{"ً":{"ٌ":11088,"ٍ":"تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم الحديث/تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة - العلائي - ت القشقري - ط العاصمة","files":["118505.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة\nالمؤلف: صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي بن عبد الله الدمشقي العلائي (ت ٧٦١هـ)\nالمحقق: عبد الرحيم محمد أحمد القشقري\nالناشر: دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤١٠هـ\nعدد الصفحات: ١٢٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":724,"ٕ":10,"ٖ":1770155246,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"المسألة الأولى: في تعريف الصحابي","level":1,"page":23},{"title":"المسألة الثانية: في طرق إثبات الصحبة","level":1,"page":45},{"title":"المسألة الثالثة: في تقرير عدالة الصحابة","level":1,"page":55},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":102}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,29":23,"1,30":24,"1,31":25,"1,32":26,"1,33":27,"1,34":28,"1,35":29,"1,36":30,"1,37":31,"1,38":32,"1,39":33,"1,40":34,"1,41":35,"1,42":36,"1,43":37,"1,44":38,"1,45":39,"1,46":40,"1,47":41,"1,48":42,"1,49":43,"1,50":44,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,70":65,"1,71":66,"1,72":67,"1,73":68,"1,74":69,"1,75":70,"1,76":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,79":74,"1,80":75,"1,81":76,"1,82":77,"1,83":78,"1,84":79,"1,85":80,"1,86":81,"1,87":82,"1,88":83,"1,89":84,"1,90":85,"1,91":86,"1,92":87,"1,93":88,"1,94":89,"1,95":90,"1,96":91,"1,97":92,"1,98":93,"1,99":94,"1,100":95,"1,101":96,"1,102":97,"1,103":98,"1,104":99,"1,105":100,"1,106":101,"1,113":102,"1,114":103,"1,115":104,"1,116":105,"1,117":106,"1,118":107,"1,119":108,"1,120":109},"ٜ":{"1":[5,120]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120"],"ٞ":{"1":[1],"23":[2],"45":[3],"55":[4],"102":[5]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\n...\nكتاب تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة\nتأليف: الإمام العالم المجتهد: خليل بن كيكلدي العلائي، ت (٧٦١هـ)\nدراسة وتحقيق: د. عبد الرحيم محمد أحمد القشقري أستاذ مساعد بكلية الحديث الشريف، بالجامعة الإسلامية\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله الذي نزه أصحاب محمد ﷺ من النقائص، وعدلهم من سبع سمواته بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ .\nوبقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ . (التوبة آية: ١٠٠) .\nوآيات كثيرة تدل على فضلهم وعدالتهم، وأحاديث ثابتة عن المصطفى ﷺ تدل على أن أحدًا منا مهما عمل فلن يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه.\nوقد ظهرت فرق أعمى الله أبصارها عن الأدلة الواردة في حق صحابة رسول الله ﷺ فأخذوا يكيلون الشتائم ويرمون فضلاءهم بكل أنواع الفسق والفجور دون مراعاة لحق الصحبة، وما ذاك إلا لغرض في نفوسهم المريضة، فبئست تلك النفوس، وبئست تلك الأغراض.\nوقد تعلق أولئك القوم بأحاديث ساقطة لتأييد ما ذهبوا إليه ضاربين عرض الحائط جميع المصطلحات والقواعد التي تعارف عليها العقلاء من الناس، فضلًا عن المسلمين الذين آمنوا بكتاب الله المنزل فيه تزكية صحابة رسول الله، وسنة نبيه الثابتة والتي تؤكد فضلهم وعدالتهم.\nفمن الأدلى التي ساقوها لتأييد ما ذهبوا إليه حادثتان:","vol":"1","page":5},{"text":"الأولى منهما: ما روي عن عطاء بن السائب أن عبد الله بن الزبير قال يومًا لأصحابه: أتدرون ما تأويل هذا الحديث..؟ من كذب علي متعمدًا. فقالوا: لا علم لنا بذلك، فقال: إن رجلًا من المدينة عشق امرأة، فأتى أهلها فلم يزوجوه منها فلبس حلة وأتى أهلها وقال لهم: إن رسول الله ﷺ بعثني إليكم لكي أتضيف في أي بيت شئت من بيوتكم، وكان ينتظر أن ينام عندهم ... ليتصل بتلك المرأة، فأتى رجل منهم رسول الله فقال له: إن فلانًا يزعم أنك أمرته أن يبيت في أي بيوتنا شاء، فقال: كذب والله. ثم أرسل رجلًا وأمره أن يضرب عنقه إن تمكن منه ويحرقه في النار، فلما خرج دعاه رسول الله ونهاه عن إحراقه بعد قتله، لأنه لا يعذب في النار إلا رب النار.\nورويت هذه الحادثة عن طريق صالح بن حيان عن إبن بريده عن أبيه بتفاوت يسير لا يغير المعنى.\nوالدليل الثاني: رواه إبن سعد في الطبقات والطبراني، عن المنقع التيمي أنه قال: أتيت النبي ﷺ بصدقة إبلنا وقلت له: إن فيها ناقتين هدية لك، فأمر بعزل الهدية عن الصدقة، فمكث أيامًا وخاض الناس أن رسول الله باعث خالد بن الوليد إلى رقيق مصر فمصدقهم. فقلت: والله ما عند أهلنا من مال، فأتيت النبي ﷺ فقلت له: إن الناس خاضوا في كذا وكذا، فرفع النبي ﷺ يديه حتى نظرت إلى بياض إبطه، وقال: اللهم لا أحل لهم أن يكذبوا علي. قال المنقع فلم أحدث بحديث عن النبي ﷺ إلا حديثًا نطق به كتاب أو جرت به سنة يكذب عليه في حياته فكيف بعد موته.\nوقد نظرت في هذين الدليلين فلم أرهما على شرط المحدثين","vol":"1","page":6},{"text":"الذين لا يقبلون من الأحاديث إلا ما ثبت عن رسول الله ﷺ.\nفالحديث الأول أورده ابن الجوزي في موضوعاته محتجًا به، وهو لا يصلح للاحتجاج لأن في سنده عطاء بن السائب.\nقال فيه الحافظ: صدوق اختلط١، والراوي عنه داود بن الزبرقان. قال فيه البخاري: حديثه مقارب.\nوقال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: متروك. وقال أبو داود: ضعيف ترك حديثه٢.\nأما طريق صالح بن حيان، فلا يكون مساندًا لرواية ابن الزبير، لأن الراوي صالح بن حيان ضعفه ابن معين، وقال مرة: ليس بذاك.\nوقال البخاري: فيه نظر. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ٣.\nأما الحديث الثاني، فهو لا يصلح أيضًا للاحتجاج به، لأنه من رواية سيف بن هارون البرجمي.\nقال فيه النسائي والدارقطني: ضعيف.\nوفي رواية الدارقطني: ضعيف متروك٤.\nوقال إبن حبان: يروي عن الأثبات الموضوعات٥.\n_________\n١ تقريب التهذيب ٢/٢٢.\n٢ ميزان الاعتدال ٢/٧.\n٣ الكامل ٤/١٣٧٣، ميزان الاعتدال ٢/٢٩٢.\n٤ ميزان الاعتدال ٢/٢٥٨.\n٥ المجروحون ١/٣٤٦.","vol":"1","page":7},{"text":"وعصمة بن بشير البرجمي\nقال فيه الذهبي: عصمة بن بشير عن الفزع، قال الدارقطني: هما مجهولان، والخبر منكر١.\nفلا يصلح إذًا أن يكون مستمدًا لمن أراد إثبات الكذب ووقوعه في عهد رسول الله ﷺ. إلا أن الحسيني صاحب كتاب الموضوعات في الآثار والأخبار \"يرى أن الصحابة كانوا يكذبون إستدلالًا بهذين الحديثين. وقد تقدم ما فيهما من علل.\nوهذا والله تحامل من المؤلف على صحابة رسول الله ﷺ العدول الأخيار، ولم يكتف بهذا، بل نص على أنه مهما كان الحال فسواء صحت هذه المرويات أو لم تصح، فالمعاصرون للنبي ﷺ لم يكونوا في مستوى واحد كغيرهم من سائر الناس في مختلف العصور. فمنهم الصديقون الأبرار ومنهم المسلم الذي لم يبلغ مرتبة الأبرار، ومنهم المتستر بالإسلام الذي يستبيح كل شيء في سبيل تحقيق أهدافه ورغباته.\nثم تناقض ذلك المؤلف فقال: ونحن لا ندعي وقوع الكذب منهم على الرسول في حياته بصورة قاطعة، لأن الأرقام التي بأيدينا لا تنتهي إلى هذه النتيجة، ثم رجع عن هذا القول، وألبس الصحابة لباس الكذب حين قال: ولكنا لا نستبعده بل نقر به اعتمادًا على هذه المرويات٢.\nأهذا هو المنهج العلمي؟ لا أظن ذلك، وإنما هي أحقاد دفينة في\n_________\n١ ميزان الاعتدال ٢/٦٧.\n٢ الموضوعات في الآثار والأخبار ص: ٩٥.","vol":"1","page":8},{"text":"نفوس ضعيفة منذ العصور المتقدمة، وما ذاك إلا لهدم أساس الشريعة الإسلامية التي أتى بها محمد بن عبد الله، وحملها صحابته الأخيار بكل صدق وأمانة وإخلاص وتضحيات، وبذلوا في سبيل إعلائها الغالي والنفيس.\nوقد قيد الله للرد على هؤلاء أئمة أجلاء منهم الإمام العالم خليل بن كيكلدي العلائي ﵀ رحمة واسعة في كتابه الذي بين أيدينا، فجاء رده موجزًا في عبارته وقويًا في أدلته، ومنصفًا في ترجيحه للحق دون الميل لهوى شخصي أو تعصب مذهبي. وقد تعلقت به حال قراءتي له، فعزمت على إخراجه وتحقيقه مشاركة مني في الدفاع عن الصحابة الذي عدلهم الله ورسوله. وأسأل الله أن ينفع به جميع المسلمين إنه ولي ذلك والقادر عليه.\nالتعريف بالمؤلف وكتابه منيف الرتبة:\nهو الإمام الفقيه الأصولي المحدث الأديب الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي بن عبد الله الدمشقي الشافعي. المعروف بالعلائي، ويكنى بأبي سعيد.\nوكان مولده في أحد الربيعين سنة أربع وتسعين وستمائة، بمدينة دمشق، ويرى إبن العماد الحنبلي أنه ولد في شهر ربيع الأول.\nوبدأ مشوار العلم في سن مبكر جدًا، ولا يستبعد أن يكون طلبه للعلم كان في الخامسة من عمره. لأنه حكى عن نفسه أنه سمع صحيح الإمام مسلم ﵀ سنة ثلاث وسبعمائة، وكان عمره آنذاك تسع سنوات، وذلك بعد حفظه لكتاب الله وتمكنه من أصول اللغة العربية.\nوبهذين يتأهل لدراسة المزيد من علوم الشريعة التي ابتدأها بسماع","vol":"1","page":9},{"text":"صحيح الإمام مسلم، وصحيح الإمام البخاري، وعلم الفقه والفرائض.\nوكان لهذا التبكير في التحصيل أثر كبير في إستيعابه للمسائل العلمية الدقيقة التي تطرق إليها في مؤلفاته، وكانت الحجة على من عليه. وكان من نتيجته أيضًا كثرة المؤلفات التي خلفها لنا في كل فن، والتي سبق ذكرها في مقدمة تحقيقي لكتاب النقد الصحيح، وسأذكر في هذه العجالة بعضها.\nشيوخه:\nقال إبن العماد الحنبلي:\nبلغ عدد شيوخه بالسماع سبعمائة.\nوأخذ علم الحديث عن المزي وغيره.\nوأخذ الفقه عن الشيخين. البرهان الفزاري ولازمه وخرج له مشيخة. والكمال الزملكاني وتخرج به وعلق عنه كثيرًا. انتهى.\nومن شيوخه أيضًا: الشيخ نجم الدين القحفازي الذي ابتدأ قراءة العربية عليه. والشيخ زكي الدين الزكوي الذي أخذ عنه الفقه وعلم الفرائض.\nأقوال العلماء فيه:\nقال السبكي: كان حافظًا ثقة ثبتًا عارفًا بأسماء الرجال والعلل والمتون.\nوقال الحافظ ابن كثير: كانت له يد طولى بمعرفة العالي والنازل،","vol":"1","page":10},{"text":"وتخريج الأجزاء والفوائد. وله مشاركة قوية في الفقه واللغة العربية والأدب.\nوقال الحافظ الذهبي: وهو من أخص تلاميذه. كان إمامًا في الفقه والنحو والأصول، مفتنًا في علوم الحديث ومعرفة الرجال. علاّمة في معرفة المتون والأسانيد فمصنفاته تنبئ عن إمامته في كل فن. وقال في معجمه: معدود في الأذكياء. وله يد طولى في فن الحديث ورجاله.\nوقال إبن العماد: جد واجتهد حتى فاق أهل عصره في الحفظ والإتقان.\nرحلاته:\nلم تذكر الكتب التي ترجمت للمؤلف أنه ارتحل كثيرًا، ولعل ذلك يعود إلى أن المؤلف اكتفى بالسماع من أهل بلده، لأنه عاش في عصر كان معظم العلماء في مدينة دمشق١.\nفالرحلة لم تكن ضرورة ملحة إلا إذا كان للحج، وقد قام بها المؤلف مرارًا. أو للتدريس وقد قام بها في القدس، حيث أقام بها مدرسًا بالصلاحية واستقر بها مدة طويلة يدرس ويفتي ويصنف إلى آخر عمره، حيث كانت وفاته في تلك الديار، وذلك في ثالث المحرم عام إحدى وسبعين وستمائة، ودفن بمقبرة باب الرحمة إلى جانب السور. بعد حياة حافلة بالعلم والعمل، فرحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.\n_________\n١ انظر: شذرات الذهب ٦/٤-١٩٠ لتقف على العلماء الأعيان الذي سكنوا دمشق وماتوا فيها، وكان لهم أثر كبير في ازدهار العلوم الإسلامية وتقدمها.","vol":"1","page":11},{"text":"مؤلفاته:\nإن الباحث في حياة المؤلف يدرك تمامًا مدى الجهد الذي بذله في إيصال العلوم النافعة للأجيال الذين عاصروه ومن جاء بعده. وقد ذكرت الكتب التي تناولت حياته بالترجمة جملة كبيرة من المصنفات في شتى العلوم الشرعية تجاوزت في عددها الخمسين مصنفًا بين كتاب كبير تجاوز المجلدات الكبيرة، وأجزاء صغيرة مثل هذا الجزء الذي بين أيدينا.\nوقد ذكرت في مقدمة تحقيقي لكتاب النقد الصحيح ما مجموعه سبعة وأربعون كتابًا فأغنى ذكره هناك عن الإعادة في هذه العجالة. إلا أنه من المناسب أن أورد مصنفاته الموجودة بين أيدينا سواء كانت مخطوطة أو ما طبع منها وهي قليلة جدًا بالنسبة لما فُقد أو مازال في أرفف المكتبات العالمية.\nفمن مؤلفاته المطبوعة:\n١- إجمال الإصابة في أقوال الصحابة.\nوهو جزء صغير أفرده لاستيفاء القول في حكم – أقوال الصحابة- من حيث كونها حجة في الأحكام الشرعية أم لا١.\n٢- بغية الملتمس في سباعيات حديث الإمام مالك بن أنس٢.\n٣- تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد٣.\n_________\n١ طبع بتحقيق محمد بن سليمان الأشقر عام ١٤٠٧هـ.\n٢ طبع بتحقيق وتعليق حمدي عبد المجيد السلفي عام ١٩٨٥م.\n٣ طبع بتحقيق الشيخ إبراهيم السلقيني.","vol":"1","page":12},{"text":"٤- جامع التحصيل لأحكام المراسيل١.\n٥- جزء في تفسير الباقيات الصالحات وفضلها٢.\n٦- النقد الصحيح لما أعترض عليه من أحاديث المصابيح٣.\nأما مؤلفاته المخطوطة فهي ما يلي:\n١- الأشباه والنظائر.\nوقفت على نسخة منه في الجامعة العثمانية تحت رقم ٣٦٢-٢٩٧، وعدد أوراقه ٢١٩ ورقة.\n٢- تفصيل الإجمال في تعارض بعض الأقوال والأفعال.\nمنه نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية قسم المخطوطات، تحت رقم ١٣٠٤.\n٣- تلقيح الفهوم في صيغ العموم.\nمنه نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية قسم المخطوطات، تحت رقم ٦٤٧ / ٦٤٨.\n٤- التنبيهات المجملة على المواضع المشكلة.\nيحققه الدكتور مرزوق بن هياس الزاهراني معتمدًا فيه على نسختين مختلفتين، وقد أوشك على الانتهاء منه.\n٥- تهذيب الأصول إلى مختصر جامع الأصول.\nمنه نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية قسم المخطوطات، تحت رقم ٢٥١٠.\n_________\n١ طبع بتحقيق الشيخ حمدي عبد المجيد السلفي عام ١٩٧٨م.\n٢ طبع بتحقيق علي أبو زيد وحسن مروه ومراجعة عبد القادر الأرناؤوط عام ١٤٠٧هـ.\n٣ طبع بتحقيقي عام ١٤٠٥هـ.","vol":"1","page":13},{"text":"٦- توفية الكيل لمن حرم لحوم الخيل.\nيحققه الدكتور عبد الكريم صنيتان العمري، بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية، وهو على وشك الانتهاء منه.\n٧- جزء فيه أحاديث منتقاة من جزء أبي مسعود بن الفرات.\nمنه نسخة مصورة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض عن الأصل المخطوط في المكتبة الأحمدية. ورقمه في الجامعة ٥١٦/ ١٣ ص (ل٧٠ –٧٢) في ٣ لقطات.\n٨- مجمع الفوائد.\nمنه نسخة مخطوطة في مكتبة الشيخ عارف حكمت بالمدينة تحت رقم ٤٩٣ عام.\n٩- رسالة في تفسير ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ .\nمنه نسخة مخطوطة في دار الكتب المصرية تحت رقم ٣٦٠٢. ح ضمن مجموع من ٤٨ق –٦٨ق.\n١٠- رسالة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى﴾ .\nمنه نسخة مخطوطة في دار الكتب المصرية تحت رقم ٢١٢١ ب، ضمن مجموع من ١ق - ٧ق.\n١١- رفع الأشكال عن حديث صيام ستة أيام من شوال.\nذكره د. عمر فلاته في مقدمة كتابه المراسيل للعلائي ١/ ١٥، وقال: موجود في القاهرة.\n١٢- شفاء المسترشدين في حكم إختلاف المجتهدين.\nمنه نسخة في مكتبة كوبريللي باسطمبول، تحت رقم ٣٨٦/ ٢.\n١٣- العدة في أدعية الكرب والشدة.\nمنه نسخة مخطوطة في مكتبة كوبريللي تحت رقم ٣٣٤ ب م","vol":"1","page":14},{"text":"ونسخة في مكتبة برلين تحت رقم: ٤١٤٨.\n١٤- الفتاوى المستغربة.\nمنه نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية بقسم المخطوطات تحت رقم ٦٨٦٨ ف.\n١٥- الفصول المفيدة في الواو المزيدة.\nمنه نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية تحت رقم: ٢٧٠٩، من ورقة ١٠٩- ١٢٦.\n١٦- حديث \"قطع في مجن\" وما يتعلق به.\nمنه نسخة في مكتبة الجامعة الإسلامية تحت رقم: ٥٤٢.\n١٧- كشف النقاب عما روى الشيخان للأصحاب.\nمنه نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية تحت رقم: ١٧٧٠.\n١٨- الكلام في بيع الفضولي.\nمنه نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية تحت رقم: ٨٧٨.\n١٩- المجموع المذهب في قواعد المذهب.\nمنه نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية تحت رقم: ١٧٩٠.\n٢٠- الوشي المعلم فيمن روى عن أبيه عن جده.\nلم يبق من الكتاب سوى قطعة وقفت عليها مصورة في مكتبة شيخنا الفاضل الشيخ حماد بن محمد الأنصاري حفظه الله.","vol":"1","page":15},{"text":"مصدار ترجمة المؤلف:\n١- الأنس الجليل ٢/١٠٧.\n٢- البداية والنهاية ١٤/٢٦٧.\n٣- تذكرة الحفاظ ٤/١٥٠٧.\n٤- الدارس ١/٦٠.\n٥- الدرر الكامنة ٢/٩١.\n٦- ذيل طبقات الحفاظ ص ٣٦٠.\n٧- الرسالة المستطرفة ص ٦٣.\n٨- شذرات الذهب ٦/١٩٠.\n٩- طبقات الشافعية ١٠/٣٦.\n١٠- العبر ٤/١٨٦.\n١١- معجم الشيوخ للذهبي ١/٢٢٣.\n١٢- مقدمة كتاب المراسيل للدكتور عمر حسن فلاته.\n١٣- مقدمة تحقيقي لكتاب النقد الصحيح للعلائي.\n١٤- فهرس الفهارس ٢/٧٩٠.\nوصف النسخ:\nلقد اعتمدت في تحقيقي لهذا الكتاب على أربع نسخ مختلفة من أصل خمس نسخ قمت بجمعها في أوقات متباينة، مما جعلني أعيد النظر في تحقيق الكتاب ثلاث مرات قبل دفعها إلى المطبعة لكتون متداولة بين أيدي الباحثين. وكانت النسخ المتعددة خير معين لي على إخراج النص كما أراده المؤلف بدون تصحيف أو تحريف.","vol":"1","page":16},{"text":"وكانت أولى النسخ الأربع نسخة الأسكوريال، وهي ضمن مجموعة تحتوي على مؤلفات العلائي. ورقمها: ١٦١٢.