{"ً":{"ٌ":11090,"ٍ":"تدوين السنة النبوية في القرنين الثاني والثالث للهجرة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم الحديث/تدوين السنة النبوية في القرنين الثاني والثالث للهجرة - بنكيران","files":["02-A-02_4.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تدوين السنة النبوية في القرنين الثاني والثالث للهجرة\nالمؤلف: محمد بن صادق بنكيران\nالناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة\nعدد الصفحات: ٥٧\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2050,"ٕ":10,"ٖ":1770155798,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مدخل","level":1,"page":1},{"title":"تحديد المصطلحات","level":1,"page":2},{"title":"تدوين السنة النبوية في القرن الثاني الهجري","level":1,"page":8},{"title":"تدوين السنة النبوية في القرن الثالث الهجري","level":1,"page":24},{"title":"تدوين السنة النبوية في القرن الرابع الهجري","level":1,"page":44},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":55},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":56}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":3,"1,3":4,"1,4":5,"1,5":6,"1,6":7,"1,7":9,"1,8":10,"1,9":11,"1,10":12,"1,11":13,"1,12":14,"1,13":15,"1,14":16,"1,15":17,"1,16":18,"1,17":19,"1,18":20,"1,19":21,"1,20":22,"1,21":23,"1,22":25,"1,23":26,"1,24":27,"1,25":28,"1,26":29,"1,27":30,"1,28":31,"1,29":32,"1,30":33,"1,31":34,"1,32":35,"1,33":36,"1,34":37,"1,35":38,"1,36":39,"1,37":40,"1,38":41,"1,39":42,"1,40":43,"1,41":44,"1,42":45,"1,43":46,"1,44":47,"1,45":48,"1,46":49,"1,47":50,"1,48":51,"1,49":52,"1,50":53,"1,51":54,"1,52":55,"1,53":56,"1,54":57,"1,55":58,"1,56":59,"1,57":60},"ٜ":{"1":[1,57]},"ٝ":["1,1","1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"8":[3],"24":[4],"44":[5],"55":[6],"56":[7]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"تدوين السنة النبوية في القرنين الثاني والثالث للهجرة\nإعداد الدكتور محمد بنكيران\nبسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مدخل:</span>\nتعد عملية تدوين السنة النبوية واحدة من أهم العمليات في تاريخ الإسلام على نحو عام، أفنى فيها أجيال من العلماء أعمارهم، وركزوا فيها أخلص جهودهم، واستخدموا لإنجاحها نبوغهم وإبداعهم وثاقب فكرهم، ونالت من اهتمامهم وعنايتهم الشيء الكثير، وهي تحظى في الدرس الحديثي بمكانة خاصة ومتميزة من حيث قيمتها والأهمية التي تكتسبها، وذلك لكونها المرآة المجلية لطبيعة عمل المحدثين تجاه السنة النبوية وحقيقته وآثاره، والمبرزة للمقاصد والأغراض التي كانوا يطمحون إلى تحقيقها من وراء هذه العملية والتي وجد فيها ما هو منهجي، وما هو نقدي، وما هو عقدي، وما هو أصولي، وما هو فقهي استنباطي، وما هو حضاري. وبناء على هذا فهي بوابة رئيسة لأكثر من مجال، وميدان خصب بالدلالات والإشارات، ومفتاح للرؤية الشمولية والنسق العام الذي تحرك في إطاره المحدثون في خدمتهم للسنة النبوية وعنايتهم بها، وهي الواجهة التي تعكس حقيقة اتجاهاتهم واختياراتهم، الأمر الذي يجعل من هذه القضية إحدى القضايا التي تتطلب الدرس العميق والبحث الموسع.","vol":"1","page":1},{"text":"١-<span data-type=\"title\" id=toc-2> تحديد المصطلحات:</span>\nإن عنوان هذا العرض هو \"تدوين السنة النبوية في القرون الثاني والثالث والرابع\"، فهل يعني ذلك أن ما وقع في هذه القرون المتباينة يسمى جميعه تدوينًا، وأن ما جرى استعماله من المصطلحات في هذه القضية هو مصطلح التدوين فقط دون أي مصطلح آخر؟.\nإن مسألة المصطلح مهمة جدا في مثل هذه المجالات كما هو معلوم وهو","vol":"1","page":1},{"text":"يرمز إلى وجود التطور أو عدمه؛ وذلك لأن تعدد المصطلحات وتباينها يشير إلى أن العملية قد مرت بأطوار متعددة، وكان لها في كل مرحلة مناهج جديدة، وخصائص وميزات مباينة لما سبق، فكان لابد من تمييزها على مستوى المصطلح، والعكس بالعكس، أي: إن وجود مصطلح واحد يعني جمودها على وضع واحد، وبُعْدها عن أي شكل من أشكال التطور.\nوبناء على ذلك فإن ما يتداول في قضيتنا هاته ليس هو مصطلح التدوين فقط، بل معه مصطلحان اثنان: هما الكتابة والتصنيف.\nفمما ورد في الكتابة: ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: لما فتح الله على رسول ﷺ مكة، قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، (وخطب خطبة) فقام أبو شاه، رجل من أهل اليمن، فقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: \"اكتبوا لأبي شاه\" (١)، ومثله كذلك ما ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه، ورسول الله ﷺ بَشَرٌ يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال: \"اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حقٌّ\" (٢) .\nومما ورد في التدوين قول الإمام الزهري محمد بن مسلم (ت ١٢٤هـ):\n_________\n(١) البخاري كتاب اللقطة باب ٦ – مسلم كتاب الحج باب ٤٤٧ – أبو داود حديث ٤٥٠٥.\n(٢) أبو داود كتاب العلم باب كتابة العلم رقم ٣٦٢٩ وأحمد في مسنده (٢/١٦٢، ١٩٢) .","vol":"1","page":2},{"text":"\"لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني\" (١)، وقال الإمام مالك بن أنس: \"أول من دون العلم ابن شهاب\" (٢) .\nومما ورد في التصنيف قول عبد الرزاق الصنعاني: \"أول من صنف الكتب ابن جريج\" (٣) وقول ابن عدي عن يحيى الحماني: إنه أول من صنف المسند بالكوفة، وقال: \"وأول من صنف المسند بالبصرة مسدد، وأول من صنف المسند بمصر أسد السنة\" (٤) .\nوإذا كانت هذه النقول ذات دلالات واضحة على اختصاص كل مرحلة بمصطلح، فإنه لا ينبغي القطع بذلك إلا بعد الوقوف على المعنى اللغوي لكل واحد من هذه المصطلحات.\nأ- معنى الكتابة لغة:\nجاء في لسان العرب لابن منظور في مادة كتب: \"كَتَب الشيءَ يَكْتُبه كَتْبًا وكِتابًا وكِتابةً، وكَتَّبه: خَطَّه؛ قال أَبو النجم:\nأَقْبَلْتُ من عِنْدِ زيادٍ كالخَرِفْ ... تَخُطُّ رِجْلايَ بخَطٍّ مُخْتَلِفْ\nتُكَتِّبانِ في الطَّريقِ لامَ ألِفْ\nونقل عن الأَزهري في معنى الكِتاب أنه اسم لما كُتب مَجْمُوعًا.\nوبناء عليه يكون معنى الكتابة هو النسخ وخط الحروف وهي عملية\n_________\n(١) الرسالة المستطرفة ٤.\n(٢) حلية الأولياء ج٣: ٣٦٣ – جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ج١: ٩١.\n(٣) شرح علل الترمذي لابن رجب ٥٠.\n(٤) الكامل في ضعفاء الرجال ج٧: ٢٣٩.","vol":"1","page":3},{"text":"بسيطة تتحقق في القليل مما قد يقع على ورقة، أو ربما بعضها، كما يمكن أن تتحقق في أكثر من ذلك.\nب- معنى التدوين لغة:\nأما التدوين فالذي يظهر من معناه اللغوي أنه لا يتحقق إلا في الشيء الكثير، وهو بذلك لا يرادف معنى الكتابة؛ لأنه لا يماثلها في البساطة، بل هو أوسع وأشمل وربما أعقد، فالدِّيوانُ هو كما قال كل من ابن منظور والفيروزابادي مُجْتَمَعُ الصُّحُفِ، وجمعه: دَواوِينُ ودَياوِينُ، وعليه فيكون التدوين هو عملية ضمِّ الصحائف إلى بعضها، وجَمْعِ ما تمَّتْ كتابته فيها في كتاب كبير هو الديوان.\nج- معنى التصنيف لغة:\nيظهر من الدلالة اللغوية لهذه الكلمة أن الفارق بينها وبين التدوين لا يرجع إلى القلة والكثرة كما هو الحال بين كلمتي الكتابة والتدوين، وإنما يتمثل في معنى آخر لابد أن يتضمنه التصنيف وهو الترتيب والتمييز والتبويب، فقد جاء في القاموس المحيط للفيروزابادي: \"الصَّنف والصِّنف: النوع والضَّرْب. جمع \"أصناف وصنوف \". وبالكسر وحده (أي الصِّنف) الصفة، ثم قال: صَنَّفه تصنيفا جعله أصنافا، وميز بعضها عن بعض \"، وقال المناوي في التعاريف: \"الصنف الطائفة من كل شيء أو النوع يقال: صَنَّفَ متاعه جعله أصنافا، ومنه تصنيف الكتب\" (١) .\nوبمقابلة النقول السابقة مع هذه الدلالات اللغوية يتبين أنه يتعين التحري\n_________\n(١) ج: ١ ص: ٤٦٣.","vol":"1","page":4},{"text":"والتدقيق في استعمال المصطلحات في هذه القضية، وحيث إنه من المؤكد أن السنة النبوية خضعت للتطور من هذه الناحية، فإن المراحل التي تدرجت عبرها منها ما ينبغي أن يسمى كتابة لا غير، ومنها ما ينبغي أن يسمى تدوينا لكونه لا ينطبق عليه إلا معنى التدوين، ومنها ما ينبغي أن يسمى تصنيفا لتوافر كل مواصفات التصنيف فيه.\nوبناء على هذا: نعدُّ الدكتور فؤاد سيزكين موفقا حينما قسم أطوار كتابة السنة النبوية إلى ثلاث مراحل: أولاها مرحلة الكتابة، والثانية مرحلة التدوين، والثالثة مرحلة التصنيف (١) .\nونعني بالكتابة ما تم في عهد النبي ﷺ والصحابة وذلك في القرن الأول الهجري، وكان التدوين في نهاية هذا القرن على يد ابن شهاب الزهري بأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز (ت ١٠١هـ)، وبعده مباشرة بدأت عملية التصنيف التي توسع فيها جيل تلامذة الزهري ﵀.\nوليس هناك من الناحية الزمنية تماثل بين هذه المراحل كما هو واضح، فمرحلة التدوين هي أقصر المراحل، وقد تمَّ في وقت قياسي؛ لأن عمر بن عبد العزيز هو الذي كان الآمر للزهري به؛ ولم تستغرق خلافته أكثر من سنتين، وما مات حتى أكمل الزهريُّ مهمته، بينما استغرقت الكتابة قرنا كاملا، أما التصنيف فاستغرق أضعاف ذلك.\nهذه هي أهم النقاط التي كان لابد من التنبيه لها وبيانها بين يدي هذا\n_________\n(١) تاريخ التراث العربي ج١: ٢٧٧.","vol":"1","page":5},{"text":"العرض، والتي على أساسها سيتم تناول تدوين السنة النبوية في هذه القرون الثلاثة، وبها يظهر أن تقسيم المراحل كان ينبغي أن يؤخذ فيه بعين الاعتبار ما لكل مرحلة من الخصائص المنهجية والنقدية والعلمية فذلك أولى من تقسيمها زمنيا، لأنه قد يتقاسم القرن مرحلتان.\nولا يفوتني هنا أن أنبه على صعوبة هذا الموضوع وتشعب أطرافه نظرًا لتناوله فترة زمنية طويلة ومراحل مختلفة ومتباينة، ولأجل ذلك سأحاول التركيز والاختصار قدر المستطاع.","vol":"1","page":6},{"text":"٢-<span data-type=\"title\" id=toc-3> تدوين السنة النبوية في القرن الثاني الهجري:</span>\nكان تعامل المسلمين مع السنة النبوية منذ أول يوم يقوم على أساسين اثنين هما: الحفظ في الصدور والتقييد في الصحف، وعلى الرغم من أن الحفظ في البداية كان هو الغالب بسبب المنع النبوي من الكتابة الذي اقتضته ظروف معينة فإن الكتابة ظلت حاضرة، ولكن بصورة محدودة إلى حد ما إلا أنها كانت تعرف مع الأيام توسعا وانتشارًا؛ بسبب ارتفاع الأسباب الداعية إلى منعها شيئا فشيئا من جهة، ثم بسبب تكاثر الدواعي إلى ضرورة حفظها بهذا الطريق. وفي بيان هذا يقول ابن الأثير: \"وكان اعتمادهم أولًا على الحفظ والضبط في القلوب والخواطر غير ملتفتين إلى ما يكتبونه، ولا معوِّلين على ما يسطرونه محافظة على هذا العلم كحفظهم كتاب الله ﷿، فلما انتشر الإسلام، واتسعت البلاد، وتفرقت الصحابة في الأقطار وكثرت الفتوح ومات معظم الصحابة وتفرق أصحابهم وأتباعهم وقلَّ الضبط احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، ولعمري إنها الأصل، فإن الخاطر يغفل، والذهن يغيب، والذكر يهمل، والقلم يحفظ ولا ينسى\" (١) .