَهُ قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ الْبَقَرَةُ، فَقَالَتْ: إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، وَلَكِنِّي إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ»، فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَعَجُّبًا وَفَزَعًا أَبَقَرَةٌ تَكَلَّمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَيْنَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي حَتَّى اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الذِّئْبُ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي»، فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإِنِّي أُومِنُ بِذَلِكَ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ».\n[خ: ٣٤٧١]\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ قِصَّةَ الشَّاةِ وَالذِّئْبِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ الْبَقَرَةِ.\nفي هذين الحديثين: منقبة للشيخين أبي بكر وعمر ﵄؛ حيث أخبر النبي ﷺ بأنهم يؤمنان وليسا حاضرين، ففيهما منقبة لهما بقوة يقينهما وكمال معرفتهما وتصديقهما.\nوفيهما: خرق العادة بكلام البقرة والذئب، والله على كل شيء قدير، والله تعالى إذا أراد خرق العادة خرقها، فقد تكلم الذئب وهو لا يتكلم، وتكلمت البقرة، وقالت: «إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، وَلَكِنِّي إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ»، وليس معنى ذلك أنه لا يجوز الحمل عليها، بل يجوز الحمل عليها ويجوز الحرث عليها إذا كانت تطيق.","vol":"7","page":16},{"text":"وقوله: «مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي»: يقال: السبُع بضم الباء، ويقال: السبْع بسكونها، والأكثر بالضم، واختلفوا في المراد بيوم السبع، قيل: المراد يوم القيامة، والسبع موضع قرب المحشر، وقيل: المعنى: أن هذا في وقت الفتن، حينما تهمل الغنم بسببها، ولا يكون لها راع فينفرد بها السبع، وكأن الذئب يقول: أنت استنقذتها الآن، لكن سيأتي يوم فما تنقذها، وقيل: أقوال أُخَرُ، ذكرها النووي ﵀ (^١).\nوقال ابن حجر ﵀: «قوله «يَوْمَ السَّبُعِ» قال عياض: يجوز ضم الموحدة وسكونها إلا أن الرواية بالضم، وقال الحربي: هو بالضم والسكون، وجزم بأن المراد به: الحيوان المعروف، وقال ابن العربي: هو بالإسكان، والضم تصحيف كذا قال، وقال ابن الجوزي: هو بالسكون والمحدثون يروونه بالضم، وعلى هذا- أي: الضم- فالمعنى: إذا أخذها السبع لم يقدر على خلاصها منه فلا يرعاها حينئذٍ غيري، أي: إنك تهرب منه، وأكون أنا قريبًا منه أرعى ما يفضل لي منها، وقال الداودي: معناه: من لها يوم يطرقها السبع- أي: الأسد- فتفر أنت منه، فيأخذ منها حاجته، وأتخلف أنا لا راعي لها حينئذٍ غيري، وقيل: إنما يكون ذلك عند الاشتغال بالفتن، فتصير الغنم هملًا فتنهبها السباع، فيصير الذئب كالراعي لها؛ لانفراده بها، وأما بالسكون فاختلف في المراد به، فقيل: هو اسم الموضع الذي يقع فيه الحشر يوم القيامة، وهذا نقله الأزهري في تهذيب اللغة» (^٢).\nقلت: والأقرب أن هذا في أوقات الفتن.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٥/ ١٥٦).\n(^٢) فتح الباري، لابن حجر (٧/ ٢٧).","vol":"7","page":17},{"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ عَنْ سُفْيَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَفِي حَدِيثِهِمَا ذِكْرُ الْبَقَرَةِ وَالشَّاةِ مَعًا، وَقَالَا فِي حَدِيثِهِمَا: فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ وَمَا هُمَا ثَمَّ.\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مِسْعَرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nقوله: «فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَمَا هُمَا ثَمَّ»: «ثَمَّ» - بفتح المثلثة-: ظرف مكان، بمعنى: هناك، يعني: هما ليسا حاضرين في المجلس، وهذه منقبة للشيخين ﵄.","vol":"7","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1130>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عُمَرَ ﵁</span>\n\n[٢٣٨٩] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: وُضِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى سَرِيرِهِ، فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدْعُونَ، وَيُثْنُونَ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ وَأَنَا فِيهِمْ قَالَ: فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا بِرَجُلٍ قَدْ أَخَذَ بِمَنْكِبِي مِنْ وَرَائِي، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ عَلِيٌّ فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ، وَقَالَ: مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ، وَذَاكَ أَنِّي كُنْتُ أُكَثِّرُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «جِئْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَإِنْ كُنْتُ لَأَرْجُو أَوْ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَهُمَا».\n[خ: ٣٦٨٥]\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ.\nقوله: «فَلَمْ يَرُعْنِي»، أي: فاجأني، يعني: أنه أخذ بمنكبه وفاجأه، وقال: «مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ»: وهي شهادة من علي ﵁ لعمر ﵁.\nوهذه منقبة لعمر ﵁، فإنه لما وضع «عَلَى سَرِيرِهِ»، يعني: على النعش، «فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ»، يعني: أحاطوا به، يثنون عليه ويصلون، ويذكرون محاسنه، يقول ابن عباس ﵄- وهو مع القوم الذين أحاطوا به واكتنفوه-: «فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ عَلِيٌّ فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ، وَقَالَ: مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ","vol":"7","page":19},{"text":"بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ».\nوفيه: رد على الرافضة الذين اشتد بغضهم لأبي بكر وعمر ﵄، وكفَّروا أبا بكر وعمر ﵄ وقدموا عليًّا ﵁ عليهما، وقالوا: إن بينه وبين علي ﵁ عداوة، وهذا من كفرهم وضلالهم.\n\n[٢٣٩٠] حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ- واللفظ لهم- قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَمَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ» قَالُوا: مَاذَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الدِّينَ».\n[خ: ٢٣]\nفي هذا الحديث: منقبة عظيمة لعمر ﵁، وشهادة من النبي ﷺ له بقوة دينه وإيمانه ويقينه.\nوفيه: الرد على الرافضة الذين ينتقصونه ويكفرونه، قبحهم الله!\nوفيه: دليل على أن القميص في الرؤيا يؤول بالدين، فما كان من نقص فهو في الدين، وما كان من طول فهو في الدين، فالنبي ﷺ رأى الناس يُعرضون وعليهم قُمُص، منها ما يبلغ الثُّدِيَّ، ومعناه: أنه عارٍ، وهذا نقص في دينه، ومنها ما يبلغ الركبة، ومر عمر ﵁ وعليه ثوب يجره، فدل هذا على أن دينه تام ﵁، وإيمانه قوي.","vol":"7","page":20},{"text":"[٢٣٩١] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ رَأَيْتُ قَدَحًا أُتِيتُ بِهِ فِيهِ لَبَنٌ، فَشَرِبْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَجْرِي فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْعِلْمَ».\n[خ: ٨٢]\nوَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ. ح، وَحَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، بِإِسْنَادِ يُونُسَ نَحْوَ حَدِيثِهِ.\nفي هذا الحديث: منقبة- أيضًا- لعمر ﵁، وأن الله تعالى أعطاه علمًا جمًّا.\nوفيه: أن اللبن يؤول بالعلم؛ لأن اللبن غذاء للأبدان، والعلم غذاء للأرواح والقلوب، والبدن يحيا باللبن، واللبن كافٍ أن يعيش عليه الإنسان وحده.","vol":"7","page":21},{"text":"[٢٣٩٢] حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ- وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ- ضَعْفٌ، ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَأَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ».\n[خ: ٣٦٦٤]\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَالْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، بِإِسْنَادِ يُونُسَ نَحْوَ حَدِيثِهِ.\nحَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حميد قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ قَالَ: قَالَ الْأَعْرَجُ وَغَيْرُهُ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، يَنْزِعُ»، بِنَحْوِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ.\nحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا يُونُسَ- مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ- حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُرِيتُ أَنِّي أَنْزِعُ عَلَى حَوْضِي أَسْقِي النَّاسَ، فَجَاءَنِي أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ الدَّلْوَ مِنْ يَدِي لِيُرَوِّحَنِي، فَنَزَعَ دَلْوَيْنِ، وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، فَجَاءَ ابْنُ الْخَطَّابِ فَأَخَذَ مِنْهُ، فَلَمْ أَرَ نَزْعَ رَجُلٍ قَطُّ أَقْوَى مِنْهُ، حَتَّى تَوَلَّى النَّاسُ وَالْحَوْضُ مَلْآنُ يَتَفَجَّرُ».\n\n[٢٣٩٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ سَالِمٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُرِيتُ كَأَنِّي أَنْزِعُ بِدَلْوِ بَكْرَةٍ عَلَى قَلِيبٍ، فَجَاءَ أَبُو","vol":"7","page":22},{"text":"بَكْرٍ فَنَزَعَ ذَنُوبًا، أَوْ ذَنُوبَيْنِ، فَنَزَعَ نَزْعًا ضَعِيفًا، وَاللَّهُ ﵎ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَاسْتَقَى فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ، حَتَّى رَوِيَ النَّاسُ وَضَرَبُوا الْعَطَنَ».\n[خ: ٣٦٧٦]\nحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رُؤْيَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.\nقوله: «عَلَى قَلِيبٍ»: القليب هو: البئر غير المطوية. والنزع: الاستقاء.\nوقوله: «اسْتَحَالَتْ غَرْبًا»، أي: تحولت غِربًا، وهو الدلو الكبير.\nوقوله: «فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ»: العبقري: السيد، وقيل: الذي ليس فوقه شيء.\nوقوله: «حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ»: معناه: أرووا إبلهم، ثم آووها إلى عطنها، وهو الموضع الذي تساق إليه بعد السقي لتستريح (^١)، يعني: حتى رويت الإبل وشربت، واستقرت في مكانها الذي هو العطن.\nوفي هذا الحديث: منقبة للشيخين ﵄، وهذا المنام احتج به بعضهم على خلافة الصديق ﵁، وأن هذا نص في ذلك، والجواب: أن هذا ليس نصًّا، بل هذا المنام كشفٌ للمستقبل، وإخبارٌ بما سيحصل، وليس نصًّا في خلافته، ولو كان نصًّا في خلافة الصديق ﵁ لكان نصًّا بخلافة عمر ﵁، ولم يقل أحد: إن خلافة عمر ﵁ وردت بالنص، فدل على أنه ليس نصًّا في خلافة أبي بكر ﵁.\nوقوله: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٌ»: لأن النبي ﷺ هو الإمام، وهو رسول الله، وهو إمام المسلمين.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٥/ ١٦١).","vol":"7","page":23},{"text":"وقوله: «ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ- وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ- ضَعْفٌ»، يعني: سَنَتَي خلافة أبي بكر ﵁، وكان في نزعه ﵁ ضعف بسبب القلاقل والفتن وحروب الردة.\nوقوله: «اسْتَحَالَتْ غَرْبًا»، أي: تحول الدلو الصغير إلى دلو كبير، فأخذه عمر ﵁، وجعل ينزع نزعًا شديدًا، وفي ذلك إشارة إلى طول خلافته ﵁؛ فقد استمرت عشر سنوات ونصفًا، وقد هدأت الأحوال واستتب الأمن، وعاد الناس إلى دين الله، وتفرغ للفتوحات، كما أن فيه إشارةً لاتساع الفتوحات في زمانه؛ ولهذا جعل ينزع نزعًا قويًّا من البئر، حتى روي الناس.\n\n[٢٣٩٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، وَابْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعَا جَابِرًا يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَعَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ فِيهَا دَارًا أَوْ قَصْرًا، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ»، فَبَكَى عُمَرُ، وَقَالَ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ أَوَ عَلَيْكَ يُغَارُ.\n[خ: ٥٢٢٦]\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، وَابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا. ح، وَحَدَّثَنَاهُ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعْتُ جَابِرًا، عنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرٍ.\nفي هذا الحديث: منقبة لعمر ﵁ بسبب غيرته، وهذه منقبة عظيمة، فمن ليس عنده غيرة فهو ديوث، فالإنسان يجب عليه أن يغار على محارمه؛ ولذلك وصف النبي ﷺ عمر ﵁ بالغيرة قال عمر ﵁: «أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ عَلَيْكَ يُغَارُ»، والله تعالى موصوف بالغيرة، وهي من الصفات التي تليق بالله","vol":"7","page":24},{"text":"تعالى، ففي الحديث الآخر يقول النبي ﷺ: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي» (^١)، ومن غيرة الرجل العناية بتحجب المرأة وإلزامها بالحجاب، والتساهل في ذلك ناشئ من ضعف الغيرة.\nوفيه: الشهادة لعمر ﵁ بالجنة، فامرأته تتوضأ عند قصر بالجنة؛ إذن فهو من أهل الجنة.\n\n[٢٣٩٥] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَذَكَرْتُ غَيْرَةَ عُمَرَ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَبَكَى عُمَرُ، وَنَحْنُ جَمِيعًا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعَلَيْكَ أَغَارُ؟\n[خ: ٣٢٤٢]\nوَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقوله: «بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ»، يعني: أفديك بأبي وأمي.\nوفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ يُفدى بالآباء والأمهات، أما غيره فلا يفدى، قال البعض: إلا إذا كان أبوه، أو أمه غير مسلمَين فيفديان بمسلمَين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨٤٦)، ومسلم (١٤٩٩).","vol":"7","page":25},{"text":"[٢٣٩٦] حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ- يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ-.\nح، وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي، وقَالَ حَسَنٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ سَعْدًا قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ، يُكَلِّمْنَهُ، وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ»، قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ أَتَهَبْنَنِي، وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُلْنَ: نَعَمْ، أَنْتَ أَغْلَظُ وَأَفَظُّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ».\n[خ: ٣٢٩٤]\n\n[٢٣٩٧] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا بِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ قَدْ رَفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ.\nقوله: «مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ»: الفج: هو الطريق.\nوفي هذا الحديث: منقبة لعمر ﵁، فالشيطان يفر من الطريق الذي يمشي فيه.\nوفيه: دليل على قوة إيمانه، فما فر الشيطان منه إلا لقوة إيمانه وصدقه.","vol":"7","page":26},{"text":"وفيه: الرد على الرافضة الذين ينتقصونه ويكفرونه قبحهم الله.\nوفيه: وصف عمر ﵁ بالهيبة، وأن النساء يهبنه، فقد كان النساء عند النبي ﷺ يتكلمن، فلما جاء عمر ﵁ ابتدرن الحجاب وتسارعن إليه، وليس المراد أنهن كُنَّ كاشفاتٍ؛ لأنه يحتمل أنهن ابتدرن حجابًا آخر كالعباءة وغيرها، أو دخلن داخل البيت فصار حجابًا لهن فوق الحجاب، والنساء بالنسبة إلى الرسول ﵊ كغيره من الناس، يتحجبن عنه؛ ولهذا لما بايعنه لم يمسَّ ﵇ يدَ امرأة منهن؛ ولذلك قالت عائشة ﵂: «وَلا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ» (^١)، فليس له خصوصية في هذا، وأما دخوله ﵊ على أم سليم ﵂ فلأن بينه وبينها محرمية في الرضاعة، وأما غيرها فلا يدخل عليهن في بيوتهن.\nوقوله: «أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ»، يعني: ما الذي أضحكك يا رسول الله؟، فقال: «عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ»، يعني: هربن هيبةً منك، ويقوي قولَ مَن قال: إنهن دخلن في غرفةً أخرى قريبةً نداءُ عمر ﵁ لهن بقوله: «أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ»، وأَيْ: حرف نداء، يعني: يا عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ، وكان الأَولى أن تهبن الرسول ﷺ!\nوفيه: أن قوة عمر ﵁ إنما هي في الحق، وليست قوة في الباطل، وهذا النوع من القوة مكتسب، فإذا كان المرء قويَّ الإيمان واليقين حصلت له مثل هذه القوة.\nوفيه: أنه لا بأس أن تسأل المرأة، لكن بصوت عادي، ليس فيه ترخيم ولا خضوع، وهذا يدل على أن صوت المرأة ليس بعورة، وقال بعضهم: إن صوتها عورة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٨٩١)، ومسلم (١٨٦٦).","vol":"7","page":27},{"text":"والصواب: أنه ليس بعورة، لكن ينبغي أن يكون بقدر الحاجة ولا يكون فيه خضوع، وما زالت النساء منذ عهد النبي ﷺ يسألن ويستفتين بقدر حاجتهن.\n\n[٢٣٩٨] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «قَدْ كَانَ يَكُونُ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهُمْ».\nقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: تَفْسِيرُ مُحَدَّثُونَ: مُلْهَمُونَ.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nفي هذا الحديث: منقبة أخرى لعمر ﵁، وهي كونه ملهَمًا، فقد جعل الله الحق على لسانه؛ وقد جاء عنه قوله ﵁: «وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلاثٍ»، كما سيأتي.\n\n[٢٣٩٩] حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ جُوَيْرِيَةُ ابْنُ أَسْمَاءَ: أَخْبَرَنَا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ: فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي الْحِجَابِ، وَفِي أُسَارَى بَدْرٍ.\nليس المرادُ بذكر هذه الثلاث الحصرَ؛ لأن مفهوم العدد لا يفيد الحصر، بل المراد ذكرها فقط، ويؤيده أن هناك أشياءَ أُخَرَ غيرها حصلت منه ﵁ موافَقاتٌ لها.","vol":"7","page":28},{"text":"[٢٤٠٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ أَنْ يُكَفِّنَ فِيهِ أَبَاهُ، فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ، فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ، فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾، وَسَأَزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ» قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾.\n[خ: ٤٦٧٠]\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، وَزَادَ قَالَ: فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ.\nفي هذا الحديث: دليل على أن النبي ﷺ صلى على عبد الله بن أبي ابن سلول قبل أن تنزل الآية التي فيها النهي، وهي قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾.\nوفيه: أن عبدَ الله بن أُبي ابن سلول هو رئيسُ المنافقين، وابنه عبد الله من خيار المؤمنين وأصلحهم، وهو عبد الله بن عبد الله بن أُبي ابن سلول، وأُبي اسم أبيه، وسلول اسم أمه، نسبة إلى أبويه جميعًا، ولما توفي عبد الله بن أُبي ابن سلول جاء ابنه عبد الله، فقال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ» (^١)، فأعطاه قميصه، ولعل هذا كان\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٦٩).","vol":"7","page":29},{"text":"مكافأة له؛ لأنه كان ألبس العباسَ ﵁ حين أُسر يومَ بدر قميصًا، فأراد النبي ﷺ أن يكافئه، فكافأه وأعطاه قميصه لما توفي أبوه، وفي صحيح البخاري: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ، فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ» (^١).\nقوله: «أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ؟ !»: هذا فهمٌ من عمر ﵁ لقوله: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ بإفادة النهي عن الصلاة على المنافقين، والنبي ﷺ فهم منها التخييرَ؛ ولهذا قال: «إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا» (^٢) فصلى عليه النبي ﵇؛ لعل الله ينفعه بذلك؛ لأنه لم يكن قد نزل النهي الصريح، ثم بعد ذلك نزل قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾، ثم بين الله تعالى العلة بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾.\nوفيه: أنه لا يجوز الصلاة على الكافر؛ فالعلة المانعة من الصلاة هي الكفر، فمن علم نفاقه وكفره لم تجز الصلاة عليه، ومن لم يعلم كفره يصلى عليه ولو كان فاسقًا، وفي رواية أخرى أن عمر ﵁ قال: «فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ» (^٣)، فقد أخذ بثوبه، وقال: «يَا رَسُولَ اللهِ أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟» (^٤)، وهذه من الموافقات أيضًا، فقد أنزل الله تعالى النهي عن الصلاة على المنافقين بعدها.\nوفيه: أن العالم قد ينبَّه على بعض الأشياء، مثل ما كان النبي ﷺ صائمًا في سفر وقد غربت الشمس، فقال ﷺ: «اجْدَحْ لَنَا»، يعني: اخلط لنا الماء\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٧٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٦٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٣٦٦).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٤٠٠).","vol":"7","page":30},{"text":"بالتمر حتى يكون حُلوًا، قال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا، قَالَ: «اجْدَحْ لَنَا»، قال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- حَتَّى قَالَ: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأَدْبَرَ النَّهَارُ، وَغَابَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٤١)، ومسلم (١١٠٠).","vol":"7","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1131>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁</span>\n\n[٢٤٠١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ عَنْ عَطَاءٍ، وَسُلَيْمَانَ ابْنَي يَسَارٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِي، كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَتَحَدَّثَ ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَوَّى ثِيَابَهُ، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَا أَقُولُ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَدَخَلَ فَتَحَدَّثَ فَلَمَّا خَرَجَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ، فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ، فَقَالَ: «أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ؟ !».\n\n[٢٤٠٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- وَعُثْمَانَ حَدَّثَاهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ، لَابِسٌ مِرْطَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، قَالَ عُثْمَانُ: ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، وَقَالَ لِعَائِشَةَ: اجْمَعِي عَلَيْكِ ثِيَابَكِ، فَقَضَيْتُ إِلَيْهِ حَاجَتِي، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لِي لَمْ أَرَكَ فَزِعْتَ لِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄، كَمَا فَزِعْتَ لِعُثْمَانَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ عُثْمَانَ رَجُلٌ حَيِيٌّ، وَإِنِّي خَشِيتُ إِنْ أَذِنْتُ لَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ أَنْ لَا يَبْلُغَ إِلَيَّ فِي حَاجَتِهِ».","vol":"7","page":32},{"text":"وَحَدَّثَنَاهُ عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُثْمَانَ وَعَائِشَةَ حَدَّثَاهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ.\nقوله: «لَابِسٌ مِرْطَ عَائِشَةَ»: الْمِرط: كساء من صوف، وقيل: كساء من صوف أو كتان أو غيره، وقيل: هو الإزار.\nفي هذا الحديث: منقبة لعثمان ﵁ وفضيلة من فضائله.\nوفيه: أن النبي ﷺ كان جالسًا قد كشف عن ساقيه، أو فخذيه، فدخل أبو بكر ﵁ وهو على حاله، ثم دخل عمر ﵁ وهو على حاله، ثم لما دخل عثمان ﵁ سوى ثيابه، وقال: «أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ؟».\nوفيه: أن الملائكة تستحي والله تعالى كذلك، فقد وصف نفسه بالحياء في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾، وثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ» (^١)، والحياء خلق كريم يمنع الإنسان من فعل ما يشينه، ويحمله على فعل ما يزينه.\nوقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث على جواز كشف الفخذ وأنه ليس بعورة، ويُرد عليهم بما يلي:\nأولًا: أن الحديث فيه شك؛ لقول عائشة ﵂: «كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ».\nثانيًا: أن الأحاديث التي فيها كشف الفخذ جاءت عن صغار الصحابة،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧٩٧٠).","vol":"7","page":33},{"text":"كجرهد وأنس ﵄.\nثالثًا: الكشف إنما جاء من فعل النبي ﷺ، كما في قول أنس ﵁: «حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ» (^١)، ولعل فخذه ﷺ انكشف بسبب الركوب في خيبر لما أغار عليهم، وأما النهي عن كشف الفخذ فقد جاء في أحاديث قولية صريحة عنه ﷺ، والقول مقدم على الفعل؛ لأن الفعل يدخله الاحتمال، فيحتمل أنه انكشف فخذه بسبب انشغاله بالحرب والركوب، ومن هذه الأحاديث قوله ﵇: «غَطِّ فَخِذَكَ؛ فَإِنَّ فَخِذَ الرَّجُلِ مِنْ عَوْرَتِهِ» (^٢).\nرابعا: المحفوظ في الحديث أنه كان كاشفًا عن ساقيه لا عن فخذيه، والركبتان ليستا من العورة.\nتنبيه: ينبغي في هذا المقام تنبيهُ لاعبي الكرة وغيرها ألا يتساهلوا في كشف الفخذ؛ خاصة وأن بعضهم يلبس السراويل إلى نصف الفخذ، كذلك ينبغي التنبيه على عدم التوسع في اللعب وإضاعة الأوقات فيه، بل ينبغي أن يكون اللعب قليلًا للترويح عن النفس فقط، وأما أكثر الوقت فينبغي أن يستغل فيما يفيد، وينبغي- أيضًا- للشباب المسلم ألا يكون همه لعب الكرة، وبذل الأموال والأوقات في تعلمها وإتقانها؛ لأن في ذلك مضيعة للوقت والمال، والمرء مسؤول عنهما يوم القيامة أمام الله تعالى.\nوفيه: دليل على أن الرجل قد يكون له إدلال على بعض أصحابه وأقاربه وخواصه، فيتخفف من بعض الثياب، فيكشف مثلًا رأسه، أو يكشف عن ساقيه عند بعض أصحابه، فإذا جاء من هو غريب، أو من لا يكثر الاختلاط به فإنه لا يكون معه كحال من كان مدلًّا عليه من أصحابه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٧١)، ومسلم (١٣٦٥).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٤٩٣).","vol":"7","page":34},{"text":"[٢٤٠٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ عُثْمَانَ ابْنِ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَائِطٍ مِنْ حَائِطِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ مُتَّكِئٌ، يَرْكُزُ بِعُودٍ مَعَهُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ، إِذَا اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ، فَقَالَ: «افْتَحْ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» قَالَ: فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ قَالَ: ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: «افْتَحْ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» قَالَ: فَذَهَبْتُ، فَإِذَا هُوَ عُمَرُ، فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ قَالَ: فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «افْتَحْ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تَكُونُ» قَالَ: فَذَهَبْتُ، فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ قَالَ: فَفَتَحْتُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ قَالَ: وَقُلْتُ: الَّذِي قَالَ: فَقَالَ: «اللَّهُمَّ صَبْرًا أَوِ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ».\n[خ: ٣٦٩٣]\nقوله: «يَرْكُزُ بِعُودٍ»: هو بضم الكاف، أي: يضرب بأسفله ليثبته في الأرض.\nفي هذا الحديث: الشهادة لهؤلاء الصحابة الثلاثة ﵃ بالجنة.\nوفيه: علم من أعلام النبوة؛ فالنبي ﵊ لا يعلم من الغيب إلا ما علَّمه الله، فهو ﷺ قال هذا بوحي من الله، كما في قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾.\nوفيه: من علامات النبوة ومن الدلائل أنه بشَّر عثمان ﵁ بالجنة على بلوى تصيبه، وقد حصلت البلوى من الثوار الذين أحاطوا ببيته ﵁، وآذوه وتكلموا فيه وانتقدوه، ثم بعد ذلك قتلوه.\nوفيه: أن الله هو المستعان؛ إذ الإنسان يستعين بربه في الصبر على المصائب والشدائد.","vol":"7","page":35},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ حَائِطًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَحْفَظَ الْبَابَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ- عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: لَأَلْزَمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَأَكُونَنَّ مَعَهُ يَوْمِي هَذَا قَالَ: فَجَاءَ الْمَسْجِدَ، فَسَأَلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالُوا: خَرَجَ وَجَّهَ هَا هُنَا قَالَ: فَخَرَجْتُ عَلَى أَثَرِهِ أَسْأَلُ عَنْهُ حَتَّى دَخَلَ بِئْرَ أَرِيسٍ قَالَ: فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ، وَبَابُهَا مِنْ جَرِيدٍ حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجَتَهُ وَتَوَضَّأَ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَلَسَ عَلَى بِئْرِ أَرِيسٍ، وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا، وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ، فَقُلْتُ: لَأَكُونَنَّ بَوَّابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْيَوْمَ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَدَفَعَ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ، فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ، فَقَالَ: «ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» قَالَ: فَأَقْبَلْتُ حَتَّى قُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ: ادْخُلْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبَشِّرُكَ بِالْجَنَّةِ قَالَ: فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ فِي الْقُفِّ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْرِ كَمَا صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَجَلَسْتُ وَقَدْ\nتَرَكْتُ أَخِي يَتَوَضَّأُ وَيَلْحَقُنِي، فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِفُلَانٍ يُرِيدُ أَخَاهُ خَيْرًا يَأْتِ بِهِ، فَإِذَا إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟، فَقَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: هَذَا عُمَرُ يَسْتَأْذِنُ، فَقَالَ: «ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ»، فَجِئْتُ عُمَرَ، فَقُلْتُ: أَذِنَ، وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ قَالَ: فَدَخَلَ فَجَلَسَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْقُفِّ عَنْ يَسَارِهِ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي","vol":"7","page":36},{"text":"الْبِئْرِ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِفُلَانٍ خَيْرًا- يَعْنِي: أَخَاهُ- يَأْتِ بِهِ، فَجَاءَ إِنْسَانٌ فَحَرَّكَ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ قَالَ: وَجِئْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «ائْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ مَعَ بَلْوَى تُصِيبُهُ» قَالَ: فَجِئْتُ، فَقُلْتُ: ادْخُلْ، وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ مَعَ بَلْوَى تُصِيبُكَ قَالَ: فَدَخَلَ فَوَجَدَ الْقُفَّ قَدْ مُلِئَ فَجَلَسَ وِجَاهَهُمْ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ، قَالَ شَرِيكٌ: فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ.\n[خ: ٣٦٧٤]\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ هَا هُنَا- وَأَشَارَ لِي سُلَيْمَانُ إِلَى مَجْلِسِ سَعِيدٍ نَاحِيَةَ الْمَقْصُورَةِ- قَالَ أَبُو مُوسَى: خَرَجْتُ أُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَلَكَ فِي الْأَمْوَالِ فَتَبِعْتُهُ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ دَخَلَ مَالًا فَجَلَسَ فِي الْقُفِّ، وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ سَعِيدٍ: فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ.\nحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَا: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَخْبَرَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا إِلَى حَائِطٍ بِالْمَدِينَةِ لِحَاجَتِهِ، فَخَرَجْتُ فِي إِثْرِهِ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَتَأَوَّلْتُ ذَلِكَ قُبُورَهُمُ اجْتَمَعَتْ هَا هُنَا، وَانْفَرَدَ عُثْمَانُ.\nقوله: «وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا»: القف هو: حافة البئر.\nوقوله: «عَلَى رِسْلِكَ»، يعني: انتظر وتمهل حتى أستأذن لك؛ لأنه كان هو البواب.","vol":"7","page":37},{"text":"وقوله: «وِجَاهَهُمْ»، يعني: مواجهًا لهم.\nوفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ كشف عن ساقيه، وليس فيه أنه كشف عن فخذيه، وهذا يبين ما في الرواية السابقة من الشك.\nوفيه: الشهادة لهؤلاء الصحابة بالجنة.\nوفيه: مشروعية تَكرار السلام على الشخص نفسه، فهذا أبو موسى ﵁ كان قريبا من النبي ﷺ ليس ببعيد، يحفظ الباب، فلما جاء عمر ﵁ رجع وسلم مرة أخرى على النبي ﷺ، ومن ذلك قصة الأعرابي المسيء صلاته أنه صلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فرد رسول الله ﵇، فقال له: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» (^١)، فرجع فصلى مثل صلاته الأولى، ثم رجع فسلم، فرد رسول الله ﵇.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧).","vol":"7","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1132>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁</span>.\n\n[٢٤٠٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ الْقَوَارِيرِيُّ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنْ يُوسُفَ بْنِ الْمَاجِشُونِ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الصَّبَّاحِ- حَدَّثَنَا يُوسُفُ أَبُو سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»، قَالَ سَعِيدٌ: فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُشَافِهَ بِهَا سَعْدًا، فَلَقِيتُ سَعْدًا: فَحَدَّثْتُهُ بِمَا حَدَّثَنِي عَامِرٌ، فَقَالَ: أَنَا سَمِعْتُهُ، فَقُلْتُ: آنْتَ سَمِعْتَهُ؟ فَوَضَعَ إِصْبَعَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ، فَقَالَ: نَعَمْ، وَإِلَّا فَاسْتَكَّتَا.\n[خ: ٤٤١٦]\nقوله: «فَاسْتَكَّتَا»: بتشديد الكاف، يعني: صمتا.\nوفي هذا الحديث: فضيلة لعلي ﵁ وهي: أن النبي ﷺ قال له: «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى»، وقوله: «إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»، نفي توهم أن يكون نبيًّا؛ لأن هارون ﵇ كان نبيًّا.\nوسبب هذا الحديث- كما سيأتي-: أن النبي ﷺ حين سار إلى تبوك استخلف عليًّا ﵁ في المدينة، فما لبث أن لحقه علي ﵁ وقال: يا رسول الله، أتخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال له النبي ﷺ: «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي».\nوقد احتج الرافضة بهذا الحديث على أن عليًّا ﵁ هو الخليفة بعد النبي ﷺ، وعلى إبطال خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، وهذا من جهلهم وضلالهم؛ فإن النصوصَ في بيان قدر هؤلاء الثلاثة ﵃ عند الله ورسوله كثيرةٌ، زد عليه إجماع الصحابة على تقديم أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان","vol":"7","page":39},{"text":"﵃، والأمة لا تجتمع على ضلالة.\nثم إن قوله: «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى»، يعني: في الاستخلاف في المدينة في غزوة تبوك، كما استخلف موسى ﵇ هارون حين ذهب لميقات ربه للمناجاة، وليس المراد الخلافة بعده؛ بدليل أن هارون ﵇ توفي قبل موسى ﵇ بنحو أربعين سنة.\nوالرافضة ينفون النصوص الكثيرة الواردة في فضائل الصحابة رضوان الله عنهم وعلى رأسهم: أبو بكر وعمر وعثمان ﵃، ولهذا كفروهم- والعياذ بالله- وقالوا: إنهم ارتدوا بعد وفاة الرسول ﷺ، وأخفوا النصوص التي فيها النص على خلافة عليٍّ ﵁ بعد النبي ﷺ، وهذا تكذيب لله؛ لأن الله تعالى زكَّى الصحابة، وعدَّلهم، ووعدهم بالجنة، فمن كفَّرهم وفسَّقهم فقد كذَّب الله، ومن كذَّب الله كفر- نسأل الله السلامة والعافية.\nوليس هذا السبب الوحيد في تكفير الرافضة، بل هناك أسبابٌ أُخَرُ، منها: أنهم يعبدون آل البيت ويتوسلون بهم ويدعونهم من دون الله، بل غَلَوا فيهم ورفعوهم فوق منزلة الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين، قال الخميني: «إن لأئمتنا لهم مقام لا يصل إليه ملك مقرب ولا نبي مرسل» (^١)، نسأل الله العافية!\n_________\n(^١) الحكومة الإسلامية، للخميني (ص ٥٢).","vol":"7","page":40},{"text":"وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: خَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُخَلِّفُنِي فِي النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ؟ فَقَالَ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي».\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟ فَقَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَنْ أَسُبَّهُ، لَأَنْ تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَهُ خَلَّفَهُ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَلَّفْتَنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي»، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» قَالَ: فَتَطَاوَلْنَا لَهَا، فَقَالَ: «ادْعُوا لِي عَلِيًّا»، فَأُتِيَ بِهِ أَرْمَدَ فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ، وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْهِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا، وَفَاطِمَةَ، وَحَسَنًا، وَحُسَيْنًا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى».","vol":"7","page":41},{"text":"قوله: «أَبَا التُّرَابِ»: هذه كنية علي بن أبي طالب ﵁.\nوقوله: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟»، قال النووي ﵀: «ليس فيه تصريح بأن معاوية أمر سعدًا بسبِّ علي ﵃ أجمعين، وإنما سأله عن السبب المانع له من السبِّ، كأنه يقول: هل امتنعت تورعًا أو خوفًا أو غير ذلك؟ فإن كان تورعًا وإجلالًا له عن السب فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر» (^١).\nوقيل: لعل سعدًا ﵁ كان في قوم يسبون عليًّا ﵁ ولم يستطع الإنكار عليهم، ولكنه لم يشاركهم في سبه، فسأله معاوية ﵁ عن السبب.\nوقيل: المعنى: ما الذي منعك من تخطئته في اجتهاده وتصويبي؟ لأن معاوية ﵁ كان له اجتهاده، وعلي ﵁ كان له اجتهاده، فقاتل معاوية ﵁؛ لأنه تخلف عن البيعة بعد أن بايعه أكثر أهل الحل والعقد، ومعاوية ﵁ كان له اجتهاد آخر، وهو أنه طالب بدم عثمان ﵁ وهو ولي الدم، فكل منهما كان له اجتهاده، فكأنه يقول له: ما منعك أن تخطئه في رأيه واجتهاده، وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا وأنه أخطأ؟ فقال سعد ﵁: إن عليًّا له ثلاث مناقب، كل منقبة منها أحب إليه من حمر النعم- وهي أنفس أموال العرب، وهذا مثال تقريبي- والمعنى: خير من الدنيا وما فيها؛ لأن الدنيا لا تساوي شيئًا عند الله تعالى، كما قال النبي ﷺ: «وَلَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا قَطْرَةً أَبَدًا» (^٢)، فمراد سعدٍ ﵁: لو كان فيه واحدة من هذه الخصال الثلاث لكان أحبَّ إليه من الدنيا وما فيها.\nوقوله: «فَقَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَنْ أَسُبَّهُ، لَأَنْ تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ»: وهذه المناقب الثلاث هي:\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٥/ ١٧٥).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٣٢٠)، وابن ماجه (٤١١٠).","vol":"7","page":42},{"text":"الأولى: أن النبي ﷺ لما خلفه يوم تبوك قال له: «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي».\nالثانية: أنه دفع إليه الراية يوم خيبر، وقال قبلها: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، وهذه منقبة عظيمة لعلي ﵁؛ ولهذا قال سعد ﵁ يومها: «فَتَطَاوَلْنَا لَهَ»، لا رغبةً في الإمارة، وإنما رغبة في الوصف الذي ذكره النبي ﷺ بقوله: «يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ».\nوفي رواية: «فَأُتِيَ بِهِ أَرْمَدَ فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ»، وهذا فيه: إثبات القضاء والقدر، وأن من قُدِّر له شيء فلن يفوته، فهؤلاء الصحابة الذين كانوا عند النبي ﷺ تطاولوا لأخذ الراية، ولم يعطهم إياها، بل طلب شخصًا آخر بعينه لم يكن موجودًا، فمن قدر له شيء فسيأتيه.\nوفيه: معجزة للنبي ﷺ، حيث إنه أُتي بعلي ﵁ أرمد، يقاد، فتفل ﷺ في عينيه فبرأ في الحال، وهذا دليل على قدرة الله تعالى، وأنه لا يعجزه شيء، كما أخبر بذلك عن نفسه بقوله: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾.\nالثالثة: أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ «دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا، فَقَالَ: «اللهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي».","vol":"7","page":43},{"text":"[٢٤٠٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ»، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ قَالَ: فَتَسَاوَرْتُ لَهَا رَجَاءَ أَنْ أُدْعَى لَهَا قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، وَقَالَ: «امْشِ وَلَا تَلْتَفِتْ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ» قَالَ: فَسَارَ عَلِيٌّ شَيْئًا، ثُمَّ وَقَفَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ، فَصَرَخَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: عَلَى مَاذَا أُقَاتِلُ النَّاسَ؟ قَالَ: «قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ».\nقوله: «امْشِ وَلَا تَلْتَفِتْ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ»، أي: على يديك، ففتح له في يوم خيبر.\nوفي هذا الحديث: دليل على أن أول واجب هو الشهادتان، الشهادة لله تعالى بالوحدانية، والشهادة للنبي ﷺ بالرسالة.\nوفيه: الرد على أهل الكلام الذين يقولون: أول واجب هو الشك؛ أنْ تشك فيمن حولك، ثم تنتقل من الشك إلى اليقين، وبعضهم يقول: أول واجب هو: النظر، يعني: أن تنظر وتتأمل، وبعضهم يقول: أول واجب هو: القصد إلى النظر، وهذه كلها أقوال باطلة لأهل الكلام.\nوالصواب: أن أول واجب هو الشهادة لله تعالى بالوحدانية، وللنبي ﷺ بالرسالة، ولهذا قال النبي ﷺ: «قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ»، والمراد: الالتزام بالإسلام والتوحيد، وليس المراد: قولهم باللسان فقط: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، بل ينطقون بهما بألسنتهم، ويعتقدونهما بقلوبهم، ويلتزمون بحقوقهما، ويبتعدون عن","vol":"7","page":44},{"text":"نواقضهما، فإذا فعلوا ذلك فإنهم يعصمون دماءهم وأموالهم، وفي الحديث الآخر يقول النبي ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا، وَصَلَّوْا صَلاتَنَا، وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» (^١).\nومعنى شهادة أن لا إله إلا الله: شهادة أن لا معبود بحق إلا الله، فالإله هو المعبود، والمألوه الذي تألهه القلوب محبة وخوفًا ورجاءً وإجلالًا وتعظيمًا، وفيه: الرد على أهل الكلام من الأشاعرة والصوفية وغيرهم الذين يفسرون الإله بالخالق والقادر على الخلق، ومعنى ذلك: أنهم يفسرون كلمة التوحيد بتوحيد الربوبية، وهذا باطل؛ إذ لو كان معناها: لا خالق إلا الله لكان كفار قريش موحدين؛ لأنهم يقولون: لا خالق إلا الله، ومع ذلك قاتلهم النبي ﷺ.\nوفيه: أن الكافر إذا أتى بالشهادتين يُكَف عنه؛ ولهذا قال ﷺ: «فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا»، فيكف عنه ولو ظن المقاتلُ أنه قالها تعوذًا، أو خوفًا من القتل، فإذا قال: لا إله إلا الله، أو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقد وجب الكف عنه، ويحكم بإسلامه، وبعد ذلك ينظر فإن التزم بأحكام الإسلام فالحمد لله، وإن فعل ما يناقضها قُتل بعد ذلك؛ لأنه مرتد حينئذٍ، وقد ثبت أن النبي ﷺ أنكر على أسامة بن زيد ﵁ لما كان يقاتل قومًا، فلما رفع سيفه على أحدهم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله أسامة، وأنكر عليه النبي ﷺ بقوله: «يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ !» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا قَالَ: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ !» قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٩٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٨٧٢).","vol":"7","page":45},{"text":"[٢٤٠٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ حَازِمٍ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ- وَاللَّفْظُ هَذَا- حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ، أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، قَالَ: فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كُلُّهُمْ يَرْجُونَ أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟»، فَقَالُوا: هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، قَالَ: فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عَيْنَيْهِ، وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا، فَقَالَ: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ».\nقوله: «فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ»، يعني: يخوضون ويتمنون، كل واحد يتمنى أن يعطاها؛ لِمَا قال النبي ﷺ: «لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ».\nوفي هذا الحديث: مشروعية عقد الراية للجيش، وأن تكون هناك راية تُعرف، وأنه لا بد أن يكون للجيش قائد، وأن يكون للسرية أمير يُرجع إليه، حتى لا تكون المسألة فوضى.\nوفيه: مشروعية تكرار الدعوة للكفار من باب الاستحباب إذا بلغتهم الدعوة؛ فإن النبي ﷺ قال لعلي ﵁: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ»، وقد بلغتهم","vol":"7","page":46},{"text":"الدعوة، فإذا كان الكفار قد بلغتهم الدعوة فيستحب أن يُبلغوا مرة أخرى، وليس ذلك بواجب، فهو مخير بين أن يدعوهم مرة أخرى، وبين أن يهجم ويُغِير عليهم ويقاتلهم؛ فإن النبي ﷺ فعل الأمرين، كرر الدعوة في غزوة خيبر مع أنها بَلَغَتْهم، وأغار على بني المصطلق وهم غارُّون، يعني: غافلون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، واصطفى لنفسه جويرية بنت الحارث ﵂، فصارت من أمهات المسلمين (^١)؛ لأن الدعوة قد بلغتهم.\nوفيه: أن الكفار يُدعون إلى الإسلام، ويُعلمون بما يجب عليهم من حق الله تعالى، وهو التوحيد؛ ولهذا قال: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ»، أخبِرهم بأن الله خلقهم ليوحدوه ويعبدوه، فعليهم أن يسلموا وأن يؤدوا حق الله؛ لأنهم مخلوقون لهذا.\nوفيه: أنه ينبغي للداعية أن يحرص على هداية من يدعوهم.\nوفيه: فضل من اهتدى على يديه رجل، وأنه خير له من الدنيا وما فيها، والنبي ﷺ أقسم وقال: «فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ»، يعني: من الإبل الحمر، وسواء أكان هذا الرجل المهتدي كافرًا، أم عاصيًا، أم غافلًا عن سنةٍ ما، فمن كان سبب في هدايته كان له مثل أجره.\nويقول النبي ﷺ في الحديث الآخر: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (^٢)، وليس معنى: «سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ»: أن الإنسان\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٦٣٦٥)، وأبو داود (٣٩٣١).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠١٧).","vol":"7","page":47},{"text":"يُحدث سُنَّة من عند نفسه، بل المراد: أنه يُظهر سُنَّة أميتت، كأن يأتي إلى بلد، أو إلى قوم لا يعرفون سنة الفجر ولا يصلونها، فيصلي سنة الفجر ويأمرهم بها، فيكون هنا سَن سُنَّة حسنة، يعني: أظهرها للناس؛ لأن النبي ﷺ قال هذا لما جاء قوم من الأعراب، قوم فقراء ثيابهم متمزقة، فتأثر النبي ﷺ بسبب ذلك، وتغير وجهه، فدخل وخرج، ثم خطب في الناس وحثهم على الصدقة، وقال: «تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ- حَتَّى قَالَ- وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ» (^١)، فهذا الأنصاري ﵁ سبق الناس في الصدقة وشجعهم، فتتابع الناس بعده واقتدوا به.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠١٧).","vol":"7","page":48},{"text":"[٢٤٠٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ قَدْ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَيْبَرَ، وَكَانَ رَمِدًا، فَقَالَ: أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَخَرَجَ عَلِيٌّ، فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا اللَّهُ فِي صَبَاحِهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ أَوْ لَيَأْخُذَنَّ بِالرَّايَةِ غَدًا رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، أَوَ قَالَ: «يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِذَا نَحْنُ بِعَلِيٍّ وَمَا نَرْجُوهُ»، فَقَالُوا: هَذَا عَلِيٌّ فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّايَةَ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ.\n[خ: ٢٩٧٥]\n\n[٢٤٠٨] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَشُجَاعُ بْنُ مَخْلَدٍ، جميعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَبُو حَيَّانَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ، قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي: وَاللَّهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا، بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ، وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ، أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟","vol":"7","page":49},{"text":"أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ\nمِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ- يَعْنِي: ابْنَ إِبْرَاهِيمَ- عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ زُهَيْرٍ.\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ حث على كتاب الله وسنته، وسماهما: الثقلين؛ لأن الالتزام بهما وأداء ما أوجب الله ثقيل.\nوفيه: أن الأوامر والنواهي أمر ثقيل، وهي الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض فامتنعتا من قبولها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾.\nوفيه: أن النبي ﷺ ذكَّر بأهل بيته، وقال: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، يعني: عليكم أن تحترموهم وتقدروهم، وتعرفوا لهم حقهم، ولا تهضموهم حقهم، ولا توصلوا إليهم شيئًا يضرهم، وأن تحبوهم وتودوهم؛ لله، ولقرابتي، كما قال الله تعالى في الآية: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، وقد سأل حصين بن سمرة زيدًا ﵁: «مَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ»، والمراد بالصدقة: الزكاة.\nوهذا قول ذهب إليه بعض أهل العلم، وقال آخرون: إن الذين حرموا الصدقة هم: بنو هاشم، وبنو المطلب، وقيل: هم بنو قصي، وقيل: هم قريش كلها.\nوالصواب: أنهم بنو هاشم وبنو المطلب، دون بني عبد شمس وبني عبد مناف، وإن كانوا كلهم في درجة ومرتبة واحدة، قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا بَنُو","vol":"7","page":50},{"text":"هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ» (^١)؛ فلذلك كانوا معهم، فحرموا الصدقة، لكن يعطون من الغنيمة بعد ذلك، وهذا هو الصواب.\nوعليه فمن يدعي أنه من أهل البيت نأخذ بدعواه، ونعامله بها فلا نعطيه من الزكاة؛ لأنه أقر على نفسه، لكن إذا جاء يطلب من الغنيمة نقول له: أَثْبِت دعواك حتى تُعطى من الغنيمة.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي حَيَّانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: «كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، مَنِ اسْتَمْسَكَ بِهِ وَأَخَذَ بِهِ كَانَ عَلَى الْهُدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ».\nفي هذا الحديث: الحث على العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وأن من أخذ بكتاب الله تعالى فهو على الحق، وهو منصور، ومن ترك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فهو مخذول، وهو على الباطل والضلال.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١٤٠).","vol":"7","page":51},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ- يَعْنِي: ابْنَ إِبْرَاهِيمَ- عَنْ سَعِيدٍ- وَهُوَ ابْنُ مَسْرُوقٍ- عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَقُلْنَا لَهُ: لَقَدْ رَأَيْتَ خَيْرًا، لَقَدْ صَاحَبْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي حَيَّانَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَحَدُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ ﷿، هُوَ حَبْلُ اللَّهِ، مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الْهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلَالَةٍ»، وَفِيهِ، فَقُلْنَا: مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ نِسَاؤُهُ؟ قَالَ: لَا، وَايْمُ اللَّهِ إِنَّ الْمَرْأَةَ تَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ الْعَصْرَ مِنَ الدَّهْرِ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا، فَتَرْجِعُ إِلَى أَبِيهَا وَقَوْمِهَا، أَهْلُ بَيْتِهِ أَصْلُهُ، وَعَصَبَتُهُ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ.\nقوله: «هُوَ حَبْلُ اللَّهِ»: حبل الله هو عهده الذي عهده إلى عباده، والموصل إلى جنته ودار كرامته، فكتاب الله تعالى هو حبله المتين، وهو الصراط المستقيم، وهو الهدى، وهو النور الذي يستضاء به، وهو الحياة، وهو الروح؛ لأنه عليه تتوقف الحياة الحقيقية، وقد سماه الله تعالى روحًا، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ من عبادنا﴾.\nوقوله: «فَقُلْنَا: مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ نِسَاؤُهُ؟ قَالَ: لَا»: هذه الرواية تخالف الرواية الأولى: «نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ» فكيف يجمع بينهما؟\nيجمع بينهما بأن يقال: المراد بأن نساءه لَسْنَ من أهل بيته: أنهن لسن من بني عبد المطلب، وأن المراد بقوله: «نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ»، يعني: في الاحترام والتقدير، والقيام بحقوقهن، ولكنهن لسن من أهل بيته في تحريم الصدقة، فهذا خاص بالعصبة، وهم: بنو هاشم، وبنو المطلب.","vol":"7","page":52},{"text":"[٢٤٠٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ أَبِي حَازِمٍ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: اسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ مِنْ آلِ مَرْوَانَ قَالَ: فَدَعَا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتِمَ عَلِيًّا قَالَ: فَأَبَى سَهْلٌ، فَقَالَ لَهُ: أَمَّا إِذْ أَبَيْتَ، فَقُلْ: لَعَنَ اللَّهُ أَبَا التُّرَابِ، فَقَالَ سَهْلٌ: مَا كَانَ لِعَلِيٍّ اسْمٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَبِي التُّرَابِ، وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ إِذَا دُعِيَ بِهَا، فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنَا عَنْ قِصَّتِهِ لِمَ سُمِّيَ أَبَا تُرَابٍ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ: «أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟»، فَقَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَغَاضَبَنِي، فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِإِنْسَانٍ: «انْظُرْ أَيْنَ هُوَ؟»، فَجَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ، قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، فَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُهُ عَنْهُ، وَيَقُولُ: «قُمْ أَبَا التُّرَابِ، قُمْ أَبَا التُّرَابِ».\n[خ: ٤٤١]\nفي هذا الحديث: أن بعض بني أمية كان عندهم عدوان؛ ولهذا لما تولى المدينةَ بعضُ بني مروان قال لسهل ﵁: اشتم عليًّا، فأبى، فكانوا يشتمون عليًّا ﵁، وبعضهم كانوا يشتمون العلويين، وهذا من جهلهم وضلالهم؛ ولهذا أبى سهل ﵁؛ لأنه ينبغي للإنسان أن يمتنع من الباطل.\nوفيه: أنه لا بأس أن يكون للإنسان كُنيتان، فعلي ﵁ يكنى: أبا الحسن، ويكنى أبا التراب.\nوفيه: أن عليًّا ﵁ كان يحب أن ينادى بأبي التراب؛ لأن النبي ﷺ هو الذي كناه بها.\nوفيه: جواز النوم في المسجد للحاجة.\nوفيه: سؤال الإنسان عن حال ابنته وزوجها؛ فإن النبي ﷺ جاء عليًّا","vol":"7","page":53},{"text":"﵁، وسأل ابنته ﵂، فقال: «أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟» فَقَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَغَاضَبَنِي، فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي»، يعني: لم ينم القيلولة عندنا، وإنما نام في المسجد.\nوفيه: أن الإنسان قد يكون بينه وبين أهله مغاضبة ولو كان من أفضل الناس وخير الناس، فعلي ﵁ من الخلفاء الراشدين ومن المبشرين بالجنة، وفاطمة ﵂ سيدة نساء أهل الجنة، وقد حصل بينهما مغاضبة في بعض أمور الدنيا.\nوفيه: أن الإنسان لو حصل مغاضبة بينه وبين أهله ينبغي له أن يخرج من البيت حتى لا يشتد الخصام والنزاع، ويؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، وهذا الفعل من أسباب إزالة الغضب، كما جاء في حديث أبي ذر ﵁ من استحباب تغيير الغضبان حالَه، فإذا كان قائمًا جلس، وإذا كان جالسًا اضطجع (^١)، وجاء في الحديث الآخر أمره بالوضوء (^٢)؛ لكي يطفئ نار الغضب، كل هذه الأمور تخفف الغضب، وتعين على كظمه.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢١٣٤٨)، وأبو داود (٤٧٨٢).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٧٨٤)، والطبراني في الكبير (٤٤٣).","vol":"7","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1133>بَابٌ فِي فَضْلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁</span>.\n\n[٢٤١٠] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَرِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: «لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ» قَالَتْ: وَسَمِعْنَا صَوْتَ السِّلَاحِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ هَذَا؟» قَالَ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ أَحْرُسُكَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ.\n[خ: ٢٨٨٥]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَهِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقْدَمَهُ الْمَدِينَةَ لَيْلَةً، فَقَالَ: «لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ» قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ سَمِعْنَا خَشْخَشَةَ سِلَاحٍ، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟» قَالَ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا جَاءَ بِكَ؟» قَالَ: وَقَعَ فِي نَفْسِي خَوْفٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجِئْتُ أَحْرُسُهُ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ نَامَ.\nوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ: فَقُلْنَا: مَنْ هَذَا؟\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: أَرِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ.\n\n[٢٤١١] حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ- يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ غَيْرِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ؛ فَإِنَّهُ جَعَلَ يَقُولُ لَهُ- يَوْمَ أُحُدٍ-: «ارْمِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي».\n[خ: ٢٩٠٥]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا","vol":"7","page":55},{"text":"شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مِسْعَرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nقولها: «حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ»: الغطيط: صوتُ النائمِ المرتفعُ.\nوقولها «سَمِعْنَا خَشْخَشَةَ سِلَاحٍ»، أي: صوت سلاح صدم بعضه بعضًا.\nوقول علي ﵁: «مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ غَيْرِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ»: قاله بحسب علمه، وإلا فقد جمعهما- أيضًا- للزبير ﵁، كما سيأتي في الأحاديث بعده.\nوفي هذه الأحاديث: مناقب لسعد بن أبي وقاص ﵁، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، فبعد أن ذكر المؤلف ﵀ مناقب الخلفاء الراشدين الأربعة، انتقل إلى ذكر مناقب بقية العشرة المبشرين بالجنة.\nوفيها: دليل على أن النبي ﷺ بشرٌ يصيبه ما يصيب البشرَ من الأرق والمرض والتعب والجوع والنصب، إلا أن الله تعالى اختصه بالرسالة والنبوة، فيطاع، ويُتَّبع، ويُحَب، وتُصدَّق أخباره، وتنفَّذ الأحكام التي جاء بها ﵊، ولكنه لا يُعبَد؛ فالمعبود هو الله ﷾.\nوفيها: منقبة لسعد بن أبي وقاص ﵁ حين جاء يحرس النبي ﷺ، ووقع في نفسه خوف عليه، ووافق بذلك رغبة النبي ﷺ حين قال: «لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ»، وفيه: النص على أن سعدًا ﵁ رجل صالح.\nوحراسة النبي ﷺ كانت قبل أن ينزل قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، ثم لما أنزل الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ كان لا يُحرس.","vol":"7","page":56},{"text":"وفيها: دليل على أن الحراسة من الأسباب، والأسباب لا تنافي التوكل على الله ﷿؛ لأن النبي ﷺ سيد المتوكلين ومع ذلك كان يُحرس.\nوقد ثبت أن المغيرة بن شعبة ﵁ كان في صلح الحديبية ومعه السيف وعليه المغفر واقفًا على رأس النبي ﷺ يحرسه وهو يفاوض المشركين، ولما مد بعض المشركين يده إلى لحية النبي ﷺ ضرب المغيرة يده بنعل السيف وقال: «أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» (^١)، وفي حديث السَّائب بن يزيد ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ يَوْمَ أُحُدٍ» (^٢)، وهذا من فعل الأسباب أيضًا.\nوفيها: أن من مناقب سعد ﵁: أن النبي ﷺ فداه بأبيه وأمه، وقال: «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي»، يعني: أفديك بأبي وأمي، واحتج به الجمهور على جواز التفدية بالأبوين، وكرهه جماعة، منهم: عمر بن الخطاب ﵁، والحسن البصري ﵀ ذكره النووي ﵀ (^٣).\nوذهب جماعة إلى الجواز، وأن التفدية المراد بها: إظهار المحبة واللطف للشخص.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٣١).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٥٧٢٢)، وأبو داود (٢٥٩٠).\n(^٣) شرح مسلم، للنووي (١٥/ ١٨٤).","vol":"7","page":57},{"text":"[٢٤١٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ سَعِيدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ.\n[خ: ٣٧٢٥]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ لَهُ أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَحْرَقَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي»، قَالَ: فَنَزَعْتُ لَهُ بِسَهْمٍ لَيْسَ فِيهِ نَصْلٌ فَأَصَبْتُ جَنْبَهُ، فَسَقَطَ فَانْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى نَوَاجِذِهِ.\nقوله: «كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَحْرَقَ الْمُسْلِمِينَ»، يعني: أثخن في جراحتهم حتى أثر فيهم كما تؤثِّر النار بالإحراق.\nوقوله: «فَنَزَعْتُ لَهُ بِسَهْمٍ لَيْسَ فِيهِ نَصْلٌ»، يعني: رماه بسهم ليس فيه حديدة، فضحك النبي ﷺ من تأثير سعد ﵁ فيه، وارتياحًا لقتل عدو الله، حتى بدت نواجذه، يعني: ظهرت أنيابه ﵊ من ضحكه، وقيل: أضراسه.\nوفي هذا الحديث: شجاعة سعد ﵁ وإقدامه، وهذا ناشئ عن قوة إيمانه؛ فإن الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام.","vol":"7","page":58},{"text":"[١٧٤٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ نَزَلَتْ فِيهِ آيَاتٌ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ: حَلَفَتْ أُمُّ سَعْدٍ أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ أَبَدًا حَتَّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ، وَلَا تَأْكُلَ وَلَا تَشْرَبَ قَالَتْ: زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ وَصَّاكَ بِوَالِدَيْكَ، وَأَنَا أُمُّكَ وَأَنَا آمُرُكَ بِهَذَا، قَالَ: مَكَثَتْ ثَلَاثًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهَا مِنَ الْجَهْدِ، فَقَامَ ابْنٌ لَهَا، يُقَالُ لَهُ: عُمَارَةُ، فَسَقَاهَا، فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى سَعْدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ فِي الْقُرْآنِ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾، حتى ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي﴾، وَفِيهَا: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. قَالَ: وَأَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنِيمَةً عَظِيمَةً، فَإِذَا فِيهَا سَيْفٌ، فَأَخَذْتُهُ فَأَتَيْتُ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ فَقُلْتُ: نَفِّلْنِي هَذَا السَّيْفَ، فَأَنَا مَنْ قَدْ عَلِمْتَ حَالَهُ، فَقَالَ: «رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ»، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أُلْقِيَهُ فِي الْقَبَضِ لَامَتْنِي نَفْسِي، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: أَعْطِنِيهِ، قَالَ فَشَدَّ لِي صَوْتَهُ: «رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ» قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾.\nقَالَ: وَمَرِضْتُ فَأَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَانِي، فَقُلْتُ: دَعْنِي أَقْسِمْ مَالِي حَيْثُ شِئْتُ، قَالَ: فَأَبَى، قُلْتُ: فَالنِّصْفَ قَالَ: فَأَبَى، قُلْتُ: فَالثُّلُثَ قَالَ: فَسَكَتَ، فَكَانَ بَعْدُ الثُّلُثُ جَائِزًا. قَالَ: وَأَتَيْتُ عَلَى نَفَرٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: تَعَالَ نُطْعِمْكَ وَنَسْقِكَ خَمْرًا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الْخَمْرُ قَالَ: فَأَتَيْتُهُمْ فِي حَشٍّ، وَالْحَشُّ الْبُسْتَانُ، فَإِذَا رَأْسُ جَزُورٍ مَشْوِيٌّ عِنْدَهُمْ وَزِقٌّ مِنْ خَمْرٍ قَالَ: فَأَكَلْتُ وَشَرِبْتُ مَعَهُمْ قَالَ: فَذَكَرْتُ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرِينَ عِنْدَهُمْ، فَقُلْتُ: الْمُهَاجِرُونَ خَيْرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: فَأَخَذَ رَجُلٌ أَحَدَ لَحْيَيِ الرَّأْسِ، فَضَرَبَنِي بِهِ فَجَرَحَ بِأَنْفِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ فِيَّ- يَعْنِي: نَفْسَهُ- شَأْنَ الْخَمْرِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ","vol":"7","page":59},{"text":"مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: أُنْزِلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ زُهَيْرٍ عَنْ سِمَاكٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ قَالَ: فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُطْعِمُوهَا شَجَرُوا فَاهَا بِعَصًا ثُمَّ أَوْجَرُوهَا، وَفِي حَدِيثِهِ- أَيْضًا-: فَضَرَبَ بِهِ أَنْفَ سَعْدٍ فَفَزَرَهُ، وَكَانَ أَنْفُ سَعْدٍ مَفْزُورًا.\nقوله: «أَرَدْتُ أَنْ أُلْقِيَهُ فِي الْقَبَضِ»: القَبَض- بفتح القاف والباء-: الموضع الذي يجمع فيه الغنائم.\nوقوله: «شَجَرُوا فَاهَا بِعَصًا ثُمَّ أَوْجَرُوهَا»، أي: فتحوه، ثم صبوا فيها الطعام.\nوقوله: «فَفَزَرَهُ»، يعني: شقه، «وَكَانَ أَنْفُ سَعْدٍ مَفْزُورًا»، أي: مشقوقًا.\nقوله: «فَأَخَذَ رَجُلٌ أَحَدَ لَحْيَيِ الرَّأْسِ»: اللَّحْيُ: عظم الحنك الذي عليه الأسنان.\nوفي هذا الحديث: شيء من مناقب سعد ﵁، وقد نزلت فيها آيات أربع- كما سيأتي، منها قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾، إلى قوله: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، وذلك: أن أمه كانت مشركة، فأرادت أن ترده عن دينه إلى الشرك، وأمرته أن يكفر به، قالت: «أَلَيْسَ اللهُ يَأْمُرُكَ بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ؟ وَاللهِ لَا آكُلُ طَعَامًا، وَلا أَشْرَبُ شَرَابًا، حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ»، وفي الرواية الأخرى: «فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُطْعِمُوهَا شَجَرُوا فَاهَا بِعَصًا، ثُمَّ أَوْجَرُوهَا»، وإنما شجروها بالعصا لئلَّا تطبقه فيمتنع وصول الطعام إلى جوفها.\nفلا يطاع الأبوان في الشرك ولا في المعصية، ولذلك روي أن سعدًا ﵁","vol":"7","page":60},{"text":"قال لها: «يَا أُمَّه، تَعْلَمِينَ- واللهِ يَا أُمَّه- لَوْ كَانَتْ لَكَ مِائَةُ نَفْسٍ فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا ما تَرَكْتُ هَذَا الشيءَ، إِنْ شِئْتِ فَكُلِي، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَأْكُلِي، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ أَكَلَتْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» (^١).\nولكن مع ذلك يتلطف الابن مع الوالد ولو كان كافرًا، فيحسن إليه، وينفق عليه، ويخاطبه بما يناسبه؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، وقد ثبت في الصحيحين أن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قدمت إليها أمها وهي مشركة، وهي راغبة في رزقها، فاستفتت النبي ﷺ في ذلك، فقال لها النبي ﷺ: «صِلِي أُمَّكِ» (^٢)، والله تعالى يقول: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾، فَيُحسَن إلى الوالدين وغير الوالدين من الكفار إذا لم يكونوا حربيين، وينفَق عليهم، ويُطعَمون، ويُسقَون، ويعامَلون معاملة طيبة، ومن ذلك: أن عمر ﵁ لما جاءته حلة من حرير أرسلها إلى أخ له بمكة كان مشركًا (^٣).\nوقوله: «نَفِّلْنِي هَذَا السَّيْفَ»، يعني: أعطني إياه زيادة على قسمي من الغنيمة، فالنفل هو الزيادة، وقد سبق في باب الأنفال أن القائد أو الإمام له أن ينفل بعض أفراد الجيش، فينفل سلب القتيل، وقد قال ﷺ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» (^٤)، فينفل من كان له تأثير في الجيش فيعطيه زيادة على نصيبه، والسرية إذا انطلقت من الجيش ثم غنمت تنفل الربع في الذهاب والثلث في الإياب زيادة على نصيبهم، ثم بعد ذلك يؤخذ الخمس، ثم تقسم أربع أخماس على الغانمين.\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٠/ ٣٣١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٦٢٠)، ومسلم (١٠٠٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٨٨٦)، ومسلم (٢٠٦٨).\n(^٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٦٩٩٥)، والبيهقي في الكبرى (١٢٧٨١).","vol":"7","page":61},{"text":"فسعد ﵁ قال لرسول الله ﷺ: «نَفِّلْنِي هَذَا السَّيْفَ»، وكرر طلبه هذا ثلاث مرات، وفي كل مرة يقول له النبي ﷺ: «رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ»، فأنزل الله هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\nوفيه: أنه لما مرض سعد ﵁ وهو بمكة مرضًا أوشك فيه على الموت، فعاده النبي ﷺ، وصب عليه من وضوئه فأفاق، فاستأذن النبي ﷺ في قسمة ماله حيث شاء، وقال- كما في الحديث الآخر-: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا، وَإِنَّمَا يَرِثُنِي ابْنَتِي، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَبِالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَالنِّصْفُ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّ صَدَقَتَكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ نَفَقَتَكَ عَلَى عِيَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ مَا تَأْكُلُ امْرَأَتُكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّكَ أَنْ تَدَعَ أَهْلَكَ بِخَيْرٍ- أَوْ قَالَ: بِعَيْشٍ- خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» (^١).\nوفيه: دليل على خبث الخمر؛ لما تفعل بشاربها.\nوفيه: أنه قبل أن تحرم الخمر شرب سعد ﵁ مع أصحابه، فجعلوا يتحدثون وهم سكارى، فقال سعد ﵁: «فَذَكَرْتُ الْأَنْصَارَ، وَالْمُهَاجِرِينَ عِنْدَهُمْ، فَقُلْتُ: الْمُهَاجِرُونَ خَيْرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: فَأَخَذَ رَجُلٌ أَحَدَ لَحْيَيِ الرَّأْسِ، فَضَرَبَنِي بِهِ فَجَرَحَ بِأَنْفِي»، وهكذا السكران لا يعلم ولا يعقل ما يفعل، وإذا عارضه أحد فإنه لا يبالي؛ لأنه ليس لديه عقل؛ ولذلك حرمها الله تعالى تعالى بقوله: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾، وقد نزلت في سعد ﵁، وهذا من مناقبه، ويحتمل أنها نزلت فيه وفي غيره.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٩٣٦)، ومسلم (١٦٢٨).","vol":"7","page":62},{"text":"[٢٤١٣] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ، فِيَّ نَزَلَتْ: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي سِتَّةٍ أَنَا، وَابْنُ مَسْعُودٍ مِنْهُمْ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَالُوا لَهُ: تُدْنِي هَؤُلَاءِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اطْرُدْ هَؤُلَاءِ؛ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ، وَبِلَالٌ، وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾.\nفي هذا الحديث: دليل على أن سعدًا ﵁ قد تقدم إسلامه، وكان من المستضعفين كبلال ﵁ وغيره من الذين كان المشركون يحتقرونهم، ويقولون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء، لا يجلسون معنا حتى نسمع منك، فوقع في نفس رسول الله ﷺ- وكان حريصًا على هدايتهم- أن يجعل لهم مجلسًا خاصًّا؛ لعل الله أن يهديهم، فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه﴾، وفي هذا منقبة لهم، وهي أن الله تعالى شهد لهم بأنهم: ﴿يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾.","vol":"7","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1134>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ ﵄</span>.\n\n[٢٤١٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالُوا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ- وَهُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: لَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَيَّامِ الَّتِي قَاتَلَ فِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ طَلْحَةَ، وَسَعْدٍ عَنْ حَدِيثِهِمَا.\n[خ: ٣٧٢٣]\nفي هذا الحديث: منقبة لسعد وطلحة ﵄ في ثباتهما يوم أُحُد حين انكشف الناس، ولم يبق مع النبي ﷺ إلا سعد وطلحة ﵄ يقاتلون أعداء الله، ويفدون رسول الله ﷺ بنفسيهما.\n\n[٢٤١٥] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ، فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ، فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ».\n[خ: ٢٨٤٦]\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جميعًا عَنْ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.\nفي هذا الحديث: منقبة للزبير ﵁، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، فالنبي ﷺ ندب الناس، يعني: دعاهم للجهاد وحضهم عليه ثلاث مرات، في كل مرة يجيبه الزبير ﵁، فقال النبي ﷺ في المرة الثالثة: «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ،","vol":"7","page":64},{"text":"وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ»، والحواري: الصاحب، والناصر الخالص الصحبة، ومنه: الحواريون أصحاب عيسى ﵊.\n\n[٢٤١٦] حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْخَلِيلِ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ مُسْهِرٍ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ مَعَ النِّسْوَةِ فِي أُطُمِ حَسَّانَ، فَكَانَ يُطَأْطِئُ لِي مَرَّةً، فَأَنْظُرُ وَأُطَأْطِئُ لَهُ مَرَّةً، فَيَنْظُرُ فَكُنْتُ أَعْرِفُ أَبِي، إِذَا مَرَّ عَلَى فَرَسِهِ فِي السِّلَاحِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي، فَقَالَ: وَرَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ أَبَوَيْهِ، فَقَالَ: فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي.\n[خ: ٣٧٢٠]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ كُنْتُ أَنَا، وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي الْأُطُمِ الَّذِي فِيهِ النِّسْوَةُ- يَعْنِي: نِسْوَةَ النَّبِيِّ ﷺ-، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُرْوَةَ فِي الْحَدِيثِ، وَلَكِنْ أَدْرَجَ الْقِصَّةَ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ.\nقوله: «فِي أُطُمِ حَسَّانَ»: الأُطُمُ هو: الحصن، والجمع: آطام، كعنق وأعناق.\nوقوله: «فَكَانَ يُطَأْطِئُ لِي مَرَّةً فَأَنْظُرُ»، يعني: يخفض لي ظهره حتى أنظر إلى أبي معه السلاح، وقد ذهب إلى بني قريظة، وهذه منقبة للزبير ﵁، فقد كان من الشجعان، وهو ابن عمة النبي ﷺ صفية بنت عبد المطلب ﵂، وهو الذي قال فيه الأنصاري للنبي ﷺ: «أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣٥٩)، ومسلم (٢٣٥٧).","vol":"7","page":65},{"text":"وفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ فدى- أيضًا- الزبير ﵁، ففيه: دليل على أن قول علي ﵁ السابق: «مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ غَيْرِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ» كان حسب علمه، كما أسلفنا.\nوفيه: أن عبد الله بن الزبير ﵄ كان صبيًّا صغيرًا حينذاك، فكان مع النساء في الحصن، قال النووي ﵀: «في هذا الحديث دليل لحصول ضبط الصبي وتمييزه وهو ابن أربع سنين؛ فإن ابن الزبير ولد عام الهجرة في المدينة، وكان الخندق سنة أربع من الهجرة على الصحيح، فيكون له في وقت ضبطه لهذه القضية دون أربع سنين، وفي هذا رد على ما قاله جمهور المحدثين أنه لا يصح سماع الصبي حتى يبلغ خمس سنين.\nوالصواب: صحته متى حصل التمييز وإن كان ابن أربع أو دونها» (^١).\n\n[٢٤١٧] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَلَى حِرَاءٍ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اهْدَأْ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدٌ».\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَلَى جَبَلِ حِرَاءٍ، فَتَحَرَّكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اسْكُنْ حِرَاءُ، فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدٌ»، وَعَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵃.\nقوله: «اهْدَأْ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدٌ»، يعني: اسكت؛ ففيه:\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٥/ ١٩٠).","vol":"7","page":66},{"text":"دليل على أن الله تعالى قد جعل في الجبل التمييز؛ ولذلك خاطبه النبي ﷺ، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، وفي الصحيحين: أن النبي ﷺ قال- لما رأى جبلَ أحد وهو راجع إلى المدينة-: «إِنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» (^١)، فجعل الله فيه التمييز، والله على كل شيء قدير، ولذلك أثبت له النبي ﷺ المحبة.\nوفي هذين الحديثين: علم من أعلام النبوة؛ حيث وقع ما أخبر به ﷺ.\nوفيهما: منقبة لهؤلاء المذكورين من الصحابة رضوان الله عنهم.\nوفيهما: شهادة النبي ﷺ لنفسه بالنبوة، وشهادته لأبي بكر ﵁ بالصديقية، وشهادته للبقية ﵃ بالشهادة؛ لأنهم قُتلوا ظلمًا، وهم: عمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، قال النووي ﵀: «وقد ثبت أن من قُتل ظلمًا فهو شهيد، والمراد: شهداء في أحكام الآخرة، وعظيم ثواب الشهداء، وأما في الدنيا فَيُغسَّلون ويُصلَّى عليهم» (^٢).\nوأما سعد بن أبي وقاص ﵁ فإنه لم يقتل شهيدًا، ولكنه كان معهم، والمعنى: أنه مشهود له بالجنة، قال النووي ﵀: «قال القاضي: إنما سمي شهيدًا؛ لأنه مشهود له بالجنة» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٠٨٣)، ومسلم (١٣٩٣).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٥/ ١٩٠).\n(^٣) شرح مسلم، للنووي (١٥/ ١٩٠).","vol":"7","page":67},{"text":"[٢٤١٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَعَبْدَةُ قَالَا: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: أَبَوَاكَ- وَاللَّهِ- مِنَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ: تَعْنِي أَبَا بَكْرٍ، وَالزُّبَيْرَ.\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنِ الْبَهِيِّ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: كَانَ أَبَوَاكَ مِنَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ.\nقول عائشة ﵂: «أَبَوَاكَ- وَاللَّهِ- مِنَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ»، وأبواه هما: الزبير، وأبو بكر ﵄، فالزبير أبوه، وأبو بكر كذلك أبوه من قِبل أمه، فهو جده ﵃ جميعًا.\nوفي هذا الحديث: منقبة للزبير وأبي بكر ﵄، فهما من الذين استجابوا لله والرسول، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ والمقصود: أنهم من الذين أحيا الله قلوبهم بالإيمان.","vol":"7","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1135>بَابُ فَضَائِلِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ</span>\n\n[٢٤١٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ خَالِدٍ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَإِنَّ أَمِينَنَا- أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ- أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ».\n[خ: ٣٧٤٤]\nحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ- عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا يُعَلِّمْنَا السُّنَّةَ وَالْإِسْلَامَ قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَقَالَ: «هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ».\n\n[٢٤٢٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: جَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا أَمِينًا، فَقَالَ: «لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ حَقَّ أَمِينٍ» قَالَ: فَاسْتَشْرَفَ لَهَا النَّاسُ قَالَ: فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nقوله: «فَاسْتَشْرَفَ لَهَا النَّاسُ»، يعني: تطلعوا إليها ورغبوا فيها، لا رغبة في الولاية، وإنما حتى ينطبق عليهم هذا الوصف.\nوفي هذه الأحاديث: منقبة عظيمة لأبي عبيدة بن الجراح ﵁، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃.","vol":"7","page":69},{"text":"وفيها: أنه أمين الأمة ﵁، والأمين هو الثقة المرضي، قال النووي ﵀: «قال العلماء: والأمانة مشتركة بينه وبين غيره من الصحابة، لكن النبي ﷺ خص بعضهم بصفات غلبت عليهم، وكانوا بها أخصَّ» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٥/ ١٩١).","vol":"7","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1136>بَابُ فَضَائِلِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ﵄</span>\n\n[٢٤٢١] حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِحَسَنٍ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ، فَأَحِبَّهُ وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ».\n[خ: ٢١٢٢]\nفي هذا الحديث: شيء من مناقب الحسن بن علي ﵁، وقد قال ﷺ فيه وفي الحسين ﵁: «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (^١).\nوفيه: دعوة وحث على محبته ﵁.\nوفيه: شهادة للحسن ﵁ بأنه من أحباب الله، وأحباب رسوله ﷺ، ومن أحباب المؤمنين الممتثلين لأمر النبي ﵇ بمحبته.\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنَ النَّهَارِ، لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ، حَتَّى جَاءَ سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، ثُمَّ انْصَرَفَ حَتَّى أَتَى خِبَاءَ فَاطِمَةَ، فَقَالَ: «أَثَمَّ لُكَعُ، أَثَمَّ لُكَعُ»، يَعْنِي: حَسَنًا، فَظَنَنَّا أَنَّهُ إِنَّمَا تَحْبِسُهُ أُمُّهُ، لِأَنْ تُغَسِّلَهُ وَتُلْبِسَهُ سِخَابًا، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ يَسْعَى، حَتَّى اعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ».\n\n[٢٤٢٢] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ- وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ- حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ: رَأَيْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ».\n[خ: ٣٧٤٩]\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٠٩٩٩).","vol":"7","page":71},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ ابْنُ نَافِعٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ- وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ- عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاضِعًا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ».\nقوله: «وَتُلْبِسَهُ سِخَابًا»: السخاب: هو القلادة يكون فيها من القرنفل، أو من الطيب يلبسها الصبيان، واستُدل به على أنه لا بأس بأن يلبس الصبي، أو الصبية شيئًا من القلادة من باب الزينة والجمال؛ لأنه صغير، ولهذا ألبسته فاطمة ﵂ سخابًا، ولم ينكر النبي ﷺ ذلك، وهذا من باب الزينة، وليس فيه تشبه بالنساء، فهي تجمله، وهو يفرح بها.\nوفي هذه الأحاديث: منقبة للحسن ﵁؛ فقد كان النبي ﷺ يحبه حبًّا شديدًا، فكان يأتي بيت فاطمة ﵂ يسأل عنه، وقد كان الحسن والحسين ﵄ صغيرين لما توفي النبي ﷺ، أحدهما: ابن سبع سنين، والآخر ابن ثمان.\nوفيها: أن النبي ﷺ جاء سوق بني قينقاع وهم طائفة من اليهود، ثم جاء إلى بيت فاطمة فقال: «أَثَمَّ لُكَعُ؟»: أثم ظرف مكان، بمعنى: أهنا لكع؟ المراد به: أهنا الصغير، يعني: أهو موجود؟\nوفيها: دليل على المعانقة، والمشروع عند العلماء أن المعانقة تكون عند القدوم من السفر، كما في حديث أنس: «كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا تَلَاقَوْا تَصَافَحُوا، وَإِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ تَعَانَقُوا» (^١)، وكره الإمام مالك المعانقة- أيضًا- حتى عند القدوم من السفر (^٢)، وبعضهم ألحقوا بها طول الغيبة، وأما ما يفعله بعض الناس من المعانقة دائمًا فليس له أصل، وإنما السنة: المصافحة، وكذلك المعانقة في يوم العيد ليس لها أصل، وكذلك المعانقة\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩٧).\n(^٢) التمهيد، لابن عبد البر (٢١/ ١٧).","vol":"7","page":72},{"text":"عند العزاء، والصحيح أنه إذا أراد أن يعزيه فليصافحه، وليقل: أحسن الله عزاءك، وجبر مصابك، وغفر الله لميتك، بدون معانقة، وكذلك الاجتماع للعزاء في البيت وصنع الطعام كل هذا من النياحة، قال جرير بن عبد الله البجلي ﵁: «كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنِيعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنَ النِّيَاحَةِ» (^١).\n\n[٢٤٢٣] حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرُّومِيُّ الْيَمَامِيُّ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ- وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ- حَدَّثَنَا إِيَاسٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَقَدْ قُدْتُ بِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ بَغْلَتَهُ الشَّهْبَاءَ، حَتَّى أَدْخَلْتُهُمْ حُجْرَةَ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا قُدَّامَهُ، وَهَذَا خَلْفَهُ.\nفي هذا الحديث: منقبة للحسن والحسين ﵁، حيث كانوا ثلاثة معه ﷺ على بغلته، واحد أمامه ﷺ، وواحد خلفه.\nوفيه: دليل على جواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق، يكون عليها اثنان، أو ثلاثة فلا حرج.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦٩٠٥).","vol":"7","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1137>بَابُ فَضَائِلِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ</span>.\n\n[٢٤٢٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةً، وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا».\nقولها: «وَعَلَيْهِ مِرْطٌ»، يعني: كساءً.\nوقولها: «مُرَحَّلٌ»، أي: عليه صورة رحال الإبل، وفي لفظ: «مُرَجَّل» (^١) بالجيم، أي: عليه صورة مراجل القدور.\nوفي هذا الحديث: منقبة لهؤلاء الصحابة ﵃.\nوفيه: دليل على أن هؤلاء هم أهل بيته: الحسن، والحسين، وفاطمة، وعلي ﵃، وجاء- أيضًا- في حديث آخر مثل هذا، وذلك لما نزلت آية المباهلة، لما جاء وفد نجران ونزل قول الله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا، وَفَاطِمَةَ، وَحَسَنًا، وَحُسَيْنًا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي» (^٢).\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٦/ ٥٩٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٤٠٤).","vol":"7","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1138>بَابُ فَضَائِلِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄</span>.\n\n[٢٤٢٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا كُنَّا نَدْعُ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إِلَّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، حَتَّى نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.\nقَالَ الشَّيْخُ أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الدُّوَيْرِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ.\n[خ: ٤٧٨٢]\nحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنِي سَالِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، بِمِثْلِهِ.\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان قد تبنى أسامة ﵁، يعني: جعله ابنًا له، فصار الناس يدعونه زيد بن محمد، وكان هذا جائزًا في أول الإسلام، وكانوا يفعلونه في الجاهلية، فكان الرجل يتبنى الرجل، يعني: ينسبه إلى نفسه، ويقول: إنه ابني، وكان يرثه بعد ذلك، حتى أبطل الله تعالى التبني وهدمه قولًا: بأن أنزل في ذلك قوله: ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾ فدعي بعد ذلك زيد لأبيه، وهدمه فعلًا: بأن أمر اللهُ النبيَّ ﷺ أن يتزوج زينب بنت جحش ﵂ بعد أن طلقها زيد بن حارثة ﵁، وكانوا في الجاهلية لا يتزوجون زوجة الابن المتبنَّى، فزوجه الله تعالى إياها من فوق سبع سماوات، فدخل عليها من دون ولي، ومن دون مهر، فكانت تفخر على نساء النبي ﷺ، وتقول: «زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٤٢٠).","vol":"7","page":75},{"text":"وقد أنزل الله تعالى في ذلك آياتٍ تتلى إلى قيام الساعة، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ وهو زيد بن حارثة ﵁، أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمتَ عليه بالعتق ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾، وهي زينب ﵂ لما جاء يشكوها إليه، وكانت زوجته، ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ في أمورك عامة، وفي أمر زوجك خاصة، ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ والذي أخفاه، أنه لو طلقها زيد لتزوجها ﷺ، ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ في عدم إبداء ما في نفسك ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾، وأن لا تباليهم شيئًا، ثم أخبره أنه سيتزوجها، فقال تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها﴾، وبين الله تعالى الحكمة في ذلك، فقال: ﴿لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم﴾ وهو الابن الْمُدَّعى ﴿إذا قضوا منهن وطرًا﴾، أي: طابت نفوسهم، ورغبوا عنهن، وفارقوهن، فأمر الله تعالى أن يتزوج زوجة ابنه الدعي؛ حتى يهدم التبني، فهدم الله تعالى التبني وأبطله، وأبطل الأحكام المترتبة عليه.","vol":"7","page":76},{"text":"[٢٤٢٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ النَّاسُ فِي إِمْرَتِهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمْرَتِهِ، فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمْرَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ».\n[خ: ٣٧٣٠]\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُمَرَ- يَعْنِي: ابْنَ حَمْزَةَ- عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ- وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ-: «إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ- يُرِيدُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ- فَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لَهَا، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَأَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَايْمُ اللَّهِ إِنَّ هَذَا لَهَا لَخَلِيقٌ- يُرِيدُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ- وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَأَحَبَّهُمْ إِلَيَّ مِنْ بَعْدِهِ، فَأُوصِيكُمْ بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ صَالِحِيكُمْ».\nفي هذين الحديثين: منقبة لأسامة بن زيد وأبيه زيد بن حارثة ﵄؛ وذلك أن النبي ﷺ بعث بعثًا، يعني: سرية، وأمَّر عليهم أسامة ﵁، فطعن الناس فيه، يعني: عابوه وانتقصوه، فأنكر النبي ﷺ عليهم ذلك، وخطب الناسَ، وقال: «إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمْرَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَةِ أَبِيهِ، مِنْ قَبْلُ»، يعني: إن كان بعض الناس عاب عليه الإمارة فقد عيب على أبيه من قبل، ثم قال: «وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمْرَةِ»، يعني: كان جديرًا وأهلًا لها، فهذه منقبة لأسامة وزيد ﵄؛ لشهادة النبي ﷺ لهما بذلك.\nوفيهما: دليل على تولية الصغير على الجيش ولو كان تحت إمرته من هم أكبر منه سنًّا؛ لأنه كان صغيرًا ابن سبعة عشر عامًا.","vol":"7","page":77},{"text":"وفيهما: دليل على جواز إمارة العتيق، وتولية المفضول مع وجود الفاضل؛ لأنه كان في الجيش أبو بكر وعمر ﵄، وأنه لا يشترط في الإمارة أن يكون فاضلًا، أو أن يكون كبير السن، إنما ينظر في هذا لمن يصلح للإمارة.\nوفيهما: الدفاع عن عرض المسلم إذا طُعن فيه، وتكلم فيه الناس واغتابوه.\nوفيهما: جواز الثناء على الإنسان في وجهه والتزكية له، إذا كان الثناء قليلًا وكان الممدوح لا يُخشى عليه فتنة الإعجاب بالنفس؛ ولهذا أثنى النبي ﷺ على أسامة، وأثنى على الزبير، وسعد بن أبي وقاص ﵃ أمامهم، وجمع لهم بين أبويه.\nوهذه هي كيفية الجمع بين هذه النصوص، وبين ما ثبت من أنه ﷺ لما مدح رجل رجلًا أمامه قال له: «وَيْلَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ- مِرَارًا» (^١)، وقال: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمِ التُّرَابَ» (^٢).\nوفيهما: أن الذين طعنوا في إمارته ﵁ لعلهم كانوا من المنافقين، والمدينة كان فيها منافقون بين المسلمين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٦٢)، ومسلم (٣٠٠٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٠٠٢).","vol":"7","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1139>بَابُ فَضَائِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵃</span>.\n\n[٢٤٢٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ لِابْنِ الزُّبَيْرِ: أَتَذْكُرُ إِذْ تَلَقَّيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَأَنْتَ وَابْنُ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَحَمَلَنَا وَتَرَكَكَ.\n[خ: ٣٠٨٢]\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَإِسْنَادِهِ.\nقوله: «فَحَمَلَنَا وَتَرَكَكَ»: لعله حملهما في هذه المرة وتركه، وحمله في مرة أخرى.\nوفي هذا الحديث: منقبة لعبد الله بن جعفر والزبير وابن عباس ﵃.\nوفيه: استحباب تلقي المسافر بالصبيان؛ لأن هذا فيه إيناس له.\n\n[٢٤٢٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا، وقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ تُلُقِّيَ بِصِبْيَانِ أَهْلِ بَيْتِهِ قَالَ: وَإِنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَسُبِقَ بِي إِلَيْهِ فَحَمَلَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ جِيءَ بِأَحَدِ ابْنَيْ فَاطِمَةَ، فَأَرْدَفَهُ خَلْفَهُ قَالَ: فَأُدْخِلْنَا الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةً عَلَى دَابَّةٍ.\nفي هذا الحديث: منقبة لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵄، وكان أبوه جعفر ﵁ قد قُتل شهيدًا يوم مؤتة، فالنبي ﷺ تلقى ابنه عبد الله وجعله بين","vol":"7","page":79},{"text":"يديه، يعني: أمامه، وجعل أحد ابني فاطمة خلفه، فدخلوا المدينة وهم ثلاثة على الدابة.\nوفيه: جواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عَاصِمٍ، حَدَّثَنِي مُوَرِّقٌ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ تُلُقِّيَ بِنَا قَالَ: فَتُلُقِّيَ بِي وَبِالْحَسَنِ، أَوْ بِالْحُسَيْنِ قَالَ: فَحَمَلَ أَحَدَنَا بَيْنَ يَدَيْه وَالْآخَرَ خَلْفَهُ، حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ.\n\n[٢٤٢٩] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ- مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ، فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ.\nفي هذا الحديث: منقبة لعبد الله بن جعفر ﵁؛ إذ أردفه النبي ﷺ خلفه، وخصه بأن أسر إليه حديثًا دون غيره من الصحابة ﵃.","vol":"7","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1140>بَابُ فَضَائِلِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا</span>.\n\n[٢٤٣٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَوَكِيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ- وَاللَّفْظُ حَدِيثُ أَبِي أُسَامَةَ-.ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا بِالْكُوفَةِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ».\nقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: وَأَشَارَ وَكِيعٌ إِلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.\n[خ: ٣٤٣٢]\n\n[٢٤٣١] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا- وَاللَّفْظُ لَهُ- عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ مُرَّةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ».\n[خ: ٣٤١١]\nقوله: «كَمَلَ»: مثلث الميم، ثلاث لغات: بفتح الميم، وضمها، والكسر ضعيف.\nوقوله: «وَأَشَارَ وَكِيعٌ إِلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»: أراد وكيع: خير نساء أهل الأرض، وخير نساء أهل الجنة، والأرجح أن الضمير في: «نِسَائِهَا» راجع إلى الأرض فقط.","vol":"7","page":81},{"text":"وفي هذين الحديثين: فضل هؤلاء النسوة، وتفضيلهن على غيرهن من النساء، وهن: مريم بنت عمران- أم عيسى ﵊- وآسية بنت مزاحم- امرأة فرعون-، وخديجة بنت خويلد- زوج الرسول ﷺ- وعائشة- أم المؤمنين- بنت أبي بكر الصديق، وسيأتي في حديث آخر بيان فضل فاطمة بنت النبي ﷺ، فهؤلاء النسوة الخمس هن خير النساء.\nوجنس الرجال أفضل من جنس النساء، لكن بعض أفراد النساء قد يفوق بعض أفراد الرجال بكثير.\nأما تفضيل بعضهن على بعض فهذا فيه خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إن أفضلهن خديجة ﵂، ومنهم من قال: أفضلهن عائشة ﵂، ومنهم من قال: أفضلهن مريم بنت عمران، وفي هذا الحديث قال النبي ﷺ: «خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِد»، أما مريم بنت عمران، فالمعنى: أنها في زمانها هي خير النساء، وخديجة بنت خويلد هي خير النساء في زمانها.\nواحتج بعض العلماء بقوله ﷺ: «وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» على تفضيل عائشة ﵂ على جميع النساء؛ لأن الثريد- وهو خبز الحنطة مع اللحم- أفضل من غيره.\nوقيل: إنه لا يدل على تفضيلها على جميع النساء؛ لاحتمال أن يراد أنها خير نساء هذه الأمة.\nوقد احتج بعض العلماء بهذا الحديث على أن مريم بنت عمران نبية، وأن آسية بنت مزاحم نبية، وأضاف ابن حزم ﵀ (^١) أم موسى وقال: إنها نبية، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ قالوا: هذا يدل على أنها نبية؛ لأن الله أوحى إليها، وكذلك مريم كلَّمتها الملائكة، كما قال تعالى: ﴿إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك\n_________\n(^١) الفصل، لابن حزم (٥/ ١٢ - ١٤).","vol":"7","page":82},{"text":"واصطفاك على نساء العالمين﴾ وهذا يدل على أنها نبية، وهذا قول ضعيف مرجوح لا وجه له.\nوالصواب: أنه ليس في النساء نبية، وأن النبوة مختصة بالرجال، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، فنص الحق ﵎ في هذه الآية الكريمة على أن الرسل والأنبياء لا يكونون إلا من الرجال.\nوالله تعالى لما ذكر فضل مريم ذكر ما وصلت إليه، وأنها وصلت إلى درجة الصديقية، وقال: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة﴾، ولو كانت نبية لذكر هذا في مقام الامتنان، فهي وصلت إلى درجة الصديقية ولم تصل إلى درجة النبوة.\n\n[٢٤٣٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْكَ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ، أَوْ طَعَامٌ، أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ، فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا ﷿ وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ.\nقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ، وَلَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ: وَمِنِّي.\n[خ: ٣٨٢٠]\nقوله: «مِنْ قَصَبٍ»، يعني: من لؤلؤ مجوف.\nوقوله: «لَا صَخَبَ فِيهِ»: الصَّخَب: هو الصوت المختلط.\nوقوله: «وَلَا نَصَبَ»، أي: ولا تعب.\nوهذا الحديث مرسل من كلام أبي هريرة ﵁، ومرسل الصحابي حجة عند الجمهور، فأبو هريرة ﵁ لم يدرك زمن خديجة ﵂، وعليه فيحتمل","vol":"7","page":83},{"text":"أنه سمعه من النبي ﷺ، أو سمعه من صحابي آخر، ثم إن مثل هذا لا يقال فيه بالرأي، فهذا له حكم الحديث المرفوع.\nوفي حديث عائشة ﵂- كما سيأتي-: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ جِبْرِيلَ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ» (^١)، لكن مع خديجة ﵂ قال: «فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي»، وهذه منقبة لا يصل إليها أحد، وقد يقال: إن هذا يدل على فضلها على جميع النساء، وقد يقال: إن عائشة ﵂ أفضل؛ لقول النبي ﷺ: «وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»، وقد جمع بينهما بعض العلماء فقال: إن خديجة ﵂ في أول الإسلام أفضل، وعائشة ﵂ في آخر الإسلام أفضل.\nفخديجة ﵂ كانت هي أفضل النساء في أول الإسلام؛ لأنها أول من آمن من النساء بالنبي ﷺ، ولأنها امرأة عاقلة رزينة راجحة العقل، واست النبي ﷺ بنفسها ومالها، وهدأت من روعه ﵊ في أول البعثة لما جاءه جبريل، وقد حصل له رعب منه، فقالت: «كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ» (^٢) فلخديجة ﵂ مواقف في أول الإسلام عظيمة لا يقوم مقامها أحد.\nوأما عائشة ﵂ فلها بعد انتشار الإسلام فضل عظيم، فهي أفقه النساء، حفظت من العلم الشيء الكثير، ونقلت الأحاديث الكثيرة ونشرتها بين الأمة، ولا سيما ما يكون في بيت النبي ﷺ وما يتعلق بأزواجه، وما يكون في السِّر، فلها فضل عظيم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢١٧)، ومسلم (٢٤٤٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٩٨٢).","vol":"7","page":84},{"text":"[٢٤٣٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَشَّرَ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَشَّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ.\n[خ: ٣٨١٩]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَجَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\n\n[٢٤٣٤] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: بَشَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ.\n[خ: ٣٨١٨]\n\n[٢٤٣٥] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي بِثَلَاثِ سِنِينَ، لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ ﷿ أَنْ يُبَشِّرَهَا، بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ ثُمَّ يُهْدِيهَا إِلَى خَلَائِلِهَا.\nقولها: «خَلَائِلِهَا»: جمع خليلة، وهي الصَّدِيقة.\nوفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان يذبح الشاة، ثم يهديها إلى صديقات خديجة برًّا بها بعد وفاتها ﵂.\nوفيه: دليل على أن من بِرِّ الميت إكرام صديقه، وفي الحديث الآخر أن رجلًا من الأنصار قال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ عَلَيَّ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ بَعْدَ مَوْتِهِمَا أَبَرُّهُمَا بِهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ خِصَالٌ أَرْبَعَةٌ: الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا رَحِمَ لَكَ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِمَا،","vol":"7","page":85},{"text":"فَهُوَ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْكَ مِنْ بِرِّهِمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا» (^١).\nكل هذا من البرِّ بالميت، والنبي ﷺ فعل هذا بنفسه ﵊، فقد كان يكرم خلائل خديجة ﵂ بعد موتها.\nوفيه: أمانة عائشة ﵂ مع الغيرة التي تكون بين النساء، فقد أصابتها غيرة، وقالت: «مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ، مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ»، وقد توفيت قبل أن يتزوج النبي ﷺ عائشة بثلاث سنين، ومع ذلك كانت تغار منها بسبب ما كانت تسمع من ذكره لفضلها.\nثم ذكرت- أيضًا- من فضائلها ﵂، وقالت: «وَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ»، ومع كونها تغار منها فهي تذكر فضائلها التي سمعتها ولا تخفيها، وهذا كله يدل على صدقها وأمانتها وفضلها ﵂.\nحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا عَلَى خَدِيجَةَ، وَإِنِّي لَمْ أُدْرِكْهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ، فَيَقُولُ: «أَرْسِلُوا بِهَا إِلَى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ» قَالَتْ: فَأَغْضَبْتُهُ يَوْمًا، فَقُلْتُ: خَدِيجَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا».\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، إِلَى قِصَّةِ الشَّاةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ بَعْدَهَا.\nفي هذا الحديث: شيء من مناقب خديجة ﵂، وأن لها من الفضل والسَّبق بالإيمان، والعناية بالنبي ﷺ الشيء الكثير.\nوفيه: أن النبي ﷺ قال عن خديجة ﵂: «إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا»؛ فسمى\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦٠٥٩).","vol":"7","page":86},{"text":"حبها رزقًا؛ فكونك تُرزق حبَّ المؤمنين وحب الصالحين، وحب الأخيار والأتقياء فهذا دِين، وهذا فضل عظيم، وهذا من عملك الصالح الذي يوفقك الله إليه، فقد رزق النبي ﷺ حب هذه المؤمنة الصديقة التقية التي سبقت للإسلام والإيمان غيرَها، والتي قدَّمت نفسها ومالها للنبي ﷺ، ونصرة لدينه.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا غِرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ، مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ لِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ إِيَّاهَا، وَمَا رَأَيْتُهَا قَطُّ.\nقول عائشة ﵂: «وَمَا رَأَيْتُهَا قَطُّ»: لأن عائشة ﵂ كانت صغيرة وقتئذٍ، والنبي ﷺ تزوج عائشة ﵂ وهي بنت تسع سنين، وهي تلعب مع البنات، وخديجة ﵂ توفيت قبل ذلك بثلاث سنين، فلم تدركها، ولم ترها، ولم تعرفها.\n\n[٢٤٣٦] حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمْ يَتَزَوَّجْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خَدِيجَةَ حَتَّى مَاتَتْ.\nفي هذا الحديث: شيء من مناقب خديجة ﵂، وهو أنه ﷺ لم يتزوج عليها حتى ماتت، وهي أم جميع أولاده ﷺ، ما عدا إبراهيم فمن ماريا القبطية، وقد توفي إبراهيم ابن النبي ﷺ وهو في الرضاع.","vol":"7","page":87},{"text":"[٢٤٣٧] حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ، فَارْتَاحَ لِذَلِكَ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ»، فَغِرْتُ، فَقُلْتُ: وَمَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ، حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ، فَأَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا.\n[خ: ٣٨٢١]\nقول عائشة ﵂: «فَارْتَاحَ لِذَلِكَ»: قال النووي ﵀: «أي: هش لمجيئها وسُرَّ بها؛ لتِذَكُّرِه بها خديجةَ وأيامَها، وفي هذا كله: دليل لحسن العهد، وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب والعشير في حياته ووفاته، وإكرام أهل ذلك الصاحب» (^١).\nوقولها: «حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ»، يعني: قد سقطت أسنانها، فلا يظهر من شدقيها بياض الأسنان، وإنما تظهر حمرة اللثة، وهذا قالته ﵂ بسبب الغيرة.\nقولها: «فَأَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا»: في رواية في غير الصحيحين أنها لما قالت ذلك قال لها النبي ﷺ: «مَا أَبْدَلَنِي اللهُ ﷿ خَيْرًا مِنْهَا» (^٢).\nوقد يحتج به- إن صح- على تفضيل خديجة ﵂ على جميع النساء، ومنهن عائشة ﵂.\nوفيه: أن النبي ﷺ لم يَرُدَّ على عائشة ﵂، وعَذَرَها بسبب الغيرة التي تصيب النساء، وقد تحملهن على مثل هذا أو أشد، فيعفى عنها في مثل هذه الحال؛ لأن الغيرة تشق على المرأة وتلزمها، وتلجئها إلى مثل هذا الكلام.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٥/ ٢٠٢).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٤٨٦٤).","vol":"7","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1141>بَابٌ فِي فَضْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا</span>.\n\n[٢٤٣٨] حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ جَمِيعًا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي الرَّبِيعِ- حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، جَاءَنِي بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ، فَإِذَا أَنْتِ هِيَ فَأَقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ».\n[خ: ٣٨٩٥]\nحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nفي هذا الحديث: فضل عائشة ﵂، فقد جاءه الملك بصورتها «فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ»، أي: قطعة من حرير، فيكشف عنها فإذا هي، فيقول: «إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ»، وهذا ليس المراد منه الشك أن يكون من عند الله تعالى، وإنما المراد: التحقيق، ويحتمل أن المراد: الشك هل هي من نسائه في الدنيا، أو من نسائه في الجنة، ولكن هذا ليس بواضح.\n\n[٢٤٣٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ أَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى» قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ غَضْبَى»، قُلْتِ: «لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ» قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ.\n[خ: ٥٢٢٨]","vol":"7","page":89},{"text":"وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِهِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.\nفي هذا الحديث: أن هذا الذي قالته عائشة ﵂ لعله يكون بسبب الغيرة؛ فلهذا يعفى عنها؛ لأن الغضب على النبي ﷺ وهجره كبيرة عظيمة؛ ولهذا قالت: «مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ»، وليس معنى ذلك أنها تبغضه، وإنما هذا الهجر للاسم فقط، بسبب الغيرة التي تصيبها من الضرائر.\n\n[٢٤٤٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا كَانَتْ تَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: وَكَانَتْ تَأْتِينِي صَوَاحِبِي، فَكُنَّ يَنْقَمِعْنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ.\n[خ: ٦١٣٠]\nحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ فِي بَيْتِهِ وَهُنَّ اللُّعَبُ.\nقولها: «فَكُنَّ يَنْقَمِعْنَ»: معناه: يتغيبن حياءً منه وهيبةً، وقد يدخلن في بيت ونحوه.\nوقولها: «يُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ»، أي: يرسلهن إليَّ.\nوفي هذا الحديث: أن عائشة ﵂ كانت تلعب بالبنات عند رسول الله ﷺ، وذلك لأنها كانت صغيرة، فقد تزوجها النبي ﷺ وهي بنت تسع سنين، فكانت تأتيها البنات الصغيرات يلعبن معها بعد الزواج في بيت النبي ﷺ، فكن يذهبن هيبةً من النبي ﷺ إذا جاء، فكان رسول الله ﷺ يرسلهن إليها، وهذا من خلقه العظيم وسماحته، وحسن معاشرته.","vol":"7","page":90},{"text":"وفيه: أن بعض العلماء احتج بهذا الحديث على جواز اللُّعَب البنات، وصور البنات، قالوا: وهذا مستثنى من الأحاديث التي فيها النهي عن الصور، والأحاديث التي فيها الأمر بطمسها، فمن ذلك: قول علي ﵁ لأبي الهياج الأسدي: «وَلَا صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا» (^١)، فكانت عائشة ﵂ تلعب بهذه اللعب في بيت النبي ﷺ، ولا ينكر عليها، فدل هذا على أنها مستثناة من الأحاديث التي فيها النهي عن الصور، وأنه يجوز اقتناء الصور إذا كانت لعبًا للأطفال وللبنات الصغار، قالوا: لِمَا في ذلك من تدريب البنات على العناية بالأولاد عندما يصرن أمهاتٍ، وفرَّعوا على هذا القول جواز بيعها وشرائها، قال ابن حجر: «واستدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات بهن وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور وبه جزم عياض ونقله عن الجمهور وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن قال وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ واليه مال بن بطال وحكى عن بن أبي زيد عن مالك أنه كره أن يشتري الرجل لابنته الصور» (^٢).\nومن قال إن هذا الحديث منسوخ بالأحاديث التي فيها النهي عن الصور، قالوا: لا تجوز اللُّعب للأطفال؛ لأن هذا كان أولًا، ثم جاءت النصوص بالنهي عن اتخاذ الصور، فيشمل اللُّعب وغيرها فهي ممنوعة، ولكن قد يقال: إن اللُّعب التي كانت تلعب بها البنات عبارة عن أعواد وعظام تلبس خرقًا، وليست اللُّعب مثل الصور المتحركة الموجودة الآن التي هي صور كلاب وقطط، تمشي وتتحرك، وتذهب تجيء، وتصدر أصواتًا تشبه أصواتَ الحيوانات الحقيقية.\nومال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ إلى أن الجواز إنما هو في\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٦٩).\n(^٢) فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٥٢٧).","vol":"7","page":91},{"text":"اللُّعب التي تُجعل من الصوف والأعواد ونحوها، وقد كان هذا موجودًا إلى عهد قريب، وأما الدمى المتحركة التي تشبه الصور الحقيقية فهذه غير داخلة؛ لما فيها من الفتنة والشر، إلا إذا أُزيل الرأس، فإذا أُزيل الرأس كاملًا زال المحذور، قال شيخنا ﵀: «الأفضل أن يعطي الصبية الصغار ألعابا أخرى غير الصور، الصور فيها أحاديث عظيمة تدل على وجوب طمسها وإتلافها، فالأحوط للمؤمن والمؤمنة أن يتخذوا للصبية الصغار ألعابا أخرى» (^١)، فما كان فيه مضاهاة من كلام وحركة ونحوها وتقع به الفتنة فلا يجوز.\n\n[٢٤٤١] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ مَرْضَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\n[خ: ٢٥٧٤]\nفي هذا الحديث: بعض مناقب عائشة ﵂، وهو أن الناس كانوا يعلمون حبَّ النبي ﷺ لها، فصاروا يَتَحَرَّون يومَها؛ ليرسلوا إليه بالهدايا؛ ولذلك حصلت غيرة لبعض أزواج النبي ﷺ بسبب هذا الفعل، حتى طلبن من النبي ﷺ أن يقول للناس: من كان عنده هدية فليُهدِها في أي يوم، ولا ينتظر يوم عائشة ﵂، لكن النبي ﷺ لم يوافقهن على هذا، كما في الحديث الآتي.\n_________\n(^١) فتاوى نور على الدرب، لابن باز (٧/ ٣٢٠).","vol":"7","page":92},{"text":"[٢٤٤٢] حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ- وَهُوَ مُضْطَجِعٌ مَعِي فِي مِرْطِي- فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، وَأَنَا سَاكِتَةٌ قَالَتْ: فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيْ بُنَيَّةُ، أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟»، فَقَالَتْ: بَلَى قَالَ: «فَأَحِبِّي هَذِهِ» قَالَتْ: فَقَامَتْ فَاطِمَةُ حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَجَعَتْ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُنَّ بِالَّذِي قَالَتْ، وَبِالَّذِي قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْنَ لَهَا: مَا نُرَاكِ أَغْنَيْتِ عَنَّا مِنْ شَيْءٍ، فَارْجِعِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولِي لَهُ: إِنَّ أَزْوَاجَكَ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَدًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ-، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْهُنَّ\nفِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ أَرَ امْرَأَةً قَطُّ خَيْرًا فِي الدِّينِ مِنْ زَيْنَبَ، وَأَتْقَى لِلَّهِ وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً، وَأَشَدَّ ابْتِذَالًا لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ الَّذِي تَصَدَّقُ بِهِ، وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، مَا عَدَا سَوْرَةً مِنْ حِدَّةٍ، كَانَتْ فِيهَا تُسْرِعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ، قَالَتْ: فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ عَائِشَةَ فِي مِرْطِهَا عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا وَهُوَ بِهَا، فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ قَالَتْ: ثُمَّ وَقَعَتْ بِي، فَاسْتَطَالَتْ عَلَيَّ، وَأَنَا أَرْقُبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَرْقُبُ طَرْفَهُ، هَلْ يَأْذَنُ لِي فِيهَا؟ قَالَتْ: فَلَمْ تَبْرَحْ زَيْنَبُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ، قَالَتْ: فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا","vol":"7","page":93},{"text":"لَمْ أَنْشَبْهَا حَتَّى أَنْحَيْتُ عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَتَبَسَّمَ: «إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ».\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ: حَدَّثَنِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ فِي الْمَعْنَى، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا أَنْ أَثْخَنْتُهَا غَلَبَةً.\nقولها: «وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْهُنَّ فِي الْمَنْزِلَةِ»، يعني: هي التي تساويها في المنزلة والحظوة عند النبي ﷺ.\nوقولها: «مَا عَدَا سَوْرَةً مِنْ حِدَّةٍ»: السَّوْرة: الثوران وعجلة الغضب، والحِدَّة: شدة الخُلُق وثورانه.\nوقولها: «تُسْرِعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ»، يعني: سرعان ما ترجع، فما تستمر على ما فيها من الغضب، بل تعود إلى حالها السابقة.\nوقولها: «ثُمَّ وَقَعَتْ بِي»، أي: نالت مني بالوقيعة فِيَّ.\nوقولها: «لَمْ أَنْشَبْهَا»، أي: لم أمهلها.\nوقولها: «حَتَّى أَنْحَيْتُ عَلَيْهَا»، أي: قصدتها واعتمدتها بالمعارضة، وفي الرواية الثانية: «لَمْ أَنْشَبْهَا أَنْ أَثْخَنْتُهَا غَلَبَةً»، أي: قمعتها وقهرتها.\nوفي هذا الحديث: أنه اجتمع أزواج النبي ﷺ، وأرسلن فاطمة ﵂ بنت النبي ﷺ، وقلن لها: قولي للنبي ﷺ: «إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ»، والعدل الذي كُنَّ يردنه هو: المساواة في المحبة.\nومعلوم أن النبي ﷺ كان يساوي بينهن في القسم والنفقة والكسوة والسكنى، كل واحدة لها ليلة، لكنهن أردنَ العدل في المحبة، والمحبة لا يستطيع الإنسان العدل فيها، ولا يلام عليها.\nواعلم أن الواجبَ العدلُ في أربعةِ أشياءَ: النفقة، والكسوة، والسكنى، والقسم، وقال بعض العلماء: إنه يجب أن يقسم حتى للحائض والنفساء،","vol":"7","page":94},{"text":"فلها ليلة يبيت عندها، ولا يلزم بذلك الجماع.\nوفيه: أن النبي ﷺ كان يعدل بين نسائه، وكان يقول: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا أَمْلِكُ» (^١)، على أن المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، هل يجب على النبي ﷺ أن يعدل بينهن، أو لا يجب؟ على قولين:\nالقول الأول: إنه لا يجب عليه العدل، ولكنه يعدل من باب الاستحباب، وإنما العدل يجب على الأمة.\nالقول الثاني: إنه يجب عليه العدل؛ ولهذا ففي مرض موته ﷺ استأذن أزواجه ﵅ أن يُمَرَّض في بيت عائشة ﵂، فأذِنَّ له في ذلك.\nوفيه: أن النبي ﷺ أخبر فاطمة ﵂ بحبه لعائشة ﵂، وقال لها: «أَيْ بُنَيَّةُ أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟»، فَقَالَتْ: بَلَى، قَالَ: «فَأَحِبِّي هَذِهِ»، فخرجت، وأخبرت أزواج النبي ﷺ بذلك، فلم يرضين بذلك وقلن لها: ارجعي مرة أخرى، فما أغنيتِ عنا شيئًا، فأبت عليهن ذلك وقالت: لا والله لا أرجع، فأرسلن زينب ﵂؛ لمكانتها عند النبي ﷺ، فدخلت زينب على النبي ﷺ وهو على حالته الأولى التي دخلت عليها فاطمة ﵂ وهو مضطجع مع عائشة في مرطها، فقالت له: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ»، وهذا من الغيرة؛ فإنها لم تقل: عائشة، بل: ابنة أبي قحافة، ولم يقلن: ابنة أبي بكر، قلن: في ابنة أبي قحافة، فتكلمت زينب ﵂ في عائشة ﵂ بسبب الغيرة وسبتها، ونالت منها، فأرادت عائشة ﵂ أن تقتص لنفسها وترد عليها، وهي ترقب النبي ﷺ وتنظر إليه هل يأذن لها في ذلك أو لا يأذن؟ والنبي ﷺ يرقب ولم يتكلم بشيء، لكنها علمت مما ظهر على وجهه ﷺ أنه لا يكره أن تنتصر، فردت عليها، فقالت: «فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا حَتَّى أَنْحَيْتُ عَلَيْهَا»، وفي رواية أخرى: «أَثْخَنْتُهَا غَلَبَةً»، يعني: غلبتها بالكلام، ورددت عليها، وهذا من باب الأخذ بالحق، أي: اقتصت\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٥١١١)، وأبو داود (٢١٣٤).","vol":"7","page":95},{"text":"منها، وفي لفظ آخر في غير الصحيح: «فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهَا حَتَّى رَأَيْتُهَا قَدْ يَبِسَ رِيقُهَا فِي فَمِهَا» (^١)، وسكت النبي ﷺ، وقال: «إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ».\nقال النووي ﵀: «اعلم أنه ليس فيه دليل على أن النبي ﷺ أذن لعائشة ولا أشار بعينه ولا غيرها، بل لا يحل اعتقاد ذلك؛ فإنه ﷺ تحرم عليه خائنة الأعين، وإنما فيه أنها انتصرت لنفسها فلم ينهها، وأما قوله ﷺ: «إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ» فمعناه: الإشارة إلى كمال فهمها وحسن نظرها، والله أعلم» (^٢).\nوهذا الذي حصل بينهن من باب الغيرة المتجاوز عنها؛ لأنهن جُبِلن على هذا، ولا يستطعن دفعه؛ ولهذا كان النبي ﷺ يسامحهن ولا يعاتبهن فيه، ومن ذلك: أن النبي ﷺ كان مرة عند عائشة ﵂، فجاءت هديةٌ إلى النبي ﷺ من بعض أزواجه، طعامٌ جاء به الخادم، فلما جاء إلى النبي صلى الله علية وسلم أصابت الغيرة عائشة، فضربت يد الخادم، فسقطت الصحفة، وتكسرت، وسقط الطعام، فقال النبي ﷺ: «غَارَتْ أُمُّكُمْ، ثُمَّ حَبَسَ الخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ المَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ» (^٣).\nولم يسبها ﷺ أو ينتهرها كما يفعل بعض الناس، بل أبدله بإناء أخذه من بيت عائشة ﵂، وفي هذا دليلٌ على عظيم خلق النبي ﷺ، فهو كما وصفه الله ﷿ بقوله: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾.\nوقولها: «وَلَمْ أَرَ امْرَأَةً قَطُّ خَيْرًا فِي الدِّينِ مِنْ زَيْنَبَ، وَأَتْقَى لِلَّهِ وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً، وَأَشَدَّ ابْتِذَالًا لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ الَّذِي تَصَدَّقُ بِهِ، وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى»: هذا من إنصاف عائشة ﵂ وعدلها في القول، فبرغمِ الغيرة التي كانت بينها وبين زينب ﵂، وما حصل بينهما من كلام،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٤٦٢٠).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٥/ ٢٠٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٢٢٥).","vol":"7","page":96},{"text":"وتلاسن أمام النبي ﷺ إلا أن ذلك لم يحملها على أن تخفي فضائلها، بل أثنت عليها وأشادت بذكرها، وهذه فضيلة أخرى من فضائل عائشة ﵂.\n\n[٢٤٤٣] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَتَفَقَّدُ يَقُولُ: «أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟»، اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللَّهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي.\n[خ: ١٣٨٩]\nفي هذا الحديث: بيان فضيلة أخرى من فضائل عائشة ﵂، فقد كان النبي ﷺ يستبطئ يومها ويتحراه؛ لأن نساءه ﷺ كُنَّ تسعًا، فكان يقول: «أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟»؛ استبطاءً ليوم عائشة ﵂ وتحرِّيًا له.\nوقولها: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللَّهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي»، السَّحْر: هي الرئة وما تعلق بها، والمراد: الصدر، والنحر معروف، وهو العنق، يعني: لما قبضه الله كان متكئًا بين صدرها ونحرها، وفي اللفظ الآخر قالت: «فَجَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنَ الآخِرَةِ» (^١)، وذلك أنه دخل عبد الرحمن ﵁ أخوها ومعه سواك، وكان يحب ﷺ السواك، فجعل ينظر إليه، قالت: «فَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْطَانِيهِ، فَقَضِمْتُهُ، ثُمَّ مَضَغْتُهُ، فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِي» (^٢)، وكان ﷺ يحب المكان الذي يقع عليه فمُ عائشة ﵂، فكان يتحرَّى الإناءَ الذي تشرب منه عائشة، فيشرب من الموضع الذي شربت منه (^٣)، فهي ﵂ حين تسوَّكت بالسواك،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤٥١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٤٥٠).\n(^٣) أخرجه مسلم (٣٠٠).","vol":"7","page":97},{"text":"ومضغته، فكان فيه شيء من ريقها، فأخذه النبي ﷺ واستاك به، ثم توفي بعد ذلك.\n\n[٢٤٤٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَهُوَ مُسْنِدٌ إِلَى صَدْرِهَا، وَأَصْغَتْ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ».\n[خ: ٤٤٤٠]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَالَتْ: فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ يَقُولُ: «﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾» قَالَتْ: فَظَنَنْتُهُ خُيِّرَ حِينَئِذٍ.\n[خ: ٤٤٣٥]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ- فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ- أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ: إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يُرَى مَقْعَدُهُ فِي الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ أَفَاقَ، فَأَشْخَصَ","vol":"7","page":98},{"text":"بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى»، قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: إِذًا لَا يَخْتَارُنَا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَعَرَفْتُ الْحَدِيثَ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ فِي قَوْلِهِ: «إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْلَهُ: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى».\n[خ: ٤٤٣٧]\nقولها: «فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ»، يعني: رفع بصره إلى السماء، ولم يحرك جفنه.\nوقوله: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى»: الرفيق الأعلى: النبيون الذين يسكنون الفردوس من الجنة.\nوفي هذه الأحاديث: أن عائشة ﵂ لما سمعت النبي ﷺ يقول: «مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ» قالت: إنه خُيِّرَ واختار، أي: اختار الموت ﵊، وفي لفظ أنها قالت: «إِذًا لا يَخْتَارُنَا».","vol":"7","page":99},{"text":"[٢٤٤٥] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَطَارَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى عَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ، فَخَرَجَتَا مَعَهُ جَمِيعًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ يَتَحَدَّثُ مَعَهَا، فَقَالَتْ: حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: أَلَا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ بَعِيرِي وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ، فَتَنْظُرِينَ وَأَنْظُرُ قَالَتْ: بَلَى، فَرَكِبَتْ عَائِشَةُ عَلَى بَعِيرِ حَفْصَةَ، وَرَكِبَتْ حَفْصَةُ عَلَى بَعِيرِ عَائِشَةَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ وَعَلَيْهِ حَفْصَةُ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ سَارَ مَعَهَا حَتَّى نَزَلُوا، فَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ فَغَارَتْ، فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ تَجْعَلُ رِجْلَهَا بَيْنَ الْإِذْخِرِ، وَتَقُولُ: يَا رَبِّ سَلِّطْ عَلَيَّ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِي، رَسُولُكَ وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا!\n[خ: ٥٢١١]\nفي هذا الحديث: أن القرعة مشروعة في الأشياء المشتركة إذا أراد قسمتها، وكذلك إذا أراد رجل سفرًا وله عدد من الزوجات فإنه يقرع بينهن، فمن استقرت عليها القرعة سافر بها.\nوفيه: أنه في هذه المرة أقرع النبي ﷺ بين نسائه، فخرجت القرعة على عائشة وحفصة جميعًا ﵄، فخرج بهما، وكان النبي ﷺ إذا سار في الليل يسير مع عائشة ﵂، ويتحدث معها، فاحتج بعضهم بهذا الصنيع على أن النبي ﷺ لا يجب عليه القسم، ولذلك كان يتحدث مع عائشة ﵂، ولا يتحدث مع حفصة ﵂.\nوأجيب: بأنه لا يلزم من هذا عدم وجوب القسم؛ لأن المسافر إنما يجب عليه القسم إذا نزل وأقام في مكانٍ ما، وأما إذا كان سائرًا فلا يجب عليه ذلك، فيجوز له الحديث مع أيِّ نسائه شاء، وكذلك الإنسان يجوز له أن يأتي","vol":"7","page":100},{"text":"بيتَ غير صاحبة القسم ليضع فيه شيئًا، أو يأخذ منه شيئًا، أو يتعاهد أطفاله إذا كان عنده أطفال، أو ما شابه ذلك، فهذا ونحوه لا يمنع منه القسم.\nوفيه: أن حفصة احتالت على عائشة ﵄، وقالت لها: لو نتبادل، تعطيني جملك وأعطيك جملي، قالت: نعم، فركبت عائشة جمل حفصة، وركبت حفصة جمل عائشة ﵄، فجاء رسول الله ﷺ على عادته إلى جمل عائشة لمحادثتها ﵂ يظن أنها هي، فوجد عليه حفصة، فجعل يكلمها وسار معها على عادته، فأصابت الغيرة عائشة ﵂، ومن شدة الغيرة أنهم لما نزلوا جعلت تجعل يدها في الإذخر، أي: في الحشيش وبين الشجر، وتدعو على نفسها وتقول: «يَا رَبِّ سَلِّطْ عَلَيَّ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِي، رَسُولُكَ وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا!»، يعني: هذا نبيك ولا أستطيع أن أقول شيئًا، ومعلوم أن الإنسان لا يجوز له أن يدعو على نفسه، كما جاء في الحديث: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ» (^١)، لكن هذا معفو عنه بسبب الغيرة التي أصابتها.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٢٠).","vol":"7","page":101},{"text":"[٢٤٤٦] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ».\n[خ: ٣٧٦٩]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ-.ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَفِي حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ.\n\n[٢٤٤٧] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «إِنَّ جِبْرِيلَ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ» قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ.\n[خ: ٣٢١٧]\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُلَائِيُّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرًا يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا.\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا عَائِشُ هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ» قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، قَالَتْ: وَهُوَ يَرَى مَا لَا أَرَى.\nفي هذه الأحاديث: أن النبي ﷺ قال في عائشة ﵂: «هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ","vol":"7","page":102},{"text":"عَلَيْكِ السَّلَامَ»، وفي خديجة ﵂ قال: «فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي» (^١).\nوقوله: «يَا عَائِشُ»: هذا يسميه النحويون: الترخيم، وهو: حذفُ أواخر الأسماء المفردة تخفيفًا، ولا يكون إلا في النداء (^٢)، كما يقال لفاطمة يا: فاطم، ومنه: قول امرئ القيس في معلقته:\nأفاطِمُ مَهْلًا بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّلِ ... وإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٨٢٠)، ومسلم (٢٤٣٢).\n(^٢) الكتاب، لسيبويه (٢/ ٢٣٩).\n(^٣) ديوان امرئ القيس (ص ٣٢).","vol":"7","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1142>بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ</span>.\n\n[٢٤٤٨] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عِيسَى- وَاللَّفْظُ لِابْنِ حُجْرٍ- حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: جَلَسَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، فَتَعَاهَدْنَ، وَتَعَاقَدْنَ أَنْ لَا يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا، قَالَتِ الْأُولَى: زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ، عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ وَعْرٍ، لَا سَهْلٌ فَيُرْتَقَى، وَلَا سَمِينٌ فَيُنْتَقَلَ، قَالَتِ الثَّانِيَةُ: زَوْجِي لَا أَبُثُّ خَبَرَهُ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ لَا أَذَرَهُ، إِنْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ، قَالَتِ الثَّالِثَةُ: زَوْجِي الْعَشَنَّقُ، إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ، وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ، قَالَتِ الرَّابِعَةُ: زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ، لَا حَرَّ، وَلَا قُرَّ، وَلَا مَخَافَةَ، وَلَا سَآمَةَ، قَالَتِ الْخَامِسَةُ: زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ، وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ، وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ، قَالَتِ السَّادِسَةُ: زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ، وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ، وَإِنِ اضْطَجَعَ الْتَفَّ، وَلَا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ، قَالَتِ السَّابِعَةُ: زَوْجِي غَيَايَاءُ، أَوْ عَيَايَاءُ طَبَاقَاءُ، كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ، شَجَّكِ، أَوْ فَلَّكِ، أَوْ جَمَعَ كُلًّا لَكِ، قَالَتِ الثَّامِنَةُ: زَوْجِي الرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ، وَالْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ، قَالَتِ التَّاسِعَةُ: زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ، طَوِيلُ النِّجَادِ، عَظِيمُ الرَّمَادِ، قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادِي، قَالَتِ الْعَاشِرَةُ: زَوْجِي مَالِكٌ، وَمَا مَالِكٌ؟ ! مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ، لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ، قَلِيلَاتُ\nالْمَسَارِحِ، إِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ، قَالَتِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ، فَمَا أَبُو زَرْعٍ؟ أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ، وَمَلَأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ، وَبَجَّحَنِي فَبَجَحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ، فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ، وَأَطِيطٍ، وَدَائِسٍ، وَمُنَقٍّ، فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ، وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ، أُمُّ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ؟ عُكُومُهَا رَدَاحٌ، وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ، ابْنُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا","vol":"7","page":104},{"text":"ابْنُ أَبِي زَرْعٍ؟ مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ، وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ، بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ؟ طَوْعُ أَبِيهَا، وَطَوْعُ أُمِّهَا، وَمِلْءُ كِسَائِهَا، وَغَيْظُ جَارَتِهَا، جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ؟ لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا، وَلَا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا، وَلَا تَمْلَأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا قَالَتْ: خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالْأَوْطَابُ تُمْخَضُ، فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كَالْفَهْدَيْنِ يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ، فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا، فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلًا سَرِيًّا، رَكِبَ شَرِيًّا، وَأَخَذَ خَطِّيًّا، وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا، وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا قَالَ: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ، وَمِيرِي أَهْلَكِ، فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِي، مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ، قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ».\n[خ: ٥١٨٩]\nوَحَدَّثَنِيهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: عَيَايَاءُ طَبَاقَاءُ، وَلَمْ يَشُكَّ، وَقَالَ: قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحِ، وَقَالَ: وَصِفْرُ رِدَائِهَا، وَخَيْرُ نِسَائِهَا، وَعَقْرُ جَارَتِهَا، وَقَالَ: وَلَا تَنْقُثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا، وَقَالَ: وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ ذَابِحَةٍ زَوْجًا.\nشرح العلماء هذا الحديث، وأفاضوا في التصنيف فيه، وشرحوا ما فيه من مفردات لغوية مفيدة لطالب العلم.\nوفي هذا الحديث: أن هؤلاء النساء كن إحدى عشرة امرأة، اجتمعن، قيل: إن هذا كان في الجاهلية، وقيل: إنهن نساء من اليمن اجتمعن وتعاهدن وتعاقدن، كل واحدة حلفت ألا تكتم من أخبار زوجها شيئًا، وهل هذا من الغيبة؟\nلا شك أن كل واحدة حينما تكلمت كانت تغتاب زوجها فهذه غيبة، لكن هذا كان في الجاهلية، لكن الآن حينما يُذكر هذا الحديث هل يُعتبر هذا من الغيبة؟","vol":"7","page":105},{"text":"هن لا يُعرفن ولا يُعرف أزواجهن، لكنهن في وقتهن حينما تكلمن كانت كل واحدة منهن تعرف الثانية، وتعرف زوجها فقد اغتابت كل واحدة زوجها، بأن ذكرت مثالب زوجِها، لكن إذا كان في الجاهلية وكُنَّ على الشرك فهو أشد من الغيبة.\nوقولها: «قَالَتِ الْأُولَى: زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ، عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ وَعْرٍ، لَا سَهْلٌ فَيُرْتَقَى، وَلَا سَمِينٌ فَيُنْتَقَلَ»: هذه المرأة تعيب زوجها، فتقول: هو «لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ»، يعني: هو كلحم الجمل، لا كلحم الضأن، فلحم الجمل قوي يتعب آكله، بخلاف لحم الضأن، وهو مع هذا لحم مهزول، ليس بالسمين، ثم هذا اللحم فوق رأس جبل، وهذا الجبل ليس سهلًا حتى يرتقي إليه الإنسان ويأخذ منه اللحم، وليس لحم الجمل هذا سمينًا حتى ينقله الناس إلى بيوتهم ليأكلوه، بل يتركوه رغبة عنه لرداءته.\nفهي تشير بهذا إلى أن زوجها سيئ الخُلق، ومع ذلك فهو متكبر عليها، ولا يُستفاد منه، ولا يؤدي حقها، فهو ضرر محض بغير نفع، مثل لحم الجمل الذي هو قوي يشق على آكله ويتعبه.\nوقولها: «قَالَتِ الثَّانِيَةُ: زَوْجِي لَا أَبُثُّ خَبَرَهُ»، يعني: لا أفشي سره، «إِنِّي أَخَافُ أَنْ لَا أَذَرَهُ»: إذا كان الضمير يعود إلى الخبر يكون المعنى: إن خبره طويل، لو بدأت فيه لا يمكن أن أكمله من طوله، «إِنْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ عُجَرَه وبُجَرَه»، أي: عيوبه، ويحتمل أن الضمير يعود إلى الزوج، فيكون المعنى: إن زوجي لا أبث خبره، إني أخاف أن يطلقني فأَذَرَه، يعني: تخاف أن يُطلقها إذا ذكرت خبرَه، وعُجَرَه، وبُجَرَه، وعُيوبَه، وعليه تكون (لا) هنا زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾، أي: أن تسجد، بدليل الآية الأخرى: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾.\nوقولها: «قَالَتِ الثَّالِثَةُ: زَوْجِي الْعَشَنَّقُ إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ، وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ»: وهذه- أيضًا- تعيب زوجها.","vol":"7","page":106},{"text":"فقولها: «الْعَشَنَّقُ»، يعني: الطويل، فهو طويل من غير فائدة، فليس فيه إلا الطول، «إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّق»، يعني: إن تكلمت بعيوبه طلقني، «وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ»: يجعلني معلقة، لا ذات زوج ولا مطلقة، وهذا سبٌّ له.\nوقولها: «قَالَتِ الرَّابِعَةُ: زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ، لَا حَرَّ، وَلَا قُرَّ، وَلَا مَخَافَةَ، وَلَا سَآمَةَ»: وهذه المرأة تمدح زوجها مدحًا بليغًا، تقول: «زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ»، وليل تهامة معتدل لا حر، ولا قُر، أي: ولا برد، «وَلَا سَآمَةَ»، يعني: أن زوجها هين لين كريم الأخلاق، العيش معه لذيذ وهنيء لا يُمَلّ.\nوقولها: «قَالَتِ الْخَامِسَةُ: زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ، وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ، وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ»: وهذه- أيضًا- تمدح زوجها، «إِنْ دَخَلَ فَهِدَ»، شبهته بالفهد، وهو حيوان كثير النوم، يعني: أنه إذا دخل نام وغفل، ولا يسأل عن شيء ولا يناقش، ولهذا قالت: «وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ» فلا يقول: هذا ضاع، أين هو؟ ونحو ذلك، فهو كريم لا يبالي، لا يسأل عن شيء عهد به إليها، أو أعطاها إياه.\nوقولها: «وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ»، أي: إن خرج مع الرجال في الحروب صار مثل الأسد، وإن جاء عندها صار مثل الفهد النائم، يغفل ويُعرض، ولا يسأل عن شيء.\nوقولها: «قَالَتِ السَّادِسَةُ: زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ، وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ، وَإِنِ اضْطَجَعَ الْتَفَّ، وَلَا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ»: هذه تعيب زوجها، وتصفه بكثرة الأكل، «زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ»، يعني: يأكل أكلًا كثيرًا، ويجمع أصنافًا متعددة من الطعام، وهذا يُذم به الإنسان، «وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ»، يعني: يشرب ولا يُبقي شيئًا، «وَلَا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ»، وهذا يحتمل المدح، يعني: لا يُدخل يده في ثوبها؛ لأنه يعلم أن بها عيبًا، فلا يريد أن يُحرجها، قال النووي ﵀: «قال أبو عبيد: أحسبه كان بجسدها عيب أو داء كنَّتْ به؛ لأن البث الحزن فكان لا يدخل يده في ثوبها ليمس ذلك فيشق عليها فوصفته بالمروءة وكرم الخلق» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٥/ ٢١٤).","vol":"7","page":107},{"text":"ويحتمل الذم، فهو لا يُولج الكف، يعني: لا يسأل عن حالها، حتى يعرف همومها، وما تبثه، شبَّهته بمن لا يدخل يده في جسدها؛ ليعلم ما تحس به من الألم، وقال ﵀: «وقال الهروي: قال ابن الأعرابي: هذا ذم له أرادت: وإن اضطجع ورقد التف في ثيابه في ناحية ولم يضاجعني ليعلم ما عندي من محبته، قال: ولا بث هناك إلا محبتها الدنو من زوجها» (^١).\nفالوصف يحتمل أن يكون مدحًا، ويحتمل أن يكون ذمًّا.\nوقولها: «قَالَتِ السَّابِعَةُ: زَوْجِي غَيَايَاءُ، أَوْ عَيَايَاءُ طَبَاقَاءُ، كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ، شَجَّكِ، أَوْ فَلَّكِ، أَوْ جَمَعَ كُلًّا لَكِ»: هذا عيبٌ له، فقد وصفته بقولها: «زَوْجِي غَيَايَاءُ»: من الغي، الذي هو الخيبة، قال الله تعالى: ﴿فسوف يلقون غيًّا﴾، وقيل: معناه: لا يهتدي إلى مسلك، أو أنه «عَيَايَاءُ»: من العي، أي: لا يُفصح عن مراده، وقيل: هو العِنِّينُ الذي لا يصل إلى المرأة ولا يجامعها، «طَبَاقَاءُ»، يعني: أطبقت عليه الأمور، ويحتمل أن المراد: وصفه بالحمق، فهو لا يأمر بالخير، «كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ»، يعني: فيه جميع الأدواء، «شَجَّكِ، أَوْ فَلَّكِ، أَوْ جَمَعَ كُلًّا لَكِ»: الشَّج هو: الضربة في الرأس خاصة، والفَلُّ: الكسر والضرب، فهي تقول: هي بين شجة في الرأس، وبين ضرب وكسر عضو، أو بين جمع الأمرين معًا؛ فهي في أذية منه، وكأنها أشارت بهذا إلى سوء خلقه وحمقه- نسأل الله السلامة والعافية.\nوقولها: «قَالَتِ الثَّامِنَةُ: زَوْجِي الرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ، وَالْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ»، وهذه- أيضًا- تمدح زوجها، فـ «الرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ»، والزَّرْنَبُ: نوع من الطيب، أي: رائحة جسده طيبة، وريح ثيابه طيبة، «وَالْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ»، يعني: هو لين، سهل الخلق، متواضع، فهي تثني عليه بطيب الريح، وحسن المعاملة.\nوقولها: «قَالَتِ التَّاسِعَةُ: زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ، طَوِيلُ النِّجَادِ، عَظِيمُ الرَّمَادِ، قَرِيبُ\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٥/ ٢١٤).","vol":"7","page":108},{"text":"الْبَيْتِ مِنَ النَّادِي»: وهذه- أيضًا- تمدح زوجها بالكرم، فهو «رَفِيعُ الْعِمَادِ»، يعني: سيد شريف، «طَوِيلُ النِّجَادِ»، يعني: طويل القامة، ويحتاج إلى طول حمائل سيفه، وهذه صفة مدح عند العرب، «عَظِيمُ الرَّمَادِ»، يعني: أنه كريم يستقبل الضيوف الكثيرين ويقدم لهم الطعام، فيكثر إيقاده للنار، فيكثر رمادها، وهذه كناية عن كرمه، «قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادِي»: النادي: مجلس القوم، وصفته بالكرم والسؤدد؛ لأنه لا يقرب البيت من النادي إلا من هذه صفته؛ لأن الضيفان يقصدون النادي، ولأن أصحاب النادي يأخذون ما يحتاجون إليه في مجلسهم من بيت قريب للنادي.\nوقولها: «قَالَتِ الْعَاشِرَةُ: زَوْجِي مَالِكٌ، وَمَا مَالِكٌ؟ مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ، لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ، قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحِ، إِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ»، هذه- أيضًا- تمدح زوجها، وتقول: «زَوْجِي مَالِكٌ، وَمَا مَالِكٌ؟»: يقال: مالك لمن يملك الأموال الكثيرة من الإبل والبقر ونحوها من المواشي، وربما يُطلق على من يملك الزرع والنخيل- أيضًا، «مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ»، أي: مما يُتصور عمومًا، أي: أن مالكًا عنده أموال كثيرة، وعنده إبل كثيرة المبارك حول البيت.\nوتمدحه بالكرم، فهو «لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ، قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحِ»، يعني: له إبل كثيرة تبرك عند البيت، ولا تسرح لكثرة الضيوف الذين يأتونه، فيحتاج إلى أن ينحر منها، فإذا جاء الضيوف وجد الإبل قريبة من البيت فلو كانت تسرح فمتى تأتي؟ لكن إبله كثيرة المبارك حول البيت، قليلة المسارح، فيأتي الضيوف فيجدونها جاهزة، «إِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ»: الْمِزْهَر: هو العود الذي يُضرب، فكأنه عودهن صوت الأعواد إذا قدم الضيوف، فكان يضرب بالعود، فإذا ضرب بالعود عرفت الإبل أنه قد جاءت الضيوف، فعرفت أنها هالكة بالنحر، والمقصود: أنها تمدحه بالكرم وكثرة ضيوفه.","vol":"7","page":109},{"text":"وقولها: «قَالَتِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ، فَمَا أَبُو زَرْعٍ؟»: هذه الحادية عشرة وهي التي يُعرف الحديث باسمها، فيقال: هذا حديث أم زرع، وهي أحسنهن حالًا، تقول: «زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ، فَمَا أَبُو زَرْعٍ؟»: الاستفهام هنا للتفخيم والتعظيم، يقول تعالى: ﴿القارعة ما القارعة﴾، ﴿الحاقة ما الحاقة﴾، ومثله قولها: «ابْنُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ؟»، «جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ؟»، «أُمُّ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ؟»: جميعها استفهامات للتفخيم والتعظيم.\nوقولها: «أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ»: النوس: الحركة من كل شيء متدلٍّ، يقال: ناس ينوس نوسًا، وأناسه إناسةً، والمعنى: أنه أعطاها الكثير من الذهب الذي تضعه في أذنيها، فالأقراط تنوس، أي: تتحرك لكثرتها، فهو كريم يعطيها من الحلي ما تشاء؛ لتتزين به.\nوقولها: «وَمَلَأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ»، يعني: أنها صارت عنده سمينة بسبب الرفاهية والتنعم، حتى ركبها الشحم، وامتلأ عضداها به، والمراد: أنها سمينة، لكن ذكرت العضدين؛ لأنهما إذا سمنتا سمن غيرهما.\nوقولها: «وَبَجَّحَنِي، فَبَجَحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي»، يعني: أنه فرَّحها ففرحت إليها نفسها، فقد قدَّرها وجعل لها منزلة ومكانة، جعلها تتصرف كيفما تشاء؛ لأن لها سلطة مطلقة، فقد أعطاها ما تريد، وقيل: المعنى: عظمني فعظمت عند نفسي، يقال: فلان يتبجح بكذا، أي: يتعظم ويفتخر.\nوقولها: «وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ، فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ، وَأَطِيطٍ، وَدَائِسٍ ومُنَقٍّ»، أي: أخذها من عند أهلها، وكانوا أصحابَ غُنيمات قليلات، يسكنون بموضع يقال له: شق، وقيل: يسكنون بشق جبل؛ لقلتهم وقلة غنمهم، وشق الجبل: ناحيته، فأخذها وجعلها في أهل صهيل الخيل، وأطيط الإبل، أي: صوتها، والعرب لا تعتد بأصحاب الغنم، وإنما يعتدون بأهل الخيل والإبل، «وَدَائِسٍ»: هو الذي يدوس الزرع في بيدره، «ومُنَقٍّ» -","vol":"7","page":110},{"text":"بضم الميم وفتح النون وتشديد القاف-: اسم فاعل من نقَّى الطعامَ ينقيه، أي: أخرجه من تبنه وقشوره، وهو يحصل بالدوس، يعني: تدوسه البقر، أو الإبل، أو الدواب حتى تُخرج الحبوب فتنقيها، ويحتمل أنها أرادت التنقية التي تحصل بعد الدوس، ومعلوم أنه يقوم بها رجال وعمال، فأشارت إلى أنهم أصحاب خدم وعبيد! فهي تثني عليه بما عنده من أموال واسعة.\nوقولها: «فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ، وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ»: تقول: إن لها السيادة المطلقة عنده، فهي تتكلم ولا أحد يرد كلامها، وترقد في وقت الصباح، يعني: تنام الصفرة؛ لأن عندها خدمًا يكفونها المؤنة، بخلاف التي ليس عندها خدم يخدمونها، فهي تقوم في الصباح لتعمل في البيت، وهي تشرب وتروي، فيبلغ الرِّيُّ منها ما تشاء، فهي تمدح زوجها بأنه أراحها وأعطاها ما تريد، وجعل لها السيادة المطلقة فتتكلم بما تشاء، وتأكل ما تشاء، وتشرب ما تشاء، وتنام كيف تشاء، فهي مكفيَّة المؤنة.\nوقولها: «أُمُّ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ؟ عُكُومُهَا رَدَاحٌ، وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ»: العُكُوم بضم العين جمع عِكْم بكسر العين وسكون الكاف: الأحمال والأوعية التي تُجمع فيها الأمتعة، ورداح، أي: عظيمة كبيرة، وبيتها فساح، أي: واسع، والفسيح مثله، يعني: أن عندها من جميع أنواع الأموال والأمتعة والأطعمة.\nوقولها: «ابْنُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ؟ مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ»: هذا ثناء منها عليه، يعني: أن مضجعه دقيق كمسلِّ شطبة، والشطبة: ما شطب من جريد النخل، أي: شُقّ، والمعنى: أنه مهفهف خفيف اللحم كالشطبة، وهو مما يمدح به الرجل، «وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ»: الجفرة: الأنثى من أولاد المعز، وقيل: من الضأن، وهي ما بلغت أربعة أشهر، وفصلت عن أمها، والذكر جفر؛ لأنه جفر جنباه، أي: عَظُمَا، والمراد: أنه قليل الأكل، والعرب تمدح به.\nوقولها: «بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ؟ طَوْعُ أَبِيهَا، وَطَوْعُ أُمِّهَا»: هذا مدح","vol":"7","page":111},{"text":"لبنت أبي زرع، يعني: أنها مطيعة لأبيها وأمها، منقادة لأوامرهما.\nوقولها: «وَمِلْءُ كِسَائِهَا»، أي: أنها سمينة بحيث تملأ كساءها، وهو ثوبها، وفي الرواية الأخرى: «وَصِفْرُ رِدَائِهَا»، أي: أنها ضامرة البطن، والرداء ينتهي إلى البطن، وقيل: معناه أنها خفيفة أعلى البدن- وهو موضع الرداء-، ممتلئة أسفله.\nوقولها: «وَغَيْظُ جَارَتِهَا»، يعني: ضرتها، أي: يغيظها ما ترى من حسنها وجمالها وعفتها وأدبها، وقيل: أرادت الجارة مطلقًا؛ لأن الجارات من شأنهنَّ ذلك.\nوفي الرواية الأخرى: «وَعَقْرُ جَارَتِهَا»، يعني: تعقر جارتها، أي: أنها تغيظها، حتى تصير كالمعقور.\nقال النووي ﵀: «قولها: «وَعَقْرُ جَارَتِهَا» هكذا هو في النسخ عقر بفتح العين وسكون القاف، قال القاضي: كذا ضبطناه عن جميع شيوخنا، قال: وضبطه الجياني عبر بضم العين واسكان الباء الموحدة، وكذا ذكره ابن الأعرابي، وكأن الجياني أصلحه من كتاب الأنباري، وفسره الأنباري بوجهين؛ أحدهما: أنه من الاعتبار، أي: ترى من حسنها وعفتها وعقلها ما تعتبر به، والثاني: من العبرة وهي البكاء، أي: ترى من ذلك ما يبكيها لغيظها وحسدها، ومن رواه بالقاف فمعناه: تغيظها فتصير كمعقور، وقيل: تدهشها من قولهم: عقر ذا دهش» (^١).\nوقولها: «جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ؟ لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا، وَلَا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا، وَلَا تَمْلَأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا»: هذا مدح منها لجارية أبي زرع، فقد وصفتها بأنها: لا تفشي أخبارهم وأسرارهم، ولا تفسد طعامهم المجلوب، ولا تفرقه، بل هي مُصلحة له، والمعنى: أنها أمينة، «وَلَا تَمْلَأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا»، يعني: لا تترك الكناسة والقمامة مبعثرة في البيت كعش الطائر، بل البيت\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٥/ ٢١٩).","vol":"7","page":112},{"text":"نظيف، وهذا مدح لها- أيضًا.\nوقولها: «قَالَتْ: خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالْأَوْطَابُ تُمْخَضُ»: الأوطاب جمع وطْب، بفتح الواو وإسكان الطاء، وهو جمع قليل النظير، والأكثر جمعه على: وطاب، وهي أسقية اللبن التي يمخض فيها، ومخضت اللبن مخضًا إذا استخرجت زبده بوضع الماء فيه وتحريكه، أرادت أن الوقت الذي خرج فيه كان في زمن الخصب، وطيب الربيع.\nوقولها: «فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كَالْفَهْدَيْنِ يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ، فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا»: لقي امرأة لها ولدان يلعبان من تحت خصرها برمَّانتين، قيل: فيه إشارة إلى عظم نهديها، وقيل: المعنى أنها إذا استلقت على قفاها، ارتفعت بها الأرض وصار الولدان يلعبان بالرمَّان من تحت ظهرها؛ لعظم عجيزتها، والمعنى: أنه لما رأى هذه المرأة على هذه الصفة أعجبته، فطلَّق أمَّ زرع ونكح هذه المرأة التي لها الولدان.\nوقولها: «فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلًا سَرِيًّا، رَكِبَ شَرِيًّا، وَأَخَذَ خَطِّيًّا»، يعني: بعد طلاقها من أبي زرع تزوجت رجلًا سريًّا، يعني: شريفًا، سيِّدًا، وشريًّا: هو الفرس الذي يستشري في سيره، أي: يلح ويمضي بلا فتور ولا انكسار، والخطي: هو الرمح، وسمي خطيًّا؛ لأنه يأتي من بلدة الخط، وهي قرية على الساحل عند عمان والبحرين.\nوقولها: «وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا»، أي: أتى بها إلى مراحها، وهو موضع مبيتها، والنعم: الإبل والبقر والغنم، ويحتمل أن المراد ههنا بعضها، وهي الإبل، والثَّرِيُّ- مثلثة بتشديد الياء: كثير المال وغيره، والمعنى: أنه أعطاها من الإبل والمال ما تشاء.\nوقولها: «وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا»: الرائحة: ما يروح من الإبل والبقر والغنم والعبيد، أي: وأعطاها من كل ذلك زوجًا، أي: اثنين، ويحتمل أنها أرادت صنفًا، والزوج يقع على الصنف.","vol":"7","page":113},{"text":"وفي الرواية الأخرى: «وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ ذَابِحَةٍ زَوْجًا»، أي: أعطاني- وهو الزوج الثاني لأم زرع- من كل ذابحة، أي: من كل مذبوح زوجًا، أي: صنفًا، يعني: أعطاها زوجين من الإبل، والبقر، والغنم، ومن كل ما يذبح.\nوقولها: «قَالَ: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ، وَمِيرِي أَهْلَكِ»، أي: كُلِي ما تشائين، وصلِي أهلك، وأعطيهم ما تشائين، فهي تصفه بأنه رجل كريم.\nوقولها: «فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِي مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ»: فيه: أنه مع ما أعطاها من النعم والإبل ومن كل رائحة صنفين تذكرت زوجها الأول، فقالت: لو أحصيت كل ما أعطاني زوجي الحالي ما بلغ أصغر آنية من آنية أبي زرع زوجِها السابق.\nوقولها: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ»: هذا هو الشاهد من كل هذا الحديث، وهو قول النبي ﷺ: «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ»، وهذا فيه: بيان حسن عشرة النبي ﷺ، وملاطفته لأهله، ويستدل به على أنه لا بأس بذكر أخبار السابقين، وأخذ العبرة منها، وكذلك احتج به على أن المجهول لا غيبة له، إنما يكون غيبةً إذا كان الشخص معروفًا، أو كان يُعرف من الوصف، وقد يقال: إن هذا قد وقع في الجاهلية.\nوفيه: دليل على أن المشبَّه لا يكون مثل المشبه به من جميع الوجوه، حيث قال النبي ﷺ: «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ»، والنبي ﷺ أفضل من أبي زرع لا شك.\nواحتج به بعضهم على أن الكناية عن الطلاق لا تقع إلا بنية؛ فإن النبي ﷺ قال: «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ»، وأبو زرع طلقها، فلا يعتبر قول النبي ﷺ هذا طلاقًا لعائشة ﵂؛ لأنه ﷺ لم ينوِ.","vol":"7","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1143>بَابُ فَضَائِلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِيِّ عَلَيْهَا الصَّلَاة وَالسَّلَامُ</span>.\n\n[٢٤٤٩] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: «إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَلَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ، إِلَّا أَنْ يُحِبَّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي، وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا، وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا».\nحَدَّثَنِي أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُؤْذِينِي مَا آذَاهَا».\nفي هذا الحديث: منقبة لفاطمة ﵂، حيث قال ﷺ فيها: «بَضْعَةٌ مِنِّي»، يعني: قطعة مني، والريب: الشكُّ، وقيل: خوفُ عاقبة الشيء، فهي ﵂ لكونها بهذه المنزلة منه ﷺ فإنه يُؤذيه ما آذاها، ويُريبه ما رابها، وهذا من فضائلها ﵂.","vol":"7","page":115},{"text":"حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدُّؤَلِيُّ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ حَدَّثَهُ أَنَّهُمْ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَقْتَلَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ لَقِيَهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ إِلَيَّ مِنْ حَاجَةٍ تَأْمُرُنِي بِهَا؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: لَا، قَالَ لَهُ: هَلْ أَنْتَ مُعْطِيَّ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ، وَايْمُ اللَّهِ لَئِنْ أَعْطَيْتَنِيهِ لَا يُخْلَصُ إِلَيْهِ أَبَدًا حَتَّى تَبْلُغَ نَفْسِي، إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ، فَقَالَ: «إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّي، وَإِنِّي أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا» قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ، فَأَحْسَنَ قَالَ: «حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَأَوْفَى لِي، وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا».\n[خ: ٣١١٠]\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ، أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ، وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحًا ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ، قَالَ الْمِسْوَرُ: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، فَحَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَإِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ مُضْغَةٌ مِنِّي، وَإِنَّمَا أَكْرَهُ أَنْ يَفْتِنُوهَا، وَإِنَّهَا- وَاللَّهِ- لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ، وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا» قَالَ: فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ.\n[خ: ٣٧٢٩]","vol":"7","page":116},{"text":"وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَرِيرٍ- عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ- يَعْنِي: ابْنَ رَاشِدٍ- يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nقوله: «وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ»، يعني: بلغت الحلم.\nوقوله: «حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَأَوْفَى لِي»: وهو العاصي بن الربيع زوج ابنته زينب ﵄، أثنى عليه بصدق الحديث، والوفاء بالعهد.\nوقوله: «وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا»: فيه: أن النبي ﷺ منع علي بن أبى طالب ﵁ لما أراد أن يتزوج بنت أبي جهل على ابنته، وبيَّن العلة في ذلك، وهي أنه لا يجوز له أن يتزوج على فاطمة لأمرين:\nالأمر الأول: أنه يخشى عليها أن تفتن في دينها بسبب الغيرة.\nوالأمر الثاني: أن ذلك يؤذيها، فيؤذي النبي ﷺ، وأذية النبي ﷺ فيها هلاك مؤذيه؛ فنهى عن ذلك لكمال شفقته على علي وفاطمة ﵄.\nوهذا من خصائص فاطمة ﵂؛ لأنه لا يجوز الجمع بينها وبين ابنة عدو الله أبي جهل، وقد بين النبي ﷺ أنه لا يمنع تعدد الزوجات، فقال: «وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا»؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾، وإنما منع الجمع بين فاطمة ﵂ وبين بنت أبي جهل.\nهذا، وليس من حق المرأة أن تطلب الطلاق من زوجها إذا تزوج عليها، إلا إذا شُرط عليه قبل العقد، ثم أخل بالشرط، فلها الخيار أن تطلب الطلاق فيطلقها، أما إذا لم يشترط فليس لها ذلك.","vol":"7","page":117},{"text":"[٢٤٥٠] حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ- يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ، فَسَارَّهَا، فَبَكَتْ، ثُمَّ سَارَّهَا، فَضَحِكَتْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِفَاطِمَةَ: مَا هَذَا الَّذِي سَارَّكِ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَكَيْتِ، ثُمَّ سَارَّكِ، فَضَحِكْتِ قَالَتْ: سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي بِمَوْتِهِ، فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّنِي، فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ مَنْ يَتْبَعُهُ مِنْ أَهْلِهِ، فَضَحِكْتُ.\nحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَهُ، لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا، فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِابْنَتِي»، ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ سَارَّهَا، فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَضَحِكَتْ، فَقُلْتُ لَهَا: خَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ، ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ؟ ! فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلْتُهَا: مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: مَا كُنْتُ أُفْشِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِرَّهُ، قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ لَمَا حَدَّثْتِنِي مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: أَمَّا الْآنَ فَنَعَمْ، أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَأَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الْآنَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنِّي لَا أُرَى الْأَجَلَ إِلَّا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي، فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ، قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «يَا فَاطِمَةُ، أَمَا تَرْضَيْ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ\nنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟» قَالَتْ: فَضَحِكْتُ ضَحِكِي الَّذِي رَأَيْتِ.\n[خ: ٦٢٨٦]","vol":"7","page":118},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ امْرَأَةً، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِشْيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِابْنَتِي»، فَأَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا، فَبَكَتْ فَاطِمَةُ، ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّهَا فَضَحِكَتْ أَيْضًا، فَقُلْتُ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ، فَقُلْتُ لَهَا حِينَ بَكَتْ: أَخَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَدِيثِهِ دُونَنَا ثُمَّ تَبْكِينَ؟ ! وَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ، فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى إِذَا قُبِضَ سَأَلْتُهَا، فَقَالَتْ: إِنَّهُ كَانَ حَدَّثَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ بِهِ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي، وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقًا بِي، وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ، فَبَكَيْتُ لِذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّنِي، فَقَالَ: «أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟»،\nفَضَحِكْتُ لِذَلِكَ.\nقولها: «عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ لَمَا حَدَّثْتِنِي، مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»: هذا سؤال عائشة لفاطمة ﵄ تسألها بالحق الذي لها عليها؛ لأنها أم المؤمنين، وليس هذا قَسَمًا.\nوقوله: «وَإِنِّي لَا أُرَى الْأَجَلَ إِلَّا قَدِ اقْتَرَبَ»، يعني: لا أظن الأجل إلا قد حان، فقد عارضه جبريل ﵇ القرآن في السنة التي توفي فيه النبي ﷺ مرتين، وكان يعارضه في كل سنة مرة، فهو دليل على دنو أجله ﷺ.\nوقوله: «وَلَا أُرَانِي»: أُرى- بضم الهمزة-: أظن، وقد يأتي الظن بمعنى العلم.\nوقوله: «يَا فَاطِمَةُ، أَمَا تَرْضَيْ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ","vol":"7","page":119},{"text":"الْأُمَّةِ؟»: هذه منقبة لفاطمة ﵂، وشهادة لها بالجنة، وأنها سيدة نسائها.\nوقولها: «فَأَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ»: قال النووي ﵀: «هكذا وقع في هذه الرواية، وذِكْرُ المرتين شكٌّ من بعض الرواة، والصواب: حذفها، كما في باقي الروايات» (^١).\nوفي هذه الأحاديث: أن فاطمة ﵂ فرحت بإخبار النبي ﷺ إياها أنَّها أول أهله لحوقًا به، وقد عاشت بعده ستة أشهر ﵂، وهذا دليل على أن الأخيار يرغبون في لقاء الله ﷿؛ ولهذا ضحكت ﵂؛ حتى تستريح من هموم الدنيا ومآسيها، لا سيَّما وأن النبيَّ ﷺ أخبرها أنها سيدة نساء أهل الجنة، وقد ثبت عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ»، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ، فَقَالَ: «لَيْسَ كَذَلِكِ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ؛ فَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللهِ وَسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ، وَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ» (^٢) نعوذ بالله.\nوفيها: حسن خلق النبي ﷺ، حيث رحب بابنته وأجلسها عن يمينه، وهذا من البر والصلة بين الأب وابنه وابنته، وفي الحديث الأخر: أنها كانت إذا دخلت قبَّلها، وإذا دخل النبيُّ ﷺ قامت إليه وقبَّلته (^٣).\nوفيها: أن السر لا يجوز إفشاؤه؛ ولهذا لم تخبر به فاطمة ﵂ إلا بعد وفاة النبي ﷺ.\nوفيها: من علامة النبوة أنه وقع كما أخبر، فكانت هي أولَ أهله لحوقًا به.\nوفيها: مشروعية مدارسة القرآن، خاصة في شهر رمضان.\nوفيها: مشروعية مدارسة الصالحين والأخيار.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٦٨٤).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣٨٧٢).","vol":"7","page":120},{"text":"وفيها: زيادة الاجتهاد والنشاط في الأعمال الصالحة في شهر رمضان، كما جاء في الحديث الآخر: «فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٢٠)، ومسلم (٢٣٠٨).","vol":"7","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1144>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂</span>.\n\n[٢٤٥١] حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْقَيْسِيُّ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ، قَالَ ابْنُ حَمَّادٍ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: لَا تَكُونَنَّ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ قَالَ: وَأُنْبِئْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَى نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ قَالَ: فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ لِأُمِّ سَلَمَةَ: «مَنْ هَذَا؟»، أَوْ كَمَا قَالَ قَالَتْ: هَذَا دِحْيَةُ قَالَ: فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: ايْمُ اللَّهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ، حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُ خَبَرَنَا، أَوْ كَمَا قَالَ قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي عُثْمَانَ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ أُسَامَةَ ابْنِ زَيْدٍ.\n[خ: ٣٦٣٣]\nهذا الحديث موقوف على سلمان الفارسي ﵁، ولكن له حكم الرَّفع؛ لأن هذا مما لا مجال للرأي فيه، فلا يمكن أن يقول سلمان ﵁ من عند نفسه: إن السُّوق معركة الشَّيطان، فلا تكونن أول من يدخل السُّوق، ولا آخر من يخرج منه.\nوفي هذا الحديث: دليل على أن الأسواق والمساجد متضادة، فالمساجد بيوت الله وفيها ذكر الله وفيها الملائكة، والأسواق معركة الشيطان؛ لما فيها من الزُّور والبهتان والكذب.\nوفيه: أن أم سلمة ﵂ رأت جبريل ﵇، وهذا من فضائلها، ومن مناقبها ﵂.\nوفيه: دليل على أن الملائكة يراهم الناس؛ فأم سلمة ﵂ رأت جبريل","vol":"7","page":122},{"text":"﵇، لكنه على صورة دحية الكلبي ﵁.\nوفيه: دليل على أن الملائكة تتصوَّر وتتشكَّل؛ لِما أعطاها الله من القدرة على ذلك، فكان كثيرًا ما يأتي جبريل ﵇ بصورة دحية الكلبي ﵁ وكان رجلًا جميلًا، وأم سلمة ﵂ رأته يكلَّم النبي ﷺ، ولم تعلم أنه جبريل ﵇ حتى سمعت النبي ﷺ يخطب، ويخبر أنه جاءه جبريل ﵇.\nوقد رأى الناسُ جبريل ﵇ في صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشَّعر، لا يُرى عليه أثر السفر، وجاء وسأل النبي ﷺ عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، ثم عن الساعة، ثم عن أماراتها (^١)، وقد رآه الناس، ويحتمل أنه كان فيهم منافقون.\nوقد رآه النبي ﷺ على صورته التي خُلق عليها، له ست مائة جناح، رآه مرتين: مرَّة في الأرض عند البعثة في غار حراء (^٢)، ومرَّة في السّماء ليلة المعراج (^٣)، كما رآه في صور متعددة في أوقات مختلفة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٦١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٨٥٦)، ومسلم (٢٥٣).","vol":"7","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1145>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ زَيْنَبَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂</span>.\n\n[٢٤٥٢] حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّينَانِيُّ، أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا» قَالَتْ: فَكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا قَالَتْ: فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زَيْنَبُ، لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَصَدَّقُ.\n[خ: ١٤٢٠]\nفي هذا الحديث: منقبة لزينب ﵂، فالنبي ﷺ قال: «أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا»، فكُنَّ ﵅ يأتين بالقصبة يقسنَ بها طول أذرعهن، ظنًّا منهن أنَّ المراد: الطول الحسِّي، فكانت سودة ﵂ أطولَهن جارحة، فلما ماتت زينب أولهن علموا أن مراد النبي ﷺ بالطول: الطول المعنوي- طول الصدقة والإحسان- فكانت زينب ﵂ أطولهن يدًا في الصدقة والإحسان، وكانت تسمى أمَّ المساكين، وقد سبق: أن عائشة ﵂ أثنت عليها كثيرًا، وأثنت عليها بالبر والصدقة والإحسان والمعروف.","vol":"7","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1146>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمِّ أَيْمَنَ ﵂</span>.\n\n[٢٤٥٣] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَنَاوَلَتْهُ إِنَاءً فِيهِ شَرَابٌ قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَصَادَفَتْهُ صَائِمًا، أَوْ لَمْ يُرِدْهُ، فَجَعَلَتْ تَصْخَبُ عَلَيْهِ وَتَذَمَّرُ عَلَيْهِ.\nقوله: «تَصْخَبُ»، أي: تصيح وترفع صوتها إنكارا لإمساكه عن شرب الشراب.\nوقوله: «تَذَمَّرُ»: هو بفتح التاء وإسكان الذال المعجمة وضم الميم، أي: تتذمر وتتكلم بالغضب.\nفي هذا الحديث: أن أم أيمن ﵂ كانت حاضنة النبي ﷺ، وهي بمثابة أمِّه وهي مرضعته، وهي أم أسامة بن زيد ﵁، وهي حبشية، جاء إليها النبي ﷺ، فقدَّمت له شرابًا، فلم يُرِدْهُ، فجعلت تصخب، يعني تقول: لماذا تمتنع من الشرب، وأنا بمثابة أمك؟ فكانت تُدِلُّ عليه؛ لِما لها عليه من الإحسان والحضانة، وكان النبي ﷺ يقدِّرها ويعرف لها حقها وفضلها.\nوفيه: أن للضيف الامتناع من الطعام والشراب الذي يحضره المضيف إذا كان له عذر من صوم أو غيره.","vol":"7","page":125},{"text":"[٢٤٥٤] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الْكِلَابِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁- بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ-: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالَا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ، فَقَالَتْ: مَا أَبْكِي أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ، وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا.\nفي هذا الحديث: مشروعية زيارة الصالحين، ومشروعية زيارة المرأة الصالحة من غير خلوة، لا سيَّما إذا كانت كبيرةَ السن.\nوفيه: دليل على أن صوت المرأة ليس بعورة؛ ولهذا كانت تحادثهم ويحادثونها، وإنما المنهي عنه خضوع المرأة بالقول مما يُطْمِع الفساق فيها؛ ولذلك قال الله تعالى- للنساء-: ﴿فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض﴾، أي: مرض الشهوة.\nوفيه: أنه لا بأس بالبكاء والاجتماع عليه؛ لأنه فيه رقة وتذكر لنزول الوحي، وتذكُّر للخير، فلما بكت قالوا لها: «مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ فَقَالَتْ: مَا أَبْكِي أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا»، وهذا من فضائل أم أيمن، ومن مناقبها ﵂.","vol":"7","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1147>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمِّ سُلَيْمٍ، أُمِّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَبِلَالٍ ﵄</span>.\n\n[٢٤٥٥] حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِ، إِلَّا أُمِّ سُلَيْمٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنِّي أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي».\n[خ: ٢٨٤٤]\n\n[٢٤٥٦] وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ السَّرِيِّ- حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْفَةً، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذِهِ الْغُمَيْصَاءُ بِنْتُ مِلْحَانَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ».\nقوله: «فَسَمِعْتُ خَشْفَةً»: الخشفة: صوت حركة الشيء.\nفي هذا الحديث: منقبة لأم سليم ﵂، فقد كان النبي ﷺ يزورها ويدخل عليها.\nوفيه: الشهادة لها ﵂ بالجنة.\nوفيه: أن النبي ﷺ كان يدخل عليها؛ لأنَّه كان بينه وبينها محرمية، فقد كانت خالته من جهة النسب، أو مِن قِبَل الرضاعة، وأما قول من قال: إن من خصائص النبي ﷺ أنه يدخل على المرأة ولو لم يكن معها محرَم، فهذا ليس بصحيح؛ لأنه كان بين النبي ﷺ وأم سليم محرمية، فكان يدخل عليها وعلى أختها أم حرام ﵄، وكان يطعم عندها، وسبق أنه كان يقيل عندها القيلولة، وأنه لما قال عندها وعرق جعلت تسلت العرق وتجعله في قوارير لها، وقالت: إنه من أطيب الطيب، فكان النبي ﷺ يدخل عليها، فقيل له في ذلك قال: «إِنِّي أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي».","vol":"7","page":127},{"text":"وفيه: جواز الاستثناء من الاستثناء، كما في قوله ﷺ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِ، إِلَّا أُمِّ سُلَيْمٍ»، ومنه قوله تعالى: ﴿قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته﴾، فهذا استثناء من الاستثناء، وفيه: الرد على من أنكره.\n\n[٢٤٥٧] حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُرِيتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ امْرَأَةَ أَبِي طَلْحَةَ، ثُمَّ سَمِعْتُ خَشْخَشَةً أَمَامِي، فَإِذَا بِلَالٌ».\nوفي هذا الحديث: شهادةٌ بالجنة لبلال وأم سليم ﵄، وهذه منقبة ظاهرة لهما.","vol":"7","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1148>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁</span>.\n\n[٢١٤٤] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَاتَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقَالَتْ لِأَهْلِهَا: لَا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بِابْنِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ، قَالَ: فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً، فَأَكَلَ وَشَرِبَ، فَقَالَ: ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ مَا كَانَ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَوَقَعَ بِهَا، فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعَ وَأَصَابَ مِنْهَا، قَالَتْ يَا أَبَا طَلْحَةَ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا أَعَارُوا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ بَيْتٍ، فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ أَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ؟ قَالَ: لَا، قَالَتْ: فَاحْتَسِبْ ابْنَكَ، قَالَ: فَغَضِبَ، وَقَالَ: تَرَكْتِنِي حَتَّى تَلَطَّخْتُ، ثُمَّ أَخْبَرْتِنِي بِابْنِي، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي غَابِرِ لَيْلَتِكُمَا»، قَالَ: فَحَمَلَتْ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ وَهِيَ مَعَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَى الْمَدِينَةَ مِنْ سَفَرٍ لَا يَطْرُقُهَا طُرُوقًا، فَدَنَوْا مِنْ الْمَدِينَةِ، فَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ، فَاحْتُبِسَ عَلَيْهَا أَبُو طَلْحَةَ، وَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: إِنَّكَ لَتَعْلَمُ يَا رَبِّ إِنَّهُ يُعْجِبُنِي أَنْ أَخْرُجَ مَعَ رَسُولِكَ، إِذَا خَرَجَ وَأَدْخُلَ مَعَهُ إِذَا دَخَلَ، وَقَدِ احْتَبَسْتُ بِمَا تَرَى، قَالَ: تَقُولُ أُمُّ سُلَيْمٍ:\nيَا أَبَا طَلْحَةَ: مَا أَجِدُ الَّذِي كُنْتُ أَجِدُ، انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، قَالَ: وَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ حِينَ قَدِمَا فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقَالَتْ لِي أُمِّي: يَا أَنَسُ لَا يُرْضِعُهُ أَحَدٌ حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا أَصْبَحَ احْتَمَلْتُهُ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَصَادَفْتُهُ وَمَعَهُ مِيسَمٌ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: «لَعَلَّ أُمَّ سُلَيْمٍ وَلَدَتْ»، قُلْتُ: نَعَمْ فَوَضَعَ الْمِيسَمَ قَالَ: وَجِئْتُ بِهِ، فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ، وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَجْوَةٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ، فَلَاكَهَا فِي فِيهِ حَتَّى ذَابَتْ، ثُمَّ قَذَفَهَا فِي فِي الصَّبِيِّ، فَجَعَلَ الصَّبِيُّ يَتَلَمَّظُهَا قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «انْظُرُوا إِلَى","vol":"7","page":129},{"text":"حُبِّ الْأَنْصَارِ التَّمْرَ» قَالَ: فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ.\nحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: مَاتَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ.\nقوله: «فَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ»، أي: أخذها الطلق ووجع الولادة.\nوقوله: «وَمَعَهُ مِيسَمٌ»، أي: هي الآلة التي يكوى بها الحيوان، من الوسم: وهو العلامة.\nوفي هذا الحديث: منقبة ظاهرة لأبي طلحة وأم سليم ﵄.\nوفيه: دليل على قوة إيمان أم سليم ﵂ وصبرها وتحملها، ورجاحة عقلها، ومن ذلك: أنها لما خطبها أبو طلحة ﵁ قبل أن يسلم قالت: مهري الإسلام، إن أسلمتَ فهو مهري (^١)، ولذلك قيل: إن مهر أم سليم هو أحسن مهر في الإسلام، فلما أسلم أبو طلحة ﵁ كان ذلك هو مهرها.\nوفي هذه القصة: دليل على قوة إيمانها وصبرها وتحملها ﵂، فقد مات ابنها من أبي طلحة ﵁ ولم تخبره، وفي الرواية الأخرى: «فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ: مَا فَعَلَ ابْنِي، قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ» (^٢)، وهذه تورية منها ﵂، فهو يظن أن ابنه قد شُفي من مرضه، وزال عنه الوجع، وهي تريد أنه ساكن بالموت لا يتحرك، ثم قدمت له الطعام، فأكل حتى شبع، وتزينت له حتى جامعها، ثم أخبرته بموت ابنه، ولم تخبره ابتداءً حتى لا تصدمه، بل مهدت له وقالت: يا أبا طلحة، لو أن ناسًا أعطوا ناسًا آخرين عاريةً، ثم طلبوا منهم عاريتهم، فهل يردون لهم عاريتم، أم يمنعونهم إياها؟ قال: بل\n_________\n(^١) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم (٢/ ٥٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٤٧٠)، ومسلم (٢١٤٤).","vol":"7","page":130},{"text":"يردونها، عند ذلك قالت أم سليم ﵂: احتسب ابنك، فابنك قد أعاره الله لنا، ثم أخذه، فغضب، وأنكر عليها عدم إخباره بذلك قبل الأكل والجماع، فذهب إلى النبي ﷺ فأخبره بذلك، فدعا له النبي ﷺ وقال: «بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي غَابِرِ لَيْلَتِكُمَا»، يعني: في ماضي ليلتكما، فاستجاب الله دعاء نبيه ﷺ، وولدت ولدًا سماه النبيُّ ﵊ عبدَ الله، وخرج من نسله عشرةُ أولاد كلهم يحفظون القرآن.\nوفيه: النهي عن طروق البيت، وهو الدخول ليلًا؛ لِما ورد في الصحيحين من حديث جابر ﵁: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَطْرُقَ أَهْلَهُ لَيْلًا» (^١)، أي: لا يباغت أهله، إلا إذا أخبرهم وأعلمهم عن طريق الهاتف مثلًا، أو عن طريق رسول، فلا بأس حينئذٍ، فقد زال المحذور.\nوفيه: فضل أبي طلحة ﵁؛ حيث كان ملازمًا للنبي ﷺ في مدخله ومخرجه.\nوفيه: فضل أم سليم ﵂، حيث ضربها المخاض وهم في الطريق، فاحتُبس أبو طلحة ﵁ عليها بسبب ذلك، فشق عليه، وقال: «إِنَّكَ لَتَعْلَمُ يَا رَبِّ إِنَّهُ يُعْجِبُنِي أَنْ أَخْرُجَ مَعَ رَسُولِكَ إِذَا خَرَجَ، وَأَدْخُلَ مَعَهُ إِذَا دَخَلَ، وَقَدِ احْتَبَسْتُ بِمَا تَرَى»، ثم بعد ذلك زال ما كانت أم سليم ﵂ تجده من آلام الطلق، حتى وصلت إلى المدينة، ثم عاودها المخاض، وهذه كرامة من كرامات أم سليم، ومنقبة من مناقبها ﵂.\nوفيه: مشروعية تحنيك المولود؛ فإن النبي ﷺ قد حنكه، فأمر بعجوة من عجوة المدينة، وهي تمر المدينة المعروف الذي جاء فيه الحديث: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ، وَلَا سِحْرٌ» (^٢)، فمضغ النبي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٠١)، ومسلم (٧١٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٧٧٩)، ومسلم (٢٠٤٧).","vol":"7","page":131},{"text":"ﷺ العجوة حتى ذابت، ثم قذفها في فم الصبي، فجعل يتلمظ، وسماه: عبد الله.\nوالتحنيك خاص بالنبي ﷺ في حياته دون غيره، فقد كان الصحابة ﵁ يأتون النبي ﷺ بمواليدهم ليحنكهم، ولا يذهبون بهم إلى غيره ﷺ؛ ولذلك قالت أم سليم ﵂: لا ترضعوه؛ حتى يكون أولَ ريق يدخل في فمه ريقُ النبي ﷺ؛ لِما جعل الله تعالى في جسده وما لامسه من البركة، وأما بعد وفاته ﷺ فيُحنِّك المولودَ أيُّ واحد ممن حضره، أبوه، أو أمه، أو غيرهما، وأما قول النووي ﵀، وجماعة أن فيه: «التبرك بآثار الصالحين وريقهم» (^١) فليس بصحيح؛ لأن هذا من وسائل الشرك، ولأن الصحابة ﵃ لم يفعلوا هذا مع غير النبي ﷺ.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٤/ ١٢٤).","vol":"7","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1149>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ بِلَالٍ ﵁</span>.\n\n[٢٤٥٨] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ يَعِيشَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ: «يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ عِنْدَكَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْفَعَةً، فَإِنِّي سَمِعْتُ اللَّيْلَةَ خَشْفَ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ»، قَالَ بِلَالٌ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا فِي الْإِسْلَامِ أَرْجَى عِنْدِي مَنْفَعَةً مِنْ أَنِّي لَا أَتَطَهَّرُ طُهُورًا تَامًّا فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ، إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي أَنْ أُصَلِّيَ.\nقوله: «عِنْدَ صَلَاة الغَدَاةِ»: هي: صلاة الصبح.\nوقوله: «بَيْنَ يَدَيَّ»، يعني: أمامي.\nوفي هذا الحديث: منقبة عظيمة لبلال ﵁، وشهادة له بالجنة.\nوفيه: مشروعية صلاة ركعتين بعد الوضوء، وإن زيد فهو خير، وهذا أرجى عمل كان يعمله بلال ﵁، وهو أنه ما تطهر طهورًا في ساعة من ليل، أو نهار إلا صلى بذلك الطهور ما كتبه الله له.\nوفيه: دليل على أن سنة الوضوء مستثناة من أوقات النهي، ومثلها تحية المسجد.\nوفيه: أن صلاة ركعتين فأكثر بعد الوضوء صار سنة؛ لإقرار النبي ﷺ بلالًا ﵁ على ذلك.","vol":"7","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1150>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأُمِّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا</span>.\n\n[٢٤٥٩] حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، وَسَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ الْحَضْرَمِيُّ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَالْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، قَالَ سَهْلٌ وَمِنْجَابٌ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾، إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قِيلَ لِي: أَنْتَ مِنْهُمْ».\nفي هذا الحديث: منقبة ظاهرة لعبد الله بن مسعود ﵁؛ لإخبار النبي ﷺ إياه بأنه من أهل الإيمان.\n\n[٢٤٦٠] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنْ الْيَمَنِ، فَكُنَّا حِينًا وَمَا نُرَى ابْنَ مَسْعُودٍ وَأُمَّهُ إِلَّا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ كَثْرَةِ دُخُولِهِمْ وَلُزُومِهِمْ لَهُ.\n[خ: ٣٧٦٣]\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ سَمِعَ الْأَسْوَدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى يَقُولُ: لَقَدْ قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنْ الْيَمَنِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ.\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ:","vol":"7","page":134},{"text":"أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أُرَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، أَوْ مَا ذَكَرَ مِنْ نَحْوِ هَذَا.\n\n[٢٤٦١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْأَحْوَصِ قَالَ: شَهِدْتُ أَبَا مُوسَى، وَأَبَا مَسْعُودٍ حِينَ مَاتَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ أَتُرَاهُ تَرَكَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، فَقَالَ: إِنْ قُلْتَ ذَاكَ إِنْ كَانَ لَيُؤْذَنُ لَهُ إِذَا حُجِبْنَا، وَيَشْهَدُ إِذَا غِبْنَا.\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا قُطْبَةُ- هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ- عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ قَالَ: كُنَّا فِي دَارِ أَبِي مُوسَى مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ فِي مُصْحَفٍ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالُ أَبُو مَسْعُودٍ، مَا أَعْلَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ بَعْدَهُ أَعْلَمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ هَذَا الْقَائِمِ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَمَا لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ لَقَدْ كَانَ يَشْهَدُ إِذَا غِبْنَا وَيُؤْذَنُ لَهُ إِذَا حُجِبْنَا.\nوَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ- هُوَ ابْنُ مُوسَى- عَنْ شَيْبَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا مُوسَى فَوَجَدْتُ عَبْدَ اللَّهِ، وَأَبَا مُوسَى. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ حُذَيْفَةَ، وَأَبِي مُوسَى، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَحَدِيثُ قُطْبَةَ أَتَمُّ وَأَكْثَرُ.\nفي هذه الأحاديث: منقبة عظيمة لعبد الله بن مسعود وأمه ﵄، حيث قال فيهما أبو موسى ﵁: «قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنْ الْيَمَنِ، فَكُنَّا حِينًا وَمَا نُرَى ابْنَ مَسْعُودٍ وَأُمَّهُ إِلَّا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ كَثْرَةِ دُخُولِهِمْ وَلُزُومِهِمْ لَهُ»، أي: لبثنا مدة كنا نظن أن ابن مسعود وأمه من آل بيت النبي ﷺ؛ لكثرة دخولهما ولزومهما لبيته ﷺ.","vol":"7","page":135},{"text":"وقوله: «إِنْ كَانَ لَيُؤْذَنُ لَهُ إِذَا حُجِبْنَا وَيَشْهَدُ إِذَا غِبْنَا» هذه منقبة آخرى لابن مسعود ﵁، فقد كان يؤذن له بالدخول على النبي ﷺ في الوقت الذي يكون فيه مشتغلًا بخاصته، في حين أن غيره كان يُحجب، ويحضر النبي ﷺ ويشهده إذا غاب عنه غيره.\n\n[٢٤٦٢] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، ثُمَّ قَالَ: عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ تَأْمُرُونِي أَنْ أَقْرَأَ؟ فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ، قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَا يَعِيبُهُ.\n[خ: ٥٠٠٠]\nقوله: «فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ»: الحلق: جمع حلقة، وهي حلقة العلم.\nوقد حصل اختلاف شديد في قراءة القرآن في خلافة عثمان ﵁، فجاءه حذيفة ﵁، وقال له: «يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ، قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الكِتَابِ اخْتِلافَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى» (^١)، وقد كان القرآن الكريم جُمع في زمن أبي بكر ﵁، فأمر عثمان رضي الله بجمعه مرة أخرى على ما استقر في العرضة الأخيرة، على أن يكون ذلك على حرف واحد، وهو حرف قريش، وأرسل إلى كل مصرٍ من الأمصار مصحفًا، فأرسل مصحفًا لأهل المدينة، ومصحفًا لأهل مكة، ومصحفًا لأهل الكوفة ... وهكذا، وأمر بتحريق ما سوى هذه المصاحف، وأما ابن مسعود ﵁ فقد كانت له قراءةٌ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٩٨٧).","vol":"7","page":136},{"text":"تخالف قراءة جمهور الصحابة، فأنكر عليه الناس، وأمروه بترك مصحفه وبموافقة مصحف الجمهور، وطلبوا مصحفه ليحرقوه كما فعلوا بغيره، فامتنع، وقال لهم- على سبيل الإنكار-: «عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ تَأْمُرُونِي أَنْ أَقْرَأَ؟ فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً»، وقال- لأهل الكوفة-: «يَا أَهْلَ العِرَاقِ، اكْتُمُوا الْمَصَاحِفَ الَّتِي عِنْدَكُمْ وَغُلُّوهَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ فَالقوا اللَّهَ بِالمَصَاحِفِ» (^١)، قال الذهبي ﵀: «وفي مصحف ابن مسعود أشياء أظنها نسخت، ويقال: إنها ليس فيها المعوذتان، وأما زيد ﵁ فكان أحدث القوم بالعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ عام توفي على جبريل» (^٢).\n\n[٢٤٦٣] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا قُطْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، مَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ سُورَةٌ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ حَيْثُ نَزَلَتْ، وَمَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَا أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا هُوَ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ.\n[خ: ٥٠٠٢]\nفي هذا الحديث: منقبة- أيضًا- لعبد الله بن مسعود ﵁، حيث يقول عن نفسه: «مَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ سُورَةٌ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ حَيْثُ نَزَلَتْ، وَمَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَا أُنْزِلَتْ»، فهو ﵁ يعلم في أي مكان نزلت كلُّ آية، وفيما أُنزلت، وهذه منقبة عظيمة له ﵁، ومع ذلك يقول: «وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا هُوَ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ».\nوفيه: دليل على أن الرحلة في طلب العلم كانت معروفةً من زمن الصحابة ﵃.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣١٠٤).\n(^٢) سير أعلام النبلاء، للذهبي (١/ ٤٨٨).","vol":"7","page":137},{"text":"[٢٤٦٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنَّا نَأْتِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، فَنَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ عِنْدَهُ: فَذَكَرْنَا يَوْمًا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لَقَدْ ذَكَرْتُمْ رَجُلًا لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ- فَبَدَأَ بِهِ-، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَسَالِمٍ- مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ».\n[خ: ٣٧٥٨]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالُوا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَذَكَرْنَا حَدِيثًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ شَيْءٍ، سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهُ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: مِنْ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ، فَبَدَأَ بِه، وَمِنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمِنْ سَالِمٍ- مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ-، وَمِنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ».\nوَحَرْفٌ لَمْ يَذْكُرْهُ زُهَيْرٌ، قَوْلُهُ: يَقُولُهُ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ، وَوَكِيعٍ، فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ: قَدَّمَ مُعَاذًا قَبْلَ أُبَيٍّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ أُبَيٌّ قَبْلَ مُعَاذٍ.\nحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح، وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادِهِمْ، وَاخْتَلَفَا عَنْ شُعْبَةَ فِي تَنْسِيقِ الْأَرْبَعَةِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: ذَكَرُوا ابْنَ مَسْعُودٍ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ ابْنِ مَسْعُودٍ،","vol":"7","page":138},{"text":"وَسَالِمٍ- مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ-، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ».\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَزَادَ، قَالَ شُعْبَةُ: بَدَأَ بِهَذَيْنِ، لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا بَدَأَ.\nقوله: «ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ»: هو عبد الله بن مسعود ﵁.\nفي هذه الأحاديث: منقبة عظيمة لهؤلاء الصحابة ﵃ جميعًا؛ حيث أمر النبي ﷺ باستقراء القرآن منهم.\nوفيها: مشروعية محبة أهل الخير، وأن محبة الصالحين دين يدين الإنسان به ربه، فمحبة أهل الخير من محبة الله تعالى، ومحبة الرسول ﷺ.\nومحبة أهل الخير والصلاح لا يجوز للمرء أن يغلو فيها، وإنما تكون محبة معتدلة؛ لأن غلوه فيهم قد يؤدي به إلى عبادتهم من دون الله، ولهذا قال الله تعالى في كتابه: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾، وقال ﵇: «لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٤٥).","vol":"7","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1151>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ</span>.\n\n[٢٤٦٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَةٌ، كُلُّهُمْ مِنْ الْأَنْصَارِ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ.\nقَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: مَنْ أَبُو زَيْدٍ؟ قَالَ: أَحَدُ عُمُومَتِي.\n[خ: ٣٨١٠]\nحَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: أَرْبَعَةٌ، كُلُّهُمْ مِنْ الْأَنْصَارِ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُكْنَى أَبَا زَيْدٍ.\n\n[٧٩٩] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأُبَيٍّ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ» قَالَ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: «اللَّهُ سَمَّاكَ لِي» قَالَ: فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾» قَالَ: وَسَمَّانِي؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: فَبَكَى.\n[خ: ٣٨٠٩]\nوَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيٍّ، بِمِثْلِهِ.\nفي هذا الحديث: منقبة عظيمة ظاهرة لأُبي بن كعب ﵁، فقد أمر الباري ﷿ رسوله ﷺ الذي أنزل عليه القرآن أن يقرأه على أُبي ﵁! وذكره باسمه، فاستعظم ذلك أُبي ﵁، وقال: «آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ؟»: من باب التأكد","vol":"7","page":140},{"text":"والتحقق، وليس من باب الشك، فإن أُبيًّا ﵁ لا يشك في خبر النبي ﷺ، لكنه من باب زيادة العلم، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾.\nوقوله ﵁: «وَسَمَّانِي؟»، يعني: هل الرب ﷾ سماني؟ هل قال لك: اقرأه على أُبي؟ فقال النبي ﷺ: «نَعَمْ»، فبكى أُبي ﵁ بكاء فرح وسرور، والبكاء قد يكون للفرح وقد يكون للحزن، وهذه منقبة عظيمة لأُبي ﵁.","vol":"7","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1152>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁</span>.\n\n[٢٤٦٦] حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- وَجَنَازَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ-: «اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ».\n[خ: ٣٨٠٣]\nحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ».\nفي هذا الحديث: منقبة عظيمة لسعد بن معاذ ﵁، فقد اهتز لموته عرش الرحمن ﵎، وهي منقبة لم تحصل لغيره، وهو الذي حكم في بني قريظة بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم، فقال له النبي ﷺ: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ» (^١).\nواهتزاز العرش لموت سعد ﵁ لشدة الفاجعة والهول والمصيبة، هذا هو الظاهر، والله تعالى جعل في عرشه التمييز، كما جعله في الحجارة والجبال، قال تعالى: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾، وفي الحديث: أن النبي ﷺ قال في جبل أحد: «وَهَذَا أُحُدٌ، وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» (^٢)، أما القول بأنه اهتز فرحًا واستبشارًا فهذا خلاف الظاهر، كما قاله النووي ﵀ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٤٣)، ومسلم (١٧٦٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٤٢٢)، ومسلم (١٣٩٢).\n(^٣) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ٢٢).","vol":"7","page":142},{"text":"[٢٤٦٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرُّزِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ الْخَفَّافُ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ- وَجَنَازَتُهُ مَوْضُوعَةٌ- يَعْنِي: سَعْدًا-: «اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ».\nقوله: «الرُّزِّيُّ»: بتشديد الراء المضمومة، بعدها زاي مكسورة مشددة، بعدها ياء مشددة.\n\n[٢٤٦٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُلَّةُ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَلْمِسُونَهَا وَيَعْجَبُونَ مِنْ لِينِهَا، فَقَالَ: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَلْيَنُ».\n[خ: ٣٨٠٢]\nحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَنْبَأَنِي أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِثَوْبِ حَرِيرٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ: أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ.\nحَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ هَذَا، أَوْ بِمِثْلِهِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْحَدِيثِ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا كَرِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ.\n\n[٢٤٦٩] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّهُ أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ جُبَّةٌ مِنْ سُنْدُسٍ، وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ مَنَادِيلَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا».\n[خ: ٢٦١٥]","vol":"7","page":143},{"text":"حَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةِ الْجَنْدَلِ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُلَّةً، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ.\nقوله: «جُبَّةٌ مِنْ سُنْدُسٍ»: السندس نوع من الحرير.\nفي هذه الأحاديث: شهادة لسعد بن معاذ ﵁ بالجنة؛ ولهذا قال: «لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَلْيَنُ».","vol":"7","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1153>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ</span>.\n\n[٢٤٧٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ سَيْفًا يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: «مَنْ يَأْخُذُ مِنِّي هَذَا؟»، فَبَسَطُوا أَيْدِيَهُمْ، كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ يَقُولُ: أَنَا، أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ؟» قَالَ: فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ، فَقَالَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ أَبُو دُجَانَةَ: أَنَا آخُذُهُ بِحَقِّهِ قَالَ: فَأَخَذَهُ، فَفَلَقَ بِهِ هَامَ الْمُشْرِكِينَ.\nفي هذا الحديث: منقبة لأبي دجانة ﵁، حيث قال النبي ﷺ: «مَنْ يَأْخُذُ مِنِّي هَذَا؟»، فلما قال ذلك رغب فيه كل واحد من الصحابة ﵃، فلما قال: «فَمَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ؟»: أحجم القوم، يعني: تأخروا وكفُّوا؛ خوفًا من عدم القيام بحقه، وأما أبو دجانة ﵁ فعزم على أخذه والتزم بحقه، ففلق به هام المشركين، وشق به رؤوسهم، وأبلى بلاءً حسنًا ﵁، وهذه منقبة عظيمة له.","vol":"7","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1154>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ وَالِدُ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ</span>.\n\n[٢٤٧١] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ جِيءَ بِأَبِي مُسَجًّى، وَقَدْ مُثِلَ بِهِ قَالَ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فَنَهَانِي قَوْمِي، ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فَنَهَانِي قَوْمِي، فَرَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ أَمَرَ بِهِ فَرُفِعَ، فَسَمِعَ صَوْتَ بَاكِيَةٍ أَوْ صَائِحَةٍ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟»، فَقَالُوا: بِنْتُ عَمْرٍو، أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو، فَقَالَ: «وَلِمَ تَبْكِي؟ فَمَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ».\n[خ: ١٢٩٣]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أُصِيبَ أَبِي يَوْمَ أُحُدٍ، فَجَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ، وَأَبْكِي، وَجَعَلُوا يَنْهَوْنَنِي، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَنْهَانِي قَالَ: وَجَعَلَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرٍو تَبْكِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَبْكِيهِ، أَوْ لَا تَبْكِيهِ، مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ».\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ ذِكْرُ الْمَلَائِكَةِ، وَبُكَاءُ الْبَاكِيَةِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ مُجَدَّعًا، فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.","vol":"7","page":146},{"text":"قوله: «جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ مُجَدَّعًا»: المجدَّع هو الذي قُطع شيء من أطرافه، إما أنفه، أو أذنه، أو مذاكيره، أو أصابعه، وقد فعل المشركون ذلك بعبد الله بن حرام ﵁ حنقًا وغيظًا.\nوفي هذه الأحاديث: أن عبد الله بن حرام والد جابر ﵄ جيء به مسجًّى، يعني: مغطًّى بثوب، فأراد ابنه جابر أن يكشف عن وجهه، فنهاه قومه، والنبي ﷺ ساكت، وفعل هذا ثلاثًا، ثم كشفه، فدل على أنه لا بأس بكشف وجه الميت وتقبيله، كما فعل جابر ﵁ في حضرة النبي ﷺ وأقرَّه، وكما فعل أبو بكر ﵁ لما جاء من السنح وبلغه أن النبي ﷺ توفي، جاء وكشف عن وجه النبي ﷺ، وقبَّله، وقال: «بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا» (^١).\nوفيها: أن قوله: «فَسَمِعَ صَوْتَ بَاكِيَةٍ أَوْ صَائِحَةٍ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقَالُوا: بِنْتُ عَمْرٍو، أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو»: لم ينكر النبي ﷺ عليها ذلك، فلعله كان بكاءً يسيرًا، وصوتًا غلبها فلم تستطع كتمه، فمثل هذا يُعفَى عنه، ولا يُنكَر على فاعله، كما حصل لأم المؤمنين حفصة ﵂ لما توفي أبوها عمر ﵁، فجاءت ﵂ وولجت داخل البيت الذي كان فيه، فجعلت تبكي (^٢)، وكما حصل لفاطمة ﵂ لما توفي النبي ﷺ، فالبكاء اليسير والصوت الذي يغلب الإنسان معفو عنه، إلا النياحة فإنها من الكبائر.\nوفيها: منقبة عظيمة لعبد الله بن حرام والد جابر ﵄، حيث ظللته الملائكة كرامةً له، ولئلا يتغير بالشمس، ولذلك أنكر النبي ﷺ على أخته بكاءها عليه مع ما هو فيه ﵁ من الكرامة، وقال: «وَلِمَ تَبْكِي؟ فَمَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ».\nومن مناقبه ﵁ ما جاء في الحديث الآخر: قول النبي ﷺ لولده جابر ﵄: «يَا جَابِرُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ ﷿ أَحْيَا أَبَاكَ، فَقَالَ لَهُ: تَمَنَّ عَلَيَّ، فَقَالَ:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٦٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٩٢٧).","vol":"7","page":147},{"text":"أُرَدُّ إِلَى الدُّنْيَا، فَأُقْتَلُ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: إِنِّي قَضَيْتُ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ» (^١).\nوفيها: أن جابرًا ﵁ بكى، والبكاء نوعان: بكاء برفع الصوت، وهذا منهي عنه وهو من النياحة، وبكاء بدمع العين، وهذا لا يلام عليه الإنسان ولا حرج فيه، ومن ذلك قول النبي ﷺ لما مات ابنه إبراهيم في المهد: «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» (^٢)، وقال ﵊: «أَلا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا- وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ، وَإِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٤٨٨١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٠٣)، ومسلم (٢٣١٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٣٠٤)، ومسلم (٩٢٩).","vol":"7","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1155>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جُلَيْبِيبٍ ﵁</span>.\n\n[٢٤٧٢] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ كِنَانَةَ بْنِ نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي مَغْزًى لَهُ فَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟» قَالُوا: نَعَمْ، فُلَانًا، وَفُلَانًا، وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟» قَالُوا: نَعَمْ، فُلَانًا، وَفُلَانًا، وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟» قَالُوا: لَا قَالَ: «لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا فَاطْلُبُوهُ»، فَطُلِبَ فِي الْقَتْلَى، فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ فَوَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «قَتَلَ سَبْعَةً، ثُمَّ قَتَلُوهُ، هَذَا مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ» قَالَ: فَوَضَعَهُ عَلَى سَاعِدَيْهِ لَيْسَ لَهُ إِلَّا سَاعِدَا النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَحُفِرَ لَهُ، وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ. ولَمْ يَذْكُرْ غَسْلًا.\nقوله: «ولَمْ يَذْكُرْ غَسْلًا»؛ وذلك لأن الشهيد لا يغسَّل ولا يصلَّى عليه، بل يدفن بثيابه ودمائه.\nوفي هذا الحديث: منقبة لجليبيب ﵁، وهي قول النبي ﷺ: «هَذَا مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ».","vol":"7","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1156>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرٍّ ﵁</span>.\n\n[٢٤٧٣] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا غِفَارٍ، وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَخِي أُنَيْسٌ وَأُمُّنَا فَنَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا، فَأَكْرَمَنَا خَالُنَا، وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا، فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ عَنْ أَهْلِكَ خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسٌ، فَجَاءَ خَالُنَا فَنَثَا عَلَيْنَا الَّذِي قِيلَ لَهُ، فَقُلْتُ: أَمَّا مَا مَضَى مِنْ مَعْرُوفِكَ فَقَدْ كَدَّرْتَهُ، وَلَا جِمَاعَ لَكَ فِيمَا بَعْدُ، فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا، فَاحْتَمَلْنَا عَلَيْهَا وَتَغَطَّى خَالُنَا ثَوْبَهُ، فَجَعَلَ يَبْكِي، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى نَزَلْنَا بِحَضْرَةِ مَكَّةَ، فَنَافَرَ أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنَا وَعَنْ مِثْلِهَا، فَأَتَيَا الْكَاهِنَ، فَخَيَّرَ أُنَيْسًا فَأَتَانَا أُنَيْسٌ بِصِرْمَتِنَا، وَمِثْلِهَا مَعَهَا قَالَ: وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِثَلَاثِ سِنِينَ، قُلْتُ: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ، قُلْتُ: فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي، أُصَلِّي عِشَاءً حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ، حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ، فَقَالَ أُنَيْسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ فَاكْفِنِي، فَانْطَلَقَ أُنَيْسٌ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَرَاثَ عَلَيَّ، ثُمَّ جَاءَ، فَقُلْتُ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ، قُلْتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: شَاعِرٌ كَاهِنٌ، سَاحِرٌ،\nوَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ، قَالَ أُنَيْسٌ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشِّعْرِ فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي أَنَّهُ شِعْرٌ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ قَالَ: قُلْتُ: فَاكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ قَالَ: فَأَتَيْتُ مَكَّةَ، فَتَضَعَّفْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَقُلْتُ: أَيْنَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ؟ فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَقَالَ: الصَّابِئَ، فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي بِكُلٍّ مَدَرَةٍ وَعَظْمٍ حَتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ قَالَ:","vol":"7","page":150},{"text":"فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ، كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ قَالَ: فَأَتَيْتُ زَمْزَمَ، فَغَسَلْتُ عَنِّي الدِّمَاءَ، وَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا، وَلَقَدْ لَبِثْتُ يَا ابْنَ أَخِي ثَلَاثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ قَالَ: فَبَيْنَا أَهْلِ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ إِضْحِيَانَ، إِذْ ضُرِبَ عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ، فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ، وَامْرَأَتَيْنِ مِنْهُمْ تَدْعُوَانِ إِسَافًا وَنَائِلَةَ قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا، فَقُلْتُ: أَنْكِحَا أَحَدَهُمَا الْأُخْرَى قَالَ: فَمَا تَنَاهَتَا عَنْ قَوْلِهِمَا قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ، فَقُلْتُ: هَنٌ مِثْلُ الْخَشَبَةِ غَيْرَ أَنِّي لَا أَكْنِي، فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلَانِ، وَتَقُولَانِ: لَوْ كَانَ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا قَالَ: فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا هَابِطَانِ قَالَ: «مَا لَكُمَا؟»، قَالَتَا: الصَّابِئُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ\nوَأَسْتَارِهَا قَالَ: «مَا قَالَ لَكُمَا؟»، قَالَتَا إِنَّهُ قَالَ لَنَا كَلِمَةً تَمْلَأُ الْفَمَ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ، ثُمَّ صَلَّى، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَكُنْتُ أَنَا أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ قَالَ: فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ»، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ أَنْتَ؟» قَالَ: قُلْتُ: مِنْ غِفَارٍ قَالَ: فَأَهْوَى بِيَدِهِ فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كَرِهَ أَنِ انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ، فَذَهَبْتُ آخُذُ بِيَدِهِ، فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ، وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: «مَتَى كُنْتَ هَا هُنَا؟» قَالَ: قُلْتُ: قَدْ كُنْتُ هَا هُنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ قَالَ: «فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ قَالَ: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَابًا، فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا، ثُمَّ غَبَرْتُ مَا غَبَرْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ","vol":"7","page":151},{"text":"فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ لَا أُرَاهَا إِلَّا يَثْرِبَ، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ عَسَى\nاللَّهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ»، فَأَتَيْتُ أُنَيْسًا، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: صَنَعْتُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ قَالَ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ فَأَتَيْنَا أُمَّنَا، فَقَالَتْ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ، فَاحْتَمَلْنَا حَتَّى أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَارًا، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ، وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ أَيْمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ، وَكَانَ سَيِّدَهُمْ، وَقَالَ نِصْفُهُمْ: إِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَسْلَمْنَا، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمُ الْبَاقِي، وَجَاءَتْ أَسْلَمُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِخْوَتُنَا نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمُوا عَلَيْهِ، فَأَسْلَمُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ».\nفي هذا الحديث: أن قوم غفار- وهم قبيلة أبي ذر الغفاري ﵁- كانوا يحلُّون القتال في الشهر الحرام، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾، وكانت العرب تحترم الأشهر الحرم الأربعة، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ثلاثة متوالية، والرابع: رجب الفرد الذي بين جمادى وشعبان، كانت العرب تتوقف عن القتال فيها.\nوكانت الأشهر الثلاثة ذو القعدة وذو الحجة ومحرم تطول عليهم أحيانًا، فإذا طالت عليهم الأشهر بدون قتال أخَّروا شهر المحرم إلى صفر، وهذا يسمى النسيء، يحلون شهر محرم يقاتلون فيه، ثم يحرمون شهر صفر مكانه، فأنكر الله عليهم ذلك وعاب عليهم، وبين أن هذا زيادة في الكفر، قال الله تعالى: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عامًا﴾ على حسب أهوائهم وشهواتهم.\nوقوله: «فَنَثَا»، أي: أشاعه وأفشاه، ونشره، وأخبرهم بالذي قيل، قال:","vol":"7","page":152},{"text":"إن الناس يقولون: إن أنيسًا يخالفك إلى أهلك إذا غبت.\nوقوله: «وَلَا جِمَاعَ لَكَ فِيمَا بَعْدُ»، يعني: لا نجتمع معك، وسنفارقك، وغضبوا، وقالوا: أنت كدرت معروفك السابق، والآن سنفارقك ولا نجتمع معك.\nوقوله: «فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا، فَاحْتَمَلْنَا عَلَيْهَا»: الصِّرمة: مركوبهم من الإبل وغيره، والصرمة تطلق على القطعة من الإبل، أو من الغنم.\nوقوله: «فَنَافَرَ أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنَا وَعَنْ مِثْلِهَا، فَأَتَيَا الْكَاهِنَ، فَخَيَّرَ أُنَيْسًا، فَأَتَانَا أُنَيْسٌ بِصِرْمَتِنَا وَمِثْلِهَا مَعَهَا»، يعني: أن أخاه أنيسًا نافر شخصًا، يعني: فاخره، وحكَّما شخصًا آخر أيهما يغلب يأخذ إبل صاحبه، فتفاخروا في الشعر، فلما تحاكما إلى كاهن خيَّر الكاهنُ أنيسًا، يعني: فضَّله على المنافر له، فساق أنيس الإبل التي معه والإبل التي مع المنفور، وكان هذا في الجاهلية قبل أن يسلم.\nوقوله: «وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِثَلَاثِ سِنِينَ، قُلْتُ: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ»: هذه الصلاة مما بلغه من دين إبراهيم ﵊، فكان أبو ذر ﵁ يصلي بحسب ما توارثوه عن دين إبراهيم ﵊، وهذا قبل أن يسلم ﵁.\nوقوله: «قُلْتُ: فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي»، يعني: يتوجه حيث يوجهه الله، فلم يكن يعلم أن الصلاة لا تصح إلا باستقبال القبلة.\nوقوله: «كَأَنِّي خِفَاءٌ»: خفاء: ككساء وزنًا ومعنًى، والجمع: أخفية كأكسية.\nوقوله: «فَرَاثَ عَلَيَّ»، يعني: فأبطأ عليَّ في المجيء.\nوقوله: «يَقُولُونَ: شَاعِرٌ، كَاهِنٌ، سَاحِرٌ، وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ، قَالَ أُنَيْسٌ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشِّعْرِ فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي أَنَّهُ شِعْرٌ»: يقول: إن الناس يقولون: إنه كاهن، وأنا أعرف أقوال الكهنة، وليس يشبه قولُه قولَهم، وقالوا: شاعر، وأنا أعرف أقراء الشعر، يعني: طرقه وأنواعه، فعرضت قوله- يعني: قول النبي ﷺ-","vol":"7","page":153},{"text":"على الشعر فما وجدته يوافق قول الشعر.\nوقوله: «وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ»: هذا كلام أنيس ﵁ يقول لأخيه أبي ذر ﵁: والله إنه لصادق، يعني: الرسول ﵊ في دعواه النبوة، وإنهم لكاذبون، أي: كفار قريش الذين يكذبونه، ويقولون: إنه ساحر، شاعر، كاذب.\nوقوله: «قُلْتُ: فَاكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ مَكَّةَ»: قال أبو ذر ﵁- لما قال له أخوه هذا الكلام-: أريد أن أذهب بنفسي فاكفني، يعني: انتظرني حتى أذهب أنا، وقد أراد الله تعالى بأبي ذر ﵁ خيرًا، فأسلم في الحال، ثم أسلم أخوه أنيس ﵁، ثم أسلمت أمهم ﵂، ثم أسلم نصف القوم في الحال.\nوقوله: «فَتَضَعَّفْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَقُلْتُ: أَيْنَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ؟»، يعني: سألت رجلًا ظاهره أنه ضعيف حتى يأمن شره؛ لأنه لو سأل واحدًا نشيطًا أو قويًّا فقد يبطش به، فاختار واحدًا ضعيفًا، إما أنه ضعيف الجسم، أو ضعيف الرأي، فسأله: ما هذا الرجل الذي يدعي النبوة أين هو؟ ورغم ضعف هذا الرجل إلا أنه نادى قومه مُغْرِيًا بأبي ذر ﵁: «الصَّابِئَ»، أي: خذوه، فهو منصوب على الإغراء، والصابئ: الخارج عن الدين.\nوقوله: «فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي بِكُلٍّ مَدَرَةٍ وَعَظْمٍ حَتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ»، أي: فجاؤوا يضربونه بكل عظم وبكل حجر حتى خر مغشيًّا عليه، فصار يتصبب من الدماء، ثم أغمي عليه فلم يفق، فلما أفاق وجد نفسه ملطخًا بالدماء، فذهب إلى زمزم وغسل الدماء، وشرب من مائها.\nوقوله: «فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ، كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ»، أي: فصار كأنه نُصب أحمر، والنُّصب: هو الحجر الذي يعبده المشركون ويذبحون عنده القرابين، فيكون أحمرَ ملطخًا بالدماء، وهذا يدل على أنهم بالغوا في ضربه ورميه بالحجارة بمجرد ما قال: أين هذا الصابئ الذي تدعون؟ يعني: لشدة","vol":"7","page":154},{"text":"عداوة المشركين للنبي ﷺ ولأتباعه، ولمن يريد أن يسلم.\nوقوله: «وَلَقَدْ لَبِثْتُ يَا ابْنَ أَخِي ثَلَاثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ، مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ»: هذا من العجائب! فقد لبث ثلاثين بين يوم وليلة، يعني: خمسة عشر يومًا وخمس عشرة ليلة، ليس له طعام إلا ماء زمزم، ومع ذلك يقول: إنه سمن حتى تكسرت عكن بطنه من السمن، والعُكَن: جمع عكنة، وهو الطي في البطن من السِّمَنِ، ومعنى تكسرت: انثنى وانطوى لحم بطنه.\nوقوله: «فَبَيْنَا أَهْلِ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ إِضْحِيَانَ، إِذْ ضُرِبَ عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ، فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ، وَامْرَأَتَيْنِ مِنْهُمْ تَدْعُوَانِ إِسَافًا وَنَائِلَةَ»: إِضْحِيَانَ- بكسر الهمزة- أي: مضيئة، يعني: ناموا في ليلة من الليالي المضيئة، فجاء للكعبة والناس قد ضُرب على أسمختهم، جمع سماخ: وهو الخرق الذي في الأذن يفضي إلى الرأس، يقال: صماخ وسماخ، والصاد أفصح وأشهر، والمراد بأسمختهم هنا: آذانهم، أي: ناموا، فهو لم يجد في الكعبة إلا امرأتين على الصفا والمروة، فحصل بينه وبينهما كلام، وعادة البيت الحرام ألَّا يخلو من طائف ليلًا أو نهارًا.\nوإساف ونائلة: صنمان للعرب، وضعوا أحدهما على الصفا، والآخر على المروة، وأصلهما: أن رجلًا اسمه إساف، وامرأة اسمها نائلة فَجَر أحدهما بالآخر وفعلوا الفاحشة، فمسخهما الله حجرين، فأخذتهما قريش ووضعتهما على الصفا والمروة؛ ليعتبر الناس بهما، ثم طال الأمد فصارا صنمين يُعبدان من دون الله.\nوقوله: «فَأَتَتَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا، فَقُلْتُ: أَنْكِحَا أَحَدَهُمَا الْأُخْرَى قَالَ: فَمَا تَنَاهَتَا عَنْ قَوْلِهِمَا»، يعني: مرت المرأتان عليه وهما تطوفان فقال- منكِرًا عليهما-: أنكحا أحدهما الآخر، أنكحا إسافًا نائلةً إن كانا يعقلان، يقوله من باب السخرية بهما، يعني: كيف تدعوان حجرين؟ ! فاستمرتا في دعائهما","vol":"7","page":155},{"text":"الصنمين من دون الله.\nوقوله: «فَقُلْتُ: هَنٌ مِثْلُ الْخَشَبَةِ غَيْرَ أَنِّي لَا أَكْنِي»: الهَنُ: الفرج، ومراده بالخشبة هنا: الفرج- أيضًا-، فهو كلمهما بهذا الكلام الذي لا يليق، يريد أن يصرفهما عن عبادتهما الصنمين من دون الله، وهذا من باب التهكم بما يعبدون من دون الله تعالى.\nوقولهما: «لَوْ كَانَ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا»: الأنفار: جمع نفر، أو نفير، وهو الذي ينفر عند الاستغاثة.\nوقوله: «فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلَانِ»: الولولة: الدعاء بالويل.\nوقوله: «فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا هَابِطَانِ قَالَ: مَا لَكُمَا؟ قَالَتَا: الصَّابِئُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا»، يعني: فاستقبلهما الرسول وأبو بكر، وهما تولولان، فقال: ما لكما؟ قالتا: الصابئ، أي: أبو ذر الصابئ ﵁ بين الكعبة وأستارها، تكلم علينا بكلام لا يليق، وقال: «كَلِمَةً تَمْلَأُ الْفَمَ»، يعني: كلمة قبيحة ما نستطيع أن نتكلم بها.\nوقوله: «فَذَهَبْتُ آخُذُ بِيَدِهِ، فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ، وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي»، يعني: أراد أن يأخذ بيد النبي ﷺ فقدعه صاحبه، يعني: كفه صاحبه وضرب يده، وهو أبو بكر ﵁.\nوقوله: «قُلْتُ: قَدْ كُنْتُ هَا هُنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ، بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ»، يعني: مكث خمسة عشر يومًا وخمس عشرة ليلة، مكث هذه المدة كلها ينتظر النبي ﷺ؛ لعنايته واهتمامه ومحبته ﵁ للخير والإسلام، ولكنه جلس كل هذه المدة ولم يستطع أن يأتي النبي ﷺ خوفًا من المشركين.\nوقوله: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ»، هكذا ورد في هذه الرواية، وفي رواية أخرى بزيادة لفظ: «وَشِفَاءُ سُقْمٍ» (^١)، وأما حديث: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الصغير (٢٩٥)، والبيهقي في الكبرى (٩٦٥٩).","vol":"7","page":156},{"text":"لَهُ» (^١): فهو حديث ضعيف، لكن بعضهم حسَّنه، وقال: إن له طرقًا يكون به حسنًا لغيره.\nوقوله: «فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَابًا، فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا»، يعني: ائذن لي في إطعام أبي ذر ﵁؛ لأنه لم يأكل طعامًا منذ خمسة عشر يومًا، فائذن لي أن أكرمه وأضيفه عندي، فأول طعام أكله بمكة هو الزبيب في ضيافة أبي بكر ﵁.\nوقوله: «ثُمَّ غَبَرْتُ مَا غَبَرْتُ»، يعني: غبت عنه أيامًا، ثم جئته.\nوقوله: «إِنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ لَا أُرَاهَا إِلَّا يَثْرِبَ، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ»، يعني: إني قد أُريت دار هجرتكم ذات نخل، فوقع في وهلي أنها اليمامة، فإذا هي يثرب، فهو ﷺ يخبر أبا ذر ﵁ بذلك.\nوقوله: «فَأَتَيْتُ أُنَيْسًا، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: صَنَعْتُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ قَالَ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ فَأَتَيْنَا أُمَّنَا، فَقَالَتْ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ»، يعني: أتى أبو ذر أخاه أنيسًا ﵄ ودعاه إلى الإسلام، وفي الحال أسلم أخوه أنيس ﵁، وقال: «مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ»، يعني: لا أكرهه، بل أدخل فيه، ثم دعا أمه ﵂، فأسلمت، وقالت مثل قول أخيه أنيسٍ، ثم دعا قبيلته فأسلم نصفهم، وهذا خير عظيم ساقه الله إلى أبي ذر ﵁.\nوقوله: «فَاحْتَمَلْنَا حَتَّى أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَارًا، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ، وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ أَيْمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ وَكَانَ سَيِّدَهُمْ»، يعني: أسلم نصف قبيلة غفار في الحال؛ ولهذا دعا لهم النبي ﷺ بقوله: «غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا»، وذلك لسرعة إسلامهم،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٤٨٤٩)، وابن ماجه (٣٠٦٢).","vol":"7","page":157},{"text":"وهذا فيه دليل على أن قلوبهم لينة، والله تعالى أراد بهم خيرًا، وكان يؤمهم للصلاة رئيسهم وشريفهم أيماء بن رحضة الغفاري (^١).\nوقوله: «وَقَالَ نِصْفُهُمْ: إِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَسْلَمْنَا، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمُ الْبَاقِي»، يعني: أن النصف الأول أسلم في الحال، والنصف الثاني أرجأ إسلامه إلى حين قدوم النبي ﷺ المدينةَ، وقالوا: إذا جاء النبي ﷺ المدينة أسلمنا.\nوقوله: «وَجَاءَتْ أَسْلَمُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِخْوَتُنَا نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمُوا عَلَيْهِ، فَأَسْلَمُوا»، يعني: أن قبيلة أسلم جاءت إلى النبي ﷺ، وقالوا: يا رسول الله، إخوتنا من غفار أسلموا، ونحن نسلم على ما أسلموا عليه، فأسلموا في الحال، وهذا خير عظيم ساقه الله تعالى إلى هاتين القبيلتين بأن شرح صدورهما للإسلام؛ فدعا لهما رسولُ الله ﷺ بقوله: «غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ».\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ ابْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ، قُلْتُ: فَاكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ قَالَ: نَعَمْ، وَكُنْ عَلَى حَذَرٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ شَنِفُوا لَهُ وَتَجَهَّمُوا.\nقوله: «فَاكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ، قَالَ: نَعَمْ، وَكُنْ عَلَى حَذَرٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ شَنِفُوا لَهُ وَتَجَهَّمُوا»، يعني: أن أنيسًا ﵁ قال لأخيه أبي ذر ﵁: كن على حذر من قريش، فـ «قَدْ شَنِفُوا لَهُ»، يعني: أبغضوا الرسولَ ﷺ، «وَتَجَهَّمُوا»، يعني: يقابلونه بوجوه غليظة، فخذ حذرك منهم.\n_________\n(^١) هو خفاف بن إيماء بن رحضة بن خربة بن خلاف بن حارثة بن غفار الغفاري، كان أبوه سيد غفار، وكان هو إمام بني غفار وخطيبهم، شهد الحديبية وبايع بيعة الرضوان، يعد في المدنيين، وتوفي في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ بالمدينة. أسد الغابة، لابن الأثير (١/ ٦١٥)، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لابن عبد البر (٢/ ٤٤٩).","vol":"7","page":158},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا ابْنَ أَخِي، صَلَّيْتُ سَنَتَيْنِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: قُلْتُ: فَأَيْنَ كُنْتَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: حَيْثُ وَجَّهَنِيَ اللَّهُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَتَنَافَرَا إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْكُهَّانِ قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ أَخِي أُنَيْسٌ يَمْدَحُهُ حَتَّى غَلَبَهُ قَالَ: فَأَخَذْنَا صِرْمَتَهُ فَضَمَمْنَاهَا إِلَى صِرْمَتِنَا، وَقَالَ أَيْضًا فِي حَدِيثِهِ: قَالَ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَإِنِّي لَأَوَّلُ النَّاسِ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ قَالَ: قُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «وَعَلَيْكَ السَّلَامُ مَنْ أَنْتَ؟»، وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضًا، فَقَالَ: «مُنْذُ كَمْ أَنْتَ هَا هُنَا؟» قَالَ: قُلْتُ: مُنْذُ خَمْسَ عَشَرَةَ، وَفِيهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَتْحِفْنِي بِضِيَافَتِهِ اللَّيْلَةَ!\n\n[٢٤٧٤] وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَتَقَارَبَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ حَاتِمٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ، قَالَ لِأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي فَاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ، فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ ائْتِنِي، فَانْطَلَقَ الْآخَرُ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ، فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ، فَقَالَ: مَا شَفَيْتَنِي فِيمَا أَرَدْتُ فَتَزَوَّدَ، وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ فِيهَا مَاءٌ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَالْتَمَسَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَا يَعْرِفُهُ، وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ- يَعْنِي: اللَّيْلَ- فَاضْطَجَعَ فَرَآهُ عَلِيٌّ، فَعَرَفَ أَنَّهُ","vol":"7","page":159},{"text":"غَرِيبٌ، فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ، فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ احْتَمَلَ قِرْبَتَهُ وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَظَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَا يَرَى النَّبِيَّ ﷺ حَتَّى أَمْسَى، فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِهِ فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ، فَقَالَ: مَا أَنَى لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ، فَأَقَامَهُ فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ، وَلَا يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ، فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَقَامَهُ عَلِيٌّ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ\nلَهُ: أَلَا تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ هَذَا الْبَلَدَ؟ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا لَتُرْشِدَنِّي فَعَلْتُ؟ فَفَعَلَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: فَإِنَّهُ حَقٌّ وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَاتَّبِعْنِي، فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ، فَإِنْ مَضَيْتُ فَاتَّبِعْنِي، حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي، فَفَعَلَ فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَدَخَلَ مَعَهُ، فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ، وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي»، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَثَارَ الْقَوْمُ، فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ، فَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَيْلَكُمْ! أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تُجَّارِكُمْ إِلَى الشَّامِ عَلَيْهِمْ، فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ بِمِثْلِهَا وَثَارُوا إِلَيْهِ فَضَرَبُوهُ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ فَأَنْقَذَهُ.\n[خ: ٣٨٦١]\nقوله: «فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ ائْتِنِي»: هذا قاله أبو ذر لأخيه أنيس ﵄؛ لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا.\nوقوله: «وَحَمَلَ شَنَّةً»: الشنة: القربة القديمة، وتكون من الجلد، فإذا كانت قديمة برد الماء فيها سريعًا.\nوقوله: «وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ- يَعْنِي: اللَّيْلَ- فَاضْطَجَعَ»، يعني: لم يسأل أحدًا عن النبي ﷺ خوفًا من شر المشركين؛ لشدة عداوتهم للنبي ﷺ.","vol":"7","page":160},{"text":"وقوله: «مَا أَنَى لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ»: كذا في هذه النسخة، وفي بعض النسخ: «مَا آنَ»، وهما لغتان، أي: ما حان، وفي نسخٍ أُخَرَ: «أَمَا» بزيادة ألف الاستفهام، يعني: أَمَا آن للشخص أن يخبرني عن حاله وعن حاجته؟ فقال أبو ذر ﵁: إن عاهدتني ألا تخبر أحدًا وتكتم عني أمري أخبرتك، فعاهده عليٌّ ﵁ على ذلك، فقال له حينئذٍ: أخبرني عن هذا الرجل الذي يدعي النبوة، فقال علي ﵁: إنه رسول الله حقًّا. وقد أحسن الله تعالى بأبي ذر ﵁؛ حيث وفقه لملاقاة علي ﵁، دون غيره.\nوقوله: «فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَاتَّبِعْنِي، فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ، فَإِنْ مَضَيْتُ فَاتَّبِعْنِي، حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي، فَفَعَلَ»: يقول علي لأبي ذر ﵄: إذا كان الصباح فاتبعني، لكن إذا خفتُ عليك شيئًا قمت كأني أبول، فإذا مضيت في سيري فاتبعني، فقد زال الخوف، حتى أدخل المكان الذي أقصده، وادخل حيثما دخلت، وهذا يدل على شدة الخوف الذي كانوا يقاسونه في أول الإسلام.\nقوله: «فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَدَخَلَ مَعَهُ، فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ، وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ»، يعني: فانطلق أبو ذر يتبع عليًّا ﵄، حتى دخلا على النبي ﷺ، فلما سمع أبو ذر ﵁ ما سمع من قول النبي ﷺ أسلم في الحال، فقال له النَّبيُّ ﷺ حينئذٍ: «ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي»، يعني: ارجع إلى قبيلتك غفار، وادعهم إلى الإسلام حتى يظهره الله تعالى، ثم تأتي بعد ذلك.\nوقوله: «فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَثَارَ الْقَوْمُ، فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ، فَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَيْلَكُمْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ؟ وَأَنَّ طَرِيقَ تُجَّارِكُمْ إِلَى الشَّامِ عَلَيْهِمْ، فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ بِمِثْلِهَا وَثَارُوا إِلَيْهِ فَضَرَبُوهُ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ فَأَنْقَذَهُ»: هذا يدل على قوة إيمان","vol":"7","page":161},{"text":"أبي ذر ﵁ وتحمله، وصبره على الإيذاء في سبيل االله؛ إذ إنه أتى المسجد الحرام وصرخ بين المشركين بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فجاءه المشركون وضربوه حتى سقط على الأرض، فأنقذه العباس ﵁ منهم، وخوفهم من قبيلته غفار، وقال لهم: ألا تعلموا أن هذا من غفار؟ ! فإنكم إذا ذهبتم إلى الشام للتجارة فإنكم تمرون على طريقهم، فحينئذٍ يثأرون له، فاستنقذه منهم، ثم عاد أبو ذر ﵁ في اليوم الثاني وفعل مثل اليوم الأول، ففعلوا به مثل ما فعلوا، واستنقذه العباس ﵁ منهم مرة أخرى.\nوهذه الحادثة فيها منقبة عظيمة لأبي ذر ﵁، تدل على قوة إيمانه وصبره على الأذى في الله، وهذا هو الشاهد في مناقب أبي ذر ﵁.","vol":"7","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1157>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ</span>.\n\n[٢٤٧٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ بَيَانٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. ح، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ بَيانٍ قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ يَقُولُ: قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ما أَحْجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا ضَحِكَ.\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ لم يكن يحجب جريرًا ﵁؛ لأنه كان سيدًا مطاعًا في قومه، والنبي ﷺ يُنزل الناس منازلهم، فإذا استأذن عليه ﵁ أذن له؛ ولذلك قال: «ما أَحْجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا ضَحِكَ»، فرؤساء القوم وسادتهم يعامَلون معاملة تليق بهم؛ إذ في معاملتهم معاملةً حسنة مصلحةٌ شرعية راجحة في دعوتهم قومَهم؛ فإن رئيس القوم إذا أسلم أسلم قومه تبعًا له.\nوفيه: منقبة ظاهرة لجرير بن عبد الله البجلي ﵁.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي.\nزَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ أَنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا».\n[خ: ٣٠٣٦]","vol":"7","page":163},{"text":"في هذا الحديث: أن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ كان لا يثبت على الخيل، فضرب النبي ﷺ في صدره، ودعا له بقوله: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا».\nوفيه: استجابة دعاء نبي الله ﷺ في الحال، وهذا من علامات ودلائل نبوته ﵊.\n\n[٢٤٧٦] حَدَّثَنِي عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ عَنْ بَيَانٍ عَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْتٌ، يُقَالُ لَهُ ذُو الْخَلَصَةِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ، وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ أَنْتَ مُرِيحِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ، وَالْكَعْبَةِ الْيَمَانِيَةِ، وَالشَّامِيَّةِ؟»، فَنَفَرْتُ إِلَيْهِ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ مِنْ أَحْمَسَ، فَكَسَرْنَاهُ، وَقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ فَأَتَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ قَالَ: فَدَعَا لَنَا وَلِأَحْمَسَ.\nقوله: «وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ، وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ»، في بعض النسخ: «الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ، الْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ» بغير واو، وهذا اللفظ فيه إيهام، والمراد: أن ذا الخلصة كانوا يسمونها: الكعبة اليمانية، وكانت الكعبة الكريمة التي بمكة تسمى: الكعبة الشامية، ففرقوا بينهما للتمييز، هذا هو المراد، فيتأول اللفظ عليه.\nوأما قوله: «هَلْ أَنْتَ مُرِيحِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ، وَالْكَعْبَةِ الْيَمَانِيَةِ، وَالشَّامِيَّةِ؟»: فقد قال القاضي عياض ﵀: «ذكر الشامية وهمٌ وغلط من بعض الرواة، والصواب: حذفه، وقد ذكره البخاري بهذا الإسناد، وليس فيه هذه الزيادة والوهم» (^١)، وقال النووي ﵀: «هذا كلام القاضي، وليس بجيد، بل\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٧/ ٥١٣).","vol":"7","page":164},{"text":"يمكن تأويل هذا اللفظ، ويكون التقدير: هل أنت مريحي من قولهم: الكعبة اليمانية والشامية، ووجود هذا الموضع الذي يلزم منه هذه التسمية» (^١).\nوكلام القاضي ﵀ قد يكون هو الأقرب، وأما تأويل النووي ﵀ فبعيد، والنووي ﵀ عالم فاضل ذكي، لكن له في بعض الأحيان تأويلات غريبة.\nوفي هذا الحديث: منقبة-أيضًا- لجرير ﵁، والكعبة اليمانية كانت بيتًا لصنم في الجاهلية، يقال له: ذو الخلصة، من خثعم، وهو قريب من مدينة بيشة الآن التي تتبع منطقة عسير في المملكة العربية السعودية، فهُدم وأُزيل، ثم بعد ذلك أعيد مرة أخرى، وهُدِم في زمن الأمير محمد بن سعود، والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، ويحتمل أنه يعود- أيضًا- مرة ثالثة؛ لِما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ» (^٢).\nوقوله: «فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ»: فيه: جواز تقديم العدد الأكبر، وعطف الأصغر عليه، ويجوز العكس، كما سيأتي: خمسين ومائة.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ٣٥ - ٣٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧١١٦)، ومسلم (٢٩٠٦).","vol":"7","page":165},{"text":"حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا جَرِيرُ: أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟» بَيْتٍ لِخَثْعَمَ كَانَ يُدْعَى كَعْبَةَ الْيَمَانِيَةِ، قَالَ: فَنَفَرْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ، وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبَ يَدَهُ فِي صَدْرِي، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا» قَالَ: فَانْطَلَقَ فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ، ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يُبَشِّرُهُ، يُكْنَى: أَبَا أَرْطَاةَ، مِنَّا، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ: مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْنَاهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ، فَبَرَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا، خَمْسَ مَرَّاتٍ.\n[خ: ٣٠٢٠]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ- يَعْنِي: الْفَزَارِيَّ-.ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ مَرْوَانَ: فَجَاءَ بَشِيرُ جَرِيرٍ أَبُو أَرْطَاةَ حُصَيْنُ بْنُ رَبِيعَةَ يُبَشِّرُ النَّبِيَّ ﷺ.\nفي هذا الحديث: مشروعية البشارة بالخبر السار، سواء أكان خاصًّا، كأن يُبشر الإنسانُ بمولود جديد، أم كان عامًّا، كأن يأتي البشير يبشر بنصر المسلمين، أو بفتح حصن، أو بفتح بلد، كما في هذا الحديث، فقد جاء البشير إلى رسول الله ﷺ مبشِّرا له بتحريق ذي الخلصة، وقال: «مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْنَاهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ»، يعني: حرقها، فصارت سوداء، «فَبَرَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا»، يعني: دعا لهم بالبركة، اللهم بارك في رجال أحمس وخيلها، وكرر ذلك خمس مرات، وهذا فيه دليل على أن الدعاء قد يكون خمس مرات، وأما ما جاء في الحديث: «وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا","vol":"7","page":166},{"text":"ثَلَاثًا، وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا» (^١)، فهذا على الأغلب، وقد يزيد على أكثر من ذلك كما في هذا الحديث، وقد يزاد على هذا سبع مرات، ومما جاء في ذلك: أن النبي ﷺ قال: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِاسْمِ اللهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧٩٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٢٠٢).","vol":"7","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1158>بَابُ فَضَائِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁</span>.\n\n[٢٤٧٧] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ قَالَا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ الْيَشْكُرِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي يَزِيدَ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى الْخَلَاءَ فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: «مَنْ وَضَعَ هَذَا؟»، فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: قَالُوا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: قُلْتُ: ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ».\n[خ: ١٤٣]\nقوله: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ»، وفي رواية البخاري: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (^١)، وهذه منقبة عظيمة لابن عباس ﵄، فقد دعا له النبي ﷺ بالفقه في الدين، فاستجاب الله دعاءه، فكان ابن عباس ﵄ حبرَ هذه الأمة، آتاه الله علمًا غزيرًا، وكان مرجعًا للناس في الفقه، وفي التفسير، وفي الشعر، وفي أيام العرب، وأنسابها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٣).","vol":"7","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1159>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄</span>.\n\n[٢٤٧٨] حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ، وَلَيْسَ مَكَانٌ أُرِيدُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا طَارَتْ إِلَيْهِ قَالَ: فَقَصَصْتُهُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهُ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَرَى عَبْدَ للَّهِ رَجُلًا صَالِحًا».\nقوله: «قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ»، أي: قطعة قماش من الحرير.\nوقوله: «أَرَى عَبْدَ اللَّهِ رَجُلًا صَالِحًا»، هذه شهادة من النبي ﷺ له بالصلاح، وبالجنة- أيضًا﵁، والرجل الصالح هو المستقيم على طاعة الله، الذي يؤدي حقوق الله وحقوق العباد.\nوفي هذا الحديث: منقبة لا تخفى لعبد الله بن عمر ﵄.\n\n[٢٤٧٩] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ- قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا أَقُصُّهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا عَزَبًا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ كَقَرْنَيِ الْبِئْرِ، وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ قَالَ: فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ، فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى","vol":"7","page":169},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ»، قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا.\n[خ: ١١٢١]\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ خَالِدٍ- خَتَنُ الْفِرْيَابِيِّ- عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَكُنْ لِي أَهْلٌ، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّمَا انْطُلِقَ بِي إِلَى بِئْرٍ، فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ.\nقوله: «وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا عَزَبًا»: العَزَبُ- بفتح العين والزاي- هو: الذي لا أهل له، رجلًا كان أو امرأة، يقال: رجل عزب، وامرأة عزب.\nوفي هذا الحديث: جواز النوم في المسجد؛ لأن النبي ﷺ أقره على النوم فيه، ولم ينهه عنه.\nوفيه: مشروعية قص الرؤيا على معبر ليعبرها، وهذا هو الأصل، فقد كان الصحابة ﵃ يقصون رُؤَاهم على النبي ﷺ فيعبرها لهم، وجاء في الحديث الآخر: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟» قَالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ: مَا شَاءَ اللَّهُ، فَسَأَلَنَا يَوْمًا، فَقَالَ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟» (^١) فإن رأى أحد رؤيا قصها عليه وعبرها له.\nوقوله: «قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا»، يعني: أنه عمل بنصيحة النبي ﷺ، وصار قيامُ الله دأبَه.\nوفيه: ثناء النبي ﷺ على عبد الله ﵁، قال: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ»، فـ «نِعْمَ» من أفعال المدح والثناء.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٨٦).","vol":"7","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1160>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁</span>.\n\n[٢٤٨٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَادِمُكَ أَنَسٌ، ادْعُ اللَّهَ لَهُ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ».\n[خ: ٦٣٨١]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَادِمُكَ أَنَسٌ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ.\n\n[٢٤٨١] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا، وَمَا هُوَ إِلَّا أَنَا، وَأُمِّي، وَأُمُّ حَرَامٍ خَالَتِي، فَقَالَتْ أُمِّي: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خُوَيْدِمُكَ، ادْعُ اللَّهَ لَهُ قَالَ: فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ أَنْ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ».\nحَدَّثَنِي أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ: جَاءَتْ بِي أُمِّي أُمُّ أَنَسٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَزَّرَتْنِي بِنِصْفِ خِمَارِهَا، وَرَدَّتْنِي بِنِصْفِهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا أُنَيْسٌ ابْنِي، أَتَيْتُكَ بِهِ يَخْدُمُكَ، فَادْعُ اللَّهَ لَهُ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ»، قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللَّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ- يَعْنِي: ابْنَ سُلَيْمَانَ- عَنِ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ صَوْتَهُ، فَقَالَتْ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ أُنَيْسٌ، فَدَعَا لِي","vol":"7","page":171},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ دَعَوَاتٍ، قَدْ رَأَيْتُ مِنْهَا اثْنَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَرْجُو الثَّالِثَةَ فِي الْآخِرَةِ.\nقوله: «وَقَدْ أَزَّرَتْنِي بِنِصْفِ خِمَارِهَا، وَرَدَّتْنِي بِنِصْفِهِ»، يعني: جعلت نصفه إزارًا ونصفه الآخر رداءً، والإزار هو: ما يشد به النصف الأسفل، والرداء هو: ما يوضع على الكتفين.\nوفي هذه الأحاديث: منقبة لأنس ﵁، حيث دعا له النبي ﷺ بثلاث دعوات: دعوتين في الدنيا، ودعوة في الآخرة، فاللتان في الدنيا: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ»، والدعوة الثالثة: المغفرة ودخول الجنة؛ ولهذا قال أنس ﵁: «فَدَعَا لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ دَعَوَاتٍ، قَدْ رَأَيْتُ مِنْهَا اثْنَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَرْجُو الثَّالِثَةَ فِي الْآخِرَةِ»، رأى اثنتين في الدنيا وهما المال والولد، والثالثة ينتظرها في الآخرة.\nوفيها: عَلَمٌ من أعلام النبوة، حيث إن الله تعالى استجاب دعوة نبيه ﷺ فوقع كما أخبر.\nوفيها: دليل على أن المال والولد مع البركة خير عظيم؛ فإن صاحب المال إذا كان صالحًا تقيًّا وكسب ماله من وجوه مشروعة فإنه يتصدق منه في أوجه الخير، ويصل بها رحمه، وكذلك الأولاد إذا أصلحهم الله وبارك فيهم فإنهم يكونوا نافعين في الدنيا والآخرة، وإلا فمجرد المال قد لا يكون خيرًا إذا كسبه الإنسان من وجوه مشبوهة ومحرمة، وبخل بالحق الواجب فيه، فيصير بذلك هذا المال شرًّا على صاحبه.\nوفيه: أن أنسًا ﵁ كثر ولده وولد ولده حتى إنهم ليتعادُّون عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ، أي: يبلغ عددهم المائة، وجاء في الحديث الآخر: «أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي مَقْدَمَ حَجَّاجٍ البَصْرَةَ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٨٢).","vol":"7","page":172},{"text":"[٢٤٨٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ قَالَ: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ، فَأَبْطَأْتُ عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا جِئْتُ قَالَتْ: مَا حَبَسَكَ؟ قُلْتُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَاجَةٍ قَالَتْ: مَا حَاجَتُهُ؟ قُلْتُ: إِنَّهَا سِرٌّ قَالَتْ: لَا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدًا، قَالَ أَنَسٌ: وَاللَّهِ لَوْ حَدَّثْتُ بِهِ أَحَدًا لَحَدَّثْتُكَ يَا ثَابِتُ.\nحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَسَرَّ إِلَيَّ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ سِرًّا، فَمَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَدًا بَعْدُ، وَلَقَدْ سَأَلَتْنِي عَنْهُ أُمُّ سُلَيْمٍ فَمَا أَخْبَرْتُهَا بِهِ.\n[خ: ٦٢٨٩]\nقوله: «أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ قَالَ: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا»: فيه: مشروعية السلام على الصبيان، وفيه: حسن خلق النبي ﷺ، فقد كان يسلم على الصبيان، وبعض الناس قد يأنف إذا مر بالصبيان فلا يسلم عليهم، وهذا سيد الخلق ﵇ مر بالصبيان وسلم عليهم.\nوقوله: «أَسَرَّ إِلَيَّ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ سِرًّا، فَمَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَدًا بَعْدُ، وَلَقَدْ سَأَلَتْنِي عَنْهُ أُمُّ سُلَيْمٍ فَمَا أَخْبَرْتُهَا بِهِ»: فيه: أنه ينبغي للإنسان أن يحفظ السر ويكتمه؛ لأن هذا من حفظ الأمانة ورعايتها، فإذا قال لك أخوك كلامًا وأسر به إليك؛ فإنه يجب عليك أن تكتمه ولا تخبر به أحدًا.","vol":"7","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1161>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁</span>.\n\n[٢٤٨٣] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَيٍّ يَمْشِي: إِنَّهُ فِي الْجَنَّةِ، إِلَّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ.\n[خ: ٣٨١٢]\nفي هذا الحديث: الشهادة لعبد الله بن سلام ﵁ بالجنة.\nوقوله: «مَا سَمِعْتُ»: لا يلزم منه نفي الشهادة بالجنة لحي غير عبد الله بن سلام ﵁؛ لأن سعدًا ﵁ قد نَفَى سماعه هو، ولم ينفِ الخبر بالجنة لغيره، فقد سمع غيرُه النبيَّ ﷺ يشهد للعشرة المبشرين بالجنة (^١)، وللحسن والحسين (^٢)، ولبلال (^٣)، وابن عمر (^٤)، وعكاشة بن محصن (^٥) ﵃، فهؤلاء وغيرهم قد شهد لهم النبي ﷺ بالجنة.\nوفيه: منقبة لعبد الله بن سلام ﵁ فقد كان يهوديًّا وأسلم، واليهود لم يسلم منهم إلا عدد قليل؛ ولهذا جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنَ اليَهُودِ، لآمَنَ بِي اليَهُودُ» (^٦)، فاليهود قوم بهت، يعرفون الحق وينكرونه، وما زال هذا فاشيًا فيهم إلى الآن، ولا نعلم الآن في المراكز الإسلامية أنه أسلم أحد من اليهود، بخلاف النصارى فإنهم يسلمون بالآلاف.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦٢٩)، وأبو داود (٤٦٤٩)، والترمذي (٣٧٤٨)، وابن ماجه (١٣٣).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٠٩٩٩)، والترمذي (٣٧٦٨)، والنسائي في الكبرى (٨٥٢٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (١١٤٩)، ومسلم (٢٤٥٨).\n(^٤) أخرجه البخاري (١١٢١)، ومسلم (٢٤٧٩).\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٧٠٥)، ومسلم (٢١٨).\n(^٦) أخرجه البخاري (٣٩٤١)، ومسلم (٢٧٩٣).","vol":"7","page":174},{"text":"[٢٤٨٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ فِي نَاسٍ فِيهِمْ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَ رَجُلٌ فِي وَجْهِهِ أَثَرٌ مِنْ خُشُوعٍ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَتَجَوَّزُ فِيهِمَا، ثُمَّ خَرَجَ، فَاتَّبَعْتُهُ، فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ وَدَخَلْتُ، فَتَحَدَّثْنَا، فَلَمَّا اسْتَأْنَسَ، قُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ لَمَّا دَخَلْتَ قَبْلُ، قَالَ رَجُلٌ: كَذَا وَكَذَا قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ، وَسَأُحَدِّثُكَ لِمَ ذَاكَ، رَأَيْتُ رُؤْيَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ، رَأَيْتُنِي فِي رَوْضَةٍ ذَكَرَ سَعَتَهَا، وَعُشْبَهَا، وَخُضْرَتَهَا، وَوَسْطَ الرَّوْضَةِ عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ أَسْفَلُهُ فِي الْأَرْضِ، وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ فِي أَعْلَاهُ عُرْوَةٌ، فَقِيلَ لِي: ارْقَهْ، فَقُلْتُ لَهُ: لَا أَسْتَطِيعُ، فَجَاءَنِي مِنْصَفٌ، قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَالْمِنْصَفُ: الْخَادِمُ، فَقَالَ: بِثِيَابِي مِنْ خَلْفِي وَصَفَ أَنَّهُ رَفَعَهُ مِنْ خَلْفِهِ بِيَدِهِ، فَرَقِيتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى الْعَمُودِ، فَأَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ، فَقِيلَ لِيَ: اسْتَمْسِكْ فَلَقَدِ اسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي، فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «تِلْكَ الرَّوْضَةُ الْإِسْلَامُ، وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى، وَأَنْتَ عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى\nتَمُوتَ» قَالَ: وَالرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ.\n[خ: ٣٨١٣]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: قَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ: كُنْتُ فِي حَلَقَةٍ فِيهَا سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَابْنُ عُمَرَ، فَمَرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، فَقَالُوا: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَقُمْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ قَالُوا كَذَا وَكَذَا قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، إِنَّمَا رَأَيْتُ كَأَنَّ عَمُودًا وُضِعَ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فَنُصِبَ فِيهَا وَفِي رَأْسِهَا عُرْوَةٌ، وَفِي أَسْفَلِهَا مِنْصَفٌ- وَالْمِنْصَفُ الْوَصِيفُ- فَقِيلَ لِيَ: ارْقَهْ،","vol":"7","page":175},{"text":"فَرَقِيتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَمُوتُ عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ آخِذٌ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى».\nقوله: «سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ»: قال ذلك لَمَّا قيل له: إنهم قالوا: إنك رجل من أهل الجنة، وهذا من باب التواضع وهضم النفس والإزراء بها.\nوفي هذا الحديث: منقبة لعبد الله بن سلام ﵁.\nوفيه: مشروعية قص الرؤيا على معبر، ومشروعية التعبير لمن كان عنده علم بتعبير الرؤيا؛ فإن عبد الله بن سلام ﵁ رأى هذه الرؤيا، فقصها على النبي ﷺ فعبَّرها له.\nوفيه: أن الرؤيا من البشارات؛ لقول النبي ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الْمُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ» (^١)، فهي داخلة في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وفي الآخرة﴾، وفيها بشارة؛ فهو رأى أنه في روضه معتمة وفي وسطها عمود وفي أعلاه عروة، وقيل له: اصعد، قال: لا أستطيع، فجاء مِنصف- وهو الخادم- من أسفله ورفعه حتى استمسك بالعروة الوثقي، فالنبي ﷺ عبرها، وقال: «تِلْكَ الرَّوْضَةُ الْإِسْلَامُ، وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى، وَأَنْتَ عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ»: وهذه منقبة لعبد الله بن سلام، وشهادة له بالجنة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٧٩).","vol":"7","page":176},{"text":"حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا فِي حَلَقَةٍ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ قَالَ: وَفِيهَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ حَدِيثًا حَسَنًا قَالَ: فَلَمَّا قَامَ، قَالَ الْقَوْمُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَتْبَعَنَّهُ، فَلَأَعْلَمَنَّ مَكَانَ بَيْتِهِ قَالَ: فَتَبِعْتُهُ فَانْطَلَقَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ قَالَ: فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لِي، فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: سَمِعْتُ الْقَوْمَ يَقُولُونَ لَكَ لَمَّا قُمْتَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا، فَأَعْجَبَنِي أَنْ أَكُونَ مَعَكَ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَسَأُحَدِّثُكَ مِمَّ قَالُوا ذَاكَ، إِنِّي بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ، إِذْ أَتَانِي رَجُلٌ، فَقَالَ لِي: قُمْ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ قَالَ: فَإِذَا أَنَا بِجَوَادَّ عَنْ شِمَالِي قَالَ: فَأَخَذْتُ لِآخُذَ فِيهَا، فَقَالَ لِي: لَا تَأْخُذْ فِيهَا، فَإِنَّهَا طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ قَالَ: فَإِذَا جَوَادُّ مَنْهَجٌ عَلَى يَمِينِي، فَقَالَ لِي: خُذْ هَاهُنَا فَأَتَى بِي جَبَلًا، فَقَالَ لِيَ: اصْعَدْ قَالَ: فَجَعَلْتُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَصْعَدَ خَرَرْتُ عَلَى اسْتِي قَالَ: حَتَّى فَعَلْتُ ذَلِكَ مِرَارًا قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى أَتَى بِي عَمُودًا رَأْسُهُ\nفِي السَّمَاءِ، وَأَسْفَلُهُ فِي الْأَرْضِ فِي أَعْلَاهُ حَلْقَةٌ، فَقَالَ لِيَ: اصْعَدْ فَوْقَ هَذَا قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْعَدُ هَذَا وَرَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ؟ قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِي، فَزَجَلَ بِي قَالَ: فَإِذَا أَنَا مُتَعَلِّقٌ بِالْحَلْقَةِ قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ الْعَمُودَ فَخَرَّ قَالَ: وَبَقِيتُ مُتَعَلِّقًا بِالْحَلْقَةِ حَتَّى أَصْبَحْتُ قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: «أَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِكَ، فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ قَالَ: وَأَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَمِينِكَ، فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَأَمَّا الْجَبَلُ فَهُوَ مَنْزِلُ الشُّهَدَاءِ، وَلَنْ تَنَالَهُ،","vol":"7","page":177},{"text":"وَأَمَّا الْعَمُودُ فَهُوَ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الْعُرْوَةُ فَهِيَ عُرْوَةُ الْإِسْلَامِ، وَلَنْ تَزَالَ مُتَمَسِّكًا بِهَا حَتَّى تَمُوتَ».\nقوله: «فَإِذَا جَوَادُّ مَنْهَجٌ عَلَى يَمِينِي»: الجواد: جمع جادة، وهي: الطريق البينة المسلوكة، وجواد المنهج هي: الطريق الواضح المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، ففي الجوادِّ التي في جهة الشمال نهاه عن سلوكها، وقال له: اتركها لأصحاب الشمال، وأما الجوادُّ التي على اليمين فقال له: اسلكها.\nوقوله: «فَجَعَلْتُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَصْعَدَ خَرَرْتُ عَلَى اسْتِي»، يعني: على مقعدتي، فكلما أراد أن يصعد الجبل لم يستطع ذلك، يعني: لن تُقتل شهيدًا، ولكن تموت على الإسلام، والمراد بالجبل: منزل الشهداء؛ ولهذا فهو ﵁ لم يقتل شهيدًا.\nوقوله: «فَأَخَذَ بِيَدِي، فَزَجَلَ بِي قَالَ: فَإِذَا أَنَا مُتَعَلِّقٌ بِالْحَلْقَةِ»: زجل بي، يعني: رمى بي، أي: رفعه حتى وصل إلى العروة، والعروة الوثقى هي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، وهي دين الإسلام.","vol":"7","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1162>بَابُ فَضَائِلِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ ﵁</span>.\n\n[٢٤٨٥] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ عُمَرَ مَرَّ بِحَسَّانَ وَهُوَ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَحَظَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَجِبْ عَنِّي، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ»؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ.\n[خ: ٣٢١٢]\nحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ حَسَّانَ قَالَ فِي حَلْقَةٍ فِيهِمْ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَذَكَرَ مِثْلَهُ.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ.\n\n[٢٤٨٦] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ- وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ- قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: «اهْجُهُمْ- أَوْ هَاجِهِمْ- وَجِبْرِيلُ مَعَكَ».\n[خ: ٣٢١٣]\nحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.","vol":"7","page":179},{"text":"قوله: «أَنْشُدُكَ اللَّهَ»: من النَّشد: وهو رفع الصوت، فهو طلب مع رفع الصوت، يعني: أسألك بالله.\nوقوله: «اهْجُهُمْ- أَوْ هَاجِهِمْ- وَجِبْرِيلُ مَعَكَ»؛ لأن في هذا الشعر نصرًا للإسلام والمسلمين، وإضعافًا للكفرة، وهجاءً للمشركين، وحضًّا على الجهاد، وبيانًا لما عليه الكفرة من الكفر والشرك، وتهييج للمسلمين في غزوهم وقتالهم ودعوتهم إلى الله.\nفي هذه الأحاديث: منقبة لحسان ﵁، فقد دعا له النبي ﷺ، وقال: «اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ»، وروح القدس هو جبريل ﵇.\nوفيها: جواز إنشاد الشعر في المسجد إذا لم يكن فيه محذور، من غزل ولا هجاء، فإذا كان شعرًا طيبًا فلا بأس به.\nوفيها: أن عمر نظر بمؤخر عينه إلى حسان ﵄ وهو ينشد الشعر في المسجد كالمنكِر له، فعرف حسان ﵁ إنكاره عليه، فقال: «قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ»، أي: ولم ينكر عَلَيَّ، فسكت عمر ﵁.\nثم استشهد حسان بأبي هريرة ﵄، قال: «أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَجِبْ عَنِّي، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ»؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ»، يعني: أستحلفك بالله أسمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك.\nوفيها: أنه إذا كان في الشعر محذور، من كذب، أو هجاء، أو غزل وتشبيب بالنساء فهذا لا يجوز، لكن إذا كان في نصرة الحق وفي بيانه، ورد الباطل، وفي وصف الإسلام ووصف المسلمين فهذا لا بأس به، كما في شعر حسان ﵁، وكعب بن زهير، وعبد الله بن رواحة ﵄.\nوكذلك إذا كان في هجاء الكفار والتحذير من شرهم والحض على الجهاد، وكذلك النظم إذا كان في العلوم الشرعية كنظم الفرائض والفقه وأصوله، والنظم في العقائد، كل هذا جائز ومطلوب.","vol":"7","page":180},{"text":"[٢٤٨٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ مِمَّنْ كَثَّرَ عَلَى عَائِشَةَ فَسَبَبْتُهُ، فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي دَعْهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\n[خ: ٣٥٣١]\nحَدَّثَنَاه عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله: «عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ»: هشام هو ابن عروة، وأبوه عروة بن الزبير ابن أسماء أخت عائشة ﵃.\nوقولها: «يَا ابْنَ أُخْتِي دَعْهُ»، يعني: لا تسبه؛ لأنه كان يدافع عن النبي ﷺ، وسبب سبه كما سيأتي: أنه كان ممن تكلم في الإفك في قصة عائشة هو وحمنة بنت جحش ومسطح بن أثاثة ﵃، فجلدهم النبي ﷺ الحد ثمانين جلدة، فكان طهارة لهم.\nوفيه: دليلٌ على أن أهل بدر ليسوا معصومين من الكبائر؛ ولهذا فمسطح بن أثاثة وكذلك حسان ﵄ كانا بدريَينِ ولكنهما وقعا في هذه الكبيرة، فتابا، وأقيم عليهما حد القذف، وكان طهارة لهما، وقد قال النبي ﷺ في أهل بدر: «وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (^١) والمعنى: أنهم إذا وقعوا في ذنب، أو في كبيرة فإنهم يوفقون إما للتوبة، أو لإقامة الحد فيكون طهارة لهم.\nوفيه: أن الإنسان إذا فعل ما يوجب الحد، ثم أقيم عليه فهو طهارة له، وكذلك إذا تاب فهي طهارة له، ولو لم يقم عليه الحد.\nوالحد والتوبة كل واحد منهما مطهِّر، كما جاء في الحديث: «اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَةَ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا، فَمَنْ أَلَمَّ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ وَلْيُتُبْ إِلَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤).","vol":"7","page":181},{"text":"لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ ﷿» (^١).\n\n[٢٤٨٨] حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، يُنْشِدُهَا شِعْرًا يُشَبِّبُ بِأَبْيَاتٍ لَهُ، فَقَالَ:\nحَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ = وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ\nفَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ، قَالَ مَسْرُوقٌ: فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَأْذَنِينَ لَهُ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، فَقَالَتْ: فَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى؟ ! إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ- أَوْ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\n[خ: ٤١٤٦]\nحَدَّثَنَاه ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: قَالَتْ: كَانَ يَذُبُّ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ يَذْكُرْ: حَصَانٌ رَزَانٌ.\nقوله: «يُشَبِّبُ بِأَبْيَاتٍ لَهُ»: معناه: يتغزل.\nوفي هذا الحديث: شعر عظيم لحسان ﵁ في وصف أم المؤمنين عائشة ﵂، وهي حقيقة بهذا الوصف، فهي حصان: حصينة مطهرة، ورزان: رزينة قوية العقل، ما تزن بريبة، يعني: ما تتهم بريبة، وتصبح غرثى، يعني: خالية، من لحوم الغوافل، يعني: لا تغتاب الغوافل، وهي جمع غافلة، وهذه أوصاف عظيمة لها، وهو يمدحها ويثني عليها ﵁.\nوقولها: «لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ»: هذا من باب أنه وقع في نفسها شيء عليه؛ لأنه ممن تكلم بالإفك، فقالت: أنت لست كذلك، ولكنه ﵁ تاب لما وقع في هذه الهفوة، وطُهِّر بالحد، وكان يفدي النبي ﷺ وعرضه بنفسه، كما سيأتي في أبياته.\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٧٦١٥)، والبيهقي في الكبرى (١٧٦٠١).","vol":"7","page":182},{"text":"وقوله: «لِمَ تَأْذَنِينَ لَهُ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ، قَالَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؟ فَقَالَتْ: فَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى؟ ! إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ أَوْ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»: ظاهر هذا الحديث: أن الذي تولى كبر الإفك هو حسان ﵁، قال تعالى: ﴿إن الَّذِينَ جَاؤوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\nوالصواب: أن الذي تولى كبره هو عبد الله بن أُبِّي بن سلول رئيس المنافقين، كما هو في البخاري عن عائشة ﵂ (^١)، وليس حسان بن ثابت ﵁، الذي أقيم عليه الحد؛ لأنه ثبت عنه الخوض في ذلك، وأما ابن سلول فإنهم لم يثبت عنه شيء في ذلك؛ ولهذا لم يجلد.\nوكان مسطح بن أثاثة منهم، وكان ابن خالة أبي بكر ﵁، وكان فقيرًا، فلما وقع في الإفك أقسم أبو بكر ﵁ أن يقطع عنه النفقة بسبب ذلك، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لا يأتل، أي: لا يحلف أولو الفضل منكم والسعة ألا ينفقوا على أولي القربى والمساكين والمهاجرين، ومسطح كان قريبًا لأبي بكر ﵄، ومسكينًا، ومهاجرًا، ثم قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فلما نزلت هذه الآية قال أبو بكر ﵁: «بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي» (^٢)، فأرجع النفقة إلى ابن خالته مسطح ﵁.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٧٤٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٦٦١)، ومسلم (٢٧٧٠).","vol":"7","page":183},{"text":"[٢٤٨٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ حَسَّانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِي أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: «كَيْفَ بِقَرَابَتِي مِنْهُ؟» قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْخَمِيرِ، فَقَالَ حَسَّانُ:\nوَإِنَّ سَنَامَ الْمَجْدِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ = بَنُو بِنْتِ مَخْزُومٍ وَوَالِدُكَ الْعَبْدُ\nقَصِيدَتَهُ هَذِهِ.\n[خ: ٣٥٣١]\nحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ النَّبِيَّ ﷺ فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا سُفْيَانَ، وَقَالَ: بَدَلَ الْخَمِيرِ الْعَجِينِ.\nفي هذا الحديث: أن أبا سفيان هذا هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ، كان يهجو النبي ﷺ، ويؤذيه، ثم أسلم وحسن إسلامه، وليس هو أبا سفيان صخر بن حرب، بل هو ابن الحارث بن عبد المطلب، وقد كان في أول الإسلام يعادي النبي ﷺ ويؤذيه، فاستأذن حسان ﵁ في أن يهجوه، فقال النبي ﷺ: «كَيْفَ بِقَرَابَتِي مِنْهُ؟»، أي: فقد ينالها هجاؤك، فقال حسان ﵁: «وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْخمِيرِ»، وفي لفظ: «مِنَ الْعَجِينِ» (^١)، وهما بمعنى واحد، ومعناه: لأتلطفن في تخليص نسبك من هجوهم، بحيث لا يبقى جزء من نسبك في نسبهم الذي ناله الهجو، كما أن الشعرة إذا سلت من العجين لا يبقى منها شيء فيه، بخلاف ما لو سلت من شيء صلب فإنها ربما انقطعت فبقيت منها فيه بقية، ثم قال هذا البيت ﵁:\nوَإِنَّ سَنَامَ الْمَجْدِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... بَنُو بِنْتِ مَخْزُومٍ وَوَالِدُكَ الْعَبْدُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦١٥٠)، ومسلم (٢٤٩٠).","vol":"7","page":184},{"text":"وبعد هذا بيت لم يذكره مسلم رحمه الله تعالى، وبذكره يتم المراد والفائدة، وهو:\nوَمَنْ وَلَدَتْ أَبْنَاءُ زَهْرَةَ مِنْهُمُ ... كِرَامٌ وَلَمْ يَقْرَبْ عَجَائِزَكَ الْمَجْدُ\nوقوله: «بَنُو بِنْتِ مَخْزُومٍ»: المراد ببنت مخزوم: فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم أم عبد الله والزبير وأبي طالب (^١).\nوقوله: «وَوَالِدُكَ الْعَبْدُ»: هذا هجاء لأبي سفيان بن الحارث، ومعناه: أن أم الحارث بن عبد المطلب والد أبي سفيان هذا هي سمية بنت موهب، وموهب غلام لبني عبد مناف، وكذا أم أبي سفيان بن الحارث كانت كذلك، وهو مراده بقوله: «وَلَمْ يَقْرَبْ عَجَائِزَكَ الْمَجْدُ»، يعني: لا من جهة الأم، ولا من جهة الأب.\nومن اللطائف: أن حسان بن ثابت ﵁ عاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام، وكذلك أبوه، وجده، وأبو جده، كل منهم عاش مائة وعشرين، أربعة على نسق واحد.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ٤٧).","vol":"7","page":185},{"text":"[٢٤٩٠] حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اهْجُوا قُرَيْشًا، فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْلِ»، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ، فَقَالَ: «اهْجُهُمْ»، فَهَجَاهُمْ، فَلَمْ يُرْضِ، فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ، قَالَ حَسَّانُ: قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الْأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ، ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ، فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فَرْيَ الْأَدِيمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَعْجَلْ؛ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي»، فَأَتَاهُ حَسَّانُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ»، وَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «هَجَاهُمْ حَسَّانُ، فَشَفَى وَاشْتَفَى».\nقَالَ حَسَّانُ:\nهَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ\nهَجَوْتَ مُبَارَكًا بَرًّا حَنِيفًا ... رَسُولَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ\nفَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءٌ\nثَكِلْتُ بُنيتي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا ... تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَيْ كَدَاءُ\nيُبَارِينَ الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ ... عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ\nتَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ ... تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ\nفَإِنْ أَعْرَضْتُمُو عَنَّا اعْتَمَرْنَا ... وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ","vol":"7","page":186},{"text":"وَإِلا فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ يَوْمٍ ... يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ\nوَقَالَ اللَّهُ: قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا ... يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءٌ\nوَقَالَ اللَّهُ: قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا ... هُمُ الأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ\nلَنَا فِيْ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ ... سِبَابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ\nفَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ ... وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرَهُ سَوَاءُ\nوَجِبْرِيلُ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا ... وَرُوحُ الْقُدُسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ\nقوله: «ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ، فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ»، يعني: أخرج لسانه من شفتيه، وجعل يحركه يمينًا وشمالًا.\nوقوله: «لَأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فَرْيَ الْأَدِيمِ»، يعني: لأشقنهم، والأديم هو الجلد، يقول: لأمزقن أعراضهم كما يمزق الجلد.\nوقوله: «لَا تَعْجَلْ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي»، أي: لا تعجل، والجأ إلى أبي بكر ﵁ فهو أعلم قريش بالأنساب، فذهب إلى أبي بكر فأعلمه بالأنساب وأفهمه، ثم بعد ذلك هجا المشركين ولم يتعرض للنبي ﷺ ولا لنسبه.\nوقوله: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ»: روح القدس هو جبريل ﵇، ونافحت أي: دافعت.\nوقوله: «اهْجُوا قُرَيْشًا، فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْلِ»: هذا أمر بالهجاء، وفيه: دليل على استحباب هجاء المشركين وذمهم وعيبهم وعيب دينهم، وهو مطلوب شرعًا.\nوفي هذا الحديث: البراءة من النفاق والشرك، وأما الذي لا يتبرأ من دين المشركين ولا يكرههم فليس بمسلم، فلا بد من البراءة من دين المشركين، وذمهم وعيبهم، وبيان ما هم فيه من الكفر، وأنه باطل، وهذا","vol":"7","page":187},{"text":"هو معنى: لا إله إلا الله.\nوقوله: «قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الْأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ»، يعني: وصف نفسه بأنه أسد، وهذا هو الواقع، فقد أُرسل إلى عبد الله بن رواحة ﵁، فهجا المشركين لكنه لم يشفِ، وكذلك كعب بن مالك ﵁، ثم أُرسل إلى حسان ﵁ فشفى واشتفى، أي: شفى المؤمنين، واشتفى هو بما ناله من أعراض الكفار ومزقها، ونافح عن الإسلام والمسلمين.\nوحسان ﵁ ممن أحياه الله لنصرة الإسلام، ونصرة النبي ﷺ والدفاع عنه وعن عرضه، فجبريل ﵇ يسدده ويؤيده ويثبته، والملائكة تؤيد المؤمنين وتثبتهم وتربط على قلوبهم، وأما الكفار فإنها تزعزعهم وتقذف في قلوبهم الرعب، كما حصل في غزوة بدر وغيرها، وهذا هو النصر بالرعب الذي خُصَّ به النبي ﷺ، حيث قال: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ» (^١)، فلو كان عند المشركين أقوى الأسلحة والعتاد، وقذف الله في قلوبهم الرعب لم تكن تلك الأسلحة لتنفعهم.\nوقوله: «هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ»: يقول: هجوت يا أبا سفيان محمدًا ﷺ فدافعتُ عنه، وجزائي على ذلك عند الله تعالى وحده.\nوقوله: «هَجَوْتَ مُبَارَكًا بَرًّا حَنِيفًا ... رَسُولَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ»: بَرًّا: يفعل البِّر والخير بأنواعه، حنيفًا: مائلًا عن الشرك وعن الفواحش إلى الحق والتوحيد، شيمته الوفاء: خُلُقُه ﵊ الوفاءُ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١).","vol":"7","page":188},{"text":"وقوله: «فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءٌ»، يعني: أقي عرض النبي ﷺ بنفس ووالدي ووالديه، فكلنا وقاء لعرضه ﷺ.\nوقوله: «ثَكِلتُ بُنيتي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا ... تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَيْ كَدَاءِ»: ثكلتُ بنيتي، يعني: فقدتها، فهو يدعو على نفسه، إن لم تروها- يعني: الخيل- تثير النقع: الغبار، من كنفي كداء، أي: جانبَي كداء، وكداء ثنية على باب مكة، والعرب تقول: دخل من كَدا، وخرج من كُدا، وأهل مكة يقولون: افتح وادخل واضمم واخرج؛ فالدخول من كَدا، والخروج من كُدا؛ ولهذا لما فتحت مكة قال رسولُ الله ﷺ: «ادخلوها مِنْ حَيْثُ قَالَ حَسَّانُ» (^١)، فهو يتهددهم ويتوعدهم، ويقول: يا أيها الكفار استعدوا للغزو، فسوف يغزوكم النبي ﷺ من كنفي كداء، وقد تحقق كلامه ﵁.\nوقوله: «يُبَارِينَ الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ ... عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ»، يعني: أن الخيل يجاذبن الأعنة: جمع عِنان، وهو حبل اللِّجام الذي يُمسَك به الفرسُ، مصعدات، أي: مقبلات إليكم ومتوجهات، والأسل: الرماح، والظماء: الدقيقة، فكأنها لقلة مائها عطاش، وقيل: المراد بالظماء العطاش لدماء الأعداء، فهو يتهددهم بقوله: سوف تغزوكم خيلنا القوية، وعليها الرماح الظامئة للشرب من دمائكم.\nوقوله: «تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ ... تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ»\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٦٦).","vol":"7","page":189},{"text":"متمطرات، يعني: مسرعات يسبق بعضها بعضًا، تُلطمهن بالخمر النساء، يعني: تمسح النساءُ الغبارَ عن تلك الجياد بخمورهن، جمع خمار وهو الغطاء الذي يكون على رأس المرأة، يعني: أن الخيل لهن عندهم مكانة، حتى إن النساء من عنايتهن بهن يمسحن الغبار عنهن بِخُمُرِهِنَّ، يقول: تبعثهم الخيل فتنبعث النساء يضربن خدود الخيل بخُمُرهن لتردها، وكأن حسان ﵁ أُوحى إليه بهذا، وتكلم به عن ظهر الغيب، فقد رووا (^١) أن نساء مكة يوم فتحها ظللن يضربن وجوه الخيل ليرددنها (^٢).\nوقوله: «فَإِنْ أَعْرَضْتُمُو عَنَّا اعْتَمَرْنَا ... وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ\nوَإِلا فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ يَوْمٍ»: يقول: إذا تركتمونا ندخل مكة فتحناها واعتمرنا، وإن أبيتم فاصبروا ليوم سوف تجدون فيه منا الضرب والطعان، والقتال والمنازلة، وهذا فيه إضعافٌ لقلوب المشركين وإدخال للرعب فيها، فمثل هذه الأبيات مما يؤثر تأثيرًا كبيرًا في المشركين.\nقال الأبي ﵀: «ظاهر هذا- كما قال ابن هشام-: أنه كان قبل الفتح في عمرة الحديبية، حين صُدَّ عن البيت» (^٣).\nوقوله: «يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ»: قال الأبي ﵀: «هذا من تجاهل العارف؛ لأن حسان ﵁ يعلم أن الله تعالى قد أعز دينه بقوله: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾، وغيرها من الآيات، وقد دل على ذلك في البيت الذي بعده» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٦٦).\n(^٢) شرح ديوان حسان بن ثابت، للبرقوقي (ص ٥).\n(^٣) إكمال إكمال المعلم، للأُبِّي (٦/ ٣٢٥).\n(^٤) إكمال إكمال المعلم، للأُبِّي (٦/ ٣٢٥).","vol":"7","page":190},{"text":"وقوله: «وَقَالَ اللَّهُ قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا ... يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءٌ»: وهو محمد ﵊، يقول الحق ليس به خفاء، فهو واضح لكل أحد.\nوقوله: «وَقَالَ اللَّهُ قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا ... هُمُ الأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ»: المعنى: قال الله: قد هيأت جندًا وأرصدتهم، هم أنصار رسول الله ﷺ، يجاهدون معه وينصرون دينه، «عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ»، أي: مقصودها ومطلوبها لقاء الأعداء، يريد أن الأنصار أقوياء على القتال همتها وديدنها لقاء الصناديد.\nوقوله: «لَنَا فِيْ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ ... سِبَابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ»: يريد أنهم شجعان، متمرنون على الحرب، لا يخشون شيئًا، فلهم في كل يوم من معدٍّ- يريد قريشًا؛ لأنهم من ولد معد بن عدنان- سِباب، أو هِجاء، أو قِتال.\nوقوله: «فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ ... وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرَهُ سَوَاءُ»: يقول: نحن لا نبالي بكم فمن ينصر رسول الله ويمدحه منكم سواءٌ هو ومن يهجوه ويخذله، فأنتم من الهوان بحيث لا يؤبه لكم.\nوقوله: «وَجِبْرِيلُ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا ... وَرُوحُ الْقُدُسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ»، أي: وجبريل ﵇ رسول الله فينا، وليس أحد يكافئه، أو يدافعه.","vol":"7","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1163>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ ﵁</span>.\n\n[٢٤٩١] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي كَثِيرٍ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا، فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ، فَتَأْبَى عَلَيَّ، فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ»، فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا جِئْتُ فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ، فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ، فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ قَالَ: فَاغْتَسَلَتْ وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا، فَفَتَحَتِ الْبَابَ، ثُمَّ قَالَتْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَيْتُهُ وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْشِرْ قَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: «خَيْرًا» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا\nقَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا- يَعْنِي: أَبَا هُرَيْرَةَ وَأُمَّهُ- إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْمُؤْمِنِينَ»، فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي وَلَا يَرَانِي إِلَّا أَحَبَّنِي.\nفي هذا الحديث: منقبة عظيمة لأبي هريرة ﵁، وهي حرصه على هداية أمه؛ لأنها كانت مشركة وكان يدعوها إلى الإسلام ﵁، لكنها تأبى","vol":"7","page":192},{"text":"عليه، فدعاها مرة، فتكلمت بكلام سبت فيه النبي ﷺ، فخرج أبو هريرة ﵁ إلى النبي ﷺ يبكي من الحزن، وقال: يا رسول الله إن أمي أدعوها إلى الإسلام، وفي هذه المرة أسمعتني فيك شيئًا أحزنني، فادع الله لها بالهداية، فدعا لها النبي ﷺ، فاستجاب الله دعاءه، وهذا عَلَمٌ من أعلام النبوة حيث استجاب الله دعاءه في الحال، فهدى أم أبي هريرة ﵄، فذهب أبو هريرة إلى أمه فوجد الباب مغلقًا، فلما سمعت صوت حركة مشيه قالت: «مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ»، فسمع صوت الماء وهي تغتسل، وكان قد وقع في قلبها حبُّ الإسلام فاغتسلت، ثم قالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، ولبست درعها، يعني: ثوبها، وفتحت له الباب قبل أن تلبس الخمار على رأسها من العجلة، فشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فرجع أبو هريرة يبكي فرحًا، وقال: لقد استجاب الله دعوتك يا رسول الله، فحمد الله وأثنى عليه، وفيه: حمد الله والثناء عليه عند حصول النعمة وتجددها، ثم سأل النبي ﵊ أن يدعو له بأن يحبب الله المؤمنين إليه وإلى أمه، ويحببهما إليهم، قال أبو هريرة: «فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي وَلَا يَرَانِي إِلَّا أَحَبَّنِي».","vol":"7","page":193},{"text":"[٢٤٩٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ- كُنْتُ رَجُلًا مِسْكِينًا أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَكَانَتْ الْأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ يَبْسُطْ ثَوْبَهُ فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي»، فَبَسَطْتُ ثَوْبِي حَتَّى قَضَى حَدِيثَهُ ثُمَّ ضَمَمْتُهُ إِلَيَّ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ.\n[خ: ٧٣٥٤]\nقوله: «وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ»: معناه: فيحاسبني إن تعمدت كذبًا، ويحاسب من ظن بي السوء.\nوقوله: «عَلَى مِلْءِ بَطْنِي»، أي: ألازمه وأقنع بقوتي، ولا أجمع مالًا لذخيرة ولا غيرها، ولا أزيد على قوتي.\nوقوله: «يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ»: الصفق: هو كناية عن التبايع، وكانوا يصفقون بالأيدي من المتبايعين بعضها على بعض.\nوفي هذا الحديث: منقبة أخرى لأبي هريرة ﵁؛ إذ فيه حرصه على مجالس النبي ﷺ وسماعه للحديث؛ وذلك أن أناسًا تكلموا في أبي هريرة ﵁، وقالوا: إنه يكثر الحديث، فهو يحدث عن رسول الله بأحاديث لا نسمع غيره يحدث بها، لا أبو بكر ولا عمر ﵄، فقال: «إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»، ثم بيَّن السبب، وقال- كما في رواية أخرى﵁: «إنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَإِنِّي كُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشِبَعِ بَطْنِي حَتَّى لا آكُلُ الخَمِيرَ وَلا أَلْبَسُ الحَبِيرَ، وَلا يَخْدُمُنِي فُلانٌ وَلا فُلانَةُ، وَكُنْتُ أُلْصِقُ بَطْنِي بِالحَصْبَاءِ مِنَ الجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ","vol":"7","page":194},{"text":"لَأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الآيَةَ، هِيَ مَعِي، كَيْ يَنْقَلِبَ بِي فَيُطْعِمَنِي، وَكَانَ أَخْيَرَ النَّاسِ لِلْمِسْكِينِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، كَانَ يَنْقَلِبُ بِنَا فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِي بَيْتِهِ، حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُخْرِجُ إِلَيْنَا العُكَّةَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، فَنَشُقُّهَا فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا» (^١)، وبين- أيضًا- سبب حفظه؛ وذلك أن النبي ﷺ قال- يومًا-: «مَنْ يَبْسُطْ رِدَاءَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي، ثُمَّ يَقْبِضْهُ، فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي» فَبَسَطْتُ بُرْدَةً كَانَتْ عَلَيَّ، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ».\nوهذه منقبة لأبي هريرة ﵁، وهي عنايته وملازمته للرسول ﷺ؛ ولهذا حفظ من العلم والحديث شيئًا كثيرًا، مع أن إسلامه تأخر إلى السنة السابعة من الهجرة، ومع ذلك فقد سمع من النبي ﷺ في ثلاث سنوات ما يزيد عن خمسة آلاف حديث، فهو أكثر الصحابة حديثًا، وهذا بسبب انقطاعه وملازمته للنبي ﷺ.\nمسألة: هل أبو هريرة ﵁ أفضل من الخلفاء الأربعة ﵃؛ لأنه فاقهم في نشر السنة؟\nالجواب: لا شك أنهم أفضل وأعلم، ولا شك أنهم مشهود لهم بالجنة، وكذلك- أيضًا- قيامهم بأعباء الخلافة وعدلهم فيها، وهذا فضل عظيم، فالإمام العادل أولُ السبعة الذين يظلهم الله في ظله، كما أنهم فاقوا أبا هريرة ﵁ في فضل السبق إلى الإسلام، فهم ﵃ المهاجرون الأولون الذين أسلموا قبل الفتح قبل صلح الحديبية في السنة الثالثة من الهجرة، وأبو هريرة ﵁ أسلم في العام السابع من الهجرة كما مر.\nوكذلك- أيضًا- فاقوه في العلم والفضل والتقى والعدل، ولكن أبا هريرة ﵁ فاقهم في كثرة الأحاديث ونشر السنة، والقاعدة عند أهل العلم: أن الفضيلة الخاصة لا تغني عن الفضائل العامة، ففضيلة أبي هريرة ﵁ خاصة، وفضائل الخلفاء الراشدين الأربعة ﵃ فضائل عامة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٧٠٧).","vol":"7","page":195},{"text":"حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مَعْنٌ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، غَيْرَ أَنَّ مَالِكًا انْتَهَى حَدِيثُهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ الرِّوَايَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ يَبْسُطْ ثَوْبَهُ، إِلَى آخِرِهِ.\nفي هذا الحديث: أن عبد الله بن جعفر بن يحيى بن خالد، هو ابن خالد البرمكي الذين نكبهم هارون الرشيد، وهو أول سلسلة السند هنا.\n\n[٢٤٩٣] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَلَا يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ؟ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ حُجْرَتِي يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يُسْمِعُنِي ذَلِكَ وَكُنْتُ أُسَبِّحُ، فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ.\nوفيه: أن عائشة ﵂ اجتهدت في قولها عن أبي هريرة ﵁: «جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ حُجْرَتِي يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يُسْمِعُنِي ذَلِكَ وَكُنْتُ أُسَبِّحُ، فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي»، أي: أصلي صلاة السبحة، ولعلها صلاة الضحى، فخرج قبل أن تنتهي من صلاتها، قالت: «وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ»، فهي ﵂ أنكرت عليه سرد الأحاديث متتابعة والإكثار من روايتها في مجلس واحد، واحتجت عليه بأن النبي ﷺ كان يتخول الناس بالموعظة، ولا يكثر من ذكر الأحاديث متتابعة في مجلس واحد؛ ولذلك جاء في الحديث الآخر عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ","vol":"7","page":196},{"text":"يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لَأَحْصَاهُ» (^١).\nوهذا الذي قالته ﵂ إنما هو باجتهاد منها، فإن أبا هريرة ﵁ له اجتهاد آخر يخالفها فيه، فهو يرى أنه ينبغي أن ينتهز فرصة اجتماع الناس، لينشرَ السنة، ويبلغَ ما استطاع من حديث رسول الله ﷺ؛ إذ إنه قد لا تتهيأ له فرصة أخرى، فلكلٍّ منهما اجتهاده الخاص.\nقال الأُبِّي ﵀: «قد يقال: إنه لا يستقيم حجة على أبي هريرة؛ لأن تحديثه ﷺ بحسب النوازل، وتحديث أبي هريرة كان للرواة والطالبين للعلم، وهو مناسب للإكثار» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥٦٧)، ومسلم (٢٤٩٣).\n(^٢) إكمال إكمال المعلم، للأبي (٦/ ٣٣١).","vol":"7","page":197},{"text":"[٢٤٩٢] قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ أَكْثَرَ- وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ-، وَيَقُولُونَ: مَا بَالُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لَا يَتَحَدَّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، إِنَّ إِخْوَانِي مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَرَضِيهِمْ، وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا: «أَيُّكُمْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ فَيَأْخُذُ مِنْ حَدِيثِي هَذَا، ثُمَّ يَجْمَعُهُ إِلَى صَدْرِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْسَ شَيْئًا سَمِعَهُ»، فَبَسَطْتُ بُرْدَةً عَلَيَّ حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَدِيثِهِ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَمَا نَسِيتُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ شَيْئًا حَدَّثَنِي بِهِ، وَلَوْلَا آيَتَانِ أَنْزَلَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مَا حَدَّثْتُ شَيْئًا أَبَدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾، إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ عَنْ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.\nفي هذا الحديث: أن أبا هريرة ﵁ كان قد ابتلي ببعض الناس يتكلمون فيه، ويقولون: أبو هريرة يكثر الحديث، ونحن لا نسمع المهاجرين والأنصار يكثرون الحديث مثله، فأخبر ﵁ عن علة ذلك، فقال: «وَلَوْلَا آيَتَانِ أَنْزَلَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مَا حَدَّثْتُ شَيْئًا أَبَدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾، إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ»، يقول: لولا هاتان الآيتان وما فيهما من الوعيد الشديد لمن كتم علما لَمَا حدثتكم.","vol":"7","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1164>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَهْلِ بَدْرٍ ﵃، وَقِصَّةِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ</span>.\n\n[٢٤٩٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ- وَهُوَ كَاتِبُ عَلِيٍّ- قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ وَهُوَ يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيْرَ، وَالْمِقْدَادَ، فَقَالَ: «ائْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً، مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا»، فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا، فَإِذَا نَحْنُ بِالْمَرْأَةِ، فَقُلْنَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ، فَقَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ، فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَتُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟» قَالَ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، قَالَ سُفْيَانُ: كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مِمَّنْ كَانَ مَعَكَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ، أَنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَلَمْ أَفْعَلْهُ كُفْرًا، وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ\nبَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «صَدَقَ»، فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾.\nوَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ، وَزُهَيْرٍ ذِكْرُ الْآيَةِ، وَجَعَلَهَا إِسْحَاقُ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ تِلَاوَةِ سُفْيَانَ.\n[خ: ٣٠٠٧]","vol":"7","page":199},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ. ح، وَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ- كُلُّهُمْ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَكُلُّنَا فَارِسٌ، فَقَالَ: «انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ؛ فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبٍ إِلَى الْمُشْرِكِينَ»، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَلِيٍّ.\nقوله: «رَوْضَةَ خَاخٍ»: هي بخاءين معجميتين، وهي موضع بين مكة والمدينة على بعد اثني عشر ميلًا من المدينة.\nوقوله: «فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً»: الظعينة هنا: الجارية، وأصلها: الهودج، وسميت بها الجارية؛ لأنها تكون فيه.\nوقوله: «فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا»، أي: تجري.\nوقوله: «فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا»، أي: شعرها المضفور، جمع عقيصة.\nوفي هذا الحديث: قصة حاطب ﵁، وذلك أنه كتب إلى المشركين كتابًا يخبرهم فيه بمسير رسول الله ﷺ إليهم، وقد كان ﵁ بعثه مع امرأة، فأرسل النبي ﷺ عليًّا ومعه الزبير والمقداد ﵃؛ ليأتوا بالكتاب من المرأة، فلما أتوا بالكتاب، فإذا فيه: من حاطب إلى أناس من قريش ...، فدعا النبي ﷺ حاطبًا ﵁، وسأله مُنكِرًا عليه هذه الصنيع، فقال ﵁: لا تعجل عليَّ يا رسول الله؛ إني كنت امرَا ملصقًا في قريش (^١)، ومن معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٨/ ٨٢).","vol":"7","page":200},{"text":"النسب فيهم أن أتخذ يدًا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني، ولا رضًى بالكفر بعد الإسلام، فصدَّقه النبي ﷺ، إلا أن عمر ﵁ رأى أنه بفعلته هذه استوجب القتل، فقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»، فأنزل الله ﷿ هذه الآية في سورة الممتحنة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾، وفي آخر الآية منها: ﴿يا أيها الذي آمنوا لا تتولوا قومًا غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور﴾.\nوفي هذا الحديث: أن المانع من قتل حاطب ﵁ صدقُهُ مع النبي ﷺ، وكذلك كان المانع شهوده بدرًا.\nوفيه: أن من رمى أحدًا بالكفر والنفاق متأوِّلًا لا يلحقه الوعيد الذي جاء في قوله ﷺ: «وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوُّ اللهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ» (^١)، فقول عمر ﵁: «دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ»: كان فيه متأولًا بسبب ما شهده من ذلك، وهو معذور في هذا، كمن قاتل متأولًا مجتهدًا، فلا يلحقه- أيضًا- الوعيد الذي ورد في قول النبي ﷺ: «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» (^٢).\nوفيه: أن ما فعله حاطب ﵁ كبيرة من كبائر الذنوب.\nوفيه: أن أهل بدر غير معصومين لا من الكبائر ولا من غيرها، ولكنهم موفَّقون إما للتوبة، أو لإقامة الحد، أو يعفو الله عنهم في الآخرة؛ ولهذا أقام النبي ﷺ الحد على مسطح وحسان وحمنة ﵃.\nوفيه: أن التجسس على المسلمين كبيرة من كبائر الذنوب وليس كفرًا؛ لأن الله خاطبهم بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢١)، ومسلم (٦٥).","vol":"7","page":201},{"text":"وفيه: أن من رضي بالكفر فهو كافر.\nوفيه: أن من عادى المسلمين ورضي عن الكفار فإنه يكفر إلا إذا كان متأولًا.\nوفيه: ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، فإذا وجدت مفسدتان لا يمكن درؤهما بل لا بد من فعل واحدة منها فإنه يرتكب المفسدة الصغرى لدفع الكبرى، كما أنه إذا وجدت مصلحتان لا يمكن فعلهما معًا، فإنه يتعين فعل المصلحة الكبرى وإن فاتت الصغرى.\n\n[٢٤٩٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبٍ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْكُو حَاطِبًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَبْتَ، لَا يَدْخُلُهَا؛ فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وَالْحُدَيْبِيَةَ».\nفي هذا الحديث: دليل على أن حاطبًا ﵁ مشهود له بالجنة، فقد جاء عبدٌ له يشكوه إلى رسول الله ﷺ، ويقول: «لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَبْتَ، لَا يَدْخُلُهَا فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وَالْحُدَيْبِيَةَ»، ومعنى كذبت، أي: أخطأت.\nوفيه: أن لفظة الكذب هي الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه عمدًا أو سهوًا.","vol":"7","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1165>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، أَهْلِ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ ﵃</span>.\n\n[٢٤٩٦] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ مُبَشِّرٍ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ، الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا» قَالَتْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَانْتَهَرَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قَدْ قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾».\nقوله: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»: معناه: لا يدخلها أحد منهم قطعًا، كما صرح به في حديث حاطب ﵁ قبله، وإنما قال النبي ﷺ: «إِنْ شَاءَ اللَّهُ»: للتبرك، لا للشك.\nوفي هذا الحديث: دليل على أنه لا بأس بمراجعة العالم لأجل الفائدة، أو المناظرة لأجل أن تتبين المسألة؛ فإن حفصة ﵂ راجعت النبي ﷺ بقولها: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾.\nوقد اختلف العلماء في المراد بالورود في الآية على قولين، أصحهما: أن المراد بالورود: المرور على الصراط، وقيل: المراد به دخول النار.\nوهذه الآية من الآيات التي فسرها النبي ﷺ، فقد فسر الورود بالمرور على الصراط، وبين أن النجاة لا تستلزم دخول النار، كما أن النجاة في قوله تعالى: ﴿فلما جاء أمرنا نجينا صالحًا﴾، وقوله: ﴿ولما جاء أمرنا نجينا هودًا﴾ لا تستلزم حصول العذاب؛ فالله تعالى أخبر أنه نجى أنبياءه ولم يصبهم العذاب الذي أهلك به أممهم، فكذلك قوله: ﴿ثم ننجي","vol":"7","page":203},{"text":"الذين اتقوا﴾ لا يستلزم دخول النار.\nومن الآيات التي فسرها النبي ﷺ: قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾، فقد أشكلت على الصحابة ﵃، فبين لهم النبي ﷺ معناها بقوله: «لَيْسَ الظُّلْم الَّذِي تَعْنُونَ، أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ العَبْدِ الصَّالِحِ: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾؟» (^١) ففسر الظلم في الآية بالشرك.\nوفيه: فضل أهل بيعة الرضوان أهل الشجرة، وأنهم مشهود لهم بالجنة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٦٠)، ومسلم (١٢٤).","vol":"7","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1166>بَابُ فَضَائِلِ أَبِي مُوسَى، وَأَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيَّيْنِ ﵄</span>.\n\n[٢٤٩٧] حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، قَالَ أَبُو عَامِرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: أَلَا تُنْجِزُ لِي يَا مُحَمَّدُ مَا وَعَدْتَنِي؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَبْشِرْ»، فَقَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ: أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ أَبْشِرْ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي مُوسَى، وَبِلَالٍ كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا قَدْ رَدَّ الْبُشْرَى فَاقْبَلَا أَنْتُمَا»، فَقَالَا: قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا، وَأَبْشِرَا»، فَأَخَذَا الْقَدَحَ فَفَعَلَا مَا أَمَرَهُمَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَادَتْهُمَا أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ، أَفْضِلَا لِأُمِّكُمَا مِمَّا فِي إِنَائِكُمَا، فَأَفْضَلَا لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً.\n[خ: ٤٣٢٨]\nفي هذا الحديث: أن هذا الرجل من جفاة الأعراب، فقد خاطب النبي ﷺ بقوله: «أَلَا تُنْجِزُ لِي يَا مُحَمَّدُ مَا وَعَدْتَنِي؟»، فقال له النبي ﷺ: «أَبْشِرْ»، فقال: «أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ أَبْشِرْ»، ومن طبيعة الأعراب الجفاء والعجلة، فأقبل النبي ﷺ على أبي موسي وبلال رضي االله عنهما، وقال: «إِنَّ هَذَا قَدْ رَدَّ الْبُشْرَى فَاقْبَلَا أَنْتُمَا» &gt;.\nوهذا الحديث مثل الحديث الآخر، لما جاء بنو تميم النبي ﷺ فقال لهم: «اقْبَلُوا البُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ) (قَالُوا: قَدْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا، مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ، فَقَالَ: «اقْبَلُوا البُشْرَى يَا أَهْلَ اليَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو","vol":"7","page":205},{"text":"تَمِيمٍ» (^١)، فالله تعالى يقدر الخير لأقوام، ثم يصرفه عنهم بسبب عجلتهم وجفائهم، فبسبب جفاء بني تميم صرف الله عنهم هذا الخير لأهل اليمن وقبلوه، وكذلك هذا الأعرابي صُرف عنه هذا الخير لبلال وأبي موسى ﵄ بسبب جفوته وغلظته.\nوفيه: جواز التبرك بآثار النبي ﷺ وما مس بشرته؛ فإن النبي ﷺ أتى بماء غسل فيه وجهه ويديه ومج فيه، فقال لأبي موسي وبلال ﵄: «اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا، وَأَبْشِرَا».\nوهذا التبرك خاص بالنبي ﷺ، ولا يقاس عليه غيره، خلافًا للنووي، وابن حجر رحمهما الله اللذين قالا: «إن فيه التبرك بآثار الصالحين» (^٢)، وهذا خطأ؛ لأنه خاص بالنبي ﷺ، ولأن الصحابة ﵃ لم يفعلوه مع غيره ﷺ.\nوفيه: الحرص على الخير والمشاركة فيه؛ حيث إن أم سلمة ﵂ طلبت المشاركة في آثار النبي ﷺ حتى تتبرك بها، فقد سمعت ﵂ قول النبي ﷺ، فقالت- من وراء الستر-: «أَفْضِلَا لِأُمِّكُمَا»، فأفضلا لها منه طائفة.\nوفيه: أنه ينبغي للإنسان أن يكون كريمًا، وأن يشرك غيره في الخير.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١٩١).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ٥٩)، فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ١٠٠).","vol":"7","page":206},{"text":"[٢٤٩٨] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي عَامِرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حُنَيْنٍ بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ، فَلَقِيَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ، فَقُتِلَ دُرَيْدٌ، وَهَزَمَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: وَبَعَثَنِي مَعَ أَبِي عَامِرٍ قَالَ: فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُشَمٍ بِسَهْمٍ، فَأَثْبَتَهُ فِي رُكْبَتِهِ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا عَمِّ مَنْ رَمَاكَ؟ فَأَشَارَ أَبُو عَامِرٍ إِلَى أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: إِنَّ ذَاكَ قَاتِلِي تَرَاهُ ذَلِكَ الَّذِي رَمَانِي، قَالَ أَبُو مُوسَى: فَقَصَدْتُ لَهُ فَاعْتَمَدْتُهُ فَلَحِقْتُهُ، فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى عَنِّي ذَاهِبًا فَاتَّبَعْتُهُ، وَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ: أَلَا تَسْتَحْيِي؟ أَلَسْتَ عَرَبِيًّا؟ أَلَا تَثْبُتُ؟ فَكَفَّ، فَالْتَقَيْتُ أَنَا وَهُوَ فَاخْتَلَفْنَا أَنَا وَهُوَ ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَبِي عَامِرٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَتَلَ صَاحِبَكَ قَالَ: فَانْزِعْ هَذَا السَّهْمَ فَنَزَعْتُهُ، فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ، فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي: انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ وَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ أَبُو عَامِرٍ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: وَاسْتَعْمَلَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ، وَمَكَثَ يَسِيرًا، ثُمَّ إِنَّهُ مَاتَ، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي بَيْتٍ عَلَى\nسَرِيرٍ مُرْمَلٍ وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ، وَقَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَنْبَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ، وَقُلْتُ لَهُ: قَالَ: قُلْ لَهُ: يَسْتَغْفِرْ لِي، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ»، حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ أَوْ مِنَ النَّاسِ»، فَقُلْتُ: وَلِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاسْتَغْفِرْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلًا كَرِيمًا».\nقَالَ أَبُو بُرْدَةَ: إِحَدَاهُمَا لِأَبِي عَامِرٍ، وَالْأُخْرَى لِأَبِي مُوسَى.\n[خ: ٤٣٢٣]","vol":"7","page":207},{"text":"قوله: «فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ»، أي: ظهر وارتفع وجرى ولم ينقطع.\nوقوله: «عَلَى سَرِيرٍ مُرْمَلٍ»، يعني: منسوج من سعف النخل.\nوفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ رفع يديه في الدعاء، ففيه مشروعية رفع اليدين في الدعاء، وأنه من أسباب الإجابة، وأنه ليس خاصًّا بالمواضع الست في الحج، بل يجوز رفع اليدين إلا في المواضع التي لم يرفع فيها النبي ﷺ يديه.\nوفيه: أن دريد بن الصمة قُتِلَ مع أنه كان كبيرًا في السن يُحمل ويوضع؛ لأنه كان صاحب رأي ومشورة في الحروب، والمشركون أخرجوه معهم لأجل ذلك، فالشيخ الفاني لا يُقتل في الحروب إلا إذا كان له تأثير ظاهر فيها، وكذلك الصبي والمرأة لا يقتلان إلا إذا شاركا في القتال.","vol":"7","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1167>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْأَشْعَرِيِّينَ ﵃</span>.\n\n[٢٤٩٩] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ أَصْوَاتَ رُفْقَةِ الْأَشْعَرِيِّينَ بِالْقُرْآنِ حِينَ يَدْخُلُونَ بِاللَّيْلِ، وَأَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بِالْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ، وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَرَ مَنَازِلَهُمْ حِينَ نَزَلُوا بِالنَّهَارِ، وَمِنْهُمْ حَكِيمٌ إِذَا لَقِيَ الْخَيْلَ، أَوَ قَالَ: الْعَدُوَّ، قَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَصْحَابِي يَأْمُرُونَكُمْ أَنْ تَنْظُرُوهُمْ».\n[خ: ٤٢٣٢]\nقوله: «وَمِنْهُمْ حَكِيمٌ»: قيل: إن اسم أبي موسى حكيم، وقيل: بل هذا وصف له.\nوفي هذا الحديث: منقبة للأشعريين، وما هم عليه من العبادة والديانة، فهم إذا نزلوا بالليل كانت لهم أصوات بالقراءة في التهجد؛ ولذا قال النبي ﷺ: «وَأَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ».\n\n[٢٥٠٠] حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، قَالَ أَبُو عَامِرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ».\n[خ: ٢٤٨٦]\nقوله: «أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ»: معناه: فني طعامهم.","vol":"7","page":209},{"text":"وفي هذا الحديث: منقبة للأشعريين- أيضًا-، وفيه: فضل الإيثار وأنه أمر مرغب فيه؛ فالأشعريون كانوا إذا فني طعامهم، أو قلَّ في السفر، أو في الحضر جمعوا ما عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم بالسوية، ولهذا أثنى عليهم النبي ﷺ بقوله: «فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ»، يعني: هم من خاصتي.\nوالأشعريون هم أصحاب أبي موسى الأشعري ﵁، من قبائل أشعرية في اليمن، قدموا المدينة على النبي ﷺ فألقتهم السفينة عند النجاشي، ثم قدموا مع جعفر بن أبي طالب ﵁، فسكنوا المدينة وأقاموا بها، وقد قسم لهم النبي ﷺ أرض خيبر كما سيأتي.","vol":"7","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1168>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ ﵁</span>.\n\n[٢٥٠١] حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا النَّضْرُ- وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْيَمَامِيُّ- حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ وَلَا يُقَاعِدُونَهُ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ثَلَاثٌ أَعْطِنِيهِنَّ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: عِنْدِي أَحْسَنُ الْعَرَبِ وَأَجْمَلُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ أُزَوِّجُكَهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: وَمُعَاوِيَةُ، تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: وَتُؤَمِّرُنِي حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: وَلَوْلَا أَنَّهُ طَلَبَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُسْأَلُ شَيْئًا إِلَّا قَالَ: «نَعَمْ».\nفي هذا الحديث: استشكال لأهل العلم، وذلك أن أبا سفيان صخر بن حرب ﵁ لما أسلم كان الناس لا يجالسونه بسبب سابق عداوته الشديدة للمسلمين، فسأل النبيَّ ﷺ أشياء؛ لتظهر بها مكانته عنده أمام أصحابه، فأعطاه النبي ﷺ إياها، ومنها: تزويجه بابنته أم حبيبة ﵂، وكان هذا بعد فتح مكة سنة ثمان من الهجرة، ولكن استشكل ذلك بأنه قد ثبت في السيرة أن أبا سفيان ﵁ في المدة التي هادن فيها النبي ﷺ قريشًا وصالحهم قبل فتح مكة جاء مرة إلى المدينة ودخل على ابنته أم حبيبة ﵂، فطوت عنه فراش النبي ﷺ، فقال: «مَا أَدْرِي أَرَغِبْتُ بِي عَنْ هَذَا الْفِرَاشِ أَمْ رَغِبْتُ بِهِ عَنِّي؟» (^١)، فأم حبيبة ﵂ كانت زوجة النبي ﷺ قبل طلب أبي سفيان ﵁ هذا من النبي ﷺ، فكيف يقول: يا رسول الله، عندي أم حبيبة أزوجك إياها؟ !\n_________\n(^١) السيرة النبوية، لابن هشام (٢/ ٣٩٦).","vol":"7","page":211},{"text":"فأجاب بعض العلماء بأن هذا وهم من بعض الرواة، قال النووي ﵀: «وقال ابن حزم: هذا الحديث وهمٌ من بعض الرواة؛ لأنه لا خلاف بين الناس أن النبي ﷺ تزوج أم حبيبة قبل الفتح بدهر، وهي بأرض الحبشة، وأبوها كافر، وفي رواية عن ابن حزم- أيضًا- أنه قال: موضوع، قال: والآفة فيه من عكرمة بن عمار الراوي عن أبي زميل، وأنكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀ هذا على ابن حزم وبالغ في الشناعة عليه، قال: وهذا القول من جسارته؛ فإنه كان هجومًا على تخطئة الأئمة الكبار وإطلاق اللسان فيهم قال ولا نعلم أحدًا من أئمة الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وغيرهما وكان مستجاب الدعوة قال: وما توهمه ابن حزم من منافاة هذا الحديث لتقدم زواجها غلط منه، وغفلة؛ لأنه يحتمل أنه سأله تجديد عقد النكاح تطييبًا لقلبه؛ لأنه كان ربما يرى عليها غضاضة من رياسته ونسبه أن تزوج ابنته بغير رضاه، أو أنه ظن أن إسلام الأب في مثل هذا يقتضي تجديد العقد، وقد خفي أوضح من هذا على أكبر مرتبة من أبي سفيان ممن كثر علمه وطالت صحبته. هذا كلام أبي عمرو ﵀، وليس في الحديث أن النبي ﷺ جدد العقد، ولا قال لأبي سفيان: إنه يحتاج إلى تجديده، فلعله ﷺ أراد بقوله: نعم: أن مقصودك يحصل وإن لم يكن بحقيقة عقد. والله أعلم» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ٦٣).","vol":"7","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1169>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ وَأَهْلِ سَفِينَتِهِمْ ﵃</span>.\n\n[٢٥٠٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي بُرَيْدٌ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: بَلَغَنَا مَخْرَجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ، فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصْغَرُهُمَا، أَحَدُهُمَا أَبُو بُرْدَةَ وَالْآخَرُ أَبُو رُهْمٍ، إِمَّا قَالَ: بِضْعًا، وَإِمَّا قَالَ: ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ أَوِ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي قَالَ: فَرَكِبْنَا سَفِينَةً، فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ، فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابَهُ عِنْدَهُ، فَقَالَ جَعْفَرٌ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنَا هَاهُنَا وَأَمَرَنَا بِالْإِقَامَةِ، فَأَقِيمُوا مَعَنَا، فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا قَالَ: فَوَافَقْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ فَأَسْهَمَ لَنَا أَوْ قَالَ: أَعْطَانَا مِنْهَا وَمَا قَسَمَ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا، إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ إِلَّا لِأَصْحَابِ سَفِينَتِنَا مَعَ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ، قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ قَالَ: فَكَانَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ، يَقُولُونَ لَنَا- يَعْنِي: لِأَهْلِ السَّفِينَةِ-: نَحْنُ سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ قَالَ: فَدَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ وَهِيَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَنَا عَلَى حَفْصَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- زَائِرَةً، وَقَدْ كَانَتْ هَاجَرَتْ إِلَى النَّجَاشِيِّ فِيمَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِ، فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى حَفْصَةَ وَأَسْمَاءُ عِنْدَهَا، فَقَالَ عُمَرُ: حِينَ رَأَى أَسْمَاءَ مَنْ هَذِهِ؟\nقَالَتْ: أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ؟ قَالَ عُمَرُ: الْحَبَشِيَّةُ هَذِهِ، الْبَحْرِيَّةُ هَذِهِ؟ فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: نَعَمْ، فَقَالَ عُمَرُ: سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ فَنَحْنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْكُمْ، فَغَضِبَتْ وَقَالَتْ كَلِمَةً: كَذَبْتَ يَا عُمَرُ! كَلَّا وَاللَّهِ كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ، وَكُنَّا فِي دَارِ أَوْ فِي أَرْضِ الْبُعَدَاءِ الْبُغَضَاءِ فِي الْحَبَشَةِ، وَذَلِكَ فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ، وَايْمُ اللَّهِ لَا أَطْعَمُ طَعَامًا وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَذْكُرَ مَا قُلْتَ","vol":"7","page":213},{"text":"لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ كُنَّا نُؤْذَى وَنُخَافُ، وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَسْأَلُهُ، وَوَاللَّهِ لَا أَكْذِبُ وَلَا أَزِيغُ وَلَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ عُمَرَ قَالَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ، وَلَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُمْ أَنْتُمْ- أَهْلَ السَّفِينَةِ- هِجْرَتَانِ» قَالَتْ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى، وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ يَأْتُونِي أَرْسَالًا يَسْأَلُونِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَا مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ وَلَا أَعْظَمُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِمَّا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى، وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّي.\n[خ: ٤٢٣٠]\nفي هذا الحديث: منقبة لأهل السفينة، جعفرٍ وأصحابه، وأبي موسى وأصحابه ﵃، وهي: أن النبي ﷺ قسم لهم من غنائم خيبر، مع أنهم لم يشهدوا الوقعة، وأنه ﷺ لم يقسم لغير أصحاب السفينة ممن لم يشهد الوقعة، فهذه منقبة لهم.\nومعلوم أن الغنيمة لا تكون إلا لمن شهد القتال، فتقسم إلى خمسة أخماس: خمس لله ولرسوله، ولقرابة الرسول ﷺ، ولليتامى، وللمساكين، ولابن السبيل، وأربعة أخماس تقسم على الغانمين، ولا يعطى غيرهم، فكيف أعطى جعفرًا وأصحابه وأبا موسى وأسهم لهم؟\nقال بعضهم: إن النبي ﷺ استأذن أهل الغنيمة فأذنوا له، وهذا محتمل، ويحتمل أنه أعطاهم من الخمس، لكن جاء في أحاديث أُخَرَ أن النبي ﷺ استأذن لهم، قال النووي ﵀: «قوله: «فَأَسْهَمَ لَنَا أَوْ قَالَ: أَعْطَانَا مِنْهَا» هذا الإعطاء محمول على أنه برضا الغانمين، وقد جاء في صحيح البخاري (^١) ما\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١٥٦).","vol":"7","page":214},{"text":"يؤيده، وفي رواية البيهقي (^١) التصريح بأن النبي ﷺ كلم المسلمين فشركوهم في سُهْمانِهِم» (^٢).\nوفيه- أيضًا-: منقبة أخرى لأهل السفينة الذين قدموا من الحبشة، وذلك أن النبي ﷺ أثبت لهم هجرتين، وكان سبب هذا: أن أسماء بنت عميس زوجة جعفر بن أبي طالب ﵄، وكانت امرأة عاقلة دينة عظيمة القدر، فلما قتل جعفر بن أبي طالب تزوجها أبو بكر الصديق، ولما مات تزوجها علي ﵃ لما قدمت من الحبشة دخلت على حفصة ﵂، فجاء عمر ﵁ وهي عند حفصة، فقال: من هذه المرأة التي عندك؟ فقالت: أسماء بنت عميس، قال: الحبشية البحرية؟ قالت: نعم، فقال عمر لأسماء: نحن سبقناكم بالهجرة، فنحن أفضل منكم، فقالت لعمر: كذبت، يعني: أخطأت لستم أفضلَ منا، أنتم كنتم عند رسول الله ﷺ يهتم لأمركم، يعظ جاهلكم، ويطعم جائعكم، ونحن كنا في دار البعداء في النسب، البغضاء في الدين، وقد كان ذلك في الله وفي ذات الله؛ لأنا ما ذهبنا باختيارنا، وإنما ذهبنا لله بأمر رسول الله ﷺ فرارًا بديننا، فكيف تكونون أفضلَ منا؟ !\nثم أقسمت ﵂ بالله لا تذوق طعامًا حتى تسأل النبي ﷺ؛ لتعلم المصيب من المخطئ، فلما جاء النبي ﷺ سألته، فقال النبي ﷺ: «لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ، وَلَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ»، ففرحوا بهذا وصار أصحاب السفينة يأتون أرسالًا، أي: جماعات يسألون أسماء ﵂ عن هذا الحديث من فرحهم به، وكان أبو موسى ﵁ يستعيد الحديث منها يقول: أعيدي علينا الحديث؛ لفرحهم به.\nوقوله: «فَدَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ»: هي امرأة جعفر بن أبي طالب ﵄.\nوقوله: «الْحَبَشِيَّةُ هَذِهِ، الْبَحْرِيَّةُ هَذِهِ؟»: الحبشية؛ لأنها هاجرت إلى\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٢٩١٧).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ٦٤).","vol":"7","page":215},{"text":"الحبشة، البحرية؛ لأنها ركبت البحر، وعمر ﵁ أراد أن يصفها، فقال لها ذلك.\nوقولها: «كَذَبْتَ يَا عُمَرُ! كَلَّا وَاللَّهِ»: كذبت، يعني: أخطأت، فالمخطئ يقال له: كذبت، وقد استعملت العرب (كذب) بمعنى: أخطأ.\nوقولها: «وَايْمُ اللَّهِ»: ايم: بهمزة وصل؛ لأنه من الأسماء العشرة التي تبدأ بهمزة وصل.","vol":"7","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1170>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ سَلْمَانَ، وَصُهَيْبٍ، وَبِلَالٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ</span>.\n\n[٢٥٠٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ، وَبِلَالٍ فِي نَفَرٍ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللَّهِ مِنْ عُنُقِ عَدُوِّ اللَّهِ مَأْخَذَهَا، قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ؟ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ: لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ»، فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهْ أَغْضَبْتُكُمْ؟ قَالُوا: لَا، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَخِي.\nفي هذا الحديث: منقبة لسلمان وبلال وصهيب ﵃، وذلك أنه لما مر بهم أبو سفيان ﵁ في الهدنة بعد صلح الحديبية- وكان إذ ذاك مشركًا- قالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها، فكأن أبا بكر ﵁ رقَّ له، وتذكر منزلته في قريش، فقال: كيف تقولون هذا لسيد قريش؟ ! إلا أن النبي ﷺ كان إلى جانب هؤلاء الضعفاء، فقال- مُراعِيًا لقلوبهم ومكرِمًا لهم وملاطِفًا لهم-: «يَا أَبَا بَكْرٍ: لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ»، فعند ذلك عرف أبو بكر ﵁ منزلتهم ومكانتهم ﵃ عند الله ورسوله ﷺ، فأتاهم معتذِرًا لهم، وقال: «يَا إِخْوَتَاهْ أَغْضَبْتُكُمْ؟ قَالُوا: لَا، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَخِي»، وهذا من حرص الصديق ﵁ على رضا الله ورسوله، واجتناب ما يغضبهما.","vol":"7","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1171>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْأَنَصَارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ</span>.\n\n[٢٥٠٥] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ- وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ- قَالَا: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: فِينَا نَزَلَتْ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ بَنُو سَلِمَةَ، وَبَنُو حَارِثَةَ، وَمَا نُحِبُّ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ لِقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾.\n[خ: ٤٠٥١]\nقوله: «بَنُو سَلِمَةَ»: بكسر اللام.\nوقوله: «فِينَا نَزَلَتْ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ بَنُو سَلِمَةَ، وَبَنُو حَارِثَةَ، وَمَا نُحِبُّ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ لِقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾»؛ لأنه لما قال الله تعالى: ﴿والله وليهما﴾ صارت هذه منقبة ظاهرة لهم؛ لأن الله تعالى نص على أنه وليُّهما، ومعلوم أن الله ولي جميع المؤمنين، لكن النص على أنه تعالى ولي هاتين الطائفتين بالذات فيه فضيلة لهما.\n\n[٢٥٠٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ، وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ».\n[خ: ٤٩٠٦]\nوَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.","vol":"7","page":218},{"text":"قوله: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ، وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ»: هذا دعاء من النبي ﷺ بطلب المغفرة للأنصار، وذلك لسبقهم إلى الإسلام والجهاد في سبيل الله ونصرة رسوله، ولهذا دعا لهم النبي ﷺ بذلك، وهذه منقبة عظيمة للأنصار ﵃.\n\n[٢٥٠٧] حَدَّثَنِي أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ- وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ- أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَغْفَرَ لِلْأَنْصَارِ قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَلِذَرَارِيِّ الْأَنْصَارِ، وَلِمَوَالِي الْأَنْصَارِ، لَا أَشُكُّ فِيهِ.\nقوله: «وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَلِذَرَارِيِّ الْأَنْصَارِ، وَلِمَوَالِي الْأَنْصَارِ، لَا أَشُكُّ فِيهِ»: فيه: أن النبي ﷺ استغفر للأنصار، ولأبنائهم، ولمواليهم، يعني: من انتسب إليهم بالولاء.\n\n[٢٥٠٨] حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ- وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ- عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى صِبْيَانًا وَنِسَاءً مُقْبِلِينَ مِنْ عُرْسٍ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مُمْثِلًا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ- يَعْنِي: الْأَنْصَارَ».\n[خ: ٣٧٨٥]\nقوله: «فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مُمْثِلًا»، أي: قائمًا منتصبًا، أو مقبلًا، لَمَّا رأى نساء الأنصار وذراريهم ﵃.\nوفيه: فضل الأنصار ومحبة النبي ﷺ لهم؛ لِمَا لهم من الفضل بسبقهم إلى الإسلام، ولنصرتهم لله ولرسوله وجهادهم في سبيله.","vol":"7","page":219},{"text":"[٢٥٠٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ غُنْدَرٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَخَلَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ»، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.\n[خ: ٣٧٨٦]\nوَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله: «فَخَلَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»: ليس المراد: خلوة مستقلة، بل المراد: أنه كلمها سرًّا فيما بينه وبينها لا يسمع كلامهما أحد، فهي كانت أمام الناس، وهذا هو الأقرب، وقيل: لعلها المرأة الأنصارية كانت أم سليم ﵂، وقد كان بينها وبين النبي ﷺ محرمية، ولكن الأقرب: أنها امرأة غيرها من الأنصار.\n\n[٢٥١٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْأَنْصَارَ كَرِشِي وَعَيْبَتِي، وَإِنَّ النَّاسَ سَيَكْثُرُونَ وَيَقِلُّونَ، فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَاعْفُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ».\n[خ: ٣٨٠١]\nقوله: «كَرِشِي وَعَيْبَتِي»: الكَرِش- بفتح الكاف وكسر الراء، وبكسر الكاف وسكون الراء لغتان، وهو: الوعاء الذي يستقر فيه الطعام من الحيوان،","vol":"7","page":220},{"text":"والعيبة هي: الوعاء الذي يحفظ فيه الإنسان ثيابه، أو أشياءه الثمينة، والمعنى: أن الأنصار هم أهلي وخاصتي، الذين أفضي إليهم بالسر، والذين أثق بهم، وأعتمدهم في أموري.\nوفي هذا الحديث: منقبة ظاهرة- أيضًا- للأنصار ﵃.","vol":"7","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1172>بَابٌ فِي خَيْرِ دُورِ الْأَنْصَارِ ﵃</span>.\n\n[٢٥١١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ: بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ»، فَقَالَ سَعْدٌ: مَا أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَّا قَدْ فَضَّلَ عَلَيْنَا، فَقِيلَ: قَدْ فَضَّلَكُمْ عَلَى كَثِيرٍ.\n[خ: ٣٧٨٩]\nحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَنَسًا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ-.ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَ سَعْدٍ.\nقوله: «عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ»: أُسَيْد: مصغر أسد.\nوقوله: «خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ: بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ»: المراد بالدور: المحلات والأحياء والحارات التي تسكن فيها القبائل، وتسمى كل محلة وحارة دار بني فلان، وخير دور الأنصار المراد: خير قبائلهم.\nقوله: «بَنُو النَّجَّارِ»: هم أخوال النبي ﷺ.\nوقوله: «ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ»: منهم سعد بن معاذ ﵁.\nوقوله: «ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ»: منهم سعد بن عبادة ﵁، وسهل بن سعد الساعدي ﵁.","vol":"7","page":222},{"text":"وفي هذا الحديث: دليل على جواز التفضيل بين القبائل والأشخاص، ولكن بالدليل لا بالهوى والعصبية، فالنبي ﷺ فاضل بين قبائل الأنصار، فدل على جواز ذلك، وكما أن الأنبياء ﵈ يتفاضلون في بينهم في المنزلة، قال تعالى: ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض﴾، وكما أن بني هاشم فضلوا على سائر قريش، وفضلت قريش على سائر القبائل، وفضل جنس العرب على جنس العجم، وهكذا.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ عَبَّادٍ- وَمُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُسَيْدٍ خَطِيبًا عِنْدَ ابْنِ عُتْبَةَ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ: دَارُ بَنِي النَّجَّارِ، وَدَارُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَدَارُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَدَارُ بَنِي سَاعِدَةَ، وَاللَّهِ لَوْ كُنْتُ مُؤْثِرًا بِهَا أَحَدًا لَآثَرْتُ بِهَا عَشِيرَتِي».\nقوله: «عِنْدَ ابْنِ عُتْبَةَ»: هو الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، عامل عمه معاوية بن أبي سفيان ﵁ على المدينة.","vol":"7","page":223},{"text":"حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، قَال: شَهِدَ أَبُو سَلَمَةَ لَسَمِعَ أَبَا أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ يَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ: بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ»، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: أُتَّهَمُ أَنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ لَوْ كُنْتُ كَاذِبًا لَبَدَأْتُ بِقَوْمِي بَنِي سَاعِدَةَ، وَبَلَغَ ذَلِكَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ، وَقَالَ: خُلِّفْنَا فَكُنَّا آخِرَ الْأَرْبَعِ أَسْرِجُوا لِي حِمَارِي، آتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَكَلَّمَهُ ابْنُ أَخِيهِ سَهْلٌ، فَقَالَ: أَتَذْهَبُ لِتَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمُ، أَوَ لَيْسَ حَسْبُكَ أَنْ تَكُونَ رَابِعَ أَرْبَعٍ، فَرَجَعَ، وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُه أَعْلَمُ، وَأَمَرَ بِحِمَارِهِ فَحُلَّ عَنْهُ.\nحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَحْرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: خَيْرُ الْأَنْصَارِ أَوْ خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ فِي ذِكْرِ الدُّورِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ﵁.\nقوله: «قَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: أُتَّهَمُ أَنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟»، أي: هذا وحي من الله، ولا أكذب على رسوله ﷺ، وقد أَخبرت بما سمعته منه ﷺ.\nوقوله: «وَاللَّهِ لَوْ كُنْتُ مُؤْثِرًا بِهَا أَحَدًا لَآثَرْتُ بِهَا عَشِيرَتِي»، يعني: لو كنت أريد أن أفضل أحدًا على أحد لفضلت قبيلتي بني ساعدة التي ذكرت آخر الأربع، ولجعلتها قبل بني النجار، لكن أخبر بما سمعته من رسول الله ﷺ ولا أكذب عليه.\nو«ثم» في هذا الحديث أفادت الترتيب مع التراخي؛ ولهذا غضب سعد بن عبادة ﵁؛ لأن النبي ﷺ جعل قبيلته بني ساعدة رابعة، وقال: «أَسْرِجُوا","vol":"7","page":224},{"text":"لِي حِمَارِي»، أي: اجعلوا عليه السرج، فهو أراد أن يذهب إلى النبي ﷺ يستفهمه لماذا لم يجعل قبيلتَه الأُولى في الذكر، ولكن لما كلمه ابن أخيه سهل ﵁ منكِرًا عليه قائلًا له: أترد على رسول الله ﷺ؟ ! أما يكفيك أن تكون رابع أربع، وهذا فضل عظيم، فعند ذلك رجع وقال: الله ورسوله أعلم، وعدل عن رأيه، وأمر بحماره فحُل عنه السرج.\nوفيه: أنه في حياة النبي ﷺ يقال: الله ورسوله أعلم؛ لأنه ينزل عليه الوحي ﷺ، وأما بعد وفاته، فيقال: الله أعلم؛ لأن الرسول ﷺ بعد موته لا يعلم أحوال أمته.","vol":"7","page":225},{"text":"[٢٥١٢] وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: سمعا أبا هريرة يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي مَجْلِسٍ عَظِيمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: «أُحَدِّثُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الْأَنْصَارِ؟» قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ» قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «ثُمَّ بَنُو النَّجَّارِ» قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ» قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ» قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «ثُمَّ فِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ»، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مُغْضَبًا، فَقَالَ: أَنَحْنُ آخِرُ الْأَرْبَعِ حِينَ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَارَهُمْ؟ فَأَرَادَ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ: اجْلِسْ، أَلَا تَرْضَى أَنْ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَارَكُمْ فِي الْأَرْبَعِ الدُّورِ الَّتِي سَمَّى، فَمَنْ تَرَكَ فَلَمْ يُسَمِّ أَكْثَرُ مِمَّنْ سَمَّى، فَانْتَهَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nفي هذا الحديث: قَدَّم بني عبد الأشهل على بني النجار، وهذا خلاف الروايات المعروفة أن بني النجار هم في المرتبة الأولى، ولعله وهمٌ من بعض الرواة.","vol":"7","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1173>بَابٌ فِي حُسْنِ صُحْبَةِ الْأَنْصَارِ ﵃</span>.\n\n[٢٥١٣] حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عَرْعَرَةَ- وَاللَّفْظُ لِلْجَهْضَمِيِّ- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ فِي سَفَرٍ، فَكَانَ يَخْدُمُنِي، فَقُلْتُ لَهُ: لَا تَفْعَلْ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الْأَنْصَارَ تَصْنَعُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، آلَيْتُ أَنْ لَا أَصْحَبَ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا خَدَمْتُهُ.\nزَادَ ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِمَا: وَكَانَ جَرِيرٌ أَكْبَرَ مِنْ أَنَسٍ، وَقَالَ: ابْنُ بَشَّارٍ أَسَنَّ مِنْ أَنَسٍ.\nخ: ٢٨٨٨]\nفي هذا الحديث: منقبة لجرير ﵁، فهو يخدم أنسًا ﵁ وهو أصغر منه؛ لأنه من الأنصار، فقال له: لا تفعل رحمك الله، لا تخدمني، فأنا أصغر منك، قال: «إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الْأَنْصَارَ تَصْنَعُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا»، يعني: كانوا يخدمون النبي ﷺ، فقال: «آلَيْتُ أَنْ لَا أَصْحَبَ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا خَدَمْتُهُ»، يعني: إكرامًا لهم.","vol":"7","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1174>بَابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لِغِفَارَ وَأَسْلَمَ</span>.\n\n[٢٥١٤] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ».\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ائْتِ قَوْمَكَ، فَقُلْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ، وَغِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا».\nحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ.\n\n[٢٥١٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ. ح، وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ ابْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، كُلُّهُمْ قَالَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ، وَغِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا».\n\n[٢٥١٦] وَحَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ","vol":"7","page":228},{"text":"خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ، وَغِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، أَمَا إِنِّي لَمْ أَقُلْهَا، وَلَكِنْ قَالَهَا اللَّهُ ﷿».\n[خ: ٣٥١٤]\nقوله: «سَالَمَهَا اللَّهُ»: قال العلماء: هو من المسالمة وتركه الحرب.\nفي هذا الحديث بطرقه المتعددة: بيان فضل هاتين القبيلتين: أسلم، وغفار؛ وذلك لسبقهما إلى الإسلام والجهاد؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «أَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ، وَغِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا»: وهذا دعاء لهما بالمغفرة والسلامة، وقيل: إنه خبر عنهما بأن الله سالم أسلم، وغفر لغفار، والأقرب أنه خبر بمعنى الدعاء، كما في قولك: غفر الله لفلان، تريد: اللهم اغفر لفلان.\nوقوله: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَقُلْهَا، وَلَكِنْ قَالَهَا اللَّهُ ﷿»، يعني: أن النبي ﷺ إنما قال هذا بوحي من الله تعالى، ولم يقله باجتهاد منه ﵊، وهذا فيه دليل على أن النبي ﷺ لا يقول شيئًا من عند نفسه، ولكن يقوله بوحي من الله، قال الله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾.","vol":"7","page":229},{"text":"[٢٥١٧] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ خُفَافِ بْنِ إِيمَاءَ الْغِفَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةٍ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ بَنِي لِحْيَانَ، وَرِعْلًا، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ عَصَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ».\n\n[٢٥١٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ، وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ».\n[خ: ٣٥١٣]\nحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ. ح، وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَالْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَفِي حَدِيثِ صَالِحٍ، وَأُسَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ عَلَى الْمِنْبَرِ.\nوَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي ابْنُ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مِثْلَ حَدِيثِ هَؤُلَاءِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.\nقوله: «بَنِي لِحْيَانَ»: بفتح اللام وكسرها: هم بطن من هذيل.\nفي هذه الأحاديث: لعن النبي ﷺ قبائل بعينها، وهي: رِعْل، وذَكوان، وعُصَيَّة؛ لكونهم غدروا بالمسلمين، فقتلوا القراء الذين أرسلهم إليهم النبي ﷺ بطلب منهم ببئر معونة؛ ولذلك لعنهم النبي ﷺ.\nوفيها: دليل على جواز اللعن على العموم، أو لعن الطائفة، وهو الصواب من القولين، كما قال النبي ﷺ: «لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ","vol":"7","page":230},{"text":"فَتُقْطَعُ يَدُهُ» (^١)، «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ» (^٢)، «لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبَا» (^٣)، وكل ذلك على العموم، ولا بأس بلعن العصاة.\nوأما لعن الشخص المعين، فالصواب: أنه لا يجوز؛ لِمَا ثبت في الحديث الصحيح: أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ: حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» (^٤).\nوقال بعض العلماء: يجوز لعن شخص بعينه، لكن الصواب: عدم لعن المعين، وإنما يلعن على العموم، أو على الوصف، كما في هذا الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٧٨٣)، ومسلم (١٦٨٧).\n(^٢) أخرجه أحمد (٥٧١٦)، وأبو داود (٣٦٧٤).\n(^٣) أخرجه أحمد (٣٧٢٥)، وابن ماجه (٢٢٧٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٧٨٠).","vol":"7","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1175>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ غِفَار، وَأَسْلَمَ، وَجُهَيْنَةَ، وَأَشْجَعَ، وَمُزَيْنَةَ، وَتَمِيمٍ، وَدَوْسٍ، وَطَيِّئٍ</span>.\n\n[٢٥١٩] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ- أَخْبَرَنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْأَنْصَارُ، وَمُزَيْنَةُ، وَجُهَيْنَةُ، وَغِفَارُ، وَأَشْجَعُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ مَوَالِيَّ دُونَ النَّاسِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَاهُمْ».\nقوله: «مَوَالِيَّ دُونَ النَّاسِ»، يعني: أنصاري، والمختصين بي.\nوقوله: «وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَاهُمْ»، أي: المتكفل بهم وبمصالحهم وبنصرهم.\nوفي هذا الحديث: أن بني عبد الله هم بنو عبد العزى، سماهم النبي ﷺ بني عبد الله؛ لأنهم سبقوا إلى الإسلام، والأنصار ومزينة كلهم سبقوا إلى الإسلام والجهاد؛ ولهذا أثنى عليهم النبي ﷺ، وهذا من فضائلهم ومناقبهم.\n\n[٢٥٢٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُرَيْشٌ، وَالْأَنْصَارُ، وَمُزَيْنَةُ، وَجُهَيْنَةُ، وَأَسْلَمُ، وَغِفَارُ، وَأَشْجَعُ مَوَالِيَّ، لَيْسَ لَهُمْ مَوْلًى دُونَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ».\n[خ: ٣٥٠٤]\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ سَعْدٌ فِي بَعْضِ: هَذَا فِيمَا أَعْلَمُ.\n\n[٢٥٢١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَسْلَمُ، وَغِفَارُ،","vol":"7","page":232},{"text":"وَمُزَيْنَةُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ جُهَيْنَةَ- أَوْ جُهَيْنَةُ- خَيْرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَبَنِي عَامِرٍ، وَالْحَلِيفَيْنِ، أَسَدٍ، وَغَطَفَانَ».\n[خ: ٣٥٢٣]\nقوله: «وَمَنْ كَانَ مِنْ جُهَيْنَةَ- أَوْ جُهَيْنَةُ- خَيْرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَبَنِي عَامِرٍ، وَالْحَلِيفَيْنِ، أَسَدٍ، وَغَطَفَانَ»؛ لأن القبائل الأولى: أسلم، وغفار، وجهينة سبقوا إلى الإسلام، وبنو تميم، والحليفان: أسد وغطفان تأخر إسلامهما؛ فلذلك سبقوهم إلى الخير، فكانوا خيرًا منهما.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يَعْنِي: الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنِي، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَغِفَارُ، وَأَسْلَمُ، وَمُزَيْنَةُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ جُهَيْنَةَ أَوَ قَالَ: جُهَيْنَةُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ مُزَيْنَةَ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَسَدٍ، وَطَيِّئٍ، وَغَطَفَانَ».\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِيَانِ ابْنَ عُلَيَّةَ- حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَأَسْلَمُ، وَغِفَارُ وَشَيْءٌ مِنْ مُزَيْنَةَ، وَجُهَيْنَةَ- أَوْ شَيْءٌ مِنْ جُهَيْنَةَ، وَمُزَيْنَةَ- خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ» قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ: «يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَسَدٍ، وَغَطَفَانَ، وَهَوَازِنَ، وَتَمِيمٍ».\nقوله: «لَأَسْلَمُ، وَغِفَارُ وَشَيْءٌ مِنْ مُزَيْنَةَ، وَجُهَيْنَةَ، أَوْ شَيْءٌ مِنْ جُهَيْنَةَ، وَمُزَيْنَةَ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَسَدٍ، وَغَطَفَانَ، وَهَوَازِنَ، وَتَمِيمٍ»؛ لأن أسدًا وغطفان وهوازن وتميم تأخر إسلامهم، فلذلك كانت القبائل الأولى","vol":"7","page":233},{"text":"خيرًا منهم، بسبب أنهم سبقوهم إلى الإسلام والجهاد؛ فالخيرية والأفضلية بالتقدم في الإسلام وبالتقوى، قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله اتقاكم﴾، فالمراد: أن هذه القبائل خير من تلك القبائل في الجملة، لا أن كل فرد من أفراد القبائل الفاضلة هو خير من كل فرد من أفراد القبائل المفضولة؛ لاحتمال وجود مزايا وخصائص فيهم لا توجد في بعض أفراد القبائل الفاضلة.\n\n[٢٥٢٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّمَا بَايَعَكَ سُرَّاقُ الْحَجِيجِ مِنْ أَسْلَمَ، وَغِفَارَ، وَمُزَيْنَةَ- وَأَحْسِبُ جُهَيْنَةَ- مُحَمَّدٌ الَّذِي شَكَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ أَسْلَمُ، وَغِفَارُ، وَمُزَيْنَةُ- وَأَحْسِبُ جُهَيْنَةُ- خَيْرًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَبَنِي عَامِرٍ، وَأَسَدٍ، وَغَطَفَانَ، أَخَابُوا وَخَسِرُوا؟»، فَقَالَ: نَعَمْ قَالَ: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُمْ لَأَخْيَرُ مِنْهُمْ».\nوَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: مُحَمَّدٌ الَّذِي شَكَّ.\n[خ: ٣٥١٦]\nقوله: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُمْ لَأَخْيَرُ مِنْهُمْ»: أخير، أي: أفضل، ولا يضرهم إن كانوا سراقَ الحجيج بعد ما تابوا وأسلموا؛ لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله، والتوبة تهدم ما قبلها، فهم خير ممن تأخر إسلامهم.\nوقوله: «لَأَخْيَرُ»: هذه لغة قليلة، لكنها معروفة، فيقال: أخير، وأشر، بإثبات الهمزة فيهما، واللغة الكثيرة المشهورة: خير وشر، بحذف الهمزة فيهما.","vol":"7","page":234},{"text":"حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي سَيِّدُ بَنِي تَمِيمٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ الضَّبِّيُّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: وَجُهَيْنَةُ، وَلَمْ يَقُلْ: أَحْسِبُ.\nقوله: «حَدَّثَنِي سَيِّدُ بَنِي تَمِيمٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ الضَّبِّيُّ»: استُشكل بأن بني تميم ليس فيهم ضبي من ضبة، وأُجيبَ عن هذا بجوابين:\nالأول: أنهم بنو ضبة بالحلف.\nوالثاني: أنهم ضبيون بالمقاربة؛ لأنهم يقاربونهم، والشيء يعطى حكم ما قاربه، فهم يقربون من تميم؛ فلذلك أسماهم الضبي.\nحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَسْلَمُ، وَغِفَارُ، وَمُزَيْنَةُ، وَجُهَيْنَةُ خَيْرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَمِنْ بَنِي عَامِرٍ، وَالْحَلِيفَيْنِ بَنِي أَسَدٍ، وَغَطَفَانَ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بِشْرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ جُهَيْنَةُ، وَأَسْلَمُ، وَغِفَارُ، خَيْرًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَبَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفَانَ، وَعَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ»، وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَدْ خَابُوا وَخَسِرُوا قَالَ: «فَإِنَّهُمْ خَيْرٌ».\nوَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ جُهَيْنَةُ، وَمُزَيْنَةُ، وَأَسْلَمُ، وَغِفَارُ».\n\n[٢٥٢٣] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو","vol":"7","page":235},{"text":"عَوَانَةَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لِي: إِنَّ أَوَّلَ صَدَقَةٍ بَيَّضَتْ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوُجُوهَ أَصْحَابِهِ صَدَقَةُ طَيِّئٍ جِئْتَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nقوله: «بَيَّضَتْ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوُجُوهَ أَصْحَابِهِ»، يعني: أن أول صدقة جاء بها عدي بن حاتم ﵁ هي أول صدقة أفرحت رسوله الله ﷺ وأصحابه وسرَّتهم، وهذه منقبة ظاهرة لعدي بن حاتم ﵁، وهو من كرماء العرب المعروفين، كما كان أبوه حاتم الطائي، فقد كان يضرب به المثل في الكرم، فيقال: أَكْرَمُ من حاتم.\n\n[٢٥٢٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَدِمَ الطُّفَيْلُ وَأَصْحَابُهُ، فقالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ دَوْسًا قَدْ كَفَرَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا، فَقِيلَ: هَلَكَتْ دَوْسٌ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا، وَائْتِ بِهِمْ».\n[خ: ٢٩٣٧]\nفي هذا الحديث: أن هذه كانت عادة الرسول ﷺ، فقد كان يدعو للناس ولا يدعو عليهم، إلا من غدر وآذى المسلمين، كرِعل وعصية وذكوان؛ فإنهم غدروا بالمسلمين وقتلوا القراء، فدعا عليهم النبي ﷺ شهرًا؛ لشدة غضبه عليهم؛ ولذلك لما جاءه الطفيل ﵁ وأصحابه، وقالوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ دَوْسًا قَدْ كَفَرَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا، فَقِيلَ: هَلَكَتْ دَوْسٌ»، فإنه إذا دعا عليهم النبي ﷺ هلكوا، وقد توقعوا أنه سيدعو عليهم وأنهم سيهلكون، لكن النبي ﷺ خالف ظنهم، فدعا لهم بقوله: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَائْتِ بِهِمْ»، وقد استجاب الكريم الجليل دعاء نبيه ﷺ فهداهم، وجاء بهم مسلمين تائبين، وهذه فضيلة ومنقبة لدوس، حيث هداهم الله للإسلام ومنَّ عليهم.","vol":"7","page":236},{"text":"[٢٥٢٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ مِنْ ثَلَاثٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ» قَالَ: وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا» قَالَ: وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَعْتِقِيهَا؛ فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ».\n[خ: ٢٥٤٣]\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ، سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهَا فِيهِمْ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.\nفي هذا الحديث: منقبة لبني تميم، فقد قال أبو هريرة ﵁: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ»، ومعلوم أن الدجال يخرج في آخر الزمان، ويقاتله المسلمون، ويقتله عيسى ﵇ بعد نزوله، وهو إمام المسلمين في ذلك الوقت، فبنو تميم هم أشد الناس على الدجال، وهذه منقبة عظيمة لهم.\nوالمنقبة الثانية: أن النبي ﷺ أضافهم إلى نفسه لما جاءت صدقاتهم، فقال: «هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا»، وهذه إضافة اختصاص ومزية.\nوالمنقبة الثالثة: أنهم من ولد إسماعيل ﵇؛ ولذلك قال النبي ﷺ لعائشة ﵂ في شأن السَّبِيَّة: «أَعْتِقِيهَا؛ فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ».\nوفيه: دليلٌ على جواز سبي الكفار العرب، كما هو قول الجمهور، لا كما ذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز سبي العرب، وإنما السبي يكون في العجم؛ لأن في هذا الحديث ردًّا عليهم.\nومما يدل- أيضًا- على جواز سبي الكفار العرب أن النبي ﷺ أغار على","vol":"7","page":237},{"text":"بني المصطلق وهم غافلون وأنعامهم تُسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى نساءهم وذراريهم، واصطفى منهم جويرية بنت الحارث أم المؤمنين (^١)، ويدل على ذلك- أيضًا- أن النبي ﷺ سبى هوازن لما قاتلهم بضع عشرة ليلة (^٢).\nويدل على ذلك- أيضًا-: أن الصحابة قاتلوا المرتدين، قاتلوا بني حنيفة بعد وفاة النبي ﷺ وسبوا منهم، ومنهم من بني حنيفة سبية تسراها علي ﵁، فولدت له محمدًا، فكان يسمى محمد ابن الحنفية نسبةً إلى أمه، وإلا فهو محمد بن علي بن أبي طالب، وهذه النصوص تدل على جواز سبي العرب، وأما من قال: إن العرب لا يُسْبَون فقوله مرجوح ضعيف.\nوَحَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ الْمَازِنِيُّ، إِمَامُ مَسْجِدِ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ثَلَاثُ خِصَالٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَنِي تَمِيمٍ، لَا أَزَالُ أُحِبُّهُمْ بَعْدُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِهَذَا الْمَعْنَى غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «هُمْ أَشَدُّ النَّاسِ قِتَالًا فِي الْمَلَاحِمِ»، وَلَمْ يَذْكُرِ الدَّجَّالَ.\nقوله: «هُمْ أَشَدُّ النَّاسِ قِتَالًا فِي الْمَلَاحِمِ»، يعني: الالتحام والقتال، وهم أشد الأمة على الدجال- كما في الحديث السابق-؛ لأن قتال الدجال داخل في الملاحم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٦٣٦٥)، وأبو داود (٣٩٣١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٣٠٧).","vol":"7","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1176>بَابُ خِيَارِ النَّاسِ</span>.\n\n[٢٥٢٦] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ، فَخِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، إِذَا فَقِهُوا، وَتَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَكْرَهُهُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، وَتَجِدُونَ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ».\n[خ: ٣٤٩٣]\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ»، بِمِثْلِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي زُرْعَةَ، وَالْأَعْرَجِ: «تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً حَتَّى يَقَعَ فِيهِ».\nقوله: «فَقِهُوا» - بكسر القاف وضمها-، أي: صاروا فقهاءَ وعلماءَ.\nوقوله: «تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ»، يعني: أصولًا، «فَخِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، إِذَا فَقِهُوا»، يعني: إذا كانوا فقهاء وعلماء، والتفضيل في الإسلام إنما هو بالفقه والعلم والتقوى وفعل الخيرات، لكن إذا كان النسب شريفًا، ثم صار بعد الإسلام عالمًا فاضلًا ازداد شرفًا إلى شرفه؛ ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» (^١)، فمن أخَّره عمله- بأن كان عمله الصالح قليلًا، أو كان عملُه سيئًا- فإن نَسَبَه لا يسرع به،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٩٩).","vol":"7","page":239},{"text":"ولا يلحقه بأهل الفضل، ولو كان من أولاد الأنبياء ﵈ فضلًا عن غيرهم.\nوقوله: «وَتَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَكْرَهُهُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ»، يعني: أكرههم للإسلام قبل أن يدخل فيه، ثم بعد ذلك إذا هداه الله للإسلام أخلص وصدق مع الله مثلما حصل لعمر بن الخطاب ﵁، فقد كان في الجاهلية شديد الكراهية للإسلام، وكخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وجماعة من الصحابة ﵃، فهؤلاء كانوا كارهين الإسلام كرهًا شديدًا، ثم لما هداهم الله تعالى ودخلوا في الإسلام أخلصوا لله وأحبوا دينه وجاهدوا فيه.\nوقيل: المراد: أكرههم لهذا الأمر، يعني: الولاية والإمارة، فالذي يكون كارهًا لها، ثم يُوَلَّاها ويُلزم بها يُعان عليها، فيكون أقربَ لأداء الحقوق، أما الذي يطلبها ولا يبالي بها فإنه في الغالب يكون متساهلًا في حقوقها، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الآخر: «إِنَّا وَاللهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ» (^١)، والأقرب أن المراد بالأمر في هذا الحديث: الولاية، والله أعلم.\nوقوله: «وَتَجِدُونَ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ»، وسبب كون هذا الصنف من الناس من شرارهم ظاهر؛ لما في ذلك من النفاق والخداع، حيث يُظهر لكل طائفة خلاف ما يبطن.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١٤٩)، ومسلم (١٧٣٣).","vol":"7","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1177>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ</span>.\n\n[٢٥٢٧] حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح، وَعَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ»، قَالَ أَحَدُهُمَا: «صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ»، وقَالَ الْآخَرُ: «نِسَاءُ قُرَيْشٍ»، «أَحْنَاهُ عَلَى يَتِيمٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ».\n[خ: ٣٤٣٤]\nحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، وَابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «أَرْعَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ»، وَلَمْ يَقُلْ: «يَتِيمٍ».\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «نِسَاءُ قُرَيْشٍ خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ، أَحْنَاهُ عَلَى طِفْلٍ وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ» قَالَ: يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ: وَلَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بَعِيرًا قَطُّ.\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ وَلِي عِيَالٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ»، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ».\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وقَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى","vol":"7","page":241},{"text":"وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ».\nحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الْأَوْدِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ مَخْلَدٍ- حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ- وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ- حَدَّثَنِي سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَعْمَرٍ، هَذَا سَوَاءً.\nفي هذه الأحاديث: منقبة ظاهرة لنساء قريش.\nوفيها: فضلُ من اتصفت بهذه الصفات، ولو كانت من غير نساء قريش؛ لأن الحكم إذا كان معلَّلًا بعلة تعدَّى إلى غيره ممن وُجدت فيه تلك العلة، فالمرأة التي تحنو على الصغير وتُربِّيه، وترعى زوجها وتحفظه في نفسها وماله فقد حصلت لها الخيرية المذكورة في هذا الحديث.\nوقوله: «أَحْنَاهُ»: من الحُنُوِّ، وهو: العطف والإشفاق.\nوقول أبي هريرة ﵁: «وَلَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بَعِيرًا قَطُّ»: يريد أن هذا الفضل لا يشمل مريم بنت عمران، ولا آسية بنت مزاحم؛ لأنهما لم تركبا الإبل؛ إذ إن ركوبها خاص بالعرب وأهل البوادي والقرى؛ ولهذا فإنهما لا تدخلان في هذا الحديث، كما جاء في الحديث الذي سبق شرحه في باب: فَضَائِل خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: «كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» (^١)، فتكون آسية ومريم فاضلتين، ثم يليهما نساء قريش، قال النووي ﵀: «والمقصود: أن نساء قريش خير نساء العرب، وقد علم أن العرب خير من غيرهم في الجملة، وأما الأفراد فيدخل بها الخصوص» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤١١)، ومسلم (٢٤٣١).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ٨٠).","vol":"7","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1178>بَابُ مُؤَاخَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ ﵃</span>.\n\n[٢٥٢٨] حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ سَلَمَةَ- عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ آخَى بَيْنَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَبَيْنَ أَبِي طَلْحَةَ.\n\n[٢٥٢٩] حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ قَالَ: قِيلَ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: بَلَغَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ»، فَقَالَ أَنَسٌ: قَدْ حَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ فِي دَارِهِ.\n[خ: ٢٢٩٤]\nفي هذا الحديث: أنه في أول الهجرة آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار ﵃، فآخى بين أبي عبيدة وبين أبي طلحة ﵄، وآخى بين عبد الرحمن بن عوف وبين سعد بن الربيع الأنصاري ﵄، وكانوا في أول الهجرة يتوارثون بالمؤاخاة، ثم بعد ذلك نسخ الله هذا النوع من التوارث، وأنزل تعالى قوله: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، فصار التوارث محصورًا في القرابة والنسب.\nوقوله: «لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ»، يعني: لا حاجة إلى التحالف بعد ما جاء الإسلام؛ لأن الإسلام فيه الحث على التعاون والتناصر والبر والتقوى، وفي الحديث: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: «تَحْجُزُهُ، أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» (^١)، فنصر الظالم منعه من الظلم، لا كما كان يفعل أهل الجاهلية الذين لم يكونوا يبالون إلا بنصرة أخيهم إذا ندبهم لِما أَلَمَّ به\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٩٥٢).","vol":"7","page":243},{"text":"ولو كان ظالِمًا، وفي ذلك يقول قائلهم:\nلَا يَسْأَلُونَ أَخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُم ... فِي النَّائِبَاتُ عَلَى مَا قَالَ بُرْهَانَا (^١)\nوقيل: معنى: لا تحالف في الإسلام، أي: لا توارث بالحلف، وأما التعاون والتحالف على البر والتقوى ونصر المظلوم فهذا باق ولم ينسخ، بل زاده الإسلام قوة وتأكيدًا.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: حَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ، وَالْأَنْصَارِ فِي دَارِهِ الَّتِي بِالْمَدِينَةِ.\n\n[٢٥٣٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ زَكَرِيَّاءَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً».\nفي هذا الحديث: أن أي حلف مبني على التعاون والتناصر والبر والتقوى وعلى نصرة المظلوم فالإسلام لا يزيده إلا قوة وشدة، فالإسلام يدعو إلى هذه الخصال ويأمر بها، قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾.\n_________\n(^١) شرح ديوان الحماسة، للتبريزي (١/ ٥).","vol":"7","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1179>بَابُ بَيَانِ أَنَّ بَقَاءَ النَّبِيِّ ﷺ أَمَانٌ لِأَصْحَابِهِ، وَبَقَاءَ أَصْحَابِهِ أَمَانٌ لِلْأُمَّةِ</span>.\n\n[٢٥٣١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ حُسَيْنٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ مُجَمَّعِ بْنِ يَحْيَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ قَالَ: فَجَلَسْنَا فَخَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: «مَا زِلْتُمْ هَا هُنَا؟»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ ثُمَّ قُلْنَا نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ الْعِشَاءَ قَالَ: «أَحْسَنْتُمْ أَوْ أَصَبْتُمْ» قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ».\nقوله: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ»، «وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي»، «وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي»: الأَمَنَة: بمعنى الأمان، فالنجوم أمان للسماء من الفساد، فإذا كانت النجوم باقيةً فالسماء باقية، لكن إذا انكدرت السماء انكدرت النجوم وزالت السماء وانفطرت وانشقت وقامت القيامة، وهذا في آخر الزمان حينما تقبض أرواح المؤمنين والمؤمنات ويزول من الأرض التوحيد والإيمان.\nوكذلك فالنبي ﷺ أَمَنَة لأصحابه ﵃، فإذا ذهب أتى أصحابَه ما يوعدون من الاختلاف والافتراق، وما حصل من الردة بعد وفاة النبي ﷺ لطوائف من العرب.","vol":"7","page":245},{"text":"وكذلك فالصحابة ﵃ أمنة للأمة، فإذا ذهب الصحابة أتى الأمةَ ما يوعدون؛ لأن الصحابة ﵃ صحبوا النبي ﷺ وشهدوا التنزيل، وسمعوا كلامه، وفهموا مقاصده ﵊، وعلموا تفسير القرآن، فهم أمنة للأمة، فإذا ذهبوا أتى الأمةَ ما توعد من الاختلاف والافتراق والفتن والبدع وظهور قرن الشيطان إلى غير ذلك مما حصل.\nوفي هذا الحديث: معجزة للنبي ﷺ وعَلَمٌ من أعلام النبوة حيث وقع ما أخبر به.","vol":"7","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1180>بَابُ فَضْلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ</span>.\n\n[٢٥٣٢] حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرًا يُخْبِرُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ».\n[خ: ٢٨٩٧]\nفي هذا الحديث: بيان فضل القرون الثلاثة الأُولى، وهو مطابق في المعنى للحديث الآتي، وهو قوله ﷺ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ».\nوقوله: «يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ»، يعني: جماعة من الناس، فيقال لهم- يعني: من قبل المحاصَرين الذين حاصروهم-: «فِيكُمْ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ»، وذلك كرامة من الله تعالى لنبيه ﷺ وصحابته ﵃، «ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ»، وهم التابعون، «فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ»: كرامة من الله لنبيه ﷺ ولصحابته ﵃، وللتابعين، «ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟»: وهم من تابعي التابعين، «فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ»: كرامة من الله لنبيه ﷺ ولصحابة ﵃، وللتابعين، ولأتباع التابعين.","vol":"7","page":247},{"text":"حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: زَعَمَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُبْعَثُ مِنْهُمُ الْبَعْثُ، فَيَقُولُونَ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيكُمْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ، ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّانِي، فَيَقُولُونَ: هَلْ فِيهِمْ مَنْ رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ، ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّالِثُ، فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ؟ ثُمَّ يَكُونُ الْبَعْثُ الرَّابِعُ، فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ أَحَدًا رَأَى مَنْ رَأَى أَحَدًا رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ».\nقوله: «يُبْعَثُ مِنْهُمُ البَعْثُ، فَيَقُولُونَ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيكُمْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ»: البعث: الجيش، يعني: بسبب وجود الرجل من أصحاب النبي ﷺ بينهم يفتح لهم كرامةً من الله تعالى له، وهذا فيه: فضل الصحابة ﵃.\nوقوله: «ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّانِي، فَيَقُولُونَ: هَلْ فِيهِمْ مَنْ رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ»، يعني: بسبب وجوده بينهم، وهو التابعي، فإذا وجد التابعي الذي رأى الصحابي فتح لهم بسببه كرامة من الله تعالى.\nوقوله: «ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّالِثُ، فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ؟ ثُمَّ يَكُونُ الْبَعْثُ الرَّابِعُ»: وهم أتباع أتباع التابعين، فيفتح لهم بسببهم كرامة من الله تعالى.\nوقوله: «فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ أَحَدًا رَأَى مَنْ رَأَى أَحَدًا رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ»، وهم أتباع أتباع أتباع التابعين، وهم القرن الرابع، فيفتح لهم بسببهم كرامة من الله تعالى ..","vol":"7","page":248},{"text":"وفي هذا الحديث: دليل على أن القرون المفضلة أربعة لا ثلاثة، كما في الحديث السابق واللاحق، وعلى هذا فيشمل أتباع أتباع التابعين، ومنهم: الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة؛ لأنهم عاشوا في القرن الثاني وأول القرن الثالث، وعلى هذا يكون الفضل شاملًا للصحابة والتابعين وأتباع التابعين وأتباع أتباع التابعين.\n\n[٢٥٣٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ يَلُونِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ».\nلَمْ يَذْكُرْ هَنَّادٌ: الْقَرْنَ، فِي حَدِيثِهِ، وقَالَ قُتَيْبَةُ: ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ.\n[خ: ٢٦٥٢]\nفي هذا الحديث: أن القرون المفضلة ثلاثة؛ لقوله ﷺ: «خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ يَلُونِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ».\nوفيه: الذم لمن هذه أوصافه: «ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ»، فهم أقوام مذمومون، لا يبالي أحدهم في الشهادة واليمين؛ لضعف إيمانه وقلة دينه، بخلاف الورِع؛ فإنه يتورع عن الشهادة حتى تطلب منه، ويتورع عن الحلف، ولا يبادر إليه إلا عند الحاجة.","vol":"7","page":249},{"text":"حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَبْدُرُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَتَبْدُرُ يَمِينُهُ شَهَادَتَهُ».\nقَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانُوا يَنْهَوْنَنَا وَنَحْنُ غِلْمَانٌ عَنِ الْعَهْدِ وَالشَّهَادَاتِ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، بِإِسْنَادِ أَبِي الْأَحْوَصِ، وَجَرِيرٍ، بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nوَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ السَّمَّانُ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»، فَلَا أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ، أَوْ فِي الرَّابِعَةِ قَالَ: «ثُمَّ يَتَخَلَّفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ».\nفي هذا الحديث: شك من عبد الله ﵁، يقول: هل هي اثنان، أو ثلاثة، وغيره لم يشك كعمران بن حصين ﵁.\nوحديث فضل القرون الثلاثة رواه عدد من الصحابة، منهم: أبو سعيد الخدري، وعمران بن حصين، وعبد الله بن مسعود، وعائشة، وجماعة ﵃.\nوقوله: «ثُمَّ يَتَخَلَّفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ»: يعارضه ما جاء في الحديث الآخر من قوله ﷺ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟","vol":"7","page":250},{"text":"الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا» (^١)، وقد اختلف العلماء في الجمع بينهما، وأصح ما قيل في الجمع بينهما: أن حديث: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا»: محمول على ما إذا لم يعلم صاحب الشهادة بأن عنده الشهادة، فيأتيه ويخبره بالشهادة التي عنده، وأما الذم الوارد في قوله ﷺ: «تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ» فمحمول على ما إذا بادر بها وصاحبها يعلم أنها عنده، ولكن يبادر بها لضعف إيمانه وقلة يقينه.\nوقال بعضهم: إن الذم إنما هو في شهادة الزور، والأرجح: الأول.\n\n[٢٥٣٤] حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ. ح، وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لَا قَالَ: «ثُمَّ يَخْلُفُ قَوْمٌ يُحِبُّونَ السَّمَانَةَ يَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا».\nقوله: «يُحِبُّونَ السَّمَانَةَ»: هي السِّمَن، وفي اللفظ الآخر: «وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ»: المراد: أنه يستدعي السمن، ويتسبب فيه بالإقبال على الشهوات، والإكثار من المآكل والمشارب، لا أن السِّمَنَ خِلقة له؛ لأن هذا صاحبه غير مذموم، وليس كل سمين مذمومًا، فالصحابة كان منهم السمين، وكان عثمان ﵁ رجلًا ضخمًا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧١٩).","vol":"7","page":251},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي بِشْرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَلَا أَدْرِي مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً.\n\n[٢٥٣٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ غُنْدَرٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا جَمْرَةَ، حَدَّثَنِي زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ، سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»، قَالَ عِمْرَانُ: فَلَا أَدْرِي أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، «ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ».\n[خ: ٢٦٥١]\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمْ قَالَ: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، وَفِي حَدِيثِ شَبَابَةَ قَالَ: سَمِعْتُ زَهْدَمَ بْنَ مُضَرِّبٍ، وَجَاءَنِي فِي حَاجَةٍ عَلَى فَرَسٍ، فَحَدَّثَنِي أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، وَفِي حَدِيثِ يَحْيَى، وَشَبَابَةَ: يَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَفِي حَدِيثِ بَهْزٍ: يُوفُونَ كَمَا قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ: «خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»، زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ قَالَ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لَا بِمِثْلِ حَدِيثِ زَهْدَمٍ عَنْ عِمْرَانَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ","vol":"7","page":252},{"text":"عَنْ قَتَادَةَ: وَيَحْلِفُونَ وَلَا يُسْتَحْلَفُونَ.\n\n[٢٥٣٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَشُجَاعُ بْنُ مَخْلَدٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ- وَهُوَ ابْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ- عَنْ زَائِدَةَ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْبَهِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِ، ثُمَّ الثَّانِي، ثُمَّ الثَّالِثُ».\nفي هذه الأحاديث: ذم أصحاب هذه الصفات، فهم «قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ»: بسبب إقبالهم على المآكل والمشارب وغفلتهم عن الآخرة، فتركبهم الشحوم.\nوفيها: الحث على الوفاء بالنذر، والحث على الأمانة، والحث على التثبت في الشهادة، وألا يأتي بها حتى يُسألها.","vol":"7","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1181>بَابُ قَوْلِهِ ﷺ: لَا تَأْتِي مِائَةُ سَنَةٍ وَعَلَى الْأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ</span>.\n\n[٢٥٣٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وقَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ»، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَهَلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ فِيمَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ»، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْخَرِمَ ذَلِكَ الْقَرْنُ.\n[خ: ١١٦]\nحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، وَرَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِإِسْنَادِ مَعْمَرٍ كَمِثْلِ حَدِيثِهِ.\n\n[٢٥٣٨] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ: «تَسْأَلُونِي عَنِ السَّاعَةِ، وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ».\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ.\nحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ","vol":"7","page":254},{"text":"عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ الْيَوْمَ تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ».\nوَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاحِبِ السِّقَايَةِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَفَسَّرَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: نَقْصُ الْعُمُرِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا مِثْلَهُ.\n\n[٢٥٣٩] حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ عَنْ دَاوُدَ- وَاللَّفْظُ لَهُ-.ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ عَنْ دَاوُدَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ تَبُوكَ، سَأَلُوهُ عَنِ السَّاعَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَأْتِي مِائَةُ سَنَةٍ وَعَلَى الْأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ».\n\n[٢٥٣٨] حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ تَبْلُغُ مِائَةَ سَنَةٍ».\nفَقَالَ سَالِمٌ: تَذَاكَرْنَا ذَلِكَ عِنْدَهُ، إِنَّمَا هِيَ كُلُّ نَفْسٍ مَخْلُوقَةٍ يَوْمَئِذٍ.\nقوله: «نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ»، يعني: مخلوقة، يعني: فيها نفس وفيها روح، أما الأموات فإنهم باقون في قبورهم.\nوقوله ﵊: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ»: هذا من علم الغيب الذي أطلع الله ﷾ عليه نبيه ﷺ، أخبره بأنه بعد مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض أحد ممن هو عليها الآن، وكان هذا قبل وفاة النبي ﷺ بشهر، كما في هذا الحديث، وأما الذين وُلدوا بعد تلك الليلة فيبقون بعد مائة سنة، وليسوا داخلين في مقالة النبي ﷺ تلك الليلة، هذا هو المراد بهذا الحديث، وأما تفسير بعضهم له بأنه نقص العمر فليس بظاهر.","vol":"7","page":255},{"text":"وفي هذا الحديث: دليل لمن ذهب من أهل العلم إلى أن الخضر ﵇ ميت، وأنه غير باقٍ، وذهب آخرون منهم إلى أنه حي، وأنه من المعمِّرين، قال النووي ﵀: «وقد احتج بهذه الأحاديث من شذ من المحدثين فقال: الخضر ﵇ ميت، والجمهور على حياته، كما سبق في باب فضائله، ويتأولون هذه الأحاديث على أنه كان على البحر لا على الأرض، أو أنها عام مخصوص» (^١)، وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ القولين (^٢).\nوالصواب: أن الخضر ميت؛ لأمرين:\nالأمر الأول: أنه لو كان حيًّا لجاء إلى النبي ﷺ وآمن به، ولا يمكن أن يبقى عبد صالح، أو نبي ولا يأتي إلى النبي ﷺ، ويؤمن به ويتبعه، قال تعالى: ﴿وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾.\nالأمر الثاني: أنه لو سُلم أنه كان باقيًا فإنه يشمله هذا الحديث، فيموت بعد مائة سنة ولا يبقى بعدها، ولا يعتبر هذا شذوذًا، كما قال النووي ﵀.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ٩٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٤/ ٣٣٨)، (٢٧/ ١٠٠).","vol":"7","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1182>بَابُ تَحْرِيمِ سَبِّ الصَّحَابَةَ ﵃</span>.\n\n[٢٥٤٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ».\n\n[٢٥٤١] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَيْءٌ، فَسَبَّهُ خَالِدٌ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ».\n[خ: ٣٦٧٣]\nحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ وَوَكِيعٍ ذِكْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ.\nفي هذه الأحاديث: فضل الصحابة ﵃ على من عاداهم، فقد قال النبي ﷺ في حقهم: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»: النصيفُ: لغةٌ في النصف، والمعنى: أنه لو أنفق أحد من الصحابة مدًّا، وهو ملء كفي الرجل المتوسط، أو نصف المد صدقة لله تعالى، وأنفق غيرهم مثل أحد","vol":"7","page":257},{"text":"ذهبًا لكان ثواب الصحابي الذي أنفق المد ونصف المد أكثر من ثواب من أنفق مثل أحد ذهبًا.\nوجاء أن النبي ﷺ قال هذا لخالد بن الوليد ﵁ لما حصل بينه وبين عبد الرحمن بن عوف ﵁ خلاف، وكان عبد الرحمن بن عوف ﵁ من السابقين الأولين الذين أسلموا قبل صلح الحديبية، وأما خالد بن الوليد ﵁ فتأخر إسلامه، حيث أسلم بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة، فالنبي ﷺ خاطب خالدًا ﵁ بهذا الحديث، فإذا كان هذا التفاوت بين الصحابة ﵃ أنفسهم فكيف بمن بعد الصحابة؟ !\nوهناك- أيضًا- من الصحابة ﵃ طبقة ثالثة، وهم الذين أسلموا بعد فتح مكة، ومنهم: أبو سفيان، وابناه: يزيد، ومعاوية ﵃، ويقال لهم: الطُّلَقَاء.\nوفيه: أن سب الصحابة ﵃ طعنًا في دينهم كفر بواح، وأما سبهم بسبب الغيظ والغضب فهو من الكبائر؛ لعظم منزلة الصحابة رضوان الله عليهم، ولأنهم نقلوا الدين ونقلوا الشريعة، ولأن الله زكاهم وعدَّلهم.