{"ً":{"ٌ":11074,"ٍ":"بيان كلمة التوحيد والرد على الكشميري عبد المحمود (مطبوع ضمن الرسائل والمسائل النجدية، الجزء الرابع، القسم الأول)","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/مجموعة الرسائل والمسائل النجدية - مجموعة - ط المنار 1- 4","files":["mrmn4_5.pdf"]},"ّ":"الكتاب: بيان كلمة التوحيد والرد على الكشميري عبد المحمود (مطبوع ضمن الرسائل والمسائل النجدية، الجزء الرابع، القسم الأول)\nالمؤلف: عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي (ت ١٢٨٥هـ)\nالناشر: دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، بمصر ١٣٤٩هـ، النشرة الثالثة، ١٤١٢هـ\nعدد الصفحات: ٣٦٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":172,"ٕ":1,"ٖ":1770154074,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"بيان كلمة التوحيد والرد على الكشميري عبد المحمود","level":1,"page":1},{"title":"(أما بعد)","level":1,"page":2},{"title":"ورقة في معنى كلمة التوحيد لكاتب مجهول","level":1,"page":4},{"title":"ذكر ما في الورقة: قال: الحمد لله المتوحد بجميع الجهات","level":1,"page":4},{"title":"غلط كثير من الطوائف في مسمى التوحيد","level":1,"page":5},{"title":"الرد على تفسير الورقة لكلمة إله","level":1,"page":6},{"title":"قول الورقة إن الإله مشتق من ألهه","level":1,"page":9},{"title":"النفي والإثبات في كلمة التوحيد","level":1,"page":12},{"title":"زعم عدم تحقق العبادة إلا بعد استحقاق المعبود لها","level":1,"page":14},{"title":"قوله إن المعبودات الباطلة سميت آلهة من حيث اعتقاد عبادها","level":1,"page":15},{"title":"وقوله: (كما ورد في أكثر موارد القرآن)","level":1,"page":16},{"title":"وأما قوله: (فمدفوع بأن إطلاقه عليها بالنظر إلى اعتقاد عبادها) .","level":1,"page":16},{"title":"الإله المنفي في كلمة الإخلاص","level":1,"page":17},{"title":"إعراب لا إله إلا الله","level":1,"page":18},{"title":"ما يقتضيه إعراب المعترض لها من الفساد","level":1,"page":19},{"title":"وجوب تحقيق معنى لا إله إلا الله","level":1,"page":20},{"title":"أقوال كبار المتكلمين في معنى لا إله إلا الله وإعرابها","level":1,"page":21},{"title":"عود الآيات في معنى لا إله إلا الله","level":1,"page":24},{"title":"شكوى قريش لأبي طالب من النبي وكلامه","level":1,"page":25},{"title":"اقتضاء كلمة التوحيد إبطال عبادة كل ما عبد من دون الله","level":1,"page":25},{"title":"زعم أن كلمة التوحيد لا تنفي إلا مفهوما كليا","level":1,"page":26},{"title":"الوجوه المبطلة للقول بأن نفي الكلي ليس له أفراد في الخارج","level":1,"page":27},{"title":"الإله هوالمعبود. والعبادة حق الله وحده بالإجماع","level":1,"page":30},{"title":"رد قول أن المنفي بلا إله إلا الله كلي منوي","level":1,"page":30},{"title":"الزعم بأن المستثنى بها هو المفهوم العام","level":1,"page":31},{"title":"قول أفلاطون وأتباعه إن الله هو الوجود المطلق","level":1,"page":32},{"title":"رد الشيخ على أفلاطون","level":1,"page":33},{"title":"الرد على تفسير الورقة لكلمة التوحيد","level":1,"page":34},{"title":"المنفي بكلمة التوحيد كل ما عبد ويعبد من دون الله","level":1,"page":35},{"title":"التوحيد هو الكفر بالطواغيت والأصنام وإخلاص العبادة لله وحده","level":1,"page":36},{"title":"ونشير إلى ما ذكره بعض العلماء في أصل هذه المقالة وبطلانها.","level":1,"page":37},{"title":"الرد على من صرف كلمة التوحيد عن معناها","level":1,"page":38},{"title":"المنفي في كلمة التوحيد الإلهية الكثيرة الموجودة في الخارج","level":1,"page":40},{"title":"وضع الأسماء الشرعية للمسميات البدعية","level":1,"page":41},{"title":"تفسير العلماء لكلمة التوحيد","level":1,"page":42},{"title":"ذيل للرد للعلامة ابن بطين","level":1,"page":44}],"ٛ":{"1,320":1,"1,321":2,"1,322":3,"1,323":4,"1,324":5,"1,325":6,"1,326":7,"1,327":8,"1,328":9,"1,329":10,"1,330":11,"1,331":12,"1,332":13,"1,333":14,"1,334":15,"1,335":16,"1,336":17,"1,337":18,"1,338":19,"1,339":20,"1,340":21,"1,341":22,"1,342":23,"1,343":24,"1,344":25,"1,345":26,"1,346":27,"1,347":28,"1,348":29,"1,349":30,"1,350":31,"1,351":32,"1,352":33,"1,353":34,"1,354":35,"1,355":36,"1,356":37,"1,357":38,"1,358":39,"1,359":40,"1,360":41,"1,361":42,"1,362":43,"1,363":44,"1,364":45},"ٜ":{"1":[320,364]},"ٝ":["1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"4":[3,4],"5":[5],"6":[6],"9":[7],"12":[8],"14":[9],"15":[10],"16":[11,12],"17":[13],"18":[14],"19":[15],"20":[16],"21":[17],"24":[18],"25":[19,20],"26":[21],"27":[22],"30":[23,24],"31":[25],"32":[26],"33":[27],"34":[28],"35":[29],"36":[30],"37":[31],"38":[32],"40":[33],"41":[34],"42":[35],"44":[36]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>بيان كلمة التوحيد والرد على الكشميري عبد المحمود</span>\n\nقال الشيخ الإمام شيخ الإسلام عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى-آمين -ورضي عنهم-.\nبسم الله الرحمن الر حيم\nوبه نستعين\nالحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثل ولا معين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما.\nاللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، واهدهم سبل السلام، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وجنبهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، واجعلهم شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك، فاقبلها منهم وأتمها عليهم. اللهم انصر دينك وكتابك ورسولك وعبادك المؤمنين. اللهم أظهِر دينك دين الهدى، ودين الحق الذي بعثت به نبيك محمدا ﷺ على الدين كله.\nاللهم عذب الكفار والمنافقين الذين يصدون عن سبيلك، ويبدلون دينك، ويعادون عبادك المؤمنين، اللهم خالف بين كلمتهم، وشتت بين قلوبهم، واجعل تدميرهم في تدبيرهم، وأدر عليهم دائرة السوء، اللهم أنزل بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم منَزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وزلهم وانصرنا عليهم، اللهم أعنا ولا تعن علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغي علينا. اللهم اجعلنا شاكرين","vol":"1","page":320},{"text":"ذاكرين مطاويع إليك مخبتين، أواهين منيبين، اللهم تقبل توبتنا واغسل حوبتنا واهد قلوبنا وثبت حجتنا، واسلل سخيمة صدورنا يا رب العالمين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>(أما بعد): </span>فاعلموا معشر الإخوان أن الله تعالى أرسل رسوله محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وعرفهم ما خلقوا له من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما كانوا يعبدونه من دون الله، والرغبة عن عبادة غيره والبراءة منها والكفر بالطاغوت -وهو الشيطان- وما زينه من عبادة الأوثان.\nفدعا قريشا والعرب إلى أن يقولوا لا إله إلا الله لما دلت عليه من بطلان عبادة كل ما يعبد من دون الله، وإخلاص العبادة لله وحده دون كل ما سواه. وهذا هو التوحيد الذي خلق الله الخلق لأجله، وأرسل الرسل لأجله، وأنزل الكتب لأجله.\nوهو أساس الإيمان والإسلام ورأسه، وهو الدين الحق الذي لا يقبل الله من عبد دينا سواه. قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١ أي: يوحدون، وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ٢، وهذه الآية تفسر الآية قبلها.\nوتبين أن المراد بالعبادة التوحيد، وأن يكون ﷾ هو المعبود وحده دون كل ما سواه، والقرآن كله في تقرير هذا التوحيد وبيانه، وبين ذلك قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ٣.\nدعوة الرسل كلهم إخلاص العبادة لله وحده\nوالرسل عليهم الصلاة والسلام افتتحوا دعوتهم لقومهم بهذا التوحيد ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ\n_________\n١ سورة الذاريات آية: ٥٦.\n٢ سورة الإسراء آية: ٢٣.\n٣ سورة يوسف آية: ٤٠.\n٤ سورة المؤمنون آية: ٣٢.","vol":"1","page":321},{"text":"كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ١.\nوقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٢ يعني قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب مدين والمؤتفكات، وهم قوم لوط، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ ٣.\nوكل رسول يدعو قومه إلى أن يخلعوا عبادة ما كانوا يعبدونه من دون الله ويخلصوا أعمالهم كلها عن الأصنام والأوثان التي اتخذوها وجعلوها أندادا لله بعبادتهم، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ٤.\nوهذا هو معنى لا إله إلا الله لا يشك في هذا مسلم كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٥، فأجابوه بقولهم: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُون َ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ ٦.\nوهذا هو المنفي في كلمة الإخلاص ﴿أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُون َ مِنْ دُونِهِ﴾ ٧ كما قال تعالى مخبرا عن جميع رسله أنهم قالوا لقومهم: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ٨.\nوالإيمان بالله وحده هو البراءة مما كانوا يعبدونه من الأصنام والأوثان وإخلاص العبادة لله وحده؛ لا يرتاب في هذا مسلم، فمن شك في أن هذا هو معنى لا إله إلا الله فليس معه من الإسلام ما يزن حبة خردل.\nوالقرآن أفصح عن معنى لا إله إلا الله في آيات كثيرة يطول الكتاب بذكرها، ويأتي بعضها إن شاء الله في هذا الجواب، وأنتم معشر المخاطبين بهذا قد تقرر عند من له علم فيكم حتى العامة من أكثر\n_________\n١ سورة العنكبوت آية:١٦: ١٨.\n٢ سورة العنكبوت آية: ١٨.\n٣ سورة النحل آية: ٣٦.\n٤ سورة يس آية: ٧٤.\n٥ سورة الأعراف آية: ٦٥.\n٦ سورة هود آية: ٥٣.\n٧ سورة هود آية: ٥٤.\n٨ سورة الممتحنة آية: ٤.","vol":"1","page":322},{"text":"من مائة وثلاثين سنة أن هذا هو التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، فما بال أناس يرغبون عما عرفوه وعُرفوه من كتاب الله وسنة رسوله إلى طلب العلم ممن لم يعرف هذا التوحيد ولا نشأ في تعلمه ولا عرفه، كما هو ظاهر في كلامه؟ يعرف من له عقل وبصيرة أنه لا يتكلم به إلا من لم يعرف ما بعث الله به المرسلين من توحيد رب العالمين.\nوقد علمتم معشر الموحدين ما حال بين كثير من الناس وبين معرفة التوحيد من العوائد الشركية والشبهات الخيالية لما افترقت الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة. فلقد عظمت نعمة الإسلام على من عرفها وقبلها وأحبها وصار مستيقنا بها قلبه، مخلصا صادقا، ورزق الثبات والاستقامة على ذلك، فيا لها من نعمة ما أعظمها وموهبة ما أجملها! نعوذ بالله أن يصدف عنها صادف أو يصرف عنها صارف، ونعوذ بالله من مُضلّات الفتن ما ظهر منها وما بطن.\nفاتقوا الله عباد الله وارغبوا فيما كنتم فيه من نعمة الإسلام والإيمان، وجددوا وجدوا واجتهدوا في معرفته على الحقيقة بأدلته وبراهينه التي نصبها عليه رب العالمين في كتابه المبين، وبينها لكم نبيه الصادق المصدوق الأمين، -صلوات الله وسلامه عليه وعلى من اتبعه إلى يوم الدين-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>ورقة في معنى كلمة التوحيد لكاتب مجهول</span>\nثم إنه قد تكلم غريب في معنى لا إله إلا الله لا يعرف ما هو ولا ممن هو؟ وكتب في ذلك ورقة تبين فيها من الجهل والضلال ما سنذكره لكم حذرا وتحذيرا وإعذارا وتعذيرا، والقلوب بين أصابع الرحمن، نسأل الله الثبات على الإسلام والإيمان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>ذكر ما في الورقة: قال: الحمد لله المتوحد بجميع الجهات</span>.\n(الجواب) وبالله التوفيق: لا يخفى على من له ذوق وممارسة ومعرفة بمذاهب المبتدعة أن هذا لفظ لا معنى له إلا على قول أهل الحلول من الجهمية ومن تابعهم؛ فإنهم يقولون: إن الله تعالى حالّ في جميع الجهات وفي كل مكان، ويجحدون ما تقرر","vol":"1","page":323},{"text":"في القرآن من علو الله على جميع خلقه واستوائه على عرشه ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ١. وهذا الرجل إنما تكلم بألسنتهم، فهذا محصوله من العلم الذي ادعاه قد ظهر واستبان على صفحات وجهه، وفلتات اللسان.\nوأهل السنة ينكرون هذه الألفاظ، ويشيرون إلى ما فيها من دسائس أهل البدع أسوة أمثال هذا من الفلاسفة وأهل الوحدة وغيرهم ممن لم يستضئ بنور العلم، ولم يلجأ إلى ركن وثيق، فلا تنظر إلى منظر الرجل وانظر إلى مخبره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>غلط كثير من الطوائف في مسمى التوحيد</span>\nوقد غلط أكثر الفرق الثلاث والسبعين في مسمى التوحيد، وكل فرقة لها توحيد تعتقد أنه هو الصواب حتى الأشاعرة القائلين بأن معنى الإله: الغني عما سواه، المفتقر إليه ما عداه٢، ويقولون أنهم أهل السنة وهيهات هيهات، ولم يصبر منها على الحق إلا فرقة واحدة وهم الذين عرفوا التوحيد على الحقيقة من الآيات المحكمات وصحيح السنة. جعلنا الله وإياكم من الفرق الناجية.\nوقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- إلى هذا المعنى فقال: وقد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام، ومن أهل الإرادة والعبادة، وهذا يفيد الحذر من مخالطة كل من لا يعرف دينه، وقد كان بعض العلماء إذا دخل عليه مبتدع جعل أصبعيه في أذنيه حتى يفارقه حذرا من أن يلقي إليه كلمة تفتنه.\nفارجعوا رحمكم الله إلى صريح القرآن فإنه حبل الله المتين والذكر الحكيم والصراط المستقيم، وهو النور كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣.\n_________\n١ سورة الإسراء آية: ٤٣.\n٢ هذه العبارة هي التي بنى عليها السنوسي عقيدته الصغرى المشهورة وزعم أنها معنى كلمة التوحيد واستنبط الصفات السلبية والثبوتية منها، وما هي إلا من لوازمها وما كل الأشعرية يقول بأنها معناها.\n٣ سورة المائدة آية: ١٥، ١٦.","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الرد على تفسير الورقة لكلمة إله</span>\nثم إن هذا قال في ورقته: اعلم أن الإله هو المعبود فقط غير مقيد بقيد الحقيقة والبطلان إذ اشتقاقه من ألهه، إذا عبده، يوجب اتحاده معه في المعنى لعدم وجوده بدونه، إذ الاشتقاق وجود التناسب في اللفظ والمعنى.\n(فالجواب): أن نقول: سبحان الله، كيف يشكل على من له أدنى مسكة من عقل ما في هذا القول من الكذب والضلال والإلحاد والمحال؟ فلقد صادم الكتاب والسنة والفطر والعقول واللغة والعرف.\nأما مصادمته الكتاب والسنة فإن الله تعالى يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ ١ في عدة مواضع من الكتاب والسنة، فالله تعالى الحق وعبادته وحده هي الحق أزلا وأبدا، وما يدعى من دونه هو الباطل قبل وضع اللغات وبعدها، وهذا لا يمتري فيه مسلم أصلا.\nوأما مصادمته للعقل: فإن كلّ مألوه معبود ولا بد أن يكون حقا أو باطلا، فإن كان هو الله فهو الحق سبحانه كما في حديث الاستفتاح الذي رواه البخاري وغيره: \"ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك حق\" ٢. وإن كان المعبود غيره فهو باطل بنص القرآن. والقرآن كله يدل على أن الله هو الحق وأن ما يدعى من دونه فهو باطل.\nوأما مخالفته للفطر: فباتفاق الناس على ما دل عليه الكتاب والسنة والمعقول، حتى أهل البدع من كل طائفة لا يقول بهذا القول الذي قاله هذا أحد منهم، لكن كل طائفة تدعي أنها أسعد من غيرها بالدليل، على ما في أدلة كل طائفة من التحريف والتأويل.\nوأما مخالفته للغة: فلا ريب أن الواضع وضَع الألفاظ بإزاء معانيها، فكل لفظ وضع لمدلوله الذي وضع له لأجل الدلالة عليه، والواضع وضع الألفاظ دالة على معانيها، فاللفظ دال والمعنى مدلوله، يعرف هذا كل من له أدنى مسكة من عقل. وكل ما ذكرناه لا نزاع فيه ولا يعرف أن أحدا قال بخلاف ما ذكرنا.\n_________\n١ سورة الحج آية: ٦٢.\n٢ البخاري: الجمعة (١١٢٠)، ومسلم: صلاة المسافرين وقصرها (٧٦٩)، والترمذي: الدعوات (٣٤١٨)، والنسائي: قيام الليل وتطوع النهار (١٦١٩)، وأبو داود: الصلاة (٧٧١)، وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (١٣٥٥)، وأحمد (١/٢٩٨،١/٣٠٨،١/٣٥٨)، ومالك: النداء للصلاة (٥٠٠)، والدارمي: الصلاة (","vol":"1","page":325},{"text":"وواضع اللغة قال بعض العلماء: هو الله تعالى، وقال بعضهم وضعها غيره من بني آدم المتقدمين بإلهام منه تعالى وجبلة جبلهم عليها. واللغات وإن تعددت فهي بإلهام من الله، وبها يعرف مراد المتكلم ومقصوده.\nإذا عرفت ذلك، فيلزم على قول هذا الجاهل أن الملائكة قبل خلق آدم وذريته كانت عبادتهم لله تعالى غير مقيدة بحق ولا باطل، وهذا اللازم باطل فبطل الملزوم. وكذلك عبادة آدم وذريته قبل حدوث الشرك في قوم نوح لا توصف عبادتهم لله بأنها حق أو باطل، وهذا اللازم باطل، فبطل الملزوم.\nوكذلك قوم نوح لما عبدوا آلهتهم، وقالوا لما دعاهم نوح ﵇: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ١، فيلزم على قول هذا أن عبادتهم لتلك الأصنام ليست باطلة، وهذه اللوازم الباطلة تلزمه، وببطلانها يبطل ملزومها الذي ذكرناه عنه\nوأيضا ففي قوله هذا مضاهاة لقول ابن عربي أمام أهل الوحدة:\nوعباد عجل السامري على هدى ... ولائمهم في اللوم ليس على رشد\nفمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.\nفلا تعجب، فكل صاحب بدعة لا بد أن يجادل عن بدعته، والعلم نور يهبه الله لمن يشاء من عباده وهو معرفة الهدى بدليله، والناس ليسوا كلهم كذلك إلا أقل القليل الذين تمسكوا بالكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة وأئمتها علما وعملا، ومن تدبر القرآن رأى العجب فيما قصه الله تعالى عن الرسل مع أممهم قديما وحديثا كما قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ ٢.\nأصل دعوة الرسل عبادة الله وحده\nفإذا كان الكلام في بيان معنى لا إله إلا الله؛ فإن الله تعالى هو الذي تولى بيانه في مواضع\n_________\n١ سورة نوح آية: ٢٣.\n٢ سورة غافر آية: ٤.","vol":"1","page":326},{"text":"من كتابه وأجمعت عليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ١ بل القرآن كله في بيان معناها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٢ أي: إليها من البراءة من عبادة كل معبود سوى الله، وإخلاص العبادة له تعالى كقول أمام الحنفاء -﵊- في هذه الآية ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا﴾ ٣ وهي لا إله إلا الله، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ ٤.\nوالطاغوت: الشيطان وما زينه للمشركين من عبادة معبوداتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى، كأصنام قوم نوح وأصنام قوم إبراهيم، واللات والعزى ومناة، وما لا يحصى كثرة في العرب والعجم وغيرهم، وهي موجودة في الخارج معينة معلومة الوجود كأصنام قوم نوح وغيرها مما لا يحصى كثرة.\nفمن قال: لا إله إلا الله بصدق وإخلاص وتعيين، فقد برئ من كل معبود يعبد من دون الله ممن كان يعبده أهل الأرض. وهذه الكلمة دلت على البراءة من الشرك والكفر به تضمنا، ودلت عليه وعلى إخلاص العبادة لله تعالى مطابقة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٥ بيّن تعالى أن الحكمة في خلق الجن والإنس أن يعبدوه وحده لا شريك له ومن المعلوم أنه خلق الجن قبل الإنس، فيلزم على هذا القول الفاسد الذي أبداه هذا الجاهل أن العبادة التي خلق تعالى لها الثقلين لا توصف بحق ولا باطل حين خلقهم لها. واللازم باطل فبطل الملزوم.\nوهذا الموضع الذي بيّنا بطلانه بالمعقول والمنقول هو ثاني موضع زلت فيه قدم هذا الذي يدعي أنه على شيء وليس معه شيء يلتفت إليه بما يوجب إنكاره عليه، وقد قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٦. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ\n_________\n١ سورة الأنبياء آية: ٢٥.\n٢ سورة الزخرف آية: ٢٦: ٢٨.\n٣ سورة البقرة آية: ٢٥٦.\n٤ سورة الزمر آية: ١٧.\n٥ سورة الذاريات آية: ٥٦.\n٦ سورة العنكبوت آية: ٥١.","vol":"1","page":327},{"text":"فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢. وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلت: لا. قال \"يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين\" رواه الدارمي.\nفرضي الله تعالى عن أمير المؤمنين عمر كأنه ينظر إلى ما وقع في هذه الأمة من جدال أهل الأهواء بالكتاب، وكثرة الآراء المخالفة للحق التي بها كثر أهل الضلال، وكثرت بها البدع، وتفرقت الأمة واشتدت غربة الإسلام، حتى عاد المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، نشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير.\nوما أحسن ما قال بعض السلف: \"لا تستوحش من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين\". وقال بعضهم: \"ليس العجب ممن هلك كيف هلك إنما العجب ممن نجا كيف نجا\". فالناصح لنفسه يتهم رأيه وهواه، ويرجع إلى تدبر كتاب الله سبحانه لا إله غيره ولا رب سواه، وإلى ما سنه الرسول --ﷺ- وما عليه سلف الأمة وأئمتها قبل حدوث الأهواء وتفرق الآراء، وليكن من الشيطان وجنده على حذر.\nاللهم اجعلنا هادين مهتدين غير ضالين ولا مضلين، سِلما لأوليائك. حربا لأعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من خالفك. اللهم هذا الدعاء وعليك الإجابة، اللهم هذا الجهد وعليك التُكلان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>قول الورقة إن الإله مشتق من ألهه</span>\nوأما قول هذا في ورقته: (إذ اشتقاقه من ألهه بوجوب اتحاده معه في المعنى) .\n(أقول): قد عرفتم ما ذكرناه من تناقضه في هذه العبارة وما قبلها، وقد أخطأ أيضا فيما عبر به عن الاشتقاق من وجهين:\n(الأول): أنه جعل ألهه مشتقا منه وهو فهل يشتق ولا يشتق منه، والمصدر\n_________\n١ سورة الجاثية آية: ١٨، ١٩.\n٢ سورة الأعراف آية: ٣.","vol":"1","page":328},{"text":"هو الذي يشتق منه الفعل كما قال في الخلاصة١: وكونه أصلا لهذين انتخب. ومصدره أله إلاهة قال في القاموس: أله إلاهة وألوهة وألوهية: عبد عبادة. ومنه لفظ الجلالة وأصله إله كفعال بمعنى مألوه، وكل ما اتخذ معبودا إله عند متخذه. انتهى.\n(الوجه الثاني): قوله: ألهه إذا عبده فجعل عبده مشتقا من ألهه وهو من غير مادته وهو فعل أيضا، فإن عبده مشتق من عبادة يقال: عبده عبادة فمادته عبد لكن، عبد تفسير لأله فاتفقا في المعنى لا في اللفظ. وأيضا فقوله: ألهه إذا عبده يناقض ما سلف من كلامه.\nوأما قوله: يوجب اتحاده معه في المعنى لعدم وجوده بدونه.\n(فالجواب): أن قوله: يوجب اتحاده معه في المعنى، ليس كذلك بل لا بد أن يتضمن أحدهما وهو الفعل معنى المصدر وزيادة لدلالته على الحدث والزمان، والمصدر إنما يدل على الحدث فقط، وهذا أمر معروف عند النحاة وغيرهم، محسوس. فعبارته تدل على أنه لا يعرف معنى الاشتقاق الذي ذكره العلماء، ولو سئل عن معناه لما أجاب، ولكنه خلا بأناس عظموه في نفسه فأراد أن يأخذ العلوم بمجرد الدعوى.