{"ً":{"ٌ":11082,"ٍ":"تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس - آل الشيخ - ت عبد الكريم - ط العاصمة","files":["msra3.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس\nالمؤلف: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ (ت ١٢٩٣هـ)\nالمحقق: عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم\nالناشر: دار العصمة\nالطبعة: الثانية، ١٤١٠ هـ/١٩٩٠م\nعدد الصفحات: ١٥٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1049,"ٕ":1,"ٖ":1770155425,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الفصل الأول","level":1,"page":30},{"title":"الفصل الثاني","level":1,"page":42},{"title":"الفصل الثالث","level":1,"page":47},{"title":"الفصل الرابع","level":1,"page":51},{"title":"الفصل الخامس","level":1,"page":57},{"title":"الفصل السادس","level":1,"page":68},{"title":"الفصل السابع","level":1,"page":78},{"title":"الفصل الثامن","level":1,"page":91},{"title":"الفصل التاسع","level":1,"page":102},{"title":"الفصل العاشر","level":1,"page":132},{"title":"الفصل الحادي عشر","level":1,"page":135},{"title":"أطراف الحديث","level":1,"page":143}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,70":65,"1,71":66,"1,72":67,"1,73":68,"1,74":69,"1,75":70,"1,76":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,79":74,"1,80":75,"1,81":76,"1,82":77,"1,83":78,"1,84":79,"1,85":80,"1,86":81,"1,87":82,"1,88":83,"1,89":84,"1,90":85,"1,91":86,"1,92":87,"1,93":88,"1,94":89,"1,95":90,"1,96":91,"1,97":92,"1,98":93,"1,99":94,"1,100":95,"1,101":96,"1,102":97,"1,103":98,"1,104":99,"1,105":100,"1,106":101,"1,107":102,"1,108":103,"1,109":104,"1,110":105,"1,111":106,"1,112":107,"1,113":108,"1,115":109,"1,116":110,"1,117":111,"1,118":112,"1,119":113,"1,120":114,"1,121":115,"1,122":116,"1,123":117,"1,124":118,"1,125":119,"1,126":120,"1,127":121,"1,128":122,"1,129":123,"1,130":124,"1,131":125,"1,132":126,"1,133":127,"1,134":128,"1,135":129,"1,136":130,"1,137":131,"1,138":132,"1,139":133,"1,140":134,"1,141":135,"1,142":136,"1,143":137,"1,145":138,"1,146":139,"1,147":140,"1,148":141,"1,149":142,"1,150":143,"1,151":144,"1,152":145,"1,153":146},"ٜ":{"1":[5,153]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153"],"ٞ":{"1":[1],"30":[2],"42":[3],"47":[4],"51":[5],"57":[6],"68":[7],"78":[8],"91":[9],"102":[10],"132":[11],"135":[12],"143":[13]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\n...\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمدُ لله رَبِّ العالمينَ، وصلى اللهُ وسَلَّمَ على نَبيِّنا محمَّدٍ، وآلِه وصحبِه أجمعين، أما بعد.\nفإن اللهَ سبحانه نَصَبَ في كلِّ زمانٍ رجالًا يحمونَ شريعتَه، وينصرون ملَّتَه، ويجاهدونَ فيه حقَّ جهادِه، إذا انتهكت حُرُماتُه غَضِبوا غَضَبَ الأَسَد، وإذا سُلِكَ سَبِيْلُه فَرِحُوا فرحَ الوالِد بالولد.\nأسبلَ اللهُ عليهم من العلمِ النافع والعملِ الصالح ما أهَّلَهم للقيامِ بهذه المسؤوليةِ العظيمةِ، والمُهَّمةِ الجسيمة.\nفاستخدموا هذا السلاحَ الذي أسبلَ اللهُ عليهم أذيالَه في هداية الخلقِ، وإرشادِهم إلى الطَّرِيْقِ السَّويِّ، والنَّهْجِ المَرْضِيّ.\nكما استخدموه أيضا في استئصال شبه المنحرفين، والقضاء، على بدع المبتدعين.\nوكان مقصودُهم بالردِّ على هؤلاء القيامَ بالمِيْثاقِ الذي أخذه اللهُ تعالى على أهلِ العلمِ في قوله: ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ .الآية، والخوفَ من الوقوعِ في جريمةِ كتمِ العلمِ وإخفائه.\nوكان من مقصودِهم أيضًا نُصْحُ الأُمَّةِ، والأَخْذُ بِحُجُزِها عن السقوط في المهالك، سواءٌ في ذلك المردودُ عليه منهم أو غيرُه،","vol":"1","page":5},{"text":"فالمَرْدُوْدُ عليه بإيضاحِ الحقِّ له، وقِيامِ الحُجَّةِ عليه، وغيرُه بتحذيرِه من اتباعِ الأهواءِ، والسُّقُوطِ في شَرَكِهَا.\nقال شيخ الإسلام أبو العباس –رحمه الله تعالى- في وصفِ أهل السُّنَّةِ والجماعةِ، ومرادِهم بالردِّ على المنحرفين:\nوأئمةُ السُّنَّةِ والجماعة وأهلُ العلمِ الإيمانِ فيهم العدلُ والعلمُ والرحمةُ، فيعلمون الحقَّ الذي يكونون به موافقينَ للسُّنَّةِ، سالمين من البدعة.\nويعدِلُون على من خَرَجَ منها ولو ظلمهم، كما قال تعال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ .\nويرحمون الخَلْقَ فيريدون لهم الخَيْرَ والهدى والعلمَ، ولا يقصدون الشَّرَّ لهم ابتداءً، بل إذا عاقبوهم، وبينوا خطأهم وجهلهم وظلمهم كان قصدُهم بذلك بيانَ الحقِّ، ورحمةَ الخلقِ، والأمرَ بالمعروفِ، والنَّهي عن المنكرِ، وأن تكون كلمةُ اللهِ هي العليا، وأن يكون الدينُ كلُّه لله ... اهـ من الردِّ على البكري.\nوإن من الرِّجالِ الذين هَيَّأَهم الله تعالى، ونَصَبَهم لحفظِ شريعتِه، والقيام عليها: أئمةَ الدَّعْوةِ بنجد، الذين أبلوا بلاءً حسنًا في هذا المِضمَارِ، وحَمَوْا ثغورًا للشَّرِيْعة كاد أن يَقْتَحِمها المشركونَ والكُفَّارُ وأنفقوا نفيسَ العمرِ وعزيزَ المالِ في الدعوة إلى التوحيدِ ومُؤازَرَةِ أهلِه الأبرار.\nفلا تجد شبهةً منحرفةً أثيرت في وقتِهم إلا وهم لها بالمرصاد، ولا تشكيكًا في الحقِّ إلا وهم لتفنيدِه وتَزْيِيْفِه على أتمِّ استعداد.","vol":"1","page":6},{"text":"وهذه الرسالةُ التي هي السادسة من هذه السلسلة الموسومة بـ\"سلسلة رسائل وكتب علماء نجد الأعلام\"واحدةٌ من عشراتِ الكُتُبِ المَرْمُوْقةِ ببَناَنِ أَئِمَّةِ الدَّعوةِ في الردِّ على أهل البِدَعِ والانْحِرافِ العَقَديِّ.\nوهي في نَقْضِ شُبَهٍ أثَارَها رجلٌ جانٍ على نصوص الكتاب والسُّنَّة، يدعى:\"داود بن سليمان بن جرجيس\".\nوقد تصدى لنقضها مؤلفنا العالمُ العَلاَّمَةُ المحقق الجليل الشيخُ عبدُ اللطيف بنُ عبدِ الرحمن بنِ حسن بنِ محمد بنِ عبد الوهاب –رحمهم الله تعالى-في هذه الأوراق الكريمة الثمينة، المسماة:\"تُحفةُ الطالبِ والجليس في كشف شُبَهِ داود بنِ جِرْجِيس\"١.\nولن أثقل سمعَ القارئِ بِكثرةِ الكلامِ حولَ هذه الرسالةِ ومَضْمُونِها، فأَدَعَه وإيَّاها، ليَعْرِفَ محتواها، ويَطَّلِع على فَحْواَها، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.\nكتبه\nالفقير إلى عفو ربه القدير\nعبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم\nغفر الله له ولوالديه وللمسلمين\nالرياض-يوم عاشوراء من شهر الله المحرم سنة ١٤٠٨هـ.\n_________\nأفاد الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع في مقدمته لهذا الكتاب: أنه أُلِّف سنة ١٢٩١، أي قبل وفاة مؤلفه –رحمه الله تعالى وغفر له- بعامين.","vol":"1","page":7},{"text":"النسخ المعتمدة\nطبع هذا الكتاب لأول مرة في عام ١٣٠٥هـ وتعتبر هذه الطبعة في مصاف النوادر من المخطوطات، وبتيسير من الله تعالى وقعت نسخة منها في يد الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع، فسعى في طبعها ونشرها، وعرضها على حاكم قطر الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني، فسارع –كعادته في المبادرة إلى الخير-بطبعها وقفًا لله تعالى، وذلك سنة ١٣٨٢هـ.\nقال ابن مانع في تقديمه للرسالة:\"وقد طبع هذا الرد العجيب سنة ١٣٠٥هـ ونفدت طبعته، وقَلَّ وجوده حتى نسي، أو كاد أن ينسى، وما زلتُ أبحث عنه لأقوم بإعادة طبعه ... حتى يسَّر الله لنا الوقوف عليه في مكتبة عين من أعيان الحجاز العالم السلفي الفاضل الشيخ محمد بن حسين نصيف، فحين الوقوف عليه، عرضته على أنظار صاحب السمو الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني..فبادر بإصدار أمره العالي بطبعه وقفًا لله تعالى ... \"اهـ بتصرف.\nوقد صُوِّرت هذه الطبعة على نفقة رئاسة هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمملكة العربية السعودية، وذلك في عام ١٤٠٢هـ.\nكما توجد نسخة ثانية ضمن كتاب الدرر السنية في الأجوبة النجدية\"للشيخ العلامة عبد الرحمن بن قاسم –رحمه الله تعالى-.","vol":"1","page":8},{"text":"هذا ما وقفت عليه من طبعات الكتاب.\nأما نسخ الكتاب الخطية فقد عثرت على ثلاث نسخٍ:\nالنسخة الأولى: في إحدى المكتبات الخاصة في نجد، وقد عثر عليها الشيخ الفاضل: الوليد بن عبد الرحمن آل فريّان –وفقه الله-وهي نسخة قديمة، حسنة الخطِّ، تقع في اثنين وأربعين ورقة، كتبت من إملاء المؤلف، بقلم: عبد العزيز بن ناصر بن راشد بن تريكي، ولم يذكر عليها تاريخ النسخ. والإشارة إليها بحرف (أ) .\nالنسخة الثانية: محفوظة في \"جامعة الملك سعود\"رقم (٨/ ٣٤) وهي نسخة جيِّدة الخط، تقع في ثمانٍ وعشرين ورقة، لم يذكر عليها اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ، وقد سقط منها قرابة ربع الكتاب الأخير، يبدأ السقط من صفحة (١٠٤) سطر (١٤) بعد كلمة: (لم يفهمه كثير) من الطبعة التي بين يديك. والإشارة إلى هذه النسخة بحرف (ب) .\nالنسخة الثالثة: في مكتبة شيخنا المعمَّر: عبد العزيز بن مرشد –حفظه الله-وهي بخط والده الشيخ صالح، كما دَلَّ على ذلك: قلمُه. وتقع في ثمانٍ وثلاثين ورقة.\n*****\nوقد قابلتُ النسخ الخطية مع طبعة آل ثاني، وأثبت أغلب الفروق بينهُنَّ.\nكما خرّجتُ أغلب الأحاديث الواردة في الكتاب.\nووضعت فهارس للموضوعات تبرز مكنون الكتاب ومخبوءه.\nوالله أسأل التسديد والتوفيق، والهداية لأقوم طريق.","vol":"1","page":9},{"text":"(تنبيه)\nطبعت هذه الرسالة باسم:\"دلائل الرسوخ في الرد على المنفوخ\"في طبعتي عام ١٣٨٢هـ و١٤٠٢هـ وقد سمّاها بهذا الاسم الألوسي في كتابه\"المسك الأذفر\"ص ٤٦٠.وينظر في الطبعة الأولى هل هي بهذا الاسم أم لا.\nونسب الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ في كتابه \"مشاهير علماء نجد\"ص٧٥ تسمية هذه الرسالة بهذا الاسم إلى الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع الذي كان مشرفًا على الطبعة الثانية.\nوالذي يترجح –والله أعلم-أن الاسم الصحيح هو ما أثبته على ظهر هذه الطبعة، وذلك لأمورٍ منها:\nالأول: أنه الاسم المثبت على النسختين الخطيتين \"أ\"و\"ب\".\nالثاني: أنه الاسم المعتمد عند المترجمين للمؤلف، كما جرى عليه الشيخ العلامة عبد الرحمن بن قاسم في ملحق \"الدُّرر\" (١٢/ ٧١) والشيخ عبد الرحمن آل الشيخ في كتابه \"مشاهير علماء نجد\"، وعلق في الحاشية قوله: طبع كتاب\"تحفة الطالب والجليس\"","vol":"1","page":10},{"text":"بعنوان\"دلائل الرسوخ في الرد على المنفوخ\"والذي سماه بهذا العنوان الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع. اهـ. قلت: لعل الشيخ ابن مانع أخذ هذه التسمية من كتاب\"المسك الأذفر\"للألوسي المتوفى عام ١٣٤٣هـ.","vol":"1","page":11},{"text":"ترجمة المؤلف\n*هو الشيخ العالم العلامة الإمام القدوة الفهامة: عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ حسن بن شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب.\nويجمل أن ينشد عند قراءة هذا النسب قول الشاعر:\nهو الشيخُ وابنُ الشيخِ والشيخُ جدُّه ... فيا حَبَّذا شيخ تناسل من شيخِ\n*ولد هذا العالم الجليل في مدينة \"الدرعية\"عام ١٢٢٥هـ، وكانت آهلة بالعلماء الأجلاء، والطلاب النبغاء، مما أدَّى إلى غرس حبِّ العلم في صدره، حتى شُغِفَ به، وتشوق إليه. وما إن مَرَّ عليه زمن التمييز في هذه البلاد المباركة حتى انقض عليها العدو الغاشم، فأبادها، ونقل معه أعيان الأسرتين الكريمتين: آل سعود، وآل الشيخ، ووضَعَهُما تحت الرقابة في البلاد المصرية، وكان المترجم له أحد المنقولين.\n*ترعرع في كنف بيت شامخ في العلم والإيمان، متَحَلٍّ بكرائم الأخلاق، شهرته ملأت الأصقاع، وخيره وبرُّه طرق الأسماع، فأبوه: الشيخ الإمام المجاهد عبد الرحمن بن حسن. ووالدته: بنت الشيخ العلامة عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.","vol":"1","page":12},{"text":"فكان لهذا البيت الطاهر أثرٌ فعَّالٌ في تقويم سلوكه، وتهيئته لحمل رسالة العلم والدعوة، مواصلة لسير آبائه وأجداده في ذلك.\n*أقام في مصر إقامة طويلة، بلغت واحدًا وثلاثين عامًا، قضاها في العلم والمدارسة، حتى لم يدع فَنًّا إلا وأدرك فيه إدراكًا جيدًا، لا سيما العلوم التي لم تنتشر في البلاد النجدية.\nوكان من مشايخه النجديين: الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب. ووالده الشيخ عبد الرحمن بن حسن. والشيخ أحمد بن حسن بن رشيد الحنبلي.\nومن غير النجديين: شيخ الأزهر الشيخ إبراهيم الباجوري. والشيخ أحمد الصعيدي. والشيخ العلامة محمد الجزائري.\n*لما تركتِ الجيوشُ التركية العثمانية بلادَ نجدٍ، وسَكَنَت فتنُ مشاري وعبد الله آل ثنيان، وكان الأمر للإمام فيصل بن تركي، وضعفتِ الرَّقابةُ على النجديين في بلاد مصر، خرج الشيخ عبد اللطيف من مصر متوجهًا إلى بلاد نجد، وكان وصوله الميمون إلى \"الرياض\"عام ١٢٦٤هـ.\n*فَرِحَ الناسُ بقدومه عمومًا، وطلاب العلم خصوصًا، لأنهم وجدوا فيه بغيتهم، ومقصدهم. حيث قدم حاملًا لعلومٍ قلَّ من يتقنها غيرُه في تلك النواحي.\nوكان قدومه خيرًا وبركة على والده الشيخ عبد الرحمن الذي طعن في السِّنِّ، حيث حمل عنه بعض أعباء التدريس والدعوة والإرشاد.","vol":"1","page":13},{"text":"كما كان قدومه –أيضًا- خيرًا وبركة على الإمام فيصل بن تركي، حيث وجد فيه العقلية المتكاملة، والمشورة الصائبة، والرأي السديد، مما حمله على الاعتماد عليه في جميع أموره، واصطحابه في الحل والترحال.\n*بعد أن مَنَّ الله على الإمام فيصل بفتح الأحساء –وكان مجمع الفساد العقدي-لم يجد كُفْءًا لتقويم هذه البقعة وتطهيرها من مظاهر الشرك والخرافة، غيرَ الشيخ عبد اللطيف، فيعثه هناك معلمًا مفتيًا داعيًا، فناظر علماء الأحساء فيما لديهم من انحراف عن منهج السلف، فاقتنع كثير منهم، وعادوا إلى مذهب السلف، واعترفوا بخطأ منهجهم، وذلك لقوة حجة الشيخ، وبراعته في المناظرات، وفصاحة لسانه، وتحليه بالأخلاق الفاضلة، والآداب السامية.\n*وبعد وفاة الإمام فيصل بن تركي –رحمه الله تعالى-وقع بين ابنيه: عبد الله وسعود نزاع كبير على السلطة، جرى بسببه فتن عظيمة، اندلعت نيرانها، وتطاير شررها، وعَمَّ الحاضر والبادِ ضررها.\nوكان موقف الشيخ عبد اللطيف منها موقف العالم البصير بعواقب الأمور، والسياسي المحنك المجرَّب في الحروب، حيث بذل قصارى جهده في القضاء على هذه الفتنة، والسعي في حقن دماء المسلمين، وتوحِيد الكلمة، وجمعِ الشمل، ولكن أمر الله نافذ، وقضاؤه حتم، فقد شاء لهذه الفتنة الامتداد، رغم ما بذله العلماء من جهود في سبيل إخمادها (لِّيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا) .","vol":"1","page":14},{"text":"ومن تأمَّل رسائل الشيخ عبد اللطيف، التي كتبها في هذه الحقبة الزمنية العكرة –وهي أحد عشر عامًا-علم ما كابده الرجل ولاقاه من إرهاق نفسي، وإجهاد بدني، بسبب هذه الفتنة العمياء، فالله يكتب له الأجر والثواب، ويثقل ميزانه يوم الحساب، ويغفر له ولوالديه وللمسلمين أجمعين.\n*ومع انشغاله بتسكين الفتنة، والقضاء عليها، فقد أثرى المكتبة الإسلامية بمؤلفات رصينة، تنبئ عن غزارة علمه، وسعة اطلاعه، وفصاحة لسانه، وحريرية بنانه، فمن تلك المؤلفات:\n١-تحفة الطالب والجليس في الرد على شبه داود بن جرجيس، وهو هذا.\n٢-الرد على عثمان بن منصور، المسمى (مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام) .\n٣-البراهين الإسلامية في الرد على الشُّبَه الفارسية.\n٤-الرد على عبد المحسن الصحافي.\n٥-شرح نونية ابن القيم، شَرَحَ فيه المقدمة، ثم اخترمته المنية قبل إتمامه.\n٦-وله رسائل كثيرة، فيها فوائد جليلة، ونوادر بديعة، وقد جمعها الشيخ سليمان بن سحمان، وطبعت في مجلد كبير.\n٧-له قصائد كثيرة، قيلت في مناسبات مختلفة، منها ما هو في الرد على أهل البدع والانحراف العقدي ومنها ما هو في الإخوانيات.","vol":"1","page":15},{"text":"*تتلمذ على يده نخبة من طلبة العلم، أصبحوا فيما بعد قضاة، وعلماء، ودعاة، فممن تتلمذ عليه:\n١-ابنه الشيخ عبد الله.\n٢-الشيخ سليمان بن سحمان.\n٣-الشيخ العالم الفقيه النحوي: محمد بن محمود.\n٤-الشيخ حمد الفارس.\n٥-الشيخ العلامة الفاضل: أحمد بن عيسى.\n٦-الشيخ المجاهد الباسل: صالح بن قرناس.\n٧-الشيخ صالح الشثري.\n٨-الشيخ حسن بن حسين آل الشيخ.\n*توفي مأسوفًا على فقده في \"الرياض\"في اليوم الرابع عشر، من شهر ذي القعدة، عام ١٢٩٣هـ، وله من العمر يومئذ ثمانية وستون عامًا. رحمه الله تعالى وغفر له، وأسكنه فسيح","vol":"1","page":16},{"text":"تقاريظ الكتاب١\nقد قرظ هذا الكتاب جملة من الأفاضل الأدباء؛ منهم: عبد القادر أفندي البغدادي الحنفي النقشبندي القادري، وذلك بقوله:\nعبد اللطيف جزاهُ الله خالقنا ... يومَ الجزاء بأجرٍ غير ممنونِ\nهو الهمام الذي شاعت فضائلهُ ... في الشرق والغرب من نجدٍ إلى الصينِ\nبحرٌ من العلم يبدي من معارفهِ ... بديعَ دُرٍّ عزيز القدر مكنونِ\nحَمى طريقَ رسولِ الله عن شبهٍ ... منسوبة لجهول غير مأمونِ\nوساوس وأقاويل ملفقة ... كأنها بعض أقوال المجانينِ\nظن ابن برجيس من جهل ومن سفهٍ ... لم يبقَ في الناس ذو علمٍ وتمكينِ\nفقال ما قال من زورٍ ومن كذبٍ ... مزخرف قد تبدَّى غير موزونِ\nولم يكن يغني عنهُ الظنّ فانعكست ... ظنونهُ في مجالٍ غير مظنونِ\nإذ ردَّهُ ناكصًا يدعو النجاء على ... أعقابِه خسر الدنيا مع الدينِ\nإن ابن جرجيسَ برذون وذا أسدٌ ... وهل تقاس أسود بالبراذينِ\n\"دلائل\" أشرقت كالشهب أرسلها ... عبد اللطيف رجومًا للشياطينِ\nجزاهُ مولاهُ عنا كل صالحةٍ ... من جنة الخلد في يوم الموازينِ\n_________\n١ هذه التقاريظ موجودة في طبعة آل ثاني فقط. ولعلها مأخوذة من الطبعة الأولى، المطبوعة عام ١٣٠٥هـ.","vol":"1","page":17},{"text":"وقال حضرة العالم العلامة، والنحرير الفهامة، مولانا الأستاذ السيد مصطفى أفندي، مفتي السادة الحنفية، في مدينة الحلة، الشهير بواعظ زاده:\nأدين الله بجميع ما في هذا الكتاب، الحاوي لكل معنى منيف، وأبرأُ إليه تعالى من الاعتقادات الفاسدة، والأقاويل الزائفة عن الحق، العارية عن كل فائدة، وأنزههُ سبحانهُ عما تقوّلهُ أهل الأباطيل، وعلَّلوه بتعليل عليل، وأشكر فضل من أنشأ هذه الفوائد الدينية، والقواعد الإسلامية. فجزى الله العلماء العاملين عن الإسلام والمسلمين خيرًا، ورزقهم الأمن والأمان والبشرى في الحياة الدنيا والآخرة، والحمد لله أولًا وآخرًا، وباطنًا وظاهرًا.\nوأنا الفقير إليه عَزَّ شأْنه: السيد مصطفى نور الدين ابن المرحوم السيد محمد أمين الواعظ. غفر الله لهما آمين.","vol":"1","page":18},{"text":"وقال المولى البارع، ذو النور الساطع، والفضل الناصع، الفاضل الأمجد، الشيخ أحمد، سلَّمه الفرد الصمد:\nنحمدك اللهمَّ على أن جعلت لهذا الدين من العلماء العاملين أنصارًا وأعوانًا، ووفقتهم للذود عن سنة سيد المرسلين، والشرع المتين سرًّا وإعلانًا، فجرَّدوا قواضب ألسنتهم لقطع ألسنة المبتدعين، وحَدُّوا أسنة أقلامهم لسرد شبه الملحدين، فكانوا أعظم شأنًا وأعلى برهانًا.\nونصلي ونسلم على نبيك ورسولك وصفيك وأمينك، الذي ختمتَ به الرسالة، وأزلتَ بنوره ظلمة الضلالة، ورفعتَ ببعثتهِ الجهالة، بعد أن هلك الناس كفرًاَ وطغيانًا، فكسر الأصنام، وأزاح الطغيان، وقل الآثام، وقمع الأوثان، فبدل العصيان إذعانًا، وأحال الشرك إيمانًا، ﷺ، وعلى آله الذين اتبعوا أَثَرَهُ، وساروا سيرَه، وحفظوا سنَّتَهُ، ونصروا ملَّتَهُ، فارتفع بهم الشرع بنيانًا، وقوي الدين أركانًا.\nوعلى أصحابه الراشدين الهادين المهديين، الذين هم نجوم الاهتداء، وبدور الاقتداء، جزاهم الله ﷾ عن المسلمين خير الجزاء، وأثابهم إنعامًا وإحسانًا، وبَوَّأهم من فضله غرفًا وجنانًا.\nأما بعد:\nفقد نظرت في عبارات هذا الكتاب نظرَ ناقد، وتأمَّلْتُ مقاصده فصلًا بعد فصل، وبابًا بعد باب تأمُّلَ قاصد، وقلبتُ ما فيه ظهرًا لبطن، وفنًّا بعد فَنٍّ، فألفيته قد اشتمل على فصل الخطاب،","vol":"1","page":19},{"text":"وأصاب عين الصواب، وتميز بالحق عند أولي الألباب، فما مولى أحكم ترصيفه، وأجاد تصنيفه، وأبدع تأليفه، ووضع أركانه، ورفع وأعلى شأنه، إلا رجل عَضَّ على الشريعة بالنواجذ، وحملته غَيْرَتُه الإسلامية على رد ملحد مبتدع نابذ، قد لعب بعقله الشيطان، وسلك به كل فج من العصيان، فكتب أوراقًا تشتمل على خرافات من البدع والضلالة، وتحتوي على تُرَّهاتٍ تنادي على صاحبها بالسفه والجهالة، ثم نشرها على ضعفاء العوام ليضلهم بها عن سنة خير الأنام –عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام- ترويجًا لمذهبه الفاسد، واعتقادِه الكاسد، وطلبًا لتحصيل أمانيه الدنيوية، وحظوظه الحيوانية، ظنًّا منه أن الشريعة المطهرة قَلَّت أنصارها، وأظلم منارها، واستقلَّت ركابها، وعزَّ طلاّبها، وذَلَّت أسودها، واشتبهت حدودها، ولم يدرأنها محاطة بأبطال يضيق عنهم المجال، وتُسَدُّ بهم الخِلال، إذا قارعوا قرعوا، وإن صارعوا صرعوا، وإن حوربوا حربوا، وإن نوزلوا سلبوا، دروعهم كتاب الله، وأسنتهم سنة رسول الله، لسانهم سنان، وسنانهم لسان، وسلاحهم طاعة وإيمان.\nفقيّض الله لردّه مؤسس هذا الكتاب، ومجري ينابيع هذا البحر العباب، والفاضل الذي شهدت بكماله فضلاء البلاد، وعمَّت فضائله كل ناد، العالم العامل البدر الذي يقصر عن مجاراته كل متطاول، الورع الزاهد، والتقي العابد، وطود القلم الشامخ، وركن المجد الباذخ، صاحب التصانيف المفيدة، والتآليف العديدة، الشيخ عبد اللطيف الحنبلي، غمره المولى ﷿ بلطفه الجليل الجلي، فَرَدُّهُ","vol":"1","page":20},{"text":"بهذا الرد الحقيق بالقبول، المرضي عند ذوي العقول، فهو للمسلمين ترياق نافع، وللمبتدعين سُمٌّ ناقع، جزى الله تعالى مؤلفه خير الجزاء، وسلك به سبيل الصلحاء، وجعلنا ممن اقتفى أثر النبي ﷺ، واتبع سنته، وصَيَّرَنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.","vol":"1","page":21},{"text":"وقال الفاضل، والعالم العامل، جناب علي أفندي، المدرس بمدينة البصرة:\nلاح نور الهدى وزال الضلال ... ودهى الشركَ والعنادَ زوالُ\nوتجلت شمس الكمال عيانًا ... بعد ما كان دونها أظلال\nورياض التوحيد جاد رُباَها ... من سما الحق عارض هطالُ\nويد الجهبذ المحقق للحق ... الإمام المهذَّب المفضالُ\nوالهِزَبْر الهمام والعالم النحـ ... ـرير مَنْ عنده تنتهي الآمالُ\nذاك عبد اللطيف كنز المعالي ... هو بحر للعلم بحر زُلالُ\nأَحْكَمَتْ١ للورى \"دلائل\" قصد ... صار فيها على الهدى استدلالُ\nرسخت في قلوب قوم هداة ... وذوو الزيغ عن هنالك زالوا\nرفعت عن عيوننا كل غبن ... وبها زال داء شرك عضالُ\nولها مبتغي الهدى فليبادر ... فلها ساغ أن تُشَدَّ الرِّحالُ\n_________\n١ أي يد الجهبذ.","vol":"1","page":22},{"text":"نماذج من النسخ الخطية","vol":"1","page":23},{"text":"الورقة الأولى من نسخة الشيخ ابن مرشد٢٤","vol":"1","page":24},{"text":"الورقة الأخيرة من نسخة الشيخ ابن مرشد","vol":"1","page":25},{"text":"الورقة الأولى من نسخة جامعة الملك سعود","vol":"1","page":26},{"text":"الورقة الأخيرة من نسخة جامعة الملك سعود","vol":"1","page":27},{"text":"الورقة الأولى من نسخة (أ) .","vol":"1","page":28},{"text":"الورقة الأخيرة من نسخة (أ)","vol":"1","page":29},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله الذي يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. أرسل الرسل وأنزل الكتب لتأصيل الأصول وتحقيق الحقائق، فقامت حجة الله على المكلَّفين من الخلائق.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة مخلص لله صادق.