\nالناسخ وتاريخ النسخ:\nلم يذكر الناسخ اسمه بعد الانتهاء من نسخ الكتاب كعادة النساخ. وذلك اكتفاء بما ذكره في أول المجموعة التي تضمنت هذا الكتاب وغيره. وقد ذكرالناسخ اسمه في نهاية كتاب التنبيهات المجملة. وحيث أن الخط واحد مع اختلاف في تاريخ النسخ. فإن الناسخ لهذا الكتاب هو محمد بن أحمد بن الصميدي الذي نسخ كتاب التنبيهات في الثامن من شهر جمادى الأولى سنة ست وسبعين وسبعمائة، وكتاب منيف الرتبة في التاسع عشر من جمادى الأولى من تلك السنة.\nومن خلال نسخي لهذه النسخة التي جعلتها أصلًا تبين لي أن الناسخ بذل جهدًا وعنابة في نسخ الكتاب، تجلى ذلك في الاهتمام بالعناوين وبداية الأحاديث التي أوردها المصنف بخط يغاير الخط الذي استعمله في تسطير الكتاب، ولم ينس كتابة الكلمة من الورقة المقابلة في آخر سطر من الورقة السابقة حتى لا تتداخل الأوراق عند عدم كتابة أرقامها في أعلى الورقة.\nويظهر أنه قابل بين نسخته والنسخة التي نقل عنها، بدليل الدائرة المنقوطة بعد انتهاء المعلومة. وهو مصطلح معروف لدى علماء هذا الشأن. ومن أجل هذه الميزات الآنفة الذكر إضافة إلى جودة الخط ووضوحه، وعدم وجود سقط جوهري أو تحريم أو تصحيف ذي ضرر على مادة الكتاب، جعلت هذه النسخة أصلًا في التحقيق. والنسخ التي","vol":"1","page":17},{"text":"سيأتي ذكرها فرعًا لها في التصحيح والتكميل عند المقابلة.\nعدد أوراق النسخة: ٢٧ ورقة.\nمسطرتها: ١٩ سطرًا.\nالنسخة الثانية:\nوهي نسخة مصورة عن الأصل المخطوط في مكتبة جامعة برنستون بالولايات المتحدة الأمريكية. تحت رقم هـ ٧٨٥ – وقد تفضل الشيخ نظام يعقوبي مشكورًا بإرسال نسخة مصورة عنها، فجزاه الله عني خير الجزاء، وأجزل له المثوبة في الدارين.\nوتقع النسخة في ٢٩ ورقة من الحجم المتوسط، وتمتاز بوضوح خطها ووجود بعض الفوارق الجيدة عن النسخة التي اعتمدتها في التحقيق، وقد أشرت إلى تلك الفوارق في الحاشية عند التحقيق، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\nوتوفرت فيها ميزان النسخة الأصلية من تمام الضبط وإثبات الكلمة الأولى في آخر الورقة التي تسبق العبارات الموجودة في الورقة التالية. والاعتناء بالمقابلة من الأصل المنقول منه، بدليل إثبات الكلمات الساقطة في حاشية النسخة. إلا أن الناسخ لم يهتم بذكر اسمه ولا تاريخ نسخه للكتاب، وقد أدى هذا التصرف إلى أن أجعلها نسخة أخرى للمقابلة والتصحيح عند الحاجة.\nالنسخة الثالثة:\nوهي نسخة مصورة من مكتبة خدابخش والمحفوظة هناك تحت رقم ٣١٨٣/٢ وعدد أوراقها ٣٣ ورقة تحتوي كل ورقة على ١٩","vol":"1","page":18},{"text":"سطرًا. والخط قريب جدًا إلى الخط الفارسي. وفيها بعض الإلحاقات مما يدل على أنها قوبلت بعد الانتهاء منها.\nويكاد يكون الاختلاف بينها وبين النسخ الأخرى نادرة جدًا. وقد أثبت بعضها في الحاشية.\nالنسخة الرابعة:\nوهي نسخة المتحف الوطني بكراتشي، ضمن مجموعة تحمل رقم ١٩٨٠ وتقع في ٢٨ ورقة وتحتوي كل ورقة على ١٨ سطرًا. وقد أتحفني بها فضيلة الأستاذ الدكتور ضياء الرحمن الأعظمي، فجزاء الله خيرًا ونفع بعلمه المسملين.\nوتمتاز هذه النسخة كسابقتها من جودة الخط ووضوحه، مع بعض الفوارق الخفيفة. وقد أثبتها في الحاشية أثناء المراجعة.\nالتعريف بالكتاب:\nعنوان الكتاب هو: «تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة» .\nوقد اتفقت النسخ التي اعتمدتها على هذه التسمية، إلا أن الكتاني ﵀ ذكر في فهرس الفهاري ٢ /٧٩٠ أن من مؤلفاته كتاب تحقيق منصب الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة، وأظنه تصحف عليه كلمة منصب من كلمة منيف، ونظرًا لورود الاسم حسبما ذكرت بعاليه في النسخ المذكورة، فإنني اعتمدته في غلاف الكتاب.","vol":"1","page":19},{"text":"موضوعه:\nقال المؤلف في مقدمة كتابه:\nهذا الكتاب يشتمل على تحقيق من يتصف بهذه الرتبة التي هي الصحبة الشريفة، وبماذا تثبت من الطرق حتى يحكم للواحد منهم بالرتبة المنيفة.\nوقد تطرق ﵀ إلى مواضيع هامة جدًا لم يتطرق إليها مجتمعة من قبله أحد. وقد حصر كلامه في كتابه هذا على ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى:\nفي تعريف الصحبة. وحكى في ذلك أقوال الأئمة المتقدمين، والتي بلغت مجموعها ستة أقوال. ثم أورد ما يمكن إيراده من المعارضة ورد ما يمكن رده، وخلص إلى نتيجة رأى أنها صحيحة لا يمكن ردها.\nالمسألة الثانية:\nالطرق التي يمكن بها إثبات الصحبة. وأنها تثبت تارة بالتواتر وتارة بالاستفاضة القاصرة عن التواتر وتارة بأن يروى عن آحاد الصحابة أنه صحابي، وتارة بقوله وإخباره عن نفسه بعد ثبوت عدالته أنه صحابي.\nالمسألة الثالثة:\nفي تقرير عدالة الصحابة ﵃. وأنه لا عبرة بمن حط على الصحابة أو خاض فيما شجر بينهم. ثم أورد جملة من الأدلة التي","vol":"1","page":20},{"text":"تؤكد عدالة الصحابة من الكتاب والسنة الصحيحة وإجماع الأمة.. وأورد أدلة من ذهب إلى أنهم غير عدول، وناقشها نقاشًا علميًا رد فيها كل تخرصاتهم واجتهاداتهم الخاطئة في فهم النصوص الواردة. وختم كتابه بفصل عن التهم التي أوردها بعض الناس في حق أبي هريرة ﵁ ورواياته عن النبي ﷺ وردها ردًا شافيًا فرحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته\nإثبات الكتاب للمؤلف:\nإن الأدلة قائمة على أن هذا الكتاب الذي بين أيدينا هو كتاب الإمام العلائي.\nفقد اعتمد الحافظ إبن حجر نصًا واحدًا في كتابه الإصابة ١/١٠-١١. إلا أنه لم يشر إلى إسم الكتاب. بل اكتفى بقوله: قال العلائي. وعند رجوعي إلى الأصل وجدت الكلام الذي نقله الحافظ منطبقًا على ما في هذا الكتاب.\nوكذلك فعل الإمام السخاوي. حيث نقل نصين عن الكتاب في فتح المغيث ٣/ ٨٩-١٠٤ دون الإشارة إلى عنوان الكتاب.\nوالسيوطي أيضًا نقل نصًا واحدًا وعزاه إلى العلائي دون الإشارة إلى عنوان الكتاب، إلا أن المقارنة أثبتت أنهم نقلوا هذه المعلومات من كتاب منيف الرتبة.\nوأما الكتاني فقد ذكر إسم الكتاب مصحفًا كما أشرت إليه آنفًا.\nفهذه الأدلة تكفي لإثبات نسبة الكتاب للعلائي بعنوانه الذي","vol":"1","page":21},{"text":"أثبته، بما لا يدع مجالًا للشك، وبهذه النقولات التي اعتمدها العلماء بعده في كتبهم نستدل على أهمية الكتاب، وما تطرق إليه من مواضيع فيه تدور في فلك الصحابة رضوان الله عليهم.\nعملي في التحقيق:\nكان جل اهتمامي في تحقيق النص وإخراجه وضبطه ضبطًا تامًا على قدر الاستطاعة، وذلك بالرجوع إلى النسخ المتوافرة لدي، والتي أشرت إليها آنفًا وبالرجوع إلى المراجع التي اعتمدها في نقل معلوماته.\nثم التعليق على المواضع التي أرى أنه لا بد من التعليق عليها.\nولذا لم أطل في الحاشية لأن القارئ يريد الوقوف على ما في أصل المؤلف، ثم إن كثيرًا من الروايات التي استند عليها المؤلف في كتابه هي من الصحيحين أو أحدهما. وما كان فيه ضعف نبه عليه، فأغنى ذلك عن التعليق الذي يفوت الفائدة من نص الكتاب، والله الموفق والهادي إلى الصواب. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آل وصحبه وسلم.\nوكتبه\nد. عبد الرحيم بن محمد القشقري\nفي المدينة النبوية عام ١٤٠٩","vol":"1","page":22},{"text":"ملاحظة: توجد صورة لنسحة الاسكوريل باسبابيا","vol":"1","page":23},{"text":"ملاحظة: توجد هنا صورة لنسخة برنستون \"امريكا\"","vol":"1","page":24},{"text":"نسخة خدا بخش بالهند","vol":"1","page":25},{"text":"نسخة التحف الوطني بكرتشي","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المسألة الأولى: في تعريف الصحابي</span>\n...\nنص، كتاب تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة\nللإمام الحافظ العلائي\nبسم الله الرحمن الرحيم\nوما توفيق إلا بالله. أما بعد:\nحمدًا لله الذي وسع كل شيء رحمة وعلمًا، وفضل من اجتباه بما آتاه من جميل الرغائب وجزيل النعمى (ويسر للخير من هداه إليه فكان للسابقين المزية العظمى) ١، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث برحمة ورحمى المنعوت بأشرف الصفات حكمة وحكمًا. الذي فتح به قلوبًا غلفًا وعيونًا عميًا وآذانًا صمًا. وعلى آله وصحبه الحائزين به نعمًا جمًا. الفائزين لما خصوا به من صحبته بالمحل الأسمى.\nفإن الله ﷾ اختص نبيه ﷺ بصحابة جعلهم خير أمته، والسابقين إلى تصديقه وتبعيته والمجاهدين بين يديه والباذلين نفوسهم تقربًا إليه (والناقلين لسننه وقضاياه، والمقتدين به في أفعاله ومزاياه) ٢، فلا خير إلا وقد سبقوا إليه من بعدهم. ولا فضل إلا وقد استفرغوا فيه جهدهم. فجميع هذا الدين راجع إلى نقلهم وتعليمهم. ومتلقى من جهتهم بإبلاغهم وتفهيمهم. فلهم مثل أجور كل من اهتدى بشيء من ذلك على مر الأزمان. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء بالطول والإحسان.\n_________\n١ ما بين القوسين من الأمريكية. وفي نسخة كراتشي: «المرتبة العظمى» .\n٢ ما بين القوسين من الأمريكية.","vol":"1","page":29},{"text":"وهذا الكتاب يشتمل على تحقيق من يتصف بهذه الرتبة التي هي الصحبة الشريفة، وبماذا تثبت من الطرق حتى يحكم للواحد منهم بالرتبة المنيفة. ثم إثبات العدالة لجميعهم ﵃، وأنه لا يشذ عن هذه المنقبة أحد منهم، وذكر المذاهب الشاذة وبيان ما يعتمد من قويم المسالك.\nوبالله تعالى التوفيق. وإياه نسأل الهداية إلى أقصد الطريق. إنه بالإجابة جدير وعلى ما يشاء قدير.\nوالكلام فيما قصدنا له ينحصر في ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: فيما يثبت به إسم الصحبة حتى ينطلق على من قام به إسم الصحابي، وفي ذلك مذاهب متباينة.\nالأولى: وهو الذي عليه جمهور أهل الحديث.\n\"أنه كل مسلم رآه النبي ﷺ ولو لحظة وعقل منه شيئًاَ، فهو صحابي، سواء كان ذلك قليلًا أو كثيرًا\".\nوهذا ما حكاه القاضي عياض وغيره عن أحمد بن حنبل ﵀.\nورواه عبدوس بن مالك قال: سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل ﵀ يقول:\n\"كل من صحبه سنة أو شهرًا أو ساعة أو رآه فهو من","vol":"1","page":30},{"text":"أصحابه\"١.\nوقال البخاري في صحيحه: \"من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه\"٢.\nوأخرج أبو داود في سننه حديث طارق بن شهاب أن النبي ﷺ قال:\n١ -\"الجمعة حق واجب على كل مسلم ... الحديث\".\nثم قال أبو داود عقيبه: طارق بن شهاب قد رأى النبي ﷺ، ولم يسمع منه شيئًا. فدل إخراجه الحديث في سننه على أنه مسند، ولولا أن طارقًا يعد من الصحابة لمجرد الرؤية، وإلا كان تابعيًا، فيكون الحديث مرسلًا٣.\nقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀:\n\"المعروف في طريقة أهل الحديث أن كل مسلم رأى النبي ﷺ فهو من الصحابة\".\nقال: وبلغنا عن أبي المظفر بن السمعاني المروزي أنه قال:\n\"أصحاب الحديث يطلقون اسم الصحابة على كل من روى عنه حديثًا أو كلمة. ويتوسعون حتى يعدون من رآه رؤية من الصحابة. وهذا لشرف منزلة النبي ﷺ. أعطوا كل من رآه حكم الصحبة\"٤.\nوالقول الثاني: وهو أضيق من الأول قليلًا، أنه لا يكتفي بمجرد الرؤية، لكن لا بد مما ينطلق عليه اسم الصحبة ولو ساعة.\n_________\n١ الكفاية ٩٩.\n٢ فتح الباري ٧/٣.\nوقال الحافظ ابن حجر: وهذا الذي ذكره البخاري هو الراجح.\n٣ انظر عون المعبود ٣/٣٩٤ مع الحواشي.\n٤ مقدمة ابن الصلاح ص ١٤٦.","vol":"1","page":31},{"text":"لطيفة حكاه بعض أئمة الحديث المتأخرين عن الواقدي أنه قال:\n\"ورأيت أهل العلم يقولون: كل من رأى رسول الله ﷺ وقد أدرك الحلم فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه، فهو عندنا ممن صحب النبي ﷺ ولو ساعة من النهار\"١.\nوهكذا قال الآمدي في الأحكام ناقلًا له عن أكثر أصحابنا:\n\"أن الصحابي من رأى النبي ﷺ وصحبه ولو ساعة، وإن لم يختص به اختصاص المصحوب، ولا روى عنه ولا طالت مدة صحبته\"٢.\nوعبارة الشيخ صفي الدين الأرموي في نهاية الوصول نحو هذا.\nوهي أعم من قول الواقدي المتقدم آنفًا. من جهة أن ذاك اشترط فيه البلوغ، ولم يقيد الآمدي والأرموي كلامهما بذلك. بل يدخل فيه أيضًا الصبي المميز كمحمود بن الربيع الذي عقل عن النبي ﷺ مجة مجها في وجهه وهو ابن خمس سنين٣. وعده البخاري وغيره من الصحابة لذلك. فيمكن لذلك أن يجعل الكلامان قولين متباينين.\nوأما ابن الحاجب فإنه اختار في مختصريه القول الذي نقلناه أولًا عن أحمد بن حنبل والجمهور من الاكتفاء بمجرد الرؤية٤.\n_________\n١ الكفاية ص ٩٩، وفي نسخة كراتشي: -ولو ساعة من الزمان.\n٢ قال الآمدي في أحكام الأحكام ٢/٩٢ ذهب أكثر أصحابنا وأحمد بن حنبل.\n٣ رواه البخاري في صحيح فتح الباري ١/١٧٢.\n٤ شرح مختصر المنتهى ٢/٦٧.","vol":"1","page":32},{"text":"«القول الثالث»: إن الصحابي أنما ينطلق على من رأى النبي ﷺ واختص به اختصاص المصحوب، وطالت مدة صحبته، وإن لم يرو عنه.\nحكاه هكذا الآمدي والأرموي عن جماعة ولم يسموهم١.\nونقله ابن الصلاح عن أبي المظفر بن السمعاني أنه ذكر أن اسم الصحابي من حيث اللغة. والظاهر إنما يقع على من طالت صحبته للنبي ﷺ وكثرت مجالسته له على طريق التتبع له والأخذ عنه.\nقال: وهذا طريق الأصوليين٢.\n«القول الرابع»: إن هذا الاسم إنما يسمى به من طالت صحبته للنبي ﷺ وأخذ عنه العلم. حكاه الآمدي هكذا عن عمر بن يحيى٣.\nوعبر غيره عن هذا القول بأن يجمع بين الصحبة الطويلة والرواية عنه ﷺ. وهذا أقرب، لأنه من المعلوم أن من طالت صحبته للنبي ﷺ فلا بد وأن يتحمل عنه شيئًا ما، ولو من أفعاله التي شاهدها.\nلكن يرد على هذا القائل: أنه لا يعرف خلاف بين العلماء في أن من طالت صحبته ولم يحدث عنه ﷺ بشيء. أنه معدود من الصحابة، لكن وقوع مثل ذلك نادر جدًا. إذ لا يلزم من عدم وصول رواية عن ذلك الصاحب إلينا أن لا يكون روى شيئًا عن النبي ﷺ مما سمعه أو شاهده.\n_________\n١ أحكام الأحكام ٢/٩٢ حيث عبر بقوله: وذهب آخرون.\n٢ مقدمة ابن الصلاح ص ١٤٦.\n٣ أحكام الأحكام ٢/٩٢.","vol":"1","page":33},{"text":"«القول الخامس»: وهو أضيق المذاهب. ما حكاه إبن الصلاح وغيره عن سعيد بن المسيب أنه قال:\n\"لا يعد الصحابي إلا من أقام مع النبي ﷺ سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين\"١.\nقال الشيخ أبو عمرو:\nوكان المراد بهذا إن صح عنه راجع إلى المحكى عن الأصوليين. ولكن في عبارته ضيق يوجب أن لا يعد في الصحابة جرير بن عبد الله ﵁ ومن شاركه في فقد ظاهر ما اشترطه فيهم ممن لا نعرف خلافًا في عده من الصحابة٢.\nقلت: مثل وائل بن حجر، ومعاوية بن الحكم السلمي. وخلق كثير ممن أسلم سنة تسع وبعدها.\nوقدم عليه ﷺ فأقام عنده أيامًا ثم رجع إلى قومه، وروى عنه أحاديث.\nاللهم إلا أن يؤول كلام سعيد بن المسيب على من يعطي كمال الصحبة المقتضى للعدالة، على ما اختاره الإمام المازري كما سيأتي إن شاء الله من قوله:\nإن العدالة المطلقة إنما يحكم بها لأمثال هؤلاء.\n_________\n١ أخرجه ابن سعد عن الواقدي، وهو ضعيف الحديث. فتح المغيث ٣/٩٤.\n٢ انظر الأقوال التي أوردها السخاوي في إسلام جرير. فتح المغيث ٣/","vol":"1","page":34},{"text":"وهو قول مرجوح أيضًا كما سنبينه إن شاء الله تعالى.\n«القول السادس»: وهو أوسع المذاهب، ما حكاه القاضي عياض قال:\nذهب أبو عمر بن عبد البر في آخرين إلى أن إسم الصحبة وفضيلتها حاصلة لكل من رآه وأسلم في حياته، أو ولد وإن لم يره، وإذا كان ذلك قبل وفاته بساعة ولكن كان معهم في زمن واحد. وجمعه وإياه عصر مخصوص.\nقلت: إن كان هذا أخذه القاضي عياض من تصريح إبن عبد البر وغيره بذلك، ففيه من الأشكال ما سيأتي. وإن كان مأخوذًا من إدخالهم أمثال هؤلاء في كتب الصحابة التي صنفوها، فقد صرح إبن عبد البر بأنه إنما أدخل مثل الأحنف بن قيس، والصنابحي، وأولاد الصحابة الذين ولدوا في حياته ﷺ، ولا يثبت لأحد منهم رؤية لموته ﷺ وهم صغار جدًا. ليستكمل بذكرهم القرن الذي أشار إليه النبي ﷺ بأنه خير القرون. يعني لا لأنهم من الصحابة. فقد حكم على روايتهم عن النبي ﷺ بالإرسال في غير موضع من كتبه، فعرف مقصده بذكرهم في كتاب الصحابة١.\nهذا حاصل المذاهب التي وقفت عليها في هذه المسألة، ويتعلق بها مباحثات.\nالأولى: إن الصحبة لها اعتباران.\nأحدهما: من حيث الوضع.\nوالآخر: من حيث العرف.\n_________\n١ لعل القاضي عياض أخذ هذا عن كتاب الاستيعاب ١/١٣/١٢٦.","vol":"1","page":35},{"text":"فهي من حي الوضع اللغوي ينطلق على القليل والكثير سواء كان في مجالسة أو مماشاة ولو ساعة يسيرة١.\nوقد روى سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي عن علقمة أنه خرج مع عبد الله بن مسعود رديفًا له. فصحبه دهقان في الطريق من القنطرة، فأنشعبت له طريق فأخذ فيها. قال: فقال عبد الله: أين أخذ الرجل. فقلت: إنشعبت له طريق. فلما رآه قال: السلام عليك فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس يكره أن يبدؤا بالسلام. قال: بلى ولكن هذا حق الصحبة.\nفأطلق إبن مسعود ﵁ إسم الصحبة على السير معه شيئًا يسيرًا.\nوأما من حيث العرف:\nفإنه لا ينطلق إلا على الصحبة الطويلة أو الكثيرة.\nصرح بذلك إبن سيده، والراغب٢ وغيرهما.\nلكن لا حد لتلك الكثرة، كما أنه لم يحد الاعتبار اللغوي من حيث القلة إلا بما ينطلق عليه الإسم.\nوقد استدل ابن الحاجب لقول الجمهور الذي اختاره. أن إسم الصحابي يقع على من له مجرد الرؤية فأكثر من ذلك، بأن إسم الصحبة يعم القليل والكثير. بدليل أنه يصح تقسيمها إلى ذلك. ويقبل التقييد بكل منهما.\n_________\n١ وهو رأي الباقلاني والخطيب. انظر فتح المغيث ٣/٨٦.