\nومن نظر في كلامه عرف أنه لا شيء هناك فتجده يأتي بعبارات متضمنة لجهالات لم يسبقه إليها سابق كما قد عرفتم وتعرفونه فيما يأتي من كلامه وما فيه من التناقص، فما أقبح جهل من يدعي العلم، وما أفحش خطأ من يدعي الفهم.\nوالله أسأل أن يُوزِعنا شكر ما أنعم به علينا مما علمناه وفهمناه. فلله الحمد لا نحصي ثناء عليه، ونسأله الثبات والاستقامة، والعفو والعافية في الدنيا والآخرة، ولكل من عرف الإسلام وقبله ودان به، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nقول الورقة إن العرف خصَّ معنى الإله بالمعبود بحق\nوأما قوله: ثم استعمل في العرف على الأغلب والأكثر على المعبود بحق لعدم تحقق العبادة إلا بعد اعتقاد العابد استحقاق المعبود لها. وإلا فلا تسمى عبادة.\n_________\n١ المعروفة بألفية ابن مالك.","vol":"1","page":329},{"text":"(فالجواب): أن قوله: ثم استعمل في العرف أي: بعد أن كان الإله المعبود لغة غير مقيد بقيد الحقيقة والبطلان كما تقدم صريحا في كل أمة. فليت شعري، متى هذا العرف الذي وضع للألفاظ اللغوية معناها؟ ومن هم أهل هذا العرف؟ هل كانوا في قوم نوح أو قوم هود، فيسأل هذا متى كانوا؟ فما أقبح هذه الأقوال المختلقة التي غايتها التمويه والتلبيس! فلا منقول ولا معقول ولم يسبقه إليها أحد.\nوقدم تقدم ما يلزم على هذا القول من اللوازم الباطلة، فتبين أن قوله هذا كذب على اللغة لا يعرف عن أحد لغوي ولا عن عربي، والعرف لا يغير اللغة عن أصلها لفظا ومعنى.\nوهذه كتب اللغة كالقاموس وصحاح الجوهري وغيره ليس فيها ما يدل على هذا القول الباطل، فيكون قد كذب على اللغة والعربية وعلى غيرها من اللغات، وعلى كتاب الله وسنة رسوله.\nوقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية -رحمه الله تعالى-: الإله هو الذي تألهه القلوب محبة ورجاء وتوكلا وغير ذلك من أنواع العبادة، وهذا قول أهل السنة قاطبة لا يختلف فيه اثنان.\nوأما قوله: على الأغلب والأكثر على المعبود بحق فمفهومه أنه يستعمل في غير الأغلب والأكثر على غير المعبود بحق، فهذا صحيح لكنه لا يختص بالعرف بل هو في اللغة كذلك، فإذا كان يطلق على غير المعبود بحق كما تفهمه كل أمة، فهذا حجة عليه؛ فإن جميع الأصنام والأوثان وما يعبد من دون الله كلها آلهة معبودة بغير حق، باطلة بكلمة الإخلاص لا إله إلا الله. ففيها النفي والإثبات، كما سيأتي بيان ذلك.\nوكل ما نفته لا إله إلا الله من الأصنام والأنداد فليس كليا لا يوجد إلا ذهنا كما يقوله المفتري أفلاطون الفيلسوف وشيعته، وإنما كانت أشخاصا متعددة يباشرها عبادها بالعبادة بالدعاء، والاستغاثة والاستشفاع بها، والعكوف عندها، والتبرك بها كأصنام قوم نوح، وأصنام قوم عاد القائلين: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ","vol":"1","page":330},{"text":"آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ ١.\nوأصنام نمروذ التي تبرأ منها خليل الرحمن بقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ ٢ أي: هذه الكلمة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهي لا إله إلا الله، وجعلها في ذريته باقية ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٣ أي: إليها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>النفي والإثبات في كلمة التوحيد</span>\nفالخليل -﵇- فسر لا إله إلا الله بمدلولها من النفي والإثبات، فالنفي في قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ ٤، فالبراءة منها وإبطالها نفيها، وقوله: ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ٥ استثنى الإله الحق الذي لا تصلح العبادة إلا له، وهو الذي فطره أي: خلقه، وخلق جميع المخلوقات ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ ٦.\nوقد قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ٧ ﴿فَإِنْ تَوَلَّوا﴾ أي: عما تدعوهم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، والرغبة عما كانوا يعبدونه من دون الله كالمسيح وأمه ﵉.\nفإن سبب نزول الآية في نصارى نجران وكانوا يعبدون آلهة أخرى، فقوله: ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ ٨ ينفي كل معبود سوى الله ويثبت العبادة لله وحده التي لا يستحقها غيره. وهذا ظاهر جلي لا يخفى على من له أدنى بصيرة، وسبب النّزول لا يمنع عموم النهي لجميع الأمة كما هو ظاهر في قوله: ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ﴾ ٩ فلم يستثن أحدا سواه لا ملكا ولا نبيا ولا من دونهما كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ١٠.\nوقوله: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١١ أي: من جميع المخلوقات من بشر وحجر وغير ذلك، لكن قوله: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا﴾ ١٢ يختص بالبشر لما تقدم من أنهم كانوا يعبدون المسيح وأمه وغيرهما من الأنبياء والصالحين، ويشمل غيرهم من باب أولى. وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ١٣،\n_________\n١ سورة هود آية: ٥٤.\n٢ سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٨.\n٣ سورة الزخرف آية: ٢٨.\n٤ سورة الزخرف آية: ٢٦.\n٥ سورة الزخرف آية: ٢٧.\n٦ سورة الصافات آية: ٥.\n٧ سورة آل عمران آية: ٦٤.\n٨ سورة آل عمران آية: ٦٤.\n٩ سورة هود آية: ٢.\n١٠ سورة النحل آية: ٥١.\n١١ سورة آل عمران آية: ٦٤.\n١٢ سورة آل عمران آية: ٦٤.\n١٣ سورة الجن آية: ١٨.","vol":"1","page":331},{"text":"و﴿أَحَدًا﴾ نكرة في سياق النهي، وهي تعم كل مدعو من دون الله من أهل السماوات والأرض. وتأمل قوله: ﴿مَعَ الله﴾ وخبر \"لا\" التي لنفي الجنس محذوف تقديره: حق، كما دل عليه القرآن قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ ١. وهذا قول أهل السنة والجماعة اتباعا لما دل عليه القرآن. ومن قدر الخبر المحذوف غير ذلك كقول بعضهم: إن المحذوف \"أحد\" فلا حجة له ولا برهان.\nينبئك عن هذا المعنى العظيم ما قرره ابن القيم -رحمه الله تعالى- قال: فإن قوام السماوات والأرض والخليقة بأن تأله الإله الحق، فلو كان فيهما آلهة أخرى غير الله لم يكن إلها حقا، إذ الإله الحق لا شريك له ولا سميَّ له ولا مثل له. فلو تألهت غيره لفسدت كل الفساد بانتفاء ما فيه صلاحها؛ إذ صلاحها بتأله الإله الحق كما أنها لا توجد إلا باستنادها إلى الرب الواحد القهار، ويستحيل أن تستند في وجودها إلى ربين متكافئين، فكذلك يستحيل أن تستند في تألهها إلى إلهين متساويين.\nوقد قال﵀- في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ٢ الآية، قال: فالمؤمنون أشد حبا لربهم ومعبودهم من كل محب لكل محبوب. وليست هذه المسألة من المسائل التي للعبد عنها غنى أو منها بُد؛ بل هذه أفرض مسألة على العبد، وهي أصل عقد الإيمان الذي لا يدخل فيه الداخل إلا بها ولا فلاح للعبد ولا نجاة له من عذاب الله إلا بها.\nفليشتغل العبد بها أو ليعرض عنها، ومن لم يتحقق بها علما وعملا وحالا لم يتحقق شهادة أن لا إله إلا الله فإنها سرها وحقيقتها ومعناها، وإن أبى ذلك الجاحدون وقصر عن علمه الجاهلون؛ فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها وتخضع له وتذل له وتخافه، وترجوه وتنيب إليه في شدائدها وتدعوه في مهماتها، وتتوكل عليه في مصالحها، وتلجأ إليه وتطمئن بذكره وتسكن إلى\n_________\n١ سورة الحج آية: ٦٢.\n٢ سورة البقرة آية: ١٦٥.","vol":"1","page":332},{"text":"حبه. وليس ذلك إلا لله وحده. ولهذا كانت أصدق الكلام وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداؤه وأهل غضبه ونقمته.\nفهذه المسألة قطب رحى الدين الذي عليه مداره وإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله وأحواله وأقواله ولا حول ولا قوة إلا بالله، انتهى. فما أحسن هذا من بيان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>زعم عدم تحقق العبادة إلا بعد استحقاق المعبود لها</span>\nوأما قول الملحد في ورقته: (لعدم تحقق العبادة إلا بعد اعتقاد استحقاق المعبود لها)\n(فالجواب): هذا القيد ممنوع وهو من جملة اختلاقاته وأكاذيبه؛ لأنه فاسد شرعا ولغة وعرفا. ومما يبين فساده ما في الحديث من قصة الرجلين الذَين مرا على صنم قوم لا يجاوزه أحد إلا قرب له شيئا، فقالوا لأحد الرجلين: قرِّب فقال: ما عندي شيء أقرب. قالوا: قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا فخلوا سبيله فدخل النار، أي: بتقريبه الذباب لصنمهم. وهو إنما قربه للتخلص من شرهم من غير اعتقاد استحقاقه لذلك، فصار عبادة للصنم دخل بها النار. وهذا يدل على أن هذا الفعل منه هو الذي أوجب له دخول النار؛ لأنه عبد مع الله غيره بهذا الفعل. وقالوا للآخر: قرب فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله ﷿، فضربوا عنقه فدخل الجنة.\nوأيضا فقد قال أبو طالب:\nلقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل\nوقوله يخاطب النبي ﷺ: ...\nودعوتني وعرفت أنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا\nوعرضت دينا قد عرفت بأنه ... من خير أديان البرية دينا\nلولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا","vol":"1","page":333},{"text":"فثبت بهذا أن أبا طالب لم يعتقد أن ما كان قومه عليه من الشرك حقا ولم يمنعه من الدخول في الإسلام إلا خوف أن يسب أسلافه فقط، ومع هذا مات مشركا كما ثبت في الصحيح، وهذا يبين فساد هذا القيد.\nفإذا عرف ذلك، تبين أن هذا الرجل يختلق أقوالا لا برهان عليها ولا حجة، ثم إن من المعلوم أن كل من عبد معبودا غير الله وأصر على عبادته له أنه يعتقد استحقاقه للعبادة، وهذا هو الغالب على المشركين في حق معبوداتهم، ولهذا تجدهم يجادلون عنها ويناضلون مجادلة من يعتقد أنها تستحق ما كانوا يفعلونه لها من العبادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>قوله إن المعبودات الباطلة سميت آلهة من حيث اعتقاد عبَّادها</span>\nوقوله: (في كل أمة أيضا) اعتراف منه بأن الإله يطلق على كل معبود يعتقد عابده أنه يستحق العبادة كما هو حال أكثر المشركين، فاحفظ هذا الاعتراف منه فسيأتي في كل أمة ما يناقضه.\nوأما قوله: (ولهذا ذهب كثير من المتبحرين إلى أنه عبارة عن المعبود بحق، وما قيل من أن كثيرا ما يطلق على الآلهة الباطلة كما ورد في أكثر موارد القرآن وهو يوجب عدم صحة المدعى، فمدفوع بأن إطلاقه عليها بالنظر إلى اعتقاد عبادها لا باعتبار نفس الأمر)\n(فالجواب) أن يقال: هذا يناقض ما تقدم له من أن العابد إذا اعتقد استحقاق معبوده للعبادة صار إلها، ولا يخفى مناقضة هذا له، فإنه أقر فيما تقدم قريبا أن المعبود يكون إلها باعتقاد عابده استحقاقه للعبادة في نفس الأمر، وقد عرفت أن القيد ممنوع، فأخطأ في الموضعين أي: في هذا والذي قبله وتناقض.\nوأما قوله: ولهذا ذهب كثير من المتبحرين ...... إلخ، فهذا القول مجهول قائله لا يعرف أن أحدا من المسلمين قاله، والقائل به مجهول لا يقبل له قول، وقد أجمع العلماء قديما وحديثا على أن المجهول لا يقبل له قول ولا خبر، ولا","vol":"1","page":334},{"text":"تقوم به حجة في شيء من أبواب العلم، فكيف إذا كان إلحادا وطعنا في أصل الدين؟ وقد أجمع المحدثون على أن رواية المجهول لا تقبل كذلك، فسقط هذا القول من أصله وفسد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>وقوله: (كما ورد في أكثر موارد القرآن) </span>، انظر إلى هذا الجهل العظيم في محاولته رد ما ورد في أكثر موارد القرآن، بقول المجهولين الذين لا يعتد بقولهم عند أحد من طوائف العلماء، وموارد القرآن يحتج بها لا يحتج عليها بقول أحد، وهي الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ١ الآية، فما وافق القرآن سواء كان نصا أو ظاهرا قبل، وما خالفه رد على من قاله كائنا من كان. فقد ارتقى هذا مرتقى صعبا بتهجينه القرآن وإبطال دلالته عنه بما زخرفه ونسبه إلى مجهولين، فسبحان الله كيف يخفى هذا على أحد؟ فمن تدبر هذا المحل تبين له ضلاله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>وأما قوله: (فمدفوع بأن إطلاقه عليها بالنظر إلى اعتقاد عبادها) </span>.\n(فالجواب): أن هذا يبطله القرآن كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٢. وقال: ﴿أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ٣ فسماها الخليل آلهة مع كونها باطلة، وكونها باطلة لا ينافي تسميتها آلهة.\nكما قال موسى ﵊، لما قال له بنو إسرائيل: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٤. وقال: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾ ٥ فسماه الكليم إلها مع إنكاره عليهم ما طلبوا، وهو قد أقر فيما تقدم أن يطلق على غير الإله الحق، فتناقض؛ والإلهية المنفية في كلمة الإخلاص بدخول أداة النفي عليها، وهي لا النافية.\nفالمراد بنفيها إبطالها والبراءة منها والكفر بها واعتزالها وغير ذلك مما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، فكما تسمى آلهة وأندادا وأربابا وشركاء وأولياء؛ لأن من عبدها فقد جعلها مألوهة له وجعل\n_________\n١ سورة النساء آية: ٥٩.\n٢ سورة الأنعام آية: ٧٤.\n٣ سورة الصافات آية: ٨٦.\n٤ سورة الأعراف آية: ١٣٨، ١٣٩.\n٥ سورة الأعراف آية: ١٤٠.","vol":"1","page":335},{"text":"لها شركة في العبادة التي هي حقه، ومثلها بالله في عبادته لها، واتخذها أربابا وأولياء، وكل هذا في القرآن كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ١.\nوقد تقدم كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى على هذه الآية العظيمة. وقال تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٣. وقال: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ ٤.\nوهذا في القرآن كثير، فصارت تطلق عليها هذه الأوصاف بجعل عابديها واتخاذهم لها كذلك بعبادتهم وإرادتهم كما تقدم بيانه في هذه الآيات، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ٥. ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ ٦، فصارت آلهة بالفعل والاتخاذ والإرادة والقصد، واستشهد العلماء على ذلك بقول رؤبة بن العجاج:\nلله درّ الغانيات المدّه ... سبحن واسترجعن من تألهي\nأي: من تعبدي، وتقدم كلام صاحب القاموس على هذا المعنى. وقرأ ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ ٧ أي: عبادتك قال: لأنه كان يعبد وتقدم تقرير هذا في كلام العلماء.\nوهذا يبين أن كل معبود إله، حقا كان أو باطلا؛ لأنه قد ألهه العابد بالعبادة، وتبين بهذا أن هذا الرجل يتكلم في هذه الأمور بلا علم، ويأتي بما يخالف القرآن واللغة والسلف والعلماء، ويتناقض.\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>الإله المنفي في كلمة الإخلاص</span>\nومن فرط جهله قوله: (وبهذا تعين فساد ما توهم من أن الإله المنفي بلا، في الكلمة الطيبة هو المطلق غير المقيد بالحق أو الباطل) وهذا القول الذي أقر بفساده هو الذي قاله آنفا وبينا فساده في محله، فتأمل ما في هذا الكلام من الفساد والضلال، فإنه جعل المنفي في كلمة الإخلاص قابلا للوصفين أي: الحق والباطل، فإنه لا شك أن الإله المنفي باطل. ولا بد من\n_________\n١ سورة البقرة آية: ١٦٥.\n٢ سورة القصص آية: ٦٤.\n٣ سورة التوبة آية: ٣١.\n٤ سورة الكهف آية: ١٠٢.\n٥ سورة يس آية: ٧٤.\n٦ سورة مريم آية: ٨١.\n٧ سورة الأعراف آية: ١٢٧.","vol":"1","page":336},{"text":"تقييده بالبطلان؛ لأن المنفي في كلمة الإخلاص هي الطواغيت والأصنام وكل ما عبد من دون الله، وكلها باطلة بلا ريب: كما قال لبيد في شعره الذي سمعه منه النبي ﷺ:\nألا كل شيء ما خلا الله باطل\nومن لم يعتقد هذا فليس من الإسلام في شيء، وتقدم في الآيات أن المستثنى في كلمة الإخلاص \"بإلا\" هو الله الحق كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ ١.\nوهذا الرجل قد افترى على اللغة وكذب عليها بقوله المتقدم: أن الإله هو المعبود لا بقيد الحقيقة ولا البطلان، فهو دائما يتناقض، يذكر قولا وينفيه ثم يذكره بعده ويثبته، ثم ينفيه.\nومن وقف على ما كتبته في هذا المعنى عرف ذلك من حاله ومقاله، ومحط رحله هو قول الفلاسفة كابن سينا والفارابي وابن العلقمي القائلين بأن مدلول لا إله إلا الله نفيا وإثباتا فرد هو الوجود المطلق، أو قول الاتحادية أنه الوجود بعينه.\nوكلام هذا وعبارته المتقدم منها والآتي يدل على أنه يقول بقولهم، ويحمل معنى كلمة الإخلاص \"لا إله إلا الله\" على إلحادهم، يعرف هذا من له فهم واطلاع على ما ذكره العلماء في بيان حقيقة قول هاتين الطائفتين الكفريتين كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>إعراب لا إله إلا الله</span>\nوهذا إعراب كلمة الإخلاص الذي يعرفه أهل العربية وغيرهم من العلماء في إعرابها فيقولون: لا نافية للجنس، واسمها إله، مبني معها على الفتح، منفي بلا، والإله جنس يتناول كل معبود من بشر أو حجر أو شجر أو مدر أو غير ذلك، فهذا الجنس على تعدد أفراده منفي بلا، وخبر لا محذوف على الصحيح كما في الآيات، وتقدم ذكره،\n_________\n١ سورة الحج آية: ٦٢.","vol":"1","page":337},{"text":"والاستثناء من الخبر، وإلا أداة الاستثناء، والله هو المستثنى بإلا، وهو الإله الحق وعبادته حق وقوله الحق.\nوالصحيح أنه مخرج من اسم لا وحكمه كما قرره العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى-، والأدلة على هذا في القرآن أكثر من أن تحصر، وقد صرحت بذلك الآيات المحكمات كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ ١، وهذا هو المنفى بلا في كلمة الإخلاص.\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ ٢ هو معنى إلا الله، وهذا هو الذي أمر الله نبيه ﷺ أن يدعو أمته إليه، وما خالف هذا فهو تلبيس وتشبيه وبهرج وباطل. نعوذ بالله من كل قول يؤخذ عن غير القرآن، وعن غير ما دان به أهل الإسلام والإيمان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>ما يقتضيه إعراب المعترض لها من الفساد</span>\nثم إن هذا الرجل انتهى أمره فيما كتبه إلى أن زعم أن المنفي بلا كلي، وهذا الكلي منوي ذهنا لا يوجد منه في الخارج إلا فرد، وذلك الفرد المنفي بلا هو المستثنى بعينه وهذا صريح كلامه وأتى فيه بثلاث عظائم هي إلى الكفر أقرب منها إلى الإيمان:\n(الأولى): أنه زعم أن المنفي بلا كلي لا يوجد إلا ذهنا، فعنده أنها لم تنف طاغوتا ولا وثنا ولا صنما ولا غيرها مما يعبد من دون الله. فخالفوا أيضا أهل المنطق، فإن الكلي عندهم مقول على كثيرين مختلفين بالعدد دون الحقيقة، ولم يقولوا: إنه منوي لا يوجد منه في الخارج إلا فرد.\n(الثانية): أنه زعم أن ذلك الفرد الذي لا يوجد غيره، لما كان منفيا بلا صار ثابتا بإلا، وهو فرد واحد، فصار الإله عنده متصفا بالنفي والإثبات، والنفي والإثبات في فرد نقيضان، ومقتضاه أن هذا الفرد صار أولا باطلا؛ لأنه منفي ثم صار حقا؛ لأنه استثني بإلا، فاجتمع فيه الوصفان. نعوذ بالله من هذا التهافت والإلحاد والتناقض والعناد.\n_________\n١ سورة يونس آية: ١٠٤.\n٢ سورة يونس آية: ١٠٤.","vol":"1","page":338},{"text":"وقد عرفت أن النحاة وأهل الكلام كالرازي وغيره ومن قبلهم يعلمون أن المنفي غير المثبت كما سنذكر عنهم اتفاقهم على ذلك، وأنه لا يحصل التوحيد إلا بذلك. وهذا أمر يعرفه كل أحد حتى مشركو العرب ومن ضاهاهم من الأمم أعداء الرسل، يعلمون أنها نفت الآلهة التي كانت تُعبد من دون الله، وأثبتت إلهية الحق الذي أقروا أنه رب كل شيء ومليكه، وخالق كل شيء ورازق كل حي، وذلك هو الله العلي الأعلى القاهر فوق عباده.\n(والثالثة): أنه صرح أن المنفي كلي، والفرد الموجود في الخارج جزئي، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وهذا هو حقيقة قول هذا ولهذا مثّله بقوله: لا شمس إلا الشمس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>وجوب تحقيق معنى لا إله إلا الله</span>\nومن أشكل عليه فساد قول هذا وضلاله فلْيتدبر القرآن، ولْيراجع كلام المفسرين في معنى كلمة الإخلاص، وما وضعت له وما دلت عليه هذه الكلمة العظيمة، فقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١، فدلت الآية على أنه لا يكون مستمسكا بلا إله إلا الله إلا إذا كفر بالطاغوت، وهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن لم يعتقد هذا فليس بمسلم؛ لأنه لم يتمسك بلا إله إلا الله.\nفتدبر واعتقد ما ينجيك من عذاب الله، وهو تحقيق معنى لا إله إلا الله نفيا وإثباتا، وتدبر قوله تعالى عن خليله ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٢. والكلمة هي لا إله إلا الله بإجماع المفسرين. فلا أحسن من هذا التفسير ولا أبين منه، وليس للجنة طريق إلا بمعرفته وقبوله واعتقاده والعمل به.\nنسأل الله أن يُوزعنا شكر ما أنعم به علينا من هذا التوحيد والبصيرة فيه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\n_________\n١ سورة البقرة آية: ٢٥٦.\n٢ سورة الزخرف آية: ٢٦: ٢٨.","vol":"1","page":339},{"text":"فتأمل كيف عبر الخليل ﵇ عن هذه الكلمة بمدلولها الذي وضعت له من البراءة من عبادة كل معبود سوى الله من وثن وصنم وغير ذلك، وقصر العبادة على الله وحده بقوله: ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ١. ودلت على أن المنفي جنس تحته أفراد موجودة في الخارج يعبدها المشركون وليست آلهة إلا في حق من يعبدها ويتألهها، دون من يكفر بها ويتبرأ منها ويعاديها ويعادي من عبدها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>أقوال كبار المتكلمين في معنى لا إله إلا الله وإعرابها</span>\nإذا ثبت ذلك وعرفت أن الحق فيما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله في بيان معنى هذه الكلمة، فاعلم أن النحاة والمتكلمين اختلفوا: هل تحتاج لا النافية لخبر مضمر أم لا؟ فمنعه الرازي والزمخشري وأبو حيان، وقالوا: إنه يكفي في الدلالة على التوحيد ما تضمنته من النفي والإثبات، بناء على أن أصلها مبتدأ وخبر، ثم قدم الخبر على المبتدأ، ثم دخل حرف النفي على الخبر المقدم، ودخل حرف إلا مستثنى على المبتدأ، فانتفت الإلهية عن كل ما سوى الله من كل ما يعبد من دونه من صنم ووثن وطاغوت وغير ذلك.\nهذا مضمون ما ذهب إليه هؤلاء، وغيرهم وافقهم في المعنى فاتفقوا أن المستثنى مخرج بإلا، ولولا الاستثناء لدخل. قال الكسائي: هو مخرج من اسم لا، وقال الفراء: مخرج من حكم اسمها وهو النفي، والصحيح أنه مخرج منهما كما قرره العلامة ابن القيم-رحمه الله تعالى-.\nإذا عرفت ذلك، فأكثر النحاة وغيرهم يقولون لا بد لها من خبر مضمر قال بعض من صنف في إعراب هذه الكلمة ومعناها- بعد كلام له سبق- أقول: قد عرفت أن المضمر على تقدير أن يكون في الكلام إضمار إما الخبر أو المرفوع بإلا المكتفى به عن الخبر، وقد عرفت أيضا أن المعنى المقصود في لا إله إلا الله هو قصر الألوهية على الله تعالى.\nوالعلامة الدواني قائل بهذا كما يشير إليه في البحث الخامس من رسالته، وصرح به في شرحه للعقائد العضدية حيث قال: واعلم أن التوحيد إما بحصر وجوب\n_________\n١ سورة الزخرف آية: ٢٧.","vol":"1","page":340},{"text":"الوجود أو بحصر الخالقية أو بحصر العبودية. ثم قال: الأول كذا والثاني كذا. وساق الكلام وحقق المقام، أي: في رده إلى أن قال: والثالث وهو حصر العبودية، وهو أن لا يشرك بعبادة ربه أحدا، فقد دلت عليه الدلائل السمعية، وانعقد عليه إجماع الأنبياء ﵈، وكلهم دعوا المكلفين أولا إلى هذا التوحيد، ونهوهم عن الإشراك في العبادة قال تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ١. انتهى.