\nوأشهد أن محمدًاَ عبده ورسوله المبعوث بأحسن الملل والطرائق، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين قاموا بجهاد كل فاسق١ ومنافق.\nأما بعد:\nفقد وقفت على أوراق أرسلها بعض أهل العراق٢ إلى بعض\n_________\n١ في طبعة آل ثاني:\"كافر\".\n٢ في طبعة آل ثاني:\"أرسلها الملا داود بن سليمان الجرجيس العاني العراقي\".\nقلت: هو الداعية إلى الزَّيْغ والضلال، القائد زمام الفساد والانحلال، المصرح باستحباب صرف العبادة لغير الله الكبير المتعال، والمنفّق سلعته بالكذب والزور والتلبيس، داود بن سليمان بن جرجيس، المولود ببغداد عام ١٢٣١هـ الهالك بها عام ١٢٩٩هـ.\nألف رسالته البتراء\"المنحة الوهبية\"ملأها بالاعتقادات الفاسدة الشركية، وشانها بالسب والطعن في أهل السنة النبوية، وأكثر فيها من النقول المكذوبة والمبتورة على","vol":"1","page":31},{"text":"أصحابنا، ورأيت١ فيها من الصد عن سبيل الله، والدعوة إلى عبادة الأولياء والصالحين، ودعائهم، والحثِّ على قصدهم في الملمات والشدائد، والإلحاد في آيات الله، وتحريف الكلم عن مواضعه، ما لا يتسع السكوت عليه.\nفإن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأمر بجهاد الكفار والمنافقين بالحجة والبيان، كما أمر بجهادهم باليد والسنان.\n_________\nشيخ الإسلام ابن تيمية.\nفلما أعلن الحرب على التوحيد وأنصاره وأعوانه، والموالاة للشر وأتباعه وكُهَّانه، تصدى له أئمة العلم والهدى، وشموس الحق والتقى، فألَّفوا الردود المطوَّلة والمختصرة في نقض شبهه وتضليله، وبيان كذبه وافترائه وتزويره، فانجلى للناس بهذه الردود حقيقة أمره، وسوء مغزاه ومكره. فلله الحمد على إعزاز دينه وأوليائه، وخذل الشرك وأهله وأعوانه. فممن ردَّ عليه الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين بكتابه \"الانتصار لحزب الله الموحدين والرد على المجادل عن المشركين\"وبكتاب آخر أسماه \"تأسيس التقديس\".\nوردَّ عليه الشيخ العالم العلامة عبد الرحمن بن حسن بكتاب اسمه \"كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس\".وردَّ عليه ابنه العلامة الجليل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بكتاب أوسع من الكتاب الذي بين يديك أسماه \"منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس\"ولكن المنية اخترمته قبل إتمامه، فتصدى لإكماله العلامة الفاضل السيد محمود شكري الألوسي بكتاب سماه \"فتح المنان\".وردَّ عليه الشيخ أحمد بن عيسى بكتاب سماه \"الرد على شبهات المستعينين بغير الله\".وردَّ عليه علامة العراق السيد نعمان الألوسي بكتاب سمّاه \"شقائق النعمان في ردّ شقاشق داود بن سليمان\".\n١ في طبعة آل ثاني:\"فرأيت\".","vol":"1","page":32},{"text":"قال تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ . [الفرقان:٥٢] .وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . [آل عمران:١٠٤]، وقال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ . [الحج:٧٨]، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ . [هود:١١٦] .\nقال ابن كثير١: (يقول تعالى: فهلا وجد من القرون الماضية من أهل الخير، ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات والفساد في الأرض.\nوقوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلًا﴾ أي قد وجد منهم من هذا الضرب قليل، وهم الذين أنجاهم الله عند حلول غِيَرِه٢، وفجأة نقمته، ولهذا أمر الله تعالى هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها من يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر.\nوقوله: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ﴾ أي استمروا على ما هم فيه٣ من المعاصي والمنكرات، ولم يلتفتوا إلى إنكار أولئك، حتى فجأهم٤ العذاب) .\n_________\n١ في تفسيره:٢/ ٤٦٤ طبعة الحلبي.\n٢ في ابن كثير:\"غضبه\"والغِير –بالكسر-هي الحوادث والنكبات.\n٣ في تفسير ابن كثير:\"عليه\".\n٤ في طبعة آل ثاني:\"فاجأهم\".","vol":"1","page":33},{"text":"وقال أبو السعود١: (أولو٢ بقية من الرأي والعقل أولو٢ فضل، وخير. وسمِّيا بها لأن الرجل إنما يستبقي مما يخرجه عادة أجوده وأفضله. ومن قولهم: في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا. انتهى) .\nوقد ينتفع بهذا من أراد الله هدايته، واستعماله فيما يرضيه، من توحيده، وطاعته، ولو سبق منه رده والصد عنه. قال الله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً﴾ .الآية [الممتحنة:٧] .\nوما أحسن ما قيل:\nأَبِن وجه نورِ الحقِّ في صدرِ سامعٍ ... ودعه فنورُ الحقِّ يَسْرِي ويُشْرِقُ\nسيؤنِسُه يومًا وينسى نفارَه ... كما نسي التوثيقَ من هو مطلقُ\n_________\n١ تفسير أبي السعود ٤/ ٢٤٦ طبعة دار المصحف.\n٢ في النسخ الخطية:\"ألوا\".","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الفصل الأول</span>\n...\nفصل:\nقال العراقي في \"رسالته\": (اعلم أني ووالدي وجدي١ بيت علم، وعقيدتنا عقيدة السلف، وليس الآن في بغداد من هو على مذهب الإمام أحمد غيري، وأنا تابع لأقوال الشيخين ابن تيمية وابن القيم) .\nوالجواب أن يقال: مذهبك وعقيدتك وما أنت عليه قد اشتهر وعرف من رسائلك، وسُمِعَ منك شفاهًا، ونقله العدول، ولم يزل يتواتر من وقت قدومك الجبل، والقصيم، واجتماعك بالشيخ عبد الله أبا٢ بطين، وما وقع بينكما من المناظرة في مسمي العبادة وغيرها، كل ذلك وصل إلينا، وتواتر لدينا، واستفاض استفاضةً٣ تورث علمًا ضروريًا أنك داعية إلى دعاء الصالحين والأولياء، وندائهم بالحوائج، والاستغاثة بهم في الملمَّات والشدائد، وأن ذلك لديك مستحب وارد، وأن من كفَّر من يعبد الصالحين فهو مخطئ ضال، وأنه لا يكفر ولا يشرك إلا من دعاهم استقلالًا، وزعم أنهم الفاعلون المدبرون، وأما على وجه الجاه والشفاعة فذلك عندك ليس بشرك ولا كفر.\n_________\n١ في طبعة آل ثاني:\"وجدي ووالدي\".\n٢ في طبعة آل ثاني:\"أبي بطين\"والصواب: أنها منصوبة على الحكاية، فتنبه.\n٣ في النسخ الخطية:\"استفاظ استفاظة\".","vol":"1","page":35},{"text":"كل هذا ثبت لدينا قَبْل هذه الرسالةِ الأخيرة، فلما وقفنا على ما فيها، وتأملنا خافيها وباديها، إذا هي على المذهب الذي حكينا، والطريقة التي عرفنا وروينا، بل فيها من الزيادة في الكذب على الله وكتابه، والكذب على أهل العلم في نقل مذاهبهم، وتحريف كلامهم، ما لا يصدر عَمَّن تصور الإسلام وعرفه، وآمن بالله واليوم الآخر، بل لا يصدر عَمَّن له عقل يحسن أن يعيش به. فنعوذ بالله من الجهالة والعمى، والضلال عن سبل الإيمان والهدى.\nونسبة هذا إلى الإمام أحمد وإلى الشيخين كنسبة اليهودية والنصرانية إلى إبراهيم، أو إلى محمد ﷺ، وخواص أصحابه، وأهل ملَّته.\nنزلوا بمكةَ في قبائلِ هاشمٍ\nونزلت بالبيداءِ أبعدَ منزلِ\nوالمؤمن يعرف هذا بمجرد إيمانه، ولا يختص بمعرفة أولو١ العلم. وأما تبرئتك نفسك من الحلف بغير الله، فمسألة الحلف لو سُلِّمت لك البراءة منها دون ما أنت عليه بكثير، فإن من استحب دعاء غير الله، وألحد في آياته، وصد عن سبيله: أعظم إثمًا، وأكبرجرمًا، ممن يحلف بغيره.\nوأما ما زعم العراقي من أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فالمعروف في عرفه هو: دعاء الصالحين، ونداؤهم٢ بالحوائج.\n_________\n١ في النسخة الخطية:\"ألوا\".\n٢ في النسخ الخطية:\"ندائهم\".","vol":"1","page":36},{"text":"وهذا عند الله ورسوله، وعند أولي العلم من خلقه أكبر الكبائر على الإطلاق، كما جاء في حديث ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: \"أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك\" ١.\nوهذا العراقي صرح بأنه يجوز نداؤهم٢، [أعني نداء الأنبياء والصالحين، بل والجمادات –كما هو مشهور عنه، لكن يسميه توسلًا، خالف المشركين في التسمية، لا في الحقيقة، فيدعو الغير، ويرجوه] ٣ في كل مطلوب، على وجه الجاه والتسبب، وهذا حقيقة الشرك والتنديد.\nوالمنكر في عرفه هو: النهي عن هذا، وعن تكفير أهله، ولهذا صرح في هذه الرسالة بأنه ينصح عن٤ تكفير هذا الضرب من الناس، ويزعم أن لهم نيَّات صالحة، ومقاصد صحيحة، فظهر أنه رأس من دعا إلى المنكر، وسعى في هدم٥ المعروف، ومحو آثاره.\n_________\n١ أخرجه البخاري في \"صحيحه\":كتاب التفسير -٨/ ١٦٣-٤٩٢، وفي الأدب -١٠/ ٤٣٣، وفي الحدود -١٢/ ١١٤، وفي الديات -١٢/ ١٨٧، وفي التوحيد -١٣/ ٤٩١-٥٠٣.\nوأخرجه مسلم في \"صحيحه\":كتاب الإيمان -١/ ٩٠-٩١، كلاهما من طريق أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود ... به.\n٢ في النسخ الخطية: نداؤه.\n٣ ما بين المعقوفتين سقط من النسخ الخطية.\n٤ في طبعة آل ثاني:\"عن عدم تكفيره\".\n٥ في طبعة آل ثاني:\"عدم\".","vol":"1","page":37},{"text":"وأي معروف يبقى مع دعاء غير الله، وأي منكر يزجر عنه وينهى لو كانوا يعلمون؟؟\nقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ . [الكهف:١٠٣-١٠٤] .\nوأصل الإسلام وقاعدته: أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يُعبد إلاَّ بما شرع.\nوهذا وأمثاله من أجهل الناس بهذا الأصل، وأضلهم عن هذا السبيل، بل هم أعظم الناس صدًّا عنه، وردًّا له، وعيبًا لأهله. والمخلصُ عندهم١، الداعي إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له: خارجي مبتدع، كما صرح بع في رسالته الأولى، وزعم أن هذا دين الخوارج، وأن من كفر بدعاء غير الله فهو ممن يكفر أهل القبلة بالذنوب، وأكثر هؤلاء لا يقتصرون على نسبة أهل التوحيد إلى الخوارج والبدعة، بل يصرحون بتكفيرهم، واستحلال دمائهم وأموالهم. والله المستعان.\nقال العراقي: (ولكنا لا نكفر الناس بهذه الأشياء، لأنا اطلعنا على كتاب الله وسنة رسوله، وكذا وكذا) .\nفيقال: أبْعد الخلق عن كتاب الله، وسنة رسوله، هم أهل الاعتقادات\n_________\n١ في طبعة آل ثاني:\"والمخلص الداعي ... عندهم\".","vol":"1","page":38},{"text":"الباطلة، وأهل الغلو في الأنبياء، والأولياء، و١الصالحين، وهم أضل خلق الله عما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وإن ورثوا الكتاب، ودرسوه، فإن الوراثة والدراسة والاطلاع نوعٌ، والعلم به والإيمان والعمل، ومعرفة حقائقه ونصوصه نوعٌ آخر. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ . [الأنعام:٢٥] .وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ . [الجمعة:٥] .\nوفي الحديث الذي في وصف الخوارج:\"يقرؤون٢ القرآن لا يجاوز حناجرهم، هم شر قتلى تحت أديم السماء\"٣.\nفالعلم والكتاب إذا لم يَخْلُصْ إلى القلوب فهو حجة على ابن آدم.\nويقال: كتاب الله، وسنة رسوله، وأقوال أهل العلم صريحة متوافرة متظاهرة على تكفير من دعا غير الله، وناداه بما لا يقدر عليه إلا الله، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ . [يونس:١٠٦] . وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا﴾ . [الإسراء:٥٦] .\nوالقرآن كلُّه دالٌّ على هذا المعنى، مقرر له، وإن اختلفت\n_________\n١ في طبعة آل ثاني:\"والأولياء الصالحين\".\n٢ في النسخ الخطية:\"يقرؤن\".وفي طبعة آل ثاني:\"يقرأون\".\n٣ تقدم تخريجه في الرسالة الأولى: ص ٤٧.","vol":"1","page":39},{"text":"الطرق والأوجه في بيانه، والتنبيه عليه، فكيف ينسب جواز دعاء غير الله، وعدم تكفير فاعله إلى القرآن وإلى السنة؟؟\nوهل يقول هذا من يعرف ما جاءت به الرسل ويتصوره، فضلًا عَمَّن يؤمن به؟\nوالمشركون الأولون يعترفون للرسل وأتباعهم أنهم دعاة إلى التوحيد، وإخلاص العبادة والدعاء لله، وإنما نازعوا في تصديقهم، وقبول ما جاؤوا به.\nوهذا الذي يزعم أنه اطلع على كتاب الله لم يعرف منه ما عرفه أولئك المشركون!\nفالإسلام في هذه الأوقات أغرب منه في أول ظهوره، والدعوةُ إليه مع كثرة من يقرأ القرآن، وينسخه، ويطبع المصاحف، وكتب العلم، فسبحان من قلوب العباد بيده، يصرفها بقدرته وحكمته، ويدبرها بعلمه ومشيئته.\nومن العجائبِ والعجائبُ جَمَّةٌ ... قربُ الدواءِ وما إليه وصولُ\nكالعيسِ في البيداءِ يقتلها الظما ... والماءُ فوق ظهورِها محمولُ\nوما أحسن ما قال مجاهد –﵀- في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ . [الأنفال:٢٤] قال: حتى يتركه لا يعقل.\nوأما قوله: (إن الشيخ أحمد بن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية لا يكفران أحدًا من أهل القبلة) .","vol":"1","page":40},{"text":"فيقال: لو عرف هذا مَنْ أهلُ القبلة في هذا الموضوع، ومن المراد بهذه العبارة عند أهل العلم١ لما أوردها هنا محتجًا بها على دعاء غير الله، وعدم تكفير فاعله.\nومن أعرض عن كلام أهل العلم، ورأى أن من صلى، أو قال٢\"لا إله إلا الله\"فهو من أهل القبلة، وإن ظهر منه من الشرك والترك لدين الإسلام ما ظهر، فقد نادى على نفسه بالجهالة والضلالة، وكشف عن حاصله من العلم والدين بهذه المقالة.\nوقد أنكر الإمام أحمد –﵀قول القائل: لا نكفر أهل القبلة٣.وهذا يزعم أنه على مذهب الإمام أحمد، ومقصود من قالها إنما هو البراءة من مذهب الخوارج الذين يكفرون بمجرد الذنوب، وهذا وَضَعَ كلامهم في غير موضعه٤، وأزال بهجته، لأنه تأوله في أهل الشرك، ودعاء الصالحين، فالتبس عليه الأمر، ولم يعرف مراد من قال هذا من السلف.\nوهذا الفهم الفاسد مردود بكتاب الله، وسنة رسوله، وبإجماع أهل العلم، وقد عقد الفقهاء من أرباب المذاهب بابًا مستقلًا في هذه المسألة، وذكروا حكم المرتد من أهل القبلة، وقرروا من المكفرات أشياء كثيرة دون ما نحن فيه، وجزموا بأن العصمة بالتزام\n_________\n١ سقطت:\"عند أهل العلم\"من طبعة آل ثاني.\n٢ في طبعة آل ثاني:\"وقال\".\n٣ في طبعة آل ثاني:\"أهل الذنوب\".\n٤ في \"ب\"و\"جـ\":\"وهذا موضع كلامهم وأزال بهجته\".","vol":"1","page":41},{"text":"الإسلام ومبانيه ودعائمه العظام، لا بمجرد القول، أو الصلاة١، مع الإصرار على المنافي.\nوهذا يعرفه صغار الطلبة، وهو مذكور في المختصرات من كتب الحنابلة وغيرهم.\nفهذا لم يعرف ما عرفه صبيان المدارس والمكاتب، فالدعوى عريضة والعجز ظاهر.\nوأعجب من هذا أنه يقول في رسالته\"\n(إني رأيت لمن يدعو٢ الصالحين والأولياء ويناديهم في حاجاته أدلةً صحيحة، ونيات صالحة، ما تخرج عن التوحيد، لأن المقصود التسبب والوسائل، لا الاستقلال) هذا كلامه.\nومن بلغت به الجهالة والعماية إلى هذا الغاية، فقد استحكم على قلبه الضلال والفساد، ولم يعرف ما دعت إليه الرسل سائر الأمم والعباد.\nومن له أدنى نهمة٣ في العلم، والتفات إلى ما جاءت به الرسل، يعرف أن المشركين من كل أمة في كل قرن ما قصدوا من معبوداتهم، وآلهتهم التي عبدوها مع الله: إلا التسبب، والتوسل، والتشفع، ليس إلا، ولم يدَّعوا الاستقلال والتصرف لأحد من دون\n_________\n١ في طبعة آل ثاني:\"والصلاة\".\n٢ في النسخ الخطية:\"يدعوا\".\n٣ في طبعة آل ثاني:\"صلة\".","vol":"1","page":42},{"text":"الله، ولا قال به١ أحد منهم سوى فرعون، والذي حاج إبراهيم في ربِّه.\nوقد قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ . [النمل:١٤] .فهم في الباطن يعلمون أن ذلك لله وحده.\nقال تعالى في بيان قصدهم ومرادهم بدعاء غيره: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ﴾ .الآية [يونس:١٨]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ . [الزمر:٣]، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ . [الأحقاف:٢٨]، وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء﴾ . [الزمر:٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ . [البقرة:١٦٥] .\nفأخبر تعالى أنهم تعلقوا على آلهتهم، ودعوهم مع الله للشفاعة، والتقريب إلى الله بالجاه والمنزلة، وأحبوهم مع الله محبة تأله وتعبد لنيل أغراضهم الفاسدة، ولم يريدوا منهم تدبيرًا ولا تأثيرًا لا شركة٢ ولا استقلالًا.\nيوضحه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾ .إلى قوله ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ . [يونس:٣١]، وقوله: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ\n_________\n١ في طبعة آل ثاني:\"قاله أحد\".\n٢ في طبعة آل ثاني:\"ولا شركة\".","vol":"1","page":43},{"text":"وَمَن فِيهَا﴾ إلى قوله ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ . [المؤمنون:٨٤-٨٩]، وقوله ﴿أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ إلى قوله ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ . [النمل:٦١-٦٤] .\nفتأمل هذه الآيات، وما فيها من الحجج والبينات، تطلعك على جهل هذا العراقي وأمثاله، وأنهم ما عرفوا شرك المشركين، وما كانوا عليه من القصد والدين، ولم يعرفوا ما كان عليه أنبياء الله وأتباعهم من توحيد رب العالمين.\nوتأمل كيف استدل الله ﷾ على توحيد إلهيته، ووجوب عبادته وحده لا شريك له، بما أقر به الخصم واعترف به من توحيد ربوبيته، واستقلاله بالملك، والخلق، والتأثير، والتدبير.\nوهذه عادة القرآن دائمًا يعرج على هذه الحجة، لأنها من أكبر الحجج، وأوضحها، وأدلها على المقصود.\nفسبحان من جعل كلامه في أعلى طبقات البلاغة، والفصاحة، والجلالة، والفخامة، والدلالة، والظهور. فأيُّ شبهة بعد هذا تبقى للمماحل١ الكفور٢.\nواعلم أن دعاء الأموات والغائبين ليس بسبب لما يقصده المشرك ويريده، بل هو سبب لنقيض قصده وحرمانه، وهلاكه في الدنيا والآخرة.\n_________\n١ في طبعة آل ثاني:\"للماحل\".\n٢ في طبعة آل ثاني:\"المغرور\".","vol":"1","page":44},{"text":"قال تعالى: ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ *يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ . [الحج:١٢-١٣] . (لأنه في الحقيقة إنما عبد الشيطان، ودعاه، وأطاعه فيما يأمر به، ولذلك تتبرأ الملائكة والصالحون ممن١ دعاهم، وصرف لهم شيئًا من العبادة) ٢.\nوأيضًا فليس كل سبب يباح، بل من الأسباب ما هو محرَّم، وما هو كفر، كالسحر، والتكهن.\nوالغبي يظن أن الدليل يسلم له إذا أراد السبب لا الاستقلال. وعباد الكواكب، وأصحاب النيرنجيات٣ ومخاطبات النجوم، يرون أنها أسباب ووسائل نافعة، ويظنونها كالأسباب العادية، وعباد القبور والأنفس المفارقة، يرون أن تعلق قلب الزائر وروحه بروح المزور سبب لنيل مقصوده، وتحصيل نصيب مما يفيض على روح ذلك\n_________\n١ في طبعة آل ثاني:\"ومن\"والتصويب من نسخة \"الدرر السنية في الأجوبة النجدية\":جـ ٩/ ٢٩٢.\n٢ ما بين القوسين سقط من النسخ الخطية.\n٣ في النسخ الخطية:\"التمريخات\".\nقال في مفتاح السعادة ومصباح السيادة\"لطاش كبري زاده: النيرنجات معرَّب نيرنك، وهو التمويه والتخييل، وهو إظهار غرائب الامتزاجات بين القوى الفاعلة والمنفعلة ... إلخ (١/ ٣٣٩)، طبعة المعارف العثمانية.\nوقال صاحب\"الكشكول\":النيرنجيات: إظهار خواص الامتزاجات ونحوها. ونيرنج فارسي معرَّب، وأصله: نورنك، أي: لون جديد. والنيرنجيات ألحقها بعضهم بالسحر ... إلخ.","vol":"1","page":45},{"text":"المزور، كما ذكره الفارابي وغيره من عباد الكواكب، والأنفس المفارقة.\nوقد قال بعض السلف: (ما عبدتِ الشمسُ والقمر إلا بالمقاييس) ١.\n١ جاءت هذه العبارة عن ابن سيرين فيما رواه عنه ابن جرير في \"تفسيره\": (٨/ ١٣١)، والبيهقي في \"المدخل إلى السنن\":ص١٩٦، والدارمي في المقدمة من \"سننه\": (١/ ٥٨)، وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم وفضله\": (٢/ ٧٦) طبعة المنيرية.\nولفظه: \"أول من قاس إبليس، وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس\".\nقال الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\": (٢/ ٢٠٣) على سند ابن جرير: إسناده صحيح. اهـ.\nوقد ذكر شيخ الإسلام هذه العبارة عن بعض السلف في \"الرد على البكري\"ص ٢٦٩.وقال شيخ الإسلام في \"الاقتضاء\": (٢/ ٦٥٢):وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس. اهـ. وينظر \"الاقتضاء\": (٢/ ٦٨٢، و٦٨٧) .","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الفصل الثاني</span>\n...\nفصل\nقال العراقي: (ومن الأدلة على جواز دعاء الصالحين وندائهم ما ذكر الله عن نبيه سليمان، وقوله لآصف، فإنه١ طلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله) .\nفنقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، ما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا.\nوقصة آصف من أدلة التوحيد، وآصف توسل إلى الله بتوحيده وإلهيته، وكرر ذلك في دعائه، وقد قيل: إنه يعرف الاسم الأعظم، فهو طالب من الله، راغب إليه، سائل له، ليس بفاعل أصلًا٢، وسليمان ﵇ آمر ليس بسائل ولا طالب. وفرق بين الأمر والمسألة.\nومن لم يفرق بين الأمرين، و٣لم يدر حكم المسألتين، فليرجع إلى وراء، وليقتبس نورًا من كلام أئمة العلم والهدى.\n_________\n١ في طبعة آل ثاني:\"وقد\".\n٢ سقطت من طبعة آل ثاني:\"ليس بفاعل أصلًا\".\n٣ سقطت: و\"من طبعة آل ثاني.","vol":"1","page":47},{"text":"وقد قال النبي ﷺ لعمر بن الخطاب: \"لا تنسنا يا أُخَيَّ من صالح دعائك\" ١.\n_________\n١ أخرجه الإمام أحمد في \"مسنده\": (١/ ٢٩، و٢/ ٥٩)، وأبو داود: (٢/ ١٦٩)، والترمذي: (٥/ ٥٥٩) وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه: (٢/ ٩٦٦)، وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\":ص ١٠٣، وابن عدي في \"الكامل\": (٥/ ١٨٦٨)، وابن حبان في \"المجروحين\": (٢/ ١٢٨)، وأبو يعلى الموصلي، والخطيب في \"تاريخه\": (١١/ ٣٩٦-٣٩٧) جميعهم من طريق عاصم بن عبيد الله عن سالم عن ابن عمر عن عمر ... به. وهذا إسناد ضعيف –كما قال شيخنا العلامة المحدّث عبد العزيز بن باز-وعلّته عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب. قال فيه البخاري: منكر الحديث، وكذا قال أبو حاتم وابن نمير، وضعفه أحمد وابن معين وغيرهم (انظر:\"تهذيب التهذيب\"لابن حجر) وقال الحافظ ابن حجر في \"التقريب\": (ضعيف) .\nوللحديث طريق آخر أخرجه الخطيب في \"تاريخه\": (١١/ ٣٩٦) من طريق أبي عبيد بن الحسين، ثنا الحسن الزعفراني، ثنا أسباط، عن سفيان الثوري، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: استأذن عمرُ النبي ﷺ في العمرة ... الحديث.\nقال البرقاني: قيل هذا لا يتابع عليه أبو عبيد، وإنما الصحيح ما حدّث به الزعفراني عن شبابة عن شعبة عن عاصم بن عبد الله عن سالم عن ابن عمر عن عمر. اهـ.\nوقال ابن عبدان: وبلغني عن أبي عبيد بن حربويه حدث به عن الزعفراني مثل هذا –أي من طريق عبيد الله بن عمر-وليس بمحفوظ من حديث الثوري وأظنه وهمًا. اهـ. من \"تاريخ بغداد\".\nوهو كما قال، فإن سائر الثقات الذين رووا هذا الحديث عن الثوري قالوا فيه: عن عاصم بن عبيد الله. وخالفهم في ذلك أسباط بن محمد عن الثوري فقال: عن عبيد الله بن عمر.\nوأسباط هذا ضعيف في الثوري. قال ابن معين: كان يخطئ عن سفيان. وقال الحافظ في \"التقريب\": (ثقة ضعف في الثوري) .\nفعلى هذا تكون هذه الطريق منكرة، وذلك أن أسباط وإن كان ثقة فهو ضعيف في روايته عن الثوري، فمخالفته للثقات هنا من باب مخالفة الضعيف للثقة والله أعلم.","vol":"1","page":48},{"text":"وهذا من جنس الأسباب العادية، فإن الرجل إذا كان معروفًا بالصلاح، وإجابة الدعاء، فطلب منه الدعاء، أو أمر به، فدعا الله واستجيب له، لا يكون هو الفاعل للاستجابة، وليس المطلوب منه ما يختص بالله من الفعل، وإنما يطلب منه ما يختص به من الدعاء والتضرع.\nفالآية من أدلة التوحيد، وصرف الوجوه إلى الله، وإقبال القلوب عليه، فإن آصف توسل إلى الله بتوحيده وربوبيته، وقَصَدَه وحده، ولم يقصد سليمان ولا غيره، مع أن سليمان أفضل منه لنبوته.\nوفيها أن الأنبياء لا يسألون ولا يقصدون، بل ربما صار حصول مقصودهم، ونيل مطلوبهم على يد من هو دونهم من المؤمنين.\nوأن أعظم الوسائل وأشرف المقاصد هو توحيد الله بعبادته ودعائه وحده لا شريك له، كما فعل آصف.\nوفيها براءة أولياء الله من الحول والقوة، كما دلت عليه القصة، فإنه١ توضأ، وصلى، ودعا، فقال في دعائه: \"يا ذا الجلال والإكرام\" قاله مجاهد.\nوقال الزهري٢: يا إِلهَنا وإله كل شيء، إلهًا واحدًا، لا إله إلا أنت، ائتني بعرشها\".\nفأي شبهة تبقى مع هذا، وأي حجة فيه على أن غير الله يدعى؟\n١ في النسخ الخطية: \"وأنه\".\n٢ في طبعة آل ثاني: \"الزيادي\" وهو خطأ.","vol":"1","page":49},{"text":"ثم أخذ العراقي في هذيان وإسهاب حاصله: أن السبب لا يفعل، وأن الله هو الفاعل.\nومراده بهذا أن دعاء الأموات والغائبين من الأولياء والصالحين يجوز ويسوغ، إذا اعتُقِد أن الله هو الفاعل.\nوقد مَرَّ رد هذا، وتقرير جهل قائله، ومفارقته لما عليه أهل الإسلام، وقد تقدم أن أصل الإسلام وقاعدته: هي عبادة الله وحده لا شريك له، وإفراده بالقصد والطلب.\nوأن توحيد الربوبية، واعتقاد الفاعلية له تعالى لا يكفي في السعادة والنجاة، ولا يكون به الرجل مسلمًا حتى يعبد الله وحده، ويتبرآ مما سواه من الأنداد والآلهة.\nوقد قال النبي ﷺ لوفد عبد القيس: \"آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله\" ١.\nوهذا ظاهر بحمد الله، وإن خفي على خفافيش البصائر، الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا٢ إلى ركن وثيق، فهاموا من\n_________\n١ أخرجه البخاري في \"صحيحه\": كتاب الإيمان (١/ ١٢٩)، وفي العلم (١/ ١٨٥) عن ابن عباس قال: إن وفد عبد قيس أتوا النبي ﷺ فقال: \"من الوفد –أو من القوم.... الحديث\".\nوأخرجه مسلم في \"صحيحه\": كتاب الإيمان ١/ ٤٦، ٤٧، ٤٨، ٤٩، ٥٠)، عن ابن عباس وأبي سعيد.\n٢ في طبعة آل ثاني: \"يلجأوا\".","vol":"1","page":50},{"text":"الجهل والضلال في كل فج عميق، مع انتسابهم إلى العلوم والدفاتر، وتقدمهم في المجالس والمحاضر١.\nلا عيبَ في القومِ من طولٍ ومن قصرٍ ... جسمُ البغالِ وأحلامُ العصافيرِ٢\n_________\n١ في النسخ الخطية: \"المحاضر\".\n٢ البيت لحسان بن ثابت، وهو في \"ديوانه\": ص ٢٦٧، طبعة: عبد الرحمن البرقوقي، ولفظه:\nلا بأس بالقوم من طولٍ ومن عظمٍ ...\nجسم البغال وأحلام العصافير","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الفصل الثالث</span>\n...\nفصل\nقال العراقي: (فعند أهل السنة أفعال العبد مخلوقة لله، وعند المعتزلة أن المخلوق خالق لأفعاله، ومع هذا فأهل السنة لا يكفرونهم) انتهى.\nقلت: يريد العراقي أن مسألةَ الأموات والغائبين، ودعاءَهم١ في الحوائج والشدائد مبنية على هذه المسألة، وأن أهل السنة يثبتون ذلك لمن اعتقد أن الله خالق أفعال العباد، وأن من أنكر دعاء الصالحين ونداءهم٢، فهو من المعزلة، لأن إنكاره مبني على اعتقاده أن العبد خالق لأفعال نفسه.\nوالجواب أن يقال: أما هذه المسألة أعني –خلق أفعال العباد- فأهل السنة قائلون بها، لدلالة الكتاب والسنة، والأدلة العقلية والنقلية، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ . [الصافات: ٩٦] .\nوقد انعقد الإجماع على هذا، ثم حدث قول القدرية النفاة في أواخر عصر الصحابة، وأول من اشتهر عنه ذلك غيلان القدري،\n_________\n١ في \"ب\" و\"جـ\" وطبعة آل ثاني: \"دعائهم\".\n٢ في النسخ الخطية: \"دعائهم\".","vol":"1","page":52},{"text":"ومعبد الجهني.\nفأما غيلان: فكان في زمن هشام بن عبد الملك، فناظره الأوزاعي إما أهل الشام في زمانه، وألزمه الحجة، وحكم بكفره، وقتله هشام.\nومعبد الجهني: قتله الحجاج بن يوسف. وأكثر السلف والأئمة١ يكفرونه بههذ المقالة، كما هو معروف في محله.\nوقد قال الإمام أحمد: \"ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروا كفروا\".\nوقد حكى الإجماع على كفر من أنكر العلم شمس الدين ابن قيم الجوزية، وناهيك به علمًا واطلاعًاَ، فنسبته عدم التكفير إلى أهل السنة كذب جَرَّه عدم الحياء.\nثم أي حجة في هذا على أن الأولياء والصالحين يدعون بما لا يقدر عليه إلا الله، فمسألة خلق الأفعال لا تلازم بينها وبين دعاء الأولياء والصالحين بوجه ما.\nوإنما أتي هذا من جهة ظنه أن من قال: بأن الله يخلق أفعال العباد، يباح له دعاء الصالحين. ومن قال: إن العبد يخلق أفعال نفسه، يحرم عليه ذلك، هذا ظن الأحمق، ولم يفرق٢ بين مذهب المعتزلة والقدرية، ودين المشركين من العرب والصابئين.\n_________\n١ سقطت: \"والأئمة\" من طبعة آل ثاني.\n٢ في النسخ الخطية: \"يميز\".","vol":"1","page":53},{"text":"ويذكر أن بعض الأغبياء شكا رجلًا إلى أمير من الأمراء، فقال: إنه مرجئ، خارجي، رافضي١، ناصبي، يسب معاوية بن الخطاب الذي قتل علي بن العاص. فقال له الوالي: \"لا أدري على أي شيء أحسدك؟ على علمك بالمقالات، أو على معرفتك بالأنساب\"٢.\nقال العراقي: (وكان أحمد يصلي خلفهم، وكل السلف) .\nوالجواب أن يقال: سبحان الله، ما أقبح الواقحة والجراءة٣، والتمادي في الكذب على الله، وعلى أولي العلم من خلقه؛ ما صلى الإمام أحمد خلف قدري قط، بل أفتى بعض أهل الحديث بمجلسه أنه لا يصلى خلفهم، فاستحسنه واستصوبه. والمعروف من مذهبه أن الصلاة لا تصح خلف فاسق باعتقاده أو فعله.\nوقد كذب هذا بانتسابه إليه، والحكم عليه بالصلاة خلف القدرية، وأكثر أهل السنة لا يرون الصلاة خلفهم، كما ذكره صاحب \"كشف الغمة\".\nبعض العلماء يقول: مسألة صلاة الجمعة والجماعة مبنية على\n_________\n١ في \"أ\": \"رافظي\".\n٢ ذكر هذه الحكاية ابن الجوزي في \"أخبار الحمقى والمغفلين\": ص١٤٤، طبعة دار الكتب العلمية.\nوقد ذكر الذهبي –﵀- في \"السير\": (١٠/ ٢٠٥) قصةً نحوها.\n٣ في طبعة آل ثاني: \"والجرأة\".","vol":"1","page":54},{"text":"مسألة القول بالتكفير وعدمه، ويرى الصلاة خلف من لم يكفر ببدعته إذا احتيج١ إلى ذلك، فما حكاه هذا عن أهل السنة كذب لا مرية فيه، والصواب التفصيل عند بعضهم، والمنع مطلقًا عند آخرين.\n_________\n١ في طبعة آل ثاني: \"احتج\".","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الفصل الرابع</span>\n...\nفصل\nقال العراقي: (وهذا باب الكرامة) وتكلم في إثبات الكرامة، وأنها تكون بعد الموت، واستدل بقوله تعالى عن الملائكة ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ . [فصلت: ٣١] .\nومراد العراقي أن دعاء الصالحين، والاستشفاع بهم، وطلب ما لا يقدر عليه إلا الله منهم، من جنس الكرامة المثبتة التي أثبتها أهل السنة.\nوهذه طامة عظيمة، وغاية في الجهالة والسفاهة، بل هي من جنس احتجاج النصارى على دعاء المسيح، وأمه، وعبادتهما، ظنوا أن ما حصل للمسيح ولأمه –﵉- من المعجزات والكرامات١، يبيح لهم دعاءهما٢، وعبادتهما. وإذا خاطبت النصراني، سرد عليك من المعجزات والكرامات التي أعطيها المسيح واحتج بها على دعواه.\nوعباد القبور يحتجون في هذا الباب بما لم يثبت. وما ثبتَ\n_________\n١ في طبعة آل ثاني: \"من الكرامات والمعجزات\" وقد سقطت \"من المعجزات والكرامات\" من \"أ\".\n٢ في \"ب\" و\"جـ\": دعائهما\".","vol":"1","page":56},{"text":"فأكثرُه دون ما أعطيه المسيح، ومع ذلك فالاحتجاج به على دعائهم من جنس حجج النصارى، لا يدل على المدَّعَى، بل غايته أن يدل١ على علو الدرجة، وصدق الرسالة، أو ثبوت الولاية إذا اقترن به عمل صالح.\nوأما الاستدلال بذلك على أنه يدعى ويرجى، ويشفع وينفع، فهذا من دين النصارى، والصائبة، وعباد الأصنام.\nوهذه الشبهة هي التي أوقعت في الشرك جمهور المشركين، فإن أصل عبادة الأصنام هو التعلق على الصالحين، وتصوير صورهم وتماثيلهم. بل عباد الكواكب دعاهم إلى عبادتها ما أودع الله فيها من الحِكم والمنافع التي ظهرت آثارها في هذا العالم، كما يعرفه من عرف مذاهب القوم.\nوطرد الدليل الذي استدل به العراقي: أن يقال بدعاء كل ذي كرامة وقربة٢، إذا اعتقد أن الفاعل هو الله، ولا يتوجه الإنكار على النصارى في قولهم: يا عيسى افعل كذا، يا روح القدس أعطني كذا، ويا والدة المسيح اشفعي لنا إلى الإله، لأنه من أولي العزم، ومن أكابر أهل الكرامات.\nوالمسلم إذا تصور هذا ظهر له ما فيه من الجهل والضلال، بمجرد الفطرة، ومعرفة الإسلام، وأما من رزق الفهم فيما جاء به\n_________\n١ \"أن يدل\" ليست في \"ب\" ولا \"جـ\".\n٢ في \"أ\" وطبعة آل ثاني \"ومزيّة\".","vol":"1","page":57},{"text":"محمد ﷺ، ووفق للاستدلال بآيات الله ومخلوقاته، التي نصبها شاهدة ودالة على توحيده في ربوبيته، فذلك أكمل إيمانًا، وأتم علمًا وإيقانًا، يرى كفر من تعلق على غير الله، ودعاه فيما يختص بالله من أوضح الواضحات، وأبين البينات.\nقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . [الشورى:٩] . استدل بعموم قدرته وإيجاده وإحيائه الموتى على وجوب توليه بعبادته وحده لا شريك له.\nوالقرآن والسنة يدلان على هذا، ويقررانه بأنواع الدلالات، وألطف التقريرات.\nوالآية التي استدل بها ليس فيها ما يدل على دعواه، بل فيها ما يبطلها ويدحضها١، فإن أول الآية نص على وجوب التوحيد، وإفراد الله بالعبادة والاستقامة على ذلك بالتزام حقوقه وواجباته، وتنزل الملائكة ومخاطبتهم للمؤمن بهذا الخطاب، وتوليهم٢ له لا يدل على أنه يفعل ويشفع، وإنما يدل على كرامته، وعلو درجته، ونيل مشتهاه، ومدعاه في دار الكرامة.\nفأين في هذا ما يدل على أنه يدعى في حياته، أو بعد مماته؟ وفي الحديث: \"من قال في القرآن برأيه فليتبوأ٣ مقعده من النار\".\n_________\n١ في \"أ\" و\"ب\": \"ويدحظها\".\n٢ في طبعة آل ثاني: \"وتوليتهم\".\n٣ في \"ب\" و\"جـ\": يتبوء\" وفي \"أ\": \"يتبؤ\".","vol":"1","page":58},{"text":"وفي رواية: \"بغير علم\"١.\n_________\n١ أخرجه الإمام أحمد في \"مسنده\": (١/ ٢٣٣، ٢٦٩)، وأبو داود فيما نسب إليه المزي في \"تحفة الأشراف\": (٤/ ٤٢٣) –ولعله في غير رواية اللؤلؤي فإني لم أجده فيها، وهي المتداولة بين الناس- والترمذي: (٥/ ١٩٩) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في \"السنن الكبرى\" كما في \"تحفة الأشراف\": (٤/ ٤٢٣)، والطبري في \"تفسيره\": (١/٣٤)، والبغوي في \"شرح السنة\": (١/ ٢٥٧-٢٥٨)، جميعهم من طريق عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ... به.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" على هذا الحديث (١/ ١٤٧): رواه الطبراني في \"الكبير\" وفيه عبد الأعلى بن عامر والأكثر على تضعيفه. اهـ. وقد ضعفه أحمد وأبو زرعة وابن سعد وقال النسائي: ليس بالقوي يكتب حديثه، وقال ابن معين: ليس بذاك القوي. قال الحافظ ابن حجر في \"التهذيب\": (٦/ ٩٥) بعد أن ساق هذه الأقوال وغيرها: وصحح الطبري حديثه في الكسوف وحسن له الترمذي وصحح له الحاكم وهو من تساهله. اهـ.\nورواه ابن عدي في \"الكامل\": (٦/ ٢١٣٠) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: \"من قال في القرآن برأيه فإن أصاب لم يؤجر\".\nوهذا إسناد تالف. الكلبي اسمه \"محمد بن السائب بن بشر\" لخص الحافظ ابن حجر قول أئمة الجرح فيه فقال: متهم بالكذب ورمي بالرفض. اهـ.\nوروى ابن عدي بسنده عن سفيان الثوري قال: قال لي الكلبي: قال لي أبو صالح: كل ما حدثتك فهو كذب. وأبو صالح هو باذام مولى أم هانئ بنت أبي طالب، قال ابن معين: ليس به بأس وإذا روى عنه الكلبي فليس بشيء. وقال ابن حبان: يحدث عن ابن عباس ولم يسمع منه. \"تهذيب التهذيب\": (١/ ٤١٦-٤١٧) ولخص الحافظ ابن حجر القول فيه فقال: ضعيف مدلّس. اهـ.\nوروى ابن أبي شيبة هذا الحديث في \"مصنفه\": (١/ ٥١٢) موقوفًا على ابن عباس، وفي إسناده عبد الأعلى بن ماهر. ورواه الطبري في \"تفسيره\": (١/ ٤٣) موقوفًا على ابن عباس.","vol":"1","page":59},{"text":"وهذا الجاهل في الاستدلال بآيات الله، ويحملها على غير محملها، ويتأولها على غير تأويلها، بل على نقيضه وضده، فسبحان من طبع على قلبه. ط\n[وقد استدل بعض من يدعي العلم على مسألة تصرف الأولياء، وأنهم يدعون، بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ . [آل عمران:١٦٩] .\nفقال بعض عوام المسلمين: إن كانت القراءة يَرزقون –بفتح الياء- فذاك متجه، وإلا فالآية حجة عليك] ١.\nقال في \"الفتاوى البزازية\": من كتب الحنفية: \"قال علماؤنا: من قال أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر\". انتهى.\nفإن أراد علماء الشريعة فهو حكاية للإجماع، والإجماع على هذا يعلم بالضرورة من دين الإسلام، وهذا أحد الطرق التي يعرف بها الإجماع.\nوقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي في رسالته \"في الرد على من زعم أن الأولياء يدعون ويتصرفون على أن ذلك كرامة\".\nقال: \"وهذا كلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي،\n_________\nوفي الباب عن جندب بن عبد الله بلفظ: \"من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ\". أخرجه الترمذي: (٥/ ٢٠٠)، وأبو داود: (٤/ ٦٣-٦٤)، والنسائي في \"الكبرى\" كما في \"تحفة الأشراف\": (٢/ ٤٤٤) وإسناده ضعيف علته سهيل بن أبي حزم وهو ضعيف عندهم.\"تهذيب التهذيب\": (٤/ ٢٦١) .\n١ ما بين المعقوفتين: زيادة من طبعة آل ثاني.","vol":"1","page":60},{"text":"والعذاب السرمدي، لما فيه من روائج الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق، ومخالفة عقائد الأئمة، وما اجتمعت عليه الأمة\". انتهى١.\nوالمقصود أنه حكى إجماع الأمة على كفر من زعم ذلك.\n_________\n١ \"انتهى\" ليست في طبعة آل ثاني.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الفصل الخامس</span>\n...\nفصل\nواستدل العراقي على دعاء الصالحين وندائهم بالحوائج١ بقوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ . [النازعات:٥] . وذكر عن البيضاوي أنها أرواح الموتى.\nالجواب أن يقال: قد حكى البيضاوي أقوالًا في الكلام٢ على هذه الآية، وقدَّم أنها الملائكة، وحكى أنها النجوم، وحكى أنها خيل الغزاة، وحكى أنها أنفس الغزاة.\nوعلى زعم هذا وطرد دليله: كل ما ذكر يدعى مع الله حتى خيل الغزاة، والبيضاوي لا يقول بدعاء أحد مع الله، بل ذكر في \"تفسيره\" مواضع يعز استقصاؤها في المنع من٣ ذلك وتحريمه.\nثم هذا القول الذي قاله العراقي رجوع إلى عبادة الملائكة، والنجوم، والأنفس المفارقة، هذا حقيقة دين الصابئة، أوقع العراقي فيه: ظنه أن العبادة لا تكون عبادة وشركًا إلا إذا اعتقد التأثير من\n_________\n١ في ط: آل ثاني \"الحوائج\" وفي \"ب\" و\"جـ\": (للحوائج) . والمثبت من الدرر السنية ٩/ ٢٩٦.\n٢ \"في الكلام\" ليست في ط: آل ثاني.\n٣ في ط: آل ثاني \"عن\".","vol":"1","page":62},{"text":"دون الله، وهذا الشرط هو الذي أوقعه فيما وقع فيه من تجويز عبادة الملائكة، والنجوم، والأنفس المفارقة.\nوهذه١ المسألة غلط فيها كثير من الضالين، مع أن الله تعالى وضحها في كتابه توضيحًا كافيًا شافيًا. وقد تقدم بعض ذلك قريبًا.\n_________\n١ في ط: آل ثاني، عند هذا الموضع تعليق للشيخ نعمان الألوسي، نقل فيه من تفسير والده ﵀ ما يتعلق بهذه الآية مختصرًا، ثم قال: هذا، واعلم أن هذا الناقل لكلام البيضاوي المموه أدلته بالأباطيل شنشنته معروفة عند علماء العراق، وتأويلاته الفاسدة غير مسلمة بالاتفاق، فعليك بطريقة السلف، وأعرض عمن ابتدع وتخلف، وأعرض عن ذكر الله وتكلف وتصلف. اهـ.\nوفي هذا الموضع أيضًا من الطبعة المذكورة تعليقة أخرى فيها نقل كلام الألوسي في تفسيره \"روح المعاني\" فيما يتعلق بذم المتصوفة، والغالين في الأولياء، نسوقه لحسنه: قال العلامة مفتي الأنام في مدينة السلام، أبو الثناء شهاب الدين الألوسي تغمده الله تعالى برحمته، في تفسيره \"روح المعاني\" في باب الإشارة ما نصه: \"وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر\" الآية، فيه إشارة إلى ذم المتصوفة الذين إذا سمعوا الآيات الرادة عليهم ظهر عليهم التجهم والبسور، وهم في زماننا كثيرون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.\nوفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ . الآية إشارة إلى ذم الغالين في أولياء الله تعالى، حيث يستغيثون بهم في الشدة؛ غافلين عن الله تعالى، وينذرون لهم النذور، والعقلاء منهم يقولون: إنهم وسائلنا إلى الله تعالى، وإنما ننذر لله ﷿ ونجعل ثوابه للولي.\nولا يخفى أنهم في دعواهم الأولى أشبه الناس بعبدة الأصنام القائلين: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى. ودعواهم الثانية لا بأس بها لو لم يطلبوا منهم بذلك شفاء مريضهم، أو رد غائبهم، أو نحو ذلك، والظاهر من حالهم الطلب، ويرشدنا إلى","vol":"1","page":63},{"text":"والشرك: جعل شريك لله تعالى فيما يستحقه ويختص به من العبادة الباطنة والظاهرة١، كالحب، والخضوع، والتعظيم، والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والنسك، والطاعة، ونحو ذلك من العبادات. فمتى أشرك مع الله غيره في شيء من ذلك فهو مشرك بربه، قد٢ عدل به سواه، وجعل له ندًا من خلقه. ولا يشترط في ذلك أن يعتقد له شَرِكَةً في الربوبية، أو استقلالًا منها.\nوالعجب كل العجب أن مثل هؤلاء يقرؤون٣ كتاب الله، ويتعبدون بتلاوته، وربما عرفوا شيئًا من قواعد العربية، وهو في هذا\n_________\nذلك أنه لو قيل: انذروا لله تعالى، واجعلوا ثوابه لوالديكم، فإنهم أحوج من أولئك الأولياء، لم يفعلوا.\nورأيت كثيرًا منهم يسجد على أعتاب حجر قبور الأولياء، ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعًا في قبورهم، لكنهم يتفاوتون فيه حسب تفاوت مراتبهم، والعلماء منهم يحصرون التصرف في القبور في أربعة أو خمسة، وإذا طولبوا بالدليل قالوا: ثبت ذلك بالكشف، قاتلهم الله تعالى، ما أجهلهم، وأكثر افتراءهم.\nومنهم من يزعم أنهم يخرجون من القبور، ويتشكلون بأشكال مختلفة، وعلماؤهم يقولون: إنما تظهر أرواحهم متشكلة، وتطوف حيث شاءت، وربما تشكلت بصورة أسد أو غزال، أو نحوه، وكل ذلك باطل لا أصل له، في الكتاب، والسنة، وكلام سلف الأمة، وقد أفسد هؤلاء على الناس دينهم، وصاروا ضحكة لأهل الأديان المنسوخة، من اليهود والنصارى، وكذا لأهل النحل والدهرية، نسأل الله تعالى العفو والعافية. انتهى. الفقير/ أحمد شهاب الدين.\n١ سقطت: \"الباطنة والظاهرة\" من: \"ب\" و\"جـ\".\n٢ في \"ب\" و\"جـ\": (وقد) .\n٣ في النسخ الخطية: (يقرؤن) وفي ط: آل ثاني (يقرأون) .","vol":"1","page":64},{"text":"الباب من أضل خلق الله، وأبعدهم عن فهم وحيه وتنزيله.\nومن الأسباب المانعة عن فهم كتاب الله أنهم ظنوا أن ما حكى الله عن المشركين، وما حكم عليهم به١، ووصفهم به، خاص بقوم مضَوا، وأناس سلفوا وانقرضوا، لم يعقبوا وارثًا.\nوربما سمع بعضهم قول من يقول من المفسرين: هذه نزلت في عباد٢ الأصنام، هذه نزلت٣ في النصارى، هذه في الصابئة، فيظن الغُمر٤ أن ذلك مختص٥ بهم، وأن الحكم لا يتعداهم، وهذا من أكبر الأسباب التي تحول بين العبد وبين فهم القرآن والسنة.\nثم اعلم أن قول البيضاوي هنا قول لا يلتفت إليه، ولا يعول في الدليل عليه، لأنه صدر عَمَّن لا يرضى، ولا يؤتم به في هذا الشأن ولا يقتدى، ولم يقله أحد من أئمة التفسير والهدى، بل قد صرحوا بخلافه كما يعرفه أولو٦ الأحلام والنهى، ونبهوا على أن أصل الشرك هو سؤال أرواح الموتى.\nوالبيضاوي وأمثاله إنما يؤخذ عنهم ما شهدت له الأدلة الشرعية، وجرى على القوانين المرضية، التي يتلقاها أهل العلم والإيمان، من أحكام السنة والقرآن.\n_________\n١ \"به\" ليست في ط: آل ثاني.\n٢ سقطت: \"عباد\" من النسخ الخطية.\n٣ \"نزلت\" ليست في ط: آل ثاني.\n٤ في ط: آل ثاني: \"الغِرّ\".\n٥ في \"أ\" و\"ب\": (مختصًا) .\n٦ في النسخ الخطية: (ألوا) .","vol":"1","page":65},{"text":"وقد قال عمر بن الخطاب –رضي الله تعالى عنه-: \"ذهاب الإسلام من ثلاثة: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن،١ وحكم الأئمة المضلين\"٢.\nهذا لو سلمنا ثبوت العلم لمن يحكي مثل هذه الأقوال، وإلا فأين العنقاء لتطلب، وأين السمندل ليجلب؟ ٣\nوأهل التحقيق من المفسرين على أن المراد بهذه الآية هم الملائكة، فإسناد التدبير إليهم كإسناد النزع، والنشط، والتقسيم، والزجر، كما في قوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ . [الذاريات:٤] وقوله: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا*فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ . [الصافات:٢-٣] .\nوليس في هذه الآيات الكريمات ما يدل على دعاء الملائكة، وعبادتهم، فإنهم رسل مأمورون مدبرون، كما أن إبلاغ الرسالة من الرسول البشري لا يدل على دعائه، ولا يقتضيه، فكذلك الملائكة،\n_________\n١ سقطت من \"أ\": \"وحكم الأئمة المضلين\".\n٢ أخرجه الدارمي في \"سننه\" ١/ ٦٣. والفريابي في \"صفة المنافق\" ص٥٤ وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم وفضله\" ٢/ ١١٠، وأبو نعيم في \"الحلية\" ٤/ ١٩٥.\n٣ قوله: (العنقاء) ذكر في \"اللسان\" عدة أقوال في تعريفها، وكل هذه الأقوال تدل على صعوبة الوصول إليها، أو عدمه. ومن تلك الأقوال: (طائر عظيم لا يرى إلا في الدهور)، وقيل: (طائر يكون عند مغرب الشمس) وقال الزجاج: (طائر لم يره أحد)، وقيل: (طائر لم يبقَ في أيدي الناس من صفتها غير اسمها) وقيل غير ذلك.\n(ينظر اللسان، ٤/ ٣١٣٦، ط: دار المعارف بمصر) .\nوقوله: (السمندل) هو –كما في \"اللسان\" ٣/ ٢١٠٥- طائر إذا انقطع نسله وهرم ألقى نفسه في الجمر فيعود إلى شبابه.\nوقيل: هو دابة يدخل النار فلا تحرقه. اهـ من اللسان بتصرف.","vol":"1","page":66},{"text":"لأنهم رسل بالأوامر الكونية والشرعية. والقدرةُ والتدربير وتسخير المخلوقات كل ذلك لله وحده، وهو من أدلة توحيده وإلهيته، وصرف الوجوه إليه، والإعراض عما سواه.\nقال تعالى في حق الملائكة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ . إلى قوله ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ . [الأنبياء:٢٦-٢٩] . وقال في شأن جبريل وغيره من الملائكة ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ . [مريم:٦٤] .\nفتأمل ما في هذا القول من كمال العبودية، ومتابعة الأمر، والبراءة من الملكة والحول والقوة، والاعتراف له تعالى بذلك.\nفاستدل بعموم الربوبية، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ ثناء عليه تعالى بإثبات العلم، ونفي ما يضاده، أو ينافي كماله.\nقال تعالى في حق المسيح: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ . الآية [النساء:١٧٢] .\nوالمقصود أن تسخير الملائكة، وتدبيرها، وإرسالها من أدلة إلهيته تعالى، واستحقاقه لأن يعبد وحده لا شريك له.\n* ومن العجب أن هذا العراقي زعم هنا أن ابن القيم قال في كتاب \"الروح\" وابن تيمية قال في كتاب \"الفرقان\": إن أرواح الموتى تدبر. وقد برأهما الله، وحماهما من ذلك، بل هما من أبعد خلق الله عن هذه الأقاويل الجاهلية الشركية، ومن أشدهم نهيًا عنها، وإبطالًا","vol":"1","page":67},{"text":"لها في غالب كتبهم ومصنفاتهم، وقد شنعوا على من قال هذا، وكفروه، وحكوا هذا القول عن الصابئة والمشركين من الفلاسفة وغيرهم.\nوفي \"الفرقان\" للشيخ ما يبطل هذا المذهب من وجوه عديدة تقارب السبعين. فانظر ترى، إن كنت من أهل العلم والهدى.\nوفي كتاب \"الروح\" ما يقارب ذلك من إبطال هذا القول، وتكفير فاعله.\nومن وقف على الكتابين، وله فهم عن الله ورسوله، يعرف ما قلناه، ويتضح له صحته ومغزاه.\nوالخطاب مع ذكي النفس، قوي الهمة، رفيع القدر، العارف بأخذ العلم واستنباطه، وأما وضيع النفس، ضعيف الهمة، خسيس القدر، الجاهل بأخذ العلم من معدنه ومظانه فليس الكلام معه، ومثله لا يزداد بكثرة الكتب والأقوال إلا شكًاّ وحيرة.\nثم استدل العراقي برؤيا الأرواح بعد الموت عند النصر والظفر.\nوهذا من أعجب ما سمعنا عن هؤلاء الضلال. والرؤيا على أقسام معروفة، وتأويلات مختلفة، فمنها حقائق وصور مشهورة. ومنها أمثال مضروبة، وعلى الأول ليست فاعلة، ولا سببًا أصلًا، بل هي علامات وشواهد، ولا يخالف في هذا من شم رائحة العلم والتمييز. وقد قالوا: إن رؤيته ﷺ منامًا –بشرطها المقرر، وهو أن يراه ﷺ على صفته ومثاله- يختلفُ تأويلُه بحسب اختلاف الرائي، واختلاف الزمان والمكان، فرؤيته عند الحرب تحمد للمؤمنين وفيها بشارة لهم،","vol":"1","page":68},{"text":"بخلاف غيرهم من الكفار والمنافقين، والبغاة المعتدين، فهي نذارة لهم، وعقوبة عاجلة، وكذلك المكان الذي تكثر فيه المعاصي، ويظهر الفجور. واللبيب يفهم من الرؤيا والمثل ما لا يفهمه سواه، وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون.\nوأيضًا فالنبي ﷺ في حياته الدنيوية، وأبو بكر، وعمر كانوا يجاهدون بأنفسهم وأموالهم، وقد قال تعالى لنبيه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ . [الأنفال:١٧] . ولما وعدهم أن يمدهم بالملائكة تقاتل معهم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . [الأنفال:١٠] فأخبر أن النصر من عند الله لا من عند غيره، لتنيب القلوب إليه، فتعتمد في مهماتها ةعليه، وتستغيث به وحده لا شريك له.\nفإذا كان هذا حالهم في الحياة فكيف ترى حال الأرواح بعد الممات، وقد قال النبي ﷺ: \"إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُوْ لَهُ\".\nوهؤلاء الضلالُ يقولون: إن أرواح الأولياء تدبر، وتهزم، وتنصر، وتفعل، وتفعل، قل أأنتم أعلم أم الله.\nوهذا الرجل يعرف من نظر في كلامه أنه أجنبي عن العلم والإيمان، لم يعرف ما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وكيف كان الشرك في الأمم. ولكنه وجد مادة وكتبًا شتت فهمه، أراد","vol":"1","page":69},{"text":"الاستغناء بها فلم تزده إلا جهلًا وعمى، وأضاف إلى ذلك الجراءة في الكذب على أهل العلم، ونسبة الأقوال الضالة إليهم، كما كذب على الشيخ وتلميذه، وزعم أنهما قالا: أرواح الموتى من المدبرات، وروح النبي ﷺ هزمت الجيوش. والصواب أن الشيخ –﵀- نص على أن القول بمثل هذا من أقوال الفلاسفة والصابئة*.","vol":"1","page":70},{"text":"قال ﵀ – فيمن قال إن أرواح الموتى تجيب من دعاها١:\n\"هذا يشبه بقول من يقول: الأرواح بعد المفارقة تجتمع هي والأرواح الزائرة فيقوى تأثيرها، وهذه المعاني ذكرها طائفة من الفلاسفة، ومن أخذ عنهم كابن سينا وأبي حامد وغيرهما.\nوهذه الأحوال هي من أصول الشرك، وعبادة الأصنام، وهي من المقاييس التي قال بعض السلف: ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس\".\nوقال أيضًا –﵀- في الكلام على رؤساء المتكلمين: \"وكل شرك في العالم إنما حدث برأي جنسهم، فهم الآمرون بالشرك، الفاعلون له\"٢ إلى أن قال: \"وقد رأيت في مصنفاتهم في عبادة الملائكة، وعبادة الأنفس المفارقة –أنفس الملائكة وغيرهم- ما هو أصل الشرك\".\nوقال العلامة ابن القيم –﵀- في \"مدارجه\": ومن أنواعه –يعني الشرك الأكبر- طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم،\n_________\nوالرجل وجد مادة وكتبًا شتت فهمه، وحيرت عقله، أراد الاستغناء بها فلم تزده إلا عمى وجهلًا، فأضاف إلى ذلك الجرأة في الكذب على الله وعلى رسله وعلى أولي العلم من خلقه، كما كذب على الشيخ ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، وزعم أنهما قالا: الأرواح تدبر وتتصرف بعد الموت، والشيخ ﵀ نص على أن القول بمثل هذا من أقوال الفلاسفة والصابئة.\n١ في ط: آل ثاني: \"قال ﵀: من قال إن أرواح ... \" إلخ.\n٢ هذا النقل عن شيخ الإسلام ليس موجودًا في ط: آل ثاني.","vol":"1","page":71},{"text":"والتوجه إليهم. وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلًا عمن استغاث به، أو سأله أن يشفع له عند الله. انتهى.\n[ونَقْلَ العراقي عن كتاب \"الروح\" أن روح النبي ﷺ هزمت جيوش الكفار والظلم مع كثرة عددهم، لا أصل له، وكتاب \"الروح\" موجود، ومسموع من المشايخ الثقات العارفين بنصوصه وأقواله وأصوله وفروعه، ليس فيه هذا، بل فيه ردُّه وإبطاله كما تقدم.\nكذلك نقله عن الشيخ كذب ظاهر، وإفك وخيم.\nويغلب على ظني أنه سمع في كتاب \"الروح\" ذكر رؤيا الأرواح وصعودها، ونزولها، وحضورها تارة عند الحرب أو غيره، ورؤية بعض الناس لأصحابها: فظن أن هذا هو القول بأن الأرواح تدبر، وتهزم الجيوش، لأن في ذهنه وخَلْده ما عليه الصابئة والفلاسفة من أن الأنفس المفارقة قد تؤثر في هذا العالم، ولم يميز بين مذهب الصابئة، وما عليه المسلمون، ومن بلغ في الجهالة إلى هذه الغاية والحد، فقد تعطل قلبه عن الإدراك والمنافع وفسد] ١.\n_________\n١ ما بين المعقوفتين سقط من ط: آل ثاني.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الفصل السادس</span>\n...\nفصل\nقال العراقي في استدلاله على أن أرواح الصالحين تدعى وتدبر: (ومن الآيات التي تدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ . [يوسف:٢٤] . قال١ المفسرون، منهم البغوي: رأى يعقوب عاضًا على أنملته، يقول: إياك وإياها، فلم يفعل، فكان يوسف في مصر، ويعقوب في الشام. فهذا نوع من الكرامة وهي سبب، والقدرة لله) .\nقلت: يريد العراقي أن مثل هذا يدل على جواز دعاء الصالحين وندائهم بالحوائج في الغيبة، وبعد الممات، لأن هذا كرامة، والكرامة يدعى صاحبها، وينادى.\nوالجواب أن يقال: عبادة الله وحده لا شريك له وإفراده بالدعاء والطلب فيما لا يقدر عليه إلا هو، دلت على وجوبها الكتب السماوية، واتفقت عليها الدعوة الرسالية، وهي أصل الدين وقاعدته، لا يعتريها نسخ ولا تخصيص.\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ\n_________\n١ في ط: آل ثاني \"وقال\".","vol":"1","page":73},{"text":"خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ . [فاطر:٣] . وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ*أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُور﴾ . [تبارك: ٢٠-٢١] . وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . [العنكبوت:١٧] .\nفتأمل هذه الآيات ونظائرها، وانظر ما دلت عليه من اختصاصه تعالى وانفراده١ بالخلق والرزق اللذين هما أصل المخلوقات وقوامها، وانظر٢ كيف استدل بهذا على وجوب عبادته وطاعته والإيمان به، وهل يُعَارِضُ هذا الأصل بمثل هذه الأوهام الضالة من شَمَّ رائحة العلم، ودرى ما الناس فيه من أمر دينهم.\nفإن كنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ ... وإن كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ\nهذا لو سلم أن الكرامات سبب، وأن هذا المثال فيه إثبات الكرامة، فكيف والأمر بخلاف ذلك بإجماع أهل العلم، والمقدمتان كاذبتان، لأن الكرامة فعل الله تعالى لا فعل للولي فيها، ولا قدرة له عليها ولا تأثير.\nوكل من يذكر تعريف الكرامة وحَدَّها يقول: هي خرق الله العادة لوليه، لحكمة ومصلحة تعود عليه، أو على غيره، وعلى هذا\n_________\n١ \"وانفراده\" ليست في ط: آل ثاني.\n٢ في النسخ الخطية: \"فانظر\".","vol":"1","page":74},{"text":"التعريف لا فعل للولي فيها ولا إرادة، فمن أين يؤخذ أنها سبب يقتضي دعاء من قامت به، أو فعلت له؟ ومن أي وجه دلت الكرامة على هذا؟ وأفضل الناس الرسل، والملائكة من أفضل خلق الله، ولهم من المعجزات والكرامات والمقامات ما ليس لغيرهم.\nقد جاء عيسى بن مريم بما هو من أفضل المعجزات والكرامات: يخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه، فيكون طيرًا بإذن الله، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وينبئهم من الغيب ما يأكلون وما يدخرون.\nوقد أنكر تعالى على من دعاه وقصده١ في حاجاته وملماته، وأخبر أن فاعل ذلك كافر بربه، ضال بعبادة غيره.\nقال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا﴾ . الآية [آل عمران:٨٠] . والأرباب هنا٢: هم المعبودون المدعون، وسيأتي تحقيق هذا.\nوقال تعالى فيمن عبد٣ المسيح: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . [المائدة:٧٦] .\nوسيأتيك أن الدعاء والنداء بما لا يقدر عليه إلا الله داخل في مسمى العبادة فتنبه.\n_________\n١ في ط: آل ثاني: \"قصده ودعاه\".\n٢ سقطت: \"هنا\" من ط: آل ثاني.\n٣ في ط: آل ثاني: \"عبدوا\".","vol":"1","page":75},{"text":"فأخبر تعالى عن المسيح أنه لا يملك لمن دعاه نفعًا ولا ضرًا، وإن قَلَّ، كما يفيده التنكير، وأبطل عبادته، وأنكرها أشد الإنكار، ومعجزاته أوضح من الشمس وسط النهار.\nوقد تقدم أن هذه الشبهة هي التي تعلق بها النصارى في دعائه ودعاء أمه.\nثم اعلم أن الآية ليس فيها ما يدل على كرامة يعقوب –﵇- إلا حفظه في عقبه، وصيانة ولده، فإن الله يحفظ الرجل الصالح في نفسه وأهله ووله، كما في حديث ابن عباس: \"احفظ الله يحفظك\"١. وليس ذلك من جهة المثال وتخصيصه، فإن هذا لا يفيد الكرامة ولا يفهمها.\n_________\n١ للحديث عن ابن عباس –﵄- طرق كثيرة، أصحها طريق حنش الصنعاني، أخرجه أحمد، والترمذي، وغيرهما.\nقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\" اهـ من السنن ٧/ ٢٠٤ ط: المكتبة الإسلامية في تركيا.\nوقال الحافظ أبو عبد الله بن منده: لهذا الحديث طرق عن ابن عباس، وهذا –أي طريق حنش- أصحها. اهـ. وقال أيضًا: وهذا إٍسناد مشهور، ورواته ثقات. اهـ بواسطة نقل ابن رجب عنه، في رسالته \"نور الاقتباس\" ص ٣٠.\nوقال ابن رجب في الرسالة المذكورة: وأجود أسانيده من رواية حنش عن ابن عباس التي ذكرنا، وهو إسناد حسن لا بأس به. اهـ.\nوروي عن النبي ﷺ أنه وصى بذلك ابن عباس من حديث علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري، وسهل بن سعد، وغيرهم من الصحابة، وفي أسانيدها مقال.\nوذكر العقيلي أن أسانيد الحديث كلها ليِّنة، وبعضها أصلح من بعض. اهـ من كلام ابن رجب في الرسالة المذكورة، وجامع بيان العلوم والحكم.","vol":"1","page":76},{"text":"وقد تمثل جبريل في صورة دحية الكلبي١. وكثيرًا ما يتمثل الملك في صورة البشر.\n_________\n١ أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ١٠٧) عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر عن النبي ﷺ ... وذكر قصة مجيء جبريل للنبي ﷺ ثم قال: \"وكان جبريل ﵇ يأتي النبي ﷺ في صورة دحية\". وسنده جيد.\nقال الحافظ ابن حجر في الإصابة (٣/ ١٩١): وروى النسائي \"بإسناد صحيح\" عن يحيى بن يَعْمَر عن ابن عمر قال: \"كان جبريل يأتي النبي ﷺ في صورة دحية\".\nوروى العجلي في تاريخه عن عوانة بن الحكم قال: \"أجمل الناس من كان جبرائيل ينزل على صورته\" يعني دحية اهـ.\nوأخرجه الإمام أحمد في مسنده في حديث طويل (٦/ ١٤١-١٤٢) وحسن إسناده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٣٨) .\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (كما في المجمع ٩/ ٣٧٨) عن أنس قال: قال رسول الله: \"كان يأتيني جبريل على صورة دحية الكلبي.\nقال الهيثمي: وفيه عفير بن معدان وهو ضعيف.\nوروى ابن عساكر في تاريخه (التهذيب ٥/ ٢٢٣) من عائشة: \"أنها رأت النبي ﷺ واضعًا يده على معرفة فرس دحية الكلبي وهو يكلمه قالت: فقلت: يا رسول الله، رأيتك واضعًا يدك على معرفة فرس دحية، فقال: ذاك جبريل ... \".\nوروى أيضًا عن أم سلمة: \"أن النبي ﷺ كان يحدث رجلًا، فلما قام قال: يا أم سلمة، من هذا؟ قلت: دحية الكلبي. فلم أعلم أنه جبريل حتى سمعت رسول الله ﷺ يحدث أصحابه ما كان بيننا\".\nفائدة: قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١/ ١٢٥) على قصة جبريل ومجيئه للنبي ﷺ وأصحابه: دلت الروايات التي ذكرناها على أن النبي ﷺ ما عرف أنه جبريل إلاَّ في آخر الحال. وأن جبريل أتاه في صورة رجل حسن الهيئة، لكنه غير معروف لديهم. وأما ما وقع في رواية النسائي من طريق أبي فروة في آخر الحديث \"وإنه لجبريل نزل في صورة دحية الكلبي\". فإن قوله: \"نزل في صورة دحية الكلبي\" وهم، لأن دحية معروف","vol":"1","page":77},{"text":"والذي رآه يوسف هو المثال، لا نفس يعقوب وذاته كما فهمه الغبي، فإن هذا لا يدل عليه كلامهم أصلًا، وكرامات يعقوب –﵇- أَجَلُّ من ذلك وأعظم.\nوقد يُمَثَّلُ للإنسان من يحب ويأنس به، أو من يجله ويهابه، لمصلحة تعود عليه، لا على نفس صاحب المثال، ولذلك نظائر وأشباه في اليقظة١ والمنام، يعرفها أولو العلم والأفهام.\n_________\nعندهم، وقد قال عمر: \"ما يعرفه منا أحد\" وقد أخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب \"الإيمان\" له من الوجه الذي أخرجه منه النسائي فقال في آخره: \"فإنه جبريل جاء ليعلمكم دينكم\". وهذه الرواية هي المحفوظة لموافقتها باقي الروايات. اهـ.\n١ في النسخ الخطية: \"اليقضه\".","vol":"1","page":78},{"text":"تنبيه\nليست الكرامة من لوازم المنزلة وعلو الدرجة، مشى قوم فوق البحار، ومات عطشًا من هو أفضل منهم، وأقوى إيمانًا.\nوقد كثرت في القرن الثاني والثالث، وفي القرن الأول من هو أفضل وأجل ممن وقعت له هذه الخوارق، وبسط هذا له محل آخر١.\nوالقصد إبطال كلام هذا الضال.\nويقال له: أكثر المفسرين على غير هذا، فمنهم من قال: إن هَمَّ يوسف من جنس الخطرات والواردات التي لا تستقر وليست بعزم، فتركها والإعراض عنها حسنة، كما دل عليه حديث: \"إذا هَمَّ العبد بالسيئة فلم يفعلها كتبت له حسنة\" ٢.\nومنهم من قال: البرهان المشار إليه هو قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى﴾ . [الإسراء:٣٢] . رأى الآية مكتوبة في السقف.\n_________\n١ سقطت: \"آخر\" من ط: آل ثاني.\n٢ أخرجه البخاري في صحيحه –كتاب الرقائق- ١١/ ٣٢٣، ومسلم في صحيحه ٢/ ١٤٩ \"نووي\" كلاهما عن ابن عباس عن النبي ﷺ عن ربه تعالى أنه قال:.... الحديث.\nولهما عن أبي هريرة ... مثله.","vol":"1","page":79},{"text":"ومنهم من قال: رأى ثلاث آيات هي البرهان.\nومنهم من قال: لم يهمّ يوسف بسوء لوجوب عصمته حتى قبل النبوة، وقوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ . [يوسف:٢٤] معلق على عدم الرؤية، وقد ثبتت فلا هَمَّ، نقول: هلك١ زيد لولا عمر.\nوهذا معنى ما قال بعضهم: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: لولا أن رأى برهان ربه همَّ بها.\nوهذا يذهب إليه من يقول بعصمة الأنبياء قبل النبوة.\nوهو الراجح عن من اعتمد أقوالهم هذا العراقي فيما وصل إلينا في علم مسألة٢ الغيب لرسول الله ﷺ.\nوهنا٣ خالفهم ظنًا منه أن إثبات الكرامة يقتضي إباحة الدعاء مع الله.\nقال بعض السلف: \"أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري، أيَّ مذهب وافق هواك تمذهبت به\".\nومن العجب أنه يكرر في هذه \"الرسالة\": سلوني سلوني إن أشكل عليكم شيء، وعندي مِنَ النسخ، وعندي كذا وكذا، ويطري نفسه إطراء لا يصدر عَمَّن له دين وعقل، أو دراية بشيء من الآداب والنقل، حتى أنشد في مدح نفسه قول الشاعر:\n_________\n١ في ط: آل ثاني: \"ملك\".\n٢ سقطت: \"مسألة\" من ط: آل ثاني.\n٣ في ط: آل ثاني: \"وهذا\".","vol":"1","page":80},{"text":"سَلِي إن جهلتِ الناسَ عَنَّا وعنهمُ ... فليس سواءً عالمٌ وجهولُ١\nوما أحسن ما قيل:\nإني سألتُ ولكن لم أجدْ أحدًا ... أثنى٢ عليك ومدح النفس تضليلُ\nومثل هذا لا يَحسُنُ ممن له علم وفضل، أو أدب ينتفع به وعقل، فكيف بمن لم يعلم حقيقة الإسلام، ولم يعرف منه ما عرفه آحاد العوام.\nوقد اعترض بعض الجهال على شيخ الإسلام في بعض تقاريره فأخطأ الإصابة، ولم يتأدَّب بحضرة تلك العصابة. وقال له الشيخ: لا أدب ولا فضيلة.\nوأَنَّى لمثل هذا بالفضل والأدب، وقد عدم العلم الذي هو أصل الفضائل والرتب.\nفقرُ الجهولِ بلا علمٍ إلى٣ أدبٍ ... فقر الحمار بلا رأس إلى٣ رسن\n_________\n١ البيت للسموأل بن عادياء، ومطلع القصيدة التي منها هذا البيت:\nإذا المرء لم يَدْنَسْ من اللُّؤْمِ عَرضُه ... فكل رداءٍ يرتديه جميلُ\nوإن هو لم يحملْ على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناءِ سبيلُ\n٢ في ط: آل ثاني: \"ثنا\" وقد سقط البيت من \"جـ\".\n٣ في ط: آل ثاني: \"ولا\" وهو خطأ.\nوالبيت من قصيدة لأبي الطيب المتنبي يمدح فيها محمد بن عبد الله الخطيب الخصيني. وهي في الديوان ص١٣١ (ط هندية بشارع الموسكي بمصر، ١٣٤٢) ولفظ البيت: \"فقر الجهول بلا قلب ... إلخ ومعناه –كما ذكر محشي الديوان-: هم لا عقل عندهم فلا يحتاجون إلى أدب، كما لا يحتاج الحمار فاقد الرأس إلى لجام.","vol":"1","page":81},{"text":"وهذه الدعوى الكاذبة يمكن كل واحد أن يدعيها، ولكن هيهات هيهات قد حيل بين النفوس الجاهلة وبين أمانيها، لقول أصدق الورى، ومن لا ينطق عن الهوى: \"لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم\" الحديث١.\nوالله يعلم أني ما رأيت لهذا إصابة قط فيما يدعيه وينفرد به، حتى أنه قال في بدء رسالته وخطبته في وصف الأرواح: (فما تعارف منها في الأزل ائتلف) . فزاد في الحديث قوله: \"في الأزل\" وهي زيادة تدل على جهله، وكثافة فهمه، فإن الأزل لا وجود للأرواح فيه، فضلًا عن أن تتعارف، لأنه اسم لما قبل إيجاد المخلوقات.\n_________\n١ أخرجه البخاري في صحيحه –كتاب التفسير- ٨/ ٢١٣، ومسلم في صحيحه –كتاب الأقضية- ٣/ ١٣٣٦، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجالٍ وأموالهم. ولكن اليمين علىالمدعى عليه\". هذا لفظ مسلم.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الفصل السابع</span>\n...\nفصل\nقال: (وقد أجمع الحنابلة وغيرهم على طلب الشفاعة من الرسول بعد موته عند زيارته) .\nوالجواب أن يقال: هذه دعوى عريضة كبيرة، لا تصدر إلا عن اطلاع كلي، وإحاطة تامة بأقوال أهل العلم، أو عن وقاحة كلية، وتهور في الكذب، وإيغال في الافتراء.\nومن المعلوم ضرورة عند من نظر في كلام هذا من أهل العلم، أنه ليس من القسم الأول، بل هو ممن يجهل الضروريات الإسلامية، والبديهيات الإيمانية اليقينية، مما لا يخفى على عامة المسلمين، فكيف له بمعرفة الإجماع في هذه المسألة.\nوالمدَّعِي يطالب بتصحيح دعواه. ولكن نتنزل مع هذا ونكتفي منه بتصحيح ذلك عن واحد فقط ممن يحتج به من أئمة العلم والفتوى، من أصحاب رسول الله ﷺ، أو من بعدهم من التابعين، وتابعي التابعين، أو الأئمة الأربعة، أو أصحاب الوجوه والترجيحات في مذاهبهم.\nوأما من لا يحتج به من الخُلُوْفِ الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فهؤلاء ليسوا بحجة، ولا يرجع إليهم بالاتفاق، والآثارُ والأحاديث دَلَّت على عيبهم وذمهم بما أحدثوه في دين الله من","vol":"1","page":83},{"text":"الأقوال والأفعال، كما في حديث العرباض بن سارية١، وغيره من الأحاديث.\nوما علمت أحدًا من أهل العلم وأئمة الفتوى، قال هذا، لا من الصحابة ولا من غيرهم.\n_________\n١ ونصه: قال العرباض بن سارية: \"وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. قلنا: يا رسول الله، إن هذه لموعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: \"وقد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بما عرفتم من سنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعليكم بالطاعة وإن عبدًا حبشيًا، عضوا عليها بالنواجذ، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما انقيد انقاد\". هذا لفظ أحمد. وفي لفظ له: \"أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش منكم يرى بعدي اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة\". أخرجه أحمد ٤/ ١٢٦-١٢٧، وأبو داود ٥/ ١٣-١٤-١٥، والترمذي ٥/ ٤٤-٤٥، وابن ماجه ١/ ١٥-١٦-١٧، وابن حبان ١/ ١٠٥، والآجري في الشريعة ص ٤٧، والمروزي في السنة ص٢١-٢٢، وابن أبي عاصم في السنة ١/ ١٧-١٨-١٩-٢٠-٢٦-٢٧-٢٩-٣٠، والطبراني في الكبير ١٨/ ٢٤٥- ٢٤٦- ٢٤٧، والحاكم في المستدرك ١/ ٩٥-٩٦-٩٧، وفي المدخل إلى الصحيح ص٧٩-٨٠-٨١، والبيهقي في الدلائل ٦/ ٥٤١، وفي مناقب الشافعي ١/ ١٠-١١.\nقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ليس له علّة، وأقره الذهبي، وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية في الاقتضاء ٢/ ٥٧٩. وقال الحافظ ابن كثير في \"تحفة الطالب\" ص١٦٣: صححه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، والذعولي، وقال شيخ الإسلام الأنصاري: هو أجود حديث في أهل الشام وأحسنه. اهـ.","vol":"1","page":84},{"text":"بل حكى الشيخ الإمام أحمد بن عبد الحليم الإجماع على المنع من دعائه ﷺ، والطلب منه، وقرر أن هذا من شعب الشرك الظاهرة، وسيأتيك بسط كلامه.\nوذكر الحنابلة كصاحب \"الفروع\" و\"الإقناع\" وغيرهم، حتى أصحاب المختصرات: أن المُسَلِّم عند القبر لا يستقبله عند الدعاء، ولا يدعو الله عنده. وهذا منهم صيانة للتوحيد.\nوأبو حنيفة قال: لا يستقبله عند السلام عليه ﷺ، بل يستقبل القبلة، وحكاه شيخ الإسلام.\nوقد كره مالك للرجل أن يدعو عند القبر الشريف، على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، وذكر أنه يستقبل القبلة عند الدعاء، كما ذكره في \"المبسوط\" وغيره من كتب المالكية.\nوفي منسك الإمام أحمد مثل هذا، بل كرهوا للرجل من أهل المدينة أن يأتي القبر الشريف كما دخل المسجد، لأنه محدث، لم يفعله أحد من أصحاب رسول الله ﷺ.\nقال مالك: ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصْلَحَ أوّلَها١.\n_________\n١ باعث هذه الكلمة التي هي من جوامع الكلم، ما ذكره القاضي عياض –﵀- في \"الشفا\" ج٢/ ٦٧٦ ط الحلبي، نقلًا من \"المبسوط\" للإمام إسماعيل بن إسحاق الجهضمي، عن الإمام مالك –﵀- أنه قال: لا بأس لمن قدم من سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه، ويدعو لأبي بكر وعمر –﵄.\nفقيل له: فإن ناسًا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر، ولا يريدونه –أي لا يريدون السفر بل هم مقيمون- يفعلون ذلك في اليوم مرّة أو أكثر عند القبر،","vol":"1","page":85},{"text":"وأما مَنْ قدم من سفر أو أراده من أهل المدينة فرخصوا١ له في إتيان القبر الشريف للسلام، لأن ابن عمر كان يفعله.\nقال ابن أخيه عبيد الله بن عمر بن عاصم: لم يفعله أحد من أصحاب رسول الله ﷺ، إلا ابن عمر٢.\nوعبيد الله المصغَّر٣ من أفضل آل عمر، ومن أعيان وقته، ثقةً وزهدًا وعلمًا.\nوأما دعاؤه، وطلب الشفاعة منه ﷺ بعد موته، فهم مجمعون على المنع منه.\nولم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة، ولا غيرهم، ما يقتضي الجواز والإباحة.\n_________\nفيسلمون، ويدعون ساعة؟ فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدتنا، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك. ويكره إلا لمن جاء من سفر، أو أراده. اهـ.\nوانظر \"الاقتضاء\" لشيخ الإسلام ابن تيمية، ٢/ ٧٥٤.\n١ في النسخ الخطية: \"فرخص\".\n٢ قال عبد الرزاق في \"المصنف\" ٣/ ٥٧٦: عن معمر عن أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه.\nوأخبرنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. قال معمر: فذكرت ذلك لعبيد الله بن عمر، فقال: ما نعلم أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر.\n٣ في ط: آل ثاني \"المصفر\".","vol":"1","page":86},{"text":"قال شيخ الإسلام أبو العباس –﵀-: \"والطلب من النبي ﷺ بعد موته وفي مغيبه١ ليس مشروعًا قط، ولكن كثيرًا من الناس يدعو٢ الموتى والغائبين من الشيوخ وغيرهم، فتتمثل٣ له الشياطين، و٤تقضي بعض مآربه، لتضله٥ عن سبيل الله كما تفعل الشياطين بعباد الأصنام، وعباد الشمس والقمر، وتخاطبهم، وتتراءى لهم، وهذا كثير يوجد في زماننا، وغير زماننا\". انتهى.\nوقال الشيخ –﵀-: \"وكان الصحابة والتابعون –لما كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد إلى زمن الوليد بن عبد الملك- لا يدخل أحد إليها، لا لصلاة هناك، ولا لتمسح بالقبر، ولا دعاء هناك، بل هذا جميعًا إنما يفعلونه٦ في المسجد٧.\nوكان السلف إذا سلموا على النبي ﷺ وأرادوا الدعاء دعوا مستقبلي القبلة، ولم يستقبلوا القبر.\nوأما وقوف المُسَلِّم عليه، فقال أبو حنيفة: ليستقبلوا القبلة أيضًاَ، و٨لا يستقبلوا القبر.\n_________\n١ في ط: آل ثاني: \"مغيبة\".\n٢ في النسخ الخطية: \"يدعوا\".\n٣ في النسخ الخطية: \"فتمثل\".\n٤ سقطت \"و\" من النسخ الخطية.\n٥ في النسخ الخطية: \"لتضلهم\".\n٦ في ط: آل ثاني: \"يفعل\".\n٧ في ط: آل ثاني: \"بالمسجد\".