\n٢ المفردات في غريب القرآن ص ٢٧٥.","vol":"1","page":36},{"text":"فيكون للقدر المشترك بينهما، لأن مورد التقسيم يجب أن يكون مشتركًا. ولذلك لو حلف حالف أنه لا يصحب فلانًا حنث بصحبته لحظة١.\nواستدل غيره أيضًا بصحة الاستفهام، فإن القائل إذا قال: صحبت فلانًا..؟ حين أن يقال صحبته يومًا أو شهرًا أو ساعة يسيرة. ونحو ذلك، فلولا أنه موضوع للكل لما حسن الاستفهام منه.\nواعترض عليه بشيئين:\nأحدهما: أنه – أعني ابن الحاجب- صدر المسألة بما اختاره من قول الجمهور بأن إسم الصحبة يقع على من له مجرد الرؤية، كما تقدم.\nوهذا الدليل لا يطابق المدعي. لأن من رأى شخصًا من بعيد، ولم يكلمه ولا صحبه لحظة. لا يقال له أنه صحبه. لا من حيث الوضع ولا من حيث العرف قطعًا. فلا يستقيم الدليل إلا لمن قال بالقول الثاني أنه لا يكتفي بمجرد اللقاء، بل لا بد مما ينطلق عليه اسم الصحبة من ملابسة ما إما بكلام أو مماشاة ونحو ذلك دون من رآه من بعيد وقتًا ما كأبي الطفيل وأمثاله.\nالثاني: إن هذا التقسيم والاستفهام إنما يجيئان في مطلق اسم الصحبة التي هي المصدر وكذلك الفعل.\nفأما إسم الفاعل الذي هو الصاحب فلا ينطلق إلا على الملازم الذي كثرت منه الصحبة. كما يقال المزني والربيع صاحبا الشافعي.\n_________\n١ شرح مختصر المنتهى ٢/٦٧.","vol":"1","page":37},{"text":"وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة ونحو ذلك. صرح بذلك الراغب وغيره١.\nفلا يلزم من كون الصحبة للقدر المشترك بين القليل والكثير أن يكون الصاحب كذلك، ولا يحسن الاستفهام عند إطلاق لفظ الصاحب كما يحسن عند إطلاق الفعل أو المصدر. وكذلك الحنث في اليمين أيضًا. فإنه إذا حلف أن لا يكون صاحبًا لفلان لم يحنث بصحبته ساعة لطيفة، وهذا هو المأخذ الذي اعتبره المازري في تخصيص الحكم بالعدالة لمن اشتهر من الصحابة دون من قلّت صحبته، أو كان له مجرد الرؤية، فلا يبقى في إدراج من كان له مجرد الرؤية في عداد الصحابة إلا لشرف المنزلة، أعطي من رآه حكم الصحبة.\nوقد روى شعبة عن موسى السيلاني وأثنى عليه خيرًا قال:\n٢-\"أتيت أنس بن مالك ﵁ فقلت: هل بقي من أصحاب رسول الله ﷺ أحد غيرك. قال: بقي ناس من الأعراب قد (رأوه) ٢ فأما من صحبه فلا\"٣.\n_________\n١ انظر أحكام الأحكام ٢/٩٣.\n٢ في أ: رواه. والتصويب من الهندية والنسخ الأخرى.\n٣ قال السخاوي:\nقال موسى السيلاني فيما رواه إبن سعد في الطبقات بسند جيد. قلت لأنس: أأنت آخر من بقي من أصحاب النبي ﷺ..؟ فقال بناء على ما في ظنه قد بقي قوم من الأعراب. فأما أصحابه فأنا آخرهم. لكن قد يجاب عنه بأنه أراد إثبات صحبة خاصة، ليست لتلك الأعراب. فتح المغيث ٣/٩٣.","vol":"1","page":38},{"text":"قال ابن الصلاح: إسناده جيد حدث به مسلم بحضرة أبي زرعة١.\nقلت: وهو يقتضي التفرقة بين الرائي ومن يطلق عليه إسم الصاحب.\nوالحاصل أن تسمية الجميع بإسم الصحابي له إعتبارات.\nإحداها: من يصدق عليه الإستعمال العرفي قطعًا، وهؤلاء هم، جمهور الصحابة من المهاجرين والأنصار الذين كانوا معه ﷺ. ومن هاجر إليه من القبائل وغزا معه. ولا ريب في أمثال هؤلاء.\nالثاني: من يقرب من هؤلاء كالذين هاجروا إليه وأقاموا عنده أيامًا قلائل ورجعوا إلى أماكنهم كوفد (عبد القيس) ٢ ووفد ثقيف وأمثالهم، وكمثل وائل بن حجر، ومعاوية بن الحكم السلمي، وجرير بن عبد الله البجلي٣.\nومن لم يصحبه إلا مدة يسيرة – الأيام والليالي- ولكن حفظ عنه وتعلم منه، وروى عنه عدة أحاديث، فهؤلاء أيضًا وأمثالهم يطلق عليهم إسم الصاحب حقيقة عرفية. وإن كانت مدة صحبتهم ليست طويلة. لتحقق الإسم فيهم وصدق الإتصاف بالصحبة لهم.\n_________\n١ مقدمة ابن الصلاح ص ١٤٦.\n٢ في أ: عبد الله القيسي.\n٣ انظر: فتح المغيث ٣/٩٤. للتحقق من المدة الزمنية التي صحبها جرير بن عبد الله رسول الله ﷺ.","vol":"1","page":39},{"text":"الثالث: من لقيه ﷺ بمجالسة يسيرة أو مبايعة أو مماشاة. وكان مسلمًا إما بالغًا أو مميزًا. وعقل من النبي ﷺ شيئًا ما، بأن أجلسه في حجره أو مج في وجهه ماء أو غير ذلك، فلاريب في أن الإطلاق العرفي منتف عن مثل هؤلاء.\nوأما الإطلاق اللغوي فهو قريب. وقد ينازع فيه لأنه يصح نفي الصحبة عن أمثال هؤلاء. فيقال ما صحبه ولكن بايعه أو كلمه يسيرًا أو جلس في حجره صغيرًا ونحو ذلك.\nوصحة النفي١ من علامات المجاز. فلا يكون إطلاق إسم الصحبة عليهم بطريق الحقيقة، لكن الإتفاق واقع من أئمة الحديث في كل عصر على تسمية هؤلاء من جملة الصحابة. وإخراج ما حكوه من تلك الوقائع في مسانيد الصحابة والإحتجاج بما فيها من الأحكام إذا صح السند إليهم من غير توقف في ذلك. فإسم الصحبة في أمثال هؤلاء قريب من الحقيقة اللغوية قربًا قويًا وإن كان الاستعمال العرفي معدومًا في حقهم.\nومن هؤلاء طارق بن عبد الله المحاربي حيث أخبر أنه رأى النبي ﷺ بالمدينة فقال:\n٣-\" هل معكم شيء تبيعونه؟ قلنا: نعم. هذا البعير. قال: بكم؟ قلنا: بكذا وكذا وسقًا من تمر. قال: فأخذه بخطامه (وسار إلى المدينة. فقلنا: بعنا من رجل لا ندري من هو) ٢ ومعنا ظعينة٣. فقالت: أنا ضامنة لكم ثمن البعير. رأيت وجه رجل مثل القمر ليلة\n_________\n١ في نسخة كراتشي: اللقى.\n٢ ما بين القوسين ساقط من الهندية.\n٣ الظعينة: الهودج تكون فيه المرأة. تاج العروس ٩/٢٧١.","vol":"1","page":40},{"text":"البدر (لا نحبس بكم) ١ فأصبحنا. فجاء رجل فقال: أنا رسول رسول الله ﷺ إليكم. يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر حتى تشبعوا. وتكتالوا حتى تستوفوا. قال: ففعلنا\" ٢.\nرواه عن جامع بن شداد وربعي بن حراش.\nوعداد طارق هذا في أهل الكوفة.\nوالرابع: من لم يجتمع به ﷺ أصلًا. وإنما رآه من بعيد، وحكى شيئًا من أفعاله. أو لم يحك شيئًا. مثل أبي الطفيل عامر بن واثلة وغيره ممن ليس له إلا مجرد الرؤية. أما في حجة الوداع أو غزوة الفتح أو غزوة حنين. وغير ذلك. أو كان مع أبيه فأراه النبي ﷺ من بعد.\nفلا ريب في أن الإطلاق اللغوي منتف عن هؤلاء قطعًا، فضلًا عن الاستعمال العرفي، وإنما أعطي هؤلاء حكم الصحبة لشرف ما حصل لهم من الرؤية له ﷺ، ولدخولهم في القرن الذي أثبت رسول الله ﷺ أنه خير القرون من أمته. فكان ذلك على وجه التوسع المجازي لا بالحقيقة والله أعلم.\nالثانية: أما ما بعد هذه المراتب من إلحاق من عاصر النبي ﷺ ولم يره أصلًا. بالصحابة إذا كان قد أسلم في زمنه كالأحنف بن قيس،\n_________\n١ في أ: لا يحتس بكم.\nوفي الهندية: لا يحسن بكم.\nوفي المعجم: لا يحتريكم.\nوالتصويب من نسخة كراتشي.\n٢ رواه الطبراني في الكبير ٨/٣٧٦ وقال الهيثمي: فيه أبو جناب الكلبي وهو مدلس، وقد وثقه ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد ٦/٢٢.\nقلت: ذكره ابن حبان في المجروجين، وقال: كان يدلس على الثقات ما سمع من الضعفاء فالتزق به المناكير التي يرويها عن المشاهير. المجروحين ٣/١١١.\nوانظر تهذيب التهذيب ٥/٤.","vol":"1","page":41},{"text":"وأبي عبد الله الصنابحي وأشباههما. فلا ريب أنه بعيد جدًا. لأن الصحبة منفية عن هؤلاء قطعًا بالإعتبار اللغوي والمعنى الإصطلاحي.\nولا رؤية حصل لهم بها شرف المنزلة، فلا وجه لعدهم في جملة الصحابة، إلا على ما تقدم ذكره من استيفاء ذكر أهل القرن الأول الذي عاصره النبي ﷺ.\nوكذلك من ولد في حياته ﷺ من أبناء الصحابة، ومات النبي ﷺ وهو إبن سنة ونحو ذلك. فلا يطلق على أحد من هؤلاء إسم الصحبة لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز١. لكن هؤلاء المعاصرون على قسمين:\nأحدهما: من لم يكن بينه وبين النبي ﷺ مكاتبة أصلًا ولا قرأ كتابه كأبي رجاء العطاردي، وإسمه عمران بن ملحان، وأمثاله ممن لا عداد له إلا في التابعين.\nالثاني: من كتب إليه النبي ﷺ أو راسله كالنجاشي واسمه أصحمة بن بحر. أو قرأ كتاب النبي ﷺ كعبد الله إبن عكيم الجهني.\nفهؤلاء أقرب من القسم الأول بناء على أن المكاتبة أحد أنواع التحمل\n_________\n١ قال الحافظ ابن حجر:\nالقسم الثاني: في من ذكر في الصحابة من الأطفال الذي ولدوا في عهد النبي ﷺ لبعض الصحابة من النساء والرجال ممن مات ﷺ وهو في دون سن التمييز. إذا ذكر أولئك في الصحابة إنما هو على سبيل الإلحاق لغلبة الظن على أنه ﷺ رآهم. لتوفر دواعي أصحابه على إحضارهم أولادهم عنده عند ولادتهم ليحنكهم ويسميهم ويبرك عليهم. لكن أحاديث هؤلاء من قبيل المراسيل عند المحققين من أهل العلم بالحديث.\nالإصابة ١/٥.","vol":"1","page":42},{"text":"التي تصح بها الرواية. فهم مرتفعون عن أن يعدوا في قسم التابعين، ولا بد لما بينهم وبين النبي ﷺ من الإتصال فيكون ذلك علامة مجوزة لإطلاق إسم الصحبة عليهم بطريق المجاز، وأما الحقيقة فمنتفية قطعًا.\nومقابل هذا في التوسع. أعني عد هذين القسمين من جملة الصحابة.\nقول من ضيق الأمر جدًا ولم يجعل الصحابي إلا من صحب النبي ﷺ سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين.\nوهو المحكي عن سعيد بن المسيب إن ثبت عنه١.\nوالإجماع منعقد في كل عصر على عدم اعتبار هذا الشرط في إسم الصحابي. كيف والمسلمون في سنة تسع وما بعدها من الصحابة آلاف كثيرة، وكذلك من أسلم زمن الفتح من قريش وغيرها ولم يصحب النبي ﷺ إلا زمنًا يسيرًا. واتفق العلماء على أنهم من جملة الصحابة.\nوأما اشتراط الجمع بيه الصحبة والرواية فضعيف. لأن الرواية لم تتصل إلا عن عدد يسير من الصحابة بالنسبة لجميعهم ﵃.\nفقد جاء عن أبي زرعة الرازي أنه سئل عن عدد من روى عن النبي ﷺ فقال:\n_________\n١ قال العراقي ١- لا يصح هذا عن إبن المسيب. ففي الإسناد إليه محمد بن عمر الواقدي، ضعيف في الحديث.\nالتقييد والإيضاح ٢٩٧، فتح المغيث ٣/٩٤.","vol":"1","page":43},{"text":"٤-\" شهد مع النبي ﷺ حجة الوداع أربعون ألفًا، وشهد معه تبوك سبعون ألفًا\" وعن أبي زرعة أيضًا أنه قال:\n٥-\"قبض رسول الله ﷺ عن مائة ألف وأربعة عشر ألفًا من الصحابة، ممن روى عنه وسمع منه\".\nوفي رواية: ممن رآه وسمع منه.\nفقيل له: يا أبا زرعة، هؤلاء أين كانوا وأين سمعوا منه..؟\nفقال: أهل المدينة وأهل مكة ومن بينهما من الأعراب. ومن شهد معه حجة الوداع، كل رآه وسمع منه فعرفه١.\nقلت: وكذلك من شهد معه فتح مكة، وغزوة حنين فإنهم كانوا يوم حنين إثني عشر ألفًا. ومن وفد عليه من القبائل، ومع هذا كله فأكبر الكتب المصنفة في مسانيد الصحابة وأكثرهًا حديثًا مسند الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل ﵀. وجميع ما فيه لمن سمى من الصحابة من الرجال والنساء نحو سبعمائة وثلاثين نفسًا، ومن المبهمين الذي لم يسموا من الصنفين نيف وثلاثمائة. فيسقط من هؤلاء جملة من الصحابة مع المعرفة بهم، وعدهم في أهل بدر وأحد والحديبية ونحوها.\nوقد تقدم أنه لا يلزم مع عدم إتصال رواية عن أحد منهم أن لا يكون روى شيئًا بالكلية، والله أعلم.\nالثالث: ذكر الآمدي وابن الحاجب٢. وغيرهما من أئمة\n_________\n١ مقدمة ابن الصلاح ص ١٤٩، فتح المغيث ٣/١١٢.\n٢ شرح مختصر المنتهى ٢/٦٧، أحكام الأحكام ٢/٩٣.","vol":"1","page":44},{"text":"الأصول أن الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى نزاع لفظي في مسمى الصحابي على ما ينطلق.\nوهذا فيه نظر من جهة أن مراد المصنفين غالبًا بالنزاع اللفظي ما لا يترتب عليه حكم شرعي. ولا ريب في أن هذا الخلاف يترتب عليه أحكام شرعية. منها:\nالعدالة الآتي تقريرها للصحابة ﵃. فإن من لا يعد الرائي من جملة الصحابة يتطلب تعديله بالتنصيص على ذلك كما في سائر الرواة من التابعين فمن بعدهم. ومن ثبتت له خصيصة الصحبة بمجرد اللقاء أو بالصحبة اليسيرة لا يحتاج إلى ذلك، بل يكتفي بشرف الصحبة تعديلًا.\nومنها:\nالحكم على ما رواه عن النبي ﷺ بكونه مرسل صحابي أم لا. فإن الجمهور على قبول مراسيل الصحابة ولم يخالف فيها إلا الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني١.\nفإذا أثبت لمن له مجرد الرؤية كونه صحابيًا التحق مرسلة بمثل ما روى عن ابن عباس، والنعمان بن بشير وأمثالهما عن النبي ﷺ\n_________\n١ وشبهته في ذلك أنه وجد لبعض الصحابة أحاديث. حدثهم بها جماعة من التابعين فرووها عنهم، والجمهور على خلاف ذلك. لأن العلة في رد المرسل إنما هي الجهل بعدالة الراوي، لجواز أن لا يكون عدلًا وهو منتف في حق الصحابة، لأن كلهم عدول ولا يضر الجهالة بعين الراوي منهم بغير كونه صحابيًا.\nجامع التحصيل ٣١.","vol":"1","page":45},{"text":"في القبول على رأي الجمهور. وإن لم نعطه إسم الصحبة كان حديثه عن النبي ﷺ كمرسل سائر التابعين يجيء فيه الخلاف المشهور.\nومنها أن من كان منهم مجتهدًا أو نقلت عنه فتيًا وحكمة١ هل يلتحق ذلك بكونه قول صحابي حتى يكون حجة على رأي كثير من أهل العلم أو لا يكون كذلك – يعني أيضًا على إعطائه رتبة الصحبة أم لا.\nفتبين أن الخلاف في هذه المسألة ينبني عليه أحكام مهمة عظيمة الجدوى فكيف يكون لفظيًا. وما صرح به بعضهم أن الخلاف اللفظي قد يترتب عليه حكم شرعي فهو بعيد عن المعروف من اصطلاحهم، والله أعلم.\nالرابعة: تقدم في عبارة الإمام البخاري وغيره، تقييد من رآه ﷺ أو كلمه أو ماشاه بكونه مسلمًا في تلك الحالة حتى يثبت له إسم الصحبة.\nوكذلك قال الآمدي وغيره٢.\nوهذا هو الحق وإن كانت المسألة قل من صرح بها فإن الصحبة رتبة شريفة اختص بها من صحب النبي ﷺ أو كلمه أو مشي معه، أو رآه على القول بذلك، وإنما تثبت هذه الخصيصة ويصح الاتصاف بها بشرطها، وهو الإيمان به ﷺ حتى يصح انتسابه إليه، فمن ليس كذلك لا بصح انتسابه إلى صحبته.\n_________\n١ في نسخة كراتشي: فتا وحكاية.\n٢ وهو رأي السبكي أيضًا. جمع الجوامع ٢/١٦٥. وانظر أحكام الأحكام ٢/٩٢-٩٣.","vol":"1","page":46},{"text":"ولهذا منع الله تعالى نسبة المنافقين إلى صحبته ﷺ وأن يُروى عن أحد منهم شيء أصلًا، ولا يوجد لأحد منهم ذكر في شيء من كتب الصحابة.\nوكذلك أيضًا لم يذكر أحد عبد الله بن صياد في الصحابة، وقد كلمه النبي ﷺ ووقف معه في قصته المشهورة١، وأسلم بعد وفاة النبي ﷺ وحج، ولم يعتدوا بذلك اللقاء والكلام في حال كفره، والله أعلم بما آل إليه أمره بعد إسلامه، وقد ذكر هذه المسألة بعض المتأخرين من فضلاء المغاربة وقال:\nلعلها لم تقع. أي أن يلقى النبي ﷺ رجل على كفره ويكلمه ثم يسلم بعد وفاته.\nوغفل عن إبن صياد هذا٢.\nوممايستغرب ذكره هنا شيئان:\nأحدهما: ما رواه أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن شقيق عن أبيه عن عبد الله بن أبي الحمساء قال:\n_________\n١ أوردها البخاري في صحيحه. فتح الباري ٦/١٧١\n٢ قال الحافظ ابن حجر:\nلم يثبت أنه أسلم في عهد النبي ﷺ، ولا معنى لذكر ابن صياد في الصحابة، لأنه إن كان الدجال فليس بصحابي قطعًا، لأنه يموت كافرًا. وإن كان غيره فهو حال لقيه النبي ﷺ لم يكن مسلمًا.\n* في الأمريكية – في محله – الإصابة ٣/١٣٤.","vol":"1","page":47},{"text":"٦-\"بايعت النبي ﷺ ببيع قبل أن يبعث، وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه. ونسيت ثم ذكرت بعد ثلاث فجئت فإذا هو في مكانه، فقال: يا فتى لقد شققت علي. أن هاهنا منذ ثلاث أنتظرك\"١.\nفهذه القصة كانت قبل النبوة، ولم يكن أسلم عبد الله بن أبي الحمساء يومئذ قطعًا، ثم إنه لم يذكر له بعد ذلك صحبة مع النبي ﷺ ولا يعرف له إلا هذا الحديث الواحد. ولكن الظاهر أن له صحبة وإسلامًا مع النبي صلى الله عليه وسلم٢. فقد ذكره جماعة ممن سكن البصرة من الصحابة وعده بعضهم في المكيين٣.\nفلو فرض في مثل هذا أنه أسلم في زمن النبي ﷺ ولم يلقه بعد إسلامه. هل يكتفي بذلك اللقاء الأول مع إسلامه في زمنه ويعد صحابيًا بذلك..؟\nهذا مما فيه نظر واحتمال منقدح، بخلاف من لم يسلم إلا بعد وفاته ﷺ.\nومن هذا النوع أيضًا:\nسعيد بن حيوة الباهلي. رأى النبي ﷺ في الجاهلية وهو صغير في حياة جده عبد المطلب، وهو يتطلبه لما أبطأ عنه في قصة رويناها من طريق داود بن أبي هند عن العباس بن عبد الرحمن عن كندير بن سعيد عن أبيه٤.\n_________\n١ رواه أبو داود في باب في العدة من كتاب الأدب.\nعون المعبود ١٣/٣٣٩. وانظر تحفة الأشراف ٤/٣١٣.\n٢ الإصابة ٢/٢٩٨.\n٣ تهذيب التهذيب ٥/١٩٢.\n٤ القصة أوردها الحافظ ابن حجر في كتاب الإصابة ٢/٤٥. وقال عقبه: لم أره في شيء من طرق حديثه أنه لقي النبي ﷺ بعد البعثة.\nوقال إبن أبي حاتم: كندير بن سعيد بن حيوة قال: حججت في الجاهلية فإذا أنا برجل يطوف بالبيت.. الخ.\nوقال الحافظ: وهم في ذلك وهمًا شنيعًا، فإنه أسقط منه ذكر والده سعيد.\nانظر: الجرح والتعديل ٢/٣/١٧٣، الإصابة ٣/٣١١.","vol":"1","page":48},{"text":"قال ابن عبد البر: لا يعرف سعيد إلا بهذا الحديث١.\nقلت: ولم يذكر أحد له لقاء بالنبي ﷺ بعد المبعث والله أعلم.\nالثاني: أن الصحابي إذا لقي النبي ﷺ وصحبه ثم ارتد بعد وفاته ثم رجع إلى الإسلام، هل تحبط ردته ما ثبت له من شريف الصحبة، حتى إنه لا يعد فيهم أو لا..؟ لأنه رجع إلى الإسلام بعد ذلك.\nهذا مما فيه نظر. ولا يبعد على أصل الحنفية القائلين بأن هذا إسلام جديد، يجب عليه فيه الحج وإن كان قد حج أولًا، فقد حبط ذلك الحج أن يقال بأن صحبته للنبي ﷺ بطل حكمها وبقي كمن لمن يسلم إلا بعد وفاته.\nوأما على أصول أصحابنا فلا يجيء ذلك لأن الحبوط مشروط بالوفاة على الردة فلما رجع هذا إلى الإسلام، بقي حكم الصحبة في حقه متسمرًا، ولهذا ذكروا الأشعث بن قيس من جملة الصحابة وعدوا أحاديثه من المسندات، وكان ممن ارتد بعد النبي ﷺ ثم رجع إلى الإسلام بين يدي أبي بكر رضي الله عنه٢ وزوجه أخته٣، والله أعلم.\n_________\n١ الإستيعاب ٢/١٧.\n* الأمريكية: منقدح.\n٢ انظر السخاوي ٣/٩١.\nوانظر أدلة كل فريق باستيعاب في كتاب: «صحابة رسول الله» تأليف الأستاذ عبادة أيوب ص ٥٥.