\nوهل يقتل سابُّ الصحابة، أو يعزر؟ قولان لأهل العلم.","vol":"7","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1183>بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُوَيْسٍ الْقَرْنِيِّ ﵁</span>.\n\n[٢٥٤٢] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ: أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَفَدُوا إِلَى عُمَرَ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَسْخَرُ بِأُوَيْسٍ، فَقَالَ عُمَرُ: هَلْ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنَ الْقَرَنِيِّينَ؟ فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَالَ: «إِنَّ رَجُلًا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَنِ، يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، لَا يَدَعُ بِالْيَمَنِ غَيْرَ أُمٍّ لَهُ، قَدْ كَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَدَعَا اللَّهَ فَأَذْهَبَهُ عَنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ الدِّينَارِ أَوِ الدِّرْهَمِ، فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ».\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ- عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ، وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ.\nقوله: «فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ»، يعني: إن استطعت أن تطلب منه أن يستغفر لك، أي: أن يسأل الله أن يغفر لك؛ لأنه لا بأس بطلب الاستغفار من الفاضل، وشيخ الإسلام ﵀ كان يرى أنه يكره للإنسان أن يأتي آخر ويقول له: ادع الله لي، أو استغفر لي، ويقول: هذا مكروه إلا إذا نوى أن الملك يستغفر له؛ لأنه جاء في الحديث: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ» (^١) فإذا نوى هذه النية زالت الكراهة (^٢).\nوفي هذا الحديث: دليل على استغفار المفضول للفاضل.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٣٢).\n(^٢) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، لابن تيمية (١/ ٧٥).","vol":"7","page":259},{"text":"وفيه: أن أويسًا خير التابعين، قال النووي ﵀: «قوله ﷺ إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ إلى آخره هذا صريح في أنه خير التابعين، وقد يقال: قد قال أحمد بن حنبل وغيره أفضل التابعين سعيد بن المسيب، والجواب: أن مرادهم: أن سعيدًا أفضل في العلوم الشرعية كالتفسير والحديث والفقه ونحوها، لا في الخير عند الله تعالى وفي هذه اللفظة معجزة ظاهرة- أيضًا» (^١)\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ٩٥).","vol":"7","page":260},{"text":"حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- حَدَّثَنَا مُعَاذُ ابْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ سَأَلَهُمْ، أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ، فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَن؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ، فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَال: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ، فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ، فَافْعَلْ»، فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةَ قَالَ: أَلَا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ قَالَ: أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَوَافَقَ عُمَرَ فَسَأَلَهُ عَنْ أُوَيْسٍ قَالَ: تَرَكْتُهُ رَثَّ الْبَيْتِ قَلِيلَ الْمَتَاعِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ\nمِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ»، فَأَتَى أُوَيْسًا، فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ، فَاسْتَغْفِرْ لِي قَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ فَاسْتَغْفِرْ لِي قَالَ: لَقِيتَ عُمَرَ قَالَ: نَعَمْ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ، فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ، قَالَ أُسَيْرٌ: وَكَسَوْتُهُ بُرْدَةً، فَكَانَ كُلَّمَا رَآهُ إِنْسَانٌ قَالَ: مِنْ أَيْنَ لِأُوَيْسٍ هَذِهِ الْبُرْدَةُ؟\nقوله: «أكونُ في غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إليَّ»، يعني: يكون وسطهم، وفي","vol":"7","page":261},{"text":"صعاليكهم وأخلاطهم الذين لا يؤبه لهم، فهو لا يريد الشهرة، وإنما يريد أن يختلط بالناس ويكون في غبرائهم حتى لا يعرف.\nوقوله: «فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ، فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ»، أي: فانصرف عنهم حتى لا يشقوا عليه ويؤذوه.\nوقوله: «وَكَسَوْتُهُ بُرْدَةً، فَكَانَ كُلَّمَا رَآهُ إِنْسَانٌ قَالَ: مِنْ أَيْنَ لِأُوَيْسٍ هَذِهِ الْبُرْدَةُ»: بردة، يعني: قميصًا، أو قماشًا مخططًا، فكان كل ما رآه أحد قال: من أين هذا لأويس؟ ! لأنه كان فقيرًا رثَّ الثياب.","vol":"7","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1184>بَابُ وَصِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَهْلِ مِصْرَ</span>.\n\n[٢٥٤٣] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَرْمَلَةُ. ح، وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ- وَهُوَ ابْنُ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا».\nقَالَ: فَمَرَّ بِرَبِيعَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنَيْ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ يَتَنَازَعَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ، فَخَرَجَ مِنْهَا.\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ الْمِصْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ عَنْ أَبِي بَصْرَةَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا، أَوَ قَالَ ذِمَّةً وَصِهْرًا، فَإِذَا رَأَيْتَ رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فِيهَا فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ، فَاخْرُجْ مِنْهَا».\nقَالَ: فَرَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ، وَأَخَاهُ رَبِيعَةَ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَخَرَجْتُ مِنْهَا.\nقوله: «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ»: هي أرض مصر.\nوفي هذا الحديث: علم من أعلام النبوة، حيث أخبر النبي ﷺ أن مصر ستفتح، وقد فُتحت، وهي الأرض التي يذكر فيها القيراط، والقيراط جزء من الدينار، أو الدرهم، وكان يتعامل به أهل مصر في ذلك الوقت.","vol":"7","page":263},{"text":"وفيه: أن النبي ﷺ أمر بالوصية بأهل مصر خيرًا، فقال: «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا»: ذمة، يعني: حرمةً وحقًّا، وهو بمعنى الذمام، وفي اللفظ الآخر: «إِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَصِهرًا» (^١) أما الرحم فلأن أم إسماعيل ﵇- وهي هاجر- من أهل مصر، والصهر: لأن مارية القبطية أم إبراهيم ابن النبي ﷺ من أهل مصر- أيضًا.\nفلهذا أمر النبي ﷺ بمراعاة الحرمة والحق الذي لأهل مصر، وأمر بالوصية بهم خيرًا.\nوفيه: علم- أيضًا- من أعلام النبوة، حيث أخبر أن المؤمنين سيكون لهم قوة وقدرة يقهرون بها العجم.\nوفيه: أمره بالخروج إذا رأى أحد رجلين يقتتلان على لبنة، ويتنازعان فيها، فيدعي كل منهما أنها من حقه، وإنما أمر بالخروج إذا رأى ذلك؛ لأنه دليل على شدة إقبال أهلها على الدنيا وغلوهم فيها.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٤٣).","vol":"7","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1185>بَابُ فَضْلِ أَهْلِ عُمَانَ</span>.\n\n[٢٥٤٤] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ عَنْ أَبِي الْوَازِعِ جَابِرِ بْنِ عَمْرٍو الرَّاسِبِيِّ، سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَسَبُّوهُ وَضَرَبُوهُ، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ أَنَّ أَهْلَ عُمَانَ أَتَيْتَ مَا سَبُّوكَ وَلَا ضَرَبُوكَ».\nجاء عن الرواة في ضبط عمان وجهان:\nأحدها: بضم العين وتخفيف الميم، البلد الواقع جنوب المملكة العربية السعودية.\nالثاني: بفتح العين وتشديد الميم، وهي بالأردن والمشهور الأول، بل قال الحافظ ابن حجر ﵀ عن عَمَّان - بالوجه الثاني -: «وليست مرادة قطعا».\nقوله: «لَوْ أَنَّ أَهْلَ عُمَانَ أَتَيْتَ مَا سَبُّوكَ وَلَا ضَرَبُوكَ»: فيه: منقبة لأهل عمان، أنهم يحسنون المعاملة، قال بعض العلماء: كان اهل عُمان أسرع الناس قبولا للخير (^١).\n_________\n(^١) كشف المشكل من حديث الصحيحين، للقرطبي (٢/ ٢٩٥).","vol":"7","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1186>بَابُ ذِكْرِ كَذَّابِ ثَقِيفٍ وَمُبِيرِهَا</span>.\n\n[٢٥٤٥] حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيَّ- أَخْبَرَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ عَنْ أَبِي نَوْفَلٍ، رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى عَقَبَةِ الْمَدِينَةِ قَالَ: فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ تَمُرُّ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنْ كُنْتَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولًا لِلرَّحِمِ، أَمَا وَاللَّهِ لَأُمَّةٌ أَنْتَ أَشَرُّهَا لَأُمَّةٌ خَيْرٌ، ثُمَّ نَفَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ مَوْقِفُ عَبْدِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَأُنْزِلَ عَنْ جِذْعِهِ، فَأُلْقِيَ فِي قُبُورِ الْيَهُودِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَبَتْ أَنْ تَأْتِيَهُ فَأَعَادَ عَلَيْهَا الرَّسُولَ لَتَأْتِيَنِّي أَوْ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ مَنْ يَسْحَبُكِ بِقُرُونِكِ قَالَ: فَأَبَتْ، وَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَا آتِيكَ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُنِي بِقُرُونِي قَالَ: فَقَالَ: أَرُونِي سِبْتَيَّ، فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِنِي صَنَعْتُ بِعَدُوِّ اللَّهِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ، وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ لَهُ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، أَنَا- وَاللَّهِ- ذَاتُ\nالنِّطَاقَيْنِ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَطَعَامَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الدَّوَابِّ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ، أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنَا: «أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا، وَمُبِيرًا»، فَأَمَّا الْكَذَّابُ: فَرَأَيْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ: فَلَا إِخَالُكَ إِلَّا إِيَّاهُ قَالَ: فَقَامَ عَنْهَا، وَلَمْ يُرَاجِعْهَا.","vol":"7","page":266},{"text":"في هذا الحديث: قصة قتل عبد الله بن الزبير ﵁ وصلبه، وذلك أنه لما تولى الإمارة، وبايعه أهل الحجاز، وأهل الشام، ولم يبق إلا بعض بني أمية، فخرج عليه عبد الملك بن مروان، ودعا لنفسه بالخلافة، وأخذ الشام، وأخذ العراق، وولَّى الحجاج بن يوسف إمرة العراق، ثم أوكل إليه مهمة قتال عبد الله بن الزبير، وكان عبد الله ﵁ في مكة وهي عاصمة خلافته، فطلب الحجاج أمير العراق من عبد الملك بن مروان أن يرسل الجيوش إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير ﵁، وكان ذلك، فحصل بينه وبين عبد الله بن الزبير ﵁ قتال، وفي النهاية انتصر الحجاج، فقتل عبد الله بن الزبير ﵁ وهو صحابي جليل، وصلبه على خشبه على جذع، كما في هذا الحديث، ورمى الكعبة بالمنجنيق، فهدمها، وقد كان عبد الله بن الزبير ﵁ بناها على قواعد إبراهيم ﵇؛ عملًا بقول النبي ﷺ لعائشة ﵂: «يَا عَائِشَةُ لَوْلا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ- قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ- بِكُفْرٍ، لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخْرُجُونَ، فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ» (^١).\nفرأى عبد الله بن الزبير ﵄ أن الإسلام قد استقر، وما خشيه النبي ﷺ قد زال، فأدخل الحِجر في الكعبة، وفتح بابًا غربيًّا، وأنزل الباب الشرقي وكان مرتفعًا، فصار الناس يدخلون من باب ويخرجون من باب، وصارت الكعبة مبنية على قواعد إبراهيم، لكن الحجاج بن يوسف لما رمى الكعبة بالمنجنيق هدمها، ثم أعاد بناءها على ما كانت عليه في الجاهلية، وأخرج الحِجر، وسد الباب الغربي، ورفع الباب الشرقي.\nوفيه: أن الحجاج لما قتل عبد الله بن الزبير ﵁ صلبه على جذع، فمر به عبد الله بن عمر ﵄، وهو مصلوب، فجعل يقول: «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ- ثلاث مرات»، وفيه:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٦).","vol":"7","page":267},{"text":"مشروعية السلام على الميت، وفيه: تكرار السلام علية ثلاثًا.\nوقوله: «أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا»، يعني: عن المنازعة الطويلة للحجاج ولعبد الملك بن مروان؛ خوفًا من أن تصل الحال إلى ما وصلت إليه.\nوقوله: «أَمَا وَاللَّهِ إِنْ كُنْتَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولًا لِلرَّحِمِ»، فيه: دليل على أن عبد الله بن الزبير كان كريمًا، على عكس ما يظنه بعض الناس ويصفونه بالشح، وهذا باطل.\nوفيه: بيان مناقب عبد الله بن الزبير ﵁.\nوفيه: شجاعة عبد الله بن عمر ﵄، فلم يبالِ بالحجاج وكان ظلومًا غشومًا، فأظهر مناقب عبد الله بن الزبير وأثنى عليه، وقد كان الحجاج يشيع في الناس أن عبد الله بن الزبير ﵁ عدو الله وأنه ظالم، فأشاع عبد الله ﵁ فضائله وأثنى عليه، وكانت نتيجة ذلك أن أمر الحجاج بإنزاله عن الجذع الذي كان مصلوبًا عليه.\nوفيه: أن عبد الله بن الزبير ﵁ قُتل مظلومًا، فهو أمير المؤمنين الذي بايعه الناس، وبايعه أهل الحل والعقد.\nوقوله: «فِي المَدِينَةِ»، أي: في مكة، سماها مدينة؛ لأنها مدينة عظيمة، وكل بلد كبير يسمى مدينة.\nوفيه: أنه لما قتل الحجاج عبد الله بن الزبير ﵁ أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر ﵂ رسولًا يأمرها بإتيانه، فامتنعت عليه وأبت ذلك، وقالت: لا آتي، فأرسل إليها مرة أخرى وقال: لتأتين، أو لأرسلن من يسحبها بقرونها، يعني: بضفائر شعرها.\nوفيه: أن أسماء ﵂ قالت: «وَاللَّهِ لَا آتِيكَ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُنِي بِقُرُونِي»، فلما رأى الحجاج إصرارها على ذلك قال: أعطوني سِبتيَّ- يعني: نعليَّ- فلبس حذاءه، «ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ»، أي: يسرع «حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا»، وقد","vol":"7","page":268},{"text":"كان للصحابة رضوان الله عنهم هيبة حتى النساء منهم، فمع ظلم الحجاج وجوره فإنه لم يقدر أن يصنع شيئًا مع أسماء ﵂، فقال لها: كيف رأيتني فعلتُ بعدو الله؟ - يعني: ابنها عبد الله بن زبير- قالت: «رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ، وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ»، ثم قالت: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنَا: «أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا، وَمُبِيرًا، فَأَمَّا الْكَذَّابُ: فَرَأَيْنَاهُ» فهو مختار بن أبي عبيد الثقفي الذي ادعى النبوة، «وَأَمَّا الْمُبِيرُ: فَلَا إِخَالُكَ إِلَّا إِيَّاهُ»: تريد لكثرة قتله.\nوالمبير: المهلك. والبوار: الهلاك (^١)، فلما سمع هذا الحديث قام وتركها، ولم يفعل شيئًا.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٧/ ٥٨٩).","vol":"7","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1187>بَابُ فَضْلِ فَارِسَ</span>.\n\n[٢٥٤٦] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ جَعْفَرٍ الْجَزَرِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ كَانَ الدِّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَذَهَبَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ فَارِسَ، أَوَ قَالَ: مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنْ ثَوْرٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا قَرَأَ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾، قَالَ رَجُلٌ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَلَمْ يُرَاجِعْهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى سَأَلَهُ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا قَالَ: وَفِينَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ قَالَ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ، ثُمَّ قَالَ: «لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلَاءِ».\n[خ: ٤٨٩٧]\nفي هذا الحديث: منقبة لأهل فارس، وقد تحقق هذا الفضل لمن آمن مِنهم، كسلمان الفارسي ﵁، وقد عاش مائة وخمسين سنة، وكان يطلب هذا الدين ويسأل الرهبان، وكان يتنقل من شخص إلى شخص حتى جاء إلى المدينة وبِيعَ فيها ليهودي، ثم أُعتق.\nوأهل فارس هم أهل عمان، وأهل البحرين، وكانت تسمى كل هذه المنطقة: البحرين.","vol":"7","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1188>بَابُ قَوْلِهِ ﷺ: النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً</span>.\n\n[٢٥٤٧] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ- قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا يَجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَةً».\n[خ: ٦٤٩٨]\nقوله: «تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا يَجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَةً»: قد اختلف في معنى الحديث.\nوالصواب: أن معناه: أن المستقيم في دينه وخلقه قليل في الناس، كما أن الراحلة قليلة في الإبل، فما كل بعير يصلح أن يكون راحلة، بل لا بد أن يُروَّض ويُعوَّد على حمل الأثقال، وعلى الأسفار.\n* * *","vol":"7","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1189>كِتَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ</span>","vol":"7","page":273},{"text":"كِتَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-1190>بَاب بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَأَنَّهُمَا أَحَقُّ بِهِ</span>\n\n[٢٥٤٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفٍ الثَّقَفِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ».\nوَفِي حَدِيثِ قُتَيْبَةَ: مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي، وَلَمْ يَذْكُرِ النَّاسَ.\n[خ: ٢٥٤٨]\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: «أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ عُمَارَةَ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَزَادَ: فَقَالَ: «نَعَمْ- وَأَبِيكَ- لَتُنَبَّأَنَّ».\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ: مَنْ أَبَرُّ، وَفِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ: أَيُّ النَّاسِ أَحَقُّ مِنِّي بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ.","vol":"7","page":275},{"text":"قوله: «لَتُنَبَّأَنَّ»، أي: لتخبرن.\nوقوله: «نَعَمْ- وَأَبِيكَ- لَتُنَبَّأَنَّ»: هذا قسَم، والقَسَم بغير الله كان في أول الهجرة جائزًا، ثم نُسخ، قال النبي ﷺ: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ» (^١).\nمسألة: هل يدخل النسخ في العقائد؟\nوالجواب: نعم يدخل النسخ في العقائد؛ لأن الحلف بغير الله شرك أصغر.\nوقال النووي ﵀ في قوله: «نَعَمْ- وَأَبِيكَ- لَتُنَبَّأَنَّ»: إنه مما يجري على اللسان بغير قصد (^٢)، لكنه قول مرجوح.\nوفي هذه الأحاديث: وجوب البر والصلة، وأنه يجب على الإنسان أن يبر وأن يصل رحمه، وأعظم الرحم هما الأبوان: الأم والأب، ثم الأقرب فالأقرب.\nوفيها: فضل الأم، وأن حق الأم مقدم على حق الأب، وأن حق الأم يزيد ضعف حق الأب ثلاث مرات؛ لِما لها من العناية بالولد، ولِما تعانيه من الحمل، ثم الوضع، ثم الإرضاع، ثم التربية والعناية، وللأب حق التربية والأبوة، والنفقة على الولد وعلى أمه.\nوقال بعضهم: إن حق الأب أعظم.\nوالصواب: أن حق الأم أعظم، كما هو هنا في الحديث، وهي أحق الناس بحسن الصحبة.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٢٤٨)، والنسائي (٣٧٦٩).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٠٣).","vol":"7","page":276},{"text":"[٢٥٤٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبٍ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ- عَنْ سُفْيَانَ، وَشُعْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟»، قَالَ: نَعَمْ قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ».\n[خ: ٣٠٠٤]\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حَبِيبٍ، سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ، قَالَ مُسْلِم: أَبُو الْعَبَّاسِ اسْمُهُ: السَّائِبُ بْنُ فَرُّوخَ الْمَكِّيُّ.\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَرٍ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. ح، وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، جَمِيعًا عَنْ حَبِيبٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقوله: «اسْمُهُ: السَّائِبُ بْنُ فَرُّوخَ»: هو الشاعر الأعمى، كما في التقريب (^١).\n_________\n(^١) تقريب التهذيب، لابن حجر (ص ٢٢٨).","vol":"7","page":277},{"text":"حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ نَاعِمًا- مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ- حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ أَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنَ اللَّهِ قَالَ: «فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟»، قَالَ: نَعَمْ، بَلْ كِلَاهُمَا قَالَ: «فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنَ اللَّهِ؟»، قَالَ: نَعَمْ قَالَ: «فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا».\nفي هذين الحديثين: أن الجهاد في حق الرجلين المذكورين سنة مستحبة، أو فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، فيكون بر الوالدين في حقهما مقدمًا على الجهاد؛ لأن بر الوالدين فرض، والجهاد مستحب، أو فرض كفاية، أما إذا تعين الجهاد وصار فرض عين، فإنه في هذه الحالة لا يستأذن والديه.\nقال العلماء: والجهاد يكون فرض عين في ثلاث حالات:\nالحال الأولى: إذا وقف في صف القتال، فلا يجوز له أن يفر؛ لأنه إذا فر خذل إخوانه المسلمين، وهذا هو الفرار من الزحف، وهو من الكبائر.\nالحال الثانية: إذا استنفر الإمامُ الأمةَ.\nالحال الثالثة: فهي إذا هاجم العدو وداهم بلدًا من بلاد المسلمين، فيجب على أهل تلك البلد أن يقاتلوا كلهم، ولا يُستأذن الأبوان في الخروج، ثم إن لم تندفع صولة الكفار وجب الجهاد على البلد التي تليهم، ثم على التي تليهم، فإذا لم يندفع وجب على جميع المسلمين أن يردوهم حتى يندفع شرهم.","vol":"7","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1191>بَابُ تَقْدِيمِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى التَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا</span>\n\n[٢٥٥٠] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ جُرَيْجٌ يَتَعَبَّدُ فِي صَوْمَعَةٍ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ، قَالَ حُمَيْدٌ: فَوَصَفَ لَنَا أَبُو رَافِعٍ صِفَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ، لِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُمَّهُ حِينَ دَعَتْهُ كَيْفَ جَعَلَتْ كَفَّهَا فَوْقَ حَاجِبِهَا، ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَيْهِ تَدْعُوهُ، فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ: أَنَا أُمُّكَ كَلِّمْنِي، فَصَادَفَتْهُ يُصَلِّي، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ، فَرَجَعَتْ، ثُمَّ عَادَتْ فِي الثَّانِيَةِ، فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ: أَنَا أُمُّكَ فَكَلِّمْنِي قَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا جُرَيْجٌ وَهُوَ ابْنِي وَإِنِّي كَلَّمْتُهُ، فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي، اللَّهُمَّ فَلَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ قَالَ: وَلَوْ دَعَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتَنَ لَفُتِنَ قَالَ: وَكَانَ رَاعِي ضَأْنٍ يَأْوِي إِلَى دَيْرِهِ قَالَ: فَخَرَجَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْقَرْيَةِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا الرَّاعِي، فَحَمَلَتْ فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقِيلَ لَهَا: مَا هَذَا؟ قَالَتْ: مِنْ صَاحِبِ هَذَا الدَّيْرِ قَالَ: فَجَاءُوا بِفُؤُوسِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ فَنَادَوْهُ فَصَادَفُوهُ يُصَلِّي، فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ قَالَ: فَأَخَذُوا يَهْدِمُونَ دَيْرَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَزَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: سَلْ هَذِهِ قَالَ: فَتَبَسَّمَ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَ الصَّبِيِّ، فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: أَبِي رَاعِي الضَّأْنِ، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ، قَالُوا: نَبْنِي مَا هَدَمْنَا مِنْ دَيْرِكَ بِالذَّهَبِ\nوَالْفِضَّةِ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَعِيدُوهُ تُرَابًا كَمَا كَانَ، ثُمَّ عَلَاهُ.\n[خ: ٣٤٣٦]\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلًا عَابِدًا فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً، فَكَانَ فِيهَا فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا","vol":"7","page":279},{"text":"كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ، فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ قَالَ: فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ، قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ، وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنْكَ، فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى\nأُصَلِّيَ، فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ، وَقَالَ يَا غُلَامُ: مَنْ أَبُوكَ قَالَ: فُلَانٌ الرَّاعِي قَالَ: فَأَقْبَلُوا عَلَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، وَقَالُوا: نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ: لَا، أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ، فَفَعَلُوا، وَبَيْنَا صَبِيٌّ يَرْضَعُ مِنْ أُمِّهِ، فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ، فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذَا، فَتَرَكَ الثَّدْيَ وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهِ فَجَعَلَ يَرْتَضِعُ»، قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَحْكِي ارْتِضَاعَهُ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ فِي فَمِهِ، فَجَعَلَ يَمُصُّهَا قَالَ: «وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ: زَنَيْتِ، سَرَقْتِ وَهِيَ، تَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا، فَتَرَكَ الرَّضَاعَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا، فَهُنَاكَ تَرَاجَعَا الْحَدِيثَ، فَقَالَتْ: حَلْقَى، مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ، فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وَمَرُّوا بِهَذِهِ الْأَمَةِ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا، وَيَقُولُونَ: زَنَيْتِ، سَرَقْتِ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا، فَقُلْت: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا قَالَ: إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ","vol":"7","page":280},{"text":"جَبَّارًا، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وَإِنَّ هَذِهِ يَقُولُونَ لَهَا: زَنَيْتِ، وَلَمْ تَزْنِ،\nوَسَرَقْتِ، وَلَمْ تَسْرِقْ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا.\nفي هذين الحديثين: أن جُرَيْجًا هذا كان من عُبَّاد بني إسرائيل فيمن قبلنا، اتخذ ديرًا أو صومعة أو كنيسة، وهو المعبد الذي يتعبد فيه العابد من بني إسرائيل، ينعزل فيه عن الناس، ويترك الدنيا، ويصلي الليل والنهار، وإذا جاءه شيء من المال أنفقه.\nوفيهما: أن جريجًا كان يتعبد في صومعته، فجاءته أمه، ونادته ثلاث مرات، وفي كل مرة يقول: «اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي»، ثم يختار صلاته اجتهادًا منه، ظنًّا منه أن الصلاة مقدمة على إجابة والدته، وأن إجابته لوالدته قد تشغله عن العبادة، فلما فعل ذلك ثلاث مرات دعت عليه، وقالت: «اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ»، يعني: الزانيات، فاستجاب الله دعاءها.\nوفيهما: دليل على أن دعوة الوالدة مستجابة، حتى إن النبي ﷺ قال: «وَلَوْ دَعَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتَنَ لَفُتِنَ»، أي: لو دعت عليه أن يقع في الزنا لوقع، ولكنها دعت عليه أن لا يميته الله حتى ينظر إلى وجوه المومسات، وهذا أهون، وقد استجاب الله دعاءها فنظر إلى وجه هذه البغي.\nوفيهما: دليل على عظم حق الوالدين وخاصة الأم، وأنه ينبغي للإنسان أن لا يُلجئ والديه للدعاء عليه، وفيهما شاهد للحديث الآخر: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ» (^١).\nوفيهما: دليل على أن المصلي نفلًا إذا دعاه أحد الوالدين وجب عليه أن يجيبه ولو كان في الصلاة؛ لأن الاستمرار في الصلاة تطوع، وإجابة الأم أو الأب واجبة، وعقوقهما حرام، فإن كان في صلاة فرض فلا يجيبهما، بل\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٧٥١٠)، وأبو داود (١٥٣٦)، والترمذي (١٩٠٥)، وابن ماجه (٣٨٦٢).","vol":"7","page":281},{"text":"يستمر في صلاته ويجتهد في تخفيفها، ثم إذا قضى صلاته أجابهما، أو يقول: سبحان الله، حتى يعلما أنه في صلاة، فيعذرانه.\nوكذلك النبي ﷺ في حياته، فإنه إذا دعا أحدًا وجب عليه أن يجيبه؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا أُبَيُّ- وَهُوَ يُصَلِّي- فَالتَفَتَ أُبَيٌّ وَلَمْ يُجِبْهُ، وَصَلَّى أُبَيٌّ فَخَفَّفَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَعَلَيْكَ السَّلامُ، مَا مَنَعَكَ يَا أُبَيُّ أَنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ فِي الصَّلاةِ، قَالَ: أَفَلَمْ تَجِدْ فِيمَا أُوحِي إِلَيَّ: أَنِ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟ ! قَالَ: بَلَى، وَلا أَعُودُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ» (^١).\nوفيهما: أن جريجًا بعدما ابتلاه الله وفتنه، حيث استُنزل من صومعته وضُرب، واتهموه- ولعل هذه عقوبة معجلة في الدنيا- برأه الله تعالى، وهذا يدل على أن جريجًا كان عابدا صالحا، ويظهر أنه كان في بني إسرائيل على شريعة الإنجيل، وأنه موحد؛ ولهذا أكرمه الله بهذه الكرامة، حيث كلمه الصبي في المهد.\nوفيهما: أنه تعرضت لجريج امرأة بغي من بني إسرائيل، فلما رأت أنه لا يريدها مكنت راعيًا من رعاة الغنم منها، ففعل بها الفاحشة، ثم حملت منه، ثم ولدت واتهمت جريجًا به، فجاؤوا إليه وهدموا صومعته.\nوقوله: «فَجَاءُوا بِفُؤُوسِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ»: المساحي: جمع مسحاة وهي كالمجرفة إلا أنها حديد، وفيه: دليل على ضعف إيمانهم وقلة دينهم؛ حيث هدموا الدير لكلام هذه البغي، ولم يتثبتوا.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٥٧٣٠)، والترمذي (٢٨٧٥).","vol":"7","page":282},{"text":"وقوله: «فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنْكَ، فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ»: فيه: دليل على أن الصلاة كانت مشروعة في الأمم السابقة، وفي الحديث الآخر: «هَذَا وُضُوئِي، وَوُضُوءُ الْمُرْسَلِينَ مِنْ قَبْلِي» (^١)، فلما صلى ودعا الله أن يبرئه مما أُلصق به من العار زورًا وظلمًا استجاب الله دعاءه.\nوقوله: «فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ، وَقَالَ يَا غُلَامُ: مَنْ أَبُوكَ قَالَ: فُلَانٌ الرَّاعِي»: هذه كرامة من الله تعالى لجريج، ولعلها تكون كفارة لذنبه؛ لأنه لم يجب أمه لما دعته، وقد اجتهد في هذا ظنًّا منه أنه الأفضل، وفي الكرامة نطق الصبي الصغير، دليل على قدرة الله العظيمة، وأن الله على كل شيء قدير، كما أخبر تعالى عن نفسه فقال: ﴿إنما أمره أن أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾.\nلكن يرد هنا إشكال: كيف يقول جريج للصبي: «مَنْ أَبُوكَ؟»: وينسبه إلى أبيه، والزاني لا أب له، ولا يلحق ولد الزنا بمن زنى بأمه؛ ولهذا قال النبي ﷺ في قصة عبد بن زمعة لما قال سعد بن أبي وقاص: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا وَلَدُ أَخِي، عَهِدَ إِلَيَّ بِهِ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ» (^٢)، فالزاني لا ينسب إليه الولد، فكيف يقول جريج: من أبوك وينسبه إلى أبيه؟ .\nوقد أجاب النووي ﵀ (^٣) عن هذا بجوابين:\nالجواب الأول: أنَّ هذا جائز في شريعة من قبلنا، فكان الولد ينسب إلى من فعل الفاحشة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٠)، والدارقطني (٢٦٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢١٨)، ومسلم (١٤٥٧).\n(^٣) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٠٧).","vol":"7","page":283},{"text":"الجواب الثاني: أنه سماه أبًا من باب المجاز، فكأنه قال: ابنُ ماءِ مَن أنت؟ فأجاب: ابنُ فلان الراعي.\nوفيهما: تواضع جريج ﵀ لما قالوا له: «نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ: لَا، أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ»، ولما بُنِيت على هذا صعد فيها وجعل يتعبد.\nوقوله: «لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ»، هذا العدد أفاد الحصر؛ فإنه لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة:\nالأول: عيسى ﵇، قال تعالى: ﴿قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا﴾.\nالثاني: صاحب جريج تكلم فقال: «فُلَانٌ الرَّاعِي»: لما سئل: «مَنْ أَبُوكَ؟».\nالثالث: الصبي الذي مع المرأة التي كانت ترضعه، «فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ»: يعنى: دابة قوية نشيطة، وشارة حسنة، يعني: لباسًا حسنًا، فلما مر أعجب أمَّه، فقالت: «اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ»، فترك الصبي الثدي، وقال: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ»، ثم مرت بهم جارية، والناس يضربونها، ويقولون: «زَنَيْتِ، سَرَقْتِ»، وهي تقول: «حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ»، فقالت أمه: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا»، فترك الصبي الثدي، وقال: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا»، فقالت المرأة بعد ذلك: «حَلْقَى»، وهذا مثل قول النبي ﷺ: «عَقْرَى حَلْقَى» (^١)، والمعنى: حلق الله شعرك، عقرك الله، وهذا على مذهب العرب في الدعاء على الشيء من غير إرادة وقوعه.\nفائدة: لم يذكر من الثلاثة الصبي الذي كان مع المرأة في حديث الساحر والراهب وقصة أصحاب الأخدود لأن الصبي لم يكن في المهد بل كان أكبر من صاحب المهد، أفاده النووي.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٦١)، ومسلم (١٢١١).","vol":"7","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1192>بَاب رَغِمَ أَنْفُ مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ، أَوْ أَحَدَهُمَا عِنْدَ الْكِبَرِ</span>،\nفَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ\n\n[٢٥٥١] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ»، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ».\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ»، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَغِمَ أَنْفُهُ»، ثَلَاثًا، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ.\nفي هذه الأحاديث: دليل على أن بر الوالدين من أسباب دخول الجنة، وأن عقوقهما من كبائر الذنوب، وأن من لم يبر والديه فاته دخول الجنة، وأرغم الله أنفه - أي: ألصق أنفه بالتراب، وهذا من باب الوعيد الشديد.","vol":"7","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1193>بَابُ فَضْلِ صِلَةِ أَصْدِقَاءِ الْأَبِ، وَالْأُمِّ، وَنَحْوِهِمَا</span>\n\n[٢٥٥٢] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي الْوَلِيدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ لَقِيَهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ، وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ، وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ: فَقُلْنَا لَهُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ إِنَّهُمُ الْأَعْرَابُ، وَإِنَّهُمْ يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ».\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَبَرُّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ وُدَّ أَبِيهِ».\n\n[٢٥٥٤] حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، جَمِيعًا عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ، وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ، فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: أَلَسْتَ ابْنَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ، وَقَالَ: ارْكَبْ هَذَا وَالْعِمَامَةَ قَالَ: اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ أَعْطَيْتَ هَذَا الْأَعْرَابِيَّ حِمَارًا، كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ»، وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ.\n[خ: ٤٨٣٠]","vol":"7","page":286},{"text":"في هذه الأحاديث: دليل على أن صلة أصدقاء الوالدين من البر، ولهذا قال ابن عمر ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ»، فجعل صلة أصدقاء الأب من أبر البر؛ ولهذا أحسن ابن عمر ﵄ إلى هذا الأعرابي؛ لأن أباه كان صديقًا لعمر ﵁، فأعطاه حمارًا كان يركبه ويستريح عليه إذا مل من ركوب البعير، وأعطاه عمامة كان يشدُّ بها رأسه، فأنكر أصحابه ﵁ صنيعه هذا وقالوا له: «أَصْلَحَكَ اللهُ»، وهي دعوة طيبة تقال للكبار وللصغار، ومثلها قول: «اتَّقِ اللهَ»، وقد قالها تعالى لنبيه ﷺ: ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾.\nوكذلك من بر الزوجة بر أصدقائها، فقد كان النبي ﷺ يذبح الشاة «فَيُهْدِي فِي خَلائِلِهَا مِنْهَا مَا يَسَعُهُنَّ» (^١) ﵂.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٨١٦)، ومسلم (٢٤٣٥).","vol":"7","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1194>بَابُ تَفْسِيرِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ</span>\n\n[٢٥٥٣] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ؟ فَقَالَ: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ».\nحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ نَوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ قَالَ: أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ سَنَةً مَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَّا الْمَسْأَلَةُ، كَانَ أَحَدُنَا إِذَا هَاجَرَ لَمْ يَسْأَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ».\nقوله: «أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ سَنَةً مَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَّا الْمَسْأَلَةُ»، يعني: كأنه أقام في المدينة إقامة الزائر لمدة سنة، ولم يأت أهله حتى يسأل النبي ﷺ ما يحتاج من أمور الدين؛ لأنه يعتبر في هذه الحالة في مقام الأعراب الذين يسمح لهم بالسؤال، أما المهاجرون والذين تأهلوا فإنهم لا يسألون النبي ﷺ؛ ولهذا كان الصحابة يتمنون أن يأتي الأعرابي العاقل فيسأل النبي ﷺ فيجيبه فيستفيدون.\nوفي هذين الحديثين: فضل حسن الخلق، فقد جعله النبي ﷺ البرَّ كلَّه، وحسن الخلق يشمل ثلاثة أمور: بسط الوجه، وكف الأذى، وبذل المعروف.\nوفيهما: أن الإثم ما حاك في النفس، وفي اللفظ الآخر: «وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ","vol":"7","page":288},{"text":"يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» أي: أن الشيء الذي يكون في صدر الإنسان حرج منه، ويكره أن يطلع عليه الناس، هذا هو الإثم، فلا بد أن يتوقف فيه حتى ينظر في النصوص، ويسأل حتى يتبين له حكم هذا الشيء الذي يحيك في نفسه ويتردد فيه، ولا يطمئن إليه.","vol":"7","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1195>بَابُ صِلَةِ الرَّحِمِ وَتَحْرِيمِ قَطِيعَتِهَا</span>\n\n[٢٥٥٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ مُعَاوِيَةَ- وَهُوَ ابْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ- مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ- حَدَّثَنِي عَمِّي أَبُو الْحُبَابِ سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنَ الْقَطِيعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَت: بَلَى قَالَ: فَذَاكِ لَكِ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾».\n\n[٢٥٥٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ».\nفي هذين الحديثين: بيان فضل صلة الرحم، وأنها من الحسنات العظيمة، ومن أسباب طول العمر وبسط الرزق- كما سيأتي- وأن قطيعتها من أسباب استحقاق لعنة الله تعالى، قال تعالى: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبهم أقفالها﴾، أي: أفلا يتأملون آيات القرآن ويتفهمونها حتى يعلموا هذا الحكمَ الشرعي، حكمَ صلة الأرحام، وحكم قطعها.","vol":"7","page":290},{"text":"قال القاضي عياض ﵀: «اعلم أن الرحم التى توصل وتقطع ويتوجه فيها البر والإثم إنما هي معنى من المعاني، وليست بجسم، وإنما هى القرابة والنسب، واتصال مخصوص تجمعه رحم والدة، فسمى ذلك الاتصال بها. والمعاني لا توصف بقيام ولا كلام ولا يصح منها.\nوذكر مقامها وتعلقها هنا ضرب مثل، وحسن استعارة على مجاراة كلام العرب لتعظيم شأن حقها، وصلة المتصفين بها المتواصلين بسببها، وعظم إثم مقاطعتهم وعقوقهم؛ ولذلك سمى عقوقها قطعًا وهو معنى العقوق. والعق: الشق، كأنه قطع ذلك النسب الذى يصلهم» (^١).\nوكلام القاضي هذا غلط، فليس في كلام الله مجاز ولا في كلام رسوله ﷺ، والله تعالى قادر على أن يجعل المعاني أجسامًا، كما يجعل الموت يوم القيامة- وهو معنى من المعاني- جسمًا على صورة كبش، ويذبح بين الجنة والنار، كما جاء في الحديث (^٢)، وكذلك الأعمال يوم القيامة تجعل أجسامًا، فتوزن الحسنات والسيئات، فتثقل وتخف، فالقول بأن هذا معنى، وأن هذا استعارة، وأن هذا ضربُ مثلٍ، ليس بسليم.\nوالمراد بالرحم: القرابة مطلقًا، أي: سواء أكانت محرمية أم لم تكن، من جهة الأب، أو من جهة الأم، فيدخل في القرابة أولاد الأعمام والعمات، وأولاد الأخوال والخالات، الذكور والإناث، كلهم من القرابة، وكلهم من الرحم.\nوقال بعضهم: إن هذا خاص بالقرابة المحرمية، بخلاف القرابة غير المحرمية، وعلى هذا يخرج أولاد الأعمام والأخوال؛ لأن هؤلاء يجوز للإنسان أن يتزوج منهم فلا يكون من الأرحام على هذا القول، وهو قول\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ١٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩).","vol":"7","page":291},{"text":"مرجوح.\nوقال بعضهم: إن المراد بالرحم القرابة المطلقة، سواء كان رحمًا محرمًا أو غير محرم.\nوأعظم الرحم: عمود النسب؛ الأب، والأم، ثم الأجداد، والجدات، ثم الإخوة، والأخوات الأشقاء، أو لأب أو لأم، ثم أولادهم، ثم الأعمام والعمات الأشقاء، أو لأب أو لأم، ثم أولادهم وهكذا الأقرب فالأقرب، وكلما قرب عظم الحق وقوي.\n\n[٢٥٥٦] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ»، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي: قَاطِعَ رَحِمٍ.\n[خ: ٥٩٨٤]\nحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.\nفي هذه الأحاديث: وعيد شديد يدل على أن قطيعة الرحم من الكبائر، حيث أوعد الله تعالى عليها بعدم دخول الجنة.","vol":"7","page":292},{"text":"[٢٥٥٧] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأَ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».\n[خ: ٢٠٦٧]\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».\nفي هذين الحديثين: دليل على أن صلة الرحم من أسباب طول العمر وبسط الرزق، وقد استشكل كون صلة الرحم سببًا في طول العمر مع أن الآجال مكتوبة ومقدرة، والله تعالى كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، ومنه الآجال.\nوقد أجاب العلماء عن هذا بأجوبة، منها:\nالجواب الأول: أن المراد بطول العمر: البركة فيه، فيعمل الواصل لرحمه من الأعمال الصالحة التي يعملها غيرُه في مدة أطولَ منها، مثل ما حصل لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله وغيرهما، فقد نفع اللهُ تعالى الناسَ بعلومهم، وانتشرت مؤلفاتهم، وانتفع بها القاصي والداني، وكذلك الأئمة الأربعة وغيرهم.\nالجواب الثاني: أن المراد بطول العمر: الذِّكر الحسن، وهذا قول ضعيف مرجوح.\nالجواب الثالث: أن طول العمر بالنسبة لِمَا يظهر للملائكة من اللوح المحفوظ، فإنه يظهر لهم في اللوح المحفوظ أن عمره كذا، وهو في الواقع خلاف ذلك، وقالوا: إن هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء","vol":"7","page":293},{"text":"ويثبت﴾، وهذا- أيضًا- قول مرجوح.\nوالصواب: الأول، وهو أن المراد بطول العمر: البركة فيه.\n\n[٢٥٥٨] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ».\nقوله: «فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ»: الْمَلُّ: هو الرماد الحار.\nوفي معنى هذا الحديث قول النبي ﷺ في الحديث الآخر: «لَيْسَ الوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنَّ الوَاصِلَ الَّذِي إِذَا انْقَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» (^١)، فصلة الرحم تكون عند القطيعة، لا مجازاة بالمثل، فإذا قطعك أحد أقاربك فلا تعامله بمثل صنيعه، وإنما تصله لتكون خيرًا منه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٩١).","vol":"7","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1196>بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّحَاسُدِ، وَالتَّبَاغضِ، وَالتَّدَابُرِ</span>\n\n[٢٥٥٩] حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ».\n[خ: ٦٠٦٥]\nحَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ.\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جميعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَلَا تَقَاطَعُوا.\nحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ-.ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، جَمِيعًا عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أَمَّا رِوَايَةُ يَزِيدَ عَنْهُ فَكَرِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، يَذْكُرُ الْخِصَالَ الْأَرْبَعَةَ جَمِيعًا، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: «وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا، وَلَا تَدَابَرُوا».\n\n[٢٥٦٢] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا».\nحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ.\nقوله: «لَا تَبَاغَضُوا»، يعني: لا تفعلوا أسباب البغضاء من القطيعة، ولا","vol":"7","page":295},{"text":"يقطع بعضكم بعضًا، ففيه: أمر بالصلة والبعد عن أسباب القطيعة، والبغضُ من أسبابها الموجِبَة لها.\nوقوله: «وَلَا تَدَابَرُوا»، يعني: لا يُوْلِي أحدُكم أخاه دبرَه إذا لقيه معرضًا عنه، بل يصافحه ويسلم عليه.\nوقوله: «وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا»، أي: كونوا- يا عباد الله- إخوانًا، فهي على تقدير حرف النداء «يا»؛ فالمسلم أخو المسلم، يعامله معاملة الأخ لأخيه.\nوقوله: «وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ»، يعني: فوق ثلاثة أيام، ولو حصل بينه وبينه تنازع واختلاف؛ لأن النفوس قد يحصل لها ما يكدرها، فله أن يهجره اليوم واليومين والثلاثة، وأما بعد الثلاثة فيحرم عليه ذلك، وهذا إذا كان في أمور الدنيا ومن أجل حظوظ النفس، أما إذا كان هجرًا لأجل الدين فليس له وقت محدد، فيهجره حتى يتوب من بدعته أو فسقه؛ لأن النبي ﷺ هجر كعب بن مالك ﵁ وصاحبَيه ﵄ خمسين ليلة حتى تاب الله عليهم (^١).\nوالهجر- على الصحيح- يُصار إليه إذا كان مفيدًا، وأما إذا كان غيرَ مفيد فلا، فإن كان المهجور يرتدع عن معصيته، وينزجر عن بدعته هُجر، أما إذا كان الهجر يزيده شرًّا فلا يجوز هجره، وإنما يُستمر في نصيحته، ولهذا لم يهجر الرسول ﷺ المنافقين.\nوقوله: «وَلَا تَحَاسَدُوا»، أي: لا يحسد بعضكم بعضًا، والحسد: هو تمني زوال النعمة عن الغير، وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، ويستثنى من هذا حسدُ الغبطة: وهو أن يتمنى أن يكون له مثلُ ما لأخيه من النعم، من غير أن يتمنى زوالها وتحولها عنه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩).","vol":"7","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1197>بَابُ تَحْرِيمِ الْهَجْرِ فَوْقَ ثَلَاثٍ بِلَا عُذْرٍ شَرْعِيٍّ</span>\n\n[٢٥٦٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ».\n[خ: ٦٠٧٧]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح، وَحَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِ مَالِكٍ، وَمِثْلِ حَدِيثِهِ، إِلَّا قَوْلَهُ: فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، فَإِنَّهُمْ جَمِيعًا قَالُوا فِي حَدِيثِهِمْ- غَيْرَ مَالِكٍ-: فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا.\n\n[٢٥٦١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ- وَهُوَ ابْنُ عُثْمَانَ- عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ».\n\n[٢٥٦٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ ثَلَاثٍ».\nقوله: «يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا»، يعني: يلتقيان فلا يسلم أحدهما على الآخر، «وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ»: فالذي يبدأ بالسلام يزول عنه وصف الهجر، فإن رد الآخر ﵇ زال عنه الوصف أيضا، وإن لم يرد بقي عليه الإثم.","vol":"7","page":297},{"text":"وقوله: «وَيَصُدُّ هَذَا»: «يَصُدُّ»، و«يُعْرِضُ» بمعنى واحد، وهذا فيه إشارة إلى حرص الرواة ﵏ على أداء لفظ الحديث كما سمعوه.\nوفي هذه الأحاديث: تحريم الهجر فوق ثلاثة أيام في أمور الدنيا.","vol":"7","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1198>بَابُ تَحْرِيمِ الظَّنِّ، وَالتَّجَسُّسِ، وَالتَّنَافُسِ، وَالتَّنَاجُشِ، وَنَحْوِهَا</span>\n\n[٢٥٦٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا».\n[خ: ٥١٤٣]\nقوله: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ»: فيه: تحريم الظن، والمذموم منه هو الذي ليس عليه دليل ولا برهان، وأما ما كان عليه دليل وبرهان فليس كذلك، وذلك كالظن الحاصل بشهادة الشهود، والظن بمن وضع نفسه في مواطن التهمة والريبة، كأن يخلو بامرأة وهو ليس لها بمحرم، فهذا موضع تهمة، وهذا ظن عليه دليل.\nوقوله: «وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا»: قال بعض العلماء: التحسس بالحاء: الاستماع إلى حديث القوم، وبالجيم البحث عن العورات، وقيل: هما بمعنًى واحد، وهو طلب معرفة الأخبار والأقوال الغائبة، والأقرب هو القول الأول.\nوقوله: «وَلَا تَنَافَسُوا»: المراد: المنافسة في الدنيا، وطلب الاستئثار بها للنفس دون الغير.\nوكل هذه المنهيات الواردة في الحديث من أسباب البغضاء والقطيعة، والإسلام أراد من أتباعه أن يكونوا إخوة متآلفين، قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، وفي الحديث الآخر: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» (^١)، وقال ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَراحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٨١)، ومسلم (٢٥٨٥).","vol":"7","page":299},{"text":"الجَسَدِ الوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى» (^١).\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَهَجَّرُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا».\nقوله: «لَا تَهَجَّرُوا»، أي: لا تَهْجُرُوا، وفي نسخة «لا تَهَاجَرُوا» (^٢) والمعنى: لا يهجر بعضكم بعضًا، وقيل: معنى «لَا تَهَجَّرُوا»، أي: لا يتكلم أحدكم بالهُجْر- بضم الهاء- وهو الكلام القبيح.\nوقوله: «وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ»، يعني: لا يجوز للإنسان أن يبيع على بيع أخيه، فهو حرام، وأيضا لا يشتري على شرائه، ولا يسوم على سومه، إلا إذا أذن له أخوه، فيقول: أذنت لك، أو ترك السلعة، فيجوز له البيع على بيعه والسوم على سومه.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٨٦).\n(^٢) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ٢٤).","vol":"7","page":300},{"text":"[٢٥٦٤] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا».\nحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ الْجَهْضَمِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: «لَا تَقَاطَعُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا إِخْوَانًا كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ».\nوَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا».\nقوله: «وَلَا تَنَاجَشُوا»: النَّجَش: الزيادة في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها؛ لينفع البائع، أو ليضر المشتري، أو للأمرين معا، وهذا من أسباب القطيعة والبغضاء؛ لأنه إذا علم أن الناجش يزيد في السلعة وهو لا يريدها حصلت المعاداة والبغضاء، والإسلام أراد من أتباعه أن يكونوا إخوة متحابين سليمي الصدور.","vol":"7","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1199>بَابُ تَحْرِيمِ ظُلْمِ الْمُسْلِمِ، وَخَذْلِهِ، وَاحْتِقَارِهِ</span>،\nوَدَمِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَالِهِ\n\n[٢٥٦٤] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ- يَعْنِي: ابْنَ قَيْسٍ- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ- مَوْلَى عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَا هُنَا»، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ».\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أُسَامَةَ- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ- أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ- مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ- يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ دَاوُدَ، وَزَادَ وَنَقَصَ، وَمِمَّا زَادَ فِيهِ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ»، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ.\nقوله: «وَلَا تَحَاسَدُوا»: هذا نهي، والنهي للتحريم، يعني: لا تتعاطوا أسباب الحسد، وهو أن يتمنى الإنسان زوال النعمة عن أخيه المسلم، سواء أكانت نعمة دينية أم دنيوية، وهذا حرام منهي عنه، والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وقد أمر الله تعالى بالاستعاذة من الحاسد، قال تعالى: ﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾، وقال ﵊ في الحديث الآخر: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥).","vol":"7","page":302},{"text":"وقوله: «التَّقْوَى هَا هُنَا، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ»: معناه: أن التقوى أصلها في القلب، ثم تتبعه الجوارح بالأعمال الصالحة.\nوقوله: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ»، يعني: يكفيه من الشر كونه يحقر أخاه المسلم ويزدريه.\nوقوله: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، ومَالُهُ، وَعِرْضُهُ»، يعني: ليس له أن يسفك دمه بغير حق، ولا أن يأخذ ماله بغير حق، ولا أن يستطيل في عرضه بغير حق، ومثل هذا الحديث في هذا المعنى ما جاء في الحديث الآخر من قوله ﵊: «فإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» (^١).\nوفي هذين الحديثين: بيان الأسباب التي إذا فعلها المسلم كانت من أسباب الألفة والمحبة بينه وبين إخوانه المسلمين، وبيان الأسباب التي تكون سببًا في النفرة والشحناء والبغضاء والعداوة بينهم، والتي نهى عنها النبي ﷺ؛ لِما تؤدي إليه.\nوفيهما: أن النبي ﷺ حرم هذه الأسباب التي إذا حصلت بين المسلمين حصلت بينهم البغضاء، والعداوة، والمحن، والشحناء، والإسلام أراد من أفراده أن يكونوا إخوة متحابين متآلفين، قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون أخوة﴾، وقال ﷾: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾، فالمؤمن ولي أخيه المؤمن، والولي يحب لوليه الخير، ويكره له الشر، وقال النبي ﷺ: «إنّ الْمُؤْمِنُ لِلمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَشَبَّكَ أَصَابِعِهِ» (^٢)، وقال ﵊: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ كَمَثَلِ الجَسَدِ الوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٣٩)، ومسلم (١٦٧٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٨١)، ومسلم (٢٥٨٥).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٥٨٦).","vol":"7","page":303},{"text":"حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ، وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَأَعْمَالِكُمْ».\nفي هذا الحديث: دليل على أن محل نظر الرب ﷾ هو القلوب والأعمال، لا الصور والأموال؛ لأن الصورة قد تكون حسنة، ولكن القلب خبيث، وكذلك قد يكون الإنسان ذا مال ولكن قلبه خبيث وعمله سيئ، فلا يفيده ماله شيئا، وإنما إذا صلح القلب انتفع صاحبه بالمال، فينبغي للإنسان أن يعتني بصلاح قلبه، كما جاء في الحديث الآخر: «أَلَا إِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢).","vol":"7","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1200>بَابُ النَّهْيِ عَنِ الشَّحْنَاءِ وَالتَّهَاجُرِ</span>\n\n[٢٥٦٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا».\nحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ، بِإِسْنَادِ مَالِكٍ نَحْوَ حَدِيثِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ الدَّرَاوَرْدِيِّ: إِلَّا الْمُتَهَاجِرَيْنِ، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدَةَ، وقَالَ قُتَيْبَةُ: إِلَّا الْمُهْتَجِرَيْنِ.\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ- رَفَعَهُ مَرَّةً- قَالَ: «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ، وَاثْنَيْنِ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ ﷿ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا امْرَءًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا».\nحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ، إِلَّا عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: اتْرُكُوا، أَوِ ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا».\nقوله: «ارْكُوا»، يعني: أخِّروا.","vol":"7","page":305},{"text":"وقوله: «يَفِيئَا»، يعني: يرجعا.\nوقوله: «فِي كُلِّ جُمُعَةٍ»، يعني: في كل أسبوع.\nوقوله: «فَيَغْفِرُ اللَّهُ ﷿ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ»: وهذه المغفرة ليست مطلقة، وإنما هي مقيدة باجتناب الكبائر، فهي مقيدة بقوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ الآية، ومقيدة بحديث: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» (^١).\nوفي هذه الأحاديث: دليل على أن الشحناء والتهاجر من أسباب حرمان المغفرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فالواجب الحذر من كل ما كان حائلا دون مغفرة الله تعالى.\nوفيها: فضل هذين اليومين: الاثنين، والخميس، وأنهما تعرض فيهما الأعمال على الله تعالى، وإن كان يوم الجمعة أفضل منهما.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٣٣).","vol":"7","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1201>بَابٌ فِي فَضْلِ الْحُبِّ فِي اللَّهِ</span>\n\n[٢٥٦٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي».\nفي هذا الحديث: بيان فضل المحبة في الله، فهذا الحديث القدسي يقول فيه الرب سبحانه: «أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي».\nوفيه: فضل محبة الله تعالى، وهي أن نحب الشخص لا لأجل دنيا، ولا لأجل معاملة بيننا وبينه، ولا لأجل قرابة ونسب، وإنما نحبه لكونه مؤمنًا بالله ورسوله، ولكونه مستقيمًا على طاعة الله، معظمًا لشرع الله، مؤديًا لِما أوجب الله عليه، منتهيًا عما حرم الله، فنحبه لذلك، وهذه المحبة تابعة لمحبة الله ﷿.\n\nوقوله: «الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي» المراد بالظل: ظل العرش، ومثل هذا الحديث في هذا المعنى قول النبي ﷺ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» (^١)، وقد جاء تقييده في الروايات بظل العرش -كما تقدم-.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١).","vol":"7","page":307},{"text":"[٢٥٦٧] حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ ﷿ قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ».\nقَالَ الشَّيْخُ أَبُو أَحْمَدَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَنْجُويَةَ الْقُشَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nفي هذا الحديث: فضل المحبة في الله تعالى، وأن من أحب شخصًا في الله فإن الله تعالى يحبه، فهذا الرجل زار أخًا له في قرية، وظاهر الحديث أنه سافر من بلد إلى بلد آخر ليزوره، فأرسل الله في طريقه ملكًا على صورة آدمي، فقال له: «أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟»، يعني: أتريد أن ترد عليه معروفًا كان له عليك؟ قال: لا، إنما أريد أن أزوره في الله، فهنالك قال له الملَك: «فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ»، وهذا فضل عظيم.\nوفيه: دليل على أن الملَك يتصور في صورة آدمي.\nوفيه: أن الملائكة قد يراهم الآدميون، كما أن جبريل ﵇ قد رآه الصحابة ﵃ لما جاء في صورة دحية الكلبي.\nواعلم التزاور في الله تعالى قليل في هذا الزمن، بسبب ضعف الإيمان، حتى في البلد الواحد، فقد كثر انشغال الناس، واتسع تعلقهم بالدنيا، فصارت الزيارةُ الخاليةُ من الأغراض إلا لكونها في الله مستغربةً في هذا الزمان، مستنكرةً بين الناس.","vol":"7","page":308},{"text":"ومن الأدلة على فضل المحبة في الله: حديث أنس ﵁ في الصحيحين: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (^١)، وحديث أبي هريرة في الصحيحين- أيضا: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»، وذكر منهم: «وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١).","vol":"7","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1202>بَابُ فَضْلِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ</span>\n\n[٢٥٦٨] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِيَانِ ابْنَ زَيْدٍ- عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَائِدُ الْمَرِيضِ فِي مَخْرَفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ عَنْ ثَوْبَانَ- مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ يَزِيدَ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ- وَهُوَ أَبُو قِلَابَةَ- عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ- مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا خُرْفَةُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «جَنَاهَا».\nحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله: «فِي مَخْرَفَةِ الْجَنَّةِ»، يعني: ثمارها وجناها؛ لأن زائر المريض يثيبه الله تعالى، ويكون الثواب بالتمتع بما في الجنة من النعيم.","vol":"7","page":310},{"text":"وقوله: «جَنَاهَا»، يعني: ثمرها المأخوذ منها، فإذا أُخذت الثمرة من الشجرة قيل: هذا جنى الشجرة.\nوفي هذه الأحاديث: فضل عيادة المريض، وفي الحديث الآخر قال النبي ﷺ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا بَكَرًا شَيَّعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، كُلُّهُمْ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ عَادَهُ مَسَاءً شَيَّعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ كُلُّهُمْ يَسْتَغْفِرُ لَهُ، حَتَّى يُصْبِحَ وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ» (^١).\n\n[٢٥٦٩] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ يَا رَبِّ: كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ يَا رَبِّ: وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ يَا رَبِّ: كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟».\nفي هذا الحديث: فضل زيارة المريض، وإطعام الجائع، وإسقاء الظمآن.\nوالعندية هنا: بمعنى المعية الخاصة، فزائر المريض، ومطعم الجائع، ومسقي الظمآن له هذه المعية الخاصة، معية العون، والنصر، والتأييد.\nوالحديث معناه صحيح، ولم يتضمن معنًى فاسدًا كما يدعي ذلك بعض\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٩٧٥)، وأبو داود (٣٠٩٨)، والترمذي (٩٦٩)، وابن ماجه (١٤٤٢).","vol":"7","page":311},{"text":"أهل البدع، حيث قالوا: إن الحديث تضمن معنًى فاسدًا، فلا بد من تأويله، وقالوا: إن الحديث فيه أنه تعالى يمرض، وأنه تعالى يجوع، وأنه تعالى يعطش، فلا بد إذن من تأويله.\nفيقال: إن الحديث بيَّن آخرُه أولَه، والقاعدة: أن الأحاديث يفسر بعضها بعضًا، والآيات يفسر بعضها بعضًا، فكيف إذا كان التفسير موجودا في نفس الحديث؟ ! ففي الحديث أن الذي مرض هو العبد، قال: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟»، وجاع، وعطش، ولكن الله تعالى جعل مرضَ العبد مرضَه، وجوعَه جوعَه، وظمأَه ظمأَه.\nوفيه: بيان عظم زيارة المريض، وعظم ثواب إطعام الجائع، وإسقاء الظمآن.","vol":"7","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1203>بَابُ ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ</span>،\nأَوْ نَحْوِ ذَلِكَ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا\n\n[٢٥٧٠] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nوَفِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ: مَكَانَ الْوَجَعِ وَجَعًا.\n[خ: ٥٦٤٦]\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح، وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ مِثْلَ حَدِيثِهِ.\n\n[٢٥٧١] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ يُوعَكُ فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ»، قَالَ: فَقُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَجَلْ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ، إِلَّا حَطَّ اللَّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا».\nوَلَيْسَ فِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ: فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي.\n[خ: ٥٦٤٨]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ","vol":"7","page":313},{"text":"أَبِي غَنِيَّةَ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ نَحْوَ حَدِيثِهِ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ قَالَ: نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ مُسْلِمٌ.\nفي هذه الأحاديث: بيان أن الأمراض والمصائب كفارات للخطايا، وأنها تحط الأوزار والخطايا كما تحط الشجرة ورقها.\nوفيها: أن النبي ﷺ شُدد عليه في المرض، فقد كان يوعك كما يوعك الرجلان، وهذا شاهد لحديث سعد ﵁: قُلْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: فَقَالَ: «الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ، فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» (^١).\nوقوله: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ، إِلَّا حَطَّ اللَّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا»: فيه: دليل على أن المصائب والأمراض والهموم والأسقام كلها تُحط بها الخطايا، إذا صبر عليها الإنسان واحتسب.\nورِضى الإنسان بالمصيبة مستحب على الصحيح من قولي العلماء، والواجب: الصبر، والصبر هو: حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عما يغضب الله تعالى، فلا يلطم خدًّا، ولا ينتف شعرًا، ولا يشق ثوبًا، ويمسك نفسه عن الجزع، هذا هو الصبر الواجب.\nأما الرضى فمستحب، وإذا اعتبر الإنسان المصيبة نعمةً وشكر الله عليها- لأن فيها تكفيرَ السيئات ورفعَ الدرجات- صار من الشاكرين.\nوالمحنة تكون منحة في حق الشاكرين، فيشكر العبد ربه عليها، ويقول: هذا خير ساقه الله إلي، فكفَّر بها خطاياي ورفع بها درجتي، فيثاب ثواب الشاكرين، وهذا لا يقدر عليه إلا الخواص من عباد الله.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦٠٧)، والترمذي (٢٣٩٨)، وابن ماجه (٢٠٤٣).","vol":"7","page":314},{"text":"[٢٥٧٢] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جميعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: دَخَلَ شَبَابٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ بِمِنًى وَهُمْ يَضْحَكُونَ، فَقَالَتْ: مَا يُضْحِكُكُمْ؟ قَالُوا: فُلَانٌ خَرَّ عَلَى طُنُبِ فُسْطَاطٍ فَكَادَتْ عُنُقُهُ، أَوْ عَيْنُهُ أَنْ تَذْهَبَ، فَقَالَتْ: لَا تَضْحَكُوا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ».\n[خ: ٥٦٤٠]\nقوله: «خَرَّ عَلَى طُنُبِ فُسْطَاطٍ»: الطُنُب: هو الحبل الذي يربط في المسمار حتى يستقيم الخباء (^١)، والفسطاط: هو الخيمة (^٢).\nوفي هذا الحديث: دليل على أن المصائب تُرفع بها الدرجات، وتُحط بها الخطايا، فما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا رفعت له بها درجة، ومحيت بها عنه خطيئة.\nوفيه: النهي عن ضحك الإنسان بسبب ما يحصل لأخيه من المصائب.\n_________\n(^١) الصحاح، للجوهري (١/ ١٧٢)، القاموس المحيط، للفيروزآبادي (١/ ١٠٩).\n(^٢) الصحاح، للجوهري (٣/ ١١٥٠)، لسان العرب، لابن منظور (٧/ ٣٢٧).","vol":"7","page":315},{"text":"وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُمَا- وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُصِيبُ الْمُؤْمِنَ شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا قَصَّ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطِيئَتِهِ».\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ يُصَابُ بِهَا الْمُسْلِمُ إِلَّا كُفِّرَ بِهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا».\n\n[٢٥٧٤] حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ مُصِيبَةٍ حَتَّى الشَّوْكَةِ، إِلَّا قُصَّ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ أَوْ كُفِّرَ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ، لَا يَدْرِي يَزِيدُ أَيَّتُهُمَا»، قَالَ: عُرْوَةُ.\nقوله: «إِلَّا قُصَّ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ، أَوْ كُفِّرَ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ»: هما بمعنى واحد.","vol":"7","page":316},{"text":"حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْهَادِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ شَيْءٍ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ حَتَّى الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ».\n\n[٢٥٧٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا سَقَمٍ وَلَا حَزَنٍ، حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ».\n[خ: ٥٦٤٢]\nقوله: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا سَقَمٍ وَلَا حَزَنٍ، حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ»: الوصب: المرض، والنصب: التعب.\nوقوله: «وَلَا سَقَمٍ وَلَا حَزَنٍ، حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ»: فيه: أن الهموم التي تصيب الإنسان تُكفر بها الخطايا.\n\n[٢٥٧٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ- وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ- شَيْخٍ مِنْ قُرَيْشٍ- سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال: بَلَغَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَبْلَغًا شَدِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا، أَوِ الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا».\nقَالَ مُسْلِم: هُوَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْصِنٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ.\nقوله: «قَارِبُوا»، يعني: اقتصدوا فلا تغلوا ولا تقصروا، بل توسطوا.","vol":"7","page":317},{"text":"وقوله: «وَسَدِّدُوا»، أي: اقصدوا السداد.\nوقوله: «حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا»: النكبة: هي التي تحصل في الرجل من جرح بسبب الحجارة (^١).\n\n[٢٥٧٥] حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ الصَّوَّافُ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ، أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ، فَقَالَ: «مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ، أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيَّبِ تُزَفْزِفِينَ؟»، قَالَتْ: الْحُمَّى، لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا، فَقَالَ: «لَا تَسُبِّي الْحُمَّى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ».\nفي هذا الحديث: فضل الحمى وأنها تكفر الخطايا، فقد دخل النبي ﷺ على أم المسيب أو أم السائب ﵂، وقال: «مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ، أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيَّبِ تُزَفْزِفِينَ؟»، أي: ترعدين، «قَالَتْ: الْحُمَّى، لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا، فَقَالَ: «لَا تَسُبِّي الْحُمَّى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»، فالنار إذا أحميت على الحديد أو الذهب أو الفضة طلع صافيًا وزال عنه الزغل والخبث، وكذلك الحمى تطهر العبد من المعاصي، فيغفرها الله تعالى.\nوفيه: النهي عن سب الحمى، والأصل في النهي: التحريم، فقوله: «لَا تَسُبِّي الحُمَّى»، أي: بما هو مشعر بتنقيصها وتحقيرها، وعلَّل النهي بقوله: «فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ»، أي: الذنوب «كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ»: وهو زق الحداد الذي ينفخ به، «خَبَثَ الْحَدِيدِ»، أي: وسخه الذي في ضمنه.\nوقولها: «لَا بَارَكَ اللهُ فِيهَا»: هذا سبٌّ لها، بخلاف ما إذا قيل: هذ مرض\n_________\n(^١) المحكم، لابن سيده (٧/ ٦٨)، لسان العرب، لابن منظور (١/ ٧٧٣).","vol":"7","page":318},{"text":"خبيث، أو فلان مات بالمرض الخبيث، فهذا ليس سبًّا، ولكنه من باب الوصف، كقوله: يوم حار، ويوم بارد.\nوظاهر الحديث أن الحمى لها مزية، فهي تكفر الخطايا، وكذلك الأمراض الأخرى لها حكمها؛ لأنها تكفر الذنوب.\n\n[٢٥٧٦] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَا: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ أَبُو بَكَرٍ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي قَالَ: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ»، قَالَتْ: أَصْبِرُ، قَالَتْ: فَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا.\n[خ: ٥٦٥٢]\nفي هذا الحديث: ما ظاهره أن النبي ﷺ خيرها بين العلاج، وبين الدعاء لها بالشفاء، فقال: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ»، وأن عدم العلاج أفضل، وظاهره يعارض الأحاديث الأخرى التي فيها الأمر بالعلاج والتداوي، وأنه مستحب، وأنه أفضل من عدم العلاج، ففي الحديث: «إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ» (^١)، وحديث: «الشِّفَاءُ فِي ثَلاثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ» (^٢)، والنبي ﷺ قد رَقَى ورُقِي، وهذه الأحاديث تدل على أن العلاج مستحب، وهذا هو ما ذهب إليه جمهور العلماء، ومن العلماء من قال: إن العلاج مباح.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٨٧٤)، والبيهقي في الكبرى (١٩٦٨١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٦٨٠).","vol":"7","page":319},{"text":"والصواب: أنه مستحب.\nوهنا إشكال فهذا الحديث ظاهره: أن صبر هذه المرأة وعدم علاجها أفضل، فكيف يجمع بينهما؟\nوالجواب: أن هذا خاص بهذه المرأة، ومستثنى منه، وأن الله تعالى أطلع نبيه ﷺ على أن صبرها وعدم تداويها أفضل.\nوفيه: أن المرأة سألت النبي ﷺ أن يسأل الله لها أن لا تتكشف، وهذا يدل على دينها، واهتمامها به.","vol":"7","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1204>بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ</span>\n\n[٢٥٧٧] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامَ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيَّ- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ- فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ ﵎- أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي: إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي: كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي: كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي: كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي: إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي: إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي، فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي: إِنَّمَا هِيَ\nأَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ».\nقَالَ سَعِيدٌ: كَانَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ.\nحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ مَرْوَانَ أَتَمُّهُمَا حَدِيثًا.","vol":"7","page":321},{"text":"قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ الْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ ابْنَا بِشْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، فَذَكَرُوا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ﵎: «إِنِّي حَرَّمْتُ عَلَى نَفْسِي الظُّلْمَ، وَعَلَى عِبَادِي فَلَا تَظَالَمُوا»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ، وَحَدِيثُ أَبِي إِدْرِيسَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَتَمُّ مِنْ هَذَا.\nهذا الحديث حديث عظيم، وهو حديث قدسي مشتمل على جمل عظيمة، ولهذا اختاره النووي ﵀ وجعله من الأحاديث الأربعين، وكذا الحافظ ابن رجب شرح هذا الحديث شرحًا عظيمًا؛ وكان أبو إدريس الخولاني ﵀ إذا حدَّث بهذا الحديث جثا على ركبتيه.\nوقوله: «يَا عِبَادِي: إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا»: فيه: أن الله ﷾ حرم الظلم على نفسه، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، فمن صور الظلم المنفي عنه تعالى أن ينقص أحدًا من ثواب حسناته، أو يحمِّله أوزار غيره وسيئاتهم، فهذا وغيره من صور الظلم مما حرمه الرب ﵎ على نفسه، ولم يحرمه عليه أحد؛ إذ ليس فوقه ﷾ أحدٌ يأمره وينهاه، كما أنه تعالى كتب على نفسه الرحمة، وجعل لعباده حقًّا عليه أنه من لقيه لا يشرك به شيئًا لا يعذبه.\nقال النووي ﵀: «قال العلماء: معناه: تقدستُ عنه وتعاليتُ، والظلم مستحيل في حق الله ﷾، كيف يجاوز سبحانه حدًّا وليس فوقه مَن يطيعه؟ ! وكيف يتصرف في غير ملك، والعالم كله في ملكه وسلطانه؟ !» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٣٢).","vol":"7","page":322},{"text":"قلت: هذا تفسير الأشاعرة والجبرية، فهم يقولون: إن الظلم مستحيل على الله تعالى، ونحن نقول: كيف يحرم الله شيئًا مستحيلًا؟ ! وقد قال تعالى: ﴿فلا يخافون ظلمًا ولا هضمًا﴾، فكيف يؤمَّن العباد من شيء مستحيل؟ !\nوإنما قالوا ذلك لأن الظلم عندهم مخالفةُ الآمر، أو تصرف المالك في غير ملكه، ولهذا- والعياذ بالله- لزم من مذهبهم أنه يجوز على الله أن يقلب التشريعات، والجزاءات، فيجعل الشرك توحيدًا والتوحيد شركًا، والعفة محرمةً والزنا واجبًا، هكذا يقولون، وهذا من جهلهم وضلالهم، وقبلهم المعتزلة قالوا: كل ما كان من العباد ظلم وقبيح فهو من الله تعالى ظلم وقبيح لو فعله.\nوأما أهل الحق فعرَّفوا الظلم بأنه: وضع الشيء في غير موضعه، كأن ينقص أحدًا من ثواب حسناته، أو يحمله أوزار غيره، هذا هو الذي حرَّمه تعالى على نفسه، فهو حرَّم على نفسه شيئًا هو يقدر عليه، وليس مستحيلًا، فينبغي على طالب العلم أن ينتبه لتفسيرات أهل البدع؛ لئلا تنطلي عليه.\nوقوله: «فَلَا تَظَالَمُوا»، يعني: فلا يظلم بعضكم بعضًا، فالله تعالى حرَّم الظلم على نفسه، وحرَّمه على عباده، وظُلم العباد يكون في الدماء أو الأموال أو الأعراض.\nفالواجب الحذر من الظلم مطلقا، وأعظم الظلم الشرك، وهو وضع الشيء في غير موضعه؛ لأن المشرك وَضَع العبادة في غير مستحِقِّها، وهذا أعظم الظلم، ثم ظلم العباد في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ثم الظلم الثالث ظلم العبد فيما بينه وبين نفسه، كأن يفعل المعاصي، ويقصر في الواجبات التي أوجبها الله عليه.\nوقوله: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ»: والله تعالى هو الهادي.\nوقوله: «يَا عِبَادِي: إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا،","vol":"7","page":323},{"text":"فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ»: فيه أن الرب سبحانه أمر عباده بأن يستغفروه؛ ليغفر لهم.\nوقوله: «يَا عِبَادِي: إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي»: ضُرِّي، وضَرِّي، بالفتح والضم بمعنى واحد.\nوقوله: «يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا»: والله سبحانه لا تنفعه طاعة مطيع ولا تضره معصية عاص، بل هو النافع الضار.\nوقوله: «يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ» &gt;: فالإبرة إذا غُرزت في البحر فماذا تأخذ؟ وما الذي يعلق بها؟ هل ينقص ذلك شيئًا من بحر متلاطم؟ ! فكذلك لو اجتمع العبادُ- وهذا من باب التقريب- كلُّهم- إنسهم وجنهم- وسألوا اللهَ تعالى كل واحد حتى انقطعت مسائلهم وأعطاهم الله مسائلهم ما نقص من ملكه إلا كما إذا غُمِسَت إبرة في البحر، ثم رفعت.\n\n[٢٥٧٨] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ- يَعْنِي: ابْنَ قَيْسٍ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ».\nقوله: «اتَّقُوا الظُّلْمَ»، يعني: اجعلوا بينكم وبين الظلم وقاية تقيكم شؤمه؛ فإن الظلم معصية عظيمة يؤدي إلى العقوبة العظيمة.\nوقوله: «وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا","vol":"7","page":324},{"text":"دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ»: أصح ما قيل في الشح (^١): إنه البخل، والحرص على جمع المال من كل طريق، مع البخل بالواجب فيه، كالزكاة والكفارات، والحقوق، والنفقات على الأولاد والبهائم والمماليك، وهو بهذا يحمل على استحلال المحرم، وتحريم الحلال، وأما إذا جُمع المال من طرقه المشروعة واجتُنبت الطرق المحرمة والمشبوهة، ثم أدى بعد ذلك صاحبه الحقوق التي تجب فيه فهو على خير عظيم، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «نِعْمَ المالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» (^٢)، وقد كان هناك أغنياء من الصحابة كأبي بكر الصديق، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف ﵃، فقد كانوا ينفقون من أموالهم في سبيل الله، فعثمان ﵁ هو الذي جهَّز جيش العسرة بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، فقال عنه النبي ﷺ: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَوْمِ» (^٣).\n\n[٢٥٧٩] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\n[خ: ٢٤٤٧]\nقوله: «إِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، يعني: يؤدي إلى الظلمات؛ فالجزاء من جنس العمل، نعوذ بالله تعالى.\nقال القاضي عياض ﵀: «قوله ﷺ: «إِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»: قيل: ظاهره أنه ظلمات على صاحبه حتى لا يهتدى يوم القيامة سبيلًا حيث يسعى نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم، وقد تكون الظلمات هنا: الشدائد، وبه\n_________\n(^١) الصحاح، للجوهري (١/ ٣٧٨)، القاموس المحيط، للفيروزآبادي (١/ ٢٢٦).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٧٧٦٣)، وابن حبان (٣٢١٠).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣٧٠١).","vol":"7","page":325},{"text":"فسروا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي: شدائدهما. وقد تكون الظلمات هاهنا عبارة عن الاتكال بالعقوبات عليه» (^١).\n\n[٢٥٨٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\n[خ: ٢٤٤٢]\nقوله: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ»، يعني: في دمه، فلا يسفك دمه، أو يقطع عضوًا من أعضائه، أو يجرح جسده، ولا يظلمه في ماله فيأخذه بغير حق، ولا يظلمه في عرضه، فيستطيل فيه.\nوقوله: «وَلَا يُسْلِمُهُ»، يعني: لا يخذله، بأنْ يُسْلِمه للظالم، ليعتدي عليه، أو يسلمه لنفسه الأمَّارة بالسوء ولا يحجزه عن الظلم إن كان ظالِمًا، كما في الحديث الآخر: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ» (^٢)، فإن كان هو الظالم حجزه عن الظلم، وإن كان مظلومًا منع الظلم عنه، ولا يسلمه لعدوه؛ لأنه أخوه.\nوقوله: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ»: إذا كان المسلم في حاجة أخيه، يشفع له، أو يقضي دينه، أو يعينه في قضاء حاجة من حوائجه- كان الله في حاجته وقضاها له؛ فالجزاء من جنس العمل.\nوقوله: «وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ»: هذا جزاء الإحسان، فمن فرَّج كُربةَ أخيه، بأن قضى دَينه فأُخرج من السجن\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ٤٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٤٤٤).","vol":"7","page":326},{"text":"بسببه، أو وقع في شدة أو مصيبة، أو وقع في يد عدو فخلَّصه منه- فإن الله يفرج كربته؛ جزاءً وفاقًا، فالجزاء من جنس العمل.\nوقوله: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»: إذا ستر المسلم أخاه فلم يفضحه، ولا سيما إذا كان من ذوي العثرات، فإن الله تعالى يجازيه على حسن صنيعه هذا بأن يستر عليه، فالجزاء من جنس العمل يوم القيامة، أما إذا كان من أهل السوابق وليس من ذوي العثرات وله جرأة على المحارم، فهذا لا ينبغي أن يُسْتَر، بل يؤدَّب ويُرفع أمره إلى ولاة الأمور، حتى لا يتجرأ غيره على مثل فعله.\n\n[٢٥٨١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟»، قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ».\nفي هذا الحديث: بيان المفلس الحقيقي، وهو الذي يأتي بحسنات عظيمة يوم القيامة ثم يوزعها على غيره، فيأخذها غرماؤه الذين تعدى عليهم، إما بسفك الدم، أو بالضرب، أو بالشتم، أو بالغيبة، أو النميمة، فيوزع حسناته، فإذا فنيت قبل أن يقضى ما عليه من حقوق ومظالم أُخذ من سيئات غرمائه فطرحت عليه، ثم يطرح في النار، وأما الذي لا درهم له ولا متاع فهذا المفلس عند الناس في الدنيا، لكن لا يضره هذا، فقد يزول إفلاسه في الدنيا، وقد يبقى ولكن لن يضره ذلك بإذن الله.","vol":"7","page":327},{"text":"وفيه: الحذر من العدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وأن الذي يعتدي على الناس في دمائهم وأموالهم يكون مفلسًا يوم القيامة.\n\n[٢٥٨٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ».\nقوله: «لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ»: بفتح الدال المشددة، والحقوقُ بالرفع نائب فاعل، أي: مِن قِبل الله إلى أهلها، هذا هو ضبطها، خلافًا لبعض الشراح، فبعضهم ضبطها بضم الدال المشددة: «لتؤدُّنَّ الحقوقَ»، وبنصب الحقوق على أنها مفعول به.\nوالصواب: أنها بالضم نائب فاعل.\nوفي هذا الحديث: كمال عدل الله ﷿، وأن الحقوق تؤدى إلى أهلها يوم القيامة، حتى الحيوانات إذا اعتدى بعضها على بعض اقتُص منه، حتى يُقاد للشاة الجلحاء التي لا قرن لها من الشاة القرناء التي لها قرون، ثم يقول الله لها: «كُونِي تُرَابًا» (^١).\nوفيه: دليل على أن الحيوانات تُبعث يوم القيامة، لكنها لا تحاسَب، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾.\nوفيه: إثبات البعث، وأن من أنكر البعث فهو كافر، قال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾، فالناس إذا ماتوا يبعثون، تبعث الأجساد والأرواح معا لا الأرواح فقط، خلافًا للفلاسفة\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٣٢٣١).","vol":"7","page":328},{"text":"الذين يقولون: إن البعث للأرواح فقط، وهذا كفر وضلال، فالأجساد ذاتها تبعث بعد أن استحالت ترابًا، ولم يبق منها إلا عَجْب الذَّنَب، فهو الذي لا يبلى، فمنه خُلق ابن آدم، ومنه يُركَّب كما في الحديث (^١).\nمسألة: هل الحيوانات مكلفة؟\nالجواب: لا، ليست مكلفة، ولكن من كمال عدل الله تعالى أنه إذا اعتدى بعضها على بعض يقتص لبعضها من بعض يوم القيامة.\n\n[٢٥٨٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ يُمْلِي لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾».\n[خ: ٤٦٨٦]\nقوله: «يُمْلِي»، يعني: يمهل ويؤخر.\nوقوله: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ يُمْلِي لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾»»: هذا استدراج من الله تعالى للظالم، يستدرجه بالنعم، ثم بعد ذلك يأخذه أخذا يهلكه به.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٩٣٥)، ومسلم (٢٩٥٥).","vol":"7","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1205>بَابُ نَصْرِ الْأَخِ ظَالِمًا، أَوْ مَظْلُومًا</span>\n\n[٢٥٨٤] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: اقْتَتَلَ غُلَامَانِ غُلَامٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، وَغُلَامٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَنَادَى الْمُهَاجِرُ أَوْ الْمُهَاجِرُونَ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، وَنَادَى الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا هَذَا دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ؟»، قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا أَنَّ غُلَامَيْنِ اقْتَتَلَا فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ قَالَ: «فَلَا بَأْسَ وَلْيَنْصُرِ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، إِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلْيَنْهَهُ فَإِنَّهُ لَهُ نَصْرٌ، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَلْيَنْصُرْهُ».\n[خ: ٤٩٠٥]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ- قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ، فَسَمِعَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَقَالَ: قَدْ فَعَلُوهَا؟ ! وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، قَالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ: دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ».\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ الْقَوَدَ، فَقَالَ النَّبِيُّ","vol":"7","page":330},{"text":"ﷺ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ».\nقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ فِي رِوَايَتِهِ: عَمْرٌو قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا.\nقوله: «فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ»: هو بسين مخففة مهملة، أي: ضرب دبره وعجيزته بيد أو رجل، أو سيف وغيره (^١).\nوفي هذا الحديث: أنه اقتتل غلامان، غلام من المهاجرين، وغلام من الأنصار، فضرب أحدهما الآخر على دبره بيده أو بصدر قدمه، فشق ذلك عليه، ولم يتحمله، وعدَّ هذا عيبًا، وكانت العرب تعده عيبًا، فنادى: يا للمهاجرين، ونادى الآخر: يا للأنصار، فسمع النبي ﷺ مقالتهما، فقال: «مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ»، وفي اللفظ الآخر: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ»، فأنكر النبي ﷺ عليهم التنادي بالمهاجرين والأنصار، وإن كانا لقبَين إسلاميَين، لكن لما كان فيهما دعوى إلى التحزب والعصبية، والتفريق بين المهاجرين والأنصار سماها النبي ﷺ دعوى الجاهلية.\nوإذا كان النبي ﷺ قد أنكر التعاضد بالمهاجرين والأنصار- وهما لقبان إسلاميان- فالتعاضد بغيرهما منكر من باب أولى، وكذلك لو قال: يا آل قحطان، يا آل العرب، فهو وإن كان أشملَ إلا أنه دعوى جاهلية- أيضا؛ لِما فيه من التحزب والتفريق، فإن كان مستغيثا ولا بد فليقل: أيها المسلمون، يا مسلمون، حتى ينصرَه كلُّ أحد من العرب والعجم.\nوفيه: أن عبد الله بن أُبيّ رئيس المنافقين قال: «قَدْ فَعَلُوهَا؟ ! وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ»: فاستأذن عمر ﵁ النبي ﷺ بقتله، وقال: «دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنْافقِ»، فقال النبي ﷺ: «دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ».\n_________\n(^١) الصحاح، للجوهري (٣/ ١٢٧٦)، النهاية، لابن الأثير (٤/ ١٧٣)، شرح مسلم، للنووي (٨/ ٣٩١).","vol":"7","page":331},{"text":"وفيه: نص على العلة في عدم قتل النبي ﷺ المنافقين، وهي لِما يترتب على ذلك من مفسدة تنفير الناس عن الإسلام؛ لأن عبد الله بن أُبيّ وغيره أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، فاليهود وكفار قريش وغيرهم يعتبرونهم من أصحاب النبي ﷺ، فإذا قتل النبي ﷺ المنافقين تحدث اليهود وتحدث الناس أن محمدًا ﷺ يقتل أصحابه، فكان ذلك تنفيرًا عن الإسلام، وكان صدًّا عن الدخول فيه.\nوقوله: «فَسَأَلَهُ الْقَوَدَ»: فيه: أنه لم يُقِدْه النبيُّ ﷺ؛ لأنه كسعه على وجه مزاحًا.\nوفيه: أنه لا ينبغي للمسلم المزاح بشيء يغضب منه أخوه المسلم، ويسبب الإحن والشحناء وإيغار الصدور، بل يكون المزاح بشيء لا يسبب شيئًا من ذلك.\nوفيه: النهي عن التنادي بالعصبية والقومية، وعزاء الجاهلية.","vol":"7","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1206>بَابُ تَرَاحُمِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَعَاضُدِهِمْ</span>\n\n[٢٥٨٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَأَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَابْنُ إِدْرِيسَ، وَأَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا».\n[خ: ٤٨١]\n\n[٢٥٨٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».\n[خ: ٦٠١١]\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ، إِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ».\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ، إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ».\nحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.","vol":"7","page":333},{"text":"في هذه الأحاديث: أن الرسول ﷺ شبَّه المؤمنين بالبنيان، وبالجسد الواحد، «إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»، وكذلك المسلمون إذا اشتكى واحد فشكواه شكوى الأمة كلِّها، والله تعالى جعلنا كنفس واحدة، فقال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾، يعني: لا يقتل بعضكم بعضًا، وقال: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾، يعني: ليسلم بعضكم بعضًا، وفي الحديث الآخر: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (^١)، فكما تحب لنفسك أن يرزقك الله، ويوفقك للعمل الصالح، ويرزقك مالًا حلالًا، وأولادًا صالحين، وزوجة صالحة، فعليك أن تحب لأخيك مثل ذلك، فإن لم تحب له ذلك فهذا نقص في الإيمان الواجب؛ ولهذا نفى النبي ﷺ الإيمان عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥).","vol":"7","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1207>بَابُ النَّهْيِ عَنِ السِّبَابِ</span>\n\n[٢٥٨٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ».\nقوله: «الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ»: المعنى: إذا حصل سباب بين اثنين فإن الإثم على الساب الأول؛ لأنه هو الظالم، والثاني مظلوم، إلا إذا اعتدى المظلوم فإنه يناله الإثم، وأما إذا ردَّ الثاني السبة بسبة مثلها فهذا قصاص وانتصار، وهذا حق له؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾، ولقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾.\nمثال ذلك: إذا قال شخص لشخص: لعنك الله، فقال الثاني: لعنك الله أنت، فالإثم على الأول؛ لأنه البادئ، والثاني مظلوم انتصر لنفسه واقتص لها، ليس عليه شيء إلا إذا زاد في سبه، وقال: لعنك الله وأخزاك، فزاد على كلامه، فهذا ظلم، أما إذا رد السبة بسبة مثلها من دون تكرار ومن دون زيادة فهذا انتصار واقتصاص، ومع ذلك فالأفضل أن يعفو ولا يرد السبة بمثلها؛ لقول الله ﷿: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾، ولقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، وقوله في الحديث الذي بعده: «وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عزًّا».","vol":"7","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1208>بَابُ اسْتِحْبَابِ الْعَفْوِ وَالتَّوَاضُعِ</span>\n\n[٢٥٨٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ».\nقوله: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ»: قال النووي ﵀: «ذكروا فيه وجهين: أحدهما: معناه أنه يبارك فيه ويدفع عنه المضرات، فينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية، وهذا مدرك بالحس والعادة. والثاني: أنه وإن نقصت صورته كان في الثواب المرتب عليه جبر لنقصه، وزيادة إلى أضعاف كثيرة» (^١).\nوقوله: «وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا»: فيه: دليل على أن الأفضل عدم الاقتصاص.\nوقوله: «وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ»: فيه: فضل التواضع، وهو أن يذل نفسه ويخضعها لإخوانه المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ومن ذلك: أن يلقي السلام عليهم، وأن يبذل النصح لهم، وأن يقبل الحق ممن جاء به.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٤١).","vol":"7","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1209>بَابُ تَحْرِيمِ الْغِيبَةِ</span>\n\n[٢٥٨٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟»، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ»، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ».\nفي هذا الحديث: بيان الغيبة، وقد فسرها النبي ﷺ بقوله: «أَتَدْرُونَ مَا الغِيبَةُ؟»: وأتى بالاستفهام حتى يُشوِّق السامع إلى الجواب، ثم عرَّفها بأنها: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ»، والغيبة- كما قيل- هي الكبيرة التي يغشاها الصالحون، وهي فاكهةُ مجالس كثير من الناس، فتراهم يقولون: فلان قصير، وفلان طويل، فلان لئيم، وفلان بخيل، فلان قال كذا، وفلان فعل كذا، وهكذا.\nوالغيبة محرمة بالكتاب والسنة والإجماع، وهي من كبائر الذنوب، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، والنهي للتحريم كما هو معروف، وقال ﵊: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُم، وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» (^١)، وقد نفَّر الله تعالى عنها تنفيرًا عظيمًا بقوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾، فهل يستطيع الإنسان أن يأكل لحمًا ميتًا؟ فكيف إذا كان هذا اللحمُ الميت لحمَ أخيه المسلم؟ !\nفالغيبة- كما بيَّنها النبيُّ ﷺ-: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ»، هذا إذا كان الكلام\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٧)، ومسلم (١٦٧٩).","vol":"7","page":337},{"text":"الذي قيل فيه موجودًا فيه، وأما إذا لم يكن فيه فهذا يعدُّ بهتانًا، والبهتان: هو الباطل.\nولكن يُستثنى من الغيبة إذا كان الكلام لغرض شرعي صحيح وهي ستةُ أمور:\nالأول: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول: فلان ظلمني وأخذ حقي، فهذا مستثنى؛ لأنه لا بد أن يطالب بحقه، ولا بد أن يتكلم في عرضه؛ ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الآخر: «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» (^١)، يعني: أن مماطلته تُحِلُّ عرضَه وعقوبته.\nالثاني: الاستعانة على تغيير منكر، فيقول لمن يرجو قدرته: فلان يعمل كذا فازجره عنه، ونحو ذلك، أو يقول ذلك لبعض إخوانه ليساعدوه في إزالة المنكر.\nالثالث: الاستفتاء، بأن يقول للمفتي: ظلمني فلان، أو زوجي بكذا فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه ودفع ظلمه عني؟ ونحو ذلك، فهذا جائز للحاجة، كما استفتت هند بنت عتبة ﵂ زوجة أبي سفيان ﵁ النبيَّ ﷺ، وقالت: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لا يَعْلَمُ، فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ، بِالْمَعْرُوفِ» (^٢).\nالرابع: تحذير المسلمين من الشر والفساد، والمجرمين وأهل البدع، ومن ذلك: جرح الرواة، كأن يقول: فلان ضعيف، فلان يتكلم في القَدَر، فلان يرى مذهب الخوارج، فلان رافضي، فهذا ونحوه ليس بغيبة، وإنما هو نصيحة لله، ولرسوله، ولكتابه، ولعامة المسلمين، وذلك جائز\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧٩٤٦)، وأبو داود (٣٦٢٨)، والنسائي (٤٦٨٩)، وابن ماجه (٢٤٢٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٣٦٤).","vol":"7","page":338},{"text":"بالإجماع، بل واجب صونا للشريعة.\nومنه: الإخبار بالعيب عند المشاورة، فمن ذلك لما جاء ثلاثة يخطبون فاطمة بنت قيس ﵂ إلى النبي ﷺ لما طلقت، وهم: معاوية بن أبي سفيان ﵁، وأبو جهم ﵁، وأسامة بن زيد ﵁، فجاءت تستشير النبي ﷺ، فقال لها النبي ﷺ: «أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، ثُمَّ قَالَ: انْكِحِي أُسَامَةَ» (^١)، وهذا من باب النصيحة، ولا بد من بذلها للمستشير.\nالخامس: الكلام في الفاسق والمبتدع المعلن بفسقه وبدعته، فهذا لا غيبة له؛ لأنك تذكره بما فيه، وهو الذي فضح نفسه علنًا، ومن ذلك قول النبي ضلى الله عليه وسلم: «فَلَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ» أما الإنسان المتستر الذي أغلق عليه بابه ولم يعلن فهذا لا يتكلم فيه إلا لمصلحة كالأمور التي سبقت.\nالسادس: التعريف، فإذا كان الإنسان معروفا بلقب لا يعرف إلا به، كالأعمش والأعرج، والأصم، والأحول وغيرهم جاز تعريفهم بذلك، ويحرم إطلاقه على جهة التنقص، ولو أمكن تعريفه بغير ذلك كان أَولى، مثل ابن علية، فإنه كان يكره أن يقال: ابن علية، ولكن المحدثين كانوا ينسبونه هكذا؛ لأنه لم يكن يعرف إلا بهذا.\nفهذه الأمور الستة مستثناة من الغيبة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٨٠).","vol":"7","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1210>بَابُ بِشَارَةِ مَنْ سَتَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَيْبَهُ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ</span>\n\n[٢٥٩٠] حَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا رَوْحٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَسْتُرُ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nفي هذا الحديث: بشارة للمؤمن، وأنه «لَا يَسْتُرُ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»: والمعنى: أن الله تعالى إذا ستر عيوب عبد ومعاصيه في الدنيا فإنه يستره في الآخرة، فلا ينشر عيوبه في أهل الموقف، كما جاء في الحديث الآخر: «يُدْنَى الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ ﷿، حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَعْرِفُ قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» (^١).\nوفيه: مشروعية الستر على المسلم إذا فعل معصية، مع الإنكار عليه، والنصيحة له، وتخويفه بالله إذا كان من ذوي الهيئات الذين يستترون بستر الله، أما إذا كان من أهل الشر والفساد المجاهرين بالمعاصي والفسق، فإنه لا ينبغي الستر عليهم؛ لأن الستر عليهم يجرئهم على المعاصي، وإنما يُرفع أمره إلى ولاة الأمور، ولو كان في هذا ذكر له؛ لأنه معلن بفسقه ومعصيته.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨).","vol":"7","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1211>بَابُ مُدَارَاةِ مَنْ يُتَّقَى فُحْشُهُ</span>\n\n[٢٥٩١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ- وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ- عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ: أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «ائْذَنُوا لَهُ، فَلَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ، أَوْ بِئْسَ رَجُلُ الْعَشِيرَةِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ لَهُ الَّذِي قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ قَالَ: يَا عَائِشَةُ: «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ، أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ».\n[خ: ٦٠٥٤]\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَ مَعْنَاهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: بِئْسَ أَخُو الْقَوْمِ، وَابْنُ الْعَشِيرَةِ.\nقوله: «فَلَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ»: العشيرة: القبيلة، أي: بئس هذا الرجل منها.\nوفي هذا الحديث: مشروعية مداراة من يتقى فحشه وشره بإلانة القول له، مع التحذير منه في غيبته، كما فعل النبي ﷺ، فإنه استأذن عليه شخص، فقال: «ائْذَنُوا لَهُ، فَلَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ»: فلما دخل ألان له القول، فقالت عائشة: «يَا رَسُولَ اللهِ قُلْتَ لَهُ الَّذِي قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ»، قَالَ: «يَا عَائِشَةُ: إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ، أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ».\nوينبغي التنبيه هنا على أن هناك فرقا بين المداراة والمداهنة، فالمداراة هي إلانة القول لمن يُتقى فحشه وشره، مع تحذير الناس في غيبته؛ لئلا يغتر به من لا يعرف حاله، وأما المداهنة فإنها مجاملة العاصي بأن يمدحه ويثني عليه في وجهه، ولا ينكر عليه المنكر، وهي حرام.","vol":"7","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1212>بَابُ فَضْلِ الرِّفْقِ</span>\n\n[٢٥٩٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ جَرِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ يُحْرَمُ الرِّفْقَ يُحْرَمُ الْخَيْرَ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْر، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ- يَعْنِي: ابْنَ غِيَاثٍ- كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ، وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لَهُمَا- قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا، وقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ الْعَبْسِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرًا يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ يُحْرَمُ الرِّفْقَ يُحْرَمُ الْخَيْرَ».\nفي هذا الحديث: فضل الرفق، وأنه مقرون بالخير، وأن من حُرم الرفق حُرم الخير، وفي اللفظ الآخر: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ»، فينبغي للإنسان أن يكون رفيقًا متأنيًا في أموره، وأن يحذر العجلة والطيش والتسرع والشدة في غير موضعها.","vol":"7","page":342},{"text":"حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ حُرِمَ الرِّفْقَ حُرِمَ الْخَيْرَ، أَوْ مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ».\n\n[٢٥٩٣] حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ- يَعْنِي: بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ: إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ».\nفي هذا الحديث: أن الله تعالى يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه، قال القاضي عياض: «معناه: يتأتى به من الأغراض ويسهل من المطالب مالا يتأتى بغيره» (^١)، فينبغي للإنسان أن يكون رفيقًا في أموره كلها.\nوفيه: إثبات أن الرفيق من أسماء الله تعالى؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن الله تعالى رفيق وأضافه إليه، ومثله ما ورد في الحديث الآخر من قوله ﷺ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ» (^٢)، وهذا الحديث الصحيح وإن كان خبرَ آحاد إلا أنه صالح للحجية، خلافًا لبعض أهل البدع الذين يقولون: إن خبر الآحاد لا تثبت به العقائد.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ٦٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (٩١).","vol":"7","page":343},{"text":"[٢٥٩٤] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْمِقْدَامِ- وَهُوَ ابْنُ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ».\nحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ الْمِقْدَامَ بْنَ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: رَكِبَتْ عَائِشَةُ بَعِيرًا، فَكَانَتْ فِيهِ صُعُوبَةٌ فَجَعَلَتْ تُرَدِّدُهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ»، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ.\nفي هذا الحديث: أن سبب أمر النبي ﷺ لعائشة ﵂ بالرفق أنها ركبت بعيرًا فيه صعوبة، أي: كان فى طبعه شدة وجموح، فجعلت تردده، أي: تحاول أن ترده إلى الاعتدال في مشيته بشيء من العنف كما يفعل كثير من الناس بركائبهم، فقال لها النبي ﷺ: «عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ».\nوقد ذكر العلماء سببا آخر لورود هذا الحديث، وهو أن بعض اليهود جاؤوا إلى النبي ﷺ، وكانوا يُسلِّمون عليه بقولهم: السام عليك، والسام: الموت، ففطنت لذلك عائشة ﵂، فقالت من وراء الحجاب: «وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٢٤)، ومسلم (٢١٦٥).","vol":"7","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1213>بَابُ النَّهْيِ عَنْ لَعْنِ الدَّوَابِّ وَغَيْرِهَا</span>\n\n[٢٥٩٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَامْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ، فَضَجِرَتْ، فَلَعَنَتْهَا، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «خُذُوا مَا عَلَيْهَا، وَدَعُوهَا فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ»، قَالَ عِمْرَانُ: فَكَأَنِّي أَرَاهَا الْآنَ تَمْشِي فِي النَّاسِ مَا يَعْرِضُ لَهَا أَحَدٌ.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ-.ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا الثَّقَفِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، بِإِسْنَادِ إِسْمَاعِيلَ نَحْوَ حَدِيثِهِ، إِلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ حَمَّادٍ، قَالَ عِمْرَانُ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهَا نَاقَةً وَرْقَاءَ، وَفِي حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ، فَقَالَ: خُذُوا مَا عَلَيْهَا، وَأَعْرُوهَا؛ فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ.\nقوله: «وَرْقَاء»، يعني: يخالط بياضها سوادٌ، والذكر أورق، وقيل: هي التي لونها كلون الرماد.\nوقوله: «وَأَعْرُوهَا»، يعني: جَرِّدوها.","vol":"7","page":345},{"text":"[٢٥٩٦] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا جَارِيَةٌ عَلَى نَاقَةٍ عَلَيْهَا بَعْضُ مَتَاعِ الْقَوْمِ، إِذْ بَصُرَتْ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَتَضَايَقَ بِهِمُ الْجَبَلُ، فَقَالَتْ: حَلِ اللَّهُمَّ الْعَنْهَا قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تُصَاحِبْنَا نَاقَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ. ح، وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ ابْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ- جَمِيعًا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ الْمُعْتَمِرِ: لَا، ايْمُ اللَّهِ لَا تُصَاحِبْنَا رَاحِلَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ مِنَ اللَّهِ، أَوْ كَمَا قَالَ.\nقوله: «فَقَالَتْ: حَلِ»: قال النووي ﵀: «هي كلمة زجر للإبل واستحثاث، يقال: حلْ حلْ بإسكان اللام فيهما، قال القاضي: ويقال- أيضا: حلِ حلِ بكسر اللام فيهما، بالتنوين، وبغير تنوين» (^١).\nوقوله: «ايْمُ اللهِ»: همزته همزة وصل، ويُستعمل للقسم، وأصله: ايمن الله، وتقديره: ايمن الله قسمي.\nوقوله: «لَا تَصِاحِبْنَا»: فيه: نهي النبي ﷺ عن مصاحبة الناقة الملعونة لهم؛ ولهذا أمر بأن يؤخذ ما عليها من الأمتعة، وتعرى، ويخلى سبيلها؛ من باب التعزير لهذه الجارية ولغيرها، فكأنها بلغها النهي عن اللعن، وهذا خاص بمصاحبتها للنبي ﷺ، وأما بقية التصرفات فيها فليست ممنوعة، كبيعها، وذبحها، وركوبها في غير مصاحبة النبي ﷺ، كل هذا مسكوت عنه؛ لتبقى لها الأحكام الأخرى، وهذا قول وجيه.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٤٨)، إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ٦٧).","vol":"7","page":346},{"text":"[٢٥٩٧] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ- وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ- عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا».\nحَدَّثَنِيهِ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقوله: «لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا»: الصدِّيق المبالغ في الصدق، فمن قوي تصديقه وإيمانه لا ينبغي أن يكون لعانًا، ولا يليق به أن يعود لسانه على اللعن، قال النووي ﵀: «لأن اللعنة في الدعاء يراد بها الإبعاد من رحمة الله تعالى، وليس الدعاء بهذا من أخلاق المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى بالرحمة بينهم والتعاون على البر والتقوى، فمن دعا على أخيه المسلم باللعنة- وهي الإبعاد من رحمة الله تعالى- فهو من نهاية المقاطعة والتدابر، وهذا غاية ما يوده المسلم للكافر ويدعو عليه» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٤٨).","vol":"7","page":347},{"text":"[٢٥٩٨] حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ بَعَثَ إِلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ بِأَنْجَادٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ قَامَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنَ اللَّيْلِ، فَدَعَا خَادِمَهُ فَكَأَنَّهُ أَبْطَأَ عَلَيْهِ فَلَعَنَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَتْ لَهُ أُمُّ الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُكَ اللَّيْلَةَ لَعَنْتَ خَادِمَكَ حِينَ دَعَوْتَهُ، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَعَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ.\nقوله: «بَعَثَ إِلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ بِأَنْجَادٍ مِنْ عِنْدِهِ»: الأنجاد: هو متاع البيت، من فرش ونمارق وستور (^١).\nوقوله: «لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»: قيل: المعنى لا يكونون شهداء يشهدون على الأمم السابقة بتبليغ رسالات ربهم، وقيل: المعنى: لا تُقبل شهادتهم في الدنيا لفسقهم، وقيل: لا يرزقون الشهادة وهي القتل في سبيل الله.\nوالمؤمن ينفع إخوانه في الدنيا بالشفاعة، وبتوجيهه وإرشاده لهم، وبماله، وببدنه، وفي الآخرة يشفع لمن يستحق الشفاعة من عصاة الموحدين منهم، فاللعَّان- والعياذ بالله- يُحرَم من هذه الفضيلة، يحرم من الشهادة في الدنيا، ومن الشفاعة في الآخرة.\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (٥/ ١٩)، لسان العرب، لابن منظور (٣/ ٤١٦).","vol":"7","page":348},{"text":"وفيه: أنه ينبغي للإنسان أن يُعوِّد لسانَه على الكلام الطيب ويحذر من الكلام السيئ، فإذا كان الإنسان منهيًّا عن لعن الدواب وعن الجمادات فلعن الآدمي من باب أولى.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلَا شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\n\n[٢٥٩٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ- يَعْنِيَانِ: الْفَزَارِيَّ- عَنْ يَزِيدَ- وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَ: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً».\nفي هذا الحديث: أن النبي ﵊ لم يبعث لعانًا، وإنما بعث رحمة للناس أجمعين، فلذلك ينبغي للمسلم أن يقتدي بنبيه ﷺ، فلا يكون لعانًا، وإنما يكون رحيما بخلق الله، قال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾.","vol":"7","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1214>بَابُ مَنْ لَعَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ سَبَّهُ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِ- وَلَيْسَ هُوَ أَهْلًا لِذَلِكَ- كَانَ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا وَرَحْمَةً</span>\n\n[٢٦٠٠] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلَانِ، فَكَلَّمَاهُ بِشَيْءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ، فَأَغْضَبَاهُ فَلَعَنَهُمَا وَسَبَّهُمَا، فَلَمَّا خَرَجَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَصَابَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا مَا أَصَابَهُ هَذَانِ قَالَ: «وَمَا ذَاكِ؟»، قَالَتْ: قُلْتُ: لَعَنْتَهُمَا وَسَبَبْتَهُمَا قَالَ: «أَوَ مَا عَلِمْتِ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي»، قُلْتُ: «اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا».\nحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، جَمِيعًا عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ جَرِيرٍ، وقَالَ فِي حَدِيثِ عِيسَى: فَخَلَوَا بِهِ، فَسَبَّهُمَا، وَلَعَنَهُمَا، وَأَخْرَجَهُمَا.\n\n[٢٦٠١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ، أَوْ لَعَنْتُهُ، أَوْ جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً».\n[خ: ٦٣٦١]\n\n[٢٦٠٢] وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ: زَكَاةً وَأَجْرًا.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ مِثْلَ حَدِيثِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عِيسَى جَعَلَ: وَأَجْرًا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَعَلَ: وَرَحْمَةً فِي حَدِيثِ جَابِرٍ.","vol":"7","page":350},{"text":"في هذه الأحاديث: جواز اللعن والسب لبعض الأشخاص لمن يستحق اللعن، وهذا مستثنى من الأحاديث السابقة التي فيها النهي عن اللعن والسب.\nوفيها: أن النبي ﷺ لعن هذين الرجلين، كما لعن رِعلًا وعصيَّة وذكوان الذين قتلوا القراء، فقنت شهرًا يدعو عليهم ويلعنهم (^١)، وكما لعن النبي ﷺ صفوان بن أمية، وشيبة بن ربيعة، والحارث بن هشام (^٢)، فهذا مستثنى من النهي عن اللعن.\nوفيها: دليل على أن من لعنه النبي ﷺ وسبه أو جلده- وهو ليس لذلك بأهل- فإن اللعن يكون زكاة له ورحمة وقربة تقربه من الله، كما اشترط النبي ﷺ على ربه، وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه.\nوفيها: شفقة النبي ﷺ على أمته، والاعتناء بمصالحهم والاحتياط لهم والرغبة في كل ما ينفعهم، بحيث إنه اشترط على ربه ﷿ أن من لعنه أو جلده- وهو ليس لذلك بأهل- أن يجعله الله له زكاة ورحمة وقُربة.\nلكن هذا مقيد بأن يكون ليس أهلا للسب واللعن مع كونه مسلما، أما إذا دعا عليه وسبه وهو أهل لذلك فلا يكون له رحمة، كما لعن النبي ﷺ السارق، والزاني، وشارب الخمر، ولعن آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، ودعا على الكفار والمنافقين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٠٩١)، ومسلم (٦٧٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٠٧٠).","vol":"7","page":351},{"text":"[٢٦٠١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ شَتَمْتُهُ لَعَنْتُهُ جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً، وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nحَدَّثَنَاه ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: أَوْ جَلَدُّهُ، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: وَهِيَ لُغَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِنَّمَا هِيَ: جَلَدْتُهُ.\nحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ.\nقوله: «فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً، وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»: صلاة أي: ثناء عليه، وزكاة أي: طهارة له من المعاصي، وقربة أي: تقربه إلى الله.\nوقول أبي هريرة ﵁: «أو جَلَدُّهُ»: هذه لغة دوس قبيلة أبي هريرة ﵁، فإنهم يبدلون التاء دالًا، ويدغمون الدال الأولى فيها، فأصلها: «جَلَدْتُهُ»، فصارت بعد الإبدال والإدغام: «جلدُّه».","vol":"7","page":352},{"text":"حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ سَالِمٍ- مَوْلَى النَّصْرِيِّينَ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، وَإِنِّي قَدِ اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ آذَيْتُهُ، أَوْ سَبَبْتُهُ، أَوْ جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ كَفَّارَةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا عَبْدٍ مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ، فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْ ذَلِكَ كَفَّارَةً لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\n\n[٢٦٠٢] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي ﷿ أَيُّ عَبْدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ أَوْ شَتَمْتُهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا».\nحَدَّثَنِيهِ ابْنُ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ. ح وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقوله: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي ﷿ أَيُّ عَبْدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ أَوْ شَتَمْتُهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا»: فيه: اشتراط أن يكون مسلمًا، أما الكافر فلا يكون له السبُّ واللعنُ والجلدُ زكاةً ولا طهارةً ولا كفارةً؛ لأنه لا بد من","vol":"7","page":353},{"text":"الإيمان، فهنا شرطان حتى يكون له ما ذُكر رحمةً وصلاةً وقربةً:\nالشرط الأول: أن يكون مسلمًا.\nالشرط الثاني: أن يكون ليس بأهل للسب، ولا للجلد، ولا للعن.\n\n[٢٦٠٣] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانَتْ عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمٍ يَتِيمَةٌ وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ، فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْيَتِيمَةَ، فَقَالَ: آنْتِ هِيَهْ؟ ! لَقَدْ كَبِرْتِ، لَا كَبِرَ سِنُّكِ، فَرَجَعَتِ الْيَتِيمَةُ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تَبْكِي، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: مَا لَكِ يَا بُنَيَّةُ؟ قَالَتْ الْجَارِيَةُ: دَعَا عَلَيَّ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنِّي، فَالْآنَ لَا يَكْبَرُ سِنِّي أَبَدًا، أَوْ قَالَتْ: قَرْنِي، فَخَرَجَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مُسْتَعْجِلَةً تَلُوثُ خِمَارَهَا حَتَّى لَقِيَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا لَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟»، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَدَعَوْتَ عَلَى يَتِيمَتِي؟ قَالَ: «وَمَا ذَاكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ»، قَالَتْ: زَعَمَتْ أَنَّكَ دَعَوْتَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنُّهَا وَلَا يَكْبَرَ قَرْنُهَا قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ شَرْطِي عَلَى رَبِّي أَنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي، فَقُلْتُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ، وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا، وَزَكَاةً، وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nوقَالَ أَبُو مَعْنٍ: يُتَيِّمَةٌ بِالتَّصْغِيرِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ مِنَ الْحَدِيثِ.\nقوله: «آنْتِ هِيَهْ؟ !»: بكسر الهاء الأولى وفتح المثناة، وسكون الهاء الأخيرة، قال الأُبِّي ﵀: «الهاء في «هِيَهْ»: للوقف وتسقط في الدرج، وهو استفهام على معنى التعجب، وكأنه رآها صغيرة ثم غابت عنه مدة فرآها قد","vol":"7","page":354},{"text":"طالت، فتعجب من سرعة ذلك، وقال ذلك متعجبا، ووصل كلامه بـ «لَا كَبِرَ سِنُّكِ»: على ما قلناه من الدعاء الجاري على غير قصد» (^١).\nقولها: «قرني»: القرن أهل كل زمان (^٢)، والسن والقرن سواء، يقال: هو سنه وقرنه، أى مماثله فى المولد، فكأن قال لها: لا طال عمرك؛ لأنه إذا طال عمرها طال عمر قرنها.\nوقوله: «لَا كَبِرَ سِنُّكِ»: هذه دعوة ليست لها بأهل، وهذه من الكلمات التي تجري على اللسان بدون قصد، فقد كان النبي ﷺ يمازحها بقوله: «لَا كَبِرَ سِنُّكِ»، فذهبت اليتيمة إلى أم سليم ﵂، وقالت: دعا عليَّ النبي ﷺ، والآن لا يكبر سني، فاستعجلت أم سليم ﵂ تلوث خمارها، يعني: تديره على رأسها؛ لتدرك النبي ﷺ، وقالت: «يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَدَعَوْتَ عَلَى يَتِيمَتِي؟ قَالَ: وَمَا ذَاكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، قَالَتْ: زَعَمَتْ أَنَّكَ دَعَوْتَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنُّهَا وَلَا يَكْبَرَ قَرْنُهَا»، فضحك النبي ﷺ، وبيَّن لها أن هذا من الدعاء الذي يجري على الألسنة بغير قصد، وقال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ، وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا، وَزَكَاةً، وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\n_________\n(^١) إكمال إكمال المعلم، للأُبّي (٧/ ٤٥).\n(^٢) الصحاح، للجوهري (٦/ ٢١٨٠)، النهاية، لابن الأثير (٤/ ٥١).","vol":"7","page":355},{"text":"[٢٦٠٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الْقَصَّابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ أَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَوَارَيْتُ خَلْفَ بَابٍ قَالَ: فَجَاءَ فَحَطَأَنِي حَطْأَةً، وَقَالَ: «اذْهَبْ، وَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ»، قَالَ: فَجِئْتُ، فَقُلْتُ: هُوَ يَأْكُلُ، قَالَ، ثُمَّ قَالَ لِيَ: «اذْهَبْ، فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ»، قَالَ: فَجِئْتُ، فَقُلْتُ: هُوَ يَأْكُلُ، فَقَالَ: «لَا أَشْبَعَ اللَّهُ بَطْنَهُ»، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: قُلْتُ لِأُمَيَّةَ: مَا حَطَأَنِي؟ قَالَ: قَفَدَنِي قَفْدَةً.\nحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كُنْتُ أَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَبَأْتُ مِنْهُ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ.\nقوله: «فَحَطَأَنِي حَطْأَةً»: فسَّرها الراوي بـ «قَفَدَنِي قَفْدَةً»: بقاف ثم فاء ثم دال مهملة، وهو: الضرب باليد مبسوطة بين الكتفين، وإنما فعل هذا بابن عباس ﵄ ملاطفة وتأنيسا.\nوفي هذا الحديث: ممازحته ﷺ لابن عباس ﵄، فقد دعا ابن عباس ﵄- وكان غلامًا صغيرًا لم يناهز الاحتلام، كان ابن عشر سنين أو أقل- دعاه فتوارى خلف الباب، فضربه بيده بين كتفيه من باب المزاح، وقال له: «اذْهَبْ، وَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ»، فذهب ودعا معاوية ﵁، فلم يأت، ثم أرسله مرة ثانية، وقال: «اذْهَبْ، فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ»، فلم يأت، وتأخر عليه، وقال: إنه يأكل يا رسول الله، فقال النبي ﷺ: «لَا أَشْبَعَ اللهُ بَطنَهُ»، وقد اختلف العلماء في هذا الدعاء، فقيل: إن النبي ﷺ دعا عليه بأن يأكل كثيرًا، وهذا فيه منقبة له؛ لأنه يتلذذ بالأكل، ولا يزال يأكل، والملوك يتلذذون بالأكل لكثرة المشتهيات، ولا يشبع لكونه لا يتعب فيترك الأكل، وهذه منقبة له.","vol":"7","page":356},{"text":"وقيل: إنه دعا عليه، وليس أهلًا لذلك، فتكون له زكاة ورحمة وقربة، وهذا هو الذي فهمه الإمام مسلم ﵀؛ ولهذا أدخل هذا الحديث في هذا الباب.\nوقيل: إن النبي ﷺ لم يقصد حقيقة الدعاء، وإنما جرى على لسانه بدون قصد، كقوله: «عَقْرَى حَلْقَى» (^١)، فهذه ثلاثة أجوبة عن دعاء النبي ﷺ على معاوية بن أبي سفيان ﵄.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٦١)، ومسلم (١٢١١).","vol":"7","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1215>بَابُ ذَمِّ ذِي الْوَجْهَيْنِ وَتَحْرِيمِ فِعْلِهِ</span>\n\n[٢٥٢٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ».\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَجِدُونَ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ».\nفي هذه الأحاديث: تحذير من أن يكون الإنسان ذا وجهين، وهو أن يأتي طائفة بوجه، وطائفة بوجه، فيأتي هؤلاء ويتكلم معهم بما يناسبهم، ثم يأتي الآخرين ويتكلم معهم بما يناسبهم، كمن يأتي أهلَ الخير ويثني على أعمالهم الصالحة، ثم يذهب بعد ذلك إلى الفسقة ويقول لهم: هذا الذي أنتم فيه إنما هو ترفيهٌ عن النفس، وترويح عنها، ولا تلتفتوا إلى هؤلاء الآمرين والناهين، الذين يريدون أن يضيقوا على الناس ويشددوا عليهم، وهذا من شر الناس- نعوذ بالله من هذا النفاق.\nوفي معنى هذا الحديث ما جاء في صحيح البخاري أنا ناسا قالوا لابن","vol":"7","page":358},{"text":"عمر ﵁: «إِنَّا نَدْخُلُ عَلَى سُلْطَانِنَا، فَنَقُولُ لَهُمْ خِلافَ مَا نَتَكَلَّمُ إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمْ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّهَا نِفَاقًا» (^١)، وقال الحق ﵎ في محكم تنزيله: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون﴾، وقال عن منافقي اليهود: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلى بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١٧٨).","vol":"7","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1216>بَابُ تَحْرِيمِ الْكَذِبِ، وَبَيَانِ الْمُبَاحِ مِنْهُ</span>\n\n[٢٦٠٥] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّ أُمَّهُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ- وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ اللَّاتِي بَايَعْنَ النَّبِيَّ ﷺ- أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا».\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ، مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ: كَذِبٌ، إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا.\n[خ: ٢٦٩٢]\nحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ صَالِحٍ، وَقَالَتْ: وَلَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخِّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ، بِمِثْلِ مَا جَعَلَهُ يُونُسُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ.\nوَحَدَّثَنَاهُ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: وَنَمَى خَيْرًا، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.\nقوله: «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا»، وذلك لأن الذي يصلح بين الناس محسن، و﴿ما على المحسنين من سبيل﴾، وقد قال الله تعالى: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا﴾، والإصلاح بين الناس ليس فيه إبطال لحق، ولا إحقاق لباطل، فإنما هو يصلح بين المتخاصمين والمتنازعين بدون أن","vol":"7","page":360},{"text":"يحصل ضرر على أحد، ولكن الكذاب الذي يسيء بالإفساد بينهم.\nوقوله: «وَلَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ، مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ: كَذِبٌ، إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا»: اختلف العلماء في معناه:\nالقول الأول: المراد على ظاهره، وأنه يجوز الكذب في هذه الثلاث، واحتجوا بقول إبراهيم ﷺ: ﴿بل فعله كبيرهم﴾، و﴿إني سقيم﴾، وقول منادي يوسف ﷺ: ﴿أيتها العير إنكم لسارقون﴾.\nالقول الثاني: ليس المراد من ذلك الكذب الصريح، ولكن المقصود التورية، وهي أن يقول كلامًا يفهم منه السامع شيئًا وهو يريد شيئًا آخر، وتأولوا قصة ابراهيم ويوسف ﵉، وماجاء من هذا على المعاريض، والله أعلم.","vol":"7","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1217>بَابُ تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ</span>\n\n[٢٦٠٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ»، وَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ يَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ صِدِّيقًا، وَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا».\nقوله: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ»، يعني: ألا أخبركم.\nوقوله: «ما العَضْهُ»: في ضبطها وجهان:\nالوجه الأول: العَضْه، بفتح العين وإسكان الضاد، بوزن: وَجْه، ومعناها: القطع، وهو ضبط أهل الحديث وغريبه.\nالوجه الثاني: العِضَه، بكسر العين وفتح الضاد بوزن: زِنَة وعِدَة، وهو ضبط أهل اللغة.\nوإنما سميت النميمة كذلك لِما فيها من قطع الصلة بين الأرحام، وبين المتوادين والمتحابين، وذلك لأنها نقل الكلام من شخص إلى آخر، ومن جماعة إلى أخرى، وسواء قصد في ذلك الإفساد أو لم يقصد فهي نميمة، وإذا قصد الإفساد كان ذلك أشد وأعظم.\nوالنميمة من كبائر الذنوب، يدل عليه الوعيد الشديد بعدم دخول الجنة الوارد في قوله ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ» (^١)، أي: نمام.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٥٦)، ومسلم (١٠٥).","vol":"7","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1218>بَابُ قُبْحِ الْكَذِبِ، وَحُسْنِ الصِّدْقِ، وَفَضْلِهِ</span>\n\n[٢٦٠٧] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا».\n[خ: ٦٠٩٤]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الصِّدْقَ بِرٌّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ فُجُورٌ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا».\nقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ قَالَا: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا».\nحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنِ","vol":"7","page":363},{"text":"الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ عِيسَى: وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ: حَتَّى يَكْتُبَهُ اللَّهُ.\nهذا الحديث أوفى الأحاديث في ألفاظ البر، والصدق، والكذب، والفجور، ففيه: الحثُّ على الصدق، والتحذيرُ من الكذب بأفخم أسلوب، وأجزل عبارة.\nوالصدق يكون في الأقوال، ويكون في الأفعال، فمن الصدق في الأقوال قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾، وقال تعالى: ﴿قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم﴾، فمن صلى ولم يطع الله لم يصدق في صلاته، ومن صام ولم يجتنب ما حرم الله على الصائم لم يصدق في صيامه.\nومن الصدق في الأفعال ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا، فَمُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، والأُذُنُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الاسْتِمَاعُ، واليَدُ تَزْنِي وَزِنَاهَا البَطْشُ، والرِّجْلُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الْمَشْيُ، والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ» (^١).\nوالمؤمن صادق في إيمانه، والمنافق كاذب في إيمانه، فالمنافقون يدَّعون الإيمان بألسنتهم، وهم كاذبون بقلوبهم، قال تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ إلى قوله: ﴿ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون﴾، والمؤمنون صادقون في إيمانهم بألسنتهم وقلوبهم، فالقلب له صدق وله كذب كما أن الجوارح لها صدق ولها كذب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٢٤٣)، ومسلم (٢٦٥٧).","vol":"7","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1219>بَابُ فَضْلِ مَنْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَبِأَيِّ شَيْءٍ يَذْهَبُ الْغَضَبُ</span>؟\n\n[٢٦٠٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- واللفظ لقتيبة- قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟»، قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ قَالَ: «لَيْسَ ذَاكَ بِالرَّقُوبِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا»، قَالَ: «فَمَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟»، قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ قَالَ: «لَيْسَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَ مَعْنَاهُ.\n\n[٢٦٠٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَا كِلَاهُمَا: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ».\nحَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ»، قَالُوا: فَالشَّدِيدُ أَيُّمَ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِهْرَامَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ،","vol":"7","page":365},{"text":"أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nقوله: «مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ بِالرَّقُوبِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا»: قال النووي ﵀: «أصل الرقوب في كلام العرب الذي لا يعيش له ولد، ومعنى الحديث: أنكم تعتقدون أن الرقوب المحزون هو المصاب بموت أولاده وليس هو كذلك شرعا، بل هو من لم يمت أحد من أولاده في حياته فيحتسبه، ويكتب له ثواب مصيبته به وثواب صبره عليه ويكون له فرطا وسلفا» (^١).\nوقوله: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ»: الصُّرَعة بضم الصاد المهملة وفتح الراء على وزن هُمَزَة: هو الذي يطرح الرجال أرضا ويصرعهم، قال النووي ﵀: «إنكم تعتقدون أن الصرعةَ الممدوحَ القويَّ الفاضلَ هو القويُّ الذي لا يصرعه الرجال بل يصرعهم، وليس هو كذلك شرعا، بل هو من يملك نفسه عند الغضب، فهذا هو الفاضل الممدوح الذي قل مَن يقدر على التخلق بخلقه ومشاركته في فضيلته، بخلاف الأول» (^٢).\nوفي هذه الأحاديث: نفي الصفة عن غير الأكمل وإن كانت ثابتة فيه؛ لإثباتها للأكمل، فالنبي ﷺ نفى الصفة- وهي القوة- عن الصرعة وإن كانت ثابتة فيه؛ ليثبتها للأكمل، وهو الذي يملك نفسه عند الغضب، وكذلك يقال في معنى الرقوب.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٦٢).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٦٢).","vol":"7","page":366},{"text":"[٢٦١٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا تَحْمَرُّ عَيْنَاهُ وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَهَلْ تَرَى بِي مِنْ جُنُونٍ؟ قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: فَقَالَ: وَهَلْ تَرَى، وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّجُلَ.\nحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ ثَابِتٍ يَقُولُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا يَغْضَبُ وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنْهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، فَقَامَ إِلَى الرَّجُلِ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آنِفًا؟ قَالَ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنْهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَمَجْنُونًا تَرَانِي؟\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nفي هذين الحديثين: أنه استب رجلان عند النبي ﷺ، فغضب أحدهما وانتفخت أوداجه واحمر وجهه، فقال النبي ﷺ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنْهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»: فقيل للرجل الغضبان: «أَتَدْرِي مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آنِفًا؟ قَالَ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنْهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَمَجْنُونًا تَرَانِي؟»: وهذا يدل على تملك الغضب منه؛ ولهذا لم يفهم هذه الكلمة، ولا يدل على أنه منافق، أو أنه من","vol":"7","page":367},{"text":"جفاة الأعراب كما قال النووي ﵀ (^١)، مع أنه محتمل.\nوفيهما: أنه ينبغي للإنسان ألا يغضب ما استطاع إلى ذلك سبيلا، عملا بوصية النبي ﷺ لَمَّا جاءه رجل وقال: أوصني، فقال: «لَا تَغْضَبْ»، فردد مرارًا قال: «لَا تَغْضَبْ» (^٢).\nفإذا غضب فإن عليه أن يعمل بالأسباب التي تخفف عنه الغضب، أو تزيله، ومن ذلك:\nأولًا: ما جاء في هذا الحديث أن يقول: «أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ».\nثانيًا: أن يتوضأ، فقد جاء في سنن أبي داود مرفوعًا: «إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ» (^٣)، فيستحب للإنسان أن يتوضأ ويصلي ركعتين، فقد جاء في الحديث- وإن كان ضعيفًا-: «تَكْفِيرُ كُلِّ لِحَاءٍ رَكْعَتَانِ» (^٤)، واللحاء: المخاصمة والمسابة.\nثالثًا: أن يغير حاله التي كان عليها، كأن يخرج من البيت إذا كان في البيت وغضب من زوجته أو أولاده، أو يجلس إذا كان قائمًا، أو يضطجع إن كان جالسا، امتثالا لأمر النبي ﷺ، كما جاء في حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ» (^٥).\nفإذا فعل هذه الأمور الثلاثة أو أحدها فإن الغضب يخف عنه أو يزول بإذن الله تعالى.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٦٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦١١٦).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٧٩٨٥)، وأبو داود (٤٧٨٤).\n(^٤) أخرجه البيهقي في الشعب (٢٩٩٠)، والطبراني في الكبير (٧٦٥١).\n(^٥) أخرجه أحمد (٢١٣٤٨)، وأبو داود (٤٧٨٢).","vol":"7","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1220>بَابُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ</span>\n\n[٢٦١١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَمَّا صَوَّرَ اللَّهُ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتْرُكَهُ، فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يُطِيفُ بِهِ يَنْظُرُ مَا هُوَ، فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nقوله: «يُطِيفُ بِهِ»: قال أهل اللغة: طاف بالشيء يطوف طوفا وطوافا، وأطاف يطيف إذا استدار حواليه.\nوقوله: «فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ»، يعني: صاحب جوف، أو داخله خالٍ.\nوقوله: «عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ»: قيل: معناه: لا يملك نفسه ويحبسها عن الشهوات، وقيل: لا يملك دفع الوسواس عنه، وقيل: لا يملك نفسه عند الغضب (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٦٤).","vol":"7","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1221>بَابُ النَّهْيِ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ</span>\n\n[٢٦١٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يَعْنِي: الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ».\n[خ: ٢٥٥٩]\nحَدَّثَنَاه عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ.\nحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ».\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعَ أَبَا أَيُّوبَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلَا يَلْطِمَنَّ الْوَجْهَ».\nحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ حَاتِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَالِكٍ الْمَرَاغِيِّ- وَهُوَ أَبُو أَيُّوبَ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ».\nهذه الأحاديث فيها: النهي عن ضرب الوجه ولطمه، والنهي للتحريم، وهذا سواء أكان المضروب من الآدميين، أم من العجماوات.","vol":"7","page":370},{"text":"وكذلك- أيضًا- جاء في الأحاديث النهي عن وسم الدابة في وجهها؛ وذلك لأن الوجه لطيف، ومجمع المحاسن، ومحل الإدراكات، فالضرب يؤثر فيه، وقد يؤدي إلى إبطال بعض الإدراكات كالسمع، والبصر، والشم، والذوق؛ ولهذا نهي عن الضرب فيه.\nوقوله ﷺ: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»: فيه إثبات الصورة لله ﷿، وأن لله تعالى صورة لا تشبه الصور، وهي صفة من صفات الله كسائر الصفات، خلافًا لابن خزيمة ﵀ في كتاب التوحيد؛ فإنه نفى الصورة عن الله خوفًا من التشبيه، والحق أنه لا يلزم منه التشبيه؛ لأن الصورة لا تشبه الصور، كسائر الصفات، السمع، والبصر، والكلام، بل كل شيء قائم له صورة.\nوقد اختلف العلماء في مرجع الضمير في قوله ﷺ: «عَلَى صُورَتِهِ»: على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: إن الضمير يعود إلى المضروب، فقوله: «فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»، أي: على صورة المضروب، وهذا قول باطل؛ إذ كيف يُخلق آدم على صورة المضروب، وهو أبو البشر؟\nالقول الثاني: إنه يعود إلى آدم ﵇، وهو أن الله تعالى خلق آدم على صورة آدم، وهذا قول باطل، وهو قول الجهمية، قال ابن حجر: وقال الطبراني في كتاب السنة: «حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال قال رجل لأبي إن رجلا قال خلق الله آدم على صورته أي صورة الرجل فقال كذب هو قول الجهمية» (^١) أي صورة لآدم قبل أن يخلقه الله؟ ! .\nالقول الثالث: أن الضمير يعود إلى الله تعالى، والمعنى: خُلِقَ آدمُ على صورة الرحمن، وهذا هو الصواب الذي قرره أهل السنة والجماعة، منهم:\n_________\n(^١) فتح البارى، لابن حجر (٥/ ١٨٣).","vol":"7","page":371},{"text":"الإمام أحمد ﵀ (^١)، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (^٢)، وقد ردَّ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه: (بيان تلبيس الجهمية) (^٣) قول الرازي في كتابه: (أساس التقديس) (^٤): بأن الضمير يعود إلى آدم ﵇.\nوالحديث يقتضي نوعًا من المشابهة وهي المشابهة في مطلق الصورة، لا في الحقيقة ولا في المقدار، كمن رأى انعكاس القمر في الماء، وقال: هذا قمر، فهذه الصورة تشبه القمر في الشكل والصورة، لكن هل حقيقة الصورة التي في الماء هي حقيقة القمر الذي في السماء؟ الجواب: لا؛ لأنها لا تشبهه لا في الحقيقة، ولا في المقدار، ولا في الجنس، وإنما المشابهة في مطلق الصورة.\nفالصحيح- كما أسلفنا- أن الضمير في قوله: «عَلَى صُورَتِهِ»: يعود إلى الله تعالى، بدليل ما ثبت في الرواية الأخرى من قوله ﷺ: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ» (^٥)، وهذه رواية ثابتة بسند لا بأس به، ذكرها الحافظ ابن حجر ﵀ في (فتح الباري) (^٦)، والمازري ﵀- لكونه من المؤولة- ردَّ هذه الرواية، وقال: «إنها غير ثابتة» (^٧)، وهذا باطل.\nوالصواب: أنها ثابتة، كما قال الحافظ ابن حجر ﵀، بل إن من أهل السنة من غلط في هذا؛ لأنه لم يفهم معنى الحديث، فظن أن فيه تشبيهًا، ومنهم ابن خزيمة ﵀ في (كتاب التوحيد)، فقد قال: «أيها الناس لا\n_________\n(^١) إبطال التأويلات، لأبي يعلى (١/ ٧٥).\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية، لابن تيمية (٦/ ٣٨٤ - ٤١٩).\n(^٣) بيان تلبيس الجهمية، لابن تيمية (٦/ ٣٥٥ - ٣٦٦).\n(^٤) أساس التقديس، للرازي (ص ١١٠ - ١١٦).\n(^٥) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٤٩٨)، والطبراني في الكبير (١٣٥٨٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٩٤٠)، والدارقطني في الصفات (٤٨).\n(^٦) فتح الباري، لابن حجر (٥/ ١٨٣).\n(^٧) المعلم بفوائد مسلم، للمازري (٣/ ٤٢٩).","vol":"7","page":372},{"text":"تغلطوا ولا تغالطوا» (^١) يعني: أن الضمير لا يعود إلى الله تعالى؛ ظنًّا منه أن في ذلك مشابهة للمخلوقين.\nوقد ذكر النووي ﵀ في المسألة مذهبين: مذهب المفوضة، ومذهب المؤولة، فقال ﵀: «وأما قوله ﷺ: «فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»: فهو من أحاديث الصفات، وقد سبق في كتاب الإيمان بيان حكمها واضحًا ومبسوطًا، وأن من العلماء من يمسك عن تأويلها، ويقول: نؤمن بأنها حق، وأن ظاهرها غير مراد، ولها معنى يليق بها، وهذا مذهب جمهور السلف، وهو أحوط وأسلم» (^٢).\nوهذا القول باطل؛ لأن هذا مذهب المفوضة، وليس مذهب جمهور السلف كما قال، والمفوضة أشرُّ من المؤولة، فهم يقولون: إن هذه النصوص وأمثالها لها معانٍ لا يعلمها إلا الله، فيجب أن نفوض معناها إليه.\nوالصواب: أن معانيَ النصوص معلومة، ولكن الكيفية مجهولة، كما قال الإمام ربيعة ﵀- لما سئل عن الاستواء-: «الاستواء معقول، والكيف مجهول» (^٣)، فالاستواء معقول أي: معقول معناه في اللغة، وهو: الاستقرار، والصعود، والعلو، والارتفاع، ولكن كيفيته في حقه تعالى مجهولة، وهي التي تُفوض إلى الله تعالى.\nثم ذكر ﵀ مذهب المؤولة فقال: «والثاني: أنها تتأول بحسب ما يليق بتنزيه الله تعالى، وأنه ليس كمثله شيء» (^٤).\nوهذان المذهبان مجافيان لمذهب السلف رضوان الله عنهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فهم أثبتوا الصفات لله ﷿، وأثبتوا معانيها، وأما\n_________\n(^١) التوحيد، لابن خزيمة (١/ ٨٤).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٦٥).\n(^٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة، للالكائي (٣/ ٥٢٧).\n(^٤) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٦٦).","vol":"7","page":373},{"text":"كيفية ذلك فهذا الذي فوضوا علمه إلى الله ﷾، كما قال ربيعة شيخ مالك ﵏: «الاستواء معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» (^١).\nوكذلك نحن نقول في الصورة لله: الصورة معلومٌ معناها في اللغة، مجهولةٌ كيفيتُها؛ لأن صورة الرب جل وعلا لا يعلمها أحد إلا الله.\nوقال المازري ﵀: «ورواه بعضهم: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ» (^٢)، وَلا يثبت هذا عند أهل النقل» (^٣).\nوالصواب: أنه ثابت، وقد أثبته الحافظ ابن حجر ﵀ (^٤).\nثم قال ﵀: «واعلم أن هذا الحديث غلِط فيه ابن قتيبة وأجراه على ظاهره (وقال: فإن الله سبحانه له صورة لا كالصور وأجرى الحديث على ظاهره والذي قاله لا يخفى فساده؛ لأن الصورة تفيد التركيب وكلّ مركبٍ محدث والباري ﷾ ليس بمحدث» (^٥).\nوهذا صحيح بالنسبة للمخلوق، وأما بالنسبة للخالق فإنا نقول: إن لله تعالى صورة لا كصور المخلوق، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، فهي صورة سالمة من التركيب، بخلاف صورة المخلوق التي يلزمها التركيب والتجسيد.\nوقال ﵀: «وعجبًا لابن قتيبة في قوله: صورة لا كالصّوَر، مع كون هذا الحديث يَقتضي ظاهره عنده خَلق آدم على صورته فقد صارت صورة\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة، للالكائي (٣/ ٥٢٧).\n(^٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٤٩٨)، والطبراني في الكبير (١٣٥٨٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٩٤٠)، والدارقطني في الصفات (٤٨).\n(^٣) المعلم، للمازري (٣/ ٢٩٩).\n(^٤) فتح الباري، لابن حجر (٥/ ١٨٣).\n(^٥) المعلم، للمازري (٣/ ٢٩٩).","vol":"7","page":374},{"text":"الباري سبحانه على صورة آدم ﵇ على ظاهر هذا على أصله فكيف يكون على صورة آدم ويقول: إنها لا كالصوّر، هذا تناقض» (^١).\nفانظر كيف يتعجب من قول ابن قتيبة ﵀، والعجب من قوله هو، فينبغي لطالب العلم أن يتنبهَ لمثل هذا، ويكونَ منه على حذر، فهؤلاء العلماء الكبار كالمازري، والنووي ﵏ وغيرهم أوَّلوا هذه الصفات، وظنوا أن هذا هو الحق، ولم يوفَّقوا لمذهب أهل السنة والجماعة، وهذا يفيد أنه ينبغي لطالب العلم أن يعض على مذهب أهل السنة والجماعة بالنواجذ، وأن يحمد الله تعالى أن وفقه لِما اختلف فيه من الحق.\n_________\n(^١) المعلم، للمازري (٣/ ٣٠٠).","vol":"7","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1222>بَابُ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِمَنْ عَذَّبَ النَّاسَ بِغَيْرِ حَقٍّ</span>\n\n[٢٦١٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: مَرَّ بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ، وَصُبَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الزَّيْتُ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: يُعَذَّبُونَ فِي الْخَرَاجِ، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ فِي الدُّنْيَا».\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَرَّ هِشَامُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَلَى أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْبَاطِ بِالشَّامِ، قَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ، فَقَالَ: مَا شَأْنُهُمْ؟ قَالُوا: حُبِسُوا فِي الْجِزْيَةِ، فَقَالَ هِشَامٌ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا».\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ قَالَ: وَأَمِيرُهُمْ- يَوْمَئِذٍ- عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى فِلَسْطِينَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَحَدَّثَهُ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَخُلُّوا.\nقوله: «عَلَى أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْبَاطِ»: الأنباط: العجم، أو الفلاحون من العجم الذين يعملون في المزارع الوقفية، ويدفعون الخراج الذي يكون عليها.\nوفي هذه الأحاديث: الوعيد الشديد للذين يعذبون الناس في الدنيا، وهذا إذا كان التعذيب بغير حق، أما إذا كان التعذيب بحق فلا يشمله هذا الوعيد، كقطع يد السارق، وجلد الزاني ورجمه، وكذلك تعزير من ثبتت عليه التهمة، وتعزير من لم يؤدِّ الواجب حتى يدفع الحق الذي عليه، هذا لا يتناوله الوعيد، إنما يتناول الوعيد الذين يعذبون الناس بغير حق.","vol":"7","page":376},{"text":"ولكن لا ينبغي أن يكون التعذيب- وإن كان بحق- بما قد يؤدي إلى القتل؛ لأن المقصود من التعزير الردع والزجر، والحمل على دفع الحق وأداء الواجب، وليس المقصود القتل، ولهذا أنكر هشام بن حكيم ﵁ أن يوقف هؤلاء الأنباط في الشمس، ويصب على رؤوسهم الزيت الحار، ولَمَّا روى قوله ﷺ: «إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ»: أمر بهم الأمير فَخُلُّوا- بضم الخاء المعجمة- أي: خُلِّي سبيلهم، وترُكوا بعد سماعه لهذا الحديث.\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ وَجَدَ رَجُلًا- وَهُوَ عَلَى حِمْصَ- يُشَمِّسُ نَاسًا مِنَ النَّبْطِ فِي أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا».\nقوله: «يُشَمِّسُ نَاسًا»، يعني: يوقفهم في الشمس.","vol":"7","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1223>بَابُ أَمْرِ مَنْ مَرَّ بِسِلَاحٍ فِي مَسْجِدٍ، أَوْ سُوقٍ</span>،\nأَوْ غَيْرِهِمَا- مِنَ الْمَوَاضِعِ الْجَامِعَةِ لِلنَّاسِ- أَنْ يُمْسِكَ بِنِصَالِهَا\n\n[٢٦١٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: مَرَّ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ بِسِهَامٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا».\n[خ: ٤٥١]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا، وقَالَ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَجُلًا مَرَّ بِأَسْهُمٍ فِي الْمَسْجِدِ قَدْ أَبْدَى نُصُولَهَا، فَأُمِرَ أَنْ يَأْخُذَ بِنُصُولِهَا كَيْ لَا يَخْدِشَ مُسْلِمًا.\nقوله: «أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا»: النصال والنصول جمع نصل، وهي حديدة السهم.\nوفي هذين الحديثين: أن النبي ﷺ أمر هذا الرجل أن يأخذ بنصال السهام، حتى لا تخدش أحدًا من المسلمين، وفي معناه: إذا مر إنسان بسيارته في أماكن عامة وعليها حطب أو حديد، فعليه أن يمشي بتؤدة وطمأنينة؛ حتى لا يخدش أحدا من المسلمين فيؤذيهم.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا كَانَ يَتَصَدَّقُ بِالنَّبْلِ فِي الْمَسْجِدِ أَنْ لَا يَمُرَّ بِهَا إِلَّا وَهُوَ آخِذٌ بِنُصُولِهَا.\nوقَالَ ابْنُ رُمْحٍ: كَانَ يَصَّدَّقُ بِالنَّبْلِ.\nقوله: «أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا كَانَ يَتَصَدَّقُ بِالنَّبْلِ فِي الْمَسْجِدِ أَنْ لَا يَمُرَّ بِهَا إِلَّا وَهُوَ آخِذٌ","vol":"7","page":378},{"text":"بِنُصُولِهَا»: فيه: أن هذا الرجل كان يتصدق بالنبل على الصحابة؛ ليستعينوا به على الجهاد في سبيل الله، ومثل ذلك من يتصدق بالرصاص في وقت الجهاد.\nوفي هذا الحديث: جواز الصدقة في المسجد، وردٌّ على من قال: إن المسجد ليس مكانًا للصدقة، فقد جاء في الحديث: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ مِنْ كُلِّ جَادِّ عَشْرَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ، بِقِنْوٍ يُعَلَّقُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْمَسَاكِينِ» (^١)، فالصدقة في المسجد جائزة بنص هذا الحديث، ولأن الإنسان قد لا يجد الفقير إلا في المسجد.\n\n[٢٦١٥] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَجْلِسٍ، أَوْ سُوقٍ وَبِيَدِهِ نَبْلٌ، فَلْيَأْخُذْ بِنِصَالِهَا، ثُمَّ لِيَأْخُذْ بِنِصَالِهَا، ثُمَّ لِيَأْخُذْ بِنِصَالِهَا»، قَالَ: فَقَالَ أَبُو مُوسَى: وَاللَّهِ مَا مُتْنَا حَتَّى سَدَّدْنَاهَا بَعْضُنَا فِي وُجُوهِ بَعْضٍ.\n[خ: ٧٠٧٥]\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ- وَاللَّفْظُ لِعَبْدِ اللَّهِ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا، أَوْ فِي سُوقِنَا وَمَعَهُ نَبْلٌ، فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا بِكَفِّهِ أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَيْءٍ، أَوَ قَالَ: لِيَقْبِضَ عَلَى نِصَالِهَا».\nقوله: «وَاللَّهِ مَا مُتْنَا حَتَّى سَدَّدْنَاهَا بَعْضُنَا فِي وُجُوهِ بَعْضٍ»: السداد: القصْد والاستقامة، فأبو موسى ﵁ يشير إلى الخلاف والقتال الذي وقع بين الصحابة رضوان الله عنهم، والمعنى: لم نلبث طويلا حتى أقمناها ووجهناها بعضنا في وجوه بعض، وصار بعضنا يقاتل بعضًا.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٦٦٢)، وابن حبان (٣٢٨٩).","vol":"7","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1224>بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْإِشَارَةِ بِالسِّلَاحِ إِلَى مُسْلِمٍ</span>\n\n[٢٦١٦] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: «مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَدَعَهُ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\n\n[٢٦١٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ».\n[خ: ٧٠٧٢]\nفي هذين الحديثين: الوعيد الشديد على الإشارة بالسلاح إلى المسلم، وأنه من الكبائر؛ لأن الملائكة تلعن فاعله، كما قال النبي ﷺ: «مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَدَعَهُ»، واللعن: الإبعاد والطرد من رحمة الله.\nوقوله: «وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ»، أي: ولو كان هذا الذي يشير إليه غير متهم بقتله؛ لكونه أخاه لأبيه وأمه؛ لعموم النهي لأمرين:\nالأمر الأول: أن ترويع المسلم حرام.\nالأمر الثاني: هو ما أشار إليه في الحديث: «لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ»، يعني: يحقق الضربة فتصيب.\nقال النووي ﵀: «فيه: مبالغة في إيضاح عموم النهي في كل أحد،","vol":"7","page":380},{"text":"سواء من يتهم فيه ومن لا يتهم، وسواء كان هذا هزلا ولعبا أم لا؛ لأن ترويع المسلم حرام بكل حال، ولأنه قد يسبقه السلاح كما صرح به في الرواية الأخرى» (^١).\nوقوله: «لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ»: «يَنْزِعُ» بالعين المهملة وكسر الزاي، ومعناه: يرمي في يده ويحقق ضربته ورميته، وروي: «يَنْزَغُ» (^٢) بالغين المعجمة وفتح الزاي، وهو بمعنى الإغراء، أي: أن الشيطان يغريه ويحثه على الضرب ويزينه له، وهذا واقع ومشاهد.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٧٠).\n(^٢) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ٩٦).","vol":"7","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1225>بَابُ فَضْلِ إِزَالَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ</span>\n\n[١٩١٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ- مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ».\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُؤْذِيهِم؛ فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ».\nفي هذين الحديثين: فضل عظيم لمن أزال الأذى عن المسلمين، وأنه من أسباب دخول الجنة، فهذا الرجل أزال غصن شوك عن المسلمين فغفر الله له بسبب ذلك، وهذا يدل على أن بعض الحسنات قد تكون سببًا في مغفرة الذنوب، وظاهره أن الله غفر له الكبائر؛ مثل قصة المرأة البغي من بني إسرائيل التي سقت كلبًا فغفر الله لها تلك الكبيرة (^١)، فهذه الحسنة قد تكون من الحسنات العظيمة، وقد تمحى بها كبائر الذنوب.\nوفيهما: فضل إزالة الأذى عن المسلمين، وإذا كان هذا في إزالة الأذى الحسي فإزالة الأذى المعنوي أَولى وأعظمُ أجرًا، وهو إزالة المنكرات وردع أصحابها باليد أو باللسان، وإنكارها عليهم بالقلب عند عدم القدرة؛ لأن أذى المنكرات أشد؛ لكونها سببا في العقوبات.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٦٧)، ومسلم (٢٢٤٥).","vol":"7","page":382},{"text":"حَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ».\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ شَجَرَةً كَانَتْ تُؤْذِي الْمُسْلِمِينَ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَطَعَهَا فَدَخَلَ الْجَنَّةَ».\n\n[٢٦١٨] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبَانَ بْنِ صَمْعَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو الْوَازِعِ، حَدَّثَنِي أَبُو بَرْزَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ قَالَ: «اعْزِلِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ عَنْ أَبِي الْوَازِعِ الرَّاسِبِيِّ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّ أَبَا بَرْزَةَ قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَا أَدْرِي لَعَسَى أَنْ تَمْضِيَ وَأَبْقَى بَعْدَكَ، فَزَوِّدْنِي شَيْئًا يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «افْعَلْ كَذَا، افْعَلْ كَذَا»، أَبُو بَكْرٍ نَسِيَهُ، «وَأَمِرَّ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ».\nقوله: «وَأَمِرَّ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ»، يعني: أَزِله، وفي لفظ: «أَمِزَّ» (^١) بالزاي، يعني: أبعده، من ماز الشيء عن الشيء: أزاله، والمعنى واحد.\n_________\n(^١) مطالع الأنوار، لابن قرقول (٤/ ٣٢).","vol":"7","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1226>بَابُ تَحْرِيمِ تَعْذِيبِ الْهِرَّةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يُؤْذِي</span>\n\n[٢٢٤٢] حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ بْنِ عُبَيْدٍ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ- يَعْنِي: ابْنَ أَسْمَاءَ- عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ هِيَ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ».\nحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، جَمِيعًا عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ جُوَيْرِيَةَ.\nوَحَدَّثَنِيهِ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ أَوْثَقَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَسْقِهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ».\nحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\n\n[٢٦١٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ مِنْ جَرَّاءِ هِرَّةٍ لَهَا، أَوْ هِرٍّ رَبَطَتْهَا، فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تُرَمْرِمُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ، حَتَّى مَاتَتْ هَزْلًا».\nقوله: «فِي هِرَّةٍ»، يعني: بسبب هرة حبستها، وفي لفظ: «رَبَطَتْهَا»: فهي لم تطعمها، ولم تسقها حينما حبستها أو ربطتها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض، فدخلت النار بسبب ذلك.","vol":"7","page":384},{"text":"وقوله: «تُرَمْرِمُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ»، أي: تتناول بشفتيها هوام الأرض وحشراتها.\nوفي هذه الأحاديث: الوعيد الشديد على تعذيب الحيوان، وتعذيب ما يؤكل لحمُه أشد، وذلك كأن يحبس شاة حتى تموت، وإذا كان هذا في تعذيب الحيوان فتعذيب الآدمي بغير حق- لا سيما المسلم- أشد، كما سبق الحديث: «إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا»، يعني: بغير حق؛ فلا يجوز للإنسان أن يعذب أحدًا بغير حق، أو يقتله بغير حق، لا الحيوان ولا غيره، إلا المؤذي منها.","vol":"7","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1227>بَابُ تَحْرِيمِ الْكِبْرِ</span>\n\n[٢٦٢٠] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَغَرِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْعِزُّ إِزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ».\nفي هذا الحديث: أن العز والكبرياء صفتان لله تعالى، كما يليق بجلاله وعظمته، كسائر الصفات.\nوقوله: «الْعِزُّ إِزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ»: قال النووي ﵀: «هكذا هو في جميع النسخ، فالضمير في «إِزَارُهُ»: و«رِدَاؤُهُ»: يعود إلى الله تعالى؛ للعلم به، وفيه محذوف تقديره: قال الله تعالى: «وَمَنْ يُنَازِعُنِي ذَلِكَ أُعَذِّبُهُ» ومعنى ينازعني: يتخلق بذلك، فيصير في معنى المشارك، وهذا وعيد شديد في الكبر مصرح بتحريمه» (^١).\nوقال تعالى: ﴿وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾، ومن أسماء الله تعالى: ﴿العزيز الجبار المتكبر﴾، فلا يجوز للإنسان أن يتكبر على الناس؛ لأن الكبر من صفات الله ﷿، وهو من كبائر الذنوب؛ ولهذا ففي الحديث: «الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» (^٢)، أي: احتقارهم.\nوقال النووي ﵀: «فأما تسميته إزارًا ورداءًا فمجاز واستعارة حسنة،\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٧٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (٩١).","vol":"7","page":386},{"text":"كما تقول العرب: فلان شعاره الزهد ودثاره التقوى، لا يريدون الثوب الذي هو شعار أو دثار، بل معناه: صفته» (^١).\nوهذا كلام ليس بصحيح، وتأويل لا وجه له، فالعز والكبرياء صفتان من صفات الله ﷿، وليسا من باب الاستعارة، وليس في كلام النبي ﷺ استعارات، بل هو حقيقة، وكلام النووي هنا باطل، عفا الله عنا وعنه.\nوأما قول النبي ﷺ في مثل حديث: «الأنصار شعار، والناش دثار» أسلوب عربي.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٧٣).","vol":"7","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1228>بَابُ النَّهْيِ عَنْ تَقْنِيطِ الْإِنْسَانِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى</span>\n\n[٢٦٢١] حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ عَنْ جُنْدَبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ ! فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ»، أَوْ كَمَا قَالَ.\nفي هذا الحديث: وعيد شديد لمن يتألى ويحلف على الله، والألية: الحلف، ومنها قول الشاعر:\nقَلِيلُ الأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ ... فَإِنْ سَبَقَتْ مِنْهُ الأَلِيَّةُ بَرَّتِ (^١)\nوقال تعالى: ﴿والذين يؤلون من نسائهم﴾ يعني: يحلفون.\nوجاء في الحديث الآخر من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «كَانَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ، وَالْآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الْآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ، فَيَقُولُ: أَقْصِرْ، فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟ ! فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، أَوْ لَا يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ: أَكُنْتَ بِي عَالِمًا، أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا؟ وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلْآخَرِ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّار: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ». (^٢)\nوهذا وعيد شديد يدل على أن الحلف على الله من كبائر الذنوب، وأنه يؤدي إلى حبوط العمل، ويحتمل أن يكون التألي على الله والتحجير على\n_________\n(^١) ديوان كثير عزة (ص ٣٢٥)\n(^٢) أخرجه أحمد (٨٢٩٢)، وأبو داود (٤٩٠١).","vol":"7","page":388},{"text":"رحمته كفرًا؛ لأنه يحبط العمل؛ لأن الرب ﷾ قال: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾، وهذا ظاهره، فيحتمل أنه كفر يبطل العمل، أو أنه كبيرة دون ذلك.\nوالحلف على الله تعالى فيه جرأة عظيمة عليه، وتحجير على رحمته، ومنع له من المغفرة للعاصي.\nوالنووي ﵀ تأول ذلك، وقال: «ويتأول حبوط عمل هذا على أنه أُسقطت حسناته في مقابلة سيئاته، وسمي إحباطا مجازا، ويحتمل أنه جرى منه أمر آخر أوجب الكفر، ويحتمل أن هذا كان في شرع من قبلنا وكان هذا حكمهم» (^١).\nوقول الرب ﷾ عن العاصي: «فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ»: دليل على أن المعاصي التي دون الشرك- ولو لم يتب منها الإنسان- هي تحت المشيئة، قد يغفرها الله تعالى، وقد لا يغفرها، كما قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، وفيه: رد على المعتزلة والخوارج الذين يقولون: إن الكبيرة يكفر بها الإنسان ويخلد في النار، وهذا المتألي على الله إنما فعل ذلك من باب الغيرة على محارم الله، وهذه غيرة غير منضبطة بميزان الشرع؛ ولذا فقد حملت صاحبها على الوقوع في هذه الجريمة العظيمة.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٧٤).","vol":"7","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1229>بَابُ فَضْلِ الضُّعَفَاءِ وَالْخَامِلِينَ</span>\n\n[٢٦٢٢] حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ».\nقوله: «أَشْعَثَ»: الأشعث: الملبد الشعر المغبر غير مدهون ولا مرجل.\nوقوله: «مَدْفُوع بِالأَبْوَابِ»، يعني: لا يؤبه له، لأنه ليس له مكانة في المجتمع، ليس من أصحاب الأموال أو الوظائف الكبيرة، وليس من رؤساء القبائل المعروفين، هو شخص لا يؤبه له، لكن له منزلة عند الله بسبب عمله الصالح، واستقامته على طاعة الله، وأدائه الواجبات، وتركه المحرمات.\nوفي هذا الحديث: أنه قد يوجد في المسلمين من يكون أشعثَ الرأس غيرَ متنعم ولا مترفه، لا يسرح شعره ولا يدهنه، وربما تكون ثيابه- أيضًا- مرقعةً وغيرَ نظيفة، فهو مدفوع بأبواب الملوك والوجهاء والأمراء والأغنياء؛ لكونه غيرَ معروف، ولكون هيئته تدل على أنه فقير- ولكن له وزنه عند الله تعالى، فلو أقسم على الله تعالى لأبره، فلو حلف على الله مثلًا، وقال: والله يا رب ليهزِمَنَّ هذا الجيشُ العدوَّ، لأجاب الله تعالى طلبه، وأكرمه بإيقاع ما حلف عليه.\nوقد كان سعد بن أبي قاص ﵁ مستجابَ الدعوة، وكان يدعو على جيوش كسرى وقيصر، يقسم على الله تعالى أن تُهزم جيوشهم فتُهزم (^١)، وكان البراء بن مالك وجماعة يقسمون على الله تعالى فيبرهم! (^٢).\n_________\n(^١) تهذيب الكمال، للمزي (١٠/ ٣٠٩ - ٣١١)، الإصابة، لابن حجر (٣/ ٦٢).\n(^٢) الاستيعاب، لابن عبد البر (١/ ١٥٤).","vol":"7","page":390},{"text":"ومن أمثلة ذلك- أيضًا- قصة الرُّبَيِّع أخت أنس بن النضر ﵁، فإنها كسرت ثنية جارية متعمدة، فطلب أهلها القصاص، فأمر النبي ﷺ بأن تُكسر ثنية الربيع؛ لأنها اعتدت وكسرت ثنية الجارية، فجاء أخوها أنس بن النضر ﵁ إلى رسول الله ﷺ، فقال: «يَا رَسُولَ اللهِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ؟ ! قال: «نَعَمْ، يَا أَنَس، كِتَابُ اللهِ القَصَاصُ»: فَقَالَ أَنَس: وَاللهِ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَجَاءَ أَهْلُهَا، فَقَالُوا: عَفَوْنَا عَنِ القَصَاصِ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ» (^١).\nومن أمثلة ذلك أيضًا: ما حصل من شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بعض الغزوات التي بين المسلمين والتتار، لَمَّا أُعد جيش المسلمين ليُلاقي جيش الكفار وفي صفوف المسلمين الرافضة، فقال الشيخ: أخرجوا الرافضة من جيش المسلمين، والله لتنصرن، قالوا: كيف نخرج الرافضة وهم ثلث الجيش؟ !، فقال: أخرجوهم، والله لتنصرن، فقالوا: قل: إن شاء الله، فقال: أقولها تحقيقًا لا تعليقًا، فأخرجوا الرافضة، فنصر الله المسلمين! (^٢).\nولكن ما الفرق بين التألي على الله والإقسام عليه؟\nالجواب: في حديث الباب السابق أن التألي على الله كبيرة من كبائر الذنوب، وفي حديث هذا الباب أن الإقسام على الله من صفات عباد الله الصالحين، والفرق بينهما: أن المتألي على الله يحجر على الله، وعلى رحمته وجُوده وإحسانه وكرمه، وهو مسيءُ الظن بالله، متشائم، قانط من رحمته؛ ولهذا فهو يحجر على الرب أن يرحم العاصي أو يغفر له.\nأما المقسم على الله فإنه محسن للظن بالله، طامعٌ في كرمه وجوده وبره، متعبد لله بذلك، والإنسان مأمور بحسن الظن بالله ومنهي عن سوء الظن به،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٠٣).\n(^٢) البداية والنهاية، لابن كثير (١٤/ ٢٨).","vol":"7","page":391},{"text":"كما في الطِّيَرَة والفأل، فقد كان النبي ﷺ ينهى عن الطِّيَرة، وقال: «أَحْسَنُهَا الفَأْلُ» (^١)، والطِّيَرة هي التشاؤم، وهي سوء ظن بالله، وأما الفأل فهو مستثنى من الطيرة؛ لأنه حسن ظن بالله، والمتفائل يأمل الخير ويرجو بر الله، فالفرق بين الإقسام على الله والتألي على الله كالفرق بين الفأل والطيرة.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٩١٩)، والبيهقي في الكبرى (١٦٥٢١).","vol":"7","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1230>بَابُ النَّهْيِ عَنْ قَوْلِ: هَلَكَ النَّاسُ</span>\n\n[٢٦٢٣] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ»، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا أَدْرِي أَهْلَكَهُمْ بِالنَّصْبِ، أَوْ أَهْلَكُهُمْ بِالرَّفْعِ.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ. ح، وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، جَمِيعًا عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقوله: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ»: روي بالرفع، وروي بالفتح، «فَهُوَ أهلَكَهُمْ»: والأشهر: الرفع، ومعناه: أشدهم هلاكًا، ومعناه على الفتح: أَهْلَكَهُمْ بهذا القول، بقوله: هلك الناس، لا أنهم هلكوا على الحقيقة.\nوفي هذا الحديث: أن الذم إنما إذا قال المرء: هلك الناس على وجه الازدراء للناس واحتقارهم، وعلى وجه العجب بنفسه، ويرى أن الناس هالكون وهو الناجي، وأما إذا قالها على وجه التحزُّن على حاله وحال الناس فهذا لا بأس به.\nقال النووي ﵀: «قال الحميدي في الجمع بين الصحيحين: الرفع أشهر، ومعناها: أشدهم هلاكًا، وأما رواية الفتح فمعناها: هو جعلوهم هالكين، لا أنهم هلكوا في الحقيقة، واتفق العلماء على أن هذا الذم إنما هو فيمن قاله على سبيل الإزراء على الناس واحتقارهم، وتفضيل نفسه عليهم","vol":"7","page":393},{"text":"وتقبيح أحوالهم؛ لأنه لا يعلم سر الله في خلقه، قالوا: فأما من قال ذلك تحزنًا لِمَا يرى في نفسه وفي الناس من النقص في أمر الدين فلا بأس عليه ... وقال الخطابي: معناه: لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهم، ويقول: فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم، أي: أسوأ حالًا منهم بما يلحقه من الإثم في عيبهم والوقيعة فيهم، وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أنه خير منهم، والله أعلم» (^١).\nفلا ينبغي للإنسان أن يقول: هلك الناس، بل ينبغي أن يقول: كثر الهلاك في الناس، أو هلك كثير من الناس، كما قال النبي ﷺ لما سئل: «أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ ! قال: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ»» (^٢)، وكما في قوله تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس لا يؤمنون﴾، وقوله تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾، وقوله تعالى: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ فالأكثر هالكون، وليس كل الناس هالكين، بل تبقى طائفة على الحق، كما في الحديث: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ» (^٣)، والطائفة الناجية ليست هالكة، وهم أهل السنة والجماعة أهل الحق، فلا يقال: هلك الناس كلهم.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٧٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٣٤٦)، ومسلم (٢٨٨٠).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٠٣٧).","vol":"7","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1231>بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالْجَارِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ</span>\n\n[٢٦٢٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، كُلُّهُمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: الثَّقَفِيَّ- سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ- وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ- أَنَّ عَمْرَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ، تَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ لَيُوَرِّثَنَّهُ».\n[خ: ٦٠١٤]\nحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\n\n[٢٦٢٥] حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ».\n[٢٦٢٥ م] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ- قَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا، وقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا أَبَا ذَرٍّ: إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: إِنَّ خَلِيلِي ﷺ أَوْصَانِي: «إِذَا طَبَخْتَ مَرَقًا فَأَكْثِرْ مَاءَهُ، ثُمَّ انْظُرْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِكَ، فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ».","vol":"7","page":395},{"text":"في هذه الأحاديث: بيان عظم حق الجار، ومن عظيم حقه أن جبريل ﵇ كان يوصي النبي ﷺ بالجار، ويكثر من ذلك، حتى ظن النبي ﷺ أنه سيورثه، أي: يجعله وارثًا من الورثة؛ لعظم حقه، وفي حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا طَبَخْتَ مَرَقًا فَأَكْثِرْ مَاءَهُ، ثُمَّ انْظُرْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِكَ، فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ»، يعني: إذا كانوا محتاجين، أما إذا كانوا غير محتاجين فيتعاهدهم بما يناسبهم من الفاكهة وما أشبه ذلك من الهدايا.\nوقوله: «إَّن خَلِيلِي ﷺ أَوْصَانِي»: فيه إشكال، وهو: أنه كيف يقول أبو ذر ﵁: «خَلِيلِي»، والنبي ﷺ يقول: «وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا، لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، إِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللهِ» (^١)؟\nوالجواب: أن أبا ذر ﵁ يقول ذلك من جهة أن الخلة من قبله هو.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٣٨٣).","vol":"7","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1232>بَابُ اسْتِحْبَابِ طَلَاقَةِ الْوَجْهِ عِنْدَ اللِّقَاءِ</span>\n\n[٢٦٢٦] حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ- يَعْنِي: الْخَزَّازَ- عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ».\nقوله: «طَلْق»: فيه ثلاث روايات: طلْق، وطَلِق، وطَلِيق (^١)، بإسكان اللام وكسرها، وياء بعد اللام، يعني: منبسط الوجه.\nوفي هذا الحديث: أنه يجب على الإنسان ألا يحقر من المعروف شيئًا، ولو أن يكون منبسط الوجه إذا لقي أخاه، فلا يلقاه بوجه مكفهر عابس، وجاء في حديث آخر: «تَبَسُّمَكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ» (^٢)، وفي الحديث الآخر: «إِنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ وَلْيَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» (^٣).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٧٧).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٩٥٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٨٩١).\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (٦٥٥٠)، والحاكم (٤٢٧)، وقال الذهبي: عبد الله يعني: عبد الله بن سعيد المقبري واهٍ.","vol":"7","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1233>بَابُ اسْتِحْبَابِ الشَّفَاعَةِ فِيمَا لَيْسَ بِحَرَامٍ</span>\n\n[٢٦٢٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ، فَقَالَ: «اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أَحَبَّ».\n[خ: ١٤٣٢]\nفي هذا الحديث: الحث على الشفاعة، وأنها من أسباب الأجر، وهذا إذا كانت الشفاعة بحق، وكان المشفوع له مستحقًّا للشفاعة، فإن الشافع يكون مأجورًا سواء تحققت الشفاعة أو لم تتحقق؛ ولذلك شفع النبي ﷺ إلى بريرة ﵂ أن ترجع إلى زوجها مغيث ﵁ لما أُعتِقت، وكان زوجها مغيث عبدًا، وهي صارت حرة، فصار لها الخيار في أن تبقى، أو أن تنفسخ منه، وكان زوجها مغيثًا يحبها كثيرًا، وكان يطوف بالأسواق ودموعه على خديه، يريدها وهي لا تريده، وهذا من العجب! هو يحبها وهي تكرهه، فلما رأى النبي ﷺ حاله رقَّ له، وتوسط له، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوْ رَاجَعْتِهِ»: قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ»: قَالَتْ: لا حَاجَةَ لِي فِيهِ» (^١)، ولم تقبل شفاعة النبي ﷺ، فالشافع يؤجر سواء تحقق الطلب، أو لم يتحقق.\nوقوله: «اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا»: هذا إذا كانت الشفاعة بحق لمستحق، أما أن يشفع بالباطل فلا، وهي شفاعة سيئة، قال الله تعالى: ﴿من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها﴾، فإذا شفع شفاعة سيئة فهو آثم، وذلك كأن يشفع لشخص في وظيفة وهو ليس بأهل لها، فهذه شفاعة سيئة وهذا غاش للمسلمين، أو يشفع لشخص يعطى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٨٣).","vol":"7","page":398},{"text":"من بيت المال وهو غني يعلم أنه غير مستحق، وكالشفاعة في الحدود فكل هذا حرام لا يجوز، فإذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع، أخرج الطبراني عن عروة بن الزبير قال: «لَقِيَ الزُّبَيْرُ سَارِقًا، فَشَفِعَ فِيهِ، فَقِيلَ لَهُ: حَتَّى نُبْلِغَهُ الْإِمَامَ، فَقَالَ: «إِذَا بَلَغَ الْإِمَامَ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفَّعَ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢٢٨٤).","vol":"7","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1234>بَابُ اسْتِحْبَابِ مُجَالَسَةِ الصَّالِحِينَ، وَمُجَانَبَةِ قُرَنَاءِ السُّوءِ</span>\n\n[٢٦٢٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً».\n[خ: ٥٥٣٤]\nقوله: «إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ»، أي: يعطيك.\nوفي هذا الحديث: الحث على الجليس الصالح، والتحذير من جليس السوء، فالجليس الصالح مثله كحامل المسك، والجليس السوء كنافخ الكير، فحامل المسك تستفيد منه على كل حال؛ إما أن تبتاع منه، وإما أن يعطيك، وإما أن يعلق بك رائحة طيبة، فأنت مستفيد على كل حال، وكذلك الجليس الصالح إما أن يرغبك في الخير، وإما أن يحذرك من الشر فستستفيد منه، وجليس السوء تتضرر منه على كل حال؛ كنافخ الكير الذي ينفخ في الفحم والنار وأنت بجواره، فإما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا كريهة تلصق بثيابك، وكذلك جليس السوء تتضرر منه، فهو إما أن يزهدك في الخير، أو يرغبك في الشر، فأنت متضرر منه على كل حال، فالواجب الحذر من جليس السوء، والرغبة في الجليس الصالح.","vol":"7","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1235>بَابُ فَضْلِ الْإِحْسَانِ إِلَى الْبَنَاتِ</span>\n\n[٢٦٢٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِهْرَامَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ- وَاللَّفْظُ لَهُمَا- قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ وَمَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا، فَسَأَلَتْنِي فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَأَخَذَتْهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا شَيْئًا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ وَابْنَتَاهَا، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ حَدِيثَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ».\n[خ: ١٤١٨]\n\n[٢٦٣٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُضَرَ- عَنِ ابْنِ الْهَادِ أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي زِيَادٍ- مَوْلَى ابْنِ عَيَّاشٍ- حَدَّثَهُ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا، فَأَطْعَمْتُهَا ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا، فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا، فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا، فَأَعْجَبَنِي شَأْنُهَا، فَذَكَرْتُ الَّذِي صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ، أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ».\nفي هذين الحديثين: فضل الإحسان إلى البنات، وأن الإحسان إليهن بتربيتهن والقيام بشؤونهن من أسباب العتق من النار، ومن أسباب دخول","vol":"7","page":401},{"text":"الجنة؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ»، يعني: حجابًا، وفي اللفظ الآخر: «حِجَابًا مِنَ النَّارِ».\nوفيهما: أن النبي ﷺ قيده بالإحسان إليهن، بإحسان تربيتهن وتعليمهن حتى يزوجهن، ومن إحسان التربية اختيار الزوج الأمثل فالأمثل لهن، وذلك من أسباب دخول الجنة ومن أسباب العتق من النار، مع وجود الشروط الأخرى، وانتفاء الموانع، كالإيمان بالله ورسوله، وأداء الواجبات، وترك المحرمات، يعني: أن غير المؤمن لو كان عنده من البنات ما عنده ولو أحسن تربيتهن فلا يدخلنه الجنة، لأن هذا مقيد بالإيمان؛ ولأن الكافر ليس محسنا في تربيتهن بل هو مسيء في ذلك، فهو يربيهن على دين الكفر، وكذلك الشأن فيمن يفعل الكبائر كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، والتعامل بالربا، فهذا متوعد بدخول النار، فلا بد له أولًا من اجتناب الكبائر، وفعل الواجبات.\nوقوله: «مَنِ ابْتُلِيَ»: إنما سماه ابتلاء لأن الناس يكرهونهن في العادة، قال الله تعالى: ﴿وإذا بشر أحدكم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم﴾، فالله تعالى يبتلي بعض عباده بهذه البنات هل يحسن تربيتهن أو يسيء فيها؟ وكذلك الأولاد الذكور، والحياة كلها ابتلاء وامتحان، فالإنسان مبتلًى- أيضًا- بصحته، هل يستعملها في طاعة الله؟ وهو مبتلًى بالغنى، هل يستعمله في طاعة الله؟ وقد يبتلى بالفقر، هل يصبر أو يجزع؟ وقد يبتلى بالمرض، هل يصبر أو يتسخط؟ وما منا إلا وهو مبتلى، قال تعالى: ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور﴾.","vol":"7","page":402},{"text":"[٢٦٣١] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ، وَضَمَّ أَصَابِعَهُ».\nفي هذا الحديث: فضل عَوْل الجاريتين، ومعنى عالهما: أحسن إليهما نفقةً وتربيةً وتعليمًا، سواء أكانتا بنتين أم أختين، فهو عام، ولعل هذا يفسر الحديث السابق: «مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ»: فأقل الجمع اثنتان؛ لأن المثنى قد يطلق عليه الجمع، فإذا ضممنا هذا الحديث إلى الحديث السابق دل على أن المراد: من ابتلي بشيء من هذه البنات، يعني: اثنتين فأكثر.\nوالإسلام جاء ببيان فضل الإحسان إلى البنات وتربيتهن؛ لأنهم في الجاهلية كانوا يكرهون البنات، وكان الواحد منهم يدفن البنت وهي حية؛ خشية العار، ومنهم- أيضًا- من يقتل الأولاد الذكور خشية الفقر، فجاء الإسلام بالأمر بالإحسان إلى البنات، والإحسان إلى الأولاد.\nوكان أهل الجاهلية يفرقون بين الذكر والأنثى، وكم من بنت أصلح من الذكور! وكم من الذكور من لا خير فيه! قال الله تعالى: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون﴾.\nومازال هذا الخلق الجاهلي شائعا في المسلمين إلى يومنا هذا، فهناك بعض الناس يكرهون البنات، ويتأثرون تأثرًا شديدًا إذا رُزِقوا بنتًا، حتى إن بعضهم قد يطلِّق زوجته بسبب إنجابها بنتا، فيقال لهذا وأمثاله: هل هذا الأمر بيد هذه المرأة المسكينة؛ لتُنجب لك ما تشتهيه نفسك؟ ! إن الأمر كله بيد الله الخالق القدير، كيف يقول مسلم مثل هذا الكلام؟ هل هي التي","vol":"7","page":403},{"text":"تخلق؟ هل بيدها من الأمر شيء؟ الأمر بيد الله تعالى وحده، وله الحكمة البالغة، قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾.","vol":"7","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1236>بَابُ فَضْلِ مَنْ يَمُوتُ لَهُ وَلَدٌ فَيَحْتَسِبَهُ</span>\n\n[٢٦٣٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ، فَتَمَسَّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ».\n[خ: ١٢٥١]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِ مَالِكٍ، وَبِمَعْنَى حَدِيثِهِ، إِلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: «فَيَلِجَ النَّارَ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ».\nقوله: «لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ، فَتَمَسَّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ»: هذا مقيِّد للحديث الآتي، وهو أن يكون قبل الحنث، والحنث هو البلوغ.\nوقوله: «تَحِلَّة القَسَمِ»: قال العلماء: تحلة القسم: ما ينحل به القسم، وهو اليمين في قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتمًا مقضيًّا﴾، والقسم مقدر، أي: والله إن منكم إلا واردها، وقيل: المراد قوله تعالى: ﴿فوربك لنحشرنهم والشياطين﴾ (^١).\nواختلف العلماء في الورود على قولين:\nالقول الأول: إنه دخول النار.\nالقول الثاني: إنه المرور على الصراط، وهذا هو الصواب، فالنبي ﷺ فسر الورود بما جاء عن أُمِّ مُبَشِّرٍ ﵂ «أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ: لَا يَدْخُلُ النَّارَ- إِنْ شَاءَ اللهُ- مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ، الَّذِينَ بَايَعُوا\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٨٠).","vol":"7","page":405},{"text":"تَحْتَهَا. قَالَتْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! فَانْتَهَرَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: قَدْ قَالَ اللهُ ﷿: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾» (^١).\nفالورود: هو المرور على الصراط في أصح قولي العلماء، ولا يلزم منه دخول النار، وقوله: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ النجاة لا يلزم منها الوقوع في الهلاك أولًا، فإن الله تعالى أخبر أنه أهلك قوم صالح ﵇، وقال: ﴿ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾، وهم لم يصبهم العذاب، وكذلك قوم هود ﵇، وقوم نوح ﵇، قال الله تعالى فيهم: ﴿ونجيناه ومن معه﴾، فنجاهم الله ولم يصبهم العذاب، فلا يلزم من النجاة إصابة العذاب.\nوالصراط: جسر منصوب على متن جهنم، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر في الزمرة الأولى كالبرق، ثم كالريح، ثم كالطير، ثم كأجاويد الخيل، ثم كالرجل يعدو عدوًا، ثم كالرجل يزحف زحفًا، ومنهم من تخطفه الكلاليب فتلقيه في النار، كما جاء في الحديث (^٢)، نسأل الله السلامة والعافية.\nوفي هذا الحديث: أنه يجب على الإنسان الصبر، فلا ينبغي له أن يجزع ولا أن يتسخط، فإن جزع وتسخط فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، وعليه الوزر، أما إذا احتسب فله أعظم الأجر.\nوالرضا بالمصيبة مستحب، وليس بواجب في أصح قولي العلماء، والواجب إنما هو الصبر، فيحبس نفسه عن الجزع، ولسانه عن التشكي، وجوارحه عما يغضب الله.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٤٩٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢).","vol":"7","page":406},{"text":"حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِنِسْوَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ: «لَا يَمُوتُ لِإِحْدَاكُنَّ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ، فَتَحْتَسِبَهُ إِلَّا دَخَلَتِ الْجَنَّةَ»، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: أَوِ اثْنَيْنِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَوِ اثْنَيْنِ».\nقوله: «فَتَحْتَسِبَهُ»: قيده هنا بالاحتساب، ومعناه: نية الأجر، فيحتسب بمعنى: يصبر وينوي أن يأجره الله، فإذا مات له اثنان واحتسبهما فهو موعود بهذا الثواب، موعود بالجنة إذا كان من المؤمنين ولم يرتكب كبيرة من الكبائر، وكذلك إذا عال جاريتين وأحسن تربيتهما كن له سترًا من النار.\nوقوله: «لَا يَمُوتُ لِإِحْدَاكُنَّ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ، فَتَحْتَسِبَهُ إِلَّا دَخَلَتِ الْجَنَّةَ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: أَوِ اثْنَيْنِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَوِ اثْنَيْنِ»: والسياق أن تقول: أو اثنان؛ لأنه معطوف على مرفوع، لكن وُجِّه بأن التقدير: أو يكون الموتى اثنين؟