\n٨ سقطت \"و\" من النسخ الخطية.","vol":"1","page":87},{"text":"وقال أكثر الأئمة: بل ليستقبلوا القبر عند السلام عليه خاصة، ولم يقل أحد من الأئمة إنه يستقبل القبر عند الدعاء –أي الدعاء الذي يقصده لنفسه١- إلا في حكاية مكذوبة تروى عن مالك، ومذهبه بخلافها.\nواتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي ﷺ، ولا يُقَبِّله. وهذا كله محافظة على التوحيد، فإن من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد.\nقالت طائفة من السلف في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ . الآية [نوح:٢٣] . هؤلاء كانوا قومًا صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوّروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.\nوقد ذكر بعض هذا البخاري في \"صحيحه\"٢ لما ذكر قول ابن عباس. وذكر ابن جرير وغيره عن غير٣ واحد من السلف. وذكره وَثِيْمَةُ٤ وغيره في \"قصص الأنبياء\" من عدة طرق. انتهى.\n_________\n١ في ط: آل ثاني: \"بنفسه\".\n٢ ج ٨/ ٦٦٧.\n٣سقطت \"غير\" من ط: آل ثاني.\n٤ هو: وَثِيْمة بن موسى بن الفرات الوَشَّاء، توفي سنة سبع وثلاثين ومائتين، من هجرة المصطفى ﷺ.\nقال ابن خلّكان في \"وفيات الأعيان\" ج٦/ ١٢: وصنّف –أي وثيمة- كتابًا في أخبار الردّة ... ولم أعرف لوثيمة المذكور من التصانيف سوى هذا الكتاب اهـ.","vol":"1","page":88},{"text":"وقال الحافظ محمد بن عبد الهادي من أكابر الحنابلة وعلمائهم: \"والسلف كلهم متفقون على أن الزائر لا يسأله شيئًا –يعني النبي ﷺ- ولا يطلب منه ما يطلب منه في حياته، ويطلب منه يوم القيامة، لا شفاعة ولا استغفارًاَ\".\nوقال أيضًا: \"والحكاية التي تنسب إلى مالك مع أبي جعفر المنصور كذبٌ عند أهل المعرفة بالنقل الصحيح\". انتهى.\nومذهب مالك –﵀- المعروف عند أصحابه يخالف هذه الحكاية المكذوبة ويردها.\nقال القاضي عياض: قال مالك في \"المبسوط\": \"لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو١، ولكن يسلم ويمضي\".\nوقال القاضي إسماعيل في \"المبسوط\" قال مالك: \"لا أرى أن يقف الرجل عند قبر النبي ﷺ ويدعو١، ولكن يسلم على النبي، وعلى أبي بكر، وعمر، ثم يمضي\".\nولما نقل ابن وهب عن مالك أنه يدعو١ للنبي٢ ﷺ عند القبر، حمله أكابر أصحابه على الصلاة علي النبي ﷺ. وابن\n_________\nقلت: ومن كتبه أيضًا كتاب \"قصص الأنبياء\" الذي أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية في \"اقتضاء الصراط المستقيم\" ج ٢/ ٧٦٧-٧٦٨. وقال الحافظ ابن حجر –رحمه الله تعالى- في \"لسان الميزان\" جـ٦/ ٢١٧: ووقفت له على تصنيف كبير في المبتدأ وقصص الأنبياء.\n١ في النسخ الخطية: \"يدعوا\".\n٢ في ط: آل ثاني: \"النبي\" وهو خطأ فاحش.","vol":"1","page":89},{"text":"عبد البر يقول: لفظ١ الرواية على ما ذكره ابن القاسم والقعنبي وغيرهما: يصلي على النبي ﷺ، هذا لفظ مالك.\nوقال بعض المالكية: المراد بالدعاء السلام، بدليل أنه ذكر في رواية ابن وهب نفسه يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله.\nوقد تقدم مذهب الحنابلة وأبي حنيفة.\nوإذا كان هذا ممنوعًا مع أنه دعاء الله، فما ظنك بدعاء الرسول نفسه، وطلب الشفاعة منه ﷺ؟\nفالأول مُنِع منه لأنه وسيلة وذريعة إلى هذا المحذور الذي هو سؤال غير الله، وقصده في الحاجات. ولم يكن في عهد السلف شيء من هذا، وإنما حدث أوائله ومباديه بعد القرون المفضلة، وأنكرها أهل العلم والإيمان، محافظةً منهم٢ على السنة، وحمايةً لجانب التوحيد، وطاعة لله ورسوله، وسدًا لذرائع الشرك ووسائله.\nوقد روى الضياء في \"المختارة\" عن الحسن بن الحسن أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة عند قبر النبي ﷺ فنهاه عن ذلك، قال: \"ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي، أن رسول الله ﷺ، قال: \"لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم\"٣.\n_________\n١ في ط: آل ثاني: \"لفظًا لرواية\".\n٢ في النسخ الخطية: \"منه\".\n٣ هذا اللفظ الذي ذكره المؤلف هو لفظ حديث علي بن الحسين، انظر التعليقة رقم \"١\" من الصفحة القادمة.","vol":"1","page":90},{"text":"وروي أيضًا عن علي بن الحسين زين العابدين.\nوهذان الإمامان هما أفضل أهل البيت في زمانهما.\nوقد روي هذا الحديث عن أبي هريرة في سنن أبي داود بلفظ: \"لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا قبري عيدًا ... \" الحديث١.\n_________\n١ أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٢/ ٣٦٧، وأبو داود في كتاب المناسك من \"سننه\" ٢/ ٥٣٤ من طريق عبد الله بن نافع أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وحيثما كنتم فصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني\". هذا لفظ أحمد.\nولفظ أبي داود: \"لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم\".\nقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية بعد أن ساق سند الحديث في \"الاقتضاء\" ٢/ ٦٥٤:\nوهذا إسناد حسن، فإن رواته كلهم ثقات مشاهير. لكن عبد الله بن نافع الصائغ الفقيه المدني صاحب مالك فيه لين لا يقدح في حديثه. قال يحيى بن معين: هو ثقة، وحسبك بابن معين موثقًا. وقال أبو زرعة: لا بأس به.\nوقال أبو حاتم الرازي: ليس بالحافظ وهو لين تعرف حفظه وتنكر. فإن هذه العبارات منهم تنزل حديثه من مرتبة الصحيح إلى مرتبة الحسن، إذ لا خلاف في عدالته وفقهه، وأن الغالب عليه الضبط، لكن قد يغلط أحيانًا ثم هذا الحديث مما يعرف من حفظه، ليس مما ينكر، لأنه سنة مدنية، وهو محتاج إليها في فقهه، ومثل هذا يضبطه الفقيه.\nوللحديث شواهد من غير طريقه، فإن الحديث روي من جهات أخرى، فما بقي منكرًا.\nوكل جملة من هذا الحديث رويت عن النبي ﷺ بأسانيد معروفة، وإنما الغرض هنا النهي عن اتخاذه عيدًا.","vol":"1","page":91},{"text":"_________\nفمن ذلك ما رواه أبو يعلى في مسنده: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب حدثنا جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين حدثنا علي بن عمر عن أبيه عن علي بن الحسين أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيدعو، فنهاه فقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته عن أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ، قال: \"لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم\". رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ فيما اختاره من الأحاديث الجياد الزائدة على الصحيحين، وشرطه فيه أحسن من شرط الحاكم في صحيحه. اهـ كلام شيخ الإسلام.\nقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣ على هذا الحديث: \"رواه أبو يعلى وفيه حفص بن إبراهيم الجعفري ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا وبقية رجاله ثقات\" اهـ.\nقلت: كذا في الأصل \"حفص\" والصواب \"جعفر\" كما ساقه شيخ الإسلام، وكما في المصنف لابن أبي شيبة ٢/ ٣٧٥ –وفضل الصلاة على النبي ﷺ للجهضمي ص٣٣.\nوفي سنده علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال: يعتبر حديثه من غير رواية أولاده عنه. اهـ من التهذيب. وقال الحافظ ابن حجر في \"التقريب\": \"مستور\". اهـ.\nثم ذكر شيخ الإسلام لهذا الحديث شاهدين فقال في المصدر السابق:\nوروى سعيد بن منصور في سننه: حدثنا حبان بن علي حدثني محمد بن عجلان عن أبي سعيد مولى المهري قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تتخذوا بيتي عيدًا ولا بيوتكم قبورًا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني\". انتهى كلام شيخ الإسلام.\nوحبان بن علي هذا ضعفه الأئمة كما في التهذيب ٢/ ١٧٣. وأبو سعيد مولى المَهْري قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب: مقبول. اهـ. يعني حيث يتابع وإلا فلين كما نص على هذا في المقدمة.","vol":"1","page":92},{"text":"فانظر هذه السنة المأخوذة عن أقرب الناس من رسول الله ﷺ نسبًا ودارًاَ. وتأمل ما دلت عليه من الحِكم والفوائد: من ذلك نهيه عن اتخاذ قبره عيدًا، والعيد ما يعتاد مجيئه في وقت مخصوص. وتأمل حكمة ذلك ومقصوده، وما فهمه السلف منه١ من النهي عن التردد إلى القبر الشريف، كلما دخل المسجد.\nوفيه: أن الصلاة والسلام يبلغه، وإِنْ بَعُدَ المُسَلِّم.\nوفيه: أن الذي يجب له ﷺ من التوقير والتكريم، والصلاة والسلام، مطلوب في كل مكان، وعلى أي حال، وذلك أكمل وأتم٢ ممن يعتاد ذلك عند مجيئه إلى القبر، أو يزيد بالغلو والإطراء، فإذا بَعُدَ عنه فهو من أشد الناس معصية وجفاءً.\n_________\nقال شيخ الإسلام في المصدر السابق: وقال سعيد: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني –وهو في بيت فاطمة يتعشى- فقال: هلم إلى العشاء. فقلت: لا أريده، فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ، فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: \"لا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبائهم مساجد، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم\"، ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء.\nفهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث، لا سيما وقد احتج به من أرسله؛ وذلك يقتضي ثبوته عنده، هذا لو لم يكن روي مسندًا من وجوه غير هذا، فكيف وقد تقدم مسندًاَ.\n١ \"منه\" ليست في ط: آل ثاني.\n٢ في ط: آل ثاني \"وأعم\".","vol":"1","page":93},{"text":"وفيه حماية أصل الدين وقاعدنه بصرف الوجوه إلى الله، وإنابة القلوب إليه، واعتمادها عليه.\nورعاية هذا الأصل من أهم١ أصول الشريعة، ومداركِ الأحكام.\nوسؤال المخلوق وصرف الوجه إليه بالمسألة والطلب في الأمور الكلية يعود على هذا الأصل بالهدم والقلع.\nفمن عرف هذا حق المعرفة، ونظر في أدلته وأصوله: تبين له علم السلف، ودقة نظرهم، وحسن سياستهم للناس بما يصلح دينهم ودنياهم.\nوقد لعن رسول الله ﷺ اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد٢.\n_________\n١ سقطت \"أهم\" من \"أ\".\n٢ أخرجه الإمام أحمد ١/ ٢١٨-٦/ ٣٤-٢٢٨-٢٧٥، والبخاري في كتاب الصلاة من صحيحه ١/ ٥٣٢-وفي المغازي ٨/ ١٤٠-وفي الأنبياء ٦/ ٤٩٤-وفي اللباس ١٠/ ٢٧٧.\nومسلم في كتاب المساجد من صحيحه ١/ ٣٧٧ جميعهم من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة وابن عباس قالا ... الحديث.\nوأخرجه أحمد ٦/ ٢٧٤ عن عبيد الله عن عائشة ... به.\nوأخرجه الإمام أحمد أيضًا ٦/ ٨٠-١٢١-٢٥٥، والبخاري في كتاب الجنائز من صحيحه ٣/ ٢٠٠-٢٥٥ كلاهما عن عروة عن عائشة.\nوأخرجه الإمام أحمد ٦/ ١٤٦-٢٥٢ عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة ... به.","vol":"1","page":94},{"text":"وذكر أبو بكر الإمام الأثرم وغيره من أئمة الحنابلة: أن العلة في ذلك كون الصلاة ونحوها من العبادات عند القبور وسيلة وذريعة إلى تعظيم أربابها بما لم يشرع من الغلوِّ، والدعاء، وعبادتها مع الله.\nفكيف والحالة هذه يقال بجواز طلب الشفاعة من الرسول ﷺ أو أن ذلك مجمع عليه، كما زعمه المفتري، الجاهل بالله تعالى ومعرفة حقه، وحق رسله، فنعوذ بالله من الخذلان.\nوالعلمُ يَدْخُلُ كُلَّ قلبِ موفقٍ ... من غير بَوَّابٍ ولا استئذانِ\nويرده المحرومُ من خِذلانه ... لا تشقِنَا اللهمَّ بالخِذْلاَنِ","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الفصل الثامن</span>\n...\nفصل\nقال العراق: (والمقصود أن تكفير الناس بمجرد فهم واحد من كتاب الله لم يفهمه النبي ﷺ، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ . [فاطر:١٣] . وهذه الآية صحيحة، ولكن هذا الفهم باطل، لأن الدعاء المذكور هو١ السجود على أنها أرباب، وهي الأصنام، وهم كانوا يعبدونها على أنها أرباب لهم، وهي أخشاب وأحجار لا تملك شيئًا، فالذي يستدل بهذه الآية يقال له: أين مذكور تفسير هذه الآية أنَّ المراد بها الأنبياء والشهداء والأولياء الذين يناديهم المسلم نداء لا عبادة؟ فإن هذا لم يذكر قط في تفسير، ولا في حديث، ولا في أقوال السلف. نعم ذكر الشيخ تقي الدين وقال: إنه باب الزجر والتغليظ والإشارة، لا باب الحكم على المسلم بالردة، فله أكثر من مائة عبارة تنفي ذلك، والدعاء ليس في كل مكان يراد به العبادة، قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه*سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ . [العلق:١٧-١٨] . أيقال: إن الله تعالى عبد الزبانية لأنه دعاهم) انتهى كلامه.\nوإنما سقناه بحروفه ليعلم المؤمن قدر ما أنعم الله عليه به من\n_________\n١ في النسخ الخطية: \"و\".","vol":"1","page":96},{"text":"نعمة الإسلام، وما اختصه به من الكرامة ورفع المقام، وليعتبره بما يراه من حال هؤلاء الضالين، كيف تلاعب بهم الشيطان، وأوصلهم إلى غاية من الجهل والضلال، حجبهم بها عن معرفة الله، ودينه، وحقه على عبيده، وعن معرفة رسله، ومعرفة حقهم، وما يجب لهم، وما يستحيل، وأوهمهم مع ذلك أنهم من أهل العلم بشرعه ودينه في التحريم والتحليل، وهم كما ترى ليس معهم من الإسلام أصل ولا خبر، ولم يقعوا من ذلك على عين ولا أثر.\nفإن حاصل ما قرره هنا: أن الله تعالى لم يحرم عبادة الأنبياء والملائكة والصالحين، ودعاءهم١، وإنما حَرَّم اعتقاد الاستقلال من دونه، واعتقاد الربوبية فيها. وأن العبادة هي السجود فقط، مع اعتقاد أنها أرباب –وهي الأصنام والأخشاب والأحجار- لا تملك شيئًا. وأن النداء يجوز لأنه ليس بعبادة، وأنه٢ لم يذكر قط كون النداء عبادة، وما ذكره الشيخ تقي الدين من باب الزجر والإشارة، وله أكثر من مائة عبارة تنفي كون نداء الأنبياء والصالحين عبادة. ومن فهم من كلام الله تحريم دعاء الصالحين فهو مخطئ ضال، منفرد بهذا الفهم.\nهذا حاصل كلامه، فيا ويحه ما أكبر زلته، وما أغلظ كفره، وما أشدَّ عداوته لما جاءت به الرسل [وما أكثف حجابه عن معرفة ما أرسلت به الرسل] ٣ واتفقت عليه دعوتهم، وهذا النوع من\n_________\n١ في النسخ الخطية: \"دعائهم\".\n٢ تفي ط: آل ثاني: \"وإن\".\n٣ ما بين المعقوفتين ليس في ط: آل ثاني.","vol":"1","page":97},{"text":"الناس١ هم أعوان إبليس وأنصاره في زمان ومكان، ظهروا للناس في ثياب القراء والعلماء، وهم من أجهل من تحت أديم السماء.\nيا فرقةً ما خان دينَ محمدٍ ... وجنى عليه ومله إلا هي\nوفي هذا من الكذب على الله، والكذب على رسوله، وعلى أولي العلم من ورثته، والقول عليه بغير علم، وتحريف الكلم عن مواضعه، والكذب على اللغة والشرع ما يعزُّ استيفاء الكلام عليه واستقصاؤه.\nفقوله: (إن النبي ﷺ لم يفهم من هذه الآية ونحوها تكفير من دعا الأنبياء والصالحين) كذب على الرسول، ونسبة ما لا يليق بآحاد المؤمنين إليه.\nوهل وقعت الخصومة، وجرد السيف، ودعي من دعي٢ من أهل الكتاب إلى المباهلة، وأمر بقتالهم حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية، إلا لأجل عبادة الأنبياء والصالحين، ودعائهم. وهل صُوِّرَتِ الأصنام وعبدت إلا باعتبار من هي على صورته وتمثاله من الأنبياء والملائكة والصالحين؟\n_________\n١ \"من الناس\" ليست في ط: آل ثاني.\n٢ في ط: آل ثاني \"ودعا من دعا\".","vol":"1","page":98},{"text":"والآيات التي يعبَّر فيها بالموصول وصلته كقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ . [فاطر:١٣] ونحوها من الآيات، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ﴾ . [يونس:١٠٦] . ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾ . [الإسراء:٥٦] .\nفهذه الموصولات في كلام الله وكلام رسوله واقعة على كل مدعوّ ومعبود نبيًا كان أو ملكًا أو صالحًاَ، إنسيًا أو جنيًا، حجرًا أو شجرًا، متناولة لذلك بأصل الوضع.\nفإن الصلة كاشفة ومبنية للمراد، وهي واقعة على كل مدعوٍّ من غير تخصيص، وهي أبلغ وأدل وأشمل من الأعلام الشخصية والجنسية، وهذا هو الوجه في إيثارها على الأعلام، وشرط الصلة أن تكون معهودة عند المخاطب. تقول: جاء الذي قام أبوه، لمن يعهد قيام الأب، ويجهل النسبة بينه وبين من جاء.\nوالمعهود عند كل من يعقل من أصناف بني آدم أن الأنبياء والملائكة والصالحين قد عُبِدوا مع الله، وقصدهم المشركون بالدعاء في حاجاتهم وملماتهم، كما جرى لليهود والنصارى في عبادة الأنبياء والأحبار والرهبان، وكما جرى لقوم نوح في ودٍّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر١، وكما جرى للعرب في عبادة الملائكة، واللات، وهو رجل صالح كان يلت السويق للحاج.\n_________\n١ في النسخ الخطية: \"نسرا\".","vol":"1","page":99},{"text":"وهذا أوضح من أن يحتاج لتقرير، وأظهر من أن يتوقف على كشف وتفسير. فإن العربي سليم الذوق والفطرة يعرفه١ بعربيته وفطرته، وجميع المفسرين يقررون هذا بضروب من العبارات والتقريرات، ويفهمها الذكي، ومَنْ خَصَّ الأصنام في بعض المواضع فهو لا يمنع أنها عبدت باعتبار من هي على صورته.\nوقد ذكر هذا ابن كثير في \"تفسيره\" وذكره غيره من أهل العلم. وقد كذب هذا عليهم، نسبهم إلى الجهل، كما كذب على الله ورسوله، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ . [الزمر:٦٠] .\nوأيضًا فقد٢ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ . [الأنبياء:٢٥] .\nفإن نازع هذا في عموم النفي فهو على مذهب من قال: (أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب) . وإن سلم العموم، وزعم أن دعاء الصالحين ونداءهم٣ ليس بعبادة ولا دعاء فقد خرج عن المعقول والمنقول، وأتى بجهالة حمقى، خرج بها عَمَّا قاله جميع أئمة العلم والهدى.\n_________\n١ في: \"ب\" و\"جـ\" وط: آل ثاني: (يعرف) .\n٢ في \"أ\": \"قد\".\n٣ في النسخ الخطية: \"دعائهم\".","vol":"1","page":100},{"text":"وقوله تعالى عن نبيه يوسف: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ . [يوسف:٣٩] هي من هذا الباب، فإن تفرق الآلهة والأرباب يصدق بعبادة الأنبياء والصالحين.\nومن نازع في هذا فليس من جملة العقلاء١ ولا ممن يعرف الضروريات التي يعرفها الحمقى.\nهذا لو لم يرد في عبادة الأنبياء والصالحين الملائكة نصوص خاصة، فكيف٢ وقد جاء في ذلك ما فيه الهدى والشفاء.\nقال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . [آل عمران:٨٠] . والأرباب هنا هم الآلهة المعبودة٣، فإن الرب وضع للمعبود كما وضع للمالك والمربي والخالق، وليس هذا من المشترك، ولا من المتواطئ، بل هو من استعمال اللفظ في حقيقته اللغوية، والشرعية.\nوبهذا يتبين لك خطأ العراقي في قوله: (على أنها أرباب) فإنه يريد بهذا القيد أنها لا تكون عبادة إلا مع اعتقاد التدبير والتأثير لها، كما تقدم عنه صريحًا.\nوقال تعالى فيمن عبد الصالحين بطاعتهم من دون الله، وغلا في الأنبياء: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ . الآية\n_________\n١ في النسخ الخطية: \"بل ولاممن..\".\n٢ سقطت من ط: آل ثاني: \"فكيف\".\n٣ في النسخ الخطية: \"المعبودون\".","vol":"1","page":101},{"text":"[التوبة:٣١] . فسرها النبي ﷺ لعدي بن حاتم بطاعتهم في التحليل والتحريم المخالف لأحكام الله تعالى١.\n_________\n١ أخرجه الترمذي في سننه –كتاب التفسير- ٥/ ٢٧٨، وابن جرير الطبري في تفسيره ١٠/ ١١٤، والطبراني في الكبير ١٧/ ٩٢، والبيهقي في سننه –كتاب آداب القاضي- ١٠/ ١١٦ كلهم من طريق عبد السلام بن حرب عن غطيف بن أعين عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب فقال: \"يا عدي اطرح عنك هذا الوثن\" وسمعته يقرأ في سورة براءة ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ . قال: \"أما، إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه\". هذا لفظ الترمذي. وهذا إسناد ضعيف علته غطيف بن أعين وقيل غضيب، ضعفه الدراقطني وغيره –وبه أعل الترمذي هذا الحديث فقال عقبه: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث\" اهـ. وعبد السلام بن حرب ثقة إمام حافظ إلا أن له مناكير.\nوالحديث عزاه السيوطي في الدرّ المنثور ٤/ ١٧٤ لابن سعد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه. وعزاه ابن كثير في تفسيره ٢/ ٣٤٨ للإمام أحمد، ولم أجده في مسند عدي والله أعلم.\nوللحديث شاهد من حديث حذيفة موقوفًا أخرجه –كما في الدر المنثور ٤/ ١٧٤- عبد الرزاق، والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في سننه كلهم من طريق أبي البَخْتَري سعيد بن فيروز قال: سأل رجل حذيفة –﵁- فقال: أرأيت قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ . الآية. أكانوا يعبدونهم؟ قال: لا، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه.\nوأخرجه من هذا الطريق ابن جرير في تفسيره ١٠/ ١١٤-١١٥ وإسناده ضعيف للانقطاع بين أبي البختري وحذيفة. فإن أبا البختري لم يسمع من حذيفة، إنما أرسل عنه، كما في تهذيب الكمال للمزي، وجامع التحصيل.","vol":"1","page":102},{"text":"وقال تعالى فيمن عبد الصالحين: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ . [الإسراء:٥٦] . وهذه فيمن عبد الصالحين من الجن والإنس والملائكة كما فسرها بذلك غير واحد من السلف، ويدل عليه قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ . [الإسراء:٥٧] . وقد وصفهم بأنهم لا يملكون كشف الضر ولا تحويله من حال إلى حال وإن قَلَّ، كما تفيده١ النكرة في سياق النفي، فبطل دعاؤهم بما لا يقدر عليه إلا الله.\nوقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ . [سبأ:٢٢] . نفى أن يكون لهؤلاء المدعوين مُلْكٌ في السموات والأرض ولو قَلَّ كمثقال ذرة، وهذا هو الذي يعبر عنه بالاستقلال.\nونفى أن يكون لهم فيهما شرك ولو قَلَّ، كما يفيده قوله: (من شرك) ٢، فإنه يفيد استغراق النفي.\n_________\nثم عزا السيوطي في \"الدر\" أثر حذيفة هذا إلى أبي الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان –والذي يظهر من صنيع السيوطي أنه من طريق آخر غير طريق أبي البختري فلينظر.\nوقد حسن شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية هذا الحديث كما في كتابه \"الإيمان\" ص٦٤ وعلى معنى هذا الحديث جمهور المفسرين. والله أعلم.\n١ في ط: آل ثاني: \"يفيده\".\n٢ ليس في النسخ الخطية \"شرك\".","vol":"1","page":103},{"text":"ونفى أن يكون له منهم من١ ظهير يعاونه ويؤازره، وإذا بطل الملك والشركة والمعاونة لم يبقَ سوى الشفاعة، فنفاها بقوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ . [سبأ:٢٣] . فإن هذا يفيد إبطال الشفاعة التي ظنها المشرك ودعا غير الله لأجلها، وقد دل القرآن على نفيها في مواضع.\nوالشفاعة المثبتة التي دلَّ عليها الاستثناء، وجاءت بها الأحاديث النبوية، نوع آخر غير ما ظنه المشركون.\nوحقيقتها: أن الله تعالى إذا أراد رحمة عبده ونجاته أذن لمن شاء في الشفاعة رحمة للمشفوع فيه، وكرامة للشافع.\nوقُيِّدت الشفاعة المثبتة بقيود منها: إذنه تعالى للشافع. ونكتة هذا القيد وسره: صرف الوجوه إلى الله، وإسلامها له، وعدم التعلق على غيره لأجل الشفاعة، ولذلك يساق هذا بعد ذكر التوحيد، وما يدل على وجوب عبادة الله وحده.\nوهذا الموضع لم يفهمه كثير٢ من الناس، ظنوا أن الاستثناء يفيد إثبات الشفاعة مطلقًا وطلَبَها من غير الله، فعادوا إلى ما ظنه المشركون وقصدوه، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ . [يونس:١٨] .\nومنها: أنه لا يشفع أحد إلا فيمن رضي الله قوله وعمله. قال تعالى:\n_________\n١ سقطت: \"من\" من \"أ\".\n٢ إلى هنا انتهت نسخة \"ب\" المصورة من جامعة الملك سعود.","vol":"1","page":104},{"text":"﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ . [النجم: ٢٦] . وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ . [الأنبياء:٢٨] . ومن الآيات الخاصة بمن يدعو الملائكة وأمثالهم قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ . الآية [سبأ:٤٠] .\nوقال تعالى في شأن المسيح: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ*مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ*إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . [المائدة: ١١٦، ١١٧، ١١٨] ١. فتأمل ما فيها من العلوم، إن كنت من ذوي الألباب والفهوم.