\n٣ هي أم فروة.\nوانظر ترجمتها في الإصاة ٤/٤٨٢.","vol":"1","page":49},{"text":"الخامسة: إذا قيل بأن من له مجرد الرؤية من الصحابة، فهل يلتحق بذلك من لم ير النبي ﷺ إلا بعد وفاته وقبل دفنه ﷺ وقد كان مسلمًا في حال حياته؟\nلم أر أحدًا تعرض لهذه الصورة١، وهي محتملة وليست مجرد فرض، بل قد وقعت لأبي ذؤيب الهذلي الشاعر. وقيل اسمه خويلد بن خالد في قصته المشهورة لما أخبر بمرض النبي ﷺ فسافر نحوه فقبض ﷺ قبل وصوله إلى المدينة بيسير وحضر سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر ﵁ ثم حضر الصلاة على النبي ﷺ، ورآه مسجى وشهد دفنه ولم تتقدم له رؤية قبل ذلك، لكنه كان مسلمًا في حياة النبي ﷺ.٢ ولا يبعد أن يعطي هذا حكم الصحبة لشرف ما حصل له من رؤيته ﷺ قبل دفنه وصلاته عليه، وهو أقرب من عد المعاصر الذي لم يره أصلًا فيهم. أو الصغير الذي ولد في حياته. والله أعلم.\n_________\n١هذا الإطلاق فيه شيء من المبالغة. لأن العلماء تناولوا هذه القضية فمنهم من صنفها – أي كونه في عداد الصحابة- كالعز بن جماعة، والحافظ العراقي، وابن حجر، والسخاوي، وهناك من عده منهم كابن عبد البر والبلقيني.\nانظر فتح المغيث ٣/٨٩.\n٢ ذكره الحافظ ابن حجر في القسم الثالث. الإصابة ٤/٦٥.","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>المسألة الثانية: في طرق إثبات الصحبة</span>\n...\nالمسألة الثانية: \"فيما تثبت به الطرق المتقدمة\".\nقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح٣:\n_________\n٣ مقدمة ابن الصلاح ص ١٤٦، فتح المغيث ٣/٩٦.","vol":"1","page":50},{"text":"ثم إن كون الواحد منهم صحابيًا يعرف تارة بالتواتر، وتارة بالإستفاضة القاصرة عن التواتر. وتارة بأن يروي عن آحاد الصحابة أنه صحابي. وتارة بقوله وأخباره عن نفسه بعد ثبوت عدالته أنه صحابي.\nوقال الآمدي في الأحكام:\nلو قال من عاصر النبي ﷺ أنا صحابي مع إسلامه وعدالته فالظاهر صدقه، ويحتمل أن لا يصدق في ذلك لكونه متهمًا بدعوى رتبة يثبتها لنفسه. كما لو قال: أنا عدل أو شهد لنفسه –بحق-١.\nقلت: وقد بنى بعض المصنفين هذا على أن مجرد الرؤية أو الصحبة اليسيرة، هل يثبت فيها مسمى الصحابي أم لا؟ فإن قلنا يكون بذلك صحابيًا فذلك مما يتعذر فيه إثبات بالنقل دائمًا إذ ربما لا يحضره حالة اجتماعه بالنبي ﷺ أحد أو حال رؤيته إياه، أو حضر ذلك واحدًا أو اثنان ولم ينقلا ذلك. فلو لم يثبت ذلك بقوله لتعذر إثباته. بخلاف ما إذا ادعى طول الصحبة وكثرة التردد في السفر والحضر، فإن مثل ذلك يشاهده أقوام كثيرون فينقل ويشتهر فلا يثبت بقوله٢.\nونظير هذا النوع، المودع والوكيل إذا ادعيا الهلاك بسبب ظاهر، فإنه لا يقبل قولهما إلا ببينة لإمكان ذلك٣. بخلاف ما إذا ادعيا مطلق الهلاك. أو أسنداه إلى سبب خفي فإنه يقبل قولهما فيه من غير بينة. ثم\n_________\n١ الزيادة من أحكام الأحكام ٢/٩٣.\n٢ انظر فتح المغيث ٣/٩٨.\n٣ أي لإمكان إثبات البينة في الهلاك.","vol":"1","page":51},{"text":"إن قول من تقدم أنه يقبل قوله. أنا صحابي بعد ثبوت عدالته يشمل على صورتين:\nأحداهما: أن يكون ثابت العدالة قبل دعواه أن صحابي.\nوالثاني: أن يقول ذلك ولم يعلم حاله ثم تظهر عدالته بالاختبار بعد ذلك، وهذا ظاهر في القسمين، ووراء هذا قسم آخر وهو أن يذكر لقائه النبي ﷺ واجتماعه به أو يروى شيئًا يذكر أنه سمعه منه أو شاهده بفعله، ولا يعرف ذلك إلا من جهته ولا يعلم حاله قبل ولا بعد. غير أنه لم يظهر فيه ما يقتضي جرحًا.\nوقد ذكر الإمام أبو الحسين بن القطان في أثناء كلام له، أن الناس اختلفوا في تصحيح أحاديث هذا الصنف. فقبلها قوم وردها بعض أهل الظاهر١. وفي كلامه ما يقتضي ترجيح الثاني لأنهم لو ادعوا لأنفسهم أنهم ثقات لم يسمع منهم فكيف يقبل منهم ادعاء مرتبة الصحبة.\nوالذي ذهب إليه أبو عمر بن عبد البر، قبول قول أمثال هؤلاء وتصحيح أحاديثهم بناء على ظاهر سلامتهم عن الكذب والفسق، وهذا هو الذي يقتضيه عمل أئمة الحديث، فإنهم خرجوا في مسانيدهم ومعاجمهم المصنفة على أسماء الصحابة حديث جماعة كثيرين من هذا الصنف.\nوكذلك كل من صنف في الصحابة يذكر هؤلاء فيهم من غير توقف. ولكن يبين الطريق إلى ذلك وأنها غريبة. وأنه لا يعرف صحبته\n_________\n١ انظر فتح المغيث ٣/٩٨.","vol":"1","page":52},{"text":"إلا بها لأن هذا شأن مصنفه، بخلاف أصحاب المسانيد والمعاجم فإنهم يخرجون أحاديثهم ويسكتون عنها غالبًا. والاحتمال في هذه الصورة أقوى منه فيما تقدم إذا كانت عدالة المخبر بذلك معلومة. وهذا كله فيمن لم يتضمنه كتب التواريخ والسير بأنه صحابي، فأما إذا شهد له بالصحبة مثل البخاري أو مسلم، أو ابن أبي حاتم، أو ابن أبي خيثمة في كتبهم المصنفة وأمثالهم، فإن صحبته تثبت بذلك وإن كان سند حديثه غريبًا أو فردًا ولا يعرف بغيره، كما أن من لم يرو عنه إلا راو واحد فهو محكوم عليه بالجهالة إلا أن يكون بعض أئمة الحديث قد وثقه، فإنه لا تلازم بين الجهالة وبين إنفراد الراوي عن الشيخ، فقد يكون معروفًا بالثقة والأمانة ولم يتفق أن يروى عنه إلا واحد، كذلك هذا يكون معروف اللقاء والصحبة اليسيرة بين أهل المغازي والسير وإن لن يرو ذلك إلا من جهة واحدة بأخباره عن نفسه.\nفأما إذا أخبر التابعي أنه صحابي حالة الرواية، فهذا على أضرب:\nأحدها: أن يقول أخبرني فلان أنه سمع النبي ﷺ يقول كذا، مقتصرًا على مثل ذلك فهذا حكمه ما تقدم في مدعي الصحبة.\nوثانيهما: أن تثبت صحبته حال الرواية عنه، ويسميه باسمه، فإن كان مذكورًا بذلك في كتب المغازي والسير فحكمه ما تقدم. وأما إذا لم يكن معروفًا بالصحبة إلا من هذه الطريق فالظاهر الإعتماد على قول التابعي إذا كان ممن يعتمد قوله في مثل ذلك. على أنه يجوز أن يكون التابعي بنى ذلك على تصديقه في دعواه الصحبة وأن المسلمين محمولون على العدالة إلا في من ظهر منه ما يوجب الفسق، فاكتفى فيه بذلك","vol":"1","page":53},{"text":"ولكنه احتمال بعيد، والأول أظهر منه مثل هذه الرتبة لا يثبتها التابعي العارف المعتمد إلا بعد تثبت وغلبة الظن بأن هذا صحابي.\nثالثها: أن لا يسميه بل يقول أخبرني رجل أنه سمع النبي ﷺ يقول كذا، أو رآه يفعل كذا ونحو ذلك ولا يزيد عليه. فهذا يقرب من الضرب الأول. فلو قال أخبرني عن النبي ﷺ بكذا ولم يصرح بلقائه وقلنا بالراجح أن عن تقتضي الإتصال إلا من المدلس، فلا ريب في أن هذه الصورة يترجح فيها احتمال الوقف، إلا أن تثبت صحبة ذلك الرجل بأحد الطرق المتقدمة لأن التدليس وإن كان لم يثبت في حق هذا الرجل الذي قال عن النبي ﷺ فالإرسال غير منتف عنه.\nوكم من تابعي يرسل حديثًا بهذا اللفظ عن النبي ﷺ.\nونحن إنما نثبت الإتصال بلفظ عنه إذا ثبت لقاء المعنعن عنه على الراجح أو يكتفي بمجرد إمكان اللقاء على قول مسلم، وليس في قول التابعي أخبرني رجل عن النبي ﷺ ما يقتضي ثبوت لقائه إياه ولا إمكان ذلك. نعم قد يفرق في مثل هذا بين التابعي الكبير المتقدم وبين من بعده إذ الغالب على الظن أن التابعي الكبير إنما يروي عن الصحابة دون التابعي الصغير. فيقوى الحكم بكون ذلك الرجل صحابيًا١.\nوقد وقع للقاضي أبي بكر بن العربي في أثناء كلامه في كتابه القبس في شرح الموطأ أنه قال:\nاتفقت الأمة على أن مجهول العين تجوز الرواية عنه إذا قال يعني الراوي عنه من التابعين حدثنا رجل من أصحاب النبي ﷺ لوجوب العدالة لهم ولا يجوز ذلك في غيرهم لعدم العدالة فيهم. وفي هذا النقل\n_________\n١فتح المغيث ٣/٩٩.","vol":"1","page":54},{"text":"من الإجماع نظر ظاهر يعرف مما تقدم.\nوقد حكى ابن القطان الخلاف في ذلك مع تسمية المذكور بأنه صحابي فهو جار في قوله رجل. بطريق الأولى.\nوقد حكى بعض الفضلاء عن ابن حزم أنه قال في كتابه النبذ الكافية له:\nكل من روى عن صاحب لم يسمه، فإن كان ذلك الراوي ممن لا يجهل صحة قول من يدعي الصحبة من بطلانه، فهو خبر مسند تقوم به الحجة، لأن جميع الصحابة ﵃ عدول.\nقال: وإن كان الراوي ممن يمكن أن يجهل صحة قول مدعي الصحبة، فهو حديث مرسل لا تقوم به الحجة، إذ لا يؤمن من فاسق من الناس أن يدعي الصحبة عند من لا يعرف كذبه من صدقه١.\nوأما إذا روى الراوي الثقة عن بعض أزواج النبي ﷺ خبرًا ولم يسمها فهو حجة قاطعة، لأنه لا يمكن أن تخفى أمهات المؤمنين على أحد من أهل التمييز في ذلك الوقت٢.\nهذا ما نقله عن ابن حزم، وهو تفصيل حسن بالغ، ومقتضاه أن ما قال فيه أحد علماء التابعين وأهل الخبرة منهم حدثني رجل من الصحابة عن النبي ﷺ بكذا أنه يكون مقبولًا، لأن الظاهر أنه لا يطلق ذلك إلا بعد ثبوت صحبته عنده. وحينئذ لا تضر الجهالة بإسمه لما سنقرره إن شاء الله تعالى من عدالة جميعهم.\n_________\n١ في النسخة الأمريكية: صدقه من كذبه.\n٢ النبذ لابن حزم ص ٥٣.\nوانظر السخاوي ٣/٩٩ حيث فرق بين التابعي الكبير والصغير.","vol":"1","page":55},{"text":"وأما إذا لم يكن من علماء التابعين ففيه الاحتمال الذي قاله ابن حزم والتوقف فيه قوى. هذا إذا وصفه التابعي بأنه صحابي، فأما إذا قال حدثني رجل عن النبي ﷺ ولم يكن فيه ما يقتضي اللقاء، فقد تقدم الكلام فيه، وإن الأقوى التفرقة بين كبار التابعين وصغارهم، ويلتحق بما ذكره ابن حزم من الراوية عن بعض أزواج النبي ﷺ مبهمة.\nما إذا قال التابعي الثقة حدثني رجل من أهل بدر، أو من أهل بيعة الرضوان، ونحو ذلك مما لا يخفي بطلان دعوى من يدعي ذلك لنفسه إذا كان كاذبًا على أهل ذلك الزمن، لأن المتصفين بمثل هذه الصفات كانوا حينئذ مشهورين مميزين عند كل أحد بخلاف دعوى مطلق الصحبة، فإن فيهم الأعراب ونزاع القبائل ممن لا يعرف حاله أصلًا، ولهذا نجد كثيرًا منهم اختلف أئمة الحديث في إثبات الصحبة له، فأثبتها بعضهم ونفاها آخرون، ولم يختلفوا في من شهد بدرًا والحديبية إلا في النادر منهم.\nوقد تحصل من مجموع ما تقدم أن ما ثبت به الصفة المقتضية للصحبة على مراتب:\nأولها وهو أعلاها: التواتر المفيد للعلم القطعي بصحبته، وهذا لا يختص بالعشرة المشهود لهم بالجنة وأمثالهم، بل يدخل فيه أيضًا كل من تواترت الرواية عنه من الصحابة المكثرين الذين بلغ عدد الرواة عنهم العدد المفيد للتواتر كأبي سعيد الخدري، وجابر وعبد الله بن عمرو بن العاص وأمثالهم، وكذلك من اتفقت الأمة على صحة حديثه وتلقته بالقبول، وإن لم تكثر الرواية عنه كأبي قتادة وأبي مسعود البدري ونحوهما.","vol":"1","page":56},{"text":"فإن من لوازم ذلك اتفاقهم على كونه صحابيًا، ويندرج في هذا عدد كثير من الصحابة المتفق على صحة أحاديثهم.\nوثانيها: أن تكون صحبته ثابتة بالإشتهار القاصر عن رتبة التواتر وهو يفيد العلم النظري عند كثير من العلماء، ويلتحق بهذه الرتبة من اتفقت كتب السير والمغازي والتواريخ على ذكره في الصحابة وتسميته في عدد من الغزوات ولم يوجد أحد خالف في ذلك ولا أهمل ذكره في ذلك. ويندرج في هذا النوع خلق كثير من الصحابة ﵃، وإن كان فيهم من ليس له إلا الحديث الواحد أو الإثنان.\nوثالثها: من لم يشتهر من جهة الرواية عنه، ولكنه تضمنه كثير من كتب السير بالذكر، أما بالوفادة على النبي ﷺ أو باللقاء اليسير أو في أثناء قصة أو غزوة، له ذكر ونحو ذلك.\nفهذه مرتبة دون التي قبلها.\nورابعها: من روى عنه أحد أئمة التابعين الذين لا يخفى عنهم مدعي الصحبة ممن هو متحقق بها وأثبت له ذلك التابعي الصحبة أو اللقاء أو جزم الرواية عنه عن النبي ﷺ غير معترض على ذلك لما يلزم في روايته عنه على هذا الوجه من تصديقه فيما ذكر من الصحبة والرواية سواء سماه في روايته عنه أو لم يسمه. بل قال رجل: إذا كان التابعي كما وصفنا بحيث لا يخفى عنه ذلك، ولا فرق بين الحالتين والتابعي كذلك. إذ لا تضر الجهالة بعين الصحابي بعد ثبوت صحبته.\nوخامسها: أن يقول من عرف بالعدالة والأمانة سمعت رسول الله ﷺ أو رأيته يفعل كذا ونحو ذلك. ويكون سنه يحتمل ذلك، والسند إليه صحيح. فهذا مقبول القول على الراجح وفيه ما تقدم من الاحتمال،","vol":"1","page":57},{"text":"ونظيره أن يروي أحد متقدمي التابعين عن رجل لم يسمه شيئًا يقتضي له صحبة، فإن القرائن هنا قائمة بصدقه منها:\nندرة كذب مثل ذلك في ذلك العصر الأول.\nومنها: أن الظاهر من التابعي الكبير أنه لا يروي إلا عن صحابي. فإن انضم إلى ذلك وصفه بصفة خاصة، كرجل من أهل بدر أو من أهل بيعة الرضوان فهو أعلى من هذه المرتبة لما تقدم أن مثل هؤلاء كان مشهورًا. فإذا وصفه التابعي الثقة بذلك كان كالتصريح باسمه وهو معروف. فتكون هذه الحالة حينئذ من المرتبة الرابعة.\nوسادسها: أن يصح السند إلى رجل مستور لم تتحقق عدالته الباطنة، ولا ظهر فيها ما يقتضي جرحه فيروي حديثًا يتضمن أنه صحابي إما بسماعه ذلك أو بمشاهدته شيئًا من أفعاله ﷺ ونحو ذلك. أو برواية مجردة إذا اكتفينا بها في إثبات الصحبة. فهذا يتخرج على قبول رواية المستور. فمن قبله كان ذلك هنا بطريق الأولى لقرينة صدق مثل هذا. وأنه لم يوجد في ذلك القرن من يدعي ذلك كذبًا إلا نادرًا جدًا، ولعله لا يصح السند إليه.\n١-ومن لم يقبل رواية المستور في التابعين فمن بعدهم قد يقبل مثل هذا. وهو الذي عليه عمل ابن منده، وابن عبد البر وغيرهما ممن صنف في الصحابة، لعدهم هذا الصنف فيهم من غير توقف فيهم ومن العلماء من توقف في حديثهم وإثبات الصحبة لهم كما تقدم.\n_________\n١ سقط هذا السطر وما بعده إلى قوله الذين غزوا معه ﷺ من النسخة الأمريكية.","vol":"1","page":58},{"text":"وسابعها: أن يروي بعض صغار التابعين ومن ليس من أهل الميز منهم عن رجل مبهم ما يقتضي له صحبة، وهي أضعف المراتب وإن كان جماعة من الأئمة قبلوا مثل ذلك وأثبتوا حديثهم في مسانيد الصحابة والرواة عنهم كما وصفت.\nوكان ذلك –والله أعلم – لقرينة صدق ذلك الجيل الذي هو خير القرون. وأن مثل هذه المرتبة الشريفة لم يدعها أحد في ذلك العصر كذبًا، بخلاف الأعصار المتأخرة فقد رويت أحاديث عن جماعة ادعوا أنهم عُمروا وأن لهم صحبة. كما قد أولع كثير في هذه الأزمان بحديث رتن الهندي الذي ادعى الصحبة وأنه عاش إلى نحو الستمائة والخمسين. ولعله لا وجود له البتة. ووضعت عليه هذه الأحاديث.\nوإن كان له وجود وقد ادعى مثل ذلك، فهو كذاب قطعًا لا يستريب أحد من علماء أهل الأثر في ذلك. وليس هذا موضع بسط الكلام فيه.\nفأما في ذلك العصر الأول فيعز وجود من يدعي صحبة وهو فيها كاذب.\nفهذا تقسيم بالغ في تحقيق مراتب ما تثبت به الصحبة، منّ الله به وله الحمد والمنة. ولم أر أحدًا بسط الكلام في هذه المسألة مع قوة الحاجة الداعية إليها.\nوالله الموفق للصواب وله الحمد كثيرًا لا نحصي ثناء عليه.\n_________\nانظر ترجمة رتن في الإصابة ٢/٥٣٢ القسم الرابع.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>المسألة الثالثة: «في تقرير عدالة الصحابة </span>﵃» .\nوالذي ذهب إليه جمهور السلف والخلف، أن العدالة ثابتة لجميع الصحابة ﵃، وهي الأصل المستصحب فيهم، إلى أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد منهم لما يوجب الفسق مع علمه، وذلك مما لم يثبت صريحًا عن أحد منهم، بحمد الله فلا حاجة إلى البحث عن عدالة من ثبتت له الصحبة ولا الفحص عنها بخلاف من بعدهم.\nوهذه المسألة عظيمة الجدوى، والحاجة إليها ماسة في أصول الدين وأصول الفقه جميعًا.\nأما في أصول الدين: فبالنظر إلى الإمامة وشرايطها وبماذا تنعقد ومن يصح أن يكون إمامًا، ومن الذي يعتبر قوله في الحل والعقد.\nوأما في أصول الفقه: فلأن الصحابة نقلة الشريعة، ولم تصل إلى الأمة إلا من جميعهم، فمتى تطرق الطعن إلى أحد منهم حصل التشويش في أصول الشريعة ولم يبق بأيدينا والعياذ بالله متمسك بشيء منها وتوجهت المطاعن لأهل الزيغ والشبه في الدين، وأدى ذلك إلى الإنحلال بالكلية، كما سيأتي بيانه إن شاء الله، ولا محذور أصعب من هذا، ولذلك لا تجد المخالفين في هذه المسألة إلا شذوذًا لا يعتد بهم من أهل البدع ومن في قلبه مرض.\nفمنهم من زعم أن حكمهم –أعني الصحابة- في العدالة كحكم غيرهم يجب البحث عنها ومعرفة ما في حق كل واحد منهم١.\n_________\n١هذا القول نقله الإمام الآمدي. ونسبه السخاوي إلى أبي الحسين بن القطان.\nانظر: أحكام الأحكام ١/٢٧٤، فتح المغيث ٣/١٠٣.","vol":"1","page":60},{"text":"ومنهم من زعم أن الأصل في كل واحد منهم العدالة، لكن في أول الأمر فأما بعدما ظهرت بينهم الفتن فلا، بل حالهم فيما بعد ظهور الفتن كحال غيرهم لأن الفاسق منهم غير متعين١.\nوذهب جمهور المعتزلة إلى أن من قاتل عليًا ﵁ فهو فاسق مردود الرواية والشهادة لخروجه على الإمام الحق٢.\nومنهم من زعم أنه لا تقبل رواية كل من الفريقين ولا شهادته لأنا لا نقطع بفسق أحد الفريقين، وهو غير متعين فلا يتميز العدل عن الفاسق فيعتذر القبول٣.\nومنهم من قال: إذا انفرد أحد الفريقين بالرواية أو الشهادة كان مقبولًا، لأن أصل العدالة ثابتة له، وقد شككنا في زوالها، فلا تزال بالشك كما في المياه، فأما إذا شاركه في ذلك مخالفه حيث لا يثبت إلا بهما، فلا يثبت بهما شيء لأن فسق أحد الفريقين معلوم قطعًا من غير تعيين، فيعارض ذلك تعين العدالة المستصحب كما في الإنائين إذا تيقن نجاسة أحدهما وهذا مذهب واصل بن عطاء.\nومنهم من شك في فسق عثمان وقتلته رضي الله عنه٤.\nوقال بعض المصنفين: أما قتلة عثمان ﵁ فلا شك في فسقهم، لعدم التأويل الحامل لهم على ذلك، وهذا لا يحتاج إليه فيما\n_________\n١ فتح المغيث ٣/١٠٤.\n٢ وهو رأي واصل بن عطاء. انظر الفرق بين الفرق ص ١٢٠.\n٣ انظر التقييد والإيضاح ص ٣٠٢.