\n_________\n(١) جامع الأصول من أحاديث الرسول ج١: ١٥.","vol":"1","page":6},{"text":"ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقط، بل عرفت السنة النبوية ظاهرة خطيرة جدًا هي ظاهرة الوضع والاختلاق، فكانت داعيا أساسيًا لدى العلماء الذين فطنوا لبداياتها الأولى إلى التوقف عن أي تحرج من كتابة السنة والانطلاق نحو تدوينها تدوينا رسميا في نهاية القرن الأول الهجري، وذلك في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي كلف ابن شهاب الزهري بالعملية.\nوهو لشدة اهتمامه بالقضية وحرصه على أن يُولِيَها ما تستحقه من العناية والاهتمام، لم يكتف فقط باختيار الإمام الزهري والاعتماد عليه؛ إدراكًا منه لقوة تمكنه وتفوقه على سائر علماء عصره وإنما اهتدى إلى أن يعبئ جهود علماء الأمة الإسلامية كافة؛ لتتم العملية على أكمل وجه، فأرسل إلى سائر عماله على الأقاليم الإسلامية يأمرهم بجمع السنة قائلا: \"انظروا إلى حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه\" (١) .\nوربما لم يُكْتَبْ أن يصلَنا من هذه الكتب التي كتبها عمر إلا كتابٌ واحد هو ما أرسله إلى عامله على المدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يأمره فيه بجمع السنن، ولا يبعد أن يكون السبب في اشتهار خطاب عمر لأهل المدينة دون غيره راجعا إلى أهميته وذلك لكونه يتضمن الأمر بجمع حديث المدينة المنورة؛ لقوله فيه على ما في بعض الروايات: انظر ما كان عندك - أي في بلدك - من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه\" (٢)، وحديث المدينة يأتي في الدرجة الأولى من حيث الأهمية لشموله أولا ثم لصحته ثانيا، والشمول راجع\n_________\n(١) فتح الباري ج١: ١٩٥.\n(٢) الحديث عند البخاري في الطبعة السلفية برواية أخرى لكن أشار الحافظ ابن حجر إلى أن هذه الرواية عند الكشميهني فقال: \"ووقع هنا عند الكشميهني عندك أي في بلدك\" انظر الفتح ج١: ١٩٤.","vol":"1","page":7},{"text":"إلى كون المدينة المنورة دار مقام النبي ﷺ والصحابة من بعده، فكانت بذلك منبع السنة النبوية قولا تلقاه التابعون من أفواه الصحابة وعملا توارثوه عنهم، وأما الصحة فلأنَّ أصح طرق السنن ما يرويه أهل الحرمين مكة والمدينة، فإن التدليس فيهم قليل، والاشتهار بالكذب ووضع الحديث عندهم عزيز، كما قال الخطيب البغدادي (١):\n\"وربما كان السبب في تخصيص أبي بكر دون غيره من أهل المدينة راجعًا بالإضافة إلى كونه أميرا عليها إلى ما كان يمتاز به من مؤهلات مهمة فاق بها غيره، حيث كان تابعيا فقيها ضليعا في علم القضاء، بل لم يكن عند أحد بالمدينة من القضاء ما كان عنده، وكانت له خبرة بالسيرة النبوية، ويصفه الإمام مالك فيقول: \"ما رأيت مثل أبي بكر بن حزم أعظم مروءة ولا أتم حالا ولا رأيت مثل ما رأى\" (٢)، وكانت خالته هي عمرة بنت عبد الرحمن، وقد أخبر الإمام مالك أن عمر أمره بجمع الحديث من عند خالته هاته والقاسم بن محمد بن أبي بكر (٣)، ومن المؤكد أن ذلك لم يكن من نافلة القول وإنما لعلم عمر بمكانة عمرة في حفظ الحديث وروايته، فهي المدنية التابعية الثقة التي كان يقول عنها عمر نفسه: \"لم يبق أحد أعلم بحديث عائشة من عمرة\" وكانت هي والقاسم وعروة أثبت الناس في حديث عائشة (٤)، وكانت عائشة كما هو معلوم من بين السبعة المكثرين عن النبي ﷺ، وكان القاسم بن\n_________\n(١) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ج ١: ٢٨٦.\n(٢) انظر ترجمته: في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ج٩: ٣٣٧، سير أعلام النبلاء للذهبي ج٥: ٣١٣، تهذيب التهذيب لابن حجر ج١٢: ٤١.\n(٣) تقدمة الجرح والتعديل ص ٢١.\n(٤) انظر ترجمة عمرة في تهذيب التهذيب لابن حجر ج١٢: ٤٦٦.","vol":"1","page":8},{"text":"محمد بالإضافة إلى ما سبق - ثقة رفيعا عالما فقيها إماما ورعا كثير الحديث (١) .\nوإذا أخذنا نفحص الروايات المتعلقة بجمع أبي بكر بن حزم - وهي قليلة جدا - نجد أنها تثبت قيامه بمهمة الجمع هاته: فقد أخرج الفسوي بإسناده عن ابن وهب عن مالك أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن عمرو ابن حزم أن يكتب له العلم من عند عمرة بنت عبد الرحمن والقاسم بن محمد فقلت لمالك: السنن؟ قال: نعم، قال: فكتبها له\" (٢) .\nوليس يثبت من خلال ما وصَلَنَا من الروايات أن أبا بكر أرسل شيئا من ذلك إلى عمر بن عبد العزيز، بل صَرَّح الإمام مالك في إحدى الروايات عنه أن عمر توفي قبل أن يبعث إليه أبو بكر بما كتبه (٣)، وأما عن مصير تلك الكتب فقد سأل مالك عبد الله بن أبي بكر فقال: ضاعت (٤) .\nولم يكن هناك ما يمنع الزهري من القيام بعمله على أحسن وجه، بالرغم من ضياع ما كتبه ابن حزم، وذلك بحكم ما عُرِفَ عنه من سعة العلم بالحديث، ولا سيما حديث المدنيين والحجازيين؛ فقد روى الفسوي عن جعفر بن ربيعة قال: قلت لعراك بن مالك: من أفقه أهل المدينة؟ قال: \"أما أعلمهم بقضايا رسول الله وقضايا أبي بكر وعمر وعثمان وأفقههم فقها وأعلمهم بما مضى من أمر الناس فسعيد بن المسيب، وأما أغزرهم حديثا\n_________\n(١) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب لابن حجر ج٨: ٣٠٠.\n(٢) الفسوي: المعرفة والتاريخ ج١: ٦٤٤- ٦٤٥، وانظر تقدمة الجرح والتعديل ص ٢١.\n(٣) الفسوي: المعرفة والتاريخ ج١: ٤٤٣، وانظر التمهيد ج١: ٨٠.\n(٤) الفسوي: المعرفة والتاريخ ج١: ٦٤٥.","vol":"1","page":9},{"text":"فعروة بن الزبير ولا تشأ أن تُفَجِّر من عبيد الله بن عبد الله بحرًا إلا فجرته؛ قال: ثم يقول لي عراك بن مالك: وأعلمهم عندي جميعا ابن شهاب فإنه جمع علمهم جميعا إلى علمه \" (١) .\nوقد أمر عمر بن عبد العزيز بكتب ما جمعه الزهري من الحديث في دفاتر ودواوين وبعث بها إلى الأمصار الإسلامية حسبما روى ابن عبد البر عن ابن شهاب نفسه قال: \"أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفترا دفترا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترا\" (٢) .\nوبإمكاننا الجزم بأن للزهري في هذه القضية فضلا من جهتين فضل السبق إلى التدوين وفضل التفرد بإنجازه، ولهذا قال إبراهيم بن سعد: \"إن أول من وضع للناس هذه الأحاديث ابن شهاب\" (٣)، ومثله قال مالك وقد تقدم، وكان الزهري يقول: \"لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني\" (٤) .\nوأما عن تفرده فقد شاع عند كثير من الدارسين اعتقاد بأن عمر بن عبد العزيز حينما أراد أن يدون السنة كاتب العلماء والولاة في ذلك، وكان شأن الزهري في ذلك شأن غيره من العلماء (٥) .\nولكن الصحيح في ذلك هو أن عمر اعتمد اعتمادا كليا على الإمام الزهري الذي كان يقيم معه في عاصمة الخلافة، وكانت كتبه إلى الآفاق\n_________\n(١) الفسوي: المعرفة والتاريخ ١: ٦٢٢.\n(٢) الفسوي: المعرفة والتاريخ ١: ٩١-٩٢.\n(٣) الفسوي: المعرفة والتاريخ ١: ٦٣٣.\n(٤) الرسالة المستطرفة ص ٤.\n(٥) انظر على سبيل المثال: مصطفى السباعي: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص ١٠٤- عجاج الخطيب: أصول الحديث علومه ومصطلحه ص ١٧٧- ١٧٨.","vol":"1","page":10},{"text":"لأجل الاستعانة بها فقط، ومن الأدلة على ذلك عدم ثبوت وصول كتاب إلى الزهري من عمر في ذلك في مقابل اشتهار كتابه إلى ابن حزم، بالرغم من عدم تمكنه من إرسال أي شيء إلى عمر وضياع تلك الكتب كما مر، فكيف يعقل أن يشتهر كتاب عمر، لابن حزم، ولا ينقل - فضلا عن أن يشتهر - كتابه لابن شهاب؟.\nإنه الدليل الواضح على أن الزهري كان هو القائم بأمر التدوين وأن غيره ممن كوتب فلأجل أن يساعده فقط.\nوتفيد الروايات أن هذه المدونات انتشرت في البلاد الإسلامية انتشارًا واسعًا وتداولها طلبة العلم، ومن ذلك ما روي أن إسحاق بن راشد قدم الري فجعل يقول: أخبرنا الزهري، فسئل: أين لقيته؟ فقال: \"لم ألقه، مررت ببيت المقدس فوجدت كتابا له ثم\" (١) . وورد أيضا أن حديث الزهري عن أنس في الصدقات الذي رواه عنه سلمة بن عمرو القاضي جاء في آخره: \"هذا كتاب ابن شهاب الزهري بخطه فيما أخبرني به أبو عمرو الأوزاعي عنه\" (٢) .\nكما يظهر من جهة أخرى أن كثيرا من هذه المدونات بقيت في دار الخلافة بعد وفاة الزهري في خلافة هشام ويزيد من بعده، فكان ينتفع بها طلاب العلم ويروون منها، ويذكر علي بن المديني فيمن روى منها الوليد بن محمد الموقري (٣) .\nواستمر الأمر على هذا الحال إلى أن حملت من دار الخلافة عند مقتل الوليد بن يزيد سنة ١٢٦هـ ولا يعلم مصيرها بعد ذلك. أخرج ابن سعد\n_________\n(١) الحاكم النيسابوري: معرفة علوم الحديث ص ١١٠.\n(٢) ابن طاهر المقدسي: أطراف الغرائب والأفراد للدارقطني ورقة ٨٥.\n(٣) الجرح والتعديل ج٩: ١٥.","vol":"1","page":11},{"text":"عن معمر قال: \"كنا نرى أنا قد أكثرنا عن الزهري حتى قتل الوليد بن يزيد فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه، يقول: من علم الزهري\" (١) .\nوأما من الناحية المنهجية والنقدية - وهما أهم ما ينبغي الوقوف عنده في هذه القضية - فقد توافر في هذا التدوين أمران اثنان هما الشمول والتوثيق.\nفبخصوص الأمر الأول يمكن القول بأن السنة وإن كتبت قبل هذه الفترة أي في زمن الصحابة والتابعين فإنه لم يراع في كتابتها بُعد الشمول أو الاستقصاء، ويتبين هذا من خلال ما وصلنا من مدونات الصحابة في الحديث حيث نجد أن صحيفة علي بن أبي طالب مثلا لم تشتمل إلا على أحاديث متعلقة ببعض الأحكام الشرعية، هي أحكام الدِّيات ومقاديرها وأصنافها وحكم تخليص الأسير من يد العدو، وبعض أحكام القصاص وغيره.. (٢)، ومثل هذه الصحيفة باقي الصحائف الأخرى.\nوكان الشائع عند طلاب الحديث في عصر الزهري تدوين بعض الحديث فقط كأحاديث الأحكام الشرعية مثلا، أما الإمام الزهري فكان يكتب - وهو ما يزال في مرحلة الطلب - كل ما تتلقفه أذناه من الحديث النبوي، سواء أتعلق الأمر بأحاديث الأحكام أم بغيرها من أبواب الدين وميادينه، ويؤكد هذا ما رواه الخطيب البغدادي وابن عبد البر في جامعيهما عن أبي الزناد قال: \"كنا نكتب الحلال والحرام، وكان الزهري يكتب كل ما سمع، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس\" (٣) .\n(١) الفسوي: المعرفة والتاريخ ج١: ٦٣٨ – أبو نعيم الحلية ج٣: ٣٦١.\n(٢) انظر فتح الباري ١: ٢٠٤-٢٠٥.\n(٣) الخطيب: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢: ١٨٨ – ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله ١: ٨٨.","vol":"1","page":12},{"text":"ولم يكن يقتصر على المرفوع من قول النبي ﷺ، بل كان يدون ما جاء عن الصحابة أيضا ملحقا إياه بالسنن فقد روي عن صالح بن كيسان قال: \"اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم فقلنا نكتب السنن فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ ثم قال: نكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سنة فقلت أنا: ليس بسنة فلا نكتبه، قال: فكتب، ولم أكتب، فأنجح، وضيعت\" (١) .