\nمنها: أن اتخاذ الأنبياء والصالحين آلهة شرك ينبغي تنزيه الرب تعالى عنه.\nوفيها براءة أولياء الله ممن أشرك بهم.\nوفيها: أن الرسل ما أمرت الخلق إلا بما أرسلوا به من عبادة الله وحده.\n_________\n١ في \"أ\" وط: آل ثاني لم تذكر الآيات، وإنما فيها مبدأ الآية الأولى، إلى قوله: ﴿إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ .","vol":"1","page":105},{"text":"وفيها: برهان ما جاءت به الرسل من الأمر بالعبادة. وأن الرب الذي عمت ربوبيته جميع خلقه هو المستحق أن يعبد. وأن العبد المربوب ولو علت درجته كعيسى وغيره من الرسل أو الملائكة لا يكون شريكًا لربه ومالكه ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ . الآية [الروم:٢٨] .\nوالقرآن كله يدل على هذا، ولكن من عادة القرآن مراعاة١ ما تقتضيه الحال، فيطنب في محل الإطناب، ويوجز في محل الإيجاز، والبلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال.\nفظهر أن آية سورة فاطر التي أوردها دالة على ما دل عليه سائر الآيات، وأن فيها من العموم المستفاد من الصلة ما لا يتأتى معه التخصيص، وأن ما تقدم من الآيات دال على ذلك يعضد مفهوم من أوردها في المنع من دعاء الصالحين.\n_________\n١ في \"أ\" و\"جـ\": \"مراعات\".","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الفصل التاسع</span>\n...\nفصل\nوقول العراقي: (هذه الآية صحيحة لكن الفهم باطل) مما يدل على جهله المركب، وكثافة فهمه، فإن القرآن أغنى وأعلى وأجل وأعظم من أن يعبر عنه بهذه العبارة، أو يقسم إلى صحيح وغيره.\nوإنما تستعمل هذه العبارة فيما يقبل القسمة من الأحاديث، لأنها تنقسم إلى صحيح، وحسن، وضعيف، وموضوع١. ولا يُصَحِّح٢ إلا من يضعف، ولا يحسّن إلا من يقبح.\nوقد أنكر أبو حنيفة على رجل صار يحسن ما يسمع منه من الروايات، وزجره عن ذلك، وقال: \"إنما يحسن من يقبح\".\nهذا في السنة ونحوها، فكيف بالقرآن الذي هو كله حق وهدى، تنزيل من حكيم حميد.\nوقوله: (إن الدعاء هو السجود في هذه الآية، وأن نداء الصالحين ليس بعبادة) إلى آخر عبارته.\n_________\n١ قال النووي في \"تقريبه\": \"الحديث: صحيح، وحسن، وضعيف\".\nقال السيوطي في شرح كلام النووي هذا: وإنما لم يذكر الموضوع لأنه ليس في الحقيقة بحديث اصطلاحًا، بل يزعم واضعه. اهـ من \"تدريب الراوي\" ١/ ٦٢.\n٢ في \"أ\": \" ... وموضوع، أما القرآن فكله حق وهدى، تنزيل من حكيم حميد\" فعلى هذا يكون قد سقط من هذه النسخة أربعة أسطر.","vol":"1","page":107},{"text":"فهذا الكلام نشأ عن جهله باللغة والشرع، وما جاءت به الأنبياء، فإن العبادة تتضمن غاية الخضوع والذل، ومنه طريق مُعَبَّد: إذا كان مذللًا قد وطئته الأقدام، هذا أصلها في اللغة.\nوأما في الشرع فهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. قاله شيخ الإسلام.\nوقال بعضهم: هي ما أمر به شرعًا، من غير اقتضاء عقلي، ولا اطراد عرفي.\nوقال بعضهم: هي فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله، ابتغاء وجه الله والدار الآخرة.\nفدخل في هذه التعاريف والحدود جميع أنواع العبادات، فلا يقصد بها غير الله، ولا تصرف لسواه.\nوهذا الغبي لم يعرف من أفرادها غير السجود.\nودعاءُ المسألة من أفضل أنواعها، وأجلها، كما في حديث النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قال: \"الدعاء هو العبادة\" ١.\n_________\n١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤/ ٢٦٧-٢٧١-٢٧٦-٢٧٧، وأبو داود في سننه –كتاب الصلاة- ٢/ ١٦١، والترمذي في سننه –كتاب التفسير- ٥/ ٢١١، وفي –كتاب الدعاء- ٥/ ٤٥٦، وابن ماجه في سننه –كتاب الدعاء- ٢/ ١٢٥٨، وابن المبارك في الزهد ص ٤٥٩، والطيالسي في مسنده ص١٠٨، وابن أبي شيبة في المصنف ١٠/ ٢٠٠، والبخاري في الأدب المفرد ٢/ ١٧٨، وابن جرير الطبري في تفسيره ٢٤/ ٧٨-٧٩، وابن حبان في صحيحه –الموارد- (ص٥٩٥) والطبراني في الصغير (٢/٩٧) والحاكم في مستدركه (١/ ٤٩٠-٤٩١)، والبغوي في شرح السنة ٥/ ١٨٤، وفي تفسيره","vol":"1","page":108},{"text":"والحصر يقتضي الاختصاص الادعائي، والتمييز على سائر العبادات. قال بعض الشراح: هو كقوله: \"الحج عرفة\" ١. أي ركن العبادة الأعظم هو الدعاء.\n_________\n-حاشية ابن كثير- ٧/ ٣٠٩، والقضاعي في مسند الشهاب ١/ ٥١، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ١٢٠ جميعهم من طريق يُسَيْع بن معدان عن النعمان بن بشير مرفوعًا ... به وسنده صحيح.\nوصححه الحاكم وأقره الذهبي، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه النووي، كما في الأذكار، وقال الحافظ في الفتح: إسناده جيد. ١/ ٤٩. وحسنه السخاوي –كما في شرح الأذكار- لابن علاّن ٧/ ١٩١.\nوالحديث عزاه السيوطي في الدر المنثور ٧/ ٣٠١ لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية ٨/ ١٢٠، والبيهقي في شعب الإيمان كلهم عن النعمان بن بشير ... به.\nوأخرجه الخطيب في تاريخه ١٢/ ٢٧٩، وابن مردويه –كما في الدر- ٧/ ٣٠١ وأبو يعلى –كما في شرح الأذكار-٧/ ١٩١ عن البراء بن عازب ﵁.\n١ أخرجه أبو داود في كتاب الحج من \"سننه\" باب من لم يدرك عرفة ٢/ ٤٨٥، والترمذي في \"سننه\" كتاب الحج، باب من أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج ٢/ ١٨٨ ط السلفية بالمدينة المنورة، والنسائي في باب من لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة ٥/ ٢٦٤ من سننه، وابن ماجه في \"سننه\" كتاب المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع ٢/ ١٠٠٣ جميعهم عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يَعْمر: \"أن ناسًا من أهل نجد أتوا رسول الله ﷺ وهو بعرفة، فسألوه، فأمر مناديًا فنادى: \"الحج عرفة ... \" الحديث.\nقال الترمذي: قال ابن أبي عمر: قال سفيان بن عيينة: \"وهذا أجود حديث رواه سفيان الثوري\". اهـ.\nوقال ابن ماجه: قال محمد بن يحيى: \"ما أرى للثوري حديثًا أشرف منه\".\nوقال الحاكم في المستدرك ١/ ٤٦٤، ٢/ ٢٧٨: صحيح الإسناد وأقره الذهبي في التلخيص.","vol":"1","page":109},{"text":"وفي حديث أنس: \"الدعاء مخ العبادة\" ١. ومخ الشيء خالصه ولُبُّه.\nوكذلك قوله ﷺ: \"الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين\"٢. والعماد والعمود: ما يقوم به الشيء ويعتمد عليه، جعله عمادًا٣ لأنه لا يقوم إلا به. وأنت ترى كل العبادات الباطنة والظاهرة دالة على الطلب والمسألة على اختلاف المطلوب والمسؤول.\nوكان هذا هو الوجه في التعبير بالدعاء دون العبادة في أكثر موارد القرآن والسنة.\nويشهد لهذا قوله ﷺ: \"أفضل الدعاء يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل\n_________\n١ أخرجه الترمذي في سننه –كتاب الدعاء- ٥/ ٤٥٦ وقال: حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. اهـ.\n٢ أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٤٩٢ من جهة محمد بن الحسن بن الزبير الهمداني ثنا جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره. قال الحاكم: هذا حديث صحيح، فإن محمد بن الحسن هذا هو التَّل، وهو صدوق في الكوفيين. اهـ. وأقره الذهبي في التلخيص.\nوذكر الذهبي الحديث في \"الميزان\" في ترجمة التَّل مثالًا على مناكيره وقال: \"فيه انقطاع\" ثم ذكر الحديث في ترجمة \"محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني\" وقال: \"وفيه انقطاع\" وعليه فليحرر من محمد بن الحسن في هذا السند.\nوالحديث أخرجه أبو يعلى في مسنده ١/ ٣٤٤ حدثنا الحسن بن حماد الكوفي حدثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني عن جعفر بن محمد ... .\nقال الهيثمي في \"المجمع\" ١٠/ ١٤٧: رواه أبو يعلى وفيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد وهو متروك اهـ.\n٣ في ط: آل ثاني: \"عماد\".","vol":"1","page":110},{"text":"شيء قدير١. وقد سئل ابن عيينة عن معناه، فأنشد قول أمية في عبد الله بن جدعان:\nأأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إنَّ شيمتَك الحياءُ\nقال في \"القاموس\": الدعاء هو الرغبة إلى الله. انتهى.\nوقال الحسين بن محمد النعمي: الدعاء في الأصل موضوع لأن يكون من فقير عاجز خاضع، لغني قادر عزيز قاهر. انتهى.\nوالدعاء يَرِدُ في الكتاب والسنة بمعنى الطلب والمسألة بامتثال الأمر واجتناب النهي، ويرد بمعنى المسألة والطلب بالصيغة القولية.\nوقد فسر قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ . الآية [غافر:٦٠] بدعاء العبادة، وبدعاء المسألة، والقولان معروفان، والآية تشمل النوعين. قاله شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وذكر أنهما متلازمان، فكل عابد سائل، وكل سائل عابد.\nوقال ﵀: والدعاء والدعوة في القرآن يتناول معنيين: دعاء العبادة، ودعاء المسألة –وساق جملة من الآيات- ثم قال: ولفظ الصلاة في اللغة بمعنى الدعاء، وسميت به لتضمنها معنى الدعاء دعاءِ العبادة والمسألة. ثم قال: فأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه،\n_________\n١ أخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" في ترجمة فرج بن فضالة الحمصي، من طريقه عن يحيى بن سعيد، عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"دعائي ودعاء الأنبياء قبلي عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير\". قال العقيلي: لا يتابع عليه. اهـ ج ٣/ ٤٦٢.\nوقال الحافظ ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" ج٢/ ٢٧٢: وفي إسناده فرج بن فضالة وهو ضعيف جدًا. قال البخاري: منكر الحديث. اهـ.","vol":"1","page":111},{"text":"ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر، وإن لم يكن في ذلك صيغة سؤال، وسمي الذكر دعاء لما فيه من التعريض بالمسألة.\nقال: وهذه الصيغة صيغة الطلب والاستدعاء إذا كانت مما لا١ يحتاج إليه الطالب، أو ممن يقدر على قهر المطلوب منه ونحو ذلك، فإنها تقال على وجه الأمر، إما لما في ذلك من حاجة الطالب، وإما لما فيه من نفع المطلوب منه. وأما إذا كانت من الفقير من كل وجه، للغني من كل وجه، فإنها سؤال محض بتذلل وافتقار. انتهى.\nقلت: وقد نص على ما ذكره الشيخ من الفرق علماء المعاني صاحب \"المفتاح\" وغيره. وفرقوا في الصيغة الواحدة نظرًا للمخاطب والمخاطِب –بكسر الطاء- فقالوا: هي من الأعلى أمر، ومن المساوي التماس، ومن دونه مسألة وطلب.\nوقد فسر قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ . [الأعراف:٥٥] بدعاء المسألة، قاله العلامة ابن القيم، وقرر٢ أنه في هذه الآية أظهر. وذكر أن استعمال الدعاء في العبادة والمسألة من استعمال اللفظ في حقيقته الواحدة، ليس من المشترك، ولا المتواطئ، ولا المجاز.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ . [الإسراء:٦٧] ظاهر في دعاء المسألة لمناسبة الحال والواقع.\nو٣في حديث عكرمة بن أبي جهل لما فرَّ يوم الفتح إلى السِّيْف، وركب البحر، جاءتهم ريح عاصف، وظنوا الهلكة، أخلصوا الدعاء لله،\n_________\n١ في \"أ\": \"مما يحتاج\".\n٢ في ط: آل ثاني: \"وقوله\".\n٣ سقطت \"و\" من: \"جـ\" وط: آل ثاني.","vol":"1","page":112},{"text":"وصاروا يتواصون بذلك، ويقول بعضهم لبعض لا ينجي في مثل هذا إلا الله. فقال عكرمة: إن كان لا ينجي في الشدة إلا هوتعالى، فكذلك لا ينجي في الرخاء إلا هو. وقال: لئن أنجاني الله لأرجعن إلى محمد، ولأضعن يدي في يده، فكان ذلك، وأسلم وحسن إسلامه –﵀- والقصة معروفة عند أهل العلم١.\nوفي الحديث: \"دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه\"٢ سماها دعوة، وهي سؤال وطلب، وتوسل بالتوحيد.\n_________\n١ قال الحافظ ابن حجر في \"الإصابة\": وقد أخرج قصة مجيئه –أي عكرمة- موصولة: الدارقطني (انظر السنن ٣/ ٥٩ كتاب البيوع، و٤/ ١٦٧ في كتاب النذور) والحاكم (انظر المستدرك ٢/ ٥٤ كتاب البيوع) وابن مردويه، من طريق أسباط بن نصر عن السدي، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: \"لما كان يوم فتح مكة آمن رسول الله ﷺ الناسَ إلا أربعة نفر ... \" انتهي. وقد أخرجه البيهقي في \"سننه\" كتاب الجزية، ٩/ ٢١٢، وكتاب المرتد ٨/ ٢٠٢، ٢٠٥.\nوأخرجه أيضًا في \"دلائل النبوة\" ج٥/ ٥٩، وانظر \"الدلائل\" أيضًا جـ ٥/ ٩٨ وقد نقله عنه ابن كثير في \"السيرة النبوية\" –المأخوذة من البداية والنهاية- ٣/ ٥٦٥.\n٢ أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ١/ ١٧٠، والترمذي في \"الجامع\" ٥/ ٥٢٩، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" ص٤١٦، وأبو يعلى في \"مسنده\" ٢/ ١١٠-١١١، والبزار –كما في كشف الأستار- ٤/ ٤٣، وأبو عبد الله الحاكم في \"المستدرك\" ١/ ٥٠٥، و٢/ ٣٨٢-٣٨٣-٥٨٣، والبيهقي في \"الجامع لشعب الإيمان\" ٢/ ٥٢١، والطبراني في \"الدعاء\" ٢/ ٨٣٨ جميعهم من طريق يونس بن أبي إسحاق حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد حدثني والدي محمد عن أبيه سعد قال: قال رسول الله ﷺ: \"دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت، سبحانك، إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدعُ بها مسلمٌ ربَّه في شيء قط إلا استجاب له\". هذا لفظ أحمد، وألفاظهم متقاربة. وقد ساق قبله الإمام أحمد وأبو يعلى قصة.\nوفي لفظ الحاكم ١/ ٥٠٥ من هذا الطريق: \"ألا أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم","vol":"1","page":113},{"text":"والعراقي يقول: (لا تسمى دعاء وإنما هي نداء) وهذا رد على رسول الله، وتكذيب بآيات الله، وقول على الله بغير علم.\nوفي السنن من حديث حصين بن عبد الرحمن الخزاعي أن النبي ﷺ قال له حين أسلم: \"كم كنت تعبد؟ قال: سبعة، واحد في السماء، وستة في الأرض، قال: \"فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ \" قال: الذي في السماء\"١.\nومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ . [الأنعام:٤٠] الآية. وهذا الدعاء ظاهر في دعاء المسألة حال الشدة والضرورة.\n_________\n١ أخرجه الترمذي في \"سننه\" كتاب الدعوات، ٥/ ٥١٩ من طريق أبي معاوية عن شبيب بن شيبة عن الحسن البصري عن عمران بن حصين ... الحديث.\nوقال عقبه: هذا حديث غريب.\nوقد روى هذا الحديث عن عمران بن حصين من غير هذا الوجه. اهـ.\nوأخرجه البخاري في التاريخ الكبير من هذا الطريق أيضًا، واختصر المتن ٣/ ٣.\nوأخرجه أحمد في \"المسند\" ٤/ ٤٤٤ من طريق منصور عن ربعي بن حراش عن عمران بن حصين أو غيره ... الحديث، وليس فيه سؤال النبي ﷺ، وفيه زيادة في الدعاء الذي قاله النبي ﷺ له.\nوأخرجه الحاكم من هذا الطريق أيضًا، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي. (المستدرك ١/ ٥١٠) .\nتنبيه: في الطبعة الأولى من هذا الكتاب –بتعليقي- حاشية على هذا الحديث فيها: (أخرجه الإمام أحمد ١/ ١٧٠) وهذا خطأ وذلك لأن هذا العزو لأحمد برقم هذه الصفحة وهذا الجزء إنما هو لحديث سعد بن أبي وقاص الذي تقدم تخريجه قبل هذا الحديث ص١١٣، فدمجه الطابع –هداه الله- مع تخريج هذا الحديث، مع أني قد رقمته بيدي في تخريج الحديث السابق، فلينتبه.","vol":"1","page":115},{"text":"وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . [العنكبوت:٦٥] .\nوما زال أهل العلم يستدلون بالآيات التي فيها الأمر بدعاء الله، والنهي عن دعاء غيره، على المنع من مسألة المخلوق ودعائه، بما لا يقدر عليه إلا الله، وكتبهم مشحونة بذلك، لا سيما شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم، اللذين١ يزعم هذا العراقي أنه على طريقتهما.\nأيها المدَّعِي سُلَيْمى سفاهًا٢ ... لستَ منها ولا قلامةَ ظُفْرِ\nإنما أنتَ من سُلَيْمى٣ كواوٍ ... ألحقت في الهجاء ظلمًا بعَمْرِو\nيوضح هذا أن ما لا يقدر عليه إلا الله٤ من الأمور العامة الكلية لهداية القلوب، ومغفرة الذنوب، والنصر على الأعداء، وطلب الرزق من غير جهة معينة، والفوز بالجنة، والإنقاذ من النار، ونحو ذلك غاية في القصد والإرادة، فسؤاله وطلبه غاية في السؤال والطلب، وفي ذلك من الذل وإظهار الفاقة والعبودية، ما لا ينبغي أن يكون لمخلوق، أو يقصد به غير الله. وهذا أحد الوجوه في الفرق بين دعاء المخلوق فيما يقدر عليه من الأسباب العادية الجزئية، وبين ما تقدم، مع أن سؤال المخلوق قد يحرم مطلقًا.\n_________\n١ في ط: آل ثاني: \"الذين\".\n٢ في \"أ\" و\"جـ\": (وصل ليلى) .\n٣ في \"أ\" و\"جـ\": (ليلى) .\n٤ سقطت: \"إلا الله\" من ط: آل ثاني.","vol":"1","page":116},{"text":"ومسألة المخلوق في الأصل محرمة، وإنما أبيحت للضرورة. قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ*وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ . [الشرح:٧-٨] .\nوثبت عنه ﷺ أنه بايع نفرًا من أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئًا. فكان أحدهم يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولنيه١.\nوقد اشتهر عنه ﷺ أنه منع من تعليق الأوتار والتمائم، وأمر بقطعها، وبعث رسوله بذلك٢، كما في السنن وغيرها. وقال: \"من\n_________\n١ أخرج الإمام مسلم في \"صحيحه\" كتاب الزكاة ٢/ ٧٢١ عن عوف بن مالك الأشجعي قال: \"كنا عند رسول الله ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة. فقال: \"ألا تبايعون رسول الله؟ \" وكنا حديث عهد ببيعة، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله. ثم قال: \"ألا تبايعون رسول الله؟ \" فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله. ثم قال: \"ألا تبايعون رسول الله؟ \" فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلامَ نبايعك؟ قال: \"على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس، وتطيعوا –وأسرّ كلمة خفيفة- ولا تسألوا الناس شيئًا\" فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحدًا يناوله إياه\".\n٢ أخرج البخاري في صحيحه –كتاب الجهاد- باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل، ٦/ ١٤١، ومسلم في صحيحه –كتاب اللباس والزينة- ٣/ ١٦٧٢-١٦٧٣، كلاهما من طريق عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم أن أبا بشير الأنصاري أخبره أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره –قال عبد الله: حسبت أنه قال: والناس في مبيتهم –فأرسل رسول الله ﷺ رسولًا: \"لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت\".\nقال الإمام مسلم بعد إخراجه: قال مالك: أرى ذلك من العين. اهـ.","vol":"1","page":117},{"text":"تعلق شيئًا وكل إليه\"١.\n_________\n١ أخرجه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٤/ ٣١٠-٣١١، والترمذي في \"جامعه\" كتاب الطب –باب ما جاء في كراهية التعليق- كلاهما من جهة محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عيسى أخيه، قال: دخلتُ على عبد الله بن عُكيم أبي معبد الجهني أعوده، وبه حمرة، فقلنا: ألا تعلق شيئًاَ؟ قال: الموت أقرب من ذلك. قال النبي ﷺ: \"من تعلق شيئًا وكل إليه\". هذا سياق الترمذي، وقال عقب إخراجه: حديث عبد الله بن عكيم إنما نعرفه من حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن عكيم لم يسمع من النبي ﷺ، وكان في زمن النبي ﷺ يقول: كتب إلينا رسولُ الله ﷺ. اهـ.\nونسبه المنذري في \"الترغيب والترهيب\" ٥/ ٢٦٨، والتبريزي في \"مشكاة المصابيح\" ٢/ ١٢٨٥، وابن الأثير في \"جامع الأصول\" ٧/ ٥٧٥، والشيخ سليمان بن عبد الله في \"تيسير العزيز الحميد\" ص ١٦٨: إلى أبي داود. وقد نفى المعلق على \"جامع الأصول\" وجود الحديث في أبي داود.\nومما يؤيد ذلك أن المزي –رحمه الله تعالى- لم ينسبه إلى أبي داود في \"التحفة\" ٥/ ٣١٧، وقال الحافظ ابن مفلح في \"الآداب\" ٣/ ٧٧: وقال بعضهم: رواه أبو داود. اهـ.\nووقع عند من نسبه إلى أبي داود: \"عن عيسى بن حمزة قال: دخلت على عبد الله ... \". والصواب: عيسى بن عبد الرحمن.\nوالحديث أخرجه –من طريق ابن أبي ليلى ... به- غير من تقدم: ابن أبي شيبة في \"المصنف\" كتاب الطب ٨/ ١٣، والحاكم في \"المستدرك\" كتاب الطب ٤/ ٢١٦، والبيهقي في \"سننه\" كتاب الضحايا –باب التمائم ٩/ ٣٥١، والطبراني في \"المعجم الكبير\" ٢٢/ ٣٨٥ في ترجمة أبي معبد الجهني، وقال الطبراني: وقد قيل إنه عبد الله بن عكيم اهـ. قلت: بذا جزم الحاكم وغيره.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\": رواه الطبراني في ترجمة أبي معبد الجهني، في الكنى، قال: وقد قيل: إنه عبد الله بن عكيم. قلت: فإن كان هو فقد ثبتت صحبته بقوله:","vol":"1","page":118},{"text":"_________\nسمعت. وفي إسناده محمد بن أبي ليلى وهي سيئ الحفظ. انتهى كلام الهيثمي.\nقال كاتبه: لا يثبت سماعه من النبي ﷺ بمثل هذا السند الذي فيه ابن أبي ليلى، والذي عليه الأئمة أبو حاتم، والبخاري، وأبو نعيم، وأبو زرعة، وابن حبان وغيرهم: أنه لم يسمع من النبي ﷺ شيئًا.\nوللحديث شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه النسائي في \"سننه\" كتاب تحريم الدم، باب الحكم في السحرة، من طريق عباد بن ميسرة المنقري عن الحسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من عقد عقدةً ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه\".\nقال الحافظ المنذري في \"الترغيب والترهيب\" ٤/ ٣٢:\nرواه النسائي من رواية الحسن عن أبي هريرة، ولم يسمع منه عند الجمهور. اهـ.\nوقال العلامة الحافظ ابن مفلح –رحمه الله تعالى- في \"الآداب\" ٣/ ٧٨ بعد أن نقل عن الذهبي قوله في \"الميزان٢/ ٣٧٨\": لا يصح –أي هذا الحديث- للين عبّاد، ولانقطاعه. قال ابن مفلح: كذا قال، ويتوجه أنه حديث حديث حسن. اهـ. قلت: أي بشواهده.\nومن شواهد الحديث: ما أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" ١١/ ٢٠٩: أخبرنا معمر عن أبان عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: \"من علق علقة وكل إليها\".\nوأخرجه البيهقي في \"سننه\" ٩/ ٣٥١ من طريق جرير بن حازم قال: سمعت الحسن البصري قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره.\nومن شواهده أيضًا ما أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٨/ ١٧: حدثنا وكيع عن شعبة عن قتادة عن واقع بن سحبان قال: قال عبد الله: \"من تعلق شيئًا وكل إليه\".\nوأخرجه البيهقي في \"السنن\" ٩/ ٣٥١ من جهة شعبة عن قتادة عن واقع بن سحبان عن أسير بن جابر قال: قال عبد الله ... فذكره.\nوواقع بن سحبان هو أبو عقيل البصري، ذكره البخاري في \"التاريخ الكبير\" ٨/ ١٨٩ وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" ٩/ ٤٩، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.","vol":"1","page":119},{"text":"بل نهى عن قول الرجل: ما شاء الله وشئت. وقال لمن قال له ذلك: \"أجعلتني لله ندًا\" ١.\n_________\nوذكره ابن حبان في \"الثقات\" ٥/ ٤٩٨.\nوقد روى عنه: قتادة بن دعامة السدوسي، وثابت البناني، وحميد الطويل.\nوروى عن: أبي موسى، وعمران بن حصين، وأسير بن جابر.\nولم يذكر من ترجمه أنه روى عن عبد الله بن مسعود، فلعل ما وقع في سند ابن أبي شيبة خطأ من الناسخ، فليحرر.\nومن شواهده أيضًا ما رواه ابن حبان في \"صحيحه\" أخبرنا الفضل بن حباب، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن عمران بن حصين: \"أن رسول الله ﷺ رأى في يد رجل حلقة من صفر، فقال: ما هذا؟ قال: من الواهنة. قال: ما تزيدك إلا وهنًا، انبذها عنك، فإنك إن تمت وهي عليك وكلت إليها\".\nوأخرجه أيضًا من جهة أبي عامر الخزاز عن الحسن عن عمران ... به، وفيه \"أيسرّك أن توكل إليها؟ \".\nقال الحافظ المنذري في \"الترغيب والترهيب\" ٥/ ٢٦٨-٢٦٩ بعد أن عزا الحديث لأحمد وابن ماجه وابن حبان والحاكم، وبَيَّنَ ألفاظهم:\nرووهم كلهم عن مبارك بن فضالة عن الحسن عن عمران. ورواه ابن حبان أيضًا بنحوه عن أبي عامر الخزاز عن الحسن عن عمران، وهذه جيدة، إلا أن الحسن اخنلف في سماعه من عمران، وقال ابن المديني وغيره: لم يسمع منه، وقال الحاكم: أكثر مشايخنا على أن الحسن سمع من عمران. والله أعلم. اهـ.