\n\n[٢٦٣٣] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ قَالَ: «اجْتَمِعْنَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا»، فَاجْتَمَعْنَ، فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُنَّ مِنَ امْرَأَةٍ تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ وَلَدِهَا ثَلَاثَةً إِلَّا كَانُوا لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ»، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ».\n[خ: ٧٣١٠]\nقوله: «تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا»، يعني: يموتون قبلها.","vol":"7","page":407},{"text":"وفي هذا الحديث: مشروعية تخصيص النساء بالموعظة دون الرجال، وأنه لا بأس بأن يأتي الرجل ويلقي موعظة على النساء إذا كن مجتمعات، وقد ثبت أن النبي ﷺ خص النساء بموعظة يوم العيد (^١).\nوتخصيص النساء بالموعظة لأنه قد يكون عندهن أسئلة خاصة، فيأتي إليهن الواعظ والعالم ويعلمهن مما علمه الله، ويجيب عن أسئلتهن، كما فعل النبي ﷺ حين أتى إليهن ووعظهن، وجعلن يلقين الأسئلة، ومنها سؤال هذه المرأة.\n\n[٢٦٣٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِ مَعْنَاهُ، وَزَادَا جَمِيعًا: عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ.\n[خ: ١٠٢]\nقوله: «ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ»: الحِنث هو: الإثم، والمعنى: أنهم لم يبلغوا الوقت الذي يكتب فيه الإثم، وهو ما يكون بعد البلوغ، ولم يبلغوا الحنث، فهذا قيد لِما ورد في لأحاديث السابقة بأنهم لم يبلغوا الحنث، وقد قُيِّد كذلك بالاحتساب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٧٨).","vol":"7","page":408},{"text":"[٢٦٣٥] حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي السَّلِيلِ عَنْ أَبِي حَسَّانَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّهُ قَدْ مَاتَ لِيَ ابْنَانِ، فَمَا أَنْتَ مُحَدِّثِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحَدِيثٍ تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْتَانَا؟ قَالَ: قَالَ: نَعَمْ: «صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ، يَتَلَقَّى أَحَدُهُمْ أَبَاهُ، أَوَ قَالَ: أَبَوَيْهِ فَيَأْخُذُ بِثَوْبِهِ، أَوَ قَالَ: بِيَدِهِ كَمَا آخُذُ أَنَا بِصَنِفَةِ ثَوْبِكَ هَذَا فَلَا يَتَنَاهَى، أَوَ قَالَ: فَلَا يَنْتَهِي حَتَّى يُدْخِلَهُ اللَّهُ وَأَبَاهُ الْجَنَّةَ».\nوَفِي رِوَايَةِ سُوَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو السَّلِيلِ، وَحَدَّثَنِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ عَنِ التَّيْمِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: فَهَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْتَانَا؟ قَالَ: نَعَمْ.\nقوله: «صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ»، يعني: صغار أهل الجنة، وهي جمع دُعموص، وهم أطفال المسلمين في الجنة، قال النووي ﵀: «وأصل الدعموص: دويبة تكون في الماء لا تفارقه، أي: أن هذا الصغير في الجنة لا يفارقها» (^١).\nوقوله: «بِصَنِفَةِ ثَوْبِكَ»: هو بفتح الصاد وكسر النون، وهو طرفه، ويقال لها- أيضا-: صنيفة.\nوقوله: «فَلَا يَتَنَاهَى، أَوَ قَالَ: فَلَا يَنْتَهِي حَتَّى يُدْخِلَهُ اللَّهُ وَأَبَاهُ الْجَنَّةَ»، يعني: فلا يتركه حتى يدخله الجنة.\nوبالنسبة لأولاد المسلمين فقد نقل غير واحد الإجماع على أن أطفال المسلمين إذا ماتوا قبل البلوغ فهم في الجنة (^٢)؛ تبعًا لآبائهم، قال تعالى:\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٨٢).\n(^٢) التمهيد، لابن عبد البر (٦/ ٣٤٨)، المعلم، للمازري (٣/ ٣٠٧)، شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٨٣، ٢٠٧).","vol":"7","page":409},{"text":"﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾.\nأما أطفال المشركين ففيهم أقوال ذكرها العلامة ابن القيم ﵀ في طبقات المكلفين، في كتاب «طريق الهجرتين» (^١)، وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ (^٢) في أطفال المشركين ثمانية أقوال، أصحها قولان:\nالقول الأول: أنهم في الجنة، ويدل عليه حديث النبي ﷺ في رؤياه أنه رأى إبراهيم في الجنة، وحوله ولدان الناس (^٣)، يعني: المشركين والمؤمنين عمومًا، فدل على أنهم في الجنة.\nالقول الثاني: أنهم يُمتحنون.\nوقيل: إنهم خدم لأهل الجنة، وهذا ضعيف؛ فخدم أهل الجنة الولدان يخلقهم الله فيها.\nوالصواب: القول الأول، وهو أنهم في الجنة، ويليه في القوة القول الثاني، وهو أنهم يمتحنون.\n_________\n(^١) طريق الهجرتين، لابن القيم (ص ٣٨٧).\n(^٢) فتح الباري، لابن حجر (٣/ ٢٤٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٠٤٧).","vol":"7","page":410},{"text":"[٢٦٣٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا حَفْصٌ- يَعْنُونَ: ابْنَ غِيَاثٍ-.ح، وَحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ جَدِّهِ طَلْقِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ بِصَبِيٍّ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ لَهُ فَلَقَدْ دَفَنْتُ ثَلَاثَةً قَالَ: «دَفَنْتِ ثَلَاثَةً؟»، قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ: «لَقَدِ احْتَظَرْتِ بِحِظَارٍ شَدِيدٍ مِنَ النَّارِ».\nقَالَ عُمَرُ مِنْ بَيْنِهِمْ: عَنْ جَدِّهِ، وقَالَ الْبَاقُونَ: عَنْ طَلْقٍ، وَلَمْ يَذْكُرُوا الْجَدَّ.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ طَلْقِ بْنِ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيِّ أَبِي غِيَاثٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِابْنٍ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَشْتَكِي، وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْهِ، قَدْ دَفَنْتُ ثَلَاثَةً قَالَ: «لَقَدِ احْتَظَرْتِ بِحِظَارٍ شَدِيدٍ مِنَ النَّارِ».\nقَالَ زُهَيْرٌ: عَنْ طَلْقٍ وَلَمْ يَذْكُرِ الْكُنْيَةَ.\nقوله: «لَقَدِ احْتَظَرْتِ بِحِظَارٍ شَدِيدٍ مِنَ النَّارِ»، يعني: امتنعتِ بمانع وثيق، وأصل الحِظار- بكسر الحاء وفتحها-: ما يجعل حول البستان وغيره من قضبان وغيرها كالحائط (^١).\nوفي هذا الحديث: فضل من مات له ثلاثة من الأولاد، لكن هذا- كما سبق بيانه- إذا احتسبهم، ولم يعمل سببًا من الأسباب التي يدخل بها النار، فلم يمت على الكفر، ولم يرتكب كبيرة من الكبائر من غير توبة.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٨٣).","vol":"7","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1237>بَابُ إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا حَبَّبَهُ إِلَى عِبَادِهِ</span>\n\n[٢٦٣٧] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ قَالَ: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ، فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ قَالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ».\n[خ: ٧٤٨٥]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ-.ح، وَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ. ح، وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ- وَهُوَ ابْنُ أَنَسٍ- كُلُّهُمْ عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْبُغْضِ.\nفي هذا الحديث: إثبات المحبة والبغض لله ﷿ كما يليق بجلاله وعظمته؛ خلافًا للجهمية والمعتزلة والأشاعرة الذين نفوا المحبة، والأشاعرة الذين تأولوها بالإرادة أو بالثواب.\nوالمحبة والبغض لله صفتان من الصفات الفعلية، كما يليق بجلال الله وعظمته، لا يماثل فيها أحدًا من خلقه، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾.","vol":"7","page":412},{"text":"ومحبة المخلوق هي: الميل إلى المحبوب، والبغض: النفرة منه؛ ولهذا أنكر الأشاعرة المحبة والبغض، وقالوا: هذا ميل، والميل لا يليق بالله.\nوأهل السنة والجماعة يقولون: الميل يكون في محبة المخلوق، وأما محبة الخالق فهو وصف يليق بجلاله وعظمته، وبعضهم فسرها بالثواب، والثواب أثر، وفسروا البغض بالعقوبة، والعقوبة أثر من آثاره.\nوفيه: إثبات المحبة والبغض للملائكة، فهم يحبون ويبغضون.\nوفيه: إثبات أن الملائكة أشخاص وذوات محسوسة، تصعد وتنزل، وتروح وتجيء، وتحب وتبغض، وتكتب أعمال العباد، خلافًا للفلاسفة كأرسطو وأتباعه الذين أنكروا الملائكة، وقالوا: إنهم أشباح وأشكال نورانية، ليسوا ذواتًا وأشخاصًا، وهذا كفر- والعياذ بالله- فمن أنكر وجود الملائكة كفر.\nوالفلاسفة القدامى في الجملة يعظمون الشرع والإلهيات، وأول من ابتدع القول بقدم العالم هو أرسطو (^١)، وكان مشركًا يعبد الأصنام، وخالف شيخه أفلاطون الذي كان يثبت الصانع ويثبت حدوث العالم، فجاء بعده تلميذه أرسطو وابتدع القول بقدم العالم، والقول بقدم العالم معناه الإنكار لوجود الله، وأنه ليس له أول، وأنكر الملائكة.\nوفيه: أن من استقام على طاعة الله وعظَّم حدوده فإنه تعالى يحبه، ويحبه جبريل ﵇، وتوضع له المحبة في الأرض والقبول فيها، وهذا من الثواب المعجل في الدنيا قبل الآخرة.\nوأما من تنكب الطريق وانحرف عن شرع الله فإنه تعالى يبغضه، وتبغضه الملائكة، وتوضع له البغضاء في الأرض، وهذه عقوبة معجلة- نسأل الله السلامة والعافية.\n_________\n(^١) شرح الأصبهانية، لابن تيمية (ص ١٩٤).","vol":"7","page":413},{"text":"حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: كُنَّا بِعَرَفَةَ، فَمَرَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ عَلَى الْمَوْسِمِ، فَقَامَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ، إِنِّي أَرَى اللَّهَ يُحِبُّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: لِمَا لَهُ مِنَ الْحُبِّ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، فَقَالَ: بِأَبِيكَ أَنْتَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنْ سُهَيْلٍ.\nقوله: «وَهُوَ عَلَى الْمَوْسِمِ»، يعني: أمير الحجيج.\nوقوله: «بِأَبِيكَ»: هذا ليس قسمًا، ولكنه أراد: أسألك بما لأبيك عليك من الحق، هل أنت سمعت هذا من أبي هريرة ﵁؟ فقال: نعم.","vol":"7","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1238>بَابٌ الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ</span>\n\n[٢٦٣٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ».\nقوله: «جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ»، يعني: هي جموع مجمعة، أنواع وأصناف، فهناك أرواح تتآلف، كأهل الخير يتآلفون في اتحاد الهدف، وأرواح أهل الشر تتآلف، فالأخيار يميلون إلى الأخيار، والأشرار يميلون إلى الأشرار، قال النووي ﵀: «وأما تعارفها فهو لأمر جعلها الله عليه، وقيل: إنها موافقة صفاتها التي جعلها الله عليها، وتناسبها في شيمها، وقيل: لأنها خلقت مجتمعة ثم فرقت في أجسادها، فمن وافق بشيمه ألفه، ومن باعده نافره وخالفه، وقال الخطابي وغيره: تآلفها هو ماخلقها الله عليه من السعادة أو الشقاوة في المبتدأ، وكانت الأرواح قسمين متقابلين، فإذا تلاقت الأجساد في الدنيا ائتلفت واختلفت بحسب ما خلقت عليه، فيميل الأخيار إلى الأخيار والأشرار إلى الاشرار، والله اعلم» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٨٥).","vol":"7","page":415},{"text":"حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِحَدِيثٍ يَرْفَعُهُ قَالَ: «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا، وَالْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ».\nقوله: «النَّاسُ مَعَادِنُ»، يعني: أصولهم كمعادن الذهب والفضة.\nوقوله: «خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا»، يعني: أن أهل الجود والكرم والشجاعة ونصر المظلوم والإحسان في الجاهلية، إذا أسلموا تزيد هذه الصفات فيهم وتنمو وتقوى؛ لأن معادنهم أصيلة، وطباعهم كريمة.","vol":"7","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1239>بَابٌ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ</span>\n\n[٢٦٣٩] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا، قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟»، قَالَ: حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟»، فَلَمْ يَذْكُرْ كَبِيرًا قَالَ: وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ: «فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ».\nحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرٍ أَحْمَدُ عَلَيْهِ نَفْسِي.\nحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ- حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «وَمَا أَعْدَدْتَ لِلسَّاعَةِ؟»، قَالَ: حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ: «فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ»، قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَرَحًا أَشَدَّ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ»، قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِأَعْمَالِهِمْ.\nحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ","vol":"7","page":417},{"text":"الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَنَسٍ: فَأَنَا أُحِبُّ، وَمَا بَعْدَهُ.\nحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَارِجَيْنِ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَلَقِينَا رَجُلًا عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟»، قَالَ: فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ، وَلَا صِيَامٍ، وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ: «فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ».\nقوله: «سُدَّةِ الْمَسْجِدِ»، أي: الظلال المسقفة عند باب المسجد.","vol":"7","page":418},{"text":"حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْيَشْكُرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ، أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَنَسًا. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- يَعْنِي: ابْنَ هِشَامٍ- حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ.\n\n[٢٦٤٠] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ».\n[خ: ٦١٦٨]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ، جَمِيعًا عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.\nسليمان بن قرم هذا ضعيف، قال النووي ﵀: «قَرْم: بفتح القاف وإسكان الراء، وهو ضعيف، لكن لم يحتج به مسلم، بل ذكره متابعة، وقد سبق أنه يذكر في المتابعة بعض الضعفاء، والله اعلم» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٨٨).","vol":"7","page":419},{"text":"[٢٦٤١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنْ الْأَعْمَشِ.\nقوله: «مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ، وَلَا صِيَامٍ، وَلَا صَدَقَةٍ»، يعني: ما أعددت لها كبير صلاة وصيام وصدقة من النوافل، ولكن الفرائض لا بد منها.\nوفي هذه الأحاديث: بشارة لكل مؤمن، وليست خاصة بهذا الأعرابي، فالإنسان يكون مع من أحب، لكن المحبة الصادقة تقتضي العمل وبذل الأسباب والجهد في اللحاق بالمحبوب، فمن أحب الله ورسوله ﷺ، وأحب أبا بكر وعمر ﵄ فإنه يجتهد في اللحاق بهم، ويبذل وسعه وجهده في العمل الصالح والاستقامة على طاعة الله، وإن كان لا يلحق بهم في العمل، لكنه يبذل جهده ويشاركهم في العمل، ثم النقص تجبره المحبة، أما الذي يدعي المحبة وهو لا يتحرك ولا يعمل شيئًا، ولا يجاهد نفسه في اللحاق بالمحبوب فليست هذه محبة صادقة.","vol":"7","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1240>بَاب إِذَا أُثْنِيَ عَلَى الصَّالِحِ فَهِيَ بُشْرَى، وَلَا تَضُرُّهُ</span>\n\n[٢٦٤٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ».\nفي هذا الحديث: أن هذا مما يُتَوَهَّم أنه رياء، وليس برياء؛ فالإنسان إذا عمل الخير، ولم يتحدث به، ثم علم به الناس وتحدثوا به وأثنوا عليه وأحبوه فلا يضره ذلك شيئا، حتى لو أحب ثناءَ الناس عليه بعد ذلك، ما دام أنه عمل العمل لله، لا رياء وسمعة، وهذه عاجل بشرى المؤمن؛ ولهذا بوب لها النووي في رياض الصالحين: «باب مَا يتوهم أنَّه رياء وليس هُوَ رياء» (^١)، وأتى بهذا الحديث.\n\n* * *\n_________\n(^١) رياض الصالحين، للنووي (ص ٤٥٥).","vol":"7","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1241>كِتَابُ الْقَدَرِ</span>","vol":"7","page":423},{"text":"كِتَابُ الْقَدَرِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-1242>بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقَاوَتِهِ وَسَعَادَتِهِ</span>\n\n[٢٦٤٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ قَالُوا: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ-: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ، فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ، أَوْ سَعِيدٌ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا».\n[خ: ٣٢٠٨]\nحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ","vol":"7","page":425},{"text":"أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وقَالَ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ عَنْ شُعْبَةَ: أَرْبَعِينَ لَيْلَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَأَمَّا فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَعِيسَى: أَرْبَعِينَ يَوْمًا.\n\n[٢٦٤٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ نُمَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ- يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ- قَالَ: «يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ- أَوْ: خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ- لَيْلَةً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَشَقِيٌّ، أَوْ سَعِيدٌ؟ فَيُكْتَبَانِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَذَكَرٌ، أَوْ أُنْثَى؟ فَيُكْتَبَانِ، وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ، وَأَثَرُهُ، وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ، فَلَا يُزَادُ فِيهَا، وَلَا يُنْقَصُ».\n\n[٢٦٤٥] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ أَنَّ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، فَأَتَى رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- يُقَالُ لَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ- فَحَدَّثَهُ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: وَكَيْفَ يَشْقَى رَجُلٌ بِغَيْرِ عَمَلٍ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَتَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً، بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا، فَصَوَّرَهَا، وَخَلَقَ سَمْعَهَا، وَبَصَرَهَا، وَجِلْدَهَا، وَلَحْمَهَا، وَعِظَامَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ، أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَجَلُهُ؟ فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ، رِزْقُهُ؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ، فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ، وَلَا يَنْقُصُ».\nحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ.\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا","vol":"7","page":426},{"text":"زُهَيْرٌ أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ حَدَّثَهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي سَرِيحَةَ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ- بِأُذُنَيَّ هَاتَيْنِ- يَقُولُ: «إِنَّ النُّطْفَةَ تَقَعُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَتَصَوَّرُ عَلَيْهَا الْمَلَكُ- قَالَ زُهَيْرٌ: حَسِبْتُهُ قَالَ: الَّذِي يَخْلُقُهَا- فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَذَكَرٌ، أَوْ أُنْثَى؟ فَيَجْعَلُهُ اللَّهُ ذَكَرًا، أَوْ أُنْثَى، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَسَوِيٌّ، أَوْ غَيْرُ سَوِيٍّ؟ فَيَجْعَلُهُ اللَّهُ سَوِيًّا، أَوْ غَيْرَ سَوِيٍّ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا رِزْقُهُ؟ مَا أَجَلُهُ؟ مَا خُلُقُهُ؟، ثُمَّ يَجْعَلُهُ اللَّهُ شَقِيًّا، أَوْ سَعِيدًا».\nحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ ابْنُ كُلْثُومٍ، حَدَّثَنِي أَبِي كُلْثُومٌ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ- صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-: «أَنَّ مَلَكًا مُوَكَّلًا بِالرَّحِمِ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا بِإِذْنِ اللَّهِ لِبِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً»، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.\n\n[٢٦٤٦] حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ- وَرَفَعَ الْحَدِيثَ- أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، نُطْفَةٌ؟ أَيْ رَبِّ، عَلَقَةٌ؟ أَيْ رَبِّ، مُضْغَةٌ؟ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقًا قَالَ: قَالَ الْمَلَكُ: أَيْ رَبِّ، ذَكَرٌ، أَوْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ، أَوْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الْأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ».\n[خ: ٣١٨]\nهذه الأحاديث فيها: إثبات القدر، وأن الإيمان به أصل من أصول الإيمان، وهو أحد أركان الإيمان الستة.\nوالقدر له مراتب أربع، من لم يؤمن بها لم يؤمن بالقدر:\nالمرتبة الأولى: العلم، أي: الإيمان بأن الله تعالى علم الأشياء قبل كونها.","vol":"7","page":427},{"text":"المرتبة الثانية: الكتابة، أي: أن الله كتب مقادير الخلق في اللوح المحفوظ.\nالمرتبة الثالثة: المشيئة، أي: أن الله أراد كل شيء في هذا الوجود وشاءه.\nالمرتبة الرابعة: الخلق والإيجاد، أي: أن الله خلق العباد، وأرزاقهم، وآجالهم، وأعمالهم، وصفاتهم، وسعادتهم، وشقاوتهم.\nوفي حديث ابن مسعود ﵁ بيان خلق الإنسان، وأنه يخلقه الله أطوارًا؛ لذلك قال: «يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً»، ثم تنتقل هذه النطفة إلى طور آخر، فتكون «عَلَقَةً»، أي: قطعة دم أربعين يومًا، ثم تنتقل إلى الطور الثالث، فتكون «مُضْغَةً»، أي: قطعة لحم، وسُمِّيَت بمضغة؛ لأنها بقدر ما يُمضغ في الفم، فهذه ثلاثة أطوار، كل طور أربعين يومًا، فالمجموع: مائة وعشرين يومًا.\nثم بعد مائة وعشرين يومًا: «يُرْسَلُ الْمَلَكُ، فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ، أَوْ سَعِيدٌ» والرزق قد يكون حلالًا، وقد يكون حرامًا، خلافًا للمعتزلة الذين يقولون: إن الحرام ليس من زرق الله (^١).\nوفيها: أن الإنسان لا بد أن يصير إلى ما كتبه الله وقضاه؛ لهذا قال النبي ﷺ: «فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا».\nوالتقدير أنواع:\nالأول: التقدير العام، وهو كتابة الله مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ.\nالثاني: التقدير العمري للإنسان، وهو مأخوذ من التقدير العام الذي كُتب في اللوح المحفوظ، وهو موافق له.\n_________\n(^١) شرح الأصول الخمسة، للقاضي عبد الجبار (ص ٧٨٤)، لوامع الأنوار البهية، للسفاريني (١/ ٣٤٤).","vol":"7","page":428},{"text":"الثالث: التقدير السنوي، وهو ما يُقدَّر في ليلة القدر، حيث يكتب الله ﷿ ما يكون في تلك السنة من سعادة، وشقاوة، وصحة، ومرض، وإعزاز، وإذلال، وإغناء، وفقر، وسميت بليلة القدر؛ لأن الله ﷿ يُقدِّر ما يكون في تلك الليلة للإنسان.\nوقيل: لأنها ليلة عظيمة القدر والشأن، ولا مانع من إرادة الأمرين، فهي ليلة عظيمة القدر والشأن، ويقدر الله ﷿ فيها ما يكون في تلك السنة.\nالرابع: التقدير اليومي، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾، يُمرِض، ويُفقِر، ويُغني، ويُعز، ويُذل، ويُسعد، ويُشقي ﷾.\nوأما ما جاء في حديث محاجة آدم وموسى ﵉ «أتلومني على شيء كتبه الله علي أن يخلقني بأربعين سنة» فهو تقدير خاص مأخوذ من التقدير العام.\nوفي حديث ابن مسعود ﵁ أن كَتْبَ الرزق ومجيء الملك بعد أربعة أشهر، وفي حديث حذيفة الغفاري ﵁ أنه يأتي الملك بعد أربعين يومًا، وفي بعضها: بعد اثنين وأربعين يومًا، وفي بعضها: بعد خمسة وأربعين يومًا، فكيف يكون الجمع بينها؟\nوالجواب: يحتمل- والله أعلم-: أن بعض النطف يأتيها الملك بعد أربعين يومًا، وبعضها بعد اثنين وأربعين، وبعضها بعد خمسة وأربعين، وبعضها بعد أشهر.\nويحتمل: أن هناك تصويرًا وتخليقًا أوَّليًّا، يأتي بعده تصوير آخر بعد الأربعة أشهر؛ لأن حديث ابن مسعود ﵁ متفق عليه، وهو الموافق للقرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ثم أنشأناه خلقًا آخر فتبارك الله أحسن","vol":"7","page":429},{"text":"الخالقين﴾.\nوالقدر سر الله في خلقه، قال الطحاوي ﵀: «أصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يَطَّلع على ذلك مَلَك مقرَّب ولا نبي مرسَل.\nوالتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذرَ كلَّ الحذرِ من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسةً؛ فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ فمن سأل: لم فعل؟ فقد رَدَّ حكم الكتاب، ومَن رَدَّ حكم الكتاب كان من الكافرين» (^١).\n_________\n(^١) العقيدة الطحاوية، للطحاوي (ص ١٧).","vol":"7","page":430},{"text":"[٢٦٤٧] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا وَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً، أَوْ سَعِيدَةً» قَالَ: فَقَالَ رَجَلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا، وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ ! فَقَالَ: «مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَقَالَ: اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ؛ أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾.\n[خ: ١٣٦٢]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي مَعْنَاهُ، وَقَالَ: فَأَخَذَ عُودًا، وَلَمْ يَقُلْ: مِخْصَرَةً، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسًا وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ إِلَّا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلِمَ نَعْمَلُ أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ ! قَالَ: «لَا؛ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾.","vol":"7","page":431},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ، وَالْأَعْمَشِ: أَنَّهُمَا سَمِعَا سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ يُحَدِّثُهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ.\nقوله: «فَقَالَ رَجَلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ !» هذا إشكال قديم وقع في الصدر الأول، لكن النبي ﷺ حسم هذا الإشكال، وأمر بالعمل، فقال: «اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ»، أي: ميسر لما خُلق له، «أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾».\nوالإنسان لا يدري ماذا كُتب له، لكنه مأمور بالعمل بطاعة الله ﷿، والقدر من شؤون الله، وليس من شؤون الإنسان.\nوفي هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن ينتهز الفرصة، ويُحدِّث الناس عند القبر؛ لأن الموعظة لها تأثير والحالة هذه؛ ولأن القلوب خاشعة.\nوبوَّب البخاري ﵀ في صحيحه: «باب موعظة المحدث عند القبر، وقعود أصحابه حوله» (^١).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢/ ٩٦).","vol":"7","page":432},{"text":"[٢٦٤٨] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلِقْنَا الْآنَ، فِيمَا الْعَمَلُ الْيَوْمَ؟ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ، وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ؟ أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟ قَالَ: «لَا، بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ، وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ»، قَالَ: فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ قَالَ زُهَيْرٌ: ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو الزُّبَيْرِ بِشَيْءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَسَأَلْتُ مَا قَالَ؟ فَقَالَ: «اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ».\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِهَذَا الْمَعْنَى، وَفِيهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ عَامِلٍ مُيَسَّرٌ لِعَمَلِهِ».\nقوله: «جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ، وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ»، أي: مضت به المقادير، وكُتب في اللوح المحفوظ، وامتنعت فيه الزيادة والنقصان.","vol":"7","page":433},{"text":"[٢٦٤٩] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ الضُّبَعِيِّ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعُلِمَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: فَقَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: قِيلَ: فَفِيمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ؟ قَالَ: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ».\n[خ: ٦٥٩٦]\nحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّادٍ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ.\n\n[٢٦٥٠] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ يَحيَى بْنِ عُقَيْلٍ عَنْ يَحيَى بْنِ يَعْمَرَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ: أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرِ مَا سَبَقَ؟ أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَقَالَ: أَفَلَا يَكُونُ ظُلْمًا؟ ! قَالَ: فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، وَقُلْتُ: كُلُّ شَيْءٍ خَلْقُ اللَّهِ وَمِلْكُ يَدِهِ، فَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، فَقَالَ لِي: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، إِنِّي لَمْ أُرِدْ بِمَا سَأَلْتُكَ إِلَّا لِأَحْزِرَ عَقْلَكَ، إِنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ: «لَا، بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى فِيهِمْ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾».","vol":"7","page":434},{"text":"قول أبي الأسود: «كُلُّ شَيْءٍ خَلْقُ اللَّهِ وَمِلْكُ يَدِهِ، فَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ»: جواب سديد.\nقول عمران ﵁: «إِلَّا لِأَحْزِرَ عَقْلَكَ»، أي: لِأُقَدِّرَ عقلَك، وأعرف كم عندك من عقل، وفهم راجح.\n\n[٢٦٥١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ».\n\n[١١٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ- فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ- وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ- فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ- وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ».\nهذا الحديث اختلف العلماء في الجمع بينه وبين حديث عبد الله بن مسعود ﵁ الذي فيه: «فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» على قولين:\nالقول الأول: من العلماء من حمل حديث ابن مسعود ﵁ على هذا الحديث، وقال: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة- فيما يبدو للناس- حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار","vol":"7","page":435},{"text":"فيدخلها، وكذلك من يعمل بعمل أهل النار، فيكون حديث سهلِ بنِ سعدٍ السَّاعديِّ ﵁ مقيِّدًا لحديث ابن مسعود ﵁.\nالقول الثاني: أنهما حديثان مستقِلَّان، ولا يلزم أن يكون حديث ابن مسعود ﵁ هو حديث سهل ﵁، أي: قد يكون في بعض الناس من يعمل بعمل أهل الجنة- فيما يبدو للناس- ثم يظهر نفاقه، وقسم آخر يكون حسن السريرة، ولكنه يتغير حاله في آخر حياته، ولم يكن منافقًا، ولكنه بعد ذلك انتكس- نسأل الله العافية والسلامة.\nوكذلك من يعمل بعمل أهل النار، ثم يوفق لخاتمة حسنة، كما وُفِّق سحرة فرعون، حتى قيل: إنهم في أول النهار كانوا يحلفون بعزة فرعون ﴿إنا لنحن الغالبون﴾، فهم كفرة فجرة، وفي آخر النهار آمنوا بالله، ثم قُتلوا، فصاروا شهداء بررة (^١)، وكذلك الرجل الذي أسلم، ثم قاتل في عهد النبي ﷺ، وقُتل، فقال النبي ﷺ: «عَمِلَ قَلِيلًا، وأُجِرَ كَثِيرًا» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٣٦٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٨٠٨).","vol":"7","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1243>بَابُ حِجَاجِ آدَمَ وَمُوسَى ﵉</span>\n\n[٢٦٥٢] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، وأحمد بن عبدة الضبي، جميعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ حَاتِمٍ، وَابْنِ دِينَارٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «احْتَجَّ آدَمُ، وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُونَا، خَيَّبْتَنَا، وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ! فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى، اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟»، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى».\nوَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، وَابْنِ عَبْدَةَ، قَالَ أَحَدُهُمَا: خَطَّ، وقَالَ الْآخَرُ: كَتَبَ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ- فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تَحَاجَّ آدَمُ، وَمُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ، وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، فَقَالَ آدَمُ: أَنْتَ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ، وَاصْطَفَاهُ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ».\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ عَنْ يَزِيدَ- وَهُوَ ابْنُ هُرْمُزَ- وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ قَالَا: سَمِعْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «احْتَجَّ آدَمُ، وَمُوسَى ﵉ عِنْدَ رَبِّهِمَا، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، قَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ","vol":"7","page":437},{"text":"بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الْأَرْضِ؟ ! فَقَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا، قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟»، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى».\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ حَاتِمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «احْتَجَّ آدَمُ، وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الْجَنَّةِ؟ ! فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ ! فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى».\nحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ النَّجَّارِ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.\nقوله: «احْتَجَّ آدَمُ، وَمُوسَى»: هذا الالتقاء بين آدم وموسى ﵉ يحتمل أن يكون في السماء، وأن موسى وهو في السماء السادسة جاء إلى آدم وهو في السماء الأولى، ومعلوم أن أجسامهما في الأرض، وقد لقي النبي ﷺ الأنبياء ﵈ في السماوات بأرواحهم بشكل أجسادهم، فالروح تأخذ شكل الجسم، إلا عيسى ﵇ فإنه لم يمت.","vol":"7","page":438},{"text":"[٢٦٥٣] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ».\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ- يَعْنِي: ابْنَ يَزِيدَ- كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هَانِئٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ.\nهذا الحديث فيه: أن الله ﷾ علم الأشياء في الأزل قبل كونها، وأنه تعالى كتب مقادير الخلائق كلها، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ».\nفالمقادير عَلِمَها الله في الأزل قبل أن تكون، ثم كتبها في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فلا بد من الإيمان بهذا، وأن الله كتب أرزاق العباد وآجالهم وأعمالهم وسعادتهم وشقاوتهم، وكتب الله ما يكون من أفعال العباد، وصفاتهم، وذواتهم، وحركاتهم، وسكناتهم، كما قال الله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها﴾، وقال سبحانه: ﴿وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾، وهو اللوح المحفوظ، وقال سبحانه: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾.","vol":"7","page":439},{"text":"ومن لم يؤمن بأن الله تعالى عَلِم الأشياء وكتبها في اللوح المحفوظ فليس بمؤمن؛ لهذا كفَّر العلماءُ القدريةَ الأولى الذين يقولون: إن الأمر أُنُف، أي: مستأنف جديد، لم يسبق به علم الله تعالى.\nوالقدرية: ظهروا في أواخر عهد الصحابة، فتبرأ منهم عبد الله بن عمر ﵄- كما تقدم في أول حديث في صحيح مسلم بعد المقدمة- لما جاءه حميد الطويل وصاحبه، واكتنفاه، وسألاه وهو ذاهب إلى الحج، وقالا له: «يا أبا عبد الرحمن، إنه ظهر قِبَلَنا أناس- يعني: في البصرة- يتقفَّرون العلم- يعني: يطلبون العلم- ويزعمون أن الأمر أُنف- يعني: مستأنف وجديد لم يسبقه علمُ الله وكتابته- قال: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي» (^١)، ثم ساق حديثًا رواه عن أبيه عمر بن الخطاب ﵁، وهو حديث جبريل المشهور في سؤالاته للنبي ﷺ عن الإسلام، وعن الإيمان، وعن الإحسان، وعن الساعة، وعن أماراتها.\nوفيه: إثبات الكتابة لله، وأنها صفة من صفاته، كما يليق بجلاله؛ لهذا قال: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ»، وجاء في الحديث: «أَنْتَ مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ»، وفيه أيضا: إثبات صفة اليد لله كما يليق بجلاله، وقد جانب النووي الصواب بتأويل صفة اليد.\nوفيه: إثبات فضائل آدم ﵇ التي بيَّنها موسى ﵇، فقال: «أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ».\nوفيه: فضائل موسى ﵇ التي بيَّنها آدم ﵇، فقال: «أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ» وفيه: إثبات صفة الكلام لله سبحانه، «وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ»، يعني: تبيانًا لكل شيء يُحتاج له من أحكام التوراة؛ وإلا فإن موسى ﵇ خفي عليه بعض العلم، ورحل إلى الخضر يتعلم منه، وقال له: ﴿هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدًا﴾، وأما قول الله تعالى- عن القرآن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨).","vol":"7","page":440},{"text":"الكريم-: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء﴾: فالمراد: أنه تبيان لكل شيء بالإجمال، وما أُجمل في القرآن فُصِّل في السنة، وما لم يُذكر في القرآن ذُكر في السنة، والقرآن أمر بالأخذ بالسنة، قال تعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ وقال: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾.\nوفيه: أن أجساد الأنبياء دُفنت في الأرض، ولكن أرواحهم مصورة في صور أبدانهم، والنبي ﷺ رآهم ليلة المعراج بأرواحهم، كما بيَّن المحققون من أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (^١)، وابن القيم ﵀ (^٢).\nإلا عيسى ﵇، فإنه لم يمت، بل رُفع بروحه وجسده، وسينزل في آخر الزمان، ويحكم بشريعة نبينا ﷺ، ويموت كما كتب الله له، ويُدفن في الأرض.\nأما لقاء موسى بآدم ﵇ فقد ذكر القاضي عياض وعنه النووي ثلاثة احتمالات:\nالأول: أن اللقيا بأرواحهما.\nالثاني: أنه على ظاهره، وأنهما اجتمعا بأشخاصهما.\nالثالث: أن ذلك كان فى حياة موسى ﷺ، وأنه سأل ربه أن يريه آدم (^٣).\nوالاحتمال الثاني: ليس بوجيه؛ لأن الأجساد لا تبعث إلا يوم القيامة، فيبقى الاحتمالان الأول والثاني بالنسبة للقاء موسى بآدم، ويبقى احتمال واحد بالنسبة للقاء النبي ﷺ بالأنبياء، والإحياء لا بد له من دليل.\nوقوله: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى»، يعني: غلبه بالحجة، وقد غلب آدمُ موسى ﵉ بأمرين:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٤/ ٣٢٨).\n(^٢) الروح، لابن القيم (ص ٤٤).\n(^٣) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ١٣٧)، شرح مسلم، للنووي (١٦/ ٢٠٠).","vol":"7","page":441},{"text":"الأمر الأول: أن موسى ﵇ لام آدم ﵇ على المصيبة التي لحقته، وهي الإخراج من الجنة والإهباط إلى الأرض، فاحتج آدمُ بالقدر، وقال: إن هذا مكتوب عليَّ؛ فلذلك غلبه بالحجة، والاحتجاج على المصائب بالقدر لا بأس به، وإنما الممنوع الاحتجاج بالذنب على القدر، وهذا معنى قول أهل العلم: الاحتجاج بالقدر على المصائب، لا على المعائب (^١).\nالأمر الثاني: أن موسى ﵇ لامَ آدم ﵇ على الذنب، فاحتج آدم ﵇ بأنه قد تاب من الذنب، ومن تاب من الذنب لا يُلام، قال تعالى: ﴿وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ وموسى ﵊ صدرت منه خطيئة القتل قبل النبوة، وعيَّره فرعون، وقال: ﴿وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين قال فعلتها إذا وأنا من الضالين﴾، وهذا قبل النبوة، والأنبياء معصومون من الشرك ومن الكبائر، ومن الخطأ في تبليغ رسالات ربهم، لكن الصغائر قد تقع، ومنه: قوله تعالى: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾، وقوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ وقال- في آدم ﵇-: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾، وقال- في موسى-: ﴿قال ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم﴾.\nوقوله: «وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ»، أي: لما كتبت المقادير كان العرش على الماء؛ إذ العرش والماء مخلوقان قبل المقادير، ثم بعد المقادير بخمسين ألف سنة خلق الله السماوات والأرض، ثم بعد ذلك خلق الله ﵎ الجن، ثم خلق بني آدم.\n_________\n(^١) التدمرية، لابن تيمية (ص ٢٣١)، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، لابن تيمية (ص ١٣٥)، مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٨/ ٧٧، ١٠٧ - ١١٠، ٢٣٨، ٣٠٤، ٤٥٤)، (١٠/ ١٦٠، ٦٨٥)، (١١/ ٢٥٩)، شفاء العليل، لابن القيم (ص ١٨).","vol":"7","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1244>بَابُ تَصْرِيفِ اللَّهِ تَعَالَى الْقُلُوبَ كَيْفَ شَاءَ</span>\n\n[٢٦٥٤] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُقْرِئِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: إنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ».\nفي هذا الحديث: إثبات الأصابع لله ﷿، وهي صفة من صفاته، كما يليق بجلاله، وجاء في الحديث الآخر: أنها خمسة أصابع لله ﷿، «يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ» (^١).\nوما جاء في بعض الأحاديث من الإشارة إلى الأصابع فالمراد به: تحقيق الصفة، وأنها صفة حقيقية، وليس المراد التمثيل، مثل ما جاء في الحديث الآخر: أن النبي ﷺ لما قرأ: ﴿إن الله كان سميعًا بصيرًا﴾ «يَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ» (^٢).\nوقوله: «بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ»: البينية هنا استشكلها بعض المؤولين، وقالوا: كيف لا نجد في صدورنا أصابع الرحمن؛ لأن هذا يلزم منه أن تكون أصابع الرحمن داخل صدورنا، وأن تكون القلوب مماسة للأصابع، وهذا من الجهل بالأحاديث وباللغة، فإن البينية لا تقتضي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٨١١)، ومسلم (٢٧٨٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٧٢٨).","vol":"7","page":443},{"text":"المماسة، ولا تقتضي المقاربة، والبينية أمرها واسع، قال تعالى: ﴿والسحاب المسخر بين السماء والأرض﴾، فالسحاب بين السماء والأرض، وبينهما مسافة، وليس السحاب مماسًّا للسماء، ولا للأرض.\nقال النووي ﵀: «هذا من أحاديث الصفات، وفيها القولان السابقان قريبًا، أحدهما: الإيمان بها من غير تعرض لتأويل، ولا لمعرفة المعنى، بل يؤمن بأنها حق، وأن ظاهرها غير مراد» (^١).\nقلت: وهذا قول المفوضة، والصواب: أن ظاهرها مراد، وأن إثبات الأصابع حقيقة.\nثم قال: «والثاني: يتأول بحسب ما يليق بها، فعلى هذا فالمراد: المجاز، كما يقال: فلان في قبضتي، وفي كفي، لا يراد به: أنه حالٌّ في كفه، بل المراد: تحت قدرتي» (^٢).\nقلت: وهذا قول المؤولة المعطلة الذين عطلوا الله من صفاته، وهو قول باطل، ما هو الداعي إلى القول بالمجاز؟ والله تعالى يقول: ﴿قل أأنتم أعلم أم الله﴾، وهل أنتم أعلم من رسول الله ﷺ بربه؟ والرسول ﷺ أثبت الأصابع لله، فقال: «بَيْنَ إِصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ».\nوالمجاز خلاف الحقيقة، واللغة العربية لا مجاز فيها، كما بين ذلك المحققون من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (^٣).\nوالنووي ﵀ لم يذكر قول السلف؛ لأن الأول: قول المفوضة، والثاني: قول المؤولة.\nأما قول السلف فهو: إثبات الأصابع لله، والمعنى معروف، وأما الكيفية فالله أعلم بها، كما قال الإمام مالك ﵀: «الاستواء غير مجهول، والكيف\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ٢٠٤).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ٢٠٤).\n(^٣) الإيمان، لابن تيمية (ص ٧٣).","vol":"7","page":444},{"text":"غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» (^١).\nوفيه: فضل هذا الدعاء: «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ»، وفي حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يكثر من هذا الدعاء يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك»، فقلت: يا رسول الله. إِنَّكَ تُكْثِرُ تَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ؟ فَقَالَ: «إِنَّ قَلْبَ الْآدَمِيِّ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ ﷿، فَإِذَا شَاءَ أَزَاغَهُ، وَإِذَا شَاءَ أَقَامَهُ» (^٢) - نسأل الله أن يثبت قلوبنا على طاعته.\n_________\n(^١) أخرجه الصابوني في عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ١٧ - ١٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٤٠٨)، وقد صححه الذهبي في العلو (ص ١٠٣)، قال الحافظ ابن حجر- في فتح الباري (١٣/ ٤٠٦ - ٤٠٧) -: «إسناده جيد».\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٥٢٤٣).","vol":"7","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1245>بَابُ كُلِّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ</span>\n\n[٢٦٥٥] حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ- فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ- عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، قَالَ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ، أَوِ الْكَيْسِ وَالْعَجْزِ».\nقوله: «حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ» العجز: ترك الشيء مع القدرة عليه، والكيس: النشاط والعمل.\n\n[٢٦٥٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ زِيَادِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْقَدَرِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.\nقوله: «فَنَزَلَتْ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾»: دليل على إثبات القدر، فكلمة: (كل) من صيغ العموم، يدخل فيها كل شيء من الذوات، والصفات، والأقوال والأفعال، والحركات، والسكنات.\nوقول القاضي عياض ﵀: «ظاهره: أن المراد بالقدر ههنا: مراد","vol":"7","page":446},{"text":"الله ومشيئته وما سبق به قدره من ذلك» (^١) يضاف إليه: علم الله بالأشياء قبل كونها في الأزل، وكتابته للمقادير في اللوح المحفوظ، وخلقه وإيجاده لكل شيء.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ١٤٣).","vol":"7","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1246>بَابُ قُدِّرَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا وَغَيْرِهِ</span>\n\n[٢٦٥٧] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حميد- وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ- قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ! فَزِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ النُّطْقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ».\nقَالَ عَبْدٌ فِي رِوَايَتِهِ: ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ.\n[خ: ٦٢٤٣]\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ! فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ».\nقوله: «مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ»؛ لأن الإنسان لا يسلم من الصغائر.\nفي هذا الحديث: دليل على أن هذه الأشياء من الصغائر، وصغائر الذنوب لا أحد يَسلَم منها.\nوفيه: دليل على أن صغائر الذنوب تُكَفَّر باجتنابِ الكبائر وفعلِ الفرائض، قال الله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾، يعني: الصغائر، وقال سبحانه: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾، وهي صغائر الذنوب؛ سميت","vol":"7","page":448},{"text":"لممًا لأن الإنسان يلم بها.\nوقد تقدم في الصحيح أنه ﵊ قال: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، والجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ» (^١).\nوفيه: دليل على تسمية هذه الأشياء زنا؛ لأنها وسيلة إليه، قال ﷺ: «فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ».\nوفيه: دليل على أن التصديق يكون بالأفعال؛ لذا قال ﷺ: «وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ، أَوْ يُكَذِّبُهُ»، كما يكون بالأقوال، والاعتقادات، فالمؤمن صادق في اعتقاده بربه، والمنافق كاذب في اعتقاده؛ لأنه يدعي الإيمان وهو كاذب، قال الله تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾، وقال سبحانه: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾.\nوفيه: إثبات كتابة القدر.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٣٣).","vol":"7","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1247>بَابُ مَعْنَى كُلِّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَحُكْمِ مَوْتِ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ، وَأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ</span>\n\n[٢٦٥٨] حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، وَيُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ !»، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ...﴾ الْآيَةَ.\n[خ: ١٣٥٨]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ ابْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً، وَلَمْ يَذْكُرْ: جَمْعَاءَ.\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: اقْرَءُوا: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾».\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، وَيُشَرِّكَانِهِ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فِي حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَهُوَ عَلَى الْمِلَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ","vol":"7","page":450},{"text":"عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ: إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ، حَتَّى يُبَيِّنَ عَنْهُ لِسَانُهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ: لَيْسَ مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ لِسَانُهُ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ يُولَدْ يُولَدْ عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تَنْتِجُونَ الْإِبِلَ، فَهَلْ تَجِدُونَ فِيهَا جَدْعَاءَ، حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا؟ !» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ صَغِيرًا؟ قَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ».\nفي هذه الأحاديث: أن الإنسان مولود على الفطرة؛ لقوله ﷺ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ»، والمراد بالفطرة: الإسلام، والدين، والملة، ومعرفة الله، والإقرار به، والميل إلى الخير.\nوأصح ما ورد في أن المراد بالفطرة: الدين، والإسلام، والملة: الحديث القدسي عن النبي ﷺ أنه قال- فيما يرويه عن ربه ﷿-: «وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا» (^١)، وليس معنى ذلك: أن الذي على الفطرة يعرف تفاصيل الشريعة، بل المراد: أنه مفطور على الخير، وعلى معرفة الله والإقرار به، ففي هذا الحديث: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ»، وفي لفظ: «إِلَّا يُولَدُ عَلَى هَذِهِ المِلَّةِ»، وفي لفظ: «حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ لِسَانُهُ».\nوقوله: «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، وَيُمَجِّسَانِهِ»، يعني: ينقلانه إلى اليهودية، أو النصرانية، أو المجوسية، أو الشرك.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٦٥).","vol":"7","page":451},{"text":"وقوله: «كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ»، يعني: مجتمعة الأطراف، والمراد: أنه كما تنتج البهيمةُ مجتمعةَ الحواسِّ والأطراف، ثم يحصل بها الجدع بعد ذلك- وهو قطع الأذن- فكذلك الإنسان يولد على الفطرة وعلى الدين وعلى الملة، ثم يأتيه التغيير بعد ذلك.\nوقوله: «يُشَرِّكَانِهِ»: على وزن يُفَعِّلانه، مثل: «يُنَصِّرَانِهِ»، ومعنى يُشَرِّكانه، أي: ينقلانه إلى الشرك.\nوفيها: دليل على تسمية النصارى بالنصارى، وبعض الناس يسميهم بالمسيحيين، وهذا خطأ؛ لأنهم لو كانوا مسيحيين لاتبعوا المسيح ﵇، وآمنوا بالرسول محمد ﷺ.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُلُّ إِنْسَانٍ تَلِدُهُ أُمُّهُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَأَبَوَاهُ- بَعْدُ- يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، وَيُمَجِّسَانِهِ، فَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ فَمُسْلِمٌ، كُلُّ إِنْسَانٍ تَلِدُهُ أُمُّهُ يَلْكُزُهُ الشَّيْطَانُ فِي حِضْنَيْهِ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا».\nفي هذا الحديث: منقبة لمريم وابنها عيسى ﵉، وجاء في لفظ البخاري: «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإِصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ، غَيْرَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَهَبَ يَطْعَنُ فَطَعَنَ فِي الحِجَابِ» (^١)، والحجاب، يعني: الغشاء الذي يكون على الولد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٨٦).","vol":"7","page":452},{"text":"[٢٦٥٩] حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَيُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ».\n[خ: ٦٥٩٨]\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِهْرَامَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ. ح، وَحَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ- وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ- كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِ يُونُسَ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ مِثْلَ حَدِيثِهِمَا، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ شُعَيْبٍ، وَمَعْقِلٍ: سُئِلَ عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ.\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ مَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ صَغِيرًا، فَقَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ».\n\n[٢٦٦٠] وَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ إِذْ خَلَقَهُمْ».\n\n[٢٦٦١] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَقَبَةَ بْنِ مَسْقَلَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ كَافِرًا، وَلَوْ عَاشَ لَأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا».\nفي هذه الأحاديث: دليل على أن الأطفال يولدون على الفطرة.\nوبالنسبة لأولاد المسلمين فقد نقل غير واحد الإجماع على أن أطفال المسلمين إذا ماتوا قبل البلوغ فهم في الجنة (^١)؛ تبعًا لآبائهم، قال تعالى:\n_________\n(^١) التمهيد، لابن عبد البر (٦/ ٣٤٨)، المعلم، للمازري (٣/ ٣٠٧)، شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٨٣، ٢٠٧).","vol":"7","page":453},{"text":"﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾.\nوأما أولاد المشركين ففيهم ثمانية أقوال، ذكر النووي ﵀ منها ثلاثة أقوال (^١)، وذكرها الحافظ ابن حجر ﵀ في كتاب الجنائز (^٢)، وذكرها العلامة ابن القيم ﵀ في طبقات المكلفين (^٣):\nالقول الأول: أنهم في الجنة، وهذا هو الصواب؛ لأنهم غير مكلفين، ولأنهم مولودون على الفطرة، ولما ثبت في قصة رؤيا النبي ﷺ: «وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ﷺ، وَأَمَّا الوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ» قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَوْلادُ المُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَأَوْلادُ المُشْرِكِينَ» (^٤)، وهو صريح في أن أولاد المشركين في الجنة.\nالقول الثاني: أنهم يُمتَحنون، كأهل الفترة، ومن أدلة ذلك: قول الله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾.\nالقول الثالث: أنهم في النار تبعًا لآبائهم، فقد روى عبد الله عن الإمام أحمد في زيادات المسند عن علي ﵁ مرفوعًا: «إن المسلمين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار» (^٥) وهذا الحديث ضعيف السند، ومتن الحديث شاذ منكر.\nفالصواب القول الأول: أنهم في الجنة، ويليه في القوة القول الثاني: أنهم يمتحنون.\nوأما مصير الغلام الذي قتله الخضر فإن الخضر نبي يوحى إليه، وهو\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ٢٠٧ - ٢٠٨).\n(^٢) فتح الباري، لابن حجر (٣/ ٢٤٦).\n(^٣) طريق الهجرتين، لابن القيم (ص ٣٨٧ - ٣٨٩).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٢٨٦).\n(^٥) أخرجه أحمد (١/ ١٣٤). بالرقم","vol":"7","page":454},{"text":"مأمور بهذا، فيحتمل أن الغلام لا يعذَّب؛ لأنه لم يبلغ الحلم، فيكون هذا القتل فيه خير له، حتى لا يبلغ الحلم فيعيش كافرًا، والله أعلم.\n\n[٢٦٦٢] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ- أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ- قَالَتْ: تُوُفِّيَ صَبِيٌّ، فَقُلْتُ: طُوبَى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَوَ لَا تَدْرِينَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ النَّارَ، فَخَلَقَ لِهَذِهِ أَهْلًا، وَلِهَذِهِ أَهْلًا».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحيَى عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ- أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ- قَالَتْ: دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَنَازَةِ صَبِيٍّ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طُوبَى لِهَذَا، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ؟ قَالَ: «أَوَ غَيْرَ ذَلِكِ يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحيَى. ح، وَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ. ح، وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحيَى، بِإِسْنَادِ وَكِيعٍ نَحْوَ حَدِيثِهِ.\nفي هذا الحديث: نهي النبي ﷺ لعائشة ﵂ عن أن تشهد لأحد بعينه بالجنة؛ لأنها شهدت لصبي بالجنة، وقالت: «عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ»، فقال لها النبي ﷺ: «أَوَ غَيْرَ ذَلِكِ يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ».\nولذلك يُنهى عن الشهادة لصبي بعينه بالجنة، أما الشهادة للعموم فلا","vol":"7","page":455},{"text":"بأس بها.\nوفيه: إثبات القضاء والقدر، وإثبات أهل الجنة، وأهل النار، وإثبات السعادة والشقاوة، وأن أهل الجنة خُلقوا للجنة وهم في أصلاب آبائهم، وأهل النار كذلك.","vol":"7","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1248>بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْآجَالَ وَالْأَرْزَاقَ وَغَيْرَهَا لَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ عَمَّا سَبَقَ بِهِ الْقَدَرُ</span>\n\n[٢٦٦٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ- زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ-: اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قَدْ سَأَلْتِ اللَّهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ، أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ، وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ، أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ، كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ» قَالَ: وَذُكِرَتْ عِنْدَهُ الْقِرَدَةُ- قَالَ مِسْعَرٌ: وَأُرَاهُ قَالَ-: وَالْخَنَازِيرُ مِنْ مَسْخٍ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِمَسْخٍ نَسْلًا، وَلَا عَقِبًا، وَقَدْ كَانَتِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ قَبْلَ ذَلِكَ».\nحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ بِشْرٍ، وَوَكِيعٍ جَمِيعًا: مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ، وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَحَجَّاجُ ابْنُ الشَّاعِرِ- وَاللَّفْظُ لِحَجَّاجٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ حَجَّاجٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ عَنْ مَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: اللَّهُمَّ مَتِّعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّكِ سَأَلْتِ اللَّهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَآثَارٍ مَوْطُوءَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَا يُعَجِّلُ شَيْئًا مِنْهَا قَبْلَ حِلِّهِ، وَلَا يُؤَخِّرُ مِنْهَا شَيْئًا بَعْدَ حِلِّهِ، وَلَوْ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ، لَكَانَ خَيْرًا لَكِ» قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ هِيَ مِمَّا مُسِخَ؟","vol":"7","page":457},{"text":"فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا- أَوْ: يُعَذِّبْ قَوْمًا- فَيَجْعَلَ لَهُمْ نَسْلًا، وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ».\nحَدَّثَنِيهِ أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَآثَارٍ مَبْلُوغَةٍ، قَالَ ابْنُ مَعْبَدٍ: وَرَوَى بَعْضُهُمْ: قَبْلَ حِلِّهِ، أَيْ: نُزُولِهِ.\nقوله: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِمَسْخٍ نَسْلًا وَلَا عَقِبًا، وَقَدْ كَانَتِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ قَبْلَ ذَلِكَ»، يعني: أن الممسوخ لا يُنسِل ولا يتكاثر بل، يفنى بفناء الممسوخين أنفسهم، وقد كانت الخنازير موجودة قبل المسخ في بني إسرائيل.\nوفي هذا الحديث: دليل على أن الدعاء يتفاضل، وأن الدعاء بالاستعاذة من عذاب القبر، وعذاب النار، ومضلات الفتن، وسؤال الله العفو والعافية أفضل من الدعاء بطول عمر الأبوين، أو الإخوة، أو الأبناء، وأفضل من طلب الدنيا، ولكن لم يَنْهَ النبيُّ ﷺ أُمَّ حبيبةَ ﵂ عن قول: «اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ»، وإنما بيَّن لها أن الأفضل من هذا: أن تسأل الله أن يعيذها من عذاب القبر، وعذاب النار.\nوفيها: إثبات أن قدر الإنسان قد قدَّره الله لأيام مضروبة، وآجال معدودة، وأرزاق مقسومة، لن يُؤخَّر شيء منها بعد حِلِّه، ولن يُعجَّل شيء قبل حله؛ فالأرزاق والآجال محدَّدة، لا تزيد ولا تنقص، قال الله تعالى: ﴿ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها﴾؛ ولهذا كان الإمام أحمد يكره أن يدعى له بطول العمر، ويقول: إن هذا أمر فُرغ منه (^١)، لكن ظاهر حديث أم حبيبة أنه جائز؛ لأن النبي ﷺ قال: «لَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ في النَّارِ أَوْ عَذَابٍ في القَبْرِ كَانَ خَيرًا»، ولم يقل: إنه ممنوع، فدل\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز (ص ٦٦).","vol":"7","page":458},{"text":"على جوازه، لكن ينبغي أن يُقَيَّد بالطاعة، فإذا قلتَ: أطال الله عمرك على طاعته؛ فهذا حسن، فقد جاء في سنن الترمذي من حديث أبي بكرة ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ»، قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ» (^١).\nوالقضاء والقدر إذا اجتمعا يكون بينهما فرق، وإذا أُطلق أحدهما بمفرده دخل فيه الآخر.\nوالقضاء يستعمل في اللغة على وجوه: فالقضاء بمعنى: الأمر، كقوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ معناه: أمر.\nوالقضاء بمعنى: الخلق، كقوله: ﴿فقضاهن سبع سماوات في يومين﴾، يعني: خلقهن.\nوالقضاء بمعنى: الحكم، كقوله تعالى: ﴿فاقض ما أنت قاض﴾، يعني: احكم ما أنت تحكم.\nوالقضاء بمعنى: الفراغ، كقوله: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾، أي: فرغ منه، ومنه: قوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾، وقوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة﴾.\nوالقضاء بمعنى: الإرادة، كقوله تعالى: ﴿إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون﴾.\nوالقضاء بمعنى: العهد، كقوله تعالى: ﴿وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر﴾ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٣٣٠).\n(^٢) تفسير القرطبي (١٠/ ٢٣٧).","vol":"7","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1249>بَابٌ فِي الْأَمْرِ بِالْقُوَّةِ، وَتَرْكِ الْعَجْزِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ، وَتَفْوِيضِ الْمَقَادِيرِ لِلَّهِ</span>\n\n[٢٦٦٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحيَى بْنِ حَبَّانَ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ».\nفي هذا لحديث: بيان الخيرية الخاصة للمؤمن القوي وفضله، وأنه أَحَبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، مع اشتراكهما في الخيرية العامة.\nوفيه: إثبات المحبة لله ﷿، كما يليق بجلاله وعظمته، والرد على من أنكرها من الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم، أو تأولها بالإرادة، أو بالثواب.\nوقوله: «المُؤْمِنُ القَوِيُّ»: المراد: قوي الإيمان، وليس المراد حصره بقوة الجسم؛ لأن القوة في الجسم قد تكون خيرًا، كما في قوله تعالى: ﴿وزاده بسطة في العلم والجسم﴾، وقد تكون شرًّا.\nفالمؤمن القوي هو الذي تعدى نفعه إلى الآخرين بعلمه، أو بماله، أو بجاهه، أو بشفاعته، أو بتوجيهه وإرشاده، أو ببدنه، والمؤمن الضعيف هو الذي يقتصر نفعه على نفسه.\nوفيه: الأمر بإكمال الأسباب النافعة، والحرص عليها، والاستعانة بالله ﵎ في فعلها وتحقيقها؛ لهذا قال ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ».","vol":"7","page":460},{"text":"وفيه: النهي عن العجز، وهو: ترك الشيء مع القدرة عليه، فينبغي للإنسان أن يكون نشيطًا قويًّا ذا همة عالية.\nوفيه: النهي عن الاعتراض على القدر، والنهي هنا للتحريم، قال: «وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»، وقوله: «قَدَرُ اللَّهِ» هكذا ضبطت بفتح الدال مخففة، ويجوز فيها ضبط آخر: «قَدَّرَ اللَّهُ».\nأما استعمال (لو) في تمني الخير فهذا ليس ممنوعًا، كقوله ﷺ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الهَدْيَ، وَلَحَلَلْتُ مَعَ النَّاسِ حِينَ حَلُّو» (^١)، وكقوله ﷺ: «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا» (^٢)، وقد بوب البخاري ﵀: باب ما يجوز من اللَّوِّ (^٣)، وأورد فيه عددًا من الأحاديث في استعمال النبي ﷺ لقول: (لو)، ومثلها قول: (لولا) فأراد ﵀ بيان جواز قول: (لو) فيما كان جائزًا، وفي تمني الخير، وإنما يُمنع قولها في الاعتراض على القدر أو التحسر على الماضي.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٢٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠).\n(^٣) صحيح البخاري (٩/ ٨٥).","vol":"7","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1250>كِتَابُ الْعِلْمِ</span>","vol":"7","page":463},{"text":"كِتَابُ الْعِلْمِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-1251>بَابُ النَّهْيِ عَنِ اتِّبَاعِ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَّبِعِيهِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الِاخْتِلَافِ فِي الْقُرْآنِ</span>\n\n[٢٦٦٥] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ الْقَاسِمِ ابْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ﴾ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ؛ فَاحْذَرُوهُمْ».\n[خ: ٤٥٤٧]\nفي هذا الحديث: دليل على أن القرآن فيه محكم ومتشابه، والواجب على المسلم: العمل بالمحكم ورد المتشابه إلى الله ﷿.\nوالمحكم هو: واضح المعنى.\nوالمتشابه نوعان:\nالنوع الأول: متشابه حقيقي، وهو ما تفرَّد الله ﷿ بعلمه، مثل: كنه الذات، وكنه الصفات، وكنه حقائق الآخرة بما أخبر الله به من الجنة، والنار، والجزاء والحساب.","vol":"7","page":465},{"text":"النوع الثاني: متشابه نسبي إضافي، وهذا يعلمه الراسخون في العلم، وطريقة الراسخين في العلم: العمل بالمحكم، ورد المتشابه إليه حتى يتضح، أما أهل الزيغ فإنهم يتبعون المتشابه، ويتركون المحكم، فإذا رأيت من يفعل ذلك فاحذره، كما قال النبي ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ؛ فَاحْذَرُوهُمْ».\nفمثلًا إذا استدل النصراني على تعدد الآلهة بقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ فقال: دل الجمع على أن الآلهة ثلاثة، فإن الراسخين في العلم يردون هذا المتشابه إلى المحكم، وهو قوله تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾، ويفسرون: ﴿إنا نحن﴾ في لغة العرب بالواحد المعظِّم نفسَه.\nوالتأويل له ثلاثة معانٍ اصطلاحية:\nالأول: الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، والكلام نوعان: خبر، وأمر، فإن كان الكلام خبرًا فتأويل الحقيقة: وقوع المخبَر به، كقوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق﴾، يعني: يوم يقع تأويله، وهو يوم القيامة، فتأويل ما أخبر الله به عن الجنة والنار والحساب والجزاء هو وقوعه، حينما يقع الحساب والجزاء ودخول المؤمنين الجنة، ودخول الكافرين النار.\nومنه: قول الله تعالى- عن يوسف ﵇ لما سجد له أبواه وإخوته-: ﴿قال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل﴾، يعني: وقع تأويل الرؤيا بعد ثلاثين سنة، أو بعد أربعين سنة.\nوإن كان الكلام أمرًا فإن وقوعه فعل المأمور به، كحديث عائشة ﵂- لما نزل قول الله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا فسبح بحمد ربك واستغفره﴾ -: «كان النبي ﷺ يقول في سجوده وركوعه: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ","vol":"7","page":466},{"text":"لِي»، يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ» (^١)، يعني: يفعل ما أُمر به في القرآن.\nالثاني: التفسير، ومنه: قول الإمام ابن جرير في تفسيره: القول في تأويل قول الله تعالى كذا، يعني: في تفسيره.\nوهذان المعنيان معروفان عند السلف.\nالثالث: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح؛ لدليل يقترن به، فهذا اصطلح عليه بعض الفقهاء والأصوليين المتأخرين، وهذا قد يكون محمودًا، وقد يكون مذمومًا.\nوالآية الكريمة: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ فُسِّر التأويل فيها بالتفسيرَين السابقَين، فإذا كان التأويل بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الكلام صار الوقف على قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾، ثم يبدأ يستأنف: ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾، والمعنى: ﴿وما يعلم تأويله﴾، أي: الحقيقة التي يؤول لها إلا الله ﷾.\nوعلى القول الثاني أن المراد بالتأويل: التفسير، فإن الوقف على قوله: ﴿والراسخون في العلم﴾، فيكون المتشابه نسبيًّا إضافيًّا، ويكون المعنى: ﴿وما يعلم تأويله﴾، أي: تفسيره ﴿إلا الله والراسخون في العلم﴾، أي: أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله- أيضًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨١٧)، ومسلم (٤٨٤).","vol":"7","page":467},{"text":"[٢٦٦٦] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ الْأَنْصَارِيُّ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: هَجَّرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، قَالَ: فَسَمِعَ أَصْوَاتَ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِتَابِ».\nفي هذا الحديث: التحذير من الاختلاف في الكتاب.\nوفيه: دليل على أن هلاك الأولين كان باختلافهم في كتابهم.\nوالاختلاف في الكتاب نوعان: اختلاف في تنزيله، واختلاف في تأويله.\nأما الاختلاف في تنزيله: فأهل الحق على أن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، وأما أهل البدع- كالمعتزلة- فيقولون: إن القرآن مخلوق، وإنه غير منزل، وهذا كفر وضلال، والأشاعرة يقولون: إن القرآن هو المعنى دون اللفظ، وأما الألفاظ والحروف فهذه مخلوقة من تأليف جبريل، أو تأليف محمد ﷺ.\nوأما الاختلاف في تأويله: فالتأويل قد يكون ليس عليه دليل، فيكون باطلًا، وقد يكون عليه دليل، فيكون حقًّا.","vol":"7","page":468},{"text":"[٢٦٦٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو قُدَامَةَ الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ فَقُومُوا».\n[خ: ٥٠٦٠]\nحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ عَنْ جُنْدَبٍ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا».\nحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ قَالَ: قَالَ لَنَا جُنْدَبٌ- وَنَحْنُ غِلْمَانٌ بِالْكُوفَةِ-: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ»، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا.\nفي هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان إذا كان في مناظرة وخشي من تغير القلوب، فالواجب عليه أن يقوم حتى لا تتغير القلوب.\nوفيه: تحذير لهذه الأمة من الاختلاف في كتابها؛ لئلا تهلك كما هلك من قبلها من الأمم.\nومما يوضح ذلك: أنهم لما اختلفوا في القراءات على عهد أمير المؤمنين عثمان ﵁ انزعج حذيفة ﵁، وهو يغازي أرمينية وأذربيجان، وجاء إلى أمير المؤمنين عثمان ﵁، وقال: «أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ، قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الكِتَابِ اخْتِلافَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ: أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي المَصَاحِفِ، ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ العَاصِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي المَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثَّلاثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ","vol":"7","page":469},{"text":"فِي المَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا، وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ القُرْآنِ- فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ، أَوْ مُصْحَفٍ- أَنْ يُحْرَقَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٩٨٧).","vol":"7","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1252>بَابٌ فِي الْأَلَدِّ الْخَصِمِ</span>\n\n[٢٦٦٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ».\n[خ: ٢٤٥٧]\nقوله: «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم»، يعني: شديد الخصومة؛ قال النووي ﵀: ««الخَصِم»: هو بفتح الخاء وكسر الصاد، و«الأَلَدُّ»: شديد الخصومة، مأخوذ من لديدي الوادي، وهما: جانباه؛ لأنه كلما احتُج عليه بحجة أخذ في جانب آخر، وأما الخَصِم فهو الحاذق بالخصومة، والمذموم هو الخصومة بالباطل في رفع حق، أو إثبات باطل، والله أعلم» (^١).\nوفي هذا الحديث: التحذير من الخصومة، والخصومة من شدة الجدال، وأن كثير الخصومة يبغضه الله - ﷿ -.\nوفيه: أنه ينبغي للإنسان أن يكون سهلًا بعيدًا عن الخصومة والجدال والنزاع والشقاق، وأن يسلك الطريق الأيسر والأسهل، «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» (^٢).\nوفيه: إثبات البغض لله - ﷿ -، والرد على من أنكره.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ٢١٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٩)، ومسلم (١٧٣٢).","vol":"7","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1253>بَابُ اتِّبَاعِ سَنَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى</span>\n\n[٢٦٦٩] حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آلْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ؟».\n[خ: ٧٣٢٠]\nوَحَدَّثَنَا عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو غَسَّانَ- وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ- عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ نحوه.\nفي هذا الحديث: أن هذا الأمر واقع في هذه الأمة، وأنها ستتبع سنن اليهود والنصارى، وتعمل مثل عملهم «حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ»، ومعلوم أن جحر الضب لا يُدخَل؛ لصغره، لكن المراد: بيان المبالغة في الاتباع والاقتداء بهم.\nوفيه: دليل من دلائل النبوة؛ لأن هذا الأمر وقع في الأمة، وتبعت سنن اليهود والنصارى.\nتنبيه: ليس المراد من الحديث: أن كل أحد يتبع سنن اليهود والنصاري، بل المراد: أنه يوجد ذلك في بعض الناس، ولو كانت الأمة كلها تتبع ما صار للحديث فائدة، وجاء في حديث آخر: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩٢٠).","vol":"7","page":472},{"text":"وقولهم: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، آلْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى؟»، يعني: من هم الذين سنتبع سننهم، هل هم اليهود والنصارى؟ فقال: «فَمَنْ؟»، أي: فمن يكون غيرهم؟ وفي لفظ: «وَمَنِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ؟» (^١).\nوقوله: «وَحَدَّثَنَا عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا» هذا من الآثار المنقطعة، وهي قليلة في مسلم، تقارب أربعة عشر حديثًا منقطعًا، وأما في البخاري فهي كثيرة، لكن هذا الحديث موصول بالإسناد السابق، وبالحديث اللاحق، وإنما ذكره المؤلف متابعةً وللتقوية، والمتابعة يُتسامح فيها ما لا يُتسامح في الأصول.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٣١٩).","vol":"7","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1254>بَابُ هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ</span>\n\n[٢٦٧٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ ابْنُ غِيَاثٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» قَالَهَا ثَلَاثًا.\nقوله: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ»، أي: المتعمقون؛ لأن التَّنَطُّعَ هو التعمُّق في الشيء والغلو فيه، ومجاوزة الحد في القول، أو الفعل.\nوفي هذا الحديث: تحريم التنطع، وأن المتنطعين هالكون؛ لهذا كررها ﷺ ثلاثًا.","vol":"7","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1255>بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ</span>\n\n[٢٦٧١] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا».\n[خ: ٨٠]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يُحَدِّثُكُم أَحَدٌ بَعدِي سَمِعَهُ مِنْهُ: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَفْشُوَ الزِّنَا، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَذْهَبَ الرِّجَالُ، وَتَبْقَى النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمٌ وَاحِدٌ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، وَأَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ بِشْرٍ، وَعَبْدَةَ: لَا يُحَدِّثُكُمُوهُ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ.\n\n[٢٦٧٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبِي قَالَا: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَيَّامًا يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ، وَالْهَرْجُ: الْقَتْلُ».\n[خ: ٧٠٦٤]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nوَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ","vol":"7","page":475},{"text":"سُلَيْمَانَ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي مُوسَى وَهُمَا يَتَحَدَّثَانِ، فَقَالَا: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيعٍ، وَابْنِ نُمَيْرٍ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: إِنِّي لَجَالِسٌ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي مُوسَى، وَهُمَا يَتَحَدَّثَانِ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\n\n[١٥٧] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ» قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: «الْقَتْلُ».\n[خ: ٧٠٦١]\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَن الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ»، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيَنْقُصُ الْعِلْمُ»، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِهِمَا.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ حَنْظَلَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي يُونُسَ عَنْ أَبِي","vol":"7","page":476},{"text":"هُرَيْرَةَ، كُلُّهُمْ قَالَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا: وَيُلْقَى الشُّحُّ.\nقوله: «مَعَ عَبْدِ اللَّهِ»، يعني: ابن مسعود.\nوقوله: «لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي»؛ لأنه طالت حياته ﵁، حتى جاوز المائة، ولم يَبقَ أحد من الصحابة في الكوفة.\nوقوله: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ»، يعني: من علاماتها، قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾.\nفي هذه الأحاديث: التحذير من الزنا، ومن شرب الخمر.\nوفيها: الحث على طلب العلم، حتى يرفع الإنسان عن نفسه الجهل، وقبض العلم في آخر الزمان يكون بقبض العلماء.\nوفيها: الأمر بالبعد عن القتال الذي لا يُعرف وجه الدخول فيه، وهو الهَرْجُ.\nوفيها: عَلَم من أعلام نبوته ﷺ، فهذه الأمور التي ذُكرت في الحديث وقعت من أزمان.\nوقوله: «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ»: اختلف العلماء في معناه، فقيل: المراد به: اعتدال الليل والنهار.\nوقيل: المراد به: نزع البركة، حتى تمضي الساعات والليالي والأيام بسرعة.\nوقيل: المراد به: أيام السرور تنقضي بسرعة.\nوقيل: يقرب الزمان من يوم القيامة.\nوأقرب الأقوال: أن المراد به: نزع البركة.\nوقد أُحدِثَت في هذا الزمان المراكب الجديدة كالسيارات، والقطارات،","vol":"7","page":477},{"text":"والسفن البحرية، والطائرات التي تقطع المسافات في وقت قصير، فتقطع مسافات الشهور والأعوام في ساعة أو ساعات قليلة، فالأقرب- والله أعلم- أن المراد بتقارب الزمان: قطع المسافات البعيدة بزمن قصير، فالعلماء السابقون ما كان يدور بخلدهم مثل هذه الاختراعات الحديثة، ولو وقع في زمانهم هذا لفسروا تقارب الزمان بقطع المسافات الطويلة في زمن قصير. والله أعلم.\nوقوله: «وَيُلْقَى الشُّحُّ»، يعني: يُلقى في القلوب، والشح: أسوأ البخل، وهو الحرص على جمع المال من حلال، أو حرام، ومن كل طريق، ولو من طريق الزنا، أو السرقة، أو القتل، مع منع الواجب فيه؛ ولهذا جاء في الحديث: «وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» (^١)، والله تعالى يقول: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾.\nوقوله: «وَتَظْهَرُ الفِتَنُ»: ومن الفتن: الشبهات، والشهوات، وفتن الحروب، فالشبهات تصد الإنسان عن دينه، وهذا واقع الآن، يشتبه على الناس، فيُسمى الجهادُ إرهابًا، وأما فتن الشهوات فمنها: ما فُتح على الناس الآن من الشرور، من القنوات الفضائية، والمواقع الإباحية على الشبكة العالمية (الإنترنت) التي تنشر الدعارة والعري، وتلهب الشهوات، حتى وُجد- بسبب هذه القنوات أشياء ليست معروفة بين المسلمين، فوُجد من يفعل الفاحشة ببعض محارمه؛ لأنه رأى هذا على القنوات- نعوذ بالله.\nوقوله: «وَيَذْهَبَ الرِّجَالُ، وَتَبْقَى النِّسَاءُ»: هذا في آخر الزمان، إذا كثرت الحروب أَكلتِ الرجالَ وأبقتِ النساءَ، «حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمٌ وَاحِدٌ» يَلُذْنَ به، ومعلوم أنه لا يستطيع القيم أن يلاحظ هذه الكثرة من النساء؛ لهذا يكثر الزنا، وقد يكون- أيضًا- كثرة النساء بكثرة ولادة النساء في آخر الزمان.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٧٨).","vol":"7","page":478},{"text":"[٢٦٧٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، سَمِعْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».\n[خ: ١٠٠]\nحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ-ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، وَأَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وعبدة. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ: ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ، فَسَأَلْتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْنَا الْحَدِيثَ كَمَا حَدَّثَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمْرَانَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي جَعْفَرٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ.\nحَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو شُرَيْحٍ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: يَا ابْنَ أُخْتِي، بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو مَارٌّ بِنَا إِلَى الْحَجِّ، فَالْقَهُ، فَسَائِلْهُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ حَمَلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِلْمًا كَثِيرًا، قَالَ: فَلَقِيتُهُ، فَسَاءَلْتُهُ عَنْ أَشْيَاءَ يَذْكُرُهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ عُرْوَةُ: فَكَانَ فِيمَا ذَكَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ","vol":"7","page":479},{"text":"قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعًا، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ، فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ، وَيُبْقِي فِي النَّاسِ رُءُوسًا جُهَّالًا يُفْتُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ»، قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا حَدَّثْتُ عَائِشَةَ بِذَلِكَ، أَعْظَمَتْ ذَلِكَ وَأَنْكَرَتْهُ، قَالَتْ: أَحَدَّثَكَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ هَذَا؟ ! قَالَ عُرْوَةُ: حَتَّى إِذَا كَانَ قَابِلٌ قَالَتْ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَمْرٍو قَدْ قَدِمَ، فَالْقَهُ، ثُمَّ فَاتِحْهُ، حَتَّى تَسْأَلَهُ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ لَكَ فِي الْعِلْمِ، قَالَ: فَلَقِيتُهُ فَسَاءَلْتُهُ، فَذَكَرَهُ لِي نَحْوَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ فِي مَرَّتِهِ الْأُولَى، قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا أَخْبَرْتُهَا بِذَلِكَ قَالَتْ: مَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ، أَرَاهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ شَيْئًا، وَلَمْ يَنْقُصْ.\nفي هذا الحديث: بيان أنَّ قبض العلم إنما يكون بقبض العلماء، وأنه لا يُنزع العلمُ من صدور العلماء، ولكن يُقبض بموتهم، وهذا هو الغالب، وقد يكون قبض العلم بغفلة العالم، وإعراضه، ونسيانه؛ لأن العالم إذا غفل عن العلم، وأعرض عن التعليم ذهب علمه.\nوقوله: «وَيُبْقِي فِي النَّاسِ رُءُوسًا جُهَّالًا يُفْتُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَضِلُّونَ، وَيُضِلُّونَ»، وفي لفظ: «حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا» (^١): أي: إذا مات العلماء فلا بد للناس أن يُعيِّنوا على الوظائف رؤساء، فيعيِّنوا رئيسًا للإفتاء، ورئيسًا للقضاء، ورئيسًا للتدريس، فإذا مات العلماء فلا بد أن يكون في هذه المرافق جهالٌ، فيفتون بغير علم، فيَضلون ويُضلون، فينتشر الجهل.\nوفيه: الإرشاد إلى أهل العلم والأخذ عنهم؛ لأن عائشة ﵂ أرشدت ابن أختها عروة بن الزبير ﵁ قالت: «يَا ابْنَ أُخْتِي بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو مَارٌّ بِنَا إِلَى الْحَجِّ، فَالْقَهُ فَسَائِلْهُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ حَمَلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِلْمًا كَثِيرًا»، فلقيه عروة، ثم حدثه بهذا الحديث، فلما أخبر عروة خالته عائشة ﵂: «أَعْظَمَتْ ذَلِكَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٠).","vol":"7","page":480},{"text":"وأَنْكَرَتْهُ، قَالَتْ: أَحَدَّثَكَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ هَذَا؟ !»؛ خشية أن يكون عبد الله بن عمرو ﵄ أخذ هذا من الزاملتين اللتين أخذهما يوم اليرموك (^١)؛ لأنه أصاب يوم اليرموك زاملتين، وهما: كُتب من أهل الكتاب، فصار يحدث منهما، ثم قالت بعد ذلك: «مَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ، أَرَاهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ شَيْئًا، وَلَمْ يَنْقُصْ».\nوفيه: الحث على أخذ العلم وانتهاز الفرصة قبل الفوات.\nوهناك قصة لعبد الله بن عباس ﵄ وكان صحابيًّا صغيرًا، توفي النبي ﷺ وهو قد ناهز الاحتلام، ودعا له النبي ﷺ بأن يفقهه الله في الدين، يقول: «لما توفي رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: هلمَّ نسأل أصحاب رسول الله ﷺ فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجبًا لك يا ابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من أصحاب النبي ﵊ من ترى؟ فترك ذلك، وأقبلتُ على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فآتيه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، فتُسفي الريح عليَّ التراب، فيخرج، فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله! ألا أرسلتَ إليَّ فآتيك؟ فأقول: أنا أحقُّ أن آتيك، فأسألك، قال: فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس عليَّ، فقال: هذا الفتى أعقلُ مني» (^٢).\n_________\n(^١) تخرييييييييييييييييييييييييييييييييييج.\n(^٢) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (١٩٢٥)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٦٧).","vol":"7","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1256>بَابُ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، أَوْ سَيِّئَةً، وَمَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، أَوْ ضَلَالَةٍ</span>\n\n[١٠١٧] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ الْعَبْسِيِّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمُ الصُّوفُ، فَرَأَى سُوءَ حَالِهِمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ، فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَأَبْطَئُوا عَنْهُ حَتَّى رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ جَاءَ بِصُرَّةٍ مِنْ وَرِقٍ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، ثُمَّ تَتَابَعُوا حَتَّى عُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَحَثَّ عَلَى الصَّدَقَةِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ جَرِيرٍ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هِلَالٍ الْعَبْسِيُّ قَالَ: قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَسُنُّ عَبْدٌ سُنَّةً صَالِحَةً يُعْمَلُ بِهَا بَعْدَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ.\nحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي","vol":"7","page":482},{"text":"قَالُوا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِهَذَا الْحَدِيثِ.\n\n[٢٦٧٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا».\nفي هذه الأحاديث: الحث على فعل السنن، والتحذير من البدع.\nوفيها: فضل السنة الحسنة، ووزر الابتداع في الدين، ومن السنن السيئة: ما حصل من ابن آدم (قابيل) حينما قتل أخاه (هابيل) فهذا قد سنَّ في الإسلام سنة سيئة، فهو أول من سن القتل؛ ولذلك جاء في الحديث: «لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ» (^١).\nوقوله: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً»: المراد: المبادرة إلى فعل السنن والحث عليها، والدعوة إليها، والعمل بها، ونشرها بين الناس، وليس المراد: إحداث البدع.\nوفي الحديث من الفوائد: الحث على استحباب سنِّ الأمور الحسنة، وتحريم سنِّ الأمور السيئة.\nقوله: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى»: هذا لفظ حديث أبي هريرة، وهو يفسر حديث جرير بن عبد الله: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً»، وأن المراد هو: إحياء السنة ونشرها والدعوة إليها؛ لإبطال البدع في دين الله.\nوفيه: أن من دعا إلى هدى كان له مثل أجور تابعيه، ومن دعا إلى ضلالة كان له مثل آثام تابعيه، سواء كان ذلك تعليمَ علمٍ، أو عبادةً، أو غيرَ ذلك.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٣٥)، ومسلم (١٦٧٧).","vol":"7","page":483},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1257>كِتَابُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ</span>","vol":"7","page":485},{"text":"كِتَابُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-1258>بَابُ الْحَثِّ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى</span>\n\n[٢٦٧٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ ﷿: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً».\n[خ: ٧٤٠٥]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: إِذَا تَلَقَّانِي عَبْدِي بِشِبْرٍ تَلَقَّيْتُهُ بِذِرَاعٍ، وَإِذَا تَلَقَّانِي بِذِرَاعٍ تَلَقَّيْتُهُ بِبَاعٍ، وَإِذَا تَلَقَّانِي بِبَاعٍ أَتَيْتُهُ بِأَسْرَعَ».\nهذا الحديث: حديث قدسي، أي: منسوب إلى قدسية الرب ﷾، فهو من كلام الله تعالى لفظًا، ومعنًى، إلا أن له أحكامًا تختلف عن القرآن، منها:\n- أن القرآن تعبدنا الله بتلاوته، والحديث القدسي لم يتعبدنا الله بتلاوته.\n- والقرآن لا يمسه إلا المتوضئ، وأما الحديث القدسي يمسه المتوضئ،","vol":"7","page":487},{"text":"وغير المتوضئ.\n- والقرآن معجز بألفاظه، والحديث القدسي ليس معجزًا بألفاظه.\nوقوله: «وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي»: المعية صفة من صفات الله ﷾، وهذه معية خاصة للذاكرين، فهو سبحانه معهم بعونه، ونصره، وتأييده، وتوفيقه، وهو فوق العرش ﷾.\nوالمعية معيتان: معية عامة، ومعية خاصة.\nفالمعية العامة: تكون للمؤمن والكافر، وهي تقتضي الإحاطة، والقدرة، والنفوذ، والمشيئة، وتأتي في سياق المحاسبة، والمجازاة، والتخويف، كقوله تعالى: ﴿وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير﴾، وقوله: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم﴾، وقوله سبحانه: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول﴾.\nوأما المعية الخاصة: فهي المعية الخاصة بالمؤمنين، وتأتي في سياق المدح، والثناء، وهي تقتضي التأييد، والنصر، والحفظ، والكلاءة، كما في هذا الحديث، وكما في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، وقوله ﷿: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، وقوله تعالى: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾.\nوقوله: «وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»: هذه الصفات ثابتة لله ﷿، على ما يليق به ﷿.\nوفي هذه الأحاديث: أنه ينبغي للإنسان أن يحسن ظنه بالله ﷿ بأن يحسن العمل؛ لأن من حسن عمله حسن ظنه، ومن ساء عمله ساءت ظنونه.","vol":"7","page":488},{"text":"كما ينبغي للإنسان أن يحسن ظنه بالله ﷿، عند الموت، وقد جاء في الحديث الصحيح- كما سيأتي-: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللهِ الظَّنَّ»:؛ ولهذا قال بعض العلماء: ينبغي أن يُقرأ أربعون حديثًا في الرجاء عند المحتضر، حتى لا يموت إلا وهو محسن ظنه بالله ﷿ (^١).\nوفيها: إثبات النفس للرب ﷿، قال: «إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي»، وهذا كقوله تعالى: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾.\nومن العلماء من قال: إن النفس صفة من الصفات.\nومنهم من قال: هي الذات، وأن النفس والذات بمعنى واحد.\nوفيها: إثبات القرب لله ﷿، وليس القرب هو الثواب كما فسره النووي ﵀ بقوله: «ومعناه: من تقرب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي والتوفيق والإعانة، وإن زاد زدت، فإن أتاني يمشي وأسرع في طاعتي أتيته هرولة، أي: صببت عليه الرحمة وسبقته بها، ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود، والمراد: أن جزاءه يكون تضعيفه» (^٢).\nقلت: وهذا تأويل، بل الحديث فيه: إثبات القرب للرب ﷾ نفسه، وهو قرب حقيقي، وأما ما قاله النووي ﵀ من أن الرب أسرع من العبد في الثواب، وأنه لا يقطع الثواب حتى يقطع العبد العمل- فهذه من آثار الصفات، وليست هي الصفات.\nوالقرب وصف مثل المعية، فقسَّمه بعض العلماء إلى قسمين-أيضًا- فقال: إن القرب يأتي عامًّا، وخاصًّا:\nفالقرب العام: كما في قوله تعالى: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾، وقوله: ﴿ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون﴾ فهذا قرب بالعلم، والقدرة، والمشيئة، والرؤية.\n_________\n(^١) سبل السلام، للأمير الصنعاني (٢/ ٩٠).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ٣).","vol":"7","page":489},{"text":"والقرب الخاص نوعان: قرب من الداعين بالإجابة، وقرب من العابدين بالكتابة.\nفالقرب من الداعين بالإجابة: كقوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب﴾، ومثل ما ثبت في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ في الصحيحين، قال: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ، هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلا غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّه» (^١)، وكقوله سبحانه- في قصة نبي الله صالح-: ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب﴾، فهو قريب مجيب من المستغفرين التائبين، كما أنه رحيم ودود بهم، كما قال- في قصة شعيب-: ﴿واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود﴾.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:» فقوله: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ هو قرب ذوات الملائكة، وقرب علم الله؛ فذاتهم أقرب إلى قلب العبد من حبل الوريد؛ فيجوز أن يكون بعضهم أقرب إلى بعضه من بعض؛ ولهذا قال- في تمام الآية-: ﴿إذ يتلقى المتلقيان﴾، فقوله: ﴿إذ﴾ ظرف، فأخبر أنهم أقرب إليه من حبل الوريد حين يتلقى المتلقيان ما يقول، فهذا كله خبر عن الملائكة، وقوله: ﴿فإني قريب﴾، وقوله «وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ» (^٢) فهذا إنما جاء في الدعاء، ولم يذكر أنه قريب من العباد في كل حال، وإنما ذكر ذلك في بعض الأحوال، كما في الحديث: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» (^٣) ونحو ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩٩٢)، ومسلم (٢٧٠٤).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٩٥٩٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (٤٨٢).","vol":"7","page":490},{"text":"وقوله: «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» (^١) فَقُرب الشيء من الشيء مستلزم لقرب الآخر منه؛ لكن قد يكون قرب الثاني هو اللازم من قرب الأول، ويكون منه- أيضًا- قرب بنفسه.\nفالأول: كمن تقرب من مكة، أو من حائط الكعبة، فكلما قرب منه قرب الآخر منه، من غير أن يكون منه فعل.\nوالثاني: كقرب الإنسان إلى من يتقرب هو إليه، كما في هذا الأثر الإلهي، فتقرب العبد إلى الله وتقريبه له نطقت به نصوص متعددة، مثل: قوله تعالى: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب﴾ ونحو ذلك، فهذا قرب الرب نفسه إلى عباده، وهو مثل نزوله إلى سماء الدنيا، وفي الحديث الصحيح: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ !» (^٢)، فهذا القرب كله خاص في بعض الأحوال دون بعض، وليس في الكتاب والسنة- قط- قرب ذاته من جميع المخلوقات في كل حال؛ فَعُلِمَ بذلك بطلانُ قول الحلولية؛ فإنهم عمدوا إلى الخاص المقيد فجعلوه عامًّا مطلقًا؛ كما جعل إخوانهم الاتحادية ذلك في مثل قوله: «كُنْتُ سَمْعَهُ» (^٣) وقوله «فيأتيهم في صورة غير صورته» (^٤)، و«أن الله تعالى قال على لسان نبيه سمع الله لمن حمده» (^٥) وكل هذه النصوص حجة عليهم. فإذا تبين ذلك؛ فالداعي والساجد يوجه روحه إلى الله تعالى، والروح لها عروج يناسبها، فتقرب إلى الله بلا ريب بحسب تخلصها من الشوائب فيكون الله ﷿ منها قريبا قُربًا يلزم من تقربها؛\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٣٤٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٥٠٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٢).\n(^٥) أخرجه مسلم (٤٠٤).","vol":"7","page":491},{"text":"ويكون منه قرب آخر؛ كقربه عشية عرفة وفي جوف الليل وإلى من تقرب منه شبرا تقرب منه ذراعًا والناس في آخر الليل يكون في قلوبهم من التوجه والتقرب والرقة ما لا يوجد في غير ذلك الوقت» (^١).\nوفي الحديث: إثبات الهرولة لله ﷿ كما يليق بجلاله وعظمته، ولا تشبه هرولة المخلوقين، كالقول في سائر الصفات، فالهرولة صفة لله لا نعلم كيفيتها وإن كنا نعلم معناها.\nوفيها: إثبات صفة المجيء، وصفة الإتيان، وصفة التلقي لمن تلقاه.\n\n[٢٦٧٦] حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ جُمْدَانُ، فَقَالَ: «سِيرُوا، هَذَا جُمْدَانُ، سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ» قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ».\nقوله: «سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ»، يعني: الذين سبقوا إلى الخير، والفضل، والثواب.\nوقوله: «الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ»: الذكر يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالجوارح، والذكر بالجوارح: هو العبادات كلها، فالمصلي ذاكر لله ﷿، والصائم ذاكر لله ﷿ بجوعه.\nقال بعضهم: الذكر بالقلب نوعان:\nذكر بتعظيم الله ﷿، وخشيته، وإجلاله، والاعتبار بآياته ودلائله، ومخلوقاته.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٥/ ١٢٩ - ١٣٠).","vol":"7","page":492},{"text":"وذكر بتذكر الأوامر، والنواهي، أي: يتذكر الأوامر فيفعلها، والنواهي فيتركها.\nأما الذكر باللسان: فيكون بالتسبيح، والتحميد، والتهليل، وجاء في الحديث: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَيَضْرِبَ أَعْنَاقَكُمْ وتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: ذِكْرُ اللهِ» (^١)، فالذكر هنا أفضل من الجهاد، ومن الصدقة، وهو خير الأعمال.\nقال بعض العلماء: المراد بالذكر هنا الذي هو أفضل من الجهاد: الذكر مع الخشية، والتعظيم، والإجلال، وحضور القلب، أما الذكر مع الغفلة، والإعراض فالجهاد أفضل منه، وبهذا يزول الإشكال.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢١٧٠٢)، والترمذي (٣٣٧٧)، وابن ماجه (٣٧٩٠).","vol":"7","page":493},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1259>بَابٌ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفَضْلِ مَنْ أَحْصَاهَا</span>\n\n[٢٦٧٧] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ- وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ».\nوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ: مَنْ أَحْصَاهَا.\n[خ: ٢٧٣٦]\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا- مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا- مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»، وَزَادَ هَمَّامٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ».\nقوله: «مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»: ليس المراد حصر أسماء الله عز وحل في تسعة وتسعين، بل أسماء الله ﷿ كثيرة، بدليل حديث ابن مسعود ﵁: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ» (^١)؛ إذًا لله أسماء كثيرة سمى بها نفسه، حتى قيل إن: لله تعالى ألف اسم، نقل ذلك أبو بكر بن العربي (^٢) عن بعض الصوفية.\nواختلف العلماء في معنى: «مَنْ أَحْصَاهَا»:\nفقيل: إحصاؤها: عَدُّها.\nوقيل: حفظها.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣٧١٢).\n(^٢) أحكام القرآن، لابن العربي (٣/ ٥٨٠).","vol":"7","page":494},{"text":"وقيل: العمل بها.\nوالصواب: أن هذه الأمور كلها مرادة.\nوالحكمة في إخفائها: حتى يجتهد العباد في تعرُّفها وتطلُّبها من النصوص، كما أُخفيتْ ساعةُ الجمعة، وكما أُخفيتْ ليلةُ القدر في العشر الأواخر من رمضان، وأما ما جاء من سردها في بعض الأحاديث (^١)، فكما قال الحافظ ابن حجر ﵀: «والتحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة» (^٢).\nوقوله: «وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ»: معنى يحب الوتر، أي: يُفضل الوتر في الأعمال، والطاعات، ومن هذا: ما أخرجه البخاري من حديث أنس: «أن النبي ﷺ كَانَ لا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ»، وقال: «وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا»» (^٣)، ومنه: أن أيام التشريق ثلاث، والاستنجاء ثلاث، وغير ذلك، وقد جعل الله كثيرًا من عظيم مخلوقاته وترًا، كالسماوات والأرضين، والبحار، وأيام الأسبوع، وغير ذلك.\nوفي هذا الحديث: إثبات أن لله ﷿ تسعة وتسعين اسمًا موصوفة بأن «مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ».\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٥٠٧).\n(^٢) بلوغ المرام، لابن حجر (ص ٥٠٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٩٥٣).","vol":"7","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1260>بَابُ الْعَزْمِ بِالدُّعَاءِ، وَلَا يَقُلْ: إِنْ شِئْتَ</span>\n\n[٢٦٧٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمْ فِي الدُّعَاءِ، وَلَا يَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ».\n[خ: ٦٣٣٨]\n\n[٢٦٧٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ، وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ».\n[خ: ٦٣٣٩]\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ- عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمْ فِي الدُّعَاءِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ صَانِعٌ مَا شَاءَ، لَا مُكْرِهَ لَهُ».\nهذه الأحاديث فيها: النهي عن الاستثناء في الدعاء، فلا يقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ»، بل الواجب عليه أن يجزم في الدعاء؛ لأن الاستثناء يدل على عدم الرغبة في المطلوب، وأنه إن حصل حصل، وإلا فلا حاجة إليه.\nوذلك لأن «اللَّهَ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ»، و«لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ»، بل خزائنه ملأى ﷾، وأما ما جاء في قوله: «لا بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» (^١)، فهذا من باب الخبر، وليس من باب الدعاء.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦١٦).","vol":"7","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1261>بَابُ كَرَاهَةِ تَمَنِّي الْمَوْتِ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ</span>\n\n[٢٦٨٠] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي».\n[خ: ٦٣٥١]\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ سَلَمَةَ- كِلَاهُمَا عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ».\nقوله: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ»، يعني: لا يتمنى الموت من أجل مصيبة حلت به في بدنه أو في نفسه، بل عليه أن يصبر، أما إذا خشي الفتنة في الدِّين فلا بأس؛ لأن هذا فعله جماعة من السلف لما خَشُوا على أنفسهم من الفتنة في الدِّين، والأقرب أنه يجعل الخيرة لله ﷿ كما دل عليه الحديث.\nوفي هذا الحديث: النهي عن تمني الموت، ولكن الواجب على الإنسان أن يجعل الخيرة إلى الله ﷿؛ لهذا قال: «فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا، فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي»، وهذا مثل قوله ﷺ: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الخَلْقِ أَحْيِنِي إِذَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٨٣٢٥)، والنسائي (١٣٠٦).","vol":"7","page":497},{"text":"حَدَّثَنِي حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ عن النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ- وَأَنَسٌ يَوْمَئِذٍ حَيٌّ- قَالَ أَنَسٌ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لَتَمَنَّيْتُهُ».\n\n[٢٦٨١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى خَبَّابٍ- وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعَ كَيَّاتٍ فِي بَطْنِهِ- فَقَالَ: لَوْ مَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ.\n[خ: ٦٣٥٠]\nحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَوَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\n\n[٢٦٨٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلَّا خَيْرًا».\nقوله: «إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ»، أي: إذا مات الإنسان انقطعت أعماله، من صلاة، وتسبيح، وقراءة قرآن، وذكر وصدقة، وإحسان، ودعوة إلى الله، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وجهاد في سبيل الله، وبر بالوالدين، وصلة للأرحام إلى غير ذلك من الأعمال، فهذه الأعمال يستطيع الحي أن يفعلها، فإذا مات انقطعت؛ لهذا قال: «وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلَّا خَيْرًا».","vol":"7","page":498},{"text":"واستدل بعضهم على جواز الدعاء بالموت، بقول الله تعالى- عن يوسف-: ﴿توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين﴾.\nوالصواب: أن هذا ليس من الدعاء بالموت، ولكنه دعاء بالوفاة على الإسلام حين مجيء الموت.","vol":"7","page":499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1262>بَابُ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ</span>،\nوَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ\n\n[٢٦٨٣] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.\n\n[٢٦٨٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرُّزِّيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ الْهُجَيْمِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ»، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ، فَقَالَ: «لَيْسَ كَذَلِكِ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ».\n[خ: ٦٥٠٧]\nحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ عن الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَالْمَوْتُ قَبْلَ لِقَاءِ اللَّهِ».\nحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ","vol":"7","page":500},{"text":"عَامِرٍ، حَدَّثَنِي شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، بِمِثْلِهِ.\n\n[٢٦٨٥] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ»، قَالَ: فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَذْكُرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا إِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ هَلَكْنَا، فَقَالَتْ: إِنَّ الْهَالِكَ مَنْ هَلَكَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ»، وَلَيْسَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ، فَقَالَتْ: قَدْ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ بِالَّذِي تَذْهَبُ إِلَيْهِ، وَلَكِنْ إِذَا شَخَصَ الْبَصَرُ، وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ، وَاقْشَعَرَّ الْجِلْدُ، وَتَشَنَّجَتِ الْأَصَابِعُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ.\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنِي جَرِيرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ عَبْثَرٍ.\n\n[٢٦٨٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ».\n[خ: ٦٥٠٨]\nقولها: «إِذَا شَخَصَ الْبَصَرُ»: يعني ارتفع البصر إلى أعلى.\nوقولها: «وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ»: يعني تردد النفس في الصدر.\nوقولها: «وَتَشَنَّجَتِ الْأَصَابِعُ»، أي: انقبضت في الوقت الذي تخرج فيه الروح.","vol":"7","page":501},{"text":"قولها: «فَعِنْدَ ذَلِكَ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ»: أفتت عائشة ﵂ شريح بن هانئ بما أفتاها به رسول الله ﷺ، وكانت عائشة ﵂ فقيهة حريصة على العلم، وكانت تسأل النبي ﷺ وبعد وفاته كانت تسأل أباها، وتسأل عمر ﵃، فَحَصَّلَتْ من هذا علمًا كثيرًا؛ ولذا فقد صوبت فهم شريح بن هانئ وأوضحت له أن العبرة في محبة لقاء الله ﷿ تكون عند نزع الروح بعد أن يعرف الإنسان ما ينتظره.\nوحديث: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ»: رواه أربعة من الصحابة هم: عبادة بن الصامت ﵁، وعائشة ﵂، وأبو هريرة ﵁، وأبو موسى ﵁.\nهذه الأحاديث فيها: إثبات المحبة، والكراهية لله ﷿، وأنهما صفتان من صفاته ﷾ الفعلية، خلافًا لمن أنكرهما من الجهمية، والمعتزلة، ومن تأولهما من الأشاعرة كالنووي (^١) على الطريقة التي درج عليها الأشاعرة من تأويل الصفة بأثرها، فأولوا المحبة بالثواب، وأولوا الكراهة بإبعادهم عن رحمته، وإنما إجزال الثواب أثر من آثار مجبته لله، وكذلك الإبعاد من الرحمة أثر من آثار كراهة الله.\nوفيها: أن العبرة في محبة لقاء الله ﷿ عند نزع الروح بعد أن يُكشف للإنسان عن مستقبله، فهذه هي الحالة المعتبرة بالمحبة والكراهية؛ لأن المؤمن والحالة هذه يحب لقاء الله ﷿، ويحب اللهُ ﷿ لقاءه، والكافر يكره لقاء الله ﷿، ويكره اللهُ ﷿ لقاءه، وليس المراد: كراهية الموت في حال الحياة، أو في حال المرض، أو في أول الموت قبل وصول الروح إلى الحلقوم، فالإنسان قد جُبِلَ على هذا؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: «فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ؟ ! فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ».\nوفيها: أن الموت قبل لقاء الله ﷿، ثم بعد ذلك يلاقي الإنسان ربه.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ١٠).","vol":"7","page":502},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1263>بَابُ فَضْلِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى</span>\n\n[٢٦٧٥] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي».\n[خ: ٧٤٠٥]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ- وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سُلَيْمَانَ- وَهُوَ التَّيْمِيُّ- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: إِذَا تَقَرَّبَ عَبْدِي مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا- أَوْ: بُوعًا- وَإِذَا أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: إِذَا أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ ﷿: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُ، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً».\n\n[٢٦٨٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ ﷿: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاؤُهُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا، أَوْ أَغْفِرُ، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً».","vol":"7","page":503},{"text":"قَالَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، أَوْ أَزِيدُ.\nقوله: «مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ، فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاؤُهُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا، أَوْ أَغْفِرُ»: هذا من فضل الله وإحسانه أن من أتى بالحسنة فله عشر أمثالها، أو يزيد ﷾ إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن جاء بالسيئة فله مثلها، أو يغفرها الله تعالى له.\nوقوله: «وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً»، أي: من أتى بقراب الأرض خطايا، مع السلامة من الشرك، لقيه الله ﷿ بالمغفرة، وهذا مقيَّد بالنصوص التي فيها اجتناب الكبائر، أي: من لقي الله بقراب الأرض خطايا من الصغائر مع اجتناب الكبائر لقيه الله ﷿ «بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً»؛ وقلنا بهذا القي وهو اجتناب الكبائر؛ لأن الكبائر لا بد لها من توبة، قال تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» (^١).\nهذه الأحاديث: احتج بها بعضهم على أن الملائكة أفضل من صالح البشر؛ لأنه ﷺ قال: «ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُ».\nوهذه المسألة فيها كلام لأهل العلم، هل الملائكة أفضل من الأنبياء وصالح البشر، أو الأنبياء وصالح البشر أفضل؟\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقد ذكر جماعة من المنتسبين إلى\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٣٣).","vol":"7","page":504},{"text":"السنة: أن الأنبياء وصالح البشر أفضل من الملائكة، وذهبت المعتزلة إلى تفضيل الملائكة على البشر، وأتباع الأشعري على قولين: منهم من يفضل الأنبياء والأولياء، ومنهم من يقف ولا يقطع فيهما بشيء، وحكي عن بعض متأخريهم أنه مال إلى قول المعتزلة، وربما حكي ذلك عن بعض من يدعي السنة ويواليها، وذُكر لي عن بعض من تكلم في أعمال القلوب أنه قال: أما الملائكة المدبِّرون للسماوات والأرض وما بينهما، والموكَّلون ببني آدم؛ فهؤلاء أفضل من هؤلاء الملائكة، وأما الكروبيون (^١) الذين يرتفعون عن ذلك فلا أحد أفضل منهم، وربما خص بعضهم نبينا ﷺ، واستثناؤه من عموم البشر إما تفضيلًا على جميع أعيان الملائكة، أو على المدبِّرين منهم أمْرَ العالم.\nهذا ما بلغني من كلمات الآخرين في هذه المسألة، وكنت أحسب أن القول فيها محدث، حتى رأيتها أثرية سلفية صحابية، فانبعثت الهمة إلى تحقيق القول فيها، فقلنا- حينئذٍ- بما قاله السلف» (^٢).\nقلت: وحقق القول فيها ﵀ بأن الأنبياء وصالح البشر أفضل، حينما يدخلون الجنة، وتُغفَر ذنوبهم، وتُرفع درجاتهم، ويُنقَّون من أدران الذنوب، أي: أن الملائكة أفضل في أول الحال، والمؤمنين أفضل في آخر الحال.\nفقال ﵀: «.. التفضيل إذا وقع بين شيئين فلا بد من معرفة الفضيلة ما هي؟ ثم ينظر أيهما أولى بها؟ وأيضًا فإنا إنما تكلمنا في تفضيل صالحي البشر إذا كملوا ووصلوا إلى غايتهم وأقصى نهايتهم، وذلك إنما يكون إذا دخلوا الجنة ونالوا الزلفى وسكنوا الدرجات العلى، وحيَّاهم الرحمن\n_________\n(^١) وهم الملائكة الذين حول العرش؛ كجبريل وميكائيل وإسرافيل. فتح الباري، لابن حجر (١٣/ ٣٨٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٤/ ٣٥٦ - ٣٥٧).","vol":"7","page":505},{"text":"وخصَّهم بمزيد قربه وتجلَّى لهم؛ يستمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وقامت الملائكة في خدمتهم بإذن ربهم» (^١).\nقال ابن أبي العز ﵀ لما تكلم في المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر: «.. وحملني على بسط الكلام هنا: أن بعض الجاهلين يسيئون الأدب بقولهم: كان الملك خادمًا للنبي ﷺ! أو: إن بعض الملائكة خدام بني آدم! ! يعنون: الملائكة الموكلين بالبشر، ونحو ذلك من الألفاظ المخالفة للشرع، المجانبة للأدب. والتفضيل إذا كان على وجه التنقص، أو الحمية والعصبية للجنس لا شك في رده» (^٢).\nوقال ﵀: «... وحاصل الكلام: أن هذه المسألة من فضول المسائل؛ ولهذا لم يتعرض لها كثير من أهل الأصول، وتوقَّف أبو حنيفة ﵁ في الجواب عنها ... والله أعلم بالصواب» (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٤/ ٣٧٢).\n(^٢) شرح الطحاوية، لابن أبي العز (ص ٣٠٢ - ٣٠٣).\n(^٣) شرح الطحاوية، لابن أبي العز (ص ٣١١).","vol":"7","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1264>بَابُ كَرَاهَةِ الدُّعَاءِ بِتَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا</span>\n\n[٢٦٨٨] حَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْحَسَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَادَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ، فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ، أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سُبْحَانَ اللَّهِ! لَا تُطِيقُهُ» أَوْ: «لَا تَسْتَطِيعُهُ، أَفَلَا قُلْتَ: اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ؟»، قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ لَهُ، فَشَفَاهُ.\nحَدَّثَنَاه عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِهِ: وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ.\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَعُودُهُ، وَقَدْ صَارَ كَالْفَرْخِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ حُمَيْدٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: لَا طَاقَةَ لَكَ بِعَذَابِ اللَّهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ الْعَطَّارُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ.\nفي هذا الحديث: أنه لا يجوز للإنسان أن يدعو على نفسه بتعجيل العقوبة.\nوفيه: فضل هذا الدعاء: «اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»؛ لأنه يجمع بين خيري الدنيا والآخرة.","vol":"7","page":507},{"text":"وفيه: عدم جواز تمني البلاء.\nوفيه: فضل عيادة المريض.\nوفيه: أنه ينبغي للإنسان إذا تعجب أن يقول: سبحان الله، أو يكبر، وليس له أن يصفق، كما يفعل بعض الناس إذا تعجبوا من شيء أو أعجبهم شيء صفَّقوا، والتصفيق من أخلاق المشركين، قال تعالى: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾، فالمكاء هو: الصفير، والتصدية: التصفيق، وكذلك يكون التصفيق للنساء، كما قال النبي ﷺ في الحديث: «إِذَا أَنْسَانِي الشَّيْطَانُ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِي، فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، وَلْتُصَفِّقِ النِّسَاءُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٤٦٥٤).","vol":"7","page":508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1265>بَابُ فَضْلِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ</span>\n\n[٢٦٨٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ ﵎ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلًا يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ، حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ قَالَ: فَيَسْأَلُهُمُ اللَّهُ ﷿- وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ- مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الْأَرْضِ يُسَبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ، وَيُهَلِّلُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، وَيَسْأَلُونَكَ قَالَ: وَمَاذَا يَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: لَا، أَيْ رَبِّ قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ ! قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ قَالَ: وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِي؟ قَالُوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: لَا قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي؟ ! قَالُوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ قَالَ: فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا قَالَ: فَيَقُولُونَ: رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ قَالَ: فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ».\n[خ: ٦٤٠٨]\nقوله: «إِنَّ لِلَّهِ ﵎ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً»، يعني: غير الملائكة المرتبين في اليوم والليلة، والسيارة معناه سياحون في الأرض.\nوقوله: «فُضُلًا يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ»، يعني: هم فاضلون يتتبعون مجالس الذكر، ويحفونهم بأجنحتهم.\nفي هذا الحديث: فضل مجالس الذكر، وأن الملائكة تحفُّها بأجنحتها.","vol":"7","page":509},{"text":"وفيه: فضل الذاكرين اللهَ ﷿ والذاكرات.\nوفيه: أن الرحمة تعم الذاكرين، ومن جاء معهم ولو لم يكن منهم؛ لهذا قال: «هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ».\nوفيه: أن الله تعالى يعطيهم ما سألوا، ويجيرهم مما استجاروا، وهذا فضل عظيم.","vol":"7","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1266>بَابُ فَضْلِ الدُّعَاءِ بـ: ﴿اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾</span>\n\n[٢٦٩٠] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ- وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ- قَالَ: سَأَلَ قَتَادَةُ أَنَسًا: أَيُّ دَعْوَةٍ كَانَ يَدْعُو بِهَا النَّبِيُّ ﷺ أَكْثَرَ؟ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دَعْوَةٍ يَدْعُو بِهَا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»، قَالَ: وَكَانَ أَنَسٌ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدَعْوَةٍ دَعَا بِهَا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدُعَاءٍ دَعَا بِهَا فِيهِ.\n[خ: ٦٣٨٩]\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ».\nقوله: «﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾»: هذه الدعوة تجمع خيري الدنيا والآخرة، فحسنة الدنيا تشمل: الزوجة الصالحة، والرزق الحلال، والعيش الرغيد، وحسنة الآخرة الجنة.\nوفي هذا الحديث: فضل هذا الدعاء، وهو يشرع- أيضًا- للذي يطوف بالبيت الحرام بين الركن اليماني، والحجر الأسود.","vol":"7","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1267>بَابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ وَالتَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ</span>\n\n[٢٦٩١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ».\n[خ: ٣٢٩٣، ٦٤٠٥]\nفي هذا الحديث: فضل هذا الذكر: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير».\nوفيه: أن «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ»: حصل له فوائد خمس:\nالأولى: كأنه أعتق عشر رقاب.\nالثانية: كُتبت له مائة حسنة.\nالثالثة: مُحيت عنه مائة سيئة.\nالرابعة: كان في يومه في حرز من الشيطان.\nالخامسة: أنه لم يأتِ أحد بأفضل منه إلا من عمل أكثر مما عمل.\nوفيه: دليل على أنه لو زاد على ذلك فله فضل الزيادة، سواء كانت هذه الزيادة من الذِّكْر، أو من العمل الصالح.\nوفيه: فضل قول: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ»، وأن من قالها في يومه مائة مرة","vol":"7","page":512},{"text":"غُفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر، لكن هذا مقيد باجتناب الكبائر في أصح قولي العلماء، كما سبق أن بينا ذلك (^١).\n\n[٢٦٩٢] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ، أَوْ زَادَ عَلَيْهِ».\n\n[٢٦٩٣] حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ- يَعْنِي: الْعَقَدِيَّ- حَدَّثَنَا عُمَرُ- وَهُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ- عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مِرَارٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ».\n[خ: ٦٤٠٤]\nوقَالَ سُلَيْمَانُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ عن الشَّعْبِيِّ عَنْ رَبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ قَالَ: فَقُلْتُ لِلرَّبِيعِ: مِمَّنْ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: مِنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: فَأَتَيْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ، فَقُلْتُ: مِمَّنْ سَمِعْتُهُ؟ قَالَ: مِنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، فَقُلْتُ: مِمَّنْ سَمِعْتُهُ؟ قَالَ: مِنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ يُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nفي هذا الحديث: فضل «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مِرَارٍ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ»، وإن قالها مائة كان كمن أعتق عشرة من ولد إسماعيل، مع كتابة مائة حسنة، وحط مائة سيئة، وكانت في يومه حرزًا له من الشيطان.\n_________\n(^١) في حديث رقم (٢٦٨٧).","vol":"7","page":513},{"text":"[٢٦٩٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ الْبَجَلِيُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ».\n[خ: ٦٤٠٦]\nقوله: «ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ»، يعني: أجرهما ثقيل عند الله تعالى.\nوفي هذا الحديث: فضل هاتين الكلمتين: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ».\nوفيه: إثبات صفة المحبة لله ﷿، والرد على من أنكر هذه الصفة من الأشاعرة، والمعتزلة، والجهمية.\nوهذا الحديث هو آخر حديث ختم به البخاري كتابه الجامع الصحيح.\n\n[٢٦٩٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ».\nقوله: «أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ»، يعني: أحب من الدنيا وما فيها؛ لأن الذي طلعت عليه الشمس هي الدنيا كلها، وكانت هذه الكلمات خيرًا لقائلها من الدنيا وما فيها؛ لأن الدنيا فانية، وثواب هذه الكلمات باقٍ.\nوفي هذا الحديث: فضل هذه الكلمات الأربع: «سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ،","vol":"7","page":514},{"text":"وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ»، وفي اللفظ الآخر: «لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ» (^١).\nوهذه الكلمات يشرع- أيضًا- أن يقولهن عند اليقظة من النوم.\n\n[٢٦٩٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى الْجُهَنِيُّ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: عَلِّمْنِي كَلَامًا أَقُولُهُ قَالَ: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ»، قَالَ: فَهَؤُلَاءِ لِرَبِّي، فَمَا لِي؟ قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي».\nقَالَ مُوسَى: أَمَّا عَافِنِي، فَأَنَا أَتَوَهَّمُ وَمَا أَدْرِي، وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي حَدِيثِهِ قَوْلَ مُوسَى.\nقوله: «قَالَ مُوسَى: أَمَّا عَافِنِي فَأَنَا أَتَوَهَّمُ»: هذا من باب التحري في الرواية، أي: هل قال لي: عافني؟\nوفي هذا الحديث: أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتمنون أن يأتي الأعرابي العاقل، فيسأل النبي ﷺ، فيجيبه وهم يستمعون؛ حتى يستفيدوا؛ لأنهم ﵃ نُهوا عن سؤال النبي ﷺ؛ ولهذا كان يعجبهم الأعرابي العاقل إذا جاء يسأل (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢١٣٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢).","vol":"7","page":515},{"text":"[٢٦٩٧] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ- يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ- حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُ مَنْ أَسْلَمَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي».\nفي هذا الحديث: فضل هذا الدعاء: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي»، وجاء في اللفظ الآخر مشروعية قراءتها بين السجدتين (^١)، وفي لفظ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٨٩٥)، وأبو داود (٨٥٠).\n(^٢) أخرجه أحمد (٣٥١٤)، والترمذي (٢٨٤).","vol":"7","page":516},{"text":"حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَزْهَرَ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي».\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَقُولُ حِينَ أَسْأَلُ رَبِّي؟ قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي- وَيَجْمَعُ أَصَابِعَهُ إِلَّا الْإِبْهَامَ-؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ تَجْمَعُ لَكَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ».\n\n[٢٦٩٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، وَعَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى الْجُهَنِيُّ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ ! فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: كَيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُنَا أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ ! قَالَ: يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ».\nقوله: «يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ»؛ ذلك أن الحسنة بعشر أمثالها، فإذا سبح مائة تسبيحة كتب الله له مائة حسنة، والحسنة بعشر أمثالها فهذه ألف حسنة، وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه.","vol":"7","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1268>بَابُ فَضْلِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الذِّكْرِ</span>\n\n[٢٦٩٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَاهُ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي أُسَامَةَ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ التَّيْسِيرِ عَلَى الْمُعْسِرِ.\nقوله: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»: كأن يقضي دينه، أو يشفع له، أو ينصره على من ظلمه، أو ييسر على معسر بأن يُنظره في دَينه، أو يَضع عنه بعضه.","vol":"7","page":518},{"text":"وقوله: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»، أي: إذا وقع المسلم في زلة ثم ستر عليه، مع النصيحة له، فإن الله يستره في الدنيا والآخرة، وكونه ينصحه أو يؤدبه فهذا لا ينافي الستر عليه.\nوقوله: «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»، أي: أن الجزاء من جنس العمل، فمن نفَّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا يجازيه الله بمثل عمله، فينفِّس الله ﷿ عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر كذلك يجازَى بمثل عمله، فييسر الله عليه في الدنيا والآخرة.\nوقوله: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ»: فيه: فضل طلب العلم، وأن الإنسان الذي يسلك الطريق لالتماس العلم فإن الله يسهل له طريقًا إلى الجنة، فطريق العلم هو طريق الجنة، مع الإخلاص والصدق فيه، فإذا سافر الإنسان ليسمع العلم وليحفظه، سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة.\nوقوله: «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ»: السكينة: قيل: المراد بها: الملائكة، وقيل: الطمأنينة، وقيل: السكينة هي: الرحمة، لكن الرحمة ذكرت بعد ذلك.\nوقوله: «وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ»، يعني: من كان عمله سيِّئًا فإن النسب لا يُلحقه بمصافِّ الأتقياء والسعداء- نسأل الله السلامة والعافية-.","vol":"7","page":519},{"text":"[٢٧٠٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنِ الْأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ ﷿ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ».\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nقوله: «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ ﷿ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ»: ليس فيه تقييد الذكر في المسجد؛ وإن كان الذكر في المسجد أفضل، والمعنى: أنه تحصل لهم هذه الفوائد، ولو كان الذكر في غير المسجد.","vol":"7","page":520},{"text":"[٢٧٠١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي نَعَامَةَ السَّعْدِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «مَا أَجْلَسَكُمْ؟» قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ، وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا قَالَ: «آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟» قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ؟ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ ﷿ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ».\nفي هذا الحديث: فضل الذاكرين، وأن الله ﷿ يباهي بهم الملائكة، وهذه صفة قولية لله ﷿، يعني: أنه تعالى يثني عليهم، ويذكر فضلهم.","vol":"7","page":521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1269>بَابُ اسْتِحْبَابِ الِاسْتِغْفَارِ وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ</span>.\n\n[٢٧٠٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنِ الْأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ- وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْأَغَرَّ- وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ- يُحَدِّثُ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ؛ فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ».\nحَدَّثَنَاه عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ.\n\n[٢٧٠٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ- يَعْنِي: سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ-.ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ- يَعْنِي: ابْنَ غِيَاثٍ- كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ».\nقوله: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي»\nقال القاضي عياض: «قيل: ذلك عبارة عن الفترات والغفلات عن الذكر الذي كان دأبه؛ فيستغفر منه؛ إذ كان أبدًا فيمن يدمن ذلك، فرأى الغفلة عنه ذنبًا.\nوقيل: ذلك الغين همه بسبب أمته، وما اطلع عليه من أحوالها بعده،","vol":"7","page":522},{"text":"حتى يستغفر لهم.\nوقيل: إن ذلك لما يشغله عن عظيم مقامه من النظر فى أمور أمته ومصالحهم، ومجابهة عدوه، ومداراتهم للاستئلاف، فيرى شغله لذلك- وإن كان من أعظم الطاعات وأفضل الأعمال- نزولًا عن على درجته، ورفيع مقامه، من حضوره بهمه كله مع الله، ومشاهدته عنده، وفراغه عن غيره إليه، وخلوصه له عمن سواه، فيستغفر لذلك.\nوقيل: قد يكون هذا الغين السكينة التى تغشى قلبه، لقوله تعالى: ﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾، واستغفاره إظهار للعبودية والافتقار وملازمة الخضوع، شكرًا لما أولاه به» (^١).\nوالذي يجعل القلبَ يعتل أمورٌ: الغين، بالنون، وهو ستر رقيق خفيف، ثم الغيم بالميم وهو: ستر أشد، ثم الرَّان، قال تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾، ثم الطبع، قال تعالى: ﴿طبع الله على قلوبهم﴾، ثم الختم، قال تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾، ثم المرض، ثم الانتكاس، ثم الموت- نعوذ بالله من ذلك كله.\nوقد فسر بعضهم- كالنووي ﵀- الغين بأنه نوع من العبادة، وجعله شيئًا من أعمال التسبيح (^٢).\nقلت: وهذا لا وجه له.\nقوله: «فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ»: هذا مع أنه مغفور له ﵊، لكنه يفعل ذلك تعبّدًا لله وشكرًا له، وقدوة لأمته كما قال لعائشة: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا» (^٣).\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ١٩٧).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ٢٣ - ٢٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٨٣٧)، ومسلم (٢٨٢٠).","vol":"7","page":523},{"text":"وفي هذه الأحاديث: مشروعية الاستغفار والتوبة، فإذا كان النبي ﷺ يستغفر في المجلس مائة مرة- وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- فكيف بنا؟ !\nوإنما فعل هذا ﵊- وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه- تعبدًا لله، وشكرًا له، ولتقتدي به الأمة ﵊.\nوفيها: دليل على أن التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها؛ لقوله ﷺ: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ»، وهذا كقول الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾، وجاء في تفسير الآية: أن المراد بها: طلوع الشمس من مغربها (^١)، وجاء في الحديث: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (^٢).\nوالتوبة لا بد لها من شروط خمسة:\nأولًا: الإقلاع عن المعصية.\nثانيًا: الندم على ما مضى.\nثالثًا: العزم الصادق على عدم العودة إلي المعصية.\nرابعًا: إذا كانت بينه وبين أحد مظلمة فلا بد مِن ردِّها.\nخامسًا: كونها قبل نزول العذاب، قال الله تعالى: ﴿فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يكن ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون﴾، ولما تاب فرعون بعد بلوغ الروح إلى الحلقوم قال الله تعالى: ﴿آلآن وقد\n_________\n(^١) تفسير ابن جرير (٨/ ١٠٣).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٦٩٠٦)، وأبو داود (٢٤٧٩).","vol":"7","page":524},{"text":"عصيت قبل وكنت من المفسدين﴾، إلا أمة واحدة استثناهم الله ﷿ فقبل توبتهم لما جاءهم العذاب، وهم قوم يونس، قال تعالى: ﴿فلولا أن كانت قريت آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين﴾.","vol":"7","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1270>بَابُ اسْتِحْبَابِ خَفْضِ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ</span>\n\n[٢٧٠٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ إِنَّكُمْ لَيْسَ تَدْعُونَ أَصَمَّ، وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، وَهُوَ مَعَكُم»، قَالَ: وَأَنَا خَلْفَهُ وَأَنَا أَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَقَالَ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟»، فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ».\n[خ: ٤٢٠٥]\nحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، جَمِيعًا عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ عَاصِمٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي مُوسَى، أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ يَصْعَدُونَ فِي ثَنِيَّةٍ قَالَ: فَجَعَلَ رَجُلٌ كُلَّمَا عَلَا ثَنِيَّةً نَادَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ: فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّكُمْ لَا تُنَادُونَ أَصَمَّ، وَلَا غَائِبًا»، قَالَ: فَقَالَ: «يَا أَبَا مُوسَى- أَوْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ- أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ؟»، قُلْتُ: مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.\nحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَاصِمٍ.","vol":"7","page":526},{"text":"وَحَدَّثَنَا إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: «وَالَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ»، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِ ذِكْرُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ- وَهُوَ ابْنُ غِيَاثٍ- حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ- أَوَ قَالَ: عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ -»، فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ».\nقوله: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ»، يعني: ارفقوا بأنفسكم، واخفضوا أصواتكم، فإن الله سميع قريب\nوقوله: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ»، يعني: لا تحوُّل لي- يا الله- من حال إلى حال إلا بك، فلا يتحول الإنسان من الفقر إلى الغنى إلا بالله، ولا يتحول من الشقاء إلى السعادة إلا بالله، ولا يتحول من الذل إلى العز إلا بالله، ولا يتحول من الضعف إلى القوة إلا بالله؛ ولهذا شُرع للمسلم أن يجيب المؤذن إذا قال: «حي على الصلاة، حي على الفلاح» أن يقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، يعني: لا قدرة لي يا الله على إجابة المؤذن، والإتيان إلى الصلاة إلا بك.\nوفي هذا الحديث: إثبات السمع لله ﷿.\nوفيه: أن الله حاضر وليس بغائب، قال ﷺ: «لَيْسَ تَدْعُونَ أَصَمَّ، وَلَا غَائِبًا».\nوفيه: أنه ينبغي للإنسان ألا يجهد نفسه برفع الصوت في الذكر والدعاء؛ لأن الله يسمعه، ولا سيما إذا كان يشقُّ عليه.\nوفيه: فضل هذه الكلمة: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ»، وأنها كنز من كنوز الجنة.","vol":"7","page":527},{"text":"[٢٧٠٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَبِيرًا- وَقَالَ قُتَيْبَةُ: كَثِيرًا- وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».\n[خ: ٨٣٤]\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي رَجُلٌ- سَمَّاهُ- وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقَولُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي وَفِي بَيْتِي، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ظُلْمًا كَثِيرًا.\n[خ: ٧٣٨٨]\nفي هذا الحديث: مشروعية هذا الدعاء في الصلاة قبل التسليم: «اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَبِيرًا»، وفي لفظ: «ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي؛ إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ»، قال بعضهم: يجمع بينهما في دعائه، فيقول: «كثيرًا، وكبيرًا».\nوالصواب: أن يقول: كبيرًا تارة، وكثيرًا تارة أخرى.\nوفيه: أن أبا بكر ﵁- وهو أفضل الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام- يُعلَّم هذا الدعاء؛ فغيره من باب أولى.","vol":"7","page":528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1271>بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ وَغَيْرِهَا</span>\n\n[٥٨٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ: «اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا، كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ، وَالْهَرَمِ، وَالْمَأْثَمِ، وَالْمَغْرَمِ».\n[خ: ٦٣٣٨]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله: «أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ»، يعني: من الابتلاء، أي: يستعيذ من أن يُختبر ويُعذَّب بالنار.\nوقوله: «وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ»: وسبب فتنة القبر وعذاب القبر: المعاصي، كما ثبت في قصة الرجلين اللذين يعذبان، وما يعذبان في كبير، قال ﷺ: «أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الْآخَرُ: فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» (^١).\nوقوله: «وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ»: الغنى له فتنة، والفقر له فتنة، ففتنة الغنى بأن يجمع الإنسان المال ولا يأبه أمن حلال هو، أم من حرام، ثم بعد ذلك يُفْتَن عن دينه، ويشغله المال، ويلهيه عن طاعة الله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢).","vol":"7","page":529},{"text":"﷿، ومن فتنته- أيضًا-: أن يمنع حقوق المال، فلا يؤدي الزكاة الواجبة عليه، ومن فتنة الفقر: أن يجزع، ويتسخط، ولا يصبر على ما قدَّره الله ﷿، ومن فتنة الفقر- أيضًا-: أنه يدعوه إلى المعاصي كالسرقة، أو الكذب وما إلى ذلك.\nوقوله: «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ»: المسيح الدجال هو الرجل الذي يخرج في آخر الزمان، من بني آدم، وله فتنة عظيمة، والدجال صفة مبالغة، وعندما يخرج يدَّعي الصلاح أولًا، ثم يدَّعي النبوة، ثم يدَّعي الربوبية، كما جاء في الحديث: «مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ وَقِيَامِ السَّاعَةِ أَمْرٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ» (^١)، وقال ﷺ: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ» (^٢)، كما سيأتي.\nوقوله: «اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ»: هذا الدعاء جاء- أيضًا- في استفتاح الصلاة، وفيه: بيان المبالغة في تطهير الإنسان من المعاصي، مع أن الماء يكفي وحده، لكن أتبعه بالثلج وبالبرد؛ زيادةً في التطهير والنظافة.\nوقوله: «وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ»، يعني: وفقني- يا الله- لاجتناب المعاصي، وللتوبة النصوح؛ حتى أتطهر من المعاصي، ونقِّ قلبي من العُجب، والكبر، والخيلاء، واحتقار الناس، وازدرائهم، ورد حقوقهم.\nوقوله: «وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ»، يعني: وفقني لاجتناب الخطايا، وعدم ارتكابها.\nوقوله: «اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ، وَالْهَرَمِ، وَالْمَأْثَمِ، وَالْمَغْرَمِ»: الكسل هو عدم فعل الخير مع القدرة عليه، والعجز: عدم فعل الخير لعدم القدرة عليه، والهرم بمعنى: أنه يصل إلى الحد الذي لا يستفيد فيه من الأعمال\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٤٦).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٩٨٧٥)، وأبو داود (٤٣١٩).","vol":"7","page":530},{"text":"الصالحة، وهو الخَرَف الذي يزول معه العقل، كما جاء في الحديث: «وأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ» (^١)، والمأثم، يعني: الإثم، والمغرم: الدَّين، واستعاذ منه النبي ﷺ؛ لأنه إذا صار على الإنسان دين فقد يحدِّث فيكذب، وفي الحديث الآخر قال: «إِنَّ الإِنْسَانَ إِذَا غَرمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، ووَعَدَ فَأَخْلَفَ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٨٢٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٣٢)، ومسلم (٥٨٩).","vol":"7","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1272>بَابُ التَّعَوُّذِ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَغَيْرِهِ</span>\n\n[٢٧٠٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ: وَأَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْهَرَمِ، وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا، وَالْمَمَاتِ».\n[خ: ٦٣٦٧]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، كِلَاهُمَا عن التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ يَزِيدَ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ قَوْلُهُ: وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُبَارَكٍ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ تَعَوَّذَ مِنْ أَشْيَاءَ ذَكَرَهَا، وَالْبُخْلِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا هَارُونُ الْأَعْوَرُ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ الْحَبْحَابِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَالْكَسَلِ، وَأَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا، وَالْمَمَاتِ».\nقوله: «وَالْجُبْنِ»: هو ضد الشجاعة، وهو التأخر عن معالي الأمور، وعن الأعمال الخيرية، فإذا جبن ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله ﵎، والجهاد في سبيل الله وغيرها من معالي الأمور.\nوقوله: «وَالْبُخْلِ»: والبخل في الشرع منع الواجب، وعند العرب منع السائل مما يفضل عنده، والمقصود: أن يبخل فلا يؤدي ما أوجب الله عليه من الزكاة والنفقات، والكفارات، وما إلى ذلك.","vol":"7","page":532},{"text":"وقوله: «وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا»، أي: الفتن التي تكون في الحياة، كفتن الشبهات، والشهوات، وفتن الحروب، وفتن الأموال.\nوفتنة «الْمَمَاتِ»: يحتمل أن يراد بها الفتنة عند الاحتضار كأن يحرص الشيطان عند موت الإنسان أن يجعله يجور في الوصية، أو لا يتكلم بالشهادة، أو يتكلم بما يغضب الله ﷿، فيختم له بسوء، أو غير ذلك- نسأل الله العافية والسلامة-.","vol":"7","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1273>بَابُ فِي التَّعَوُّذِ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَغَيْرِهِ</span>\n\n[٢٧٠٧] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي سُمَيٌّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَمِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ، وَمِنْ شَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ، وَمِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ.\nقَالَ عَمْرٌو فِي حَدِيثِهِ: قَالَ سُفْيَانُ: أَشُكُّ أَنِّي زِدْتُ وَاحِدَةً مِنْهَا.\n[خ: ٦٣٤٧]\nقال النووي ﵀: «أما «دَرَكِ الشَّقَاءِ» فالمشهور فيه فتح الراء، وحكى القاضي وغيره أن بعض رواة مسلم رواه بإسكانها، وهي لغة، وجهد البلاء بفتح الجيم وضمها، والفتح أشهر وأفصح، فأما الاستعاذة من سوء القضاء فيدخل فيها: سوء القضاء في الدين والدنيا، والبدن والمال والأهل، وقد يكون ذلك في الخاتمة، وأما درك الشقاء فيكون- أيضًا- في أمور الآخرة والدنيا، ومعناه: أعوذ بك أن يدركني شقاء وشماتة الأعداء، وهي فرح العدو ببلية تنزل بعدوه، يقال منه: شمِت بكسر الميم، وشمَت بفتحها، فهو شامت، وأشمته غيره، وأما جهد البلاء فروي عن ابن عمر ﵄ أنه فسره بقلة المال، وكثرة العيال، وقال غيره هي: الحال الشاقة» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ٣٠ - ٣١).","vol":"7","page":534},{"text":"[٢٧٠٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَعْقُوبَ أَنَّ يَعْقُوبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا، ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ».\nوَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَأَبُو الطَّاهِرِ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ- وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنَا عَمْرٌو- وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ، وَالْحَارِثَ بْنَ يَعْقُوبَ حَدَّثَاهُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الْأَشَجِّ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةِ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا نَزَلَ أَحَدُكُمْ مَنْزِلًا فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ».\nفي هذا الحديث: أفضلية هذا الدعاء عند نزول المنزل، والأصل أن يقول في الأسفار: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ»، وعليه أن يتدبر هذا الذكر ويتأمله، ويحسن ظنه بالله ﷿، فإنه لا يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك، وإذا قال هذا في المنازل العارضة التي ينزل بها في البيت، أو في الصحراء، أو في السيارة، فلا يضره شيء حتى لو لدغته عقرب.","vol":"7","page":535},{"text":"[٢٧٠٩] قَالَ يَعْقُوبُ: وَقَالَ الْقَعْقَاعُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ قَالَ: «أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّكَ».\nوَحَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ يَعْقُوبَ أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ- مَوْلَى غَطَفَانَ- أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ.\nقوله: «لَمْ تَضُرَّكَ»، أي: حتى لو لدغتك فلا تضرك.\nوفي هذا الحديث: مشروعية قول هذا الذكر عند المساء والصباح؛ لقوله ﷺ: «أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ»، وفي مقابله لو قاله حين أصبح، وإذا كررها ثلاثًا فهو أفضل.","vol":"7","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1274>بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ النَّوْمِ، وَأَخْذِ الْمَضْجَعِ</span>\n\n[٢٧١٠] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، وَاجْعَلْهُنَّ مِنْ آخِرِ كَلَامِكَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ مُتَّ وَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ»، قَالَ: فَرَدَّدْتُهُنَّ لِأَسْتَذْكِرَهُنَّ، فَقُلْتُ: آمَنْتُ بِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ قَالَ: قُلْ: «آمَنْتُ بِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ».\n[خ: ٢٤٧]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ- يَعْنِي: ابْنَ إِدْرِيسَ- قَالَ: سَمِعْتُ حُصَيْنًا عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، غَيْرَ أَنَّ مَنْصُورًا أَتَمُّ حَدِيثًا، وَزَادَ فِي حَدِيثِ حُصَيْنٍ: وَإِنْ أَصْبَحَ أَصَابَ خَيْرًا.\nقوله: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ»: وفي رواية أخرى: «اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ»، يعني: سلمت نفسي إليك- يا الله- وفوضت ووجهت وجهي إليك، أي: أنه قد أسلم نفسه لله، ونام على التوحيد والذكر.\nوقوله: «وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ»، أي: توكلت عليك في أمري كله.\nوقوله: «وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ»، يعني: طمعًا فى ثوابك، وخوفًا من عقابك.","vol":"7","page":537},{"text":"وقوله: «لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ»، أي: لا هرب من الله إلا إلى الله؛ لأن كل شيء بيده سبحانه، فلا ألتجئ لأحد إلا إليك، وهذه براءة من الحول والقوة، كقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.\nوقوله: «آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ»، أي: بالقرآن الكريم.\nوقوله: «وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، وَاجْعَلْهُنَّ مِنْ آخِرِ كَلَامِكَ: فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ مُتَّ وَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ قَالَ: فَرَدَّدْتُهُنَّ لِأَسْتَذْكِرَهُنَّ، فَقُلْتُ: آمَنْتُ بِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ قَالَ: قُلْ: آمَنْتُ بِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»، أي: رد عليه النبي ﷺ، فقال له: «قُلْ: آمَنْتُ بِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»: ولا تغير؛ لأن الأذكار والأدعية تبقى بحروفها ولفظها، فلا تُغَيَّر ولا تترجم إلى لغة أخرى ولا تروى بالمعنى؛ لأنه يتعبد بتلاوتها مثل القرآن، أو لأن المعنى مختلف، فاللفظ الأول فيه الجمع بين النبوة والرسالة؛ لأنه إذا قال: «بِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» لم يجمع بين النبوة، والرسالة، فاختلف المعنى.\nوفي هذا الحديث: مشروعية هذا الذكر عند النوم.\nوفيه: ثلاث سنن مستحبات:\nالأولى: الوضوء لمن أراد النوم.\nوهذا الوضوء له فوائد:\nمنها: أنه إن مات مات على طهارة.\nومنها: أن الشيطان لا يتلاعب به، ولا يرى رؤيا تزعجه.\nوالثانية: أن يضطجع على شقه الأيمن؛ لأنه أعون على القيام والانتباه.\nوالثالثة: أن يقول هذا الدعاء.\nوفيه: أنه إذا قال هذا الذكر ومات مات على الفطرة، وإذا أصبح أصبح على خير.","vol":"7","page":538},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو دَاوُدَ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ يُحَدِّثُ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ رَجُلًا إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مَاتَ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ».\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ: «يَا فُلَانُ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ»، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ خَيْرًا».\nحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ سَمِعَ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ خَيْرًا.\nوَلَمْ يَذْكُر ابْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِ: مِنَ اللَّيْلِ.\nقوله: «وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»: هذه الرواية يحتمل أنه رواها بالمعنى، أو أنها وهمٌ من بعض الرواة؛ لأنه في الروايات الأولى لما قال: «وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»: رد عليه رسول الله ﷺ، وقال: «قُلْ: وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ».","vol":"7","page":539},{"text":"[٢٧١١] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ عَنْ أَبَي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَحْيَا وَبِاسْمِكَ أَمُوتُ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ».\nفي هذا الحديث: مشروعية هذا الذكر عند النوم، وعند اليقظة، فعند النوم يقول: «اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَحْيَا، وَبِاسْمِكَ أَمُوتُ»، يعني: أنام، وأحيا، وأموت على اسمك يا الله، وعلى ذكرك، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ»، فسمى اليقظة من النوم حياة، وسمى النوم وفاة؛ لأن النوم وفاة صغرى، قال تعالى: ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾، وقال تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى﴾.\nقال القاضي عياض ﵀: «قوله ﷺ «اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَحْيَا وَبِاسْمِكَ أَمُوتُ»: معناه: يحتمل أنه يريد: بذكر اسمك أحيا ما حييت، وعليه أموت ويحتمل أن يريد: بك أحيا، أي أنت تحيينى، وأنت تميتني. والاسم هنا هو المسمى، كما قال فى الحديث الآخر.» (^١).\nقلت: هذا عند الأشاعرة، أن الاسم هو المسمى.\nوالصواب: أن الاسم قد يكون هو المسمى، وقد يكون غير المسمى، فيختلف حسب السياق.\nوقال النووي ﵀: «المراد بأماتنا: النوم، وأما النشور الإحياء للبعث يوم القيامة فنبه ﷺ بإعادة اليقظة بعد النوم- الذي هو كالموت- على إثبات\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ٢١٠).","vol":"7","page":540},{"text":"البعث بعد الموت، قال العلماء وحكمة الدعاء عند إرادة النوم أن تكون خاتمة أعماله ... وحكمته إذا أصبح أن يكون أول عمله بذكر التوحيد والكلم الطيب» (^١)\n\n[٢٧١٢] حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ خَلَقْتَ نَفْسِي، وَأَنْتَ تَوَفَّاهَا، لَكَ مَمَاتُهَا وَمَحْيَاهَا، إِنْ أَحْيَيْتَهَا فَاحْفَظْهَا، وَإِنْ أَمَتَّهَا فَاغْفِرْ لَهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ»، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَسَمِعْتَ هَذَا مِنْ عُمَرَ؟ فَقَالَ: مِنْ خَيْرٍ مِنْ عُمَرَ، مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ ابْنُ نَافِعٍ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: سَمِعْتُ.\nقوله: «اللَّهُمَّ خَلَقْتَ نَفْسِي وَأَنْتَ تَوَفَّاهَا، لَكَ مَمَاتُهَا وَمَحْيَاهَا»: هذا اعتراف بأن الله تعالى هو الخالق المتوفِّي، وهو ﷾ الموصوف بالخلق، وبالإحياء وبالإماتة.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ٣٥).","vol":"7","page":541},{"text":"[٢٧١٣] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ قَالَ: كَانَ أَبُو صَالِحٍ يَأْمُرُنَا إِذَا أَرَادَ أَحَدُنَا أَنْ يَنَامَ أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ، وَرَبَّ الْأَرْضِ، وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ». وَكَانَ يَرْوِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nقوله: «اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ»: على الإنسان أن يدعو بهذا الدعاء، ولو لم يكن عليه دَين، فقد يقال: إن الدين يشمل دَين الله ودَين العباد.\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: الطَّحَّانَ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا أَخَذْنَا مَضْجَعَنَا أَنْ نَقُولَ بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَقَالَ: مِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنَا أَبِي، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَتْ فَاطِمَةُ النَّبِيَّ ﷺ تَسْأَلُهُ خَادِمًا، فَقَالَ لَهَا: «قُولِي: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ»، بِمِثْلِ حَدِيثِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ.\nقوله: «رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى»، أي: يشقه في الثرى فتنبت","vol":"7","page":542},{"text":"الزروع على اختلاف أصنافها من الحبوب، والثمار على اختلاف أشكالها وألوانها وطعومها من النوى.\nوقوله: «وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ»: فيه: دليل على أنها مُنَزَّلة، وأنها غير مخلوقة، وفيه: الرد على من قال: إنها مخلوقة. والفرقان من أسماء القرآن؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل، والكتاب الرابع الزبور أنزله الله على داود ﵇، وصحف إبراهيم وموسى ذكرت في القرآن.\nوقوله: «أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ»: أي من شر كل شيء من المخلوقات لأنها كلها في سلطانه وهو آخذ بنواصيها قال تعالى: ﴿ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم﴾، فكأنه استعاذ بالله من جميع الشرور.\nوقوله: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ»: فيه: إثبات هذه الأسماء الأربعة لله تعالى، وهي: الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، كما قال الله تعالى: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شي عليم﴾، وفي هذا الحديث تفسير لهذه الأسماء الأربعة، فقد فسر الأول بأنه من ليس قبله شيء، وفسر الآخر بأنه من ليس بعده شيء، وفسر الظاهر بأنه من ليس فوقه شيء- يعني: العالي- وفسر الباطن بأنه من ليس دونه شيء، أي: لا يحجبه شيء من خلقه.\nوفي هذا الحديث: مشروعية هذا الذكر عند النوم.\nوفيه: مشروعية الاضطجاع على الشق الأيمن.\nوفيه: مشروعية التوسل بأسماء الله تعالى، كما قال الله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾، يعني: توسَّلوا بأسمائه.","vol":"7","page":543},{"text":"[٢٧١٤] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ، فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ، وَلْيُسَمِّ اللَّهَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا خَلَفَهُ بَعْدَهُ عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَضْطَجِعَ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَلْيَقُلْ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبِّي، بِكَ وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ».\n[خ: ٦٣٢٠]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «ثُمَّ لْيَقُلْ: بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي، فَإِنْ أَحْيَيْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا».\nقوله: «إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ، فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ»، يعني: فليأخذ طرف الإزار، فينفض فراشه بها، ثم بين الحكمة من ذلك فقال: «فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا خَلَفَهُ بَعْدَهُ عَلَى فِرَاشِهِ»، فقد يكون فيه بعض الحشرات المؤذية وغيرها من ذوات السموم، وهذا من باب الاستحباب، ثم يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول هذا الذكر.\nوقوله: «إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا»، يعني: إن أَمَتَّهَا فارحمها واغفر لها، وإن أبقيتها فاحفظها من الشرور والفتن بما تحفظ به عبادك الصالحين، قال تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى﴾.","vol":"7","page":544},{"text":"[٢٧١٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكَفَانَا وَآوَانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ».\nقوله: «فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ»، يعني: كثير من الناس لا كافي لهم ولا مؤوي لهم في أرض الله الواسعة.\nوفي هذا الحديث: استحباب هذا الذكر، وتذكر نعمة الله ﷿، والثناء عليه عند النوم.","vol":"7","page":545},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1275>بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ مَا عُمِلَ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ يُعْمَلْ</span>\n\n[٢٧١٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَا: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلَالٍ عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو بِهِ اللَّهَ؟ قَالَتْ: كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ هِلَالٍ عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ دُعَاءٍ كَانَ يَدْعُو بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ، وَشَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ حُصَيْنٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ: «وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ».\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ، وَشَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ».\nقوله: «وَشَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ»: أي أعوذ بك من شر الذي لم أعمله من الأعمال التي يكون تركها سببًا للهلاك والغضب، ويحتمل أن يريد شر عمل غيره من العصاة فإن عقوبته تتعدى كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾.","vol":"7","page":546},{"text":"[٢٧١٧] حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو- أَبُو مَعْمَرٍ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي ابْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ- لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ- أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ».\n[خ: ٧٣٨٣]\nقوله: «وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ»، يعني: رجعت إليك، وتبت إليك.\nوقوله: «وَبِكَ خَاصَمْتُ»، يعني: خصومتي تكون فيك- يا الله- فليست خصومة بالباطل، وإنما هي خصومة بالحق.\nوقوله: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي»: فيه: الاستعاذة بعزة الله، والتوسل بأسماء الله وصفاته.\nوالعزة صفة من صفات الله تعالى، وهذا مثل قوله ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ»، والاستعاذة بصفات الله جائزة، كأن تقول: أعوذ بعزتك أن تضلني، وأعوذ برضاك من سخطك.\nقوله: «أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُون»: الحي من أسماء الله العظيمة، وقيل: اسم الله الأعظم: الحي القيوم، وجاء الجمع بينهما في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع.\nقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾.\nوقال تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)﴾.\nوقال ﷿: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾.","vol":"7","page":547},{"text":"وفي هذا الحديث: تفويض الأمر إلى الله ﷿؛ لهذا قال: «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ»، يعني: اِنقدتُ لشرعك ودينك، «وَبِكَ آمَنْتُ»، أي: صدَّقت.\nوفيه: فرق بين الإسلام والإيمان، وأنهما إذا اجتمعا فُسِّر الإسلام بالأعمال الظاهرة، وفُسِّر الإيمان بالأعمال الباطنة، وإذا افترقا دخل كل منهما في الآخر.\nوفيه: الرد على المعتزلة، والقدرية الذي يقولون: إن الإنسان هو الذي يُضل نفسه، ويَهدي نفسه، وأن نسبة الإضلال والهداية إنما هي من جهة التسمية فحسب، وهذا باطل؛ لأن الهداية والإضلال بيد الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا﴾.\n\n[٢٧١٨] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ وَأَسْحَرَ يَقُولُ: «سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمْدِ اللَّهِ، وَحُسْنِ بَلَائِهِ عَلَيْنَا، رَبَّنَا صَاحِبْنَا، وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا، عَائِذًا بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ».\nقال النووي ﵀: «قوله «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ وَأَسْحَرَ يَقُولُ: سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمْدِ اللَّهِ، وَحُسْنِ بَلَائِهِ عَلَيْنَا رَبَّنَا صَاحِبْنَا، وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا عَائِذًا بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ»: أما أسحر فمعناه: قام في السحر، أو انتهى في سيره إلى السحر، وهو آخر الليل، وأما سمع سامع فروي بوجهين: أحدهما: فتح الميم- من سمع- وتشديدها، والثاني: كسرها مع تخفيفها، واختار القاضي هنا وفي المشارقِ، وصاحبُ المطالعِ التشديدَ، وأشار إلى أنه رواية أكثر رواة مسلم، قالا: ومعناه: بلَّغ سامع قولي هذا لغيره، وقال مثله؛ تنبيهًا على الذكر في السَّحر، والدعاء في ذلك، وضبطه الخطابي وآخرون بالكسر والتخفيف، قال الخطابي: معناه: شهد شاهد على حمدنا لله تعالى على","vol":"7","page":548},{"text":"نعمه وحسن بلائه» (^١).\nوقوله: «رَبَّنَا صَاحِبْنَا، وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا»، أي: احفظنا وحُطْنا واكلأنا، وأَفْضِل علينا بجزيل نعمك، واصرف عنا كلَّ مكروه.\nوقوله: «عَائِذًا بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ»، يعني: مستعيذًا بالله من النار، و(عائذًا) منصوب على الحال.\n\n[٢٧١٩] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي، وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي، وَهَزْلِي، وَخَطَئِي، وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».\n[خ: ٦٣٩٨]\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي»، يعني: ذنبي، ومعصيتي.\nوقوله: «وَجَهْلِي»، أي: ما فعلته عن جهل، والعاصي يوصف بأنه فعل المعصية عن جهل، كما في قوله تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة﴾؛ ولهذا قال العلماء: من عصى الله فهو جاهل، ومن أطاع الله فهو عالم.\nوقوله: «وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي»: الإسراف: مجاوزة الحد.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ٣٩).","vol":"7","page":549},{"text":"وقوله: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي، وَهَزْلِي، وَخَطَئِي، وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي»، يعني: اغفر لي ما فعلته عن خطأ وما فعلته عن عمد، فكل ذلك عندي، وأنا معترف به، و«جِدِّي»، أي: ما أفعله عن جد وقصد، «وهَزْلِي»، أي: ما فعلته لا عن طريق الجد، أي: عن طريق المزاح وما أشبه ذلك.\nوقوله: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ»، يعني: اغفر لي كل ذنب، سواء كان ذنبًا متقدِّمًا، أو متأخِّرًا، أو أسررته، أو أعلنته.\nثم توسل إلى الله ﷿ في آخر الدعاء، فقال: «أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».\nوفي هذا الحديث: إثبات اسمين من أسماء الله ﷾، وهُما: المقدِّم، والمؤخِّر، فهو يقدم من يشاء من عباده برحمته، وفضله، وإحسانه، ويؤخر من يشاء بفضله وعدله.\nوهذا الدعاء قاله ﷺ تعبدًا لربه ﷿، وتعليمًا للأمة؛ لأنه ﷺ هو المُشرع.\n\n[٢٧٢٠] حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو قَطَنٍ عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ الْقُطَعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ».\nقوله: «اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي»، أي: ديني الذي هو رباط أمري، ولا صلاح لأمر الإنسان إلا بالدين.\nوقوله: «وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي»، أي: الدنيا التي فيها معاش الإنسان، وبدأ بالدين لأهميته.","vol":"7","page":550},{"text":"قوله: «وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي»، يعني: بعث الإنسان إلى ربه، ورجوعه إليه مرة أخرى.\nوقوله: «وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ»: هذا دعاء يجمع خيري الدنيا والآخرة.\n\n[٢٧٢١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى، وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ، وَالْغِنَى».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ الْمُثَنَّى قَالَ فِي رِوَايَتِهِ: «وَالْعِفَّةَ».\nقوله: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى»، يعني: اهدني- يا الله- للحق، وللصواب، ولما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال.\nوقوله: «وَالتُّقَى»، أي: وفقني لأن أكون تقيًّا، وأعمل صالحًا، أي: كأن الهدى هو سؤال الله العلم، والتقى هو سؤال الله العمل.\nوقوله: «وَالْعَفَافَ»، أي: العفة عما لا يحل، يعني: ارزقني- يا الله- التعفف عن المحرمات.\nوقوله: «وَالْغِنَى»، أي: الغنى عن الحرام بالحلال، والاستغناء عما في أيدي الناس بما عندك يا الله.\nوقوله: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى، وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ، وَالْغِنَى»: هذا من جوامع الكلم.","vol":"7","page":551},{"text":"[٢٧٢٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ نُمَيْرٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، وَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: لَا أَقُولُ لَكُمْ إِلَّا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا».\nقوله: «اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا»، أي: أعط نفسي ما تكون به تقية من العمل الصالح.\nوقوله: «وَزَكِّهَا»، يعني: طهِّرها- يا الله- من أدران المعاصي، ووفقها للتوبة النصوح التي هي طهارة من الذنوب.\nوقوله: «أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا»: هذا توسل إلى الله، والله تعالى هو ولي المؤمنين، كما قال: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾، يعني: ناصرهم ومؤيدهم، وهو مولى المؤمنين، والكافرون لا مولى لهم.\nوقوله: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ»: وهو العلم الذي لا يعمل به صاحبه، أو العلم الذي يضر، كتعلم السحر، وما أشبه ذلك من العلوم.\nوقوله: «وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ»، أي: القلب الذي لا يخضع لله ولا يستكين.\nوقوله: «وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ»، أي: الاستعاذة من الحرص، والطمع، والشره، وتعلق النفس بالآمال البعيدة.","vol":"7","page":552},{"text":"[٢٧٢٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ النَّخَعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمْسَى قَالَ: «أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ».\nقَالَ الْحَسَنُ: فَحَدَّثَنِي الزُّبَيْدُ أَنَّهُ حَفِظَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي هَذَا: «لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَسُوءِ الْكِبَرِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ، وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ».\nحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمْسَى قَالَ: «أَمْسَيْنَا، وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- قَالَ: أُرَاهُ قَالَ فِيهِنَّ: لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ، وَسُوءِ الْكِبَرِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ، وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ- أَيْضًا-: أَصْبَحْنَا، وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمْسَى قَالَ: «أَمْسَيْنَا، وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَخَيْرِ مَا فِيهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ، وَالْهَرَمِ، وَسُوءِ الْكِبَرِ، وَفِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ الْقَبْرِ».\nقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: وَزَادَنِي فِيهِ زُبَيْدٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ","vol":"7","page":553},{"text":"عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَفَعَهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».\nقوله: «وَالْهَرَمِ، وَسُوءِ الْكِبَرِ»: جمع بين الهرم، والكِبَر بفتح الباء، أما بسكونها فيكون معناه: التعاظم، ويتعين هذا المعنى حتى لا يكون الكِبَر تكرارًا مع الهَرَم.\nوفي هذا الحديث: أن هذا الذكر مشروع في الصباح، وفي المساء، فإذا أمسى قال: «أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ»، وإذا أصبح قال: «أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ المُلْكُ للهِ»، والمعنى: الاعتراف لله ﷿ بأن الملك له ﷾، وأنه المدبر، وأنه المتصرف في جميع الأمور.\n\n[٢٧٢٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَعَزَّ جُنْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَغَلَبَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ».\n[خ: ٤١١٤]\nقوله: «وَغَلَبَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»، وفي رواية: «وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ» (^١)، والمراد بالأحزاب: الكفار الذين تحزبوا وتجمعوا على قتال المسلمين، أي: هزم الأحزاب وحده بدون جيوش، كما في غزوة الأحزاب، حيث أرسل عليهم ريحًا وجنودًا لم يرها المسلمون، وقذف الرعب في قلوب الكافرين، وهذا من فضله ﷾ وإحسانه إلى عباده.\nوقوله: «أَعَزَّ جُنْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ»، أي: أعز جندَه المسلمينَ وحدَه، ونصر عبدَه محمدًا ﷺ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٩٧)، ومسلم (١٣٤٤).","vol":"7","page":554},{"text":"[٢٧٢٥] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي، وَسَدِّدْنِي، وَاذْكُرْ بِالْهُدَى: هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ، وَالسَّدَادِ: سَدَادَ السَّهْمِ».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ- يَعْنِي: ابْنَ إِدْرِيسَ- أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالسَّدَادَ»، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ.\nقوله: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي»، أي: أرشدني ووفقني، قوله: «وَسَدِّدْنِي»، أي: قوِّمني، والتسديد هو: التوفيق للحق وإصابته، والمعنى: يالله اجعلني مسدَّدًا منتصبًا مستقيمًا في أموري.\nوقيل: إن هذا تخصيص بعد تعميم، وقد يقال: الهداية تكون في العلم، والسداد يكون في العمل.\nوقوله: «وَاذْكُرْ بِالْهُدَى: هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ، وَالسَّدَادِ: سَدَادَ السَّهْمِ»، يعني: أن تذكر ذلك في حال دعائك بهذين اللفظين؛ لأن هادي الطريق لا يزيغ عنه، ومسدد السهم يحرص على تقويمه، ولا يستقيم رميه حتى يقومه، وكذا الداعي ينبغي أن يحرص على تسديد علمه، وتقويمه، ولزومه السنة.","vol":"7","page":555},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1276>بَابُ التَّسْبِيحِ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَعِنْدَ النَّوْمِ</span>\n\n[٢٧٢٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ- قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ- عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ جُوَيْرِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟ !» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي رِشْدِينَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ جُوَيْرِيَةَ قَالَتْ: مَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْغَدَاةِ- أَوْ بَعْدَ مَا صَلَّى الْغَدَاةَ- فَذَكَرَ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ».\nقوله: «وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا»، أي: في مصلى جويرية أم المؤمنين ﵂، التي ظلت فيه جالسة على حالها.\nوقوله: «وَزِنَةَ عَرْشِهِ»، أي: ما يزن العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات.\nوقوله: «وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ»: بكسر الميم، مثلها ومقدارها وعددها.\nوفي هذا الحديث: فضل هذه الكلمات الأربع، وأنها تعدل ذكرًا كثيرًا «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ».","vol":"7","page":556},{"text":"وفيه: أن النبي ﷺ أقرها على الجلوس في مصلاها الذي صلت فيه، وذِكْرَهَا لله حتى تطلع الشمس؛ لأن هذا فيه خير لها.\nوفيه: إثبات الرضا لله ﷿.\nوفيه: إثبات النفس لله ﷿.\nوفيه: إثبات الكلام لله ﷿، والرد على من أنكره، قال الله تعالى: ﴿قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددًا﴾، وقال ﷾: ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم﴾، يعني: لو جُعلت الأشجارُ التي في الأرض أقلامًا يُكتب بها، وجُعلت البحارُ مدادًا يُكتَبُ به لنفذت الأقلام ومياه البحار، ولم تنفد كلمات الله ﷿.","vol":"7","page":557},{"text":"[٢٧٢٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ: أَنَّ فَاطِمَةَ اشْتَكَتْ مَا تَلْقَى مِنَ الرَّحَى فِي يَدِهَا، وَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ سَبْيٌ، فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ، وَلَقِيَتْ عَائِشَةَ، فَأَخْبَرَتْهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ إِلَيْهَا، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْنَا، وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْنَا نَقُومُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَى مَكَانِكُمَا»، فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمِهِ عَلَى صَدْرِي، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَا؟ ! إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا أَنْ تُكَبِّرَا اللَّهَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَتُسَبِّحَاهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدَاهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ».\n[خ: ٣٧٠٥]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ: «أَخَذْتُمَا مَضْجَعَكُمَا مِنَ اللَّيْلِ».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَعُبَيْدُ بْنُ يَعِيشَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِ الْحَكَمِ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ عَلِيٌّ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، قِيلَ لَهُ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قَالَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ، وَفِي حَدِيثِ عَطَاءٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: قُلْتُ لَهُ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ.\n\n[٢٧٢٨] حَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا رَوْحٌ- وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَسْأَلُهُ خَادِمًا وَشَكَتِ الْعَمَلَ، فَقَالَ: «مَا","vol":"7","page":558},{"text":"أَلْفَيْتِيهِ عِنْدَنَا قَالَ: أَلَا أَدُلُّكِ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْ خَادِمٍ؟ تُسَبِّحِينَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدِينَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرِينَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ حِينَ تَأْخُذِينَ مَضْجَعَكِ».\nوَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله: «تَسْأَلُهُ خَادِمًا وَشَكَتِ الْعَمَلَ»، أي: تسأله خادمًا ليكفيها مؤنة العمل ومشقته، وعلى المرأة أن تخدم زوجها حسب عرف الناس في بلدها.\nوفي هذا الحديث: مشروعية هذا الذكر عند النوم.\nوفيه: أن عليًّا ﵁ كان يحافظ على هذا الذكر، فسأله السائل، وألح عليه، قال: «وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قال: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ»، وهي ليلة الحرب الضروس بين جيش علي ﵁، وجيش معاوية ﵁، والمعنى: أنه حتى في هذه الليلة الشديدة وما فيها من عمل وانشغالٍ، ومع ذلك لم يترك هذا الذكر.\nوفيه: دليل على أن الذكر يعين على العمل؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «أَلَا أَدُلُّكِ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْ خَادِمٍ؟».","vol":"7","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1277>بَابُ اسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ عِنْدَ صِيَاحِ الدِّيكِ</span>\n\n[٢٧٢٩] حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ؛ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا».\n[خ: ٣٣٠٣]\nفي هذا الحديث: مشروعية سؤال الله ﷿ من فضله عند سماع صياح الديك، والاستعاذة بالله من الشيطان عند سماع نهيق الحمار.\nوفيه: دليل على أن الشريعة معلَّلة، والأحكام معلَّلة؛ لهذا قال: «إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ؛ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا»، والفاء للتعليل.\nوفيه: الرد على الأشاعرة وغيرهم الذين أنكروا الأسباب والعلل.\nومن فوائد سؤال الله من فضله عند سماع الديك: أن الملَك يؤمِّن إذا دعا المؤمن.","vol":"7","page":560},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1278>بَابُ دُعَاءِ الْكَرْبِ</span>\n\n[٢٧٣٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ سَعِيدٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ- عِنْدَ الْكَرْبِ-: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ».\n[خ: ٦٣٤٦]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَحَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ أَتَمُّ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيَّ حَدَّثَهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو بِهِنَّ، وَيَقُولُهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ قَالَ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ، وَزَادَ مَعَهُنَّ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ».\nقوله: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو بِهِنَّ، وَيَقُولُهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ»: سماه دعاءً وإن كان ذكرًا وثناءً؛ لأن الذَاكِرَ والمُثْنِي على الله داعٍ في المعنى؛ لأنه يطلب الثواب، والسائلُ داعٍ لفظًا.\nوقد أجاب النووي ﵀ عن هذا بجوابين، فقال: «فإن قيل: هذا ذكر وليس فيه دعاء، فجوابه من وجهين مشهورين:","vol":"7","page":561},{"text":"أحدهما: أن هذا الذكر يستفتح به الدعاء، ثم يدعو بما شاء.\nوالثاني: جواب سفيان بن عيينة ﵁ قال: أما علمت قوله تعالى: «مَنْ شَغَلَهُ ذِكْري عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَائِلِينَ» (^١») (^٢).\nوقال الشاعر:\nإِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٣١٣).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ٤٨).\n(^٣) البداية والنهاية، لابن كثير (٣/ ٢٩٦).","vol":"7","page":562},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1279>بَابُ فَضْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ</span>\n\n[٢٧٣١] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجِسْرِيِّ عَنِ ابْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَا اصْطَفَى اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ- أَوْ: لِعِبَادِهِ-: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ أَبِي بُكَيْرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجِسْرِيِّ- مِنْ عَنَزَةَ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ؟»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ: «إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ».\nقوله: «إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّه»: المراد: أحب كلام الناس إلى الله، وأما على الإطلاق فكلام الله ﷿ أحب الكلام إلى الله، فقراءة القرآن أفضل من التسبيح والتحميد، إلا الذكر المقيد كأذكار الصباح، والمساء فيؤتى بها في وقتها؛ لأنها تفوت بفوات وقتها.\nوالقاعدة: أن الذِّكر إذا كان مقيدًا بوقت أو بحال فإنه مقدم على قراءة القرآن؛ لأن الذكر المؤقت يفوت بفوات وقته.\nوقوله: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ»: الواو بمعنى: (مع)، أي: سبحان الله مع حمده، فهو جمع بين الثناء والتنزيه.\nوقوله: «إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ»، وجاء في الحديث الآخر: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ- أَوْ: بِضْعٌ وَسِتُّونَ- شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ","vol":"7","page":563},{"text":"إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» (^١)، وفي حديث آخر: «وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (^٢)، فكيف يُجمَع بين هذه الأحاديث؟\nأجيبَ بجوابين:\nالأول: أن قوله: «إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ»: على تقدير (مِنْ)، أي: إن مِن أحبِّ الكلام إلى الله: «سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ»، فيكون أفعل التفضيل ليس على بابه.\nالثاني: أن الله تعالى أخبر نبيه ﷺ أولًا بأن أفضل الكلام: «سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ»، ثم بعد ذلك أخبره بأن أفضل الكلام كلمة التوحيد «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، وعلى هذا يكون من باب النسخ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٥).\n(^٢) أخرجه أحمد (٦٩٦١)، والترمذي (٣٥٨٥).","vol":"7","page":564},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1280>بَابُ فَضْلِ الدُّعَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ</span>\n\n[٢٧٣٢] حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ الْوَكِيعِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ».\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَرْوَانَ الْمُعَلِّمُ، حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: حَدَّثَنِي سَيِّدِي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ دَعَا لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ».\nقولها: «حَدَّثَنِي سَيِّدِي»، أي: زوجها؛ لأن الزوج سيد، قال الله تعالى- عن امرأة العزيز-: ﴿وألفيا سيدها لدى الباب﴾، يعني: زوجها.","vol":"7","page":565},{"text":"[٢٧٣٣] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ صَفْوَانَ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، وَكَانَتْ تَحْتَهُ الدَّرْدَاءُ- قَالَ: قَدِمْتُ الشَّامَ، فَأَتَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فِي مَنْزِلِهِ فَلَمْ أَجِدْهُ، وَوَجَدْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ، فَقَالَتْ: أَتُرِيدُ الْحَجَّ الْعَامَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَادْعُ اللَّهَ لَنَا بِخَيْرٍ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ».\n\n[٢٧٣٢] قَالَ: فَخَرَجْتُ إِلَى السُّوقِ، فَلَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ.\nقوله: «دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ»، يعني: يدعو له وهو غائب، ليس بحاضر.\nوفي هذا الحديث: دليل على فضل دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب، وأنه دعاء مستجاب، وأنه ينتفع به الداعي وينتفع به المدعو له؛ لأن الملَك يؤمن على دعائه، ويقول: لك بالمثل.\nوفيه: أن دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة.\nوفيه: أنه يعطى بمثل ما دعى لأخيه بظهر الغيب.\nوقيل: إن هذه الأحاديث تدل على ضَعف ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (^١) من أن سؤال المخلوق لا يستحب إلا في بعض المواضع؛ لأن فيها أن النبي ﷺ قال: «دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ\n_________\n(^١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، لابن تيمية (١/ ٧٠).","vol":"7","page":566},{"text":"بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ».\nوقد طلبت أم الدرداء ﵂ من عبد الله بن صفوان أن يدعو لها، وكما ورد في حديث أويس القرني ﵀ قول النبي ﷺ: «فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ» (^١) كما تقدم، وقال النبي ﷺ: «سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ» (^٢)، وحديث: «لَا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ» (^٣)، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا فمجموع الأحاديث الواردة في هذا المعنى يقوي بعضها بعضًا، وهي تدل على أنه لا بأس بأن يطلب الإنسان من أخيه الدعاء له، لكن لا ينبغي الإكثار من هذا؛ لما فيه من المشقة.\nولا يخفى أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قيَّد المنع من طلب الدعاء إذا نظر الطالب إلى مصلحة نفسه، أما إذا نظر إلى مصلحة نفسه ومصلحة أخيه المطلوب منه الدعاء فلا بأس والحالة هذه.\nقال ﵀: «ومن قال لغيره من الناس: ادع لي- أو لنا- وقصده أن ينتفع ذلك المأمور بالدعاء وينتفع هو أيضًا بأمره وبفعل ذلك المأمور به كما يأمره بسائر فعل الخير فهو مقتد بالنبي ﷺ مؤتم به، ليس هذا من السؤال المرجوح.\nوأما إن لم يكن مقصوده إلا طلب حاجته لم يقصد نفع ذلك والإحسان إليه، فهذا ليس من المقتدين بالرسول المؤتمين به في ذلك، بل هذا هو من السؤال المرجوح الذي تَرْكه إلى الرغبة إلى الله وسؤاله، أفضل من الرغبة إلى المخلوق وسؤاله. وهذا كله من سؤال الأحياء السؤال الجائز المشروع» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٤٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٨٤).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٩٥)، وأبو داود (١٤٩٨)، والترمذي (٣٥٦٢)، وابن ماجه (٢٨٩٤).\n(^٤) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، لابن تيمية (ص ٧٥ - ٧٦).","vol":"7","page":567},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1281>بَابُ اسْتِحْبَابِ حَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ</span>\n\n[٢٧٣٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ نُمَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا».\nوَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nفي هذا الحديث: استحباب حمد الله ﷿ عند الأكل والشرب، وبعد الأكل، والشرب، وأنه من أسباب رضى الله ﷿.\nوفيه: إثبات صفة الرضا لله ﷿، وهي من الصفات الفعلية.\nوفيه: الرد على من أنكرها من الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم.","vol":"7","page":568},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1282>بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ يُسْتَجَابُ لِلدَّاعِي مَا لَمْ يَعْجَلْ</span>،\nفَيَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي\n\n[٢٧٣٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ- مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَيَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ فَلَا- أَوْ: فَلَمْ- يُسْتَجَبْ لِي».\n[خ: ٦٣٤٠]\nحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ لَيْثٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدٍ- مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ مِنَ الْقُرَّاءِ وَأَهْلِ الْفِقْهِ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَيَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ رَبِّي فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي».\nحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ- وَهُوَ ابْنُ صَالِحٍ- عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: «قَدْ دَعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَيَدَعُ الدُّعَاءَ».\nفي هذا الحديث: بيان مانعَينِ من موانع قبول الدعاء:\nالمانع الأول: الدعاء بالإثم، أو قطيعة الرحم، كأن يدعو الله أن ييسر له شرب الخمر، أو الدخان، أو فِعلَ الفاحشة- عياذًا بالله.\nوالمانع الثاني: الاستعجال، كأن يقول: دعوتُ، ودعوتُ، فلم يُستجب لي، عند ذلك ينقطع ويترك الدعاء، ومنه قوله تعالى- عن الملائكة-:","vol":"7","page":569},{"text":"﴿وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون﴾، أي: لا ينقطعون عن الدعاء، بل يستمرون.\nوينبغي للإنسان أن يستمر في الدعاء، ويلح على الله به، والله تعالى يحب الملحِّين والمكثرين، قال تعالى: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾، ابن آدم الذي يكره من يُلحُّ عليه بالدعاء؛ لهذا قال الشاعر:\nلَا تَسْأَلَنَّ بُنَيَّ آدَمَ حَاجَةً ... وَسلِ الَّذِي أَبْوَابُهُ لَا تُحْجَبُ\nاللهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ ... وبُنَيُّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ (^١)\nوفي الدعاء مصالح وفوائد حتى ولو لم يُجَبْ؛ فهو عبادة لله ﷿ يثاب العبد عليها، وقد يؤخر الله ﷿ الإجابة فيكون ذلك سببًا في رقة القلب وتكفير السيئات، أو يصرف الله ﷿ عن العبد من السوء ما هو أعظم مما طلبه، أو يدخر له من الخير في الآخرة ما هو أعظم، كما في الحديث: «مَا عَلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلَاّ آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: إِذًا نُكْثِرُ قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ» (^٢).\n_________\n(^١) العزلة، للخطابي (ص ٦٧).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٥٧٣).","vol":"7","page":570},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1283>كِتَابُ الرِّقَاقِ</span>","vol":"8","page":3},{"text":"كِتَابُ الرِّقَاقِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-1284>بَاب أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْفُقَرَاءُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ النِّسَاءُ</span>،\nوَبَيَانِ الْفِتْنَةِ بِالنِّسَاءِ\n\n[٢٧٣٦] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، كُلُّهُمْ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ، وَإِذَا أَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ إِلَّا أَصْحَابَ النَّارِ، فَقَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ».\n[خ: ٥١٩٦]\n\n[٢٧٣٧] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ: «اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ».\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ اطَّلَعَ فِي النَّارِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، سَمِعَ أَبَا رَجَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.","vol":"8","page":5},{"text":"كتاب الرقاق يذكر فيه المؤلف ﵀ الأحاديث التي ترقق القلوب وتجعلها تستكين وتخضع لله ﷿، وترغب في الأعمال الصالحة التي تقرب إلى الله.\nوفي هذا الحديث: التحذير من هذه المعاصي التي تكون من أسباب دخول النار؛ ككفر النعمة، وكثرة السب واللعن.\nفقد اطلع النبي ﷺ إلى أهل النار فوجد أكثر أهلها النساء، وجاء في الحديث الآخر سبب ذلك: قوله ﷺ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ» (^١)، وهو الزوج.\nوفيه: أنه اطلع النبي ﷺ إلى الجنة فرأى أكثر أهلها الفقراء، ووجد أصحاب الجد محبوسون، وهم الذين لهم حظوظ دنيوية من أهل الغنى والجاه والثروة، وقيل: هم أصحاب الولايات، وهم محبوسون للحساب على ما عندهم من الأموال، وعلى ما تولَّوا من الرياسات والولايات، أما الفقراء فظهورهم خفيفة؛ فلهذا دخلوا الجنة.\nوجاء في الحديث الصحيح مرفوعًا: «يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ نِصْفِ يَوْمٍ» (^٢).\nواحتج بهذا الحديث بعض أهل العلم على أن الفقر أفضل من الغنى، وعلى أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر، وليس بظاهر؛ بل الغني الشاكر أفضل؛ لأن نفعه متعدٍّ، والفقير الصابر صبره على نفسه.\nوفيه: دليل على أن أكثر أهل النار من النساء، وأن أكثر من يدخل الجنة من الفقراء، لكن لا يلزم منه أن يكون الساكنون هم أكثر أهل الجنة، بل أكثر أهل الجنة- أيضًا- النساء؛ لأن الحور العين مع نساء أهل الدنيا، ولكل\n_________\n(^١) أخرج البخاري (٣٠٤).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٣٥٣)، والبيهقي في الشعب (٩٨٩٧)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٩١).","vol":"8","page":6},{"text":"واحد من أهل الجنة زوجتان على الأقل، وليس في الجنة عَزَبٌ، فدل على أن أكثر أهل الجنة النساء، كما أن أكثر أهل النار النساء، أما أكثر الداخلين إلى الجنة ف الفقراء.\n\n[٢٧٣٨] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: كَانَ لِمُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ امْرَأَتَانِ، فَجَاءَ مِنْ عِنْدِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتِ الْأُخْرَى: جِئْتَ مِنْ عِنْدِ فُلَانَةَ؟ فَقَالَ: جِئْتُ مِنْ عِنْدِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَحَدَّثَنَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَقَلَّ سَاكِنِي الْجَنَّةِ النِّسَاءُ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا يُحَدِّثُ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مُعَاذٍ.\nقوله: «إِنَّ أَقَلَّ سَاكِنِي الْجَنَّةِ النِّسَاءُ» قال مطرف ذلك؛ لأنه غضبان بسبب كثرة المضايقات المتسببة عن الغيرة، فقد أتى من عند إحدى زوجتيه فقالت الأخرى: جئت من عند فلانة، قال: لا، جئت من عند عمران أخبرني أن أقل ساكني الجنة هم النساء.\nوهذا يُحمل على أن المراد: أن أقل من يدخل الجنة من نساء أهل الدنيا.","vol":"8","page":7},{"text":"[٢٧٣٩] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ- أَبُو زُرْعَةَ- حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ».\nقوله: «وَفُجَاءَةِ»: يقال: فُجَاءَة، وفَجْأة.\nهذا حديث العظيم فيه أربع دعوات:\nالدعوة الأولى: الاستعاذة بالله من زوال النعمة، والنعمة جنس يشمل النعم الدينية والدنيوية.\nالدعوة الثانية: الاستعاذة بالله من تحول العافية إلى ضدها، وهي البلاء والفتنة والعذاب والنكبة.\nالدعوة الثالثة: الاستعاذة بالله من فُجاءة نقمته.\nالدعوة الرابعة: الاستعاذة بالله من كل ما يسخطه.\nوهذا دعاء النبي الكريم نبينا محمد ﷺ، وكان الأصل أن يأتي به المؤلف في كتاب الدعوات، إلا أن هذه الدعوات من رقة القلب وخضوعه وخشوعه واستكانته لله تعالى.\nوالحديث من رواية أبي زرعة، وهو من الحفاظ الكبار، من أقران الإمام مسلم، ولم يرو عنه غير هذا الحديث.","vol":"8","page":8},{"text":"[٢٧٤٠] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ وَمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ».\n[خ: ٥٠٩٦]\n\n[٢٧٤١] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى جَمِيعًا عنْ المُعْتَمِرِ، قَالَ ابْنُ مُعَاذٍ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: قَالَ أَبِي: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أَنَّهُمَا حَدَّثَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِي النَّاسِ فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، كُلُّهُمْ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nفي هذا الحديث: شدة فتنة النساء على الرجال؛ وذلك لما جبل الله الرجال عليه من الميل إلى النساء، وكذلك لما جبل الله عليه النساء من الميل إلى الرجال.\nوفيه: التحذير من أسباب الفتنة، ومنها: النظر إلى المرأة الأجنبية، والخلوة بها، والسفر بها وهو ليس محرمًا لها.\nوكذلك المرأة عليها أن تبتعد عن أسباب الفتنة، من: التبرج والسفور والخلوة بالرجل الأجنبي، والسفر بدون محرم.","vol":"8","page":9},{"text":"[٢٧٤٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ؛ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ». وَفِي حَدِيثِ ابْنِ بَشَّارٍ: «لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ».\nفي هذا الحديث: التحذير من فتنة الدنيا، وفتنة النساء.\nقوله ﷺ: «الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ»: قيل: المعنى: شبه الدنيا في طلب كثير من الناس لها ومسارعتهم إليها وإيثارهم إياها على الآخرة بالفاكهة الحلوة الخضرة التي يطلبها الإنسان.\nوقيل: معناه: تشبيهها بالشيء الأخضر الذي له نضرة، ثم يزول سريعًا وييبس، كما قال الله تعالى: ﴿إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيمًا تذروه الرياح﴾.\nوقوله: «وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا»، يعني: جعلكم تخلفون قومًا سبقوكم.\nوقوله: «فينظر كيف تعملون»، يعني: ينظر فيظهر عملكم، وإلا فهو ﷾ لا يخفى عليه شيء، والمعنى: فينظر نظر ظهور للعمل، فيظهر عمل الصالحات من المؤمنين، وعمل السوء من الكفار والعصاة.\nوقوله: «فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ»: أي: اجعلوا بينكم وبين فتنة الدنيا والنساء وقاية، واحذروا أن تغتروا بهما، فتجمعوا المال بالحلال والحرام، واحذروا الدنيا أن تلهيكم عنْ الآخرة، واحذروا النساء وفتنتهن، لا تتعرضوا لهن وابتعدوا عن أسباب الفتنة بهن.","vol":"8","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1285>بَابُ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ الثَّلَاثَةِ، وَالتَّوَسُّلِ بِصَالِحِ الْأَعْمَالِ</span>\n\n[٢٧٤٣] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ- يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ أَبَا ضَمْرَةَ- عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَشَّوْنَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ، فَادْعُوا اللَّهَ تَعَالَى بِهَا؛ لَعَلَّ اللَّهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَامْرَأَتِي، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ، فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ، فَسَقَيْتُهُمَا قَبْلَ بَنِيَّ، وَأَنَّهُ نَأَى بِي ذَاتَ يَوْمٍ الشَّجَرُ، فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللَّهُ مِنْهَا فُرْجَةً فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاءَ، وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمٍّ، أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ\nالرِّجَالُ النِّسَاءَ، وَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا، فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَتَعِبْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَجِئْتُهَا بِهَا، فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَفْتَحْ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ عَنْهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً، فَفَرَجَ لَهُمْ، وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَقَهُ فَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرِعَاءَهَا فَجَاءَنِي، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَظْلِمْنِي حَقِّي، قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى","vol":"8","page":11},{"text":"تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا فَخُذْهَا، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، خُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرِعَاءَهَا، فَأَخَذَهُ فَذَهَبَ بِهِ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ اللَّهُ مَا بَقِيَ».\n[خ: ٢٢١٥]\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ. ح وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ الْبَجَلِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَرَقَبَةُ بْنُ مَسْقَلَةَ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنُونَ: ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عنْ النَّبِيِّ ﷺ، بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي ضَمْرَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَزَادُوا فِي حَدِيثِهِمْ: وَخَرَجُوا يَمْشُونَ، وَفِي حَدِيثِ صَالِحٍ: يَتَمَاشَوْنَ، إِلَّا عُبَيْدَ اللَّهِ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ: وَخَرَجُوا، وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْدَهَا شَيْئًا.\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِهْرَامَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى آوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلَى غَارٍ»، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، فَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا، وَقَالَ: فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ، وَقَالَ: فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ، فَارْتَعَجَتْ، وَقَالَ: فَخَرَجُوا مِنْ الْغَارِ يَمْشُونَ».","vol":"8","page":12},{"text":"قوله: «أَغْبِقُ»: الغبوق: شراب اللبن مساء في العشاء، وسقيا الصبح اسمه: الصبوح.\nوقوله: «يتضاغون»: أي: يبكون ويصيحون من شدة الجوع.\nوقوله: «أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ»: يعني: أصابتها شدة وحاجة وجدب وفقر، وفي هذا بيان سبب إجابتها، لأنها كانت امتنعت.\nوقوله: «وَلَا تَفْتَحْ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ» وفي رواية: «وَلا تَفُضَّ الخَاتَمَ» (^١): والخاتم: البكارة، وحقه بالزواج وليس بالزنا، فذكرته بالله فسيطر عليه خوف الله، وإلا الغالب في هذه الحالة وقت اشتداد الشهوة أن الإنسان لا يستطيع أن يمنع نفسه، لكن لما كان الخوف أقوى غلب على الشهوة، ولو كان ضعيف الإيمان لغلبت الشهوة، ولا يستطيع أن يكبح جماح نفسه في هذه الحالة إلا من وفقه الله وقذف في قلبه النور واليقين والإيمان.\nوقوله: «اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ»: الفَرَق: إناء يسع ثلاثة آصعٍ، وقد جاء في لفظ عند البخاري: «اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقٍ مِنْ ذُرَةٍ» (^٢)، فيُجمع بينهما بأن الفرق كان من الصنفين وأنهما لما كانا حبين متقاربين أطلق أحدهما على الآخر، والأول أقرب، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ (^٣).\nوفي هذا الحديث: أن هؤلاء الثلاثة توسلوا إلى الله ﵎ بالأعمال الصالحة، فدل على مشروعية التوسل بالأعمال الصالحة، وهذا وإن كان في بني إسرائيل إلا أن شرعنا جاء بإقراره، ودلت النصوص على ذلك.\nومن هذا القبيل التوسل إليه ﷿ بالأسماء الحسنى، قال الله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ وكل هذا يجوز التوسل به.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢١٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢١٥).\n(^٣) فتح الباري، لابن حجر (٥/ ١٧).","vol":"8","page":13},{"text":"وفيه: أن الأعمال الصالحة من الأسباب التي يفرج الله بها الكُرَب في الدنيا، كما أنه ﷾ يفرج بها كُرَب يوم القيامة، ويثيب صاحبها عليه بالثواب العظيم، ودخول الجنة والنجاة من النار، ورضا الرب سبحانه.\nوفيه: أن هذه الأعمال لا تصلح ولا تنفع إلا بالإخلاص؛ ولهذا قالوا:   «فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ».\nوفيه: أن الرجل الثاني لما خلَّت ابنة عمِّه بينه وبين نفسها، فجلس بين رجليها مجلس الرجل من امرأته ذكَّرته بالله فعند ذلك تذكر وانتبه من غفلته، وخاف من الله، وقام عنها وتركها مع شدة رغبته فيها، فقد كانت أمنيته وحصلت له، وليس هناك مانع ولا رقيب إلا الله، وجلس منها مجلس الرجل من امرأته، من يستطيع أن يكبح جماح نفسه في هذه الحالة؟\nلكنَّ خوفَه من الله وتذكُّرَه وقوفَه بين يديه، وما قام بقلبه من الخوف العظيم الذي جعله يترك الفاحشة مع تمكنه منها وعدم ما يمنعه، وهذه وسيلة عظيمة إلى الله، كما قال رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قَالَتِ الْملَائِكَةُ: رَبِّ، ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً- وَهُوَ أَبْصَرُ بِهِ- فَقَالَ: ارْقُبُوهُ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ» (^١)، أي: من أجلي، ولم يتركها عجزًا ولا خوفًا من الناس، فبهذا توسل فانحدرت الصخرة قليلًا، إلا أنهم ما زالوا لا يستطيعون الخروج.\nوفي لفظ عند البخاري: «وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا» (^٢).\nوفي قدر ما أعطاها روايتان- كما تقدم-: الأولى: «فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَتَعِبْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَجِئْتُهَا بِهَا»، والثانية: «فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ»، ويُحمل ذلك على أنها طلبت منه المائة فزادها هو من قبل نفسه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٧٢).","vol":"8","page":14},{"text":"عشرين، أو ألغى غير الكسر، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ (^١).\nوقد كانت كررت المجيء إليه، تطلبه أن يعطيها لحاجتها، وهو يطلب أن تخلي بينه وبين نفسها، فرفضت، ثم بعد ذلك جاءتها الشدة والحاجة، فرفضت وامتنعت، حتى كان مرة فوافقت من شدة الحاجة، وكان الأمر كما في الحديث.\nفهؤلاء الثلاثة المذكورون في الحديث توسلوا إلى الله بصالح أعمالهم فتوسل الأول ببره لوالديه، وتوسل الثاني بخوفه من الله وبعده عنْ الفاحشة، وتوسل الثالث بأمانته، وتأديته الأجرة كاملة؛ ففرج الله عنهم هذه الكربة.\nولما توسل الأول انحدرت الصخرة ولكنهم لا يستطيعون الخروج، ولما توسل الثاني انحدرت أيضًا إلا أنهم لا يستطيعون الخروج كاملًا، ثم لما توسل الثالث انحدرت الصخرة فخرجوا يمشون جميعًا بفضل الله تعالى.\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (٦/ ٥٠٩).","vol":"8","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1286>كِتَابُ التَّوْبَةِ</span>","vol":"8","page":17},{"text":"كِتَابُ التَّوْبَةِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-1287>بَابٌ فِي الْحَضِّ عَلَى التَّوْبَةِ، وَالْفَرَحِ بِهَا</span>\n\n[٢٦٧٥] حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي، وَاللَّهِ لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ يَجِدُ ضَالَّتَهُ بِالْفَلَاةِ، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِذَا أَقْبَلَ إِلَيَّ يَمْشِي أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ أُهَرْوِلُ».\n[خ: ٧٤٠٥]\nحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِكُمْ بِضَالَّتِهِ إِذَا وَجَدَهَا».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمَعْنَاهُ.\nالتوبة هي الرجوع إلى الله ﷿ والندم والإقلاع عن المعاصي، والتوبة في اللغة: الرجوع، وشرعًا: رجوع العاصي عن معصيته وتركها. وللتوبة أركان ثلاثة:\nالركن الأول: الإقلاع عن المعصية وتركها.","vol":"8","page":19},{"text":"الركن الثاني: الندم على ما مضى والتأسف والتحسر.\nالركن الثالث: العزم الصادق على عدم العودة إليها.\nوإذا كانت المعصية بينه وبين الناس فيزاد ركن رابع: وهو التحلل من المعصية، وردُّ الظُّلامة إلى أهلها مالًا، أو بدنًا، أو عِرضًا.\nولا تصح التوبة إلا أن تكون قبل الموت، وقبل طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان.\nقوله: «أنَا عِندَ ظنِّ عَبدِي بِي»: فيه: أنه ينبغي للعبد أن يحسن ظنه بالله، مع إحسان العمل؛ لأن من حسُن عمله حسُن ظنه، ومن ساء عمله ساء ظنه.\nوقوله: «وأنا معَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي»: فيه: إثبات المعية الخاصة بالذاكرين، وهي تقتضي التأييد والتوفيق والتسديد والحفظ والكلاءة، وهناك معية عامة للمؤمن والكافر، وهي معية المراقبة والاطلاع، ونفوذ السمع والبصر، ونفوذ القدرة والمشيئة.\nوقوله: «ومَنْ تقرَّبَ إليَّ شبرًا تقرَّبتُ إليهِ ذِراعًا»: فيه: إثبات القرب لله ﷿، وهو صفة من صفاته، والله يقرب من عبده، والقرب نوعان:\nالأول: قرب لازم من قرب العبد، فإذا تقرب العبد إلى الله تقرب الله إليه، ومنه: ﴿فاسجد واقترب﴾.\nالثاني: قرب فعل يفعله ﷾، ويقوم بنفسه؛ كالمجيء والنزول، وهو قرب حقيقي.\nوقوله: «من تقرب إلى شبرًا تقربت إليه ذراعًا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة»: هذا قرب حقيقي، وتأويل باطل، فتأويله بالرحمة- على طريقة الأشاعرة- تأويل بصفة أخرى، وتأويله بالإثابة تأويل بأثر الصفة، كتأويل الغضب بالعقاب، فكذلك تأويل القرب بالرحمة والإثابة تأويلٌ بالأثر.\nوهذه صفات تليق بالله، لا تشبه صفات المخلوقين، ومن ثمرتها","vol":"8","page":20},{"text":"وآثارها: أن الله أسرع بالخير والثواب من عبده، وأنه لا يقطع عنه الثواب حتى يقطع العمل.\nوفي هذا الحديث: إثبات الفرح لله ﷿، وهو من الصفات الفعلية، وهو كما يليق بجلال الله وعظمته، وليس هو الرضا كما تأوله المازري والقاضي عياض والنووي (^١)، وكذلك تأويل الخطابي وابن فورك وابن حجر كله على طريقة الأشاعرة (^٢)، فتأويل الفرح بالرضا تأويل باطل، ونسبة النووي هذا المعنى إلى العلماء، مراده: علماء الأشاعرة، لا علماء السنة، فهم يؤولون الفرح بالرضا، ثم هم يؤولون الرضا بالثواب، فصفة الفرح غير صفة الرضا، والثواب أثر من آثار صفة الرضا، فلا تُتأول صفة بأخرى، أو تُتأول صفة بأثرها.\n_________\n(^١) المعلم، للمازري (٣/ ٣٣١)، إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ٢٤٠)، شرح مسلم، للنووي (١٧/ ٦٠).\n(^٢) فتح الباري، لابن حجر (١١/ ١٠٦).","vol":"8","page":21},{"text":"[٢٧٤٤] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ- قَالَ إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا، وقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ أَعُودُهُ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَحَدَّثَنَا بِحَدِيثَيْنِ؛ حَدِيثًا عَنْ نَفْسِهِ، وَحَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ مَهْلِكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ، فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ، ثُمَّ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِيَ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ، وَعَلَيْهَا زَادُهُ، وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ».\n[خ: ٦٣٠٨]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ قُطْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «مِنْ رَجُلٍ بِدَاوِيَّةٍ مِنَ الْأَرْضِ». وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ، حَدِيثَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالْآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ»، بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ.\n\n[٢٧٤٥] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ عَنْ سِمَاكٍ قَالَ: خَطَبَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، فَقَالَ: لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ حَمَلَ زَادَهُ وَمَزَادَهُ عَلَى بَعِيرٍ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى كَانَ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَأَدْرَكَتْهُ الْقَائِلَةُ فَنَزَلَ، فَقَالَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ، وَانْسَلَّ بَعِيرُهُ، فَاسْتَيْقَظَ فَسَعَى شَرَفًا، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، ثُمَّ سَعَى شَرَفًا ثَانِيًا، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، ثُمَّ سَعَى شَرَفًا ثَالِثًا، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَأَقْبَلَ حَتَّى أَتَى مَكَانَهُ الَّذِي قَالَ فِيهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ قَاعِدٌ إِذْ جَاءَهُ بَعِيرُهُ يَمْشِي حَتَّى وَضَعَ خِطَامَهُ فِي","vol":"8","page":22},{"text":"يَدِهِ، فَلَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ مِنْ هَذَا حِينَ وَجَدَ بَعِيرَهُ عَلَى حَالِهِ.\nقَالَ سِمَاكٌ: فَزَعَمَ الشَّعْبِيُّ أَنَّ النُّعْمَانَ رَفَعَ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَأَمَّا أَنَا فَلَمْ أَسْمَعْهُ.\n\n[٢٧٤٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَجَعْفَرُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ جَعْفَرٌ: حَدَّثَنَا، وقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ عَنْ إِيَادٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَيْفَ تَقُولُونَ بِفَرَحِ رَجُلٍ انْفَلَتَتْ مِنْهُ رَاحِلَتُهُ، تَجُرُّ زِمَامَهَا بِأَرْضٍ قَفْرٍ، لَيْسَ بِهَا طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ، وَعَلَيْهَا لَهُ طَعَامٌ وَشَرَابٌ، فَطَلَبَهَا حَتَّى شَقَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّتْ بِجِذْلِ شَجَرَةٍ، فَتَعَلَّقَ زِمَامُهَا، فَوَجَدَهَا مُتَعَلِّقَةً بِهِ؟»، قُلْنَا: شَدِيدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَا وَاللَّهِ لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنَ الرَّجُلِ بِرَاحِلَتِهِ».\nقَالَ جَعْفَرٌ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِيَادٍ عَنْ أَبِيهِ.\n\n[٢٧٤٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ- وَهُوَ عَمُّهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ: مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ».\n[خ: ٦٣٠٩]\nحَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ إِذَا اسْتَيْقَظَ عَلَى بَعِيرِهِ قَدْ أَضَلَّهُ بِأَرْضِ فَلَاةٍ».\nوَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.","vol":"8","page":23},{"text":"في هذه الأحاديث: تصوير حال إنسان فقد راحلته في أرض صحراء مهلكة، ليس فيها أحد، وعليها طعامه وشرابه، وضلت عنه راحلته فطلبها، وفي اللفظ الآخر: أنه نام فلما استيقظ لم يجدها، فذهب ينظر إلى جميع الجهات ويطلبها حتى شق عليه وتعب فلم يجدها، فرجع إلى مكانه فنام ليموت؛ لأنه أيس من الحياة، فلما استيقظ وجدها عنده قائمة على رأسه بخطامها، وفي اللفظ الآخر: أنه أخذها وأمسك بخطامها، فماذا تكون حاله إذا وجدها؟ ! وكيف يكون فرحه؟ ! لا شك أن فرحه شديد، والله تعالى أشد فرحًا بتوبة عبده من هذا براحلته، لكن فرح الله لا يماثل فرح المخلوقين-كما سبق- بل هو وصف يليق بجلال الله وعظمته.\nقوله: «دَوِّيَّةٍ» نقل النووي ﵀ اتفاق العلماء على أنها بفتح الدال وتشديد الواو والياء، وهي الأرض القفر والفلاة الخالية (^١)، وفي الرواية الثانية: «بِدَاوِيَّةٍ»، وجاء تفسيرها في الرواية الأخيرة بالأرض القفر - أي: التي لا نبات فيها-.\nقوله: «اللهمَّ أنتَ رَبِّي وأنَا عبدُكَ»: قال هذا لما فقد الراحلة وعليها طعامه وشرابه، وأيس منها، ثم نام ليموت، ثم لما استيقظ ووجدها عنده اندهش، وقال- من شدة الفرح يخاطب ربه-: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، يريد أن يقول: اللهم أنت ربي وأنا عبدك، فأخطأ، ولم يؤاخَذ، مع أن هذه كلمة كفرية.\nفدل هذا على أن من تكلم بكلمة كفر مخطئًا لا يَكفر، وكذلك من تكلم بكلمة كفر جاهلًا لا يعلم، كما مر في حديث الرجل الذي أمر أهله أن يحرقوه، فتكلم واعتقد أنه لا يُبعث جهلا، حمله عليه الخوف العظيم من الله، لا عنادا ولا تكذيبا، فإنه لو كان عالما أو معاندا لكفر، قال شيخ\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ٦١).","vol":"8","page":24},{"text":"الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذا الرجل: «كان يجهل ذلك ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه ووعده ووعيده فخاف من عقابه فغفر الله له بخشيته، فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح لم يكن أسوأ حالا من الرجل فيغفر الله خطأه أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتباع الحق على قدر دينه وأما تكفير شخص علم إيمانه بمجرد الغلط في ذلك فعظيم» (^١)، وقال: «فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك. والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا» (^٢)، قال تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾.\nكذلك من تكلم بكلمة الكفر مخطئًا، أو متأولًا تأويلًا يُعذَر فيه لا يكفر، وإنما يكفر من تكلم بكلمة الكفر قاصدًا عالمًا ذاكرًا مختارًا.\n_________\n(^١) الاستقامة، لابن تيمية (١/ ١٦٤ - ١٦٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٣/ ٢٣١).","vol":"8","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1288>بَابُ سُقُوطِ الذُّنُوبِ بِالِاسْتِغْفَارِ تَوْبَةً</span>\n\n[٢٧٤٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ- قَاصِّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ- عَنْ أَبِي صِرْمَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّهُ قَالَ- حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ-: كُنْتُ كَتَمْتُ عَنْكُمْ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا يُذْنِبُونَ يَغْفِرُ لَهُمْ».\nحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عِيَاضٌ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيُّ- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عَنْ أَبِي صِرْمَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ أَنَّكُمْ لَمْ تَكُنْ لَكُمْ ذُنُوبٌ يَغْفِرُهَا اللَّهُ لَكُمْ لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ لَهُمْ ذُنُوبٌ يَغْفِرُهَا لَهُمْ».\nفي هذا الحديث: أنه لا يجوز كتمان العلم.\nوفيه: بيان فضل الله تعالى وإحسانه وأنه سبحانه يغفر لعباده، والله ﷾ علم أن العباد يذنبون وقدَّر ذلك عليهم؛ لما لله في ذلك من الحكمة، التي منها ظهور آثار أسمائه الحسنى؛ كاسم التواب والرحيم والغفور، فلو لم يكن للعباد ذنوب لما ظهرت للناس آثار هذه الأسماء من أسماء الله الحسنى، ولما وجدت العبوديات المتنوعة كعبودية التوبة-وهي من أحب العبوديات إلى الله- وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبودية الولاء والبراء، وعبودية الحب والبغض في الله، وعبودية الجهاد في سبيل الله، إلى غير ذلك من العبوديات المتنوعة.","vol":"8","page":26},{"text":"[٢٧٤٩] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ جَعْفَرٍ الْجَزَرِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ».\nفي هذا الحديث: أقسم النبي ﷺ- وهو الصادق وإن لم يقسم- ولكن أقسم لتحقيق هذا الأمر، وكان كثيرًا ما يقسم ﵊ بقوله: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ».\nوفيه: إثبات اليد لله ﷿.\nوفيه: أن نفوس العباد بيد الله ﷿، والنفس تطلق على الروح، وتطلق على الروح مع الجسد، وأكثر ما تطلق النفس إذا كانت في الجسد، وإذا كانت وحدها تسمى روحًا.\nوفي حديث أبي أيوب ﵁ نصح العلماء وتعلميهم وتربيتهم للناس، مع عدم كتمان العلم، فأبو أيوب ﵁ أنه كتم شيئًا، ثم أخبر به عند موته، كتم قول النبي ﷺ: «لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ اللهُ خَلْقًا يُذْنِبُونَ يَغْفِرُ لَهُمْ»، وكتم ذلك لئلَّا يتكل العباد على سعة رحمة الله، وينهمكون في المعاصي، ثم أخبر به عند موته خروجًا من إثم الكتمان، كما فعل معاذ ﵁ لما أخبره النبي ﷺ بحق الله على عباده، وحق العباد على الله قال: أفلا أبشر الناس؟ قال: «لا تُبَشِّرْهُمْ، فَيَتَّكِلُوا» (^١)، ثم أخبر به معاذ ﵁ عند موته تأثمًا.\nوالذي ينبغي في مثل هذا: أن يخبر العباد بذلك، ويبين لهم الحكمة، وأن الله ﷾ قد قدَّر على العباد الذنوب لما لله في ذلك من الحكمة من رجوع العبد إلى الله، وتوبته من الذنوب، وإقراره بربوبية الله، واعترافه بذنبه إلى آخر العبوديات التي سبق ذكرها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٨٥٦)، ومسلم (٣٠).","vol":"8","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1289>بَابُ فَضْلِ دَوَامِ الذِّكْرِ وَالْفِكْرِ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ، وَالْمُرَاقَبَةِ، وَجَوَازِ تَرْكِ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَالِاشْتِغَالِ بِالدُّنْيَا</span>\n\n[٢٧٥٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّيْمِيُّ، وَقَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِيَاسٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ- وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ-: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ؟ ! قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَا ذَاكَ؟»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ- يَا حَنْظَلَةُ- سَاعَةً وَسَاعَةً- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ».\nحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ حَنْظَلَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَعَظَنَا، فَذَكَّرَ النَّارَ قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ إِلَى الْبَيْتِ فَضَاحَكْتُ الصِّبْيَانَ، وَلَاعَبْتُ الْمَرْأَةَ قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ مَا تَذْكُرُ، فَلَقِينَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَافَقَ حَنْظَلَةُ، فَقَالَ: «مَهْ» فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ مَا فَعَلَ، فَقَالَ: «يَا حَنْظَلَةُ، سَاعَةً وَسَاعَةً، وَلَوْ","vol":"8","page":28},{"text":"كَانَتْ تَكُونُ قُلُوبُكُمْ كَمَا تَكُونُ عِنْدَ الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُسَلِّمَ عَلَيْكُمْ فِي الطُّرُقِ».\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ حَنْظَلَةَ التَّمِيمِيِّ الْأُسَيِّدِيِّ الْكَاتِبِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَّرَنَا الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمَا.\nقوله: «حَنْظَلَة الْأُسَيِّدِيِّ»: فيه لغتان:\nإحداهما: بضم الهمزة وفتح السين وتشديد المثناة التحتانية، نسبة إلى أُسَيِّد.\nوالثانية: مثلها إلا أنها بإسكان المثناة التحتانية، نسبة إلى أُسَيْد بتخفيف المثناة (^١).\nوقوله: «إِنْ لو تَدومُونَ»: إنْ هذه المخففة من الثقيلة، والتقدير: إِنَّكم لو تدومون.\nوفي هذا الحديث: أنه لو استمر الإنسان على حاله حينما يكون عند الذكر فسيَرِقُّ قلبه، ويخشع ويتصل بالله، ولا يفكر في أمور الدنيا ولصافحته- حينئذٍ- الملائكة، لكنه لا يستمر على هذا؛ لأنه ضعيف.\nوليس معنى الحديث: أن حنظلة صافحته الملائكة، فلا أحد يطيق استمراره على الساعة الأولى.\nوقوله: «سَاعَةً وَسَاعَةً»: ليس كما يقول الجهال: ساعة للطاعة، وساعة للمعصية، وقال بعضهم: ساعة لربك، وساعة لقلبك، بل المراد: ساعة للذكر والطاعة والعبادة، وساعة لأمور الدنيا وقضاء حوائج الإنسان، وإيناس أهله ومداعبة أولاده، وقد يؤجر الإنسان على ذلك في إحسانه إلى أهله إذا حسنت النية، فيكون فعله عبادةً.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ٦٥).","vol":"8","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1290>بَابٌ فِي سِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ</span>\n\n[٢٧٥١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يَعْنِي: الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ- فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ-: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي».\n[خ: ٣١٩٤]\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي».\nحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو ضَمْرَةَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ- فَهُوَ مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ-: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي».\nفي هذا الحديث: إثبات غضب الله ﷿، كما يليق بجلاله وكماله.\nوفيه: إثبات الرحمة وإثبات النفس لله ﷿، كما يليق بجلاله وكماله.\nوفيه: أن هذا الكتاب- وهو اللوح المحفوظ- مستثنى من كون العرش سقف المخلوقات، فالعرش سقف المخلوقات، لكن الكتاب فوقه.\nوفيه: إثبات الكتابة لله ﷿،، كما يليق بجلاله وكماله، وهو من الصفات الفعلية.\nوقوله: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»، و«إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي»: لهما معنيان متقاربان.\nوفيه: أن رحمة الله تغلب غضبه، ففيه الرجاء، والمرء يرجو ربه ويحسن الظن به ﷿، ولكن الرجاء لا بد أن يكون معه العمل، قال الله تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا﴾، وقال الله تعالى: ﴿إن","vol":"8","page":30},{"text":"الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله﴾، أما إذا كان الرجاء بدون عمل فهذا يسمى غرورًا وتمنيًا، وليس رجاءً حقيقيًّا.\nوفيه: جواز قول المسلم: يا ربِّ أسالك برحمتك التي سبقت غضبك، وهذا توسل إلى الله ﵎ بصفاته العلا.","vol":"8","page":31},{"text":"[٢٧٥٢] حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلَائِقُ حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا؛ خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ».\n[خ: ٦٠٠٠]\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونُ: ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَوَضَعَ وَاحِدَةً بَيْنَ خَلْقِهِ، وَخَبَأَ عِنْدَهُ مِائَةً إِلَّا وَاحِدَةً».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\n\n[٢٧٥٣] حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَمِنْهَا رَحْمَةٌ بِهَا يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ بَيْنَهُمْ، وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ، كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَعَلَ مِنْهَا فِي الْأَرْضِ رَحْمَةً، فَبِهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ».","vol":"8","page":32},{"text":"في هذه الأحاديث: أن الرحمة من فضل الله تعالى وإحسانه، وأنها مخلوقة، وهي غير الرحمة التي هي صفة الله، فالرحمة رحمتان: الرحمة التي هي صفة لله تعالى، وهي وصف قائم به، والرحمة المخلوقة، كما في هذا الحديث، فهو صريح بأنها مخلوقة.\nولا شك أن صفات الله - سبحانه - تتفاضل، والصفة نفسها تتفاضل درجاتها، فصفة الكلام تتفاضل، فكلام الله بعضه أفضل من بعض فسورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، والفاتحة أفضل سورة في القرآن، وآية الكرسي أعظم آية في القرآن.\nوكذلك الصفات تتفاضل، كما في قوله: «إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي».\n\n[٢٧٥٤] حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ- وَاللَّفْظُ لِحَسَنٍ- حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَبْيٍ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ تَبْتَغِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ !»، قُلْنَا: لَا وَاللَّهِ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا».\n[خ: ٥٩٩٩]\n\n[٢٧٥٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ».\nفي هذا الحديث: إرشاد المؤمن أن يعبد ربه بالخوف والرجاء، فلا","vol":"8","page":33},{"text":"يسترسل في المعاصي، وعليه أن يخاف من ذنوبه، ولكن لا ييأس، ولا يتشاءم، ولا يقنط من رحمة الله، ولا يسيء الظن بالله.\n\n[٢٧٥٦] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقِ بْنِ بِنْتِ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ لِأَهْلِهِ: إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ، ثُمَّ اذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ، وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ ! قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ- وَأَنْتَ أَعْلَمُ- فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ».\n[خ: ٧٥٠٦]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد، قَالَ عَبد: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ رَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: قَالَ لِي الزُّهْرِيُّ: أَلَا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثَيْنِ عَجِيبَيْنِ؟ ! قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ، فَقَالَ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ اذْرُونِي فِي الرِّيحِ فِي الْبَحْرِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبُنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ بِهِ أَحَدًا قَالَ: فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ، فَقَالَ لِلْأَرْضِ: أَدِّي مَا أَخَذْتِ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ ! فَقَالَ: خَشْيَتُكَ يَا رَبِّ- أَوَ قَالَ: مَخَافَتُكَ- فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ».\nفي هذا الحديث: أن هذا الرجل كان فيمن سبقنا مسرفًا على نفسه، وجاء في بعض الروايات: أنه كان «نبَّاشًا» (^١) ينبش القبور، فجمع أهله لما حضرته الوفاة، فقال: أيُّ أبٍ كنت لكم؟ فأثنوا عليه خيرًا، فأخذ عليهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٥٢).","vol":"8","page":34},{"text":"العهد والميثاق أن ينفذوا وصيته، ووصيته أنه قال: إذا أنا مت فأحرقوني بالنار، فإذا أكلت النار لحمي وخلصت إلى عظمي، فاسحقوا العظم، أي: اطحنوه ثم ذروه فإذا صرتُ رمادًا «ذَرُّونِي فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ» (^١)، وفي لفظ: «فَذَرُّونِي فِي اليَمِّ» (^٢)، أي: في البحر، وفي لفظ: «ثُمَّ اذْرُوا نِصْفِي فِي الْبَحْرِ، وَنِصْفِي فِي الْبَرِّ» (^٣)، ففعلوا به ذلك، فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، فقال الله له: قم، فإذا هو إنسان قائم، فقال الله له: ما حملك على ذلك؟ ! قال: يارب خشيتك، فغفر الله له.\nوفيه: أنه اختلف العلماء في هذا الرجل: فمنهم من قال: إن هذا كان فيمن سبقنا، فهذا منكِرٌ للبعث وشاكٌّ في قدرة الله، وهذا كُفر، ولعله كان فيمن سبقنا أنه يُغفر للمشرك، لكن هذا بعيد.\nوبعضهم أوَّل قوله: «لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْه»: بمعنى: ضيَّق كقوله تعالى: ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾، وأجيب بأجوبة.\nوالصواب: الذي عليه المحققون كشيخ الإسلام ابن تيمية (^٤) وغيره: أن هذا الرجل لم يكفر؛ لأنه أنكر أمرًا دقيقًا خفيًّا من دقائق الصفات، والذي حمله على ذلك هو الجهل، وليس عنده تكذيب، أو عناد، فلو كان عالمًا أو معاندًا أو مكذبًا لكان كافرًا، فهو لم ينكر البعث، ولكنه ظن أنه لو وصل إلى هذه الحالة وأُحرق وسُحق وذُرِّي في البر والبحر أنه يفوت على الله، ولا يدخل تحت القدرة، ولو ترك لبعثه الله، وهو لم ينكر قدرة الله، ولكنه أنكر كمال تفاصيل القدرة، فغفر الله له، وهو داخل في قول الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾؛ ولهذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٧٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤٧٩).\n(^٣) أخرجه أحمد (١١٠٩٦).\n(^٤) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١١/ ٤٠٨).","vol":"8","page":35},{"text":"غفر الله له، ولو كان مشركًا لما غفر الله له؛ لأنه ﷾ حرم الجنة على المشركِ، قال الله تعالى: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار﴾.\nأما الذين يعبدون الأوثان ويطوفون بالقبور ويدعونها من دون الله وهم يعيشون بين المسلمين فلا يُعذَرون؛ لأن هذا هو الأمر الذي بعث الله به رسوله، قال الله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾ وقد بَعث الرسولَ، وقال: ﴿وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ﴾، وهذا أمر عظيم يبدئ القرآن فيه ويعيد، وليس هذا الشرك من الأمور الخفية.\n\n[٢٦١٩] قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَحَدَّثَنِي حُمَيْدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ هَزْلًا».\nقَالَ الزُّهْرِيُّ: ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَّكِلَ رَجُلٌ، وَلَا يَيْأَسَ رَجُلٌ.\n\n[٢٧٥٦] حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَسْرَفَ عَبْدٌ عَلَى نَفْسِهِ»، بِنَحْوِ حَدِيثِ مَعْمَرٍ إِلَى قَوْلِهِ: «فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ»، وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ الْمَرْأَةِ فِي قِصَّةِ الْهِرَّةِ، وَفِي حَدِيثِ الزُّبَيْدِيِّ قَالَ: «فَقَالَ اللَّهُ ﷿ لِكُلِّ شَيْءٍ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا: أَدِّ مَا أَخَذْتَ مِنْهُ».\nهذان الحديثان اللذان حدثهما الزهري عجيبان: الأول هذا الرجل الذي غفر الله له فيه: سعة رحمة الله، وفيه: الرجاء، والحديث الثاني حديث الهرة، فيه: الخوف؛ فالحديثان فيهما الجمع بين الخوف والرجاء، فإذا ضممتَ حديث هذا الرجل الذي غفر له، وحديث هذه المرأة التي عُذبت بالهرة أفادا الجمع بين الخوف والرجاء، وهو ما يجب أن يكون عليه قلب المسلم.","vol":"8","page":36},{"text":"وقول الزهري: «لِئَلَّا يَتَّكِلَ رَجُلٌ، وَلَا يَيْأَسَ رَجُلٌ»: معناه: لئلا يتكل أحد على سعة رحمة الله، ولا يعمل، ولا ييأس أحد بسبب إسرافه على نفسه بالمعصية، فحديث تعذيب الهرة يفيد الخوف، وحديث الرجل الذي غفر له يفيد الرجاء.\n\n[٢٧٥٧] حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ رَجُلًا فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَاشَهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا، فَقَالَ لِوَلَدِهِ: لَتَفْعَلُنَّ مَا آمُرُكُمْ بِهِ، أَوْ لَأُوَلِّيَنَّ مِيرَاثِي غَيْرَكُمْ، إِذَا أَنَا مُتُّ، فَأَحْرِقُونِي- وَأَكْثَرُ عِلْمِي أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ اسْحَقُونِي وَاذْرُونِي فِي الرِّيحِ- فَإِنِّي لَمْ أَبْتَهِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا، وَإِنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلَيَّ أَنْ يُعَذِّبَنِي قَالَ: فَأَخَذَ مِنْهُمْ مِيثَاقًا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ وَرَبِّي، فَقَالَ اللَّهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ ! فَقَالَ: مَخَافَتُكَ قَالَ: فَمَا تَلَافَاهُ غَيْرُهَا».\nوَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: قَالَ لِي أَبِي: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، ذَكَرُوا جَمِيعًا بِإِسْنَادِ شُعْبَةَ نَحْوَ حَدِيثِهِ، وَفِي حَدِيثِ شَيْبَانَ، وَأَبِي عَوَانَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ النَّاسِ رَغَسَهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا، وَفِي حَدِيثِ التَّيْمِيِّ: فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا قَالَ: فَسَّرَهَا قَتَادَةُ: لَمْ يَدَّخِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا، وَفِي حَدِيثِ شَيْبَانَ: فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا ابْتَأَرَ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا، وَفِي حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ: مَا امْتَأَرَ- بِالْمِيمِ.\nقوله: «فَإِنِّي لَمْ أَبْتَهِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا»: أي: لم أدِّخر، وهذا في ظنه؛ بسبب الخوف الذي استولى عليه.","vol":"8","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1291>بَابُ قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَإِنْ تَكَرَّرَتِ الذُّنُوبُ وَالتَّوْبَةُ</span>\n\n[٢٧٥٨] حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ- فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ ﷿- قَالَ: «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ ﵎: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ».\nقَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى: لَا أَدْرِي، أَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ: «اعْمَلْ مَا شِئْتَ».\n[خ: ٧٥٠٧]\nقَالَ أَبُو أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زَنْجُويَةَ الْقُرَشِيُّ الْقُشَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَاصٌّ- يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ- قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ عَبْدًا أَذْنَبَ ذَنْبًا»، بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَذَكَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَذْنَبَ ذَنْبًا، وَفِي الثَّالِثَةِ: «قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ».\nفي هذان الحديثان: فضل الله ﷾ وإحسانه إلى عباده، وأن التوبة مقبولة من العبد ما لم يغرغر، وما لم تطلع الشمس من مغربها، إذا كانت توبة صادقة نصوحًا قد استوفت شروطها.","vol":"8","page":38},{"text":"قوله: «اعْمَلْ مَا شِئْتَ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ»، وفي لفظ: «قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ»: ليس هذا إذنًا بالمعصية، ولكن المعنى: أن العبد إذا تاب فإن التوبة مقبولة، وأنه إذا كان كلما أذنب تاب، فإن الذنب مغفور بالتوبة، فإذا وُفق الإنسان للتوبة فإن الله تعالى يمحو بالتوبة هذا الذنب، ولو تكرر، ولكن على الإنسان أن يحذر من معاودة الذنب؛ فقد لا يوفَّق للتوبة.\nوأما قوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير﴾، وقوله تعالى: ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ فهذا أمر للتهديد؛ ولهذا قال بعدها: ﴿إنا أعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سرادقها﴾.\n\n[٢٧٥٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nفي هذا الحديث: أن التوبة مقبولة ما لم تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت الشمس من مغربها في آخر الزمان، وهي إحدى أشراط الساعة الكبرى المتأخرة فإن التوبة لا تُقبل، وكذلك إذا بلغت الروح الحلقوم فإن التوبة لا تقبل؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» (^١)، ولقول الله تعالى: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار﴾.\nوالتوبة واجبة على كل إنسان على الفور؛ لأن الإنسان لا يدري متى يأتيه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦١٦٠).","vol":"8","page":39},{"text":"الأجل، فالحزم كل الحزم أن يكون الإنسان مبادرًا في توبته بليله ونهاره، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحًا﴾، وقال ﷾: ﴿وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ وهذا الأمر للوجوب وهو على الفور.\nوكل الذنوب تُكفَّر حتى الشرك والكفر يمحوه الله بالتوبة، فقول الله تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾ عامٌّ في التائبين؛ لأن الله قد عمم وأطلق ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾، يعني: لمن تاب، وأما قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فهذه في غير التائبين؛ لأن الله خص الشرك بأنه لا يُغفر، وعلق ما دونه بالمشيئة فهي في غير التائبين، أما التائب فإن الله يغفر له الذنوب مهما عظمت؛ ولهذا عرض الله التوبة على النصارى، فقال سبحانه: ﴿أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه﴾.\nومن التوبة الفاسدة: توبة الكاذبين، كمن يستغفر بلسانه، وقلبه معقود على المعصية، كمن يدعي أنه يتوب عن التعامل بالربا، وهو مقيم عليه.\nوفيه: إثبات اليد لله ﷿، والرد على من تأولها بالنعمة، أو القدرة، وهم الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم (^١).\nوقو النووي: \"بسط اليد استعارة في قبول التوبة\" تأويل لا وجه له، وقوله: (أن اليد الجارحه مستحيلة في حق الله) فيه تشبيه لصفة الخالق بصفة المخلوق، وهو باطل، فالله تعالى لله يد حقيقة لما يليق بجلاله وعظمته.\nوصفتا البسط والقبض صفتان على الحقيقة، لا استعارة فيهما ولا مجاز، والقرآن لا استعارة فيه ولا مجاز.\n_________\n(^١) غاية المرام، للآمدي (ص ١٣٩).","vol":"8","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1292>بَابُ غَيْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ</span>\n\n[٢٧٦٠] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ؛ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ؛ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ».\n[خ: ٤٦٣٤]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ؛ وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قُلْتُ لَهُ: آنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَرَفَعَهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ؛ وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ؛ وَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ».\nحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ ﷿؛ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ؛ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ؛ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ، وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ».","vol":"8","page":41},{"text":"في هذه الأحاديث: إثبات الغيرة لله، وأنه ليس أحد أغير منه، وهي صفة من الصفات الفعلية التي تليق بجلال الله وعظمته، لا يماثل فيها أحدًا من خلقه، فالغيرة والمحبة والغضب والسخط والرضا والعَجب كل هذه من الصفات الفعلية التي تليق بجلاله تعالى.\nوليست الغيرة تحريم الفواحش كما قال النووي (^١)، وإنما الغيرة وصف يليق بالله، ومن آثاره: تحريم الفواحش؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ».\nوكذلك أول الأشاعرة الغضب بالانتقام، والانتقام إنما هو أثر من آثار الغضب، والغضب وصف يليق بالله، وكذلك تأويلهم الرضا بالثواب، والرضا وصف يليق بالله، ومن آثاره: ثواب المؤمنين.\nوقوله ﷺ: «وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ»: يعني: أن الله ﷾ قطع العذر؛ ولهذا أرسل الرسل مبشرين ومنذرين؛ لئلَّا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.\nقال النووي: «قال القاضي: يحتمل أن المراد: اعتذار العباد إليه من تقصيرهم» (^٢).\nوهذا خطأ؛ إذ الله تعالى قد أرسل الرسل مبشرين ومنذرين؛ لأنه سبحانه ليس أحد أحبَّ إليه العذر منه.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ٧٧).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ٧٨)، إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ٢٦٣).","vol":"8","page":42},{"text":"[٢٧٦١] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُلَيَّةَ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ يَحْيَى: وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ».\n[خ: ٥٢٢٣]\n\n[٢٧٦٢] قَالَ يَحْيَى: وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ حَدَّثَتْهُ: أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ شَيْءٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ ﷿».\n[خ: ٥٢٢٢]\n\n[٢٧٦١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، وَحَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ رِوَايَةِ حَجَّاجٍ، حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ خَاصَّةً، وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ أَسْمَاءَ.\n\n[٢٧٦٢] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أَسْمَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا شَيْءَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ ﷿».\n\n[٢٧٦١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ يَغَارُ، وَاللَّهُ أَشَدُّ غَيْرًا».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله: «لَا شَيْءَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ ﷿»: فيه جواز إطلاق وصف الله بأنه شيء، وهو من باب الإخبار، مثل قوله تعالى: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله﴾.","vol":"8","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1293>بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾</span>\n\n[٢٧٦٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كَامِلٍ- حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ: أَلِيَ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي».\n[خ: ٥٢٦]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَ أَنَّهُ أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ إِمَّا قُبْلَةً، أَوْ مَسًّا بِيَدٍ، أَوْ شَيْئًا كَأَنَّهُ يَسْأَلُ عَنْ كَفَّارَتِهَا قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَزِيدَ.\nحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: أَصَابَ رَجُلٌ مِنَ امْرَأَةٍ شَيْئًا دُونَ الْفَاحِشَةِ، فَأَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَعَظَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَتَى أَبَا بَكْرٍ، فَعَظَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَزِيدَ وَالْمُعْتَمِرِ.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي عَالَجْتُ امْرَأَةً فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا، فَأَنَا هَذَا فَاقْضِ فِيَّ مَا شِئْتَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللَّهُ، لَوْ سَتَرْتَ نَفْسَكَ! قَالَ: فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا، فَقَامَ الرَّجُلُ، فَانْطَلَقَ، فَأَتْبَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا دَعَاهُ، وَتَلَا عَلَيْهِ هَذِهِ","vol":"8","page":44},{"text":"الْآيَةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذَا لَهُ خَاصَّةً؟ قَالَ: «بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ عَنْ خَالِهِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَقَالَ مُعَاذٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا لِهَذَا خَاصَّةً، أَوْ لَنَا عَامَّةً؟ قَالَ: «بَلْ لَكُمْ عَامَّةً».\nفي هذه الأحاديث: أن القبلة من الصغائر؛ ولهذا كُفِّرتْ بالصلاة، فالصغائر تُكفَّر باجتناب الكبائر وبفعل الفرائض، كما قال النبي ﷺ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» (^١).\nوفيه: أن هذا الحكم للناس كافة، وهو أن الحسنات يذهبن السيئات، والحسنات هي الفرائض تُذهب الصغائر، وتقضي عليها، مثل ما حصل لهذا الرجل، وقد جاء في الحديث: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ، يُكَفِّرُهَا الصِّيَامُ، وَالصَّلَاةُ، وَالصَّدَقَةُ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَر» (^٢).\nوفيه: أنه هذا الرجل نزع وتاب، فتكون الحسنات تشمل التوبة وتشمل الصلاة.\nوفي سكوت النبي ﷺ عن هذا الرجل: دليل على أنه يجب على الإنسان أن يستتر بستر الله، وإذا فعل معصية يتوب بينه وبين الله، ولا يخبر بذلك\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٣٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٢٥)، ومسلم (١٤٤).","vol":"8","page":45},{"text":"أحدًا، ولا يأتي للحاكم ويقول: أقم عليَّ الحدَّ، فالتوبة طهارة، لكن إذا أُقيم عليه الحدُّ فإن الحدَّ طهارة وكفارة، كما في حديث عبادة بن الصامت: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ:» بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلا تَسْرِقُوا، وَلا تَزْنُوا، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ، وَلا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩).","vol":"8","page":46},{"text":"[٢٧٦٤] حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ قَالَ: وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللَّهِ قَالَ: «هَلْ حَضَرْتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا؟»، قَالَ: نَعَمْ قَالَ: «قَدْ غُفِرَ لَكَ».\n[خ: ٦٨٢٣]\n\n[٢٧٦٥] حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا شَدَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو أُمَامَةَ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، وَنَحْنُ قُعُودٌ مَعَهُ؛ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ أَعَادَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ عَنْهُ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَاتَّبَعَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ انْصَرَفَ، وَاتَّبَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْظُرُ مَا يَرُدُّ عَلَى الرَّجُلِ، فَلَحِقَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَرَأَيْتَ حِينَ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ أَلَيْسَ قَدْ تَوَضَّأْتَ، فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ؟ !»، قَالَ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «ثُمَّ شَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا؟»، فَقَالَ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ- أَوَ قَالَ: ذَنْبَكَ».\nقوله: «فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللَّهِ»، يعني: حكم الله.\nوقوله: «فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ»: المراد بهذا الحد: المعصية، وهي من الصغائر، وهي توجب التعزير لا الحد، بدليل أنها كُفِّرت بالوضوء والصلاة؛ لأنها لو كانت من الكبائر لاحتاجت إلى توبة، كما قال النووي","vol":"8","page":47},{"text":"﵀: «أجمع العلماء على أن المعاصى الموجبة للحدود لاتسقط حدودها بالصلاة» (^١).\nوالحدود تطلق ويراد بها:\n١ - المعاصي؛ كقوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾.\n٢ - الفرائض والواجبات؛ كقوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾، أي: لا تتجاوزوها.\n٣ - العقوبات المقررة شرعًا، كقول عبد الرحمن بن عوف ﵁ لما استشار عمر ﵁ الناس في الخمر: «أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ» (^٢)، يعني: أخف العقوبات المقررة.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ٨١).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٢٨٠٥).","vol":"8","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1294>بَابُ قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَثُرَ قَتْلُهُ</span>\n\n[٢٧٦٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ، انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ؛ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ»، قَالَ قَتَادَةُ: فَقَالَ الْحَسَنُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْتُ نَأَى بِصَدْرِهِ.\n[خ: ٣٤٧٠]\nحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الصِّدِّيقِ النَّاجِيَّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَجَعَلَ يَسْأَلُ: هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَأَتَى رَاهِبًا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: لَيْسَتْ لَكَ تَوْبَةٌ، فَقَتَلَ الرَّاهِبَ، ثُمَّ جَعَلَ يَسْأَلُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَى قَرْيَةٍ فِيهَا قَوْمٌ صَالِحُونَ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَنَأَى بِصَدْرِهِ، ثُمَّ مَاتَ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَمَلَائِكَةُ","vol":"8","page":49},{"text":"الْعَذَابِ، فَكَانَ إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ أَقْرَبَ مِنْهَا بِشِبْرٍ، فَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَا».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ، وَزَادَ فِيهِ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي، وَإِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي.\nفي هذا الحديث بيان سعة رحمة الله ﷿:\nوفيه: أن التوبة مقبولة من كل تائب مهما كبر الذنب وعظم، قال الله تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم﴾ قال العلماء: هذه الآية نزلت في التائبين؛ لأن الله عمم وأطلق جميع الذنوب ولم يقيد، بخلاف قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فهذه لغير التائبين؛ لأن الله خص الشرك بأنه غير مغفور، وعلق ما دونه على المشيئة، فإذا تاب الإنسان من الذنب مهما عظم فإن الله يتوب عليه، ولو كان شركًا، لكن بشرط أن يأتي بشروط التوبة التي مضى الحديث عنها.\nوفيه: شؤم الفتوى الباطلة؛ فإن هذا الرجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم سأل عن عالم فدُلَّ على راهب فأفتاه فتوى باطلة، فكان من شؤم فتواه أنه قتله، وهذه عقوبة عاجلة؛ لأنه أفتى على غير بصيرة، ثم بعد ذلك لما قتله وكمل به المائة أوقع الله في نفسه الندم والتوبة، فسأل فدُلَّ على عالم، فجاءه فقال: إني قتلت مائة نفس فهل لي من توبة؟ قال: من ذا الذي يحول بينك وبين التوبة؟ وهذا هو العلم والنور والبصيرة، وأرشده إلى الأسباب المعينة على التوبة، ومنها: أن يبتعد عن أرض المعصية، ولا يعاود المعصية، قال: اخرج من قريتك هذه؛ فإنها قرية سوء، واذهب إلى قرية كذا؛ فإن فيها قومًا صالحين فاعبد الله معهم، ففيه: دليل على أن الرفقة الصالحة لها تأثير، وأن الرفقة السيئة لها تأثير، فهذه القرية قرية سوء تحمله","vol":"8","page":50},{"text":"على الاستمرار على المعاصي، بخلاف الصالحين فإنهم يعينون على الخير، ويحذرون من الشر؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً» (^١).\nفالجليس الصالح إما أن يأمرك بالخير، أو ينهاك عن الشر، فأنت مستفيد على كل حال، «وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً»، وكذلك جليس السوء إما أن يُزَهِّدك في الخير، أو يحثك على الشر، فأنت متضرر على كل حال.\nأنه ينبغي للإنسان أن يبادر إلى التوبة؛ لأنه لا يدري متى يأتيه الموت.\nأن رحمة الله تغلب غضبه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٥٣٤)، ومسلم (٢٦٢٨).","vol":"8","page":51},{"text":"[٢٧٦٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ ﷿ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيَقُولُ: هَذَا فِكَاكُكَ مِنَ النَّارِ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ: أَنَّ عَوْنًا وَسَعِيدَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ حَدَّثَاهُ: أَنَّهُمَا شَهِدَا أَبَا بُرْدَةَ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلَّا أَدْخَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ النَّارَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا»، قَالَ: فَاسْتَحْلَفَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَحَلَفَ لَهُ قَالَ: فَلَمْ يُحَدِّثْنِي سَعِيدٌ أَنَّهُ اسْتَحْلَفَهُ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى عَوْنٍ قَوْلَهُ.\nحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ عَفَّانَ، وَقَالَ: عَوْنُ بْنُ عُتْبَةَ.\nقوله: «هَذَا فِكَاكُكَ»: فكاك: بفتح الفاء وكسرها، والفتح أفصح وأشهر، أي: خلاصك منها ومعافاتك، ومنه: فكاك الرقبة، وهو خلاصها من الرق (^١)، وهذا من فضل الله؛ فلكل إنسان منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا دخل المسلم الجنة فإن الله يُدخل مكانه في النار يهوديًّا أو نصرانيًّا، وإذا دخل الكافر النار فإن أهل الجنة يرثون مكانه في الجنة.\n_________\n(^١) مطالع الأنوار، للقاضي عياض (٢/ ١٥٧)، شرح مسلم، للنووي (١٧/ ٨٥).","vol":"8","page":52},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا شَدَّادٌ أَبُو طَلْحَةَ الرَّاسِبِيُّ عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ، وَيَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى»، فِيمَا أَحْسِبُ أَنَا.\nقَالَ أَبُو رَوْحٍ: لَا أَدْرِي مِمَّنْ الشَّكُّ، قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: أَبُوكَ حَدَّثَكَ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.\nالحديث من رواية أبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري، وهكذا يجيء في بعض الروايات لأحاديث أخرى مصرَّحًا به: عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى (^١).\nوفي هذا الحديث: أنه يجيء ناس مسلمون بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله، ويجعل أمثالها على أهل الكفر، وهذا فيه إشكال: فكيف يجمع بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾؟ !\nتأوله القاضي عياض والنووي بأن المراد: أنه يجيء قوم مسلمون بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله، ويضع أمثالها على اليهود بسبب كفرهم وذنوبهم؛ لأن المسلمين لما غُفرت ذنوبهم وبقيت ذنوب الكفرة صاروا كأنهم تحملوها (^٢).\nوقيل: إن هذه الذنوب التي جُعلت على ذنوب الكفار هي التي كانت بسببهم؛ لأنهم هم الذين سنُّوها ومن سَنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، فعمل المسلمون تلك السيئات التي سنها الكفار\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (٩/ ١٢٨)، (١١/ ٣٩٨).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ٨٥).","vol":"8","page":53},{"text":"فَغُفرت للمسلمين، وبقيت على الكفار، وهذا قواه ابن حجر (^١).\nتنبيه: الحديث ضعفه البيهقي بتفرد شداد أبو طلحة، وقد ضعفه بعض النقاد ووثقه أكثرهم، وإخراج مسلم له في صحيحه مرجح مع كثرة الموثقين، وأنه في الشواهد كما ذكر الحافظ فيشهد له الحديثان قبله (^٢).\n\n[٢٧٦٨] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يُدْنَى الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ ﷿ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَعْرِفُ قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ، فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ».\n[خ: ٢٤٤١]\nقوله: «يقولُ في النَّجْوَى»: النجوى: الكلام من قرب، والنداء: الكلام من بعد، قال تعالى: ﴿وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين﴾ وقال تعالى: ﴿وقربناه نجيًّا﴾؛ وقد نُهي أن يتناجى اثنان ومعهم ثالث من أجل أن ذلك يحزنه.\nوقوله: «حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ»: الكنف: صفة خبرية ثابتة من صفات الله، والله أعلم بكيفيتها، قال الخلال في «كتاب السُّنَّة» (باب: يضع كَنَفَه على عبده، ﵎): أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر؛ أنَّ أبا الحارث حدثهم؛ قال: قلت لأبي عبد الله: ما معنى قوله: «إنَّ الله يدني\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (١١/ ٣٩٨).\n(^٢) تهذيب التهذيب، لابن حجر (٤/ ٣١٦)، فتح الباري، لابن حجر (١١/ ٣٩٨).","vol":"8","page":54},{"text":"العبد يوم القيامة؛ فيضع عليه كَنَفَه؟» قال: هكذا نقول: يدنيه ويضع كَنَفَه عليه؛ كما قال؛ يقول له: أتعرف ذنب كذا (^١). والستر والعفو أثر هذا الكنف، والأشعرية دائمًا يفسرون الصفة بأثرها فيفسرون الفرح بالرضا، والغضب بالعقاب، والكنف بالستر (^٢)، وهذه من آثار الصفات، وليست هي الصفات، وأما ما نقله البخاري في خلق أفعال العباد عن ابن المباركِ قال: «كَنَفُهُ، يَعْنِي: سِتْرَهُ» (^٣)، وهذا جاء في رواية «فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وسِتْرَهُ» (^٤)، فهذا بيان لأثر الصفة، والمعنى: أنه تعالى يستر عبده عن رؤية الخلق له؛ لئلَّا يفتضح أمامهم فيخزى؛ لأنه حين السؤال والتقرير بذنوبه تتغير حاله، ويظهر على وجهه الخوف الشديد، ويتبين فيه الكرب والشدة.\nقال النووي: «الدنو هنا: كرامة وإحسان، لا دنو مسافة، والله ﷾ منزه عن المسافة وقربها» (^٥).\nوهذا باطل؛ لأن الدنو دنو حقيقي، والله أعلم بكيفيته.\nوفي هذا الحديث: فضل الله تعالى على المؤمن وإحسانه إليه؛ فإن الله يخاطبه خطاب ملاطفة، ويناجيه مناجاة المصافاة والمحادثة، فيقول له: هل تعرف؟ فيقول: رب أعرف، فيقول الله- ممتنًا عليه، ومظهرًا فضله لديه-: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، أي: لم أفضحك بها فيها، وأنا أغفرها لك اليوم.\nوفيه: إثبات الكلام لله ﷿.\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية، لابن تيمية (٨/ ١٩٣).\n(^٢) أساس التقديس، للرازي (ص ٥٨)، متن الجوهرة، للقاني (ص ٧).\n(^٣) خلق أفعال العباد، للبخاري (ص ٧٨).\n(^٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣٩١٥).\n(^٥) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ٨٧).","vol":"8","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1295>بَابُ حَدِيثِ تَوْبَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ</span>\n\n[٢٧٦٩] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ- مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ- أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ وَهُوَ يُرِيدُ الرُّومَ وَنَصَارَى الْعَرَبِ بِالشَّامِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ- كَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ- قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ، إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أَنِّي قَدْ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهُ، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ يُرِيدُونَ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا، وَكَانَ مِنْ خَبَرِي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى، وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَاللَّهِ مَا جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْنِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، فَغَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى\nالله عليه وسلم فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا وَاسْتَقْبَلَ عَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلَا لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ؛ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِمُ الَّذِي يُرِيدُ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرٌ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابُ حَافِظٍ- يُرِيدُ بِذَلِكَ: الدِّيوَانَ- قَالَ كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ سَيَخْفَى لَهُ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ ﷿، وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ، فَأَنَا إِلَيْهَا أَصْعَرُ، فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ","vol":"8","page":56},{"text":"ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ، فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، وَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ إِذَا أَرَدْتُ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَادِيًا وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ، فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، فَيَا لَيْتَنِي فَعَلْتُ، ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لِي، فَطَفِقْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحْزُنُنِي أَنِّي لَا أَرَى لِي أُسْوَةً إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِي النِّفَاقِ، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ\nوَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ: «مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟»، قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ، وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قُلْتَ! وَاللَّهِ- يَا رَسُولَ اللَّهِ- مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ رَأَى رَجُلًا مُبَيِّضًا يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ»، فَإِذَا هُوَ أَبُو خَيْثَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِينَ لَمَزَهُ الْمُنَافِقُونَ، فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلًا مِنْ تَبُوكَ حَضَرَنِي بَثِّي، فَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ، وَأَقُولُ: بِمَ أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا، وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ كُلَّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ لِي: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ، حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْهُ بِشَيْءٍ أَبَدًا، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وَصَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَانِيَتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ حَتَّى جِئْتُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ","vol":"8","page":57},{"text":"الْمُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: «تَعَالَ، فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ»، فَقَالَ لِي: «مَا خَلَّفَكَ، أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟ !»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي- وَاللَّهِ- لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، وَلَكِنِّي- وَاللَّهِ- لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ- تَرْضَى بِهِ عَنِّي- لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ- تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ- إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي عُذْرٌ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى، وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ»، فَقُمْتُ وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، فَاتَّبَعُونِي، فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، لَقَدْ عَجَزْتَ فِي أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا اعْتَذَرَ بِهِ إِلَيْهِ الْمُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكَ قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأُكَذِّبَ نَفْسِي قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلَانِ، قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قِيلَ لَكَ قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعَةَ الْعَامِرِيُّ، وَهِلَالُ بْنُ\nأُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ قَالَ: فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ، قَدْ شَهِدَا بَدْرًا فِيهِمَا أُسْوَةٌ قَالَ: فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي قَالَ: وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا- أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ- مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ قَالَ: فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وَقَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ لِي فِي نَفْسِيَ الْأَرْضُ، فَمَا هِيَ بِالْأَرْضِ الَّتِي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأَمَّا صَاحِبَايَ، فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ وَأَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي هَلْ حَرَّكَ","vol":"8","page":58},{"text":"شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ، أَمْ لَا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ، وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إِلَيَّ، وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ- وَهُوَ ابْنُ عَمِّي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ- فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمَنَّ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي\nسُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ نَبَطِ أَهْلِ الشَّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ قَالَ: فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ حَتَّى جَاءَنِي، فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، وَكُنْتُ كَاتِبًا فَقَرَأْتُهُ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ قَالَ: فَقُلْتُ- حِينَ قَرَأْتُهَا-: وَهَذِهِ- أيضًا- مِنَ الْبَلَاءِ، فَتَيَامَمْتُ بِهَا التَّنُّورَ، فَسَجَرْتُهَا بِهَا، حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْخَمْسِينَ، وَاسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْتِينِي، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ قَالَ: فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا، أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لَا، بَلِ اعْتَزِلْهَا، فَلَا تَقْرَبَنَّهَا قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ قَالَ: فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ، فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ قَالَ: فَجَاءَت امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَا يَقْرَبَنَّكِ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيْءٍ، وَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا قَالَ: فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه\nوسلم فِي امْرَأَتِكَ، فَقَدْ أَذِنَ لِامْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ قَالَ: فَقُلْتُ: لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ","vol":"8","page":59},{"text":"ﷺ وَمَا يُدْرِينِي مَاذَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ قَالَ: فَلَبِثْتُ بِذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، فَكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نُهِيَ عَنْ كَلَامِنَا قَالَ: ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ ﷿ مِنَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى سَلْعٍ يَقُولُ- بِأَعْلَى صَوْتِهِ-: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ قَالَ: فَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ قِبَلِي، وَأَوْفَى الْجَبَلَ، فَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي، فَنَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ بِبِشَارَتِهِ، وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا- يَوْمَئِذٍ- وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، فَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا، يُهَنِّئُونِي بِالتَّوْبَةِ، وَيَقُولُونَ: لِتَهْنِئْكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ\nﷺ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَحَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ قَالَ: فَكَانَ كَعْبٌ لَا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ، قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ، وَيَقُولُ: «أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ»، قَالَ: فَقُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «لَا بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ»، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ قَالَ: وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ قَالَ: فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي: أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قَالَ: فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ قَالَ: وَقُلْتُ:","vol":"8","page":60},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَنْجَانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي: أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا مَا بَقِيتُ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا، أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي اللَّهُ بِهِ، وَاللَّهِ مَا تَعَمَّدْتُ كَذِبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ\nفِيمَا بَقِيَ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، قَالَ كَعْبٌ: وَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ- بَعْدَ إِذْ هَدَانِي اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ- أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ، وَقَالَ اللَّهُ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، قَالَ كَعْبٌ: كُنَّا خُلِّفْنَا- أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ- عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى فِيهِ، فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفْنَا تَخَلُّفَنَا عَنِ\nالْغَزْوِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَقَبِلَ مِنْهُ.\n[خ: ٤٤١٨]\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ سواء.","vol":"8","page":61},{"text":"وَحَدَّثَنِي عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ- وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ حِينَ عَمِيَ- قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ عَلَى يُونُسَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ: أَبَا خَيْثَمَةَ وَلُحُوقَهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ.\nوَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ- وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ- عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ- وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ حِينَ أُصِيبَ بَصَرُهُ، وَكَانَ أَعْلَمَ قَوْمِهِ وَأَوْعَاهُمْ لِأَحَادِيثِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ- وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ- يُحَدِّثُ: أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ، غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَاسٍ كَثِيرٍ يَزِيدُونَ عَلَى عَشْرَةِ آلَافٍ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ دِيوَانُ حَافِظٍ.\nقوله: «وتَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلَامِ»: تعاهدنا، أو تبايعنا على الإسلام ليلة العقبة؛ لأن البيعة كانت وقت الحج عند جمرة العقبة.\nوقوله: عن بيعة العقبة: «وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ»:: هذا اجتهاد منه ﵁، وإلا فغزوة بدر، قد قال فيها النبي ﷺ عنها: «وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤).","vol":"8","page":62},{"text":"ولم يعاتب النبي ﷺ أحدًا تخلف عن بدر؛ لأنه ما خرج للغزو، وإنما خرج للعير فكان النفير؛ ولذا قال الله تعالى: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾.\nوتخلُّف كعب بن مالك ﵁ عن غزوة تبوك بدون عذر- حتى إنه قال: ما مر علي وقت كنت أيسر ولا أقوى من ذلك الوقت، ومع ذلك تخلفتُ- كان هذا لحكمة أن ابتلاه الله وطهَّره من الذنب بالتوبة التي أنزلها الله في كتابه، آية تتلى إلى يوم القيامة.\nوقوله: «فَجَلَا لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِمُ الَّذِي يُرِيدُ»: يعني: أوضح لهم الأمر أنه سيذهب إلى الروم؛ لأن الأمر لم يكن بالأمر الهين، فالسفر بعيد، والمفاوز والمخاطر عظيمة، بمشقة وتحمل، وليست كأسفارنا اليوم قد هيأ الله لنا من المراكب التي يسرت الأسباب كما هو معلوم، وكانت- أيضًا- في شدة الحر، وفي وقت الخريف وقد طابت الثمار، والإنسان يميل إلى الدعة والراحة وجناء الثمار، والعدو- أيضًا- مخيف مهيب، كل هذا اجتمع، والمسلمون قدَّموا محبة الله ورسوله، وأمر الله ورسوله على هذه الأمور، وتلافوا هذه الصعاب والمشاق.\nوالنبي ﷺ كان إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها، فإذا أراد جهة الشمال سار جهة الجنوب، لكن في هذه الغزوة أوضحها للناس للأسباب السابقة.\nوقوله: «وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابُ حَافِظٍ»: هكذا بالتخفيف في رواية مسلم، وهي بالتنوين في رواية البخاري (^١) - «يُرِيدُ: بِذَلِكَ الدِّيوَانَ»، يعني: ليسوا مكتوبين ومدونين بسجلات، ولا ينافي هذا كتابة الجيوش والمقاتلة، وقد بوب البخاري ﵀: باب كتابة الإمام الناس (^٢)، وقد جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ أنه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤١٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤/ ٧٢).","vol":"8","page":63},{"text":"سمع النبي ﷺ يقول: «لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ»، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً قَالَ: «اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» (^١)، ويحتمل أن سبب عدم كتابتهم في هذه الغزوة: كثرة عدد الصحابة فقد قيل بأنهم عشرة آلاف وقيل: أكثر من ثلاثين ألفا (^٢).\nوقوله: «وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ»، يعني: هذا ابتلاء وامتحان أن يكون الغزو في هذا الوقت، وفي هذه الظروف.\nوقوله: «فَأَنَا إِلَيْهَا أَصْعَرُ»، يعني: أميل إلى الراحة وجناء الثمار والرطب.\nوقوله: «وَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ»: أي: أنشأت وأردت.\nولله في ذلك حكمة أنه يحاول أن يتجهز ولا يدفعه شيء، ثم يقول في نفسه: أنا نشيط وقوي، والرسول ﷺ قد مشى وأنا أستطيع اللحاق به، فألحقه بعد ساعة أو ساعتين، أو يوم أو يومين، وهكذا حتى تفارط عليه الأمر، وذهب الجيش ولم يذهب.\nوهذا هو التسويف، ولا ينبغي للإنسان التسويف، بل ينبغي للمسلم أن يعزم وألا يؤخر عمل اليوم إلى الغد.\nوقوله: «فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ فَيَا لَيْتَنِي فَعَلْتُ، ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لِي، فَطَفِقْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحْزُنُنِي أَنِّي لَا أَرَى لِي أُسْوَةً إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِي النِّفَاقِ، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ»، يعني: لما خرج النبي ﷺ وانتهى ووصلوا إلى تبوك ولم يمكنه أن يخرج؛ لأنه صار بينه وبينهم أيام، وجاءت أمور أخرى تنغص على كعب حياته، وتتعبه وتشق عليه، فإذا خرج في المدينة لا يجد إلا صنفين من المتخلفين: إما معذورًا- كأعمى أو أعرج أو مريض أو صبيان أو نساء- وإما شخصًا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٠٦)، ومسلم (١٣٤١).\n(^٢) فتح الباري، لابن حجر (٨/ ١١٧).","vol":"8","page":64},{"text":"متهمًا بالنفاق، فتألم على حاله كيف تخلف؟ !\nوقوله: «حَبَسَهُ بُرْدَاهُ، وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ»، يعني: أنه معجب بثيابه ومعجب بحلته، فرد عليه معاذ بن جبل قائلًا: «بِئْسَ مَا قُلْتَ! وَاللَّهِ- يَا رَسُولَ اللَّهِ- مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا»، فيه الرد عن عرض المسلم، وأنه ينبغي للإنسان أن يرد عن عرض أخيه إذا كان يعلم عنه خيرًا.\nوقوله: «مُبَيِّضًا يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ»: البياض بياض الإنسان في السراب.\nوقوله: «وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِينَ لَمَزَهُ الْمُنَافِقُونَ»: فالذي تصدق هو أبو خيثمة ﵁ تصدق بصاع تمر فلمزه المنافقون، قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، ما تصدق إلا بصاع، وكان الذي يتصدق بكثير يقولون عنه: هذا مُرَاءٍ، فما يسلم منهم أحد، قال الله تعالى: ﴿الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات واللذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم﴾.\nوقوله: «فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلًا مِنْ تَبُوكَ حَضَرَنِي بَثِّي»: البث: أشد الحزن، قال الله- عن يعقوب-: ﴿إنما أشكو بثني وحزني إلى الله﴾.\nوقوله: «فَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ، وَأَقُولُ: بِمَ أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا، وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ كُلَّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ لِي: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ، حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْهُ بِشَيْءٍ أَبَدًا، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ»: لما بلغه أن النبي ﷺ جاء قادمًا من تبوك حضره الحزن، ماذا يعمل؟ كيف يقابل النبي ﷺ؟ فلما وصل النبي ﷺ تذكر الكذب، ثم انزاح عنه الباطل، وعزم على ألا يتكلم إلا بصدق، وأنه ليس له عذر.\nوهذا من فضل الله على كعب أن الله أزال عنه الباطل وعزم على الصدق، مع أنه جَدِلٌ وعنده استطاعة على الاعتذار، ولكنه ترك هذا لله.\nوقوله: «وَصَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَرَكَعَ","vol":"8","page":65},{"text":"فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ»: هذا فيه: مشروعية صلاة ركعتين للقادم من السفر في المسجد قبل دخول بيته.\nوقوله: «فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ»: هؤلاء جاؤوا واعتذروا وحلفوا أنهم معذورون، والنبي ﷺ قبِل العلانية واستغفر لهم، وقبِل عذرهم، ووكل سرائرهم إلى الله، أما كعب ﵁ فاختار لنفسه أن يَصْدُق، وأن يصبر على الابتلاء في أول الأمر، ثم تكون العاقبة الحميدة له.\nوقوله: «مَا خَلَّفَكَ، أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟ !»، يعني: ألم تكن قد اشتريتَ راحلتك.\nقوله: «وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا- أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ- مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ»: فيه: مشروعية هجر العاصي؛ فإن النبي ﷺ نهى الناس عن كلام كعب وصاحبيه هلال بن أمية الواقفي، ومرارة بن الربيع ﵃ أجمعين.\nوقوله: «فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ وَأَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ»: فيه: جواز البكاء على النفس ندمًا على المعصية؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر عليهما بكاءهما على أنفسهما.\nوفيه: دليل على أن الذي هجره الناس تسقط عنه صلاة الجماعة؛ ولهذا فإن هؤلاء كانوا يصلون في بيوتهم، وكعب ﵁- وكان أشبَّهم- كان يصلي مع الناس، ولما كان في آخر الأمر كان كعب ﵁ يصلي في بيته، قال: صليت الفجر على ظهر بيت لنا، ولم يُصَلِّ مع جماعة المسلمين؛ لأنه مهجور، ولا يكلمه أحد فهو معذور.\nوقوله: «حَتَّى إِذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ- وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ- فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ","vol":"8","page":66},{"text":"السَّلَامَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمَنَّ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ»: أبو قتادة ابن عم كعب ﵄، وكان أحب الناس إليه، ومع ذلك لم يرد ﵇ لما سلم عليه؛ لأن النبي ﷺ نهى الناس عن كلام هؤلاء الثلاثة، فهم ملتزمون بهذا، وطاعة الله ورسوله مقدمة على المحبة الطبيعية.\nوفيه: أنه يشرع هجر العاصي حتى يتوب زجرًا له وتأديبًا، وليس هناك حد محدد للهجر هنا، بل يُهجَر حتى يتوب، هذا إذا كان الهجر من أجل الدين، أما إذا كان الهجر من أجل الدنيا، ومن أجل حظوظ النفس فإن الهجر لا يزيد عن ثلاثة أيام؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» (^١)؛ لأن النفس قد يحصل فيها شيء من التكدر بسبب ما يحصل بينه وبين أخيه من الشحناء، فأبيح ثلاثة أيام حتى يزول ما في نفسه، أما إذا كان الهجر من أجل الدين فليس له حد؛ ولهذا هجر النبي ﷺ والمسلمون كعب بن مالك وصاحبيه ﵃ خمسين ليلة حتى تاب الله عليهم.\nولكن هجر العاصي إنما يكون إذا كان الهجر يردعه، أما إذا كان الهجر يزيده شرًّا، أو لا يفيد فلا يهجر، بل يُستمر على نصيحته، فبعض الناس إذا هجرته فرح وصار يزيد في المعاصي، وإذا لم تهجره يراعيك ويخفف من المعاصي ويتستر؛ ولذلك فإن النبي ﷺ لم يهجر المنافقين الذين تخلفوا في تبوك، وإنما هجر هؤلاء الثلاثة، فالهجر كالدواء يستعمل إن كان يفيد.\nوفيه: دليل على أنه إذا سئل الإنسان في حياة النبي ﷺ يقول: الله ورسوله أعلم، أما بعد وفاته فيقال: الله أعلم؛ وهذا أيضا كما في حديث معاذ ﵁ لما قال له ﷺ: «يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ؟»: قَالَ: اللَّهُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٢٣٧)، ومسلم (٢٥٦٠).","vol":"8","page":67},{"text":"وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: «أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ؟»: قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: «أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ» (^١).\nوهذا كان في حياته؛ لأنه يوحى إليه ﵊ مِن علم الغيب، أما بعد وفاته فيقال: الله أعلم.\nوفيه: دليل على أن الإنسان إذا سئل ثم قال: الله ورسوله أعلم، وقد حلف ألا يكلم أحدًا فإنه لا يحنث، إذا لم يقصد الكلام، وإن قصد أن يكلمه حنث.\nوقوله: «فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ نَبَطِ أَهْلِ الشَّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ»: نبطي: فلاح من العجم.\nوقوله: «يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ قَالَ: فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ حَتَّى جَاءَنِي»: فيه: كمال امتثال الصحابة لأمر النبي ﷺ، فإنه نهاهم أن يكلموا كعبًا فلما جاء النبطي يسأل عنه ما كلموه، وإنما أشاروا للأعجمي.\nوقوله: «فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، وَكُنْتُ كَاتِبًا فَقَرَأْتُهُ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ قَالَ: فَقُلْتُ- حِينَ قَرَأْتُهَا-: وَهَذِهِ- أيضًا- مِنَ الْبَلَاءِ، فَتَيَامَمْتُ بِهَا التَّنُّورَ»: فيه: دليل على أن كلمة (أما بعد) كانت معروفة عند العرب والعجم، وأنها كانت تُكتب في المخاطبات، قيل: أول من تكلم بها داود ﵇، وقيل: قس بن ساعدة الإيادي، وكان النبي ﷺ يستخدمها في خطبه.\nوفيه: الابتلاء والامتحان الذي وقع لكعب ﵁، فقد ابتلي بهؤلاء الكفرة يكتبون إليه حتى يلحق بهم.\nوفيه: أن من الحزم قطع أسباب الشر والفتنة؛ ولذلك فإن كعبًا أحرق هذا الكتاب حتى لا يبقى عنده ويتذكره، أو يضعف فيما بعد ويستجيب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٣٧٣)، ومسلم (٣٠).","vol":"8","page":68},{"text":"لهؤلاء القوم، فيَمَّم به التنور وزجره، يعني: أحرقه بالنار.\nوقوله: «حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الخَمْسِينَ وَاسْتَلْبَثَ الوَحْيُ»، أي: تأخر الوحي لحكمة بالغة.\nوقوله: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ قَالَ: فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا، أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لَا بَلِ اعْتَزِلْهَا، فَلَا تَقْرَبَنَّهَا قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ»: وهذا من زيادة الابتلاء والامتحان، فقد ابتلي هؤلاء الثلاثة، ونهي الناس عن كلامهم، فلما مضى أربعون ليلة جاءهم أمر آخر بأن يجتنب كل واحد منهم امرأته ولا يجامعها؛ ولهذا قال له: أُطلقها؟ قال لا، لا تقربها.\nوقوله: «فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ، فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ»: وهذا من الكناية، ففيه: أن الكناية لا تكون طلاقًا إلا بنية، فإذا قال لامرأته: كوني عند أهلك، أو اخرجي من البيت، فهذه كناية إن قصد الطلاق بها وقع، وإن لم يقصد فلا.\nوقوله: «فَجَاءَت امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ، لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَا يَقْرَبَنَّكِ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيْءٍ، وَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا قَالَ: فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي امْرَأَتِكَ، فَقَدْ أَذِنَ لِامْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ قَالَ: فَقُلْتُ: لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَمَا يُدْرِينِي مَاذَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»: فيه: دليل على أن أهلهم لم يهجروهم؛ ولهذا كلم بعض أهل كعب كعبًا، وقالوا له: لو استأذنتَ رسول الله؟ فهذا دليل على أنهم كانوا يكلمونهم.\nوكذلك امرأة هلال بن أمية ﵄ جاءت إلى النبي وقالت: يا رسول الله، إن هلال رجل ضائع، فهل تكره أن أخدمه؟ فهي تخدمه وتكلمه، ولا تهجره؛ لأنه مضطر إلى كلامها ومخاطبتها.\nويحتمل أن الذي كلم كعبًا زوجته، أو بعض أولاده الذين لم يهجروه،","vol":"8","page":69},{"text":"وأما من كان خارج البيت كابن عمه فقد هجروه.\nوفيه: كمال حزم كعب ﵁، فإنه لما قال له بعض أهله: لو استأذنت رسول الله ﷺ أن تبقى عندك زوجتك، قال: لا، هلال بن أمية رجل شيخ يحتاج زوجته أن تخدمه، أما أنا فشاب قوي أخدم نفسي، وقد لا أملك نفسي، ويقول- أيضًا-: لا أدري ماذا يرد عليَّ النبي ﷺ لو استأذنته؛ لأن حالي غير حال هلال.\nوكونه شيخًا ضائعًا ليس ذلك عذرا له؛ وإلا لعذره النبي ﷺ، فالكبر لا يمنع الجهاد، يكون عنده راحلة وقوة، حتى ولو لم يباشر الجهاد بنفسه، فقد يباشر في بعض الأمور التي يستطيعها، ويساعدهم في أشياء غير القتال.\nوقوله: «فَلَبِثْتُ بِذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، فَكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نُهِيَ عَنْ كَلَامِنَا، قَالَ: ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا»: ظاهره: أنه ما لم يُصَلِّ مع الجماعة؛ لأنه مهجور، وهذا عذر له، كما ذكرنا.\nوقوله: «فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ ﷿ مِنَّا قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى سَلْعٍ يَقُولُ- بِأَعْلَى صَوْتِهِ-: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ قَالَ: فَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ»: فيه: مشروعية سجدة الشكر واستحبابها عند تجدد النعمة، أو اندفاع النقمة؛ كأن يبشر بانتصار المسلمين على أعدائهم، أو فتح حصن من الحصون فهذه نعمة عامة، أو نعمة خاصة كأن يُبشَّر بولد ولد له؛ ولهذا فإن كعبًا سجد لله شكرًا لما سمع البشير في أعلى جبل يقول: يا كعب بن مالك أبشر.\nوسجدة الشكر تكون سجدة واحدة، يقول فيها: سبحان ربي الأعلى، ولا تُشترط الطهارة لها.","vol":"8","page":70},{"text":"وقوله: «أَوْفَى»: ارتفع.\nوقوله: «عَلَى سَلْعٍ»: جبل معروف بالمدينة.\nوقوله: «فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَسًا وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ قِبَلِي، وَأَوْفَى الْجَبَلَ، فَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ»: فيه: استحباب التبشير والتهنئة بالخير؛ ولهذا فكل واحد من هؤلاء الثلاثة سعى إليه ساعٍ يبشره، وكعب ركض إليه رجل بفرس، والفرس هو أعلى شيء عندهم، فلم يكن عندهم سيارات، فركض إليه بفرس يبشره، وسبقه إنسان فصعد فوق الجبل، وجعل ينادي- بأعلى صوته-: أبشر يا كعب، فصار الصوت أسرع من الفرس.\nقوله: «فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي، فَنَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ بِبِشَارَتِهِ، وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا- يَوْمَئِذٍ- وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا»: فيه: استحباب إعطاء البشير شيئًا إذا كان مثله يُعطَى ذلك، وقد لا يُعطَى بعضُ الناس كالوجهاء، فأعطاه كعب ثوبيه، والأقرب- والله أعلم-: أنهما الإزار والرداء، على عادة العرب كانوا يلبسون إزارًا ورداءً، يقول: والله ما أملك غيرهما، يعني: ما يملك غيرهما من الثياب، وإلا فإنه يملك شيئًا من المال والعقار؛ ولهذا فكما سيأتي بعد ذلك أنه قال: «إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ».\nوفيه: دليل على أنه إذا قال الإنسان: والله لا أملك إلا كذا وقصد نوعًا من المال لا يكون كاذبًا، وكذلك من حلف أنه لا يملك من المال إلا كذا وقصد نوعًا من المال لا يحنث.\nوقوله: «فَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنِّئُونِي بِالتَّوْبَةِ، وَيَقُولُونَ: لِتَهْنِئْكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ»: فيه: مشروعية التهنئة بالخير لمن تجددت له نعمة، أو اندفعت عنه نقمة.\nوقوله: «حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَحَوْلَهُ","vol":"8","page":71},{"text":"النَّاسُ، فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ قَالَ: فَكَانَ كَعْبٌ لَا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ»: قام طلحة بن عبيد الله ﵁ من المهاجرين يهرول حتى صافح كعبًا ﵁ وسلم عليه وهنأه ولم يقم أحد من المهاجرين غيره؛ ولهذا فكان لا ينساها لطلحة، ففيه: دليل على جواز القيام للقادم لتهنئته والسلام عليه، فقد قام طلحة لكعب وهنأه ﵄.\nأما القيام من باب الاحترام لا للسلام فهذا مكروه، كما يفعله البعض في مجالس بعض الأمراء، أو الكبراء، إذا دخل واحد قاموا، ثم إذا جلس جلسوا، وأشد منه القيام على رأسه وهو جالس، فهذا محرم؛ فإن النبي ﷺ لما مرض في مرضه الأول وصلى بالناس قاعدًا، والناس حوله قيام أشار إليهم أن يجلسوا فلما سلم قال: «إِنْ كِدْتُمْ أَنْ تَفْعَلُوا فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ، يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ، فَلَا تَفْعَلُوا، ائْتَمُّوا بِأَئِمَّتِكُمْ، إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» (^١).\nوالقيام له ثلاث أحوال:\nالحال الأولى: أن يقوم إليه يسلم عليه ويصافحه فهذا مشروع، كما فعل طلحة بن عبيد الله، لما قام لكعب ﵄ وصافحه وسلم عليه، وكما كان يفعل النبي ﷺ «إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ فاطمة ﵂ قَامَ إِلَيْهَا فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَبَّلَهَا، وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ إِلَيْهِ، فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَقَبَّلَتْهُ، وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا» (^٢)، وكما قال النبي ﷺ في قصة سعد بن معاذ ﵁ لما جاءه على حمار قال: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ»: (^٣).\nالحال الثانية: القيام للاحترام لا للسلام، فإذا دخل قاموا، وإذا جلس\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٢٤٠)، وابن حبان (٢١٢٢).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٥٢١٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٠٤٣)، ومسلم (١٧٦٨).","vol":"8","page":72},{"text":"جلسوا، فهذا مكروه ويخشى أن يكون داخلًا في حديث: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (^١).\nالحال الثالثة: أن يقام عند رأسه وهو جالس، فهذا محرم، ويستثنى من هذا: الحراسة، كما كان المغيرة بن شعبة يوم الحديبية واقفًا على رسول الله ﷺ للحراسة يحرسه، وهو يفاوض المشركين، ولما جاء بعض المشركين يفاوضه ومد يده إلى لحية النبي ﷺ ضربه المغيرة بنعل السيف، وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ (^٢).\nقوله: «فلمَّا سلَّمْتُ عَلَى رسولِ الله ﷺ، قال: وهو يَبرُقُ وجهُهُ مِنَ السُّرورِ، ويقولُ: أبشِرْ بخيرِ يومٍ مَرَّ عليك منذ ولدتك أمُّكَ، قال: فقلت: أمِنْ عندِكَ يا رسولَ اللهِ، أم من عند الله؟ فقال: لا بل مِن عندِ الله»: فيه: أن النبي ﷺ كان يسره ما يسر أصحابه ﵇؛ ولهذا سُرَّ وجهه كأنه القمر بتوبة الله على هؤلاء الثلاثة.\nوفيه: أن هذا اليوم يوم عظيم بالنسبة لكعب ﵁ وأنه أفضل يوم مر عليه يقول: إنه خير يوم ما عدا اليوم الذي أسلم فيه.\nوقوله: «فلمَّا جلستُ بينَ يديهِ قلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ مِن توبتي: أنْ أنخلِعَ مِن مالي صدقةً إلى الله، وإلى رسوله ﷺ، فقال رسولُ الله ﷺ: أمسِكْ بعضَ مالِكَ، فهو خيرٌ لكَ، قال: فقلت: فإني أُمسِكُ سهمِيَ الذي بخيبرَ»: فيه: دليل على جواز قول: هذا المال صدقة إلى الله، وإلى رسوله، وصدقة إلى الله، يعني: أريد بها وجه الله، وإلى رسوله، أي: ليتصرف فيها وينفقها في مصارفها الشرعية، هذا في حياته ﷺ، أما بعد وفاته، فيقول: هذه صدقة لله.\nوفيه: دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن ينفق أمواله كلها ويتصدق بها، ويبقى عالة يتكفف الناس، ويخل بالنفقة على من يعول؛ ولهذا نهاه النبي ﷺ فقال: أُمسِكُ سهمي الذي بخيبر.\nلكن كيف يجمع بين هذا وبين فعل أبي بكر الصديق ﵁، وذلك أنه لما\n_________\n(^١) أخرجه أبوداود (؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟)، والترمذي (٢٧٥٥).\n(^٢) أخرجه؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟","vol":"8","page":73},{"text":"حث النبي ﷺ على الصدقة جاء عمر ﵁ بنصف ماله، فقال النبي ﷺ لعمر ﵁: «مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟ قُلْتُ: مِثْلَهُ، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟ قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قُلْتُ: لا أَسْبِقُهُ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا» (^١).\nوالجمع: أن هذا يكون بحسب الشخص، فإذا كان له دخل يومي، أو شهري يجوز له أن يتصدق بجميع ماله، أما إن كان ليس له مكسب يومي فإنه قد يصبح عالة.\nوقوله: «وقلتُ: يا رسولَ الله إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي ألَّا أُحَدِّثَ إلا بصدقٍ ما بقيتُ، قال: فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا، أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي اللَّهُ بِهِ»: أبلاه الله، أي: أنعم عليه، والبلاء يستعمل في الخير والشر، قال الله تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون﴾ وقال تعالى- عن سليمان لما جاءه عرش بلقيس-: ﴿قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر﴾.\nوالبلاء هو الاختبار والامتحان بالخير وبالشر.\nوفيه: أن عاقبة الصدق حميدة، وأن العاقبة للصادقين، قال تعالى: ﴿قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الانهار﴾، والصدق يكون في الاعتقادات، فالمؤمن صادق في اعتقاده، والمنافق كاذب في اعتقاده، ويكون في الأقوال والأفعال، ففي الحديث: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» (^٢)، يعني: بيَّنا ما في السلعة من العيوب.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٦٧٨)، والترمذي (٣٦٧٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠٧٩)، ومسلم (١٥٣٢).","vol":"8","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1296>بَابٌ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ</span>\n\n[٢٧٧٠] حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، وَالسِّيَاقُ حَدِيثُ مَعْمَرٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدٍ وَابْنِ رَافِعٍ، قَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ جَمِيعًا: عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِمَّا قَالُوا، وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا، وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ، وَأَثْبَتَ اقْتِصَاصًا، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، ذَكَرُوا أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ مَسِيرَنَا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوِهِ،\nوَقَفَلَ وَدَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ مِنْ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ، فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي، فَحَمَلُوا هَوْدَجِي، فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِيَ الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ، وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، قَالَتْ: وَكَانَتِ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يُهَبَّلْنَ، وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ ثِقَلَ","vol":"8","page":75},{"text":"الْهَوْدَجِ حِينَ رَحَلُوهُ وَرَفَعُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا، وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ، وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ سَيَفْقِدُونِي، فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي، فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَادَّلَجَ فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ، فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ عَلَيَّ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَاللَّهِ مَا يُكَلِّمُنِي كَلِمَةً، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا،\nفَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِيَ الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِي شَأْنِي، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ شَهْرًا وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ، وَلَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي: أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي، إِنَّمَا يَدْخُلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُولُ: «كَيْفَ تِيكُمْ»، فَذَاكَ يَرِيبُنِي، وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَ مَا نَقَهْتُ، وَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ، وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا، وَلَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي التَّنَزُّهِ، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ، وَهِيَ بِنْتُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ- خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ- وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَبِنْتُ أَبِي رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ! أَتَسُبِّينَ رَجُلًا قَدْ","vol":"8","page":76},{"text":"شَهِدَ بَدْرًا؟ ! قَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهْ، أَوَ لَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ !\nقُلْتُ: وَمَاذَا قَالَ؟ قَالَتْ: فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ، فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: «كَيْفَ تِيكُمْ»، قُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ قَالَتْ: وَأَنَا- حِينَئِذٍ- أُرِيدُ أَنْ أَتَيَقَّنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجِئْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّتَاهْ، مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ ! فَقَالَتْ يَا بُنَيَّةُ: هَوِّنِي عَلَيْكِ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، وَلَهَا ضَرَائِرُ، إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا، قَالَتْ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ ! قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، حَتَّى أَصْبَحْتُ، لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي، وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ لَهُمْ مِنَ الْوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُمْ أَهْلُكَ، وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرَةَ، فَقَالَ: «أَيْ بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ مِنْ\nعَائِشَةَ؟»، قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ، قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بْنِ سَلُولَ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ-: «يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَ أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي»، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَ مِنْ الْأَوْسِ","vol":"8","page":77},{"text":"ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا، فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ، قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ- وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنْ اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ- فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: كَذَبْتَ، لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ- وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ- فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ، لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ؛ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ، فَثَارَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ\nحَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، قَالَتْ: وَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتِي الْمُقْبِلَةَ، لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي، وَأَنَا أَبْكِي، اسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي، قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي بِشَيْءٍ، قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ؛ يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبٍ، ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَالَتَهُ، قَلَصَ دَمْعِي، حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا قَالَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ- وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ-: إِنِّي- وَاللَّهِ- لَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّكُمْ قَدْ\nسَمِعْتُمْ بِهَذَا حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي نُفُوسِكُمْ، وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَإِنْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي بَرِيئَةٌ- وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ- لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ- وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي","vol":"8","page":78},{"text":"بَرِيئَةٌ- لَتُصَدِّقُونَنِي، وَإِنِّي- وَاللَّهِ- مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾، قَالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ، فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، قَالَتْ: وَأَنَا- وَاللَّهِ- حِينَئِذٍ- أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ- وَاللَّهِ- مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يُنْزَلَ فِي شَأْنِي وَحْيٌ يُتْلَى، وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ ﷿ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسَهُ، وَلَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ عِنْدَ الْوَحْيِ حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: «أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ»، فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا\nاللَّهَ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي، قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ عَشْرَ آيَاتٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ بَرَاءَتِي، قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ- وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ-: وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، قَالَ حِبَّانُ بْنُ مُوسَى: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: هَذِهِ أَرْجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- عَنْ أَمْرِي: «مَا عَلِمْتِ أَوْ مَا رَأَيْتِ؟» فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ","vol":"8","page":79},{"text":"تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ، وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ تُحَارِبُ لَهَا، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ.\nقَالَ الزُّهْرِيُّ: فَهَذَا مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ، وقَالَ فِي حَدِيثِ يُونُسَ: احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ.\n[خ: ٤١٤١]\nقوله: «أَهْلُ الْإِفْكِ»: الإفك: هو أسوأ الكذب، وهو ما حصل هنا، وهو رمي الصِّدِّيقة ﵂ بالفاحشة.\nوفي هذا الحديث: مشروعية القرعة فالنبي ﷺ لما خرج أقرع بين نسائه، وأن القرعة مشروعة بين الأشياء المتساوية؛ كالقسم بين الزوجات، وهو مذهب الجماهير (^١) وقال أبو حنيفة القرعة باطلة، كما بينه النووي، «قال أبو عبيد: عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء: يونس ﵊، وذلك قوله تعالى: ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾، وزكريا، وذلك قوله تعالى: ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾، فألقوا أقلامهم في الماء، ومحمدٌ ﵊ حين أقرع بين نسائه» (^٢).\nوفيه: مشروعية القرعة لمن خرج لسفر وله عدد من النساء وأراد أن يخرج بواحدة منهن، ولا يقضي للأخريات بعد ذلك، إلا إذا سمحن لواحدة منهن بدون قرعة فلا بأس.\nوفيه: مشروعية الحجاب، وأنه إنما يكون سترًا للمرأة تستر جميع جسدها ووجهها؛ ولذلك كانت عائشة متسترة تُحمل في هودج مخصص للنساء.\n_________\n(^١) الشرح الكبير، للدردير (٢/ ٣٤١)، المجموع، للنووي (١٦/ ٩ - ١٢)، مسائل الإمام أحمد رواية ابنه أبي الفضل صالح (٢/ ١٠٣ - ١٠٥).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١١/ ١٤٠).","vol":"8","page":80},{"text":"وفيه: أنه لا بأس بالحلي للمرأة، ولو في الأسفار، إذا كانت تستتر عن الأجانب.\nوفيه: أن المال لا ينبغي تضييعه، بل ينبغي العناية به، وطلب الضائع منه؛ ولهذا فإن عائشة ﵂ لما أرادت أن تَركب لمست صدرها فوجدت أن عقدها قد انقطع فذهبت تبتغيه، وهذا هو السبب في تأخرها عن الجيش.\nوفيه: العناية بالنساء والمحارم، فالنبي ﷺ ومعه رهط كانوا يحملون الهودج يرفعونه وينزلونه، فلما رفعوا الهودج لم يعلموا أنها ليست فيه؛ لأنها كانت خفيفة اللحم، كما قالت عائشة ﵂: «إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلالِ، ثُمَّ الهِلالِ، ثَلاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَارٌ» (^١)\nقولها: «عِقْدِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ»: هو نوع خرز يأتي من اليمن، وظفار بلدة في اليمن، ففيه: أنه لا بأس بلباس ما يأتي من بلاد الكفار؛ لأن اليمن لم تكن قد فتحت بعد، كما لبس النبي ﷺ جبة شامية وهي آنذاك بلاد كفار (^٢).\nقولها: «فتيممتُ منزلي الذي كنتُ فيه، وظننتُ أن القوم سيفقدوني فيرجعون إليَّ»: تيممت، يعني: قصدت المكان.\nوقولها: «فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمتُ، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرَّسَ مِن وراءِ الجيشِ»، والتعريس: هو نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة.\nوقولها: «فادلج فأصبح عند منزلي»: الأدِّلاج: السير آخر الليل.\nوقولها: «فَرَأَى سَوَادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرفني حينَ رآني»، يعني: رأى خيالَ إنسان من بعيد.\nوقولها: «وقد كان يراني قبلَ أن يُضرَبَ الحجابُ عليَّ فاستيقظتُ باسترجاعه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٦٧)، ومسلم (٢٩٧٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٦٣)، ومسلم (٢٧٤).","vol":"8","page":81},{"text":"حين عرفني فخمرتُ وجهي بجلبابي»: هذا صريح في وجوب ستر وجه المرأة بعد الحجاب، قالت: فاستيقظتُ باسترجاع صفوان، فلما رآها عرفها فجعل يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وهذا هو الاسترجاع، يعني: أهل رسول الله ﷺ يحصل لهم هذا! قالت: فاستيقظتُ فخمرتُ وجهي بجلبابي.\nفأين دعاة السفور من هذا الحديث الصحيح الصريح الذي رواه الشيخان مسلم والبخاري؟ فهم يتعلقون بالنصوص المجملة المشتبهة، ويتركون الصريحة الواضحة، فيسدلون مثلًا بحديث الخثعمية في الحج أنها جعلت تنظر إلى الفضل، والفضل ينظر إليها، وجعل النبي ﷺ يصرف وجهه.\nوالجواب: أن هذا لا يلزم منه أن تكون كاشفة، وقال أهل العلم: إن الحديث المشتبه يرد إلى الحديث الواضح، وقد فُسر بأنه كان ينظر إلى قدها وطولها، أو أنها كُشف شيء منها.\nوقولها: «فوالله ما يكلمني كلمةً، وما سمعتُ منه كلمةً غير استرجاعِهِ، حتى أناخَ راحلته فوطئ على يدِها، فركبتُها فانطلقَ بالراحلةِ»، يعني: ما كلمها ولا كلمته، قال: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ثم أناخ الراحلة ووطئ يدها فركبت، وجعل يقودها، يمشي، وهي راكبة على البعير، حتى وصلا المدينة، وكان هذا في الضحى.\nمسألة: هل هذا يؤخذ منه عدم جواز سلام الرجل على المرأة الشابة؟\nوالجواب: نعم، إذا كان يخشى الفتنة، لا سيما إذا كانت وحدها؛ لأن السلام قد يتبعه الكلام، وإلا فإن أم هانئ ﵂ سلمت على النبي ﷺ (^١)، والنبي ﷺ ألوى إلى عصبة نساء بالسلام (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥٧)، ومسلم (٣٣٦).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٧٥٨٩)، والترمذي (٢٦٩٧).","vol":"8","page":82},{"text":"وأما إذا لم يخش فتنة فلا حرج، كامرأة كبيرة، أو اتصلت امرأة بالهاتف فسلمت وردَّ السلام بدون ريبة.\nوقولها: «فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغِرين في نحرِ الظهيرةِ، فهلك مَن هلك في شأني»، تعني بالذي هلك: عبد الله بن أبي بن سلول، وهو منسوب إلى أمه سلول، ومن معه.\nقولها: «وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ»: هذا صريح أن الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي بن سلول، وسيأتي في آخر الحديث أنها تقول: تولى كبره عبد الله بن أبي، وحمنة بنت جحش.\nوقولها: «فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ شَهْرًا وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ»، يعني: مرضت شهرًا والناس يفيضون، يعني: يتحدثون حديث الإفك الذي قاله عبد الله بن أبي، ويقولون: عائشة جاءت مع صفوان بن المعطل، والله ما سلم منها، وما سلمت منه. قبح الله ابن أُبي!\nوسيأتي أن صفوان ﵁ لم يكشف كنف أنثى- يعني: لم يتزوج ولم يُجامع- ثم قُتِلَ شهيدًا في سبيل الله (^١).\nوقولها: «وَلَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وهو يَرِيبُني في وجعِي أني لا أعرفُ من رسول الله ﷺ اللطفَ الذي كنتُ أرى منه حينَ أشتكي»، يعني: أنها استنكرت من النبي ﷺ اللطفَ الذي كانت تجده إذا مرضتْ، وهذا الذي شككها، لماذا تغيرت معاملة النبي ﷺ معها؟\nوقولها: «إنما يدخل رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ فذاك يريبني»: تيكم: اسم إشارة للأنثى.\nوقولها: «ولا أشعرُ بالشرِّ»، أي: ما تشعر بالشر الذي تكلم به أهل الإفك، وما عرفتْ بشيء من ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤١٤١)، ومسلم (٢٧٧٠).","vol":"8","page":83},{"text":"وقولها: «حتى خرجتُ بعد ما نقهتُ»، يعني: شفيت من مرضها، إلا أنها لم تتكامل صحتها، فلما علمت بالخبر رجع المرض عليها مرة أخرى؛ لأنها مظلومة.\nوقولها: «وخرجت معي أمُّ مسطح قِبَلَ المناصِعِ، وهو متبَرَّزُنا، ولا نخرجُ إلا ليلًا إِلَى لَيْلٍ»: المناصع: صحراء واسعة، وكانت المدينة ليست واسعة، ويكون أمام البيوت متسع تخرج النساء لتقضي حاجتها فيه، وكانت النساء لا تخرج إلا من الليل مرة واحدة؛ لأن الأكل كان قليلًا أصلًا.\nوقولها: «وذلك قبل أن نتخذ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا وأمرُنَا أمرُ العرب الأول في التنزه، كنا نتأذى بالكُنُفِ أنْ نتخِذَهَا عندَ بيوتِنَا»، الكنف هو محل قضاء الحاجة، كانوا على عادة العرب في التنزه يكرهون جعلها قريبة من البيوت؛ لما لها من الرائحة، فكانوا يتأذون بها-والتنزه: طلب النزاهة والطهارة والرائحة الطيبة على عادة العرب-، ثم بعد ذلك اتخذوا الكُنُفَ لما اتسعت المدينة وكثر الناس؛ ولهذا قال أبو أيوب ﵁: «فَقَدِمْنَا الشَّأْمَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ القِبْلَةِ فَنَنْحَرِفُ، وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى» (^١)، يعني: في البيوت.\nوقولها: «فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ، وَهِيَ بِنْتُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ- خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ- وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَبِنْتُ أَبِي رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ، فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ! أَتَسُبِّينَ رَجُلًا قَدْ شَهِدَ بَدْرًا؟ ! قَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهْ، أَوَ لَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ ! قُلْتُ: وَمَاذَا قَالَ؟»: مسطح بن أثاثة هو: ابن خالة أبي بكر الصديق، وتعس، يعني: هلك، أو انتكس، دعاء عليه، وكان ممن شهد بدرًا وكان فقيرًا، وكان أبو بكر ينفق\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٩٤)، ومسلم (٢٦٤).","vol":"8","page":84},{"text":"عليه لفقره وقرابته، وقد تكلم في الإفك، فحلف أبو بكر ﵁ أن يقطع عنه النفقة، ثم لما أنزل الله الآية أعادها إليه مرة أخرى.\nوالذين تكلموا بالإفك من الصحابة جُلدوا وطهَّرهم الله بالحد، جلد كل واحد ثمانين جلدة.\nوأي هنتاه، يعني: يا هذه، أي: حرف نداء، وهنتاه: خطاب للمرأة.\nوفيه: دليل على أن أهل بدر قد يقع الواحد منهم في المعاصي، فليسوا بمعصومين من الذنوب، ولكن إذا وقع أحدهم في معصية كبيرة فإن الله تعالى يهيئه لما يكون سببًا في مغفرة الذنب، إما بالتوبة وإما بأن يقام عليه الحد، أو غير ذلك، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية في بيان عقيدة الفرقة الناجية: «لَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعْصُومٌ عَنْ كَبَائِرِ الْإِثْمِ وَصَغَائِرِهِ، بَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الذُّنُوبُ فِي الْجُمْلَة، وَلَهُمْ مِنَ السَّوَابِقِ وَالْفَضَائِلِ مَا يُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ إِنْ صَدَرَ، حَتَّى إِنَّهُ يُغْفَرُ لَهُمْ مِنَ السَّيِّئَاتِ مَا لَا يُغْفَرُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ، لِأَنَّ لَهُمْ مِنَ الْحَسَنَاتِ الَّتِي تَمْحُو السَّيِّئَاتِ مَا لَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ. ثُمَّ إِذَا كَانَ قَدْ صَدَرَ عَنْ أَحَدِهِمْ ذَنْبٌ؛ فَيَكُونُ قَدْ تَابَ مِنْهُ أَوْ أَتَى بِحَسَنَاتِ تَمْحُوهُ، أَوْ غُفِرَ لَهُ بِفَضْلِ سَابِقَتِهِ، أَوْ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِينَ هُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِشَفَاعَتِهِ. أَوْ ابْتُلِيَ بِبَلَاءٍ فِي الدُّنْيَا كُفِّرَ بِهِ عَنْهُ» (^١).\nكما وقع لحاطب بن أبي بلتعة ﵁ حيث وقع في كبيرة، حيث كتب للمشركين يخبرهم بحال النبي ﷺ، وهو ممن شهد بدرًا حتى استأذن عمر ﵁ في قتله، فقال له النبي ﵊: «وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (^٢).\n_________\n(^١) العقيدة الواسطية، لابن تيمية (ص ١٢١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤).","vol":"8","page":85},{"text":"والله تعالى عاتب حاطبًا، وأنزل فيه صدر سورة الممتحنة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾.\nوقولها: «قُلْتُ: وَمَاذَا قَالَ؟ قَالَتْ: فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ، فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ قُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ قَالَتْ: وَأَنَا- حِينَئِذٍ- أُرِيدُ أَنْ أَتَيَقَّنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا»: فيه: دليل على أن المرأة لا تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها، ولو لأبويها، فإنْ أَذِنَ لها زوجُها، وإلا بقيتْ.\nوقولها: «فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجِئْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّتَاهْ، مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ ! فَقَالَتْ يَا بُنَيَّةُ: هَوِّنِي عَلَيْكِ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، وَلَهَا ضَرَائِرُ، إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا، قَالَتْ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ !»: وضيئة، يعني: جميلة، والضرائر: جمع ضرة، وهي الزوجة الثانية والثالثة، سميت ضرة لأنَّ كل زوجة تتضرر بالأخرى؛ لأنها تشاركها في زوجها.\nواتهام الضرائر هنا عام، ولم تقصد به أزواجَ النبي ﷺ.\nوفيه: مشروعية التسبيح عند التعجب والتكبير، لا كما يفعل بعض الناس من التصفيق.\nوقولها: «وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ لَهُمْ مِنَ الْوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُمْ أَهْلُكَ، وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا»: فيه: مشروعية استشارة الرئيس أصحابه وأتباعه وأخذ رأيهم، والله تعالى يقول: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾، ﴿وشاورهم في الأمر﴾.\nوقولها: «وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرَةَ، فَقَالَ: أَيْ","vol":"8","page":86},{"text":"بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ مِنْ عَائِشَةَ؟، قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ، فَتَأْكُلُهُ»: يَرِيبُكِ، يعني: يجعلك تشكين.\nإنْ رأيتُ عليها أمرًا قطُّ: إن نافية، بمعنى: ما رأيت عليها شيئًا.\nوأَغْمِصُهُ، يعني: أنتقده عليها، فليس عليها شيء أنتقده أو أعيبه، إلا أنها جارية صغيرة السن تعجن العجين ثم يغلبها النوم بسبب صغر سنها، فتأتي الداجن سواء كان من الدجاج، أو من الغنم فتأكل عجينها.\nوقولها: «فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بْنِ سَلُولَ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ-: «يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَ أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، يعني: إن قابلته بقبيح فعاله وعاقبته.\nوقوله: «فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي»: وهذا الرجل هو صفوان بن المعطل السلمي، وما كان يدخل على أهلي إلا معي، يعني: هو ليس متهمًا، بل هو رجل صالح، ولا يدخل إلا معه، ثم إنه ثبت أنه لم يكشف كنف أنثى، كما مر، كأنه لا رغبة له في النساء.\nوقولها: «فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَ مِنْ الْأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا، فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ، قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ- وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنْ اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ- فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: كَذَبْتَ، لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ- وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ- فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ، لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ؛ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ، فَثَارَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ»: فيه: دليل على أن رمي الإنسان بالنفاق إذا كان بتأويل فليس","vol":"8","page":87},{"text":"ممنوعًا، ولا إثم فيه، ولا يدخل فيه الوعيد، من مثل ما جاء في الحديث: «أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» (^١).\nوالمنهي عنه إذا كان للهوى والتشفي، أما إذا كان بتأويل ففاعله معذور؛ ولهذا لم ينكر النبي ﷺ على أسيد بن حضير ﵁ قوله: «لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ؛ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ»، ولم ينكر على عمر قوله في حاطب بن أبي بلتعة ﵄: «يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ» (^٢).\nوقولها: «وَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتِي الْمُقْبِلَةَ، لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ»: وذلك لأنها مظلومة ﵂.\nوقولها: «وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي»، أي: من كثرة البكاء يظن أبواها أنه يشقق كبدها، وتموت بسبب استمرارها فيه، وعدم تحملها؛ لأنها مظلومة ومريضة- أيضًا- فقد أفاقت من المرض وانتكست مرة أخرى.\nوتأخُّر الوحي شهرًا كاملًا هو من الابتلاء والامتحان.\nوفيه: دليل على أن الرجل الصالح والمرأة الصالحة قد يبتلى بمحنة عظيمة يكفر الله بها خطيئته، ويرفع درجاته، فهذه الصديقة بنت الصديق ﵂ امرأة صالحة، ومع ذلك ابتليت بهذه المحنة والبلية، حيث تكلم بها أهل الإفك، واتهموها بهذه التهمة العظيمة؛ ليعظم الله لها الأجر.\nوفيه: دليل على أن العاقبة الحميدة تكون للمؤمنين.\nوفيه: تصديق لقول الله تعالى: ﴿إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾، ولقوله تعالى: ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا﴾.\nوقد صارت العاقبة الحميدة للصديقة ﵂ بعد ما أصابها من الشدة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦١٠٤)، ومسلم (٦٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٥٨٤).","vol":"8","page":88},{"text":"والمحنة والبكاء والتهمة لمدة شهر كامل، فأنزل الله فيها عشر آيات تتلى إلى يوم القيامة، وهذه مَنقَبة عظيمة.\nولهذا فمن رماها بما برأها الله به فهو كافر بإجماع المسلمين؛ لأنه مكذب لله، ومن كذب الله كفر.\nوقولها: «فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ؛ يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبٍ، ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ»: فيه: مشروعية التشهد، وقول: أما بعد، في الأمور التي يريد أن يتكلم بها الإنسان.\nوفيه: أن من تاب من الذنب تاب الله عليه.\nوفيه: دليل على أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، ولو كان يعلم الغيب لعلم حال عائشة، وحال أهل الإفك وأنهم كاذبون.\nوفيه: رد على مَن عبد النبي ﷺ، وقال: إنه يعلم الغيب، وهناك طائفة في الهند يسمون (البريلوية) يزعمون أن النبي ﷺ يعلم الغيب، وهذا فيه الرد عليهم، فلو كان يعلم الغيب ما قال لعائشة: «وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ»، ومعناه: إن كان ما قاله أهل الإفك صحيحًا فتوبي إلى الله.\nوقولها: «فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَالَتَهُ، قَلَصَ دَمْعِي، حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا قَالَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ- وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ-: إِنِّي- وَاللَّهِ- لَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِهَذَا حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي نُفُوسِكُمْ، وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَإِنْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي بَرِيئَةٌ- وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ- لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ- وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ- لَتُصَدِّقُونَنِي، وَإِنِّي- وَاللَّهِ- مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا","vol":"8","page":89},{"text":"تَصِفُونَ﴾»: كانت عائشةُ جاريةً حديثةَ السِّنِّ، فقد توفي النبي ﷺ وهي ابنة ثمانية عشر سنة، فكانت تقول هذا الكلام وهي صغيرة، ربما كانت ابنة اثنتي عشرة، أو ثلاث عشرة سنة، وهو كلامُ مَن عنده فهم عظيم وفقه كبير.\nوقد نسيت اسم يعقوب، فقالت: كما يقول أبو يوسف: فصبر جميل، بسبب ما تحس به من الألم.\nوقولها: «ثُمَّ تَحَوَّلْتُ، فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، قَالَتْ: وَأَنَا- وَاللَّهِ- حِينَئِذٍ- أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ- وَاللَّهِ- مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يُنْزَلَ فِي شَأْنِي وَحْيٌ يُتْلَى، وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ ﷿ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى»:\nفيه: دليل على أن القرآن كلام الله، وأن الله تكلم به بحرف وصوت، وأنه كلامه لفظًا ومعنًى.\nوفيه: دليل على أن القرآن منزل غير مخلوق.\nفيه: إثبات العلو، لأن التنزيل يكون من أعلى إلى أسفل.\nوفيه: الرد على المعتزلة الذين يقولون: القرآن مخلوق.\nوقولها: «وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا»: فيه تواضع عائشة ﵂ وإزرائه على نفسها، ومثل ذلك قولها لمن سألها عُقْبَةُ بْنُ صُهْبَانَ الْحَرَّانِيُّ، فقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ ﷿: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: «أَمَّا السَّابِقُ فَمَنْ مَضَى فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَهِدَ لَهُ بِالْحَيَاةِ وَالرِّزْقِ، وَأَمَّا الْمُقْتَصِدُ فَمَنِ اتَّبَعَ آثَارُهُمْ فَعَمِلَ بِأَعْمَالِهِمْ حَتَّى يَلْحَقَ بِهِمْ، وَأَمَّا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ فَمِثْلِي وَمِثْلُكَ وَمَنِ اتَّبَعَنَا، وَكُلٌّ فِي الْجَنَّةِ» (^١)\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٣٥٩٣)، والطبراني في الأوسط (٦٠٩٤).","vol":"8","page":90},{"text":"مع أنها من السابقين.\nوقولها: «فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسَهُ، وَلَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ عِنْدَ الْوَحْيِ حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ»: البرحاء: الشدة، والجمان: الدر، يعني: هذه شدة الوحي.\nوفيه: دليل على أن النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي أصابته شدة، وجعل جبينه يتحدر منه العرق في اليوم الشديد البرد.\nوقولها: «فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ يَضْحَكُ»: سُرِّيَ، يعني: انكشف عنه الوحي.\nوقولها: «فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ»: فيه: مشروعية تبشير المسلم بالخير وتهنئته، كما سبق في حديث كعب بن مالك، ومشروعية مشاركة المسلم أخاه في سروره.\nوقولها: «فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي، قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ عَشْرَ آيَاتٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ بَرَاءَتِي، قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ- وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ-: وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، قَالَ حِبَّانُ بْنُ مُوسَى: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: هَذِهِ أَرْجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ»: فيه: دليل على أن من حلف على شيء لا يرضي الله فإنه لا يلج في يمينه، بل يكفر ويفعل الذي هو خير؛ ولهذا لما حلف أبو بكر ألا ينفق على مسطح وأنزل الله: ﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ كفر عن يمينه وأرجع النفقة إلى مسطح، وقد تواترت بهذا الأحاديث عن النبي ﷺ، قال ﵊: «وَإِنِّي وَاللَّهِ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ","vol":"8","page":91},{"text":"خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا» (^١).\nوقولها: «فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ- وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ-: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- عَنْ أَمْرِي: مَا عَلِمْتِ أَوْ مَا رَأَيْتِ؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ»: تساميني، يعني: تنافسني وتقاربني في الجمال، وفي الحظوة من النبي ﷺ، وقد عصم الله زينب من الوقوع في الإفك بورعها.\nوقولها: «وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ تُحَارِبُ لَهَا، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ»، يعني: تتعصب لها، فوقعت في الإفك حميةً وعصبيةً لأختها زينب، لكنها طهرت بالحد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١٣٣)، ومسلم (١٦٤٩).","vol":"8","page":92},{"text":"وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، وَمَعْمَرٍ بِإِسْنَادِهِمَا، وَفِي حَدِيثِ فُلَيْحٍ: اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، كَمَا قَالَ مَعْمَرٌ، وَفِي حَدِيثِ صَالِحٍ: احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، كَقَوْلِ يُونُسَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ صَالِحٍ: قَالَ عُرْوَةُ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ، وَتَقُولُ: فَإِنَّهُ قَالَ:\nفَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ\nوَزَادَ- أَيْضًا-: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ، لَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ، قَالَتْ: ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.\nوَفِي حَدِيثِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: مُوعِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، وقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: مُوغِرِينَ، قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ: مَا قَوْلُهُ مُوغِرِينَ؟ قَالَ: الْوَغْرَةُ شِدَّةُ الْحَرِّ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِي الَّذِي ذُكِرَ، وَمَا عَلِمْتُ بِهِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا، فَتَشَهَّدَ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ: أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي، وَايْمُ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ قَطُّ، وَأَبَنُوهُمْ بِمَنْ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُّ، وَلَا دَخَلَ بَيْتِي قَطُّ، إِلَّا وَأَنَا حَاضِرٌ، وَلَا غِبْتُ فِي سَفَرٍ إِلَّا غَابَ مَعِي»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَفِيهِ: وَلَقَدْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتِي، فَسَأَلَ جَارِيَتِي، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْبًا، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ، فَتَأْكُلَ عَجِينَهَا- أَوْ قَالَتْ: خَمِيرَهَا- شَكَّ هِشَامٌ، فَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اصْدُقِي رَسُولَ اللَّهِ","vol":"8","page":93},{"text":"ﷺ، حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الْأَحْمَرِ، وَقَدْ بَلَغَ الْأَمْرُ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَاللَّهِ مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقُتِلَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَفِيهِ- أيضًا- مِنَ الزِّيَادَةِ: وَكَانَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِهِ: مِسْطَحٌ، وَحَمْنَةُ، وَحَسَّانُ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ\nوَيَجْمَعُهُ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ، وَحَمْنَةُ.\n[خ: ٤٧٥٧]\nقوله: «أَبَنُوا أَهْلِي»، أي: اتَّهموا أهلي.\nوقوله: «حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ»، أي: صرَّحوا لها بالأمر.\nوقولها: «وَكَانَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِهِ: مِسْطَحٌ، وَحَمْنَةُ، وَحَسَّانُ»، يعني: الذين تكلموا بالإفك هم هؤلاء الثلاثة من الصحابة، فجلدهم النبي ﷺ كل واحد منهم ثمانين جلدة، فكان الحد طهارة لهم، وهم قد تابوا، فجمعوا بين الطهارتين: الحد، والتوبة.\nوقولها: «وَأَمَّا الْمُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ وَيَجْمَعُهُ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ، وَحَمْنَةُ»: يستوشيه: يجمعه بالسؤال ويستخرجه، ويشيعه ويفشيه، يقول: أقيل كذا وكذا؟ ثم يذيعه ويفشيه، ولا يثبت عليه شيء؛ ولهذا لم يُقَم عليه الحد، بخلاف حمنة وحسان ﵃ ومسطح فإنهم تكلموا وثبت عليهم، فأقيم عليهم الحد.","vol":"8","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1297>بَاب بَرَاءَةِ حَرَمِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الرِّيبَةِ</span>\n\n[٢٧٧١] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ وَلَدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ»، فَأَتَاهُ عَلِيٌّ، فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: اخْرُجْ، فَنَاوَلَهُ يَدَهُ، فَأَخْرَجَهُ، فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ، لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ، فَكَفَّ عَلِيٌّ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَمَجْبُوبٌ، مَا لَهُ ذَكَرٌ.\nقوله: «فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ»: الرَّكِيُّ هي: البئر، ويتبرد، يعني: يغتسل تبردًا.\nوأم الولد هي: مارية ﵂.\nوهنا إشكال: كيف يأمر النبي ﷺ بضرب عنق رجل من أجل التهمة فقط، والتهمة توجب التعزير لا القتل؟\nأجاب النووي عن هذا بقوله: «لعله كان منافقًا، ومستحقا للقتل بطريق آخر وجعل هذا محركا لقتله بنفاقه وغيره لا بالزنى وكف عنه علي ﵁ اعتمادا على أن القتل بالزنى وقد علم انتفاء الزنى والله أعلم» (^١).\nوالصواب: أن هذا الرجل أُمِر بقتله؛ لأن في هذا مساسًا بجناب النبوة، أو لأنه كان يتحدث معها، وقد نهاه النبي ﷺ فلم ينته، فكان في هذا أذية للنبي ﷺ، وأذية النبي ﷺ ردة توجب القتل، أو أنه أمر بقتله؛ لأنه قامت عليه البينة بأنه فعل بها الفاحشة، فلما رآه عليٌّ مجبوبًا دلَّ على أن البينة كانت\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ١١٨).","vol":"8","page":95},{"text":"غير صادقة، فكفَّ عنه، ويحتمل أن النبي ﷺ علم براءته، وكونه مجبوبًا، وأمر عليًا بما أمره به ليتجلى أمره وترتفع تهمته (^١).\n_________\n(^١) انظر في بعض هذه الأوجه: إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ٣٠٤).","vol":"8","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1298>كِتَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ وَأَحْكَامِهِمْ</span>","vol":"8","page":98},{"text":"كِتَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ وَأَحْكَامِهِمْ\n\n[٢٧٧٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ أَصَابَ النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِأَصْحَابِهِ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ- قَالَ زُهَيْرٌ: وَهِيَ قِرَاءَةُ مَنْ خَفَضَ حَوْلَهُ- وَقَالَ: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَسَأَلَهُ، فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ مَا فَعَلَ، فَقَالَ: كَذَبَ زَيْدٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِمَّا قَالُوهُ شِدَّةٌ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقِي: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ قَالَ: ثُمَّ دَعَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ قَالَ: فَلَوَّوْا رُءُوسَهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾، وَقَالَ: كَانُوا رِجَالًا أَجْمَلَ شَيْءٍ.\n[خ: ٤٩٠٢]\nفي هذا الحديث: بيان أن من صفات المنافقين أنهم يتخذون أيمانهم جُنَّةً، أي: وِقايةً تقيهم من الحد، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ ولهذا قال رأس المنافقين عبد الله بن أُبي هذه المقالة الخبيثة: ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾، فلما أخبر زيدٌ النبيَّ ﷺ أنكرها عبد الله بن أُبي واجتهد يمينَه أنه ما فعل ولا قال، فقَبِل منه علانيته، وأوكل أمره إلى الله ﷿، حتى قال الناس: «كَذَبَ زَيْدٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ»، فوقع زيد في شدة حتى أنزل الله تصديقه.","vol":"8","page":99},{"text":"ومن صفاتهم: جمال الصورة والجسم والفصاحة والبلاغة في القول، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾.\nوليس المعوَّل في مجازاة الله تعالى عبادَه على حسن الصورة والجسم والفصاحة في القول، وإنما المعول في ذلك على تقوى القلوب، والعمل الصالح، كما قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (^١)؛ فالقلوبُ والأعمال هي محلُّ نظر الرب ﷿ وليس الصُّوَر والأجسام.\nومن صفاتهم- أيضًا-: أن قلوبَهم خاليةٌ من الخير والإيمان والهدى؛ كما قال الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾.\nوفيه: التحذير من الأيمان الكاذبة؛ لأنها من صفات المنافقين.\n\n[٢٧٧٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ- قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ قَبْرِهِ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n[خ: ١٢٧٠]\nحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ سُفْيَانَ.\nفي هذا الحديث: تأليفُ رسول الله ﷺ للأوسِ قومِ عبد الله بن أُبيٍّ.\nوفيه: جبرُ خاطر ابنه عبد الله ﵁؛ لأنه كان رجلًا صالحًا، ورجاءَ أنْ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٦٤).","vol":"8","page":100},{"text":"يخفف الله ﷿ عن أبيه بذلك.\nثم بعد هذه الواقعة أنزل الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾، فلم يُصلِّ بعد ذلك على منافق.\nوفيه: جواز تسمية الولد باسم أبيه وإن كان حيًّا، والعامة عندنا يستنكرون ذلك! ! وهو مردود بنص هذا الحديث؛ لأن اسم هذا الصحابي الجليل: عبد الله بن عبد الله بن أُبَيّ ولو كان مخالفًا لأنكره النبي ﷺ.\nوإخراجه ﷺ لعبد الله بن أُبي من قبره محمولٌ على أنه استخرجه بعد ما دُلِّيَ في حفرته، وليس المراد: أنه أخرجه بعد الدفن.\nوقد جاء في رواية عند البخاري أن «جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أُتِيَ بِأُسَارَى، وَأُتِيَ بِالعَبَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ قَمِيصًا، فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَقْدُرُ عَلَيْهِ، فَكَسَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِيَّاهُ؛ فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيُّ ﷺ قَمِيصَهُ الَّذِي أَلْبَسَهُ» (^١)، أي: أن النبي ﷺ ألبسه قميصَه مكافأةً له لَمَّا أعطى قميصَه للعباس بن عبد المطلب ﵁ يوم بدر، فقد كان العباسُ رجلًا طويلًا وكان عبدُ الله بنُ أُبَيٍّ رجلًا طويلًا، فلم يجد العباس ﵁ ثوبًا على مقداره إلَّا ثوبَ عبد الله بن أُبَيٍّ، فأعطاه ابنُ أُبَيٍّ إياه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٠٨).","vol":"8","page":101},{"text":"[٢٧٧٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ، فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ، فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّي عَلَيْهِ، وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ، فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾، وَسَأَزِيدُهُ عَلَى سَبْعِينَ»، قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾.\n[خ: ١٢٦٩]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَزَادَ قَالَ: فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ.\nفي هذا الحديث: اجتهاد النبي ﷺ في إيصال الخير لأصحابه، ومحبته لهم.\nوفيه: التصريح بأن قوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات﴾ لم ينزل إلا بعد هذه الواقعة، وأما قول عمر ﵁: «وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ» فيعني: قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، والصلاة على الميت دعاء واستغفار، وصلاة النبي ﷺ عليه كانت قبل نزول هذه الآية الكريمة، ومع هذا فالنبي ﷺ لم يلتفت لقول عمر ﵁، واجتهد في الاستغفار له، وقال: «إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٦٦).","vol":"8","page":102},{"text":"فلم يمكث النبي ﷺ إلا يسيرًا حتى نزل قولُ الله ﷿: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾؛ فما صلى بعدها على منافق، ولا قام على قبره، حتى قبضه الله تعالى.\nوقد شق على عمر ﵁ اعتراضُه على النبي ﷺ- مع أن القرآن الكريم نزل بعد ذلك موافقًا له- وقال: «فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا» (^١).\n\n[٢٧٧٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: قُرَشِيَّانِ، وَثَقَفِيٌّ- أَوْ: ثَقَفِيَّانِ، وَقُرَشِيٌّ- قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتُرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ ! وَقَالَ الْآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا، وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا، فَهُوَ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ الْآيَةَ.\n[خ: ٤٨١٧]\nوَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. ح وقَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِنَحْوِهِ.\nفي هذا الحديث: دليلٌ على أن من صفات المنافقين: الإقبالَ على الشهوات، والتنعمَ باللذات حتى تركبَهم الشحومُ مع الغفلة والإعراض، وأما من ركبته الشحوم، ولم يكن عنده غفلةٌ ولا إعراضٌ فهذا لا يضره؛ فقد وُجد في الصحابة من هو سمين، كعتبان بن مالك ﵁.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٣١).","vol":"8","page":103},{"text":"ومن هذا المعنى: ما جاء في الحديث: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» - قَالَ عِمْرَانُ: لا أَدْرِي أَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ قَرْنَيْنِ، أَوْ ثَلاثَةً- قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَخُونُونَ وَلا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ» (^١)، أي: بسبب غفلتهم وإعراضهم وإقبالهم على الشهوات والملذات.\n\n[٢٧٧٦] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ- وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ- قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ، فَرَجَعَ نَاسٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ، فَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: نَقْتُلُهُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا، فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾.\n[خ: ١٨٨٤]\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nسبب نزول هذه الآية الكريمة: أن عبد الله بنَ أُبَيٍّ انْخَذَلَ بثلث الجيش، ورجع معترِضًا على النبي ﷺ؛ لأن الرسول ﷺ لم يأخذ بمشورته وقد ذكر محمد بن إسحاق (^٢) في وقعة أُحد: أن عبد الله بن أبي بن سلول رجع- يومئذٍ- بثلث الناس، رجع بثلثمائة وبقي النبي ﷺ في سبعمائة، وقوله تعالى: ﴿والله أركسهم بما كسبوا﴾، أي: ردهم وأوقعهم في الخطأ، فاختلف الصحابة فيهم، فقال فريق: «نقتلهم»، وقال فريق: «لا نقتلهم»؛ فنزل قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُو اأتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلًا﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٥).\n(^٢) السير والمغازي، لابن إسحاق (ص ٣٢٤).","vol":"8","page":104},{"text":"[٢٧٧٧] حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا إِذَا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْغَزْوِ، تَخَلَّفُوا عَنْهُ وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ، وَحَلَفُوا، وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾.\n[خ: ٤٥٦٧]\n\n[٢٧٧٨] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ: اذْهَبْ يَا رَافِعُ- لِبَوَّابِهِ- إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقُلْ: لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ مِنَّا فَرِحَ بِمَا أَتَى، وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ الْآيَةِ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، ثُمَّ تَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ هَذِهِ الْآيَةَ، وَتَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَأَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ، وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، فَخَرَجُوا قَدْ أَرَوْهُ أَنْ قَدْ أَخْبَرُوهُ بِمَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ، وَاسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ، وَفَرِحُوا بِمَا أَتَوْا مِنْ كِتْمَانِهِمْ إِيَّاهُ مَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ.\n[خ: ٤٥٦٨]\nفي هذا الحديث: أن هذه الآية سواء قيل: إنها نزلت في المنافقين- كما في حديث أبي سعيد ﵁- أو قيل: إنها نزلت في أهل الكتاب- كما في حديث ابن عباس ﵄- ففيها ذم لمن كذب وكتم الحق واستحمد بما لم","vol":"8","page":105},{"text":"يفعل، وأن هذا من صفات المنافقين واليهود.\nوهذه القصة في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ نزلت في المنافقين، وأما في حديث ابن عباس ﵄ ففيه أنها نزلت في اليهود.\nقال الطبري: «وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ...﴾ الآية: قول من قال: عنى بذلك أهل الكتاب الذين أخبر الله جل وعز أنه أخذ ميثاقهم؛ ليبين للناس أمر محمد ﷺ، ولا يكتمونه؛ لأن قوله: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ...﴾ الآية، في سياق الخبر عنهم، وهو شبيه بقصتهم مع اتفاق أهل التأويل على أنهم المعنيون بذلك» (^١).\nويدخل- أيضًا- فيها- بعموم اللفظ-: المنافقون؛ لأنهم لم ينقادوا للرسول، وزعموا أنهم هم المحقون في حالهم ومقالهم.\nوفيه: دليلٌ على أن من صفات المنافقين التخلفَ عن الغزو مع النبي ﷺ، والفرحَ بالقعود عن الجهاد، ومحبةَ أن يحمدوا بما لم يفعلوا.\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٦/ ٣٠٧).","vol":"8","page":106},{"text":"[٢٧٨٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَمَّارٍ: أَرَأَيْتُمْ صَنِيعَكُمْ هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ فِي أَمْرِ عَلِيٍّ أَرَأْيًا رَأَيْتُمُوهُ، أَوْ شَيْئًا عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ: مَا عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَلَكِنْ حُذَيْفَةُ أَخْبَرَنِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فِي أَصْحَابِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا، فِيهِمْ ثَمَانِيَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلَةُ» وَأَرْبَعَةٌ لَمْ أَحْفَظْ مَا قَالَ شُعْبَةُ فِيهِمْ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: قُلْنَا لِعَمَّارٍ: أَرَأَيْتَ قِتَالَكُمْ، أَرَأْيًا رَأَيْتُمُوهُ- فَإِنَّ الرَّأْيَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ- أَوْ عَهْدًا عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ: مَا عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي أُمَّتِي» - قَالَ شُعْبَةُ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: حَدَّثَنِي حُذَيْفَةُ، وَقَالَ غُنْدَرٌ: أُرَاهُ قَالَ-: «فِي أُمَّتِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلَةُ؛ سِرَاجٌ مِنَ النَّارِ يَظْهَرُ فِي أَكْتَافِهِمْ حَتَّى يَنْجُمَ مِنْ صُدُورِهِمْ».\nقوله ﷺ: «فِي أَصْحَابِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا، فِيهِمْ ثَمَانِيَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ»: وسم الخياط هو ثقب الإبرة، ومعناه: أن دخولهم الجنَّةَ محال؛ لأن الجمل لا يمكنه أن يدخل في ثقب الإبرة.\nوقوله: «تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلَةُ»: فسر النبي ﷺ الدُّبَيْلَةَ بأنها: سراج من نار يكون في أكتافهم حتى يخرج من الجهة الأخرى من صدورهم- والعياذ بالله.","vol":"8","page":107},{"text":"وفي هذا الحديث: أن قيس بن عُباد (^١) ﵁ سأل عمارَ بنَ ياسر ﵁ قائلًا: أرأيتم صنيعَكم- يعني: قتالهم مع علي ﵁- أهذا شيءٌ عهده إليكم النبي ﷺ؟\nفأجابه عمار ﵁ بأن النبيَّ ﷺ لم يعهد إليهم بشيء من ذلك، وإنما هو فهمٌ فهموه ﵃ من حديث آخر. هذا حاصل كلامه ﵁.\nوالصواب: أن قتالَ الصحابة مع علي ﵁ إنما هو عملٌ بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، فالذي عليه جمهور العلماء: أن عليًّا ﵁ هو المصيب في قتاله مع معاوية ﵁؛ لأنه هو الخليفةُ الراشد الذي بايعه أكثرُ أهل الحل والعقد، وأما أهل الشام فقد امتنعوا من البيعة، فقاتلهم عليٌّ ﵁.\nوقد جاء في حديث آخر: أن النبي ﷺ قال لعمار ﵁: «وَيْحَ عَمَّارٍ! تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ» (^٢)، فكان كما أخبر به ﵊، فقتله أهل الشام، فدل على أنهم مخطئون معذورون بالاجتهاد، فلهم أجرُ الاجتهاد، وعلي ﵁ ومَن معه مجتهدون مصيبون، لهم أجران: أجرُ الصواب، وأجرُ الاجتهاد.\n_________\n(^١) الإصابة، لابن حجر (٥/ ٤٠٢)، أسد الغابة، لابن الأثير (٤/ ٤١٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٤٧).","vol":"8","page":108},{"text":"حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيْعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ قَالَ: كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعَقَبَةِ، وَبَيْنَ حُذَيْفَةَ بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، كَمْ كَانَ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: أَخْبِرْهُ إِذْ سَأَلَكَ قَالَ: كُنَّا نُخْبَرُ أَنَّهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْهُمْ فَقَدْ كَانَ الْقَوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْهُمْ حَرْبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، وَعَذَرَ ثَلَاثَةً قَالُوا: مَا سَمِعْنَا مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا عَلِمْنَا بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ، وَقَدْ كَانَ فِي حَرَّةٍ فَمَشَى، فَقَالَ: إِنَّ الْمَاءَ قَلِيلٌ، فَلَا يَسْبِقْنِي إِلَيْهِ أَحَدٌ، فَوَجَدَ قَوْمًا قَدْ سَبَقُوهُ، فَلَعَنَهُمْ- يَوْمَئِذٍ.\nفي هذا الحديث: أنه ليس المرادُ بالعقبة هنا: العقبةَ التي بمنًى، وهي التي بايع النبيّ ﷺ أنصارَه عليها، وإنما المراد: العقبة التي هي في طريق رجوعه من تبوك، وهي التي أراد المنافقون أن يغدروا فيها بالنبي ﷺ، ويفتِكوا به عندها، والأحاديث يفسر بعضُها بعضًا.","vol":"8","page":109},{"text":"[٢٧٨٠] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ يَصْعَدُ الثَّنِيَّةَ (ثَنِيَّةَ الْمُرَارِ) فَإِنَّهُ يُحَطُّ عَنْهُ مَا حُطَّ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ»، قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صَعِدَهَا خَيْلُنَا (خَيْلُ بَنِي الْخَزْرَجِ)، ثُمَّ تَتَامَّ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَكُلُّكُمْ مَغْفُورٌ لَهُ إِلَّا صَاحِبَ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ»، فَأَتَيْنَاهُ، فَقُلْنَا لَهُ: تَعَالَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَنْ أَجِدَ ضَالَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي صَاحِبُكُمْ قَالَ: وَكَانَ رَجُلٌ يَنْشُدُ ضَالَّةً لَهُ.\nوَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ يَصْعَدُ ثَنِيَّةَ الْمُرَارِ- أَوِ: الْمَرَارِ»، بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَإِذَا هُوَ أَعْرَابِيٌّ جَاءَ يَنْشُدُ ضَالَّةً لَهُ.\nقوله: «صَاحِبَ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ»: قيل: هو الجد بن قيس، وقد كان منافقًا (^١) - نسأل الله السلامة والعافية.\n_________\n(^١) أسد الغابة، لابن الأثير (١/ ٥٢١).","vol":"8","page":110},{"text":"[٢٧٨١] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- وَهُوَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ- عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ مِنَّا رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ قَدْ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، وَكَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَانْطَلَقَ هَارِبًا حَتَّى لَحِقَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ: فَرَفَعُوهُ، قَالُوا: هَذَا قَدْ كَانَ يَكْتُبُ لِمُحَمَّدٍ، فَأُعْجِبُوا بِهِ، فَمَا لَبِثَ أَنْ قَصَمَ اللَّهُ عُنُقَهُ فِيهِمْ، فَحَفَرُوا لَهُ فَوَارَوْهُ، فَأَصْبَحَتِ الْأَرْضُ قَدْ نَبَذَتْهُ عَلَى وَجْهِهَا، ثُمَّ عَادُوا فَحَفَرُوا لَهُ فَوَارَوْهُ، فَأَصْبَحَتِ الْأَرْضُ قَدْ نَبَذَتْهُ عَلَى وَجْهِهَا، ثُمَّ عَادُوا فَحَفَرُوا لَهُ فَوَارَوْهُ، فَأَصْبَحَتِ الْأَرْضُ قَدْ نَبَذَتْهُ عَلَى وَجْهِهَا، فَتَرَكُوهُ مَنْبُوذًا.\n[خ: ٣٦١٧]\nفي هذا الحديث: عظةٌ وعبرةٌ لليهود بهذا الرجل الذي كان منافقًا؛ حيث إن الأرض نبذته من بطنها ولفظته.\n\n[٢٧٨٢] حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا حَفْصٌ- يَعْنِي: ابْنَ غِيَاثٍ- عَنِ الْأَعْمَشِ\nعَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ الْمَدِينَةِ هَاجَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ تَكَادُ أَنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ، فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ»، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَإِذَا مُنَافِقٌ عَظِيمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ قَدْ مَاتَ.\nفي هذا الحديث: أنه لا مانع من أن تهيج الريح لموت إنسان كافر؛ فقد هلكت بالريح أمةٌ عظيمة من الأمم، وهي عادٌ قبيلةُ هودٍ ﵇، والنبي ﷺ نُصر بالصَّبَا، وأُهلكت عادٌ بالدبور (^١)، أما الشمس والقمر فلا ينكسفان\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٣٥)، ومسلم (٩٠٠).","vol":"8","page":111},{"text":"لموت أحد، ولا لحياته، كما قاله النبي ﷺ (^١).\n\n[٢٧٨٣] حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، حَدَّثَنَا إِيَاسٌ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: عُدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مَوْعُوكًا قَالَ: فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رَجُلًا أَشَدَّ حَرًّا، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَشَدَّ حَرًّا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ الرَّاكِبَيْنِ الْمُقَفِّيَيْنِ» لِرَجُلَيْنِ- حِينَئِذٍ- مِنْ أَصْحَابِهِ.\nقوله: «مَوْعُوكًا»، أي: محمومًا، والمراد بـ (أصحابه) هنا: المعنى اللغويُّ الأعمُّ، وهم الذين ينتسبون إليه، وليس المراد بهم: أصحابه على الحقيقة والواقع؛ لأن هذين الرجلين كانا من المنافقين.\n\n[٢٧٨٤] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: الثَّقَفِيَّ- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ؛ تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً، وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «تَكِرُّ فِي هَذِهِ مَرَّةً، وَفِي هَذِهِ مَرَّةً».\nقوله: «كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ»: العائرة هي: المترددة الحائرة بين اثنين أو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٤١)، ومسلم (٩١١).","vol":"8","page":112},{"text":"أكثر، وتعير، يعني: تتردد وتذهب.\nوفي هذا الحديث: أن ضرب الأمثال كما يكون للعظة والاعتبار فإنه يكون لتقريب الأمر المعنوي بالِحسِّيِّ؛ فيسهل على النفس إدراكه.\nوالمعنى: مثل المنافقين في عدم ثبات الإيمان في قلوبهم- كما قال الله تعالى: ﴿لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء﴾ - كالشاة المترددة الحائرة بين الغنمين، تتردد إلى هذه مرة، وإلى تلك مرة أخرى.","vol":"8","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1299>كِتَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ</span>\n\nهل هذا كتاب مستقل عن كتاب صفات المنافقين، أم هوهكذا جزء منه؟ !\n\n[٢٧٨٥] حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ- يَعْنِي: الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، اقْرَءُوا: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾».\n[خ: ٤٧٢٩]\nفي هذا الحديث: أن المعيار عند الله تعالى ومحلَّ نظره ﷿ ليس الأجسامَ، وإنما هو القلوب والأعمال، فإذا كانت القلوب تَقِيَّةً نقيةً والأعمال صالحة خالصة لوجه الله ﷿ فإن الميزان يثقل، وأما إذا كانت الأعمال غيرَ خالصة لله ﷿، أو كانت القلوب غيرَ تقية وفيها فجورٌ فلا ينظر الرب ﷿ إليها، كما ثبت عن النبي ﷺ قوله: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (^١).\nكذلك فإن محل غضب الرب هو القلوب والأعمال، وليست الأجسام؛ ولهذا جاء قوله هنا: أنه يُؤتى بالرجل السمين العظيم لا يزن عند الله ﷿ جناحَ بعوضة، ومصداقه قوله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾، أي: للكفرة.\nوقد كشفت الريح عن ساقَي عبد الله بن مسعود ﵁- وكان دقيقَ الساقين- فضحك القوم منه، فسألهم النبي ﷺ: «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟ !»: قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٦٤).\n(^٢) أخرجه أحمد (٣٩٩١)، وأبو يعلى (٥٣١٠).","vol":"8","page":114},{"text":"وفيه: دليلٌ على أن الأشخاص يوزنون، وأن الأعمال توزن.\n\n[٢٧٨٦] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ- يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ- عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ- أَوْ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ- إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ! فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ تَصْدِيقًا لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\n[خ: ٤٨١١]\nحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ فُضَيْلٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ: ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، وَقَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا لِمَا قَالَ تَصْدِيقًا لَهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، وَتَلَا الْآيَةَ.\nحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرْضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ! قَالَ: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ","vol":"8","page":115},{"text":"يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا: وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَلَكِنْ فِي حَدِيثِهِ: وَالْجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: تَصْدِيقًا لَهُ تَعَجُّبًا لِمَا قَالَ.\nقوله: «جَاءَ حَبْرٌ»: الحَبر- بفتح الحاء وكسرها- هو: العالِم.\nوفي هذا الحديث: إثباتُ الأصابع لله ﷿ كما يليق بجلاله، والردُّ على من أنكرها، أو تأولها.\nوفيه: إثبات اسم (الْمَلِك) لله ﷿، وهو من الأسماء المشتركة؛ فالمخلوق يسمى مَلِكًا- أيضًا- قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾.\nوفيه: إثبات القبض والبسط لله ﷿.\nوفيه: إثباتُ اليمين لله ﷿، والردُّ على من أنكر اليدَ، أو تأولها بالقدرة والنعمة، وهذا من أبطل الباطل.\nوالصواب: إثبات اليد لله ﷿ على ما يليق بجلال الله سبحانه وعظمته من غير تكييف.\nواليد: صفة حقيقية لله ﷾، ليست هي القدرة أو النعمة؛ فهم يتأولون قوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ بنحو: بقدرتي أو بنعمتي.\nوأما قول النووي ﵀: «أي: خلقها- مع عِظَمها- بلا تعب ولا ملل، والناس يذكرون الإصبع في مثل هذا للمبالغة والاحتقار، فيقول أحدهم: بإصبعي أقتل زيدًا، أي: لا كلفة عليَّ في قتله. وقيل: يحتمل أن المراد: أصابعُ بعضِ مخلوقاته، وهذا غير ممتنع. والمقصود: أن يدَ الجارحة مستحيلة». (^١)\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ١٢٩ - ١٣٠).","vol":"8","page":116},{"text":"قلت: هذا خطأ واضح؛ لقوله ﷺ: «يَضَعُ السَّمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ» (^١)، ثم نحن نقول: أصابع بعض مخلوقاته؟ ! كل هذا باطل وممتنع.\nكما لا يقال: إن لله ﷿ ستةَ أصابع في يد، وخمسةً في يد أخرى؛ لأمرين:\nالأول: ما جاء في الحديث: «فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»: (^٢)، وآدمُ له في كل يد خمسة أصابع.\nوالثاني: أن الصفاتِ توقيفيةٌ، والذي ورد أن لله خمسةَ أصابع.\nوقد تأول بعضهم ضحكَ النبي ﷺ بأنه كان ضحكَ إنكار وتعجب من سوء معتقد قائل هذا القول، لا ضحكَ تعجب من تصديق كلام الحبر لكلامه، قال النووي ﵀: «قال القاضي عياض: وقال بعض المتكلمين: ليس ضحكُه ﷺ وتعجبُه وتلاوتُه للآية تصديقًا للحبر، بل هو ردٌّ لقوله، وإنكارٌ وتعجبٌ من سوء اعتقاده؛ فإن مذهب اليهود التجسيم» (^٣).\nقلت: كيف يكون ردًّا، وقد صرح الصحابي بأنه تعجب من تصديق كلام الحَبر لكلامه، والصحابة ﵃ هم أعلم الناس بمقاصد النبي ﷺ.\nوالحاصل: أنه يجب على طالب العلم أن يعتني بمذهب السلف الصالح في إثبات الصفات الخبرية؛ فإذا كان بعض العلماء الكبار قد زلت أقدامهم فيها، فكيف بمن هو دونهم، فيجب على طالب العلم أن يحمد الله ﵎ أن وفقه لمعتقد أهل السنة والجماعة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٤٥١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٨٤١).\n(^٣) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ١٣٠).","vol":"8","page":117},{"text":"[٢٧٨٧] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَقْبِضُ اللَّهُ ﵎ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ !».\n[خ: ٦٥١٩]\n\n[٢٧٨٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَطْوِي اللَّهُ ﷿ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ ! أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ! ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ ! أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ !».\n[خ: ٧٤٨٢]\nفي هذا الحديث: إثبات الصفات الخبرية، ومنها: إثبات اليمين والشمال لله تعالى، فهو ﷿ يطوي السماوات بيمينه، ويطوي الأَرَضين بشماله، وأما حديث: «اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ» (^١) فمعناه: كلتاهما يمين في البركةِ والشرفِ، والفضلِ وعدمِ النقص، بخلاف المخلوق؛ فإن يمينه أقوى من شماله.\nوقد طعن بعضهم في هذا الحديث الذي فيه إثباتُ الشمال لله ﷿، وقال: هذا الحديث من رواية عمر بن حمزة وقد تفرد به، وعليه فإنه لا يثبت.\nوالصواب: أن الشمال ثابتة لله ﷿، وهناك أدلةٌ أُخَرُ دلت على إثبات الشمال ذكرها الإمام الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ في مسائل «كتاب التوحيد» (^٢)، وكذلك أثبتها الشيخ ابن باز ﵀ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٣٦٨)، وابن حبان (٦١٦٧).\n(^٢) التوحيد، لابن عبد الوهاب (ص ١٥٠).\n(^٣) مسائل الإمام ابن باز (ص ٤٩).","vol":"8","page":118},{"text":"حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَيْفَ يَحْكِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَأْخُذُ اللَّهُ ﷿ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ، فَيَقُولُ: أَنَا اللَّهُ- وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ، وَيَبْسُطُهَا- أَنَا الْمَلِكُ!»، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ ! .\nحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ: «يَأْخُذُ الْجَبَّارُ ﷿ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ»، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ يَعْقُوبَ.\nقوله: «يَأْخُذُ اللَّهُ ﷿ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ»: فيه: إثبات اليدين لله ﷿.\nوفي هذا الحديث: أن قبضَ النبي ﷺ يدَه وبسطَها، وإشارتَه بيده الشريفة ﵇ هو لتحقيق الصفة، لا لتشبيه يده ﵇ بيد الله ﷾، وهذا كما ثبت في حديث «سُلَيْم بْنُ جُبَيْرٍ- مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ» (^١) وهذا؛ لإثبات أنها صفة حقيقةً، وليس المراد التشبيه؛ لقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾، وقوله: ﴿هل تعلم له سميًّا﴾، وقوله: ﴿ولم يكن له كفوًا أحد﴾.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٧٢٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٣٩٠).","vol":"8","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1300>بَابُ ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ، وَخَلْقِ آدَمَ ﵇</span>\n\n[٢٧٨٩] حَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ- مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي، فَقَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ ﷿ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ ﵇ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ، فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ، فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ».\nقَالَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا الْبِسْطَامِيُّ- وَهُوَ الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى- وَسَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، وَإِبْرَاهِيمُ ابْنُ بِنْتِ حَفْصٍ، وَغَيْرُهُمْ عَنْ حَجَّاجٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ.\nفي هذا الحديث: وهمٌ كما بين ذلك العلماء المحققون؛ لأنه مخالف لصريح القرآن الكريم؛ فإن الله تعالى أخبر في كتابه العزيز أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فقال عز مِن قائل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾.\nوهذه الستة أولها الأحد، وآخرها الجمعة، وأما يوم السبت فليس فيه خلقٌ؛ ولهذا قالت اليهود- قبَّحهم الله-: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم تعب فاستراح في يوم السبت- تعالى الله ﷿ عن ذلك علوًا كبيرًا-، فأنزل الله تعالى: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ تكذيبًا لهم؛ ولهذا فإن اليهود يَسْبِتُون، أي: يَعْطَلُون عن العمل يومَ السبت.","vol":"8","page":120},{"text":"قال العلماء: والوهم في رفع هذا الحديث من أيوب بن خالد، قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: «فيه لين» (^١).\nوالصواب: أنه من رواية أبي هريرة ﵁ عن كعب الأحبار (^٢)، لا عن الرسول ﷺ، وكعب الأحبار كان من يهود اليمن أسلم في زمن عمر بن الخطاب ﵁، وكان يكثر النقل من كتب بني إسرائيل، وهذا الحديث من جملة ما نقله عن بني إسرائيل مما يخالف ما بأيدينا من صريح القرآن الكريم؛ وعليه فهذا من الحروف التي غلط فيها الإمام مسلم ﵀.\n_________\n(^١) تقريب التهذيب، لابن حجر (ص ١١٨).\n(^٢) التاريخ الكبير، للبخاري (١/ ٤١٣)، تحفة الأشراف، للمزي (١٠/ ١٣٣)، النكت، للزركشي (٢/ ٢٦٩).","vol":"8","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1301>بَابٌ فِي الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَصِفَةِ الْأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ</span>\n\n[٢٧٩٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ، كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ، لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَدٍ».\n[خ: ٦٥٢١]\nقوله: «عَفْرَاءَ»، يعني: تميل إلى الحُمْرة.\nوقوله: «كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ»، أي: كقرصة خبزة الحِنطة.\nوقوله: «لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَدٍ»، أي: ليس فيها علامات من الجبال ونحوها.\nوهذا الحديث في سنده خالد بن مخلد، وهو متكلَّم فيه، ضعفه بعض الأئمة كأحمد (^١) وغيره، لكن حديثه هنا له شواهد يكون بها حسنًا.\n\n[٢٧٩١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ ﷿: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾، فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ- يَوْمَئِذٍ- يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «عَلَى الصِّرَاطِ».\nالصواب الذي عليه أهل العلم: أن الناس يكونون على الصراط بعد تبديل الأرض غيرَ الأرض، والسماوات غيرَ السماوات؛ لأن ذلك التبديل يكون بعد الصعق، وبعد النفخ في الصور، وبعد موت الناس، وأما المرور على الصراط فإنه يكون بعد الحساب.\n_________\n(^١) ديوان الضعفاء، للذهبي (ص ١١٥)، بحر الدم، لابن ابن المِبْرَد الحنبلي (ص ٤٨).","vol":"8","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1302>بَابُ نُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ</span>\n\n[٢٧٩٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَكْفَؤُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ، كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ، نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ»، قَالَ: فَأَتَى رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ، فَقَال: بَارَكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ أَبَا الْقَاسِمِ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «بَلَى»، قَالَ: تَكُونُ الْأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً- كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِإِدَامِهِمْ؟ قَالَ: «بَلَى»، قَالَ: إِدَامُهُمْ بَالَامُ وَنُونٌ، قَالُوا: وَمَا هَذَا؟ قَالَ: «ثَوْرٌ وَنُونٌ يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا».\n[خ: ٦٥٢٠]\nقوله: «كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ»: كَفْءُ الخبزة: إمالتها من يد إلى يد حتى تجتمعَ وتستويَ، بخلاف القرص فإنه مستوٍ. وأرض يوم القيامة تكون خبزةً واحدةً ضيافةً لأهل الجنة.\nفإن قيل: كيف تكون الأرضُ خبزةً وهي تراب؟ !\nفالجواب: أنه تعالى قادر لا يعجزه شيء، كما أخبر عن نفسه بقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فهو ﷾ كما خلق الأرض وأوجدها من عَدمٍ، فهو قادر على أن يجعلَها خبزةً واحدةً، فتكونَ ضيافةً لأهل الجنة.\nوكما أن الطعام يحتاج إلى إدام، فإدام أهل الجنة الثور والحوت، والإدام: ما يُؤكَل بالخبز من المرق والدسم، أو ما يُخلط معه لتطييبه.","vol":"8","page":123},{"text":"وقوله: «نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ»، يعني: ضيافةً، وهو ما يُعَدُّ للضيف عند نزوله، ومنه: قوله تعالى: ﴿نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾.\nوقوله: «بَالَامُ وَنُونٌ»: الـ «بَالَامُ» هو الثور باللغة العبرانية؛ ولهذا أشكل على الصحابة معناه، وقالوا: «وماهذا؟»: فبيَّنه النبي ﷺ لهم بأنه الثور، والنون: هو الحوت.\nوقوله: «يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا»: زائدة الكبد: هي القطعة المتعلقة بالكبد، وهي أطيب شيء وألذه في الكبد، وهذا يكون لأهل الجنة، يأكل منها سبعون ألفًا.\nوفي هذا الحديث: إثباتُ اسم «الْجَبَّارُ»: لله ﷿؛ فهو من أسمائه تعالى، كما في قوله ﷿: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، وفيه: إثبات اليد لله ﷿، وأنها يد حقيقية.\nوفيه: أن اليهود أهل كتاب، عندهم علمٌ ببعض أحوال يوم القيامة والجنة والنار مما لم يصبه التحريف والتبديل.\n\n[٢٧٩٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوْ تَابَعَنِي عَشَرَةٌ مِنْ الْيَهُودِ لَمْ يَبْقَ عَلَى ظَهْرِهَا يَهُودِيٌّ إِلَّا أَسْلَمَ».\n[خ: ٣٩٤١]\nقوله: «مِنْ الْيَهُودِ»، أي: عشرة من أحبارهم، وقيل غيرُ ذلك، والله أعلم.