\nولاشك أن هذه الرغبة التي لازمت الزهري منذ البداية قد خلفت أثارها على عمله وتدوينه فاتصف هو الآخر بالشمول، إلا أنه شمول في إطار السنن المرفوعة إلى النبي ﷺ، وما في حكمها من أقوال الصحابة، بدليل كتاب عمر ابن عبد العزيز لابن حزم الذي حدد فيه نوعية العلم المرغوب في جمعه حيث قال: \"انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سُنَّة ماضية أو حديث عمرة\" (٢) وهذا يدل على أن مأثور الصحابة لم يكن مقصودا لديه بالتدوين، بل ورد في رواية أخرى ما يرفع احتمال أي شك في هذا حيث قال: \"ولا تقبل إلا حديث النبي ﷺ\" (٣) . ويؤيد هذا أيضا ما روي عن ابن وهب حين أخبره مالك بكتاب عمر لابن حزم في جمع الحديث فقال: \"قلت لمالك: السنن؟ قال: نعم\" (٤) .\nولاشك أن المقصود بالسنن في قول الزهري: \"أمرنا عمر بن عبد العزيز\n_________\n(١) ابن سعد: الطبقات الكبرى ٢: ٣٨٨-٣٨٩– القسم المتمم ص ١٦٨– الفسوي١: ٦٣٧ – مصنف عبد الرزاق ١١: ٢٥٨ تاريخ أبي زرعة١: ٤١٢.\n(٢) ابن سعد: الطبقات ٨: ٣٥٣ – الخطيب: تقييد العلم ١٠٥.\n(٣) البخاري: التاريخ الصغير ١٠٥.\n(٤) الفسوي: المعرفة والتاريخ ١: ٦٤٤-٦٤٥.","vol":"1","page":13},{"text":"بكتب السنن فكتبناها دفترا دفترا..\" (١) هو هذا.\nوأما بخصوص الأمر الآخر أي: جانب التوثيق والتمحيص، فلم يفت الخليفة عمر بن عبد العزيز أن ينتبه له ويوليه من العناية والاهتمام ما هو جدير به، فعمل بذلك على تدوين السنة نقية صحيحة النسبة إلى رسول الله ﷺ، ولاشك أن اختياره للإمام الزهري في حد ذاته كان أثرا من آثار اهتمامه بهذا الجانب، فلقد كان ابن شهاب - إلى جانب كونه إماما ثقة مبرزا في الحديث- مشهورا بشدة تحريه ونقده للروايات. ويعكس هذا بوضوح ما قاله عمرو بن دينار عنه: \"ما رأيت أبصر بحديث من الزهري\" (٢)، وكان إذا حدث أتى بالحديث على وجهه مع ذكر إسناده والتركيز عليه ويقول: \"لا يصلح أن يرقى السطح إلا بدرجة\" (٣) .\nوذهب كثير من الباحثين إلى عدِّه أول من أسند الحديث اعتمادا على قول الإمام مالك \"أول من أسند الحديث ابن شهاب \" (٤)، ولأجل هذا تُعدُّ أحاديث الإمام الزهري وأسانيده من أحسن الأسانيد، قال الإمام أحمد بن حنبل: \"الزهري أحسن الناس حديثا وأحسن الناس إسنادا\" (٥)، وليس في عصره من يضاهيه في معرفته بالإسناد، وإن وجد من ينافسه في كثرة الرواية واتساعه في الرجال وعلمه بفقه الحديث، يقول الإمام أبو داود الطيالسي:\n_________\n(١) ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله ١: ٩٢.\n(٢) ابن سعد: الطبقات (القسم المتمم) ١٧٤.\n(٣) ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل ٢: ١٦.\n(٤) تقدمة الجرح والتعديل ٢٠.\n(٥) الذهبي: سير أعلام النبلاء ٥: ٣٣٥.","vol":"1","page":14},{"text":"\"وجدنا الحديث عند أربعة: الزهري وقتادة والأعمش وأبي إسحاق، وكان قتادة أعلمهم بالاختلاف وكان الزهري أعلمهم بالإسناد... \" (١) .\nويُرْوى عنه الكثير مما يدل على معرفته بصحيح الروايات وجيدها ودقة علمه بمخارج السنن وتمييزه لصحيحها من سقيمها، ومن ذلك توقيه الرواية عن أهل العراق، وتحذيره منها، بقوله: \"إذا سمعت بالحديث العراقي فاردد به ثم اردد\" (٢)، ويروي عنه النعمان بن راشد فيقول: \"سمعت ابن شهاب يحدث بحديث يزيد بن أبي أنيسة فقلت: يا أبا بكر من حدثك بهذا؟ قال: أنت حدثتنيه، ممن سمعته؟ فقلت: رجل من أهل الكوفة، قال أفسدته، إن في حديث أهل الكوفة دغلا كثيرا\" (٣) .\nوقد كان كلام الزهري هذا من أهم ما اعتمده المحدِّثون في تضعيف رواية أهل العراق.\nفكان تعيين الزهري - وهو بهذه المنزلة - على رأس القائمين بتدوين السنة كافيا بأن يجعلها تخضع لمقاييس محدودة مضبوطة منع معها تسرب الموضوع إليها، ويؤكد هذه الحقيقة قول الزهري وهو يشرح البواعث على قيامه بالتدوين: \"لولا أحاديث تأتينا من قبل المشرق ننكرها لا نعرفها ما كتبت حديثا ولا أَذِنْتُ في كتابته\" (٤) .\n_________\n(١) الخطيب: الجامع ٢: ٢٩٣-٢٩٤.\n(٢) الفسوي ٢: ٧٥٧.\n(٣) الفسوي ٢: ٧٦٠، الخطيب ٢: ٢٨٧، وانظر في ذمه لرواية أهل العراق: ابن عدي: الكامل ١: ٧٠، ابن سعد: الطبقات (القسم المتمم) ١٧١، البيهقي: معرفة السنن والآثار ١: ٦٣.\n(٤) الخطيب: تقييد العلم: ١٠٧-١٠٨.","vol":"1","page":15},{"text":"وكأننا بالزهري يريد بعمله هذا حصر صحيح السنة النبوية؛ جرَّاء إحساسه بالوضع فيها.\nهذا وقد كان عمل الزهري هذا بداية حقيقية لمرحلة أخرى جديدة دخلتها السنة المطهرة على يد تلامذته من بعده، الذين ارتفع لديهم الحاجز النفسي الذي سيطر في السابق على أكثر العلماء فبادروا إلى التصنيف فيها، وكونوا النواة الأساس للتصنيف في الحديث، وكان منهم الركائز الأساسية لقيام المنهج المعرفي في العالم الإسلامي.","vol":"1","page":16},{"text":"- التصنيف وبدايته في القرن الثاني:\nاتفقت المصادر على أن أول من صنف مطلقا: هشام بن حسان (ت١٤٧هـ) وأبو محمد عبد الملك بن جريج (ت١٥٠هـ) ومحمد بن إسحاق (ت١٥١هـ) ومعمر بن راشد (ت١٥٣هـ) وسعيد بن أبي عروبة (ت ١٥٦هـ) وأبو عمرو الأوزاعي (ت١٥٦هـ) ومحمد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب (ت١٥٨هـ) والربيع بن صبيح (ت١٦٠هـ) وشعبة بن الحجاج (ت١٦٠هـ) وسفيان الثوري (ت١٦١هـ) وحماد بن سلمة (ت١٦٧هـ) والليث بن سعد (ت ١٧٥هـ) وهؤلاء اختلف في أيهم كان الأسبق.\nوبعدهم مالك بن أنس (ت١٧٩هـ) وعبد الله بن المبارك (ت١٨١هـ) ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة (ت١٨٣هـ) وهشيم بن بشير (ت١٨٨هـ) وجرير بن عبد الحميد (ت١٨٨هـ) وعبد الله بن وهب (ت١٩٧هـ) ووكيع ابن الجراح (ت١٩٧هـ) وسفيان بن عيينة (ت١٩٨هـ) وعبد الملك بن عبد الرحمن الذماري (ت٢٠٠هـ)، وأبو داود الطيالسي (ت٢٠٤هـ)، وعبد الرزاق الصنعاني (ت٢١١هـ)، ومحمد بن يوسف الفريابي (ت٢١٢هـ) .. (١) وأغلب هؤلاء تلامذة للزهري.\nقال الترمذي ﵀ في العلل: \"وجدنا غير واحد من الأئمة تكلفوا من التصنيف ما لم يسبقوا إليه منهم هشام بن حسان وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وسعيد بن أبي عروبة ومالك بن أنس وحماد بن سلمة وعبد الله بن\n_________\n(١) انظر: شرح علل الترمذي ص ٤٨ إلى ٥٦ - الرسالة المستطرفة ص ٧ - ٨.","vol":"1","page":17},{"text":"المبارك ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من أهل العلم والفضل صنفوا، فجعل الله ﵎ في ذلك منفعة كثيرة، فنرجو لهم بذلك الثواب الجزيل من عند الله لما نفع الله المسلمين به فهم القدوة فيما صنفوا\" (١) .\nوقال أبو طالب المكي مفصلا بعض ذلك: \"أول كتاب صنف في الإسلام كتاب ابن جريج في الآثار وحروف من التفسير عن مجاهد وعطاء وأصحاب ابن عباس، ثم كتاب معمر بن راشد الصنعاني باليمن جمع فيه سننا منشورة مبوبة، ثم كتاب الموطأ بالمدينة لمالك بن أنس ﵁ في الفقه، ثم جمع ابن عيينة كتاب الجوامع في السنن والأبواب، وكتاب التفسير في أحرف من علم القرآن، وجامع سفيان الثوري الكبير ﵁ في الفقه والأحاديث، فهذه مِنْ أول ما صُنِّف ووُضِع من الكتب بعد وفاة سعيد بن المسيب وخيار التابعين وبعد عشرين أو أكثر ومائة من التاريخ..\" (٢) .\nويظهر من هذا أن التصنيف في السنة على هذا النحو من الترتيب والتبويب كان على غير المسانيد وإنما على الأبواب الفقهية، وأن أصحابه اتجهوا به في هذه الفترة أي: في منتصف القرن الثاني إلى ميدانين اثنين هما التفسير والفقه، وكانت الطبقة الأولى من هؤلاء كالربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة، ربما تصنف كل باب على حِدَة، بينما اتجهت الطبقة التي بعدها إلى جمع أبواب متعددة في الكتاب الواحد، إلا أن القاسم المشترك بينهم هو تدوين أقوال الصحابة والتابعين وفتاواهم، أي: الموقوف والمقطوع إلى جانب المرفوع،\n_________\n(١) العلل ص ٧٣٨.\n(٢) قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد ج١: ٣٢٤-٣٢٥.","vol":"1","page":18},{"text":"وكان منهم من يضمن الكتاب اختياراته وآراءه كالإمام مالك ﵀.\nوكانت هذه المصنفات تعنون إمَّا بـ\"المصنف\" أو \"الموطأ\" أو \"الجامع\" أو \"السنن\" وكانت السنن هي الغالبة؛ إذ قَلَّ إمام من الأئمة ليس له سنن، فابن جريج وابن أبي عروبة والأوزاعي وحماد بن سلمة وابن المبارك وابن أبي زائدة ووكيع، كل هؤلاء كانت لهم سنن.\nوإذا كانت كتب السنن تعرّف كما ورد في \"الرسالة المستطرفة \" للكتاني بأنها الكتب المرتبة على الأبواب الفقهية من الإيمان والطهارة والصلاة والزكاة إلى آخرها وليس فيها شيء من الموقوف، وقال: \"لأن الموقوف لا يسمى في اصطلاحهم سنة ويسمى حديثا\" (١)، فإن هذه الصورة لم تتحقق إلا في الطور الأخير وذلك في القرن الثالث كما سيأتي، أما في هذه الفترة فكانت السنن تجمع الموقوف والمقطوع مع المرفوع كما تقدم.\nفلماذا كانت البداية على هذا النحو، وكانت هذه الخصائص بالذات؟\nالجواب أن العوامل التي تحكمت في هذه المرحلة واتجاهاتها كانت مغايرة للعوامل التي سادت زمن الزهري، وظهرت على منهج التدوين وأبعاده لديه، حيث كان من أهمها: التأسيس الفقهي والأصولي وما اقتضاه ذلك من تركيز الجهود لمزيد من الجمع لما تفرق من السنة النبوية وترتيبه على أبواب الفقه والتعقيب عليه بالرأي الفقهي أحيانا.\nوكان منها أيضا ما تعرضت له السنة من هجوم أريد به النيل من حجيتها والطعن في مدى قبولها بذريعة ما لابسها من الدخيل والمكذوب.\n_________\n(١) الرسالة المستطرفة ص ٢٥.","vol":"1","page":19},{"text":"وقد وضح أستاذنا الدكتور فاروق حمادة في هذا الصدد أن مصنفات القرن الثاني الهجري - بالنظر إلى هذه العوامل - إنما نشأت لتردَّ على أهل الزيغ والبدع والانحرافات والأهواء كالقدرية والخوارج والرافضة وأمثالهم، وخاض علماء الحديث في هذه المرحلة معركة إثبات السنة وحجيتها وبيان موقعها في حياة المسلمين (١) .\nوكما لم يكن من شرط هذه الكتب الاقتصار على المرفوع وحده حيث أوردت إلى جانبه الموقوف والمقطوع - كما تقدم - فإنها لم تقتصر كذلك على الصحيح المتصل، فاستطردت إلى المراسيل والمنقطعات والبلاغات، ولعل السبب في ذلك في الغالب خوفهم من الوقوع في الموضوع من الحديث المرفوع وتوقيهم من أن يتسرب إلى كتبهم منه شيء ولاسيما أن المرحلة مرحلة تمحيص وغربلة ونقد وتثبت من الأسانيد فكان أن استبدلوا الموقوفات والمقطوعات بالمسندات المرفوعات لعدم اقتضاء الأولى من التحري والتشدد ما تقتضيه هذه، وقد جاء النص على هذا صريحا لدى الخطيب البغدادي في ثنايا حديثه عن طرائق تصنيف الحديث في جامعه حيث قال: \"وهذان النوعان - أي الموقوف والمرسل - أكثر ما في كتب المتقدمين إذ كانوا لكثير من المسندات مستنكرين\" (٢) .\nثم أورد بإسناده عن محمد بن يحيى بن كثير قال: قال أبو نعيم: سلني ولا تسلني عن الطويل، ولا المسند، أما الطويل فكنَّا لا نحفظه، وأما المسند فكان الرجل إذا والى بين حديثين مسندين رفعنا إليه رؤوسنا استنكارا لما جاء به\" (٣) .\n_________\n(١) من محاضرة له بعنوان: مسلم بن الحجاج وكتابه المسند الصحيح ص ٧.\n(٢) الخطيب البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ج٢/٢٨٤.\n(٣) المصدر السابق","vol":"1","page":20},{"text":"وفي هذا ما يدل على أن الإسناد لم يعرف في هذه المرحلة اكتماله ونضجه واستقراره بعد.","vol":"1","page":21},{"text":"٣-<span data-type=\"title\" id=toc-4> تدوين السنة النبوية في القرن الثالث الهجري:</span>\nيعدُّ هذا القرن أهم فترة في تاريخ السنة النبوية على الإطلاق سواء من حيث تدوين المتون أو من حيث نضج القواعد النقدية واكتمالها ونضج ما يرتبط بها من الدراسات والأبحاث في علم الرجال وعلم العلل وفقه الحديث والعلوم المتعلقة بذلك وقضية الإسناد، ولذلك استحق أن يسمى عند الدارسين بالعصر الذهبي للسنة.