\nوقال ابن مفلح في \"الآداب\" على هذا الحديث: \" ... ورواه ابن ماجه من حديث وكيع عن المبارك. والمبارك مختلف فيه، وهو مدلس. وقال أحمد: ما روى عن الحسن لا يحتج به. اهـ.\n١ أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ١/ ٢١٤-٢٢٤-٢٨٣-٣٤٧، وابن ماجه في \"السنن\" ١/ ٦٨٤، والبخاري في \"الأدب المفرد\" ٢/ ٢٥٣ –مع شرحه- والنسائي","vol":"1","page":120},{"text":"ومنع من التبرك بالأشجار والأحجار. وقال لأبي واقد الليثي وأصحابه من مسلمة الفتح لما قالوا له: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط: \" قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ \" ١.\n_________\nفي \"عمل اليوم والليلة\" ٥٤٥-٥٤٦، وابن أبي الدنيا في \"الصمت وآداب اللسان\" ص ٤١٤، وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" ص ١٨٠-١٨١، رقم ٦٦٧، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" ١/ ٩٠، والطبراني في \"الكبير\" ١٢/ ٢٤٤، والبيهقي في \"السنن\" ٣/ ٢١٧، وفي \"الأسماء والصفات\" ص ١٨٢، وأبو نعيم في \"الحلية\" ٤/ ٩٩، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" ٨/ ١٠٥، جميعهم من جهة الأجلح بن عبد الله عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس ... به.\nقال البوصيري في \"الزوائد\": وفي إسناده الأجلح بن عبد الله مختلف فيه، ضعفه الإمام أحمد، وأبو حاتم، والنسائي، وأبو داود، وابن سعد. ووثقه ابن معين، ويعقوب بن سفيان، والعجلي. وباقي الإسناد ثقات. اهـ.\nوقد لخص الحافظ ابن حجر أقوال أهل الجرح والتعديل فيه فقال: \"صدوق\" كما في التقريب. وكذا قال الذهبي في \"ديوان الضعفاء\" ص ١٥.\nوعلى هذا قال العلامة المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني –حفظه الله تعالى- في \"السلسلة الصحيحة\" ١٣٩: إسناده حسن.\n١ أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٥/ ٢١٨، والترمذي في كتاب الفتن من \"جامعه\" ٤/ ٤٧٥، والنسائي في الكبرى –كما في تحفة الأشراف ١١/ ١١٢، والاقتضاء لشيخ الإسلام ابن تيمية ١/ ١٤٦، والشافعي \"بدائع المنن\" ٢٣، والطيالسي في \"مسنده\" ص ١٩١، وعبد الرزاق في \"المصنف\" ١١/ ٣٦٩، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ١٥/ ١٠١، والحميدي في \"المسند\" ٢/ ٣٧٥، وابن أبي عاصم في \"السنة\" ١/ ٣٧، والمروزي في \"السنة\" ص ١١-١٢، والطبراني في \"الكبير\" ٣/ ٢٧٥-٢٧٦، وابن حبان في \"صحيحه\" –الإحسان- ٨/ ٢٤٨، والبيهقي في","vol":"1","page":121},{"text":"ونهى عن الصلاة عند القبور وإن لم يقصدها المصلي. ولعن من فعل ذلك، وأخبر أنهم شرار الخلق عند الله١.\n_________\n\"دلائل النبوة\" ٥/ ١٢٤-١٢٥، وفي \"المعرفة\" ١/ ١٠٨، وابن إسحاق –كما في سيرة ابن هشام ٤/ ٧٠-٧١ والبداية والنهاية ٤/ ٣٦٢، وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ٤٥-٤٦، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٤٤ –حاشية ابن كثير- جميعهم عن سنان بن أبي سنان الدؤلي عن أبي واقد الليثي ... به.\n١ يشير المؤلف –رحمه الله تعالى- إلى عدّة أحاديث، فأما حديث النهي عن الصلاة عند القبور فتقدم.\nوأما حديث: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ... \". فأخرجه الإمام أحمد ١/ ٢١٨-٦/ ٣٤-٢٢٨-٢٧٥، والبخاري في كتاب الصلاة من \"صحيحه\" ١/ ٥٣٢ – وفي المغازي ٨/ ١٤٠- وفي الأنبياء ٦/ ٤٩٤ – وفي اللباس ١٠/ ٢٧٧.\nومسلم في كتاب المساجد من \"صحيحه\" ١/ ٣٧٧ جميعهم من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة وابن عباس قالا: ... الحديث.\nوأخرجه أحمد ٦/ ٢٧٤ عن عبيد الله عن عائشة ... به.\nوأخرجه الإمام أحمد أيضًا ٦/ ٨٠-١٢١-٢٥٥، والبخاري في كتاب الجنائز من \"صحيحه\" ٣/ ٢٠٠-٢٥٥ كلاهما عن عروة عن عائشة.\nوأخرجه الإمام أحمد ٦/ ١٤٦-٢٥٢ عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة ... به.\nوأخرجه أحمد أيضًا ٢/ ٢٨٤، ٢٨٥، ٣٦٦، ٣٩٦، ٤٣٥، ٤٥٤ ومسلم في \"صحيحه\" ١/ ٣٧٦ من طريق الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة.\nوأخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٢/ ٢٤٦ عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة.\nوأخرجه مسلم ١/ ٣٧٧ عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة.\nوللحديث طرق وشواهد غير ما ذكر.\nوأما الحديث الثالث الذي يشير إليه المؤلف، فأخرجه البخاري في \"صحيحه\" –كتاب الصلاة- ١/ ٥٢٣، ٥٢٤، ٥٣١، وفي كتاب الجنائز، ٣/ ٢٠٨، وفي كتاب مناقب الأنصار ٧/ ١٨٧-١٨٨.","vol":"1","page":122},{"text":"ونهى عن الذبح لله في مكان يذبح فيه لغيره١، حسمًا لمادة الشرك، وقطعًا لوسائله، وسدًا لذرائعه، وحماية للتوحيد، وصيانة لجانبه.\nفمن المستحيل شرعًا وفطرة وعقلًا؛ أن تأتي هذه الشريعة المطهرة الكاملة بإباحة دعاء الموتى والغائبين، والاستغاثة بهم في المهمات والملمات، كقول النصراني: يا والدة المسيح اشفعي لنا إلى الإله، أو يا عيسى، أعطني كذا، وافعل بي٢ كذا، وكذلك قول القائل: يا علي، أو يا حسين، أو يا عباس، أو يا عبد القادر، أو يا عيدروس، أو يا بدوي، أو فلان وفلان: أعطني كذا، أو أجرني من كذا، أو أنا في حسبك، أو نحو ذلك من الألفاظ الشركية، التي٣\n_________\nومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة من \"صحيحه\" كلاهما عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة، فيها تصاوير، لرسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: \"أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات، بَنَوْا على قبره مسجدًا، وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة\".\n١ يشير المؤلف –رحمه الله تعالى- إلى ما رواه أبو داود في سننه –كتاب الأيمان والنذور- ٣/ ٦٠٧ من جهة يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو قلابة، قال حدثني ثابت بن الضحاك، قال: \"نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلًا ببُوانة، فأتى النبي ﷺ فقال: إنى نذرت أن أنحر إبلًا ببوانة، فقال النبي ﷺ: \"هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ \" قالوا: لا. قال: \"هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ \" قالوا: لا. قال رسول الله ﷺ: \"أوفِ بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم\".\nقال الحافظ ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" ٤/ ١٩٨: \"بسند صحيح\".\n٢ في ط: آل ثاني: \"لي\".\n٣ في \"أ\": \"اللتي\".","vol":"1","page":123},{"text":"تتضمن١ العدل بالله، والتسوية به تعالى وتقدس، فهذا لا تأتي شريعة ولا رسالة بإباحته قط، بل هو من شُعَب الشرك الظاهرة الموجبة للخلود في النار، ومقتِ العزيز الغفار.\nوقد نص على ذلك مشايخ الإسلام، حتى ذكره ابن حجر في \"الإعلام\" مقررًا له.\nوتأويل الجاهلين، والميل إلى شبه المبطلين، هو الذي أوقع هؤلاء وأسلافهم الماضين، من أهل الكتاب والأميين، في الشرك بالله رب العالمين.\nفبعضهم يستدل على شركه بالمعجزات والكرامات.\nوبعضهم برؤيا المنامات.\nوبعضهم بالقياس على السوالف والعادات.\nوبعضهم بقول من يُحَسِّن به الظن.\nوكل هذه الأشياء ليست من الشرع في شيء، وعند رهبان النصارى وعباد الصليب والكواكب من هذا الضرب شيء كثير، وبعضهم أحذق من هذا العراقي وأمثاله، الذين لم يفهموا من العبادة سوى السجود، ولم يجدوا في معلومهم سواه، فأين الحب والخضوع، والتوكل والإنابة، والخوف والرجاء، والرغب والرهب، والطاعة والتقوى، ونحو ذلك من أنواع العبادة الباطنة والظاهرة؟ فكل هذا عند العراقي يصرف لغير الله، ولا يكون عبادة، لأن\n_________\n١ في \"أ\": \"تتظمن\".","vol":"1","page":124},{"text":"العبادة السجود فقط، بل عبارته تفهم أن السجود لا يحرم إلا على من زعم الاستقلال، وقد رأينا من المشركين، ولم نرَ مثل هذا الرجل في جهله ومجازفته وبلادته.\nولولا ما نقصده من انتفاع من اطلع على هذه الرسالة لم نتعرض لرد شيء من كلامه، لظهور بطلانه.\nويزيد هذا ظهورًا ما جاء في الحديث من قوله: \"من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته خدوشًا أو خموشًا في وجهه يوم القيامة\" ١. وقوله: \"لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس على\n_________\n١ أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ١/ ٣٨٨-٤٤١، وأبو داود في \"سننه\" كتاب الزكاة -٢/ ٢٧٧-٢٧٨، والترمذي في \"سننه\" كتاب الزكاة -٣/ ٣١-٣٢، والنسائي في \"سننه\" كتاب الزكاة -٥/ ٩٧، وابن ماجه في \"سننه\" كتاب الزكاة -١/ ٥٨٩، جميعهم من طريق حكيم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره.\nقال الترمذي: حديث ابن مسعود حديث حسن. وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث. اهـ.\nوقال أبو داود: قال يحيى-أي ابن آدم- فقال عبد الله بن عثمان لسفيان: حفظي أن شعبة لا يروي عن حكيم بن جبير. فقال سفيان: فقد حدثنا زبيد عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد. اهـ. وقد ذكر هذه المحاورة النسائي وابن ماجه.\nوزبيد هو ابن الحارث بن عبد الكريم: ثقة ثبت عابد، فالإسناد صحيح من طريقه.\nقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند ٥/ ٢٤٨: فقد ظهر مما روى أبو داود والترمذي عن سفيان أن الحديث صحيح من جهة زبيد اليامي، لم ينفرد به حكيم بن جبير. اهـ.","vol":"1","page":125},{"text":"وجهه مزعة لحم\" ١.\nوقوله: \"من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أَوْشَكَ ٢ له بالغنى: إما ٣ بموت عاجل، أو غنى عاجل\" ٤.\n_________\n١ أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب الزكاة –باب من سأل الناس تكثرًا- ٢/ ٥٣٦ ط مصطفى البُغا، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب الزكاة ٣/ ٧٢٠ عن ابن عمر ﵄.\n٢ في ط: آل ثاني: \"أو شكر\".\n٣ في النسخ الخطية، والمطبوعة: \"أو\" والمثبت من مصادر الحديث.\n٤ أخرجه الإمام أحمد في المسند ١/ ٣٨٩، ٤٤٢: حدثني وكيع حدثني بشير بن سلمان عن سيار أبي الحكم عن طارق بن شهاب عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره.\nووقع في الموضع الأول من المسند: \"بشر بن سليمان\" وهو خطأ نبه عليه الشيخ أحمد شاكر. وبشير بن سلمان هو أبو إسماعيل الكندي وثقه أحمد وابن معين.\nوأخرج الحديث الترمذي فقال: عن بشير أبي إسماعيل، عن سيّار، عن طارق بن شهاب ... إلخ. \"السنن ٤/ ٥٦٣\".\nوأخرجه أبو داود فقال: عن بشير بن سلمان عن سيّار أبي حمزة عن طارق ... إلخ. \"السنن ٢/ ٢٩٦\".\nوقوله \"عن سيار أبي حمزة\" هو الصحيح، وما وقع في \"المسند\" خطأ نبه عليه غير واحدٍ من العلماء.\nقال عبد الله بن الإمام أحمد \"المسند ١/ ٤٤٢\": \"حدثني أبي ثنا عبد الرزاق أنا سفيان عن بشير أبي إسماعيل عن سيار أبي حمزة ... فذكره. قال أبي: وهو الصواب سيار أبو حمزة. قال: وسيار أبو الحكم لم يحدث عن طارق بن شهاب بشيء\". اهـ.\nقال الحافظ ابن حجر في \"التهذيب\" في ترجمة سيار أبي الحكم: \"وروى أبو داود","vol":"1","page":126},{"text":"_________\nوالترمذي حديث بشير بن إسماعيل ثنا سيار أبو الحكم عن طارق بن شهاب عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: \"من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ... الحديث\".\nقال أبو داود عقبه: هو سيار أبو حمزة، ولكن بشيرًا كان يقول: سيار أبو الحكم، وهو خطأ. قال أحمد: هو سيار أبو حمزة، وليس قولهم: سيار أبو الحكم بشيء\". اهـ.\nقلت: هكذا قال ابن حجر: والذي في سنن أبي داود المطبوعة –رواية اللؤلؤي- وكذا في \"تحفة الأشراف\" ٧/ ٦١: \"عن سيار أبي حمزة\" وليس لأبي داود كلام عقب هذا الحديث في النسخ المطبوعة التي بين يدي.\nثم قال الحافظ: \"وقال الدارقطني: قول البخاري: سيار أبو الحكم سمع طارق بن شهاب وهمٌ منه، وممن تابعه، والذي يروي عن طارق هو: سيار أبو حمزة، قال ذلك أحمد ويحيى وغيرهما\".\nثم قال الحافظ أيضًا: \" ... وتبع البخاري في أنه يروي عن طارق مسلمٌ في الكنى، والنسائيُّ، والدولابيُّ، وغير واحد، وهو وهمٌ كما قال الدارقطني\". اهـ كلام ابن حجر.\nوقال في \"التقريب\" في ترجمة أبي الحكم: وليس هو الذي يروي عن طارق بن شهاب. اهـ. وفي ترجمة أبي حمزة منه: \"ووقع في الإسناد عن سيار أبي الحكم عن طارق، والصواب: عن سيار أبي حمزة\". اهـ.\nوقال –﵀- أيضًا في ترجمة \"سيار أبي حمزة\": قد ذكر الخطيب في التلخيص أن الثوري روى عن بشير عن سيار أبي حمزة عن طارق عن ابن مسعود حديثًا، واختلف فيه على سفيان، فقال عبد الرزاق وغيره عنه هكذا. وقال المعافى بن عمران عن سفيان عن بشير عن سيار أبي الحكم ... اهـ.\nوقد رجح الشيخ أحمد شاكر في التعليق على المسند ٥/ ٢٥٨ أن سيارًاَ هذا هو أبو الحكم، وعلى هذا صحح الإسناد. فإن أبا الحكم ثقة، وأبا حمزة مجهول.\nوقال الحاكم بعد إخراجه للحديث: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. اهـ. وأقره الذهبي في التلخيص.","vol":"1","page":127},{"text":"وقوله: \"لا تحل المسألة إلا لثلاثة: الذي غرم مفضع، أو فقر مدقع، أو دم موجع\" ١. هذا في سؤال الخلق ما يقدرون عليه من الأسباب الجزئية، فكيف ترى بما لا يقدر عليه إلا الله من الأمور العامة الكلية.\nوعلى زعم هذا العراقي لا يكره شيء من ذلك ولا يمنع لمن قصد الصالحين ودعاهم.\nوقوله: (على أنها أرباب) يريد به ما مَرَّ من أن دعاءها٢ ومسألتها بطريق السبب والشاعة لا يضر. وقد تقدم رد هذا بما يغني عن إعادته.\nوقد عُلِّق على الحكم بالكفر وإباحة الدم والمال بنفس الشرك، وعبادة غير الله، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً﴾ . [التوبة:٣٦] . وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ .\n_________\n١ أخرجه أبو داود في \"سننه\" كتاب الزكاة –باب ما تجوز فيه المسألة ٢/ ٢٩٢، وابن ماجه في \"سنن\" كتاب التجارات –باب بيع المزايدة- ٢/ ٧٤٠-٧٤١ كلاهما من طريق الأخضر بن عجلان عن أبي بكر الحنفي، عن أنس بن مالك ... الحديث وفيه قصة.\nوأخرجه الترمذي في أبواب البيوع من \"سننه\" ٤/ ٢١٤ ط المكتبة الإسلامية-استانبول، والنسائي في البيوع من \"سننه\" باب البيع فيمن يزيد ٧/ ٢٥٩ كلاهما من طريق الأخضر بن عجلان عن أبي بكر الحنفي عن أنس مختصرًا، ليس فيه موضع الشاهد.\nقال الترمذي عقبه: حديث حسن. اهـ.\n٢ في \"أ\": \"دعائها\".","vol":"1","page":128},{"text":"[الأنفال: ٣٩] . والفتنة: الشرك. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ . الآية [المائدة: ٧٢] . وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ . [النساء:٤٨] .\nومن المشتهر عندهم أن تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بالعِلِّية. وهذا الأحمق زاد قيدًا فقال: \"لا يشرك إلا من قصد واعتقد الاستقلال من دون الله\". وفي تلبية المشركين في الجاهلية: \"لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك\"١.\nفهؤلاء لم يدَّعوا الاستقلال. وعلى زعم هذا ليسوا بمشركين.\nوقوله: (وهذا نداء لا دعاء) من أدل الأشياء على جهله، وعدم ممارسته لشيء من العلم وإن قَلَّ، فإن النداء هو رفع الصوت بالدعاء، أو الأمر، أو النهي، ويقابله النجا الذي هو المسارَّة وخفض الصوت.\nهذا بإجماع أهل اللغة، كما حكاه ابن القيم في \"نونيته\" وشيخ الإسلام في \"تسعينيته\" وليس قسيمًا للدعاء كما ظنه الغبي. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ﴾ . الآية [الكهف: ٥٢] . ما فعلوه عين ما أمروا به، وكفى بهذه الآية حجة على إبطال قوله. وقال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ . [الأنبياء:٨٣] .\n_________\n١ أخرجه مسلم في صحيحه –كتاب الحج- ٢/ ٨٤٣ عن ابن عباس –﵄- قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك. قال: فيقول رسول الله ﷺ: \"ويلكم قدِ قدٍ\". فيقولون: إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت.","vol":"1","page":129},{"text":"﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ﴾ . [الأنبياء:٧٦] . ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ . [الأنبياء:٨٧] . وقال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا*إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ . [مريم:٢، ٣] . وسمى هذا النداء دعاءً في كتابه العزيز. قال عن نوح ﵇ ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾ . [القمر:١٠] . وقال: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ . [آل عمران:٣٨] .\nوفي الحديث: \"دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه\" ١.\nوفيه أيضًا: \"لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا\" ٢. يعني الشيطان الذي تفلت عليه ﷺ.\nوفيه: \"ألا أنبئكم بأول أمري وآخره: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى\" ٣.\n_________\n١ تقدم الكلام عليه، ص ٨٣.\n٢ أخرج البخاري في صحيحه –كتاب التفسير- ٨/ ٥٤٦ من طريق شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"إن عفريتًا من الجنّ تفلت عليَّ البارحة –أو كلمة نحوها- ليقطع علىَّ الصلاة، فأمكنني الله منه، وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد، حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان: \"رَبِّ هَبْ لِيْ مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِيْ\".\nوأخرجه أيضًا في كتاب أحاديث الأنبياء من صحيحه ٦/ ٤٥٧ من هذا الطريق بهذا اللفظ.\nوأخرجه أيضًا مسلمٌ والنسائي من طريق شعبة ... به.\nوأخرج الحديث مسلمٌ في صحيحه –كتاب المساجد ومواضع الصلاة -١/ ٣٨٥ عن أبي الدرداء ﵁ ... به وفيه قصة.\n٣ قال الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\" ٤/ ٣٨٢ ط مكتبة النهضة: وقال محمد بن","vol":"1","page":130},{"text":"يشير بدعوة سليمان إلى قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ . الآية [ص:٣٥] . وبدعوة إبراهيم إلى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ . [البقرة:١٢٩] . فسمى هذه المسألة دعوة، والتاء فيها للوحدة.\nوقال معاذ –رضي الله تعالى عنه- في الطاعون: \"إنه ليس برجز، إنه دعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، ورحمة بكم\" يشير إلى قوله: \"اللهم اجعل فناء أمتي بالطعن والطاعون\"١.\nفانظر هذه النصوص، وما أفادت من إطلاق اسم الدعاء على المسألة والطلب. وقد تقدم بعض هذا، وكُرِّر تتميمًا للفائدة، وربما جَرَّ شأن شؤونًا.\nوأما قول العراقي: (إن الشيخ ذكر هذا على سبيل التغليظ والزجر، وله مائة عبارة تنفي ذلك وتخالفه) فيكفي من هذا العراقي أن يصحح دعواه بعبارة واحدة، ولا نكلفه تصحيح المائة، لأنه أعجز وأقلّ.\n_________\nإسحاق حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: \"يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك، قال: \"دعوة أبي وبشرى عيسى ... \" الحديث. وهذا إسناد جيد، وروي له شواهد من وجوه أُخَر ... ثم ساق ابن كثير رحمه الله تعالى شواهده في مسند أحمد فلينظر.\n١ قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٢/ ٣١٢: رواه أحمد ٤/ ٤١٧، والطبراني في \"الكبير\" ورجال أحمد ثقات. اهـ.","vol":"1","page":131},{"text":"وقد تقدم التنبيه على كذبه ومجازفته، وأنه وجد كتبًا وموادّ١ شَتَّت فهمه، وحجبت إدراكه وعلمه، فلم يزدد بها إلا حيرة وشكًاَ وما أحسن ما قيل:\nجهد المغفَّل في الزمان مضيَّع ... وإن ارتضى أستاذَه وزمانَه\nكالثور في الدولاب يسعى وهو لا ... يدري الطريقَ فلا يزالُ مكانَه\nوعبارات الشيخ في هذا الباب –أعني: إنكار الشرك، وتكفير أهله، والحكم عليهم بما حكم الله به ورسوله في الدنيا والآخرة- موجود مشهور، لو تتبعناه لعزَّ حصره واستقصاؤه، ولكن نشير ببعضه٢ إلى ما وراءه.\nقال ﵀: وما علمتُ عالمًا نازع في أن الاستغاثة بالنبي أو غيره فيما لا يقدر عليه إلا الله لا تجوز. قال: وعلو درجته ﷺ بعد الموت لا تقتضي أن يسأل، كما لا تقتضي أن يستفتى، ولا يمكن أحدا أن يذكر دليلًا شرعيًا على أن سؤال الموتى من الأنبياء والصالحين وغيرهم مشروع، بل الأدلة على تحريم ذلك كثيرة.\nوقال ﵀: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم: كفر إجماعًا.\nقال البهوتي في شرحه على هذا الموضع: لأنه فِعْل عبّاد الأصنام القائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ . [الزمر:٣] .\n_________\n١ في \"أ\" و\"جـ\": \"موادًا\".\n٢ في ط آل ثاني: \"لبعضه\".","vol":"1","page":132},{"text":"وقال –﵀- بعد أن سرد جملة من الآيات: وتفصيل القول: أن مطلوب العبد إن كان من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله ﷾، ومثل أن يطلب شفاء مريض من الآدميين والبهائم، ووفاءَ دَينه من غير جهة معينة، أو عافية أهله، أو ما به من بلاء الدنيا والآخرة، وانتصاره على عدوه، وهداية قلبه١، وغفران ذنبه، أو دخول الجنة، ونجاته من النار، أو أن يتعلم القرآن، أو٢ العلم، أو أن يصلح قلبه، أو٢ يحسن خلقه، ويزكي نفسه، وأمثال ذلك: فهذه الأمور لا يجوز أن تطلب إلا من الله تعالى، ولا يجوز أن يقال لملك ولا نبي ولا شيخ سواء كان حيًا أو ميتًا: اغفر ذنبي، ولا انصرني على عدوي، ولا اشفِ٣ مريضي، ولا عافِ٤ أهلي ودوابي، وما أشبه ذلك. ومن سأل ذلك مخلوقًا كائنًا من كان، فهو مشرك بربه، من المشركين الذين يعبدون الملائكة والتماثيل التي يصورونها على صورهم، ومن جنس دعاء النصارى: المسيحَ وأمَّه.\nقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ . الآية [المائدة:١١٦]، وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيْحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ الآية [التوبة:٣١] .\nوقال -﵀-: وكثير من الناس يقع في الشرك والإفك\n_________\n١ ما بعد: \"وهداية قلبه\" سقط من \"جـ\" إلى قوله: \"ويحسن خلقه\".\n٢ في \"أ\": \"و\".\n٣ في \"أ\": \"اشفي\".\n٤ في \"أ\": \"عافي\".","vol":"1","page":133},{"text":"جهلًا وضلالًا من المشركين، وأهل الكتاب، وأهل البدع، والله ﷾ قد أرسل جميع رسله، وأنزل جميع كتبه: بأن لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، لا يعبد معه لا ملك، ولا نبي، ولا صالح، ولا تماثيلهم، ولا قبورهم، ولا شمس، ولا قمر، ولا كوكب، ولا ما صُنع من التماثيل لأجلهم، ولا شيئًا من الأشياء، وبَيَّنَ أن كل ما يعبد من دونه فإنه يضر ولا ينفع، وإن كان ملكًا أو نبيًّا، وأن عبادته كفر.\nقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا﴾ . إلى قوله: ﴿مَحْذُوْرًا﴾ . [الإسراء:٥٦-٥٧] . بَيَّن سبحانه أن كل ما يدعى من دونه من الملائكة والجن والإنس ما يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلًا١، وأن هؤلاء المدعوين من الملائكة والأنبياء يتقربون إلى الله، ويرجونه، ويخافونه، وكذلك كان قوم من الإنس يعبدون رجالًا من الجن، فآمنت الجن المعبودون، وبقي عابدوهم يعبدونهم، كما ذكر ذلك ابن مسعود.\nوقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ .إلى قوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ . [سبأ:٢٢-٢٣] . بَيَّنَ سبحانه أن كل ما يدعى من دونه، من الملائكة والبشر وغيرهم ليس لهم مثقال ذرة في السموات والارض، ولا لهم نصيب فيهما، وليس لله ظهير يعاونه من خلقه.\n_________\n١ في \"أ\": \"كشف الضر ولا تحويله\".","vol":"1","page":134},{"text":"وهذه الأقسام الثلاثه هي التي تحصل مع المخلوقين، إما أن يكون لغيره ملك دونه، أو يكون شريكًا له، أو يكون معينًا وظهيرًا له، والرب تعالى ليس من خلقه مالك، ولا شريك، ولا ظهير له١، لم يبق إلا الشفاعة، وهو دعاء الشافع وسؤاله لله في المشفوع له، فقال: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ . [سبأ:٢٣] .