\n٤ الملل للشهرستاني ١/٧٣.","vol":"1","page":61},{"text":"نحن فيه بحمد الله، لأنه ليس في قتلة عثمان ﵁ من ثبتت له الصحبة أصلًا، ولا من يذكر فيهم سوى محمد بن أبي بكر، وهو لا صحبة له ولا رؤية أيضًا، لأنه ولد قبل وفاة النبي ﷺ بثلاثة أشهر.\nوجميع ما تقدم من هذه الأقوال الشاذة باطلة، والحق ما ذهب إليه الجمهور الأعظم من القول المتقدم أولا، إلا أن الإمام المازري لم يعم به جميع الصحابة بل قال:\nلسنا نعني به كل من رآه اتفاقًا أو زاراه لمامًا أو ألمّ به لغرض وانصرف عن قريب، لكن إنما نريد به الصحابة الذين لازموه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه وأولئك هم المفلحون.١\nوهذا قول غريب يخرج كثيرًا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم لهم بالعدالة أصلًا كوائل بن حجر ومالك بن الحويرث، وعثمان بن أبي العاص، وأشباههم ممن وفد عليه ﷺ ولم يقم إلا أيامًا قلائل ثم انصرف.\nوكذلك من لم يعرف إلا برواية الحديث الواحد أو الإثنين ولم يدر مقدار صحبته من أعراب القبائل.\nفالقول بالتعميم هو الذي عليه الجمهور، وإن كان بعض الأدلة التي نذكرها تظهر اختصاصها بالذين أشار إليهم المازري، فغيرها يقتضي تعميم الحكم للجميع، ومجموعها يرجع إلى وجوه:\nأحدها: ثناء الله عليهم ومدحه إياهم ووصفه لهم بكل جميل، قال الله تعالى:\n_________\n١ الإصابة ١/١٠-١١ حيث أشار الحافظ إلى اعتراض بعض الفضلاء لقول المارزي منهم العلائي، ونقل عنه الرد الوارد هنا.","vol":"1","page":62},{"text":"﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ الآية١.\nوالمراد بالذين اتبعوهم بإحسان، من جاء بعد السابقين الأولين من الصحابة ﵃.\nقاله جماعة من المفسرين٢.\nقالوا: وهم من أسلم بعد الحديبية وبيعة الرضوان إلى آخر زمنه صلى الله عليه وسلم٣.\nويؤيد ذلك أن الآيات كلها فيما يتعلق بالمتخلفين عن النبي ﷺ من المنافقين في غزوة تبوك. فأتبع الله ذلك بفضيلة الصحابة٤ الذين غزو معه ﷺ وقسمهم إلى السابقين الأولين ومن بعدهم. ثم أتبع ذلك بذكر الأعراب وأهل البوادي الذين في قلوبهم نفاق أو لم يرسخوا في الإسلام. فقال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ .. الآية٥.\nفدل على أن المراد بالذين اتبعوهم بإحسان هم بقية الذين تأخر إسلامهم. فشملت الآية جميع الصحابة٦.\n_________\n١ سورة التوبة الآية: ١٠٠.\n٢ فتح القدير ٢/٣٩٨.\n٣ المصدر السابق.\n٤ انتهى السقط هنا.\n٥ سورة التوبة آية ١٠١.\n٦ قال الشوكاني: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. وهم المتأخرون عنهم من الصحابة فمن بعدهم إلى يوم القيامة، وليس المراد بهم التابعين اصطلاحًا. فتح القدير ٢/٣٩٨.","vol":"1","page":63},{"text":"وقد أخبر الله ﷾ أنه رضي عنهم ورضوا عنه، فمن ادعى بعد ذلك في أحد منهم أنه قد سخط عليه، لزمه بيان ذلك بدليل قاطع عن الله تعالى، ولا سبيل إلى ذلك.\nقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم﴾ .. إلى آخر الآية١.\nوهي أيضًا شاملة لجميع الصحابة ﵃. لأن كل من أقام معه ﷺ ساعة ثبت إتصافه بأنه ممن معه فكان المدح في الآية شاملًا للكل ﵃.\nوقال الله تعالى في وصف المهاجرين: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾\nإلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ٢.\nثم مدح الأنصار بقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ﴾ .. الآية إلى آخرها٣.\nثم ذكر من أسلم بعدهم بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ .. الآية٤.\n_________\n١ سورة الفتح الآية ٢٩.\n٢ سورة الحشر آية ٨.\n٣ السورة السابقة آية ٩.\n٤ السورة السابقة آية ١٠.","vol":"1","page":64},{"text":"والظاهر أن المراد بها من تأخر إسلامه وصحبته منهم، كما في الآية المتقدمة، بدليل قوله: ﴿جَاءُوا﴾ بلفظ الماضي، فهو أولى من حمله على التابعين، لما فيه من التجوز بلفظ الماضي عن الاستقبال.\nوقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية، وهي خاصة بأهل بيعة الرضوان منهم. بخلاف الآيات المتقدمة فإنها تعم جميع الصحابة ﵃. ولكنها –أعني هذه الآية- مفيدة التمسك بها في حق من لابس الفتن من أهل الحديبية. فقد تقدم فيهم الخلاف مطلقًا. والله ﷾ أخبر أنه قد رضي عمن بايع تحت الشجرة فيستصحب هذا الحكم فيهم إلى أن يتبين خلافه عن الله تعالى، كما تقدم قريبًا.\nواحتج جماعة من المصنفين بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ .. الآية١.\nوثبت عن النبي ﷺ أنه قال: \" الوسط. العدل\" ٢.\nوبقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٣ الآية.\n_________\n١ سورة البقرة الآية ١٤٣.\n٢ حديث صحيح. رواه البخاري في صحيحه.\nانظر فتح الباري ٨/١٧١، ١٣/٣١٦، تفسير ابن كثير ١/١٩٠ للنظر في طرقه المتعددة.\n٣ سورة آل عمران الآية ١١٠.","vol":"1","page":65},{"text":"وأعترض بعضهم على ذلك. بأن المراد بالآيتين جميع الأمة إلى قيام الساعة فلا يتخصص بها بعضهم لما يلزم في ذلك من إستعمال اللفظ في معنيين مختلفين. وهوالمجموع من حيث هو مجموع الأمة، وعصر الصحابة دون غيرهم.\nويمكن الجواب عنه بوجهين:\nأحدهما: إلتزام جواز استعمال اللفظ في المعنيين بناء على جواز التمسك به في الحقيقة والمجاز جميعًا. وهو مذهب الشافعي كما في حمل اللفظ المشترك على كلا المعنيين.\nوثانيهما: أن دلالة الآيتين وإن كان شاملًا لجميع الأمة، فهي متضمنة الثناء عليهم بأنهم خير أمة، ووصفهم بالعدالة في الآية الأولى. وقد خرج من هذا الوصف من بعد الصحابة بالإجماع على أنه لا بد من معرفة ذلك فيهم بالبحث عن أحوالهم. فبقي في الصحابة على مقتضى الآية. وإذا كانت الآية الأخرى متضمنة وصف الأمة كلهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس. فلا ريب في أن الصحابة ﵃ أولى الناس بالاتصاف بذلك وأعلاهم رتبة فيه. فلا أعدل ممن ارتضاه الله تعالى لصحبة نبيه ﷺ ونصرته والسبق إليه. ولا تزكية أفضل من ذلك ولا تعديل أكمل منه.\nالوجه الثاني من الأدلة:\nثناء النبي ﷺ وإخباره بما منحهم الله تعالى من كونهم خير القرون من أمته وأفضلها وإن أحدًا ممن يأتي بعدهم لا يبلغ أدنى جزء من شأنهم ولو أنفق ملء الأرض ذهبًا في سبيل الله.","vol":"1","page":66},{"text":"ففي الصحيحين من طريق عبيدة السلماني عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n٧- \"خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم\" ١.\nومن حديث زهدم الجرمي عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:\n٨- \"خير الناس قرني الذي أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم\" قال عمران: فلا أدري أذكر رسول الله ﷺ بعد قرنه قرنين أو ثلاثة. متفق عليه – أيضًا٢.\nورواه الترمذي من حديث الأعمش عن علي بن مدرك عن هلال إبن يساف عن عمران رضي الله عنه٣.\nوأخرج مسلم أيضًا من حديث عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n١ رواه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ.\nومسلم في باب فضل الصحابة ﵃ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.\nفتح الباري ٧/٣، صحيح مسلم ١٦/٨٦.\n٢ رواه البخاري بلفظ: \"خير أمتي قرني\". ومسلم بلفظ: \"إن خيركم قرني\".\nفتح الباري ٧/٣، صحيح مسلم ١٦/٨٧.\n٣ باب ما جاء في القرن الثالث. وقال عقبه: هكذا روى محمد بن فضيل هذا الحديث عن الأعمش عن علي بن مدرك عن هلال بن يساف. وروى غير واحد من الحفاظ عن الأعمش عن هلال بن يساف ولم يذكروا علي بن مدرك، وهو أصح عندي من حديث محمد بن فضيل. تحفة الأحوذي ٦/٤٧٠.","vol":"1","page":67},{"text":"٩- \"خيركم قرني. ثم الذين يلونهم. قال: فلا أدري ذكر مرتين أو ثلاثًا ... الحديث\" ١.\nوفي مسند أحمد بن حنبل من طريق عاصم بن أبي النجود عن خيثمة، والشعبي عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ قال:\n١٠- \"خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.. الحديث\" ٢. وإسناده صحيح.\nوروينا من حديث أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني ثنا صدقة بن خالد ثنا عمرو بن شراحيل عن بلال بن سعد عن أبيه ﵁ قال: قلنا:\n١١- \"يا رسول الله، أي أمتك خير؟ قال: أنا وأقراني. ثم ماذا؟ قال: ثم القرن الثاني. قال: ثم ماذا؟ قال: ثم القرن الثالث\" ٣.\nوسعد هذا هو ابن تميم مشهور من الصحابة. وابنه بلال من فضلاء التابعين. وعمرو بن شراحيل وثقه ابن حبان ولم يتكلم فيه أحد. وصدقة بن خالد احتج به البخاري. وأبو مسهر مشهور من رجال الصحيحين.\nوقد رواه معلى بن منصور عن صدقة بن خالد أيضًا ولفظه:\n_________\n١ متفق عليه. واللفظ الذي أورده المؤلف هو لفظ رواية عمران بن حصين. أما رواية أبي هريرة فلفظه: \"خير أمتي القرن الذي بُعثت فيه..\".\nانظر: فتح الباري ٥/٢٥٨، صحيح مسلم ١٦/٨٦.\n٢ المسند ٤/٢٦٧.\n٣ رواه الطبراني في الكبير ٦/٥٤، وقال الهيثمي: \"رجاله ثقات\". ١٠/١٩.\nوانظر: فتح الباري ٧/٧.","vol":"1","page":68},{"text":"١٢- \"قيل يا رسول الله أي التابعين خير. قال: انا وأصحابي..\" وذكر بقيته.\nوهذا يؤيد ما تقدم من أن المراد بالتابعين الصحابة الذين تبعوه في الإسلام، دون المعني الاصطلاحي فإنه متأخر.\nوروى أبو نعيم الفضل بن دكين وغيره. عن داود بن يزيد الأودي عن أبيه عن جعدة بن هبيرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n١٣- \"خير الناس قرني الذين أنا فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم..\" ١.\nوجعدة بن هبيرة هو إبن أم هانئ، أخت علي بن أبي طالب رضي الله عنه٢.\nأثبت له ابن عبد البر وجماعة الصحبة٣.\nقال يحيى بن معين: لم يسمع من النبي ﷺ شيئًا٤.\nوالأول أظهر.\nوثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ من وجوه عديدة أنه قام بالجابية خطيبًا فقال:\n_________\n١ رواه ابن أبي شيبة والطبراني. عن عبد الله بن إدريس عن أبيه عن جده.\nقال الحافظ ابن حجر: \"رجاله ثقات. إلا أن جعدة مختلف في صحبته\". وقال الهيثمي: \"إدريس بن يزيد الأودي لم يسمع من جعدة\".\nقلت: وفي إسناده أبي نعيم. داود الأودي، قال فيه الحافظ: ضعيف. أما جعدة فقد أثبت المزي صحبته والحافظ ابن عبد البر وكذلك ابن حجر.\nانظر: الاستيعاب ١/٢٤٠، المصنف ١٢/١٧٦، المعجم الكبير ٢/٣٢٠، تهذيب التهذيب ٢/٨١، الإصابة ١/٢٣٦، فتح الباري ٧/٧، مجمع الزوائد ١٠/٢٠.\n٢ وهم الحافظ العلائي هنا إذ خلط بين جعدة الأشجعي راوي الحديث وهو صحابي باتفاق. وبين جعدة المخزومي وهو إبن أم هانئ، وليس له تعلق بالحديث، وقد اختلف في صحبته، وذكره الحافظ لأجل ذلك في القسم الثاني.\n٣ الاستيعاب ١/٢٤٠.\n٤ التاريخ ٢/٨٣، جامع التحصيل ١٨٥، تهذيب التهذيب ٢/٨٢.","vol":"1","page":69},{"text":"١٤- \"إن رسول الله ﷺ قام في مثل مقامي هذا فقال: أكرموا أصحابي فإنهم خياركم ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\" ١. وذكر الحديث.\nفهذا الحديث مستفيض عن النبي ﷺ. وفي بعض ما تقدم من ألفاظه ما يقتضي دخول من رآه ﷺ في أنه متصف بهذه الخيرية.\nوقد روى الوليد بن مسلم عن عبد الله بن العلاء بن زبر عن عبد الله بن عامر اليحصبي أنه سمع واثلة بن الأسقع ﵁ يقول:\nسمعت النبي ﷺ يقول:\n١٥- \"لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني وصاحبني.. الحديث\" ٢. وإسناده صحيح.\nوقال ﷺ:\n١٦- \"فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا، ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه\". متفق عليه٣.\nوفي حديث عبد الرحمن بن سالم بن عويم بن ساعدة عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:\n_________\n١ رواه عبد الرزاق في مصنفه.\nوالترمذي في جامعه. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وقد رواه ابن المبارك عن محمد بن سوقه. وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن عمر عن النبي ﷺ.\nالمصنف ١١/٢٤١، تحفة الأحوذي ٦/٣٨٣.\n٢ قال الهيثمي:\nرواه الطبراني من طرق ورجال أحدها رجال الصحيح. مجمع الزوائد ١٠/٢٠.\n٣ رواه البخاري في كتاب الفضائل.\nومسلم في باب تحريم سبّ الصحابة.\nفتح الباري ٧/١، صحيح مسلم ١٦/٩٣.","vol":"1","page":70},{"text":"١٧- \" إن الله اختارني واختار لي أصحابًا، وجعل لي منهم وزراء وأنصارًا، فمن سبهم فعليه لعنة الله\" ١.\nوقال عبد الله بن مسعود ﵁:\n١٨- \"إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه وبعثه برسالته. ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه ﷺ يقاتلون عن دينه\".\nوروى السدي عن أبي مالك عن إبن عباس ﵄ في قوله تعالى:\n﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ .\nقال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم٢.\nوروى سنيد المصيصي ثنا حجاج عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال:\n١٩- \"لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح قرأها رسول الله ﷺ على الناس. وقال: الناس خير وأنا وأصحابي خير\" ٣.\n_________\n١ رواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.\nالمستدرك ٣/٦٣٢.\n٢ تفسير ابن كثير ٣/٣٦٩.\n٣ رواه الطيالسي في مسنده وأحمد والطبراني باختصار شديد.\nقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح.\nقلت: لكنه مرسل. لأن أبا البختري لم يسمع من أبي سعيد الخدري.\nقال إبن أبي حاتم: لم يدرك أبا ذر ولا أبا سعيد ولا زيد بن ثابت.\nانظر: مسند الطيالسي ٢٩٣. مسند الإمام أحمد ٣/٢٢، المراسيل ص٧٦، جامع التحصيل ٢٢٢، مجمع الزوائد ٦/٢٥٠.","vol":"1","page":71},{"text":"وصدق أبا سعيد عليه. زيد بن ثابت ورافع بن خديج رضي الله عنهما١.\nوفي مسند البزار بسند غريب عن جابر رفعه إلى النبي ﷺ أنه قال:\n٢٠- \"إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين\" ٢.\nالحديث والآثار في هذا المعنى كثيرة.\nوالخير هنا اسم جنس مضاف، أو ضيغة أفعل مضافة. فتعم جميع أنواع الخير. فمتى جعل أحد من الصحابة في التعديل كمن بعده حتى ينظر في عدالته ويبحث عنها لم يكن خيرًا ممن بعده مطلقًا.\nفإن قيل هذه الأحاديث معارضة بما روي في حق الأمة من الفضل، كقوله ﵇:\n٢١- \"وددت أنّا قد رأينا إخواننا. قالوا يا رسول الله. أولسنا إخوانك. قال أنتم أصحابي. وإخواننا الذين لم يأتوا بعد\". أخرجه مسلم٣، وروى معناه من عدة طرق.\nوفي معجم الطبراني من حديث الأوزاعي حدثني أسيد بن عبد الرحمن حدثني صالح بن جبير حدثني أبو جمعة ﵁ قال:\n_________\n١ أنظر تمام القصة في المسند ٣/٢٢.\n٢ قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله ثقات وفي بعضهم خلاف.\nوقال البزار: لا نعلمه عن جابر إلا بهذا الإسناد ولم يشارك عبد الله بن صالح في روايته هذه عن نافع بن يزيد أحدًا نعلمه.\nكشف الأستار ٣/٢٨٩، مجمع الزوائد ١٠/١٦.\n٣ رواه في باب استحباب إطالة الغرة. صحيح مسلم ٣/١٣٨.","vol":"1","page":72},{"text":"٢٢- \"تغدينا مع رسول الله ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح ﵁ فقلنا يا رسول الله أحد خير منا أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: نعم قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني\" ١.\nوصالح بن جبير وثقه إبن معين وغيره٢.\nوقد رواه عنه أيضًا معاوية بن صالح ولفظه:\n٢٣-\"قلنا يا رسول الله هل من قوم أعظم منا أجرًا\". وذكر بقيته كما تقدم.\nوفي حديث لأبي ثعلبة الخشني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:\n٢٤- \"فإن من ورائكم أيام الصبر للعامل منهم في ذلك الزمان أجر خمسين رجلًا، قيل يا رسول الله أجر خمسين رجلًا منا أو منهم، قال: بل أجر خمسين رجلًا منكم\".\nرواه أبو داود والترمذي. وإسناد حسن٣.\nوروى الترمذي أيضًا من حديث حماد بن يحيى الأبح عن ثابت البناني عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n١ قال الهيثمي: رواه أحمد وأيو يعلى والطبراني بأسانيد، وأحد أسانيد أحمد رجاله ثقات. وقال الحافظ إبن حجر: أخرجه أحمد والدارمي وصححه الحاكم.\nمجمع الزوائد ١٠/٦٦، الإصابة ٤/٣٣.\n٢ وقال الذهبي: وثقه إبن معين وليس بالمعروف. انتهى وسيأتي توجيه المؤلف لهذه الرواية.\nانظر: تاريخ الدارمي ص: ١٣٣، ميزان الاعتدال ٢/٢٩١.\n٣ رواه أبو داود في كتاب الملاحم ١١/٤٩٣، والترمذي في تفسير سورة المائدة ٨/٤٢٤ وقال عقبه: هذا حديث حسن غريب. وعند ابن كثير ٢/١٠٩ عن الترمذي حسن غريب صحيح.","vol":"1","page":73},{"text":"٢٥ -\" أمتي كالمطر لا يدري أوله خير أو آخره\" ١.\nوحماد بن يحيى وثقه إبن معين٢.\nقلنا: ذهب بعضهم إلى أنه لا يلزم من تفضيل مجموع القرن الأول على من بعده تفضيل كل فرد فرد من القرن الأول، على كل فرد فرد ممن بعدهم ورأو أن في آخر الزمان من يكون أفضل من بعض آحاد الصحابة ﵃.\nوهذا اختيار ابن عبد البر والقرطبي للجمع بين جميع الأحاديث، واستثنى إبن عبد البر أهل بدر والحديبية للتنصيص على فضلهم على كل هذه الأمة.\nوالحق الذي ذهب إليه الأكثرون أن فضيلة صحبة النبي ﷺ والفوز برؤيته لا يعدل بعمل. وأن من منحه الله تعالى ذلك فهو أفضل ممن جاء بعده على الإطلاق لوجوه:\nأحدها: مشاهدة النبي ﷺ.\nوثانيها: فضيلة السبق إلى الإسلام.\nوثالثها: فضيلة الذب عن حضرته ﷺ.\nورابعها: فضيلة الهجرة معه أو إليه أو النصرة له.\nوخامسها: ضبطهم الشريعة، وحفظهم عن رسول الله ﷺ.\nوسادسها: تبليغهم إياه إلى من بعدهم.\nوسابعها: السبق بالنفقة في أول الإسلام.\n_________\n١ رواه في باب الأمثال ٨/١٧٠، وقال عقبه: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ويروى عن عبد الرحمن بن مهدي أنه كان يثبت حماد بن يحيى الأبح. وكان يقول هو من شيوخنا.