\nوقد اتجه المصنفون فيه إلى تطوير ما فتقه شيوخهم في هذا الميدان وبلورته وترسيخه على أسس متينة وقوية، وهكذا توالت المصنفات وعمت كل البلاد الإسلامية، وبلغت في الكثرة والتنوع مدى بعيدا، ويمكن أن نذكر من هؤلاء المصنفين: أسد بن موسى الأموي (ت٢١٢هـ)، وعبيد الله بن موسى العبسي (ت٢١٣هـ)، وعبد الله بن الزبير الحميدي (ت٢١٩هـ) وأحمد بن منيع البغوي (ت٢٢٤هـ)، وسعيد بن منصور (ت٢٢٧هـ)، ونعيم بن حماد الخزاعي (ت٢٢٨هـ)، ومسدد بن مسرهد البصري (ت٢٢٨هـ)، وعلي بن الجعد الجوهري (ت٢٣٠هـ)، وعبد الله بن محمد الجعفي المسندي (ت٢٢٩هـ)، ويحيى بن معين (ت٢٣٣هـ)، وعلي بن المديني (ت٢٣٤هـ)، وأبا خثيمة زهير بن حرب (ت٢٣٤هـ)، وأبا بكر بن أبي شيبة (ت٢٣٥هـ)، وإسحاق بن راهويه (ت٢٣٨هـ)، وخليفة بن خياط (ت٢٤٠هـ)، وأحمد بن حنبل (ت٢٤١هـ)، وإسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي (ت٢٤٢هـ)، والحسن الحلواني (ت٢٤٢هـ)، وأحمد بن منيع","vol":"1","page":21},{"text":"(ت ٢٤٤هـ)، وعبد بن حميد (ت٢٤٩هـ)، وإسحاق بن منصور (ت٢٥١هـ)، ومحمد بن هشام السدوسي (ت٢٥١هـ)، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (ت٢٥٥هـ) ومحمد بن إسماعيل البخاري (ت٢٥٦هـ)، ومسلم بن الحجاج القشيري (ت٢٦١هـ) ومحمد بن يزيد ابن ماجه (ت٢٧٣هـ)، وأبا داود سليمان بن الأشعث (ت٢٧٥هـ)، وأبا عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (ت٢٧٩هـ)، وأبا عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت٣٠٣هـ) .\nوقد اتجه المصنفون في مطلع هذا القرن إلى تأليف \"المسانيد\" وهي الكتب التي موضوعها جعل حديث كل صحابي على حدة صحيحا كان أو حسنا أو ضعيفا مرتبين على حروف الهجاء في أسماء الصحابة أو على القبائل أو السابقة في الإسلام أو الشرافة النسبية أو غير ذلك (١)، وقد صارت هي الطاغية لدرجة أنه قل إمام من الأئمة إلا وألَّف مسندا، الأمر الذي يشبه إلى حد بعيد ظاهرة تأليف السنن في منتصف القرن الثاني كما تقدم.\nويُعَدُّ تصنيف \"المسانيد\" توجها من المحدثين نحو إفراد الأحاديث المرفوعة بالجمع والتدوين دون غيرها من الموقوف والمقطوع كما هو الحال في السابق لأن الحجة تقوم به بعد كلام الله تعالى كما نبه على ذلك أستاذنا الدكتور فاروق حمادة حفظه الله (٢) . قال الحافظ ابن حجر: \"وصنف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج بمكة، وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو\n_________\n(١) الرسالة المستطرفة ص ٤٦.\n(٢) مسلم بن الحجاج وكتابه المسند الصحيح ص ٧.","vol":"1","page":22},{"text":"الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم. إلى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث النبي ﷺ خاصة، وذلك على رأس المائتين، فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسندًا وصنف مسدد بن مسرهد البصري مسندًا، وصنف أسد بن موسى الأموي مسندًا وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أثرهم، فقلَّ إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه على المسانيد كالإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء. ومنهم من صَنَّفَ على الأبواب وعلى المسانيد معا كأبي بكر بن أبي شيبة\" (١) .\nومع أن المسانيد تعد تطورًا في التأليف الحديثي ونضجًا على المستوى المنهجي والنقدي معا، فإنها لم تكن – على رغم من ذلك- تقتصر على الصحيح فقط، وإنما تورد بعضا من الأحاديث التي لم تبلغ درجة الصحة، كما سبق في كلام الكتاني ﵀، وملحظهم في ذلك أمور منها:\nأولًا: ما ذكره الحافظ ابن حجر وهو أن الغرض الأساس عند من يصنف على المسانيد هو جمع حديث كل صحابي على حدة، سواء أكان يصلح للاحتجاج به أم لا، ثم ذكر الحافظ أنَّ مَنْ عرف من أصحاب المسانيد بانتقاء الأحاديث الصحيحة قليل كإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل، ومع ذلك فقد وقع في كتبهم ما لا يبلغ درجة الصحة من الضعيف والمنكر (٢) .\n_________\n(١) هدي الساري مقدمة فتح الباري ص ٦.\n(٢) النكت ١: ٤٤٧.","vol":"1","page":23},{"text":"ومنها أيضا ملحظ آخر نبه له الشيخ أبو زهو وهو الإشارة - من خلال كثرة الطرق التي يوردونها - إلى أن طرق الحديث قد تتعدَّد، فيبلغ مبلغ الصحيح أو أنه يصلح للاعتبار، ومنها ما تتبين صحته فيما بعد لأهل الحديث ونقاده، إلا أن هذه الطريقة هي - في نظره - ذات عيوب، لأن المطالع لها\n-إذا لم يكن من أهل الفن المتضلعين فيه الواقفين على أحوال المتون والأسانيد- تعذَّر عليه الوقوف على درجة الحديث من الصحة والضعف والاحتجاج به أو عدمه (١) .\nوبالإضافة إلى هذا النقص، هناك جانب آخر يعد من سلبياتها وهو عدم ترتيبها على أبواب الفقه، وذلك ما يجعل الوقوف على الأحكام الشرعية منها شاقا على غير الحفاظ المتقنين لعدم التناسب في جمع الحديث بين موضوعاتها.\nهكذا إذن يتبين أن السنة النبوية عرفت على مستوى التدوين تطورًا مستمرًا وسيرًا يوما بعد يوم نحو الكمال، فقد كان المصنفون في البداية يخلطون الصحيح والمتصل بالمرسل والبلاغ والمنقطع، والسنن بالموقوفات ثم لا يبين معظمهم ذلك ولا يوضحه.\nوخير دليل على ذلك أن موطأ الإمام مالك الذي يعد أصح الكتب في هذه الفترة، أو هو بحسب عبارة الشافعي أكثر الكتب صوابا، لا يخلو من المراسيل وما شاكلها، وإن تحرى فيها الصحة والثبوت وهي لأجل ذلك حجة عنده وعند من يقلده.\n_________\n(١) محمد محمد أبو زهو: الحديث والمحدثون ص٣٦٥-٣٦٦.","vol":"1","page":24},{"text":"فحينما اتجه المحدثون بعد ذلك إلى تأليف المسانيد كان الغرض لديهم هو العناية بوصل الأسانيد أولًا مع الاقتصار على المرفوع منها إلى رسول الله ﷺ لأنه المراد عند الاحتجاج، وقد نستطرد هنا إلى القول بأن هذا الاتجاه تطور في النهاية، مُسْفرا عن اختيار مصطلح \"السنن\" عنوانا جديدا للكتب التي ليس فيها شيء من الموقوف (١)، وهي ما سنرجئ الكلام عليه إلى حين.\nهذا الوضع الذي كانت عليه المصنفات الحديثية كان يوازيه في الناحية الفكرية للمجتمع الإسلامي وضع مضطرب جدا، حسبما وضَّح الدكتور فاروق حمادة، فقال: \"أطلت الأفكار من كل جانب، وأرادت كلُّ فكرة فرض نفسها بقوة متذرعة بكل الحجج، ولم تبق فكرة من الأفكار التي راجت آنئذ إلا وحاولت النيل من الحركة الحديثية (المعتزلة - الباطنية - إخوان الصفا - التشيع - التصوف - القدرية - الجهمية القائلون بخلق القرآن - المجسمة - الراوندية ... وغيرهم) (٢) .\nلقد كان المبتدعة من المعتزلة وغيرهم يشوشون على أهل الحديث بالقول بعدم حجية خبر الآحاد بدعوى اختلاط السنة بالمكذوب والمختلق، وكان المحدثون خصوما لهم، يحاجونهم ويعملون على دحض مزاعمهم، كما كانوا في الوقت نفسه خصومًا لبعض أهل الفقه الذين اشترطوا للعمل بخبر الآحاد شروطا زائدة عما تطلبه علماء الحديث، وذلك كأن يكون المتن سالما من المعارضة للقرآن أو للسنة المشهورة، وألا يكون مما تعم به البلوى، وألا يكون\n_________\n(١) انظر تعريف \" السنن \" في الرسالة المستطرفة ص ٢٥.\n(٢) تطور دراسات السنة النبوية ونهضتها المعاصرة وآفاقها ص ١٨.","vol":"1","page":25},{"text":"مما أعرض عنه الأئمة من الصدر الأول، وألا يخالفه راويه من الصحابة قولا أو عملا (١) .\nوكان من نتائج شرطهم هذا أن وافقوا المتبدعة من المتكلمين في جزء من موقفهم تجاه السنة النبوية، وضيقوا دائرة المقبول منها موسعين من ساحة القياس.\nمن هنا رأى المحدثون مجابهة هؤلاء أيضا كما جابهوا الآخرين وقد تمت هذه المجابهة على نحو عملي وتطبيقي وليست بالقول فقط، حيث بين أهل الحديث لهؤلاء أن ما يصح من الحديث مع التشديد في الشروط كثير فاتجهوا إلى تجريد الصحيح وإفراده بالتأليف، إلا أن ذلك لم يكن منهم تجاوبا مع هذا المعطى وحده وإنما مع حاجة الأمة إلى كتاب خاص بالصحيح المسند من الحديث، وكان أول من فتح الباب في هذا المجال هو الإمام البخاري الذي أخبر عن هذا المعطى الأخير بقوله: \"كنت عند إسحاق بن راهويه فقال لنا بعض أصحابنا: \"لو جمعتم كتابا مختصرًا لسنن النبي ﷺ، فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع هذا الكتاب\" (٢)، وقد جعل اسمه: \"الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه\" وأفرده لأصح الصحيح خاصة لا مطلق الصحيح، قاصدًا فيه الاختصار فقط، وليس الاستقصاء. وفي هذا الإطار يجب أن يفهم قوله المشهور: \"أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي\n_________\n(١) انظر المحلي شرح جمع الجوامع ٢: ١٣٥-١٣٧، أصول السرخسي محمد بن أحمد بن سهل ت ٤٩٠؟- ج١: ٣٦٦ – ٣٦٩، الفقيه والمتفقه للخطيب ج ١: ١٣٣- ١٣٨، الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ج٢: ١٥٢- ١٥٣، الرسالة للشافعي ٤٠١ –٤٥٩، المدخل في أصول الحديث ص ١٥٠ فما بعد.\n(٢) تاريخ بغداد ٢: ٨،تهذيب الأسماء واللغات ١: ٧٤، سير أعلام النبلاء ١٢: ٤٠١، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٢: ٧،تهذيب التهذيب ٩: ٤٩.","vol":"1","page":26},{"text":"ألف حديث غير صحيح\" (١) وقوله: \"ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح وتركت من الصحاح لحال الطول\" (٢) وقوله: \"صنفت كتابي الصحيح لست عشرة سنة خرجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله\" (٣) .\nوتكرر من البخاري الردُّ على كثير من آراء هذا الاتجاه الفقهي، دون تعيين لأي اسم من ممثليه؛ لأنه عني بنقض أسس الاتجاه لا انتقاد الأشخاص، فناقش آراءه الفقهية وتأصيلاته المنهجية، ومن ذلك أنه جعل ضمن كتب جامعه كتاب أخبار الآحاد، وعقد تحته ستة أبواب هي:\n١ - باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام.\n٢ - باب بعث النبي ﷺ الزبير طليعة وحده.\n٣ - باب قول الله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب:٥٣] فإذا أذن له واحد جاز.\n٤ - باب ما كان يبعث النبي ﷺ من الأمراء والرسل واحدًا بعد واحد.\n٥ - باب وصاة النبي ﷺ وفود العرب أن يبلغوا مَنْ وراءهم.\n٦ - باب خبر المرأة الواحدة.\nويطول بنا المقام لو أردنا أن نستوعب كل مارد به البخاري ﵀\n_________\n(١) تهذيب النووي ١: ٦٨.\n(٢) تهذيب النووي ١: ٧٤.\n(٣) تاريخ بغداد ٢: ١٤.","vol":"1","page":27},{"text":"عمليًا على هذا الاتجاه، وهو يدل بكل تأكيد على أنه كان ينطلق من رؤية واضحة ومتكاملة نتيجة إدراكه لهذا الوضع، واستيعابه لحاجات العصر الراهن ومتطلبات المستقبل، وجعل ﵀ كتابه الجامع الصحيح الذي يمثل أرقى مرحلة في التطور النقدي والفكري للأمة الإسلامية خلاصة للمسانيد التي سادت قبله ومعظمها من تأليف شيوخه، تنكَّب فيه القصور والنقص الحاصل في كل المصنفات السابقة فتحرى الصحيح المتصل من المرفوع، وتوسع في ذلك ليكون الكتاب جامعا لفنون متنوعة وأبواب من الدين متعددة، كان بعضها يفرد في مصنفات خاصة قبل زمانه، ورتب ذلك على أبواب الفقه إمعانا منه في التجاوب مع الواقع ومتطلباته وإسعاف أهله في الحال والاستقبال بحاجاتهم من السنن في سهولة ويسر.