\nثم قال الناقل: ومصداق إجماع الأنبياء قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢ بعد قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ٣. وقوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ ٤. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٦.\nإلى أن قال: فإثبات الألوهية له تعالى على وجه الانحصار فرع على أصل ثبوتها له -تعالى-، وأصل ثبوتها له -تعالى -فرع على ثبوته تعالى في نفسه؛ بل أصل ثبوت الألوهية له -تعالى- أيضا على ما يقتضيه دلالة هذا الكلام لغة أمر مسلم الثبوت مفروغ منه لا نزاع فيه.\nوإنما النّزاع- أي: مع المشركين- في قصر الألوهية عليه تعالى، فالموحد يخصها به فيقول: لا إله إلا الله، والمشرك ينكر ذلك استكبارا، فيقول: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٧. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ٨.\nإلى أن قال: فإذا تمهد هذا، فنقول: لما كان في لا إله إلا الله نفي وإثبات فهي في الحقيقة جملتان اسميتان؛ لأن كلا من النفي والإثبات يقتضي طرفين\n_________\n١ سورة الصافات آية: ٩٥، ٩٦.\n٢ سورة الأنبياء آية: ٢٥.\n٣ سورة الأنبياء آية: ٢٤.\n٤ سورة النحل آية: ٢.\n٥ سورة النحل آية: ٣٦.\n٦ سورة الزخرف آية: ٤٥.\n٧ سورة ص آية: ٥.\n٨ سورة الصافات آية: ٣٥.","vol":"1","page":341},{"text":"ينعقد الحكم بينهما، فطرف الإثبات هو الاسم الجليل مع صحة الإيجاب من إله، فصح أن يقصر بالأولى استمرار الثبوت الممتنع الانفكاك، وبالثانية استمرار النفي الممتنع الانفكاك، ومقام الدعوة إلى كلمة التوحيد قرينة على أن المعنى المراد من لا إله إلا الله نفيا وإثباتا هو هذا الاستمرار الممتنع الانفكاك ضرورة أن الشارع لا يقول إلا صدقا، واستمرار ثبوت الإلهية له-تعالى- على سبيل امتناع الانفكاك واستمرار انتفاء الألوهية عن غيره-تعالى- هو المطابق لما في نفس الأمر، فهو المقصود للشارع فلم يبق إلا أن أهل اللسان: هل فهموا ذلك منه حتى يكون دلالته لغوية أم لا؟\nفنقول: إنهم قد فهموا منه ذلك بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ١.\nووجه دلالته على ما ذكرناه هو أن الصادق أخبر بأن إنكارهم لما يلزم من الاعتراف بلا إله إلا الله من تركهم آلهتهم واختصاصه -تعالى- بالألوهية- إنكار بمحض استكبار، لا لتمسك عقلي. انتهى ما نقلته وهو تقرير حسي موافق لما دل عليه الكتاب والسنة، كما عرفت من صريح الآيات والأحاديث.\nلكن قوله: وأصل ثبوتها له -تعالى- فرع على ثبوته -تعالى- في نفسه أمر فطري مسلم حتى عند أعداء الرسل؛ فإنهم يعرفونه ويعبدونه لكن عبدوا معه غيره. فدلالتها على وجوده -تعالى- دلالة التزام، فيلزم من اختصاصه بالإلهية وجوده وكماله في ذاته وصفاته ومباينته للمخلوقين، وأنه أحد صمد لا كُفؤ له ولا مثل له ولا شريك له، ولا ظهير له ولا نِد له -تعالى وتقدس- كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٢. وقال تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣ إلى أمثال هذه الآيات.\n_________\n١ سورة الصافات آية: ٣٥، ٣٦.\n٢ سورة الإخلاص آية: ١: ٤.\n٣ سورة الشورى آية: ١١.","vol":"1","page":342},{"text":"رجعنا إلى تقرير معنى هذه الكلمة العظيمة قال الله تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ ١.\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>عود الآيات في معنى لا إله إلا الله</span>\nقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في هذه الآية: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ ٢ فالآية إنما سِيقت فيمن يعبد غير الله، فما عبد إلا الضلال المحض والباطل البحت. انتهى.\nوقد فسر العلماء من المفسرين وغيرهم سلفا وخلفا معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٣ أن الطاغوت هو الشيطان، وما زينه من عبادة الأوثان كما تقدم.\nولا ريب أن الكفر بالشيطان يحصل بالبراءة منه ومعصيته في كل ما أمر به ونهى عنه. وكان موجودا أعاذنا الله من عبادته، وكذلك الأوثان يكفر بها المؤمنون ويتبرؤون من عبادتها مع وجودها ومن عبادة المشركين لها.\nوالمقصود أن نفي الأوثان الذي دلت عليه كلمة الإخلاص يحصل بتركها والرغبة عنها والبراءة منها، والكفر بها وبمن يعبدها، واعتزالها واعتزال عابديها، وبغضها وعداوتها. وكل هذا في القرآن مبينا، وقد انتفت عبادة كل ما عبد من دون الله مما هو موجود في الخارج مما يعبده المشركون سلفا وخلفا بهذه الكلمة كما تقدم.\nوقد ذكر -تعالى- عن خليله -عليه- السلام أنه قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ ٤ الآيات، وبالله التوفيق.\nوصح عن أهل السير والمغازي وغيرهم من العلماء أن الله تعالى لما أرسل محمدا ﷺ يدعو الناس إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، وكان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما تعبدها قريش، وكانوا يعبدون اللات والعزى ومناة، وهي أكبر الطواغيت التي يعبدها أهل مكة والطائف ومن حولهم-\n_________\n١ سورة يونس آية: ٣٢.\n٢ سورة يونس آية: ٣٢.\n٣ سورة البقرة آية: ٢٥٦.\n٤ سورة الشعراء آية: ٧٧، ٧٨.","vol":"1","page":343},{"text":"فاستجاب للنبي ﷺ من استجاب من السابقين الأولين، وهاجر من هاجر منهم إلى الحبشة، وكل من آمن منهم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله رغبة عن الشرك وعبادة الأوثان وكفرا بها، وبراءة منها، ومسبة لها، فصح إسلامهم وإيمانهم بذلك مع كونها موجودة يعبدها من يعبدها ممن لم يرغب عنها وعن عبادتها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>اقتضاء كلمة التوحيد إبطال عبادة كل ما عبد من دون الله</span>\nفبهذا يتبين أنه ليس المراد من نفي الأوثان والأصنام وغيرها في كلمة الإخلاص زوال ماهية الأصنام ونفي وجودها، وإنما المراد إنكار عبادتها والكفر بها وعداوتها كما تقدم بيانه، وكل من تبرأ منها ورغب عنها فقد نفاها بقول لا إله إلا الله، وأثبت الألوهية لله تعالى دون كل ما يعبد من دونه.\nفلما تمكن ﷺ من إزالة هذه الأصنام كسرها، وبعث من يزيل ما بعد عنه منها، فخلت الجزيرة من أعيانها، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ١.\nوفيه الرد على الفلاسفة وأهل الاتحاد القائلين بأن المنفي كلي يوجد ذهنا ولا يوجد منه في الخارج إلا فرد، بناء على ما اعتقدوه في الله تعالى من الكفر به وبكتابه وبرسوله، وقد عرفت أن المنفي بها أفراد متعددة من الأصنام والأنداد والشركاء والأولياء، من حين حدث الشرك بعبادة الأصنام في قوم نوح إلى أن تقوم الساعة.\nفيجب بلا إله إلا الله البراءة من كل ما يعبده المشركون من دون الله. فلا بد من نفي هذا كله بالبراءة من عبادته ومن عابديه. فمن تبرأ من عبادتها كلها وأنكرها وكفر بها، فقد قال لا إله إلا الله وأخلص العبادة لله وحده، وصار بهذا التوحيد مسلما مؤمنا.\nوتأمل ما ذكره المفسرون في قول الله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢.\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>شكوى قريش لأبي طالب من النبي وكلامه</span>\nقال أبو جعفر ابن جرير -رحمه الله تعالى-: أنبأ أبو كريب وابن وكيع قال: ثنا أبو أسامة أنبأ الأعمش ثنا عباد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما مرض\n_________\n١ سورة الأنفال آية: ٣٩.\n٢ سورة ص آية: ٤، ٥.","vol":"1","page":344},{"text":"أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل، فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته. فبعث إليه، فجاء النبي ﷺ فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، قال فخشي أبو جهل إن جلس النبي ﷺ إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق عليه فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد رسول الله ﷺ مجلسا قرب عمه فجلس عند الباب.\nفقال له أبو طالب: أي ابن أخي، ما بال قومك يشكونك يزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول؟ قال: وأكثروا عليه القول. وتكلم رسول الله ﷺ فقال: \"يا عم، إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها، تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية\" ١ ففزعوا لكلمته ولقوله، فقال: القوم كلمة واحدة؟ نعم وأبيك عشرا، فقالوا وما هي؟ وقال أبو طالب: وأي كلمة هي يا ابن أخي؟\nقال: (لا إله إلا الله) فقاموا فزعين ينفضون التراب عنهم ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢ إلى قوله: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ ٣ لفظ أبي كريب. وهكذا رواه الإمام أحمد والنسائي من حديث محمد بن عبد الله بن نمير، كلاهما عن أبي أسامة عن الأعمش عن عباد منسوبا به نحوه، ورواه الترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير كلهم من تفاسيرهم من حديث سفيان الثوري عن الأعمش عن يحيى بن عمارة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقال الترمذي: حسن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>زعم أن كلمة التوحيد لا تنفي إلا مفهوما كليا</span>\nففي هذا من البيان والعلم، أن لا إله إلا الله تبطل عبادة كل ما يعبده المشركون من دون الله، وتنفي ما كان بينهم من معبوداتهم الموجودة في الخارج بأعيانها، وفيه أن المشركين عرفوا معناها الذي وضعت له ودلت عليه من إبطال عبادة كل معبود سوى الله.\nفإذا كان معناها هذا يعرفه كل أحد حتى المشركون يعرفون ما نفته وما أثبتته، فإذا جاء ملحد لا يعرف معناها من كتاب الله ولا سنة رسوله ولا لغة\n_________\n١ الترمذي: تفسير القرآن (٣٢٣٢)، وأحمد (١/٣٦٢) .\n٢ سورة ص آية: ٥.\n٣ سورة ص آية: ٨.","vol":"1","page":345},{"text":"ولا عُرْف ولا عَرَف من معناها ما عرفه المشركون.\nوقال: إن لا إله إلا الله لم تنف إلا كليا منويا لا يوجد منه في الخارج إلا فرد، وهذا الفرد المنفي هو المثبت، فأين هذا من معناها الذي يعرفه المسلمون وبه يدينون، ويعرفه المشركون أيضا ويشمئزون منه وينفرون؟ كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ١.\nفالمشركون عرفوا وأنكروا مدلولها، وهذا الملحد أنكر مدلولها مع الجهل بمعناها الذي يعرفه كل أحد حتى أعداء الرسل القائلون: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ ٢. فسبحان الله ما أبين ضلال هذا الملحد عند أهل البصيرة من أهل التوحيد، وعند أهل الفطر والعقول قاطبة!\nفكل ذي عقل ينكر هذا القول ويعرف بطلانه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>الوجوه المبطلة للقول بأن نفي الكلي ليس له أفراد في الخارج</span>\nونذكر وجوها تبين بطلان هذا القول مع ما تقدم:\n(الأول): أن هذا يناقض ما شهد الله به وشهدت به ملائكته وأولو العلم من عباده قال تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣. فلم يبق معبود يعبده الأولون والآخرون من دون الله إلا بطلت عبادته وإلهيته بشهادة الله ﷿ وملائكته وأولي العلم قاطبة، وأن المعبودات التي بطلت بشهادة الله ليست كليا لا يوجد منه في الخارج إلا فرد كما يقوله الملحد، بل كل ما يوجد في الأمم وفي العرب من الأوثان والأصنام التي لا تحصى كثرة كأصنام قوم نوح وغيرها.\nومن لم يعتقد أن هذا هو الذي شهد الله به وملائكته وأنبياؤه بنفيه عن هذه الأصنام، وكل ما عبد من دون الله، فما قال لا إله إلا الله، وما عرف من الإسلام ما يعصم دمه وماله، وصار عما شهد الله به في معزل.\n(الوجه الثاني): أن هذا القول ينافي ما بينه الله تعالى في كتابه من ملة الخليلين لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ ٤ الآية وقد تقدمت. وقال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وأطيعون ذَلِكُمْ\n_________\n١ سورة الصافات آية: ٣٥، ٣٦.