\nوقال الحافظ: حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة.\nفتح الباري ٧/٦، وانظر كشف الأستار ٣/٣١٩.\n٢ التاريخ الكبير ٢/١٣٣، وسيأتي رد المؤلف على هذا التوثيق.","vol":"1","page":74},{"text":"وثامنها: إن كل فضل وخير وعلم وجهاد ومعروف عُمل في هذه الشريعة إلى يوم القيامة، فحظهم منه أجل ونوالهم منه أجزل. لأنهم سنوا سنن الخير وفتحوا أبوابه. ونقلوا معالم الدين وتفاصيل الشريعة إلى من بعدهم. وقد قال ﷺ:\n٢٦- \"من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة\" ١.\nوقال ﷺ:\n٢٧- \"من دعى إلى هدى كان له من الأجور مثل أجر من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا \"٢.\nفهم مساهمون لجميع هذه الأمة في كل أجر يحصل لها إلى يوم القيامة، مع ما اختصوا به مما تقدم ذكره.\nوأما الأحاديث التي ذكرت:\nفحديث \"وددت أني رأيت إخواني\" لا يلزم منه أن يكونوا أفضل من أصحابه. كيف والأخوة العامة كانت حاصلة أيضًا للصحابة ﵃ بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وأيضًا فالصحبة فيها قدر زائد على الأخوة. لما يوجد غالبًا بين الأخوة من العداوة بخلاف الصحبة.\nوأما قوله ﷺ: \"للعامل منهم أجر خمسين رجلًا منكم\" فلا حجة فيه. لأنه لا\n_________\n١ رواه مسلم في كتاب الزكاة. وكذلك النسائي.\nصحيح مسلم ٧/١٠٢. سنن النسائي ٥/٧٦.\n٢ رواه مسلم في كتاب العلم. صحيح مسلم ١٦/٢٢٧.","vol":"1","page":75},{"text":"يلزم من ثبوت زيادة الأجر في بعض الأعمال ثبوت الفضيلة المطلقة.\nوأيضًا فالأجر إنما يكون تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل الذي ترتب الأجر عليه. لا في غيره من الأعمال، فيكون عمل المؤمن في آخر الزمان من قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك. أرجح مما يترتب على مثل ذلك العمل من الصدر الأول١.\nوأما الذي فاز به الصحابة ﵃ من صحبة النبي ﷺ والجهاد بين يديه ونقل السنن عنه، فإنه لا يتفق مثله لأحد ممن بعدهم قطعًا، فلا يقع التفاضل فيه. فيبقى لهم من غير مشاركة لهم في مثله. وبه استقرت الفضيلة لهم على من بعدهم. فهذا أشد ما يُجاب به عن هذا الحديث.\nوحديث أبي جمعة: لم تتفق الروايات فيه على لفظ: هل أحد خير منا؟ بل قد تقدم رواية معاوية بن صالح له \"هل من قوم أعظم منا أجرًا\"، ومعاوية بن صالح أحفظ من أسيد بن عبد الرحمن. فروايته أرجح. ويتأول الحديث على ما ذكرناه آنفًا بالنسبة إلى بعض الأعمال التي يمكن وقوعها من الطائفتين، دون ما أختص به الصدر الأول من الصحبة.\nوأما حديث: \"أمتي كالمطر\"، فحماد بن يحيى الأبح وإن وثقه إبن معين٢.\nفقد قال فيه أبو زرعة: ليس بالقوي٣.\n_________\n١ انظر قول الحافظ ابن حجر في هذا الموضوع.\nفتح الباري ٧/٦.\n٢ التاريخ ٢/١٣٣.\n٣ الجرح والتعديل ١/٢/١٥٢ عن أبي زرعة أنه قال: ليس بقوي.","vol":"1","page":76},{"text":"وذكره البخاري في كتاب الضعفاء، وقال: يهم في الشيء بعد الشيء١.\nوقال الجوزجاني: روى عن الزهري حديثًا معضلًا٢.\nوقال إبن عدي: بعض حديثه لا يتابع عليه. وذكر من جملة حديثه حديث أنس هذا٣. وهو شاذ أو منكر لتفرد حماد بن يحيى به دون أصحاب ثابت البناني، ولا يحتمل منه مثل هذا التفرد.\nثم على تقدير صحته فهو مؤل على أن المؤمنين في آخر الزمان إذا أقاموا الذين وتمسكوا به. وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور الشر والفتن والهرج وكثرة المعاصي. كانوا في ذلك غربًا. فزكت أعمالهم في ذلك الزمان كما زكت أعمال أوائل الصحابة عند كثرة المشركين، وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم٤.\nأو يكون ذلك إشارة إلى أيام نزول عيسى بن مريم ﵇ ومقامه بالأرض حيث تظهر البركات وينشر العدل ويذهب الفساد في تلك الأيام. وهي من أواخر أزمان هذه الأمة.\nفلا يكون في ذلك تفضيل أهل ذلك العصر على الصدر الأول، ولا مساواتهم بل بالنسبة إلى ما ذكرناه، كيف والأحاديث الثابتة في تفضيل الصحابة على من بعدهم صريحة لا تحتمل التأويل، وهي أصح وأكثر من هذه الأحاديث المحتملة، فلا تكون معارضة لها، وبالله التوفيق.\n_________\n١ التاريخ الكبير ١/٢/٢٤.\n٢ تهذيب التهذيب ٣/٢٢.\n٣ الكامل ٢/٦٦٣.\n٤ انظر ما ذكره الحافظ حول هذا الموضوع في فتح الباري ٧/٧.","vol":"1","page":77},{"text":"الوجه الثالث:\nالإجماع على ذلك ممن يعتد به على أحد الوجهين:\nأما على أنه لا اعتداد بأهل البدع في الإجماع والخلاف، فإنه لم يخالف في عدالة الصحابة من حيث الجملة أحد من أهل السنة، وإنما الخلاف عن المعتزلة والخوارج وأمثالهم.\nوأما على أن ندرة المخالف مع كثرة المجمعين لا يمنع إنعقاد الإجماع، إن ثبت أن أحدًا من أهل البدع، خالف في ذلك.\nوالطريق الأولى أقوى، ولا فرق في هذا بين من لابس الفتن من الصحابة ومن لم يلابسها.\nقال ابن الصلاح:\nأجمع العلماء الذين يعتمد بهم في الإجماع على عدالتهم أيضًا إحسانًا للظن بهم، ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن الله تعالى أباح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة.\nفهذا الوجه وحده كاف في رد قول المخالفين، والله أعلم.\nالوجه الرابع:\nإنما يكتفي في التعديل بأخبار الواحد منا وتزكيته مع أنه لا يعلم إلا بعض الظواهر، ومع عدم عصمته عن الكذب، فكيف لا يكتفي بتزكية علام الغيوب الذي لا يعزب عن علمه مثال ذرة في الأرض ولا\n_________\n١ علوم الحديث لابن الصلاح ص ٢٦٥.","vol":"1","page":78},{"text":"في السماء، وقد أحاط علمه بما سيقع منهم من الفتن والحروب، وأنزل مدحهم والثناء عليهم قرآنًا يتلى مستمرًا ما بقيت الدنيا، وذلك يقتضي أن الثناء عليهم ومدحهم وتعديلهم مسترمًا لا يتغير، وكذلك أطلع نبيه ﷺ ما يقع بينهم، وأخبر بذلك إما على وجه الإجمال كقوله ﷺ:\n٢٨- \"أرى مواقع الفتن بين يبوتكم كمواقع المطر\" ١، ونحو ذلك.\n(او تفصيلًا في بعض القضايا، كمن أسر إليه ذلك، كحذيفة رضي الله عنه٢، ولم يكن ذلك مانعًا له ﷺ من الثناء على جميع الصحابة ووصفهم بأنهم خير القرون ونحو ذلك) ٣ مما تقدم.\nوهذا مع عصمته ﷺ عن وقوع الكذب في أخباره وبراءته من المداهنة لأحد منهم، فكل هذا يقتضي أن ما وقع بينهم بعده ﷺ لم يحط من رتبتهم شيئًا ألبتة.\nفأما قوله ﷺ في حديث الحوض:\n٢٩-\"ليختلجن رجال من دوني أعرفهم فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أصحابي فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول:\n_________\n١ رواه البخاري في صحيحه باب آطام المدينة بلفظ:\nإني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع المطر. فتح الباري ٤/٩٤.\n٢ يشير المؤلف إلى حديث حذيفة الذي يقول فيه: لقد حدثني رسول الله ﷺ ما كان وما يكون حتى تقوم الساعة.\nوفي الصحيحين أن أبا الدرداء قال لعلقمة: أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه أحد غيره..؟\nيعني حذيفة. هكذا قال الحافظ.\nانظر الإصابة ١/٣١٧.\n٣ ساقط من النسخة الأمريكية.","vol":"1","page":79},{"text":"سحقًا\" ١.\nوفي رواية:\n\"فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ ... الآية. فإنه محمول على من ارتد بعده ﷺ ثم مات على ذلك. بدليل قوله: فيؤخذ بهم ذات الشمال.\nوكذلك في الرواية الأخرى: إنهم لم يزالوا مرتيدين على أعقابهم منذ فارقتهم ... الحديث.\nوإلا فالنبي ﷺ قد شهد للعشرة ﵁ بأنهم من أهل الجنة، وقال:\n٣٠- \"لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار\" ٢.\nولما قال حاطب، ٣وقد شكاه، ليدخل حاطب النار.\nقال له النبي ﷺ:\n٣١- \"كذب إنه شهد بدرًا، وما يدريك أن الله تعالى إطلع على أهل بدر، فقال: إعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم\" ٤.\nوقد علم القتال الواقع بين علي وطلحة والزبير ﵃، وأن كثيرًا من أهل بدر وبيعة الرضوان شهدوا الحروب في تلك الفتن مع قطع النبي ﷺ لهم بأنهم لا يدخلوا النار، وشهادته للعشرة بأنهم في\n_________\n١ رواه البخاري في كتاب الرقاق ١١/٤٦٤.\nومسلم في الفضائل ١٥/٣٥.\n٢ صحيح مسلم ١٦/٥٨.\n٣ هكذا في الأصل.\nوفي صحيح مسلم ١٦/٥٧ أن عبدًا لحاطب جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبًا.\n٤ المصدر السابق.","vol":"1","page":80},{"text":"الجنة، وقد أخبر الزبير بما سيقع بينه وبين علي ﵄ من القتال.\nفتعين أن يكون المراد بالذين يختلجون دونه أهل الردة١.\nالوجه الخامس:\nأن من اشتهر بالإمامة في العلم والدين، كمالك والسفيانين والشافعي والبخاري ومسلم، وأمثالهم لا يحتاج إلى التعديل، ولا البحث عن حاله بالإتفاق، وهو عمل مستمر لا نزاع فيه.\nفالصحابة ﵃ أولى بذلك، لما تواتر عنهم واشتهر من حالهم في الهجرة والجهاد وبذل المهج والأولاد وقتل الآباء والأولاد والأقرباء والأهل، ومفارقة الأوطان والأموال.\nكل ذلك في موالاة النبي ﷺ ونصرته لله خالصًا.\nثم ما كانوا عليه دائمًا من إشتدادهم في أمور الدين بحيث لا تأخذهم فيه لومة لائم، ومواظبتهم على نشر العلم وفتح البلاد، وتدويخ الأمصار، فيا لله العجب كيف يداني أحدًا من هؤلاء من بعدهم فضلًا عن مساواتهم، حتى إنه يحتاج الواحد منهم إلى الكشف عن حاله وتزكيته أو يكون ما صدر عنه عن إجتهاد أو تأويل قادحًا في عدالته وحاطًا له عن علو مرتبته العلية.\nإن هذا القول الأعمى في البصيرة، وتوصلًا إلى الطعن في الشريعة والقدح في الدين وإلقاء الشبهة فيه.\nولذلك رد الله تعالى كلام من تكلم فيهم على القادحين، فكان ذلك سببًا لحط مرتبتهم ومقتضيًا\n_________\n١ انظر المستدرك ٣/٣٦٦، البداية والنهاية ٧/٢٤٠.","vol":"1","page":81},{"text":"لجرحهم وفسقهم، ولله الحمد والمنة.\nفهذه الأوجه الخمسة كل منها مقتضي للقطع بعدالة الصحابة ﵃، والأخير مختص بمن أكثر صحبته ﷺ وأقام معه مدة، وهاجر معه أو إليه بخلاف الوجه الثاني، فإن من أحاديثه ما هو عام لكل من رآه ولو لحظة، بحيث يعد من الصحابة بل ربما يقال بأنه شامل لكل من كان في عصره من المسلمين وإن لم يثبت له صحبة ولا رؤية.\nلكن خرج هؤلاء بالإجماع على أنه لا بد من معرفة عدالتهم بطريقها كمن بعدهم، فتبقى فيمن ثبت له الصحبة أو الرؤية على عمومه وبالله التوفيق.\nوأما المخالفون في هذا المقام فقد تعلقوا بقصص كثيرة مما طعن فيه بعض الصحابة على بعض، ونقل منها بعض المصنفين قطعة كبيرة وهي منقسمة إلى:\nما لا يصح عنهم أصلًا.\nوإلى ما قد صح، وله محامل صحيحة وتأويلات سائغة.\nكقول عائشة في زيد بن أرقم ﵄.\n٣٢- \"أبلغوا زيدًا إنه قد أحبط جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب\"١.\n_________\n١ أورده عبد الرزاق في مصنفه عن امرأة أبي إسحاق أنها دخلت على عائشة.\nورواه الدارقطني بسنده عن يونس بن أبي إسحاق عن أمه العالية قالت: خرجت أنا وأم محبة، وقال عقبه: أم محبة والعالية مجهولتان لا يحتج بهما.\nوقال ابن عبد البر في الإستذكار: هذا الخبر لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولا هو مما يحتج به عندهم. والحديث منكر اللفظ لا أصل له.\nانظر: المصنف ٨/١٨٤، سنن الدارقطني ٣/٥٢، سنن البيهقي ٥/٣٣٠، الإجابة ص ١٥٣.","vol":"1","page":82},{"text":"وقول عبادة بن الصامت ﵁ وقد قيل له إن أبا محمد يزعم:\n٣٣- \"إن الوتر واجب\"١.\nفقال: كذب أبو محمد٢.\nوأبو محمد هذا من الصحابة ﵃ ونحو ذلك.\nفالأمر فيه بين والخطب هين لسهولة تأويلها وإنها لا تعارض نصوص الكتاب والسنة المشهورة.\nوأما الذي أولع به أكثر أهل البدع وهو الفتن والحروب التي كانت بينهم، فقطعوا على كل من قاتل عليًا ﵁ من أهل الجمل وصفين بالفسق، واستثنى بعضهم من ذلك عائشة طلحة والزبير ﵃. قال: لأنهم تابوا من ذلك دون معاوية ومن كان معه.\nولهم في ذلك أقوال كثيرة تقدم بعضها. ويقشعر القلب من سماعها، ثم يعضدون ذلك بما ثبت عن النبي ﷺ من تحريم الدماء، وذكر ما يترتب على سفكها.\nولأهل السنة عن ذلك أجوبة كثيرة مجملة ومفصلة، وحاصل الإجمالية ترجع إلى وجهين:\n_________\n١ رواه مالك في الموطأ وعبد الرزاق في مصنفه وأبو داود في سننه.\nتنوير المحالك ١/١١٠، المصنف ٣/٥، عون المعبود ٤/٢٩٤.\n٢ كذب أبو محمد، أي أخطأ.\nوسماه كذبًا لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب، كما أن الكذب ضد الصدق. وهذا الرجل ليس بمخبر، وإنما قاله باجتهاد أداه إلى أن الوتر واجب.\nوالإجتهاد لا يدخله الكذب، وإنما يدخله الخطأ.\nعون المعبود ٤/٢٩٥.","vol":"1","page":83},{"text":"أحدهما: أن ذلك كان من كل منهم بناء على الإجتهاد منه في ذلك والتأويل المسوغ له للأقدام عليه، ومع هذا فلا يكون شيء من ذلك قادحًا في عدالتهم. لأن جميع تلك الوقائع إن كانت مما يسوغ فيه الإجتهاد فظاهر لأنه حينئذ إن قلنا إن كل مجتهد مصيب فلا يتوجه تخطئته إلى أحد من الفريقين.\nوإن قلنا المصيب واحد والثاني مخطئ، فالمخطئ في إجتهاده معذور غير آثم، فلا يخرجه خطؤه عن العدالة.\nوإن لم يكن ذلك مما يسوغ فيه الإجتهاد فالمخطئ كان متأولًا فيما فعله.\nوإن كان تأوله خطأ فلا يخرج بذلك عن العدالة، كيف وإن عدالتهم ثابتة بما تقدم من الأدلة القطعية، فيستصحب ولا يُزال بالشك والوهم.\nلا سيما مع ما تقدم من ثناء الله تعالى عليهم ورسوله ﷺ مع العلم بما يصدر منهم.\nومما يؤيد أن ذلك من المجتهد فيه قعود جماعة من الصحابة ﵃ عن الكون مع أحد الفريقين، كسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة وغيرهم لأنه خفي عليهم الأمر.\nوروي أن عليًا ﵁ دعى سعد بن أبي وقاص إلى أن يكون معه فقال له:\n٣٤- \"أعطني سيفًا يعرف الحق من الباطل، أو قال: المحق من المبطل، وكان علي ﵁ مع أن الحق معه يغبط سعدً ﵁ بذلك، فكان يقول:\n٣٥- \"لله در منزل نزله سعد بن مالك، إن كان ذنبًا فذنب صغير، وإن كان أجر فأجر عظيم١.\n_________\n١ تذكرة الحفاظ ١/٢٢.","vol":"1","page":84},{"text":"وقال علي ﵁ أيضًا غير مرة١:\n٣٦- \"إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير يوم القيامة ممن قال الله تعالى فيهم ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ .\nوالآثار في ذلك كثيرة معروفة في كتب أهل التاريخ.\nالوجه الثاني:\nإن كلما قدح به المبتدعة في الصحابة الذين أسقطوا عدالتهم يتصور عليهم مثله في الصحابة الذين لم يقدحوا في عدالتهم.\nفإن تأولوا أفعال من وافقوا على عدالته وحسنوا لهم المخارج في أمورهم كانوا مقابلين بمثله فيمن خالفونا في عدالته، ولا يجدون فارقًا قاطعًا بين الطائفتين بالنسبة إلى انقداح التأويل وإحسان الظن بهم. وانسداد ذلك في حق الجميع. وحينئذ يؤدي إلى أحد أمرين لا بدّ منهما:\nإما التأويل وإحسان الظن في حق الجميع، وهو المطلوب.\nوإما إسقاط عدالة الجميع، وذلك أمر عظيم خارق للإجماع القطعي. فإن الأمة كلها ممن يُعتبر بأقوالهم أجمعوا على أنه لا يصح إسقاط عدالة جميع الصحابة كيف وإن ذلك يؤدي إلى هدم الدين وإزالة ما بأيدينا من أمور الشريعة، معاذ الله من ذلك.\nوأما من تقدمت الحكاية عنه. بأن كل من لا بس الفتن فهو ساقط العدالة، فهو قول باطل ممن لا يُعتد به.\nونظيره إكفار الخوارج كل\n_________\n١ شذرات الذهب ١/٤٣.","vol":"1","page":85},{"text":"الفئتين، فلا يرجع هذا القول إلا على قائله. ونسأله الله السلامة من الأهواء المضلة.\nفإن قيل: أنتم وإن تأولتم. فإن تأويلكم لا يزيح الشك في أفعالهم، والشك في أفعالهم يلزم منه الشك في عدالتهم.\nقلنا: الإجماع الذي حكيناه من إمتناع إسقاط عدالة جميع الصحابة، حجة قاطعة في أن هذا الشك غير مؤثر. فإذا انضم ذلك إلى ما تقدم من الأدلة الدالة على عدالتهم، واستصحبنا ذلك في كل١ فرد منهم كان هذا الشك مندفعًا. كيف ونحن إنما نتأول تأويلًا في كلّ قصة. هو الظاهر المستفاد ظهوره منها كما سيأتي بيان بعضه إن شاء الله تعالى قريبًا.\nوهذا أمر معمول به –أعني استصحاب العدالة- وأنها لا ترفع بالشك في حق من ثبتت عدالته بشاهدين وشهادتهما لم يفد إلا الظن المجرد. بجريان ذلك في حق من هو مقطوع بعدالته بتعديل الله تعالى ورسوله ﷺ بطريق الأولى.\nوبهذا يتبين أنه ليس المعنى بعدالة كل واحد من الصحابة ﵃ أن العصمة له ثابتة والمعصية عليه مستحيلة. ولكن المعنى بهذا أن روايته مقبولة وقوله مصدق ولا يحتاج إلى تزكية كما يحتاج غيره إليها؛ لأن استصحاب الحال لا يفيد إلا ذلك.\nهذا ما يتعلق بالطريق الإجمالي. وأما التفصيلي:\nفلأئمتنا المتقدمين فيه مصنفات مستقلة، ويطول الكلام به هنا إن تعرضنا للجميع. ولكن نشير إلى فصل موجز يتعلق بوقعة الجمل\n_________\n١ سقط من نسخة كراتشي ما بعد كلمة «كل» قدر ثلاث ورقات. وانتهى السقط عند عبارة «رواية غيره» .","vol":"1","page":86},{"text":"لندفع به الطعن عن مثل طلحة والزبير وعائشة ﵃ ويكون ذلك مثالًا لغيره.\nوهو أن المصيبة بعثمان ﵁ كانت عظيمة. ولم يكن خطر ببال علي ولا غيره من الصحابة ﵃ أن يُقتل. ولكن ظنوا أن الخوارج الذين حاصروه أعتبوه في شيء وأن الأمر يؤدي إلى تسكين وسلامة. فلما وقع قتله بغتة كان منكرًا مهولًا. ولم يكن في قتله بحمد الله أحد ممن ثبتت الصحبة له كما تقدم.\nفأعجل الأمر الصحابة ﵃ عن القيام على قاتليه بغتة لشوكتهم حينئذ. ورأو المبادرة إلى نصب إمام يجمع الكلمة أولًا. ولم يكن بدّ من متابعة علي ﵁. لأنه حينئذ أفضل الموجودين بالاتفاق وأحقهم بالإمامة. لسابقته وفضله وشجاعته وغير ذلك. فاجتمعوا عليه وبايعوه وتخلف عنه أهل الشام فلم تجتمع الكلمة عليه ولا انتظم الأمر انتظامًا تامًا يتمكن به عليًا ﵁ من الإقادة بدم عثمان ﵁ من قاتليه وقد انضموا إليه. فلو أقاد من أحدهم لتفرق١ بذلك قبائلهم كلها. وكثرت الفتن وزاد الهرج.