\nوتعود مزايا جامع الإمام البخاري إلى ثلاثة جوانب: أولها نقدي وقد امتاز بخصوصه بأمرين، أحدهما: السبق إلى التصنيف في الصحيح المجرد من المرفوع إلى النبي ﷺ، والآخر دقة شرطه في التصحيح، وثانيها جانب القيمة الفقهية والتشريعية للكتاب، إذ كانت للإمام البخاري مقاصد فقهية استنباطية لا تقل درجة حرصه على تحقيقها عما كان له نحو المقاصد النقدية، وهو أمر اختص به البخاري وتميز به أكثر من كثير غيره، ولأجل ذلك ضمَّن كتابه أصول أحاديث الكتب المتقدمة وخلاصة محتوياتها وصحيح مادتها، مضافًا إليها آي القرآن المناسبة لموضوع كل ترجمة وأقوال الصحابة والتابعين وفتاواهم متى كانت الحاجة إلى ذلك قائمة إلا أنها خارجة عن دائرة شرطه في الصحيح، الأمر الذي جعل كتابه في النهاية كتاب فقه للأحكام الشرعية بأدلتها من القرآن والحديث الصحيح، على أسس منهجية خاصة في الاستنباط","vol":"1","page":28},{"text":"والترتيب. وهذا هو ثالث الجوانب أي: جانب العرض والتبويب والترتيب الذي كان مجالا لتفنن البخاري وإبداعه، إذ استطاع أن يُسَخِّر ذلك لغرض إبلاغ القارئ آراءه في مجال النقد واختياراته في ميدان الفقه والاستنباط مستبدلا اللمحة السريعة والإشارة الخفية بالعبارات والتعليقات الطويلة والمتكررة.\nوبناء على ذلك احتلَّ الجامع الصحيح للإمام البخاري مكانة عالية ودرجة رفيعة لم ينافسه فيها أي كتاب، واشتهر بعلو مرتبة أحاديثه وكثرة مزاياه وخصائصه، وكان محله عند الأمة هو \"التلقي بالقبول\" بصورة مجمع عليها وملزمة لكل المسلمين في جميع العصور.\nويعني التلقي بالقبول من بين ما يعني التسليم التام للإمام البخاري فيما قَرَّره من صحة أحاديث كتابه، ويقتضي ذلك عدم جواز الاشتغال بالبحث أو حتى الكلام على أسانيده ورجاله من حيث الصحة والضعف أو التجريح والتوثيق وما شابه ذلك، لأن كل ذلك عبث لا داعي له، ولا فائدة من ورائه بعد أن انتهى النقاد من المحدثين من درسه وتقرير صحته، ولذلك كان سلوكهم تجاه ما خرج فيه من الأحاديث الاكتفاء بالعزو له، وعدّ ذلك حكما على الحديث بالصحة أو بالأحرى بأعلى درجاتها على الإطلاق.\nثم حذا حذوه في دقة الشرط في التصحيح تلميذه وخريجه الإمام مسلم ابن الحجاج (ت٢٦١هـ) في كتابه: \"المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل عن رسول الله ﷺ\".\nكما حذا حَذْوَه في نخل الكتب المتداولة إلى وقته وانتقاء الأحاديث الصحيحة حسب شرطه الذي كان يقارب شرط الإمام البخاري في الضيق","vol":"1","page":29},{"text":"والدقة ويأتي في المرتبة بعده مباشرة، وقد ثبت عنه أنه قال: \"صنفت هذا الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث\"، وهو مُتَلَقَّى بالقبول ككتاب الإمام البخاري، وهما معًا أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى.\nومع أن شرط الإمام البخاري كان أدقَّ وأعلى من شرط الإمام مسلم إلا أن كتاب الإمام مسلم حظي بتفضيل بعض العلماء لميزات تعود إلى جانب الترتيب والعرض وطريقة إيراد الحديث، يقول الحافظ ابن حجر: \"حصل لمسلم في كتابه حظ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله بحيث إن بعض الناس كان يفضله على صحيح محمد بن إسماعيل وذلك لما اختص به من جمع الطرق وجودة السياق والمحافظة على أداء الألفاظ كما هي من غير تقطيع ولا رواية بمعنى\" (١) .\nويظهر أن الإمام مسلما أراد بكتابه تحقيق جملة من الأهداف المتجاوبة مع حاجة الأمة إلى كتاب حديثي يتحرى الصحيح ويسعف أهل الفقه بالمادة الحديثية الصالحة للاحتجاج والعمل ولأجل ذلك مَيَّزه بما يأتي:\nأ - سرد الأحاديث سرد المحدث المعني بالمتون والمخصوص بمعرفة الأسانيد، وحرص على أن لا يشوش على ذلك بشيء إلى درجة أنه لم يضع أسماء الكتب والأبواب والتراجم.\nب - أخلى الكتاب من اجتهاداته الشخصية بالمرة حتى يترك المجال واسعا للقارئ لاختيار ما يراه راجحا أو موافقا لمذهبه.\nج - اهتم كثيرا بصناعة الإسناد وبسائر النواحي الفنية للأحاديث في\n_________\n(١) تهذيب التهذيب ج: ١٠ ص: ١١٤.","vol":"1","page":30},{"text":"الكتاب، فكان في ترتيبه لها مرتبطا بهذا المحور، ولا تكاد تجد للجانب الفقهي أثرًا إلا في التبويب العام، أما داخل الأبواب فإن ترتيب الأحاديث يتم عنده حسب المعطيات الإسنادية والخصائص النقدية، إذ يراعي الشهرة والعلو والخلو من العلة وأمثال ذلك (١) .\nد - وفي هذا الإطار جعل لكتابه بخلاف البخاري مقدمة في منهج النقد الحديثي تعدُّ من أقدم ما كتب في الجانب النظري والتقعيدي لعلم مصطلح الحديث، فكان هذا وذاك مما أعطى لكتابه تميزًا حظي على أساسه بتفضيل عدد لا يستهان به من العلماء كما تقدم.\nوفي هذا القرن أيضا ألَّف الأئمة الأربعة سننهم المشهورة وهم: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت٢٧٥هـ) وأبو عيسى محمد بن عيسى ابن سورة الترمذي (ت٢٧٩هـ) وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت٣٠٣هـ) ومحمد بن يزيد المشهور بابن ماجه (ت٢٧٣هـ)، الذين تعد كتبهم مظهرًا من مظاهر اكتمال قواعد النقد الحديثي ونضج الرؤية المستوعبة لحاجات الأمة ورغباتها واستمرارا لسير المحدثين نحو تطوير تآليفهم على مستوى النقد ونوع المادة المدونة وعلى نحوٍ عال من الإخراج والترتيب والتبويب وحتى التراجم، وهكذا اشتركت السنن الأربعة في الأمور الآتية:\n١ – العمل على استيعاب مضامين الكتب السابقة وتضمين مادتها في ثنايا ما ألفوه، والسعي إلى جعل تآليفهم تغني عن كل ما سبقها.\n٢ - توجيه العناية لأحاديث الأحكام على نحوٍ يلبي حاجة الفقهاء\n_________\n(١) انظر تفصيل منهج الإمام مسلم عند د. حمزة المليباري في كتابه عبقرية الإمام مسلم في ترتيب أحاديث مسنده الصحيح – دراسة تحليلية.","vol":"1","page":31},{"text":"والمجتهدين على شتى المستويات شمولا واستقصاء وترتيبا.\n٣ - الحرص على تجاوز كل النقائص التي وجدت في المصنفات السابقة من حيث المنهج أو النقد أو العرض والترتيب.\nثم كان لكل واحد منها خصائص لا يشاركه غيره فيها جعلت لبعضها من القيمة ما لا يوجد إلا لها. ويصدق هذا بشكل خاص على سنن أبي داود ﵀ التي اعتبرت مؤلفا أساسيا في السنة النبوية لا يمكن الاستغناء عنه بحال، قال الإمام الخطابي مبينا مرتبة هذا الكتاب وأهميته وموقف الأئمة منه: \"واعلموا رحمكم الله أن كتاب السنن لأبي داود كتاب شريف لم يصنف في علم الدين مثله، وقد رُزِقَ القبول من الناس كافة، فصار حكما بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فلكل فيه ورد ومنه شرب وعليه مُعَوَّلُ أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب وكثير من مدن وأقطار الأرض\" (١) .\nوقد انبنى إقبال العلماء على الكتاب على المرتكزات الآتية:\n١ - سَبْقُ أبي داود إلى تأليف السنن، أو بعبارة أصح: سَبْقُه إلى جمع السنن على سبيل الاستقصاء، وليس مجرد التأليف في حد ذاته، لأنه سبق أبا داود إليه غيره بمدة طويلة سواء في هذا القرن أو الذي مضى كابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز (ت١٥٠هـ) وأبي مرة موسى بن طارق اليماني الزبيدي القاضي، والإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت٢٠٤هـ) وأبي عثمان سعيد بن منصور (ت٢٢٧هـ) وأبي عمرو سهل بن أبي سهل زنجلة (ت٢٤٠هـ) وأبي علي الحسن بن علي الخلال (ت٢٤٢هـ) وأبي جعفر\n_________\n(١) معالم السنن ١: ١٠-١١.","vol":"1","page":32},{"text":"الدولابي (ت٢٢٧هـ) والدارمي عبد الله بن عبد الرحمن (ت٢٥٥هـ) وأبي بكر الأثرم (ت٢٧٣هـ) .\nوعلى هذا بنى العلامة الكتاني قوله: \"قيل وهو (أي أبو داود) أول من صنف في السنن وفيه نظر يتبين مما يأتي\" (١) .\nويشرح الخطابي هذا المرتكز فيقول: \"وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدمًا سبقه إليه ولا متأخرًا لحقه فيه\" (٢) .\nوهو بهذا الكلام لا يبين قضية الاستقصاء فقط بل نوعيته كذلك، فأبو داود ﵀ وُفِّق حسب تحليل النقاد في جمع الأحاديث الأصول في مجال الأحكام الشرعية، ومارس في كتابه بحق جهدا عظيما: هو استيعاب مادة المصادر المتقدمة وتوفير محتواها للأجيال اللاحقة، ولذلك استحق كتابه أن يسمى \"أم الأحكام \" من لدن الحافظ ابن حجر ﵀ (٣) .\n٢ – حرص الإمام أبي داود في الكتاب على تلافي الطول والتكرار في المصادر التي اعتمدها عند جمعه لمادة الأحكام الشرعية، مما جعله يضمن الإقبال الذي حرمته تلك المصادر، وإلى هذا المعنى يشير الخطابي بقوله: \"وكان تصنيف علماء الحديث قبل زمان أبي داود الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارًا وقصصًا ومواعظ وآدابا فأما السنن المحضة فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها، ولم يقدر\n_________\n(١) الرسالة المستطرفة: ٩.\n(٢) معالم السنن: ج ١: ١٣.\n(٣) التلخيص الحبير ٢: ١٩.","vol":"1","page":33},{"text":"على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة، ومن أدلة سياقها، على حسب ما اتفق لأبي داود\" (١) .\n٣ – عنايته بالجانب النقدي وسعيه نحو تطوير قضية الإسناد والعمل على إنضاجه في الكتاب من خلال الأحاديث التي يسوقها فيه وذلك بسوقها مسندة أي متصلة مرفوعة فكان ذلك هو الضامن لقبول الكتاب. ونحن من خلال دراستنا لرسالة أبي داود إلى أهل مكة يتجلى لنا أن الهاجس لدى الأئمة والنقاد في تلك الفترة ومنهم أبو داود هو الإسناد، والذي ينظر في مسيرة التأليف في السنة النبوية، يجد أن ما حصل فيه التطور فعلا هو قضية \"الأسانيد\" بالدرجة الأولى، وأن الكتب الستة بصفة خاصة إنما حازت ما حازته من القبول بفضل عنايتها بوصل الأسانيد بشكل خاص وما يرتبط بها من التصحيح والقبول، ثم جودة التبويب كذلك كما سيأتي بيانه.\nوالدليل على ذلك ما قاله ابن حزم في سياق تحديده لمراتب الكتب الحديثية حيث قال: \"أَوْلى الكتب الصحيحان، ثم صحيح ابن السكن، والمنتقى لابن الجارود، والمنتقى لقاسم بن أصبغ، ثم بعد هذه الكتب كتاب أبي داود ...\" (٢) ثم جعل بعد ذلك بدرجات كثيرة موطأ مالك.. وهو إنما بنى ذلك على أساس الإسناد لا غير كما نص على ذلك الذهبي في سياق لومه له على جعله موطأ مالك في المراتب المتأخرة فقال: \"ما أنصف ابن حزم بل رتبة الموطأ أن يذكر تلو الصحيحين مع سنن أبي داود والنسائي ولكنه تأدب\n_________\n(١) معالم السنن ١: ١١.\n(٢) انظر تدريب الراوي ١: ١١٠.","vol":"1","page":34},{"text":"وقدم المسندات النبوية الصرفة وإن للموطأ لوقعا في النفوس ومهابة في القلوب لا يوازنها شيء\" (١) .\nوبهذا يظهر أن موطأ مالك إنما تأخرت رتبته عن الصحيحين بسبب قضية الإسناد وكان يمكن أن تتخلف رتبته حتى عن غيرهما من الكتب كالسنن الأربعة لولا أصحية الأحاديث التي اشتمل عليها في ذاتها، ومهما يكن من أمر فإن الذهبي هنا وإن ناقش ابن حزم في قضية الترتيب فإنه أقره في عدّ مسألة \"الإسناد\" في الترتيب وهو ما يدل على أن ذلك هو مذهب الجمهور عامة، وأنه معولهم في قبول كتاب سنن أبي داود.\n٤ - ولكن لا يجوز أن نتصور أن الإسناد واتصاله كان هو المقياس الأوحد للتعامل مع كتب السنة ومنها سنن أبي داود بذلك الشكل وإلا لكانت كل الكتب المسندة محل قبول من الأئمة حتى تلك التي تضم الضعيف والموضوع وما بهذا يقول أحد. فالإسناد إذن نعني به إيراد ما توافرت فيه شروط الصحة من الأحاديث مسندة موصولة فهذا هو الذي يضمن للكتاب القبول وهذا بالضبط هو ما توافر لسنن أبي داود، أي بعبارة أخرى اتصال الأسانيد مع نظافتها.