\n٢ سورة الأعراف آية: ٧٠.\n٣ سورة آل عمران آية: ١٨.\n٤ سورة الزخرف آية: ٢٦.","vol":"1","page":346},{"text":"خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَإِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ ١.\nفذكرها ﵇ بصيغة الجمع. أيجوز في عقل عاقل أن ما ذكره تعالى عن خليله من إنكاره لعبادة هذه الأوثان، وإخباره أنهم لا يملكون لعابديهم رزقا؛ أنها لا توجد في الخارج؟ ولا ريب أنه لا يجحد هذا إلا مكابر معاند مخالف لما جاءت به الرسل من التوحيد.\nوقوله تعالى عن خليله وقال: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ٢ الآية. أيشك من له عقل أن تلك الأوثان موجودة عند عابديها يباشرونها بالعبادة؟ وهل يعرف أحد من هذا السياق إلا أنها موجودة معبودة منتفية بلا إله إلا الله.\nوكذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٣.\nولا خلاف أن الصنم شيء مصور على صورة شخص يعبد من دون الله، وذلك لا يكون إلا موجودا في الخارج، فسماه الخليل أوثانا وآلهة، وأنكرها وتبرأ منها وممن عبدها.\n(الوجه الثالث): أن الله بعث محمدا ينهى قريشا والعرب وغيرهم من المشركين عن أن يعبدوا مع الله غيره كاللات والعُزى ومناة والأصنام التي كانت حول الكعبة كما تقدم، وقد قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى﴾ ٤ إلى قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ٥. أيشك أحد بعد هذا أنها موجودة تعبد من دون الله؟ بل لا يشك مسلم ولا مشرك في وجودها وأن قريشا وغيرهم يعبدونها.\n(الوجه الرابع): أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ ٦، فأجابوا ردا عليه فيما دعاهم إليه وقالوا: ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ٧.\n_________\n١ سورة العنكبوت آية: ١٦، ١٧.\n٢ سورة العنكبوت آية: ٢٥.\n٣ سورة الأنعام آية: ٧٤.\n٤ سورة النجم آية: ١٩.\n٥ سورة النجم آية: ٢٣.\n٦ سورة نوح آية: ١: ٣.\n٧ سورة نوح آية: ٢٣.","vol":"1","page":347},{"text":"ومعلوم عند العلماء قاطبة بل وعند العامة أنها أسماء رجال صالحين صورها قومهم أصناما على صورهم وسموها بأسمائهم، فآل بهم الأمر إلى أن عبدوها وهي موجودة في الخارج لا يشك في وجودها أحد، ولا ريب أنها منتفية بكلمة الإخلاص لا إله إلا الله.\nوهذه الأصنام استخرجها عمرو بن لحي الخزاعي الكاهن لما كان واليا على مكة قبل قريش وفرقها في العرب فعبدوها كما عبدها قوم نوح كما ذكره البخاري في صحيحه.\n(الوجه الخامس): ما ذكره الله عن قوم هود لما دعاهم هود ﵇ إلى أن يعبدوا الله وحده ويتقوه، قال لهم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ١ ٢، فأجابوا بقولهم: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٣، فظهر أن لهم ولآبائهم معبودات في الخارج يعبدونها من دون الله، ودعوة الرسل تبطل عبادتها.\nوتقدم ما ذكره الله تعالى في سورة هود من قولهم لهود ﵇: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ ٤، وهذا لا يقال إلا على آلهة موجودة تعبد، ودلت هذه الآيات على أن الإلهية هي العبادة، وأن المشركين وضعوها فيمن لا يستحقها من صنم ووثن وطاغوت وغير ذلك.\n(الوجه السادس) قول يوسف ﵇: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ٥. فسبحان الله أين ذهب عقل الفيلسوف حين اعتقد أن المنفي كلي لا يوجد إلا ذهنا؟!\nومعلوم أنه لا يكون له إعداد على هذا الاعتقاد الباطل، وتبين أن كلمة الإخلاص نفت أربابا متفرقين وضعت عليها أسماء ما أنزل\n_________\n١ سورة يوسف آية: ٤٠.\n٢ هذه الآية في قول يوسف ﵇. أما قول هود -﵇- فهو: (أتجادلونني في أسماء إلخ) من سورة الأعراف.\n٣ سورة الأعراف آية: ٧٠.\n٤ سورة هود آية: ٥٤.\n٥ سورة يوسف آية: ٣٩، ٤٠.","vol":"1","page":348},{"text":"الله بها من سلطان، كما كان أهل الأوثان يسمون آلهتهم، وفيما ذكرنا في هذه الوجوه كفاية. فلو ذكرنا ما يبطل قوله من الوجوه لبلغ مائة أو أكثر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>الإله هوالمعبود. والعبادة حق الله وحده بالإجماع</span>\nوقد قدمنا عن أئمة اللغة في معنى الإله موافقتهم في لغتهم لما دل عليه الكتاب والسنة من معنى كلمة الإخلاص وما دلت عليه مطابقة وتضمنا والتزاما.\nوكذلك النحاة وجميع العلماء من المفسرين وغيرهم أجمعوا قاطبة على أن الإله هو المعبود، وأن العبادة حق لله لا يجوز أن يصرف منها شيء لغير الله كائنا ما كان، وأن المنفي في كلمة الإخلاص كل ما كان يعبد من دون الله من بشر أو ملك أو شجر أو حجر أو غير ذلك.\nولولا قصد الاختصار لبسطت القول في هذا المعنى العظيم الذي لا يصلح لأحد دين إلا إذا عرفه على الحقيقة، وقبل ما دل عليه الكتاب والسنة من بيان توحيد الله، وقصر العبادة عليه دون كل ما سواه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>رد قول أن المنفي بلا إله إلا الله كلي منوي</span>\nواعلم أنني لما كتبت قبل هذا في رد قول هذا الملحد أن المنفى بلا إله إلا الله كلي منوي لا يوجد منه في الخارج إلا فرد وهو المستثنى، فأجبت بما حاصله:\nإذا كانت لا إله إلا الله لم تنف إلا كليا منويا، فعلى هذا القول الباطل لم تنف لا إله إلا الله صنما ولا وثنا ولا طاغوتا، وصار النفي منصبا على الفرد، فهو المنفي وهو المستثنى، وتناقض هذا لا يخفى على من له عقل وفهم.\nوقد عرفت أن هذه دعوى منه مخالفة لما بعث الله به رسله من توحيده، وعلى قول هذا لم يكن للا إله إلا الله مدخل في الكفر بالطاغوت والبراءة من الأوثان التي صرح القرآن بنفيها بكلمة الإخلاص- لا إله إلا الله- كما في آية البقرة وغيرها، وقد تقدم بيان ذلك.\nوبهذا يتبين لمن له فهم أن قول هذا الرجل من أبطل الباطل وأبين الضلال وأمحل المحال.","vol":"1","page":349},{"text":"والمسلم الموحد يعلم من الكتاب والسنة ومن قول أهل العقول الصحيحة والفطر السليمة أن لا إله إلا الله لها موضوع عظيم، ومدلولها هو حقيقة الإسلام والإيمان. فإنها إنما وضعت للرغبة عن عبادة كل ما يعبد من دون الله، والبراءة منه والكفر به، وإنكار ذلك وبغضه وعداوته وعداوة من اتخذ الشرك في العبادة دينا، وهذا هو أظهر ما في القرآن، وأبينه إيضاحا وتقريرا.\nوجواب ثانٍ وهو قولي: كيف يجوز أن يكون الفرد الذي وجد من الكلي المنفي داخلا في المنفي بإلا خارجا بالاستثناء، فيكون متصفا بالنفي والإثبات وأحدهما نقيض الآخر، وأن لا إله إلا الله لا تدل إلا على هذا الفرد خاصة نفيا وإثباتا؟.\nهذا لا يقبله إلا من كان عقله فاسدا لا يعرف حقا من باطل ولا هدى من ضلال، كيف يصح استثناء فرد منفي ويكون هو المستثنى فأين المستثنى والمستثنى منه الذي يعرفه العرب من لغتهم المستعمل في الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة وأئمتها وأهل العربية وغيرهم ويعرفه أهل اللغات؟ فما أبعد ضلال هذا وأجهله وأبعده عن العلم وأهله!\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>الزعم بأن المستثنى بها هو المفهوم العام</span>\nثم إن هذا الرجل سمع بما كتبته على قوله من الرد والإبطال. فأجاب بقوله: قلنا: إنما يلزم هذا لو أريد بالمستثنى منه فرد خاص جزئي، وإنما أريد منه المفهوم العام المتناول لأفراد المعبود بحق سواء كانت في الذهن أو في الخارج.\n(فالجواب): أنه عدل عن قوله الأول إلى ما هو أفظع منه وأشنع، فزعم أن المستثنى منه إنما أريد منه المفهوم العام المتناول لأفراد المعبود بحق، فصرح بأن المستثنى منه إنما أريد منه المفهوم العام المنفي مرادا، فصار المفهوم العام المنفي له أفراد.\nومعلوم أن الأفراد لا توجد في الذهن وإنما توجد في الخارج، فتراه يحوم حول الباطل ويتهافت. وأعظم من هذا قوله: إن المفهوم العام المنفي متناول لأفراد","vol":"1","page":350},{"text":"المعبود بحق فجعل للمعبود بحق، أفرادا منفية بلا، وكلها حق، فكيف يجوز أن ينفي ما هو حق؟ وكيف تكون الأفراد كلها حقا؟\nفتدبر يتضح لك الحال. فهذه فنون من الضلال والإلحاد يبديها تارة، ثم يأتي بما هو أعظم منها وأبين في الضلال والمحال، والمنفي بلا في كلمة الإخلاص لا يكون حقا، بل هو الباطل كما دل عليه الكتاب والسنة وما عليه المسلمون، والحق في كلمة الإخلاص هو المستثنى، وهو الله -تعالى- ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ١ لا شريك له في إلهيته، ولا في ربوبيته، ولا في أفعاله، ولا مثل له، ولا كفء له، ولا ند له، وكل معبود سواه فباطل، ومن لم يعتقد هذا فليس بمسلم.\nولا يخفى أنه يلزم على قول هذا أن للكلي أفرادا معبودة، فإذا كانت كلها معبودة بحق جاز أن تقصد بالعبادة، وهذا دين المشركين الذي بعث الله رسله بإنكاره وإبطاله كما قال -تعالى-: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٢ وقال -تعالى-: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ ٣. والآيات في المعنى كثيرة جدا، فمن عبد مع الله غيره فقد ألحد وأشرك. وكل هذه العبارات التي ذكرها هذا في ورقته ينكرها كل من له عقل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>قول أفلاطون وأتباعه إن الله هو الوجود المطلق</span>\nوأصل هذا الرجل الذي اعتمده وعبر عنه هو بعينه الذي ذكره شيخ الإسلام -﵀- عن أفلاطون الفيلسوف وأتباعه، بناء منهم على كفرهم، فإنهم يقولون: إن الله هو الوجود المطلق.\nومعلوم أن هذا لا يكون له وجود متميز بنفسه مباين للمخلوقات، إذ الكلي كالجنس والفصل والخاصة والعرض العام لا يوجد في الخارج منفصلا عن الأعيان الموجودة، وهذا معلوم بالضرورة، متفق عليه بين العقلاء.\n_________\n١ سورة الفرقان آية: ٥٩.\n٢ سورة النحل آية: ٥١.\n٣ سورة الشعراء آية: ٢١٣.","vol":"1","page":351},{"text":"قال شيخ الإسلام: وإنما يحكى الخلاف في ذلك عن شيعة أفلاطون ونحوه، الذين يقولون بإثبات المثل الأفلاطونية، وهي الكليات المجردة عن الأعيان خارج الذهن.\n(قلت): وهذا قول هذا الرجل في ورقته تبع فيه أفلاطون، وهو قوله: إن المنفي في \"لا إله إلا الله\" كلي لا يوجد منه في الخارج إلا فرد واحد وهو المستثنى. وقد عرفت بطلان هذا القول من الكتاب والسنة، وأن العلماء أنكروا هذا القول غاية الإنكار -كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام-؛ لأن المنفي بـ \"لا إله إلا الله\" كل ما يعبد من دون الله، وهي أجناس موجودة في الخارج، كما قال الخليل ﵇: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ١. وقال -تعالى- عن أهل الكهف: ﴿وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله﴾ ولا ريب أن المنفي ما كان أهل الشرك يباشرونه بعباداتهم، وهي أنداد موجودة في الخارج.\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>رد الشيخ على أفلاطون</span>\nقال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في رده قول أفلاطون ومن تبعه: \"والمعلم الأول أرسطو وأتباعه متفقون على بطلان قول هؤلاء، فلو ظنوا أن البارئ هو الوجود المطلق بهذا الاعتبار لوقعوا فيما منه فروا، فإن هذا يستلزم مباينته لجميع المخلوقات وانفصاله عنها، مع أن عاقلا لا يقول أن الكليات هي المبدعة لمعيّناتها، بل هم يقولون: إن العلم بالقضية المعينة المطلوب إثباتها- وهو علو الله على العالم- معلوم بالضرورة والفطرة، ويعلمون بطلان نقيضها بالفطرة والضرورة، ويعلمون أنه إذا لم يكن مباينا كان داخلا محايدا فيلزم الحلول والاتحاد\".\nوذكر -رحمه الله تعالى- في موضع آخر: أن قدماء الفلاسفة خالفوا أفلاطون وأتباعه في الكلي والجزئي؛ لأنه قول غير معقول.