\nوفي هذا الحديث: دليلٌ على خبث اليهود وبغضهم للإسلام وأهله؛ ولهذا لا يُسلِم منهم إلا القلة، بخلاف النصارى، وهذا مشاهَد في مكاتب الجاليات، ومصداق هذا قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.","vol":"8","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1303>بَابُ سُؤَالِ الْيَهُودِ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الرُّوحِ</span>،\nوقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الْآيَةَ\n\n[٢٧٩٤] حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرْثٍ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ؛ إِذْ مَرَّ بِنَفَرٍ مِنْ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَقَالُوا: مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالُوا: سَلُوهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ، فَسَأَلَهُ عَنِ الرُّوحِ قَالَ: فَأَسْكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ قَالَ: فَقُمْتُ مَكَانِي، فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ قَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾.\n[خ: ١٢٥]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرْثٍ بِالْمَدِينَةِ، بِنَحْوِ حَدِيثِ حَفْصٍ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: «وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا»، وَفِي حَدِيثِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ: «وَمَا أُوتُوا»، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ خَشْرَم.\nحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ إِدْرِيسَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ يَرْوِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي نَخْلٍ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ عَنِ الْأَعْمَشِ، وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: «وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا».\nقوله: «مَا رَابَكُمْ إِلَيهِ»، يعني: ما شكَّكم فيه.","vol":"8","page":125},{"text":"وفي هذا الحديث: بيان أن الروح إذا كانت بين جنبَي الإنسان وهو لا يعلم حقيقتَها ولا كُنْهَها ولا كيفيتها، فكيف يعرف كُنهَ ذات الربّ ﷿، وكنهَ صفاته.\nوفيه: بيان ضعف الإنسان، وأنه لم يؤتَ من العلم إلا قليلًا.\n\n[٢٧٩٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشَجُّ- وَاللَّفْظُ لِعَبْدِ اللَّهِ- قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: كَانَ لِي عَلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ لِي: لَنْ أَقْضِيَكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي لَنْ أَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ حَتَّى تَمُوتَ، ثُمَّ تُبْعَثَ قَالَ: وَإِنِّي لَمَبْعُوثٌ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ، فَسَوْفَ أَقْضِيكَ إِذَا رَجَعْتُ إِلَى مَالٍ وَوَلَدٍ! - قَالَ وَكِيعٌ: كَذَا قَالَ الْأَعْمَشُ- قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾.\n[خ: ٢٠٩١]\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ وَكِيعٍ، وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ عَمَلًا فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ.\nقوله: «قَيْنًا»، أي: حدادًا، وقد كان خبابُ بنُ الأرت ﵁ حدادًا، فعمل عملًا للعاص بن وائل- وهو والد عمرو بن العاص الصحابي الجليل ﵁- ثم جاءه يتقاضاه أجرَه على عمله، فامتنع العاص عن ذلك، وقال له: «حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ».\nوقول العاص: «وَإِنِّي لَمَبْعُوثٌ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ، فَسَوْفَ أَقْضِيكَ إِذَا رَجَعْتُ إِلَى","vol":"8","page":126},{"text":"مَالٍ وَوَلَدٍ!»: هو إنكار منه واستهزاء، وهذا من كفره وضلاله.\nوفي هذا الحديث: التنصيصُ على أن قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ نزل في العاص بن وائل.\nوفيه: أن من أنكر البعث فهو كافر بإجماع المسلمين؛ لأن الإيمان به أصل من أصول الإيمان التي لا يتم إلا بها.","vol":"8","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1304>بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾</span>\n\n[٢٧٩٦] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الزِّيَادِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.\n[خ: ٤٦٤٩]\nفي هذا الحديث: إشارةٌ إلى عُتُوِّ أبي جهل وعناده وكبره، وتأصُّلِ الكفر في قلبه ورسوخه فيه؛ فإنه استنكف واستكبر أن يقول: اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فاهدنا إليه، لكنه سبق إليه الشقاءُ، قال تعالى: ﴿ومن يضلل الله فما له من هاد﴾.\nوفيه: دليل على أن وجود النبي ﷺ بين الناس أَمَنَةٌ من العذاب؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nوالاستغفار هو: التوبة، والتوبة مانعة من نزول العذاب، وكذلك وجود النبي ﷺ بين أظهر الناس مانع من العذاب، وقد قال النبي ﷺ: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٣١).","vol":"8","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1305>بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَأَىهُ اسْتَغْنَى﴾</span>.\n\n[٢٧٩٧] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْقَيْسِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنِي نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ قَالَ: فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ- أَوْ: لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ- قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي- زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ- قَالَ: فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ، وَهَوْلًا، وَأَجْنِحَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا»، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿- لَا نَدْرِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ شَيْءٌ بَلَغَهُ-: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَأَىهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ - يَعْنِي: أَبَا جَهْلٍ- ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ كَلَّا لا تُطِعْهُ﴾.\nزَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ: وَأَمَرَهُ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ، وَزَادَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى: فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ، يَعْنِي: قَوْمَهُ.\nقول أبي جهل: «هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟»، يعني: يسجد ويلصق وجهه بالعفر وهو التراب.\nوفي هذا الحديث: دليل على حماية الله تعالى ورعايته لنبيه ﵊ من كيد المشركين وأذاهم، ويدل على هذا قوله ﷺ: «لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ","vol":"8","page":129},{"text":"عُضْوًا عُضْوًا».\nوقد يُسلَّط المشركون والكفار- أحيانًا- على الأنبياء والمرسلين، كما سُلطوا على النبي ﷺ يوم أُحد، فكُسرت رَبَاعِيَّتُه، وشُجَّ وجهه ﵊، وسال الدم على وجهه الشريف، وكما قُتل بعضُ الأنبياء ﵈ قبله، كما أخبر المولى ﵎ عن ذلك بقوله: ﴿فريقًا كذبتم وفريقًا تقتلون﴾، وهذا كله ابتلاء منه تعالى لهم؛ ليُعَظِّم أجورَهم، كما قال النبي ﷺ- لما سئل: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ فقال-: «الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ، فَالْأَمْثَلُ مِنَ النَّاسِ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلابَةٌ زِيدَ فِي بَلائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ، وَمَا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ لَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» (^١)، وليعلم الناس أن الأنبياء بشر، يصيبهم ما يصيب الناس من الأمراض والمصائب والأكدار والهزيمة، ومن كان هذا حاله فإنه لا يصلح لأن يُعبَدَ.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٤٨١)، والدارمي (٢٧٨٣).","vol":"8","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1306>بَابُ الدُّخَانِ</span>\n\n[٢٧٩٨] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ جُلُوسًا، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ بَيْنَنَا، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنَّ قَاصًّا عِنْدَ أَبْوَابِ كِنْدَةَ يَقُصُّ، وَيَزْعُمُ أَنَّ آيَةَ الدُّخَانِ تَجِيءُ، فَتَأْخُذُ بِأَنْفَاسِ الْكُفَّارِ، وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ- وَجَلَسَ وَهُوَ غَضْبَانُ-: يَا أَيَّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللَّهَ، مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِمَا يَعْلَمُ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ إِدْبَارًا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ»، قَالَ: فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ مِنَ الْجُوعِ، وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ أَحَدُهُمْ، فَيَرَى كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ، فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ جِئْتَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ قَالَ: أَفَيُكْشَفُ عَذَابُ الْآخِرَةِ؟ ! ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا\nمُنْتَقِمُونَ﴾، فَالْبَطْشَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدْ مَضَتْ آيَةُ الدُّخَانِ، وَالْبَطْشَةُ، وَاللِّزَامُ، وَآيَةُ الرُّومِ.\n[خ: ٤٨٢١]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ.\nح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: تَرَكْتُ فِي","vol":"8","page":131},{"text":"الْمَسْجِدِ رَجُلًا يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِ، يُفَسِّرُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ قَالَ: يَأْتِي النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دُخَانٌ، فَيَأْخُذُ بِأَنْفَاسِهِمْ حَتَّى يَأْخُذَهُمْ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَنْ عَلِمَ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللَّهُ أَعْلَمُ، مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ: أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ: اللَّهُ أَعْلَمُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا اسْتَعْصَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، فَأَصَابَهُمْ قَحْطٌ وَجَهْدٌ، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ، فَيَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الْجَهْدِ، وَحَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِمُضَرَ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، فَقَالَ: «لِمُضَرَ، إِنَّكَ لَجَرِيءٌ!»، قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ لَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ قَالَ: فَمُطِرُوا، فَلَمَّا أَصَابَتْهُمُ الرَّفَاهِيَةُ قَالَ: عَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ قَالَ:\nيَعْنِي: يَوْمَ بَدْرٍ.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخَانُ، وَاللِّزَامُ، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ، وَالْقَمَرُ.\nحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\n\n[٢٧٩٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَزْرَةَ عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ ﷿:","vol":"8","page":132},{"text":"﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ﴾ قَالَ: مَصَائِبُ الدُّنْيَا، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ- أَوِ: الدُّخَانُ- شُعْبَةُ الشَّاكُّ فِي الْبَطْشَةِ، أَوِ الدُّخَانِ.\nقوله: «عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ»: كنيته أبو الضحى.\nوقوله: «مَنْ عَلِمَ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللَّهُ أَعْلَمُ»، يعني: ينبغي ألَّا يتكلفَ الإنسان عِلمَ ما لا يَعلم، بل لا يقول إلا ما يتيقن عِلمَه، فإذا كان لا يعلم فلا يستكبر، وليقل: الله أعلم، كما قال الشعبي ﵀: «لَا أَدْرِي نِصْفُ الْعِلْمِ» (^١)؛ ولهذا قال ابن مسعود ﵁: «مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ: أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ: اللَّهُ أَعْلَمُ»، وسبب غضب ابن مسعود ﵁ من هذا القاصِّ: أنه حدَّث بما لا يَعرف.\nقوله: «اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ»، وفي الرواية الأخرى: «دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»: والسنينُ التي أصابت الناسَ في زمن يوسف ﵇ كانت سنينَ جدب وقحط، ثم أتى بعدها سنينُ خصب ورخاء، كما أخبر تعالى بقوله: ﴿وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات﴾.\nولقد استجاب الله تعالى دعاءَ نبيه ﵊؛ فأصابتهم سنة استأصلت كل شيء، حتى أكلوا العظام والجلود والميتة من شدة الجوع، فصار أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من شدة الجوع.\nفهذا هو الدخان الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾، وقد مضى هذا الدخان، كما أخبر الحق ﵎ عن ذلك بقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه الدارمي (١٨٦).","vol":"8","page":133},{"text":"وقد استدل ابن مسعود ﵁ على أن هذا الدخان قد مضى في الدنيا بقوله: «أَفَيُكْشَفُ عَذَابُ الْآخِرَةِ؟ !»، فهذا استفهام إنكار على من يقول: إن الدخان يكون يوم القيامة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾، ومعلوم أن كشف العذاب ثم عودهم لا يكون في الآخرة، إنما هو في الدنيا.\nوكما أن العذاب قد مضى فقد مضت البطشة- أيضًا- وقد فسرها ابن مسعود ﵁ بأنها ما أصابهم «يَوْمَ بَدْرٍ».\nقوله: «وَقَدْ مَضَتْ آيَةُ الدُّخَانِ، وَالْبَطْشَةُ، وَاللِّزَامُ، وَآيَةُ الرُّومِ»: اللزام المراد به: قوله ﷾: ﴿فسوف يكون لزامًا﴾، أي: يكون عذابهم لازمًا، قالوا: وهو ما جرى عليهم يوم بدر من القتل والأسر، وهي البطشة الكبرى\n«وَآيَةُ الرُّومِ»، أي: أنْ تَغلِبَ الرومُ الفرسَ، كما قال تعالى: ﴿آلم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بضع سنين﴾، فهذه الأربع كلها قد مضت في الدنيا.\nوهذا الذي قاله عبد الله بن مسعود ﵁ صحيح، إلا أنه خفي عليه ما دلت عليه نصوصٌ أُخَرُ، من أن هناك دخانًا آخر يأتي في آخر الزمان، وهو من أشراط الساعة الكبرى، وهو دخان يأخذ بأنفاس الكفار ويصيب المؤمنَ منه كهيئة الزكام (^١).\nوقوله: «وَالْقَمَرُ»: المراد به: انشقاق القمر حتى صار كل شق في جهة، وهو المراد في قوله تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾، وهو معجزة من معجزات نبينا ﷺ، ومن علامات نبوته، كما سيأتي في الباب الآتي.\nوفي هذا الحديث: دليل على أن العالم قد تخفى عليه بعض مسائل العلم مهما كان علمه واسعًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٧٧٤)، ومسلم (٢٧٩٨).","vol":"8","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1307>بَابُ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ</span>\n\n[٢٨٠٠] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشِقَّتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اشْهَدُوا».\n[خ: ٣٦٣٦]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى إِذَا انْفَلَقَ الْقَمَرُ فِلْقَتَيْنِ، فَكَانَتْ فِلْقَةٌ وَرَاءَ الْجَبَلِ، وَفِلْقَةٌ دُونَهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اشْهَدُوا».\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِلْقَتَيْنِ، فَسَتَرَ الْجَبَلُ فِلْقَةً، وَكَانَتْ فِلْقَةٌ فَوْقَ الْجَبَلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ».\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، مِثْلَ ذَلِكَ.\nوَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ بِإِسْنَادِ ابْنِ مُعَاذٍ عَنْ شُعْبَةَ، نَحْوَ حَدِيثِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ: فَقَالَ: «اشْهَدُوا، اشْهَدُوا».\n\n[٢٨٠٢] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ مَرَّتَيْنِ.\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ بِمَعْنَى حَدِيثِ شَيْبَانَ.","vol":"8","page":135},{"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَأَبُو دَاوُدَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَأَبُو دَاوُدَ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ فِرْقَتَيْنِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\n\n[٢٨٠٣] حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ قُرَيْشٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ الْقَمَرَ انْشَقَّ عَلَى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\n[خ: ٣٦٣٨]\nفي هذه الأحاديث: أن انشقاق القمر من معجزات نبينا محمد ﷺ، ومن دلائل نبوته، وذلك أن كفار قريش كانوا قد سألوا النبي ﷺ أن يريهم آية تدل على صدق نبوته، فأراهم انشقاق القمر، حتى صار «فِلْقَتَيْنِ»: فلقةً وراء الجبل، وفلقةً أخرى فوقه.\nوهذا الانشقاق من أعظم معجزاته ﷺ، ولقد أنكره بعض الملحدين بحجة أنه ليس متواترًا، ولا عبرةَ بهذا الإنكار، وهو مردود من عدة أوجه:\nالأول: أنه لا يلزم أن يكون نقل انشقاق القمر متواترًا، بل يكفي فيه نقل الآحاد بالشروط المعتبرة.\nالثاني: أنه نقله عدد من الصحابة رضوان الله عنهم، والصحابة كلهم ثقات عدول.\nالثالث: أن الله ﷾ ذكر ذلك في كتابه الكريم بقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾، ولا خلاف في تواتر القرآن الكريم.\nالرابع: أن قولهم: إنه لم يره إلا أهل مكة غير صحيح، بل قد رآه السُّفَّار الذين قدموا من أماكن مختلفة (^١).\n_________\n(^١) دلائل النبوة، للبيهقي (٢/ ٢٦٦)، مسند الطيالسي (٢٥٩).","vol":"8","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1308>بَابُ لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى مِنَ اللَّهِ ﷿</span>\n\n[٢٨٠٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَأَبُو أُسَامَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ ﷿؛ إِنَّهُ يُشْرَكُ بِهِ، وَيُجْعَلُ لَهُ الْوَلَدُ، ثُمَّ هُوَ يُعَافِيهِمْ، وَيَرْزُقُهُمْ».\n[خ: ٦٠٩٩]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، إِلَّا قَوْلَهُ: «وَيُجْعَلُ لَهُ الْوَلَدُ»، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ.\nوَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ نِدًّا، وَيَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَرْزُقُهُمْ، وَيُعَافِيهِمْ، وَيُعْطِيهِمْ».\nهذا الحديث يدل على أنه لا يسلم من أذى الخلق أحد؛ فهؤلاء الكفرة خلقهم الله ﷿، وأوجدهم من العدم، ومع ذلك يجعلون له ندًّا، ويجعلون له ولدًا، والله ﷾ يرزقهم ويعافيهم، فلا أحدَ أصبرُ منه تعالى، فهو الحليم الذي لا يعاجِل عباده بالعقوبة.\nقال القاضي: «والصبور من أسماء الله ﷿» (^١).\nقلت: إثبات اسم «الصبور» لله تعالى فيه كلام لأهل العلم.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ٣٣٦).","vol":"8","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1309>بَابُ طَلَبِ الْكَافِرِ الْفِدَاءَ بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا</span>\n\n[٢٨٠٥] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ ﵎- لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا-: لَوْ كَانَتْ لَكَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ: أَنْ لَا تُشْرِكَ» أَحْسِبُهُ قَالَ: «وَلَا أُدْخِلَكَ النَّارَ- فَأَبَيْتَ إِلَّا الشِّرْكَ».\n[خ: ٣٣٣٤]\nحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، إِلَّا قَوْلَهُ: «وَلَا أُدْخِلَكَ النَّارَ»، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ.\n\n[٢٨٠٨] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يُقَالُ لِلْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا، أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لَهُ: قَدْ سُئِلْتَ أَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ».\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. ح وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: ابْنَ عَطَاءٍ- كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فَيُقَالُ لَهُ: كَذَبْتَ قَدْ سُئِلْتَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ».\nقوله: «قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا»: المراد بالإرادة هنا: الإرادة الدينية الشرعية، وهي المرادفة للمحبة والرضا، يعني: قد أحببتُ منك ورضيتُ.\nولو كان المرادُ بها هنا: الإرادةَ الكونية لما تخلَّفت؛ لأن الإرادة الكونية","vol":"8","page":138},{"text":"القدرية لا يتخلف مرادها، وهي عامة للمؤمن والكافر.\nوأما الإرادة الدينية الشرعية فقد يتخلف مرادها، وهي خاصة بالمؤمن.\nقال النووي ﵀: «قوله ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ ﵎ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: لَوْ كَانَتْ لَكَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ...»: الحديث، وفي رواية: «فيقال: قَدْ سُئِلْتَ أَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ»: وفي رواية: «فَيُقَالُ لَهُ: كَذَبْتَ قَدْ سُئِلْتَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ» المراد بـ «أردتُ» في الرواية الأولى: طلبت منك وأمرتُكَ، وقد أوضحه في الروايتين الأخيرتين في قوله: «قَدْ سُئِلْتَ أَيْسَرَ»: فيتعين تأويل «أردتُ» على ذلك؛ جمعًا بين الروايات؛ لأنه يستحيل عند أهل الحق أن يريد الله تعالى شيئًا فلا يقع. ومذهب أهل الحق: أن الله تعالى مريد لجميع الكائنات خيرها وشرها، ومنها: الإيمان والكفر، وهو ﷾ مريد لإيمان المؤمن، ومريد لكفر الكافر، خلافًا للمعتزلة في قولهم: إنه أراد إيمان الكافر، ولم يرد كفره- تعالى الله عن قولهم الباطل» (^١).\nفقول النووي: «يستحيل عند أهل الحق أن يريد الله تعالى شيئًا فلا يقع» (^٢) إنما هو على مذهب الأشاعرة الذين ينكرون الإرادة الدينية.\nوالصواب: أن الإرادة إرادتان: إرادة كونية، وإرادة شرعية.\nوفي هذا الحديث: إثبات القول والكلام لله ﷿؛ لأن النبي ﷺ قال: «يَقُولُ اللَّهُ ﵎».\nوفيه: جواز قول: يقول الله ﵎، أو قال الله تعالى.\nوفيه: أن هذا يقال لأهون أهل النار عذابًا، لكن لا ينفعه الفداء ما دام قد مات على الشرك، كما أخبر تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ١٤٧).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ١٤٧).","vol":"8","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1310>بَابُ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ</span>\n\n[٢٨٠٦] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى رِجْلَيْهِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ !»، قَالَ قَتَادَةُ: بَلَى، وَعِزَّةِ رَبِّنَا.\n[خ: ٤٧٦٠]\nفي هذا الحديث: دليل على أن الله على كل شيء قدير؛ لأن الكافر يُحشر على وجهه، كما قال الله تعالى: ﴿الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانًا وأضل سبيلًا﴾.\nوقد استشكل هذا بعض الصحابة ﵃، فقال «يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟»: فأزال النبي ﷺ استشكاله بقوله: «أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى رِجْلَيْهِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\nوفيه: جواز الحَلِف بعزة الله تعالى، ويشهد له ما أخبر به المولى تبارك تعالى حكايةً- لقول إبليس اللعين-: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين﴾، وما جاء في حديث الرجل الذي هو آخر أهل النار خروجًا منها، حيث قال: «لَا، وَعِزَّتِكَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢).","vol":"8","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1311>بَابُ صَبْغِ أَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا فِي النَّارِ، وَصَبْغِ أَشَدِّهِمْ بُؤْسًا فِي الْجَنَّةِ</span>\n\n[٢٨٠٧] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ ! هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ ! فَيَقُولُ: لَا- وَاللَّهِ- يَا رَبِّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ ! هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ ! فَيَقُولُ: لَا- وَاللَّهِ- يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ».\nقوله: «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا» - يعني: أكثرهم نعيمًا وترفًا- من الملوك والأثرياء وغيرهم.\nوقوله: «فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً»، يعني: يُغمس فيها غمسة.\nوقوله: «ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ ! هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ ! فَيَقُولُ: لَا- وَاللَّهِ- يَا رَبِّ،»: يقول هذا لأنه نسي ما كان فيه من الترف والنعيم بغمسة واحدة في نار جهنم- نسأل الله العافية.\nوقوله: «وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، أي: أشدهم بؤسًا وفقرًا وحاجةً.\nوقوله: «فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ ! هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ ! فَيَقُولُ: لَا- وَاللَّهِ»، أي: فينسى بؤسه وتعبه وفقره بغمسة واحدة في الجنة.\nوفي هذا الحديث: أن الإنسان يوم القيامة ينسى ما كان فيه في الدنيا من نعيم، أو شقاء.","vol":"8","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1312>بَابُ جَزَاءِ الْمُؤْمِنِ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ</span>،\nوَتَعْجِيلِ حَسَنَاتِ الْكَافِرِ فِي الدُّنْيَا\n\n[٢٨٠٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا».\nحَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنَ الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَإِنَّ اللَّهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرُّزِّيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا.\nفي هذه الأحاديث: بيان فضل الله على المؤمن وإحسانه إليه؛ فالمؤمن يجازَى بحسناته في الدنيا والآخرة، فيعطيه الله ﵎ أجره في الدنيا، ويُعْقِبُه رزقًا على طاعته، ويدخر له حسناته في الآخرة.\nوأما الكافر فإنه إذا عمل الحسنة في الدنيا، من صلةٍ للرحم، أو إحسانٍ إلى الخلق، أو نصرةٍ للمظلوم فهو يُطْعَم بها في الدنيا طعمة، يعني: يُجازى بها في الدنيا صحةً في بدنه، وسعةً في ماله وولده، ثم يصير إلى الآخرة من غير حسنة يُجزى بها.\nوفيها: بيان كمال عدل الله تعالى، ونفي الظلم عنه، كما نفاه عن نفسه","vol":"8","page":142},{"text":"بقوله: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾، وقال: ﴿لا ظلم اليوم﴾، وقال: ﴿ولا يظلمون فتيلًا﴾.\nوللحديث مسألتان تتعلقان به، وهما:\nالأولى: أن الكافر الذي مات على كفره، لا يجازى في الآخرة على عمله الصالح الذي عمله في الدنيا، قال النووي ﵀: «أجمع العلماء على أن الكافر الذي مات على كفره لا ثواب له في الآخرة، ولا يجازى فيها بشيء من عمله في الدنيا متقربًا إلى الله تعالى» (^١).\nقلت: وذلك لأنه لا ينفعه التقرب إلى الله إلا مع الإيمان.\nالثانية: أن الكافر إذا أسلم يُجزى بحسناته التي عملها قبل الإسلام، قال النووي ﵀: «وقوله: «إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً»: معناه: لا يترك مجازاته بشيء من حسناته. والظلم يطلق بمعنى: النقص، وحقيقة الظلم مستحيلة من الله تعالى، كما سبق بيانه. ومعنى أفضى إلى الآخرة: صار إليها. وأما إذا فعل الكافر مثل هذه الحسنات، ثم أسلم فإنه يثاب عليها في الآخرة على المذهب الصحيح» (^٢).\nقلت: هذا مذهب الجبرية، والأشاعرة، والنووي من الأشاعرة، وهذا خطأ منه ﵀؛ لأن الظلم منه تعالى ممكن، وليس مستحيلًا عليه، فكيف يكون مستحيلًا عليه وقد نفاه وحرمه على نفسه في عدة مواضع؟ ! من ذلك: قوله تعالى: ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾.\nوفي الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي» (^٣).\nووقوع الظلم من الله تعالى- عند الأشاعرة- من المستحيل الذي لا\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ١٥٠).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ١٥٠).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٥٧٧).","vol":"8","page":143},{"text":"يمكن وقوعه، كالجمع بين النقيضين، قالوا: لأن الظلم هو تصرفُ المالك في غير ملكه، أو مخالفةُ الآمر، والله تعالى لا شيء في الوجود إلا وهو يملكه، كما أنه تعالى ليس فوقه آمر، فإذا تقرر هذا فإنه لا يمكن أن يقع الظلم منه ﷾.\nوقد بنى الأشاعرة على هذا التعريف: أنه يجوز على الله أن يقلب التشريعات؛ فيجوز أن يُحرِّم التوحيد، ويبيح الشرك، ويجوز أن يُبيح الزنا، ويحرم العفة، كما أنه تعالى له أن يقلب الجزاءات؛ فله أن يبطلَ حسنات الأبرار والمتقين والأنبياء، ويُحمِّلَهم أوزارَ الفجار والمشركين. قالوا: وكل هذا لا يُعدُّ ظلمًا منه تعالى؛ لأنه تصرف في ملكه (^١).\nهذا تقرير كلامهم في هذه المسألة، وهو من أعظم الغلط، كما سبق بيانه قريبًا.\nوأما المعتزلة فقد شبهوا الله تعالى بخلقه، فقالوا: الظلم الذي يقع من الله تعالى مثل الظلم الذي يقع من المخلوق، فما كان ظلمًا قبيحًا من المخلوق إذا فعله فإنه يكون ظلمًا قبيحًا منه تعالى لو فعله (^٢).\nوأما أهل السنة فقالوا: الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، كأن ينقصَ أحدًا من حسناته، أو يُحمِّلَه أوزارَ غيره، وعلى ذلك فالظلم منه تعالى ممكن، وليس مستحيلًا، فهو تعالى قادر على الظلم، لكنه حرمه على نفسه ونفاه عنها؛ تنزُّهًا وتكرمًا منه ﷾.\n_________\n(^١) قواعد العقائد، للغزالي (ص ٢٠٤).\n(^٢) الأصول الخمسة، للقاضي عبد الجبار (ص ٣١٥ - ٣١٦).","vol":"8","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1313>بَابُ مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَالزَّرْعِ، وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَشَجَرِ الْأَرْزِ</span>\n\n[٢٨٠٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ، لَا تَزَالُ الرِّيحُ تُمِيلُهُ، وَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ الْبَلَاءُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الْأَرْزِ، لَا تَهْتَزُّ حَتَّى تَسْتَحْصِدَ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حميد عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مَكَانَ قَوْلِهِ: «تُمِيلُهُ» «تُفِيئُهُ».\n\n[٢٨١٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ، تُفِيئُهَا الرِّيحُ، تَصْرَعُهَا مَرَّةً، وَتَعْدِلُهَا أُخْرَى، حَتَّى تَهِيجَ، وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ الْمُجْذِيَةِ عَلَى أَصْلِهَا، لَا يُفِيئُهَا شَيْءٌ، حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً».\n[خ: ٥٦٤٣]\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ، تُفِيئُهَا الرِّيَاحُ، تَصْرَعُهَا مَرَّةً وَتَعْدِلُهَا، حَتَّى يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ مَثَلُ الْأَرْزَةِ الْمُجْذِيَةِ الَّتِي لَا يُصِيبُهَا شَيْءٌ، حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً».\nوَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَا: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، غَيْرَ أَنَّ مَحْمُودًا قَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ بِشْرٍ:","vol":"8","page":145},{"text":"«وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ»، وَأَمَّا ابْنُ حَاتِمٍ، فَقَالَ: «مَثَلُ الْمُنَافِقِ» كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ.\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ ابْنُ هَاشِمٍ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ، وقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، وَقَالَا جَمِيعًا فِي حَدِيثِهِمَا عَنْ يَحْيَى: «وَمَثَلُ الْكَافِرِ مَثَلُ الْأَرْزَةِ».\nقوله: «الخامَة»: بتخفيف الميم: هي القصبة اللينة من الزرع.\nوقوله: «الْأَرْزَةِ»: هي شجرة الصنوبر، وقيل: شجرة تشبهها.\nوقوله: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ، تُفِيئُهَا»، أي: تُمِيلها- الريح يمينًا وشمالًا، إلا أنها لا تُسقطها، فهذا مثلُ المؤمن حين تصيبه المصائب والأمراض والنكبات، فيكفِّر الله بها من سيئاته، ويرفع بها درجاته.\nوقوله: «وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ»: وهي شجرة قوية صُلبة لا تُميلها الريح، بل تبقى ثابتةً صُلبة.\nوقوله: «حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا»، أي: سقوطها «مَرَّةً وَاحِدَةً».\nوضرب الأمثال فيه فوائد عدة، منها: أنه يجعل الذهن ينتقل من الأمر الحسي- وهو هنا الريح التي تميل الخامة يمينًا وشمالًا- إلى الأمر المعنوي- وهو هنا تكفير السيئات ورفع الدرجات-؛ فيتقرر الأمر في النفس زيادةَ تقرر.\nفبضرب المثل بهذا الأمر الحسي انتقل الذهن منه إلى المؤمن الذي لا تؤثر فيه المصائب والنكبات، كما لم تؤثر الريح في الخامَة من الزرع، وانتقل إلى الكافر الذي يَسْلَم- في الغالب- من المصائب والنكبات حتى يهلكه الله مرة واحدة.","vol":"8","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1314>بَابُ مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ النَّخْلَةِ</span>\n\n[٢٨١١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؟» فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: فَقَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ»، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُمَرَ قَالَ: لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَ هِيَ النَّخْلَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا.\n[خ: ٦١]\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ الضُّبَعِيِّ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ-: «أَخْبِرُونِي عَنْ شَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ»، فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَذْكُرُونَ شَجَرًا مِنْ شَجَرِ الْبَوَادِي، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَأُلْقِيَ فِي نَفْسِي- أَوْ: رُوعِيَ- أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَجَعَلْتُ أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهَا، فَإِذَا أَسْنَانُ الْقَوْمِ، فَأَهَابُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، فَلَمَّا سَكَتُوا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هِيَ النَّخْلَةُ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَا سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ، فَذَكَرَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَيْفٌ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِجُمَّارٍ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.\nقوله: «فأتي بجُمَّار»: الجُمَّار: هو شحم النخلة.","vol":"8","page":147},{"text":"وقوله: «وَأُلْقِيَ فِي نَفْسِي- أَوْ: رُوعِيَ»: الرُّوع- بضم الراء-: يعني القلب، أما الرَّوع- بفتح الراء- فهو الخوف؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾.\nولما أُلقي في قلب ابن عمر ﵄ وعرف أنها النخلة هاب وسكت؛ لأنه راعى أسنان القوم، أي: أصحاب السن الكبيرة، فأجاب النبيُّ ﷺ بأنها: «هِيَ النَّخْلَةُ».\nوفي هذا الحديث: مثلٌ آخرُ ضربه النبي ﷺ للمؤمن في كثرة خيره وبره؛ فقد شبهه بالنخلة في كثرة خيراتها، والنخلة كلها مفيدة، شحمها- وهو الجُمَّار-، وليفها، وكربها، وجذعها، حتى شوكُها، وخُوصها، وحتى تمرُها ونواته، فليس فيها شيء ضائع؛ فالجذع يجعل في السواري، والعسب يجعل في السقوف، والخوص يُنسج منه الفرش ... وهكذا.\nوالنخلة خضراء طول الوقت- صيفًا وشتاءً وربيعًا وخريفًا- فهي لا تيبس، بخلاف معظم الأشجار؛ فإنها تيبس في بعض فصول السنة.\nكذلك المؤمن فإنه نافع ومفيد، وناصح لعباد الله ﷿ في حياته وبعد مماته، كما في قصة صاحب ياسين ﵇؛ فإنه نصح لقومه حتى بعد قتله، كما قال تعالى: ﴿قال يا ليت قومي يعلمون بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾.\nوفيه: جواز إلقاء العالِم المسألةَ على أصحابه؛ ليختبر ما عندهم من علم.\nوفيه: فرح الإنسان بنجابة ابنه؛ لقول عمر ﵁- لابنه عبد الله-: «لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَ هِيَ النَّخْلَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا».\nوفيه: أنه ينبغي للإنسان إذا كان بمجلس علم وسئل عن مسألة وكان عنده علم بها أن لا يحقر نفسه، ولو كان صغيرًا في السن؛ فقد يكون العلم مع الصغير، ويخفى على الكبير.","vol":"8","page":148},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ شِبْهِ أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا؟» - قَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَعَلَّ مُسْلِمًا قَالَ: وَتُؤْتِي أُكُلَهَا، وَكَذَا وَجَدْتُ عِنْدَ غَيْرِي أَيْضًا: وَلَا تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ- قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَا يَتَكَلَّمَانِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، أَوْ أَقُولَ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ: لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا.\nقوله: «لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا»، أي: لا يسقط، وهذا من خصائص شجر النخل، بخلاف معظم الأشجار؛ فإن أوراقَها تتحاتُّ وتتناثر.\nقوله: «قَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَعَلَّ مُسْلِمًا»: إبراهيم هو إبراهيم بن سفيان راوي صحيح مسلم، ظن أن مسلمًا رواه بلفظ: «وَتُؤْتِي أُكُلَهَا»: بإسقاط (لا) النافية، وظن أن ما رواه هو هنا، ورواه غيره في رواية أخرى من صحيح مسلم: «وَلَا تُؤْتِي أُكُلَهَا»: بإثبات (لا) النافية، ظن أن ذلك خطأ، وأن (لا) زائدة، فظن أن الصواب قوله: تؤتي أكلها.\nقلت: ليس هذا خطأً من الراوي كما تُوهم؛ لأن كلمة (لا) نافيةٌ لشيء سابق، أي: لا يصيبها كذا ولا كذا.","vol":"8","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1315>بَابُ تَحْرِيشِ الشَّيْطَانِ، وَبَعْثِهِ سَرَايَاهُ لِفِتْنَةِ النَّاسِ</span>،\nوَأَنَّ مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ قَرِينًا\n\n[٢٨١٣] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله ﷺ: «وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ»، أي: بالفتن والخصومات والحروب.\nوقد استدل بعض الناس بهذا الحديث على أن الشرك لا يقع في هذه الأمة، وأنها معصومة منه، فقالوا: إن ما يقع من عُبَّاد القبور من الطواف حولها، والنذر والذبح لغير الله، وسؤال الموتى تفريجَ الكربات وغيره ليس من الشرك.\nوهذا الذي ذكروه من أبطل الباطل؛ فإن الشرك واقع في هذه الأمة، كما أخبر به النبي ﷺ في عدة أحاديث، منها: قوله ﷺ: «وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، حَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الْأَوْثَانَ» (^١)، وقال ﵊: «لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى» (^٢)، وقال ﷺ- أيضًا-: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ»: وَكَانَتْ صَنَمًا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٢٣٩٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٠٧).","vol":"8","page":150},{"text":"تَعْبُدُهَا دَوْسٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِتَبَالَةَ (^١)، فهذه الأحاديث وغيرها صريحة في أن الشرك واقع في هذه الأمة.\nوأما حديث الباب فلا حجة لهم فيه على أن الشرك غير واقع في هذه الأمة؛ لأن العلماء ﵏ قد أجابوا عنه بثلاثة أجوبة:\nالأول: أن النبي ﷺ لم يقل: إن الله أيأس الشيطانَ، وإنما أخبر ﷺ أن الشيطان يئس أن يعبده المصلون لَمَّا رأى انتشار الإسلام وظهوره، ودخول الناس في دين الله أفواجًا، فهو ﷺ ليس معصومًا في رجائه؛ فقد وقع خلاف ظنه ﵇.\nالثاني: أن المراد بـ «الْمُصَلُّونَ»: في قوله ﷺ: «قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ»: هم الصحابة ﵃، فتكون «أل» في «المصلون» للعهد الذهني، أي: الصحابة المعهودون في زمن الوحي، وهم الذين رسخ الإيمان في قلوبهم.\nالثالث: أن المعنى: أن الشيطان يئس أن تُطْبِقَ الأمة على الشرك وتجتمع عليه، وهذا صحيح، وقد أخبر النبي ﷺ عن ذلك في الحديث الصحيح بقوله: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ لَا يُبَالُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، أَوْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ ﷿» (^٢).\nوهذه الأجوبة كلها صحيح، إلا أن الجواب الأول هو أحسنها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١١٦)، ومسلم (٢٩٠٦).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٦٨٨١).","vol":"8","page":151},{"text":"[٢٨١٣] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ، فَيَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَيَفْتِنُونَ النَّاسَ، فَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً».\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ، فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ، فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ، وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ»، قَالَ الْأَعْمَشُ: أُرَاهُ قَالَ: «فَيَلْتَزِمُهُ».\nحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «يَبْعَثُ الشَّيْطَانُ سَرَايَاهُ، فَيَفْتِنُونَ النَّاسَ، فَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً».\nفي هذا الحديث: أن الشيطان يَبعث سراياه، فيقول أحدهم: فعلت كذا وكذا، فيخبره إبليس أنه لم يصنع شيئًا، ثم يأتي أحدهم فيقول: فرَّقت بينه وبين امرأته، يعني: طلَّقها، فيحمد إبليسُ صنيعَه ويلتزمه، ويقول له: «نِعْمَ أَنْتَ»: رضًا بما صنع؛ لِمَا في ذلك من انتشار الفواحش والزنا.\nومعلوم أن الشرك أعظم من هذا كله، إلا أن الشيطان علم أنه لا يطاع في الشرك إذا أمر به، فإذا كان قد علم أنه لا يطاع في الشرك، فإنه يرضى بأن يطاع في هذا ونحوه.\nوفيه: أن إبليس اللعين يضع عرشه على الماء تشبُّها بالرب ﷿، وأنه يرسل جنوده ليفتنوا الناس عن دينهم.","vol":"8","page":152},{"text":"[٢٨١٤] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ» قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ! قَالَ: «وَإِيَّايَ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ، فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ».\nحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يَعْنِيَانِ: ابْنَ مَهْدِيٍّ- عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ مِثْلَ حَدِيثِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: «وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ، وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ».\n\n[٢٨١٥] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ حَدَّثَهُ أَنَّ عُرْوَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- حَدَّثَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلًا، قَالَتْ: فَغِرْتُ عَلَيْهِ، فَجَاءَ فَرَأَى مَا أَصْنَعُ، فَقَالَ: «مَا لَكِ- يَا عَائِشَةُ- أَغِرْتِ؟ !»، فَقُلْتُ: وَمَا لِي لَا يَغَارُ مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ؟» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ مَعِيَ شَيْطَانٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: وَمَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: وَمَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ! قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِنْ رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ».\nفي هذا الحديث: حسنُ أدب عائشة ﵂؛ فهي لم تقل للنبي ﷺ من أول الأمر: أمعك شيطان؟ وإنما تدرَّجت معه في الحديث، فقالت أولًا: «أَوَ مَعِيَ شَيْطَانٌ؟» يا رسول الله؟ ثم قالت ثانيًا: «وَمَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ؟»، ثم قالت في المرة الثالثة: «وَمَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ !»، وهذا من حسن أدبها ﵂.\nوفيه: دليل على أن كل إنسان معه قرين من الجن، ومعه قرين من","vol":"8","page":153},{"text":"الملائكة، وفي الحديث: «إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ، وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً» (^١)، فلمة الشيطان: إيعاز بالشر، وتسهيل له، ولمة الملائكة: إيعاز بالخير، وتسهيل له.\nوفيه: دليل على أنه ما من أحد إلا ومعه قرين، حتى النبي ﷺ؛ بدليل قوله ﵇: «وَلَكِنْ رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ».\nوقوله ﷺ: «فَأَسْلَمَ»: فيه روايتان، رواية بضم الميم: «فَأَسْلَمُ»، والثانية: «فَأَسْلَمَ»: بفتحها.\nفأما رواية الضم: «فَأَسْلَمُ» فهي على تقدير مبتدأ محذوف، أي: فأنا أَسْلَمُ من شره وفتنته، فلا يأمرني إلا بخير.\nوأما رواية الفتح «فَأَسْلَمَ» فلها وجهان:\nالأول: أنها بمعنى: صار مسلمًا ودخل في الإسلام، وهذا هو ظاهر الحديث.\nالثاني: أنها بمعنى: استسلم وانقاد، وإن كان كافرًا.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٩٨٨).","vol":"8","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1316>بَابُ لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ بَلْ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى</span>\n\n[٢٨١٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ»، قَالَ رَجُلٌ: وَلَا إِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ! قَالَ: «وَلَا إِيَّايَ، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ، وَلَكِنْ سَدِّدُوا».\n[خ: ٦٤٦٣]\nوَحَدَّثَنِيهِ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ»، وَلَمْ يَذْكُرْ: «وَلَكِنْ سَدِّدُوا».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ- عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُدْخِلُهُ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ»، فَقِيلَ: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ! قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي رَبِّي بِرَحْمَةٍ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُنْجِيهِ عَمَلُهُ» قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ! قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ»، وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ عَلَى رَأْسِهِ، «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ».\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ أَحَدٌ يُنْجِيهِ عَمَلُهُ» قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ! قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَدَارَكَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبَّادٍ يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ- مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ","vol":"8","page":155},{"text":"الْجَنَّةَ» قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ! قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا أَنْتَ؟ ! قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، مِثْلَهُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا، كَرِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ، وَزَادَ: «وَأَبْشِرُوا».\n\n[٢٨١٧] حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يُدْخِلُ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَلَا يُجِيرُهُ مِنَ النَّارِ، وَلَا أَنَا إِلَّا بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ».\n\n[٢٨١٨] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ أَحَدًا عَمَلُهُ» قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ! قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ، وَإِنْ قَلَّ».\nوَحَدَّثَنَاهُ حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطَّلِبِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: «وَأَبْشِرُوا».","vol":"8","page":156},{"text":"قوله: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا»، أي: افعلوا السداد والصواب، وهو الوسط بين الغلو والتقصير، فإن لم تقدروا على فعل السداد فقاربوه.\nوقوله: «وَأَبْشِرُوا»، يعني: أبشروا بالخير إذا بذلتم وُسْعكم في فعل السداد والصواب.\nوقوله: «وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ»، يعني: العمل الدائم، ولو كان قليلًا أحسن من العمل الكثير الذي ينقطع، فالإنسانُ إذا واظب كلَّ ليلة على صلاة ركعتين، أو أربعٍ تطوعًا لله تعالى أفضلُ من أن يصلي اثنتي عشرة ركعة، ثم لا يواظب عليها.\nوفي هذا الحديث- برواياته المتعددة وطرقه المختلفة-: دليل على أن العمل ليس عوضًا عن الجنة، ولا أن دخول الجنة يكون بالعمل، وإنما دخول الجنة يكون بفضل الله ورحمته، والعمل سبب في ذلك، فمن جاء بالسبب- الذي هو العمل- نالته رحمة الله، ومن لم يأتِ بالعمل فإن رحمته تعالى لن تناله، قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، أي: ليست الرحمة لكل أحد، وإنما هي للمتقين خاصة، والمتقي هو الموحد المؤمن.\nوالباءُ في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ باءُ السببية، وهي التي أثبتت الدخول.\nوفي رواية أخرى في غير الصحيحين: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِعَمَلٍ»: قُلْنَا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لَا، وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ ﷿ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ- وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ» (^١)، وعليه فالباء في قوله: «بِعَمَلٍ»: للعوض، وهي التي نفت الدخول (^٢)، والمعنى: أنه لن يدخل أحدٌ الجنة عوضًا عن عمله.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٧٤٧٩)، والطبراني في الكبير (٤٩٣).\n(^٢) حادي الأرواح، لابن القيم (ص ٨٨)، مفتاح دار السعادة، لابن القيم (١/ ٨).","vol":"8","page":157},{"text":"وقد غلط في هذا الأشاعرة والمعتزلة؛ فالمعتزلة عكسوا، وقالوا: إن الباء التي في الإثبات- كالتي في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ - فهي للعوض، قالوا: وعليه فإن العمل عوض عن الجنة، والعامل يستحق الثواب على الله تعالى، كما يستحق الأجير أجرته (^١).\nوهذا من جهلهم؛ فقد سبق أن هناك فرقًا بين الباء التي سبقها نفي، وبين الباء التي وقعت في سياق الإثبات.\nقال النووي ﵀- في رده على المعتزلة-: «اعلم أن مذهب أهل السنة: أنه لايثبت بالعقل ثواب ولاعقاب، ولا أيجاب ولاتحريم، ولاغيرها من أنواع التكاليف، ولاتثبت هذه كلها ولا غيرها إلا بالشرع، ومذهب أهل السنة- أيضًا-: أن الله تعالى لا يجب عليه شيء- تعالى الله عن ذلك-، بل العالم ملكه، والدنيا والآخرة في سلطانه، يفعل فيهما ما يشاء، فلو عذب المطيعين والصالحين أجمعين، وأدخلهم النار كان عدلًا منه، وإذا أكرمهم ونعَّمهم وأدخلهم الجنة فهو فضل منه، ولو نعَّم الكافرين وأدخلهم الجنة كان له ذلك، ولكنه أخبر- وخبره صدق- أنه لا يفعل هذا، بل يغفر للمؤمنين ويدخلهم الجنة برحمته، ويعذب المنافقين ويخلدهم فى النار عدلًا منه، وأما المعتزلة فيثبتون الأحكام بالعقل، ويوجبون ثواب الأعمال، ويوجبون الأصلح، ويمنعون خلاف هذا في خبط طويل لهم- تعالى الله عن اختراعاتهم الباطلة المنابذة لنصوص الشرع» (^٢).\nقلت: هذا الكلام من المعتزلة والأشاعرة منابذ للشرع.\nوقال النووي- أيضًا﵀: «وفي ظاهر هذه الأحاديث: دلالة لأهل الحق أنه لا يستحق أحد الثواب والجنة بطاعته، وأما قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ\n_________\n(^١) شرح الطحاوية، لابن أبي العز (٢/ ٦٤٣).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ١٥٩ - ١٦٠).","vol":"8","page":158},{"text":"تَعْمَلُونَ﴾ ونحوُهما من الآيات الدالة على أن الأعمال يُدخَل بها الجنة فلا يعارض هذه الأحاديث، بل معنى الآيات: أن دخول الجنة بسبب الأعمال، ثم التوفيق للأعمال، والهداية للإخلاص فيها، وقبولها برحمة الله تعالى وفضله، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل، وهو مراد الأحاديث. ويصح أنه دخل بالأعمال، أي: بسببها، وهي من الرحمة، والله أعلم» (^١).\nقلت: هذا هو الصحيح؛ فليس دخول الجنة بسبب الأعمال، والإمام النووي ﵀ هنا خالف مذهب الأشاعرة، فكأنه ﵀ مثل الحافظ ابن حجر ﵀، أحيانًا يميل إليهم وأحيانًا أُخَرَ يخالفهم، فدخول الجنة إنما هو برحمة الله ﷿، ثم يقتسم الناسُ درجاتِ الجنان بأعمالهم.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ١٦٠ - ١٦١).","vol":"8","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1317>بَابُ إِكْثَارِ الْأَعْمَالِ، وَالِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ</span>\n\n[٢٨١٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَكَلَّفُ هَذَا، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ ! فَقَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا!».\n[خ: ١١٣٠]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ سَمِعَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ: قَامَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى وَرِمَتْ قَدَمَاهُ، قَالُوا: قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ، وَمَا تَأَخَّرَ؟ ! قَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا!».\nحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَ رِجْلَاهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَصْنَعُ هَذَا، وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ، وَمَا تَأَخَّرَ؟ ! فَقَالَ يَا عَائِشَةُ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا!».\nقوله: «أَتَكَلَّفُ»، أي: أتَتَكلف، على حذف إحدى التاءين، ومثله: قوله تعالى: ﴿تنزل الملائكة﴾، والأصل: تتنزل.\nوفي هذه الأحاديث: أن الشكر كما يكون باللسان تحدُّثًا بالنعمة، فإنه يكون بالقلب تعظيمًا لله ﷿، وإجلالًا وخشية له، ويكون- أيضًا- بالعمل الصالح، ومنه: قوله تعالى: ﴿اعملوا آل داوود شكرًا﴾.","vol":"8","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1318>بَابُ الِاقْتِصَادِ فِي الْمَوْعِظَةِ</span>\n\n[٢٨٢١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ بَابِ عَبْدِ اللَّهِ نَنْتَظِرُهُ، فَمَرَّ بِنَا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيُّ، فَقُلْنَا: أَعْلِمْهُ بِمَكَانِنَا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ: إِنِّي أُخْبَرُ بِمَكَانِكُمْ، فَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ إِلَّا كَرَاهِيَةُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ؛ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.\n[خ: ٧٠]\nحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ. ح وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَزَادَ مِنْجَابٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ مُسْهِرٍ: قَالَ الْأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ شَقِيقٍ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُنَا كُلَّ يَوْمِ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّا نُحِبُّ حَدِيثَكَ وَنَشْتَهِيهِ، وَلَوَدِدْنَا أَنَّكَ حَدَّثْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، فَقَالَ: مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ إِلَّا كَرَاهِيَةُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ؛ كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.\nقوله: «يَتَخَوَّلُنَا»، يعني: يتعاهدنا.","vol":"8","page":161},{"text":"وقوله: «كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا»، يعني: كراهية الملل والضجر.\nوفي هذا الحديث: الحضُّ على الاقتصاد في الموعظة؛ كراهةَ أن تملها القلوب.\nوفيه: تحيُّنُ الأوقات المناسبة للموعظة.\nوالاقتصاد في الموعظة معناه: عدم الإطالة فيها؛ لأنه إذا أطال الواعظ فيها فإنه لا يأمن أن يملها بعض الناس فلا تؤتي أُكُلَها المرجوَّ.","vol":"8","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1319>كِتَابُ الْجَنَّةِ وَصِفَةِ نَعِيمِهَا وَأَهْلِهَا</span>","vol":"8","page":164},{"text":"كِتَابُ الْجَنَّةِ وَصِفَةِ نَعِيمِهَا وَأَهْلِهَا\n\n[٢٨٢٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ وَحُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ».\n\n[٢٨٢٣] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\n[خ: ٦٤٨٧]\nفي هذا الحديث: إثبات الجنة والنار والإيمان بهما، ومن لم يؤمن بالجنة والنار فهو كافر؛ لأنه مكذب لله ورسوله ﷺ، ولأنه لم يؤمن باليوم الآخر.\nوفيه: أن الجنة حفت بالمكاره، وأن النار حفت بالشهوات، أي: هما محفوفتان بالشهوات والمكاره، فالجنة حفت بالمكاره، وهي المشاق التي تحصل من العمل بالطاعات، والمواظبة عليها والصبر على المصائب، والصدقة والإحسان، وفعل البر والمعروف، وحفت النار بالشهوات المحرمة، كالزنا والخمر والنظر المحرم للمرأة الأجنبية، وغير ذلك من المحرمات.\nولفظ البخاري- وهو الطريق الثاني هنا لمسلم-: «حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتِ الجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ» (^١)، فإذا خرق الحجاب وصل إلى ما بعده.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٨٧).","vol":"8","page":165},{"text":"والشهوات المباحة ليست مكروهة، لكن لا ينبغى التوسع فيها؛ لأنها قد تجر إلى المحرم، وقد تقسي القلب، وقد تشغل عن العمل بالطاعات.\n\n[٢٨٢٤] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ سَعِيدٌ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، مِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾».\n[خ: ٣٢٤٤]\nهذا الحديث حديث قدسي من كلام الله لفظًا ومعنًى، يقول الله تعالى: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»، يعني: أعد الله لهم من النعيم شيئًا لم تره العيون، ولم تسمع به الآذان، ولم يخطر على القلوب، ويستخرج ذلك من قول الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ فـ ﴿نفس﴾ هنا نكرة في سياق النفي، والقاعدة عند أهل الأصول: أن النكرة إذا سبقها نفي، أو نهي، أو شرط فإنها تعمُّ، أي: أيَّ نفس.\nقوله: «﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾»، أي: جزاء لهم على ثواب أعمالهم؛ لأن الأعمال سبب في دخول الجنة.\nفالواجب على كل إنسان أن يوحد الله ﷾، وأن يخلص له العبادة ويكثر من عمل الطاعات حتى يكون من الصالحين؛ ليحصل على هذا الخير العظيم.","vol":"8","page":166},{"text":"حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ؛ ذُخْرًا بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ ﷿: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ؛ ذُخْرًا بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾».\n\n[٢٨٢٥] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ أَنَّ أَبَا حَازِمٍ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ يَقُولُ: شَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسًا وَصَفَ فِيهِ الْجَنَّةَ حَتَّى انْتَهَى، ثُمَّ قَالَ ﷺ- فِي آخِرِ حَدِيثِهِ-: «فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾».\nقوله: «ذُخْرًا»، أي: مُعَدًّا لهم.\nقوله: «بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ»، يعني: غير- أو سوى- ما أطلعكم الله عليه، وقيل: معناه: كيف، أي: هذا ما أطلعكم الله عليه، فكيف بما لم يطلعكم عليه! .","vol":"8","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1320>بَاب إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا</span>\n\n[٢٨٢٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ».\n[خ: ٤٨٨١]\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ، وَزَادَ: «لَا يَقْطَعُهَا».\n\n[٢٨٢٧] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا».\n[خ: ٦٥٥٢]\n\n[٢٨٢٨] قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَحَدَّثْتُ بِهِ النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيَّ، فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ الْمُضَمَّرَ السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا».\n[خ: ٦٥٥٣]\nقوله: «الْجَوَادَ الْمُضَمَّرَ»: هو الفرس الذي يُحبس لمدة طويلة، ويعطى الخاص من الطعام حتى يعرق، وتقوى عضلاته، فإذا خرج من التضمير خرج قويًّا سريعًا نشيطًا؛ ولهذا جاء في الحديث مسابقة الخيل المضمرة من كذا إلى كذا، والخيل غير المضمرة من كذا إلى كذا (^١).\nوقوله: «فِي ظِلِّهَا»: هل في الجنة ظل؟ أم أن المراد بالظل: الأنوار؟ لأنه من المعلوم أن الجنة ليس فيها شمس، والظل إنما ينشأ من الشمس، أم أن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٢٠)، ومسلم (١٨٧٠).","vol":"8","page":168},{"text":"المراد: لو كان لها ظل لسار في ظلها هذه المسافة، والله أعلم.\nوفي هذه الأحاديث: دليل على عظيم سعة الجنة؛ إذ إن فيها شجرة يسير في ظلها راكب الجواد المضمَّر سنة ما يقطعها.\nقال النووي: «قال العلماء: والمراد بظلها: كَنَفُها وذَرَاها، وهو ما يستر أغصانها» (^١).\nوفي حديث أبي هريرة قال: «وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ تَغْرُبُ» (^٢)، يعني: مقدار مقبض القوس في الجنة خير من الدنيا وما فيها؛ لأن الدنيا زائلة، وما في الجنة فهو باقٍ، وهذا من آيات الله.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ١٦٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٢٥٣).","vol":"8","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1321>بَابُ إِحْلَالِ الرِّضْوَانِ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَا يَسْخَطُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا</span>\n\n[٢٨٢٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ- لِأَهْلِ الْجَنَّةِ-: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ ! فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا».\n[خ: ٦٥٤٩]\nهذا أفضل نعيم لأهل الجنة، وهو أن الله يُحِلُّ عليهم رضوانَه، فمن أحل الله عليه رضوانه فقد أعطاه أعظم نعيم؛ لأن من ثمرات حلول الرضا: التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، وهو أعظم ملذات أهل الجنة على الإطلاق.\nوفي هذا الحديث: إثبات صفة الكلام لله سبحانه كما يليق بجلاله وعظمته.","vol":"8","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1322>بَابُ تَرَائِي أَهْلِ الْجَنَّةِ أَهْلَ الْغُرَفِ كَمَا يُرَى الْكَوْكَبُ فِي السَّمَاءِ</span>\n\n[٢٨٣٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ الْغُرْفَةَ فِي الْجَنَّةِ كَمَا تَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ فِي السَّمَاءِ».\n[خ: ٦٥٥٥]\n\n[٢٨٣١] قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ، فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: كَمَا تَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ فِي الْأُفُقِ الشَّرْقِيِّ، أَوِ الْغَرْبِيِّ.\n[خ: ٣٢٥٦]\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا، نَحْوَ حَدِيثِ يَعْقُوبَ.\n\n[٢٨٣١] حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ مِنَ الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ، أَوِ الْمَغْرِبِ؛ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ؟ قَالَ: «بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ، وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ».\nقوله: «كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ»: الكوكب الدري: هو الكوكب العظيم، سمي دريًّا لبياضه، أو لشبهه بالدر.\nوفي هذا الحديث: دليل على التفاضل العظيم بين أهل الجنة، فدرجاتهم","vol":"8","page":171},{"text":"على حسب الأعمال، فبعضهم يُرى من فوقه، كما نرى في الدنيا الكوكب الدري الغابر، الذي بَعُد عن العيون في المشرق، أو في المغرب، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، لا يبلغها غيرهم، قال: «بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ، وَصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ»، يعني: ينالها رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، فقد قويَ إيمانهم وتصديقهم حتى أحرق الشبهات والشهوات.","vol":"8","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1323>بَابُ فِيمَنْ يَوَدُّ رُؤْيَةَ النَّبِيِّ ﷺ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ</span>\n\n[٢٨٣٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا: نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَأَىنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ».\nفي هذا الحديث: بيان أنه يأتي من أمة النبي ﷺ من يكون شديدَ الحب له ﵊، يعني: مِن غير الصحابة ﵃ مَن يود أحدهم أن يرى النبي ﷺ بأهله وماله، يعني: بدل أهله وماله، فالباء بمعنى: بدل.\nهذا وإن كان الصحابة رضوان الله عليهم أشدَّ الناس محبة له، وقد جاء في الحديث الآخر: أن النبي ﷺ قال: «وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا»، قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ ! قَالَ: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ» (^١).\nومحبة النبي ﷺ الصادقة تقتضي الطاعة والامتثال؛ لأن من يدعي محبة النبي ﷺ وهو يعصي أمره فهو كاذب في محبته له؛ ولهذا لما ادعى قوم محبة النبي ﷺ امتحنهم الله بهذه الآية: ﴿قل إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فهذه الآية تسمى آية المحنة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٤٩).","vol":"8","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1324>بَابٌ فِي سُوقِ الْجَنَّةِ، وَمَا يَنَالُونَ فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ وَالْجَمَالِ</span>\n\n[٢٨٣٣] حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا».\nفي هذا الحديث: أن أهل الجنة يزدادون حسنًا وجمالًا بسبب هذه الريح وبغيرها، وفيه أنهم يأتون سوقًا ليس فيها بيع ولا شراء في كل جمعة، يعني: بمقدار كل جمعة؛ لأنه ليس في الجنة ليل ولا نهار، بل نور مضطرد، كما قال الله تعالى: ﴿لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا﴾ وأما قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فهو يعني: بمقدار بكرةٍ وعشيٍّ.\nوقوله: «رِيحُ الشَّمَالِ»: هي التي تأتي من دبر القبلة، وخُصَّت ريحُ الجنة بالشمال؛ لأنها ريح المطر عند العرب، كانت تهب من جهة الشام، وبها يأتي سحاب المطر.","vol":"8","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1325>بَابٌ أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ</span>،\nوَصِفَاتُهُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ\n\n[٢٨٣٤] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ- وَاللَّفْظُ لِيَعْقُوبَ- قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: إِمَّا تَفَاخَرُوا وَإِمَّا تَذَاكَرُوا الرِّجَالُ فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرُ أَمِ النِّسَاءُ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَوَ لَمْ يَقُلْ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى أَضْوَإِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ».\n[خ: ٣٣٢٧]\nحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: وَالنِّسَاءُ أَيُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرُ؟ فَسَأَلُوا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: اخْتَصَمَ الرِّجَالُ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ.\nفي هذا الحديث: أن أكثر أهل الجنة النساء، كما أن النار أكثر أهلها النساء، أما كون أكثر أهل النار النساء؛ فلأنهن يتعرضن لأسباب دخول النار أكثر من الرجال، كما جاء في الحديث: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ» (^١)، وهذا من أسباب دخول النار.\nوأما كون النساء أكثر أهل الجنة؛ فلأن في الجنة الحور العين زيادة على نساء أهل الدنيا، وأنه ليس في الجنة أعزب- وهو الذي لا زوجة له- ولكل امرئ منهم زوجتان اثنتان، يعني: من الحور العين، غير زوجاته من نساء أهل الدنيا، وهذا أقلهم نصيبًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠).","vol":"8","page":175},{"text":"وفيه: أنَّ من شدة جمال نساء أهل الجنة: أن يُرَى مخُّ سيقان إحداهن من وراء اللحم والعظم من شدة الجمال والصفاء.\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ- يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ- عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ». ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا يَتْفُلُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَمَجَامِرُهُمُ الْأَلُوَّةُ، وَأَزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ، أَخْلَاقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، ثُمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنَازِلُ، لَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا يَبْزُقُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَمَجَامِرُهُمُ الْأَلُوَّةُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، أَخْلَاقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى طُولِ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا»، قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: «عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ»، وقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: «عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ»، وقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: «عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ».\nفي هذا الحديث: وصف أهل الجنة، فأول زمرة منهم يدخلونها وجوههم مستنيرة على صورة القمر ليلة البدر، حينما يستدير ويستنير في منتصف الشهر ليلةَ الرابع عشر، وليلةَ الخامس عشر، ثم الزمرة الثانية تكون كأشد الكواكب إضاءة، ثم تتوالى الزمرات، ولعل الزمرة الأولى هم","vol":"8","page":176},{"text":"الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، أو زمرة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.\nومن أوصاف أهل الجنة: أنهم لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، ولا يبصقون، ولا يتفلون.\nومن المعلوم: أن الذي يأكل ويشرب لا بد أن يكون له تفل، وتفل أهل الجنة يكون عرقًا كرشح المسك، ثم تضمر بطونهم، فإذا أكلوا أو شربوا تجشؤوا وخرج العرق كريح المسك، فضمرت بطونهم.\nوهم كذلك لا يمتخطون ولا يبصقون، كما أنهم لا يمرضون ولا يسقمون، ولا يهرمون ولا يشيبون، فكلهم شباب، لا تبلى ثيابهم ولا تتسخ، وفوق ذلك فهم لا يموتون.\nوقوله: «وَمَجَامِرُهُمُ الْأَلُوَّةُ»، يعني: طيبهم العود.\nوالمشط الذي يمشطون به شعورهم من الذهب، ولكن: أليس الذهب حرامًا على الرجال؟\nوالجواب: بلى، لكن هذا محرم على رجال أهل الدنيا، أما في الجنة فقد أباحه الله لهم، فلا تكليف في الجنة، فالرجال يلبسون كل ما كان محرمًا عليهم في الدنيا من الذهب والحرير وغيرهما.\nومن أوصافهم: أن أخلاقهم على خُلُقِ رجلٍ واحد، روي هكذا بضمتين «على خُلُقِ»، وروي- أيضا- بفتح الحاء وسكون اللام: «عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ»، يعني: في الخَلْق والجسم، على خَلْق آدم ﵇ طولهم في السماء ستون ذراعًا، هذا طول الواحد من أهل الجنة، وأما عرضه فقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁: «عَلَى خَلْقِ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ سَبْعِ أَذْرُعٍ» (^١)، لكن الحديث ضعيف، ففي إسناده علي بن زيد بن جُدعان وهو ضعيف.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٧٩٣٣)، وفي سنده علي بن زيد بن جُدعان، قال الحافظ- في التقريب (٤٧٣٤) -: ضعيف.","vol":"8","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1326>بَابٌ فِي صِفَاتِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِهَا، وَتَسْبِيحِهِمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا</span>\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُوَرُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا يَبْصُقُونَ فِيهَا، وَلَا يَمْتَخِطُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، فِيهَا آنِيَتُهُمْ، وَأَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَجَامِرُهُمْ مِنَ الْأَلُوَّةِ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، يُرَى مُخُّ سَاقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنَ الْحُسْنِ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ، وَلَا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا».\nفي هذا الحديث: أن من أوصاف أهل الجنة- أيضًا-: أنهم لا اختلاف بينهم، ولا تباغض، قلوبهم جميعًا على قلب رجل واحد.\nوقوله: «بُكْرَةً وَعَشِيًّا»، أي: بمقدار البكرةِ والعشيِّ؛ لأن الجنة ليس فيها ليل ولا نهار، بل هي نور مطرد، وهذا كقوله تعالى: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيًّا﴾، أي: بمقدار البكرة والعشي.\n\n[٢٨٣٥] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ- قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا، وقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ، وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونَ» قَالُوا: فَمَا بَالُ الطَّعَامِ؟ قَالَ: «جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ،","vol":"8","page":178},{"text":"يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ، كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: «كَرَشْحِ الْمِسْكِ».\nقوله: «يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ، وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونَ»: المعنى: أن تصريفَهم لفضلات أجسامهم يكون جُشاءً وعرقًا كرشح المسك.\nوَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، قَالَ حَسَنٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَأْكُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا يَبُولُونَ، وَلَكِنْ طَعَامُهُمْ ذَاكَ جُشَاءٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالْحَمْدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ» قَالَ: وَفِي حَدِيثِ حَجَّاجٍ: «طَعَامُهُمْ ذَلِكَ»، وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَيُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّكْبِيرَ، كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ».\nقوله: «وَيُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّكْبِيرَ، كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ»، أي: أنهم يوفَّقون للتسبيح والتكبير، فيصير ذلك صفة لازمة لهم لا ينفكون عنها، فلا يتكلفونهما كما لا يتكلف الإنسان النفَس.\nوهذا التسبيح والتكبير ليس عن تكليف وإلزام؛ لأن الجنة ليس فيها تكليف.","vol":"8","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1327>بَابٌ فِي دَوَامِ نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وقَوْلِه تَعَالَى:</span>\n﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾\n\n[٢٨٣٦] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ».\n\n[٢٨٣٧] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ- وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ- قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: قَالَ الثَّوْرِيُّ: فَحَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ: أَنَّ الْأَغَرّ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾».\nقوله: «يَدْخُلُ»، وقوله: «يَنْعَمُ»: في إعرابهما وجهان:\nأحدهما: الجزم بـ (مَنْ) الشرطية الجازمة، فالأول فعل الشرط، والثاني جوابه.\nالثاني: الرفع على أن: (مَنْ) اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ، وجملة (يَنْعَمُ) خبره.","vol":"8","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1328>بَابٌ فِي صِفَةِ خِيَامِ الْجَنَّةِ وَمَا لِلْمُؤْمِنِينَ فِيهَا مِنَ الْأَهْلِينَ</span>\n\n[٢٨٣٨] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي قُدَامَةَ وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ، طُولُهَا سِتُّونَ مِيلًا، لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلُونَ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ، فَلَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا».\n[خ: ٣٢٤٣]\nوَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ، عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ، مَا يَرَوْنَ الْآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْخَيْمَةُ دُرَّةٌ، طُولُهَا فِي السَّمَاءِ سِتُّونَ مِيلًا، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ لِلْمُؤْمِنِ، لَا يَرَاهُمُ الْآخَرُونَ».\nفي هذه الأحاديث: بيانُ عظيم نعيم أهل الجنة؛ إذ فيها خيمة طولها وعرضها وارتفاعها ستون ميلًا، والميل: يعادل كيلوين إلا ربعًا تقريبًا، أي: تقارب مائة كيلومتر.\nوهي ليست خيمةً من الخِرَق، بل من درة واحدة مجوفة، وفي كل زاوية من زواياها أهلون يطوف عليهم المؤمن لا يرى بعضهم بعضًا، بسبب اتساعها.","vol":"8","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1329>بَابٌ مَا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ</span>\n\n[٢٨٣٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَعَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ».\nقوله: «سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ»: في المراد من كون هذه الأنهار من الجنة قولان:\nالأول: أن المراد بذلك: أنَّ الإيمان عمَّ بلادها وفاض عليها، وأنَّ الأجسام المتغذية بمياه هذه الأنهار صائرة إلى الجنة.\nالثاني: أن أصل هذه الأنهار من الجنة، ثم بعد ذلك حصل لها تغير لما جرت في الأرض، وذلك مثل تغير لون الحجر الأسود عند مهبطه من الجنة، وهذا هو الصواب.","vol":"8","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1330>بَابٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ</span>\n\n[٢٨٤٠] حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ اللَّيْثِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ- يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ».\nقوله: «مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ»: قيل: يعني: لرقتها وضعفها، كما في حديث: «أَهْلُ الْيَمَنِ أَرَقُّ قُلُوبًا، وَأَلْيَنُ أَفْئِدَةً» (^١).\nوقيل: المعنى: أن هؤلاء قوم غلب عليهم الخوف؛ ولذلك شبه قلوبهم بأفئدة الطير في الخوف والهيبة؛ لأن الطير عندها خوف شديد.\n\n[٢٨٤١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَلَقَ اللَّهُ ﷿ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ- وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ- فَاسْتَمِعْ مَا يُجِيبُونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، قَالَ: فَذَهَبَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، قَالَ: فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ، قَالَ: فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَهُ حَتَّى الْآنَ».\n[خ: ٣٣٢٦]\nقوله: «عَلَى صُورَتِهِ»: الضمير فيه يعود على لفظ الجلالة، ففيه دليل على\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧٤٠٦)، والطبراني في الكبير (٨٢٣).","vol":"8","page":183},{"text":"إثبات الصورة لله ﷿، فالله تعالى له صورة، وهي صفة من صفاته كسائر الصفات، وكل موجود له صورة، وليس المراد: أن الضمير راجع إلى آدم ﵇، كما قاله بعضهم، ومنهم النووي ﵀ (^١).\nولهذا لما سُئل الإمام أحمد ﵀، كما نقل ذلك عنه ابنه قال: «قال رجل لأبي: إن رجلًا قال: خلق الله آدم على صورته، أي: صورة الرجل، فقال: كذب، هو قول الجهمية» (^٢).\nفالقول بأن الضمير يعود على آدم ﵇ قول باطل، وأبطل منه من يقول: إن الضمير يعود إلى المضروب، وأنه من التشبيه المقلوب، وذلك كما في حديث: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ؛ فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» (^٣)، يعني: على صورة المضروب، ويكون من باب التشبيه المقلوب، كما ذكره الرازي في أساس التقديس (^٤)، وقد رد عليه أبو العباس ابن تيمية ﵀ في كتابه: بيان تلبيس الجهمية (^٥).\nويؤيد هذا الروايةُ الأخرى: «أن الله خلق آدم على صورة الرحمن» (^٦)، وقد نقل الحافظ ابن حجر تصحيح الإمام أحمد لهذا الحديث (^٧).\nوليس في إثبات الصورة لله ﷿ تشبيه له تعالى بخلقه؛ لأنها منفية بالنص والإجماع، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وقال سبحانه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، وقال\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ١٧٨).\n(^٢) فتح الباري، لابن حجر (٥/ ١٨٣).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٦١٢).\n(^٤) أساس التقديس، للرازي (ص ١١٠).\n(^٥) بيان تلبيس الجهمية، لابن تيمية (٦/ ٣٥٨).\n(^٦) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٥١٧)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٤٩٨)، والطبراني في الكبير (١٣٥٨٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٦٤٠).\n(^٧) فتح الباري، لابن حجر (٥/ ١٨٣).","vol":"8","page":184},{"text":"سبحانه: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، غايةُ ما في الحديث: أنه يقتضي المشابهة في مطلق الصورة، لا في الجنس والمقدار، وذلك كمَن رأى صورة القمر في الماء، ثم قال: هذه صورة القمر، فالمشابهة المطلقة بين القمرين حاصلة، لكن لا في الجنس، ولا في المقدار، ولله المثل الأعلى.\nوفيه: مشروعية السلام من قبل الآتي؛ لأن آدم أتى إليهم وهم جلوس.\nوفيه: أن الماشي يسلم على الجالس، وهذا هو الأفضل.","vol":"8","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1331>بَابٌ فِي شِدَّةِ حَرِّ نَارِ جَهَنَّمَ، وَبُعْدِ قَعْرِهَا، وَمَا تَأْخُذُ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ</span>\n\n[٢٨٤٢] حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ العَلَاءِ بْنِ خَالِدٍ الْكَاهِلِيِّ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا».\nفي هذا الحديث: بيان أن جهنم- والعياذ بالله- تبرز يوم القيامة، كما قال الله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، وقال: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾، فيؤتى بها يومئذٍ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، يعني: أربعة ملايير وتسعمائة مليون ملك كلهم يجرونها- نسأل الله السلامة والعافية.\n\n[٢٨٤٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ» قَالُوا: وَاللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهَا مِثْلُ حَرِّهَا».\n[خ: ٣٢٦٥]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا».\nفي هذا الحديث: دليل على أن حر النار عظيم، فقد فُضِّلت نار الآخرة على نار الدنيا بتسعة وستين جزءًا مثل حرها، فمن يستطيع تحمل نار","vol":"8","page":186},{"text":"الدنيا؟ ! فكيف إذا زيدت حرارتها وصارت سبعين ضعفًا من نار الدنيا! ! .\nوجاء في أثر موقوف على عبد اللَّه بن مسعود ﵁ له حكم المرفوع، قال: «إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ تِلْكَ النَّارِ، وَلَوْلَا أَنَّهَا ضُرِبَتْ فِي الْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ مَا انْتَفَعْتُمْ مِنْهَا بِشَيْءٍ» (^١).\n\n[٢٨٤٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَدْرُونَ مَا هَذَا؟» قَالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الْآنَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «هَذَا وَقَعَ فِي أَسْفَلِهَا، فَسَمِعْتُمْ وَجْبَتَهَا».\nقوله: «سَمِعَ وَجْبَةً»، يعني: سقطة.\nوقوله: «مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا»: الخريف: فصل من فصول السنة، والمراد به هنا: العام.\nفي هذا الحديث: أن النار لها عمق شديد، فهذا حجر رُمي به منذ سبعين سنة فلم يصل إلى قعرها إلا بعد تمام سبعين سنة.\nوقولهم: «اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ»: هذا يقال في حياة النبي ﷺ، أما بعد وفاته ﵊ فلا يقال إلا: الله أعلم، كما مر.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٤٩٩)، وهناد في الزهد (٢٣٥).","vol":"8","page":187},{"text":"[٢٨٤٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ قَتَادَةُ: سَمِعْتَ أَبَا نَضْرَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى حُجْزَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى عُنُقِهِ».\nحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: ابْنَ عَطَاءٍ- عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى حُجْزَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى تَرْقُوَتِهِ».\nحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَجَعَلَ مَكَانَ: حُجْزَتِهِ: حِقْوَيْهِ.\nقوله: «حُجْزَتِهِ»: هي مَعقِد الإزار والسراويل، وفي الرواية الأخرى: «حِقْوَيْهِ»، وهما بمعنى واحد، والمراد هنا: ما يُحاذي ذلك الموضع من جنبيه.\nوقوله: «تَرْقُوَتِهِ»: هي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق.\nوفي هذا الحديث: أن المؤمنين العصاة منهم من تأخذه النار إلى كعبه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبته، ومنهم من تأخذه إلى ما يُحاذي مَعقِد إزاره، ومنهم من تأخذه النار إلى كتفه، وذلك على حسب أعماله السيئة.\nوأما الكافر فإن النار تغمره وتسلخه من جميع الجهات- نعوذ بالله تعالى- كما قال الله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾، وقال سبحانه: ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾، أي: فراش وغطاء، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، فالكافر تصلاه النار من جميع الجهات، من فوقه، ومن تحته، ومن أمامه، ومن خلفه.","vol":"8","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1332>بَابٌ النَّارُ يَدْخُلُهَا الْجَبَّارُونَ، وَالْجَنَّةُ يَدْخُلُهَا الضُّعَفَاءُ</span>\n\n[٢٨٤٦] حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «احْتَجَّتِ النَّارُ وَالْجَنَّةُ، فَقَالَتْ هَذِهِ: يَدْخُلُنِي الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ، وَقَالَتْ هَذِهِ: يَدْخُلُنِي الضُّعَفَاءُ وَالْمَسَاكِينُ، فَقَالَ اللَّهُ ﷿ لِهَذِهِ: أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ- وَرُبَّمَا قَالَ: أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ- وَقَالَ لِهَذِهِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا».\n[خ: ٤٨٥٠]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَحَاجَّتِ النَّارُ وَالْجَنَّةُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: فَمَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَعَجَزُهُمْ؟ ! فَقَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمْ مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ، وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ».\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ الْهِلَالِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ- يَعْنِي: مُحَمَّدَ بْنَ حُمَيْدٍ- عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «احْتَجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ»، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ.\nفي هذا الحديث: أن أهل الجنة هم الضعفاء والمساكين، وهذا وصف أغلبي؛ لأنهم هم الذين يستجيبون للرسل، وينقادون لشرع الله ودينه؛ لأنه ليس لهم مانع يمنعهم، لا من الأموال، ولا من الجاه، ولا من السلطان، وإلا فإن الجنة يدخلها- أيضًا- الملوك والأغنياء والرؤساء الصالحون،","vol":"8","page":189},{"text":"كداود وسليمان وذي القرنين ﵈ من الأنبياء الملوك، وكأبي بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم من أغنياء الصحابة، ومَن بعدهم مِن الملوك والرؤساء الصالحين، فهؤلاء وإن كانوا أغنياءَ إلا أنهم آمنوا بالله ورسوله، وأنفقوا مما أعطاهم الله في وجوه الخيرات.\nوكذلك النار أهلُها هم الجبارون المتكبرون، وهذا وصف أغلبي- أيضًا- في أهلها؛ لأن الغالب أن الجبارين والمتكبرين والكبراء لا يستجيبون للرسل؛ لأن ما عندهم من الأموال والجاه والسلطان يمنعهم من الانقياد للرسل.\nكذلك قد يدخل النار الضعفاء الذين كتب الله عليهم الشقاوة بسبب كبرهم، وعدم قبولهم الحق، وعدم انقيادهم لما جاءت به الرسل.\nوفيه: أن الله تعالى وعد الجنة والنار بملئهما، فأما الجنة فلا تمتلئ، بل يبقى فيها فضل، فَيُنشأ الله لها خلقًا ويُدخلهم فيها، وأما النار فلا تمتلئ حتى يضع فيها ربُّ العزة قدمه، فعند ذلك تمتلئ ويُزْوَى بعضها لبعض، وتقول: قط قط، يعني: حسبي حسبي.\nوأما ما جاء في بعض الأحاديث: «وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ، فَيُلْقَوْنَ فِيهَا» (^١)، فقد انقلب على بعض الرواة وأخطأ فيه؛ فالله تعالى لا يعذب أحدًا من غير جرم، وإنما هذا الحديث في الجنة.\nوفيه: إثبات القدم لله ﷿، وأن النار لا تمتلئ حتى يضع فيها ربُّ العزة قدمه، وفي لفظ: «رِجْلَهُ»، والقدم صفة من صفاته تعالى، كما يليق بجلاله وعظمته.\nوقد أوَّلها بعضهم بتأويلات باطلة، منهم النووي ﵀، حيث قال: «هذا الحديث من مشاهير أحاديث الصفات، وقد سبق مرات بيان اختلاف\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٤٤٩).","vol":"8","page":190},{"text":"العلماء فيه على مذهبين؛ أحدهما: وهو قول جمهور السلف، وطائفة من المتكلمين: أنه لا يُتَكَلَّم في تأويلها، بل نؤمن أنها حق على ما أراد الله، ولها معنى يليق بها، وظاهرها غير مراد» (^١).\nقلت: هذا باطل، وليس هذا قول السلف، بل هو قول المفوِّضة، والصحيح: أن ظاهرها مراد، ومعناها معروف.\nثم قال النووي: «والثاني: وهو قول جمهور المتكلمين: أنها تُتَأَوَّلُ بحسب ما يليق بها، وعلى هذا اختلفوا في تأويل هذا الحديث، فقيل: المراد بالقدم هنا: المتقدم، وهو شائع في اللغة» (^٢).\nقلت: وهذا- أيضًا- قول باطل، وهو قول أهل التحريف والتأويل.\nوكلٌّ من القولين يخالف قول السلف وأئمة أهل السنة؛ فمذهبهم إثبات صفة القدم لله ﷿ بما يليق بجلاله وعظمته، فمعناها معلوم، وأما كيفيتها فمجهولة، ويجب الإيمان بها.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ١٨٢).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ١٨٢).","vol":"8","page":191},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: فَمَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَغِرَّتُهُمْ؟ ! قَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ: إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ ﵎ رِجْلَهُ، تَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا».\n\n[٢٨٤٧] وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «احْتَجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ»، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى قَوْلِهِ: «وَلِكِلَيْكُمَا عَلَيَّ مِلْؤُهَا»، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ مِنَ الزِّيَادَةِ.\n\n[٢٨٤٨] حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعِزَّةِ ﵎ قَدَمَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ، وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ».\n[خ: ٦٦٦١]\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارِ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمَعْنَى حَدِيثِ شَيْبَانَ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرُّزِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ ق، فَأَخْبَرَنَا عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَزَالُ","vol":"8","page":192},{"text":"جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا، وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلَا يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا، فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ».\nحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ سَلَمَةَ- أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَبْقَى مِنَ الْجَنَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْقَى، ثُمَّ يُنْشِئُ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا خَلْقًا مِمَّا يَشَاءُ».\nفي هذه الأحاديث: أن الجنة رحمة، وهي من الرحمة المخلوقة، فالرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان:\nإحداهما: مضافة إليه إضافة المفعول إلى فاعله، كقوله في هذا الحديث: «قَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ: إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي».\nالثانية: رحمة هي صفته؛ وصفاته تعالى غير مخلوقة، وإضافتها إليه من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ كما قال تعالى- عن نبي الله سليمان ﵇-: ﴿وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين﴾، وقال تعالى: ﴿وربك الغفور ذو الرحمة﴾، وقال تعالى: ﴿الرحمن الرحيم﴾.\nقوله: «وَغِرَّتُهُمْ»: قال النووي: «أي: البُلْهُ الغافلون الذين ليس بهم فتك وحذق في أمور الدنيا، وهو نحو الحديث الآخر: «أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ» (^١). قال القاضي عياض: معناه سواد الناس وعامتهم من أهل الايمان الذين لا يفطنون للشبه فيدخل عليهم الفتنة، أو يُدْخِلهم في البدعة أو غيرها، فهم ثابتو الإيمان وصحيحو العقائد. وهم أكثر المؤمنين، وهم أكثر أهل الجنة، وأما العارفون والعلماء العاملون والصالحون المتعبدون فهم قليلون، وهم أصحاب الدرجات» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (١٣٠٣)، وقال: وهذا الحديث بهذا الإسناد منكر.\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٧/ ١٨١).","vol":"8","page":193},{"text":"وفيها: أن (تبارك) من صفات الله تعالى، فالله تعالى هو المتبارك وعبده مبارَك، كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ﴾.\nتنبيه: بعض العامة يغلط في هذا، ويقول: تزورنا تُبارِك علينا، أو تبارَكْتَ علينا بمجيئك، وهذا وصف لله تعالى، والصواب أن يقال: زرنا تحصل البركة، أو أنت شخص مبارك، وهذا من بركةٍ جعلها الله فيك، كما قال أُسَيدُ بنُ حضيرٍ ﵁: «مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ» (^١).\nقوله: «وعزتك» قسم مقرر لذلك، والنار خلق مسخر فلا يقع فيها خلاف مراد الله.\nوالحلف بصفات الله حلف بالله.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٤)، ومسلم (٣٦٧).","vol":"8","page":194},{"text":"[٢٨٤٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ»، زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ: «فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ»، وَاتَّفَقَا فِي بَاقِي الْحَدِيثِ، «فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، وَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، قَالَ: وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قَالَ: فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، وَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، قَالَ: فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ، قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ» قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الدُّنْيَا.\n[خ: ٤٧٣٠]\nحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ»، ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿» وَلَمْ يَقُلْ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَذْكُرْ- أَيْضًا-: وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الدُّنْيَا.\n\n[٢٨٥٠] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: أَخْبَرَنِي، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يُدْخِلُ اللَّهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ، فَيَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، لَا مَوْتَ، كُلٌّ خَالِدٌ فِيمَا هُوَ فِيهِ».\n[خ: ٦٥٤٨]\nحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَارَ أَهْلُ","vol":"8","page":195},{"text":"الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَصَارَ أَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ أُتِيَ بِالْمَوْتِ، حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُذْبَحُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، لَا مَوْتَ، فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ».\nقوله: «فَيَشْرَئِبُّونَ»، يعني: يطَّلعون.\nوفي هذا الحديث: أن الله تعالى جعل في أهل الجنة وأهل النار معرفة للموت، وذلك حين يؤتى بالموت على صورة كبش ويُذبح بين الجنة والنار، والذي يُذبح هو الموت وليس ملك الموت، والله تعالى قادر على جعل الموت- وإن كان شيئًا معنويًّا- كبشًا يُذبح بين الجنة والنار، فيزداد أهل الجنة نعيمًا إلى نعيمهم، ويزداد أهل النار حسرة إلى حسرتهم، يقال لأهل الجنة: خلود ولا موت، ولأهل النار خلود ولا موت، فيزداد أهل الجنة نعيمًا إلى نعيمهم، ويزداد أهل النار حسرة إلى حسرتهم.\nوفيه: دليل أن أهل الجنة مخلدون فيها لا يحولون عنها أبدًا، وكذلك أهل النار الذين هم أهلها الكفرة مخلدون فيها.\nأما العصاة من المؤمنين، فإنهم يعذَّبون في النار، ثم يخرجون منها ويدخلون الجنة.\nقوله: «يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ»: هو ابن إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف.","vol":"8","page":196},{"text":"[٢٨٥١] حَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ضِرْسُ الْكَافِرِ- أَوْ: نَابُ الْكَافِرِ- مِثْلُ أُحُدٍ، وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ».\n\n[٢٨٥٢] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْوَكِيعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ قَالَ: «مَا بَيْنَ مَنْكِبَيِ الْكَافِرِ فِي النَّارِ، مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ».\nوَلَمْ يَذْكُرِ الْوَكِيعِيُّ: فِي النَّارِ.\n[خ: ٦٥٥١]\nفي هذا الحديث: أن الكافر تعظم خلقته وجثته يوم القيامة حتى يزداد عذابًا، فضرسُهُ يكون مثل أحد، وغِلَظُ جلده، أي: كثافته، مسيرة ثلاثة أيام، وما بين منكبيه، أي: ما بين كتفيه، يسير الراكبُ مجدُّ السير ثلاثة أيام لا يقطعها، وذلك ليزداد شعوره بالعذاب؛ لأنه كلما اتسع الجلد تعرضت كل ذرة منه للنار- نعوذ بالله.\nوفيه: وصف عظمة النار وشدتها، فإنها تغمر الكفار والمنافقين أجمعين.","vol":"8","page":197},{"text":"[٢٨٥٣] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ أَنَّهُ سَمِعَ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ ﷺ: «كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعَّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ»، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ».\n[خ: ٤٩١٨]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ، غَيْر أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ الْخُزَاعِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ جَوَّاظٍ زَنِيمٍ مُتَكَبِّرٍ».\nقوله: «مُتَضَعِّفٍ»: رويت بفتح العين المشددة، يعني: من يستضعفه الناس ويحتقرونه لفقره وخموله، وإن كان عند الله عظيمًا، وفي هذا تسلية للفقراء الخاملين.\nأما رواية: «مُتَضَعِّفٍ»: بكسر العين المشددة، فالمراد: المتواضع الذي يُظهِر الضعف حتى يألفَه الناس، وإن كان ليس له مكانة في المجتمع ويحقره بعض الناس لكنه له مكانة عند الله فلو أقسم على الله لأبر الله قسمه.\nفأهل الجنة هم الضعفاء المتضعفون المؤمنون بالله واليوم الآخر، الذين يستضعفهم الناس ويحتقرونهم لفقرهم وخمولهم، أو المتواضعون الذين يُظهرون الضعف حتى يألفهم الناس.\nوأما قوله: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ جَوَّاظٍ زَنِيمٍ مُتَكَبِّرٍ»: الجواظ أصح ما قيل فيه أنه: الجَمُوع المنوع، الذي يجمع المال من حلاله ومن حرامه، ثم يمنع الواجب فيه.","vol":"8","page":198},{"text":"والعتل هو: الفاجر الخائن، أو الغليظ الجافي.\nوالمتكبر هو: الذي يبطر الحق ويرده، ويحتقر الناس ويزدريهم.\nوالزنيم هو: الدَّعِيُّ بالنسب زورًا.\nوهذه الأوصاف المذكورة في الحديث أغلبية في أهل الجنة، وأهل النار، فأهل الجنة يكثر فيهم من كان ضعيفًا متضعفًا، وأهل النار يغلب عليهم من كان عتلًّا جوَّاظًا مستكبرًا.\nوالعتل الجواظ المستكبر قد يكون كافرًا، فهو من أهل النار قطعًا، وقد يكون من أهل التوحيد والإيمان الذين يرتكبون الكبائر ولا يتوبون، فيكون تحت مشيئة الله.\n\n[٢٨٥٤] حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ».\nقوله: «أَشْعَثَ»، أي: غير مُسَرَّح الشعر.\nوقوله: «مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ»، يعني: لا يؤذن له لفقره وخموله.\nوأما قوله: «لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ»: وذلك لكونه مستقيمًا على طاعة الله، ولمكانته عند الله ﷿، وإن لم يكن من أهل الجاه والمنصب والشرف.\nومن هؤلاء: البراء بن معرور، وأنس بن مالك، وسعد بن أبي وقاص ﵃، وقد كان الصحابة إذا حمي القتال قالوا: يا براء، أقسِمْ على ربك، فيقسم على الله فيهزم الكفار (^١).\nوأما حديث: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلَانٍ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٥٢٧٤)، والبيهقي في الشعب (١٠٠٠١)، وأبونعيم في الحلية (١/ ٦).","vol":"8","page":199},{"text":"ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ» (^١)، فهذا محمول على التألي على الله، والاعتراض عليه ﷿، والحجر على الله، ففرق بين التألي على الله والتحجر عليه سبحانه، وبين الإقسام على الله من باب حسن الظن به، ونصرة دينه، وإقامة الشريعة وحمايتها.\n\n[٢٨٥٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ النَّاقَةَ، وَذَكَرَ الَّذِي عَقَرَهَا، فَقَالَ: «إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا انْبَعَثَ بِهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ»، ثُمَّ ذَكَرَ النِّسَاءَ فَوَعَظَ فِيهِنَّ، ثُمَّ قَالَ: «إِلَامَ يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ». فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: «جَلْدَ الْأَمَةِ»، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: «جَلْدَ الْعَبْدِ، وَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ؟ !»، ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِي ضَحِكِهِمْ مِنَ الضَّرْطَةِ، فَقَالَ: «إِلَامَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ؟ !».\n[خ: ٤٩٤٢]\nهذا الرجل المنيع في قومه الذي عقر الناقة يقال له: قدار بن سالف، وقد أهلكه وقومه جميعًا بفعلته، وإن كان هو الذي عقرها وحده؛ لأنهم أقروه عليها، ولم ينكروها عليه.\nوفي هذا الحديث: دليل على أن من تواطأ مع شخص على شيء فهو شريك معه في الفعل، ويصيبه ما أصابه من العقوبة.\nوقوله: «إِلَامَ يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ»: استفهامُ إنكارٍ على من يعامل امرأته معاملة الإماء والعبيد، فالعبد يباع ويُشترى ويُجلد ويؤدَّب والأَمَةُ كذلك، فينبغي للإنسان أن يعامل امرأته معاملة طيبة، ولا يجعلها\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٢١).","vol":"8","page":200},{"text":"مثل العبد والأمة، فالزوجة حرة وعلاقة الزوج بها علاقة عشرة ورحمة ومودة، قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فإذا احتاج الزوج إلى الضرب فليكن ضربًا خفيفًا غيرَ مبرِّح؛ حتى لا تتسعَ شقة الخلاف بينه وبين امرأته، ويكون قبل الضرب الوعظ، والهجر، قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.\nوقوله: «ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِي ضَحِكِهِمْ مِنَ الضَّرْطَةِ، فَقَالَ: إِلَامَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ؟ !»: وهذا قد يحصل من الإنسان عند الحركة، قد يبتلى بذلك، فإذا رأى أحد أحدًا قد ابتلي بذلك فلا ينبغي له أن يضحك، بل يتغافل، وكأنه لم يسمع.\n\n[٢٨٥٦] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ خِنْدِفَ أَبَا بَنِي كَعْبٍ هَؤُلَاءِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ».\n[خ: ٣٥٢١]\nحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: أَخْبَرَنِي، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: إِنَّ الْبَحِيرَةَ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ، فَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وَأَمَّا السَّائِبَةُ الَّتِي كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السُّيُوبَ».\nقوله: «يَجُرُّ قُصْبَهُ»، يعني: يجر أمعاءه؛ وذلك لأنه أول من سيب السوائب، وأول من جلب الأصنام إلى بلاد العرب، واسمه: عمرو بن لحي بن قمعة.\nوالسوائب: هي بهيمة الأنعام التي تُسيَّب وتُترك للطواغيت والأصنام.","vol":"8","page":201},{"text":"[٢١٢٨] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا».\n\n[٢٨٥٧] حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا زَيْدٌ- يَعْنِي: ابْنَ حُبَابٍ- حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَافِعٍ- مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُوشِكُ إِنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ أَنْ تَرَى قَوْمًا فِي أَيْدِيهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ، يَغْدُونَ فِي غَضَبِ اللَّهِ وَيَرُوحُونَ فِي سَخَطِ اللَّهِ».\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَافِعٍ- مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ أَوْشَكْتَ أَنْ تَرَى قَوْمًا يَغْدُونَ فِي سَخَطِ اللَّهِ، وَيَرُوحُونَ فِي لَعْنَتِهِ، فِي أَيْدِيهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ».\nفي هذين الحديثين: الوعيد الشديد على الصنفين التاليين:\nالصنف الأول: «قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ»: قيل: هم الشُّرَطُ الذين أمَّرهم ولاة أمورهم ليضربوا الناس بغير حق.\nوقيل: هم الذين يقطعون الطريق، ويأخذون أموال الناس بالباطل، ويضربونهم بغير حق.\nوالصواب: أنه عام في كل من آذى الناس وضربهم بغير حق.\nالصنف الثاني: «نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ","vol":"8","page":202},{"text":"الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ»، فمعنى «كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ»: كاسيات من نعم الله، عاريات من شكرها، وقيل: كاسيات من الثياب، عاريات من الستر؛ لأن الثياب ضيقة تبرز مقاطع الجسد، أو لأنها رقيقة تُرى من ورائها البشرة، أو لأنها تكشف بعض جسدها، وقيل: كاسيات من الثياب، عاريات من فعل الخير.\nومعنى «مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ»: مائلات للفواحش والشر، زائلات عن الحق، مميلات لغيرهن.\nوقيل: معنى مائلات: يمشين متبخترات، مميلات لأكتافهن.\nوقيل: يمتشطن المشطة الميلاء، وهي مشطة البغايا.\nوأما مميلات فتعني: أنهن يمشطن غيرهن بتلك المشطة.\nومعنى «رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ»: أنهن يعظمن رؤوسهن بالِخرَق واللفائف والعمائم والخُمُر؛ حتى تكون كأن لها رأسًا ثانية، تشبه أسنمة البخت: وهي الإبل التي لها سنامان، وهي إبل تأتي من السودان، وهذا موجود الآن في الممرضات في المستشفيات وغيرها، تعظم رأسها بالخرق كأسنمة البخت المائلة، ويفعل هذا بعض النساء والفتيات في بيوتهن وفي الشوارع.\nوقوله: «يَغْدُونَ فِي غَضَبِ اللَّهِ، وَيَرُوحُونَ فِي سَخَطِ اللَّهِ»: فيه: الوعيد الشديد؛ لأنهم قد ارتكبوا ذنبًا عظيمًا أوجب غضب الله عليهم.\nوفيه: إثبات الغضب والسخط لله، وأنهما من صفاته، كما يليق بجلاله وعظمته.","vol":"8","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1333>بَابُ فَنَاءِ الدُّنْيَا، وَبَيَانِ الْحَشْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ</span>\n\n[٢٨٥٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ قَالَ: سَمِعْتُ مُسْتَوْرِدًا- أَخَا بَنِي فِهْرٍ- يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ- وَأَشَارَ يَحْيَى بِالسَّبَّابَةِ- فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ»، وَفِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا غَيْرَ يَحْيَى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ عَنِ المُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ- أَخِي بَنِي فِهْرٍ- وَفِي حَدِيثِهِ- أَيْضًا- قَالَ: وَأَشَارَ إِسْمَاعِيلُ بِالْإِبْهَامِ.\nفي هذا الحديث: بيان نسبة الدنيا- في فنائها وعدم دوامها وسرعة انقضائها- إلى الآخرة- في بقاء نعيمها ودوامها- كنسبة ما يعلق بالإصبع من الماء إلى باقي البحر، فما تكون هذه النسبة؟ ! قطعًا لا تساوي شيئًا، وهذه هي نسبة الدنيا إلى الآخرة.\nوفي الحديث الآخر يقول النبي ﷺ: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» (^١)، وفي لفظ آخر: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَرَأَى شَاةً شَائِلَةً بِرِجْلِهَا، فَقَالَ: «أَتَرَوْنَ هَذِهِ الشَّاةَ هَيِّنَةً عَلَى صَاحِبِهَا؟»، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٣٢٠)، وابن ماجه (٤١١٠).","vol":"8","page":204},{"text":"عَلَى صَاحِبِهَا، وَلَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» (^١).\n\n[٢٨٥٩] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ ! قَالَ ﷺ: «يَا عَائِشَةُ: الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ».\n[خ: ٦٥٢٧]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ: «غُرْلًا».\nفي هذا الحديث: أنه من شدة الهول والخوف لا ينظر الناس بعضهم إلى بعض، حيث يحشر الناس حفاةً لا نعال لهم، عراةً لا ثياب عليهم، وغرلًا غير مختونين.\nوالمعنى: أنهم يحشرون كما خلقهم الله ليس معهم شيء، قالت عائشة: يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: «يَا عَائِشَةُ: الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»: كلٌّ قد شَخَصَ ببصره إلى السماء، ومن شدة الهول لا أحد ينظر إلى أحد، ولا أحد يدري عن أحد، فليس المقام مقام نظر، المقام مقام ذهول وذعر وخوف ووجل، الشمس فوق الرؤوس دنت حرارتها، كل يهمه نفسه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيه لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤١١٠).","vol":"8","page":205},{"text":"[٢٨٦٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ، وَهُوَ يَقُولُ: «إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللَّهِ مُشَاةً حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا».\nوَلَمْ يَذْكُرْ زُهَيْرٌ فِي حَدِيثِهِ: يَخْطُبُ.\n[خ: ٦٥٢٦]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا بِمَوْعِظَةٍ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾، أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ ﵇، أَلَا وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ- كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ-: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قَالَ: فَيُقَالُ لِي: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ»، وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ وَمُعَاذ، فَيُقَالُ: «إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ».\nفي هذا الحديث: أن أول من يُكسى يوم القيامة إبراهيم ﵊، وهذه منقبة لإبراهيم الخليل، ولا يدل ذلك على أنه أفضل من حفيده نبينا محمد ﷺ؛ لأن لنبينا ﷺ فضائل عامة، والفضيلة الخاصة لا تقابل بالفضائل العامة.","vol":"8","page":206},{"text":"وقوله «وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ»: فيه: أن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب، والمراد بأصحابه هنا: الذين صحبهم من الأعراب، الذين ارتدوا من غطفان وغيرهم، ممن لم يثبت الإيمان في قلوبهم، وهؤلاء لم يعلم النبي ﷺ حالهم.\nوقوله: «فَأَقُولُ: كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ»: العبد الصالح المراد به هنا: عيسى ﵇.","vol":"8","page":207},{"text":"[٢٨٦١] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ، رَاغِبِينَ رَاهِبِينً، وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا».\n[خ: ٦٥٢٢]\nالحشر الذي جاء هنا: حشر في آخر الدنيا، فمن الناس من يحشر راغبًا، ومنهم من يحشر راهبًا، ومنهم من يحشر راكبًا، وتَحشر بقيَّتَهم النارُ، وهذه النار هي آخر أشراط الساعة الكبار، تَحشر الناسَ إلى المحشر، فتبيت معهم حيث باتوا، يعني: إذا جاء وقت النوم وقفت حتى يبيت الناس، ثم تحشرهم، فإذا جاءت القيلولة قالت معهم، وتمسي معهم حيث أمسوا، وتصبح حيث أصبحوا، ومن تخلف أكلته.\nوهناك حشر آخر يوم القيامة، يوم يحشر الناس، ويجمعون للوقوف بين يدي رب العالمين للحساب.\nوهناك حشر ثالث ذكر في القرآن، وهو حشر بني النضير الذي قال الله فيه: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا﴾.","vol":"8","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1334>بَابٌ فِي صِفَةِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَعَانَنَا اللَّهُ عَلَى أَهْوَالِهَا</span>\n\n[٢٨٦٢] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنُونَ ابْنَ سَعِيدٍ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: «يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ».\nوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُثَنَّى قَالَ: «يَقُومُ النَّاسُ» لَمْ يَذْكُرْ: «يَوْمَ».\n[خ: ٤٩٣٨]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ- يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ-.ح وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ. ح وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمَعْنَى حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَصَالِحٍ: «حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ».\n\n[٢٨٦٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنْ ثَوْرٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْعَرَقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيَذْهَبُ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ بَاعًا، وَإِنَّهُ لَيَبْلُغُ إِلَى أَفْوَاهِ النَّاسِ- أَوْ إِلَى آذَانِهِمْ». يَشُكُّ ثَوْرٌ أَيَّهُمَا قَالَ.\n[خ: ٦٥٣٢]\n\n[٢٨٦٤] حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ","vol":"8","page":209},{"text":"الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ»، قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ: فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا يَعْنِي بِالْمِيلِ، أَمَسَافَةَ الْأَرْضِ، أَمِ الْمِيلَ الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَيْنُ؟ قَالَ: «فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا» قَالَ: وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ.\nفي هذا الحديث: دليل على أن الناس يصيبهم كرب وشدة عظيمة يوم القيامة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾، فهو عسير على الكفار، ولكن الله ييسره على المؤمنين برحمته.\nوفيه: أن العرق يُلجم الناس، وتدنو الشمس من رؤوسهم، حتى تكون على قدر ميل، فمنهم: من يذهب عرقه في الأرض سبعين باعًا- والباع أطول من الذراع مرتين- ومنهم: من يبلغ العرق إلى فيه، ومنهم: من يبلغ العرق إلى كعبه، ومنهم: من يبلغ إلى ركبته، ومنهم: إلى حقويه، ومنهم: من يلجمه العرق إلجامًا، ومنهم: من يذهب عرقه في الأرض مسافات على حسب الأعمال.","vol":"8","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1335>بَابُ الصِّفَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ</span>\n\n[٢٨٦٥] حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بْنِ عُثْمَانَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي غَسَّانَ، وَابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ- ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ-: «أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا: كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ، فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ- عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ- إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا، فَقُلْتُ: رَبِّ- إِذًا- يَثْلَغُوا رَأْسِي، فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً، قَالَ: اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ، وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ، وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ، وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ، قَالَ: وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ.\nقَالَ: وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ، الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا، لَا يَبْتَغُونَ أَهْلًا، وَلَا مَالًا، وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ- وَإِنْ دَقَّ- إِلَّا خَانَهُ، وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ»، وَذَكَرَ الْبُخْلَ- أَوِ: الْكَذِبَ- «وَالشِّنْظِيرُ الْفَحَّاشُ».\nوَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو غَسَّانَ فِي حَدِيثِهِ: «وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ","vol":"8","page":211},{"text":"قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ: «كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ».\nحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامٍ صَاحِبِ الدَّسْتَوَائِيِّ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ يَحْيَى: قَالَ شُعْبَةُ: عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو عَمَّارٍ حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنِ الحُسَيْنِ عَنْ مَطَرٍ، حَدَّثَنِي قَتَادَةُ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ- أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ- قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ خَطِيبًا، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ هِشَامٍ عَنْ قَتَادَةَ، وَزَادَ فِيهِ: «وَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ: أَنْ تَوَاضَعُوا؛ حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ»، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: «وَهُمْ فِيكُمْ تَبَعًا، لَا يَبْغُونَ أَهْلًا، وَلَا مَالًا»، فَقُلْتُ: فَيَكُونُ ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ ! قَالَ: نَعَمْ- وَاللَّهِ- لَقَدْ أَدْرَكْتُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْعَى عَلَى الْحَيِّ مَا بِهِ إِلَّا وَلِيدَتُهُمْ يَطَؤُهَا.\nرواي هذا الحديث هو الصحابي: عياض بن حمار ﵁، وبعض الناس تغلط وتقرؤه: حماد، والصواب: حمار، وكانت العرب تسمي بأسماء الحيوانات؛ بسبب كثرة ملابستهم لها، فيسمون: حمارًا، وجحشًا، وصقرًا، وبازًا، وكلبًا ... إلخ.\nوهذا حديث عظيم، وهو حديث قدسي من كلام الله ﷿.\nوقوله: «أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا»: هذا أمر من الله ﷾ لنبيه ﷺ أن يُعلِّم الناس ما جهلوه مما علمه سبحانه، وهذا من تبليغ الرسالة التي أمره الله بها.\nوقوله: «كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ»: المعنى: كل عبد نحلته مالًا فهو","vol":"8","page":212},{"text":"حلال، والنِّحلة هي: العطية، يعني: كل مال أعطيته عبدي عن طريق البيع أو الشراء أو الحراثة أو الكسب والحرفة فهو حلال.\nوقوله: «كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ»: فالأصل هو الحل إلا ما ورد الشرع بالتحريم، وهذا من الأدلة على أن الأصل في الأشياء الإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾.\nوقوله: «وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ، فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ»: فيه: أن الله تعالى خلق عباده حنفاء مسلمين، ففطرهم على دين الإسلام، وهو أنهم يعرفون ربهم ويميلون إلى الحق ويقبلونه، لكن جاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن الفطرة وهي الحنيفية، وهذا كالحديث الآخر: «كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرةِ فأبواهُ يُهوِّدَانِهِ، أو يُنَصِّرانِهِ، أو يُمَجِّسانِهِ» (^١).\nوقوله: «وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا»: فيه: أنه لا يجوز للإنسان أن يحرم شيئًا أحله الله لعباده.\nوفي هذا الحديث: رد على المشركين الذين يحرمون أشياء لم يحرمها الله تعالى، كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.\nوفيه: أن من حرم شيئًا بغير دليل فهو مطيع للشياطين التي حرمت على الناس ما أحل الله لهم، وأمرتهم أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، ولا سلطان على الشرك.\nوقوله: «مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا»: لا يفهم منه: أنه يجوز الإشراك بالله تعالى إذا كان معه سلطان، وإنما هذا القيد لبيان الواقع، كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾، فلا يفهم منه: أنه يجوز أن يُدعَى مع الله إلهٌ آخرُ عليه برهان، ولكن هذا لبيان الواقع.\nوقوله: «وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨).","vol":"8","page":213},{"text":"أَهْلِ الْكِتَابِ»: فيه: أنه قُبيل بعثة النبي عمَّ الشركُ والفساد الأرض كلَّها؛ ولهذا فإن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم؛ لكثرة الشرك فيهم.\nوالمقت: أشد البغض، فهو تعالى يمقت أهل الكفر وأهل المعاصي.\nوفيه: إثبات صفة المقت لله ﷿، وهي صفة ثابتة له تعالى بالكتاب والسنة، فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾، ومن السنة: هذا الحديث الذي معنا.\nوقوله: «وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ، وَأَبْتَلِيَ بِكَ»: بعث الله نبيه ﷺ ابتلاءً وامتحانًا ليبتليَهُ في تبليغ الرسالة، وأداء الأمانة، ويبتليَ الناسَ به، هل ينقادون ويستجيبون، أم يردُّون دعوته ويُعرضون؟ ! وقد بلَّغ ﵇ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده.\nوقوله: «وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ»، يعني: أن القرآن الكريم لا يغسله الماء من المصاحف؛ لأنه محفوظ في الصدور، فلو تَلفتِ المصاحف- بأي سبب كان- فإن القرآن لا يضيع؛ لأنه محفوظ في الصدور، ولا يُنزع القرآن من الصدور إلا في آخر الزمان.\nوقوله: «تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ»: المعنى: أنه ميسر، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾، وإذا كان ميسَّرًا للحفظ فإن الإنسان يتلوه حال اليقظة، وقد يتلوه حال النوم؛ لأنه محفوظ وموجود في صدره.\nوقوله: «وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا، فَقُلْتُ: رَبِّ- إِذًا- يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً، قَالَ: اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ، وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ»: يثلغوا رأسي، أي: يشدخوه ويشجوه، كما يشدخ الخبز، أي: يُكسر (^١)، وقد أمره الله تعالى أن يغزوهم، فهو يفعل السبب، والله تعالى يُمده بالإعانة.\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (١/ ٢٢٠)، لسان العرب، لابن منظور (٨/ ٤٢٣).","vol":"8","page":214},{"text":"وقوله: «اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ، وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ»، يعني: أخرجهم من بلادهم كما أخرجوك وأخرجوا المهاجرين من ديارهم وأموالهم، ففيه: الأمر بالجهاد، ولعل هذا كان بعد الهجرة.\nوقوله: «وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ»: فيه: وعد بالخلف، قال الله تعالى: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾.\nوقوله «وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ»: فيه: وعد بالإمداد بالملائكة، كما أمده الله بهم يوم بدر، ويوم حنين.\nوقوله: «وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ»: هذا أمر بالجهاد، وكان ذلك بعد هجرته ﵊.\nوقوله: «وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ»: المراد: أن هؤلاء من أهل الجنة، لا أن أهل الجنة محصورون في هذه الأصناف الثلاثة، فلا يدخلها غيرهم.\nوكل هذه الأوصاف لا بد أن يكون معها الإيمان بالله ورسوله، وإلا فلو كان السلطان العادل كافرًا فإنه لا يدخل الجنة، وكذلك الرجل الرحيم رقيق القلب للمسلمين ولقرابته إذا كان غيرَ مؤمن فلا تنفعه رقة قلبه ورحمته ... وهكذا، وقد ثبت أن النبي ﷺ أمر مناديًا ينادي في الناس: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ» (^١).\nوقوله: «وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ»، أي: لا عقل له يزبره ويمنعه مما لا ينبغي.\nوقيل: الذي لا مال له.\nوقيل: الذي ليس عنده ما يعتمده.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥٩٤)، والترمذي (٣٠٩٢).","vol":"8","page":215},{"text":"وقوله: «الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا، لَا يَبْتَغُونَ أَهْلًا، وَلَا مَالًا»: هو الرجل الذي لا مال له، لكن لا يطلب أهلًا، ولا مالًا.\nوقوله: «وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ- وَإِنْ دَقَّ- إِلَّا خَانَهُ»، يعني: الخائن الذي لا يظهر له طمع إلا خان وإن دق هذا الطمع، يعني: مع كفره.\nوهذا من باب الوعيد الشديد، فإن كان مسلمًا يكون متوعَّدًا بالنار، وإن كان كافرًا فهو مخلد فيها.\nوقوله: «وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ»: هذا الثالث هو المخادع الذي يخادع الناس في أهلهم ومالهم.\nوقوله: «وَالشِّنْظِيرُ الْفَحَّاشُ»: الشنظير: فسره في الحديث بالمتفحش، وهو السيء الخلق.\nوقوله: «فَقُلْتُ: فَيَكُونُ ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ ! قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ لَقَدْ أَدْرَكْتُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْعَى عَلَى الْحَيِّ مَا بِهِ إِلَّا وَلِيدَتُهُمْ يَطَؤُهَا»: أبو عبد الله هو مطرف، والسائل له عن هذا قتادة، والمعنى: أن الرجل يرعى على أهل الحي لا لأجل الكسب للأهل والأولاد، وإنما لأجل أن يطأ وليدتهم فقط، والوليدة هي الجارية، وهذا بسبب ضَعَة همته وخستها.","vol":"8","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1336>بَابُ عَرْضِ مَقْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ</span>،\nوَإِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَالتَّعَوُّذِ مِنْهُ\n\n[٢٨٦٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، يُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\n[خ: ١٣٧٩]\nحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَالْجَنَّةُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَالنَّارُ، قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ الَّذِي تُبْعَثُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\n\n[٢٨٦٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ: وَأَخْبَرَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَلَمْ أَشْهَدْهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِيهِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ- وَنَحْنُ مَعَهُ- إِذْ حَادَتْ بِهِ، فَكَادَتْ تُلْقِيهِ، وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ، أَوْ خَمْسَةٌ، أَوْ أَرْبَعَةٌ- قَالَ: كَذَا كَانَ يَقُولُ: الْجُرَيْرِيُّ- فَقَالَ: «مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ؟»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ: «فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ؟» قَالَ: مَاتُوا فِي الْإِشْرَاكِ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ»، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ» قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، فَقَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ","vol":"8","page":217},{"text":"الْفِتَنِ؛ مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَمَا بَطَنَ» قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ؛ مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَمَا بَطَنَ، قَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ.\n\n[٢٨٦٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ».\nقوله: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ»: هذا العرض إنما هو في القبر.\nوفي هذا الحديث: إثبات عذاب القبر ونعيمه، والرد على من أنكره كالمعتزلة وغيرهم.\nقوله: «فَكَادَتْ تُلْقِيهِ»، أي: الدابة؛ وذلك لأنها سمعت أصوات هؤلاء المعذبين فاستنكرتها، فكادت أن تلقي النبي ﷺ من على ظهرها.\nقال ابن القيم ﵀: «ولهذا السبب يذهب الناس بدوابهم إذا مَغَلت (^١) إلى قبور اليهود والنصارى والمنافقين، كالإسماعيلية والنصيرية والقرامطة من بني عُبيد وغيرهم الذين بأرض مصر والشام، فإن أصحاب الخيل يقصدون قبورهم لذلك، كما يقصدون قبور اليهود والنصارى، قالوا: فإذا سمعت الخيلُ عذابَ القبر أحدث لها ذلك فزعًا وحرارة تذهب بالمغل» (^٢).\nوقد دلت النصوص من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ على إثبات عذاب القبر ونعيمه، وإثبات إقعاد الميت وسؤاله عن ربه ودينه ونبيه، وعرض مقعده من الجنة والنار عليه، قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا\n_________\n(^١) المغل: مغص يصيب الدواب إذا أكلت الترابَ مع العلف. النهاية، لابن الأثير (٤/ ٣٤٦)، لسان العرب، لابن منظور (١١/ ٦٢٦).\n(^٢) الروح، لابن القيم (ص ٥٣).","vol":"8","page":218},{"text":"وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، فالنار التي يعرضون عليها غدوًّا وعشيًّا تكون في القبر، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.\nومن أدلة عذاب القبر كذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ هذا عند التوفي، وهو نوع من أنواع عذاب القبر، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾.\nومن أدلة نعيم القبر: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾.\nومن السنة: أحاديث كثيرة وصلت حد التواتر، منها: أن النبي ﷺ كان يأمر المصلي في التشهد الأخير أن يستعيذ بالله من أربعة، فقال ﵇: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ؛ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» (^١).\nومن أدلة سؤال القبر: قوله ﷺ: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا»، يعني: تُختبر وتُسأل، وفي حديث البراء بن عازب ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ، وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «اسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَإِقْبَالٍ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٨٨).","vol":"8","page":219},{"text":"مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ، ﵇، حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ. قَالَ: فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا، فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ، وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.\nقَالَ: فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ- يَعْنِي: بِهَا- عَلَى مَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ- بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا- حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللهُ ﷿: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ؛ فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى. قَالَ: فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللهِ، فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ. قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا، وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ.\nقَالَ: وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، وَمَالِي. قَالَ: وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ، مَعَهُمُ الْمُسُوحُ، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ، حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ، اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللهِ وَغَضَبٍ.\nقَالَ: فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ،","vol":"8","page":220},{"text":"فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ- بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا- حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ، فَلَا يُفْتَحُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾، فَيَقُولُ اللهُ ﷿: اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا.\nثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ، فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾، فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ كَذَبَ، فَافْرِشُوا لَهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا، وَسَمُومِهَا، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ، حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ، لَا تُقِمِ السَّاعَةَ» (^١).\nوفي حديث آخر عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ- أَوْ قَالَ: أَحَدُكُمْ- أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ، يُقَالُ لأَحَدِهِمَا: الْمُنْكَرُ، وَلِلآخَرِ: النَّكِيرُ، فَيَقُولانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: مَا كَانَ يَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ، ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ، فَيَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ، فَيَقُولانِ: نَمْ كَنَوْمَةِ العَرُوسِ الَّذِي لا يُوقِظُهُ إِلَاّ أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ، حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٨٥٣٤)، وأبو داود (٤٧٥٣).","vol":"8","page":221},{"text":"قَالَ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ، فَقُلْتُ مِثْلَهُ، لا أَدْرِي، فَيَقُولانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ، فَيُقَالُ لِلأَرْضِ: التَئِمِي عَلَيْهِ، فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ، فَتَخْتَلِفُ فِيهَا أَضْلاعُهُ، فَلا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ» (^١) - اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة!\nوقوله: «لولا ألَّا تَدَافَنُوا»، أي: لولا خوفي أن تتركوا التدافن مخافة أن يصيبكم من العذاب ما أصاب الميت «لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»، أي: عذاب الميت في القبر؛ فإنكم لو سمعتم ذلك لتركتم موتاكم بلا دفن مخافة أن يعذبوا، أو لاشتغال كل منكم بنفسه حتى يفضي بكم هذا إلى ترك التدافن.\nوقيل: إن (لا) زائدة، ومعناه: لولا أن تموتوا من سماعه؛ فإن القلوب لا تطيق سماعه، فيصعق الإنسان لوقته، فكنى عن الموت بالتدافن.\nوقيل: المعنى: لولا أنكم تُفشون ما تسمعون من تعذيب فلان وتتحدثون به ولا تكتمونه لدعوت الله أن يُسمعكم من عذاب القبر ما أسمع.\nوفيها: دليل على وجوب الإيمان بعذاب القبر.\nوفيها: أن النبي ﷺ أمر أُمتَه بالتعوذ بالله من عذاب القبر، ومن الفتن ما ظهر منها، وما بطن، ومن فتنة المسيح الدجال.\nوقد خالف في إثبات عذاب القبر ونعيمه الخوارج والمعتزلة:\nأما المعتزلة فأنكروا عذاب القبر ونعيمه، وقالوا: إن العذاب إنما يكون للروح، وأما الجسد فلا يعذَّب (^٢)، وهذا من جهلهم وضلالهم.\nوالصواب: أن الروح تُعذَّب وتُنعَّم مفردة، ومتصلة بالجسد، والأحكامُ في البرزخ على الروح أَغْلبُ منها على البدن، ويوم القيامة على الروح\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١٠٧١).\n(^٢) مقالات الإسلاميين، للأشعري (٢/ ٣١٨).","vol":"8","page":222},{"text":"والجسد على حد سواء، كلٌّ ينال قسطه من العذاب، أو من النعيم.\nوحجة المعتزلة وغيرهم من العقلانيين: أننا لو فتحنا القبر لَمَا وجدنا نارًا يُعذَّب بها الميت، ولا وجدنا نعيمًا ينعم به، ولا وجدنا أن الميت يفسح له في قبره مدَّ البصر، ولا نجد ملكين يُقعدانه.\nوهذا من جهلهم وضلالهم؛ لأن هؤلاء- والعياذ بالله- حكموا عقولهم القاصرة على النصوص، وردوا منها ما لم تقبله، فأحوال الآخرة والبرزخ تخالف أحوال الدنيا وأحكامها، فهي أمور غيبية يجب على المسلم أن يؤمن بها ويُسَلِّم بما جاء فيها من نصوص.\nثم إننا نشاهد في الدنيا نموذجًا مقارِبًا لأحوال البرزخ، فهذا النائم أحيانًا يتعذب بما يراه من كوابيسَ مزعجةٍ، وأحيانًا يتنعم بما يراه من رُؤًى صالحة، وأحلام طيبة، ومَن بجواره لا يدري عنه شيئًا.\nوكذلك جبريل ﵇ كان ينزل بالوحي على النبي ﷺ وهو بجوار الصحابة، وهم لا يعلمون شيئًا، ولا يرون الملك، ولا يسمعون صوته.","vol":"8","page":223},{"text":"[٢٨٦٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ البَرَاءِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا، فَقَالَ: «يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا».\n[خ: ١٣٧٥]\nفي هذا الحديث: أن الكفرة يعذبون في قبورهم، وكذلك بعض العصاة يعذبون كما في الحديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ: فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ»، ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ ! قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» (^١)، فالكافر يعذب عذابًا مستمرًّا في قبره، والعاصي قد يعذب، وقد لا يعذب، وقد ينقطع العذاب عنه، والمؤمن المطيع يسلِّمه الله من عذاب القبر.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٨)، ومسلم (٢٩٢).","vol":"8","page":224},{"text":"[٢٨٧٠] حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ» قَالَ: «يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟» قَالَ: «فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» قَالَ: «فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ» قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا، قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَيُمْلَأُ عَلَيْهِ خَضِرًا إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.\n[خ: ١٣٧٤]\nفي هذا الحديث: أن الإنسان له مقعدان: مقعد من الجنة، ومقعد من النار، وأنه يراهما جميعًا، وأنه يقال له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدًا من الجنة.\nوفيه: أنه تَرجع إلى العبد روحُه عند السؤال، ثم بعد ذلك تصعد روح المؤمن إلى الجنة، وتهبط روح الكافر إلى النار.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الْمَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا انْصَرَفُوا».\nحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: ابْنَ عَطَاءٍ- عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ»، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ شَيْبَانَ عَنْ قَتَادَةَ.\nفي هذا الحديث: أن الميت تُرَدُّ إليه روحه، ويسمع قرع نعال مُشيِّعيه،","vol":"8","page":225},{"text":"وهذا مستثنى من قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾، وقوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، ويستثنى منه- أيضًا-: نداء النبي ﷺ على قتلى بدر (^١)، وسماع الميت كلام الملائكة، وكذلك- أيضًا- سماعه ﷺ سلام المسلم عليه، على خلاف بين العلماء.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٩٨٠)، ومسلم (٩٣٢).","vol":"8","page":226},{"text":"[٢٨٧١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ، فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ، فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾».\n[خ: ١٣٦٩]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يَعْنُونَ ابْنَ مَهْدِيٍّ- عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ.\n\n[٢٨٧٢] حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا بُدَيْلٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يُصْعِدَانِهَا، قَالَ حَمَّادٌ: فَذَكَرَ مِنْ طِيبِ رِيحِهَا، وَذَكَرَ الْمِسْكَ قَالَ: وَيَقُولُ: أَهْلُ السَّمَاءِ رُوحٌ طَيِّبَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ، فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ ﷿، ثُمَّ يَقُولُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ، قَالَ: وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ- قَالَ حَمَّادٌ: وَذَكَرَ مِنْ نَتْنِهَا، وَذَكَرَ لَعْنًا- وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ، قَالَ: فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَيْطَةً كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ هَكَذَا.\nقوله: «فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَيْطَةً كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ»، يعني: ثوبًا رقيقًا من أجل اتقاء الريح الخبيثة.","vol":"8","page":227},{"text":"[٢٨٧٣] حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كُنْتُ مَعَ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ عُمَرَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَتَرَاءَيْنَا الْهِلَالَ، وَكُنْتُ رَجُلًا حَدِيدَ الْبَصَرِ، فَرَأَيْتُهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَأَىهُ غَيْرِي، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَقُولُ لِعُمَرَ: أَمَا تَرَاهُ؟ ! فَجَعَلَ لَا يَرَاهُ، قَالَ: يَقُولُ عُمَرُ: سَأَرَاهُ وَأَنَا مُسْتَلْقٍ عَلَى فِرَاشِي، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا عَنْ أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُرِينَا مَصَارِعَ أَهْلِ بَدْرٍ بِالْأَمْسِ، يَقُولُ: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ» قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا أَخْطَئُوا الْحُدُودَ الَّتِي حَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَجُعِلُوا فِي بِئْرٍ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، وَيَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَقًّا؟ ! فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي اللَّهُ حَقًّا»، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تُكَلِّمُ أَجْسَادًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا؟ ! قَالَ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيَّ شَيْئًا».\n\n[٢٨٧٤] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، يَا أُمَيَّةُ بْنَ خَلَفٍ، يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ ! فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا!»، فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَسْمَعُوا، وَأَنَّى يُجِيبُوا، وَقَدْ جَيَّفُوا؟ ! قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا»، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ، فَسُحِبُوا، فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ.\n\n[٢٨٧٥] حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدٍ","vol":"8","page":228},{"text":"عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ. ح وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِبِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا، وَفِي حَدِيثِ رَوْحٍ: بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، فَأُلْقُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ.\n[خ: ٣٩٧٦]\nقوله: «وَكُنْتُ رَجُلًا حَدِيْدَ الْبَصَرِ»، يعني: نافذ البصر، وقد كان أنس ﵁ يرى الهلال وأمير المؤمنين عمر لا يراه.\nوفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ عيَّن مَصَارع الكفرة، وقال: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان ... إلخ، وهذا إنما هو بوحي من الله تعالى.\nوقوله: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَسْمَعُوا، وَأَنَّى يُجِيبُوا، وَقَدْ جَيَّفُوا؟ !»، يعني: قد صاروا جيفًا وأنتنوا، قال ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا»: وهذا مستثنى من قوله تعالى: ﴿ومَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ ونحوه، كما مر.\nقوله: «فَأُلْقُوا فِي طَوِيٍّ»، يعني: فألقوا في بئر.","vol":"8","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1337>بَابُ إِثْبَاتِ الْحِسَابِ</span>\n\n[٢٨٧٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ حُوسِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ»، فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، فَقَالَ: «لَيْسَ ذَاكِ الْحِسَابُ، إِنَّمَا ذَاكِ الْعَرْضُ، مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ».\n[خ: ١٠٣]\nحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْحَكَمِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ- حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ الْقُشَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ القَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ إِلَّا هَلَكَ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿حِسَابًا يَسِيرًا﴾ قَالَ: «ذَاكِ الْعَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ».\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ»، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي يُونُسَ.\nفي هذا الحديث: بيان الفرق بين الحساب، وبين العرض.\nوفيه: أن عائشة ﵂ راجعتِ النبي ﷺ في قوله: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ»؛ فإن الله تعالى قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، فظاهر الآية: أن الذي يحاسب حسابًا يسيرًا لا","vol":"8","page":230},{"text":"يعذَّب، وظاهر الحديث: أن الذي يحاسَب يُعَذَّب، فَأُشكل هذا على عائشة ﵂ فجمع النبي ﷺ بين الآية والحديث بأن المراد: من نوقش الحساب عُذِّب، كأن يُسأل: لمَ فعلتَ كذا؟ أما في العرض فإنه تُعرَض عليه أعماله دون سؤال، ثم تُغفر له.\nوفيه: مراجعة المسؤول والكبير والعالم فيما يُشكل من الكتاب والسنة، ومسائل العلم.","vol":"8","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1338>بَابُ الْأَمْرِ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْمَوْتِ</span>\n\n[٢٨٧٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ- قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثٍ- يَقُولُ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ».\nوَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمٌ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ- قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ- يَقُولُ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ ﷿».\nفي هذا الحديث: دليل على أنه ينبغي على الإنسان أن يحسن الظن بالله ﷿، وذلك مع إحسان العمل، فإن من حسن عمله حسن ظنه، ومن ساء عمله ساءت ظنونه، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ» (^١).\nوقوله: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ»: فيه: أنه ينبغي للإنسان عند الموت أن يُغَلِّبَ جانب الرجاء، وأما في حال الصحة فينبغي أن يُغَلِّبَ جانب الخوف؛ حتى يحمله الخوف على العمل والاجتهاد، وترك المعاصي.\nقال بعض العلماء: ينبغي أن يكون الرجاء والخوف على حد سواء كجناحي الطائر، فإن المؤمن يطير إلى الله تعالى بجناحي الخوف والرجاء،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦٠١٦).","vol":"8","page":232},{"text":"فهما كجناحي الطائر، فإذا بقي الجناحان استقام الطيران، وإن قُطع أحدهما هلك الطائر.\n\n[٢٨٧٨] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ.\nفي هذا الحديث: أن الإنسان يبعث على ما مات عليه من خير، أو شر، فمن مات على الخير بُعث على الخير، ومن مات على الشر بُعث على الشر.\nوفيه: بيان أن الخاتمة لها تأثير، فمن مات على حُسن خاتمة بُعث على ما مات عليه، ومن مات على سوء خاتمة بُعث على ما مات عليه، ومن ذلك: ما جاء في الحديث: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ وَالمَرْأَةُ بِطَاعَةِ اللهِ سِتِّينَ سَنَةً، ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ، فَيُضَارَّانِ فِي الوَصِيَّةِ، فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ»، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٨٦٧)، والترمذي (٢١١٧).","vol":"8","page":233},{"text":"[٢٨٧٩] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ».\n[خ: ٧١٠٨]\nفي هذا الحديث: أن الله إذا أراد بقوم عذابًا أصاب الجميعَ، ثم بُعثوا على نياتهم، يعني: إذا جاءت العقوبات فإنها تعم الصالح والطالح، ثم البعث بعد ذلك يكون على حسب النيات، وعليها يجازَون.\nوفيه: أن الناس إذا رأوا منكرًا فلم يغيروه أوشك أن يعمَّهم اللهُ بعقاب من عنده، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾.\n\n* * *","vol":"8","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1339>كِتَابُ الْفِتَنِ، وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ</span>","vol":"8","page":236},{"text":"كِتَابُ الْفِتَنِ، وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-1340>بَابُ اقْتِرَابِ الْفِتَنِ، وَفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ</span>\n\n[٢٨٨٠] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ» - وَعَقَدَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ عَشَرَةً- قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ».\n[خ: ٣٣٤٦]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، وَزُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادُوا فِي الْإِسْنَادِ عَنْ سُفْيَانَ، فَقَالُوا: عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ حَبِيبَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ.\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ أَخْبَرَتْهَا أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَزِعًا مُحْمَرًّا وَجْهُهُ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ» - وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَامِ، وَالَّتِي تَلِيهَا- قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ ! قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ».\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي،","vol":"8","page":237},{"text":"حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ.\n\n[٢٨٨١] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ» وَعَقَدَ وُهَيْبٌ بِيَدِهِ تِسْعِينَ.\n[خ: ٣٣٤٧]\nفي هذا الحديث: دليل على أنه ينبغي الحذر من المعاصي؛ لأنها سبب للهلاك إذا كثرت، ولو وُجد الصالحون، فتعم العقوبة الصالح والطالح، ثم يبعثون على نياتهم.\nوقولها: «أَنَهْلِكُ»: بكسر اللام على اللغة الفصيحة المشهورة، وحكي فتحها، وهو ضعيف.\nوفيه: نُصحُ النبي ﷺ لأمته، وتحذيره إياهم من الفتن.\nوفيه: مشروعية ذكر الله ﷿ عند الفزع، وعند حصول ما يُخَافُ منه.\nوقوله: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ»: خص العربَ؛ لأنهم أصل مادة الإسلام.\nوقوله: «فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ»: يأجوج ومأجوج فيهما لغتان:\nيأجوج ومأجوج بتحقيق الهمزة، ويقال: ياجوج وماجوج بإبدال الهمزة حرف مد من جنس حركة ما قبلها، وهو هنا الألف (^١).\nوهما أمتان من بني آدم كافرتان، سُمُّوا يأجوج ومأجوج، من الأجيج، وهو اختلاط الأصوات؛ لكثرتهم، ويقال: هم أهل الصين؛ لأنهم كثيرون.\n_________\n(^١) الصحاح، للجوهري (١/ ٢٩٨)، القاموس المحيط، للفيروز آبادي (١/ ١٧٩).","vol":"8","page":238},{"text":"وذو القرنين بنى السد بينهم وبين الناس، كما أخبر الله تعالى، فيحتمل أنهم باقون في السد، وأن الله ﷾ أخفى السد عن الناس، أو أنه أزال السد، ولكنهم لا يظهرون إلا بعد نزول عيسى ابن مريم ﵇، وخروجهم هو العلامة الرابعة من علامات الساعة بعد المهدي، والدجال، ونزول عيسى ﵇.\nقال النووي ﵀: «قوله: «فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ- وَعَقَدَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ عَشَرَةً»، كذا وقع في رواية سفيان عن الزهري، ووقع بعده في رواية يونس عن الزهري: «وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها»، وفي حديث أبي هريرة ﵁ بعده: «وعقد وهيب بيده تسعين»، فأما رواية سفيان ويونس فمتفقتان في المعنى، وأما رواية أبي هريرة ﵁ فمخالفة لهما؛ لأن عقد التسعين أضيق من العشرة، قال القاضي: «لعل حديث أبي هريرة ﵁ متقدم، فزاد قدر الفتح بعد هذا القدر، قال: أو يكون المراد: التقريب بالتمثيل، لا حقيقة التحديد، ويأجوج ومأجوج غير مهموزين، ومهموزان» (^١).\nوفيه: لطيفة إسنادية، وهي اجتماع أربع صحابيات: زوجتان للنبي ﷺ، وربيبتان له:\nأما الزوجتان: فهما أم حبيبة ﵂، وزينب بنت جحش ﵂.\nوأما الربيبتان: فزينب بنت أبي سلمة ﵂، وحبيبة بنت أم حبيبة ﵂، ولا يوجد حديث اجتمع فيه أربع صحابيات إلا هذا الحديث، قال النووي ﵀: «هذا الإسناد اجتمع فيه أربع صحابيات زوجتان لرسول الله ﷺ وربيبتان له بعضهن عن بعض ولا يُعلَم حديث اجتمع فيه أربع صحابيات بعضهن عن بعض غيره» (^٢).\nوقوله: «قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ ! قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ»:\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ٣).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ٢).","vol":"8","page":239},{"text":"فيه: دليل على أنه إذا كثرت المعاصي هلك الناس، وجاءت العقوبات، فتَعُمُ الصالح، والطالح- ولا حول ولا قوه إلا بالله! - ثم يُبعثون على نياتهم، والحديث يوافق قوله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب﴾، أي: أن الفتنة لا تخص الظالمين، بل تعم الظالم، وغير الظالم.\nوالعقوبات كثيرة، منها: قسوة القلوب، ومنها: تسليط الأعداء، ومنها: السيول الجارفة، ومنها: الفيضانات المدمرة، ومنها: الرياح العاصفة الشديدة.\nفالواجب على المسلم الحذر من المعاصي، وأن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر حتى لا تعم العقوبات.\nوروى الإمام أحمد بسند جيد أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابِهِ» (^١).\nوالله تعالى قص علينا في القرآن الكريم قصة أصحاب السبت، وأنهم صاروا ثلاث فرق:\nالأولى: فعلت المعصية، واصطادت الحوت في يوم السبت الذي حرم الله عليهم الاصطياد فيه.\nالثانية: أنكرت عليهم.\nالثالثة: سكتت، فلما جاءت العقوبة نجَّى الله الذين أنكروا المنكر، وخلَّد ذكرهم إلى قيام الساعة، وأما الذين سكتوا فسكت الله عنهم جزاء وفاقًا، وقيل: إنهم هلكوا معهم، قال تعالى- حاكيًا حال الفِرَق الثلاث-: ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرَّعًا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣٠)، والترمذي (٢١٦٨)، وأبوداود (٤٣٣٨)، وابن ماجه (٤٠٠٥).","vol":"8","page":240},{"text":"نبلوهم بما كانوا يفسقون﴾.\nولما قال الساكتون: ﴿لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا﴾، فهذا لا يفيدهم، بل هم هالكون، قالت الطائفة المنكِرة: لا، بل فيه فائدة، وهي: ﴿معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون﴾.\nفإنكار المنكر له فائدتان:\nالأُولى: الإعذار إلى الله تعالى ﴿معذرة إلى ربكم﴾.\nالثانية: رجاء زوال المنكر ﴿ولعلهم يتقون﴾.\nوقد ضرب النبي ﷺ مثلًا للقائمين على حدود الله، وللواقعين فيها، فقال: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا» (^١)، أي: إذا أخذوا على أيديهم ولم يتركوهم يخرقون السفينة نجوا، وإذا تركوهم يخرقون السفينة دخل الماء وغرق أهل الدور الأول وأهل الدور الثاني جميعًا، فكذلك أهل المعاصي إذا تُركوا هلكوا وهلك من سكت عنهم، وإذا أخذوا على أيديهم وأمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر سلم العصاة من العقوبة وسلم غيرهم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٩٣).","vol":"8","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1341>بَابُ الْخَسْفِ بِالْجَيْشِ الَّذِي يَؤُمُّ الْبَيْتَ</span>\n\n[٢٨٨٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ابْنِ الْقِبْطِيَّةِ قَالَ: دَخَلَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ وَأَنَا مَعَهُمَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَسَأَلَاهَا عَنِ الجَيْشِ الَّذِي يُخْسَفُ بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَعُوذُ عَائِذٌ بِالْبَيْتِ، فَيُبْعَثُ إِلَيْهِ بَعْثٌ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ خُسِفَ بِهِمْ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ كَارِهًا؟ قَالَ: «يُخْسَفُ بِهِ مَعَهُمْ، وَلَكِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيَّتِهِ».\nوَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هِيَ بَيْدَاءُ الْمَدِينَةِ.\nحَدَّثَنَاه أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِ قَالَ: فَلَقِيتُ أَبَا جَعْفَرٍ، فَقُلْتُ: إِنَّهَا إِنَّمَا قَالَتْ: بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: كَلَّا وَاللَّهِ إِنَّهَا لَبَيْدَاءُ الْمَدِينَةِ.\nقوله: «فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ»: البيداء: هي الأرض الملساء التي ليس فيها شيء، وبيداء المدينة: الشرف الذي أمام ذي الحليفة من جهة مكة.\nوقوله: «وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ هِيَ بَيْدَاءُ الْمَدِينَةِ»: هذا القول من كيس أبي جعفر؛ إذ لا دليل على تحديد البيداء بأنها بيداء المدينة.\nوفي هذا الحديث: دليل على أن العقوبات إذا جاءت تَعُمُّ.","vol":"8","page":242},{"text":"[٢٨٨٣] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ صَفْوَانَ، سَمِعَ جَدَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي حَفْصَةُ: أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَيَؤُمَّنَّ هَذَا الْبَيْتَ جَيْشٌ يَغْزُونَهُ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوْسَطِهِمْ، وَيُنَادِي أَوَّلُهُمْ آخِرَهُمْ، ثُمَّ يُخْسَفُ بِهِمْ، فَلَا يَبْقَى إِلَّا الشَّرِيدُ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْهُمْ»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَشْهَدُ عَلَيْكَ أَنَّكَ لَمْ تَكْذِبْ عَلَى حَفْصَةَ، وَأَشْهَدُ عَلَى حَفْصَةَ أَنَّهَا لَمْ تَكْذِبْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.\nقوله: «لَيَؤُمَّنَّ هَذَا الْبَيْتَ»، يعني: ليقصِدَنَّ هذا البيتَ.\nوقوله: «يُخْسَفُ بِأَوْسَطِهِمْ، وَيُنَادِي أَوَّلُهُمْ آخِرَهُمْ، ثُمَّ يُخْسَفُ بِهِمْ»، يعني: أن هذا الجيش يُخسف به حمايةً من الله لبيته، كما أهلك الله تعالى أصحاب الفيل الذين جاؤوا مع أبرهة ملك الحبشة لهدم الكعبة، قال تعالى: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول﴾ [؟؟:؟؟]، وكان ذلك العام هو العام الذي وُلد فيه النبي ﷺ، وسمي بعام الفيل.\nوفي هذا الحديث: أن الخسف وقع بالجيش الذي قصد البيت الحرام يغزوه، كما أنه سيقع في آخر الزمان.","vol":"8","page":243},{"text":"وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ الْعَامِرِيِّ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «سَيَعُوذُ بِهَذَا الْبَيْتِ- يَعْنِي: الْكَعْبَةَ- قَوْمٌ لَيْسَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ، وَلَا عَدَدٌ، وَلَا عُدَّةٌ، يُبْعَثُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ خُسِفَ بِهِمْ».\nقَالَ يُوسُفُ: وَأَهْلُ الشَّأْمِ يَوْمَئِذٍ يَسِيرُونَ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا هُوَ بِهَذَا الْجَيْشِ، قَالَ زَيْدٌ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ الْعَامِرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ عَنِ الحَارِثِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْجَيْشَ الَّذِي ذَكَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ.\n\n[٢٨٨٤] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: عَبَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَنَامِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَنَعْتَ شيئًا فِي مَنَامِكَ لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ؟ فَقَالَ: «الْعَجَبُ، إِنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَؤُمُّونَ بِالْبَيْتِ بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، قَدْ لَجَأَ بِالْبَيْتِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الطَّرِيقَ قَدْ يَجْمَعُ النَّاسَ، قَالَ: «نَعَمْ، فِيهِمُ الْمُسْتَبْصِرُ وَالْمَجْبُورُ، وَابْنُ السَّبِيلِ، يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا، وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى، يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ».\n[خ: ٢١١٨]\nقوله: «قَوْمٌ لَيْسَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ، وَلَا عَدَدٌ وَلَا عُدَّةٌ»، يعني: ليس عندهم قوة يدافعون بها عن أنفسهم.\nوقولها: «عَبَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَنَامِهِ»، يعني: اضطرب جسمه في المنام، وحرك أطرافه كأنه يأخذ شيئًا، أو يدافع عن شيء، فسئل عن ذلك،","vol":"8","page":244},{"text":"فقال: «الْعَجَبُ، إِنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَؤُمُّونَ بِالْبَيْتِ بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، قَدْ لَجَأَ بِالْبَيْتِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ».\nوقوله: «نَعَمْ، فِيهِمُ الْمُسْتَبْصِرُ، وَالْمَجْبُورُ، وَابْنُ السَّبِيلِ، يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا»: فالمستبصر: المستبين لذلك الأمر القاصد له عمدًا، والمجبور: المكره، وابن السبيل: الذي تبع الجيش وليس منهم، كل هؤلاء يهلكهم الله مهلكًا واحدًا، فتنزل العقوبة وتعم الجميع.\nوقوله: «وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ»، يعني: يُبعثون على نياتهم، فمن كانت له نية سيئة- مثل المستبصر- فإنه يعاقَب عليها، ومن لم تكن له نية سيئة- كالمجبور وابن السبيل- فلا يعاقب أصلًا.\nوالعقوبة في الدنيا لَمَّا تأتي لا تحاشي أحدًا، وإنما تعم الجميع؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «خُسِفَ بِهِمْ»، أي: جميعًا- ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nوفي هذا الحديث: أن جيشًا يغزو قومًا في مكة ليس لهم منعة، ولا عدد، ولا عدة.\nوفيه: أن الإنسان يجب أن يبتعد عن أهل السوء والشر؛ لئلا يصيبه ما أصابهم.\nوفيه: أن من كثَّر سواد أهل الشر وكان معهم أصابه ما أصابهم من العقوبات.","vol":"8","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1342>بَابُ نُزُولِ الْفِتَنِ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ</span>\n\n[٢٨٨٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُسَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَشْرَفَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ».\n[خ: ١٨٧٨]\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\n\n[٢٨٨٦] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَالْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: أَخْبَرَنِي، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَتَكُونُ فِتَنٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفُهُ، وَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأً فَلْيَعُذْ بِهِ».\n[خ: ٣٦٠١]\nحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَالْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: أَخْبَرَنِي، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُطِيعِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا، إِلَّا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ يَزِيدُ: مِنَ الصَّلَاةِ صَلَاةٌ مَنْ فَاتَتْهُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ.\nقوله: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَشْرَفَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ»: الأطم هو: الحصن، وجمعه آطام، أي: أشرف وعلا على حصن من حصون المدينة.","vol":"8","page":246},{"text":"وقوله: «هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ»: شبَّه الفتن بالقطر لكثرتها وعمومها، أي: إنها كثيرة وعامة لا تختص بطائفة دون طائفة.\nوفي هذه الأحاديث: دليل من دلائل نبوته ﷺ؛ حيث وقع ما أخبر به ﵊ كما أخبر.\nوفيها: التحذير من الدخول في الفتن، وأنه مَن وَجَدَ ملجأً فليعذ به، أي: فلينأ عن هذه الفتن ويبتعد عنها، ولا يشارك فيها، وأنه كلما ابتعد الإنسان عن الفتن كان ذلك أسلمَ لدينه.\nوقوله: «سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ»: لأن القائم متهيئ لِدُخولها، والمشاركة فيها، «وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي»: الماشي هو الذي يمشي رويدًا، فهذا خير من الساعي، وكلما بعد الإنسان عن الفتن كان أسلمَ لدينه.","vol":"8","page":247},{"text":"حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَكُونُ فِتْنَةٌ، النَّائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْيَقْظَانِ، وَالْيَقْظَانُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً، أَوْ مَعَاذًا فَلْيَسْتَعِذْ».\n\n[٢٨٨٧] حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ الشَّحَّامُ قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَفَرْقَدٌ السَّبَخِيُّ إِلَى مُسْلِمِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ- وَهُوَ فِي أَرْضِهِ- فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَقُلْنَا: هَلْ سَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ فِي الْفِتَنِ حَدِيثًا؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يُحَدِّثُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إِلَيْهَا، أَلَا فَإِذَا نَزَلَتْ- أَوْ: وَقَعَتْ- فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ» قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبِلٌ، وَلَا غَنَمٌ، وَلَا أَرْضٌ؟ قَالَ: «يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ، ثُمَّ لِيَنْجُ إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ أُكْرِهْتُ حَتَّى يُنْطَلَقَ بِي إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ- أَوْ: إِحْدَى الْفِئَتَيْنِ- فَضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيْفِهِ، أَوْ يَجِيءُ سَهْمٌ، فَيَقْتُلُنِي؟ قَالَ: «يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ، وَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ عُثْمَانَ الشَّحَّامِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، حَدِيثُ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادٍ إِلَى آخِرِهِ، وَانْتَهَى حَدِيثُ وَكِيعٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: «إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ»، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.\nهذا الحديث يدل على أن المراد بالفتن القتال والحروب؛ لهذا قال","vol":"8","page":248},{"text":"النبي ﷺ: «يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ، ثُمَّ لِيَنْجُ إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ»، فالمراد: كسر السيف حقيقة.\nوبعضهم تأوله، فقال: هذا مجاز، والمراد به: ترك القتال، لكن هذا ضعيف؛ لأنه ليس في كلام النبي ﷺ مجاز.\nولكن إذا ظهر الحق مع إحداهما وجب الانضمام إليها، وقتال الطائفة الباغية؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [؟؟:؟؟].","vol":"8","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1343>بَابُ إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا</span>\n\n[٢٨٨٨] حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ، وَيُونُسَ عَنِ الحَسَنِ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: خَرَجْتُ وَأَنَا أُرِيدُ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَحْنَفُ؟ قَالَ: قُلْتُ: أُرِيدُ نَصْرَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- يَعْنِي: عَلِيًّا- قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا أَحْنَفُ، ارْجِعْ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» قَالَ: فَقُلْتُ: - أَوْ: قِيلَ: - يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ ! قَالَ: «إِنَّهُ قَدْ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ».\n[خ: ٣١]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ، وَيُونُسَ، وَالْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ عَنِ الحَسَنِ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ».\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي كَامِلٍ عَنْ حَمَّادٍ إِلَى آخِرِهِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا الْمُسْلِمَانِ حَمَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى أَخِيهِ السِّلَاحَ فَهُمَا عَلَى جُرْفِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ دَخَلَاهَا جَمِيعًا».\n\n[١٥٧] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، وَتَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَدَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ».\n[خ: ٣٦٠٨]","vol":"8","page":250},{"text":"حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْهَرْجُ» قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْقَتْلُ الْقَتْلُ».\nقوله: «يَا أَحْنَفُ، ارْجِعْ»: هذا ظن من أبي بكرة ﵁ أن قتال علي ومعاوية ﵄ داخل في قوله: «إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ».\nوالصواب كما سبق: أنه ليس داخلًا فيه، وأن الحق ظاهر مع علي ﵁، والمراد بهذا الحديث: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما في قتال الفتنة التي لم يتبين فيها الحق من غيره.\nوقوله: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ»: المراد بالفئتين: فئة أهل العراق: علي ﵁ وأصحابه، وفئة أهل الشام: معاوية ﵁ وأصحابه.\nوقوله: «وَدَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ»، أي: كلّ فئة منهما تدعي أنها على الحق.\nفعلي ﵁ هو الخليفة الذي بايعه أكثر أهل الحل والعقد، يدعي أنه هو المحق، وأن أهل الشام بغاة، وأهل الشام يطالبون بدم عثمان ﵁، ويدَّعون أنهم محقون.\nقال النووي ﵀: ««إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّار»: معنى تواجههما، أي: ضرب كل واحد وجه صاحبه.\nوأما كون القاتل والمقتول من أهل النار فمحمول على من لا تأويل له، ويكون قتالهما عصبيةً ونحوها، ثم كونه في النار معناه: أنه مستحق لها، وقد يجازَى بذلك، وقد يعفو الله تعالى عنه، هذا مذهب أهل الحق، وقد سبق تأويله مراتٍ، وعلى هذا يتأول كل ما جاء من نظائره.\nواعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة ﵃ ليست بداخلة في هذا الوعيد، ومذهب أهل السنة والحق: إحسان الظن بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وتأويل قتالهم، وأنهم مجتهدون متأوِّلون، لم يقصدوا معصية","vol":"8","page":251},{"text":"ولا محض الدنيا، بل اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفه باغٍ، فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله، وكان بعضهم مصيبًا وبعضهم مخطئًا معذورًا في الخطأ؛ لأنه اجتهاد، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه، وكان علي ﵁ هو المحق المصيب في تلك الحروب، هذا مذهب أهل السنة، وكانت القضايا مشتبهة، حتى إن جماعة من الصحابة تحيروا فيها، فاعتزلوا الطائفتين، ولم يقاتلوا، ولم يتيقنوا الصواب، ثم تأخروا عن مساعدته» (^١).\nقلت: وهذا الكلام جيد من النووي ﵀.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ١١).","vol":"8","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1344>بَابُ هَلَاكِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ</span>\n\n[٢٨٨٩] حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ- وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيَّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ: الْأَحْمَرَ، وَالْأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّدُ: إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا- أَوَ قَالَ: مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا- حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى زَوَى لِي الْأَرْضَ حَتَّى رَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَأَعْطَانِي الْكَنْزَيْنِ: الْأَحْمَرَ، وَالْأَبْيَضَ»، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ.\n\n[٢٨٩٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ الْعَالِيَةِ، حَتَّى إِذَا مَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ دَخَلَ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلًا، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْنَا، فَقَالَ ﷺ: «سَأَلْتُ رَبِّي","vol":"8","page":253},{"text":"ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا».\n[خ: ٦٦٠٤]\nوَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَقْبَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَمَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ.\nقال النووي ﵀: «وهذا الحديث والأحاديث قبله وبعده مما يحتج به من لا يرى القتال في الفتنة بكل حال، وقد اختلف العلماء فى قتال الفتنة:\nفقالت طائفة: لا يُقاتل في فتن المسلمين، وإن دخلوا عليه بيته، وطلبوا قتله، فلا يجوز له المدافعة عن نفسه؛ لأن الطالب متأوِّل، وهذا مذهب أبي بكرة الصحابي ﵁ وغيره.\nوقال ابن عمر وعمران بن الحصين ﵃ وغيرهما: لا يدخل فيها إن قصد الدَفْع عن نفسه.\nفهذان المذهبان متفقان على ترك الدخول في جميع فتن المسلمين.\nوقال معظم الصحابة والتابعين وعامة علماء الإسلام: يجب نصر المحق في الفتن، والقيام معه بمقاتلة الباغين، كما قال تعالى: ﴿فقاتلوا التى تبغى ...﴾ الآية.\nوهذا هو الصحيح، وتُتأوَّل الأحاديث على من لم يظهر له المحق، أو على طائفتين ظالمتين لا تأويل لواحدة منهما، ولو كان كما قال الأولون لظهر الفساد، واستطال أهل البغي والمبطلون، والله أعلم» (^١).\nوهذا الحديث بعضه من كلام الله ﷿، وبعضه من كلام النبي ﷺ.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ١٠).","vol":"8","page":254},{"text":"وقوله: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ»، يعني: جمعها له، وجعله ينظر إلى مُلك أمته، وهذا من الغيب الذي أطلع الله عليه نبيه ﷺ.\nوفيه: دليل على أن ملك الأمة سيتسع من جِهَتَي المشرق والمغرب أكثر من غيرهما من الجهات؛ لذلك قال النبي ﷺ: «فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا»، بخلاف جِهَتَي الشمال والجنوب، فكان التوسع من ناحيتهما أقل.\nوفيه: عَلَمٌ من أعلام النبوة، حيث وقع كما أخبر، وقد اتسع ملك أمته ﷺ من جهة المشرق والمغرب.\nومن علامات النبوة- أيضًا-: قوله ﷺ: «وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ»، يعني: الذهب والفضة، والمراد: كنزَا كسرى وقيصر؛ وذلك أن أمته في عهد عمر بن الخطاب ﵁ فتحت هذه البلدان، وكسروا ملك كسرى، وملك قيصر، وأُتي بالكنزين الأحمر والأبيض إلى عمر ﵁.\nوفيه: أن الله تعالى أعطى نبيه ﷺ ألا يُهلك أمته بأمرين:\nالأول: ألا يهلكها بالقحط العام، فإذا حصل الجدب يكون في ناحية من نواحي الأرض، وبقيةُ بلاد الإسلام لا يصيبها قحط.\nالثاني: ألا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، والبيضة هي: الأصل، والجماعة، وتطلق على العز والملك، يعني: ألا يسلط عليهم عدوًّا يقضي على الأمة كلها، حتى يُهلك بعضهم بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا، وجاء في الحديث الآخر: «سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ، وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي: أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا»؛ ولهذا قال في الحديث: «حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا».\nوعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»، فَقَالَ:","vol":"8","page":255},{"text":"﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»: قَالَ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥]، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَذَا أَيْسَرُ» (^١).\nوقوله: «وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً، فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ»: هذا هو القضاء المبرَم، وهو القضاء الذي لا يُرد، وهناك قضاء معلَّق بشرط، كأن يعلَّق بالدعاء وغيره، فلا يحصل حتى يحصل المشروط، أو بغيره من الأسباب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٦٢٨).","vol":"8","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1345>بَابُ إِخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ</span>\n\n[٢٨٩١] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ كَانَ يَقُولُ: قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاعَةِ، وَمَا بِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسَرَّ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ شيئًا لَمْ يُحَدِّثْهُ غَيْرِي، وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ- وَهُوَ يُحَدِّثُ مَجْلِسًا أَنَا فِيهِ عَنِ الفِتَنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَعُدُّ الْفِتَنَ-: «مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ لَا يَكَدْنَ يَذَرْنَ شَيْئًا، وَمِنْهُنَّ فِتَنٌ كَرِيَاحِ الصَّيْفِ، مِنْهَا صِغَارٌ، وَمِنْهَا كِبَارٌ».\nقَالَ حُذَيْفَةُ: فَذَهَبَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ كُلُّهُمْ غَيْرِي.\nقوله: «مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ لَا يَكَدْنَ يَذَرْنَ شَيْئًا»، أي: لا تترك أحدًا إلا أصابته- ولا حول ولا قوة إلا بالله- ومن ذلك: فتنة المال، وفتنة الربا، فلا يكاد أحد يسلم منهما، ومن سلم من الربا أصابه غباره.\nوقوله: «كَرِيَاحِ الصَّيْفِ»، يعني: تمر مرورًا لا تستقر، ولا تطول مدتها، بل تأتي وتذهب.","vol":"8","page":257},{"text":"وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا، وقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَامًا مَا تَرَكَ شيئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ، فَأَرَاهُ، فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِهِ: «وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ»، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، فَمَا مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا قَدْ سَأَلْتُهُ، إِلَّا أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ مَا يُخْرِجُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنْ الْمَدِينَةِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\n\n[٢٨٩٢] وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، قَالَ حَجَّاجٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا عِلْبَاءُ بْنُ أَحْمَرَ، حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ- يَعْنِي: عَمْرَو بْنَ أَخْطَبَ- قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَجْرَ وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ، وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا.\nفي هذا الحديث: بيان أن النبي ﷺ قام مقامًا طويلًا، ذكر فيه ما هو كائن","vol":"8","page":258},{"text":"إلى قيام الساعة، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، وذكر حذيفة ﵁ أنه نسي بعض ما ذكره النبي ﷺ، فإذا وقع ما ذكره من الفتن تذكَّر كلامه ﷺ، كما يتذكر الإنسان وجه الإنسان حينما يغيب عنه وينساه، فإذا رآه تذكَّره، فكذلك النبي ﷺ أخبرهم بأمور كائنة، فنسوا بعضها، فلما وقعت تذكَّروها.\nوهذا قول عظيم منه ﵊، يوم كامل يخطب الناس، فلما صلى الفجر صعد إلى المنبر، وخطب في الناس حتى حضرت الظهر، ثم نزل فصلى الظهر، ثم صعد المنبر فخطب في الناس حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى العصر، ثم صعد المنبر، فخطب في الناس حتى غربت الشمس، وأخبرهم بما هو كائن.\nوهذا الأمر كان بوحي من الله ﷿ لتعليم الناس ما يكون، وهذه الصفة في الموعظة شيء قليل ونادر في أحواله ﷺ؛ إذ الأغلب في خُطَبه ﵊ أن تكون قصيرة، كما أرشد الخطباء إلى ذلك بقوله: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا» (^١)، أي: دليل على فقهه.\nوفي هذا الحديث: أنه صلى الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب بوضوء واحد، وهذا الفعل لا بأس به؛ فتجديد الوضوء لكل صلاة مستحب، وليس بواجب.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٦٩).","vol":"8","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1346>بَابٌ فِي الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ</span>\n\n[١٤٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو كُرَيْبٍ، جميعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ كَمَا قَالَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: أَنَا، قَالَ: إِنَّكَ لَجَرِيءٌ، وَكَيْفَ قَالَ؟ قَالَ: قُلْتُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ يُكَفِّرُهَا الصِّيَامُ وَالصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ»، فَقَالَ عُمَرُ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، إِنَّمَا أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا لَكَ وَلَهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا، قَالَ: أَفَيُكْسَرُ الْبَابُ، أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا بَلْ يُكْسَرُ، قَالَ: ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ لَا يُغْلَقَ أَبَدًا، قَالَ: فَقُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: هَلْ كَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ الْبَابُ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ، إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ، قَالَ: فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ مَنِ الْبَابُ، فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: عُمَرُ.\n[خ: ٥٢٥]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عِيسَى، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَفِي حَدِيثِ عِيسَى عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، وَالْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: مَنْ يُحَدِّثُنَا عَنِ الفِتْنَةِ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بنحو حديثهم.","vol":"8","page":260},{"text":"في هذا الحديث: بيان أن حذيفة ﵁ عنده علم خاص بالفتن؛ ولهذا لما سأل عمر ﵁، وقال: «أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ كَمَا قَالَ؟ قال حذيفة ﵁: أَنَا، فقال عمر ﵁: إِنَّكَ لَجَرِيءٌ»، وسبب هذه الجرأة من حذيفة ﵁: أن النبي ﷺ أسرَّ إليه بشأن هذه الفتن، وأخبره بها.\nوفيه: أن الفتن أنواع، منها: فتن خفيفة، ومنها: فتن شديدة.\nوقوله: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ، يُكَفِّرُهَا الصِّيَامُ وَالصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ»: وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه.\nوفتنة الرجل فى أهله وماله وولده صرفه- من فرط محبته لهم، وشغله بهم- عن كثير من الخير، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَة﴾، وقوله ﷺ: «إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ» (^١)، أو لتفريطه فى القيام بما يلزم من حقوقهم، وتأديبهم وتعليمهم، كما قال: «وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (^٢)، وكذلك فتنته في جاره من هذا القبيل.\nوهذا الحديث مثل حديث أبي هريرة ﵁: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» (^٣).\nوقول عمر ﵁: «لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ»، أي: لست أسأل عن هذه الفتن الخفيفة التي تُكَفَّر بالطاعات، بل أسالك عن الفتن «الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ»، أي: فتن الحروب، والقتال، والشبهات، فقال حديفة ﵁: «مَا لَكَ وَلَهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا»، أي: أنت سالم منها، فقال عمر ﵁ لحذيفة ﵁: «أَفَيُكْسَرُ الْبَابُ، أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ يُكْسَرُ، قَالَ: ذَلِكَ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧٥٦٢)، وابن ماجه (٣٦٦٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٩٣)، ومسلم (١٨٢٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٣٣).","vol":"8","page":261},{"text":"أَحْرَى أَنْ لَا يُغْلَقَ أَبَدًا»، أي: إذا كان الباب يُفتح فإنه يُغلق، لكن إذا كُسر فلا حيلة في إصلاحه.\nفهابوا أن يسألوا حذيفة مَن هو هذا الباب، فقالوا لمسروق: سله، فسأله، فقال حذيفة: «عُمَرُ»، أي: أن عمر ﵁ هو الباب، فإذا قُتِلَ ظهرت الفتن، وهذا هو الواقع، فإنه لما قتله أبو لؤلؤة المجوسي- لعنه الله- وطعنه ست طعنات، حصل اختلاف بين الصحابة ﵃ من يكون الخليفة؟ ثم عهد الأمر إلى ستة من أهل الشورى، ثم بعد ذلك قُتِلَ عثمان ﵁، فتتابعت الفتن، وحصلت الحروب بين علي ومعاوية ﵄، فانفتح باب الفتن إلى يومنا هذا، وإلى قيام الساعة.\n\n[٢٨٩٣] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ جُنْدُبٌ: جِئْتُ يَوْمَ الْجَرَعَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، فَقُلْتُ: لَيُهْرَاقَنَّ الْيَوْمَ هَا هُنَا دِمَاءٌ، فَقَالَ ذَاكَ الرَّجُلُ: كَلَّا وَاللَّهِ، قُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ، قَالَ: كَلَّا وَاللَّهِ، قُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ قَالَ: كَلَّا وَاللَّهِ، إِنَّهُ لَحَدِيْثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنِيهِ، قُلْتُ: بِئْسَ الْجَلِيسُ لِي أَنْتَ مُنْذُ الْيَوْمِ، تَسْمَعُنِي أُخَالِفُكَ وَقَدْ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا تَنْهَانِي، ثُمَّ قُلْتُ: مَا هَذَا الْغَضَبُ؟ فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ وَأَسْأَلُهُ، فَإِذَا الرَّجُلُ حُذَيْفَةُ.\nفي هذا الحديث: أن حذيفة ﵁ أعلم من جندب ﵁ بالفتن؛ لهذا حلف حذيفة ﵁ ألا تهرق دماء في هذا اليوم، أما حَلِف جندب ﵁ فعلى حسب ظنه بسبب هذا التوتر الذي حدث لأجل قيام أهل الكوفة ضد والي عثمان ﵁، والإنسان إذا حلف على حسب ظنه فلا يلام.\nويوم الجرعة يوم قدم فيه سعيد بن العاص أميرًا على الكوفة من قبل عثمان ﵁، فردوه، وأمَّروا أبا موسى الأشعري ﵁، وسألوا عثمان ﵁","vol":"8","page":262},{"text":"أن يُقِرَّه، فأقرَّه.\nوقول حذيفة ﵁ هذا كان استنادًا إلى ما أخبره به المصطفى ﷺ، وهو أن الفتنة تبدأ بمقتل عثمان ﵁، ولا يستبعد أن يكون النبي ﷺ أخبره بهذا الحادث خاصة، وهو الظاهر؛ لهذا جزم وحلف ألا يحدث قتال.\nقال النووي ﵀: «الجَرعة- بفتح الجيم وفتح الراء وإسكانها، والفتح أشهر وأجود، وهي-: موضع بقرب الكوفة على طريق الحيرة، ويوم الجرعة: يوم خرج فيه أهل الكوفة يتلقون واليًا ولَّاه عليهم عثمان ﵁، فردوه، وسألوا عثمان ﵁ أن يولي عليهم أبا موسى الأشعري ﵁، فولَّاه» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ١٨).","vol":"8","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1347>بَابُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ</span>\n\n[٢٨٩٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ يَقْتَتِلُ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ: لَعَلِّي أَكُونُ أَنَا الَّذِي أَنْجُو».\n[خ: ٧١١٩]\nوَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَزَادَ، فَقَالَ أَبِي: إِنْ رَأَيْتَهُ فَلَا تَقْرَبَنَّهُ.\nحَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ السَّكُونِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا».\nحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خالِدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا».\nقوله: «يُوشِكُ»، يعني: يقرب، وقوله: «أَنْ يَحْسِرَ»، أي: ينكشف.\nوفي هذه الأحاديث: عَلَمٌ من أعلام النبوة، وهو انحسار نهر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل عليه الناس، فيُقتل من كل مئة تسعة وتسعون، ويبقى واحد يسلم.\nوفيها: أن النبي ﷺ نهى مَن حضره أن يأخذ منه شيئًا، فقال: «فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا»؛ وذلك لِمَا فيه من المخاطرة بالنفس، والمشاركة في القتال.","vol":"8","page":264},{"text":"وفيها: حب الناس للدنيا، وشدة تعلقهم بها، حيث يُقْدِمون على هذا الخطر العظيم من أجل الحصول على الدنيا، ويعلمون أنهم يُقتلون «وَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ: لَعَلِّي أَكُونُ أَنَا الَّذِي أَنْجُو».\nويقال: إن مياه نهر الفرات قليلة الآن، فالله أعلم متى يحصل هذا.\n\n[٢٨٩٥] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، وَأَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي مَعْنٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ: كُنْتُ وَاقِفًا مَعَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَقَالَ: لَا يَزَالُ النَّاسُ مُخْتَلِفَةً أَعْنَاقُهُمْ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا، قُلْتُ: أَجَلْ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَإِذَا سَمِعَ بِهِ النَّاسُ سَارُوا إِلَيْهِ، فَيَقُولُ مَنْ عِنْدَهُ: لَئِنْ تَرَكْنَا النَّاسَ يَأْخُذُونَ مِنْهُ لَيُذْهَبَنَّ بِهِ كُلِّهِ، قَالَ: فَيَقْتَتِلُونَ عَلَيْهِ، فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ».\nقَالَ أَبُو كَامِلٍ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ: وَقَفْتُ أَنَا وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فِي ظِلِّ أُجُمِ حَسَّانَ.\nقوله: «لَا يَزَالُ النَّاسُ مُخْتَلِفَةً أَعْنَاقُهُمْ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا»: قيل: المراد بهم: الرؤساء والكبراء، وقيل: المراد بهم: عامة الناس، وقيل: المراد بالأعناق على ظاهرها، وقيل: عبَّر بالأعناق عن أصحابها؛ لأن الأعناق هي التي بواسطتها يَرى الإنسان ويتشوف للشيء.\nوفي هذا الحديث: أن الناس إذا سمعوا بجبل الذهب هذا جاؤوا إليه من خارج العراق، فيقول من حوله: «لَئِنْ تَرَكْنَا النَّاسَ يَأْخُذُونَ مِنْهُ لَيُذْهَبَنَّ بِهِ كُلِّهِ»، أي: لو تركناهم لانتهى الجبل.