\n٥ – تَوَخِّي أبي داود لشهرة الأحاديث التي أخرجها، وهو قيد إضافي مرتبط بمدى تدقيقه وتشديده وضيق شروطه ليس إلا، ولكنه على كل حال من السمات التي عملت على توفير القبول للكتاب. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه القضية كانت ملحظا أساسيا تمت مراعاته بجد من لدن أصحاب الكتب الستة جميعهم وليس أبا داود وحده، وكانت بالتالي من المرتكزات الأساسية\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء ١٨: ٢٠٣.","vol":"1","page":35},{"text":"لقبولها، ومعنى ذلك أن التلقي بالقبول للكتب الستة يعود في جزء كبير منه إلى كونها ركزت على الحديث المشهور المتداول والمعمول به وليس الغريب أو الشاذ أو المهجور، وقد دأب العلماء على اعتبار الاعتماد على الكتب الستة عملا منهجيا صائبا يلزم به طلبة العلم بكل صرامة؛ لكيلا تزل أقدامهم باعتماد غيرها من المصادر التي لم يراع فيها هذا الملحظ.\n٦ – استهدافه من الكتاب تأصيل مذاهب فقهاء الأمصار حتى صار كالدليل للفقه المتداول إلى وقته يقول العلامة ولي الله الدهلوي: \" ... وثالثهم أبو داود السجستاني وكان همته جمع الأحاديث التي استدل بها الفقهاء ودارت فيهم وبنى عليها الأحكام علماء الأمصار فصنف سننه وجمع فيها الصحيح والحسن واللين والصالح للعمل، قال أبو داود: \"ما ذكرت في كتابي حديثا أجمع الناس على تركه \"، وما كان فيها ضعيفا صرح بضعفه وما كان فيه علة بينها بوجه يعرفه الخائض في هذا الشأن وترجم على كل حديث بما قد استنبط منه عالم وذهب إليه ذاهب ولذلك صرح الغزالي وغيره بأن كتابه كاف للمجتهد\" (١) . ولم يكن هذا موقفا معزولا للغزالي وحده، بل كان موقف جمهور العلماء فقد جاء عن أبي سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي (ت٣٤٠هـ) وهو أحد الرواة لسنن أبي داود قوله: \"لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله ﷿ ثم هذا الكتاب (أي السنن) لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة.\" (٢)، وقال أبو يحيى الساجي\n_________\n(١) قواعد التحديث: ٣٤٢.\n(٢) معالم السنن: ١٢، وانظر طبقات الحنابلة ١: ١٦٢؛ سير أعلام النبلاء ١٧: ٢٦؛ وتذكرة الحفاظ ٣: ١٠١٩.","vol":"1","page":36},{"text":"(ت٣٠٧هـ): \"كتاب الله ﷿ أصل الإسلام وكتاب السنن عهد الإسلام\" (١) .\n٧- إبداع أبي داود في كيفية إخراجه وتفننه في وضعه ورصفه وإجادته في تبويبه وترتيبه وتوخي الدقة وكثير من التفصيل في تراجمه، فغدا كأنه كتاب فقه بالشكل الذي عليه كتب الفقهاء. حتى قال الإمام الخطابي: \"فأما أهل خراسان، فقد أولع أكثرهم بكتابي محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد، إلا أن كتاب أبي داود أحسن رصفا وأكثر فقها\" (٢) .\nوكان لكتاب الترمذي ميزة أخرى هي سبقه إلى بيان درجة كل حديث من أحاديثه في إطار ترتيبه لها على الأبواب مع عرض المذاهب الفقهية وقد بين بنفسه أنه أعدَّ كتابه لهذا الغرض استجابة لمن سأله ذلك فقال: \"وجدنا غير واحد من الأئمة تكلَّفوا من التصنيف ما لم يسبقوا إليه منهم هشام بن حسان وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وسعيد بن أبي عروبة ومالك بن أنس وحماد بن سلمة وعبد الله بن المبارك ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة ووكيع ابن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أهل العلم والفضل، صنفوا فجعل الله ﵎ في ذلك منفعة كثيرة، فنرجو لهم بذلك الثواب الجزيل من عند الله لما نفع الله المسلمين به فهم القدوة فيما صنفوا\" (٣) .\n_________\n(١) شروط الأئمة الستة: ١٠٣.\n(٢) معالم السنن، ١: ١١.\n(٣) العلل ص ٧٣٨.","vol":"1","page":37},{"text":"قال الحافظ ابن رجب في شرحه: \"... ومنهم من لم يشترط الصحة وجمع الصحيح وما قاربه وما فيه بعض لين وضعف، أكثرهم لم يثبتوا ذلك، ولم يتكلموا على التصحيح والتضعيف، وأول من علمناه بين ذلك أبو عيسى الترمذي ﵀، وقد بين في كلامه هذا أنه لم يسبق إلى ذلك، واعتذر بأن هؤلاء الأئمة الذين سماهم صنفوا ما لم يسبقوا إليه فإذا زيد في التصنيف بيان العلل ونحوها كان فيه تأس بهم في تصنيف ما لم يسبق إليه، وقد صنف ابن المديني ويعقوب بن شيبة مسانيد معللة، وأما الأبواب المعللة فلا نعلم أحدا سبق الترمذي إليها، وزاد الترمذي أيضا ذكر كلام الفقهاء وهذا كان قد سبق إليه مالك في الموطأ وسفيان في الجامع\" (١) .\nلكن بيَّن الدكتور نور الدين عتر وجوها من التميز لدى الترمذي في هذا المجال أغلبها يعود إلى جانب الشكل وطريقة العرض والإخراج، وجعل من أهمها عقده بابا لكل مذهب فقهي فقال: \"وتفرد الترمذي بتعديد الأبواب للمسألة في كتابه، وذلك أنه يعقد بابا للدليل الناسخ وبابا آخر للمنسوخ من الحديث، وكذلك يترجم للمذاهب الخلافية لكل طائفة ترجمة مستقلة ويذكر في الباب أدلتها من السنة وذلك كثير في كتابه\" (٢) .\nوأما سنن الإمام النسائي المسماة بالمجتبى لكونها مختصرة من الكبرى فقد ظهر رسوخ صاحبها وتمكنه وضيق شرطه في قيمتها ومنزلتها عند العلماء الذين ذهب بعضهم إلى جعلها في المرتبة بعد الصحيحين مباشرة، كما هو\n_________\n(١) شرح علل الترمذي ص ٥٦.\n(٢) الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين ص ٢٨٠.","vol":"1","page":38},{"text":"اختيار العلامة ابن رشيد السبتي حيث قال: \"كتاب النسائي أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفا وأحسنها ترصيفا، وكان كتابه جامعا بين طريقي البخاري ومسلم مع حظ كثير من بيان العلل. وفي الجملة فهو أقل الكتب بعد الصحيحين حديثا ضعيفا ورجلا مجروحا\" (١)، ولذلك أطلق عليه اسم الصحة كل من أبي علي النيسابوري وأبي أحمد بن عدي وأبي الحسن الدارقطني وأبي عبد الله الحاكم وابن منده وعبد الغني بن سعيد الأزدي وأبي يعلى الخليلي وأبي علي بن السكن وأبي بكر الخطيب وغيرهم (٢) . وقال الحافظ ابن حجر مبينا مذهب النسائي في التخريج عن الرواة: \"فكم من رجل أخرج له أبو داود والترمذي تجنب النسائي إخراج حديثه بل تجنب النسائي إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين، فحكى أبو الفضل بن طاهر قال: سعد بن علي الزنجاني عن رجل فوثقه، فقلت له: إن النسائي لم يحتج به؟ فقال: يا بني إن لأبي عبد الرحمن شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم\" (٣) .\nوهكذا كانت ميزة سنن النسائي في ضيق شرطه في التصحيح ودقة مقاييسه في القبول لدرجة أن أبا الحسن المعافري (ت٤٨٤هـ) تلميذ ابن عبد البر عدّهُ سلك أغمض وأجل ما سلكه الأئمة الستة من مسالك (٤) .\nوميزة الكتب الستة أو بالأحرى الخمسة باستثناء سنن ابن ماجه هي\n_________\n(١) انظر: النكت لابن حجر ص ٧٥.\n(٢) انظر مقدمة الحافظ السيوطي لشرحه على النسائي المسمى زهر الربى على المجتبى ج: ١: ٥.\n(٣) المصدر نفسه ج١: ٤.\n(٤) المصدر نفسه ج١: ٤.","vol":"1","page":39},{"text":"استيعابها للصحيح من أصول أحاديث الأحكام، قال الإمام النووي: \"لم يَفُتْ الأصول الخمسة إلا اليسير، أعني الصحيحين وسنن أبي داود والترمذي والنسائي\" (١)، على أنه تبين مما تقدم أن سنن أبي داود وحدها يصدق عليها هذا فكيف بالخمسة جميعًا؟ فقد ذكر ابن القيم أن أصول الأحكام التي تدور عليها نحو خمسمائة حديث وفرشها وتفاصيلها نحو أربعة آلاف حديث (٢)، وعدد ما في سنن أبي داود أربعة آلاف وثمانمائة، كما نص على ذلك بنفسه.\nوقد كان في هذا القرن مصنفون آخرون ومصنفات غير هذه وتلك لا يسمح المقام بسردها فضلا عن حصرها واستقصائها، ولكن المهم هو أن هذا النوع من المصنفات هو ما جعل القرن الثالث الهجري عصر النضج والرسوخ في نظر كل الدارسين والقرن الذهبي للسنة النبوية بامتياز تقديرا لما تفرد به من خصائص لخصها الدكتور فاروق حمادة في أربع، هي:\n١ - نضج القواعد التأصيلية والتزامها وكتابتها وتدوينها\n٢ - جمع النصوص النبوية مفردة عن غيرها\n٣ - ضبط الرجال وتراجمهم ومعرفة الأسانيد وعللها\n٤ - العناية بالجانب اللغوي في الحديث (٣) .\n_________\n(١) تدريب الراوي ج١: ٩٩.\n(٢) أعلام الموقعين ج٢: ٢٥٧.\n(٣) د. فاروق حمادة: تطور دراسات السنة النبوية ونهضتها المعاصرة وآفاقها من ص ١٩ إلى ٢٦ وقد قسم حفظه الله المراحل التي مرت فيها السنة النبوية إلى ثمان مراحل.","vol":"1","page":40},{"text":"٤-<span data-type=\"title\" id=toc-5> تدوين السنة النبوية في القرن الرابع الهجري:</span>\nلا ينبغي تصور أن الحديث عن تدوين السنة النبوية في هذا القرن سيكون حديثا عن قرن جديد بخصائص وحاجات لا تمت إلى المرحلة السابقة بأية صلة، ومن ثم ستكون بينه وبين القرن السابق قطيعة وانفصال، وإنما كان بين هذه القرون كلها اتصال، وكان كل قرن امتدادًا للذي قبله، إلا أنه كان من الطبيعي أن تمتاز كل فترة بعناصر جديدة تنضاف إلى القديمة في جانب الأهداف أو الحاجات أو الخصائص؛ لأن المحدثين يبدو وكأنهم كانوا يتوارثون تصورا واضحا بكافة عناصره وغاياته، وما كان يتم تحقيقه في عصر يطوى لإنجاز ما تبقى، ولهذا كانت المصنفات الحديثية مترابطة فيما بينها ترابطا تاما بحيث لا يوجد في المحدثين البتة مَنْ تجاهل أو تجاوز جهود من سبقه، وقد لا نكون هنا في حاجة إلى التذكير بما فعله أصحاب الكتب الستة من تلخيص للكتب السابقة ونقد مادتها بالموازنة مع آلاف الأحاديث المسموعة.\nوبناء على ذلك نقول: إن القرن الرابع الهجري يعد من حيث الأهمية امتدادا للقرن الثالث، والمصنفات التي ألفت خلاله تعد مصادر أصيلة للرواية لا مندوحة عنها لطالب مادة الحديث النبوي؛ وذلك لأن تدوين السنة لم يكتمل في القرن الثالث، كما أنه لم يكن الصحيح مقصورا على ما صنف أثناءه.\nوإذا كان الحافظ الذهبي قد جعل رأس سنة ثلاثمائة هو الحد الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين، فقد أبان الشيخ أبو زهو أن أساسه في ذلك قضية واحدة لا غير، هي الرواية الشفهية فالمتقدمون هم مَنْ عَوَّلوا على هذه","vol":"1","page":41},{"text":"الصورة في النقل والرواية تعويلا تاما، في حين قطع المتأخرون صلتهم بها وأحلُّوا بدلها الرواية من الكتب. ونص كلامه في ذلك: \"هذا وكان العلماء في الأدوار السابقة لا يعتمدون إلا الرواية الشفاهية في نقل الأحاديث، ولا يعولون على مجرد الكتب حتى ينقلوا أحاديثها بطريق السماع من مؤلفيها، ولو كلفهم ذلك أن يرحلوا الشهور الطوال. أما في هذا الدور السادس فقد لفظت فيه الرواية الشفهية أنفاسها، وذهب من بين الرواة ريحها، وطغى عليها التدوين الذي بلغ أشده في ذلك الوقت؛ لهذا جعل العلماء الحد الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين من رواة الحديث وحملته هو رأس سنة ثلاثمائة، كما قرَّره الحافظ الذهبي في خطبة ميزانه\" (١) .