\n(قلت): وبهذا يعلم أن قول هذا الرجل: أن المنفي كلي لا يوجد في الخارج. قول غير معقول.\nوذكر شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- أن جميع الطوائف من المسلمين وغيرهم\n_________\n١ سورة الزخرف آية: ٢٦.","vol":"1","page":352},{"text":"خالفوا هذا القول، وذكروا أنه لا يعقل، وذكر -رحمه الله تعالى- أن الفلاسفة وأهل الاتحاد لم يفرقوا بين القديم والحديث، ولا بين المأمور والمحظور، وقد وقع كثير من الصوفية في هذا الضلال، وكلتا الطائفتين ضلوا، وأضلوا عن سواء السبيل.\nوقال -رحمه الله تعالى-: إن ابن سينا ومن تبعه أخذوا أسماء جاء بها الشرع، ووضعوا لها مسميات مخالفة لمسميات صاحب الشرع، فأخذوا مخ الفلسفة وكسوه ثوب الشريعة، وهذا كلفظ الملك والملكوت والجبروت واللوح المحفوظ، كما يوجد في كلام أبي حامد -يعني الغزالي- ونحوه من أصول هؤلاء الفلاسفة الملاحدة، الذين يحرفون كلام الله ورسوله.\n(قلت): ومن ذلك ما ذكره العلامة ابن القيم عنهم من أنهم يقولون: \"عناية إلهية\". وتحت هذه الكلمة نفي القدر والحكمة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>الرد على تفسير الورقة لكلمة التوحيد</span>\nثم إن هذا في ورقته صرح بأن معنى \"لا إله إلا الله\" مثل: \"لا شمس إلا الشمس\" استثناء للشيء من نفسه، وهذا قول في غاية الضلال والجهل، باطل بأدلة الكتاب والسنة، لا يقوله أحد من الأولين والآخرين، ولا في لغة أحد، وليس في المعقول والمنقول إلا رده وإبطاله، ومن لم يعرف بطلان هذا القول فلا حيلة فيه.\nوتأمل قول هذا أيضا: وخلاصة المعنى سلب مفهوم الإله لما سوى الله، وإيجابه له، وانحصاره فيه، وصرح بهذا المراد بـ \"إلا الله\".\n(قلت): من يسمع كلامه هذا ظن أنه حق، وقد بناه على ما مثل به: \"لا شمس إلا الشمس\"، وحقيقة هذا القول أن الإله واحد، يبينه قوله: سلب مفهوم الإله على ما تقدم له من أن المنفي كلي لا يوجد منه في الخارج إلا فرد.\nوقد عرفت مما قدمناه أن توحيد الأنبياء والمرسلين البراءة من عبادة الأصنام والأوثان والطواغيت، وكلها موجودة في الخارج بأعيانها كما قال -تعالى- عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ","vol":"1","page":353},{"text":"وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ١.\nفتبين أن نوحا -﵇- دعا قومه إلى ترك عبادة هذه الأصنام، والبراءة منها، والكفر بها.\nوكذلك هود -﵇- دعا قومه إلى عبادة الله وحده، وترك ما كان يعبده آباؤهم كما أخبر تعالى عنهم أنهم قالوا له: ﴿أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ماكان يعبد آباؤنا﴾ ٢.\nومعلوم أن آباءهم لم يكونوا يعبدون كليا ذهنيا لا يوجد إلا في الذهن، بل يعبدون أشخاصا موجودة في الخارج، وقد قالوا لهود -﵇-: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ ٣. وقد تقدم من الأدلة ما يدل على أن المنفي والمنهي عنه هو عبادة الأصنام والأوثان والطواغيت التي تعبد من دون الله كما قال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٤، ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ ٥. فلا يشك مسلم -بل كل من له عقل- أن الطواغيت التي يعبدها المشركون موجودة في الخارج، والقرآن من أوله إلى آخره يدل على هذا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>المنفي بكلمة التوحيد كل ما عبد ويعبد من دون الله</span>\nفيا من لا يعرف من كلمة الإخلاص ما عرفه عوام المسلمين! ارجع إلى نفسك، وتأمل ما وقعت فيه، أما علمت أن لا النافية إنما وضعت لغة لنفي الجنس تنصيصا؟ والجنس الذي وضعت له لا بد له من أشخاص متعددة في الخارج، قديمة وحديثة، يعبدها كل مشرك؟ وليست كليا لا يوجد إلا في الذهن؟\nفإن هذه الدعوى الباطلة لم يقل بها مسلم في معنى كلمة الإخلاص، حتى المشركين في لغاتهم لا يعرفون أن هذا معناها، ولا أنها سلبت مفهوم الإله، بل عرفوا كلهم أن من دعاهم إلى أن يقولوا: \"لا إله إلا الله\". فإنما أراد منهم ترك ما كانوا يعبدونه من أصنامهم وأوثانهم، وطواغيتهم التي كانت عندهم يعبدونها من دون الله.\nأما قريش والعرب، فأخبر الله -تعالى- عنهم أنهم لما قال لهم رسول الله ﷺ: \"قولوا لا إله إلا الله\" ٦ قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ٧ إلى قوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ ٨، وآلهتهم: اللات والعزى ومناة التي\n_________\n١ سورة نوح آية: ٢٣.\n٢ سورة الأعراف آية: ٧٠.\n٣ سورة هود آية: ٥٤.\n٤ سورة النحل آية: ٣٦.\n٥ سورة الزمر آية: ١٧.\n٦ الترمذي: تفسير القرآن (٣٢٣٢)، وأحمد (١/٢٢٧) .\n٧ سورة ص آية: ٥.\n٨ سورة ص آية: ٦.","vol":"1","page":354},{"text":"كانت حول الكعبة، فهذا هو المراد من هذه الكلمة من لغتهم، لا يعرفون غير ذلك.\nفمعنى النفي في هذه الكلمة ترك عبادة الأوثان، والبراءة منها، والكفر بها، وعداوتها، وعداوة من عبدها. وقد كان العرب يقولون في تلبيتهم: \"لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك\". والشريك إنما هو أوثانهم، أشركوها مع الله في العبادة، واتخذوها أندادا كما قال -تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ١، ومفهوم الإله الذي لا يوجد إلا ذهنا لا يوصف بالاتخاذ ولا بالمحبة، بل ولا له ثبوت.\nوتأمل ما فهمه أعداء الرسل لما دعتهم الرسل إلى أن يعبدوا الله وحده.\nقال -تعالى- عن قوم هود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ ٢، وقالوا: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ ٣، عرفوا أنه دعاهم إلى ترك عبادتها والبراءة منها، قال -تعالى-: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٤.\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>التوحيد هو الكفر بالطواغيت والأصنام وإخلاص العبادة لله وحده</span>\nوالمفهوم الكلي الذي لا يوجد في الخارج لا يوصف بهذه الصفات، ولا يجمع بهذا الجمع، بل ولا يتصور أن يدعى من دون الله.\nوقال -تعالى- عن قوم صالح: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٥ عرفوا أنه أراد منهم ونهاهم أن يعبدوا ما يعبد آباؤهم من الأوثان.\nوقال -تعالى- عن قوم شعيب: ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٦، عرفوا في لغاتهم أنه نهاهم عن عبادة ما كان يعبد آباؤهم من الأوثان الموجودة في الخارج.\nوتأمل قول الله -تعالى-: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ ٧، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ ٨، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ ٩، وقال: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ ١٠، وقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ١١. ولا شك عند من له أدنى مسكة من عقل أن\n_________\n١ سورة البقرة آية: ١٦٥.\n٢ سورة هود آية: ٥٤.\n٣ سورة الأحقاف آية: ٢٢.\n٤ سورة هود آية: ١٠١.\n٥ سورة هود آية: ٦٢.\n٦ سورة هود آية: ٦٢.\n٧ سورة مريم آية: ٨١.\n٨ سورة الأنبياء آية: ٢٤.\n٩ سورة الزمر آية: ٤٣.\n١٠ سورة الكهف آية: ١٠٢.\n١١ سورة الشورى آية: ٦.","vol":"1","page":355},{"text":"الذي اتخذه المشركون يعبدونه من دون الله أشخاصا متعددة في القرآن من هذا النمط لا تحصى.\nوالمقصود أن الرسل من أولهم إلى آخرهم دعوا أممهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما كانوا يعبدونه من دونه، والكفر به، والبراءة منه، كما أفصح عن ذلك خليل الرحمن إبراهيم كما قال -تعالى-: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١، وقال: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ ٢، وقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ٣.\nفالنهي عن عبادة الأصنام والطواغيت، والبراءة منها، والكفر بها، وإخلاص العبادة لله وحده هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأفصح القرآن عنه، وجرى بسبب جحوده على الأمم والمشركين ما جرى من العذاب والذهاب والعقاب، فإن هذا من سلب مفهوم ذهني لا يفيد شركا ولا براءة ولا عداوة.\nفسبحان من طبع من شاء من عباده عن فهم ما بعث الله به رسله من توحيده في العبادة، وصرفهم عن فهم الأدلة التي أظهر فيها لعباده مراده، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nوبهذا يتبين فساد ما لبس به هذا المفتري في معنى كلمة التوحيد، وأنه مصادم لما في كتاب الله من تفسير هذه الكلمة العظيمة، ومناقض لما بعث الله به رسله من إخلاص العبادة له، وترك عبادة ما سواه، والبراءة منها؛ وهذا أظهر شيء في القرآن وأبينه، لا يمتري فيه مسلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>ونشير إلى ما ذكره بعض العلماء في أصل هذه المقالة وبطلانها</span>.\nمعنى لا إله إلا الله وإعرابها عند الكوراني\nقال إبراهيم بن سعد الكوراني في مصنفه في بيان معنى \"لا إله إلا الله\" وإعرابها،\n_________\n١ سورة الأنعام آية: ٧٤.\n٢ سورة العنكبوت آية: ١٧.\n٣ سورة الممتحنة آية: ٤.","vol":"1","page":356},{"text":"وإنها دلت على توحيد الإلهية مطابقة وتضمنا وما دلت عليه التزاما، وذكر كلاما في تقرير هذا المعنى، وذكر أن بعضهم اشترط في لا النافية للجنس في هذه الكلمة الوحدة الذهنية، فجعلوا الجنس المنفي واحدا لا يوجد إلا ذهنا. قال: وبما ذكرناه يتضح أنه لا يصح أن يقال: نأخذ الجنس بشرط الوحدة الذهنية فتكون القضية طبيعية.\n(أما أولا): فالمراد بالجنس- بلا شرط- الصالح للصدق على الأفراد، كما هو الشأن في موضوع القضايا.\n(وأما ثانيا): فلأن الكلام يخرج عن إفادة التوحيد بالكلية، لأن حاصله حينئذ هذا الجنس المأخوذ بشرط الوحدة الذهنية المغايرة لله تعالى منتف، وليس هذا من التوحيد في شيء، ولا شم من رائحة الدلالة عليه.\n(ويقال ثالثا): إن أريد أن هذا الجنس منتف في الذهن فهو قطعي البطلان، إذ كل من ينطق بهذا التوحيد مستحضرا لمعناه قد تحقق هذا الجنس في ذهنه، فكيف يصلح نفيه؟ وعلى كل حال فلا يصح تفسيرا لهذه الكلمة، لأن المراد من \"لا إله إلا الله\" هو الدلالة على توحيد الألوهية، وهذا معلوم بالضرورة، وعلى تفسيرهم يكون بينه وبين الدلالة على التوحيد بُعد المشرقين.\n(قلت): وهذا الذي ذكره إبراهيم بن سعد من اشتراطهم أن يكون الجنس فردا لا يؤخذ إلا ذهنا، هو الذي صرح به هذا الملحد في ورقته، وهو أن \"لا\" في كلمة التوحيد سلبت مفهوم الإله الذي لا يوجد إلا ذهنا، وقد عرفت بعد هذا عن التوحيد الذي دلت عليه كلمة الإخلاص.\nولقد صرفوا هذه الكلمة العظيمة عما وضعت له وأريد بها لغة وشرعا وعقلا وفطرة، فإنها وضعت للبراءة من كل ما يعبد من دون الله، وإبطال عبادته، والكفر به؛ وقد عرف هذا كل أحد حتى مشركو الأمم، ومشركو العرب كما تقدم بيانه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>الرد على من صرف كلمة التوحيد عن معناها</span>\nوأما قوله: وخلاصة المعنى سلب مفهوم الإله لما سوى الله وإيجابه له وانحصاره","vol":"1","page":357},{"text":"فيه. وصرح بهذا المراد بـ \"إلا الله\"، فمراده بقوله: وإيجابه له وانحصاره فيه، هذا هو توحيد الفلاسفة وأهل الوحدة، فإن الله عندهم مسماه: الكون المطلق، فكل ما كان خارجا عن الذهن من الأشخاص فقد دخل في مسمى الله، فكل ما في الكون من خبيث وطيب فهو الله، كما ذكره شيخ الإسلام وابن القيم وغيره عنهم. فواجب الوجود والممكن كله داخل في هذا المسمى عندهم، وقد صرحوا بهذا في كتبهم، فلم يفرقوا بين الخالق والمخلوق، وقد قدمنا التنبيه في كلام شيخ الإسلام وابن القيم -رحمهما تعالى- كما ذكر إبراهيم بن سعد ذلك عنهم، وكما قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى-:\nيا أمة معبودها موطوؤها ... أين الإله وثغرة الطعان؟