\nفرأى علي ﵁ أن يؤخر ذلك إلى أن تجتمع الكلمة ويتمكن من إقامة الحق من غير فتنة. ورأى طلحة والزبير ﵄ ومن قام معهما أنهم قد وقعوا في أمر عظيم من خذلان عثمان ﵁ والسكوت عنه إلى أن قتل. وأن ذلك لا يمحوه إلا القيام على قاتليه وطلب الإقادة منهم. ولم يكن عندهم ما رآه علي ﵁ من خوف زيادة الفتنة من قبائلهم مانعًا من المبادرة إلى الطلب بدم عثمان.\nفوقع ما قدره الله تعالى مع اجتهاد كل من الطائفتين ليقضي الله\n_________\n١ في الأمريكية: لنفرت.","vol":"1","page":87},{"text":"أمرًا كان مفعولا. قدر وقوعه في الأزل. وإن كان اجتهاد علي ﵁ أقرب إلى الحق. وإن أكثر من قام مع طلحة والزبير ممن ليست له صحبة. لم يكن مقصده باطنًا للاجتهاد الذي هو مأخذ طلحة والزبير.\nبدليل أن مروان بن الحكم كان من جملة من معهما وهو الذي باشر قتل طلحة ﵁. فالمقصود أن الصحابة ﵃ إنما قاموا مجتهدين فيما نقلوه والإثم منحط عن المجتهد إذا استفرغ جهده. لا فرق فيه بين الدماء وغيرها.\nوذلك يرفع سمة النقص والغض عن أكابر الصحابة ﵃. وبسط الكلام يطول به المقام ويخرج عن المقصود. وفي جميع ما تقدم كفاية لمن نور الله قلبه، ولم يمل به الهوى إلى الانحراف. وبالله التوفيق.\nوأما معاوية ﵁ وإن كانت فئته باغية على علي ﵁ بنصّ النبي ﷺ إذ قال:\n٣٧- \"تقتل عمارًا الفئة الباغية\" ١.\nفقد علم النبي ﷺ بما أطلعه الله عليه أن معاوية سيملك، وقال له:\n٣٨- \"إن ملكت فاعدل\" ٢.\n_________\n١ الحديث صحيح. رواه الإمام البخاري في كتاب الصلاة. باب التعاون في بناء المسجد، ولفظه: \"ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار\".\nورواه الإمام مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، بلفظ ما في المخطوط.\nقال الحافظ ابن حجر: \"روى حديث تقتل عمارًا الفئة الباغية جماعة من الصحابة. ذكرهم ثم قال: وغالب طرقها صحيحة أو حسنة\".\nانظر: فتح الباري ١/٥٤١-٥٤٣، صحيح مسلم ١٨/٤١.\n٢ قال الحافظ ابن حجر: \"وفي مسند أبي يعلى عن سويد بن شعبة عن عمرو بن يحيى بن سعيد عن جده سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن معاوية قال:\n\"اتبعت رسول الله ﷺ بوضوء فلما توضأ نظر إليّ فقال: يا معاوية إن وليت أمرًا فاتق الله واعدل. فما زلت أظن أني مبتلى\". سويد فيه مقال، وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر.\nقال الإمام السيوطي: \"أخرج إبن أبي شيبة والطبراني في الكبير عن عبد الملك بن عمير قال:\nقال معاوية: ما زلت أطمع في الخلافة منذ قال لي رسول الله ﷺ: \" يا معاوية إذا ملكت فأحسن\". قال السيوطي: قد ورد في فضله أحاديث قلما تثبت\".\nانظر: مجمع الزوائد ٩/٣٥٦، الإصابة ٣/٤٣٣، تاريخ الخلفاء ١٩٤.","vol":"1","page":88},{"text":"وعلم أيضًا ببغيه في قتال علي ﵁. ومع ذلك دعى له في الحديث الذي رواه يونس بن سيف عن الحارث بن زياد عن أبي رهم السمعي عن العرباض بن سارية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n٣٩- \"اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب\" ١.\nوقد ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه صدّق معاوية في الوتر بركعة واحدة، وقال:\n٤٠- \"أصاب إنه فقيه\"٢.\nوروى عنه أنه \"قصّر عن النبي ﷺ بمشقص\"٣.\n_________\n١ قال الهيثمي:\nرواه البزار وأحمد والطبراني. وفيه الحارث بن زياد، ولم أجد من وثقه ولم يرو عنه غير يونس بن سيف، وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم خلاف\".\nقلت: الحديث ضعيف قد يرتقي إلى الحسن لغيره بالشواهد والمتابعات. وقد صرّح الإمام السيوطي بأنه ورد في فضل أبي سفيان أحاديث قلما تثبت. والله أعلم.\nانظر: فضائل الصحابة للإمام أحمد ٢/٩١٣، مسند الإمام أحمد ٤/١٢٧، مجمع الزوائد ٩/٣٥٦.\n٢ رواه البخاري في صحيحه. باب ذكر معاوية بن أبي سفيان.\nفتح الباري ٧/١٠٣.\n٣ رواه البخاري في باب الحلق والتقصير عند الإحلال.\nومسلم في باب جواز تقصير المعتمر من شعره.\nفتح الباري ٣/٥٦١، صحيح مسلم بشرح النووي ٨/٢٣١.","vol":"1","page":89},{"text":"وكذلك روى أيضًا عن معاوية:\nجرير بن عبد الله البجلي، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، ومعاوية بن خديج، والسائب بن يزيد، وجماعة غيرهم من الصحابة ﵃.\nوكل ذلك بعدما وقع منه من قتال علي ﵁.\nواتفق أئمة التابعين بعدهم على الرواية عنه وقبول ما رواه هو وعمرو بن العاص، وكل من قام معهما في الفتنة، فكان ذلك إجماعًا سابقًا على قول من قدح فيهم حتى أن جعفر بن محمد بن علي روى عن القاسم بن محمد عن معاوية حديثًا١.\nوقال محمد بن سيرين:\nكان معاوية ﵁ لا يتهم في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم٢.\nقال الإمام أبو بكر البيهقي:\nكل من روى عن النبي ﷺ ممن صحبه أو لقيه فهو ثقة، لم يتهمه أحد ممن يحسن علم الرواية فيما روى.\nومما يتصل بذلك أيضًا:\nالكلام في سمرة بن جندب ﵁.\n_________\n١ الحديث رواه الطبراني في الكبير ١٩/٣٣٢، وفيه:\nإن رسول الله ﷺ قال للناس: \"إن صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا\".\nقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد ٢/٦٧.\n٢ وروى عن ابن عباس مثله. المعجم الكبير ١٩/٣١٠.","vol":"1","page":90},{"text":"فقد تعرض إليه بعضهم لما روى أن النبي ﷺ قال له ولأبي هريرة ولآخر كان معهما١ في بيت.\n٤٠- \"آخركم موتًا في النار\" وكان آخرهم موتًا سمرة.\nولأنه ولي البصرة لزياد بن أبيه ثم لمعاوية أيضًا.\nوكان يكثر القتل.\nوقد روى شعبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة ﵁ أنه قال:\n٤١- \"حفظت عن رسول الله ﷺ سكتتين في الصلاة.. الحديث\"٢.\nوأن عمران بن حصين أنكر ذلك، فكتبوا في ذلك إلى أبي بن كعب فكتب بصدق سمرة، ويقول:\n٤٢- \"إن سمرة حفظ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.\nوروى عاصم بن سليمان عن محمد بن سيرين أن ابن عباس ﵄ أمر الناس بزكاة الفطر فأنكروا ذلك عليه، فأرسل إلى سمرة بن جندب فقال له:\n_________\n١ ذكر الحافظ ابن حجر أنه أبا محذورة.\nالإصابة ٢/٧٩.\n٢ رواه الترمذي وقال:\nحديث حسن.\nوابن ماجه في باب في سكتتي الإمام. والطبراني في الكبير.\nانظر: تحفة الأحوذي ٢/٧٩، سنن ابن ماجه ١/٢٧٥، المعجم الكبير ٧/٢٥٤، تحفة الأشراف ٤/٦٩.\n٣ الإستيعاب ٢/٧٨.","vol":"1","page":91},{"text":"أما علمت أن رسول الله ﷺ أمر بها. قال: بلى. قال: فما منعك أن تعلم أهل البلدة.\nفلو لم يكن سمرة عند ابن عباس بالمحل الأعلى، لما سأله واستشهد به.\nوقال عبد الله بن صبيح عن ابن سيرين:\n٤٣- \"كان سمرة فيما علمت عظيم الأمانة صدوق الحديث يحب الإسلام وأهله\"١.\nوأما حديث: \"آخركم موتًا في النار\".\nفقد وقع مصداقه بأن سمرة ﵁ أصابه في آخر عمرة كزاز فكان يعالج منه بأن يغلي له قدر مملوء ماء حارًا، فيقعد عليها يستدفئ ببخارها فسقط فيها وهي أشد ما تكون حراراة، فمات.\nفلم يكن مراده ﷺ إلا نار الدنيا٢.\nوأما قتله الناس:\nفإنما كان يقتل الخوارج المارقين الذي أكفروا الصحابة وقاتلوا الناس٣، ولم يكن يقتل أحدًا إذا ظفر به ﵁.\nوقد ذكر جماعة من أئمة الأصول في هذا الموضع قصة أبي بكرة، ومن جلد عمر ﵁ في قذف المغيرة بن شعبة وأن ذلك لم يقدح في عدالتهم. لأنهم إنما أخرجوا ذلك مخرج الشهادة ولم يخرجوه مخرج القذف، وجلدهم عمر ﵁ باجتهاده، فلا يجوز رد أخبارهم بل هي كغيرها من أخبار بقية الصحابة ﵃.\n_________\n١ الإستيعاب ٢/٧٨.\n٢ المصدر السابق.\n٣ تهذيب الأسماء ١/٢٣٦.","vol":"1","page":92},{"text":"«فصل»\nوالذي نختتم به الكتاب في هذا المعنى أمر مهم أولع فيه الحنفية في كتبهم ومناظراتهم يفضي إلى خلل عظيم في الإسلام، وذلك يتعلق بأمرين:\nأحدهما: في حق أبي هريرة ﵁ على الخصوص، وأن التهمة تطرقت إلى رواياته لكثرة ما روى، ولأنه أنكر عليه جماعة من الصحابة١.\nوالثاني: فيما يتعلق بأخبار من ليس من فقهاء الصحابة، وإنما يقدم عليها القياس عند المعارضة، ويكون التأويل متطرقًا إليها بخلاف أخبار الفقهاء منهم، وجعلوا هذين الأمرين عمدة لهم في رد كثير من الأحاديث التي صحت على خلاف مذهبهم. والله الموعد.\nكما ثبت هذا اللفظ عن أبي هريرة ﵁، لما قيل له إنه يكثر الأحاديث عن رسول الله ﷺ.\nوقد بالغ بعضهم حتى حكى أبو الحسين بن القطان من أصحابنا عن عيسى بن أبان أنه نقل عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال:\n٤٤- \"يخرج من أمتي ثلاثون دجالًا ... الحديث\".\nوأن عليًا قال:\n_________\n١ انظر صحيح الإمام مسلم ١٦/٥٢.","vol":"1","page":93},{"text":"أنا أشهد أن أبا هريرة منهم.\nونقله عن إبن أبان جماعة من غلاة الحنفية ولكن أبو بكر الرازي منهم. أنكر هذا عن عيسى بن أبان، وقال:\nهو كذب على عيسى، ووضعه من لا يرجع إلى دين ولا مرؤة، ولا يتحاشى من الكذب في التثبت.\nوالذي نقله الرازي عن إبن أبان أنه قال:\nيقبل من حديث أبي هريرة ما لم يرده القياس، ولم يخالف نظايره من السنة المعروفة، إلا أن يكون شيء من ذلك قبله الصحابة والتابعون، وذلك لكثرة ما أنكر الناس من حديثه. وشكهم في أشياء من روايته.\nقال إبراهيم النخعي:\nكانوا لا يأخذون من حديث أبي هريرة إلا ما كان في ذكر الجنة والنار، ولم يقبل ابن عباس روايته في الوضوء مما مست النار، وقال:\n٤٥- \"أنتوضأ بالحميم وقد أغلي على النار\".\nفقال له أبو هريرة:\nيا ابن أخي إذا جاءك الحديث عن النبي ﷺ فلا تضرب له الأمثال١.\nقال عيسى بن أبان: فلم يرد ابن عباس رواية أبي هريرة لمعارض لها عنده – يعني نسخ الوضوء مما مست النار-، وإنما ردها بالقياس – وكانت عائشة ﵄ تمشي في الخف الواحد، وتقول:\n\"لأخشن أبا هريرة\".\n_________\n١ مخالفة ابن عباس لأبي هريرة أخرجه البزار في مسنده.\nمسند البزار ٦/٦٨ ل ب. المعتبر ١/١٦٩.","vol":"1","page":94},{"text":"يعني في روايته المنع من ذلك١.\nوأنكرت عليه أيضًا:\n٤٦- حديث: \"ولد الزنا شر الثلاثة\".\nوعارضته بقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٢.\nوقالت لابن أخيها:\nلا تعجب من هذا وكثرت حديثه، إن رسول الله ﷺ كان يحدث حديثًا لو عده العاد أحصاه٣.\nقال:\nوقد أنكر ابن عمرو وغيره من الصحابة عليه كثرة حديثه، ولم يأخذوا بكثير من رواياته حتى يسألوا غيره.\nوقال أبو بكر الرازي بعد سياقه هذا الكلام:\nلم يظهر من الصحابة من التثبت في حديث غير أبي هريرة مثل ما ظهر منهم في حديثه.\nفدل ذلك على أنه متى غلط الراوي وظهر من السلف التثبت في روايته كان ذلك مسوغًا للإجتهاد في مقابلته بالقياس وشواهد الأصول.\nثم ذكر أن عمر ﵁ قال لأبي هريرة لما بلغه أنه يروي عن رسول الله ﷺ أشياء لا تعرف:\n_________\n١ الإجابة ص ١٢٥.\nوقال ابن عبد البر: لم يلتفت أهل العلم إلى ذلك، لأن السنن لا تعارض بالرأي.\n٢ المصدر السابق ص ١١٩.\n٣ فتح الباري ٦/٥٦٧، صحيح مسلم ١٦/٥٣، وليس فيهما قول عائشة: لا تعجب من هذا.. الخ.","vol":"1","page":95},{"text":"\"لئن لم تكف عن هذا لألحقنك بجبال دوس\" ١.\nثم ذكر الرازي حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:\n٤٧- \"من يبسط ردائه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه إليه فلا ينسى شيئًا سمعه مني. قال أبو هريرة: فبسطت نمرة كانت عليّ حتى قضى رسول الله ﷺ مقالته، فما نسيت شيئًا سمعته منه\" ٢.\nوأجاب عن ذلك: بأن هذا لو كان كذلك لكانت هذه فضيلة اختص بها من بين الصحابة، ولعرفوا له ذلك واشتهر بها حتى كانوا يرجعون إليه ويقدمون روايته على٣ رواية غيره، ولم يقع ذلك. بل كانوا ينكرون كثرة روايته.\nوأيضًا كيف يكون ذلك وقد روى حديث:\n٤٨- \"لا عدوى ولا طيرة\" ٤. ثم نسيه.\nوروى حديث:\n٤٩- \"لا يورد ممرض على مصح\". وأنكر أن يكون حديثًا بالخبر الأول٥.\n_________\n١ رواه الرامهرمزي. عن عثمان ﵁.\nوابن كثير عن عمر بلفظ لتتركن الحديث.\nالمحدث الفاصل ص ٥٥٤، البداية والنهاية ٨/١٠٦.\n٢ رواه الإمام مسلم في فضائل أبي هريرة، صحيح مسلم ١٦/٥٢.\n٣ انتهى السقط في نسخة كراتشي عند هذه العبارة.\n٤ رواه الإمام البخاري في كتاب الطب، باب الجذام.\nومسلم في كتاب السلام.\nفتح الباري ١٠/١٥٨، صحيح مسلم ١٤/٢١٤.\n٥ انظر صحيح مسلم ١٤/٢١٥، وفيه خبر إنكاره للحديث الأول.\nوسيأتي رد المؤلف بعد قليل.","vol":"1","page":96},{"text":"قال: على أنه لو صح الحديث في بسطه النمرة، لكان محمولًا على ما سمعه في ذلك المجلس خاصة دون غيره.\nثم ذكر بعد ذلك توقى من توقى من الصحابة ﵃ في الرواية وتقليلهم منها.\nقال: وهذا يدل على أن كثيرًا١ من الصحابة ﵃ أشفقوا على حديث النبي ﷺ من أن يدخله خلل أو وهم.\nوإذا كان السهو والغلط جائزين على الرواة ثم ظهر من السلف إنكار لكثرة الرواية على بعضهم، كان ذلك سببًا لاستعمال الرأي والإجتهاد٢ فيما يرويه وعرضه على الأصول والنظاير٣.\n\"رد المؤلف على أبي بكر الرازي\" ٤\nوهذا الفصل كما تراه ظاهر الضعف، مقتض لرد كثير من السنة الثابتة لمجرد الظن الفاسد. وليس في شيء مما ذكروه ما يقتضي توقفًا في حديث أبي هريرة ﵁ ولا تطرق تهمة إليه. معاذ الله من ذلك أنّى وقد شهد له النبي ﷺ بالحرض على الحديث لمّا قال له:\n٥٠- \"من أسعد الناس بشفاعتك؟ فقال ﷺ: لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا أحد قبلك لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله\". أخرجه البخاري٥.\nوروى في كتاب التاريخ له من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن مالك بن أبي عامر قال:\n_________\n١ في الأمريكية: على أن كبراء الصحابة.\n٢ في الأمريكية: لاستعمال الرأي والاجتهاد.\nوكذلك نسخة كراتشي.\n٣ انتهى الاعتراض.\n٤ انتهى الاعتراض.\n٥ رواه البخاري في باب الحرص على الحديث. فتح الباري ١/١٩٣.","vol":"1","page":97},{"text":"٥١- \"كنت عند طلحة بن عبيد الله ﵁ فدخل عليه رجل فقال:\nيا أبا محمد والله ما ندري أهذا اليماني – يعني أبا هريرة – أعلم برسول الله ﷺ منكم، أو هو يقول على النبي ﷺ ما لم يقل؟\nفقال: والله ما نشك أنه قد سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم. إنا كنا أغنياء لنا بيوتات وأهلون. وكنا نأتي رسول الله ﷺ طرفي النهار ثم نرجع. وكان مسكينًا لا مال له ولا أهل. يده مع يد رسول الله ﷺ. فكان يدور معه حيثما دار. فما نشك أنه قد علم مالم نعلم، وسمع ما لم نسمع، ولن نجد أحدًا فيه خير يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل\"١.\nوروى حفص بن غياث عن أشعث عن مولى لطلحة قال:\n٥٢- \"كان أبو هريرة جالسًا في مسجد الكوفة، فمر رجل بطلحة رضي الله عنه٢.\nفقال: قد أكثر أبو هريرة.\nفقال طلحة: قد سمعنا كما سمع، ولكنه حفظ ونسينا\".\nوفي تاريخ البخاري أيضًا من طريق إسماعيل بن أمية عن محمد بن قيس بن مخرمة عن أبيه:\n٥٣- \"أن رجلًا جاء إلى زيد بن ثابت ﵁ فسأله عن شيء فقال: عليك بأبي هريرة فإنا بتنا أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد، فخرج علينا رسول الله ﷺ ونحن ندعوا الله فجلس إلينا فسكتنا فقال:\n_________\n١ التاريخ الكبير ٢/٣/١٣٢ مع اختلاف يسير.\nورواه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\nانظر المستدرك ٣/٥١١.\n٢ الإصابة ٤/٢٠٨.","vol":"1","page":98},{"text":"عودوا للذي كنتم فيه. قال: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة فجعل رسول الله ﷺ يؤمن على دعائنا ثم دعى أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك ما سألك صاحباي هذان وأسألك علمًا لا ينسى. فقال النبي ﷺ: آمين. فقلنا يا رسول لاله ونحن لا نسألك علمًا لا ينسى. قال: سبقكما بها الغلام الدوسي١.\nوروى هشيم عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن بن إبن عمر أنه مر بأبي هريرة ﵁ وهو يحدث عن النبي ﷺ حديث من تبع جناز فقال:\n٥٤- \"أنشدك الله يا أبا هريرة أسمعت رسول الله ﷺ يقول هذا؟ قال: اللهم نعم. لم يكن يشغلني عن رسول الله ﷺ غرس الردى ولا صفق بالأسواق، لقد كنت أطلب من رسول الله ﷺ كلمة يعلمنيها أو أكلة يطعمنيها\".\nفقال إبن عمر:\n٥٥- \"يا أبا هريرة قد كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه\".\nوهذا إسناد صحيح.\nوأصل القصة في صحيح مسلم وفيه أن إبن عمر قال حينئذ: لقد فرطنا في قراريط كثيرة٢.\n_________\n١ رواه الحاكم في كتاب معرفة الصحابة وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nوتعقبه الإمام الذهبي وقال: حماد ضعيف – يعني حماد بن شعيب الذي روى عن إسماعيل بن أمية.\nالمستدرك ٣/٥٠٨.\n٢ صحيح مسلم باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها. والحاكم في كتاب معرفة الصحابة بنحو ما ذكره المؤلف.\nصحيح مسلم ٣/١٣، المستدرك ٣/٥١٠.","vol":"1","page":99},{"text":"وقال إبن أبي الزناد عن أبيه عن محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم أنه قعد في مجلس فيه أبو هريرة وفيه مشيخة من أصحاب رسول الله ﷺ كثير بضعة عشر رجلًا، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبي ﷺ الحديث فلا يعرفه بعضهم، ثم يتراجعون فيه فيعرفه بعضهم. ثم يحدثهم الحديث فلا يعرفه بعضهم، ثم يعرفه حتى فعل ذلك مرارًا.\nقال: فعرفت يومئذ أنا أبا هريرة أحفظ الناس عن رسول الله ﷺ.\nرواه البخاري في تاريخه أيضًا١.\nوقال شعبة عن أشعث بن سليم عن أبيه قال:\n٥٦- \"قدمت المدينة فإذا أبو أيوب يحدث عن أبي هريرة. فقلت: تحدث عن رجل وقد كنت مع النبي ﷺ؟ فقال: إنه قد سمع٢.\n(ولأن) ٣ أحدث عنه أحب إلي من أن أحدث عن النبي ﷺ.\nقلت: وممن روى عنه أيضًا من الصحابة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع وأبو أمامة سهل بن حنيف٤.\nقال البخاري:\nروى عنه نحو ثمانمائة نفس من صاحب وتابع من أهل العلم.\n_________\n١ انظر: المستدرك ٣/٥١١.\nولم أقف عليه في التاريخ الكبير للإمام البخاري.\n٢ رواه الحاكم في المستدرك ٣/٥١٢. ويحمل كلام أبي أيوب على أن الراوي قد يغلظ بزيادة أو نقصان، فيرى أنه لو أخطأ مع راو مثله خير من الخطأ على رسول الله ﷺ.\n٣ ما بين القوسين من المستدرك.\n٤ الإصابة ٤/٢٠٥.","vol":"1","page":100},{"text":"وهذا يقتضي إجماع الأمة كلها على قبول روايته وعدم التوقف فيها١.\nقال أبو صالح:\n٥٧- \"كان أبو هريرة ﵁ من أحفظ أصحاب النبي ﷺ، ولم يكن بأفضلهم\"٢.\nوقال حماد بن زيد ثنا عمرو بن عبيد الأنصاري قال: ثنا أبو الزعيزعة كاتب مروان بن الحكم.\n٥٨- \"أن مروان بن الحكم دعا أبا هريرة، فأقعدني خلف السرير فجعل يسأله وجعلت أكتب، حتى إذا كان عند رأس الحول دعا به، فأقعده وراء الحجاب، فجعل يسأله عن ذلك الكتاب، فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا أخر\"٣.\nقلت:\nوهذا كله نتيجة بسط ردائه الذي أشار إليه أبو بكر الرازي، وفي كلامه ما يقتضي تضعيفه. وليس كما ذكر لأنه ثابت في الصحيحين.\nوفي بعض طرقه الثابت قال:\n٥٩- \"حضرت من النبي ﷺ مجلسًا فقال: من يبسط ردائه حتى\n_________\n١ الإصابة ٤/٢٠٥.\nوقال الحاكم ﵀ بلغ عدد من روى عن أبي هريرة من الصحابة ثمانية وعشرين رجلًا.\nفأما التابعون فليس فيهم أجل ولا أشهر وأشرف وأعلم من أصحاب أبي هريرة.\nالمستدرك ٣/٥١٣.\n٢ التاريخ الكبير ٢/٣/١٣٣.\n٣ أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.. المستدرك ٧/٥١٠.","vol":"1","page":101},{"text":"أقضي مقالتي، ثم يقبضه إليه فلن ينسى شئيًا سمعه مني؟ فبسطت بردة علي حتى قضى حديثه ثم قبضتها إلي. فوالذي نفسي بيده ما نسيت شيئًا بعده سمعته منه \"١.\nأخرجاه في الصحيحين من طريق إبن عيينة عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة.\nورواه البخاري أيضًا من طريق إبن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال قلت:\n٦٠- \"يا رسول الله إني أسمع منك حديثًا كثيرًا فأنساه، قال: ابسط ردائك فبسطه فغرف بيديه ثم قال: ضمه. فضممته فما نسيت حديثًا قط\" ٢.\nفهاتان الروايتان مصرحة بأن عدم نسيانه لم يكن مختصًا بما قاله النبي ﷺ في ذلك المجلس. بل هو شامل لجميع ما سمعه منه في ذلك المجلس وغيره.\nوقول الرازي لو كان كذلك لاشتهر به بين سائر الصحابة، ولم يتثبت في حديثه. يقال عليه إنه غير لازم لأن القضية لم تكن بحضور جمع يسمع الحديث منهم. ولم يعرف ذلك إلا من جهته. وقد شهدوا له بالحفظ كما تقدم عن جماعة منهم، ولم يتثبت أحد منهم في حديثه. ولو وقع في بعض ذلك شيء من واحد منهم كان على وجه الاحتياط. كما في قصة أبي بكر ﵁ مع المغيرة في ميراث الجدة٣.\n_________\n١ رواه الإمام مسلم. في فضائل أبي هريرة.\nصحيح مسلم ١٦/٥٢.\n٢ كتاب العلم. فتح الباري ١/٢١٥.\nوانظر كلام الحافظ ابن حجر.\n٣ رواه الإمام مالك في الموطأ باب ميراث الجدة.\nوالترمذي وقال عقبه: هذا حديث حسن صحيح.\nوأخرجه ابن ماجه في سننه. وأورده الذهبي في ترجمة الصديق ﵁ مستدلًا به على أنه كان أول من احتاط في قبول الأخبار.\nوقال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح بثقة رجاله، إلا أن صورته مرسل، فإن قبيصة لا يصح له سماع من الصديق ولا يمكن شهوده للقصة.\nالموطأ ١/٣٣٥، تحفة الأحوذي ٦/٢٧٧، سنن ابن ماجه ٢/٩٠٩، تذكرة الحفاظ ١/٣، التلخيص الحبير ٣/٨٢.","vol":"1","page":102},{"text":"وقصة عمر ﵁ مع أبي موسى في الإستئذان ثلاثًا١.\nولا يلزم من ذلك تطرق ريبة إليهما.\nوكذلك فعل إبن عمر في حديث أبي هريرة في إتباع الجنازة، وقد سلم له أنه كان يلزم رسول الله ﷺ ويغيبون في أشغالهم٢.\nوأما قول عمر ﵁:\n\"لألحقنك بجبال دوس\"، فلم ثبت عنه٣.\nوقد ولاه عمر ﵁ البحرين مع عدم مداهنته٤.\nوقال له عثمان ﵁:\n٦١- \"حفظ الله عليك دينك، كما حفظت علينا ديننا\".\n_________\n١ أخرجه البخاري في باب التسليم والاستئذان ثلاثًا.\nومسلم في باب الإستئذان من كتاب الأدب.\nفتح الباري ١١/٢٦١١، صحيح مسلم ١٤/١٣٠.\n٢ رواه البخاري في باب فضل اتباع الجنائز.\nومسلم في باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها.\nفتح الباري ٣/١٩٢. صحيح مسلم ٧/١٤.\n٣ وروى عن عثمان أنه قال مثل هذا القول في أبي هريرة.\nويرى الحافظ إبن كثير أن هذا القول محمول على أنه خشي من الأحاديث التي قد تضعها الناس غير مواضعها. وأنهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرخص. وأن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ، فيحملها الناس عنه أو نحو ذلك.\nانظر المحدث الفاصل ص ٥٧٤، البداية والنهاية ٨/١٠٦، السنة قبل التدوين ص ٤٦٠.\n٤ ثم طلبه عمر مرة أخرى ليستعمله فأبى.\nانظر الإصابة ٤/٢١٠.","vol":"1","page":103},{"text":"وإنما عمر ﵁ كان يحب إقلال الرواية عن النبي ﷺ ويوصي بذلك كثيرًا من الصحابة. أخذًا بالتوقي والإحتياط وحذرًا من زيادة أو نقصان يقعان من الراوي وهو لا يشعر، والروايات عنه بذلك ثابتة. فلم يكن ذلك مختصًا بأبي هريرة دون غيره.\nوأما نقض الرازي ذلك بنسيانه حديث:\" لا عدوى\" فلا يلزم لأنه لم يصرح بأنه نسيه.\nوربما كتمه في ذلك الوقت لمصلحة رآها في الحاضرين يومئذ.\nولو سلم أنه نسيه فلا يلزم منه دوام نسيانه، بل ربما تذكره بعد ذلك.\nوفي إجماع العلماء كافة على قبول قول أبي هريرة وتلقيه منه غنية ورد على إبن أبان ومن تبعه في رأيه. والله ولي التوفيق.\nوأما الكلام في أفراد الصحابة الذين لم يشتهروا بالعلم، وأن حديثهم لا يقبل منه إلا ما وافق القياس، فهو كما تقدم في الضعف، وعلى خلاف ما كان عليه الصحابة ﵃.\nفقد ثبت عن ابن عباس أن عمر ﵁ سأل عن إملاص المرأة، فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال:\n٦٢- \"كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله ﷺ في جنينها بغرة.. الحديث\".\nرواه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم١.\nوأخرجوا أيضًا بسند صحيح أن عمر ﵁ كان يقول:\n_________\n١ أبو داود في باب دية الجنين.\nوالنسائي في باب قتل المرأة بالمرأة.\nوالحاكم في كتاب معرفة الصحابة.\nوتكلم عليه الحافظ الزركشي في كتابه المعتبر.\nانظر: عون المعبود ١٢/٣١٤، سنن النسائي ٨/٢١، المستدرك ٣/٥٧٥، المعتبر ١/١٦٤.","vol":"1","page":104},{"text":"٦٣- \"الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا. حتى قال له الضحاك بن سفيان أن النبي ﷺ كتب إليه أنْ ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، فرجع عمر ﵁ إليه\"١.\nوصححه إبن حبان أيضًا.\nولما أفتى إبن مسعو ﵁ بإجتهاده أن المفوضة إذا مات عنها زوجها قبل الدخول لها مهر المثل والميراث، وقام معقل بن سنان الأشجعي ﵁ فأخبره أن النبي ﷺ قضى بمثل ذلك في بروع بنت واشق. فرح به ابن مسعود كثيرًا، ولولا قبول روايته لم يفرح به.\nوكل هذه الأمور على خلاف القياس، والصحابة الرواة لها لم يشتهروا بالقصة بل ولا بطول الصحبة، فليس لما قالوه وجه مع قبول الصحابة ﵁ ذلك.\nوأيضًا إذا كان الصحابي عدلًا مأمونًا فلا فرق فيما رواه بين ما يوافق القياس وما يخالفه. وإن كانت التهمة تتطرق إليه فيما يخالف القياس، فهي متطرقة إلى ما يوافقه أيضًا. ويكون حكمه حكم سائر الرواة من غير الصحابة ممن يتهم بسوء الحفظ، وقلة الإتقان ومعاذ الله من ذلك.\nولا ريب في أن فتح هذا الباب في الصحابة يشوش الشريعة ويدخل الشك في السنن، ويطرق أهل البدع كالرافضة وغيرهم إلى القدح في الدين والتشكيك فيه والتلبيس على ضعفاء المؤمنين. وكل\n_________\n١ رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال حسن صحيح.\nعون المعبود ٨/١٤٤، تحفة الأشراف ٤/٢٠٢، ابن ماجه ٢/٨٨٣، تحفة الأحوذي ٦/٢٩٢، تحفة الطالب ٢٣٦.","vol":"1","page":105},{"text":"مقالة أدت إلى هذه المفاسد فهي فاسدة، لا سيما والإجماع العملي منعقد قبل قائلها وهي غنية عن الإطالة في ردها، والله ولي التوفيق.\nربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم. تم.\nآخر الكتاب تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة، ووافق الفراغ من نسخه من نسخة المصنف في تاسع عشر جمادى الأول سنة ست وسبعمائة وسبعين.\nوصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>مصادر ومراجع</span>\n...\nفهرس المراجع\n١- الاجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة.\nالمؤلف: بدر الدين الزركشي ت (٧٩٤هـ) تحقيق سعيد الأفغاني – نشر المكتب الإسلامي.\n٢- أحكام الأحكام. للآمدي.\nتعليق عبد الرزاق عفيفي – وتصحيح عبد الله بن غديان. ط الأولى عام ١٣٨٧هـ.\n٣- الاستيعاب في أسماء الأصحاب.\nالمؤلف ابن عبد البر ت (٤٦٣هـ) ط الأولى سنة ١٣٢٨ بمطبعة السعادة بمصر مع كتاب الإصابة.\n٤- الإصابة في تمييز الصحابة\nالمؤلف الحافظ ابن حجر العسقلاني ت (٨٥٢) مع كتاب الاستيعاب.\n٥- الأنس الجليل. لمجير الدين الحنبلي.\nنشر مكتبة المحتسب. عمان – الأردن.\n٦- البداية والنهاية.\nالمؤلف: الحافظ ابن كثير. ت (٧٧٤هـ) . ط الأولى عام ١٣٥١هـ. ط بمطبعة السعادة.\n٧- تاريخ الخلفاء\nالمؤلف: الإمام السيوطي. ت (٩١١هـ) .\nبتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. ط الأولى عام ١٣٧١هـ. بمطبعة السعادة بمصر.","vol":"1","page":113},{"text":"٨- تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي ت (٢٨٠هـ) .\nتحقيق د. أحمد محمد نور سيف. نشر دار المأمون للتراث.\n٩- التاريخ الكبير للإمام البخاري ت (٢٥٦هـ) .\nط الأولى عام ١٣٦١ هـ بمطبعة دائرة المعارف العثمانية.\n١٠- تحفة الأحوذي شرح جامع الإمام الترمذي.\nللمباركفوري ت (١٣٥٣هـ) مراجعة عبد الوهاب عبد اللطيف. نشر محمد بن عبد المحسن الكتبي.\n١١- تحفة الأشراف.\nللحافظ المزي. ت (٧٤٢هـ) تصحيح وتعليق عبد الصمد شرف الدين. نشر دار القيمة ط الأولى.\n١٢- تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب.\nالمؤلف: ابن كثير. ت (٧٧٤هـ.) .\nدراسة وتحقيق عبد الغني بن حميد الكبيسي. نشر دار حراء للنشر والتوزيع مكة المكرمة.\n١٣- تذكرة الحفاظ.\nالمؤلف: الإمام الذهبي ت (٧٤٨هـ) . نشر دار إحياء التراث العربي.\nبتصحيح عبد الرحمن بن يحيى المعلمي عام ١٣٧٤هـ.\n١٤- تفسير القرآن العظيم.\nالمؤلف: الإمام ابن كثير. ت (٧٧٤هـ) . طبع دار إحياء الكتب العربية. عيسى البابي.\n١٥- تقريب التهذيب.\nالمؤلف: الإمام ابن حجر العسقلاني. ت (٨٥٢هـ) .","vol":"1","page":114},{"text":"تحقيق وتعليق. عبد الوهاب عبد اللطيف. نشر دار المعرفة للطباعة. بيروت. ط الثانية عام ١٣٩٥هـ.\n١٦- التقييد والإيضاح.\nالمؤلف: زين الدين العراقي ت (٨٠٦هـ) .\nتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان. نشر محمد عبد المحسن الكتبي. ط الأولى عام ١٣٨٩هـ.\n١٧- التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير.\nالمؤلف: الحافظ ابن حجر العسقلاني ت (٨٥٢هـ) .\nتحقيق السيد عبد الله هاشم اليماني المدني عام ١٣٨٤هـ.\n١٨- تهذيب الأسماء واللغات.\nالمؤلف الإمام النووي. ت (٦٧٦هـ) . ط إدارة الطباعة المنيرية.\n١٩- تهذيب التهذيب.\nالمؤلف: الحافظ ابن حجر العسقلاني ت (٨٥٢هـ) .\nط بمطبعة دائرة المعارف النظامية. ط الأولى.\n٢٠- جامع التحصيل في أحكام المراسيل.\nالمؤلف: الإمام العلائي ت (٧٦١هـ) .\nتحقيق حمدي عبد المجيد السلفي.\n٢١- الجرح والتعديل.\nالمؤلف: إبن أبي حاتم ت (٣٢٧هـ) .\nتحقيق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي. ط بمطبعة دائرة المعارف. ط الأولى عام ١٣٧١هـ.\n٢٢- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة.\nالمؤلف الحافظ ابن حجر العسقلاني ت (٨٥٢هـ) .\nط بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية عام ١٣٤٨هـ.","vol":"1","page":115},{"text":"٢٣- الرسالة المستطرفة.\nالمؤلف: السيد محمد بن جعفر الكتاني.\nنشر دار الكتب العلمية – بيروت عام ١٤٠٠ هـ، ط الثانية.\n٢٤- سنن ابن ماجه.\nللإمام ابن ماجه ت (٢٧٥هـ) .\nتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ط دار إحياء الكتب العربية عام ١٣٧٢هـ.\n٢٥- السنن الكبرى\nللإمام البيهقي. ت (٤٥٨هـ) .\nط دار الفكر –بيروت.\n٢٦- سنن الإمام الدارقطني ت (٣٨٥هـ) .\nتصحيح وتحقيق السيد عبد الله هاشم يماني المدني.\nط دار المحاسن للطباعة، عام ١٣٨٦هـ.\n٢٧- شذرات الذهب.\nالمؤلف ابن العماد الحنبلي. ت (١٠٨٩هـ)، نشر مكتبة القدس عام ١٣٥١هـ.\n٢٨- صحيح الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري ت (٢٦١هـ) بشرح النووي.\nط دار إحياء التراث العربي –بيروت.\n٢٩- صحابة رسول الله ﷺ.\nتأليف: عيادة بن أيوب الكبيسي. نشر دار القلم – بيروت. ط الأولى عام ١٤٠٧هـ.","vol":"1","page":116},{"text":"٣٠- طبقات الشافعية الكبرى.\nالمؤلف الإمام السبكي ت (٧٧١هـ) .\nتحقيق: عبد الفتاح الحلو، ومحمود الطناحي. ط عيسى البابي الحلبي، ط الأولى.\n٣١- العبر في خبر من غبر.\nالمؤلف: الإمام الذهبي ت (٧٤٨هـ) .\nتحقيق: أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني. ط الأولى ١٤٠٥هـ.\nدار الكتب العلمية –بيروت.\n٣٢- عون المعبود شرح سنن أبي داود.\nالمؤلف: أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي.\nضبط وتحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان. نشر محمد عبد المحسن، ط الثانية ١٣٨٨هـ.\n٣٣- فتح الباري شرح صحيح الإمام البخاري.\nالمؤلف: الحافظ ابن حجر العسقلاني.\nتحقيق فضيلة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز، ط المطبعة السلفية.\n٣٤- فتح القدير.\nالمؤلف: الإمام الشوكاني ت (١٢٥٠هـ)، نشر محفوظ العلي –بيروت.\n٣٥- فتح المغيث شرح ألفية الحديث.\nالمؤلف: الإمام شمس الدين السخاوي ت (٩٠٢هـ) .\nضبط وتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان. نشر المكتبة السلفية. ط الثانية عام ١٣٨٨هـ.","vol":"1","page":117},{"text":"٣٦- الفرق بين الفرق.\nالمؤلف: عبد القاهر بن طاهر ت (٤٢٩هـ) .\nتحقيق محمد محيي الدين. ط دار المعرفة –بيروت.\n٣٧- فضائل الصحابة.\nالمؤلف: الإمام أحمد بن حنبل ت (٢٤١هـ) .\nتحقيق وصي الله بن محمد عباس. ط الأولى ١٤٠٣هـ. مركز البحث العلمي. بجامعة أم القرى.\n٣٨- فهرس الفهارس والأثبات.\nالمؤلف: عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني.\nتحقيق: د. إحسان عباس. ط الثانية ١٤٠٢هـ.\nدار الغرب الإسلامي –بيروت.\n٣٩- الكامل في ضعفاء الرجال.\nالمؤلف: الإمام أبو أحمد بن عدي ت (٣٦٥هـ) .\nط الأولى عام ١٤٠٤هـ، ط بمطبعة دار الفكر –بيروت – لبنان.\n٤٠- كشف الأستار.\nالمؤلف: الحافظ نور الدين الهيثمي ت (٨٠٧هـ) .\nتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي. ط بمؤسسة الرسالة.\n٤١- الكفاية.\nالمؤلف: الخطيب البغدادي ت (٤٦٣هـ) .\nط الأولى، ط بمطبعة السعادة.\n٤٢- المجروحين.\nالمؤلف: محمد بن حبان البستي ت (٣٥٤هـ) .\nتحقيق: محمود إبراهيم زايد، ط الأولى ١٣٩٦هـ، ط دار الوعي بحلب.","vol":"1","page":118},{"text":"٤٣- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد.\nالمؤلف: نور الدين الهيثمي ت (٨٠٧هـ) .\nنشر دار الكتاب العربي –بيروت.\n٤٤- المحدث الفاصل.\nالمؤلف: الإمام الرامهرمزي ت (٣٦٠هـ) .\nتحقيق: د. محمد عجاج الخطيب. ط الأولى عام ١٩٧١م، ط دار الفكر.\n٤٥- المراسيل.\nالمؤلف: ابن أبي حاتم الرازي ت (٣٢٧هـ) .\nتحقيق شكر الله نعمة الله. ط الأولى عام ١٣٩٧هـ، ط مؤسسة الرسالة.\n٤٦- المستدرك على الصحيحين.\nالمؤلف: أبو عبد الله الحاكم، ت (٤٠٥هـ)، نشر دار الفكر –بيروت، عام ١٣٩٨هـ.\n٤٧- مسند الإمام أحمد بن حنبل ت (٢٤١هـ) .\nط الأولى ١٣٨٩هـ، ط المكتب الإسلامي.\n٤٨- مسند الطيالسي.\nالمؤلف: الإمام أبو داود الطيالسي ت (٢٠٤هـ)، ط الأولى، بمطبعة دائرة المعارف النظامية عام ١٣٢١هـ.\n٤٩- المصنف – للإمام عبد الرزاق الصنعاني ت (٢١١هـ) .\nتحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي. ط الأولى عام ١٣٩٠هـ، نشر المكتب الإسلامي.\n٥٠- المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر.\nللإمام بدر الدين الزركشي ت (٧٩٧هـ) .","vol":"1","page":119},{"text":"تحقيق ودراسة: عبد الرحيم بن محمد القشقري، رسالة دكتوراه.\n٥١- معجم شيوخ الإمام الذهبي.\nالمؤلف: الإمام الذهبي ت (٧٤٨هـ) .\nتحقيق: د. محمد الحبيب الهيلة. ط الأولى ١٤٠٨هـ. نشر مكتبة الصديق.\n٥٢- المفردات في غريب القرآن.\nالمؤلف: الراغب الأصبهاني. ط مطبعة الميمنة سنة ١٣٢٤ هـ.\n٥٣- مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث\nالمؤلف: أبو عمرو بن الصلاح، ت (٦٤٢هـ) .\nنشر دار الحكمة بدمشق عام ١٣٩٢هـ.\n٥٤- المعجم الكبير.\nالمؤلف: الإمام الطبراني ت (٣٦٠هـ) .\nتحقيق حمدي عبد المجيد السلفي.\nط الأولى ١٤٠٠هـ، بمطبعة الوطن العربي.\n٥٥- الملل والنحل للشهرستاني.\nط مصطفى البابي عام ١٣٨٧هـ.\n٥٦- موطأ الإمام مالك ت (١٧٩هـ) .\nبحاشية السيوطي المعروف بتنوير الحوالك.\nط المكتبة التجارية الكبرى.\n٥٧- ميزان الاعتدال للإمام الذهبي ت (٧٤٨هـ) .\nتحقيق علي محمد البجاوي، ط دار إحياء الكتب العربية.","vol":"1","page":120}]}