\nوالجدير بالذكر أن الرواية في هذا العهد ازدادت انتشارا وعرفت توسعًا كبيرًا، ووجدت فنون أخرى واهتمامات جديدة عند المحدثين لم تكن من قبل، وطبيعي أن يكون في هذا القرن من جراء ذلك عدد هائل من المصنفين من المشرق والمغرب يفوق بكثير ما كان في القرن السابق، ويمكننا أن نذكر منهم: أبا جعفر محمد بن جرير الطبري (ت٣١٠هـ) وأبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت٣١١هـ) وأبا عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ابن يزيد الإسفراييني (ت٣١٦هـ) وأبا القاسم عبد الله بن محمد البغوي (ت٣١٧هـ) وأبا جعفر أحمد بن محمد الطحاوي (ت٣٢١ هـ) وأبا عمران موسى بن العباس بن محمد الجويني (ت٣٢٣هـ) وأبا حامد أحمد بن محمد بن الحسن النيسابوري المعروف بابن الشَّرْقي (ت٣٢٥هـ) ومحمد بن\n_________\n(١) الحديث والمحدثون ص ٤٢٤.","vol":"1","page":42},{"text":"عبد الملك بن أيمن القرطبي (ت٣٣٠هـ) وأبا محمد أحمد بن محمد بن إبراهيم الطوسي البلاذري (ت٣٣٩هـ) وأبا محمد قاسم بن أصبغ البياني الأندلسي (ت٣٤٠هـ) وأبا الحسين خيثمة بن سليمان (ت٣٤٣هـ) وأبا النصر محمد ابن محمد بن يوسف الطوسي (ت٣٤٤هـ) وأبا عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني المعروف بابن الأخرم (ت٣٤٤هـ) وأبا الوليد حسان بن محمد بن أحمد بن هارون القزويني (ت٣٤٤هـ) وأبا بكر أحمد بن سليمان النجاد (ت٣٤٨هـ) وأبا علي سعيد بن عثمان بن سعيد ابن السكن (ت٣٥٣هـ) وأبا سعيد أحمد بن أبي بكر الحيري (ت٣٥٣هـ) وأبا حاتم محمد بن حبان البستي (ت٣٥٤هـ) وأبا حامد أحمد بن محمد بن شارك الهروي (ت٣٥٥هـ) وأبا القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت٣٦٠هـ) وأبا بكر محمد بن الحسين الآجري (ت٣٦٠هـ) وأبا علي الحسين بن محمد الماسرجسي (ت٣٦٥هـ) وأبا بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي (ت٣٧١هـ) وأبا أحمد محمد بن أبي حامد بن الغطريف الجرجاني (ت٣٧٧هـ) وأبا عبد الله محمد بن العباس بن أحمد المعروف بابن أبي ذهل الضبي (ت٣٧٨هـ) وأبا الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الدارقطني (ت٣٨٥هـ) وأبا حفص عمر بن أحمد بن شاهين (ت٣٨٥هـ) وأبا سليمان حمد بن محمد الخطابي (ت٣٨٨هـ) وأبا بكر محمد بن عبد الله الجوزقي (ت٣٨٨هـ) وأبا عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (ت٣٩٥هـ) وإبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي (ت٤٠٠هـ) وخلف بن محمد الواسطي (ت٤٠١هـ) وأبا عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم الضبي المعروف بابن البيع (ت٤٠٥هـ) .","vol":"1","page":43},{"text":"وقد عمل هؤلاء المصنفون في الغالب الأعم على إتمام الصرح الذي شيده أئمة القرن الثالث وإكماله، فجاءت كتب هؤلاء مرتبطة بمؤلفات ذلك القرن جزئيا أو كليا، ووجدت في ذلك اتجاهات متعددة كان منها اتجاه ارتبط بنفس الفكرة والهدف اللذين كانا لدى بعض أعلام القرن الثالث فألف على منوالهم بقصد إكمال المشروع الذي بدؤوه؛ ومن أشهر المصنفين في إطار هذا الاتجاه أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت٣١١هـ)، وأبو علي سعيد ابن عثمان بن سعيد بن السكن (ت٣٥٣هـ) وأبو حاتم محمد بن حبان البستي (ت٣٥٤هـ)، فهؤلاء جميعا صنفوا في الصحيح المجرد كالبخاري ومسلم وهم وإن كانوا لم يشترطوا في الصحة درجة الشيخين، ولوحظ لدى بعضهم تساهل فقد قيل: إن أصح مَنْ صَنَّفَ في الصحيح بعد الشيخين ابن خزيمة فابن حبان.\nوقد بيَّن ابن خزيمة مقصده من الكتاب وشرطه فيه بعبارة جد مقتضبة فقال في أول كتاب الوضوء: \"مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي ﷺ بنقل العدل عن العدل موصولا إليه ﷺ من غير قطع في أثناء الإسناد ولا جرح في ناقلي الأخبار\" (١)، بينما سمَّى ابن حبان كتابه التقاسيم والأنواع ونص فيما يخص الشرط على نفس ما نص عليه ابن خزيمة تقريبا، فقال في المقدمة: \"ثم نملي الأخبار بألفاظ الخطاب بأشهرها إسنادًا وأوثقها عمادًا من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقليها..\".\nوقد أبان عن الدافع الذي دفعه إلى وضع هذا الكتاب بقوله: \"وإني لما\n_________\n(١) صحيح ابن خزيمة ج: ١ ص: ٣.","vol":"1","page":44},{"text":"رأيت الأخبار طرقها كثرت ومعرفة الناس بالصحيح منها قلت: لاشتغالهم بكتبة الموضوعات وحفظ الخطأ والمقلوبات، حتى صار الخبر الصحيح مهجورًا لا يكتب، والمنكر المقلوب عزيزا يستغرب، وأن من جمع السنن من الأئمة المرضيين، وتكلم عليها من أهل الفقه والدين، أمعنوا في ذكر الطرق للأخبار، وأكثروا من تكرار المعاد للآثار؛ قصدًا منهم لتحصيل الألفاظ على من رام حفظها من الحفاظ، فكان ذلك سبب اعتماد المتعلم على ما في الكتاب وترك المقتبس التحصيل للخطاب فتدبرت الصحاح لأسهل حفظها على المتعلمين وأمعنت الفكر فيها؛ لئلا يصعب وعيها على المقتبسين\".\nوإنما سماه التقاسيم والأنواع لأنه رتبه بطريقة مخترعة لم يسبق إليها، فلا هي على الأبواب ولا هي على المسانيد بل هي تقسيم أصولي فريد جاء على صورة بَيَّنها بقوله: \"فرأيتها تنقسم خمسة أقسام متساوية متفقة التقسيم غير متنافية. فأولها: الأوامر التي أمر الله عباده بها والثاني: النواهي التي نهى الله عباده عنها والثالث: إخباره عمَّا احتيج إلى معرفتها، والرابع: الإباحات التي أبيح ارتكابها والخامس أفعال النبي ﷺ التي انفرد بفعلها، ثم رأيت كل قسم منها يتنوع أنواعا كثيرة، ومن كل نوع تتنوع علوم خطيرة ليس يعقلها إلا العالمون الذين هم في العلم، راسخون دون مَنْ اشتغل في الأصول بالقياس المنكوس، وأمعن في الفروع بالرأي المنحوس، وإنا نملي كل قسم بما فيه من الأنواع وكل نوع بما فيه من الاختراع الذي لا يخفى تحضيره على ذوي الحجا، ولا تتعذَّر كيفيته على أولي النهى، ونبدأ منه بأنواع تراجم","vol":"1","page":45},{"text":"الكتاب..\" (١) .\nومن أمثلة الأنواع المذكورة في الكتاب، والتي قسم بموجبها الأخبار ما ذكره في قسم الأوامر فقال: \"تدبرت خطاب الأوامر عن المصطفى ﷺ لاستكشاف ما طواه في جوامع كلمه، فرأيتها تدور على مائة نوع وعشرة أنواع يجب على كل منتحل للسنن أن يعرف فصولها وكل منسوب إلى العلم أن يقف على جوامعها لئلا يضع السنن إلا في مواضعها ولا يزيلها عن موضع القصد في سننها فأما النوع الأول من أنواع الأوامر فهو لفظ الأمر الذي هو فرض على المخاطبين كافة في جميع الأحوال، وفي كل الأوقات، حتى لا يسع أحدًا منهم الخروج منه بحال. النوع الثاني: ألفاظ الوعد التي مرادها الأوامر باستعمال تلك الأشياء. النوع الثالث: لفظ الأمر الذي أمر به المخاطبون في بعض الأحوال لا الكل. النوع الرابع: لفظ الأمر الذي أمر به بعض المخاطبين في بعض الأحوال لا الكل. النوع الخامس: الأمر بالشيء الذي قامت الدلالة من خبر ثان على فرضيته وعارضه بعض فعله ووافقه البعض..\" (٢) .\nوهذا ما يمثل تطورا مهمًا ومنعطفا كبيرا في مسيرة التصنيف في السنة النبوية لاشك أن له علاقة وطيدة بهاجس الاستنباط الذي بات في نظر العلماء يحتاج إلى استكمال قواعده، ومزيد بيان، وتوضيح ضوابطه؛ حماية للنص النبوي من عبث العابثين، وتأويل الجاهلين والمبتدعين، كما أن له علاقة كذلك وبلا شك بظاهرة انتقال المذاهب الفقهية إلى طور جديد أصبحت\n_________\n(١) صحيح ابن حبان ج: ١ ص: ١٠٢- ١٠٤.\n(٢) صحيح ابن حبان ج: ١ ص: ١٠٥.","vol":"1","page":46},{"text":"بموجبه بارزة أكثر وراسخة ومحددة لطبيعة صلة الأمة بالكتاب والسنة، وانتسب الناس من حيث عملهم بفروع الشريعة إلى إحدى المذاهب السائدة، بعد أن لم يكن الأمر على هذه الصورة في القرن السابق.\nوفي هذا الإطار أيضا ألَّف أبو جعفر الطحاوي (ت٣٢١هـ) كتابه \"شرح معاني الآثار\" رتبه على الكتب والأبواب وذكر فيه ما يتعلق بالأحكام الشرعية من الآثار مبينا الناسخ من المنسوخ، والمطلق من المقيد، وواجب العمل منها من غيره، وَبيَّنَ أن قصده الرد على أهل الإلحاد والزندقة.\nوأما الاتجاه الآخر فقد جعل الكتب المتقدمة مركز دراسته ومحور اهتمامه فاشتغل عليها بالاستخراج أو بالاستدراك أو بالفهرسة، ويُظْهِرُ هذا الاتجاه هاجسا آخر لا يقل عن الآخر أهمية، وهو رغبة المحدثين في الجمع الشامل والموسوعي لمتون السنة النبوية التي يعتقدون أنه لم يضع منها شيء.\nوقد كان للصحيحين الحظ الأوفر من عناية أصحاب هذا الاتجاه؛ فالمستخرجات ارتبطت بهما بالدرجة الأولى والاستدراكات كذلك وكتب الأطراف والفهارس اتجهت في البداية إليهما.\nوهكذا استخرج كل من أبي بكر الإسماعيلي (ت٣٧١هـ) وأبي أحمد ابن الغطريف الغطريفي (ت٣٧٧هـ) وابن أبي ذهل الضبي (ت٣٧٨هـ) على صحيح البخاري، واستخرج أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني (ت٣١٦هـ)، وكذا أبو بكر الجوزقي (ت٣٨٨هـ) على صحيح مسلم، واستخرج عليهما معا أبو علي الماسرجسي (ت٣٦٥هـ)، وكذا أبو بكر الجوزقي (ت٣٨٨هـ) .\nوالمستخرج عند المحدثين هو كما عرفه الكتاني ﵀ أن يأتي المصنف","vol":"1","page":47},{"text":"إلى الكتاب فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب فيجتمع معه في شيخه أو في من فوقه ولو في الصحابي مع رعاية ترتيبه ومتونه وطرق أسانيده. وشرطه ألا يصل إلى شيخ أبعد حتى يفقد سندًا يوصله إلى الأقرب إلا لعذر مِنْ علو أو زيادة مهمة. وربما أسقط المستخرج أحاديث لم يجد له بها سندًا يرتضيه، وربما ذكرها من طريق صاحب الكتاب (١) .\nوللمستخرجات فوائد كثيرة من أهمها علو الإسناد وزيادة الصحيح الذي هو غاية في حد ذاته، فإن تلك الزيادات صحيحة لكونها بإسنادهما (٢) .\nواختار أبو الحسن الدارقطني (ت٣٨٥هـ) وأبو عبد الله الحاكم (ت٤٠٥هـ) استدراك ما فاتهما من الحديث الذي على شرطهما، وقد سمى الدارقطني كتابه \"الإلزامات\" وهو صغير الحجم؛ لكونه أول محاولة في هذا المجال، في حين كان مصنف الحاكم المسمى بالمستدرك كبيرا، ودالًاّ على ضخامة الجهد المبذول فيه.\nويتبين من المقدمة التي وضعها له أن تشويش الزنادقة والمبتدعة على السنة النبوية لم يعرف التوقف، وأن انشغال المحدثين بالرد عليهم عمليا كان قويا جدا، فهو ﵀ قد ربط مقصده من تأليف الكتاب بقضية واحدة هي إبطال مقالة من يدعي قلة الأحاديث الصحيحة وانحصارها فيما ألفه الشيخان رحمهما الله، وهي مقالةٌ يُراد بها تضييق شروط الصحيح وتقليص دائرة المقبول، وركوبها إلى الطعن في منهج أهل السنة عامة وإبطال العمل\n_________\n(١) الرسالة المستطرفة: ص ٢٤.\n(٢) انظر تدريب الراوي ج١: ١١٤-١١٥.","vol":"1","page":48},{"text":"بالحديث، بناء على التحسيس بالعجز عن التمييز بين المقبول والمردود في أغلب النصوص، ومما قاله الحاكم بصدد ذلك: \"فمن هؤلاء الأئمة أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج ﵄، صنفا في صحيح الأخبار كتابين مهذبين، انتشر ذكرهما في الأقطار، ولم يحكم واحد منهما أنه لم يصح من الحديث غير ما أخرجاه، وقد نبغ في عصرنا هذا جماعة من المتبدعة يشمتون برواة الآثار بأن جميع ما يصح عندكم من الحديث، لا يبلغ عشرة آلاف حديث وهذه الأسانيد المجموعة المشتملة على ألف جزء أو أقل أو أكثر منه كلها سقيمة غير صحيحة..\" (١)، ثم ربط تأليفه للكتاب بهذا.\nونلمس في غير المستدرك من كتاباته، ولا سيما في المدخل إلى الصحيح على وجه الخصوص حضورًا قويًا لهذا الانشغال، فكأنه أراد بالمستدرك الرد العملي على مقولات هؤلاء المشككين وإثبات أن ما يصح من الحديث حتى حسب أضيق الشروط كثير يصعب حصره.\nولقد كان من أثر هذه الأعمال بالإضافة إلى ما سبق أن أكدت للأمة المكانة العالية للصحيحين، ودفعت إلى مزيد التشبث بهما، وسَعَتْ من ناحية ثانية إلى فتح الباب لمحاولات أخرى جديدة على هذا النحو، نظرًا لكون عمل الشيخين تم على سبيل الاختصار وليس الاستقصاء.