\nثم إنه خص بالذكر الملائكة والأنبياء في قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ -إلى قوله- بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . [آل عمران:٧٩-٨٠] بين أن اتخاذهم أربابًا كفر.\nوقال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ -إلى قوله - وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . [المائدة:١٧] . وقد بين أن من دعا المسيح وغيره، فقد دعا ما لا يملك له ضرًا ولا نفعًا.\nوقال لخاتم الرسل: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ . [الأنعام: ٥٠]، وقال: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ . الآية [الأعراف:١٨٨] . وقال: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ . [الجن:٢١] . وقال: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ*لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ . [آل عمران:١٢٧-١٢٨] . وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ . [القصص:٥٦] .\n_________\n١ سقطت: \"له\" من \"أ\" و\"جـ\".","vol":"1","page":135},{"text":"وقال: ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ . [النحل:٣٧] انتهى.\nوكلامه في هذا المعنى يعزُّ حصره أو يتعذر. وكذلك صاحبه شمس الدين ابن القيم. كلامه في هذا الباب أشهر من أن يذكر، وأكثر من أن يحصر، إلا بكلفة ومشقة، وتقدم قوله في \"المدارج\".\nوقال أبو الوفاء بن عقيل: لما صعبت التكاليف على الجهال والطَّغام، عدلوا عن أوضاع الشرع١ إلى تعظيم أوضاع وضعوها هم لأنفسهم، فسهلت عليهم٢، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر٣ غيرهم، وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل خطاب الموتى بالحوائج، ودَسِّ الرقاع في قبورهم، فيها: يا مولاي، افعل بي كذا وكذا، وتعليق الستور على القبور اقتداءً بمن عبد اللات والعزى، والويل عندهم لمن لم يحضر مشهد الكف٤، أو لم يَعْقِد على قبره، أو قبر أبيه بالآخر، ولم يقل الحمالون على جنازته: أبو بكر وعمر. انتهى.\nوالمقصود أن النصوص بهذا المعنى كثيرة شهيرة، والعاقل يسير فينظر.\nويكفي المؤمن أن دعاء الموتى والغائبين لا يُعْرَف عن أحد من أهل العلم والإيمان الذين لهم لسن صدق في الأمة، ولم تأتِ به\n_________\n١ في ط: آل ثاني: \"الشرك\" وهو خطأ فاحش.\n٢ في ط: آل ثاني: \"غيرهم\".\n٣ سقطت: \"أمر\" من ط: آل ثاني.\n٤ في ط: آل ثاني: \"الكفر\".","vol":"1","page":136},{"text":"شريعة من الشرائع، بل المنقول عن جميع الأنبياء يرده ويبطله، فإن الله حكى أدعيتهم وتوجهاتهم، وما قالوه وأمروا به، وندب عباده إلى الاقتداء بهم فقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ . [الأنعام:٩٠] .\nوقد أجمع المسلمون على ذم البدع وعيبها. قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ . [الشورى:٢١] . وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ . [الأحقاف:٤] .\nوفي حديث العرباض بن سارية: \"إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة\" ١.\nوهذا الوجه كافٍ٢ في الجواب، للاتفاق على وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة.\n_________\n١ تقدم تخريجه ص ٨٤.\n٢ في \"أ\" و\"جـ\": \"كافي\".","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الفصل العاشر</span>\n...\nفصل\nقال العراقي: \"والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ . [المائدة:٣٥] .\nقلت: يريد العراقي أن الآية أصل في دعاء الصالحين، والتوجه بهم إلى الله وجعلهم وسائط بين العباد وبين الله، ووسائل إليه في قضاء حاجاتهم، وتفريج كرباتهم.\nوالجواب: أن هذا القول صدر عن جهل بمسمى الوسيلة شرعًا، فإن الوسيلة في شرع الله الذي شرعه على ألسن جميع رسله، هي عبادته وحده لا شريك له، والإيمان به، وبرسله، والأعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها، كما في البخاري وغيره من حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في غار، فتوسلوا إلى الله تعالى بأعمالهم الصالحة من البر والعفة والأمانة١. وكذلك ما شرع من واجب أو مستحب.\nقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ . [الإسراء:٥٧] وابتغاؤها بالقيام بما أمر به، وأحبه ورضيه، من الأعمال الصالحة.\n_________\n١ أخرجه مسلم في صحيحه –كتاب الإجارة- باب من استأجر أجيرًا فترك أجره ٤/ ٤٤٩. ومسلم في صحيحه، كلاهما عن ابن عمر ﵄.","vol":"1","page":138},{"text":"وأما دعاء غير الله فليس وسيلة١ شرعية، بل هو وسيلة أهل الشرك والجاهلية، من أعداء الرسل في كل زمان ومكان، والله لا يأمر بالشرك ولا يرضاه ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . [الأعراف:٢٩] .\nفكيف يتوسل إليه بالشرك به الذي هو أظلم الظلم، وضد القسط، والذي يمنع من إقامة الوجوه له عند المساجد، وهو –أي الشرك- حقيقة التوسل الذي قصده المشركون. قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ . [الأحقاف:٢٨] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ . [الزمر: ٣] فهذا قد يسمى توسلًا، فإن لفظ التوسل صار مشتركًا، فيطلق شرعًا على ما يقرب إلى الله من الأعمال الصالحة التي يحبها الرب ويرضاها، ويطلق على التوسل بذوات الصالحين ودعائهم واستغفارهم، ويطلق في عرف عباد القبور على التوجه إلى الصالحين ودعائهم مع الله في الحاجات والملمات.\nوالمراد بالآية هو٢ الأوَّل عند أهل العلم والمفسرين.\nوأما التوسل بذوات الأنبياء والصالحين بدون طاعتهم وبدون استغفارهم فهذا لم يشرع٣، ولا أصل له٤، فإن التوسل بالأنبياء\n_________\n١ في \"أ\" و\"جـ\": \"بوسيلة\".\n٢ سقطت: \"هو\" من ط: آل ثاني.\n٣ في ط: آل ثاني: \"يشرح\".\n٤ سقط ما بعد قوله \"ولا أصل له\" من \"أ\" إلى قوله \"وأكبر منه من يدعوهم\".","vol":"1","page":139},{"text":"مع معصيتهم ومخالفتهم في الدين والملة، قد دلت آية سورة التحريم على المنع منه، وعدم الانتفاع بالتعلق والقرابة والنسب والتوسل بذلك لمن لم يؤمن بما جاؤوا به من الهدى ودين الحق.١وكذلك في الحديث لما أنزل عليه قوله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ . [الشعراء:٢١٤] قال: \"يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا\" ٢.\nوأكبر من٣ هذا من يدعوهم، ويستغيث بهم، ويتقرب إليهم بعبادتهم على أنها وسيلة له، وشفعاء، فإن هذا هو عين الشرك الذي ذمه القرآن وعابه، وإن سمي توسلًا.\nوأما ما ذكره بعد هذا الكلام من نسبة الذي ينهى عن دعاء غير الله إلى الجهل وعدم الفهم، فهذا يتناول كل من نهى عن دعاء الأنبياء والصالحين، ومعلوم أن الرسل نهت عن دعاء غير الله بما لا يقدر عليه إلا الله، بل وفيما لا تدعو٤ إليه حاجة ولا ضرورة من جنس المسألة، فلازم كلامه مسبة الأنبياء، وأتباعهم إلى يوم القيامة، فنعوذ بالله من حال أهل الجهالة والسفاهة.\n_________\n١ سقط الحديث من \"جـ\".\n٢ البخاري في صحيحه –كتاب التفسير- تفسير سورة الشعراء، باب ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ٨/ ٥٠١.\n٣ في \"أ\": \"وأكبر منه من يدعوهم\".\n٤ في \"أ\" و\"جـ\": \"تدعوا\".","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الفصل الحادي عشر</span>\n...\nفصل\nقال العراقي: \"إنكم تكَفِّرون بالحلف بغير الله، ويُكَفِّر به السابقون من أهل بلدكم، وهو ليس بشرك ولا كفر، بل هو مكروه كراهة تنزيه، للأدلة على ذلك، ولأنه قد ورد أن النبي ﷺ قال لبعض أصحابه: \"لا وأبيك\"، ولأن الترمذي ترجم على هذه المسألة بالكراهة، وساق حديث ابن عمر: \"من حلف بغير الله فقد أشرك\"، وأن هذا يدل على الكراهة للترجمة، ولأنه ساق الرواية الأخرى عن ابن عمر \"من حلف بغير الله فقد كفر\". وقال بعدُ: هذا محمول على التغليظ والزجر، كالريا الذي فسر به قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ . الآية [الكهف:١١٠] .\nوالجواب أن يقال: في هذا الكلام من الجهل والخلط ما يتنزه عنه العاقل فضلًا عن العالم، من ذلك أنه قال: الحلف بغير الله ليس بشرك ولا كفر. ثم ساق حديث ابن عمر: \"من حلف بغير الله فقد أشرك\" ثم قادته المقادير إلى أن نطق بالرواية الأخرى: \"من حلف بغير الله فقد كفر\" فقف وتأمل هذه العبر!! ثم استدل بأن الترمذي ترجم بالكراهة، وهو أول من يخالف الترمذي في أكثر ما في سننه، مع أنه لم يفهم كلام الترمذي، ولا حام حول مراده.","vol":"1","page":141},{"text":"ويقال: مسألة الحلف بغير الله تظاهرت وتواترت النصوص النبوية بالنهي عنها، ودلّت على أنه شرك لا يحل ولا يجوز، كما ذكره أصحاب الكتب الستة، وأهل المسانيد من حديث: أبي هريرة، وعمر، و١ابنه، وابن مسعود، وغيرهم، وإنما ساق الترمذي حديث ابن عمر. والترمذي –﵀- أثبت أنه شرك، وجعله كالريا، والريا شرك بالنص والإجماع، وهو من الكبائر، إلا أنه ليس مما ينقل عن الملة ويوجب الردة، للآيات والأحاديث. وكلام الترمذي يدل على هذا، وقد جعله مثل الريا، وقاسه عليه في الحكم، وحمله على هذا الحمل والتأويل: أن الرواية الأخرى التي خرجها عن ابن عمر فيها تكفير من حلف بغير الله، والحكم بأنه كفر، وأراد الترمذي أن هذا الكفر ليس هو مما يخرج عن الملة كالشرك الأكبر، بل كفر دون كفر، وشرك دون شرك، وظلم دوم ظلم، كما قاله البخاري في \"صحيحه\" وتسميته هذا كفرًا من باب التغليظ، وهذا مراده ﵀، وأما كونه شركًا محرمًا فلم ينفِه الترمذي، ولم يتعرض له بتأويل، بل أثبته وقاله به، لأنه جعله مثل الريا.\nوهذا الجاهل اغتر بكونه ترجم بالكراهة، والكراهة في عرف هذا الرجل إنما تطلق على التنزيه، هذا وجه ضلاله، ولم يدر أن إطلاقها على كراهة التنزيه عرف حادث، وأن الكراهة في عرف الكتاب والسنة وقدماء الأمة تطلق على التحريم. قال تعالى بعد أن\n_________\n١ سقطت \"و\" من ط: آل ثاني.","vol":"1","page":142},{"text":"ذكر المحرمات المتفق عليها في جميع الكتب السماوية ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ . [الإسراء:٣٨] .\nوفي الحديث: \"إن الله يكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال\" ١. وأظن هذا يحمل كل ما تقدم على كراهة التنزيه.\nقال الترمذي ﵀: \"باب كراهة الحلف بغير الله\" وساق بسنده حديث ابن عمر: \"من حلف بغير الله فقد أشرك\". وسكت الترمذي علذكر المحرمات المتفق عليها في جميع الكتب السماوية ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ . [الإسراء:٣٨] .\nوفي الحديث: \"إن الله يكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال\" ١. وأظن هذا يحمل كل ما تقدم على كراهة التنزيه.\nقال الترمذي ﵀: \"باب كراهة الحلف بغير الله\" وساق بسنده حديث ابن عمر: \"من حلف بغير الله فقد أشرك\". وسكت الترمذي على هذا، ولم يتعقبه بتأويل. ثم قال: \"بابٌ\"٢ وساق بسنده الرواية الأخرى عن ابن عمر \"من حلف بغير الله فقد كفر\" ٣ وتأَوَّلَ لفظه \"كفر\" بأنها على وجه الزجر والتغليظ، لأن\n_________\n١ أخرجه البخاري في صحيحه –كتاب الاستقراض- ٣/ ٨٧ ط إستانبول، ومسلم في صحيحه –كتاب الأقضية- ٣/ ١٣٤١، عن المغيرة بن شعبة أنه سمع النبي ﷺ يقول: \"إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال\". وله ألفاظ عندهما.\n٢ في نسخة الترمذي المطبوعة مع شرحه \"تحفة الأحوذي\" ٥/ ١٣٢-١٣٥، و\"عارضة الأحوذي\" ٧/ ١٦-١٨، والطبعة السلفية ٣/ ٤٥: باب كراهية الحلف بغير الله وساق فيه حديث: \"ألا، إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم\" \" ... ليحلف حالف بالله أو ليسكت\". ثم قال: باب، وساق حديث ابن عمر \"من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك\". وفي طبعة الحلبي، ٣/ ١٠٩-١١٠: باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله. ثم ساق الأحاديث السابقة تحت هذه الترجمة ولم يفصل بـ\"باب\"، وكذا في طبعة الدعّاس، ٥/ ٢٥١-٢٥٤.\nقلت: لعل المؤلف وقع في يده نسخة من سنن الترمذي على ما وصف، لا سيما وتغاير النسخ في كتاب الترمذي أمر مشاهد.\n٣ أخرجه أبو داود –كتاب الأيمان والنذور- من سننه ٣/ ٥٧٠، والترمذي –كتاب الأيمان والنذور- من سننه ٤/ ١١٠، والإما أحمد في مسنده، وابن حبان فيى","vol":"1","page":143},{"text":"لأن الحلف بغير الله لا ينقل عن الملة، بل هو كالريا في عدم الردة، وإن كان شركًا.\nإذا عرفت هذا فالعراقي دلّس، وجعل البابين بابًا واحدًا، وجعل كلام الترمذي في تأويله لفظة \"كفر\" راجعًا إلى كلا البابين، وأن الحلف مكروه كراهة تنزيه، والترمذي لم يتعرض لكونها للتنزيه.\nوأما قوله: \"إنكم تكفرون به، وترون أنه كفر\" فهو كذب بحت، وفرية ظاهرة، ما قال أحد ممن يعتدُّ به عندنا إنه كفر مخرج عن الملة. وقد يُطلق العالم والمفتي ما أطلقه الرسول ﷺ في مثل هذا، ويقف حيث وقف، ومن أنكر هذا الإطلاق فقد أنكر على الرسول ﷺ.\nعلى أن ابن قيم الجوزية قال: قد يكون ذلك شركًا أكبر بحسب ما قام بقلب قائله، وقاله القاضي عياض من المالكية. وهذا ظاهر لا يخفى إذا قصد تعظيم من حُلف به كتعظيم الله.\nوأما استدلال هذا العراقي على عدم التحريم بقوله ﷺ: \"من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله\" ١ فهذا الاستدلال والفهم ليس بشيء.\n_________\n١ رواه البخاري في صحيحه –كتاب الأيمان والنذور- ١١/ ٥٣٦، ومسلم في صحيحه –كتاب الأيمان- ٣/ ١٢٦٧-١٢٦٨.","vol":"1","page":145},{"text":"والحديث دليل على التحريم، والاستدلال به عليه هو عين الفقه عن الله ورسوله، لأنه أَمَرَ من حلف بغير الله أن يكفِّر بتجديد الإسلام، والإتيان بكلمة الإخلاص التي تضمنت البراءة من الشرك، وإثبات التوحيد.\nوقد قال لقريش وغيرهم من عباد الأصنام: \"قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا\" ١. وقال لعمه: \"قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله\" ٢.\n_________\n١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٥/ ٣٧٦ عن شيخ من بني مالك بن كنانة قال: رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز يتغللها يقول: \"يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ... \".\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/ ٢٢: رجاله رجال الصحيح. اهـ.\nوأخرجه الإمام أحمد في مسنده أيضًا ٤/ ٣٤١ عن ربيعة بن عباد من بني الديل وكان جاهليًا قال: رأيت رسول الله ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول ... فذكره.\nقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٢: رواه أحمد وابنه والطبراني في الكبير بنحوه والأوسط باختصار بأسانيد، وأحد أسانيد عبد الله بن أحمد ثقات الرجال ... اهـ.\nوفي الطبراني عن منبت الأزدي نحوه. قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢١: وفيه منبت بن مدرك ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. اهـ.\nوفي الطبراني أيضًا عن مدرك نحوه. قال الهيثمي: ورجاله ثقات. اهـ.\n٢ أخرجه البخاري في صحيحه –كتاب التفسير- ٨/ ٥٠٦، ومسلم في كتاب الإيمان من صحيحه ١/ ٥٤ كلاهما عن سعيد بن المسيب عن أبيه ... به.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":146},{"text":"فإن١ كان ذاك يدل على الكراهة، فهذا أيضًا إنما يدل عليها. فسبحان من حال بين قلوب هؤلاء وبين الفقه عنه، ومعرفة المراد من كلامه وكلام رسوله.\nوفي الحديث: \"إن حسنة التوحيد تمحو الشرك وتكفره، فإن الإسلام يَجُبُّ ما قبله\". قال ابن مسعود: \"لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا\" ٢.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية –قُدِّس سِرُّه- بعد أن ذكر تحريم الحلف، واستدل له: ومعنى قول ابن مسعود: \"أن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الشرك أعظم من سيئة الكذب\" مع أن الكذب محرم بالإجماع.\nوأما ما حكاه عن شيخنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أنه قال في \"مختصر الإنصاف\": ويكره الحلف بغير الله، وأن الشيخ استدل للكراهة. فلا يخفى أن العراقي دلس ولبّس، فأسقط من العبارة كلام ابن عبد البر، وحكاية الإجماع على التحريم، هذا تدليسه، وأما تلبيسه: فإن الشيخ قال بعد ذلك: وقيل يجوز. فأخره وحكاه بصيغة التمريض. وذكر أن القائل استدل لهذا: بأن الله أقسم بمخلوقاته، وبقوله: \"أفلح وأبيه إن صدق\" وبقوله في حديث أبي\n_________\n١ في ط: آل ثاني: \"فإذا\".\n٢ رواه الطبراني في الكبير ٩/ ٢٠٥ قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٧٧: رجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":147},{"text":"العشراء: \"أما وأبيك، لو طعنت في فخذها أجزأك\" ١. ثم تعقب الشيخ هذا، وذكر أن أحمد لم يثبت حديث أبي العشراء. واستدل بقوله: \"إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت\" ٢. وبحديث ابن عمر \"من حلف بغير الله فقد أشرك\" وقرر الشيخ أدلة التحريم.\nوالشيخ ﵀ في كتاب \"التوحيد\" استدل على هذه المسألة بقوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . [البقرة:٢٢] . وترجم بالآية على هذه المسألة، وساق حديث ابن عمر، وما روي عن ابن عباس، ومنه: والله وحياتك.\n_________\n١ أخرجه أحمد ٤/ ٣٣٤، والترمذي ٤/ ٧٤، وأبو داود في سننه ٨/ ٢٣ –كتاب الأضاحي –باب في ذبيحة المتردية، والنسائي ٧/ ٢٢٨، وابن ماجه ٢/ ١٠٦٣ كلهم عن حماد بن سلمة عن أبي العشراء الدارمي عن أبيه قال: \"قلت: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلى في الحلقِ واللَّبَّة؟ قال: \"لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك\". هذا لفظه عندهم.\nوفي رواية لأحمد: \"وأبيك\".\nقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث، واختلفوا في اسم أبي العشراء ... إلخ. اهـ.\nوقال الخطابي: ضعفوا هذا الحديث لأن راويه مجهول، وأبو العشراء لا يدرى من أبوه، ولم يرو عنه غير حماد بن سلمة. اهـ من المعالم.\nوقال الذهبي في الميزان ٤/ ٥٥١ في ترجمة أبي العشراء بعد أن ذكر قول البخاري في أبي العشراء: في حديثه واسمه وسماعه من أبيه نظر. قلت: ولا يدرى من هو ولا من أبوه. وانفرد عنه حماد بن سلمة ... اهـ.\n٢ رواه البخاري في صحيحه –كتاب الأيمان والنذور- ١١/ ٥٣٠ ومسلم في صحيحه –كتاب الأيمان- ٣/ ١٢٦٦-١٢٦٧.","vol":"1","page":148},{"text":"وأما الجواب عن قوله: \"أفلح وأبيه\" وقوله: \"أما وأبيك\" فلأهل العلم عنه أجوبة معرفة في محلها، منها: أن هذا ليس من جنس اليمين المقصودة بل هو مما جرى على ألسنتهم من غير قصد، مثل قوله: \"تربت يداك، ثكلتك أمك، ويح عمار\". وهذا الجواب ذكره كثير من الناس.\nوقيل: إن ذلك منسوخ. واستدل القائل لهذا القول بما لا يمكن أمثال هذا العراقي نقضه، وبعضهم تكلم في المسند ولم يثبت هذا كما تقدم عن أحمد في حديث أبي العشراء.\nوهذا آخر ما أوردناه، والحمد لله حمدًا كثيرًا كما ينبغي لكرم وجهه، وعز جلاله، وعظيم سلطانه. وصلى الله على عبده ورسوله محمد النبي الأمي، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين آمين١.\n_________\n١ اتفقت النسخ على هذه الخاتمة، وبعدها في \"أ\": \"كتبه من إملاء مؤلفه –عفا الله عنه ورحمه- عبد العزيز بن ناصر بن راشد بن تريكي\" اهـ. وفي \"جـ\": \"رحم الله مؤلفه وعفا عنه وعن والديه وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا وغفر الله لكاتبه ووالديه وذريته وإخوانه ولجميع المسلمين. آمين يا رب العالمين\". اهـ. وعلى جنب الصفحة: \"بلغ مقابلة وتصحيحًا حسب الطاقة والإمكان\".\nقال كاتبه –عفا الله عنه- تم الفراغ من مقابلة هذه الرسالة، والتعليق عليها قدر الطافة في اليوم الثاني والعشرين من شهر الله الحرام، سنة عشر وأربعمائة وألف من هجرة المصطفى ﷺ. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nكتبه/ عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم.","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>أطراف الحديث</span>\n...\nأطراف الأحاديث\nطرف الحديث ... صحيفته\nآمركم بأربع وأنهاكم عن أربع ... ٥٠\nذأجعلتني لله ندًاّ ... ١٢٠\nاحفظ الله يحفظك ... ٧٦\nإذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ... ٦٩\nإذا هم العبد بالسيئة ... ٧٩\nألا أنبئكم بأول أمري وآخره ... ١٣٠\nألا تبايعون؟.. على أتعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا ... ١١٧\nأفضل الدعاء يوم عرفة: لا إله إلا الله ... ١١٠\nأفلح وأبيه إن صدق ... ١٤٧\nاللهم اجعل فناء أمتي بالطعن والطاعون ... ١٣١\nأما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه ... ١٠٢\nأما وأبيك لو طعنت في فخذها أجزاك ... ٤٧\nإن أولئك إذا كان منهم الرجل الصالح ... ١٢٢\nأن تجعل لله ندًا وهو خلقك ... ٣٧\nإن الله يكره لكم: قيل وقال ... ١٤٣\n****** ...\nالحج عرفة ... ١٠٩","vol":"1","page":150},{"text":"طرف الحديث ... صحيفته\nدعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا ... ١١٣-١٣٠\nالدعاء سلاح المؤمن ... ١١٠\nالدعاء مخ العبادة ... ١١٠\nالدعاء هو العبادة ... ١٠٨\n***** ...\nذهاب الإسلام من ثلاثة (أثر) ... ٦٦\n***** ...\nفما تعارف منها ائتلف ... ٨٢\n***** ...\nقد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها ... ٨٤-١٣٧\nقولوا: لا إله إلا الله تفلحوا ... ١٤٦\nقل: لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله ... ١٤٦\nقصة الثلاثة أصحاب الغار ... ١٣٨\nقصة عكرمة لما فَرَّ يوم الفتح ... ١١٢\n***** ...\nكان جبريل يأتي النبي ﷺ في صورة دحية ... ٧٧\nكم كنت تعبد؟ ... ١١٥\n***** ...\nلعن الله اليهود والنصارى ... ٩٤-١٢٢\nلولا دعوة أخي سليمان لأصبح موثقًا ... ١٣٠\nلو يعطى الناس بدعواهم ... ٨٢\n***** ...\nمن تعلق شيئًا وكل إليه ... ١١٧","vol":"1","page":151},{"text":"طرف الحديث ... صحيفته\nمن حلف بغير الله فقد أشرك ... ١٤١-١٤٣\nمن حلف بغير الله فقد كفر ... ١٤٨\nمن حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله ... ١٤٥\nمن قال في القرآن برأيه ... ٥٨\nمن نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ... ١٢٦\n***** ...\nهم شَرُّ قتلى تحت أديم السماء ... ٣٩\nهل كان فيها من وثن ... ١٢٣\n***** ...\nويلكم قدٍ قدٍ عند قول المشركين: إلا شريكًا هو لك ... ١٢٩\n***** ...\nلا تتخذوا قبري عيدًا ... ٩٠\nلا تجعلوا بيوتكم قبورًا ... ٩١\nلا تحل المسألة إلا لثلاثة ... ١٢٨\nلا تزال المسألة بأحدكم حتى ... ١٢٥\nلا تنسنا يا أخي من صالح دعائك ... ٤٨\nلا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر ... ١١٧\n***** ...\nيا معشر قريش اشتروا أنفسكم ... ١٤٠\nيقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ... ٣٩\n***** ...","vol":"1","page":152},{"text":"طرف الحديث ... صحيفته\nمن حلف بغير الله فقد أشرك\n... ١٤١-١٤٣\nمن حلف بغير الله فقد كفر\n... ١٤٨\nمن حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله\n... ١٤٥\nمن قال في القرآن برأيه\n... ٥٨\nمن نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته\n... ١٢٦\n***** ...\nهم شَرُّ قتلى تحت أديم السماء\n... ٣٩\nهل كان فيها من وثن\n... ١٢٣\n***** ...\nويلكم قدٍ قدٍ عند قول المشركين: إلا شريكًا هو لك\n... ١٢٩\n***** ...\nلا تتخذوا قبري عيدًا ... ٩٠\nلا تجعلوا بيوتكم قبورًا\n... ٩١\nلا تحل المسألة إلا لثلاثة\n... ١٢٨\nلا تزال المسألة بأحدكم حتى\n... ١٢٥\nلا تنسنا يا أخي من صالح دعائك\n... ٤٨\nلا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر\n... ١١٧\n***** ...\nيا معشر قريش اشتروا أنفسكم\n... ١٤٠\nيقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم\n... ٣٩\n***** ...","vol":"1","page":153}]}