\nوالناصح لنفسه يكون من هؤلاء الملبسة على حذر، ولا يهمل السؤال عنهم وعن مذاهبهم، وما يخدعون به العامة من زخرف القول، الذي ربما يظن الجاهل أنه حق، وهو عبارة هؤلاء عن باطلهم، كما نبه على ذلك شيخ الإسلام من وضعهم أسماء الحق على باطلهم، وكل طائفة من أهل البدع لها توحيد. وهذا الذي ذكرناه هو توحيد الفلاسفة والاتحادية، وقد أضلوا بما موهوا به كثيرا ممن ينتسب إلى العلم.\nيا قومنا، الله في إسلامكم ... لا تفسدوه لنخوة الشيطان\nوتأمل ما ذكره الفخر الرازي في معنى \"لا إله إلا الله\"، فإنه قال: التحقيق أن المضمر المرفوع بـ \"إله\" راجع بالحقيقة إلى نفي الأعيان التي سموها آلهة من حيث إنها آلهة، لا إلى وجودها في حد ذاتها ضرورة أنها موجودة في الخارج بالفعل محسوسة. وحاصله نفي كل فرد من أفراد إله من تلك الحيثية غير الله راجع إلى نفي الألوهية عن كل موجود غير الله. انتهى.\nفتأمل قوله: راجع إلى نفي الأعيان التي سموها آلهة. (قلت): وهو الحق، لأنها نفت إلهية كل مألوه يألهه المشركون غير الله، من كل صنم ووثن وشريك","vol":"1","page":358},{"text":"وطاغوت، وهذا هو مدلول \"لا إله إلا الله\": نفي إلهية كل ما يؤله من دون الله. وقوله: لا إلى وجودها، دفعا لقول من قال: إن الخبر المضمر موجود، وقد بيّن وجه ذلك، وتقديره للخبر بأحد قريب مما تقدم في المعنى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>المنفي في كلمة التوحيد الإلهية الكثيرة الموجودة في الخارج</span>\nوتأمل قوله: وحاصله نفي كل فرد من أفراد إله. فبيّن أن المنفي له أفراد كثيرة، وهذا ظاهر بيّن لا يمنعه أحد، كما هو ظاهر في الكتاب والسنة واللغة والفطرة خلافا للفلاسفة.\nوكذلك قوله: راجع إلى نفي الإلهية عن كل موجود غير الله، وهذا هو الذي يعرفه الناس كلهم إلا ما كان من هذه الطائفة ومن أهل الوحدة، فإنهم ألحدوا في التوحيد، وأتوا بكل ما يستحيل عقلا وشرعا. فسبحان الله، والله أكبر، أيجوز في عقل أن المشركين من أولهم إلى آخرهم الذين عبدوا مع الله غيره أنهم إنما عبدوا فردا في الذهن لا وجود له في الخارج؟! هذا أمحل المحال، وأبطل الباطل.\nوقد نبهت فيما تقدم على أنهم أرادوا بهذا أن الأصنام والأوثان والطواغيت لا تدخل في المنفي لأنها من جملة الوجود الذي يسمونها الله.\nوأقول أيضا: الآلهة هي الأنداد والطواغيت والشركاء، وقد قال -تعالى-: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١، فذكرها مجموعة لكثرة أفرادها في الخارج، وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ٢، فذكرها بصيغة الجمع يدل على كثرة أفرادها، وقال -تعالى-: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٣، وقال: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ ٤.\nوهذه الآيات تدل على أن المعبودات التي تعبد من دون الله كثيرة من الطواغيت وغيرها كقوله في آية البقرة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ ٥، وكقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ ٦، ولا ريب أن الجن لهم وجود في الخارج، وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٧.\nفدلت هذه الآيات على أن لهذه المعبودات أفرادا كثيرة، وكلها منتفية بـ \"لا إله إلا\n_________\n١ سورة البقرة آية: ٢٢.\n٢ سورة البقرة آية: ١٦٥.\n٣ سورة البقرة آية: ٢٥٦.\n٤ سورة الزمر آية: ١٧.\n٥ سورة البقرة آية: ٢٥٧.\n٦ سورة الأنعام آية: ١٠٠.\n٧ سورة الشورى آية: ٢١.","vol":"1","page":359},{"text":"الله\"، كما قال -تعالى-: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ١، وهذا واضح بحمد الله، فبطل ما اختلقه الفيلسوف، وتبين به إلحاده في التوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ ٢.\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>وضع الأسماء الشرعية للمسميات البدعية</span>\nواعلم أن هؤلاء الزنادقة قد طردوا أصلهم هذا حتى في الإيمان، كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في كتاب الإيمان عن هؤلاء:\nإنهم يثبتون لهذه المسميات وجودا مطلقا مجردا عن جميع القيود والصفات، وهذا لا حقيقة له في الخارج، وإنما هو شيء يقدره الإنسان في ذهنه، كما يقدر موجودا لا قديما ولا محدثا، ويقدر إنسانا لا موجودا ولا معدوما، ويقول الماهية من حيث هي لا توصف بوجود ولا عدم، ويقول الماهية من حيث هي هي شيء يقدره الذهن، وذلك موجود في الذهن لا في الخارج، فهكذا الإيمان يقدر إيمانا لا يتصف به مؤمن، بل هو مجرد عن كل قيد، كتقدير إنسان لا يكون موجودا ولا معدوما، بل ما ثم إيمان إلا مع المؤمنين.\n(قلت): وكذلك إله لا يوجد إلا مع مألوه تألهه القلوب بالعبادة، وقد أشرت إلى ما ذكره شيخ الإسلام عن هذه الطائفة كابن سينا ومن سبقه، أخذوا أسماء جاء بها الشرع، ووضعوا لها مسميات مخالفة لمسميات صاحب الشرع، ثم صاروا يتكلمون بتلك الأسماء، فيظن الجاهل أنهم قصدوا بها ما قصده صاحب الشرع، فأخذوا مخ الفلسفة فكسوه ثوب الشريعة، وهذا كلفظ الملك والملكوت والجبروت واللوح المحفوظ، والملك والملكوت والشيطان والحدث والقدم وغير ذلك. وقد ذكرنا من ذلك طرفا في الرد على الاتحادية، لما ذكرنا قول ابن سبعين، وابن عربي، وما يوجد في كلام أبي حامد، وغيره من أصول الفلاسفة\n_________\n١ سورة الأنبياء آية: ٢٤.\n٢ سورة الحشر آية: ٢.","vol":"1","page":360},{"text":"والملاحدة التي يحرفون بها كلام الله ورسوله عن مواضعه، كما فعلت القرامطة الباطنية. انتهى كلامه -رحمه الله تعالى-.\nوالمقصود من هذا الجواب بيان ما قد يفتريه الجاهل من كلام هؤلاء الذين يلبسون على العامة، فيأتونهم بما لا يعرفون أنه حق وباطل، فربما اعتقدوه تعليلا لهؤلاء، فيقعون في حيرة وشك، وهم قبل الابتلاء بهؤلاء في عافية. فسبحان مقلب القلوب.\nوالأصل في ذلك ما أشار إليه شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في مثل هؤلاء أنه ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدفع الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ورسوله ما يقدمونه على الأهل والمال، وهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتلوا بمن يدخل عليهم شبهات توجب ريبهم فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب، وإلا صاروا مرتابين، وانتقلوا إلى نوع من النفاق. انتهى كلامه -رحمه الله تعالى-.\nفليكن العبد المؤمن من المحنة بأهل الأهواء على حذر، ومن دنياه على خطر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nاللهم مصرف القلوب اصرف قلوبنا على توحيدك وطاعتك وتقواك، وأقم لنا ديننا الذي ارتضيته لنا، وثبتنا عليه. اللهم زيّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>تفسير العلماء لكلمة التوحيد</span>\nونختم الجواب بذكر ما ذكر العلماء -رحمهم الله تعالى- في معنى \"لا إله إلا الله\":\nقال ابن رجب -رحمه الله تعالى-: الكلام على \"لا إله إلا الله\": الإله هو الذي يطاع فلا يعصى، هيبة له وإجلالا ومحبة وخوفا ورجاء وتوكلا وسؤالا منه ودعاء له. ولا يصلح ذلك كله إلا لله ﷿، فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحا في إخلاصه في قول \"لا إله إلا الله\"، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك.\nوقال البقاعي: \"لا إله إلا الله\" أي: انتفى انتفاء عظيما أن يكون معبودا بحق","vol":"1","page":361},{"text":"غير الملك الأعظم، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما يكون علما نافعا إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهل صرف.\nوقال الطيبي: الإله فعال بمعنى مفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب، من أله إلاهة، أي عبد عبادة.\n(قلت): وهذا الذي ذكره الطيبي -رحمه الله تعالى- على معنى ما ثبت عن ابن عباس -﵄- أنه قرأ: \"ويذرك وإلاهتك\" قال: لأنه كان يعبد ولا يعبد. وهذا ظاهر بحمد الله لمن تدبر القرآن، وعرف حقيقة الإسلام والإيمان.\nوالله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا.","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>ذيل للرد للعلامة ابن بطين</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين -وفقه الله -تعالى- ورحمه وغفر له- لما ذكر له الشيخ عبد الرحمن بن حسن أن يرد على المحمود لما غلط في معنى \"لا إله إلا الله\"، وقال بعد السلام ورحمة الله وبركاته وغير ذلك: ذكرت لي أني أكتب على كلام الدرويش الذي عندكم في بيان بعض ما فيه من العيب، والذي كتبتم عليه فيه كفاية، لكن نذكر على بعض ألفاظه بيان مخالفته للحق.\nمنها قوله: \"الحمد لله المتوحد بجميع الجهات\" فنقول: لا يشك من سمع هذا الكلام في أن المراد بالجهات الجهات الست، التي يقول المعطل فيها: إن الرب -﷾- من الجهات الست خالٍ، والاتحادي يقول: إنه سبحانه متحد فيها، والحلولي يقول: إن الله سبحانه حالٌّ فيها. تعالى الله عما يقول الجميع علوا كبيرا. وأهل السنة والجماعة يقولون: إن الرب سبحانه مستو على عرشه بائن من خلقه.\nوظاهر قول الرجل: \"المتوحد بجميع الجهات\"، يشبه قول الاتحادية، وإن حملت الباء على الظرفية شابه قول الحلولية، وربما يظن أنه لعجمته يعبر بعبارات لا يعرف معناها، لكن سمعت أنه قد شرع في وضع حاشية على النونية، ولا يتنَزل لذلك إلا من يدعي تمام المعرفة. وحكي عنه أنه يقول: مرادي بالجهات جهات التوحيد الثلاث وهو توحيد الربوبية، والإلهية، والأسماء والصفات. وهذا بعيد من كلامه لأن هذه تسمى أنواعا لا جهات. وبكل حال فظاهر كلامه يخالف ما عليه أهل السنة والجماعة، لكن ينبغي أولا إحضاره، ويبين له ما في كلامه مما ظاهره خلاف الحق، وتبين له الأدلة الشرعية على خلاف ما يوهمه كلامه، فإن اعترف فهو المطلوب والحمد لله.\nوفي كلامه من العيب والركاكة كثير، كقوله: \"لا شريك له في الذات ولا في","vol":"1","page":363},{"text":"الصفات\" فنفى الشركة في الذات، ولم يقل أحد من بني آدم إن لله -﷾- شريكا في ذاته حتى يحتاج إلى نفي ذلك، وإنما يقول أهل الحق: \"لا شبيه له في ذاته ولا في صفاته\" ردا لقول المشبهة. فهذا من قوله: \"لا شريك له في ذاته\" يدل على قلة معرفته في هذا الباب.\nوكذلك قوله: \"لا شريك له في الملك فضلا عن الملكوت\". فأشار بقوله: \"فضلا عن الملكوت\" إلى بعد ما بينهما، وقد ذكر العلماء أن الملكوت هو الملك، وإنما زيدت التاء للمبالغة في التعظيم.\nوكذلك قوله في إعراب \"لا إله إلا الله \": \"من قبيل استثناء الجزئي من الكلي\". فجعله استثناء للاسم الكريم من نوع استثناء الجزئي من الكلي غلط، بل الجزئي مقابل الكلي وقسيمه لا قسم منه، فالكلي ما اشترك في معناه كثيرون كالإنسان والحيوان، والجزئي يراد به الأسماء الأعلام كزيد وعمرو، والاسم الكريم أعرف المعارف كما قال سيبويه وغيره.\nوكذلك قوله في إعراب \"لا إله إلا الله\": \"إنه كقولنا لا شمس إلا الشمس\". لأن قول القائل: \"لا شمس إلا الشمس\" لفظ لا فائدة فيه، وأيضا فاسم الشمس من الألفاظ الكلية؛ لقولهم في تعريف الكلي: ما لا يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه، فهو الكلي سواء وقعت الشركة كالإنسان، أو لم تقع وأمكنت كالشمس، أو استحالت كالإله. فإن استحالة ذلك للأدلة القاطعة عليه، فجعل الاسم الكريم الذي هو أرفع الأعلام، وأعرف المعارف مثل الشمس التي هي من الألفاظ الكلية غلط. بل الموافق لقولنا: \"لا شمس إلا الشمس\" قول القائل: \"لا إله إلا الإله\"، وهذا لفظ مع الإطلاق، لا يستفاد منه توحيد الإلهية لله رب العالمين.\nهذا وكثير من كلامه جعجعة بلا طحن، فنسأل الله -﷾- أن يهدينا وجميع الأمة إلى صراطه المستقيم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم","vol":"1","page":364}]}