\nوأما في مجال الفهرسة فقد صنف إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي\n_________\n(١) المستدرك ج١: ٤١-٤٢.","vol":"1","page":49},{"text":"(ت٤٠٠هـ) أطراف الصحيحين وعمل مثله خلف بن محمد الواسطي.\nمن ناحية أخرى تابع العلماء تصنيف السنن، فألف فيها أبو الحسين أحمد ابن عبيد الصفار البصري (ت بعد ٣٤١هـ) وهي التي أكثر البيهقي من التخريج منها في سننه الكبرى، وأبو بكر محمد بن يحيى الهمداني (ت٣٤٧هـ) وقيل عنه: \"لم يسبق إلى مثلها\"، وأبو بكر أحمد بن سليمان النجاد البغدادي (ت٣٤٨هـ) وأبو الحسن الدارقطني (ت٣٨٥هـ) .\nوَعَرَف هذا القرن نوعًا جديدًا من المصنفات هي المعاجم، وهي الكتب التي تذكر فيها الأحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ أو البلدان أو غير ذلك، والغالب أن يكونوا مرتبين على حروف الهجاء (١) .\nوأشهرها معاجم الطبراني الثلاثة: الكبير وهو أكبر معاجم الدنيا على ما قال ابن دحية، والأوسط وكان يقول فيه: هذا الكتاب روحي لأنه تعب فيه، ثم الصغير.\nومن المعاجم غيرها معجم أبي القاسم البغوي (ت٣١٧هـ)، ومعجم أبي العباس الدغولي (ت٣٢٥هـ)، ومعجم أبي بكر الإسماعيلي (ت٣٧١هـ)، ومعجم أبي سعيد بن الأعرابي (ت٣٤٠هـ) أحد أشهر رواة سنن أبي داود، ومعجم أبي عبد الله الحاكم (ت٤٠٥هـ) .\nولقد كان تصنيف متون السنة النبوية يسير جنبا إلى جنب مع التأليف في قواعد علم المصطلح الحديثي والجرح والتعديل، فلابن حبان كتاب \"المجروحين من المحدثين\" ويحتوي على مقدمة نفيسة في علم المصطلح، وله\n_________\n(١) انظر الرسالة المستطرفة ص ١٠١.","vol":"1","page":50},{"text":"أيضا \"كتاب الثقات\"، ولابن عدي أبي أحمد الجرجاني (ت٣٦٥هـ) كتاب \"الكامل في ضعفاء الرجال\"، وهو من أهم الكتب في هذا المجال وعليه مُعَوَّل المحدثين، وللحاكم كتاب معرفة علوم الحديث وقبله وضع الرامهرمزي الحسن بن خلاد (ت٣٦٠هـ) كتابه \"المحدث الفاصل بين الراوي والواعي\" الذي يعد أول كتاب وضع في علم أصول الحديث.\nكما كان يوازيه من ناحية أخرى التأليف في فقه الحديث وشرح المصنفات الحديثية السابقة، ووضع الأسس لهذا المجال.\nثم كان التأليف في علل الحديث ومن أشهرها في هذا العصر \"علل الأحاديث النبوية\" لأبي الحسن الدارقطني (ت٣٨٥هـ)، وهو فن عرف في القرن السابق، إلا أن الحاجة كانت تدعو إلى مواصلة التأليف فيه لاستيعاب كل الأحاديث بالنقد والتمحيص من ناحية، ثم لاستيعاب كافة الميادين التي تتوقف عليها صحة النص النبوي أو فهمه بالدراسة والتأصيل.\nوبالنظر إلى هذا العدد الهائل من المصنفات في شتى الفروع والتخصصات والميادين، يتبين أن السنة النبوية لم تعد بعد هذا القرن في حاجة إلى خدمات ضرورية أو أساسية وإنما إلى تتمات وتكملات فقط.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الخاتمة:</span>\nكانت للدارسين على مر العصور عناية خاصة بقضية التدوين وازدادت درجة هذه العناية في العصر الحاضر بشكل كبير، وذلك في غمرة الرد على المستشرقين الذين توقفوا عندها مليا يزرعون من خلال ما يطرحون من شبهات حولها الشك في وثوقية السنة النبوية وصحة أحاديثها مستنفدين كل طاقاتهم في ذلك ومركزين بشكل خاص على المرحلة الأولى مرحلة التدوين.\nومن المهم جدًا بناء القضية ومعالجتها بتقدير هذه الإشكالات، وبعد استيعاب كل الاعتراضات واستحضارها، لأن ذلك مما يكسب الدراسة القوة والمتانة، لكن بشرط أن لا يؤثر ذلك سلبا في مستوى البحث والتناول، إذ من شأن الانشغال بالردود أن يرجع بالبحث إلى الوراء، وربما أوقفه بالمرة بعد أن يكون قد قطع مراحل تقترب به من النهاية وتحقيق النتائج.\nوعلى هذا الأساس يمكن القول بأن حركة تدوين السنة النبوية سارت على وتيرة تميزت بالسرعة والتطور والمرونة والعبقرية، الأمر الذي جعلها تتفاعل مع الواقع بكامل الوعي واليقظة في الوقت الذي تتجه فيه إلى تحقيق ما تبقى من الأهداف، ومن ثم كان ذلك الثراء والتنوع الرائع في المصنفات على مختلف الأصعدة سواء منها المتعلق بالنقد أو الترتيب أو التبويب أو التراجم أو غير ذلك.\nوالله ولي التوفيق.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>مصادر ومراجع</span>\n...\nفهرس المراجع والمصادر:\n١ - الأصول، للسرخسي محمد بن أحمد بن سهل، تحقيق أبو الوفا الأفغاني، بيروت، دار المعرفة، ١٣٧٠هـ.\n٢ - أطراف الغرائب والأفراد للدارقطني، مخطوط، ابن طاهر المقدسي.\n٣ - أعلام الموقعين عن رب العالمين، القاهرة، شركة الطباعة الفنية ١٣٨٨؟/١٩٦٨م، ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر.\n٤ - الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط٢، ١٤٠٨؟/١٩٨٨م عتر، نور الدين.\n٥ - الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء، مالك والشافعي وأبي حنيفة، بيروت، دار الكتب العلمية ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله النمري القرطبي.\n٦ - تاريخ أبي زرعة، تحقيق شكر الله بن نعمة الله قوجاني، دمشق، مطبعة المفيد الجديدة، ١٤٠٠؟/١٩٨٠م أبو زرعة، عبد الرحمن بن عمرو.\n٧ - تاريخ التراث العربي، نقله إلى العربية فهمي أبو الفضل، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر ١٩٧١م سيزكين، فؤاد.\n٨ - تدريب الراوي في شرح تقريب النووي. تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف. بيروت دار إحياء السنة النبوية ط ٢: ١٣٩٩؟-١٩٧٩م السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر.\n٩ - تذكرة الحفاظ، مراجعة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، بيروت، دار الكتب العلمية ١٣٧٤هـ الذهبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان.","vol":"1","page":53},{"text":"١٠ - تطور دراسات السنة النبوية ونهضتها المعاصرة وآفاقها، بيروت دار إحياء العلوم، ط١، ١٤١٣؟/١٩٩٣م حمادة، فاروق.\n١١ - تقييد العلم، تحقيق يوسف العش، دار إحياء السنة النبوية، ط٢، ١٩٧٤م الخطيب البغدادي أبو بكر أحمد بن علي.\n١٢ - التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، ١٣٩٩؟/١٩٧٩م ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي.\n١٣ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، المغرب، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله النمري القرطبي.\n١٤ - تهذيب الأسماء واللغات، مصر، إدارة الطباعة المنيرية النووي، أبو زكريا محي الدين بن شرف.\n١٥ - تهذيب التهذيب، بيروت، دار الفكر، ط١، ١٤٠٤؟/١٩٨٤م، ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي.\n١٦ - الجامع الصحيح، النسخة المطبوعة مع فتح الباري، المطبعة السلفية البخاري، محمد بن إسماعيل.\n١٧ - جامع بيان العلم وفضله، لبنان، دار الفكر، ابن عبد البر، يوسف ابن عبد الله النمري القرطبي.\n١٨ - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، تحقيق محمود الطحان، الرياض مكتبة المعارف، ١٤٠٣؟/١٩٨٣م الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي.","vol":"1","page":54},{"text":"١٩ - الجرح والتعديل، بيروت، دار الكتب العلمية، ط١، ١٣٧١؟/١٩٥٢م ابن أبي حاتم، أبو محمد عبد الرحمن الرازي.\n٢٠ - الحديث والمحدثون أو عناية الأمة الإسلامية بالسنة النبوية، بيروت، دار الكتاب العربي، ١٤٠٤؟/١٩٨٤م محمد محمد أبو زهو.\n٢١ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، بيروت، دار الكتاب العربي، ط٤، ١٤٠٥؟/١٩٨٥م الأصفهاني، أبو نعيم.\n٢٢ - الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة، بيروت دار الكتب العلمية، ط ٢: ١٤٠٠؟/١٩٨٠م الكتاني، محمد بن جعفر.\n٢٣ - رسالة وصل البلاغات الأربع في الموطإ، تحقيق سيدي عبد الله بن الصديق، دون ناشر، ١٤٠٠؟/١٩٧٩م ابن الصلاح.\n٢٤ - السنن، مراجعة محمد محيي الدين عبد الحميد. دار إحياء السنة النبوية. ط دار الفكر أبو داود، سليمان بن الأشعت.\n٢٥ - سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرناؤوط، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط٣، ١٤٠٥؟/١٩٨٥م الذهبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان.\n٢٦ - شرح السيوطي على سنن النسائي، حلب، مكتب المطبوعات الإسلامية ط ٢: ١٤٠٦؟-١٩٨٦م السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر.\n٢٧ - شرح علل الترمذي، تحقيق صبحي السامرائي، بيروت، عالم الكتب، ط٢، ١٤٠٥؟/١٩٨٥م ابن رجب، عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي.","vol":"1","page":55},{"text":"٢٨ - الصحيح بترتيب ابن بلبان، بيروت، دار الكتب العلمية ابن حبان، محمد بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي.\n٢٩ - صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، الرياض، رئاسة إدارة البحوث العلمية، ١٤٠٠؟/١٩٨٠م مسلم بن الحجاج.\n٣٠ - طبقات الحنابلة، تحقيق محمد حامد الفقي، بيروت، دار المعرفة ابن أبي يعلى، أبو الحسين محمد.\n٣١ - الطبقات الكبرى، القسم المتمم لتابعي أهل المدينة ومن بعدهم، تحقيق زياد محمد منصور، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ط١، ١٤٠٣؟/١٩٨٣م ابن سعد.\n٣٢ - عبقرية الإمام مسلم في ترتيب أحاديث مسنده الصحيح: دراسة تحليلية، بيروت، دار ابن حزم، ط١، ١٤١٨؟/١٩٩٧م حمزة المليباري.\n٣٣ - العلل، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف. بيروت، دار الفكر، ١٤٠٠؟/١٩٨٠م الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة.\n٣٤ - الفقيه والمتفقه، بيروت، دار الكتب العلمية، دون تاريخ، الخطيب البغدادي أبو بكر أحمد بن علي.\n٣٥ - قواعد التحديث، بيروت، دار الكتب العلمية، ط١، ١٣٩٩؟/١٩٧٩م القاسمي، جمال الدين.\n٣٦ - قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر، ١٣٨١؟/١٩٦١م أبو طالب المكي، محمد بن علي بن عطية الحارثي.","vol":"1","page":56},{"text":"٣٧ - الكامل في ضعفاء الرجال، بعناية مختار غزاوي، بيروت، دار الفكر، ط٣، ١٤٠٩؟/١٩٨٨م ابن عدي، أحمد بن عبد الله الجرجاني.\n٣٨ - المسند، بيروت، دار الفكر، دون تاريخ ابن حنبل، أحمد.\n٣٩ - المصنف، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، بيروت، المكتب الإسلامي، ط١، ١٣٩٠؟/١٩٧١م عبد الرزاق بن همام الصنعاني.\n٤٠ - معالم السنن، مطبوع بهامش مختصر سنن أبي داود للمنذري، تحقيق: محمد حامد الفقي، القاهرة، مكتبة السنة المحمدية الخطابي، حمد بن محمد البستي أبو سليمان.\n٤١ - معرفة السنن والآثار، تحقيق أحمد صقر، مصر، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ١٣٨٩؟/١٩٦٩م البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين.\n٤٢ - المعرفة والتاريخ، تحقيق أكرم ضياء العمري، بغداد، مطبعة الإرشاد، ١٣٩٤؟/١٩٧٤م الفسوي، يعقوب بن سفيان.\n٤٣ - النكت على كتاب ابن الصلاح، تحقيق ربيع بن هادي عمير، المدينة المنورة، منشورات الجامعة الإسلامية، ط ١، ١٤٠٤؟/١٩٨٤م ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي.\n٤٤ - هدي الساري مقدمة فتح الباري، ط. السلفية ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي.","vol":"1","page":57}]}