\nوقوله: «ظِلِّ أُجُمِ حَسَّانَ»: الأجم- بضم الهمزة- هو: الحصن.","vol":"8","page":265},{"text":"[٢٨٩٦] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ يَعِيشَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِعُبَيْدٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ- مَوْلَى خَالِدِ بْنِ خَالِدٍ- حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنَعَتْ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا، وَمَنَعَتْ الشَّأْمُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ»، شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ لَحْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَدَمُهُ.\nقوله: «وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ»، يعني: مثل قوله ﷺ- في الحديث الآخر-: «بَدَأَ الإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأ غَرِيبًا، فطوبى للغرباءَ» (^١)، يعني: إذا حصلت هذه الأمور فهذا هو وقت غربة الإسلام.\nوقوله: «مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا»: القفيز: مكيال معروف عند أهل العراق، وهو يعادل ستة وثلاثين صاعًا.\nوقوله: «وَمَنَعَتْ الشَّأْمُ مُدْيَهَا»: الْمُدْيُ: مكيال معروف عند أهل الشام، يسع تسعة عشر صاعًا والجمع: أمداء، وهو غير الْمُدِّ.\nوقوله: «وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا»: الإردب: مكيال معروف عند أهل مصر، وهو يعادل أربعة وعشرين صاعًا.\nواختلف العلماء في معنى المنع الوارد في هذا الحديث، على أربعة أقوال:\nالأول: أن أهل تلك البلاد يُسلمون، فتسقط عنهم الجزية؛ لأنهم أسلموا، وهذا القول مرجوح.\nالثاني: أن الروم، والنصارى يستولون على هذه البلاد في آخر الزمان،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٥).","vol":"8","page":266},{"text":"فيمنعون ما كانوا يدفعونه من الخراج، أو الجزية.\nالثالث: أن أهل تلك البلاد يرتدون في آخر الزمان، فيمنعون ما يلزمهم من الزكاة وغيرها.\nالرابع: أن أهل تلك البلاد يصير عندهم قوة ومنعة، فيمنعون ما كانوا يدفعونه من الجزية والخراج.\nوالحاصل: أن الحديث معناه: أنه إذا منعت هذه البلاد ما ضُرب عليهم من الخراج والجزية، فهذا يدل على ضعف المسلمين.\nوقوله: «شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ لَحْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَدَمُهُ»، يعني: صدَّق بهذا الحديث، وشهد بصدقه.\nوهذا فيه: عَلَمٌ من أعلام النبوة؛ لأن ما أخبر به ﷺ حصل، والحمد لله، فقد فتحت هذه البلاد منذ أزمنة، ودخلت في الإسلام.","vol":"8","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1348>بَابٌ فِي فَتْحِ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ</span>،\nوَنُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ\n\n[٢٨٩٧] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ- أَوْ: بِدَابِقٍ- فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنْ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتْ الرُّومُ: خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ، فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لَا- وَاللَّهِ- لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا، فَيُقَاتِلُونَهُمْ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ، وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا، فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ؛ إِذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ، فَيَخْرُجُونَ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِذَا جَاءُوا الشَّأْمَ خَرَجَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ فَأَمَّهُمْ، فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ تَرَكَهُ لَانْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ، وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ».\nفي هذا الحديث: عَلَمٌ من أعلام النبوة، ومن أشراط الساعة الكبار.\nوفيه: أن خروج الدجال يكون بعد ملحمة ومقتلة بين المسلمين والنصارى.\nوقوله: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ، أَوْ بِدَابِقٍ»: الأعماق ودابق بلدتان في الشام قرب حلب، والروم هم النصارى، وهذا دليل على أنهم","vol":"8","page":268},{"text":"يكثرون في آخر الزمان، وهم في زماننا اليوم كُثُر، فيخرج إليهم جيش من المدينة يقاتل الروم في الشام.\nوقوله: «خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ»: روي سُبُوا، وسَبَوا، وكلاهما صحيح، يعني: أنهم سُبُوا أولًا، ثم أسلموا، ثم بعد ذلك لما هداهم الله للإسلام وتمكن الإسلام من قلوبهم صاروا يقاتلون الروم، ويَسْبُون منهم؛ فلذلك يقول النصارى للمسلمين: «خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ»: حنقًا عليهم، أي: نريد أن نقاتل إخواننا الذين كانوا نصارى، ثم أسلموا، وصاروا يسبوننا، فيقول المسلمون: «لَا وَاللَّهِ، لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا»، ويخرج جيش المدينة فيكون ثلاثة أثلاث:\n- ثلث ينهزمون لا يتوب الله عليهم أبدًا؛ لأنه لا يوفقهم للتوبة، بل يستمرون مُصرِّين على المعاصي حتى الموت.\n- وثلث يُقتلون، وهم أفضل الشهداء عند الله.\n- وثلث يفتح الله بهم القسطنطينية، لا يُفتنون، يعني: يعصمهم الله من الفتن.\nوقوله: «فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ»: فيه: دليل على أن قتالهم في ذلك الوقت يكون بالسيف، كما سيأتي في الحديث أنهم يقاتلون بالخيل، والأفراس، وهذا يدل على أن هذه المخترعات الجديدة ستنتهي، وأن الناس سيعودون إلى السلاح الأبيض.\nوقوله: «إِذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ»، أي: المسيح الدجال «قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ»، أي: قام مقامكم. «وَذَلِكَ بَاطِلٌ»، أي: كذب، «فَإِذَا جَاءُوا الشَّأْمَ خَرَجَ»، يعني: إذا ذهبوا إلى الشام وجدوا المسيح الدجال قد خرج.\nوقوله: «فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ فَأَمَّهُمْ، فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ»، يعني: فينزل عيسى ابن مريم ﵇ فيؤمهم، فإذا رآه المسيح الدجال ذاب، أي: إذا رأى مسيحُ الضلال مسيحَ الهدى ذاب كما يذوب","vol":"8","page":269},{"text":"الملح في الماء، ولو تُرك لانذاب، لكن الله تعالى يسلط المسيح عليه فيقتله بحربته، فيريهم دمه.\nقال المباركفوري ﵀: «قوله: «فَأَمَّهُمْ»: ظاهر معناه: أن عيسى ﵇ يؤم المسلمين في صلاتهم هذه، فإذا كان هذا هو المراد فهو وهمٌ؛ فإن المهدي هو الذي يؤم المسلمين دون عيسى ﵇، ويمكن أن يكون معنى: أَمَّهم، أي: قصدهم، يعني: العدو، وهذا المعنى يوافق ما بعده، ولكن لا يوافق ما قبله» (^١).\n_________\n(^١) منة المنعم، للمباركفوري (٤/ ٣٥٢).","vol":"8","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1349>بَابُ تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ</span>\n\n[٢٨٩٨] حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُلَيٍّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ الْمُسْتَوْرِدُ الْقُرَشِيُّ: - عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ- سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ»، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَبْصِرْ مَا تَقُولُ، قَالَ: أَقُولُ: مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالًا أَرْبَعًا: إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ، وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ، وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ: وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ.\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو شُرَيْحٍ أَنَّ عَبْدَ الْكَرِيمِ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ أَنَّ الْمُسْتَوْرِدَ الْقُرَشِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ» قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي تُذْكَرُ عَنْكَ أَنَّكَ تَقُولُهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ ! فَقَالَ لَهُ الْمُسْتَوْرِدُ: قُلْتُ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ، فَقَالَ عَمْرٌو: لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وَأَجْبَرُ النَّاسِ عِنْدَ مُصِيبَةٍ، وَخَيْرُ النَّاسِ لِمَسَاكِينِهِمْ وَضُعَفَائِهِمْ.\nقوله: «مُوسَى بْنُ عُلَيٍّ»: بضم العين على المشهور، وقيل: بفتحها، وقيل: بالفتح اسم له، وبالضم لقب، وكان يكره الضم.\nوفي هذا الحديث: بيان أن الروم عند قيام الساعة كثيرون، وهم كذلك الآن، والله أعلم.\nوفيه: أنه ذكر خصالًا خمسًا للنصارى، قال: «إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ،","vol":"8","page":271},{"text":"وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ، وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ، وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ: وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ»، فذكر أن هذه الخصال موجودة في النصارى، وذلك أن النصارى ألين قلوبًا من اليهود، وأقرب إلى الخير منهم، وهم الآن يبذلون أموالًا طائلة للدعوة إلى دينهم، ويصبرون على المشقة العظيمة، حتى إنهم يأتون إلى البلدان الفقيرة، ويجلسون فيها السنين الطوال في سبيل دعوتهم إلى دينهم، وهذه الخصال في المسلمين أكمل وأقوى؛ لأن المسلمين يقومون بهذه الخصال عن إيمان بالله ﷿ ورسوله ﷺ، واحتساب للأجر والثواب.\nوهذا مثل قول الله تعالى: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون﴾.","vol":"8","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1350>بَابُ إِقْبَالِ الرُّومِ فِي كَثْرَةِ الْقَتْلِ عِنْدَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ</span>\n\n[٢٨٩٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ حُجْرٍ- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْعَدَوِيِّ عَنْ يُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: هَاجَتْ رِيحٌ حَمْرَاءُ بِالْكُوفَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ هِجِّيرَى إِلَّا: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، جَاءَتِ السَّاعَةُ، قَالَ: فَقَعَدَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ: إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى لَا يُقْسَمَ مِيرَاثٌ، وَلَا يُفْرَحَ بِغَنِيمَةٍ، قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَنَحَّاهَا نَحْوَ الشَّأْمِ، فَقَالَ: عَدُوٌّ يَجْمَعُونَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَيَجْمَعُ لَهُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، قُلْتُ: الرُّومَ تَعْنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَتَكُونُ عِنْدَ ذَاكُمُ الْقِتَالِ رَدَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَيَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ، لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يَحْجُزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ، وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، ثُمَّ يَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ، لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يَحْجُزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ، وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، ثُمَّ يَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ، لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يُمْسُوا، فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ، وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الرَّابِعِ نَهَدَ إِلَيْهِمْ بَقِيَّةُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَيَجْعَلُ اللَّهُ الدَّبْرَةَ عَلَيْهِمْ، فَيَقْتُلُونَ مَقْتَلَةً- إِمَّا قَالَ: لَا يُرَى\nمِثْلُهَا، وَإِمَّا قَالَ: لَمْ يُرَ مِثْلُهَا- حَتَّى إِنَّ الطَّائِرَ لَيَمُرُّ بِجَنَبَاتِهِمْ، فَمَا يُخَلِّفُهُمْ حَتَّى يَخِرَّ مَيْتًا، فَيَتَعَادُّ بَنُو الْأَبِ كَانُوا مِائَةً، فَلَا يَجِدُونَهُ بَقِيَ مِنْهُمْ إِلَّا الرَّجُلُ الْوَاحِدُ، فَبِأَيِّ غَنِيمَةٍ يُفْرَحُ، أَوْ أَيُّ مِيرَاثٍ يُقَاسَمُ؟ ! فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ سَمِعُوا بِبَأْسٍ هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَجَاءَهُمُ الصَّرِيخُ: إِنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَلَفَهُمْ فِي ذَرَارِيِّهِمْ، فَيَرْفُضُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَيُقْبِلُونَ، فَيَبْعَثُونَ عَشَرَةَ فَوَارِسَ طَلِيعَةً، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ،","vol":"8","page":273},{"text":"وَأَلْوَانَ خُيُولِهِمْ، هُمْ خَيْرُ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ- أَوْ: مِنْ خَيْرِ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ».\nقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ يُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَهَبَّتْ رِيحٌ حَمْرَاءُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُلَيَّةَ أَتَمُّ وَأَشْبَعُ. وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ الْمُغِيرَةِ- حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ- يَعْنِي: ابْنَ هِلَالٍ- عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: كُنْتُ فِي بَيْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَالْبَيْتُ مَلْآنُ قَالَ: فَهَاجَتْ رِيحٌ حَمْرَاءُ بِالْكُوفَةِ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ.\nقوله: «عَنْ يُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ»: هو يسير بن عمرو- بضم الياء وفتح السين- مصغرًا، وأبوه قيل: جابر، وقيل: عمرو (^١).\nقوله: «فَجَاءَ رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ هِجِّيرَى» هو بكسر الهاء والجيم المشددة مقصور الألف، أي: شأنه ودأبه ذلك.\nوقوله: «الرُّومَ تَعْنِي؟»: الرُّومَ: مفعول به مقدَّم، وهم النصارى، والمعنى: أن الساعة لا تقوم حتى يحصل قتال ومعركة شديدة بين المسلمين والنصارى.\nوقوله: «فَيَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ»، يعني: طائفة من الجيش تُقدَّم للقتال.\nوفيه: دليل على أن الدجال لا يخرج إلا بعد معركة شديدة بين النصارى وبين المسلمين.\n_________\n(^١) تقريب التهذيب، لابن حجر (ص ٦٠٧).","vol":"8","page":274},{"text":"وقوله: «فَيَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يَحْجُزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ»، يعني: تخرج طائفة من جيش المسلمين، وتقابلها طائفة من الروم، فيقتتلون، فتفنى الطائفة وتنتهي، ويأتي عليها الليل كُلٌّ غير غالب.\nفهذه ثلاثة أيام، كل يوم تخرج طائفة من الجيش، فتقابلها طائفة من الروم، وتفنى هذه الطائفة، فيجيء الليل كلٌّ غير غالب، فيفعلون هذا ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع «نَهَدَ إِلَيْهِمْ بَقِيَّةُ أَهْلِ الإِسْلَامِ»، و«نَهَدَ»: بفتح النون والهاء، أي: نهض وقام إليهم بقية أهل الإسلام، فقاتلوهم قتالًا شديدًا، حتى يهزموا الروم، «فَيَجْعَل اللهُ الدَّبْرَةَ عَلَيْهِمْ»، أي: الهزيمة، فيقتلون الروم مقتلة عظيمة يهزمونهم فيها.\n\nقال النووي ﵀: «ورواه بعض رواة مسلم «الدَّائِرَة» بالألف وبعدها همزة، وهو بمعنى: الدبرة» (^١).\nوقوله: «فَيَجْعَلُ اللَّهُ الدَّبْرَةَ عَلَيْهِمْ»، أي: الهزيمة، قال تعالى: ﴿عليهم دائرة السوء﴾، ويقال: فلان كانت عليه دائرة، يعني: كانت عليه هزيمة، فالدائرة، والدبرة بمعنى واحد.\nوقوله: «فَيَقْتُلُونَ مَقْتَلَةً- إِمَّا قَالَ: لَا يُرَى مِثْلُهَا، وَإِمَّا قَالَ: لَمْ يُرَ مِثْلُهَا»، يعني: أن هذه المقتلة تكون مقتلة عظيمة بين الروم والمسلمين، حتى إن الأموات يكون بعضهم فوق بعض كالجبال، «حَتَّى إِنَّ الطَّائِرَ لَيَمُرُّ بِجَنَبَاتِهِمْ، فَمَا يُخَلِّفُهُمْ حَتَّى يَخِرَّ مَيْتًا»، و«بِجَنَبَاتِهِمْ»، يعني: بنواحيهم، وإذا تجاوزهم الطائر سقط ومات من شدة رائحة الموتى، وهذا يدل على أنها مقتلة عظيمة.\nوقوله: «فَيَتَعَادُّ بَنُو الْأَبِ كَانُوا مِائَةً، فَلَا يَجِدُونَهُ بَقِيَ مِنْهُمْ إِلَّا الرَّجُلُ الْوَاحِدُ،\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ٢٥).","vol":"8","page":275},{"text":"فَبِأَيِّ غَنِيمَةٍ يُفْرَحُ، أَوْ أَيُّ مِيرَاثٍ يُقَاسَم؟»، يعني: قبيلة كاملة يُقتل منهم تسع وتسعون، ما يبقى إلا واحد، قال عبد الله بن مسعود ﵀: «فَبِأَيِّ غَنِيمَةٍ يُفْرَحُ، أَوْ أَيُّ مِيرَاثٍ يُقَاسَمُ»، أي: ما دامت القبيلة ماتت، ولم يبق إلا واحد، فلا يفرح من بقي منهم بالغنيمة، ولا بالميراث.\nوقوله: «فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ سَمِعُوا بِبَأْسٍ هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَجَاءَهُمُ الصَّرِيخُ: إِنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَلَفَهُمْ فِي ذَرَارِيِّهِمْ»، أي: أنهم لما انتهوا وصاروا يقتسمون الغنائم جاءهم الصريخ: إن الدجال قد خلفكم في أهليكم، فإذا ذهبوا إلى أهلهم في الشام وجدوا الدجال قد خرج بعد هذه المعركة الشديدة.\nوقوله: «فَيَرْفُضُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَيُقْبِلُونَ، فَيَبْعَثُونَ عَشَرَةَ فَوَارِسَ طَلِيعَةً»، يعني: يتركون ما في أيديهم من الغنائم، ويبعثون عشرة فوارس يأتون لهم بالخبر.","vol":"8","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1351>بَابُ مَا يَكُونُ مِنْ فُتُوحَاتِ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ الدَّجَّالِ</span>\n\n[٢٩٠٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ نَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ قَالَ: فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ قَوْمٌ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الصُّوفِ، فَوَافَقُوهُ عِنْدَ أَكَمَةٍ، فَإِنَّهُمْ لَقِيَامٌ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَاعِدٌ، قَالَ: فَقَالَتْ لِي نَفْسِي: ائْتِهِمْ فَقُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ لَا يَغْتَالُونَهُ، قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ: لَعَلَّهُ نَجِيٌّ مَعَهُمْ فَأَتَيْتُهُمْ، فَقُمْتُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، قَالَ: فَحَفِظْتُ مِنْهُ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ- أَعُدُّهُنَّ فِي يَدِي- قَالَ: «تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ فَارِسَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللَّهُ» قَالَ: فَقَالَ نَافِعٌ: يَا جَابِرُ لَا نَرَى الدَّجَّالَ يَخْرُجُ حَتَّى تُفْتَحَ الرُّومُ.\nقوله: «لَعَلَّهُ نَجِيٌّ مَعَهُمْ»، أي: يناجيهم، ويحدِّثهم سرًّا، والمناجاة: هي الكلام عن قرب، ومنه: قوله تعالى: ﴿وقربناه نجيًّا﴾، والمناداة: التكلم بصوت عن بعد، ومنه: قوله تعالى: ﴿وإذ نادى ربك﴾.\nوقوله: «لَا نَرَى الدَّجَّالَ يَخْرُجُ حَتَّى تُفْتَحَ الرُّومُ»: فيه: أن الدجال لا يخرج إلا بعد قتال النصارى وفتح القسطنطينية؛ لهذا الحديث، وللحديث السابق.","vol":"8","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1352>بَابٌ فِي الْآيَاتِ الَّتِي تَكُونُ قَبْلَ السَّاعَةِ</span>\n\n[٢٩٠١] حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- وَابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ قَالَ: اطَّلَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقَالَ: «مَا تَذَاكَرُونَ؟» قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قَالَ: «إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ، فَذَكَرَ: الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﷺ، وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ: نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ».\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي غُرْفَةٍ، وَنَحْنُ أَسْفَلَ مِنْهُ، فَاطَّلَعَ إِلَيْنَا، فَقَالَ: «مَا تَذْكُرُونَ؟»، قُلْنَا: السَّاعَةَ، قَالَ: «إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَكُونُ حَتَّى تَكُونَ عَشْرُ آيَاتٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَالدُّخَانُ، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الْأَرْضِ، وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قُعْرَةِ عَدَنٍ تَرْحَلُ النَّاسَ».\nقَالَ شُعْبَةُ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ، مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَذْكُرُ النَّبِيَّ ﷺ، وقَالَ أَحَدُهُمَا فِي الْعَاشِرَةِ: «نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﷺ»، وقَالَ الْآخَرُ: «وَرِيحٌ تُلْقِي النَّاسَ فِي الْبَحْرِ».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ فُرَاتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الطُّفَيْلِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غُرْفَةٍ، وَنَحْنُ تَحْتَهَا نَتَحَدَّثُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ،","vol":"8","page":278},{"text":"قَالَ شُعْبَةُ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: تَنْزِلُ مَعَهُمْ إِذَا نَزَلُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، قَالَ شُعْبَةُ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، قَالَ أَحَدُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ: «نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ»، وقَالَ الْآخَرُ: «رِيحٌ تُلْقِيهِمْ فِي الْبَحْرِ».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ فُرَاتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الطُّفَيْلِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ فَأَشْرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِنَحْوِ حَدِيثِ مُعَاذٍ، وَابْنِ جَعْفَرٍ، وقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ بِنَحْوِهِ قَالَ: «وَالْعَاشِرَةُ: نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ»، قَالَ شُعْبَةُ: وَلَمْ يَرْفَعْهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ.\nقوله: «حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ»: أسيد: بفتح الهمزة وكسر السين، ومثله: عتاب بن أَسِيد أمير مكة، وغيرهما، وأما بالتصغير، فهو مثل: أُسيد بن حُضير.\nوفي هذه الأحاديث: بيان أن من أشراط الساعة: الدخان، والدجال، والدابة، وثلاثة خسوف، وآخرها: نار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، وهذا هو الحشر الأول، ثم بعد ذلك تقوم الساعة.","vol":"8","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1353>بَابُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ</span>\n\n[٢٩٠٢] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ. ح، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى».\n[خ: ٧١١٨]\nقوله: «حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى»: قال النووي ﵀: «هي آية من أشراط الساعة مستقلة وقد خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستمائة وكانت نارًا عظيمة جدًّا من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، تواتر العلم بها عند جميع الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (٢٨/ ٢٨).","vol":"8","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1354>بَابُ فِي سُكْنَى الْمَدِينَةِ وَعِمَارَتِهَا قَبْلَ السَّاعَةِ</span>\n\n[٢٩٠٣] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَبْلُغُ الْمَسَاكِنُ إِهَابَ- أَوْ: يَهَابَ»، قَالَ زُهَيْرٌ: قُلْتُ لِسُهَيْلٍ: فَكَمْ ذَلِكَ مِنْ الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا مِيلًا.\nقوله: «تَبْلُغُ الْمَسَاكِنُ إِهَابَ- أَوْ يَهَابَ»، يعني: تتسع المدينة وتصل المباني إلى إهاب، وإهاب بكسر الهمزة، وأما يهاب فبياء مثناة تحت مفتوحة ومكسورة، وهي موضع بقرب المدينة على أميال منها.\n\n[٢٩٠٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنْ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا، وَتُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا».\nقوله: «السَّنَةُ»: المراد بها: الجدب والقحط، وهذا ذكره المؤلف ﵀ في أشراط الساعة، وهو من علامات الساعة أن يمطَر الناس، ثم لا تنبت الأرض شيئًا.\nوقوله: «لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنْ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا، وَتُمْطَرُوا، وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا»، يعني: ليس الجدب ألا تمطروا، بل الجدب الأشد والأعظم: أن يمطر الناس، ثم لا تنبت الأرض شيئًا.\nوفي هذا الحديث: نفي النبي ﷺ الصفةَ عما هو متصف بها؛ لإثباتها لِمَا","vol":"8","page":281},{"text":"هو أولى، فنفى الجدبَ عن السنة التي ليس فيها مطر، وأثبته للسنة التي فيها مطر، ولكن لا تنبت الأرض شيئًا.\nولهذا نظائر، منها:\n- قول النبي ﷺ: «لَيْسَ المِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتَانِ والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنَّ المِسْكِينَ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، ولَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسِ» (^١).\n- وقوله ﵊: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» (^٢).\n- وقوله ﷺ: «مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ بِالرَّقُوبِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا» (^٣)، يعني: الرَّقُوب الذي لا يقدم ولدًا من أولاده، فيكون حجابًا له من النار.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٧٩)، ومسلم (١٠٣٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٦٠٨).","vol":"8","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1355>بَابُ الْفِتْنَةُ مِنَ الْمَشْرِقِ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ</span>\n\n[٢٩٠٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ- وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْمَشْرِقِ- يَقُولُ: «أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا، أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ».\n[خ: ٧٠٩٣]\nحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ الْقَوَارِيرِيُّ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ عِنْدَ بَابِ حَفْصَةَ، فَقَالَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ: «الْفِتْنَةُ هَا هُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ»، قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.\nوقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ فِي رِوَايَتِهِ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ بَابِ عَائِشَةَ.\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ- وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْمَشْرِقِ-: «هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا، هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا، هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَيْتِ عَائِشَةَ، فَقَالَ: «رَأْسُ الْكُفْرِ مِنْ هَا هُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ- يَعْنِي: الْمَشْرِقَ».\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ- يَعْنِي: ابْنَ سُلَيْمَانَ- أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمًا يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ- يُشِيرُ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ- وَيَقُولُ: «هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا، هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا- ثَلَاثًا-، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ».","vol":"8","page":283},{"text":"في هذه الأحاديث: عَلَمٌ من أعلام النبوة؛ لأن الفتن جاءت من الشرق الأقصى، والأدنى، كما أخبر ﵊.\nوالشرق الأقصى: هو الصين، وخراسان، وما وراءها، والعراق، والشام.\nوالشرق الأدنى: نجدٌ كلها.\nفمن الفتن التي جاءت من الشرق الأقصى: فتنة الشيوعية، والتتار، والصليبين، وفتنة الجهمية، والخوارج، والمعتزلة، وفتن حزب البعث في الشام، والعراق، وفتنة الرافضة في إيران، والعراق.\nومن الفتن التي جاءت من الشرق الأدنى- أي: من نجدٍ-: ردة بني حنيفة والتفافهم حول مسيلمة الكذاب، وتصديقه في دعوى النبوة.\nوليس المراد: أن بقية الجهات ليس فيها فتن، بل فيها فتن، لكن الفتن من جهة الشرق أكثر، بدليل أن هناك فتنًا جاءت من جهة الغرب؛ كفتن العبيديين الذين ملكوا المغرب ومصر في القرن الثالث الهجري، والملاحدة، والزنادقة، والقرامطة.\nوقوله: «حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ»، أي: إن الشيطان يجعل ناحية رأسه عند غروب الشمس وعند طلوعها، حتى يكون عُبَّاد الشمس كأنهم يسجدون له؛ ولهذا نهى الرسول ﷺ عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها.","vol":"8","page":284},{"text":"حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ، وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبَانَ- وَأَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْوَكِيعِيُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ مَا أَسْأَلَكُمْ عَنِ الصَّغِيرَةِ، وَأَرْكَبَكُمْ لِلْكَبِيرَةِ! سَمِعْتُ أَبِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الْفِتْنَةَ تَجِيءُ مِنْ هَا هُنَا- وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ- مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ»، وَأَنْتُمْ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا قَتَلَ مُوسَى الَّذِي قَتَلَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ خَطَأً، فَقَالَ اللَّهُ ﷿ لَهُ: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾».\nقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ سَالِمٍ، لَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ.\nفي هذا الحديث: إنكارٌ من سالم بن عبد الله بن عمر ﵀ على أهل العراق بقوله: «يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ مَا أَسْأَلَكُمْ عَنِ الصَّغِيرَةِ، وَأَرْكَبَكُمْ لِلْكَبِيرَةِ!»، يعني: تسألون عن الشيء الصغير، وأنتم ترتكبون العظائم، و«يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»، أي: فتتقاتلون ولا تبالون بالقتل.\nوقوله: «وَإِنَّمَا قَتَلَ مُوسَى الَّذِي قَتَلَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ خَطَأً، فَقَالَ اللَّهُ ﷿ لَهُ: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾»، أي: أن الله تعالى لام موسى ﵇ حينما قتل نفسًا واحدة قبل النبوة، وأنتم لا تبالون بالقتل! فيضرب بعضكم رقاب بعض، مع أن القتل من العظائم.","vol":"8","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1356>بَابُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعْبُدَ دَوْسٌ ذَا الْخَلَصَةِ</span>\n\n[٢٩٠٦] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدُ بْنُ حميد: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ»، وَكَانَتْ صَنَمًا تَعْبُدُهَا دَوْسٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِتَبَالَةَ.\n[خ: ٧١١٦]\nقوله: «حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ»: أليات جمع أَلْية، يعني: أعجازهن، بسبب الطواف حول الصنم، والمعنى: أنهم يكفرون بالله ﷿، ويعودون إلى عبادة الأصنام والأوثان.\nوهذا الصنم كانت تعبده قبيلة دوس بتَبَالَة، وهو الآن في بيشة وما حولها من تهامة والجنوب، وقد أرسل النبي ﷺ إليه جرير بن عبد الله البجلي ﵁، كما في صحيح البخاري، وقال له: «أَلا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ»، وَكَانَ بَيْتًا فِي خَثْعَمَ يُسَمَّى كَعْبَةَ اليَمَانِيَةِ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ، وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ، قَالَ: وَكُنْتُ لا أَثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ، فَضَرَبَ فِي صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا»، فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا فَكَسَرَهَا وَحَرَّقَهَا، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُهُ، فَقَالَ رَسُولُ جَرِيرٍ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْوَفُ- أَوْ أَجْرَبُ- قَالَ: فَبَارَكَ فِي خَيْلِ أَحْمَسَ، وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ (^١).\nوالأجرب، يعني: الأسود، فدعا النبي ﷺ لرجال أحمس، وبرَّك عليهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٢٠)، ومسلم (٢٤٧٦).","vol":"8","page":286},{"text":"خمسَ مراتٍ، ثم عاد هذا الصنم في زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وعُبِد من دون الله، وأزاله الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولا يؤمَنُ أن يعود مرة ثالثة- أيضًا.\nقال المباركفوري ﵀: «و(ذِي الْخَلَصَةِ) صنم وبيت كانوا يعظمونه كتعظيم الكعبة، ويسمونه الكعبة اليمانية، وكان الصنم مروة بيضاء منقوشة، عليها كهيئة التاج، وقد بعث النبي ﷺ جرير بن عبد الله البجلي ليهدمه، فكسر الصنم وجزءًا من البيت، وحرق البيت حتى تركه مثل الجمل الأجرب، ولم يستطع هدمه بالكامل؛ لكبر الحجارة التي بنيت بها جدرانه، فلما عاد الجهل إلى المسلمين في العصور الأخيرة بدأوا يقصدون ذا الخلصة بالنذور والقرابين، وأخذت نساؤهم تتقرب إليها وتطوف حولها، حتى جاء عهد آل سعود، وافتتحوا تلك المنطقة، وحاولوا هدمه في زمن الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود فلم يستطيعوا إلا هدم جزء منه؛ إذ كان البنيان ضخمًا، بحيث لا يقوى على زحزحة الحجر الواحد منه أقل من أربعين شخصًا، فلما جاء عهد الملك عبد العزيز آل سعود، وافتتح تلك البلاد، وظهرت الآليات الجديدة الكبيرة العملاقة ذهبت حملة جيوشه إلى جبال دوس سنة ١٣٤٤ هـ فأحرقوا شجرة عبلا، كانت بجانب ذي الخلصة، وهدموا بيت ذي الخلصة، ورموا بأنقاضه إلى الوادي حتى عفا أثره، وتركوا الأرض قاعًا صفصفًا، ولله الحمد» (^١).\nوقال النووي ﵀: «تَبالة: بمثناة فوق مفتوحة ثم باء موحدة مخففة، وهي موضع باليمن، وليست تبالة التي يضرب بها المثل، ويقال: أهون على الحجاج من تبالة؛ لأن تلك بالطائف، وأما ذو الخَلَصة فبفتح الخاء واللام، هذا هو المشهور، حكى القاضي فيه في الشرح والمشارق ثلاثة أوجه، أحدها: هذا، والثاني: بضم الخاء، والثالث: بفتح الخاء وإسكان\n_________\n(^١) منة المنعم، للمباركفوري (٤/ ٢٥٨ - ٢٥٩).","vol":"8","page":287},{"text":"اللام، قالوا: وهو بيت صنم ببلاد دوس» (^١).\nوالقول بأن ذا الخَلَصة كان عتبة تبالة أقرب إلى الصحة، وتبالة بالفتح قرية في جنوب الطائف، واسم لوادي فحلٍ على بعد مائتي كيلو، ومن زعم أن تَبَالَة اسم قريتين فقد أخطأ.\n\n[٢٩٠٧] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، وَأَبُو مَعْنٍ زَيْدُ بْنُ يَزِيدَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي مَعْنٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ أَنَّ ذَلِكَ تَامًّا، قَالَ: «إِنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ، فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِمْ».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ- وَهُوَ الْحَنَفِيُّ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nقوله: «لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى»، أي: تعود اللات في الطائف وتُعبد، والعزى في مكة وتُعبد، وهذا في آخر الزمان.\nوقوله: «ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً»، أي: تأتي ريح طيبة من جهة اليمن تقبض كل روح مؤمنة، ثم تقوم الساعة على الكفرة، يتمثلهم الشيطان، فيقول: ألا تستجيبون لي؟ فيأمرهم بعبادة الأصنام والأوثان، وهم في ذلك حسنٌ عيشُهم، دارٌّ رزقُهم، تأتيهم الأمطار ليلًا ونهارًا.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ٣٣).","vol":"8","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1357>بَابُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ</span>،\nفَيَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ مَكَانَ الْمَيِّتِ مِنَ الْبَلَاءِ\n\n[١٥٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ- فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ».\n[خ: ٧١١٥]\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبَانَ- قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ، فَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ، إِلَّا الْبَلَاءُ».\n\n[٢٩٠٨] وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ يَزِيدَ- وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِي أَيِّ شَيْءٍ قَتَلَ، وَلَا يَدْرِي الْمَقْتُولُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ قُتِلَ».\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ، وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ، وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ»، فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ ! قَالَ: «الْهَرْجُ، الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ».\nوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبَانَ قَالَ: هُوَ يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ: عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، لَمْ يَذْكُرِ الْأَسْلَمِيَّ.","vol":"8","page":289},{"text":"قوله: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ»، أي: أن الرجل يأتي القبر، ويتمرغ عليه، ويقول: يا ليتني مكان صاحبه، لا يقول هذا من أجل الدين، ولا من أجل الرغبة بما عند الله، بل من أجل الفتن والبلاء.\nوقوله: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِي أَيِّ شَيْءٍ قَتَلَ، وَلَا يَدْرِي الْمَقْتُولُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ قُتِلَ»، يعني: سيكثر القتل، فلا يدري القاتل لماذا قَتَل، ولا المقتول لماذا قُتِل، وهذا موجود الآن، ففي الحروب تجد بعض الجنود في البلدان الكافرة وغيرها يقاتلون، ولا يدرون ما هي الأسباب التي يقاتلون من أجلها.\nوقوله: «الْهَرْجُ، الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»: الهرج، أي: القتل، وقوله: «الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»؛ لأن هذا القتال قتال فتنة من أجل الهوى، والعصبية، والدنيا، والبغي، والعدوان.","vol":"8","page":290},{"text":"[٢٩٠٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ».\n[خ: ١٥٩١]\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ يُخَرِّبُ بَيْتَ اللَّهِ ﷿».\n\n[٢٩١٠] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ».\n[خ: ٣٥١٧]\n\n[٢٩١١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَبِيرِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْحَكَمِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَذْهَبُ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْجَهْجَاهُ».\nقَالَ مُسْلِم: هُمْ أَرْبَعَةُ إِخْوَةٍ: شَرِيكٌ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، وَعُمَيْرٌ، وَعَبْدُ الْكَبِيرِ بَنُو عَبْدِ الْمَجِيدِ.\nفي هذه الأحاديث: بيان علامات الساعة، ومن علاماتها: تخريب الكعبة في آخر الزمان، ويخربها رجل يقال له ذو السويقتين، من الحبشة، وسمي بذي السويقتين لدقة ساقيه، أو لعوجهما، وهذا وصف غالب للسودان، وهذا من أشراط الساعة الكبار.","vol":"8","page":291},{"text":"ومن العلماء من قسم أشراط الساعة إلى قسمين:\nأشراط صغار، وأشراط كبار.\nوبعضهم قسمها إلى ثلاثة أقسام: الأُولى، ثم المتوسطة، ثم الكبرى.\nأما أشراط الساعة الأُولى: فمضى كثير منها، وأولها: بعثة النبي ﷺ؛ لأنه نبي الساعة ﵊، قال: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ»، قَالَ: وَضَمَّ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى (^١).\nومنها: موته ﵊.\nومنها: فتح بيت المقدس.\nومنها: ما أخبر به ﷺ من الحروب والفتن التي تحصل بين أصحابه.\nوأما أشراط الساعة الكبار فهي عشر متوالية، شُبِّهت بالعقد، إذا انقطع نظامه توالت حباتُه في السقوط.\nأولها: المهدي، والثانية: خروج الدجال، والثالثة: نزول عيسى ابن مريم، والرابعة: خروج يأجوج ومأجوج، ثم بعد ذلك تتوالى العلامات.\nومنها: تخريب الكعبة من ذي السويقتين في آخر الزمان، وجاء في الحديث الآخر وصفه بقول النبي ﷺ: «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَيَسْلُبُهَا حِلْيَتَهَا، وَيُجَرِّدُهَا مِنْ كِسْوَتِهَا، وَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ أُصَيْلِعَ أُفَيْدِعَ، يَضْرِبُ عَلَيْهَا بِمِسْحَاتِهِ وَمِعْوَلِهِ» (^٢).\nومنها: الدخان الذي يملأ الأرض.\nومنها: نزع القرآن من الصدور والمصاحف.\nومن آخرها: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وهما مقترنتان، وآخر ذلك: نار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، تبيت معهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٣٠١)، ومسلم (٢٩٥٠).\n(^٢) أخرجه أحمد (٧٠٥٣).","vol":"8","page":292},{"text":"إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأتي ريح طيبة تقبض أرواح المؤمنين والمؤمنات قبل قيام الساعة، ثم تقوم الساعة على الكفرة- والعياذ بالله.\nوقوله: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ»: معنى يسوق الناس بعصاه، أي: بظلمه.\nوقوله: «حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْجَهْجَاهُ»: قال بعضهم: يكون ذلك في زمن المهدي في ناحية من النواحي، والله أعلم.\n\n[٢٩١٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ».\n[خ: ٢٩٢٩]\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلَكُمْ أُمَّةٌ يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ، وُجُوهُهُمْ مِثْلُ الْمَجَانِّ الْمُطْرَقَةِ».\nقوله: «المَجَانُّ»: قال القاضي عياض: «كذا ضبطناه بفتح الميم ... وهو الصواب» (^١) جمع مجن، وهو: الترس، قال البيضاوي: شبه وجوههم بالترسة لبسطها وتدويرها، وبالمطرقة لغلظها وكثرة لحمها (^٢)، وفي اللفظ الآخر: «حُمْرُ الْوُجُوهِ»، أي: أن وجوههم مشربة بحمرة.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ٤٥٥).\n(^٢) فتح الباري، لابن حجر (٦/ ٦٠٨).","vol":"8","page":293},{"text":"وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ- قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا صِغَارَ الْأَعْيُنِ، ذُلْفَ الْآنُفِ».\nقوله: «قَوْمًا صِغَارَ الْأَعْيُنِ ذُلْفَ الْآنُفِ): هذا وصف للأتراك، وذُلْفَ الْآنُفِ: جمع أذلف، وهو الأفطس، وهو قصير الأنف مع انبطاحها، وقيل: عريض أرنبة الأنف، وقيل: فيه تطامن، وهي متقاربة.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ، قَوْمًا وُجُوهُهُمْ كَالْمَجَانِّ الْمُطْرَقَةِ، يَلْبَسُونَ الشَّعَرَ، وَيَمْشُونَ فِي الشَّعَرِ».\nقوله: «وَيَمْشُونَ فِي الشَّعَرِ»، يعني: يلبسون نعالًا مصنوعة من الشعر.\nقوله: «حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ»: تفسير لِما جاء في الحديث السابق من قوله: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ»، والأحاديث يفسر بعضها بعضًا.","vol":"8","page":294},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تُقَاتِلُونَ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، حُمْرُ الْوُجُوهِ، صِغَارُ الْأَعْيُنِ».\n\n[٢٩١٣] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: يُوشِكُ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنْ لَا يُجْبَى إِلَيْهِمْ قَفِيزٌ وَلَا دِرْهَمٌ، قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ ذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ قِبَلِ الْعَجَمِ يَمْنَعُونَ ذَاكَ، ثُمَّ قَالَ: يُوشِكُ أَهْلُ الشَّأْمِ أَنْ لَا يُجْبَى إِلَيْهِمْ دِينَارٌ وَلَا مُدْيٌ، قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ ذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ قِبَلِ الرُّومِ، ثُمَّ سَكَتَ هُنَيَّةً، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي خَلِيفَةٌ يَحْثِي الْمَالَ حَثْيًا لَا يَعُدُّهُ عَدَدًا» قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي نَضْرَةَ، وَأَبِي الْعَلَاءِ: أَتَرَيَانِ أَنَّهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ فَقَالَا: لَا.\nوَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ- يَعْنِي: الْجُرَيْرِيَّ- بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nهذا الحديث مثل قوله ﷺ في الحديث السابق: «مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا، وَمَنَعَتِ الشَّأْمُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا».\nوقوله: «يُوشِكُ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنْ لَا يُجْبَى إِلَيْهِمْ قَفِيزٌ وَلَا دِرْهَمٌ، قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ ذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ قِبَلِ الْعَجَمِ، يَمْنَعُونَ ذَاكَ، ثُمَّ قَالَ: يُوشِكُ أَهْلُ الشَّأْمِ أَنْ لَا يُجْبَى إِلَيْهِمْ دِينَارٌ وَلَا مُدْيٌ، قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ ذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ قِبَلِ الرُّومِ»: سياق الكلام أن يقال: ألا يجبى منهم، ولكن المراد: ألا يجبى إلى الدولة الإسلامية في المدينة وفي غيرها، بسبب امتناعهم من دفع الخراج، والجزية، وهذا من علامات الساعة.\nوقوله: «قُلْتُ لِأَبِي نَضْرَةَ، وَأَبِي الْعَلَاءِ: أَتَرَيَانِ أَنَّهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ فَقَالَا:","vol":"8","page":295},{"text":"لَا»: قال أبو العباس القرطبي ﵀: «وإنما نفى أبو نضرة أن يكون هذا الخليفة هو عمر بن عبد العزيز؛ لقوله ﷺ: «فِي آخِرِ أُمَّتِي»، وذلك لا يَصْدُق على زمن عمر بن عبد العزيز إلا بالتوسع البعيد؛ ولأنه لم يصب المال كما جاء في هذا الحديث، وقد روى الترمذي وأبو داود أحاديث صحيحة في هذا الخليفة، وسمياه بالمهدي، فروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمْلِكَ العَرَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي» (^١)، وقال: حديث حسن صحيح، وخرجه أبو داود، وزاد فيه: «يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا» (^٢). وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: خَشِينَا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ نَبِيِّنَا حَدَثٌ فَسَأَلْنَا نَبِيَّ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «إِنَّ فِي أُمَّتِي الْمَهْدِيَّ يَخْرُجُ يَعِيشُ خَمْسًا- أَوْ سَبْعًا، أَوْ تِسْعًا، زَيْدٌ الشَّاكُّ- قَالَ: قُلْنَا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: سِنِينَ، قَالَ: فَيَجِيءُ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَيَقُولُ: يَا مَهْدِيُّ أَعْطِنِي أَعْطِنِي قَالَ: فَيَحْثِي لَهُ فِي ثَوْبِهِ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْمِلَهُ» (^٣). وقال الترمذي: هذا حديث حسن.\nوروى أبو داود من عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمَهْدِيُّ مِنِّي، أَجْلَى الْجَبْهَةِ، أَقْنَى الْأَنْفِ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا، يَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ» (^٤). وروى- أيضًا- أبو داود عن أم سلمة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال: «يَكُونُ اخْتِلَافٌ عِنْدَ مَوْتِ خَلِيفَةٍ، فَيَخْرُجُ رَجُلٌ مِنَ الْمَدِينَةِ هَارِبًا إِلَى مَكَّةَ، فَيَأْتِيهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَيُخْرِجُونَهُ وَهُوَ كَارِهٌ، فَيُبَايِعُونَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، فَيُبْعَثُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الشَّامِ، فَيُخْسَفُ بِهِمْ بِالْبَيْدَاءِ، فَإِذَا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ أَتَتْهُ أَبْدَالُ الشَّامِ، وَعَصَائِبُ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٢٨٢).\n(^٢) أخرجه أحمد (١١٢٢٣)، وأبو داود (٤٢٨٢).\n(^٣) أخرجه أحمد (١١١٦٣)، والترمذي (٢٢٣٢)، وابن ماجه (٤٠٨٣).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٤٢٨٥)، وأبو يعلى (١١٢٨).","vol":"8","page":296},{"text":"الْعِرَاقِ، فَيُبَايِعُونَهُ، ثُمَّ يَنْشَأُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَخْوَالُهُ كَلْبٌ، فَيَبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَكِّيُّ بَعْثًا، فَيَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ بَعْثُ كَلْبٍ، وَالْخَيْبَةُ لِمَنْ لَمْ يَشْهَدْ غَنِيمَةَ كَلْبٍ، فَيَقْسِمُ الْمَالَ، وَيُعْمِلُ فِي النَّاسِ سُنَّةَ نَبِيِّهِمْ ﷺ، وَيُلْقِي الْإِسْلَامُ بِجِرَانِهِ إِلَى الْأَرْضِ، يَمْكُثُ تِسْعَ سِنِينَ- قَالَ حَرَمِيٌّ: أَوْ سَبْعَ» (^١). فهذه أخبار صحيحة ومشهورة عن النبي ﷺ تدل على خروج هذا الخليفة الصالح في آخر الزمان، وهو يُنتَظَر؛ إذ لم يُسمع بمن كملت له جميع تلك الأوصاف التي تضمنتها تلك الأخبار، والله تعالى أعلم» (^٢).\n\n[٢٩١٤] حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْمُفَضَّلِ-.ح، وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مِنْ خُلَفَائِكُمْ خَلِيفَةٌ يَحْثُو الْمَالَ حَثْيًا لَا يَعُدُّهُ عَدَدًا».\nوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حُجْرٍ: «يَحْثِي الْمَالَ».\n[٢٩١٤/ ٢٩١٣] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَلِيفَةٌ يَقْسِمُ الْمَالَ، وَلَا يَعُدُّهُ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nقوله: «مِنْ خُلَفَائِكُمْ خَلِيفَةٌ يَحْثُو الْمَالَ حَثْيًا لَا يَعُدُّهُ عَدَدًا»: قال القاضي عياض ﵀: «أي: لكثرته واتساع المجيء والفتوحات عليه، فهو يلقيه للناس\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٦٦٨٩)، وأبو داود (٤٢٨٦).\n(^٢) المفهم، للقرطبي (٧/ ٢٥٣ - ٢٥٤).","vol":"8","page":297},{"text":"بيده، كما يَحْثِي الترابَ إذا رَمَى به بيديه. يقال: حثى يحثي ويحثو، حثوًا وحثيًا، وقد وقع الفعلان والمصدر فى الأم (^١).\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ٤٥٧).","vol":"8","page":298},{"text":"[٢٩١٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَمَّارٍ- حِينَ جَعَلَ يَحْفِرُ الْخَنْدَقَ، وَجَعَلَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، وَيَقُولُ-: «بُؤْسَ ابْنِ سُمَيَّةَ، تَقْتُلُكَ فِئَةٌ بَاغِيَةٌ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ عَبَّادٍ الْعَنْبَرِيُّ، وَهُرَيْمُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ قَالُوا: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ النَّضْرِ: أَخْبَرَنِي مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي- أَبُو قَتَادَةَ- وَفِي حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: أُرَاهُ- يَعْنِي: أَبَا قَتَادَةَ- وَفِي حَدِيثِ خَالِدٍ، وَيَقُولُ: «وَيْسَ»، أَوْ يَقُولُ: «يَا وَيْسَ ابْنِ سُمَيَّةَ».\n\n[٢٩١٦] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ عُقْبَةُ: حَدَّثَنَا، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْبَرَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ خَالِدًا يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَمَّارٍ: «تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ».\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ وَالْحَسَنِ عَنْ أُمِّهِمَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ».","vol":"8","page":299},{"text":"في هذه الأحاديث: علم من أعلام النبوة، وهو قتل عمار بن ياسر ﵁، وكنيته: أبو اليقظان، تقتله الفئة الباغية، وقد حصل ذلك.\nوفيها: دليل على أن المصيب هو علي ﵁، وأن له أجرين: أجرَ الإصابة، وأجرَ الاجتهاد، وأن معاوية ﵁ ومن معه فاتهم أجر الصواب، وحصلوا على أجر الاجتهاد.\nومن الأدلة- أيضًا- على أن عليًّا ﵁ هو المصيب: قوله ﵇: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ» (^١)، فخرجت الخوارج، وقتلهم علي ﵁.\nوفيها: دليل على أن جيش معاوية ﵁ هم الفئة الباغية.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠٦٤).","vol":"8","page":300},{"text":"[٢٩١٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُهْلِكُ أُمَّتِي هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ» قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «لَوْ أَنَّ النَّاسَ اعْتَزَلُوهُمْ».\n[خ: ٣٦٠٤]\nوَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ فِي مَعْنَاهُ.\nقوله: «يُهْلِكُ أُمَّتِي هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ»، وفي لفظ قال: «هَلَكَةُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ» (^١): وهذه الرواية تبيِّن أن المراد بهذه الرواية: طائفة من قريش، قيل: إن المراد بهم يزيد بن معاوية، والوليد بن يزيد، ومحمد بن علي السفاح، وكلهم من قريش، وملكوا وهم صغار السن، وكان في ولايتهم شيء من الظلم.\nوهذا الحديث من علامات النبوة، وقد وقع ما أخبر به النبي ﷺ، وقد كان أبو هريرة ﵁ يَتَعَوَّذُ مِنْ إِمَارَةِ الصِّبْيَانِ وَالسُّفَهَاءِ. (^٢)، فاستجاب الله دعاءه، فمات قبل إمارة يزيد بن معاوية.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٠٥٨).\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٦٦).","vol":"8","page":301},{"text":"[٢٩١٨] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَدْ مَاتَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ».\n[خ: ٣٠٢٧، ٣١٢٠]\nوَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح، وَحَدَّثَنِي ابْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِ سُفْيَانَ وَمَعْنَى حَدِيثِهِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلَكَ كِسْرَى، ثُمَّ لَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ، وَقَيْصَرُ لَيَهْلِكَنَّ، ثُمَّ لَا يَكُونُ قَيْصَرُ بَعْدَهُ، وَلَتُقْسَمَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ».\n\n[٢٩١٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ»، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ سَوَاءً.\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَتَفْتَحَنَّ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ- أَوْ: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- كَنْزَ آلِ كِسْرَى الَّذِي فِي الْأَبْيَضِ». قَالَ قُتَيْبَةُ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَشُكَّ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ.\nفي هذه الأحاديث: علامة من علامات النبوة، وهي هلاك كسرى، وقيصر،","vol":"8","page":302},{"text":"والمراد: زوال ملكهما من هذين الإقليمين، أي: من الشام، والعراق.\nوقد وقع كما أخبر النبي ﷺ، حيث زال ملك الكياسرة من العراق، وملك القياصرة من الشام، وأُنفقت كنوزهما في سبيل الله، وجيء بهما إلى عمر بن الخطاب ﵁.\nفأما ملك كسرى فقد زال وتمزق، ولم تقم له قائمة؛ لأنه لما جاءه كتاب النبي ﷺ إليه مزقه، فدعا عليه النبي ﷺ: أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ (^١)، وأما قيصر الروم فإنه عظَّم كتاب النبي ﷺ لما جاءه، وكاد أن يسلم، وزال ملكه من الشام، وانحصر في بلاد الروم خاصة.\n\n[٢٩٢٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنْ ثَوْرٍ- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ الدِّيلِيُّ- عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «سَمِعْتُمْ بِمَدِينَةٍ جَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَرِّ، وَجَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَحْرِ؟» قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْزُوَهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ، فَإِذَا جَاءُوهَا نَزَلُوا، فَلَمْ يُقَاتِلُوا بِسِلَاحٍ، وَلَمْ يَرْمُوا بِسَهْمٍ، قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ أَحَدُ جَانِبَيْهَا- قَالَ ثَوْرٌ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ-: الَّذِي فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ يَقُولُوا الثَّانِيَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ جَانِبُهَا الْآخَرُ، ثُمَّ يَقُولُوا الثَّالِثَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَيُفَرَّجُ لَهُمْ، فَيَدْخُلُوهَا فَيَغْنَمُوا، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْمَغَانِمَ؛ إِذْ جَاءَهُمُ الصَّرِيخُ، فَقَالَ: إِنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَرَجَ، فَيَتْرُكُونَ كُلَّ شَيْءٍ وَيَرْجِعُونَ».\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ الدِّيلِيُّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ.\nفي هذه الأحاديث: ذكر الفتح الأخير لمدينة القسطنطينية، وستفتح\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤).","vol":"8","page":303},{"text":"أيضا، ويكون ذلك علامة من علامات الساعة الكبرى.\nقال القاضي عياض ﵀: ««مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ»، كذا في سائر الأصول. قال بعضهم: المعروف المحفوظ: «مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ»، وهو الذي يدل عليه الحديث وسياقه؛ لأنه إنما يعني العرب والمسلمين؛ بدليل الحديث الذى سماها فيه في الأم، وأنها القسطنطينية، وإن لم يصفها بما وصفها به هنا» (^١).\nوقال المباركفوري ﵀: ««مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ»: قيل: هذا وهمٌ من بعض الرواة؛ لأنه ﷺ أراد بهم العرب، وهم بنو إسماعيل، وليسوا ببني إسحاق. أقول: بل هو صحيح؛ لأنه أراد بهم أهل الشام، ومعظمهم من بني إسحاق، وقليل منهم من غيرهم، فعبَّر عنهم ببني إسحاق تغليبًا، وقد كان لإسحاق ﵇ ولد أكبر من يعقوب، اسمه العيص، نشأت ذريته في الشام وغير الشام، وقد أسلموا حين دخل المسلمون في بلادهم، وافتتحوها، والله أعلم» (^٢).\nقلت: وأولاد العيص: هم الروم.\nقال أبو العباس القرطبي ﵀: «وقوله: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْزُوَهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ»: هكذا صحت الرواية عند الجميع، وفي الأمهات. قال القاضي أبو الفضل: قال بعضهم: المعروف المحفوظ: «مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ»، وهو الذي يدل عليه الحديث وسياقه؛ لأنه إنما يعني به: العرب والمسلمين، بدليل الحديث الذي سماها فيه في الأم، وأنها القسطنطينية، وإن لم يصفها بما وصفها به هنا.\nقال الشيخ ﵀: وهذا فيه بُعدٌ؛ من جهة اتفاق الرواة والأمهات على ابن إسحاق، فإذًا المعروف خلاف ما قال هذا القائل، ويمكن أن يقال: إن الذي وقع في الرواية صحيح غير أنه أراد به العرب، ونسبهم إلى عمهم، وأطلق\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ٤٦٤).\n(^٢) منة المنعم، للمباركفوري (٤/ ٣٦٥).","vol":"8","page":304},{"text":"عليهم ما يُطلق على ولد الأب، كما يقال ذلك في الخال، حتى قيل: الخال أحد الأبوين، والله تعالى أعلم.\nوأما قوله: إن هذه القرية هي القسطنطينية، فينبغي أن يبحث عن وصفها؛ هل توافق ما وصفه النبي ﷺ في هذه المدينة، أم لا؟ وأما ما ذكره مسلم في الأم من حديث القسطنطينية فهو ما تقدم في حديث أبي هريرة ﵁ والذي قال في أوله: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالأَعْمَاقِ، أَوْ بِدَابِق» قال فيه: «فَيُقَاتِلُهُمُ المُسْلِمُونَ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ، ويُقْتَلُ ثُلُثٌ، ويَفْتَحُ الثُّلُثُ القُسْطَنْطِينيَّة، فَبَيْنَمَا هُمْ يُقَسِّمُونَ الغَنَائِمَ، قَدْ علَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ؛ إِذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ: إِنَّ المَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ»: وظاهر هذا يدل على أن القسطنطينية إنما تُفتح بالقتال.\nوهذا الحديث يدل أنها تفتح بالتهليل والتكبير، فقول بعضهم فيه بعد.\nوالحاصل: أن القسطنطينية لا بد من فتحها، وأن فتحها من أشراط الساعة على ما شهدت به أخبار كثيرة، منها: ما ذكرناه آنفًا، ومنها: ما خرجه الترمذي من حديث معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: «المَلْحَمَةُ العُظْمَى، وفَتْحُ القُسْطَنْطِينِيَّةِ، وخُرُوجُ الدَّجَّالِ فِي سَبْعَةِ أَشْهُرٍ» (^١) قال: هذا الحديث حسن صحيح، وفيه: وعن أنس بن مالك: أن فتح القسطنطينية مع قيام الساعة. هكذا رواه موقوفًا. قال محمد: هذا حديث غريب. والقسطنطينية هي مدينة الروم تفتح عند خروج الدجال، والقسطنطينية قد فُتحت في زمان بعض أصحاب النبي ﷺ.\nقال الشيخ ﵀: وعلى هذا فالفتح الذي يكون مقارنًا لخروج الدجال هو الفتح المراد بهذه الأحاديث؛ لأنها اليوم بأيدي الروم أمَّرهم الله تعالى، والله بتفاصيل هذه الوقائع أعلم» (^٢). انتهى\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٢٠٤٥)، وأبو داود (٤٢٩٥)، والترمذي (٢٢٣٨)، وابن ماجه (٤٠٩٢).\n(^٢) المفهم، للقرطبي (٧/ ٢٤٨ - ٢٥٠).","vol":"8","page":305},{"text":"وقال المباركفوري ﵀: ««فَيُفَرَّجُ لَهُمْ»، أي: فيكشف ويفر العدو، والفتح المذكور في هذا الحديث غير الفتح الذي افتتحه محمد الفاتح العثماني، فإنه افتتح هذه المدينة بعد الحصار الطويل، والحروب الشديدة، والتدابير الغريبة النادرة، وهذا الفتح المذكور في هذا الحديث إنما يحصل بهتاف التكبير دون القتال، ويحصل قرب خروج الدجال جدًّا، والسر في فتحها بالتكبير أن المسلمين يغزونها بعد الملحمة الكبرى التي تقع بالأعماق، أو بدابق، وقد تقدم ما يقع فيها من القتل الذريع في العدو، بحيث يطير الطائر بجنباتهم، فلا يجاوزهم حتى يخر ميتًا، فيداخلهم لأجل ذلك رعب شديد، حتى إنهم حين يسمعون بقدوم المسلمين إلى هذه المدينة لا يتمالكون أنفسهم، ولا يجترئون على القتال، بل يلوذون بالفرار بمجرد قدوم المسلمين، ولله الحمد» (^١).\n_________\n(^١) منة المنعم، للمباركفوري (٤/ ٣٦٥).","vol":"8","page":306},{"text":"[٢٩٢١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ، فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ: يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ- فِي حَدِيثِهِ-: «هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمًا يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تَقْتَتِلُونَ أَنْتُمْ وَيَهُودُ حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ: يَا مُسْلِمُ، هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي، تَعَالَ فَاقْتُلْهُ».\nحَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تُقَاتِلُكُمْ الْيَهُودُ، فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ: يَا مُسْلِمُ، هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ».\n\n[٢٩٢٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ- أَوِ: الشَّجَرُ-: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ؛ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ».\nفي هذا الأحاديث: من أشراط الساعة ما سيحصل بعد نزول عيسى ابن مريم ﵇، وقتلِ الدجال، حيث يسلَّط المسلمون على قتل اليهود، فيقتلونهم قتالًا ذريعًا «حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ»، فيتكلم هذا الشجر والحجر «فَيَقُولُ الْحَجَرُ، أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ","vol":"8","page":307},{"text":"خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ؛ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ».\nوالغرقد: نوع من شجر العوسج؛ لهذا فإن اليهود الآن يغرسون شجر الغرقد؛ لأنه يخون معهم، وما عدا الغرقد فإنه يتكلم، وقد يحصل هذا قبل نزول عيسى ﵇.\n\n[٢٩٢٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَذَّابِينَ».\nوَزَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: «نَعَمْ».\nوَحَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، قَالَ سِمَاكٌ: وَسَمِعْتُ أَخِي يَقُولُ: قَالَ جَابِرٌ: فَاحْذَرُوهُمْ.\n\n[١٥٧] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- وَهُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ- عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: يَنْبَعِثَ.\n[خ: ٣٦٠٩]\nفي هذا الحديث: علامة من علامات النبوة وقعت كما أخبر النبي ﷺ، حيث يخرج دجالون كذابون قريب من ثلاثين، والمراد: مَن له شوكة وأتباع، أما من ادَّعى النبوة لخبل في عقله، أو هوس في رأسه فهذا كثير لا عبرة به.","vol":"8","page":308},{"text":"أما من خرج وله شوكة وأتباع: فمنهم: مسيلمة الكذاب، وقد خرج في آخر حياة النبي ﷺ، وتبعه بنو حنيفة، وقاتلهم الصحابة ﵃.\nومنهم: الأسود العنسي في اليمن، وقُتل في آخر حياة النبي ﷺ.\nومنهم: سجاحِ التميميةُ، ادعت النبوة، ولها أتباع، ثم تابت وأسلمت.\nومنهم: طليحة الأسدي، ثم تاب وأسلم.\nومنهم: مرزا غلام أحمد القادياني.","vol":"8","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1358>بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ</span>\n\n[٢٩٢٤] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمَرَرْنَا بِصِبْيَانٍ فِيهِمْ ابْنُ صَيَّادٍ، فَفَرَّ الصِّبْيَانُ وَجَلَسَ ابْنُ صَيَّادٍ، فَكَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَرِهَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «تَرِبَتْ يَدَاكَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟»، فَقَالَ: لَا، بَلْ تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ذَرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى أَقْتُلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنْ يَكُنِ الَّذِي تُرَى فَلَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا نَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَمَرَّ بِابْنِ صَيَّادٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا»، فَقَالَ: دُخٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ»، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَعْهُ، فَإِنْ يَكُنِ الَّذِي تَخَافُ لَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ».\nفي هذين الحديثين: ذكر ابن صياد، ويقال له: ابن صائد.\nوفيها: أن اسمه صافٍ، وهو دجال من دجاجلة اليهود، إلا أنه لم يبلغ الحلم، وكان قد أشكل أمره على النبي ﷺ في أول الأمر، فلم يدر هل هو الدجال الأكبر، أو ليس هو؟ ! لأن الله تعالى بين له الأوصاف، ولم يبين له عينه، ثم بعد ذلك أخبره الله ﷿ أنه ليس هو الدجال الأكبر، وإنما الدجال","vol":"8","page":310},{"text":"الأكبر يخرج في آخر الزمان.\nقوله: «تَرِبَتْ يَدَاكَ»: هذا دعاء من النبي ﷺ عليه بأن تلصق يده بالتراب من الفقر، وهو من الألفاظ التي تقولها العرب وهم لا يريدون حقيقتها، وقد يراد به الحقيقة، كما في هذا الدعاء على ابن صياد.\nوفيهما: أن ابن صياد ادعى النبوة؛ لأن النبي ﷺ قال له: «أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَا، بَلْ تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟»؛ ولهذا قال عمر ﵁: «ذَرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى أَقْتُلَهُ»؛ لأنه يهودي كافر، ومدَّعٍ للنبوة.\nقوله: «إِنْ يَكُنِ الَّذِي تُرَى فَلَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ»: تُرى بمعنى: تظن، أي: إن كان الذي تظن من أنه الدجال الأكبر فلن تستطيع قتله، كما يدل عليه الحديث الذي بعده: «فَإِنْ يَكُنِ الَّذِي تَخَافُ لَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ»؛ لأنه لا بد أن يمكث المدة التي قدَّرها الله له أن يمكثها في الأرض، كما سيأتي في حديث الدجال، وهي: «أَرْبَعُونَ يَوْمًا؛ يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ»، ولا بد أن تجري على يديه الخوارق، والأمور التي قدَّرها الله ﷿، وهذا يدل على أن النبي ﷺ لم يعرف أنه الدجال في أول الأمر، حتى أعلمه الله بعد ذلك أنه ليس هو الدجال الأكبر.\nوفيهما: أن ابن صياد ادعى الكهانة، فقال النبي ﷺ: «قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا»، فَقَالَ: دُخٌّ، وخبأت، يعني: أضمرت في نفسي، وأخفيت، والدُّخ لغة في الدخان، يعني: أن النبي ﷺ أضمر له هذه الآية: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾، فعرفها ابن صياد.\nوفيهما: أنه لا يجوز للإنسان أن ينفذ الأحكام بنفسه، بل لا بد أن يكون ذلك عن طريق ولاة الأمور؛ ولهذا استأذن عمر ﵁ النبي ﷺ، وقال: «دَعْنِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ»، فمنعه النبي ﷺ، ولم يأذن له في قتله.\nمسألة: لِمَ لم يقتل النبي ﷺ ابن صياد؟\nوالجواب: اختلف العلماء في ذلك على قولين:","vol":"8","page":311},{"text":"الأول: لأنه يهودي، واليهود بينهم وبين النبي ﷺ عهد.\nالثاني: أن النبي ﷺ قال: إنه صبي، والصبي ليس مكلفًا، ولا تقام عليه الحدود.\nوالأقرب- والله أعلم-: أن النبي ﷺ في أول الأمر لم يؤذن له في قتله؛ لأنه اشتبه عليه الأمر، فلم يدر هل هو الدجال الأكبر، أو غيره، حتى إن بعض الصحابة ﵃ كان يحلف أنه هو الدجال الأكبر، وقد حلفوا على ما يظنون، ولا يعتبر هذا من الكذب.","vol":"8","page":312},{"text":"[٢٩٢٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ عَنِ الجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: لَقِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟»، فَقَالَ هُوَ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «آمَنْتُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ، مَا تَرَى؟» قَالَ: أَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ، وَمَا تَرَى؟» قَالَ: أَرَى صَادِقَيْنِ وَكَاذِبًا، أَوْ كَاذِبَيْنِ، وَصَادِقًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لُبِسَ عَلَيْهِ، دَعُوهُ».\n\n[٢٩٢٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَقِيَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ابْنَ صَائِدٍ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَابْنُ صَائِدٍ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْجُرَيْرِيِّ.\n\n[٢٩٢٧] حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ صَائِدٍ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ لِي: أَمَا قَدْ لَقِيتُ مِنَ النَّاسِ؛ يَزْعُمُونَ أَنِّي الدَّجَّالُ؟ أَلَسْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّهُ لَا يُولَدُ لَهُ؟» قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَقَدْ وُلِدَ لِي، أَوَلَيْسَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ، وَلَا مَكَّةَ؟»، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَقَدْ وُلِدْتُ بِالْمَدِينَةِ، وَهَذَا أَنَا أُرِيدُ مَكَّةَ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِي- فِي آخِرِ قَوْلِهِ-: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ مَوْلِدَهُ، وَمَكَانَهُ وَأَيْنَ هُوَ، قَالَ: فَلَبَسَنِي.\nقوله: «فَلَبَسَنِي»، يعني: التبس عليه الأمر، وخُلط عليه أمره.\nفي هذه الأحاديث: أن ابن صياد ابتلي، فكان يرى عرشًا على الماء، وهو عرش إبليس، يشبه عرش الرحمن؛ ولهذا قال: «أَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ».\nوفيها: دليل على أن الدجال مولود، وأنه يهودي، وأنه موثق بالحديد،","vol":"8","page":313},{"text":"ولم يؤذن له بالخروج؛ ولهذا قال ابن صياد: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ مَوْلِدَهُ، وَمَكَانَهُ وَأَيْنَ هُوَ»، فيؤخذ من هذا: أنه موجود، وأنه مولود، وأنه موثق بالحديد، وهذا من الأدلة على أن ابن صياد ليس هو الدجال الأكبر.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ صَائِدٍ- وَأَخَذَتْنِي مِنْهُ ذَمَامَةٌ-: هَذَا عَذَرْتُ النَّاسَ، مَا لِي وَلَكُمْ يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، أَلَمْ يَقُلْ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: إِنَّهُ يَهُودِيٌّ، وَقَدْ أَسْلَمْتُ، قَالَ: وَلَا يُولَدُ لَهُ، وَقَدْ وُلِدَ لِي، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ مَكَّةَ، وَقَدْ حَجَجْتُ، قَالَ: فَمَا زَالَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَأْخُذَ فِيَّ قَوْلُهُ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: أَمَا- وَاللَّهِ- إِنِّي لَأَعْلَمُ الْآنَ حَيْثُ هُوَ، وَأَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ: وَقِيلَ لَهُ: أَيَسُرُّكَ أَنَّكَ ذَاكَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: فَقَالَ: لَوْ عُرِضَ عَلَيَّ مَا كَرِهْتُ.\nقوله: «وَأَخَذَتْنِي مِنْهُ ذَمَامَةٌ»، أي: حياء، وإشفاق.\nوقوله: «هَذَا عَذَرْتُ النَّاسَ، مَا لِي وَلَكُمْ يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ»، يعني: إذا عذرت الناس فلا أعذركم يا أصحاب محمد ﷺ؛ لأنكم تعلمون الأحاديث، وتعلمون أوصاف الدجال، وأنها لا تنطبق عليَّ.\nوقوله: «فَمَا زَالَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَأْخُذَ فِيَّ قَوْلُهُ»،\nيعني: حتى كاد يؤثر عليَّ، وأُصَدِّقه في دعواه.\nوفي هذا الحديث: دليل على أن الدجال لا يدخل مكة، والمدينة في وقته، وأن الله حرمهما عليه، وجاء هذا صريحًا في حديث: «فَلَا أَدَعَ قَرْيَةً إِلَّا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ؛ فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً- أَوْ: وَاحِدًا مِنْهُمَا- اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا يَصُدُّنِي عَنْهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَائِكَةً يَحْرُسُونَهَا».","vol":"8","page":314},{"text":"وفيه: دليل على أن ابن صياد كافر؛ لأنه يقول: «لَوْ عُرِضَ عَلَيَّ مَا كَرِهْتُ»، يعني: أنه لا يكره أنه هو الدجال لو عُرض عليه، أي: لا يكره أن يكون كافرًا، والذي لا يكره الكفر كافر؛ لأنه يكون قد نقض كلمة التوحيد: (لا إله إلا الله).\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، أَخْبَرَنِي الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا أَوْ عُمَّارًا، وَمَعَنَا ابْنُ صَائِدٍ قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَبَقِيتُ أَنَا وَهُوَ، فَاسْتَوْحَشْتُ مِنْهُ وَحْشَةً شَدِيدَةً؛ مِمَّا يُقَالُ عَلَيْهِ، قَالَ: وَجَاءَ بِمَتَاعِهِ فَوَضَعَهُ مَعَ مَتَاعِي، فَقُلْتُ: إِنَّ الْحَرَّ شَدِيدٌ، فَلَوْ وَضَعْتَهُ تَحْتَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَفَعَلَ، قَالَ: فَرُفِعَتْ لَنَا غَنَمٌ، فَانْطَلَقَ فَجَاءَ بِعُسٍّ، فَقَالَ: اشْرَبْ أَبَا سَعِيدٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ الْحَرَّ شَدِيدٌ، وَاللَّبَنُ حَارٌّ- مَا بِي إِلَّا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَشْرَبَ عَنْ يَدِهِ، أَوَ قَالَ: آخُذَ عَنْ يَدِهِ- فَقَالَ: أَبَا سَعِيدٍ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آخُذَ حَبْلًا، فَأُعَلِّقَهُ بِشَجَرَةٍ، ثُمَّ أَخْتَنِقَ مِمَّا يَقُولُ لِي النَّاسُ، يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَسْتَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هُوَ كَافِرٌ»؟ وَأَنَا مُسْلِمٌ، أَوَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هُوَ عَقِيمٌ لَا يُولَدُ لَهُ»؟ وَقَدْ تَرَكْتُ وَلَدِي بِالْمَدِينَةِ، أَوَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلَا مَكَّةَ»؟ وَقَدْ أَقْبَلْتُ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَأَنَا أُرِيدُ مَكَّةَ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: حَتَّى كِدْتُ أَنْ أَعْذِرَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا- وَاللَّهِ- إِنِّي لَأَعْرِفُهُ، وَأَعْرِفُ\nمَوْلِدَهُ وَأَيْنَ هُوَ الْآنَ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ.\nقوله: «فَرُفِعَتْ لَنَا غَنَمٌ، فَانْطَلَقَ فَجَاءَ بِعُسٍّ»: العُسُّ: قدح كبير فيه لبن، والمعنى: أنه حلب الغنم، وجاء بلبنها لأبي سعيد ﵁، وقال: «اشْرَبْ»،","vol":"8","page":315},{"text":"ولكنه اعتذر منه، وقال: «إِنَّ الْحَرَّ شَدِيدٌ وَاللَّبَنُ حَارٌّ»: فلم يأخذ منه، والسبب في عدم أخذه اللبن هو: أنه يكره أن يأخذ من يده شيء، لا من أجل أن اللبن حار.\n\n[٢٩٢٨] حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُفَضَّلٍ- عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- لِابْنِ صَائِدٍ-: «مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟» قَالَ: دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ مِسْكٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، قَالَ: «صَدَقْتَ».\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ: «دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ مِسْكٌ خَالِصٌ».\nقوله: «دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ»: معناه: أنها في البياض درمكة، وفي الطيب مسك، والدرمك: هو الدقيق الحوَّارَى خالص البياض.\nوفي هذا الحديث: دليل على تصديق الكاذب إذا قال صدقًا، ولو كان هو في نفسه كاذبًا؛ لأن النبي ﷺ صدَّقه.\nوفيه: دليل أن الحق يُقبل ممن جاء به، ولو كان كافرًا، أو كاذبًا، فهذا حق جاء به ابن صياد، ومع ذلك صدَّقه النبي ﷺ في أن الجنة «دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ مِسْكٌ»، كما ثبت هذا من قوله ﷺ.\nومن الأدلة- أيضًا- على قبول الحق ممن جاء به ولو كان كاذبًا أو كافرًا: قبول النبي ﷺ قول اليهودي لما قال: «يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ يَضَعُ السَّمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرْضَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالأَنْهَارَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ بِيَدِهِ: أَنَا المَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]» (^١)؛ تصديقًا لقول الحق، وكذلك\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٤٥١).","vol":"8","page":316},{"text":"صدَّق الشيطان لما أخبر أبا هريرة ﵁ قال: «إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ذَاكَ شَيْطَانٌ» (^١).\nوفيه: إثباتُ أن الجنة مخلوقة الآن، والردُّ على المعتزلة الذين أنكروا خلقها، وقالوا: إنها لا تُخلق إلا يوم القيامة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٧٥).","vol":"8","page":317},{"text":"[٢٩٢٩] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ ابْنَ صَائِدٍ الدَّجَّالُ، فَقُلْتُ: أَتَحْلِفُ بِاللَّهِ؟ ! قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ.\n\n[٢٩٣٠] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ انْطَلَقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَهْطٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدَهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ، وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ يَوْمَئِذٍ الْحُلُمَ، فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- لِابْنِ صَيَّادٍ-: «أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟»، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ، فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ- لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ-: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَرَفَضَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ: «آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ»، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَاذَا تَرَى؟»، قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خُلِّطَ عَلَيْكَ الْأَمْرُ»، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا»، فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُّ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ»، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ذَرْنِي- يَا رَسُولَ اللَّهِ- أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلَا خَيْرَ\nلَكَ فِي قَتْلِهِ.\n[خ: ٣٠٥٥]\n\n[٢٩٣١] وَقَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيُّ إِلَى النَّخْلِ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّخْلَ طَفِقَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ ابْنِ صَيَّادٍ شيئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ابْنُ صَيَّادٍ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشٍ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا زَمْزَمَةٌ، فَرَأَتْ","vol":"8","page":318},{"text":"أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، فَقَالَتْ لِابْنِ صَيَّادٍ: يَا صَافِ- وَهُوَ اسْمُ ابْنِ صَيَّادٍ- هَذَا مُحَمَّدٌ، فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ».\n[خ: ٣٠٥٧]\n\n[١٦٩] قَالَ سَالِمٌ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: «إِنِّي لَأُنْذِرُكُمُوهُ، مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ، وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ: تَعَلَّمُوا أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَأَنَّ اللَّهَ ﵎ لَيْسَ بِأَعْوَرَ».\n[خ: ٣٣٣٧]\nقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ- يَوْمَ حَذَّرَ النَّاسَ الدَّجَّالَ-: «إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، يَقْرَؤُهُ مَنْ كَرِهَ عَمَلَهُ- أَوْ: يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ- وَقَالَ: تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ ﷿ حَتَّى يَمُوتَ».\n\n[٢٩٣٠] حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، حَتَّى وَجَدَ ابْنَ صَيَّادٍ غُلَامًا قَدْ نَاهَزَ الْحُلُمَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مُعَاوِيَةَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ إِلَى مُنْتَهَى حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ يَعْقُوبَ قَالَ: قَالَ أُبَيٌّ- يَعْنِي: فِي قَوْلِهِ: «لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ» قَالَ-: لَوْ تَرَكَتْهُ أُمُّهُ بَيَّنَ أَمْرَهُ.\nوَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِابْنِ صَيَّادٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ وَهُوَ غُلَامٌ، بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ وَصَالِحٍ، غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ بْنَ حُمَيْدٍ لَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، فِي انْطِلَاقِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ إِلَى النَّخْلِ.","vol":"8","page":319},{"text":"قوله: «عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ»، يعني: عند حصن بني مغالة.\nوقوله: «فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ»، يعني: أشهد أنك مرسل إلى العرب، لا إلى العجم.\nوقوله: «فَرَفَضَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»، يعني: رفسه برجله.\nوقوله: «فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا زَمْزَمَةٌ»: الزمزمة: صوت النار، يعني: هو جالس على قطيفة، وله صوت غير معروف.\nوقوله: «فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ»، أي: يختفي ليسمع من كلامه، حتى يستدل به على أمره، وهذا يدل على أن النبي ﷺ في ذلك الوقت ما بُيِّن له الدجال بشخصه وعينه، وإن كان قد بينت له الأوصاف.\nوقوله: «لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ»، يعني: تبين أمره مما نسمع من كلامه.\nوقوله: «تَعَلَّمُوا أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَأَنَّ اللَّهَ ﵎ لَيْسَ بِأَعْوَرَ»: تعلَّموا بمعنى: اعلموا، أي: اعلموا أن ربكم ليس بأعور.\nوقد استدل العلماء بهذا الحديث على إثبات العينين لله ﷿، وأن الله ﷾ له الكمال في ذاته، وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، وأن له عينين سليمتين، وأن الدجال أعور، والله ليس بأعور.\nومن هنا قالوا: إن المراد بقوله تعالى: ﴿تجري بأعيننا﴾ المراد به: عينَا الله ﷿، كما دل عليه الحديث، كما أن لله تعالى يدين، بدليل قوله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾، وقوله: ﴿لما خلقت بيدي﴾، وأن المراد بقوله تعالى: ﴿مما عملت أيدينا﴾ يَدَا الله تعالى.\nوهناك علامتان في الحديث تدلان على كذب ابن صياد في دعواه، وكذب الدجال في دعواه الربوبية:\nالأولى: أن الدجال أعور، والله تعالى ليس بأعور.\nالثانية: أن الدجال رؤي في الدنيا، والله تعالى لا يُرى في الدنيا، لكن","vol":"8","page":320},{"text":"يُرى بعد الموت في الآخرة، كما ثبت أنه ﷺ قال: «فَاعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَأَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا» (^١).\n\n[٢٩٣٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَقِيَ ابْنُ عُمَرَ ابْنَ صَائِدٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ قَوْلًا أَغْضَبَهُ، فَانْتَفَخَ حَتَّى مَلَأَ السِّكَّةَ، فَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى حَفْصَةَ وَقَدْ بَلَغَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ! مَا أَرَدْتَ مِنْ ابْنِ صَائِدٍ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ غَضْبَةٍ يَغْضَبُهَا».\nقوله: «فَانْتَفَخَ حَتَّى مَلَأَ السِّكَّةَ»: السكة جمعها سكك وهي الطريق، وهذا يدل على أنه من الدجالين والمشعوذين؛ لأنه لما أغضبه ابن عمر ﵄ انتفخ حتى ملأ الطريق.\nوقوله: «إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ غَضْبَةٍ يَغْضَبُهَا»: فيه: أن حفصة ﵂- أيضًا- تظن أن ابن صائد هو الدجال الأكبر، كما كان عمر ﵁ يحلف، وجابر وجماعة من الصحابة ﵃ يحلفون على ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٢٧٦٤)، وأبو داود (٤٣٢٠).","vol":"8","page":321},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ- يَعْنِي: ابْنَ حَسَنِ بْنِ يَسَارٍ- حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ نَافِعٌ يَقُولُ: ابْنُ صَيَّادٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَقِيتُهُ مَرَّتَيْنِ، قَالَ: فَلَقِيتُهُ، فَقُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: هَلْ تَحَدَّثُونَ أَنَّهُ هُوَ؟ قَالَ: لَا، وَاللَّهِ، قَالَ: قُلْتُ: كَذَبْتَنِي، وَاللَّهِ لَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُكُمْ: أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَكُمْ مَالًا وَوَلَدًا، فَكَذَلِكَ هُوَ زَعَمُوا الْيَوْمَ، قَالَ: فَتَحَدَّثْنَا، ثُمَّ فَارَقْتُهُ، قَالَ: فَلَقِيتُهُ لَقْيَةً أُخْرَى، وَقَدْ نَفَرَتْ عَيْنُهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَتَى فَعَلَتْ عَيْنُكَ مَا أَرَى؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ: قُلْتُ: لَا تَدْرِي، وَهِيَ فِي رَأْسِكَ؟ ! قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ خَلَقَهَا فِي عَصَاكَ هَذِهِ، قَالَ: فَنَخَرَ كَأَشَدِّ نَخِيرِ حِمَارٍ، سَمِعْتُ قَالَ: فَزَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِي أَنِّي ضَرَبْتُهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعِيَ حَتَّى تَكَسَّرَتْ، وَأَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ مَا شَعَرْتُ، قَالَ: وَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَحَدَّثَهَا، فَقَالَتْ: مَا تُرِيدُ إِلَيْهِ؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يَبْعَثُهُ عَلَى النَّاسِ غَضَبٌ يَغْضَبُهُ.\nفي هذا الحديث: أن ابن عمر ﵄ بينه وبين ابن صياد ملابسات وأشياء، حيث جاء إليه «وَقَدْ نَفَرَتْ عَيْنُهُ»، يعني: برزت، فسأله: متى برزت؟ قال: «مَتَى فَعَلَتْ عَيْنُكَ مَا أَرَى؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ: قُلْتُ: لَا تَدْرِي، وَهِيَ فِي رَأْسِكَ؟ ! قال: إِنْ شَاءَ اللَّهُ خَلَقَهَا فِي عَصَاكَ هَذِهِ، قَالَ: فَنَخَرَ كَأَشَدِّ نَخِيرِ حِمَارٍ»: فضربه ابن عمر ﵄ بعصاه، وكان لا يشعر، وقال أصحابه: إنك ضربته حتى تكسرت، وأما ابن عمر ﵄ فلم يشعر، كأنه حصل له إغماء، أو غفلة، أو أن ابن صياد حصل منه تأثير عليه من شعوذته، فلما جاء ابن عمر ﵄ إلى حفصة ﵂ نهته، وقالت له: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يَبْعَثُهُ عَلَى النَّاسِ غَضَبٌ يَغْضَبُهُ»: فلا تُغضبه، واتركه حتى لا يخرج؛ لأن خروجه يضر بالناس.","vol":"8","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1359>بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ وَصِفَتِهِ وَمَا مَعَهُ</span>\n\n[١٦٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ الدَّجَّالَ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلَا وَإِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِئَةٌ».\n[خ: ٣٤٣٩]\nحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ أَيُّوبَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nقوله: «كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِئَةٌ»، يعني: لا يبصر بها، وسيأتي أن العين اليسرى ناتئة، والعين اليمنى عوراء، بمعنى: أنها طافئة لا يبصر بها.","vol":"8","page":323},{"text":"[٢٩٣٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ، أَلَا إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ وَمَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: ك ف ر».\n[خ: ٧١٣١]\nحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الدَّجَّالُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: ك ف ر، أَيْ: كَافِرٌ».\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الدَّجَّالُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، ثُمَّ تَهَجَّاهَا: ك ف ر، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُسْلِمٍ».\n\n[٢٩٣٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الدَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، جُفَالُ الشَّعَرِ، مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ، فَنَارُهُ جَنَّةٌ، وَجَنَّتُهُ نَارٌ».\n[خ: ٣٤٥٠]\nفي هذا الحديث: أن الدجال أعور العين اليسرى، والحديث السابق أنه أعور العين اليمنى، والجمع بينهما: أن المراد بالعور: العيب، يعني: أن كلتيهما معيبة، فالعين اليمنى كأنها عنبة طافئة لا يبصر بها، والعين اليسرى ناتئة ومرتفعة لكنه يبصر بها، فالفرق بينهما: أن العين اليمنى طافئة لا نور فيها، وهي مساوية للوجه، واليسرى ناتئة مرتفعة، لكنه يبصر بها.\nوفيه: أن معه صورة الجنة، وصورة النار، لكنهما معكوستان، فالجنة هي النار، والنار هي الجنة؛ لهذا قال: «فَنَارُهُ جَنَّةٌ، وَجَنَّتُهُ نَارٌ»، وهذا من الخوارق التي أعطاها الله للدجال.","vol":"8","page":324},{"text":"وقوله: «جُفَالُ الشَّعَرِ»: بضم الجيم وتخفيف الفاء، أي: كثير الشعر.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ مِنْهُ، مَعَهُ نَهْرَانِ يَجْرِيَانِ، أَحَدُهُمَا: رَأْيَ الْعَيْنِ مَاءٌ أَبْيَضُ، وَالْآخَرُ: رَأْيَ الْعَيْنِ نَارٌ تَأَجَّجُ، فَإِمَّا أَدْرَكَنَّ أَحَدٌ فَلْيَأْتِ النَّهْرَ الَّذِي يَرَاهُ نَارًا وَلْيُغَمِّضْ، ثُمَّ لَيُطَأْطِئْ رَأْسَهُ، فَيَشْرَبَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ مَاءٌ بَارِدٌ، وَإِنَّ الدَّجَّالَ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ، عَلَيْهَا ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، كَاتِبٍ، وَغَيْرِ كَاتِبٍ».\n\n[٢٩٣٦] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ- فِي الدَّجَّالِ-: «إِنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَارًا، فَنَارُهُ مَاءٌ بَارِدٌ، وَمَاؤُهُ نَارٌ فَلَا تَهْلِكُوا».\n[خ: ٣٣٣٨]\n\n[٢٩٣٥] قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\n[٢٩٣٤ - ٢٩٣٥] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ صَفْوَانَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَهُ إِلَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، فَقَالَ لَهُ عُقْبَةُ: حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الدَّجَّالِ، قَالَ: «إِنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ، وَإِنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَارًا، فَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ مَاءً فَنَارٌ تُحْرِقُ، وَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ نَارًا فَمَاءٌ بَارِدٌ عَذْبٌ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَقَعْ فِي الَّذِي يَرَاهُ نَارًا؛ فَإِنَّهُ مَاءٌ عَذْبٌ طَيِّبٌ».\nفَقَالَ عُقْبَةُ: وَأَنَا قَدْ سَمِعْتُهُ؛ تَصْدِيقًا لِحُذَيْفَةَ.\nقوله: «إِنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَارًا، فَنَارُهُ مَاءٌ بَارِدٌ، وَمَاؤُهُ نَارٌ، فَلَا تَهْلِكُوا»، يعني: لا","vol":"8","page":325},{"text":"تهلكوا بتصديق الدجال واتِّباعه، وهذا من نصح النبي ﷺ لأمته، حيث نهاهم عن تصديق الدجال واتباعه؛ لأن من صدَّقه وتبعه هلك.\nحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ حُجْرٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ حُجْرٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ المُغِيرَةِ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ قَالَ: اجْتَمَعَ حُذَيْفَةُ وَأَبُو مَسْعُودٍ، فقال حذيفة: لَأَنَا بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ أَعْلَمُ مِنْهُ، إِنَّ مَعَهُ نَهْرًا مِنْ مَاءٍ، وَنَهْرًا مِنْ نَارٍ، فَأَمَّا الَّذِي تَرَوْنَ أَنَّهُ نَارٌ مَاءٌ، وَأَمَّا الَّذِي تَرَوْنَ أَنَّهُ مَاءٌ نَارٌ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَأَرَادَ الْمَاءَ فَلْيَشْرَبْ مِنَ الَّذِي يَرَاهُ أَنَّهُ نَارٌ؛ فَإِنَّهُ سَيَجِدُهُ مَاءً، قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: هَكَذَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ.\n\n[٢٩٣٦] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ الدَّجَّالِ حَدِيثًا مَا حَدَّثَهُ نَبِيٌّ قَوْمَهُ، إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّهُ يَجِيءُ مَعَهُ مِثْلُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَالَّتِي يَقُولُ: إِنَّهَا الْجَنَّةُ هِيَ النَّارُ، وَإِنِّي أَنْذَرْتُكُمْ بِهِ، كَمَا أَنْذَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ».\n\n[٢٩٣٧] حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ جَابِرٍ الطَّائِيُّ قَاضِي حِمْصَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلَابِيَّ.\nح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ، حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمَّا رُحْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً، فَخَفَّضْتَ فِيهِ وَرَفَّعْتَ، حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي","vol":"8","page":326},{"text":"طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَقَالَ: «غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ، إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ، عَيْنُهُ طَافِئَةٌ، كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ، إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّأْمِ وَالْعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِينًا، وَعَاثَ شِمَالًا، يَا عِبَادَ اللَّهِ، فَاثْبُتُوا»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ ! قَالَ: «لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ:\n«كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالْأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًا، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ، فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ، فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ، فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ، فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ، وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ؛ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ، وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ؛ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ،","vol":"8","page":327},{"text":"وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ\nيَنْسِلُونَ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ، فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّه عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ، فَتَحْمِلُهُمْ، فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لَا يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ، فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ، وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا، وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الْإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ؛ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً، فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَكُلِّ مُسْلِمٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ».\nحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ- قَالَ ابْنُ حُجْرٍ: دَخَلَ حَدِيثُ أَحَدِهِمَا فِي حَدِيثِ الْآخَرِ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ مَا ذَكَرْنَا، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: «لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ، ثُمَّ يَسِيرُونَ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى جَبَلِ الْخَمَرِ، وَهُوَ جَبَلُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَيَقُولُونَ: لَقَدْ قَتَلْنَا مَنْ فِي الْأَرْضِ، هَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ مَنْ فِي السَّمَاءِ، فَيَرْمُونَ بِنُشَّابِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَيَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نُشَّابَهُمْ مَخْضُوبَةً دَمًا»، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حُجْرٍ: «فَإِنِّي قَدْ أَنْزَلْتُ عِبَادًا لِيْ لَا يَدَيْ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ».","vol":"8","page":328},{"text":"حديث النواس بن سمعان هذا فيه معانٍ عظيمةٌ، وفوائدُ وأحكامٌ:\nففيه: ذكر ثلاثة أشراط من أشراط الساعة: الدجال، ونزول عيسى ﵇، وخروج يأجوج ومأجوج، وهذه العلامات متوالية ومرتبة، ولم يذكر العلامة الأولى وهي المهدي، وهي ثابتة في غير الصحيحين.\nوأحاديث المهدي ليست على شرط مسلم؛ لهذا لم يخرجها، وهي أحاديث كثيرة، منها: ما هو ثابت، ومنها: ما هو غير ثابت.\nوقد ذُكِرَ في هذا الحديث الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين، وهي متأخرة؛ لأنه ثبت أن البيت يُحَجُّ بعد يأجوج ومأجوج، فالريح الطيبة هذه متأخرة تكون بعد ذلك، ولا يلزم أن تكون بعد يأجوج ومأجوج مباشرة؛ لأن عيسى ﵇ يعيش، ويمر زمن بعد إهلاك الله ليأجوج ومأجوج.\nوقوله: «فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ»: اختلف في معناها، فقيل: خفَّض، يعني: حقَّره، ورفَّع، يعني: فخَّمه وعظَّمه.\nفمن تحقيره: قوله: «إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ»، وقوله: «أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى»، وأنه لا يستطيع قتل أحد بعد ذلك الرجل، وأنه يقتله عيسى ﵇، وأنه ينتهي أمره.\nومن تفخيمه، وتعظيمه: قوله: إن معه فتنًا عظيمة، ومعه خوارق العادات، حيث يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، ويُفتن به كثير من الناس.\nوقيل: «فَخَفَّضَ»، أي: خفَّض صوته بعد كلام طويل، «وَرَفَّعَ»، أي: رفَّع صوته لِيُسمع منه.\nوقوله: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً، فَخَفَّضْتَ فِيهِ، وَرَفَّعْتَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ»، يعني: حتى ظنوا أنه قريبٌ منهم، وأنه موجود بسبب تحذيرهم منه وذكره لأوصافه، وتحقيره وتفخيمه.\nوقوله: «إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ","vol":"8","page":329},{"text":"فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»: هذا دليل على أن النبي ﷺ لم يُبيَّن له متى يخرج؛ لأنه يحتمل أن يخرج في زمن النبي ﷺ، أو بعد زمانه، ثم بعد ذلك بيَّن الله له أنه لا يخرج في زمانه؛ وإنما يخرج في آخر الزمان بعد دهر طويل من بعثته ﷺ.\nوقوله: «إِنْ يَخْرُجْ، وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ»، يعني: أحاجِجُه، وأجادله، وأكفيكم إياه.\nوقوله: «وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ، فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»، أي: أن الله تعالى يتولى كل مسلم، ويثبته على إيمانه بعد وفاته.\nوقوله: «إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ عَيْنُهُ طَافِئَةٌ»، أي: أنه شاب وليس شيخًا، وهو قطط، أي: شديد جعودة الشعر، وعينه طافئة، أي: عينه اليمنى عوراء ليس فيها نور.\nوقوله: «كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ»: وجاء في الحديث الآخر: «يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ يَضُرُّنِي شَبَهُهُ؟ قَالَ: لَا، أَنْتَ امْرُؤٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ امْرُؤٌ كَافِرٌ» (^١)، وهذا فيه دليل على أن الإنسان إذا كان يشبه شخصًا كافرًا لم يضره ذلك؛ لأن العبرة بالإيمان والأعمال، وليست بتشابه الصور.\nوقوله: «فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ»: فيه: مشروعية قراءة فواتح سورة الكهف لمن أدرك الدجال، وأن هذا من أسباب الوقاية من فتنته، وجاء في الحديث الآخر: «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ» (^٢)، وفي رواية أخرى: «مِنْ آخِرِ الْكَهْفِ» (^٣).\nوقوله: «إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّأْمِ وَالْعِرَاقِ»: الخلة: ما بين الشيئين، والمراد بها هنا: ما بين البلدين.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٧٩٠٥)، وابن حبان (٧٤٩٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (٨٠٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (٨٠٩).","vol":"8","page":330},{"text":"وقوله: «فَعَاثَ يَمِينًا، وَعَاثَ شِمَالًا، يَا عِبَادَ اللَّهِ، فَاثْبُتُوا»: عاث، يعني: أفسد، والعيث معناه: الإفساد، والإسراع فيه، والإكثار منه، أي: يفسد في الأرض، بأن يدعو إلى الكفر- والعياذ بالله- ويدعو إلى النار، والمراد بالفساد هنا: الفساد المعنوي، لا الحسي.\nوقوله: «يَا عِبَادَ اللَّهِ، فَاثْبُتُوا»: هذا خطاب للمؤمنين الذين خرج الدجال في زمنهم بأن اثبتوا على دينكم، ولا تصدقوا الدجال، ولا تتبعوه، وهذه نصيحة من النبي ﷺ، وأنصحُ الناسِ هم الأنبياء، وأعظمهم نصيحة نبينا محمد ﷺ.\nوقوله: «قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا؛ يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ»: فيه: بيان المدة التي يمكثها الدجال في الأرض، وهي أربعون يومًا؛ يومٌ كسنة، أي: تطلع الشمس، ولا تغرب إلا بعد ثلاثمائة وستة وخمسين يومًا، واليوم الثاني كشهر، أي: تطلع الشمس ولا تغرب إلا بعد ثلاثين يومًا، واليوم الثالث كجمعة، أي: تطلع الشمس ولا تغرب إلا بعد سبعة أيام، والباقي كأيامنا.\nوقوله: «قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ»: قال النووي ﵀: «ومعنى: «اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ»: أنه إذا مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه وبين الظهر كل يوم فصلوا الظهر، ثم إذا مضى بعده قدر ما يكون بينها وبين العصر فصلوا العصر، وإذا مضى بعد هذا قدر ما يكون بينها وبين المغرب فصلوا المغرب، وكذا العشاء، والصبح، ثم الظهر، ثم العصر، ثم المغرب، وهكذا حتى ينقضي ذلك اليوم» (^١).\nوكذلك صيام رمضان يقدر بمقدار اليوم.\nوأخذ العلماء من هذا الحديث فائدة عظيمة مهمة، وهي: أن البلاد التي\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ٦٦).","vol":"8","page":331},{"text":"تطلع الشمس فيها مدة طويلة، أو لا تطلع فيها مدة طويلة، كالبلاد التي تطلع الشمس عليها ستة أشهر ولا تغيب، أو البلاد التي عندهم الليل ستة أشهر- يقدر أهلها كل أربع وعشرين ساعة خمس صلوات، ولو كانت الشمس طالعة، وكذلك البلاد التي يكون فيها الليل طويلًا، يقدر أهلها لكل أربع وعشرين ساعة خمس صلوات، ولو كانت الصلاة في الليل.\nأما الصيام فيصومون على صيام أقرب بلد يليهم فيه نهار، فإن كان النهار في البلد الذي يليهم بمقدار أربع وعشرين ساعة، فيصومون مثلهم، وهكذا.\nوقوله: «وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ، فَيَدْعُوهُمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَجِيبُونَ»: فيه: دليل على سرعة سير الدجال، وأنه كالمطر، إذا استدبرته الريح فإنه يكون سريعًا، فكذلك الدجال، والله أعلم بوسائل النقل التي ستنقله، هل هي من المخترعات الحديثة، أو ستنتهي هذه المخترعات؟\nوقوله: «فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًا، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ»: سارحتهم، أي: الماشية التي تسرح في أول النهار، وتعود وقد امتلأت ضروعها لبنًا وتسمن، وذُرًا: جمع ذروة، وهي الأسنمة، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، يعني: ممتلئة ضروعها باللبن، وأمده خواصر: كناية عن الامتلاء.\nوقوله: «ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ، فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ»: فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، أي: يكفرون به.\nوقوله: «فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ»، أي: لا شيء عندهم، لا مطر، ولا نبات، وسارحتهم ليس فيها لبن ابتلاءً وفتنةً؛ لهذا جاء في الحديث: «مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ خَلْقٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ»، كما سيأتي؛ ولهذا شُرع لنا أن نستعيذ بالله من فتنة المسيح الدجال في كل صلاة (^١)؛ لأنها فتنة عظيمة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٨٨).","vol":"8","page":332},{"text":"وقوله: «وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ، فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ، فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ»: هذا- أيضًا- من الفتن، حيث يأتي الدجال إلى الخربة فيدعوها فتتبعه كنوزها، والخربة قد تكون تحت الأرض، فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، وهي جماعة النحل، واليعسوب هو أميرهم، والمراد بالنحل: الحشرة المعروفة التي يخرج منها العسل.\nوقوله: «ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ، وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ»، أي: أنه يسلط على رجل، ولا يسلط على غيره، فيدعوه إلى الإيمان به، فيقول: أتؤمن بي؟ فيقول: أنت الدجال اللعين.\nوقوله: «فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ، فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ»، أي: قطعتين.\nوقوله: «رَمْيَةَ الْغَرَضِ»، أي: يجعل بين الجزلتين مقدار رمية السهم، ثم يمشي بينهما، ثم يقول له: «قُمْ»، فيحييه الله ﷿، فيقوم متهللًا يضحك، ثم يقول له- كما في الحديث الآخر-: «هَلْ تُؤْمِنُ بِي؟ فيقول: مَا ازَدَدْتُ فِيكَ إِلَّا بَصِيرَةً»، أنت الدجال اللعين، فيأتي ليقتله بعد ذلك فلا يسلط عليه، وجاء في الحديث: «فَيُجْعَلَ مَا بَيْنَ رَقَبَتِهِ إِلَى تَرْقُوَتِهِ نُحَاسًا، فَلَا يَسْتَطِيعُ إِلَيْهِ سَبِيلًا».\nوقوله: «بَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤ»: هذه هي العلامة الثالثة، وهي نزول عيسى ابن مريم ﵊ من السماء؛ لأن الله رفعه حيًّا، كما قال تعالى: ﴿بل رفعه الله إليه﴾ فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق واضعًا كفيه على جناحي الملكين.\nوقوله: «بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ»، يعني: ثوبين مصبوغين بالورس، ثم الزعفران، وهما نوعان من الصبغ.\nوقوله: «تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤ»، يعني: تنحدر منه حبات الفضة التي","vol":"8","page":333},{"text":"تشبه اللؤلؤ الكبار، وهذا تشبيه للماء الذي ينزل منه باللؤلؤ في صفائه.\nوقوله: «فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ»، يعني: لا يمكن أن يجد كافر ريح نَفَس عيسى ﵇ إلا مات.\nوقوله: «وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ»، يعني: أن أي كافر يراه مد البصر يموت، وأما الكفرة البعيدون فلا، وسيأتي أن يأجوج ومأجوج من الكفرة، وأن عيسى ومن معه من المؤمنين يتحرزون ويتحصنون بجبل الطور، فكيف لا يموتون إذا وجدوا ريح نفَسه؟ قيل: إما لكثرتهم؛ أو لأنهم مستثنون من هذا.\nوقوله: «فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ»: باب لد في بلدةٍ قرب بيت المقدس، وفي اللفظ الآخر: «فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ»: ولو تركه لمات، ولكنه يقتله.\nوقوله: «ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ»، يعني: يمسح عن وجوههم بِرًّا بهم، وبشارةً لهم.\nوقوله: «فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ؛ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى: إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ»: وهم يأجوج ومأجوج، وهذه هي العلامة الرابعة.\nمسألة: قوله: «فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى»: معلوم أن الوحي انقطع بعد وفاة النبي ﷺ، فكيف يقول: «إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى»؟\nوالجواب: أن هذا خاص بعيسى ﵇، أو أن الوحي هنا بمعنى: الإلهام، أي: يلهمه الله: أني قد أخرجتُ عبادًا لي، وهم يأجوج ومأجوج.\nوقوله: «إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ»، أي: لا قدرة ولا طاقة لأحد بقتالهم.\nفإن قيل: كيف يكونون عبادًا لله؟\nقيل: المراد بالعبودية هنا: العبودية العامة، وليست العبودية الخاصة،","vol":"8","page":334},{"text":"قال تعالى: ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾، يعني: هم معبَّدون مقهورون مذلَّلون مسخَّرون، المؤمن منهم والكافر.\nوقوله: «فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ»، يعني: اجعل الطور حصنًا لهم.\nمسألة: إن قيل: لِمَ يُحرِّزهم في الطور؟ هل لأن يأجوج ومأجوج لا يصعدون إلى الطور؟\nوالجواب: الظاهر- والله أعلم-: أنه يكون كالحصن لهم، وأن يأجوج ومأجوج لا يستطيعون أن يصعدوا إليه، وأن الله لا يسلطهم على المؤمنين المتحصنين فيه.\nويبقون في هذا الجبل إلى هلاكهم، فإذا أهلكهم الله تعالى نزلوا بعد ذلك.\nوقوله: «وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ»: الحَدَب: ما ارتفع وغلظ من الأرض، وينسلون: يمشون مسرعين، أي: ينزلون من هذا الجبل، ومن هذا الجبل مثل السيول.\nوقوله: «فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ»: وهذا يدل على كثرتهم الكاثرة، يمرون ببحيرة طبرية فيشربونها، ولا يبقى إلا التراب، ثم يمر آخرهم لا يعلمون عن أوائلهم، فيقولون: كان بهذه مرةً ماء.\nومن الأدلة على كثرتهم: ما ثبت في الحديث: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيُّنَا ذَلِكَ الوَاحِدُ؟ قَالَ: أَبْشِرُوا؛ فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا، وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢).","vol":"8","page":335},{"text":"وقوله: «وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى، وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ»: الحصر: المنع والحبس.\nقال الأبي ﵀: «قال القاضي عياض: لعله لما ينالهم من الحاجة إلى ما يأكلون وما يحرثون؛ لشدة حرصهم. قلت: وإنما ذكر الرأس ليقاس البقية عليه في القيمة» (^١).\nوقوله: «فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ»: النغف: دود في أنوف الإبل والغنم واحدتها نَغَفَةٌ (^٢).\nوقوله: «فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ»: وفَرْسَى، أي: قتلى.\nوالمعنى: إذا حصر يأجوج ومأجوج المسلمين مدة يرغب نبي الله عيسى ﵇ والمسلمون إلى الله، ويدعون على يأجوج ومأجوج، فيرسل الله النغف في رقابهم، فيهلكهم الله في ليلة واحدة، فيصبحون موتى كموت نفس واحدة.\nوقوله: «ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْأَرْضِ»، أي: يهبطون من الطور؛ لأنهم كانوا عليه.\nوقوله: «فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ»، يعني: لا يجدون موضع شبر إلا ملأته رائحتهم الكريهة، لكن من فضل الله عليهم أنه يسخر لهم نوعًا من الطير كأعناق الإبل التي لها سنامان، تأخذهم وتلقيهم في البحر، ثم ينزل الله مطرًا يغسل الأرض حتى تزول هذه الرائحة، وإلا لو بقيت لمات الناس بهذه الرائحة الكريهة، قال: «ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لَا يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ، وَلَا وَبَرٍ، فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ».\nوقوله: «كَأَعْنَاقِ البُخْتِ»: أو البَخْت، أي: كأعناق الإبل التي لها\n_________\n(^١) شرح مسلم، للأبي (٧/ ٢٧٣).\n(^٢) المعلم، للمازري (٣/ ٣٧٨).","vol":"8","page":336},{"text":"سنامان، فتأخذ يأجوج ومأجوج، وتلقيهم في البحر، ثم يرسل الله مطرًا يغسل الأرض.\nوقوله: «لَا يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ، وَلَا وَبَرٍ فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ»، أي: لا يمنع من نزول الماء بيت المدر، وهو: بيت الطين، والوبر: بيت الشعر.\nوقوله: «حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ»: قال النووي ﵀: «روي بفتح الزاي، واللام، والقاف، وروي الزُّلْفة بضم الزاي وإسكان اللام وبالفاء، وروي الزَّلَفَة بفتح الزاي واللام وبالفاء، وقال القاضي: روي بالفاء والقاف، وبفتح اللام وبإسكانها، وكلها صحيحة، قال في المشارق: والزاي مفتوحة، واختلفوا في معناه، قال ثعلب وأبو زيد وآخرون: معناه كالمرآة» (^١).\nوقوله: «ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا»، يعني: أن الله ﵎ بعد إهلاك يأجوج ومأجوج يصب البركة في الأرض فـ «تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ»، أي: حتى تأكل الجماعة من الناس من الرمانة، «وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا»: قحفها، أي: مُقَعَّر قشرها، فالرمانة الآن صغيرة تؤخذ باليد، أما في زمن عيسى ﵇ فتكون الرمانة كأنها شجرة يستظل بها الجماعة من الناس.\nوقوله: «وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الْإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ»: الرِّسْل بكسر الراء وإسكان السين هو اللبن، واللِّقحة: بالكسر، والفتح: اللِّقحة واللَّقحة هي: قريبة الولادة، والفئام: الجماعات، والمراد: أن اللقحة من الإبل تكفي الجماعات الكثيرة، واللقحة من البقر تكفي القبيلة، واللقحة من الغنم تكفي الفخذ من الناس، وهذا كله من البركة التي يُنزلها الله ﷾.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ٦٩).","vol":"8","page":337},{"text":"وقوله: «فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً، فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَكُلِّ مُسْلِمٍ»: وجاء في الحديث الآخر: أنها من جهة اليمن، وأنها لا تترك أحدًا، «فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، أَوْ إِيمَانٍ، إِلَّا قَبَضَتْهُ حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ»، ثم بعد ذلك لا يبقى إلا الكفرة، فعليهم تقوم الساعة.\nوقوله: «وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ»: يتهارجون، يعني: يجامع الرجال النساء بحضرة الناس كما يفعل الحمير، والهَرْج: الجماع، يقال: هرج زوجته، أي: جامعها، وهم مع ذلك يعبدون الأصنام، والأوثان فعليهم تقوم الساعة- نعوذ بالله.\nوقوله: «حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى جَبَلِ الْخَمَرِ»: قال النووي ﵀: «هو بخاء معجمة وميم مفتوحتين، والخَمَر: الشجر الملتف الذي يستر مَن فيه، وقد فسره في الحديث بأنه جبل بيت المقدس» (^١)، يعني: أن يأجوج ومأجوج إذا شربوا الماء انتهوا إلى جبل الخَمَر، وهو جبل بيت المقدس.\nفإذا وصلوا إلى جبل بيت المقدس قالوا: «لَقَدْ قَتَلْنَا مَنْ فِي الْأَرْضِ، هَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ مَنْ فِي السَّمَاءِ، فَيَرْمُونَ بِنُشَّابِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَيَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نُشَّابَهُمْ مَخْضُوبَةً دَمًا»، أي: يرسلون نشابهم ويرمونها في السماء، فترجع عليهم مخضوبة بالدماء ابتلاءً، وامتحانًا لهم، فيقولون: قتلنا أهل السماء، ثم يهلكهم الله بعد ذلك.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ٧١).","vol":"8","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1360>بَابُ فِي صِفَةِ الدَّجَّالِ، وَتَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ</span>،\nوَقَتْلِهِ الْمُؤْمِنَ وَإِحْيَائِهِ\n\n[٢٩٣٨] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَالْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ- وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ- وَالسِّيَاقُ لِعَبْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا حَدِيثًا طَوِيلًا عَنِ الدَّجَّالِ، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا قَالَ: «يَأْتِي وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ، فَيَنْتَهِي إِلَى بَعْضِ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي الْمَدِينَةَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ هُوَ خَيْرُ النَّاسِ- أَوْ: مِنْ خَيْرِ النَّاسِ- فَيَقُولُ لَهُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَهُ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا، ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ أَتَشُكُّونَ فِي الْأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، قَالَ: فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَقُولُ- حِينَ يُحْيِيهِ-: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْآنَ، قَالَ: فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يُقَالُ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ الْخَضِرُ ﵇».\n[خ: ١٨٨٢]\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ.\nفي هذا الحديث: ابتلاء الله ﷾ للناس في آخر الزمان بالدجال.\nوفيه: فضل مكة، والمدينة، وأن الله تعالى حرم على الدجال دخولهما.\nوقوله: «يَأْتِي وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ»: المراد بالتحريم هنا: التحريم القدري، لا الشرعي، ومثال التحريم القدري: قوله تعالى:","vol":"8","page":339},{"text":"﴿وحرمنا عليه المراضع من قبل﴾ يعني: أن موسى ﵇ حرم الله عليه المراضع غير ثدي أمه تحريمًا قدريًّا، وكقوله سبحانه: ﴿وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون﴾.\nومثال التحريم الشرعي: قوله تعالى: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما﴾، وقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك﴾.\nفتحريم دخول مكة والمدينة على الدجال من التحريم القدري، لكن الدجال يأتي إلى السباخ، فيخرج إليه كل منافق، كما في الحديث: «فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلُّ مُنَافِقٍ وَمُنَافِقَةٍ»، وحينئذٍ تنفي المدينة خبثها، ولا يبقى فيها إلا الخالص.\nوفيه: أنه يخرج إليه رجل من أفضل الناس، فيعلن أمام الناس بأنه كافر، ويكذبه، ويقول له: «أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَهُ»، فيسلَّط عليه في المرة الأولى، فيقتله الدجال، ويقطعه قطعتين ويمشي بينهما، «فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا، ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ، أَتَشُكُّونَ فِي الْأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، قَالَ: فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَقُولُ- حِينَ يُحْيِيهِ-: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْآنَ»، أنت الدجال اللعين، فيريد أن يقتله مرة أخرى، «فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ»، وفي اللفظ الآخر: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَا يَفْعَلُ الَّذِي فَعَلَ بِي بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ» (^١)، وقال النبي ﷺ: «هَذَا أَعْظَمُ النَّاسِ شَهَادَةً عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ»، وهذا قد يحمل على أفضل الناس في زمانه، وإلا فالأنبياء أفضل، والصحابة أفضل الشهداء عند رب العالمين.\nوقوله: «قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ»: أبو إسحاق هذا هو إبراهيم بن سفيان راوي الصحيح عن مسلم، يقول: «يُقَالُ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ الْخَضِرُ ﵇»، وقال هذا- أيضًا-: معمر بن راشد في جامعه (^٢)، وعلى ذلك يكون الخضر معمرًا\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (١٤١٠)، وابن منده في الإيمان (١٠٢٩).\n(^٢) الجامع، لمعمر بن راشد (٢٠٨٢٤).","vol":"8","page":340},{"text":"إلى آخر الزمان.\nوقال النووي- في شرحه-: «وهذا تصريح منه بحياة الخضر ﵇، وهو الصحيح» (^١).\nقلت: والصواب: أن الخضر مات منذ دهر طويل، ولا يمكن أن يكون الخضر؛ لأنه نبي على الصحيح، والجمهور على أنه عبد صالح.\nوقال الجمهور: إنه لو كان حيًّا لجاء للنبي ﷺ، وفرح به واستبشر به، وآمن به، فكيف يكون نبيًّا، أو عبدًا صالحًا ويكون حيًّا ولا يأتي للنبي ﷺ ويؤمن به؟ فهذا لا يمكن.\nثم لو قُدِّر أنه موجود لمات؛ لأن النبي ﷺ أخبر في آخر حياته، قال: «أَرَأَيْتُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ» (^٢)، فلو كان حيًّا لشمله هذا الحديث، ومات بعد مائة سنة.\nولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قولان في الخضر (^٣):\nالأول: أنه مات.\nوالثاني: أنه حي.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ٧٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٦٤)، ومسلم (٢٥٣٧).\n(^٣) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٤/ ٣٣٧ - ٣٣٩).","vol":"8","page":341},{"text":"حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ- مِنْ أَهْلِ مَرْوَ- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ، فَيَتَوَجَّهُ قِبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَتَلْقَاهُ الْمَسَالِحُ- مَسَالِحُ الدَّجَّالِ- فَيَقُولُونَ لَهُ: أَيْنَ تَعْمِدُ؟ فَيَقُولُ: أَعْمِدُ إِلَى هَذَا الَّذِي خَرَجَ، قَالَ: فَيَقُولُونَ لَهُ: أَوَمَا تُؤْمِنُ بِرَبِّنَا؟ ! فَيَقُولُ: مَا بِرَبِّنَا خَفَاءٌ، فَيَقُولُونَ: اقْتُلُوهُ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكُمْ رَبُّكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا أَحَدًا دُونَهُ؟ ! قَالَ: فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إِلَى الدَّجَّالِ، فَإِذَا رَآهُ الْمُؤْمِنُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَذَا الدَّجَّالُ الَّذِي ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَيَأْمُرُ الدَّجَّالُ بِهِ فَيُشَبَّحُ، فَيَقُولُ: خُذُوهُ وَشُجُّوهُ فَيُوسَعُ ظَهْرُهُ وَبَطْنُهُ ضَرْبًا، قَالَ: فَيَقُولُ: أَوَمَا تُؤْمِنُ بِي؟ قَالَ: فَيَقُولُ: أَنْتَ الْمَسِيحُ الْكَذَّابُ، قَالَ: فَيُؤْمَرُ بِهِ، فَيُؤْشَرُ بِالْمِئْشَارِ مِنْ مَفْرِقِهِ حَتَّى يُفَرَّقَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، قَالَ: ثُمَّ يَمْشِي الدَّجَّالُ بَيْنَ الْقِطْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: قُمْ، فَيَسْتَوِي قَائِمًا، قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: أَتُؤْمِنُ بِي؟ فَيَقُولُ: مَا ازْدَدْتُ فِيكَ إِلَّا بَصِيرَةً، قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَا يَفْعَلُ بَعْدِي بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، قَالَ: فَيَأْخُذُهُ الدَّجَّالُ لِيَذْبَحَهُ، فَيُجْعَلَ مَا بَيْنَ رَقَبَتِهِ إِلَى تَرْقُوَتِهِ نُحَاسًا، فَلَا يَسْتَطِيعُ إِلَيْهِ\nسَبِيلًا، قَالَ: فَيَأْخُذُ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَيَقْذِفُ بِهِ، فَيَحْسِبُ النَّاسُ أَنَّمَا قَذَفَهُ إِلَى النَّارِ، وَإِنَّمَا أُلْقِيَ فِي الْجَنَّةِ»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَذَا أَعْظَمُ النَّاسِ شَهَادَةً عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ».\nقوله: «فَتَلْقَاهُ الْمَسَالِحُ مَسَالِحُ الدَّجَّالِ»: المسالح أي: الرجال المسلحون، كأنهم موظفو الشرطة والحرس، يمسكونه في الطريق قبل أن يصل إليه.\nوقوله: «فَيَقُولُونَ لَهُ: أَوَمَا تُؤْمِنُ بِرَبِّنَا؟»، يعني: أوَمَا تؤمن بالدجال- يعني: هو ربهم.","vol":"8","page":342},{"text":"وقوله: «فَيَقُولُونَ: اقْتُلُوهُ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكُمْ رَبُّكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا أَحَدًا دُونَهُ؟»: هذا يدل على ضعف عقولهم، كيف يكون ربًّا، والناس يتصرفون من دون أمره ودون إرادته؟ ! والمراد: أنهم أرادوا أن يقتلوه قبل أن يصل إلى الدجال، «فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكُمْ رَبُّكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا أَحَدًا دُونَهُ؟ !».\nوقوله: «فَيَأْمُرُ الدَّجَّالُ بِهِ فَيُشَبَّحُ»، أي: يمد على ظهره، ثم يضرب ضربًا شديدًا.\nوفي هذا الحديث: تفسير كيفية القطع، وأنه بالمنشار، يقطعه نصفين من مفرق رأسه، والله تعالى يسهل عليه هذا، فلا يضره شيء.","vol":"8","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1361>بَابٌ فِي الدَّجَّالِ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ ﷿</span>\n\n[٢٩٣٩] حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ الرُّؤَاسِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: مَا سَأَلَ أَحَدٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الدَّجَّالِ أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُ، قَالَ: «وَمَا يُنْصِبُكَ مِنْهُ؟ إِنَّهُ لَا يَضُرُّكَ» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ مَعَهُ الطَّعَامَ وَالْأَنْهَارَ، قَالَ: «هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ».\nقوله: «وَمَا يُنْصِبُكَ؟»، يعني: وما يتعبك؟\nوقوله: «هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ»؛ لأن الله سيبطل أمره ويضمحل، ويقتله المسيح عيسى ابن مريم ﵊، وتنتهي فتنته، والله تعالى يعصم المؤمنين منه.","vol":"8","page":344},{"text":"حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: مَا سَأَلَ أَحَدٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الدَّجَّالِ أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُهُ قَالَ: «وَمَا سُؤَالُكَ؟ !» قَالَ: قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَعَهُ جِبَالٌ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ، وَنَهَرٌ مِنْ مَاءٍ، قَالَ: «هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ».\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حُمَيْدٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ يَزِيدَ، فَقَالَ لِي: أَيْ بُنَيَّ.\nفي هذا الحديث: دليل على جواز قول الكبير لمن هو أصغر منه: «أَيْ بُنَيَّ»، والنبي ﷺ هو أبو المؤمنين، قال تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾، فهو أبو المؤمنين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأَيْ: حرف نداء.","vol":"8","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1362>بَابٌ فِي خُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَمُكْثِهِ فِي الْأَرْضِ، وَنُزُولِ عِيسَى، وَقَتْلِهِ إِيَّاهُ، وَذَهَابِ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالْإِيمَانِ، وَبَقَاءِ شِرَارِ النَّاسِ، وَعِبَادَتِهِمُ الْأَوْثَانَ، وَالنَّفْخِ فِي الصُّورِ، وَبَعْثِ مَنْ فِي الْقُبُورِ</span>\n\n[٢٩٤٠] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَعْقُوبَ بْنَ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، وَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: مَا هَذَا الْحَدِيثُ تُحَدِّثُ بِهِ؟ ! تَقُولُ: إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ إِلَى كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! - أَوْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ!، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهُمَا- لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أُحَدِّثَ أَحَدًا شيئًا أَبَدًا، إِنَّمَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدَ قَلِيلٍ أَمْرًا عَظِيمًا يُحَرَّقُ الْبَيْتُ، وَيَكُونُ، وَيَكُونُ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ، لَا أَدْرِي؛ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا، أَوْ أَرْبَعِينَ عَامًا، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّأْمِ، فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، أَوْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ، قَالَ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ، لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ، فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟\nفَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا، وَرَفَعَ لِيتًا، قَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ: رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ، قَالَ: فَيَصْعَقُ، وَيَصْعَقُ النَّاسُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ- أَوَ قَالَ: يُنْزِلُ اللَّهُ- مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ- أَوِ: الظِّلُّ، نُعْمَانُ الشَّاكُّ- فَتَنْبُتُ مِنْهُ","vol":"8","page":346},{"text":"أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى، فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ، قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ، فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، قَالَ: فَذَاكَ يَوْمَ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا، وَذَلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَعْقُوبَ بْنَ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: إِنَّكَ تَقُولُ: إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ إِلَى كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أُحَدِّثَكُمْ بِشَيْءٍ، إِنَّمَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ تَرَوْنَ بَعْدَ قَلِيلٍ أَمْرًا عَظِيمًا- فَكَانَ حَرِيقَ الْبَيْتِ، قَالَ شُعْبَةُ: هَذَا، أَوْ نَحْوَهُ- قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذٍ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: «فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ»، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَرَّاتٍ، وَعَرَضْتُهُ عَلَيْهِ.\nفي هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يتثبت في الحديث، ولا ينقل شيئًا حتى يتأكد منه، كما أنه ينبغي للمحدِّث أن يكرر الحديث حتى يُفهم عنه.\nوقوله: «ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ»: يحتمل أن الناس يمكثون سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ويحتمل أن المراد: أن عيسى ﵇ يمكث سبع سنين بعد نزوله، وجاء في الحديث الآخر: «فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ» (^١)؛ وذلك أنه لما رُفع كان ابن ثلاث وثلاثين، ولما ينزل يمكث سبع سنين، فتتم له أربعون سنة، ثم يتوفاه\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٣٢٤)، وابن حبان (٦٨٢١).","vol":"8","page":347},{"text":"الله ﷿، ثم تأتي ريح باردة من قبل الشام فتقبض أرواح المؤمنين والمؤمنات، حتى لو كان أحدهم في كبد جبل لدخلته عليه، وفي اللفظ الآخر: «إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ رِيحًا مِنَ الْيَمَنِ» (^١)، فيحتمل أنهما ريحان تجتمعان، أو أنها ريح واحدة تأتي من قبل الشام، ثم تعتدل.\nوهذه الريح تكون بعد أشراط الساعة لدلالة الأحاديث على أنها متأخرة.\nوقوله: «فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ»، أي: في سرعتهم إلى الشر، والفساد، «وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ»، أي: في أخلاقهم، وطباعهم من الظلم، والبغي، والعدوان.\nوقوله: «دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ»: فيه: سعة حِلم الله وإمهاله لهم، وأنه سبحانه يمهل ولا يهمل.\nوفيه: أنه لا أحد أصبر من الله تعالى، كما في الحديث: «لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللهِ ﷿، إِنَّهُ يُشْرَكُ بِهِ، وَيُجْعَلُ لَهُ الْوَلَدُ، ثُمَّ هُوَ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ» (^٢)؛ لذلك فإنه سبحانه يمهل الكفرة مع كفرهم وعنادهم.\nثم يتمثل لهم الشيطان- وهم على هذه الحالة-، «فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ»، فيعبدونها استجابة له- نعوذ بالله من ذلك.\nوقوله: «ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا، وَرَفَعَ لِيتًا»: هذا عند قيام الساعة، يأمر الله تعالى إسرافيل ﵇ فينفخ في الصور نفخة الفزع، حتى يموت الناس، ثم ينفخ فيه النفخة الأخرى، كما قال الله تعالى: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون﴾، وفي النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، فيصغى بصفحة العنق.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٣٧٨)، ومسلم (٢٨٠٤).","vol":"8","page":348},{"text":"والنفخ- على الصحيح- نفختان:\nالأولى: فزع.\nوالثانية: صعق وموت.\nوأما حديث الصور فذكر فيه ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام، لكنه حديث ضعيف في سنده إسماعيل بن رافع المني، وهو ضعيف عند أهل العلم (^١).\nوالصواب: أنهما نفختان:\nالأُولى: أَوَّلها فزع وآخرها صعق.\nوالثانية: وهي نفخة البعث.\nوقوله: «كَأَنَّهُ الطَّلُّ»، يعني: يُنزل الله مطرًا كأنه الطل، أي: ينزل كمنيِّ الرجال، وذلك بعد ما يموت الناس ويمكثون أربعين، وجاء في حديث أبي هريرة ﵁: «أَنَّهُ سُئِلَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قيلَ: أَرْبَعِينَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قِيلَ: أَرْبَعِينَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ»، يعني: ما عندي علم كم المدة التي يمكث الناس بعد موتهم، هل هي أربعون يومًا؟ أو أربعون شهرًا؟ أو أربعون سنة؟ وجاء في حديث ضعيف: أنها أربعون سنة (^٢).\nوقوله: «فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ»، أي: تنشأ أجسادهم نشأة قوية، وتتبدل صفاتها، لكن الذوات لا تتبدل، قال تعالى: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض﴾، وتبدل صفات الأرض بأن تمد كما يمد الأديم، ويُزال ما عليها\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في التفسير (١٦/ ٤٤٧)، والبيهقي في البعث والنشور (٦٠٩)، وقال ابن كثير- في تفسيره (٣/ ٢٨٨) -: تفرد به إسماعيل بن رافع قاصُّ أهل المدينة، وقد اختلف فيه، فمنهم من وثَّقه، ومنهم من ضعَّفه، ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة، كأحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وعمرو بن علي الفلاس، ومنهم من قال فيه: هو متروك. وقال ابن عدي: أحاديثه كلها فيها نظر إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء.\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الرقاق من مرسل الحسن، كما في الفتح (١١/ ٣٧٠).","vol":"8","page":349},{"text":"من جبال، وأشجار.\nومن أنكر بعث الأجساد فهو كافر بنص القرآن، وإجماع المسلمين، قال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾\nوقوله: «ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ، قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ، فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، قَالَ: فَذَاكَ يَوْمَ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا، وَذَلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ»: في اللفظ الآخر: «أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا، وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا» (^١).\nوقوله: «وَذَلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ»: هذا كقوله تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود﴾، وكشف الساق فسره كثير من العلماء بشدة الأمر، ولكن جاء في الحديث الآخر: «يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ» (^٢)، بعود الضمير على الله تعالى، فأخذ العلماء من هذا: إثبات الساق لله ﷿، وحُملت الآية عليه.\nوفيه: أن الله تعالى جعل بينه وبين المؤمنين علامة، وهي كشف الساق، فيعرفونه فيسجدون له.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٤٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٩١٩).","vol":"8","page":350},{"text":"[٢٩٤١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ أَبِي حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا لَمْ أَنْسَهُ بَعْدُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا، فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا».\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ قَالَ: جَلَسَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بِالْمَدِينَةِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَسَمِعُوهُ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنِ الآيَاتِ أَنَّ أَوَّلَهَا خُرُوجًا: الدَّجَّالُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: لَمْ يَقُلْ مَرْوَانُ شيئًا قَدْ حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا لَمْ أَنْسَهُ بَعْدُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ.\nوَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ قَالَ: تَذَاكَرُوا السَّاعَةَ عِنْدَ مَرْوَانَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، وَلَمْ يَذْكُرْ: ضُحًى.\nهذا الحديث ظاهره يعارض الأحاديث السابقة؛ لأن أول الآيات: الدجال، وقبله المهدي، ثم نزول عيسى ﵇، ثم يأجوج ومأجوج، وهنا يقول: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا»، وللجمع بين هذا الحديث والأحاديث الأخرى نقول:\nإن المراد بها: أول الآيات القريبة من قيام الساعة: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحًى.\nأو إن المراد بها: أول الآيات غير المألوفة؛ لأن علامات الساعة منها: ما هو مألوف، ومنها: ما هو غير مألوف، فطلوع الدجال، ويأجوج","vol":"8","page":351},{"text":"ومأجوج، والمهدي، ونزول عيسى ﵇ من المألوف؛ لأن غالبهم من البشر، ومشاهدة البشر مألوفة، بخلاف طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة فإنها غير مألوفة، فأول الآيات السماوية غير المألوفة: طلوع الشمس من مغربها.\nوقوله: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا»: فإذا طلعت الشمس من مغربها انقطعت التوبة، قال ﷺ: «لَا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، ولَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبَها» (^١)، وقال تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا﴾، وقد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿أو يأتي بعض آيات ربك﴾: أنها طلوع الشمس من مغربها.\nوقوله: «وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى»: هذه الدابة قيل: هي الجساسة، وقيل: هي دابة الأرض المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾، وجاء في الحديث الآخر: «تَخْرُجُ الدَّابَّةُ فَتَسِمُ النَّاسَ عَلَى خَرَاطِيمِهِمْ، ثُمَّ يَغْمُرُونَ فِيكُمْ حَتَّى يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الْبَعِيرَ، فَيَقُولُ: مِمَّنْ اشْتَرَيْتَهُ؟ فَيَقُولُ: اشْتَرَيْتُهُ مِنْ أَحَدِ الْمُخَطَّمِينَ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦٩٠٦)، وأبو داود (٢٤٧٩).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٢٣٠٨).","vol":"8","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1363>بَابُ قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ</span>\n\n[٢٩٤٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ- وَاللَّفْظُ لِعَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ جَدِّي عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ بُرَيْدَةَ، حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيُّ- شَعْبُ هَمْدَانَ- أَنَّهُ سَأَلَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ- أُخْتَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ-، فَقَالَ: حَدِّثِينِي حَدِيثًا سَمِعْتِيهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا تُسْنِدِيهِ إِلَى أَحَدٍ غَيْرِهِ، فَقَالَتْ: لَئِنْ شِئْتَ لَأَفْعَلَنَّ، فَقَالَ لَهَا: أَجَلْ حَدِّثِينِي، فَقَالَتْ: نَكَحْتُ ابْنَ الْمُغِيرَةِ- وَهُوَ مِنْ خِيَارِ شَبَابِ قُرَيْشٍ يَوْمَئِذٍ- فَأُصِيبَ فِي أَوَّلِ الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا تَأَيَّمْتُ خَطَبَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَخَطَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَوْلَاهُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَكُنْتُ قَدْ حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ أُسَامَةَ، فَلَمَّا كَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: أَمْرِي بِيَدِكَ، فَأَنْكِحْنِي مَنْ شِئْتَ، فَقَالَ: انْتَقِلِي إِلَى أُمِّ شَرِيكٍ، وَأُمُّ شَرِيكٍ امْرَأَةٌ غَنِيَّةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، عَظِيمَةُ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَنْزِلُ عَلَيْهَا الضِّيفَانُ، فَقُلْتُ: سَأَفْعَلُ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلِي، إِنَّ أُمَّ شَرِيكٍ امْرَأَةٌ كَثِيرَةُ الضِّيفَانِ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْكِ خِمَارُكِ، أَوْ يَنْكَشِفَ\nالثَّوْبُ عَنْ سَاقَيْكِ، فَيَرَى الْقَوْمُ مِنْكِ بَعْضَ مَا تَكْرَهِينَ، وَلَكِنْ انْتَقِلِي إِلَى ابْنِ عَمِّكِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ- وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فِهْرٍ فِهْرِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ مِنَ الْبَطْنِ الَّذِي هِيَ مِنْهُ-، فَانْتَقَلْتُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتِي سَمِعْتُ نِدَاءَ الْمُنَادِي- مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- يُنَادِي: الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَصَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكُنْتُ فِي صَفِّ النِّسَاءِ الَّتِي تَلِي ظُهُورَ الْقَوْمِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ:","vol":"8","page":353},{"text":"«لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَّاهُ»، ثُمَّ قَالَ: «أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «إِنِّي وَاللَّهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ، وَلَا لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لِأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا، فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ مَسِيحِ الدَّجَّالِ، حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامَ، فَلَعِبَ بِهِمُ الْمَوْجُ شَهْرًا فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ أَرْفَئُوا إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ حَتَّى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبْ السَّفِينَةِ، فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ، لَا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ، مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقَالُوا: وَيْلَكِ مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قَالُوا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ ! قَالَتْ: أَيُّهَا\nالْقَوْمُ، انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ؛ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ، قَالَ: لَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلًا فَرِقْنَا مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً! قَالَ: فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ، فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا، وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ مَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى كَعْبَيْهِ بِالْحَدِيدِ، قُلْنَا: وَيْلَكَ مَا أَنْتَ؟ ! قَالَ: قَدْ قَدَرْتُمْ عَلَى خَبَرِي، فَأَخْبِرُونِي مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ رَكِبْنَا فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ، فَصَادَفْنَا الْبَحْرَ حِينَ اغْتَلَمَ، فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْرًا، ثُمَّ أَرْفَأْنَا إِلَى جَزِيرَتِكَ هَذِهِ، فَجَلَسْنَا فِي أَقْرُبِهَا فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ لَا يُدْرَى مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقُلْنَا: وَيْلَكِ مَا أَنْتِ؟ ! فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قُلْنَا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ ! قَالَتْ: اعْمِدُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ؛ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ، فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعًا وَفَزِعْنَا مِنْهَا، وَلَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً!، فَقَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ، قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: أَسْأَلُكُمْ عَنْ نَخْلِهَا، هَلْ يُثْمِرُ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ، قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِيهَا مَاءٌ؟ قَالُوا: هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، قَالَ: أَمَا إِنَّ مَاءَهَا","vol":"8","page":354},{"text":"يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ، قَالَ:\nأَخْبِرُونِي عَنْ عَيْنِ زُغَرَ، قَالُوا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِي الْعَيْنِ مَاءٌ، وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ مَائِهَا، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَبِيِّ الْأُمِّيِّينَ مَا فَعَلَ؟ قَالُوا: قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ، وَنَزَلَ يَثْرِبَ، قَالَ: أَقَاتَلَهُ الْعَرَبُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ، فَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ وَأَطَاعُوهُ، قَالَ لَهُمْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَاكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي، إِنِّي أَنَا الْمَسِيحُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، فَأَخْرُجَ فَأَسِيرَ فِي الْأَرْضِ، فَلَا أَدَعَ قَرْيَةً إِلَّا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً غَيْرَ مَكَّةَ، وَطَيْبَةَ، فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً- أَوْ: وَاحِدًا- مِنْهُمَا اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا يَصُدُّنِي عَنْهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَائِكَةً يَحْرُسُونَهَا» قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ فِي الْمِنْبَرِ-: هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ- يَعْنِي: الْمَدِينَةَ- أَلَا هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ ذَلِكَ؟»، فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، «فَإِنَّهُ أَعْجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ أَنَّهُ وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ، وَعَنِ المَدِينَةِ، وَمَكَّةَ، أَلَا إِنَّهُ فِي بَحْرِ الشَّأْمِ، أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ، لَا، بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، مَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، مَا\nهُوَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، مَا هُوَ- وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ- إِلَى الْمَشْرِقِ» قَالَتْ: فَحَفِظْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ الْهُجَيْمِيُّ أَبُو عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، فَأَتْحَفَتْنَا بِرُطَبٍ- يُقَالُ لَهُ رُطَبُ ابْنِ طَابٍ-، وَأَسْقَتْنَا سَوِيقَ سُلْتٍ، فَسَأَلْتُهَا عَنِ المُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا أَيْنَ تَعْتَدُّ؟ قَالَتْ: طَلَّقَنِي بَعْلِي ثَلَاثًا، فَأَذِنَ لِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَعْتَدَّ فِي أَهْلِي، قَالَتْ: فَنُودِيَ فِي النَّاسِ: إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةً، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ فِيمَنِ انْطَلَقَ مِنَ النَّاسِ، قَالَتْ: فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ مِنَ النِّسَاءِ، وَهُوَ يَلِي الْمُؤَخَّرَ مِنَ","vol":"8","page":355},{"text":"الرِّجَالِ، قَالَتْ: فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ، فَقَالَ: «إِنَّ بَنِي عَمٍّ لِتَمِيمٍ الدَّارِيِّ رَكِبُوا فِي الْبَحْرِ»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ: قَالَتْ: فَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَهْوَى بِمِخْصَرَتِهِ إِلَى الْأَرْضِ، وَقَالَ: «هَذِهِ طَيْبَةُ»، يَعْنِي: الْمَدِينَةَ.\nوَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ غَيْلَانَ بْنَ جَرِيرٍ يُحَدِّثُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ، فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ رَكِبَ الْبَحْرَ، فَتَاهَتْ بِهِ سَفِينَتُهُ، فَسَقَطَ إِلَى جَزِيرَةٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهَا يَلْتَمِسُ الْمَاءَ، فَلَقِيَ إِنْسَانًا يَجُرُّ شَعَرَهُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَوْ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، قَدْ وَطِئْتُ الْبِلَادَ كُلَّهَا، غَيْرَ طَيْبَةَ، أَخْرَجَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى النَّاسِ، فَحَدَّثَهُمْ قَالَ: هَذِهِ طَيْبَةُ، وَذَاكَ الدَّجَّالُ.\nحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يَعْنِي: الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، حَدَّثَنِي تَمِيمٌ الدَّارِيُّ: أَنَّ أُنَاسًا مِنْ قَوْمِهِ كَانُوا فِي الْبَحْرِ فِي سَفِينَةٍ لَهُمْ، فَانْكَسَرَتْ بِهِمْ، فَرَكِبَ بَعْضُهُمْ عَلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ، فَخَرَجُوا إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ.\n\n[٢٩٤٣] حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي أَبُو عَمْرٍو- يَعْنِي: الْأَوْزَاعِيَّ- عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، وَلَيْسَ نَقْبٌ مِنْ أَنْقَابِهَا إِلَّا عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ صَافِّينَ تَحْرُسُهَا، فَيَنْزِلُ بِالسِّبْخَةِ، فَتَرْجُفُ الْمَدِينَةُ ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، يَخْرُجُ إِلَيْهِ مِنْهَا كُلُّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ».\n[خ: ١٨٨١]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ","vol":"8","page":356},{"text":"عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فَيَأْتِي سِبْخَةَ الْجُرُفِ فَيَضْرِبُ رِوَاقَهُ»، وَقَالَ: «فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلُّ مُنَافِقٍ وَمُنَافِقَةٍ».\nقوله: «فَانْتَقَلْتُ إِلَيْهِ»: فيه: أن الأعمى لا يجب احتجاب المرأة منه، ويدل له- أيضًا- الحديث الصحيح: «إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ» (^١)، وأما حديث: «أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا؟ أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ؟» (^٢)، فهو حديث ضعيف؛ لأنه من رواية نبهان- مولى أم سلمة- وهو مقبول حيث يتابَع، وإلا فهو لين الحديث (^٣).\nوهذه الأحديث فيها: بيان فتنة الدجال، وخطره على الدين، وأنه ما من بلد إلا سيدخله الدجال إلا مكة والمدينة.\nوقوله: «فَيَنْزِلُ بِالسِّبْخَةِ»: وهي أرض مالحة، فيأتي سبخة الجرف قرب المدينة.\nوقوله: «فَيَضْرِبُ رِوَاقَهُ»، أي: ينزل هناك بثقله، ويحتمل أنه تُبنى له الخيمة هناك، ويجلس مدة، وجاء في الحديث الآخر: «فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلُّ مُنَافِقٍ وَمُنَافِقَةٍ».\nوقوله: «وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟»: سميت جساسة؛ لأنها تجسُّ الأخبار للدجال.\nواستشكل في حديث الجساسة أن الدجال موجود في زمن النبي ﷺ، وفي حديث ابن صياد أنه قال: «إِنِّي لَأَعْلَمُ مَوْلِدَهُ وَمَكَانَهُ وَأَيْنَ هُوَ» (^٤)، وقال في الحديث الآخر: «أَمَا- واللهِ- إِنِّي لَأَعْلَمُ الآنَ حَيْثُ هُوَ، وَأَعْرِفُ أَبَاهُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٢٤١).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٦٥٣٧)، وأبو داود (٤١١٢)، والترمذي (٢٧٧٨).\n(^٣) تقريب التهذيب، لابن حجر (ص ٥٥٩).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٩٢٧).","vol":"8","page":357},{"text":"وَأُمَّهُ» (^١)، والنبي ﷺ أخبر في آخر حياته، فقال: «أَرَأَيْتُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ» (^٢).\nقلت: والجواب عن هذا الإشكال: أن الدجال مستثنى من هذا الحديث، وعليه فحديث الدجال مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ هذا الحديث.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «وأقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال: أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثقًا، وأن ابن صياد شيطان تبدَّى في صورة الدجال في تلك المدة إلى أن توجه إلى أصبهان، فاستتر مع قرينه إلى أن تجيء المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٢٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٦٤)، ومسلم (٢٥٣٧).\n(^٣) فتح الباري، لابن حجر (١٣/ ٣٢٨).","vol":"8","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1364>بَابٌ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ أَحَادِيثِ الدَّجَّالِ</span>\n\n[٢٩٤٤] حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَمِّهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ».\n\n[٢٩٤٥] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ شَرِيكٍ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَيَفِرَّنَّ النَّاسُ مِنَ الدَّجَّالِ فِي الْجِبَالِ»، قَالَتْ أُمُّ شَرِيكٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيْنَ الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «هُمْ قَلِيلٌ».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله: «يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ»: أصفهان مدينة في شرق إيران، وهي مقر الرافضة.\nواليهود والرافضة بينهم علاقة حميمة، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ذكر في منهاج السنة أن الرافضة يوافقون اليهود في كثير من الخصال، منها: أن «اليهود لا يصلون المغرب حتى تشتبك النجوم، وقد جاء عن النبي ﷺ: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ- أَوْ: عَلَى الْفِطْرَةِ- مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ» (^١)، وكذلك الرافضة، واليهود إذا صلوا زالوا عن القبلة شيئًا، وكذلك الرافضة» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧٣٢٩)، وأبو داود (٤١٨).\n(^٢) منهاج السنة، لابن تيمية (١/ ٣١).","vol":"8","page":359},{"text":"ومنها: «أن اليهود حرموا الأرنب، والطحال، وكذلك الرافضة» (^١).\nوقوله: «عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ»: مفرده طيلسان، وهو: كساء لا تفصيل له ولا خياطة، يلبسه خواص العلماء والمشايخ، وجمعه: طيالس وطيالسة (^٢).\nوقوله: «لَيَفِرَّنَّ النَّاسُ مِنَ الدَّجَّالِ فِي الْجِبَالِ، قَالَتْ أُمُّ شَرِيكٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيْنَ الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: هُمْ قَلِيلٌ»، يعني: لِمَ يفرون عنه في الجبال، ولا يقاتلونه؟ وخصت العرب؛ لأن العرب هم الذين نشروا الإسلام وأظهروه، وقام على أكتافهم.\n\n[٢٩٤٦] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ الْمُخْتَارِ- حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ رَهْطٍ، مِنْهُمْ: أَبُو الدَّهْمَاءِ، وَأَبُو قَتَادَةَ، قَالُوا: كُنَّا نَمُرُّ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ نَأْتِي عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، فَقَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: إِنَّكُمْ لَتُجَاوِزُونِي إِلَى رِجَالٍ مَا كَانُوا بِأَحْضَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمَ بِحَدِيثِهِ مِنِّي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ خَلْقٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ».\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ ثَلَاثَةِ رَهْطٍ مِنْ قَوْمِهِ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ قَالُوا: كُنَّا نَمُرُّ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ إِلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُخْتَارٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَمْرٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ.\nقوله: «مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ خَلْقٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ»: المعنى: أن ما بين آدم وقيام الساعة حدث أكبر فتنة وأعظم شوكة وقوة من الدجال؛ لهذا شرع لنا أن نستعيذ بالله من فتنة المسيح الدجال في آخر كل صلاة، وفي\n_________\n(^١) منهاج السنة، لابن تيمية (١/ ٣٣).\n(^٢) لسان العرب، لابن منظور (١٠/ ٢٣٣)، القاموس المحيط، للفيروز آبادي (١/ ٢٩٦).","vol":"8","page":360},{"text":"الحديث الآخر: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ» (^١)، أي: فليبتعد عنه حتى لا يفتتن به.\n\n[٢٩٤٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونُ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ العَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوِ الدُّخَانَ، أَوِ الدَّجَّالَ، أَوِ الدَّابَّةَ، أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ، أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ».\nحَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ زِيَادِ بْنِ رِيَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: الدَّجَّالَ، وَالدُّخَانَ، وَدَابَّةَ الْأَرْضِ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَأَمْرَ الْعَامَّةِ، وَخُوَيْصَّةَ أَحَدِكُمْ».\nوَحَدَّثَنَاهُ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقوله: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا»، يعني: سابقوا بالأعمال الصالحة قبل وقوع واحدة من هذه الست.\nوقوله: «وَأَمْرَ الْعَامَّةِ»، أي: القيامة.\nوقوله: «وَخُوَيْصَّةَ أَحَدِكُمْ»: تصغير خاصة، والمراد بها: الموت.\nوهذه نصيحة من النبي ﷺ لأمته، حيث أمرهم أن يسابقوا ويبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تَعرِض لهم العوارض، وتمنعهم الموانع، إما فتن فيفتتن الرجل فلا يتمكن من العبادة، كالدجال، أو الدخان، أو الدابة، أو خاصة أحدهم، وهي: الموت، أو أمر العامة، وهو: قيام الساعة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٩٨٧٥)، وأبو داود (٤٣١٩).","vol":"8","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1365>بَابُ فَضْلِ الْعِبَادَةِ فِي الْهَرْجِ</span>\n\n[٢٩٤٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنِ المُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ، رَدَّهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، رَدَّهُ إِلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، رَدَّهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ».\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.\nقوله: «رَدَّهُ»، أي: أسنده ورفعه.\nوقوله: «الْهَرْجِ»، أي: الفتن واختلاط الأمور.\nوفي هذا الحديث: فضل العبادة في وقت الفتن، والعبادة في الهرج كهجرة إلى النبي ﷺ في المدينة؛ وذلك لأن الناس يكونون مشغولين عن العبادة في وقت الفتن، كما أن القابض على دينه، والصابر عليه في آخر الزمان في وقت الفتن له أجر خمسين، كما جاء في الحديث: «فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ»، وَزَادَنِي غَيْرُهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: «أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» (^١).\nوالصحابة لهم فضائل كثيرة: كفضل الصحبة فلا يلحقهم من بعدهم، ولهم السبق إلى الإسلام، والجهاد مع النبي ﷺ، ونشر دين الإسلام.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجه (٤٠١٤).","vol":"8","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1366>بَابُ قُرْبِ السَّاعَةِ</span>\n\n[٢٩٤٩] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ».\n[خ: ٧٠٦٧]\nقوله: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ»، أي: الكفرة، وذلك بعد قبض أرواح المؤمنين والمؤمنات، وأرواحهم إنما تُقبض بعد أشراط الساعة المتأخرة مطلوع الشمس من مغربها والدابة، فتأتي ريح طيبة فتقبض أرواح المؤمنين. وجاء في الحديث: «مِنْ شِرَارِ النَّاسِ: مَنْ تُدْرِكْهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ» (^١).\n\n[٢٩٥٠] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ: أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ- يُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ وَالْوُسْطَى- وَهُوَ يَقُولُ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ هَكَذَا».\n[خ: ٤٩٣٦]\nقوله: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ هَكَذَا»: إشارته بإصبعه التي تلي الإبهام والوسطى إشارة إلى أنه ليس بينهما مسافة، والمراد: أنه ليس بين النبي ﷺ وقيام الساعة فاصل كبير، فالمقصود من الحديث: أن النبي ﷺ هو نبي الساعة،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٠٦٧).","vol":"8","page":363},{"text":"وأنه ليس بعده نبي، وأن المدة الباقية لقيام الساعة قليلة بالنسبة إلى ما مضى من عمر الدنيا.\n\n[٢٩٥١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ».\nقَالَ شُعْبَةُ: وَسَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ- فِي قَصَصِهِ-: كَفَضْلِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَهُ عَنْ أَنَسٍ، أَوْ قَالَهُ قَتَادَةُ.\n[خ: ٦٥٠٤]\nوَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ وَأَبَا التَّيَّاحِ يُحَدِّثَانِ: أَنَّهُمَا سَمِعَا أَنَسًا يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ هَكَذَا»، وَقَرَنَ شُعْبَةُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ الْمُسَبِّحَةِ وَالْوُسْطَى يَحْكِيهِ.\nقوله: «المُسَبِّحَة»: هي السَّبَّابَة، وسميت المسبحة؛ لأنه يسبَّح بها، وسميت السبابة؛ لأنه يشار بها في السَّبِّ.","vol":"8","page":364},{"text":"وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا، وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ حَمْزَةَ- يَعْنِي: الضَّبِّيَّ- عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَعْبَدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ» قَالَ: وَضَمَّ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى.\n\n[٢٩٥٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ الْأَعْرَابُ إِذَا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَأَلُوهُ عَنِ السَّاعَةِ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَنَظَرَ إِلَى أَحْدَثِ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ، فَقَالَ: «إِنْ يَعِشْ هَذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ».\n\n[٢٩٥٣] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ وَعِنْدَهُ غُلَامٌ مِنْ الْأَنْصَارِ- يُقَالُ لَهُ: مُحَمَّدٌ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنْ يَعِشْ هَذَا الْغُلَامُ فَعَسَى أَنْ لَا يُدْرِكَهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ».\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْد- حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنَزِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَل النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُنَيْهَةً، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى غُلَامٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، فَقَالَ: «إِنْ عُمِّرَ هَذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: ذَاكَ الْغُلَامُ مِنْ أَتْرَابِي يَوْمَئِذٍ.\nحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ غُلَامٌ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ- وَكَانَ مِنْ أَقْرَانِي- فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنْ يُؤَخَّرْ هَذَا، فَلَنْ يُدْرِكَهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ».","vol":"8","page":365},{"text":"في هذا الحديث: أن النبي ﷺ قال- لما سئل عن الساعة-: «إِنْ يَعِشْ هَذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ»، وقوله: «قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ»: له تأويلان عند أهل العلم:\nالأول: أن المراد بـ «قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ» يعني: يموت هؤلاء المخاطبين، أو يموت ذلك القرن، ومن مات فقد قامت قيامته.\nالثاني: أن المراد بـ «قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ»: أن النبي ﷺ في أول الأمر ظن أن الساعة تقوم في زمانه، ثم بين له الله ﷿ أنها لا تقوم إلا بعد زمانه بدهر طويل، وبعد أشراط الساعة الكبار، والأقرب: التأويل الأول.\n\n[٢٩٥٤] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ- قَالَ: «تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ يَحْلُبُ اللِّقْحَةَ، فَمَا يَصِلُ الْإِنَاءُ إِلَى فِيهِ حَتَّى تَقُومَ، وَالرَّجُلَانِ يَتَبَايَعَانِ الثَّوْبَ، فَمَا يَتَبَايَعَانِهِ حَتَّى تَقُومَ، وَالرَّجُلُ يَلِطُ فِي حَوْضِهِ، فَمَا يَصْدُرُ حَتَّى تَقُومَ».\nقوله: «تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ يَحْلُبُ اللِّقْحَةَ»: اللِّقحة هي: ذات اللبن من الإبل، والمعنى: أن الرجل يحلب اللبن، وقبل أن «يَصِلُ الْإِنَاءُ إِلَى فِيهِ» تقوم عليه الساعة.\nوقوله: «وَالرَّجُلَانِ يَتَبَايَعَانِ الثَّوْبَ»، أي: القماش، فلا يتبايعانه حتى تقوم عليهما الساعة.\nوقوله: «حَتَّى تَقُومَ وَالرَّجُلُ يَلِطُ فِي حَوْضِهِ»، يعني: يُطَيِّنه، فتقوم الساعة وهو على هذه الحالة، والمراد بالساعة: القيامة، وهي صيحة إسرافيل ﵇، حين يأمره الله ﷿ فينفخ في الصور نفخة يطوِّلها، فيفزع الناس، ثم لا يزال الصوت يقوى حتى يصعق الناس ويموتوا، فهي نفخة طويلة؛ أولها: فزع، وآخرها: صعق وموت.","vol":"8","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1367>بَابُ مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ</span>\n\n[٢٩٥٥] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ»، قَالُوا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ، «ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ، قَالَ: وَلَيْسَ مِنَ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\n[خ: ٤٩٣٥]\nوَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يَعْنِي: الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ، مِنْهُ خُلِقَ، وَفِيهِ يُرَكَّبُ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ فِي الْإِنْسَانِ عَظْمًا لَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ أَبَدًا، فِيهِ يُرَكَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، قَالُوا: أَيُّ عَظْمٍ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «عَجْبُ الذَّنَبِ».\nقوله: «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ، قَالُوا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ»، يعني: ليس عندي علم بذلك، قال النووي ﵀: «معناه: أبيتُ أن أجزم أن المراد: أربعون يومًا، أو سنةً، أو شهرًا، بل الذي أجزم به: أنها أربعون مجملة، وقد جاءت مفسَّرة من رواية غيره في غير مسلم: أربعون سنة (^١») (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الرقاق من مرسل الحسن، كما في الفتح (١١/ ٣٧٠).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ٩١).","vol":"8","page":367},{"text":"وفي هذا الحديث: أنه قال: «ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ»، فإذا تم خلقها واكتمل أذن الله لإسرافيل ﵇ فينفخ في الصور نفخة البعث، فتتطاير الأرواح إلى الأجساد، والأرواح لا تموت، فأرواح المؤمنين في الجنة، ولها صلة بالجسد، وأرواح الكفار في النار ولها صلة بأجسادها، وقد جاء في الحديث: «إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ ﵎ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ» (^١).\nفتدخل كل روح في جسدها، ثم يقوم الناس من قبورهم ينفضون التراب عن رؤوسهم، حفاة لا نعال لهم، عراة لا ثياب عليهم، غرلًا غير مختونين، فيقفون بين يدي ربِّ العالمين للحساب، قال تعالى: ﴿يوم يخرجون من الأجداث سراعًا كأنهم إلى نصب يفيضون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون﴾ [؟؟:؟؟].\nويجب على المسلم أن يؤمن بيوم البعث، ومن لم يؤمن به فهو كافر بنص القرآن وإجماع المسلمين، قال تعالى: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبئن بما عملتم وذلك على الله يسير﴾.\nوقوله: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ»: العَجْب بفتح العين وإسكان الباء، وعَجْبُ الذَّنَبِ هو: عظم صغير في آخر العمود الفقري، ويقال له: العُصْعُصْ، فهو الذي يبقى، وما عدا ذلك فإنه يبلى، وفي الحديث هنا: «مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ».\nوفيه: الرد على أهل الكلام من الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة الذين يقولون بالجوهر الفرد، وبنوا دينهم في إثبات الخالق، وإثبات المعاد على الجوهر الفرد، ويقولون: إن الأجسام مركبة من الجواهر الفردة، والجواهر الفردة هي ذرات صغيرة لا تفنى، مهما قطعتها لا بد أن تبقى ذرات\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٥٧٧٧).","vol":"8","page":368},{"text":"أخرى (^١)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وأكثر العقلاء من طوائف المسلمين وغيرهم ينكرون الجوهر الفرد» (^٢).\nوفيه: رد على علماء الكيمياء الذين يقولون: إن المادة لا تفنى، ولا تُستحدث، وهذه نظرية موجودة وكانت تدرس في المدارس الثانوية، وهذه النظرية معناها: إنكار أن يكون الله تعالى قد خلق المادة، يعني: هي قديمة عندهم، وهذا يوافق مذهب الفلاسفة الذين يقولون: إن العالم قديم ولا يفنى.\n* * *\n_________\n(^١) مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري (٢/ ٢٤٠ - ٢٤١).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية (٣/ ٣٥٥).","vol":"8","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1368>كِتَابُ الزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ</span>","vol":"8","page":371},{"text":"كِتَابُ الزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ\n\n[٢٩٥٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنِ العَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ».\nقال النووي ﵀: «معناه: أن كل مؤمن مسجون ممنوع في الدنيا من الشهوات المحرمة والمكروهة، مكلَّف بفعل الطاعات الشاقة، فإذا مات استراح من هذا، وانقلب إلى ما أعدَّ الله تعالى له من النعيم الدائم، والراحة الخالصة من النقصان، وأما الكافر فإنما له من ذلك ما حصَّلَ في الدنيا مع قلته وتكديره بالمنغصات، فإذا مات صار إلى العذاب الدائم وشقاء الأبد» (^١).\nقلت: هذا المعنى الذي ذكره النووي ﵀ قاصر؛ لأن معنى: «الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ»: أن المؤمن ممنوع من التنعم بنعيم الآخرة، ومحجوب عنها، وإن كان في الدنيا في راحة بال، وطمأنينة؛ لِما فيه من التنعم بالإيمان ولذة المناجاة والأنس بالله ﷿، والشوق إليه سبحانه، قال ابن القيم ﵀: «سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة» (^٢).\nوأما الكافر فهو يتمتع في الدنيا كما تتمتع البهائم، فليس له هم سوى\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ٩٣).\n(^٢) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٤٥٢).","vol":"8","page":373},{"text":"بطنه، وفرجه، ثم بعد ذلك إذا مات انقلب إلى شقاء وعذاب أبدي، قال تعالى: ﴿والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم﴾ - نسال الله العافية والسلامة.\nويُذكر عن الحافظ ابن حجر ﵀ أنه: «مر يومًا بالسوق في موكب عظيم وهيئة جميلة فهجم عليه يهودي يبيع الزيت الحار وأثوابه ملطخة بالزيت وهو في غاية الرثاثة والشناعة، فقبض على لجام بغلته وقال: يا شيخ الإسلام، تزعم أن نبيكم قال: «الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ»: فأيُّ سجن أنت فيه، وأيُّ جنة أنا فيها؟ ! فقال: أنا بالنسبة لما أعد الله لي في الآخرة من النعيم كأني الآن في السجن، وأنت بالنسبة لما أعد لك في الآخرة من العذاب الأليم كأنك في جنة، فأسلم اليهودي» (^١).\n\n[٢٩٥٧] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلًا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ، وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ، فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ، فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟»، فَقَالُوا: مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: «أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟» قَالُوا: وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَسَكُّ، فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ؟ ! فَقَالَ: «فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ!».\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِيَانِ: الثَّقَفِيَّ- عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ: «فَلَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ هَذَا السَّكَكُ بِهِ عَيْبًا».\n_________\n(^١) فيض القدير، للمناوي (٣/ ٥٤٦).","vol":"8","page":374},{"text":"قوله: «كَنَفَتَهُ»: قال النووي ﵀: «وفي بعض النسخ: «كَنَفَتَيْهِ»، ومعنى الأول: جانبه، والثاني: جانبيه» (^١).\nوقوله: «بِجَدْيٍ أَسَكَّ»: الجدي هو: التيس الصغير، والأسك: يطلق على ملتصق الأذنين، وعلى فاقدهما، وعلى مقطوعهما، وعلى الأصم الذي لا يسمع، والمراد ههنا: صغير الأذنين (^٢).\nوفي هذا الحديث: بيان هوان الدنيا على الله ﷿، وأنها لا تساوي شيئًا عنده.\nوفيه: أن النبي ﷺ أراهم أمرًا عمليًّا؛ ليبين لهم هوان الدنيا على الله تعالى، فلما مر «بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ» أخذ بأذن الجدي، وقال: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ هَذَا بِدِرْهَمٍ؟»، أي: أيكم يحب أن يشتريه بدرهم وهو صغير الأذنين وميت؟ قالوا: «وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَسَكُّ، فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ؟ ! فَقَالَ: فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ!»، أي: إذا كان هذا الجدي هينًا على الناس حيًّا، وميتًا؛ لصغر أذنه، فالدنيا أهون على الله ﷿ من هذا عليكم، وجاء في الحديث الآخر: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» (^٣).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ٩٣).\n(^٢) القاموس المحيط، للفيروز آبادي (١/ ٩٤٣)، النهاية، لابن الأثير (٢/ ٣٨٤).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٣٢٠)، وابن ماجه (٤١١٠).","vol":"8","page":375},{"text":"[٢٩٥٨] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَقْرَأُ: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ قَالَ: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي»، قَالَ: «وَهَلْ لَكَ- يَا ابْنَ آدَمَ- مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ».\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، وَقَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ هَمَّامٍ.\nقوله: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، قَالَ: وَهَلْ لَكَ- يَا ابْنَ آدَمَ- مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ»، يعني: أن الإنسان ليس له إلا الشيء الذي يأكله فيفنى، أو الشيء الذي يلبسه من الثياب فيبلى، أو ما يقدمه للآخرة فيبقى، من صدقات، أو مشاريعَ خيرية، أو صلة رحم، أو بر للوالدين، ونحو ذلك من أعمال البر.\n\n[٢٩٥٩] حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنِ العَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِي مَالِي، إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفْنَى، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى، أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ».\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nقوله: «أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى»: هكذا هو في معظم النسخ، ومعناها: ادخره ثوابه","vol":"8","page":376},{"text":"لآخرته، وعند ابن ماهان: «فَأَقْنَى»: بحذف التاء، قال القاضي عياض: وهو المعروف في الحديث، أي: أرضى، يقال: أعطاه قنية من المال يقتنى (^١).\n\n[٢٩٦٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ، وَيَبْقَى وَاحِدٌ: يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ، وَمَالُهُ، وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ، وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ».\n[خ: ٥٦١٤]\nقوله: «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ»: هذا الحديث خرج مخرج الغالب، أي: أن الميت في الغالب يتبعه أهله وماله وعمله، وإلا فإنه قد يموت الإنسان في مكان لا أهل له فيه ولا مال، فلا يتبعه شيء من ذلك.\nوقوله: «فَيَرْجِعُ اثْنَانِ، وَيَبْقَى وَاحِدٌ»: معناه: أن الميت يتبعه أهله من أقاربه إلى القبر، فيدفنونه، ثم ينصرفون، وكذلك يتبعه المال، كآلة الحفر، والإناء الذي يوضع فيه الماء، ثم بعد دفنه يرجع المال، ويبقى عمله.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ٥١٢)، شرح مسلم، للنووي (١٨/ ٩٤).","vol":"8","page":377},{"text":"[٢٩٦١] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ- يَعْنِي: ابْنَ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ التُّجِيبِيَّ- أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ- وَهُوَ حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتْ الْأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَوْا صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَأَىهُمْ، ثُمَّ قَالَ: «أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ؟»، فَقَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ».\n[خ: ٣١٥٨]\nحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِ يُونُسَ، وَمِثْلِ حَدِيثِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ صَالِحٍ: «وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ».\nقوله: «مِنْ الْبَحْرَيْنِ»: كانت البحرين قديمًا تطلق على المنطقة الشرقية ودول الخليج والأحساء، وكانوا قد أسلموا قديمًا، وهم وفد بني عبد القيس، ومسجدهم جواثا هو ثاني مسجد أقيمت فيه الجمعة بعد مسجد الرسول ﷺ.\nفأرسل النبي ﷺ «أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا» وقد كان ﷺ صالحهم وأمَّرَ عليهم الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ.","vol":"8","page":378},{"text":"وقوله: «فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ»، أي: أتى ﵁ من البحرين ومعه شيء من المال، والصحابة ﵃ في أول الهجرة كانوا في شدة وفاقة، وقلة ذات اليد، فسمعوا بأن أبا عبيدة رضي الله عليه قدم بمال من البحرين «فَوَافَوْا صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» وفي لفظ عند البخاري: «فوافته صلاة الصبح مع رسول الله ﷺ» (^١)، أي: أبا عبيدة ﵁.\nقوله: «فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ»: يريدون من النبي ﷺ أن يعطيهم شيئًا من المال، ويقسمه بينهم؛ لينتفعوا به لقلة ذات اليد؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: «لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ قُلْنَا: الآنَ نَشْبَعُ مِنَ التَّمْرِ» (^٢).\nفلما رآهم النبي ﷺ عرف ذلك منهم «فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَأَىهُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ؟»، أي: وأنتم تريدون أن أقسمه بينكم، قالوا: «أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ»، فقال ﵊: «فَأَبْشِرُوا، وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ»، وهذا تبشير من النبي ﷺ لأصحابه، وأمرٌ لهم بتأميل الخير، وفيه: حسن خلقه ﵊.\nوقوله: «فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ»: فيه: دليل على أن الغنى أشد خطرًا من الفقر، قال الله تعالى: ﴿كلَّا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾، فالفقر قد يصبر عليه الإنسان ويتحمله، لكن الغنى قد يفتح عليه أبوابَ شرور كثيرة؛ لهذا قال بعض الصحابة: «ابْتُلِينَا بِالضَّرَّاءِ فَصَبَرْنَا، وَابْتُلِينَا بِالسَّرَّاءِ فَلَمْ نَصْبِرْ» (^٣)، وقال تعالى: ﴿فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون﴾، فالناس مع الفقر أقرب إلى الاستقامة منهم مع الغنى.\nوقوله: «وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٢٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٢٤٢).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٤٦٤).","vol":"8","page":379},{"text":"قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»: هذا هو الواقع قديمًا وحديثًا، والتنافس الآن في كل شيء، تنافس في المساكن، والأموال، والسيارات، والفُرُش وغير ذلك.\n\n[٢٩٦٢] حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ رَبَاحٍ- هُوَ أَبُو فِرَاسٍ- مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ- حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا فُتِحَتْ عَلَيْكُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ أَيُّ قَوْمٍ أَنْتُمْ؟»، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا اللَّهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟ تَتَنَافَسُونَ، ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ، ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ، ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ»، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ «ثُمَّ تَنْطَلِقُونَ فِي مَسَاكِينِ الْمُهَاجِرِينَ، فَتَجْعَلُونَ بَعْضَهُمْ عَلَى رِقَابِ بَعْضٍ».\nقوله: «نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا اللَّهُ»، يعني: نحمده ونشكره على نعمه، ونسأله المزيد من فضله.\nوقوله: «تَتَنَافَسُونَ، ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ، ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ، ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ»: التنافس إلى الشيء المسابقة إليه وكراهة أخذ غيرك إياه، وهو أول درجات الحسد، وأما الحسد فهو تمني زوال النعمة عن صاحبها والتدابر التقاطع، وأما التباغض فهو بعد هذا؛ ولهذا رتبت في الحديث، فكأن المدابرة أدنى من المباغضة، وقد تكون المدابرة والإعراض مع بقاء مودة، وتكون المباغضة بعد هذا (^١).\nوقوله: «ثُمَّ تَنْطَلِقُونَ فِي مَسَاكِينِ الْمُهَاجِرِينَ، فَتَجْعَلُونَ بَعْضَهُمْ عَلَى رِقَابِ بَعْضٍ»، أي: تجعلون بعضهم أمراء على بعض.\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ٥١٤)، شرح مسلم، للنووي (١٨/ ٩٧).","vol":"8","page":380},{"text":"قال القاضي عياض: «وعند السمرقندي: «فتحملون بعضهم على بعض» ... أشبه أن يكون الكلام على وجهه، وأراد أن مساكين المهاجرين وضعفتهم ستفتح عليهم آنذاك من الدنيا حتى يكونوا أمراء بعضهم على رقاب بعض» (^١)، وقال السنوسي ﵀: «ولعل صواب الكلام: ثم تنطلقون في فيء مساكين المهاجرين» (^٢).\n\n[٢٩٦٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا، وقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ مِمَّنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ».\n[خ: ٦٤٩٠]\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ سَوَاءً.\nوَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ»، قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: عَلَيْكُمْ.\nقوله: «أَجْدَرُ»، يعني: أحق.\nوقوله: «أَلَّا تَزْدَرُوا»، أي: ألَّا تحتقروا نعمة الله عليكم.\nوفي الحديثين: أنه ينبغي على الإنسان العاقل أن ينظر إلى من هو أسفل منه في المال، والخَلْق، فإذا كان الإنسان فقيرًا فلينظر إلى من هو أشدُّ منه\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ٥١٤)، إكمال إكمال المعلم، للأبي (٧/ ٢٨٧).\n(^٢) مكمل الإكمال، للسنوسي (٧/ ٢٨٧).","vol":"8","page":381},{"text":"فقرًا، وإذا كان مريضًا فلينظر إلى من هو أشدُّ منه مرضًا، وهكذا؛ لئلَّا يزدري نعمة الله عليه.\nوأما في أمور الطاعة وعمل الآخرة فلا، بل ينبغي للمسلم العاقل أن ينظر لمن هو فوقه ممن سبقه إلى فعل الخير، فينظر إلى من يتصدق، وإلى من يحج ويعتمر كل سنة؛ لأن هذا من المنافسة والمسابقة في الخير، قال تعالى: ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾.","vol":"8","page":382},{"text":"[٢٩٦٤] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ، وَأَقْرَعَ، وَأَعْمَى، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فَأَتَى الْأَبْرَصَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ، وَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْإِبِلُ- أَوَ قَالَ: الْبَقَرُ، شَكَّ إِسْحَاقُ، إِلَّا أَنَّ الْأَبْرَصَ، أَوِ الْأَقْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا: الْإِبِلُ، وَقَالَ الْآخَرُ: الْبَقَرُ- قَالَ: فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ: فَأَتَى الْأَقْرَعَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ: فَأَتَى الْأَعْمَى، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا، فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا، قَالَ: فَكَانَ لِهَذَا\nوَادٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ: قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلَاغَ لِي الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ؟ فَقِيرًا، فَأَعْطَاكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ، قَالَ: وَأَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا، فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا","vol":"8","page":383},{"text":"كُنْتَ، قَالَ: وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلَاغَ لِي الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ؛ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ، وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ».\n[خ: ٣٤٦٤]\nقوله: «فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا»: أُنْتِجَ: هذه لغة قليلة، ونُتِجَ لغة أكثر منها، والمعنى: تولى ولادتها، فالأبرص تولى ولادة الإبل، والأقرع تولى ولادة البقر، والأعمى تولى ولادة الغنم، فصار للأول وادٍ من الإبل، وللثاني وادٍ من البقر، وللثالث وادٍ من الغنم.\nوقوله: «ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ»، أي: أن الْمَلَك أتى للأبرص في صورته السابقة؛ وكذلك أتى الأقرع؛ وذلك ليذكرهما بحالتهما الأولى؛ ابتلاءً وامتحانًا لهم.\nتنبيه: استدل بعض الناس بمجيء الملَك إلى الأبرص والأقرع في صورتهما وهيئتهما على جواز التمثيل، وهذا خطأ، فالملَك لم يمثِّل، وإنما أرسله الله تعالى في صورتهما ليذكرهما بحالتهما الأولى؛ لعلهما يتعظان ويتذكران.\nوقوله: «رَجُلٌ مِسْكِينٌ، قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي»: الحبال هي: الأسباب، وقيل: المراد: الطرق، وروي «انْقَطَعَتْ بِيَ الجِبَالُ»، وروي: «انْقَطَعَتْ بِيَ الحِيَلُ» (^١)، وكلها صحيحة، والمعنى: أن الملَك أتى الأبرصَ في صورة الأبرص، وقال له: أنا رجل فقير، وابن سبيل، ولا نفقة معي\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ٩٩).","vol":"8","page":384},{"text":"توصلني إلى بلدي، أعطني بعيرًا يوصلني إلى بلدي، وسأله بالله وذكَّره بحالته، فقال له: «أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ، وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ، وَالْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي».\nوقوله: «أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ»: فيه: جواز السؤال بالله تعالى، وقد جاء في الحديث: «وَمَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ» (^١).\nوقوله: «فَلَا بَلَاغَ لِي الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ»: فيه: أن عطْف المخلوق على الخالق يكون بـ «ثُمَّ» لا بالواو، فلا يقال: لا بلاغ لي اليوم إلا بالله وبك؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ، وَشَاءَ فُلَانٌ، قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ» (^٢)؛ لأن الواو تقتضي التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم، وأما «ثم» فإنها للترتيب على التراخي، فلا يأتي المعطوف إلا بعد المعطوف عليه بمهلة وتراخٍ.\nوفي هذا الحديث: أن الله تعالى يبتلي بالسراء والضراء، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾، أي: أن الله ﷿ يبتلي الإنسان بالخير ليختبره هل يشكر، أم يكفر؟ ويبتليه بالفقر ليختبره هل يصبر، أم يجزع؟\nوفيه: أن ابتلاء الله تعالى لهم كان بإرسال الملَك إليهم، فسأل الأبرصَ: ماذا يحب؟ فـ «قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ»، فصار جلده سليمًا، فسأله فـ «قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْإِبِلُ- أَوَ قَالَ: الْبَقَرُ»، «فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا»: والعُشَرَاء: هي الحامل القريبة الولادة.\nوالثاني: أتاه الملَك فقال له: «أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ»، أي: تذهب عني هذه العاهة، «قَالَ:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥٣٦٥)، وأبو داود (١٦٧٢)، والنسائي (٢٥٦٧).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٣٢٦٥)، وأبو داود (٤٩٨٠).","vol":"8","page":385},{"text":"فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ»، أي: قَذَرُهُ «وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا»، أي: أنبت الله له شعرًا حسنًا، ثم سأله الملَك، فقال له: «فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا».\nوالثالث: الأعمى جاءه الملَك «فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا».\nفاستجاب الله دعاء الملَك، ومضت سنين، فنمت هذه الأموال، وكثرت، وصار للأول وادٍ من الإبل، وللثاني وادٍ من البقر، وللثالث وادٍ من الغنم، فابتلاهم الله مرة أخرى بالمال.\nفجاء الملَك للأول في صورة الأبرص؛ ليذكره بحالته السابقة، وقال له: إني رجل مسكين وابن سبيل «فَلَا بَلَاغَ لِي الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ، وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ، وَالْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ»، فإذا أعطيتك أنت، وأعطيت الثاني انتهى هذا المال، «فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ؟ فَقِيرًا، فَأَعْطَاكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ»، أي: ورثته جدًّا عن جدٍّ، وهذا جحْدٌ لنعمة الله عليه- والعياذ بالله- فلم يعترف لله ﷿ بما به من النعمة، ولم يؤدِّ الحق الذي عليه.\nوجاء للثاني: في صورة الأقرع كذلك؛ ليذكره بحالته السابقة، «فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ»، ففي المرة الأول دعا لهما بالبركة في المال، وفي المرة الثانية دعا عليهما، فقال لكل منهما: «إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا، فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ».\nوأتى الأعمى في صورته وذكَّره بحالته السابقة، فقال: «رَجُلٌ مِسْكِينٌ، وَابْنُ سَبِيلٍ، انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلَاغَ لِي الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي؟»، فاعترف الأعمى، فقال: «قَدْ","vol":"8","page":386},{"text":"كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ»، ولم يقل له: خذ شاة، بل قال له: «فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ، وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ».\nوفيه: شاهد لقوله تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾، وقوله تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾.\nوفيه: أن شكر النعمة يكون بالاعتراف لله بالنعمة بالقلب، والثناء عليه باللسان، وصرفها في مرضاة الله ﷿، وهذه أركان الشكر.\n\n[٢٩٦٥] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ- وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ- قَالَ عَبَّاسٌ: حَدَّثَنَا، وقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ مِسْمَارٍ، حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي إِبِلِهِ، فَجَاءَهُ ابْنُهُ عُمَرُ، فَلَمَّا رَأَىهُ سَعْدٌ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الرَّاكِبِ، فَنَزَلَ، فَقَالَ لَهُ: أَنَزَلْتَ فِي إِبِلِكَ وَغَنَمِكَ، وَتَرَكْتَ النَّاسَ يَتَنَازَعُونَ الْمُلْكَ بَيْنَهُمْ؟ فَضَرَبَ سَعْدٌ فِي صَدْرِهِ، فَقَالَ: اسْكُتْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ».\nقوله: «التَّقِيَّ»، أي: المتصف بالتقوى، وهي طاعة الله باتباع أوامره، واجتناب نواهيه، وإخلاص العبادة له.\nوقوله: «الْغَنِيَّ»: قيل: المراد: غنى النفس، وقيل: المراد: غنى المال.\nوقوله: «الْخَفِيَّ»: هو الذي لا يحب الشهرة ولا يريدها.\nقال النووي ﵀: «قوله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ»: المراد بالغنى: غنى النفس، هذا هو الغنى المحبوب؛ لقوله ﷺ: «وَلَكِنَّ الغِنَى غَنى النَّفْسِ»، وأشار القاضي إلى أن المراد: الغنى بالمال، وأما الخفي فبالخاء المعجمة هذا هو الموجود في النسخ والمعروف في الروايات،","vol":"8","page":387},{"text":"وذكر القاضي أن بعض رواة مسلم رواه بالمهملة، فمعناه بالمعجمة: الخامل المنقطع إلى العبادة والاشتغال بأمور نفسه، ومعناه بالمهملة: الوَصول للرحم، اللطيف بهم، وبغيرهم من الضعفاء، والصحيح: بالمعجمة، وفي هذا الحديث حجة لمن يقول: الاعتزال أفضل من الاختلاط، وفي المسألة خلاف ... ومن قال بالتفضيل للاختلاط قد يتأول هذا على الاعتزال وقت الفتنة ونحوها» (^١).\nوالصواب: أن الاختلاط أفضل إلا وقت الفتن.\n\n[٢٩٦٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَابْنُ بِشْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَوَّلُ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَقَدْ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَنَا طَعَامٌ نَأْكُلُهُ إِلَّا وَرَقُ الْحُبْلَةِ، وَهَذَا السَّمُرُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الدِّينِ! لَقَدْ خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ عَمَلِي، وَلَمْ يَقُلْ ابْنُ نُمَيْرٍ: إِذًا.\n[خ: ٦٤٥٣]\nوَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الْعَنْزُ، مَا يَخْلِطُهُ بِشَيْءٍ.\nقوله: «إِلَّا وَرَقُ الْحُبْلَةِ، وَهَذَا السَّمُرُ»: هما نوعان من شجر البادية.\nوفي هذا الحديث: بيان ما أصاب الصحابة من الشدة أول الهجرة.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ١٠٠ - ١٠١).","vol":"8","page":388},{"text":"وفيه: أن سعد بن أبي وقاص ﵁ تقدم إسلامه، وأنه فقه كثيرًا من الأحكام وصبر على الشدة، واللأواء.\nوقوله: «حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ»، يعني: كان البُرَازُ الذي يخرج منهم مثل ما تضع الغنم، وحصل لهم هذا من قلة الأكل.\nقال المباركفوري ﵀: ««ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ»، أي: ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وكانوا متأخرين في الإسلام، ثم ارتدوا بعد النبي ﷺ، وتبعوا طليحة بن خويلد الأسدي لما ادعى النبوة، ثم قاتلهم خالد بن الوليد في عهد أبي بكر الصديق ﵁ بعد ذلك، وكانوا ممن شكا سعد بن أبي وقاص- وهو أمير الكوفة- إلى عمر حتى عزله، وكان في جملة ما شكوه: أنه لا يحسن الصلاة، وهذا الذي أشار إليه سعد ﵁ بقوله: «تُعَزِّرُنِي عَلَى الدِّينِ!» من التعزير، أي: تؤدبني وتلومني، أو توبخني على التقصير فيه بقولهم: إني لا أحسن أصلي، ومعناه: أن سعدًا أنكر أهلية بني أسد لتعزيرهم إياه على أمر من أمور الدين؛ وذلك لسابقته، وقِدَم صحبته، وحسن بلائه في الإسلام، «خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ عَمَلِي»، أي: لئن كان كذلك فإني خائب، وعملي ضائع» (^١).\nوالمعنى: أنا من المتقدمين في الإسلام والسابقين إليه، وصاحبتُ النبيَّ ﷺ، وصبرت على اللأواء، وعرفت الأحكام، والآن تأتي قبيلة من الجفاة يعلمونني الأحكام ويؤدبونني؟ ! لقد خبتُ إذًا، وضل سعيي إذا لم أكن قد عرفت الإسلام والدين في هذه المدة الطويلة، وهذا إنكار منه ﵁ عليهم! .\n_________\n(^١) منة المنعم، للمباركفوري (٤/ ٣٩٤).","vol":"8","page":389},{"text":"[٢٩٦٧] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ عُمَيْرٍ الْعَدَوِيِّ قَالَ: خَطَبَنَا عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصَرْمٍ، وَوَلَّتْ حَذَّاءَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ يَتَصَابُّهَا صَاحِبُهَا، وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارٍ لَا زَوَالَ لَهَا، فَانْتَقِلُوا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ، فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ لَنَا: أَنَّ الْحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفَةِ جَهَنَّمَ فَيَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ عَامًا لَا يُدْرِكُ لَهَا قَعْرًا، وَوَاللَّهِ لَتُمْلَأَنَّ، أَفَعَجِبْتُمْ وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا: أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا يَوْمٌ وَهُوَ كَظِيظٌ مِنَ الزِّحَامِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا، فَالْتَقَطْتُ بُرْدَةً فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَاتَّزَرْتُ بِنِصْفِهَا وَاتَّزَرَ سَعْدٌ بِنِصْفِهَا، فَمَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا أَصْبَحَ أَمِيرًا عَلَى مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ، وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ فِي نَفْسِي عَظِيمًا وَعِنْدَ اللَّهِ صَغِيرًا، وَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إِلَّا تَنَاسَخَتْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَاقِبَتِهَا مُلْكًا، فَسَتَخْبُرُونَ وَتُجَرِّبُونَ الْأُمَرَاءَ بَعْدَنَا.\nوَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ عُمَيْرٍ- وَقَدْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ- قَالَ: خَطَبَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ- وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الْبَصْرَةِ- فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ شَيْبَانَ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا طَعَامُنَا إِلَّا وَرَقُ الْحُبْلَةِ حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا.\nقوله: «فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصَرْمٍ»: آذنت، أي: أعلمتْ، بِصَرْمٍ، أي: بانقطاع.","vol":"8","page":390},{"text":"وقوله: «وَوَلَّتْ حَذَّاءَ»، أي: مسرعة الانقطاع.\nوقوله: «وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ»، يعني: لم يبق منها إلا الشيء اليسير، والصبابة هي: البقية اليسيرة من الشراب تبقى في أسفل الإناء.\nوقوله: «وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارٍ لَا زَوَالَ لَهَا، فَانْتَقِلُوا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ»، يعني: أنتم في دار ستزول، وستنتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فاستعدوا بالعمل الصالح؛ ليكون زادًا لكم، حتى تنتقلوا بخير ما بحضرتكم.\nوقوله: «فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفَةِ جَهَنَّمَ فَيَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ عَامًا لَا يُدْرِكُ لَهَا قَعْرًا»: هذا يدل على بُعد قعر جهنم- ولا حول ولا قوة إلا بالله- ومع ذلك قال: «وَوَاللَّهِ لَتُمْلَأَنَّ، أَفَعَجِبْتُمْ وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً».\nوقوله: «وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا يَوْمٌ وَهُوَ كَظِيظٌ مِنَ الزِّحَامِ»، يعني: تمتلئ من كثرة من يدخلها.\nوقوله: «وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا»، يعني: أصابها جروح، وقروح بسبب الحرارة، فعتبةُ بنُ غزوانَ ﵁ يتذكر حالته السابقة في أول الإسلام مع رسول الله ﷺ، وما أصابه من الشدة وقلة ذات اليد.\nوقوله: «فَالْتَقَطْتُ بُرْدَةً فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَاتَّزَرْتُ بِنِصْفِهَا، وَاتَّزَرَ سَعْدٌ بِنِصْفِهَا، فَمَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا أَصْبَحَ أَمِيرًا عَلَى مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ»، أي: قطعت الإزار نصفين بيني وبين سعد بن مالك ﵁، وهو ابن أبي وقاص، وهذا يدل على شدة الفقر والحاجة التي كانوا عليها، ثم بعد ذلك تغيرت الأحوال وفُتِحَت الفتوح، ومُصِّرت الأمصار، وصار كل واحد منا أميرًا على مصرٍ من الأمصار، ولكنهم ﵃ كانوا في جميع أحوالهم على خير عظيم، ولن يكون أحد بعدهم مثلهم؛ ولهذا قال: «فَسَتَخْبُرُونَ، وَتُجَرِّبُونَ الْأُمَرَاءَ بَعْدَنَا»: ستخبرون: من الخبرة وهو العلم،","vol":"8","page":391},{"text":"وتجربون: من التجربة وهي الممارسة، يعني: سوف تعلمون حال الأمراء بعدنا، وترون الفرق بين أصحاب رسول الله ﷺ، وبين غيرهم، ففرق كبير بين من يقبل الإمارة لينشر دين الله، ويُلزم الناسَ بشرعه، وبين من يحرص على الإمارة من أجل الدنيا، والهوى والشهوات.\nوقوله: «وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ فِي نَفْسِي عَظِيمًا وَعِنْدَ اللَّهِ صَغِيرًا»، يعني: أعوذ بالله من أن أكون عند الله حقيرًا بسبب سوء عملي، وأكون في نفسي عظيمًا؛ لأن هذا من العُجب، وهو من أعمال القلوب الخبيثة، ومن كبائر الذنوب؛ لهذا استعاذ منه ﵁.\nوقوله: «وَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إِلَّا تَنَاسَخَتْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَاقِبَتِهَا مُلْكًا»: تناسخت، يعني: ذهبت وانتهت، كما تنسخ الشمسُ الظلَّ، فإنه لما انتهت النبوة أعقبتها خلافة راشدة على منهاج النبوة، قال ﵊: «خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ أَوْ مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ» (^١)، فكان أول ملوك الإسلام معاوية بن أبي سفيان الصحابي الجليل ﵁، ثم ستكون- أيضًا- في آخر الزمان خلافة المهدي، وهو رجل صالح من آل بيت النبي ﷺ يملأ الأرض عدلًا، كما مُلئت جورًا وظلمًا.\nوفي هذا الحديث: مشروعية حمد الله، والثناء عليه قبل الخطبة، والشهادة لله تعالى بالوحدانية، وللنبي عليه أفضل الصلاة والسلام بالرسالة، ثم بعد ذلك تكون الخطبة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢١٩١٩)، وأبو داود (٤٦٤٦)، والترمذي (٢٢٢٦).","vol":"8","page":392},{"text":"[٢٩٦٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ فِي الظَّهِيرَةِ لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ؟» قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ فِي سَحَابَةٍ؟» قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ، إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا، قَالَ: فَيَلْقَى الْعَبْدَ، فَيَقُولُ: أَيْ فُلْ، أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي، ثُمَّ يَلْقَى الثَّانِيَ، فَيَقُولُ أَيْ فُلْ: أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟، فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي، ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ، فَيَقُولُ لَهُ: مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ آمَنْتُ بِكَ، وَبِكِتَابِكَ، وَبِرُسُلِكَ، وَصَلَّيْتُ، وَصُمْتُ، وَتَصَدَّقْتُ، وَيُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَ، فَيَقُولُ: هَا هُنَا إِذًا قَالَ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: الْآنَ نَبْعَثُ شَاهِدَنَا عَلَيْكَ، وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ، فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ وَلَحْمِهِ وَعِظَامِهِ: انْطِقِي،\nفَتَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ، وَذَلِكَ لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ، وَذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ اللَّهُ عَلَيْهِ».\n\n[٢٩٦٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ، حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ عَنْ فُضَيْلٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَحِكَ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟» قَالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا","vol":"8","page":393},{"text":"شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، قَالَ: فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ».\nفي هذه الأحاديث: إثبات رؤية الله ﷿، وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم.\nوفيها: التصريح بأن الرؤية بالأبصار؛ ولهذا «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ فِي الظَّهِيرَةِ لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ فِي سَحَابَةٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ، إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا».\nوفيها: الرد على الجهمية، والمعتزلة الذين أنكروا رؤية الله ﷿.\nوالمعتزلة: فسروا الرؤية بالعلم (^١)، فقالوا: إن الرؤية في الحديث مثل الرؤية في قوله تعالى: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾، أي: ألم تعلم، وهذا تأويل فاسد؛ لأن الرؤية تأتي بمعنى العلم، وتأتي بمعنى الرؤية بالبصر، لكن لا بد من قرينة توضح ذلك.\nأما الأشاعرة: فأثبتوا الرؤية، لكن أنكروا الجهة، وقالوا بأن الله يرى لا في جهة (^٢)، أرادوا بهذا أن يكونوا مع أهل السنة من جهة كونه ﷾ يُرى، لكنهم نفوا الجهة حتى يكونوا مع المعتزلة، فصاروا مذبذبين، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، فعجزوا عن ذلك، فلجؤوا إلى حجج السفسطائية.\nوقولهم: يُرى لا في جهة، لا فوق ولا تحت، ولا أمام ولا خلف، ولا يمين ولا شمال، هذا غير معقول وغير متصوَّر؛ ولهذا أنكر عليهم جماهير\n_________\n(^١) الأربعين في أصول الدين، للرازي (ص ١٩٨).\n(^٢) منهاج السنة النبوية، لابن تيمية (٢/ ٣٢٦).","vol":"8","page":394},{"text":"العقلاء، وسخروا من قولهم، وقالوا: إن إثبات الرؤية من دون مقابلة لا معنى له، بل هو باطل عند جميع العقلاء.\nوقوله: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ، إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا»: لا تضارون، أي: لا يصيبكم ضرر، وفي اللفظ الآخر: «لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ» (^١)، أي: لا يصيبكم ضَيْم، وهو: الظُّلم أَو الإِذلال.\nوقوله: «أَيْ فُلْ»: نداء، أي: يا فلان، وهو ترخيم على غير قياس، والترخيم: حذف أواخر الأسماء المفردة تخفيفًا، ولا يكون إلا في النداء (^٢)، مثل قول امرئ القيس:\nأَفَاطِمُ مَهْلًا بَعْض هَذَا التَّدَلُّلِ ... وإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي (^٣)\nومثل قول النبي ﷺ: «يَا عَائِشُ» (^٤)، يعني: يا عائشة.\nوقال بعضهم: إنها لغة في «فلان».\nوفيها: دليل على أن الله تعالى يخاطب الإنسان بدون واسطة، ويدل على هذا قوله ﷺ- في الحديث الآخر-: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، وَلا حِجَابٌ يَحْجُبُهُ» (^٥).\nوقوله: «أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ؟»، أي: أجعلك سيدًا على غيرك.\nوقوله: «وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟»: ترأس، أي: تصير رئيسَ القوم وكبيرَهم، وتربع معناه: تأخذ المرباع، وهو ربع المال الذي كانت تأخذه ملوك الجاهلية من الغنيمة، وروي: «تَرْتَع» (^٦)، أي: تتنعم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣).\n(^٢) الكتاب، لسيبويه (٢/ ٢٣٩).\n(^٣) ديوان امرئ القيس (ص ٣٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٢٠١)، ومسلم (٢٤٤٧).\n(^٥) أخرجه البخاري (٧٤٤٣)، ومسلم (١٠١٦).\n(^٦) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ٥٢٠).","vol":"8","page":395},{"text":"وقوله: «أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟»: هذا تَعداد لنعم الله العظيمة.\nوقوله: «فَيَقُولُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي»، أي: هل عندك يقين وايمان بالبعث، والجزاء، والحساب؟ فيقول: لا، فيقول الله ﷿ له: اليوم أتركك في العذاب، وأعاملك معاملة المنسيِّ جزاءً وفاقًا، قال الله تعالى: ﴿فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون﴾.\nوالظن هنا بمعنى: اليقين، كما قال الله تعالى- في حق المؤمنين-: ﴿الذي يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون﴾ أي: يتيقنون.\nوفيمن يرى الله في الموقف ثلاثة أقوال:\nالأول: إن أهل الموقف يرون الله تعالى، مؤمنهم، وكافرهم، ثم يحتجب عن الكفرة.\nالثاني: لا يراه إلا المؤمنون، والمنافقون.\nالثالث: لا يراه إلا المؤمنون خاصة (^١).\nوهذا الحديث قد يُحْتَجُّ به على أن الكفار يرون الله تعالى، وتكون رؤيتهم له ﷾ عذابًا، قالوا: مثل رؤية السارق للقاضي، أو الأمير، ما تزيده إلا وبالًا.\nوقوله: «فَيَقُولُ: هَا هُنَا إِذًا، قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: الْآنَ نَبْعَثُ شَاهِدَنَا عَلَيْكَ»، يعني: قف هنا حتى تشهد عليك جوارحك؛ لأنك صرت منكِرًا، فيختم الله على لسانه فتتكلم الجوارح، ثم يخلى بينه وبينها.\nوقوله: «وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ وَلَحْمِهِ وَعِظَامِهِ: انْطِقِي، فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ، وَذَلِكَ لِيُعْذِرَ مِنْ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٦/ ٥٠٠ - ٥٠١).","vol":"8","page":396},{"text":"نَفْسِهِ، وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ، وَذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ اللَّهُ عَلَيْهِ»، يعني: أن الله تعالى يأذن لجوارح الإنسان أن تشهد عليه؛ حتى لا يكون له عذر، فيختم الله ﷿ على فِيه، ويقول لجوارحه: انطقي، فيتكلم الفخذ، واللحم، والعظام، والله تعالى على كل شيء قدير، قال تعالى: ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾، وكذلك الجلود تشهد عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾، فيقُلْنَ له: ﴿أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء﴾، فيقول: «بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ»، أي: عنكن كنت أجادل، ثم تشهدون عليَّ! وهذا كله لينقطع عذره أمام الله ﷿، وفي الحديث الآخر: «لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ ﷿، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٦٠).","vol":"8","page":397},{"text":"[١٠٥٥] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا».\n[خ: ٦٤٦٠]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا».\nوَفِي رِوَايَةِ عَمْرٍو: «اللَّهُمَّ ارْزُقْ»، وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ ذَكَرَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «كَفَافًا».\nفي هذا الحديث: بيان ما كان عليه النبي ﷺ من الزهد والرغبة في الآخرة.\nقوله: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا»، يعني: كفافًا وكفايةً، وقيل: المراد بالقوت: سد الرمق، لكن اللفظ الثاني: «كَفَافًا» فسر الأول، فهو أرجح. فالمراد: الكفاية والكفاف، وهو ما يقوت البدن ويكف عن الحاجة، ودعاء النبي ﷺ هذا فيه السلامة من آفات الغنى والفقر جميعًا، فالذي قوته كفافًا ليس فقيًرا؛ لأنه عنده ما يكفيه، وليس غنيًّا؛ لأنه ليس عنده زيادة عن الحاجة.\nوفي الحديث: دليل على فضل الكفاف، وأخذ البُلْغة من الدنيا، والرغبة في الآخرة.","vol":"8","page":398},{"text":"[٢٩٧٠] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ بُرٍّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ.\n[خ: ٥٤١٦]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا مِنْ خُبْزِ بُرٍّ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ فَوْقَ ثَلَاثٍ.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ خُبْزِ الْبُرِّ ثَلَاثًا حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ.\n\n[٢٩٧١] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَيْنِ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ، إِلَّا وَأَحَدُهُمَا تَمْرٌ.\n[خ: ٦٤٥٥]\nفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ ما شبع من خبز الشعير ثلاث ليال متوالية- فقد يشبع اليوم أو اليومين، أما الثلاثة فلا-؛ وذلك ليعظم الله له","vol":"8","page":399},{"text":"الأجر والثواب في الآخرة؛ لأنه أشرف الخلق، وأفضلهم ﵊؛ ولأن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، وثبت في الحديث: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» (^١).\nوقولها: «مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَيْنِ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ، إِلَّا وَأَحَدُهُمَا تَمْرٌ» وفي لفظ عند البخاري: «مَا أَكَلَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْلَتَيْنِ فِي يَوْمٍ إِلَّا إِحْدَاهُمَا تَمْرٌ» (^٢)، فلا يأكلون مرتين في اليوم إلا كانت إحداهما تمرًا، وحتى التمر كان فيه قلة، كما سيأتي.\n\n[٢٩٧٢] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: وَيَحْيَى بْنُ يَمَانٍ حَدَّثَنَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كُنَّا آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَنَمْكُثُ شَهْرًا مَا نَسْتَوْقِدُ بِنَارٍ، إِنْ هُوَ إِلَّا التَّمْرُ وَالْمَاءُ.\n[خ: ٢٥٦٧]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، إِنْ كُنَّا لَنَمْكُثُ- وَلَمْ يَذْكُرْ آلَ مُحَمَّدٍ- وَزَادَ أَبُو كُرَيْبٍ فِي حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ: إِلَّا أَنْ يَأْتِيَنَا اللُّحَيْمُ.\nفي هذا الحديث: بيان حال النبي ﷺ وما لاقاه من شظف العيش، فقد كان يأتي عليه الشهر ما يوقد في بيته نار، وإنما يعيشون على التمر والماء.\nقوله: «إِلَّا أَنْ يَأْتِيَنَا اللُّحَيْمُ»: اللحيم: تصغير لحم، يعني: أحيانًا كان يأتيه ﷺ شيء من اللحم، إما هدية، أو ما أشبه ذلك، وفي الرواية الأخرى الآتية: «وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ فَكَانُوا يُرْسِلُونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَلْبَانِهَا، فَيَسْقِينَاهُ» (^٣)، أي: شيء من اللبن يهدونه إلى النبي ﷺ.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٣٢٠)، وابن ماجه (٤١١٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٤٥٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٥٦٧)، ومسلم (٢٩٧٢).","vol":"8","page":400},{"text":"[٢٩٧٥] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا فِي رَفِّي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ.\n[خ: ٥٣٨٣]\nفي هذا الحديث: أن عائشة ﵂ كانت تأكل من شطر الشعير الذي تركه لها النبي ﷺ، ولم تعلم أن الله قد أنزل فيه البركة، فلما طال بها الأمد ولم ينفذ كالته لتعرف كم بقي، فلما كالته فني، وهذا- والله أعلم- كأنها لما تركته واثقة بالله ﷿ متوكلة عليه أنزل الله فيه البركة، فلما كالته وصارت تنظر هل بقي ما يكفينا رُفعت البركة ففني سريعًا.\nقال القاضي عياض ﵀: «وفي هذا: أنَّ البركة أكثر ما توجد في المجهولات والمبهمات، وأما ما حُصر بالعدد أو بالكيل فمعروف قدره، ولا يعارض هذا الكيل في إخراج النفقة؛ لما جاء: «كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ» (^١)، إذا بقي الأصل مجهولًا، بل في كيل ما يخرج البركة فى الباقي وحسن النظر، والإخراج عن الحزر والجزاف بسبب التبذير، وإخراج أكثر من الحاجة، وليس ذلك من تدبير المعيشة التي هي أحد اليسارين، وهذا معنى الحديث الآخر، ولا تعارض بينهما» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٢٨).\n(^٢) إكمال المعلم، للقاضي العياض (٨/ ٥٢٥).","vol":"8","page":401},{"text":"[٢٩٧٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: وَاللَّهِ- يَا ابْنَ أُخْتِي- إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَارٌ، قَالَ: قُلْتُ: يَا خَالَةُ، فَمَا كَانَ يُعَيِّشُكُمْ؟ قَالَتِ الْأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ جِيرَانٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، فَكَانُوا يُرْسِلُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَلْبَانِهَا فَيَسْقِينَاهُ.\nفي هذا الحديث: بيان ما كان عليه المصطفى ﷺ من الشدة والضيق في المعيشة، وهو أشرف الخلق على الإطلاق، فتمر ثلاثة أهلة وما يوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار، فمن أصابته شدة وضيق فليتذكر حالة النبي ﷺ؛ ففي ذلك تسلية له.\nوقولها ﵂: «الْأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ»: هذا من باب التغليب، وإلا فالماء ليس أسودَ، وهذا مثل قولهم: القمران، بتغليب القمر على الشمس، والأبوان، بتغليب الأب على الأم.\nوفي هذا الحديث: أن طعامهم كان التمر، والماء، إلا أنهم في بعض الأحيان كان يأتيهم شيء من اللبن هديةً من بعض جيرانهم الأنصار.","vol":"8","page":402},{"text":"[٢٩٧٤] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ. ح، وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: لَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا شَبِعَ مِنْ خُبْزٍ وَزَيْتٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ.\n\n[٢٩٧٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَكِّيُّ الْعَطَّارُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنِي مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَجَبِيُّ عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ شَبِعَ النَّاسُ مِنَ الْأَسْوَدَيْنِ: التَّمْرِ، وَالْمَاءِ.\nقولها: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ شَبِعَ النَّاسُ مِنَ الْأَسْوَدَيْنِ: التَّمْرِ، وَالْمَاءِ»: وذلك لما فُتحت خيبر، كما في الحديث الآخر: «لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ قُلْنَا: الآنَ نَشْبَعُ مِنَ التَّمْرِ» (^١).\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ شَبِعْنَا مِنَ الْأَسْوَدَيْنِ: الْمَاءِ، وَالتَّمْرِ.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيُّ. ح، وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمَا عَنْ سُفْيَانَ: وَمَا شَبِعْنَا مِنَ الْأَسْوَدَيْنِ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٢٤٢).","vol":"8","page":403},{"text":"قولها: «وَمَا شَبِعْنَا مِنَ الْأَسْوَدَيْنِ»: وفي الرواية التي قبلها: «وَقَدْ شَبِعْنَا مِنَ الْأَسْوَدَيْنِ»: توجيه الثانية: شبعنا من الأسودين لما فُتحت خيبر، وتوجيه الأولى: «وَمَا شَبِعْنَا مِنَ الْأَسْوَدَيْنِ»، يعني: أن أغلب الناس ما شبعوا، وإن كان بعضهم قد شبع.\n\n[٢٩٧٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ- يَعْنِيَانِ: الْفَزَارِيَّ- عَنْ يَزِيدَ- وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، وقَالَ ابْنُ عَبَّادٍ: وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، مَا أَشْبَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا مِنْ خُبْزِ حِنْطَةٍ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا.\n[خ: ٥٣٧٤]\nحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ مِرَارًا، يَقُولُ: وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، مَا شَبِعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا مِنْ خُبْزِ حِنْطَةٍ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا.\n\n[٢٩٧٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: أَلَسْتُمْ فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلَأُ بِهِ بَطْنَهُ، وَقُتَيْبَةُ لَمْ يَذْكُرْ بِهِ.\nقوله: «وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلَأُ بِهِ بَطْنَهُ»: الدقل: التمر الرديء، أي: ما يجد ما يملأ به بطنه من التمر الرديء.","vol":"8","page":404},{"text":"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. ح، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُلَائِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، كِلَاهُمَا عَنْ سِمَاكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ: وَمَا تَرْضَوْنَ دُونَ أَلْوَانِ التَّمْرِ وَالزُّبْدِ.\nفي هذا الحديث: بيان ما كان عليه النبي ﷺ من الزهد وشظف العيش، فيخبر النعمان بن بشير ﵁ أنه في آخر حياته بعد وفاة النبي ﷺ قد تغيرت الأمور، فقال: أنتم الآن لا ترضون إلا بالتمر الجيد مع الزبد، والرسول ﷺ في حياته لم يجد ما يملأ به بطنه من التمر الرديء، وهذا يقوله النعمان في زمانه زمن التابعين، فكيف بأوضاع زماننا هذا؟ !\n\n[٢٩٧٨] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ يَخْطُبُ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ مَا أَصَابَ النَّاسُ مِنَ الدُّنْيَا، فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَظَلُّ الْيَوْمَ يَلْتَوِي مَا يَجِدُ دَقَلًا يَمْلَأُ بِهِ بَطْنَهُ.\nقوله: «يَلْتَوِي»، أي: يتثنى من الجوع.\nقال ابن الجوزي ﵀: «وإنما جرى هذا على رسول الله ﷺ لثلاثة أشياء:\nأحدها: أن البلاء يلصق بالأقوياء، ومنه: حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: «قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ، فَالْأَمْثَلُ مِنَ النَّاسِ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلابَةٌ زِيدَ فِي بَلائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ، وَمَا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى","vol":"8","page":405},{"text":"يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ لَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» (^١).\nوالثاني: ليتأسى به الفقراء، فيطيب عيشهم.\nوالثالث: ليكون ذلك أقوى دليلٍ على صدقه فيما جاء به؛ لأنه لولا الصدق لطلب الدنيا، فصبره على الفقر من أقوى أدلة صدقه» (^٢).\n\n[٢٩٧٩] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ، سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَلَسْنَا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ، قَالَ: فَإِنَّ لِي خَادِمًا، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ.\nقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَجَاءَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَأَنَا عِنْدَهُ، فَقَالُوا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ: إِنَّا وَاللَّهِ مَا نَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، لَا نَفَقَةٍ، وَلَا دَابَّةٍ، وَلَا مَتَاعٍ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا شِئْتُمْ، إِنْ شِئْتُمْ رَجَعْتُمْ إِلَيْنَا فَأَعْطَيْنَاكُمْ مَا يَسَّرَ اللَّهُ لَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ ذَكَرْنَا أَمْرَكُمْ لِلسُّلْطَانِ، وَإِنْ شِئْتُمْ صَبَرْتُمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الْأَغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا» قَالُوا: فَإِنَّا نَصْبِرُ، لَا نَسْأَلُ شَيْئًا.\nقوله: «أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ»؛ لأن من كانت له امرأة سلم من شدة العزوبة، ومن كان له مسكن سلم من مؤونة السكن، والبحث عنه.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٤٨١)، والدارمي (٢٧٨٣)، وابن حبان (٢٩٠٠، ٢٩٢١).\n(^٢) كشف المشكل، لابن الجوزي (١/ ١٤٩).","vol":"8","page":406},{"text":"وقوله: «فَإِنَّ لِي خَادِمًا، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ»، يعني: شاركتَ الملوك في الخدم.\nوقوله: «إِنْ شِئْتُمْ رَجَعْتُمْ إِلَيْنَا، فَأَعْطَيْنَاكُمْ مَا يَسَّرَ اللَّهُ لَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ ذَكَرْنَا أَمْرَكُمْ لِلسُّلْطَانِ، وَإِنْ شِئْتُمْ صَبَرْتُمْ»: هكذا ينبغي للإنسان أن يتعامل مع من جاءه يشتكي الحاجة، بأن يخيره بين واحدة من أمور ثلاثة:\nإما يعده أن يأتي مرة أخرى فيعطيه ما يسره الله.\nوإما أن يذكر أمره لأحد الأغنياء، أو السلطان؛ حتى يعطى ما يسد حاجته.\nوإما أن يأمره بالصبر والتحمل، وبذل الأسباب في طلب الرزق.\nوقوله: «إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الْأَغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا»، أي: أربعين سنة، وفي الحديث الآخر قوله ﷺ: «يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ، نِصْفِ يَوْمٍ» (^١)، وهو نصف يوم من أيام الآخرة، وفي هذا الحديث: أنهم يسبقونهم بأربعين خريفًا، قال الأُبِّي ﵀: «قال القرطبي صاحب المفهم: اختلفت الأحاديث في المراد بهؤلاء الفقراء، وفي قدر التفاوت، وفي حديث عبد الله هذا أنهم فقراء المهاجرين، وأن القدر أربعون خريفًا، وفي الترمذي: أنهم فقراء المهاجرين، إلا أن القدر خمسمائة عام، وقال فيه: حديث حسن غريب، وفيه- أيضًا-: «يَدْخُلُ الفُقَرَاءُ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَهُوَ نِصْفُ يَوْمٍ»، وقال فيه: حديث حسن صحيح، وفيه حديث: «يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ» (^٢)،\nوقال فيه- أيضًا-: حديث حسن صحيح، فاختلفت هذه الأحاديث في موضعين من الفقراء الذين يسبقون، وفي قدر السبقية، ويرتفع الخلاف على الأول بأن يُرَدَّ حديث: «يَدْخُلُ الفُقَرَاءُ» إلى حديث:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٠٩٥٤)، والترمذي (٢٣٥٣).\n(^٢) أخرجه أحمد (٨٥٢١)، والترمذي (٢٣٥٤)، وابن ماجه (٤١٢٢) ..","vol":"8","page":407},{"text":"«فُقَرَاء المُسْلِمِينَ»؛ لقاعدة: رد المطلق إلى المقيد، ويبقى حديث فقراء المهاجرين على ما هو عليه، ويخرج من ذلك: أن فقراء كل قرن يدخلون الجنة قبل أغنيائهم، وأما الموضع الثاني وهو الاختلاف في القدر؛ فالمراد بالخريف: السنة، ويمكن الجمع بين الأربعين وحديث خمسمائة بأن سُبَّاق الفقراء يسبقون سُبَّاق الأغنياء بأربعين عامًا، وفي غير سباق الأغنياء بخمسمائة عام؛ إذ في كل صنف من الفريقين سباق» (^١).\nوقد اختلف العلماء في أيهما أفضل: الفقير الصابر، أم الغني الشاكر؟ على ثلاثة أقوال:\nقيل: الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر.\nوقيل: الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر.\nوقيل: هما سواء.\nوالراجح: أن الغني الشاكر أفضل؛ لأن نفعه متعدٍّ، بخلاف الفقير الصابر فإن نفعه خاص بنفسه.\nوفي هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يشكر نعمة الله عليه، وأن ينظر إلى من هو دونه في الدنيا في المال، والخَلق، كما سبق في الحديث: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ» (^٢).\n_________\n(^١) إكمال إكمال المعلم، للأبي (٧/ ٢٩٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٦٣).","vol":"8","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1369>بَاب لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ</span>\n\n[٢٩٨٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جميعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِ الْحِجْرِ: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ؛ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ».\n[خ: ٤٣٣]\nحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ- وَهُوَ يَذْكُرُ الْحِجْرَ مَسَاكِنَ ثَمُودَ- قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: مَرَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْحِجْرِ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ؛ حَذَرًا أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ، ثُمَّ زَجَرَ فَأَسْرَعَ حَتَّى خَلَّفَهَا».\n\n[٢٩٨١] حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْحِجْرِ- أَرْضِ ثَمُودَ- فَاسْتَقَوْا مِنْ آبَارِهَا، وَعَجَنُوا بِهِ الْعَجِينَ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا، وَيَعْلِفُوا الْإِبِلَ الْعَجِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ.\n[خ: ٣٣٧٩]\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَاسْتَقَوْا مِنْ بِئَارِهَا، وَاعْتَجَنُوا بِهِ.","vol":"8","page":409},{"text":"قوله: «مِنْ بِئَارِهَا»: هذا هو أصل الكلمة قبل القلب المكاني، أي: بتقديم الهمزة على الباء، ويجوز: «مِنْ آبَارِهَا»: على القلب، كما في الرواية الأخرى.\nوفي هذه الأحاديث: دليل على تحريم دخول مساكن ثمود المعذَّبين إلا أن يكون الداخل باكيًا؛ لئلا يصيبه ما أصابهم، وكذلك جميع ديار المعذَّبين؛ ولذلك لما دفع النبي ﷺ في حجة الوداع من مزدلفة إلى مِنًى، وأتى قرب مِنًى أسرع في رمية حجر، فقيل: كان سبب إسراعه أن هذا المكان هو الذي عُذِّب فيه أصحاب الفيل، وقيل: ليس هذا المكان، وإنما مكان آخر.\nوفيها: أنهم لما استقوا من آبار ديار ثمود وعجنوا من مائها الدقيق أمرهم النبي ﷺ أن يريقوا الماء، وأن يعلفوا العجين للإبل، وهذا يدل على أنه لا يجوز الاستقاء من مائها ولا الطبخ، ولا العجن به.\nمسألة: إذا توضأ من ماء آبار ديار ثمود وصلى في أرضها، فما حكم الوضوء، والصلاة؟\nاختلف العلماء في حكمهما على قولين:\nالأول: للجمهور، وهو أنه إذا توضأ من ماء ديار ثمود وصلى في أرضها صح الوضوء والصلاة مع الإثم (^١)؛ لأن الوضوء اجتمع فيه مُوجِب الثواب ومُوجِب العقاب، فهو مثاب على الوضوء، وآثم لكونه توضأ من ماء منهي عن الوضوء به، وكذلك إذا صلى فيها فهو مثاب على الصلاة، وآثم؛ لكونه صلى في أرض منهي عن الصلاة فيها، وهذا كما لو صلى في أرض مغصوبة، أو توضأ بماء مغصوب، فالنهي ليس لذات المنهي عنه، وإنما هو لمعنى خارج عن المنهي عنه.\nالثاني: أن الصلاة باطلة، والوضوء لا يصح، وهذا هو مشهور مذهب\n_________\n(^١) حاشية الدر المختار، لابن عابدين (١/ ١٣١ - ١٣٣)، النجم الوهاج، للدميري (١/ ٢٣٣).","vol":"8","page":410},{"text":"الحنابلة (^١).\nوالراجح: الأول، وهو أن الصلاة صحيحة مع الإثم، والوضوء صحيح مع الإثم؛ لِما سبق بيانه.\n_________\n(^١) مواهب الجليل، للحطاب (١/ ٤٩)، كشاف القناع، للبهوتي (١/ ٤٦)، الإنصاف، للمرداوي (١/ ٢٨).","vol":"8","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1370>بَابُ الْإِحْسَانِ إِلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ وَالْيَتِيمِ</span>.\n\n[٢٩٨٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، وَأَحْسِبُهُ قَالَ: «وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ».\n[خ: ٥٣٥٣]\nقوله: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ»: هو الذي يعمل ويكتسب، وينفق عليهما، ويعتني بهما، ويقوم على شؤونهما.\nوقوله: «الْأَرْمَلَةِ»: هي: التي لا زوج لها، أو من فقدت زوجها، «وَالْمِسْكِينِ»: هو: الفقير الذين أسكنته الحاجة والفقر.\nوفي هذا الحديث: بيانُ فضل الساعي على الأرملة، والمسكين، وأنه كالمجاهد في سبيل الله، والقائم والصائم في الفضل والأجر.\n\n[٢٩٨٣] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْغَيْثِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَافِلُ الْيَتِيمِ- لَهُ، أَوْ لِغَيْرِهِ- أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ»، وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى.\nقوله: «كَافِلُ الْيَتِيمِ»: هو الذي يقوم بالنفقة على اليتيم، وكسوته، وتربيته، وتأديبه وتعليمه عنده في البيت، وغير ذلك، أما ما يسمى الآن بالمؤسسات الخيرية بكفالة اليتيم، فهذه نفقةٌ فيها الأجرُ والفضل، لكنها ليست كفالة؛ لأن الكفالة لا بد لها من أمرين:","vol":"8","page":412},{"text":"الأول: النفقة.\nوالثاني: التربية.\nوقوله: «كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ»، يعني: من أقاربه كجده، أو أخيه، أو ابن عمه، وقوله: «أَوْ لِغَيْرِهِ»، أي: ولو كان بعيدًا، فله هذا الفضل.\nوقوله ﷺ: «أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ»، يعني: يكون مجاورًا للنبي ﷺ في الجنة، وهذا فضل عظيم، «وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى».","vol":"8","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1371>بَابُ فَضْلِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ</span>\n\n[٥٣٣] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو- وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ الْخَوْلَانِيَّ، يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ ﷺ: إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا»، قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: «يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ»، وَفِي رِوَايَةِ هَارُونَ: «بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ».\n[خ: ٤٥٠]\nحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، كِلَاهُمَا عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَرَادَ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ، فَكَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ، وَأَحَبُّوا أَنْ يَدَعَهُ عَلَى هَيْئَتِهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَهُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ، كلاهما عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمَا: «بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ».\nفي هذه الأحاديث: فضل من بنى لله مسجدًا، وأن الله تعالى يبني له مثله في الجنة، بشرطين:\nالأول: أن يكون مؤمنًا بالله ورسوله.\nالثاني: أن يبتغي بذلك وجه الله ﷿.\nفإذا لم يكن الباني مؤمنا، أو بنى رياء وسمعة، فلا ثواب له في الآخرة،","vol":"8","page":414},{"text":"وإنما يأخذ جزاءه في الدنيا.\nوفيها: دليل على أن هذا الفضل يحصل لمن بناه، وأسسه، ولمن جدده، بأن وسَّع ورمَّم- أيضًا- كما فَهم ذلك أمير المؤمنين عثمان ﵁، أما دهن جدران المسجد وزخرفته فلا يسمى بناءً.\nومعنى هذه الأحاديث: أن أمير المؤمنين عثمان ﵁ لما أراد أن يجدد مسجد النبي ﷺ كأن الناس كرهوا ذلك، فقالوا له: لو تركته على ما كان عليه في عهد النبي ﷺ، وعهد أبي بكر ﵁، وعمر ﵁، فقال: «إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا»، قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: «يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ»، فكأن عثمان ﵁ بذكره لهذا الحديث يريد أن يقول: وأنا أريد هذا الفضل.\nوعمارة المسجد نوعان:\nالأول: عمارة حسية، وذلك بالبناء.\nالثاني: عمارة معنوية، وذلك بالعمل الصالح.","vol":"8","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1372>بَابُ الصَّدَقَةِ فِي الْمَسَاكِينِ</span>\n\n[٢٩٨٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ، لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ، يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، لِاسْمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا، فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَأَجْعَلُ ثُلُثَهُ فِي الْمَسَاكِينِ، وَالسَّائِلِينَ، وَابْنِ السَّبِيلِ».\nقوله: «اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ» قال القاضي عياض: «الحديقة: أرض ذات شجر، والحديقة: كل روضة أحدق بها حاجز، قالوا: وأصله كل ما أحاط به البناء فسميت به البساتين، والحديقة- أيضًا-: القطعة من النخل، وهو مراد الحديث، والله أعلم» (^١).\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ٥٣٤).","vol":"8","page":416},{"text":"قوله: «فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ»، أي: قصد (^١).\nوفي هذا الحديث: فضل هذا العمل، بأن يقسَّم المال إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: يأكله هو وأولاده.\nالثاني: يتصدق به وينفقه في المشاريع الخيرية.\nالثالث: يرده في مزرعته إن كانت له مزرعة، أو يجعله رأس مال في مهنة، أو في صناعة، أو غير ذلك.\n_________\n(^١) النهاية، لابن الأثير (٥/ ٣٠).","vol":"8","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1373>بَابُ مَنْ أَشْرَكَ فِي عَمَلِهِ غَيْرَ اللَّهِ</span>\n\n[٢٩٨٥] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَالَ اللَّهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ».\nفي هذا الحديث: وعيد شديد على الرياء.\nوفيه: دليل على أن الشرك الأكبر يُحبط الأعمال كلها، ويُخرج من الملة، ولا يغفره الله، ويوجب الخلود في النار، وأما الشرك الأصغر كالرياء فإنه يحبط العمل الذي خالطه فقط، لكن الأعمال الأخرى لا تَبطل، ولا يخرج صاحبه من الملة، ولا يخلد في النار، وقد اختُلف قولين:\nالأول: أنه يدخل تحت الموازنة بين السيئات والحسنات، فإن رجحت السيئات عُذِّب به، ثم يخرج، وإن رجحت الحسنات أسقط من الحسنات ما يقابل هذا الرياء.\nوالثاني: أن حكمه حكم الكبائر، فهو تحت مشيئة الله.\nولكن ظاهر الآية: أنه لا يُغفر، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فالاية تشمل الشرك الأكبر، والشرك الأصغر، لكن الشرك الأكبر يخلد صاحبه في النار، والشرك الأصغر لا يخلد صاحبه في النار.","vol":"8","page":418},{"text":"[٢٩٨٦] حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ».\n\n[٢٩٨٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبًا الْعَلَقِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعِ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَاءِ يُرَاءِ اللَّهُ بِهِ».\n[خ: ٦٤٩٩]\nوَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْمُلَائِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ: وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا غَيْرَهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الوَلِيدِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ سَعِيدٌ: أَظُنُّهُ قَالَ: ابْنُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبًا، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرَهُ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الصَّدُوقُ الْأَمِينُ الْوَلِيدُ بْنُ حَرْبٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nقوله: «مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعِ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَاءِ يُرَاءِ اللَّهُ بِهِ»: التسميع يكون في الأقوال كالقراءة، والوعظ، والمراءاة تكون في الأعمال كالصلاة، والصدقة.\nوفي هذا الحديث: وعيد شديد على الرياء، والتسميع، وأن الله تعالى يفضح صاحبه يوم القيامة، فمن يراءِ يراءِ الله به يوم القيامة، ومن يُسمِّعْ يُسمِّعِ الله به يوم القيامة؛ لأن الجزاء من جنس العمل.","vol":"8","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1374>بَابُ التَّكَلُّمِ بِالْكَلِمَةِ يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ</span>\n\n[٢٩٨٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُضَرَ- عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ يَنْزِلُ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ».\n[خ: ٦٤٧٧]\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ».\nقوله: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ»: وذلك لأن هذه الكلمة قد تكون سخرية بالله تعالى، أو بكتابه، أو برسوله ﷺ، أو بدينه، أو ردة عن الإسلام، أو غيبة، أو نميمة، أو مداهنة يتكلم بها عند سلطان، أو أمير، أو وزير، أو يتسبب في إيذاء أخيه المسلم، فالواجب على الإنسان الحذر؛ لأن خطر اللسان عظيم.\nوفي المقابل جاء في الحديث: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ» (^١) وذلك كأن يتكلم بكلمة التوحيد عن إخلاص وصدق، أو يتكلم بكلمة يذب بها عن أخيه المسلم، أو غير ذلك.\nوفي هذا الحديث: بيان خطر اللسان، وأنه ينبغي للإنسان أن يحفظ لسانه إلا عن الخير والأمور المباحة، كما قال النبي ﷺ: «ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٧٨).","vol":"8","page":420},{"text":"وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ» (^١).\nوفيه: الوعيد الشديد على من تكلم بالكلمة من كلام السوء لا يلقي لها بالًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧).","vol":"8","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1375>بَابُ عُقُوبَةِ مَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَفْعَلُهُ، وَيَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ وَيَفْعَلُهُ</span>\n\n[٢٩٨٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ؟ فَقَالَ: أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ، وَاللَّهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ، وَلَا أَقُولُ لِأَحَدٍ- يَكُونُ عَلَيَّ أَمِيرًا-: إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ، بَعْدَ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ، فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ، مَا لَكَ، أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ؟ ! فَيَقُولُ: بَلَى، قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيهِ».\n[خ: ٣٢٦٧]\nحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ فِيمَا يَصْنَعُ؟، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ.\nفي هذا الحديث: النصيحة لولاة الأمور، وأنها تكون سرًّا؛ لأن هذا أدعى إلى القبول، ولا تكون علنًا؛ لأنها إذا كانت كذلك صارت سببًا في تأليب الناس على ولاة الأمور؛ لهذا لما قيل لأسامة ﵁: «أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ؟»، أي: تنصحه، فَقَالَ: «أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ، وَاللَّهِ","vol":"8","page":422},{"text":"لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، مَا دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ»، أي: لقد نصحته بيني وبينه، ولا أريد أن أكون أول من يفتح باب شر على المسلمين.\nوفيه: دليل على أنه لا يخرج على ولاة الأمور بالمعاصي، وإنما الواجب الصبر على جورهم وظلمهم، كما جاء في قوله ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» (^١)، والخروج على الولاة بالمعاصي هو مذهب الخوارج، والمعتزلة، والرافضة.\nوفيه: دليل على أن الأمير قد يقول شيئًا، ويفعل خلافه؛ ولهذا قال: «وَلَا أَقُولُ لِأَحَدٍ- يَكُونُ عَلَيَّ أَمِيرًا-: إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ، بَعْدَ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ»، أي: أمعاؤه- والعياذ بالله- «فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ، مَا لَكَ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ؟ ! فَيَقُولُ: بَلَى، قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيهِ!».\nوفيه: دليل على أن أهل النار يسأل بعضهم بعضًا مع ما هم فيه من الشر والبلاء والعذاب.\nوفيه: دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله، بل يجب عليه إذا أمر بالمعروف أن يكون أولَ من يفعله، وإذا نهى عن المنكر أن يكون أولَ من ينتهي عنه.\nوفيه: أن كون الإنسان يأمر بالمعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه من أسباب دخول النار، وقد نعى الله على اليهود كونَهم يأمرون بالخير ولا يفعلونه بأنفسهم، فقال تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٠٥٤)، ومسلم (١٨٤٩).","vol":"8","page":423},{"text":"الكتاب أفلا تعقلون﴾، وقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾، والمقت: أشد البغض، فمن يقول شيئًا ولا يفعله فهو ممقوت، وقال الله تعالى- عن نبيه شعيب ﵇-: ﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت﴾، وقال الشاعر الحكيم:\nلَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِي مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ (^١)\nومع ذلك فإن الإنسان عليه واجبان: واجب الأمر بالمعروف، وواجب العمل به، وواجب النهي عن المنكر، وواجب تركه، ولا يسقط أحدهما بسقوط الآخر، فإذا كان الإنسان لا يفعل المعروف، فلا يسقط عنه الأمر به، وإذا فعل المنكر فلا يسقط عنه النهي عنه.\nوقوله: «مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ فِيمَا يَصْنَعُ؟»؛ وذلك لأن عثمان ﵁ فعل أشياء في آخر خلافته اجتهادًا منه بما رأى أن فيه مصلحة، وخالفه فيها بعضُ الصحابة ﵃.\n_________\n(^١) ديوان أبي الأسود الدؤلي (ص ٤٠٤).","vol":"8","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1376>بَابُ النَّهْيِ عَنْ هَتْكِ الْإِنْسَانِ سِتْرَ نَفْسِهِ</span>\n\n[٢٩٩٠] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ: حَدَّثَنِي، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: قَالَ سَالِمٌ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَاةٌ إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْإِجْهَارِ: أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحُ قَدْ سَتَرَهُ رَبُّهُ، فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ، قَدْ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، فَيَبِيتُ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ».\nقَالَ زُهَيْرٌ: «وَإِنَّ مِنَ الْهِجَارِ».\n[خ: ٦٠٦٩]\nقوله: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَاةٌ»: مراعاة لمعنى «كُلُّ»، وفي اللفظ الآخر: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى» (^١): مراعاة للفظها.\nوالمعنى: أن المتستر بالمعصية في عافية؛ لأنه يستحيي ولا ينشر المعصية بين الناس، فلا يقتدي به أحد، وأما الذي يجاهر بالمعصية فهذا ليس من أهل العافية، بل هو من أهل الفضيحة، ويجب أن يعاقَب عقوبة وشيكة؛ حيث إنه أعلن فسقه ومعصيته، واقتدى به السفهاء، ونشر الباطل.\nوقوله: «وَإِنَّ مِنَ الْهِجَارِ»: الهجار: يطلق على الفحش والخنا، قال النووي ﵀: «قوله: «وَإِنَّ مِنَ الْإِجْهَارِ»: كذا هو فى جميع النسخ إلا نسخة ابن ماهان ففيها: «وَإِنَّ مِنَ الْجِهَارِ»، وهما صحيحان، الأول: من أجهر، والثاني: من جهر، وأما قول مسلم: قَالَ زُهَيْرٌ: «وَإِنَّ مِنَ الْهِجَارِ»: بتقديم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٦٩).","vol":"8","page":425},{"text":"الهاء فقيل: إنه خلاف الصواب، وليس كذلك، بل هو صحيح ويكون الهجار لغة في الإهجار الذي هو الفحش والخنا والكلام الذي لا ينبغي، ويقال في هذا: أهجر إذا أتى به، كذا ذكره الجوهري وغيره» (^١).\nوفي هذا الحديث: دليل على أن المعلن بالمعاصي والفسق ليس من أهل العافية؛ لأن أهل العافية هم الذين يستترون.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ١١٩).","vol":"8","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1377>بَابُ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَكَرَاهَةِ التَّثَاؤُبِ</span>\n\n[٢٩٩١] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ- وَهُوَ ابْنُ غِيَاثٍ- عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: عَطَسَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلَانِ، فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا، وَلَمْ يُشَمِّتِ الْآخَرَ، فَقَالَ الَّذِي لَمْ يُشَمِّتْهُ: عَطَسَ فُلَانٌ فَشَمَّتَّهُ، وَعَطَسْتُ أَنَا فَلَمْ تُشَمِّتْنِي؟ قَالَ: «إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ، وَإِنَّكَ لَمْ تَحْمَدِ اللَّهَ».\n[خ: ٦٢٢١]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ- يَعْنِي: الْأَحْمَرَ- عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\n\n[٢٩٩٢] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى- وَهُوَ فِي بَيْتِ بِنْتِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ- فَعَطَسْتُ فَلَمْ يُشَمِّتْنِي، وَعَطَسَتْ فَشَمَّتَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى أُمِّي، فَأَخْبَرْتُهَا، فَلَمَّا جَاءَهَا قَالَتْ: عَطَسَ عِنْدَكَ ابْنِي فَلَمْ تُشَمِّتْهُ، وَعَطَسَتْ فَشَمَّتَّهَا، فَقَالَ: إِنَّ ابْنَكِ عَطَسَ فَلَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ فَلَمْ أُشَمِّتْهُ، وَعَطَسَتْ فَحَمِدَتِ اللَّهَ، فَشَمَّتُّهَا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ، فَشَمِّتُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ فَلَا تُشَمِّتُوهُ».\n\n[٢٩٩٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ- وَعَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَهُ-، فَقَالَ لَهُ: «يَرْحَمُكَ اللَّهُ»، ثُمَّ عَطَسَ أُخْرَى، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الرَّجُلُ مَزْكُومٌ».","vol":"8","page":427},{"text":"في هذه الأحاديث: دليل على مشروعية تشميت العاطس إذا حمد الله، وأنه إذا لم يحمد الله فلا يشمَّت؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ، وَإِنَّكَ لَمْ تَحْمَدِ اللَّهَ».\nوفيها: دليل على أن من لم يحمد الله إذا عطس فلا يشمَّت؛ تعزيرًا له، ولعله يسأل فيستفيد بسبب ذلك.\nوقد اختلف العلماء فى حكم تشميت العاطس- بعد إجماعهم على أن تشميته إذا حمد الله مشروع (^١) - على ثلاثة أقوال:\nالأول: ذهبت بعض الظاهرية إلى أن تشميت العاطس فرض-كما نقل ذلك ابن عابدين- على كل من يسمع حمده (^٢)، وذكره ابن الْمُزَيِّن من المالكية (^٣)، ويقال: إن أبا داود صاحب السنن يرى هذا القول؛ ولهذا لما سمع رجلًا عطس، وهو في الساحل قُرب البحر، وحمد الله، ذهب واستأجر قاربًا، وركب حتى وصل إليه وشمَّته (^٤)، فدل على أنه يرى أن تشميت العاطس واجب.\nالثاني: أنه مستحب (^٥).\nالثالث: أن تشميت العاطس فرض كفاية، كردِّ السلام، فإذا شمته البعض كفى (^٦) وسقط عن الباقين، وإلى هذا ذهب الإمام مالك ﵀ في المشهور عنه (^٧)، وهو الراجح، كرد السلام.\n_________\n(^١) الإقناع، لابن القطان (٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩).\n(^٢) حاشية ابن عابدين، لابن عابدين (٦/ ٤١٤).\n(^٣) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ٥٤١)، الأذكار للنووي، للنووي (ص ٢٧١)، زاد المعاد، لابن القيم (٢/ ٣٩٧).\n(^٤) فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٦١٠).\n(^٥) فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٦٠٣).\n(^٦) الأذكار، للنووي (ص ٢٧١).\n(^٧) الشرح الصغير، للدردير (٤/ ٧٦٤).","vol":"8","page":428},{"text":"وقد اختُلف في صيغة الحمد، وصيغة التشميت، وصيغة رد العاطس على الْمُشمِّت، قال النووي ﵀: «قال القاضي: واختلف العلماء في كيفية الحمد والرد، واختلفت فيه الآثار، فقيل: يقول: الحمد لله، وقيل: الحمد لله ربِّ العالمين، وقيل: الحمد لله على كل حال، وقال ابن جرير: هو مخير بين هذا كله، وهذا هو الصحيح، وأجمعوا على أنه مأمور بالحمد لله، وأما لفظ التشميت، فقيل: يقول: يرحمك الله، وقيل: يقول: الحمد لله، يرحمك الله، وقيل: يقول: يرحمنا الله وإياكم، قال: واختلفوا في رد العاطس على المشمت، فقيل: يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم، وقيل: يقول: يغفر الله لنا ولكم، وقال مالك والشافعي: يخير بين هذين، وهذا هو الصواب، وقد صحت الأحاديث بهما، قال: ولو تكرر العطاس، قال مالك: يشمته ثلاثًا، ثم يسكت» (^١).\nوظاهر الأحاديث: أنه لو تكرر العطاس ثلاثًا، وحمد الله- يشمته، وقال بعض العلماء: إنه يقتصر على ثلاث؛ لأن العاطس يكون مزكومًا، ويدعو له بالعافية، وجاء هذا في أحاديث ضعيفة، وفيها حديث لا بأس به، ذكره أبو داود في سننه، ولفظه: «تُشَمِّتُ الْعَاطِسَ ثَلَاثًا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُشَمِّتَهُ فَشَمِّتْهُ، وَإِنْ شِئْتَ فَكُفَّ» (^٢).\nقال الأُبِّي ﵀: «قوله: «ثُمَّ عَطَسَ أُخْرَى، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الرَّجُلُ مَزْكُومٌ» قال النووي: يعني: أنك لست ممن يشمَّت بعد هذا؛ لأن هذا الذي بك مرض، فإن قيل: إذا كان مريضًا فكان الأولى أن يُدعى له؛ لأنه أحق بالدعاء من غيره، فالجواب: أنه يستحب أن يدعى له بالعافية، لا بدعاء العاطس. قلت: مذهب مالك: مَن تكرر منه العطاس أن يشمته ثلاثًا، ثم يمسك؛ لحديث أبي داود: «شَمِّتْ أَخَاكَ ثَلَاثًا، فَإِنْ زَادَ فَهُوَ مَزْكُومٌ»، ووقع في\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ١٢٠ - ١٢١).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٥٠٣٦)، والترمذي (٢٧٤٤).","vol":"8","page":429},{"text":"الموطأ على الشك، قال: لا أدري أفي الثانية، أو في الثالثة؟ وحديث أبي داود هذا يرفع الشك، وأما حديث مسلم هذا فلم يذكر فيه أنه تكرر، وظاهره: أنه متى عرف أن العاطس مزكوم، أو تكرر فلا يشمته، ولعل الراوي لم يحضر إلا بعد الثالثة، أو لم يجعل باله إلا حينئذٍ» (^١).\n\n[٢٩٩٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ العَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ».\n[خ: ٣٢٨٩]\n\n[٢٩٩٥] حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنًا لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يُحَدِّثُ أَبِي عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ».\nحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ».\nحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ».\nوَحَدَّثَنَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ، وَعَنِ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِ حَدِيثِ بِشْرٍ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ.\n_________\n(^١) إكمال إكمال المعلم، للأبي (٧/ ٣٠١).","vol":"8","page":430},{"text":"في هذا الحديث: أن التثاؤب من الشيطان، ومجموع ما ورد من النصوص حول التثاؤب: أنه يشرع للإنسان إذا تثاءب ثلاثة أمور:\nالأول: أن يكتم ما استطاع.\nالثاني: أن يجعل يده على فمه، سواء يده اليسرى، أو اليمنى؛ لأن النبي ﷺ لم يحدد ذلك.\nالثالث: ألا يقول شيئًا، فلا يقول: «ها» ولا يتكلم بقراءة ولا غيرها، وثبت في الحديث: «التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَالَ: هَا، ضَحِكَ الشَّيْطَانُ» (^١).\nقال القاضي عياض ﵀: «وقوله: «فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ»، قال الإمام المازري: قال ابن عرفة- فى قوله: ﴿والكاظمين الغيظ﴾ -: الكاظم: الممسك على ما في قلبه، وأصله: في الكظم للبعير، وهو أن يردد فى حلقه، وكظم فلان غيظه: إذا تجرعه، وكظم خصمه: إذا أجابه بالمسكت فأفحمه، وكظَّه كذلك- أيضًا.\nقال القاضى: أمر النبى ﷺ بكظم التثاؤب ورده، ووضع اليد على الفم؛ لئلَّا يبلِّغَ الشيطانَ العدوَّ أملَه فى المسلم بكل ما يسوءه، ويكره منه، من تشويه صورته، ودخوله فى فمه، وضحكه منه، وتفله فيه؛ ولهذا- والله أعلم- أمر المتثائب بالتفل؛ لطرح ما عسى أن يكون ألقاه الشيطان فى فيه، أو لما مسه من ريقه إن كان دخل» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٨٩).\n(^٢) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ٥٤٤).","vol":"8","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1378>بَابٌ فِي أَحَادِيثَ مُتَفَرِّقَةٍ</span>\n\n[٢٩٩٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ».\nقوله: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ»: المارج: اللهب المختلط بسواد النار.\nوقوله: «وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ»، يعني: من طين؛ ولهذا فإن إبليس لما أمره الله بالسجود مع الملائكة قال: ﴿أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾، والنار- في زعمه- خير من الطين وأفضل، فكيف يسجد الفاضل للمفضول؟ ! وهذا اعتراض على أمر الله تعالى بقياس فاسد، وأول من قاس قياسًا فاسدًا هو إبليس.","vol":"8","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1379>بَابٌ فِي الْفَأْرِ، وَأَنَّهُ مَسْخٌ</span>\n\n[٢٩٩٧] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرزِّيُّ، جميعًا عَنِ الثَّقَفِيِّ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ، وَلَا أُرَاهَا إِلَّا الْفَأْرَ، أَلَا تَرَوْنَهَا إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الْإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْهُ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْهُ»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ كَعْبًا، فَقَالَ: آنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قُلْتُ: نَعَمْ- قَالَ ذَلِكَ مِرَارًا- قُلْتُ: أَأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ؟ ! وقَالَ إِسْحَاقُ فِي رِوَايَتِهِ: «لَا نَدْرِي مَا فَعَلَتْ».\n[خ: ٣٣٠٥]\nوَحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: الْفَأْرَةُ مَسْخٌ، وَآيَةُ ذَلِكَ: أَنَّهُ يُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا لَبَنُ الْغَنَمِ فَتَشْرَبُهُ، وَيُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا لَبَنُ الْإِبِلِ فَلَا تَذُوقُهُ، فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ: أَسَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: أَفَأُنْزِلَتْ عَلَيَّ التَّوْرَاةُ؟ ! .\nفي هذا الحديث: أن أبا هريرة ﵁ لما حدث بهذا الحديث كعبًا ﵀، قال له كعب: «آنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟»، فقال له أبو هريرة ﵁: «نَعَمْ»، فكرر عليه كعبٌ ﵀ السؤال، فقال له أبو هريرة ﵁: «أَأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ؟ !»، أي: أنا لا أقرأ في التوراة؛ وإنما أحدث عن رسول الله ﷺ.\nوقوله: «فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ، وَلَا أُرَاهَا إِلَّا الْفَأْرَ»، يعني: فقد الناس أمة من أمم بني إسرائيل، فقال النبي ﷺ: «وَلَا أُرَاهَا إِلَّا الْفَأْرَ»، أي: لا أظنها إلا الفأر، واستدل ﵇ على ذلك بأنها «إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الْإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْهُ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْهُ»؛ وذلك لأن بني إسرائيل","vol":"8","page":433},{"text":"حرم الله عليهم ألبان الإبل، ولحومها، فهي تلتزم ما حرم عليها، فدل هذا على أنها هي الأمة الممسوخة؛ ولهذا قال- في الرواية الثانية-: «الْفَأْرَةُ مَسْخٌ، وَآيَةُ ذَلِكَ»، يعني: علامته ودليله: «أَنَّهُ يُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا لَبَنُ الْغَنَمِ فَتَشْرَبُهُ، وَيُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا لَبَنُ الْإِبِلِ فَلَا تَذُوقُهُ»، وهذا قاله النبي ﷺ بظنه واجتهاده، قبل أن يُعْلِمَه الله أن الممسوخ لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام، ثم أعلمه الله بعد ذلك أن الفأر ليس مسخًا؛ وإنما هي أمة من الأمم، كالكلاب، والخنازير، والطيور.\nوأما الذين مُسخوا من بني إسرائيل، فقد مُسخوا قردةً، وخنازيرَ- والعياذ بالله- ثم ماتوا بعد ثلاثة أيام؛ لأن الممسوخ لا يعيش ولا ينسل، أما هذه القردة والخنازير الموجودة فهي أمة من الأمم.","vol":"8","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1380>بَابُ لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ</span>\n\n[٢٩٩٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ».\nوَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nقوله: «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ»، يعني: أن المؤمن الكيس الحازم لا يُخدع مرتين من جهة واحدة.\nوفي هذا الحديث: دليل على أن الإنسان إذا أصيب من جهةٍ ما فإن عليه أن يأخذ الحذر حتى لا يصاب منها مرة أخرى.\nقال النووي ﵀: «قوله ﷺ «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ» الرواية المشهورة: «لَا يُلْدَغُ» برفع الغين، وقال القاضي: يُروى على وجهين: أحدهما: بضم الغين على الخبر، ومعناه: المؤمن الممدوح، وهو الكيس الحازم الذى لا يُستغفَل، فيُخدع مرة بعد أخرى، ولا يفطن لذلك، وقيل: إن المراد الخداع في أمور الآخرة دون الدنيا، والوجه الثاني: بكسر الغين على النهي أن يؤتى من جهة الغفلة. قال: وسبب الحديث معروف، وهو أن النبي ﷺ أَسَر أبا غرة الشاعر يوم بدر، فمَنَّ عليه، وعاهده أن لا يُحَرِّض عليه، ولايهجوه، وأطلقه، فلحق بقومه،","vol":"8","page":435},{"text":"ثم رجع إلى التحريض والهجاء، ثم أسره يوم أُحُد، فسأله المنَّ، فقال النبي ﷺ: «الْمُؤْمِنُ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ»، وهذا السبب يضعف الوجه الثاني» (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ١٢٣).","vol":"8","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1381>بَابٌ الْمُؤْمِنُ أَمْرُهُ كُلُّهُ خَيْرٌ</span>\n\n[٢٩٩٩] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ، وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، جَمِيعًا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ- وَاللَّفْظُ لِشَيْبَانَ- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».\nقوله: «إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ»، أي: يُسر ونعمة فـ «شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»، فيكتب الله له أجر الشاكرين، «وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ» الصبرُ «خَيْرًا لَهُ»، وكُتبت له حسنات، فكل أحوال المؤمن على خير، وليس هذا إلا للمؤمن.\nبخلاف الكافر فإنه لا حظ له من ذلك، كما جاء في الحديث: «إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَصَابَهُ سَقَمٌ، ثُمَّ عَافَاهُ اللهُ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، وَهُوَ عِظَةٌ لَهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ عُمْرِهِ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ إِذَا مَرِضَ وَعُوفِيَ كَانَ كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُ، لَا يَدْرِي فِيمَا عَقَلُوهُ، وَلَا فِيمَا أَطْلَقُوهُ» (^١)، وإذا عمل الكافر حسنة في الدنيا أُثيب بها في الدنيا بأن يعطي صحة في بدنه، أو مالًا، أو ما إلى ذلك، فإذا أفضى إلى الآخرة فلا يجد حسنة له- نعوذ بالله من ذلك!\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٩٤٤٦).","vol":"8","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1382>بَابُ النَّهْيِ عَنِ المَدْحِ إِذَا كَانَ فِيهِ إِفْرَاطٌ</span>،\nوَخِيفَ مِنْهُ فِتْنَةٌ عَلَى الْمَمْدُوحِ\n\n[٣٠٠٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَدَحَ رَجُلٌ رَجُلًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَقَالَ: «وَيْحَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ- مِرَارًا-، إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا صَاحِبَهُ لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا أَحْسِبُهُ، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَاكَ كَذَا وَكَذَا».\n[خ: ٢٦٦٢]\nوَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنْ رَجُلٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَيْحَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ» - مِرَارًا يَقُولُ ذَلِكَ- ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا- إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ- وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا».\nوَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: فَقَالَ رَجُلٌ: مَا مِنْ رَجُلٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَفْضَلُ مِنْهُ.\n\n[٣٠٠١] حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ","vol":"8","page":438},{"text":"ﷺ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ، وَيُطْرِيهِ فِي الْمِدْحَةِ، فَقَالَ: «لَقَدْ أَهْلَكْتُمْ- أَوْ: قَطَعْتُمْ- ظَهْرَ الرَّجُلِ».\n[خ: ٢٦٦٣]\n\n[٣٠٠٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ يُثْنِي عَلَى أَمِيرٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَجَعَلَ الْمِقْدَادُ يَحْثِي عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَقَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَحْثِيَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ.\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمَانَ، فَعَمِدَ الْمِقْدَادُ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ- وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا- فَجَعَلَ يَحْثُو فِي وَجْهِهِ الْحَصْبَاءَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا شَأْنُكَ؟ ! فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ».\nوَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيُّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنِ الأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامٍ عَنِ المِقْدَادِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.\nفي هذه الأحاديث: النهي عن المدح؛ لِمَا يفضي إليه من العُجب، والكبر، والتعاظم، والخيلاء، فإنه إذا مدح إنسان إنسانًا وأكثر من مدحه، فإنه قد يسبب له ضررًا كبيرًا؛ لهذا نهى النبي ﷺ عن المدح، وقال للمادح: «وَيْحَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ»، وفي رواية ثانية: «لَقَدْ أَهْلَكْتُمْ- أَوْ: قَطَعْتُمْ- ظَهْرَ الرَّجُل»، يعني: تسببتم في هلاكه في دينه؛ لأن المدح الكثير يفضي إلى العجب، والكبر.","vol":"8","page":439},{"text":"ويُستثنى من هذا الشيءُ القليل الذي لا يؤثر، كما مدح النبيُّ ﷺ الصديقَ ﵁، ففي الحديث: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» (^١)، وكما قال- في استرخاء إزاره ﵁-: «لَسْتَ مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلاءَ» (^٢)، وكما مدح عمرَ ﵁، فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» (^٣)، وكما مدح عثمان ﵁، قال: «أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ؟ !» (^٤).\nوذكر النووي ﵀ وجه الجمع بين هذه الأحاديث، فقال: «قال العلماء: وطريق الجمع بينها: أن النهي محمول على المجازفة في المدح، والزيادة في الأوصاف، أو على من يُخاف عليه فتنة من إعجاب ونحوه إذا سمع المدح، وأما من لا يُخاف عليه ذلك؛ لكمال تقواه، ورسوخ عقله ومعرفته فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه مجازفة، بل إن كان يحصل بذلك مصلحة كنشطه للخير، والازدياد منه، أو الدوام عليه، أو الاقتداء به كان مستحبًّا، والله أعلم» (^٥).\nقلت: والذي يظهر لي: أن الشيء القليل هو الذي يستثنى، أما الكثير فلا ينبغي.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٩٧)، ومسلم (١٠٢٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٧٨٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٢٩٤)، ومسلم (٢٣٩٦).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٤٠١).\n(^٥) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ١٢٦).","vol":"8","page":440},{"text":"وقوله: «فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا أَحْسِبُهُ»: هذا الأمر ليس للوجوب، بل هو للاستحباب، بدليل أن النبي ﷺ لما مدح أبا بكر ﵁، وعمر ﵁، وعثمان ﵁ لم يقل لواحد منهم: أحسبه والله حسيبه؛ فدل على أن هذا الأمر للاستحباب.\nوقوله: «قَامَ رَجُلٌ يُثْنِي عَلَى أَمِيرٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَجَعَلَ الْمِقْدَادُ يَحْثِي عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَقَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَحْثِيَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ»: هذا الحديث حمله بعضهم على ظاهره، وأنه يُحثَى على وجه المادح التراب.\nوبعضهم: تأوله، بأن المعنى: خيِّبوهم، فلا تعطوهم شيئًا لمدحهم.\nوقال بعضهم: إذا مُدحتم فاذكروا أنكم من تراب، فتواضعوا، ولا تعجبوا بأنفسكم، وهذا ضعيف.\nوالصواب: القول الأول؛ أنه على ظاهره، وأنه يُحثى في وجه المادح التراب، ولكن هذا الحَثْيَ ليس للوجوب، بل للاستحباب، والدليل على أنه للاستحباب: قوله ﷺ: «وَيْحَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ- مِرَارًا»، فقال: قطعت عنق الرجل، ولم يَحْث في وجهه الترابَ، فدل على أن حَثْيَ التراب في وجه المادح للاستحباب؛ لأن فيه اللوم والتوبيخ، ولكن هذا إذا لم يترتب عليه مفسدة، وهذا الأخير مأخوذ من نصوص أخرى، ومن قواعد الشريعة، أما إذا كان يترتب على هذا الفعل شر فلا يُحثَى على وجهه التراب، بل يُكتفَى بنصحه ووعظه.","vol":"8","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1383>بَابُ مُنَاوَلَةِ الْأَكْبَرِ</span>\n\n[٣٠٠٣] حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا صَخْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ جُوَيْرِيَةَ- عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَذَبَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الْأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إِلَى الْأَكْبَرِ».\n[خ: ٢٤٦]\nفي هذا الحديث: أن رؤيا الأنبياء نوع من أنواع الوحي، وهي حق يؤخذ منها الأحكام، قال الله تعالى- عن إبراهيم الخليل ﵇-: ﴿قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾، ثم قال الله بعد ذلك: ﴿قد صدقت الرؤيا﴾.\nوفيه: أن النبي ﷺ رأى في المنام أنه يتسوك، فجذبه رجلان، فدفع السواك إلى الأصغر منهما، فقيل له: «كَبِّرْ»، أي: ادفعه إلى الأكبر منهما، فدفعه إلى الأكبر.\nوجاء في قصة عبد الله بن سهل ﵁: أنه لما قُتل في خيبر، وجاء أخوه عبد الرحمن، وابنا عمه حويصة ومحيصة، فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه وهو أصغر منهم، فقال له النبي ﷺ: «كَبِّرْ كَبِّرْ» (^١)، أي: ليتكلم الأكبر منكما.\nوفيه: دليل على أن استعمال سواك الغير لا بأس به.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١٧٣)، ومسلم (١٦٦٩).","vol":"8","page":442},{"text":"وفيه: دليل على تقديم حق الأكبر من الجماعة الحاضرين، والبداية به في الأشياء التي فيها مساواة ولا يمكن قسمتها، أو إذا كان الحاضرون متساوِينَ في الفضل.\nأما إذا كان الشيء يمكن قسمته بين الجميع وعن يمينه ويساره أشخاص فإنه يبدأ باليمين، كما في حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ، فَقَالَ لِلْغُلامِ: «أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلاءِ؟»، فَقَالَ الغُلامُ: لَا- وَاللَّهِ- لا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا، فَتَلَّهُ فِي يَدِهِ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣٦٦)، ومسلم (٢٠٣٠).","vol":"8","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1384>بَابُ التَّثَبُّتِ فِي الْحَدِيثِ، وَحُكْمِ كِتَابَةِ الْعِلْمِ</span>\n\n[٢٤٩٣] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، وَيَقُولُ: اسْمَعِي يَا رَبَّةَ الْحُجْرَةِ، اسْمَعِي يَا رَبَّةَ الْحُجْرَةِ- وَعَائِشَةُ تُصَلِّي- فَلَمَّا قَضَتْ صَلَاتَهَا، قَالَتْ لِعُرْوَةَ: أَلَا تَسْمَعُ إِلَى هَذَا، وَمَقَالَتِهِ آنِفًا؟ إِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لَأَحْصَاهُ.\n[خ: ٣٥٦٧]\nفي هذا الحديث: أن أبا هريرة ﵁ كان يحدِّث بمسجد النبي ﷺ، وكانت حجرة عائشة ﵂ لها باب إلى المسجد، فكان أبو هريرة ﵁ يحدِّث، ويقول: «اسْمَعِي يَا رَبَّةَ الْحُجْرَةِ، اسْمَعِي يَا رَبَّةَ الْحُجْرَةِ»، يعني: اسمعي يا عائشة، فإن كان عندكِ ما يخالف قولي فبينيه لي، «فَلَمَّا قَضَتْ صَلَاتَهَا» أي: لما سلَّمتْ أنكرت عائشة ﵂ على أبي هريرة ﵁ قوله، فـ «قَالَتْ لِعُرْوَةَ: أَلَا تَسْمَعُ إِلَى هَذَا؟ وَمَقَالَتِهِ آنِفًا»، أي: قالت هذا لابن أختها عروة بن الزبير، ثم قالت: «إِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لَأَحْصَاهُ»، أي: لو أراد المستمع عدَّ كلماته، أو حروفه لأمكنه ذلك بسهولة حتى تُحفَظ، وقد قال ﵊: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ» (^١)؛ لأن الكلام الكثير يُنسي بعضه بعضًا، فكأنها ﵂ كانت ترى عدم الإكثار، وأبو هريرة ﵁ له وجهة نظر وهي انتهاز الفرصة؛ ليبلِّغ ما عنده.\nلكن إذا دعت الحاجة إلى التطويل فإن النبي ﵊ كان يطيل، كما ثبت من فعله ﷺ، ومن ذلك: ما رواه عمرو بن أخطب ﵁: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الْفَجْرَ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٦٩).","vol":"8","page":444},{"text":"فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ، وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا» (^١).\n\n[٣٠٠٤] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ- قَالَ هَمَّامٌ: أَحْسِبُهُ قَالَ: مُتَعَمِّدًا- فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».\nقوله ﷺ: «لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ»: هذا كان في أول الأمر؛ خشية أن يختلط الحديث بالقرآن، ثم بعد ذلك لما أُمن اللبس وزال المحظور أذن النبي ﷺ بالكتابة، كما في قوله ﷺ: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ» (^٢)، وثبت عن أبي هريرة ﵁ قوله: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلا أَكْتُبُ» (^٣).\nوكُتب عنه عليه الصلاة السلام كتاب في الصدقات، والديات، فعملت به الأمة، ولم ينكره أحد، وقد أمر ﵇ أمته بالتبليغ، فإذا هي لم تكتب ذهب العلم.\nوثبت أن عليًّا ﵁ كانت عنده صحيفة فيها: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر، وأسنان الإبل (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٩٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (١١٣).\n(^٤) أخرجه البخاري (١١١).","vol":"8","page":445},{"text":"فكل هذا يدل على جواز الكتابة، وأن النهي منسوخ.\nوقيل: إن النهي محمول على من يثق بضبطه وحفظه، وأما من كان حفظه ضعيفًا ولا يثق بحفظه فله أن يكتب.\nوقيل: إن النهي عن الكتابة في صحيفة واحدة مع القرآن، أما إذا كان القران في صحيفة، والحديث في صحيفة أخرى فلا بأس.\nوالقول بإن النهي كان خشية أن يلتبس القرآن بالحديث، ثم بعد ذلك رَخَّص النبي ﷺ بالكتابة هو الصواب.\nوقوله ﷺ: «وَحَدِّثُوا عَنِّي، وَلَا حَرَجَ»: فيه: إباحة الحديث عنه، وتبليغ ما سمع منه، وأما قوله ﷺ: «وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ» (^١) فإنه يعني: في الأمور التي لا تخالف الشرع، أما ما يخالف شرعنا فهذا لا يُحدَّث به عنهم.\nوقوله: «وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ- قَالَ هَمَّامٌ: أَحْسِبُهُ قَالَ: مُتَعَمِّدًا- فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»: فيه: وعيد شديد على من يتعمد الكذب، وأنه من كبائر الذنوب، بل بالغ بعضهم فقال: إن من تعمد الكذب على النبي ﷺ صار مرتدًّا (^٢)، والمشهور عند العلماء: أن الكذب على النبي ﷺ من كبائر الذنوب العظيمة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٦١).\n(^٢) الصارم المسلول، لابن تيمية (ص ١٧١)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ٢٠٢).","vol":"8","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1385>بَابُ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ، وَالسَّاحِرِ وَالرَّاهِبِ وَالْغُلَامِ</span>\n\n[٣٠٠٥] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ صُهَيْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ، قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ، فَابْعَثْ إِلَيَّ غُلَامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلَامًا يُعَلِّمُهُ، فَكَانَ فِي طَرِيقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ، فَقَعَدَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ كَلَامَهُ، فَأَعْجَبَهُ، فَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بِالرَّاهِبِ، وَقَعَدَ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ، فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ آلسَّاحِرُ أَفْضَلُ، أَمِ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ، فَأَخَذَ حَجَرًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ، فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا، وَمَضَى النَّاسُ، فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أَيْ بُنَيَّ، أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي؛ قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى، وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ، وَكَانَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ، وَالْأَبْرَصَ، وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الْأَدْوَاءِ، فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ، فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ، فَقَالَ: مَا هَا هُنَا لَكَ أَجْمَعُ إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي، فَقَالَ: إِنِّي لَا\nأَشْفِي أَحَدًا إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ، فَإِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِاللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، فَآمَنَ بِاللَّهِ فَشَفَاهُ اللَّهُ، فَأَتَى الْمَلِكَ، فَجَلَسَ إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلَامِ، فَجِيءَ بِالْغُلَامِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: أَيْ بُنَيَّ، قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ، وَالْأَبْرَصَ، وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ، فَأَخَذَهُ، فَلَمْ","vol":"8","page":447},{"text":"يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ، فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى فَدَعَا بِالْمِئْشَارِ، فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِالْغُلَامِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَاصْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَاطْرَحُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ، فَسَقَطُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ،\nفَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ، فَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وَإِلَّا فَاقْذِفُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ، فَغَرِقُوا وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِنِي؛ فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ رَمَاهُ، فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ، فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، فَأُتِيَ الْمَلِكُ، فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ، قَدْ- وَاللَّهِ- نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ، قَدْ آمَنَ النَّاسُ، فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ، وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا، أَوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ، فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ","vol":"8","page":448},{"text":"وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا، فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلَامُ: يَا أُمَّهْ، اصْبِرِي؛ فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ».\nقوله: «فَكَانَ فِي طَرِيقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ، فَقَعَدَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ كَلَامَهُ، فَأَعْجَبَهُ»: فيه: أنه لو لم يتعلم منه لهلك وصار مثل هؤلاء الكفار في زمانه.\nوهذا الراهب هو من رهبان النصارى الذين كانوا على الحق قبل التغيير والتبديل.\nوقوله: «فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ»: فيه: أنه لا بأس بالكذب لإنقاذ النفس أو الغير من الهلاك.\nوقوله: «فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ آلسَّاحِرُ أَفْضَلُ، أَمِ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ، فَأَخَذَ حَجَرًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ، فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا، وَمَضَى النَّاسُ»: هذا أولًا ولم يكن قد تبين الأمر بعدُ، ولم يذق حلاوة الإيمان، فلما رأى هذه الدابة تمنع الناس من المرور أخذ حجرًا، ودعى ربه، فقال: اللهم إن كان أمرُ الراهب أحبَّ إليك فاقتل هذه الدابة؛ حتى يمر الناس، فرماها بحجر، فقتلها فمر الناس، ويحتمل أن تكون هذه الدابة حية، وجاء في رواية الترمذي: «إِنَّ تِلْكَ الدَّابَّةَ كَانَتْ أَسَدًا» (^١).\nوقوله: «فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أَيْ بُنَيَّ، أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى»: هذا اعتراف من الراهب بفضل الغلام، وقوله: «أَيْ بُنَيَّ»: هذا تلطف من الكبير للصغير، وهذه البنوة ليست بنوة نسب، وإنما هي بنوة الكِبَر، والتعليم، والراهب قال هذا الكلام للغلام لما رأى الكرامة التي أكرمه الله بها من قتله للدابة، وتوجهه إلى الخير والاستقامة، وقال\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٣٤٠).","vol":"8","page":449},{"text":"له: «إِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ»، وقد عرف الراهب هذا؛ لأن الله تعالى لا بد أن يمحص المؤمن ويبتليه لحكمته، وقد قال تعالى: ﴿ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾ [؟؟:؟؟]، فيبتلى صاحب الدين أولَ أمره، فإذا نجح في الامتحان وصبر كانت له العاقبة.\nوقوله: «وَكَانَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الْأَدْوَاءِ»: هذه كرامة من كرامات الأولياء، وأول الكرامات: أنه قتل الدابة، والثانية: أنه صار يبرئ الأكمه- وهو الذي يولد أعمى-، والأبرص، فيدعو الله أن يشفيهم على يديه فيشفيهم.\nوفيه: إثبات الكرامات للأولياء، ولهذا أمثله كثيرة، ومن ذلك: ما حصل لمريم ﵍ من الكرامات، فقد كانت تأتيها فاكهة الشتاء في زمن الصيف، وفاكهة الصيف في زمن الشتاء (^١).\nوكما حصل لخبيب ﵁ لما أرادوا قتله وجدوا عنده قطفًا من العنب يأكل منه، حتى قيل فيه: «وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ فِي يَدِهِ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الحَدِيدِ، وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرٍ» (^٢).\nوقوله: «فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ، فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ، فَقَالَ: مَا هَا هُنَا لَكَ أَجْمَعُ إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ، فَإِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِاللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، فَآمَنَ بِاللَّهِ فَشَفَاهُ اللَّهُ»، يعني: أن هذا الأعمى كان كافرًا، وكان يجلس عند الملك، فلما سمع أن هذا الغلام يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله جاء إليه بهدايا كثيرة، وقال له: هذه الهدايا كلها لك إن شفيتني، فقال له الغلام: أنا لا أشفي؛ وإنما الشافي هو الله ﷾، فإن آمنتَ بالله دعوتُ الله لك فشفاك، فآمن الأعمى، فدعى الله له فشفاه.\n_________\n(^١) تفسير ابن جرير (٥/ ٣٥٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٠٤٥).","vol":"8","page":450},{"text":"وقوله: «فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ»: هذا يدل على أن هذا الملك الكافر كان يدعي الربوبية- والعياذ بالله- مثل فرعون.\nوقوله: «فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى فَدَعَا بِالْمِئْشَارِ، فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى، فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ»: كل ذلك وهو صابر على دينه، وهذا يدل على أن هذا الراهب كان من علماء الحق الذين لم يغيروا أو يبدلوا، وإنما بقي ثابتًا على التوحيد، وكذلك كان جليس الملك قد تمكن الإيمان من قلبه؛ ولذا بقي ثابتًا حتى قُتل.\nوقوله: «فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ، فَسَقَطُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ»: وهذا من كرامات الأولياء، فقد كفاه الله شرهم، وأهلكهم.\nوقوله: «فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ، فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ، فَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وَإِلَّا فَاقْذِفُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ»: القُرقور: قيل: السفينة الصغيرة، وقيل: السفينة الكبيرة، وهذه كرامه ثانية، حيث وكل أمرهم إلى الله ﷿، فأنجاه الله، «فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ»، أي: انقلبت بهم السفينة وسلم منهم، فعاد إلى الملك يمشي، «فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ».\nوقوله: «إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِنِي، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي»: فيه: نصح هذا الغلام لله، ولدينه، وللدعوة إلى دين الله ﷿، ولخلقه؛ لأنه أراد أن يشاهد الناس ذلك حتى يؤمنوا، ففعل الملك ما أمره به الغلام، «فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ","vol":"8","page":451},{"text":"كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ ثُمَّ رَمَاهُ، فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ، فَمَاتَ»، فعلم الناس حينها أن الملك لم يستطع قتله إلا بالاستعانة بربِّ الغلام، وهذا الذي كان يريده الغلام، فقالوا جميعًا: «آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ».\nوقوله: «فَأُتِيَ الْمَلِكُ، فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ، قَدْ- وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ-، قَدْ آمَنَ النَّاسُ، فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ، فَخُدَّتْ»، أي: جيء للملك، وقيل له: هذا الذي كنت تخاف منه قد حصل، وهو إيمان الناس؛ حيث خدعك الغلام، فقال لك: اجمع الناس في صعيد واحد، وقل: بسم الله ربِّ الغلام، فستقتلني، ففعلتَ، فآمن الناس!\nوقوله: «وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ، فَأَحْمُوهُ فِيهَا أَوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ»، أي: أمر الملك بأن تُشقَّ الأرض، وتُحفر، وتُضرم فيها النيران، ثم يُقذف فيها من لم يرجع عن دينه، وهذا ابتلاء وامتحان لهؤلاء الناس الذين آمنوا بربِّ الغلام.\nوقوله: «فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا، فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلَامُ: يَا أُمَّهْ، اصْبِرِي؛ فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ»: فيه: أن الله ﷿ أنطق هذا الغلام وهو في المهد، فقال لأمه: «يَا أُمَّهْ، اصْبِرِي؛ فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ»: وهذا من الغلمان الذين تكلموا وهم في المهد.\nوهؤلاء القوم هم أصحاب الأخدود الذين ذكر الله ﷿ حالهم، فقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [؟؟:؟؟].\nوفي هذا الحديث: أنه كان في شرع مَن قبلنا عدمُ جواز التكلم بكلمة الكفر، ولو أكره عليها، بأن عُذِّب، أو هُدِّد بالقتل، أو بالسجن؛ ولهذا فإن الراهب قُتل","vol":"8","page":452},{"text":"بالمنشار وشُق نصفين، ولم يتكلم بكلمه الكفر، وكذلك جليس الملك، ومن أُلقوا في النار لم يتلفظوا بكلمة الكفر، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا في حديث آخر، فقال ﷺ: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» (^١).\nأما في شرعنا فإذا أُكره الإنسان إكراهًا حقيقيًّا مُلجِئًا، بأن يعذَّب، أو يهدَّد بالقتل، أو بالسجن، أو التعذيب- جاز له الأخذ بالرخصة، بشرط أن يكون قلبه مطمئنًّا بالإيمان، قال تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾، فهذا من التوسعة في شرعنا، والحمد لله، ومن صبر وتحمل كما تحمل الإمام أحمد ﵀ في فتنة القول بخلق القرآن وصبر فلا بأس.\nأما إذا تكلم بكلمة الكفر من غير إكراه مختارًا ذاكرًا عالمًا فإنه يكفر، وكذلك من تكلم بكلمة الكفر هازلًا يكفر، وكذلك من تكلم بكلمة الكفر مكرهًا واطمئن قلبه بالكفر فإنه يكفر؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن من شرح بالكفر صدرًا﴾، ولقوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة﴾.\nوهذا الغلام هل كان بعد موسى، أو بعد عيسى عليهما الصلاة والسلام؟\nيحتمل أن يكون بعد عيسى ﵇؛ لأن هذا الغلام أوتي كرامات من جنس ما أوتي عيسى ﵇ حيث كان يبرئ الأكمه، والأبرص.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦١٢).","vol":"8","page":453},{"text":"ويحتمل أن يكون بعد موسى ﵇؛ لأنه أعطي كرامات من جنس ما اشتهر به موسى ﵇، حيث أعطاه الله شيئًا من الحق يقابل ما يفعله السحرة، كما أن موسى ﵇ أعطاه الله من الآيات ما فاق به السحرة، وعلموا أن ما هم فيه باطل، وأن موسى ﵇ على الحق.","vol":"8","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1386>بَابُ حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ، وَقِصَّةِ أَبِي الْيَسَرِ</span>\n\n[٣٠٠٦] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ- وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَالسِّيَاقُ لِهَارُونَ- قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ أَبِي حَزْرَةَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي نَطْلُبُ الْعِلْمَ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَنْصَارِ قَبْلَ أَنْ يَهْلِكُوا، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِينَا أَبَا الْيَسَرِ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ غُلَامٌ لَهُ مَعَهُ ضِمَامَةٌ مِنْ صُحُفٍ، وَعَلَى أَبِي الْيَسَرِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ، وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا عَمِّ، إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِكَ سَفْعَةً مِنْ غَضَبٍ؟ قَالَ: أَجَلْ، كَانَ لِي عَلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ الْحَرَامِيِّ مَالٌ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ، فَسَلَّمْتُ، فَقُلْتُ: ثَمَّ هُوَ؟ قَالُوا: لَا، فَخَرَجَ عَلَيَّ ابْنٌ لَهُ جَفْرٌ، فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ أَبُوكَ؟ قَالَ: سَمِعَ صَوْتَكَ فَدَخَلَ أَرِيكَةَ أُمِّي، فَقُلْتُ: اخْرُجْ إِلَيَّ، فَقَدْ عَلِمْتُ أَيْنَ أَنْتَ، فَخَرَجَ، فَقُلْتُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنِ اخْتَبَأْتَ مِنِّي؟ قَالَ: أَنَا- وَاللَّهِ- أُحَدِّثُكَ، ثُمَّ لَا أَكْذِبُكَ، خَشِيتُ- وَاللَّهِ- أَنْ أُحَدِّثَكَ فَأَكْذِبَكَ، وَأَنْ أَعِدَكَ فَأُخْلِفَكَ، وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَكُنْتُ- وَاللَّهِ- مُعْسِرًا قَالَ: قُلْتُ: آللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ، قُلْتُ: آللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ، قُلْتُ: آللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ، قَالَ: فَأَتَى بِصَحِيفَتِهِ، فَمَحَاهَا بِيَدِهِ، فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً فَاقْضِنِي، وَإِلَّا أَنْتَ فِي حِلٍّ، فَأَشْهَدُ بَصَرُ عَيْنَيَّ هَاتَيْنِ- وَوَضَعَ\nإِصْبَعَيْهِ عَلَى عَيْنَيْهِ- وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنِ، وَوَعَاهُ قَلْبِي هَذَا- وَأَشَارَ إِلَى مَنَاطِ قَلْبِهِ- رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ يَقُولُ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ».\n\n[٣٠٠٧] قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ أَنَا: يَا عَمِّ، لَوْ أَنَّكَ أَخَذْتَ بُرْدَةَ غُلَامِكَ وَأَعْطَيْتَهُ مَعَافِرِيَّكَ، وَأَخَذْتَ مَعَافِرِيَّهُ وَأَعْطَيْتَهُ بُرْدَتَكَ، فَكَانَتْ عَلَيْكَ حُلَّةٌ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، فَمَسَحَ رَأْسِي، وَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ، يَا ابْنَ أَخِي، بَصَرُ عَيْنَيَّ","vol":"8","page":455},{"text":"هَاتَيْنِ، وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنِ، وَوَعَاهُ قَلْبِي هَذَا- وَأَشَارَ إِلَى مَنَاطِ قَلْبِهِ- رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: «أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ»، وَكَانَ أَنْ أَعْطَيْتُهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.\nفي هذا الحديث والأحاديث التي بعده: الحرص على طلب العلم، وأنه ينبغي للمسلم أن ينتهز الفرصة ما دام أهل العلم موجودين؛ ولهذا قال ﵁: «خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي نَطْلُبُ الْعِلْمَ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَنْصَارِ قَبْلَ أَنْ يَهْلِكُوا»، يعني: قبل أن يموتوا، ويذهب العلم بموتهم؛ لأن ذهاب العلم يكون بذهاب العلماء، كما جاء في قوله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (^١).\nوقوله: «فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِينَا أَبَا الْيَسَرِ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»: أبو اليسر- بفتح المثناة التحتية وفتح السين المهملة- صاحب النبي ﷺ، «وَمَعَهُ غُلَامٌ»، أي: عبد مملوك.\nوقوله: «مَعَهُ ضِمَامَةٌ»، أي: رزمة من صحف.\nوقوله: «وَعَلَى أَبِي الْيَسَرِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ، وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ»: البردة: شملة مخططة، وقيل: كساء مربع فيه صغر يلبسه الأعراب، والمعافري: بفتح الميم نسبة إلى بلدة في اليمن، تأتي منها الثياب المعافرية، وهذا فيه: أنه ساواه بنفسه، فألبسه مما يلبس.\nوقوله ﵁: «فَقَالَ لَهُ أَبِي»، يعني: الوليد.\nوقوله: «يَا عَمِّ، إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِكَ سَفْعَةً مِنْ غَضَبٍ؟»، أي: أرى تغيُّرًا على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٠)، ومسلم (٢٦٧٣).","vol":"8","page":456},{"text":"وجهك، قال: «قَالَ: أَجَلْ، كَانَ لِي عَلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ الْحَرَامِيِّ مَالٌ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ»: كلمة: (أَجَلْ) هذه جواب، مثل: (نَعَمْ)، لكنها أقوى منها، وهي للتقريب، و(الحرامي) بالحاء المهملة والراء، نسبة إلى ابن حرام، بطن من الأنصار، وروي بالحاء، والزاي: (الحَزَامِيِّ)، لكن الأرجح: (الحَرَامِيِّ).\nوقوله: «فَسَلَّمْتُ، فَقُلْتُ: ثَمَّ هُوَ؟»: فيه: مشروعية السلام عند الاستئذان على أهل شخص، و(ثَمَّ) ظرف مكان، و(ثَمَّ هُوَ)، أي: أَثَمَّ هُوَ؟ على حذف حرف الاستفهام، والمعنى: هل هو موجود في البيت؟ قالوا: لا.\nوقوله: «فَخَرَجَ عَلَيَّ ابْنٌ لَهُ جَفْرٌ»، يعني: خرج من البيت ابن صغير له قارب البلوغ، وقيل: ابن خمس سنين، وقيل: أقل من ذلك، فسأله: «أَيْنَ أَبُوكَ؟ قَالَ: سَمِعَ صَوْتَكَ فَدَخَلَ أَرِيكَةَ أُمِّي»: الأريكة يعني: السرير فى الحجلة.\nوقوله: «فَقُلْتُ: اخْرُجْ إِلَيَّ، فَقَدْ عَلِمْتُ أَيْنَ أَنْتَ فَخَرَجَ»، أي: لقد علمت مكانك؛ لأن البيوت لم تكن بعيدة مثلما هو حاصل في البيوت الآن.\nوقوله: «فَقُلْتُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنِ اخْتَبَأْتَ مِنِّي؟ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أُحَدِّثُكَ، ثُمَّ لَا أَكْذِبُكَ: خَشِيتُ- وَاللَّهِ- أَنْ أُحَدِّثَكَ فَأَكْذِبَكَ، وَأَنْ أَعِدَكَ فَأُخْلِفَكَ، وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَكُنْتُ- وَاللَّهِ- مُعْسِرًا»، يعني: أنت صاحب رسول الله ﷺ، ولك مكانة وقدر، وأنا معسر، وأخشى أن أحدثك فأكذب عليك، أو أعدك فأخلفك، والذي يحملني على ذلك الإعسار؛ لهذا كان النبي ﷺ يستعيذ من المغرم، فكان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَمِ وَالمَغْرَمِ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ المَغْرَمِ، فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ» (^١)، وكما قيل: الدين همٌّ بالليل، مذلَّةٌ بالنهار.\nوقوله: «قَالَ: قُلْتُ: آللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ، قُلْتُ: آللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ، قُلْتُ: آللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ»: استحلفه ثلاثَ مراتٍ ليتأكد من صدقه؛ ليُسقط عنه الدين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٣٢).","vol":"8","page":457},{"text":"وقوله: «قُلْتُ: آللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ»: الأول بهمزة ممدودة على الاستفهام، والثاني بلا مد جواب استفهام، والهاء فيهما مكسورة، والمعنى: بالله هل أنت صادق في قولك: إنك معسر؟\nفلما استحلفه وحلف أتى بصحيفته، فمحى عنه الدَّين، «فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً فَاقْضِنِي، وَإِلَّا أَنْتَ فِي حِلٍّ»: قضاء يعني: دَينًا، فهي صفة قامت مقام الموصوف المحذوف، والتقدير: إن وجدتَ دينًا يكون قضاءً فاقضني، وهذا فيه: فضل أبي اليسر ﵁، ومبادرته ومسارعته إلى الخير.\nوفيها: أن الصحابة ﵃ أفضل الناس، وأنهم أسرع الناس إلى العمل بالأحاديث، والمسابقة إلى الخيرات.\nوقوله: «فَأَشْهَدُ بَصَرُ عَيْنَيَّ هَاتَيْنِ- وَوَضَعَ إِصْبَعَيْهِ عَلَى عَيْنَيْهِ- وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنِ، وَوَعَاهُ قَلْبِي هَذَا»: هذا قول أبي حميد، «بَصَرُ»: هو بفتح الصاد ورفع الراء، وسَمْعُ: بإسكان الميم ورفع العين، هذه رواية الأكثرين، ورواه جماعة بضم الصاد وفتح الراء (بصُر عيناي هاتان)، وبكسر الميم وفتح العين (سمِعَ أذناي هاتان)، وكلاهما صحيح لكن الأول أولى (^١).\nوالمعنى: أنا متأكد مما أقول، فقد أبصرت عيني النبي ﷺ حين رأيت بياض إبطيه، وسمعت أذني كلامه. ووعيته بقلبي من رسول الله ﷺ.\nوقوله: «وَأَشَارَ إِلَى مَنَاطِ قَلْبِهِ»: وهو عرق معلَّق بالقلب.\nوقوله: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ»، يعني: من صبر عليه، ولم يطالبه بالدين، أو وضعه عنه، والمعسر: من لا يقدر على النفقة، أو أداء ما عليه، وهذا فيه: فضل عظيم لمن أنظر معسرًا، أو وضع عنه الدين، وهو على مرتبتين:\nالأولى: إنظار المعسر.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ١٣٥).","vol":"8","page":458},{"text":"الثانية: الوضع عنه بإسقاط بعض الدين.\nوإنظار المعسر فريضة، والوضع عنه بإسقاط بعض الدين نافلة، والنافلة هنا أفضل من الفريضة، قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، يعني: إن كان المدين معسرًا ﴿فَنَظِرَةٌ﴾: خبر بمعنى الأمر، أي: أنظِره إلى وقت الإيسار، وهذا فرض واجب، ﴿وأن تصدقوا﴾ يعني: بإسقاط بعض الدين فهو ﴿خير لكم﴾.\nوقوله: «أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ»: المراد ظل العرش، كما تقدم بيانه.\nوالقاعدة: أن ما أضيف لله ﷿ نوعان:\nالأول: معانٍ لا تقوم بنفسها، فهذه صفات لله، مثل: العلم، والقدرة، والسمع، والبصر.\nالثاني: أعيان قائمة بنفسها، فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، تفيد التشريف، كإضافة عبد الله، وناقة الله.\nوقوله: «قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ أَنَا: يَا عَمِّ، لَوْ أَنَّكَ أَخَذْتَ بُرْدَةَ غُلَامِكَ وَأَعْطَيْتَهُ مَعَافِرِيَّكَ، وَأَخَذْتَ مَعَافِرِيَّهُ وَأَعْطَيْتَهُ بُرْدَتَكَ، فَكَانَتْ عَلَيْكَ حُلَّةٌ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ»: الحلة مكونة من ثوبين: إزار، ورداء، والمعنى: أن كل واحد منهما عليه حلة مكونة من ثوبين: إزار، ورداء، فأبو اليسر ﵁ أخذ بردة، واتزر بها، والمعافير جعلها على كتفيه، وكذلك فعل مع الغلام الذي معه، فصار كل واحد عليه إزار من نوع، ورداء من نوع آخر، فقال له الوليد: لماذا لا تأخذ البردة التي معه وتجعلها معك، فتكون حلة متساوية لك، وتعطيه المعافري التي معك، وتكون حلة متساوية له، فيتحصل من ذلك: أن يكون مع أحدهما: معافير إزار، ومعافير رداء، والثاني: معه بردة إزار، وبردة رداء، أو العكس، فتكون الحلة متناسبة، فقال له: لا، أنا أريد أن أساويه؛ لأن النبي ﷺ يقول: «أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ».","vol":"8","page":459},{"text":"وهذا من باب الاستحباب عند أهل العلم، فلا يجب على الإنسان أن يسوي عبده بنفسه في الأكل واللباس، وإنما يطعمه مما يأكل، ويلبسه مما يلبس؛ لقول النبي ﷺ: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ» (^١)، ولكن لا يجب عليه أن يطعمه مما يأكل من الطعام الفاضل الذي يأكله، أو اللباس الفاضل الذي يلبسه.\nوإطعام العبيد على ثلاث أحوال:\nالأولى: أن يطعم الرقيق مما يأكل طعامًا فاضلًا، ويلبسه مما يلبس لباسًا فاضلًا، كما فعل أبو اليسر ﵁، وأبو ذر ﵁، وهذا هو الأفضل والأكمل والمستحب. قال النووي ﵀: «لو قتَّر السيد على نفسه تقتيرًا خارجًا عن عادة أمثاله- إما زهدًا، وإما شُحًّا- لا يحل له التقتير على المملوك وإلزامه وموافقته إلا برضاه» (^٢).\nالثانية: أن يطعمهم ويكسوهم مما يناسب أمثالهم، وهذا هو الواجب.\nالثالثة: أن يطعم الرقيق مما تأكل البهائم، ويُكسوهم مما يلبسه الشحاذون، وهذا لا يجوز.\nوقوله: «فَمَسَحَ رَأْسِي»، يعني: أن أبا اليسر ﵁ أجاب الوليد، ومسح برأسه إيناسًا له، وشكر له على ملاحظته، ودعا له بقوله: «اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ»، وقال له: إن الذي جعلني ألبس إزارًا ورداءً ملفقًا وغلامي كذلك؛ خشية أن أفضِّل نفسي على غلامي، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ».\nوقوله: «وَكَانَ أَنْ أَعْطَيْتُهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ»: خشي أبو اليسر ﵁ إن فضَّل نفسه على غلامه أن يكون قد أخل\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٦٦٢).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١١/ ١٣٣).","vol":"8","page":460},{"text":"بالواجب، مع أن هذا ليس بواجب، لكنه من باب الورع والاحتياط.\n\n[٣٠٠٨] ثُمَّ مَضَيْنَا حَتَّى أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي مَسْجِدِهِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ، فَتَخَطَّيْتُ الْقَوْمَ، حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ! أَتُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَرِدَاؤُكَ إِلَى جَنْبِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي هَكَذَا- وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَقَوَّسَهَا- أَرَدْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ الْأَحْمَقُ مِثْلُكَ، فَيَرَانِي كَيْفَ أَصْنَعُ، فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ، أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا وَفِي يَدِهِ عُرْجُونُ ابْنِ طَابٍ، فَرَأَى فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ نُخَامَةً، فَحَكَّهَا بِالْعُرْجُونِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ؟ !» قَالَ: فَخَشَعْنَا، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ؟ !» قَالَ: فَخَشَعْنَا، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ؟ !»، قُلْنَا: لَا أَيُّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ، فَلْيَقُلْ بِثَوْبِهِ هَكَذَا»، ثُمَّ طَوَى ثَوْبَهُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: «أَرُونِي عَبِيرًا»، فَقَامَ فَتًى مِنَ الْحَيِّ يَشْتَدُّ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَاءَ بِخَلُوقٍ فِي رَاحَتِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ الْعُرْجُونِ، ثُمَّ لَطَخَ بِهِ عَلَى أَثَرِ النُّخَامَةِ.\nفَقَالَ جَابِرٌ: فَمِنْ هُنَاكَ جَعَلْتُمُ الْخَلُوقَ فِي مَسَاجِدِكُمْ.\nقوله: «حَتَّى أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي مَسْجِدِهِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ»، يعني: ليس عليه إلا قطعة واحدة، والصحابة ﵃ كانوا يلبسون الأُزُر والأردية، وأحيانًا يلبسون القُمُص، وفيه: دليل على جواز الصلاة في ثوب واحد مع وجود الثياب، لكن الأفضل أن يزيد على ثوب عند الإمكان، وإنما فعل جابر ﵁ هذا للتعليم.","vol":"8","page":461},{"text":"وقوله: «يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَتُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَرِدَاؤُكَ إِلَى جَنْبِكَ؟»، أي: أتصلي في قطعة واحدة مع وجود غيرها؟ !\nوقوله: «فَقَالَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي هَكَذَا- وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَقَوَّسَهَا- أَرَدْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ الْأَحْمَقُ مِثْلُكَ»: الأحمق هو: الجاهل الذي يعمل ما يضره مع علمه به، وهذا من باب التعزير، والتأديب، أي: كيف تعترض عليَّ يا أحمق، وأنا صاحب رسول الله ﷺ، وهذا مما يعزَّر ويؤدَّب به المتعلم.\nوجابر ﵁ خاطبه بذلك؛ لأنه يعلم أن الوليد لا يتأثر بهذا، والمعلم إذا كان يَعلم أن التلميذ لا يتأثر بمثل هذا جاز له أن يخاطبه بمثله، كما فعل جابر ﵄ مع الوليد، والصحابة ﵃ كالآباء للناس، والأصل: أنه لا ينبغي للمعلم أن يقابل المتعلم بمثل هذا، ويقول له: يا أحمق؛ لأن في هذا تنفيرًا له.\nوقوله: «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا، وَفِي يَدِهِ عُرْجُونُ ابْنِ طَابٍ، فَرَأَى فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ نُخَامَةً، فَحَكَّهَا بِالْعُرْجُونِ»: العرجون: هو عرجون النخل الذي يكون فيه التمر، وابْنِ طَابٍ: نوع من تمر المدينة، فلما رآى النبي ﷺ النخامة في قبلة المسجد حكَّها بالعرجون الذي كان في يده.\nوقوله: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ؟»: كررها ثلاثًا، يعني: أيكم يحب أن يعامله الله تعالى معاملة المعرِض عنه، فلا يثيبه؟ !\nوالإعراض من صفات الله ﷿، وكما في الحديث عند البخاري في قصة الثلاثة نفر الذين أتوا النبي ﷺ، وفيه: «وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ» (^١).\nوصفة الإعراض من الصفات المتقابلة، أي: إعراض في مقابل إعراض العبد، مثل: المكر في مقابل الماكرين، والاستهزاء مقابل المستهزئين، وهذه الصفات إنما تكون كمالًا إذا كانت من باب المجازاة، والمقابلة، ولا يوصف بها الله ﷿ استقلالًا، فلا يقال: من صفات الله: المكر، والكيد، والاستهزاء، والإعراض.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦)، ومسلم (٢١٧٦).","vol":"8","page":462},{"text":"وقوله: «قَالَ: فَخَشَعْنَا»: الخشوع: السكون والتذلل.\nوقوله: «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قِبَلَ وَجْهِهِ»: فيه: إثبات هذه الصفات لله ﷿، وهي: «﵎»، وتبارك من صفات الله تعالى الخاصة به، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بروجًا﴾، وغيرهما من الآيات، فالله تعالى المبارِك وعبده المبارَك.\nتنبيه: لهذا لا يقال: تباركت علينا، فهذا غلط؛ لأن تبارك خاص بالله تعالى، لكن يقال: تحصل البركة، أو أنت مبارك، كما قال الله تعالى على لسان عيسى ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾، وكما قال أسيد بن الحضير ﵁ وعباد بن بشر ﵁ لعائشة: «مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِى بَكْر؟» (^١)، يعني: من بركتكم التي جعلها الله فيكم.\nوقوله: «أَرُونِي عَبِيرًا»، أي: أمر بالعبير، وهو أخلاط تجمع بالزعفران، وهو نوع من الطيب.\nوقوله: «فَقَامَ فَتًى مِنَ الْحَيِّ يَشْتَدُّ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَاءَ بِخَلُوقٍ فِي رَاحَتِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ الْعُرْجُونِ، ثُمَّ لَطَخَ بِهِ عَلَى أَثَرِ النُّخَامَةِ»: فيه: مشروعية تطييب المساجد، وتبخيرها، والعناية بها، وفرشها، وتنظيفها، وجعل الخلوق فيها.\nوقوله: «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى»: فيه: تحريم بصق المصلي من أمامه، أو عن يمينه، وجوازه عن يساره تحت رجله اليسرى، وهذا في غير المسجد، أما إذا كان في المسجد فإنه يبصق في منديل، أو نحوه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٤)، ومسلم (٣٦٧).","vol":"8","page":463},{"text":"وجاء في الحديث الآخر: «وَالْمَلَكُ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَا يَبْصُقْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبْصُقْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى أَوْ عَنْ يَسَارِهِ» (^١)، وهذا في الصلاة، ولكن هل يجوز ذلك خارج الصلاة، أو لا يجوز؟\nقال بعض العلماء: لا يجوز أن يبصق أمامه، أو عن يمينه حتى خارج الصلاة، ولكن يبصق عن يساره، ولكن الحديث مقيد بالصلاة، لكن إذا احتاط ولم يبصق أمامه، ولا عن يمينه حتى خارج الصلاة فهو أولى.\nوفيه: إثبات أن الله تعالى قِبلَ المصلي، وأنه في ناحية منه، وهو فوق العرش أمام المصلي؛ لأنه من كان فوقك فهو أمامك.\nوفيه: إثبات العلو لله ﷿، والرد على من أنكره من الحلولية، والجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، وغيرهم.\nوقوله: «فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ، فَلْيَقُلْ بِثَوْبِهِ هَكَذَا»، أي: تفل في ثوبه، ورد بعضه على بعض.\nوقوله: «فَجَاءَ بِخَلُوقٍ»: هو طيب من أنواع مختلفة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١١١٨٥)، وأبو داود (٤٨٠).","vol":"8","page":464},{"text":"[٣٠٠٩] سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ بَطْنِ بُوَاطٍ، وَهُوَ يَطْلُبُ الْمَجْدِيَّ بْنَ عَمْرٍو الْجُهَنِيَّ، وَكَانَ النَّاضِحُ يَعْقُبُهُ مِنَّا الْخَمْسَةُ وَالسِّتَّةُ وَالسَّبْعَةُ، فَدَارَتْ عُقْبَةُ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى نَاضِحٍ لَهُ، فَأَنَاخَهُ، فَرَكِبَهُ، ثُمَّ بَعَثَهُ، فَتَلَدَّنَ عَلَيْهِ بَعْضَ التَّلَدُّنِ، فَقَالَ لَهُ: شَأْ، لَعَنَكَ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ هَذَا اللَّاعِنُ بَعِيرَهُ؟» قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «انْزِلْ عَنْهُ، فَلَا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ، لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ».\nقوله: «النَّاضِحُ»: هو البعير الذي يُستقَى عليه.\nوقوله: «يَعْقُبُهُ»: العُقبة- بضم العين-: ركوب هذا نوبةً، وهذا نوبةً.\nوقوله: «فَتَلَدَّنَ»، أي: تلكَّأ وتوقَّف.\nوقوله: «شَأْ»: بشين مفتوحة بعدها همزة ساكنة، وهي كلمة زجر للبعير.\nوقوله: «فَلَا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ»: نهاه عن صحبته لهم في تلك الساعة؛ تعزيرًا له وزجرًا له ولغيره، ولم تزل ملكية صاحبه له، بل هو في ملكه، وقد سبقت قصة الجارية التي لعنت ناقتها، فقال النبي ﷺ: «خُذُوا مَا عَلَيْهَا، وَدَعُوهَا؛ فَإِنَّهَا مَلعُونَةٌ» (^١).\nوقوله: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً»: فيه: النهي عن الدعاء على الأنفس والأولاد والأموال، وعلَّل النهيَ بأن الدعاء قد يوافق ساعة إجابة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٩٥).","vol":"8","page":465},{"text":"[٣٠١٠] سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَتْ عُشَيْشِيَةٌ، وَدَنَوْنَا مَاءً مِنْ مِيَاهِ الْعَرَبِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ رَجُلٌ يَتَقَدَّمُنَا، فَيَمْدُرُ الْحَوْضَ، فَيَشْرَبُ وَيَسْقِينَا»، قَالَ جَابِرٌ: فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: هَذَا رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّ رَجُلٍ مَعَ جَابِرٍ؟»، فَقَامَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ، فَانْطَلَقْنَا إِلَى الْبِئْرِ، فَنَزَعْنَا فِي الْحَوْضِ سَجْلًا، أَوْ سَجْلَيْنِ، ثُمَّ مَدَرْنَاهُ، ثُمَّ نَزَعْنَا فِيهِ حَتَّى أَفْهَقْنَاهُ، فَكَانَ أَوَّلَ طَالِعٍ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَتَأْذَنَانِ؟»، قُلْنَا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَشْرَعَ نَاقَتَهُ، فَشَرِبَتْ شَنَقَ لَهَا، فَشَجَتْ فَبَالَتْ، ثُمَّ عَدَلَ بِهَا، فَأَنَاخَهَا، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحَوْضِ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ قُمْتُ، فَتَوَضَّأْتُ مِنْ مُتَوَضَّأِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَهَبَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ ذَهَبْتُ أَنْ أُخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، فَلَمْ تَبْلُغْ لِي، وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ، فَنَكَّسْتُهَا، ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ صلى\nالله عليه وسلم، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْمُقُنِي، وَأَنَا لَا أَشْعُرُ، ثُمَّ فَطِنْتُ بِهِ، فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ- يَعْنِي: شُدَّ وَسَطَكَ- فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَا جَابِرُ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إِذَا كَانَ وَاسِعًا، فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا، فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ».\nقوله: «عُشَيْشِيَةٌ»: أصلها: عُشَيَّة، تصغير عَشِيَّة، فَأُبدلت إحدى الياءين شينًا.\nوقوله: «فَيَمْدُرُ الْحَوْضَ»، أي: يطينه ويصلحه.\nوقوله: «سَجْلًا»: هو الدلو المملوء.","vol":"8","page":466},{"text":"وقوله: «أَفْهَقْنَاهُ»، أي: ملأناه.\nوقوله: «شَنَقَ لَهَا»، أي: كفها بزمامها.\nوقوله: «فَشَجَتْ فَبَالَتْ»، أي: رفعت رجليها لتبول.\nوقوله: «ثُمَّ عَدَلَ بِهَا، فَأَنَاخَهَا»، أي: مال بها.\nوقوله: «إِلَى الْحَوْضِ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ»: فيه: جواز الوضوء من الماء الذي شربت منه الإبل وغيرها من الحيوانات الطاهرة، وأنه لا كراهة فيه، ولو كان دون القُلَّتين.\nوقوله: «وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ»، أي: أهداب وأطراف.\nوقوله: «ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا»، أي: أمسكتُ عليها بعنقي؛ لئلَّا تسقط.\nوقوله: «حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ»: فيه: أن المأموم الواحد يقف عن يمين الإمام، وفيه: أنه إذا وقف عن يساره أداره الإمام عن يمينه، ومن خلفه، وفيه: أنه يبني على صلاته بعد إدراة الإمام له عن يمينه، وفيه: جواز العمل اليسير في الصلاة، وفيه: أن العمل في الصلاة إذا كان لحاجة فلا يُكرَه.\nوقوله: «يَرْمُقُنِي»: فيه: جواز الرمق والنظر المتتابع في الصلاة، وأنه لا كراهة فيه إذا كان لحاجة.\nوقوله: «فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ- يَعْنِي: شُدَّ وَسَطَكَ»: فيه: جواز الإشارة في الصلاة، وأنه لا كراهة فيها للحاجة.\nوقوله: «حَقْوِكَ» - بفتح الحاء-: مقعد الإزار، وفيه: جواز الصلاة في الثوب الواحد إذا كان ساترًا للعورة، وأنه إذا كان ضيقًا اتزر به، وإن كان واسعًا خالف بين طرفيه على عاتقيه.","vol":"8","page":467},{"text":"[٣٠١١] سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ قُوتُ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا فِي كُلِّ يَوْمٍ تَمْرَةً، فَكَانَ يَمَصُّهَا، ثُمَّ يَصُرُّهَا فِي ثَوْبِهِ، وَكُنَّا نَخْتَبِطُ بِقِسِيِّنَا، وَنَأْكُلُ حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا، فَأُقْسِمُ أُخْطِئَهَا رَجُلٌ مِنَّا يَوْمًا، فَانْطَلَقْنَا بِهِ نَنْعَشُهُ، فَشَهِدْنَا أَنَّهُ لَمْ يُعْطَهَا، فَأُعْطِيَهَا، فَقَامَ فَأَخَذَهَا.\n\nقوله: «وَكَانَ قُوتُ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا فِي كُلِّ يَوْمٍ تَمْرَةً»: تمرة واحدة يمصها، ثم يشرب عليها الماء، وفيه: بيان ما أصاب الصحابة ﵃ من الشدة، لكنهم صبروا وجاهدوا في سبيل الله، ونشروا دينه فأفلحوا.\nوقوله: «فَكَانَ يَمَصُّهَا، ثُمَّ يَصُرُّهَا فِي ثَوْبِهِ»: هذا لتبقى معه أطول وقت ممكن.","vol":"8","page":468},{"text":"[٣٠١٢] سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَاتَّبَعْتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ، فَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى إِحْدَاهُمَا، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: «انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ»، فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الْأُخْرَى، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: «انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ»، فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنَهُمَا لَأَمَ بَيْنَهُمَا- يَعْنِي: جَمَعَهُمَا- فَقَالَ: «الْتَئِمَا عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ»، فَالْتَأَمَتَا، قَالَ جَابِرٌ: فَخَرَجْتُ أُحْضِرُ مَخَافَةَ أَنْ يُحِسَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقُرْبِي فَيَبْتَعِدَ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ: فَيَتَبَعَّدَ، فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي، فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَدِ افْتَرَقَتَا، فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ وَقْفَةً، فَقَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا- وَأَشَارَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ بِرَأْسِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا- ثُمَّ أَقْبَلَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيَّ قَالَ: «يَا جَابِرُ، هَلْ رَأَيْتَ مَقَامِي؟»، قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَانْطَلِقْ إِلَى الشَّجَرَتَيْنِ، فَاقْطَعْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا\nغُصْنًا، فَأَقْبِلْ بِهِمَا، حَتَّى إِذَا قُمْتَ مَقَامِي، فَأَرْسِلْ غُصْنًا عَنْ يَمِينِكَ وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِكَ»، قَالَ جَابِرٌ: فَقُمْتُ، فَأَخَذْتُ حَجَرًا، فَكَسَرْتُهُ، وَحَسَرْتُهُ فَانْذَلَقَ لِي، فَأَتَيْتُ الشَّجَرَتَيْنِ، فَقَطَعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، ثُمَّ أَقْبَلْتُ أَجُرُّهُمَا حَتَّى قُمْتُ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلْتُ غُصْنًا عَنْ يَمِينِي وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِي، ثُمَّ لَحِقْتُهُ، فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: «إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَأَحْبَبْتُ بِشَفَاعَتِي أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ».\nقوله: «نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ»، أي: واسعًا.","vol":"8","page":469},{"text":"وقوله: «فَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الْوَادِي»، أي: بجانبيه.\nوقوله: «إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ»، أي: نصف المسافة.\nوقوله: «فَخَرَجْتُ أُحْضِرُ»، أي: خرجت أعدو وأسعى سعيًا شديدًا.\nوقوله: «فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ»: لفتة، أي: نظرة إلى جانب، وقوله: «فَحَانَتْ»، أي: وقعت، ورواه بعضهم: «حَالَتْ» (^١)، وهي بمعنى: حانت.\nوقوله: «فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا، وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَدِ افْتَرَقَتَا، فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ»: فيه: معجزة للنبي ﷺ، ودليل من دلائل نبوته.\nوقوله: «إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَأَحْبَبْتُ بِشَفَاعَتِي أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ»: هذه قصة ثانية للنبي ﷺ في وضع غصنين على قبرين، والقصة الأخرى فيها: أنه جعل جريدتين فغرز في كل قبر واحدة، وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا، كما في حديث ابن عباس ﵄ (^٢).\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٨/ ٥٧٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢١٨٩)، ومسلم (٢٩٢).","vol":"8","page":470},{"text":"[٣٠١٣] قَالَ: فَأَتَيْنَا الْعَسْكَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا جَابِرُ، نَادِ بِوَضُوءٍ»، فَقُلْتُ: أَلَا وَضُوءَ، أَلَا وَضُوءَ، أَلَا وَضُوءَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا وَجَدْتُ فِي الرَّكْبِ مِنْ قَطْرَةٍ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُبَرِّدُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَاءَ فِي أَشْجَابٍ لَهُ عَلَى حِمَارَةٍ مِنْ جَرِيدٍ، قَالَ: فَقَالَ لِيَ: «انْطَلِقْ إِلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ الْأَنْصَارِيِّ، فَانْظُرْ هَلْ فِي أَشْجَابِهِ مِنْ شَيْءٍ؟» قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِ، فَنَظَرْتُ فِيهَا، فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا قَطْرَةً فِي عَزْلَاءِ شَجْبٍ مِنْهَا، لَوْ أَنِّي أُفْرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا قَطْرَةً فِي عَزْلَاءِ شَجْبٍ مِنْهَا، لَوْ أَنِّي أُفْرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ، قَالَ: «اذْهَبْ، فَأْتِنِي بِهِ»، فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ، فَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَيَغْمِزُهُ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ أَعْطَانِيهِ، فَقَالَ: يَا جَابِرُ «نَادِ بِجَفْنَةٍ»، فَقُلْتُ: يَا جَفْنَةَ الرَّكْبِ، فَأُتِيتُ بِهَا تُحْمَلُ، فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ فِي الْجَفْنَةِ هَكَذَا، فَبَسَطَهَا، وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ وَضَعَهَا فِي قَعْرِ الْجَفْنَةِ، وَقَالَ: «خُذْ يَا جَابِرُ، فَصُبَّ عَلَيَّ، وَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ»، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: بِاسْمِ اللَّهِ، فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ فَارَتِ الْجَفْنَةُ، وَدَارَتْ حَتَّى امْتَلَأَتْ،\nفَقَالَ: «يَا جَابِرُ، نَادِ مَنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِمَاءٍ» قَالَ: فَأَتَى النَّاسُ، فَاسْتَقَوْا حَتَّى رَوُوا، قَالَ: فَقُلْتُ: هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ لَهُ حَاجَةٌ؟ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ مِنَ الْجَفْنَةِ وَهِيَ مَلْأَى.\nقوله: «أَشْجَابٍ»: جمع شجب، وهو السقاء اليابس.\nوقوله: «عَلَى حِمَارَةٍ مِنْ جَرِيدٍ»، أي: أعواد تُعلَّق عليها أسقية الماء.\nوقوله: «فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا قَطْرَةً»، أي: يسيرًا.\nوقوله: «عَزْلَاءِ»: فم القربة.","vol":"8","page":471},{"text":"وقوله: «لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ»: معناه: أنه قليل جدًّا، فلقلته مع شدة يبس باقي الشجب- وهو السقاء- لو أفرغته لأشنقه اليابس منه، ولم ينزل منه شيء (^١).\nوقوله: «وَيَغْمِزُهُ بِيَدَيْهِ»، أي: يعصره.\nوقوله: «يَا جَفْنَةَ الرَّكْبِ»، أي: يا صاحب جفنة الركب، فحذف المضاف.\nوقوله: «فَأَتَى النَّاسُ، فَاسْتَقَوْا حَتَّى رَوُوا»: وهذه معجزة أخرى للنبي ﷺ في تكثير الماء، وقد حصل هذا للنبي ﷺ مراتٍ.\n\n[٣٠١٤] وَشَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجُوعَ، فَقَالَ: «عَسَى اللَّهُ أَنْ يُطْعِمَكُمْ»، فَأَتَيْنَا سِيفَ الْبَحْرِ، فَزَخَرَ الْبَحْرُ زَخْرَةً، فَأَلْقَى دَابَّةً فَأَوْرَيْنَا عَلَى شِقِّهَا النَّارَ، فَاطَّبَخْنَا، وَاشْتَوَيْنَا، وَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا، قَالَ جَابِرٌ: فَدَخَلْتُ أَنَا وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ- حَتَّى عَدَّ خَمْسَةً- فِي حِجَاجِ عَيْنِهَا مَا يَرَانَا أَحَدٌ حَتَّى خَرَجْنَا، فَأَخَذْنَا ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَقَوَّسْنَاهُ ثُمَّ دَعَوْنَا بِأَعْظَمِ رَجُلٍ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ جَمَلٍ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ كِفْلٍ فِي الرَّكْبِ فَدَخَلَ تَحْتَهُ مَا يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ.\nقوله: «سِيفَ الْبَحْرِ»، أي: ساحله.\nوقوله: «فَزَخَرَ الْبَحْرُ زَخْرَةً»، أي: علا موجه.\nوقوله: «فَأَوْرَيْنَا»، أي: أوقدنا.\nوقوله: «حِجَاجِ عَيْنِهَا»: هو عظمها المستدير بها.\nوقوله: «وَأَعْظَمِ كِفْلٍ فِي الرَّكْبِ»: الكساء الذي يحويه راكب البعير على سنامه؛ لئلَّا يسقط.\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ١٤٦).","vol":"8","page":472},{"text":"وفيه: أن هذه القصة غير القصة التي حصلت لأبي عبيدة ﵁، فإن هذه القصة فيها رسول الله ﷺ، وتلك سرية ليس فيها رسول الله ﷺ، وأكل منها الصحابة شهرًا، أو ثمانية عشر يومًا حتى سمنوا، حتى ورد في الحديث: «فَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْبِ عَيْنِهِ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩٣٥).","vol":"8","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1387>بَابٌ فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ، وَيُقَالُ لَهُ: حَدِيثُ الرَّحْلِ</span>\n\n[٢٠٠٩] حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، يَقُولُ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إِلَى أَبِي فِي مَنْزِلِهِ، فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلًا، فَقَالَ لِعَازِبٍ: ابْعَثْ مَعِيَ ابْنَكَ يَحْمِلْهُ مَعِي إِلَى مَنْزِلِي، فَقَالَ لِي أَبِي: احْمِلْهُ، فَحَمَلْتُهُ، وَخَرَجَ أَبِي مَعَهُ يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا أَبَا بَكْرٍ، حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا لَيْلَةَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: نَعَمْ، أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا كُلَّهَا حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، وَخَلَا الطَّرِيقُ، فَلَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَهَا ظِلٌّ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدُ، فَنَزَلْنَا عِنْدَهَا، فَأَتَيْتُ الصَّخْرَةَ، فَسَوَّيْتُ بِيَدِي مَكَانًا يَنَامُ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي ظِلِّهَا، ثُمَّ بَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً، ثُمَّ قُلْتُ: نَمْ- يَا رَسُولَ اللَّهِ- وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ، فَنَامَ وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ مُقْبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخْرَةِ، يُرِيدُ مِنْهَا الَّذِي أَرَدْنَا، فَلَقِيتُهُ، فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَفَتَحْلُبُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَخَذَ شَاةً، فَقُلْتُ لَهُ: انْفُضِ الضَّرْعَ مِنَ الشَّعَرِ وَالتُّرَابِ وَالْقَذَى- قَالَ: فَرَأَيْتُ الْبَرَاءَ يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى الْأُخْرَى يَنْفُضُ- فَحَلَبَ لِي فِي قَعْبٍ مَعَهُ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، قَالَ: وَمَعِي إِدَاوَةٌ أَرْتَوِي\nفِيهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ لِيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَتَوَضَّأَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ مِنْ نَوْمِهِ، فَوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اشْرَبْ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ، قَالَ: فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ، ثُمَّ قَالَ: «أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟»، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: وَنَحْنُ فِي جَلَدٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُتِينَا، فَقَالَ: «لَا تَحْزَنْ؛ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا»، فَدَعَا عَلَيْهِ","vol":"8","page":474},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا أُرَى، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ، فَادْعُوَا لِي، فَاللَّهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ، فَدَعَا اللَّهَ، فَنَجَا فَرَجَعَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا هَا هُنَا، فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ، قَالَ: وَوَفَى لَنَا.\n[خ: ٣٦١٥]\nقوله: «حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا لَيْلَةَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟»، يعني: حدثني عن هجرتك مع النبي ﷺ، إلى المدينة فحدَّثه.\nوقوله: «أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا كُلَّهَا حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ»، يعني: حتى انتصف النهار.\nوقوله: «حَتَّى رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَهَا ظِلٌّ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدُ، فَنَزَلْنَا عِنْدَهَا»، يعني: ظهرت لنا صخرة في البرية، فقصدناها.\nوقوله: «فَأَتَيْتُ الصَّخْرَةَ، فَسَوَّيْتُ بِيَدِي مَكَانًا يَنَامُ فِيهِ النَّبِيُّ»، أي: قصدوا الظل، واتجهوا نحو صخرة، وفرش أبو بكر ﵁ للنبي ﷺ «فَرْوَةً» كانت معه، وقال له: «نَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ»، يعني: أنظرُ ما حولنا مما يُخشى منه من عدو، أو غيره، وفي هذا: عناية أبي بكر ﵁ بالنبي ﷺ، فبينما هو ينظر إذ رأى راعي غنم، فراح إليه وقال له: «لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ»: المراد بالمدينة هنا: مكة (^١)؛ لأن المدينة لم تكن تسمى بالمدينة في ذلك الوقت، وإنما كانت تسمى يثرب، خلافًا للقائل: إن هذا وهمٌ من بعض الرواة (^٢).\nوقوله: «أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَفَتَحْلُبُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَخَذَ شَاةً، فَقُلْتُ لَهُ: انْفُضِ الضَّرْعَ مِنَ الشَّعَرِ وَالتُّرَابِ وَالْقَذَى- قَالَ: فَرَأَيْتُ الْبَرَاءَ يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى الْأُخْرَى يَنْفُضُ- فَحَلَبَ لِي فِي قَعْبٍ مَعَهُ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ»: في قَعْبٍ،\n_________\n(^١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (٦/ ٤٧٦).\n(^٢) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ١٤٨).","vol":"8","page":475},{"text":"يعني: في إناء من خشب، والكُثْبة: المقدار القليل من اللبن.\nوقد أورد النووي ﵀ إشكالًا وأجاب عنه من أوجه، فقال: «وهذا الحديث مما يسأل عنه، فيقال: كيف شربوا اللبن من الغلام، وليس هو مالكه؟ ! وجوابه من أوجه:\nأحدها: أنه محمول على عادة العرب أنهم يأذنون للرعاة إذا مر بهم ضيف، أو عابر سبيل أن يسقوه اللبن ونحوه.\nوالثاني: أنه كان لصديق لهم يدلون عليه، وهذا جائز.\nوالثالث: أنه مال حربي لا أمان له، ومثل هذا جائز.\nوالرابع: لعلهم كانوا مضطرين، والجوابان الأولان أجود» (^١).\nقلت: قول النووي ﵀: إن هذا مال حربي هذا يكون بعد شرعية الجهاد، والجهاد شُرِع بعد ذلك بمدة، والأقرب في مثل هذا: الجواب الأول، وهو: أن الرعاة كان معهم إذن عام من أسيادهم في ذلك.\nوقوله: «وَمَعِي إِدَاوَةٌ أَرْتَوِي فِيهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ لِيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَتَوَضَّأَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ مِنْ نَوْمِهِ، فَوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ»، يعني: كان أبو بكر ﵁ معه سقاء من جلد يضع فيه شيئًا من الماء، ويتوضأ منه، فلما حلب هذا الغلام اللبن وكان اللبن حارًّا- لأنه في وقت شدة الحر- أخذ الصديق ﵁ هذه الكثبة وصب عليها من القربة الصغيرة التي معه حتى بردت، ثم جاء إلى النبي ﷺ، فوجده نائمًا، فكره أن يوقظه، «فَوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ»، أي: في وقت استيقاظه، قال: «فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ»، ولا يقال: إن صب الماء على اللبن غش؛ لأن هذا اللبن الذي أعده للنبي ﷺ إنما أضاف له الماء من أجل أن يبرد، لا من أجل أن يبيعه.\nوقوله: «فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ»، أي: حتى تحققت أنه أخذ حاجته وروي،\n_________\n(^١) شرح مسلم، للنووي (١٨/ ١٤٩).","vol":"8","page":476},{"text":"فأرضاني ذلك.\nثم بعد ذلك قال النبي ﷺ: «أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟»، فقال الصديق ﵁: «بَلَى، قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا زَالَتِ الشَّمْسُ»، فلما ارتحلا لحقهم فارس، وهو سراقة بن مالك، ففزع الصديق ﵁، وصار يكثر الالتفات، وقال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُتِينَا، فَقَالَ: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»، فاستجاب الله دعاءه في الحال، فـ «فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا»، يعني: نزلت قوائم فرس سراقة بن مالك في الأرض، وكان ذلك قبل إسلامه، حيث لحقهما، وكانت قريش تطلب النبي ﷺ وصاحبه، وجعلت مكافأة مجزية لمن يأتي بالنبي ﷺ وصاحبه ﵁ حيًّا، أو ميتًا، وهي مائة ناقة.\nوجاء في قصة اتباع سراقة للنبي ﷺ: «جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، يَجْعَلُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، مَنْ قَتَلَهُ، أَوْ أَسَرَهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ، أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ، فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ، أُرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، قَالَ سُرَاقَةُ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ، وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلانًا وَفُلانًا، انْطَلَقُوا بِأَعْيُنِنَا، ثُمَّ لَبِثْتُ فِي المَجْلِسِ سَاعَةً، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ، فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي، وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ، فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ رُمْحِي، فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ البَيْتِ، فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ الأَرْضَ، وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ، حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا، فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي، حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُمْ، فَعَثَرَتْ بِي فَرَسِي، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، فَقُمْتُ، فَأَهْوَيْتُ يَدِي إِلَى كِنَانَتِي، فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الأَزْلَامَ فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا: أَضُرُّهُمْ، أَمْ لا، فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي، وَعَصَيْتُ الأَزْلَامَ، تُقَرِّبُ بِي حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- وَهُوَ لا يَلْتَفِتُ، وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ- سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الأَرْضِ، حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، ثُمَّ زَجَرْتُهَا فَنَهَضَتْ، فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا، فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً، إِذَا","vol":"8","page":477},{"text":"لِأَثَرِ يَدَيْهَا\nعُثَانٌ سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَانِ، فَاسْتَقْسَمْتُ بِالأَزْلامِ، فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، فَنَادَيْتُهُمْ بِالأَمَانِ، فَوَقَفُوا، فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّى جِئْتُهُمْ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنَ الحَبْسِ عَنْهُمْ، أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ، وَأَخْبَرْتُهُمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الزَّادَ وَالمَتَاعَ، فَلَمْ يَرْزَآنِي، وَلَمْ يَسْأَلانِي، إِلَّا أَنْ قَالَ: أَخْفِ عَنَّا، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدِيمٍ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» (^١).\nوهذا من حماية الله تعالى لنبيه ﷺ وصاحبه ﵁، حيث جاء سراقة بن مالك معاديًا طالبًا لهما، وفي آخر الأمر رجع مسالمًا رادًّا عنهما.\nوقوله: «كتاب أمن» أي: كتاب موادعة ومصالحة وعلامة بينه وبين النبي - ﷺ -، ولهذا دوعه للنبي - ﷺ - يوم حنين.\nوفي هذا الحديث: هجرة النبي ﷺ وصاحبه الصِّديق ﵁ من مكة إلى المدينة، وذلك لما اشتد الأذى من كفار قريش على النبي ﷺ وأصحابه أذن الله تعالى لنبيه ﷺ بالهجرة.\nوفيه: إثبات الصحبة الخاصة للصديق ﵁، فالصحابة ﵃ لهم شرف الصحبة العامة، والصديق ﵁ له شرف الصحبة الخاصة بالإضافة إلى الصحبة العامة.\nوفيه: إثبات معجزة للنبي ﷺ، وهي استجابة دعائه في الحال، فحينما دعا أولًا على سراقة بن مالك ارتطمت ساق الفرس إلى بطنها في الحال، وكذلك خروج الفرس ونجاتها بعد أن أجاب الله دعاءه ﷺ في الحال.\nوفيه: حماية الله لنبيه ﷺ وأوليائه الصالحين.\nوفيه: إثبات المعية لله ﷿ في قول النبي ﷺ: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٩٠٦).","vol":"8","page":478},{"text":"والمعية نوعان:\nالأولى: معية عامة للمؤمن، والكافر، وتأتي في سياق المحاسبة والمجازاة، كقوله تعالى: ﴿وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير﴾، وقوله ﷾: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم﴾.\nالثانية: معية خاصة بالمؤمنين، وتأتي في سياق المدح والثناء، ومقتضاها: الحفظ والكلاءة والنصر والتأييد، كقوله تعالى: ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾، وقوله تعالى- لموسى وهارون-: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾، وقوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾، وقوله تعالى: ﴿واصبروا إن الله مع الصابرين﴾، فهذه الآيات تدل على المعية الخاصة.\nوفيه: خدمة التابع للمتبوع.\nوفيه: فضل الصديق ﵁، وأن من توكل على الله حق التوكل كفاه الله ما أهمه، كما قال الله تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾، أي: كافيه.","vol":"8","page":479},{"text":"وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ البَرَاءِ قَالَ: اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَبِي رَحْلًا بِثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وقَالَ فِي حَدِيثِهِ: مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، فَلَمَّا دَنَا دَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَسَاخَ فَرَسُهُ فِي الْأَرْضِ إِلَى بَطْنِهِ، وَوَثَبَ عَنْهُ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا عَمَلُكَ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُخَلِّصَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، وَلَكَ عَلَيَّ لَأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَاءِي، وَهَذِهِ كِنَانَتِي، فَخُذْ سَهْمًا مِنْهَا؛ فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ عَلَى إِبِلِي وَغِلْمَانِي بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ، قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِي إِبِلِكَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَيْلًا، فَتَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَنْزِلُ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ أَخْوَالِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ»، فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، فَوْقَ الْبُيُوتِ وَتَفَرَّقَ الْغِلْمَانُ، وَالْخَدَمُ فِي الطُّرُقِ يُنَادُونَ: يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.\nفي هذا الحديث: بيان الثمن الذي اشترى به أبو بكر ﵁ الراحلة، وهو ثلاثة عشر درهمًا.\nوقوله: «وَلَكَ عَلَيَّ لَأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَاءِي»، يعني: لأخفين أمركم عمن ورائي وألبسه عليهم، حتى لا يتبعوكم، وقوله: «وَهَذِهِ كِنَانَتِي، فَخُذْ سَهْمًا مِنْهَا، فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ عَلَى إِبِلِي وَغِلْمَانِي بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ»، يعني: يكون سهمُ كنانتي علامةً لغلماني في الطريق، حتى إذا أتيتهم وأعطيتهم العلامة عرفوها وأعطوك ما شئتَ من اللبن، أو الغنم، أو الإبل، وظاهر هذا: أن سراقة له إبل، وله رعاة في الطريق، فقال له النبي ﷺ: «لَا حَاجَةَ لِي فِي إِبِلِكَ»، أي: لا نحتاج إلى شيء من ذلك.","vol":"8","page":480},{"text":"وقوله: «فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَيْلًا، فَتَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»، أي: تجاذبوا ذلك، وحرصوا عليه.\nوقوله: «فَقَالَ: أَنْزِلُ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ أَخْوَالِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أُكْرِمُهُمْ»، وكان هاشم قد تزوج امرأة من بني النجار، فولدت عبد المطلب؛ فلذلك كانوا أخواله، وفيه: أن الرجل العظيم إذا نزل في بلد وله أقارب ينزل على أقاربه؛ يكرمهم بذلك.\nوقوله: «فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، فَوْقَ الْبُيُوتِ وَتَفَرَّقَ الْغِلْمَانُ، وَالْخَدَمُ فِي الطُّرُقِ يُنَادُونَ: يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ»: هذا خير عظيم ساقه الله ﷿ إلى أهل المدينة، فصار الغلمان ينادون، والجواري ينادين من فوق السطوح: قدم محمدٌ ﷺ، قدم رسول الله ﷺ، وأما إنشاد البيتين التاليين:\nطَلَعَ البَدْرُ عَلَيْنَا ... مِنْ ثَنِيَّاتِ الوَدَاعْ\nوَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا ... مَا دَعَا للهِ دَاعْ (^١)\nفهو وهم من بعض الرواة، كما نبه على ذلك ابن القيم وقال: (لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام) (^٢) وسند القصة معضل كما قال الحافظ ابن حجر ﵀ (^٣) فلعل ذلك في قدومه من تبوك.\nكل ذلك فرحًا وسرورًا بقدوم رسول الله ﷺ؛ ولهذا قال أنس ﵁: «لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، وَقَالَ: مَا نَفَضْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْأَيْدِي حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا» (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٥٠٦).\n(^٢) زاد المعاد (٣/ ١٠).\n(^٣) فتح الباري\n(^٤) أخرجه أحمد (١٣٨٣٠)، والترمذي (٣٦١٨)، وابن ماجه (١٦٣١).","vol":"8","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1388>كِتَاب التَّفْسِيرِ</span>","vol":"8","page":483},{"text":"كِتَاب التَّفْسِيرِ\n\n[٣٠١٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا، وَقُولُوا: حِطَّةٌ، يُغْفَرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ، فَبَدَّلُوا، فَدَخَلُوا الْبَابَ يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ».\n[خ: ٣٤٠٣]\nهذا الكتاب عقده المؤلف في التفسير؛ أَيْ: تفسير الآيات التي فسرها النبي ﷺ، وهذا الكتاب ليس كبيرًا؛ لأن هذه هي الأحاديث التي أخرجها مسلم ﵀، وكانت على شرطه.\nوقوله تعالى: ﴿ادخلوا الباب﴾، أي: باب البلدة، وهي بيت المقدس.\nوقوله: ﴿وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم﴾ أي: قولوا: يا الله حُطَّ عنا خطايانا، واغفر لنا، ثم وعدهم بأن البلد ستفتح، فغيَّروا القول.\nوقوله: «عَلَى أَسْتَاهِهِمْ»، يعني: على أدبارهم، وهو جمع: است.\nوقوله: «حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ» قالوا مستهزئين: حبة في شعرة، وفي غير مسلم: «حِنْطَةٌ فِي شَعَرَةٍ» (^١)، والشعرة هي: السنبلة.\nوفي هذا الحديث: أن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الباب\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤٤٧٩).","vol":"8","page":485},{"text":"سُجَّدًا؛ أي: يركعون تعظيمًا لله ﷿، والركوع يسمى السجود، وذلك شكرًا لله.\nوفيه: عتو بني إسرائيل، وعنادهم، وتمردهم على أنبيائهم، ومعارضتهم لأمر الله وأمر رسوله ﷺ.\nوفيه: أنهم غيروا في القول، وفي الفعل؛ بسبب عتوهم وعنادهم.\nأما في الفعل: فلما أمرهم الله تعالى أن يدخلوا الباب سجدًا دخلوه يزحفون.\nوأما في القول: فقد غيروا، وقالوا: حنطة في شعرة، أو: حبة في شعرة، فزادوا النون في (حطة) فصارت (حنطة)، أو غيروها من (حطة) إلى (حبة) سخرية واستهزاء- لعنهم الله-، فغيروا في القول وفي الفعل- عياذًا بالله.\nوالجهمية الذين أنكروا صفات الله ﷿- أيضًا- غيروا؛ ففسروا- مثلًا-: ﴿استوى﴾ باستولى، فزادوا لامًا، كما أن اليهود زادوا نونًا في ﴿حِطَّة﴾؛ ولهذا يقول ابن القيم ﵀:\nأُمِرَ اليَهُودُ بِأَنْ يَقُولُوا حِطَّةً ... فَأَبَوْا وقَالُوا حِنْطَةً لِهَوانِ\nوَكَذَلِكَ الجَهْمِيُّ قِيلَ لَهُ اسْتَوَى ... فَأَبَى وَزَادَ الحَرْفَ لِلنُّقْصَانِ\nقَالَ اسْتَوَى اسْتَوْلَى وَذَا مِنْ جَهْلِهِ ... لُغَةً وَعَقْلًا مَا هُمَا سِيَّانِ (^١)\nوفيه: الحث على امتثال أوامر الله ﷿، واتباع نبيه ﷺ، فالواجب على المسلم أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وأن يتبع الأوامر، وأن يَحْذَر من التغيير والتبديل.\nولما فعل هؤلاء هذا مع نبيهم ورفضوا الانقياد لموسى ﵊، وقالوا له: ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون﴾، أي: لا يمكن أن ندخل البلدة التي فيها قوم جبارون ما داموا فيها، قال لهم: إن الله\n_________\n(^١) القصيدة النونية، لابن القيم (ص ١٢١).","vol":"8","page":486},{"text":"وعدني إن أنتم صدَّقتم لينصرنكم، قالوا: لن نستطيع، اذهب قاتل أنت وربك؛ إنا ههنا قاعدون، فعاقبهم الله تعالى بالتيه، وقال: ﴿فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض﴾، أي: لا يهتدون.\nلكن البلدة فُتحت بعد ذلك لما هلك هؤلاء، وجاء أبناؤهم الذين نشؤوا تنشئة صالحة على الجهاد وعلى القتال، فدخلوا مع نبيهم ﵇ وفتح موسى بيتَ المقدس.\n\n[٣٠١٦] حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: حَدَّثَنِي، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنُونَ: ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ- وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ- عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ اللَّهَ ﷿ تَابَعَ الْوَحْيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تُوُفِّيَ، وَأَكْثَرُ مَا كَانَ الْوَحْيُ يَوْمَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\n[خ: ٤٩٨٢]\nفي هذا الحديث: إكمال الوحي على النبي ﷺ، وإكمال الدين وإتمامه، فقد تابع الله تعالى عليه الوحي، فكان أكثر ما يكون في آخر حياة النبي ﷺ.","vol":"8","page":487},{"text":"[٣٠١٧] حَدَّثَنِي أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- وَهُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِعُمَرَ: إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ آيَةً لَوْ أُنْزِلَتْ فِينَا لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ، وَأَيَّ يَوْمٍ أُنْزِلَتْ، وَأَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ أُنْزِلَتْ، أُنْزِلَتْ بِعَرَفَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، قَالَ سُفْيَانُ: أَشُكُّ كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، أَمْ لَا، يَعْنِي: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾.\n[خ: ٤٥]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَتْ الْيَهُودُ لِعُمَرَ: لَوْ عَلَيْنَا- مَعْشَرَ يَهُودَ- نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ نَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: فَقَدْ عَلِمْتُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ، وَالسَّاعَةَ، وَأَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ، نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ.\nوَحَدَّثَنِي عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا نَزَلَتْ- مَعْشَرَ الْيَهُودِ- لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: وَأَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ.\nقوله: «لَيْلَةَ جَمْعٍ»، يعني: في ليلة عيد، والمراد: عشية عرفة، وقد نزلت","vol":"8","page":488},{"text":"يوم الجمعة على النبي ﷺ، وهو واقف بعرفة.\nوفي هذا الحديث: أن هذا اليهودي كان في زمن خلافة عمر ﵁.\nوفيه: أن أعياد المسلمين شرعية، بخلاف أهل البدع الذين لهم أعياد بدعية.\nوفيه: معرفة اليهود للحق وعدم اتباعهم، فهم يعرفون أن هذا اليوم عيد، ومع ذلك لم يؤمنوا ولم يتبعوا الحق؛ عنادًا واستكبارًا.","vol":"8","page":489},{"text":"[٣٠١٨] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا، وقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي، هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ، فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا، فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ فِيهِنَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قَالَتْ: وَالَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُتْلَى\nعَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ: الْآيَةُ الْأُولَى الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللَّهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةَ أَحَدِكُمْ عَنِ اليَتِيمَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالْقِسْطِ؛ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ.\n[خ: ٢٤٩٤]\nوَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ: أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذَا كُنَّ قَلِيلَاتِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ.","vol":"8","page":490},{"text":"قولها: «هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا»: تُصُوِّرُ الإنسان الذي يكون وليَّ ابنةِ عمه، ليس لها ولي أقرب منه، فليس لها أب ولا أخ، فتنشأ عنده، فإذا كانت جميلة تزوجها- يعني: برضاها- وإن كانت دميمة تركها.\nوقولها: «فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ»، أي: يريد أن يتزوجها بغير أن يعدل.\nوقولها: «وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّدَاقِ»، يعني: أعلى مهورهن ومهور أمثالهن.\nوفيه: أن الله تعالى نهاهم أن يتزوج أحدهم يتيمة بغير إذنها، فلا بد أن تأذن، واليتيمة إذنها أن تسكت؛ لحديث: «لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: «أَنْ تَسْكُتَ» (^١)، فإذا استؤذنت وسكتت فهذا إذنها، وإن تكلمت فهو أبلغ، خلافًا لابن حزم ﵀ الذي يقول: «وكل ثيب فإذنها في نكاحها لا يكون إلا بكلامها بما يعرف به رضاها، وكل بكر فلا يكون إذنها في نكاحها إلا بسكوتها فإن سكتت فقد أذنت ولزمها النكاح، فإن تكلمت بالرضا أو بالمنع أو غير ذلك فلا ينعقد بهذا نكاح عليها» (^٢)، وهذا جمود من الظاهرية، فهم يقولون: لا بد أن تسكت، أما إذا تكلمت فلا؛ لأنه خلاف الظاهر.\nوفي هذا الحديث: أن عائشة ﵂ فسرت هذه الآية كما فسرها النبي ﷺ، وأن هذه الآية في اليتيمة في حجر وليها.\nوفيه: أن تعدد الزوجات هو الأصل، وأنه يُقتصر على الواحدة عند خوف عدم العدل.\nوفيه: أن من أراد أن يتزوج موليته فيجب أن يعطيها مهرها كاملًا، مثل مهر أمثالها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٣٦)، ومسلم (١٤١٩).\n(^٢) المحلى، لابن حزم (٩/ ٤٧١).","vol":"8","page":491},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْيَتِيمَةُ، وَهُوَ وَلِيُّهَا وَوَارِثُهَا، وَلَهَا مَالٌ، وَلَيْسَ لَهَا أَحَدٌ يُخَاصِمُ دُونَهَا، فَلَا يُنْكِحُهَا لِمَالِهَا، فَيَضُرُّ بِهَا، وَيُسِيءُ صُحْبَتَهَا، فَقَالَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، يَقُولُ: مَا أَحْلَلْتُ لَكُمْ، وَدَعْ هَذِهِ الَّتِي تَضُرُّ بِهَا.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي الْيَتِيمَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَتَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ، فَيَرْغَبُ عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ، فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ، فَيَعْضِلُهَا، فَلَا يَتَزَوَّجُهَا، وَلَا يُزَوِّجُهَا غَيْرَهُ.\nفي هذا الحديث: أن هذه الآية نزلت في الولي كابن العم، يكون عنده اليتيمة فتكون عندها مال، فيضُرُّ بها ولا يُزَوِّجُهَا، بل يبقيها عنده حتى تموت، فيرثها؛ لأنه لو زَوَّجَها لشاركه زَوْجُهَا في إرثها، فهو لا يريد أن يتزوجها؛ لأنها ليست جميلة، ولا يُزَوِّجُها غَيْرَهُ؛ خشيةَ أن يُشاركه الزَوْجُ في إرثها إذا ماتت.\nوفيه: أن الواجب عليه أن يُزَوِّجَهَا، وأن يتقي الله ﷿.\nوهذا موجود عند بعض الناس، يُبقي موليته اليتيمة عنده تخدمه، أو تخدم زوجته، أو ترعى إبله أو غنمه، وهذا من الظلم والجور، والواجب عليه أن يُزَوِّجَهَا، وأن يلتمس لإبله أو غنمه خادمًا أو راعيًا.","vol":"8","page":492},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ...﴾ الْآيَةَ، قَالَتْ: هِيَ الْيَتِيمَةُ الَّتِي تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ لَعَلَّهَا أَنْ تَكُونَ قَدْ شَرِكَتْهُ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي الْعَذْقِ، فَيَرْغَبُ- يَعْنِي: أَنْ يَنْكِحَهَا- وَيَكْرَهُ أَنْ يُنْكِحَهَا رَجُلًا، فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ، فَيَعْضِلُهَا.\nقولها: «قَدْ شَرِكَتْهُ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي الْعَذْقِ»: شَرِكَتْهُ: بكسر الراء، والْعَذْقُ: بِفَتْحِ العين: النخلة أو النخلات، وبكسر العين (عِذق): هو القِنو، والمراد هنا: الأول.\nوفي هذا الحديث: أن هذا الإرث يكون مشتركًا بينهما؛ كأن يكون وليها ابن عمها، فجدُّهما واحد، فتكون شريكة له في المال، حتى لو كان نخلات في بستان؛ لقولها: «قَدْ شَرِكَتْهُ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي الْعَذْقِ»: فيكون لها منه جزء، وله منه جزء.","vol":"8","page":493},{"text":"[٣٠١٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْله: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي وَالِي مَالِ الْيَتِيمِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُهُ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ.\n[خ: ٢٢١٢]\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا بِقَدْرِ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ.\n\n[٣٠٢٠] وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nفي هذا الحديث: أن ولي مال اليتيم إذا كان ينمي ماله ويصلحه فإن كان الولي غنيًّا فعليه أن يستعفف، وإن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف، فيأخذ الأقل من أجرته أو كفايته؛ بحيث إذا كانت أجرة أمثاله عشرة، وكانت كفايته ثمانية فليأخذ ثمانية، وإذا كان العكس؛ بأن كانت أجرة أمثاله ثمانية، وكانت كفايته عشرة فليأخذ ثمانية، وهو يأخذ ذلك؛ لأنه يتفرغ لتنمية مال اليتيم، وإن استعفف فهو أفضل.\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ قَالَتْ: كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ.\nقوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ","vol":"8","page":494},{"text":"وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾، أي: إذ جاء الأحزاب وتحزبوا وتجمعوا وأحاطوا بالمدينة.\nوفي هذا الحديث: أن هذه الآيات نزلت في غزوة الأحزاب، وتسمى- أيضًا- غزوة الخندق؛ لأن النبي ﷺ حفر خندقًا حول المدينة بمشورة سلمان الفارسي ﵁، وقد كان معروفًا في فارس، فلما جاء الأحزاب وأحاطوا بالمسلمين أشار سلمان ﵁ بأن يُحفر خندق حول المدينة، وأن يجعل حرس في المداخل، فلما جاءت الأحزاب ليدخلوا المدينة وجدوا المدينة كلها محاطة بحَفْرٍ ما كانت لتستطيع عبوره ومجاوزته مباشرة، فتسقط فيه الخيل والإبل، فقال بعضهم: هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها.\n\n[٣٠٢١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا ...﴾ الْآيَةَ، قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَتَطُولُ صُحْبَتُهَا، فَيُرِيدُ طَلَاقَهَا، فَتَقُولُ: لَا تُطَلِّقْنِي، وَأَمْسِكْنِي، وَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنِّي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ.\n[خ: ٢٤٥٠]\nحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قَالَتْ: نَزَلَتْ فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَلَعَلَّهُ أَنْ لَا يَسْتَكْثِرَ مِنْهَا، وَتَكُونُ لَهَا صُحْبَةٌ وَوَلَدٌ، فَتَكْرَهُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ لَهُ: أَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ شَأْنِي.\nفي هذا الحديث: أن المرأة تكون عند رجل، ويريد أن يطلقها، ويكون لها أولاد وهي لا تريد أن تُطلَّق، فتقول له: أنا أُسقط بعض حقي وتبقيني، فَتُسْقِط بعض حقها؛ كليلتها مثلًا، أو بعض النفقة.\nومن هذا الباب: أن سودة بنت زمعة ﵂- زوج النبي ﷺ- لما كبر سنها","vol":"8","page":495},{"text":"وخشيت أن يطلقها النبي ﷺ قالت: يا رسول الله، أتبقيني عندك، وأهب ليلتي لعائشة؟ فبقيت عند النبي ﷺ، وصار يقصد عائشة ﵂ ليلتين (^١).\nومن هذا القبيل: زواج المسيار الآن، كأن يتفق معها أن تسقط بعض حقها، كأن تسقط ليلة من حقها، أو تكتفي منه بأن يأتيها ليلة في الأسبوع، فالحق لها، وإذا أرادت أن ترجع فيما بعد فلها أن ترجع، فإن أعطاها حقها وإلا تطلب الطلاق.\n\n[٣٠٢٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: يَا ابْنَ أُخْتِي، أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَسَبُّوهُمْ.\nوَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.\nفي هذا الحديث: أن هؤلاء المقصودين هم الخوارج والشيعة، فالخوارج سبُّوا عليًّا ﵁ وأصحابه، والشيعة الرافضة سبُّوا الصحابة ﵃ وكفَّروهم.\nوقولها: «أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ»، أي: في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، فهذا أمر الله تعالى لمن أتى بعد الصحابة ﵃ أن يستغفروا للمهاجرين والأنصار بعد أن قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٩٣)، ومسلم (١٤٦٣).","vol":"8","page":496},{"text":"وقد سُمي الخوارج الذين سَبُّوا عليًّا وأصحابه بالنواصب؛ لأنهم نصبوا العداوة لأهل البيت.\n\n[٣٠٢٣] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، فَرَحَلْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ آخِرَ مَا أُنْزِلَ، ثُمَّ مَا نَسَخَهَا شَيْءٌ.\n[خ: ٤٥٩٠]\nوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ: نَزَلَتْ فِي آخِرِ مَا أُنْزِلَ، وَفِي حَدِيثِ النَّضْرِ: إِنَّهَا لَمِنْ آخِرِ مَا أُنْزِلَتْ.\nفي هذا الحديث: أن سعيد بن جبير ﵀ رحل إلى ابن عباس ﵄ ليسأله عن هذه الآية لمَّا اختلف أهل الكوفة في تفسيرها، وهذا أصل في الرحلة في طلب العلم.\nوفيه: أن العلماء ما زالوا يرحلون في طلب العلم؛ وذلك لأن العلم هو الذي يضبط للإنسان العمل، فليس هناك عمل صحيح إلا بالعلم، فالعلم هو وسيلة العمل، والعلم هو طريق السعادة والنجاة، وما زال العلماء يرحلون في طلبه؛ ولهذا قال العلماء: الرحلة في طلب العلم سُنَّة.\nوقد رحل الصحابة ﵃ في طلب العلم، ففي المسند: أن جابر بن عبد الله ﵄ رحل مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس ﵁ من المدينة إلى الشام في طلب حديث واحد، واشترى بعيرًا خصَّصه لهذه المهمة، فلما وصل إليه، وسلم عليه قال: «حَدِيثًا بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ","vol":"8","page":497},{"text":"اللهِ ﷺ فِي الْقِصَاصِ، فَخَشِيتُ أَنْ تَمُوتَ، أَوْ أَمُوتَ قَبْلَ أَنْ أَسْمَعَهُ» (^١)، وهذا يدل على عناية العلماء بذلك؛ ولهذا لما ساق الإمام مسلم ﵀ الأحاديث، وتذكَّر المشقة والتعب الذي حصل له في جمعه لطرق الحديث روى الأثر القائل: «لَا يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ» (^٢)؛ ليبين لطالب العلم أن العلم لا يُنال إلا بالمشقة، ولا تجد عالمًا من العلماء، أو طالبَ علم حصَّل العلم براحة الجسم، بل بالسهر والتعب، والتضحية بالملذات والشهوات.\nوفيه: أن مقصود ابن عباس ﵄ من قوله: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ آخِرَ مَا أُنْزِلَ، ثُمَّ مَا نَسَخَهَا شَيْءٌ»: أن القاتل لا توبة له، وأنها آخر ما نزل، وهذا هو المشهور عن ابن عباس ﵁.\nوفيه: أنها نزلت بعد آية الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾.\nوالصواب الذي عليه جماهير الصحابة ﵃ ومن بعدهم من العلماء: أن القاتل له توبة إذا لم يستحِلَّ القتل، وكذلك المشرك إذا تاب التوبةَ النصوح قبل الموت بشروطها فله توبة (^٣)؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم﴾، وقد أجمع العلماء على أنها نزلت في التائبين.\nوالكل يؤخذ من قوله ويُرَدُّ إلا رسول الله ﷺ، وإن اختلف أهل العلم من الصحابة وغيرهم وجب عرض أقوالهم على الكتاب والسنة، أما إذا قال الصحابي قولًا، وليس في المسألة دليل ولا نص ولم يخالفه صحابيٌّ آخر،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦٠٤٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٦١٢).\n(^٣) حاشية الدر المختار، لابن عابدين (٦/ ٥٢٩)، مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (٥/ ٢١١)، المغني، لابن قدامة (٨/ ٢٥٩).","vol":"8","page":498},{"text":"فإنه يكون حجةً على الصحيح، فإن خالفه قول صحابي آخر يُرجع إلى النصوص والقواعد الشرعية.\nوأما قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فهذه لغير التائبين؛ لأن الله تعالى خص الشرك بأنه لا يُغفر، وعلَّق ما دونه على المشيئة.\nوالقاتل داخل في عموم قوله تعالى: ﴿إن الله غفور رحيم﴾ فمن تاب تاب الله عليه.\nلكن يُشترط لتوبة القاتل أداءُ ثلاثة حقوق: حق الله، وحق القتيل، وحق أولياء القتيل، فإذا أدى الحقوق الثلاثة صحت التوبة.\nأما حق أولياء القتيل: فأن يسلم نفسه إليهم ليصطلح معهم، إما أن يقتلوه قصاصًا، وإما أن يدفع لهم الدية، أو أكثر منها، وإما أن يعفوا عنه دون دية، أو قود، فإذا سلَّم نفسه إليهم سقط حقهم.\nوحق الله تعالى أن يتوب توبة نصوحًا، بأن يُقلع، ويندم، ويعزم عزمًا جازمًا على ألا يعود إليه، فإذا فعل سقط حق الله.\nوأما حق القتيل: فإن الله تعالى يرضيه يوم القيامة بما يعطيه من الثواب والأجر العظيم فيعفو عنه.\nوروي عن ابن عباس ﵄- أيضًا- رواية أخرى توافق رأي الجمهور، وهي: أن القاتل له توبة (^١).\nوليس معنى قول ابن عباس ﵄: أنه لا توبة له: أنه مخلد في النار كالمشرك، بل المعنى: أنه لا يُعفى عنه، لكن يعذب بقدر جريمة القتل، ثم في النهاية يدخل الجنة، هذا إذا رجحت سيئاته على حسناته، أما إذا رجحت الحسنات فإنه يسقط منها ما يقابل جريمة القتل، ولا يدخل النار،\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في التفسير (٧/ ٣٤٧).","vol":"8","page":499},{"text":"بخلاف الكبائر الأخرى، فإن فاعلها تحت مشيئة الله، إما أن يعفو عنه دون استنقاص شيء من حسناته، وإما أن يعذبه.\nحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: لَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ، وَعَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ.\n[خ: ٤٧٦٥]\nحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ اللَّيْثِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ- يَعْنِي: شَيْبَانَ- عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِمَكَّةَ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿مُهَانًا﴾، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَمَا يُغْنِي عَنَّا الْإِسْلَامُ، وَقَدْ عَدَلْنَا بِاللَّهِ، وَقَدْ قَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَأَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ...﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ: فَأَمَّا مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ وَعَقَلَهُ، ثُمَّ قَتَلَ فَلَا تَوْبَةَ لَهُ.\nقوله: «وَقَدْ عَدَلْنَا بِاللَّهِ»، يعني: أشركنا، فالمشرك يعدل بالله تعالى غيره، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾.\nوقد روي عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا تَوْبَةٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا النَّارُ، فَلَمَّا ذَهَبَ قَالَ لَهُ جُلَسَاؤُهُ: مَا هَكَذَا كُنْتَ تُفْتِينَا، كُنْتَ تُفْتِينَا أَنَّ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا تَوْبَةٌ مَقْبُولَةٌ، فَمَا بَالُ الْيَوْمِ؟ قَالَ: إِنِّي أَحْسِبُهُ رَجُلٌ","vol":"8","page":500},{"text":"مُغْضَبٌ، يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا، قَالَ: فَبَعَثُوا فِي أَثَرِهِ فَوَجَدُوهُ كَذَلِكَ» (^١).\nوجُمِع بين فتواه ﵁ بأن القاتل له توبة، وفتواه بأنه ليس له توبة بأن هذا الذي قال له: لا توبة للقاتل قالها لما رآه متهيئًا للقتل، فأراد أن يزجره، والثاني جاء نادمًا تائبًا عليه علامة التوبة والذل والانكسار، فقال له: إن للقاتل توبة؛ لئلَّا يقنطه من رحمة الله تعالى.\nولا شك أن القتل جريمة عظيمة من الجرائم البشعة، وهو من أعظم الذنوب، لكن الجرائم مهما بلغت من البشاعة والفحش فإن باب التوبة مفتوح.\nحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَلِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَتَلَوْتُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ...﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ: هَذِهِ آيَةٌ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا﴾.\nوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ هَاشِمٍ: فَتَلَوْتُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾.\nفي هذا الحديث: أن الراجح من أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾: أنها عامة في أهل الشرك وفي غيرهم، وفي القاتل، وفي كل\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٧٧٥٣).","vol":"8","page":501},{"text":"معصية، فمن تاب توبة نصوحًا وأَتبع التوبةَ بالعمل الصالح بدَّل الله سيئاتِهِ حسناتٍ- وإن دخل فيها الشرك- فالآية عامة؛ للقاعدة: أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.\nوهناك دليل خاص في أن القاتل له توبة؛ وهو حديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا (^١).\nوقد قال العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿فجزاؤه جهنم﴾: هذا جزاء القاتل إن جازاه، وإلا فهو تحت مشيئة الله.\n\n[٣٠٢٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْلَمُ- وَقَالَ هَارُونُ: تَدْرِي- آخِرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ نَزَلَتْ جَمِيعًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قَالَ: صَدَقْتَ.\nوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ تَعْلَمُ أَيُّ سُورَةٍ- وَلَمْ يَقُلْ: آخِرَ- وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَيْسٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: آخِرَ سُورَةٍ، وَقَالَ: عَبْدِ الْمَجِيدِ، وَلَمْ يَقُلْ: ابْنِ سُهَيْلٍ.\nفي هذا الحديث: بيان أن هذه السورة نزلت في آخر ما أنزل من القرآن، وقد نزلت جملة واحدة في آخر حياة النبي ﷺ، وفيها الإعلام بأجل رسول الله ﷺ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: «كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ، فَسَأَلَ عُمَرُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالفَتْحُ﴾،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٧٠)، ومسلم (٢٧١٦).","vol":"8","page":502},{"text":"فَقَالَ: أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ، قَالَ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ» (^١).\nومعنى آيات السورة: أنه إذا فُتحت مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فأكثر من الاستغفار والتسبيح، واستعِدَّ للقائنا؛ فإن مهمتك في الدنيا قد قضيت.\n\n[٣٠٢٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ- قَالَ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَقِيَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَأَخَذُوهُ فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا تِلْكَ الْغُنَيْمَةَ، فَنَزَلَتْ: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) وَقَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿السَّلَامَ﴾.\n[خ: ٤٥٩١]\nفي هذا الحديث: أن حفصًا والجمهور قرؤوا في هذه الآية: ﴿السلام﴾، وفي قراءة ثانية (السلم).\nومعنى قوله تعالى: ﴿ألقى إليكم السلام﴾، أي: قال: السلام عليكم.\nوفيه: أنه يجب التثبت وعدم العجلة لمن أعلن إسلامه، فلا يجوز قتله، بل يمهَل المشركُ، ويُنظَر إذا قال: السلام عليكم، أو قال: أسلمتُ، أو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فإن قالها وجب الكفُّ عنه، وحُكم بإسلامه، ثم يُنظَر بعد ذلك هل يلتزم بأحكام الدين، أم لا، فإذا لم يلتزم قُتل بعد ذلك ردةً.\nوفيه: أنهم أخذوا هذا الرجل وأخذوا غنيمته، فقال الله ﷿ معاتبًا لهم: ﴿تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾، أي: تبتغون الغنيمة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٢٧).","vol":"8","page":503},{"text":"ثم قال الله تعالى: ﴿كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا﴾، يعني: أنتم قبل ذلك كنتم مثله مشركين، فَمَنَّ الله عليكم بالإسلام، فتبينوا، يعني: فتثبتوا، وهي هكذا في قراءة: (فتثبتوا).\nوفيه: أن هذا خطأ حدث منهم اجتهادًا، مثل ما حصل لخالد بن الوليد ﵁ لما جاء إلى بني جذيمة، وجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، يريدون: أسلمنا، فجعل خالد يقتلهم، فشدد النبي ﷺ عليه، ورفع يده، وقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ- مَرَّتَيْنِ» (^١)، وغرم ديتهم، ومع ذلك لم يعزله عن قيادة الجيش؛ لأنه فعل ذلك عن اجتهاد، لكن الله تعالى يؤدِّب عباده ويعاتبهم.\n\n[٣٠٢٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولَ: كَانَتْ الْأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا فَرَجَعُوا لَمْ يَدْخُلُوا الْبُيُوتَ إِلَّا مِنْ ظُهُورِهَا، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَدَخَلَ مِنْ بَابِهِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾.\n[خ: ١٨٠٣]\nفي هذا الحديث: أن سبب نزول هذه الآية: أن من الآصار التي كانت على الناس في الجاهلية: أنه إذا حج الواحد منهم، ثم أتى بيته لا يدخله من الباب، بل يتسلق الجدار، فأنزل الله هذه الآية؛ رفعًا للحرج والمشقة التي لحقتهم بهذه الآصار والأغلال الجاهلية.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٣٩).","vol":"8","page":504},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1389>بَابٌ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾</span>\n\n[٣٠٢٧] حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ.\nفي هذا الحديث: أن أصحاب النبي ﷺ تربوا على هدي القرآن، وهذه الآية من آيات التربية القرآنية لهم.\nوفيه: دليل على أن هذه المدة كافية في تربيتهم واعتزازهم بدينهم وبُعدهم عن غيرهم من المسلمين.\nوفي الآية: تحريضهم على الخشوع، ونهيهم عن التشبه بالكافرين في قسوة القلوب والفسق.","vol":"8","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1390>بَابٌ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾</span>\n\n[٣٠٢٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهِيَ عُرْيَانَةٌ، فَتَقُولُ: مَنْ يُعِيرُنِي تِطْوَافًا تَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا، وَتَقُولُ:\nالْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ\nفَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.\nفي هذا الحديث: أن الواحد في الجاهلية كان إذا خرج إلى مكة للحج والعمرة لا يطوف بثيابه؛ لأنه يقول: هذه ثياب عُصِيَ الله فيها، وقد تنجست، فيرميها، فإن وجد أحدًا يعطيه ثوبًا من أهل مكة طاف به، وإن لم يجد طاف عريانًا.\nوفيه: أنهم كانوا يتورَّعون عن الطواف بثياب المعصية مع فعلهم لما هو أعظم؛ وهو الشرك بالله ﷿.","vol":"8","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1391>بَابٌ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾</span>\n\n[٣٠٢٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ يَقُولُ لِجَارِيَةٍ لَهُ: اذْهَبِي فَابْغِينَا شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ جَارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ يُقَالُ لَهَا: مُسَيْكَةُ، وَأُخْرَى يُقَالُ لَهَا: أُمَيْمَةُ، فَكَانَ يُكْرِهُهُمَا عَلَى الزِّنَا، فَشَكَتَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ...﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nقوله تعالى: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أي: غفور رحيم للفتيات المكرَهات.\nوفي هذا الحديث: أن قول الله تعالى: ﴿إن أردن تحصنًا﴾: ليس قيدًا، ولا يفيد الإذن بالزنا إذا لم يُرِدْنَ تحصُّنًا، بل المراد: بيان الواقع والحال ووصف الغالب، وهذا مثل: قوله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم﴾، ففيه بيان تحريم الربيبة التي في الحجر، وهذا ليس قيدًا، بل تحرم الربيبة ولو لم تكن في الحجر، وذُكرت لبيان الواقع، أو لبيان الأغلب، ومثله: قوله تعالى: ﴿ومن يدع مع الله إلهًا آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه﴾ فدعاء غير الله شرك، ولكن قول الله: ﴿لا برهان له به﴾ لبيان واقع المشرك، وليس يدل على أنه إذا كان عنده برهان جاز الشرك.","vol":"8","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1392>بَابٌ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾</span>\n\n[٣٠٣٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ قَالَ: كَانَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ أَسْلَمُوا، وَكَانُوا يُعْبَدُونَ، فَبَقِيَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ عَلَى عِبَادَتِهِمْ وَقَدْ أَسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الْجِنِّ.\n[خ: ٤٧١٤]\nحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ: كَانَ نَفَرٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ، فَأَسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الْجِنِّ، وَاسْتَمْسَكَ الْإِنْسُ بِعِبَادَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾.\nوَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.\nوَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ، فَأَسْلَمَ الْجِنِّيُّونَ وَالْإِنْسُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، فَنَزَلَتْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾.\nفي هذا الحديث: أن نفرًا من الإنس كانوا يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم","vol":"8","page":508},{"text":"الجنيون، وبقي الإنس على عبادتهم، فأنزل الله تعالى القرآن يخبرهم فيه: أن أولئك الذين تعبدونهم يدعون الله ويخافونه ويرجون رحمته، فكيف تعبدونهم وهم يعبدون الله ويخافونه؟ ! والذي يخاف ويرجو لا يَصلح للعبادة.","vol":"8","page":509},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1393>بَاب فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ، وَالْأَنْفَالِ، وَالْحَشْرِ</span>\n\n[٣٠٣١] حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ التَّوْبَةِ، قَالَ: آلتَّوْبَةِ؟ قَالَ: بَلْ هِيَ الْفَاضِحَةُ، مَا زَالَتْ تَنْزِلُ: وَمِنْهُمْ، وَمِنْهُمْ، حَتَّى ظَنُّوا أَنْ لَا يَبْقَى مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا ذُكِرَ فِيهَا، قَالَ: قُلْتُ: سُورَةُ الْأَنْفَالِ، قَالَ: تِلْكَ سُورَةُ بَدْرٍ، قَالَ: قُلْتُ: فَالْحَشْرُ؟ قَالَ: نَزَلَتْ فِي بَنِي النَّضِيرِ.\n[خ: ٤٨٨٢]\nقوله: «آلتَّوْبَةِ؟»: بتسهيل الهمزة، فأصلها: أألتوبة، ومعناه: أهي التوبة؟\nوقوله: «بَلْ هِيَ الْفَاضِحَةُ»: لأنها فضحت المنافقين بأوصافهم.\nوقوله: «تِلْكَ سُورَةُ بَدْرٍ»: لأن قصة غزوة بدر ذُكرت في سورة الأنفال.\nوقوله: «فَالْحَشْرُ؟ قَالَ: نَزَلَتْ فِي بَنِي النَّضِيرِ»: جاء في البخاري: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الحَشْرِ، قَالَ: «قُلْ سُورَةُ النَّضِيرِ» (^١) كأنه أراد ألا يظن أن المراد يوم القيامة، وإنما هو حشر خاص بإخراج بني النضير.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٠٢٩).","vol":"8","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1394>بَابٌ فِي نُزُولِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ</span>\n\n[٣٠٣٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ أَبِي حَيَّانَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَلَا وَإِنَّ الْخَمْرَ نَزَلَ تَحْرِيمُهَا يَوْمَ نَزَلَ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: مِنَ الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالْعَسَلِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ، وَثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ وَدِدْتُ- أَيُّهَا النَّاسُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَهِدَ إِلَيْنَا فِيهَا: الْجَدُّ، وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا.\n[خ: ٥٥٨٨]\nوَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولَ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ، وَثَلَاثٌ- أَيُّهَا النَّاسُ- وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَهِدَ إِلَيْنَا فِيهِنَّ عَهْدًا نَنْتَهِي إِلَيْهِ: الْجَدُّ، وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا.\nوَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي حَيَّانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ عُلَيَّةَ فِي حَدِيثِهِ: الْعِنَبِ، كَمَا قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، وَفِي حَدِيثِ عِيسَى: الزَّبِيبِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مُسْهِرٍ.\nفي هذا الحديث: أن هذه الأشياء الخمسة كانت تُصنع منها الخمر في زمن الناس على عهد النبي ﷺ، وليس المراد: حصر النص على هذه الخمسة، بل يلحق بها كل ما كان مسكرًا؛ ولهذا ذكر ذلك عامة، وقال:","vol":"8","page":511},{"text":"«الْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ»، فكل ما يخامر العقل ويغطيه- بأي وسيلة- يسمى خمرًا، سواء كان مشروبًا، أو مشمومًا.\nوقد تُصنع الخمر من التمر، ويسمى هذا النوع: المريس، يُصَبُّ عليه الماء، ويبقى ثلاثة أيام في الحر ليتخمر، كذلك العنب يعصرونه، وكذلك الشعير والبر والحنطة يُعصر، ويُصَبُّ عليه الماء في شدة الحر، ويبقى ثلاثة أيام في الغالب.\nوالآن وُجدت أنواع كثيرة لا حصر لها من المشروبات، وكلها إذا خامرت العقل فهي حرام.\nوفيه: أنه قد تخفى بعض مسائل العلم على بعض العلماء مع جلالتهم ووافر علمهم.\nوقوله: «وَثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ وَدِدْتُ- أَيُّهَا النَّاسُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَهِدَ إِلَيْنَا فِيهَا: الْجَدُّ، وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا»: هذه الثلاثة أُشكلت على عمر ﵁، وهي معلومة.\nفأُشكل على عمر ﵁: هل يرث الجد مع الإخوة، أو لا يرث، والصواب الذي تدل عليه النصوص- وهو اختيار الصِّديق ﵁- (^١): أن الجد حكمه حكم الأب؛ لأن الله تعالى سمى الجد أبًا، قال الله تعالى: ﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء﴾.\nوكذلك أشكلت الكلالة على عمر ﵁، وجاء تفسيرها بأنها: ميراث من لا ولد له، ولا والد (^٢)، قال الله تعالى: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك﴾\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (١٢/ ١٩).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٤٨٢)، أضواء البيان، للشنقيطي (١/ ٢٢٨).","vol":"8","page":512},{"text":"والدليل: أنه ورَّث الإخوة، والإخوة لا يرثون مع وجود الأب؛ ولهذا يرث الإخوة مع البنات، لكن مع وجود الأب، والجد لا يرث الإخوة مع البنات؛ لأن الأب يحجبهم.\nوكذلك أبواب الربا كلها واضحة، لكن أُشكل هذا على عمر ﵁.","vol":"8","page":513},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1395>بَابٌ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾</span>\n\n[٣٠٣٣] حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُقْسِمُ قَسَمًا: إِنَّ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: حَمْزَةُ، وَعَلِيٌّ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ.\n[خ: ٣٩٦٦]\nحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُقْسِمُ: لنَزَلَتْ ﴿هذَانِ خَصْمَانِ﴾، بِمِثْلِ حدِيثِ هُشَيْمِ.\nقوله: «عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ»: عُبَاد: بضم العين وتخفيف الباء الموحدة، وما عداه فهو بفتح العين وتشديد الباء المفتوحة (^١).\n_________\n(^١) مرقاة المفاتيح، للهروي (٣/ ٨٦١).","vol":"8","page":514}]}