{"ً":{"ٌ":11100,"ٍ":"تقريب التدمرية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/تقريب التدمرية - ابن عثيمين - ط دار ابن الجوزي","files":["55020.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تقريب التدمرية\nالمؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (ت ١٤٢١هـ)\nالناشر: دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودسة، الدمام\nالطبعة: الطبعة الأولى، ١٤١٩هـ\nعدد الصفحات: ١٣٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":57,"ٕ":1,"ٖ":1770153785,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"فصل: الكلام في التوحيد والصفات وفي الشرع والقدر","level":1,"page":11},{"title":"الأصل الأول: في الصفات","level":1,"page":13},{"title":"مدخل","level":2,"page":13},{"title":"فصل: في الزائغين عن سبيل الرسل وأتباعهم في أسماء الله وصفاته","level":2,"page":18},{"title":"القسم الاول: الممثلة","level":3,"page":18},{"title":"فصل: القسم الثاني: المعطلة: الطائفة الأولى: الأشاعرة","level":3,"page":21},{"title":"فصل: الطائفة الثانية: المعتزلة","level":3,"page":26},{"title":"فصل: الطائفة الثالثة: غلاة الجهمية، والقرامطة، والباطنية","level":3,"page":30},{"title":"فصل: الطائفة الرابعة: غلاة الغلاة من الفلاسفة، والجهمية، والقرامطة، والباطنية وغيرهم","level":3,"page":33},{"title":"فصل: المحاذير التي وقعت فيها هذه الطوائف","level":3,"page":36},{"title":"فصل: أصلان ومثلان فيما كان عليهما سلف الأمة وأئمتها","level":2,"page":38},{"title":"فصل: الأصل الول أن القول في بعض الصفات كالقول في بعض","level":3,"page":38},{"title":"الأصل الثاني: أن يقال لمن يقر بذات الله تعالى ويمثل في صفاته أو ينفيها: القول في الصفات كالقول في الذات","level":3,"page":41},{"title":"فصل: وأما المثلان","level":3,"page":44},{"title":"الخاتمة","level":2,"page":49},{"title":"القاعدة الأولى: في أن الله تعالى موصوف بالنفي والإثبات","level":3,"page":49},{"title":"فصل: القاعدة الثانية: في وجوب الإيمان بما أخبر الله به ورسوله سواء عرف معناه أم لم يعرف","level":3,"page":55},{"title":"فصل: القاعدة الثالثة: في إجراء النصوص على ظاهرها","level":3,"page":60},{"title":"القاعدة الرابعة: توهم بعض الناس في نصوص الصفات والمحاذير المترتبة على ذلك","level":3,"page":70},{"title":"القاعدة الخامسة: في علمنا بما أخبر الله تعالى به عن نفسه","level":3,"page":76},{"title":"القاعدة السادسة: في ضابط ما يجوز لله ويمتنع عنه نفيا وإثباتا","level":3,"page":93},{"title":"الأصل الثاني: في القدر والشرع","level":1,"page":103},{"title":"الإيمان بالقدر ومرتبته في الدين","level":2,"page":103},{"title":"فصل: في ضرورة الإيمان بالقدر والشرع","level":2,"page":112},{"title":"أقسام الناس في الإيمان القدر","level":2,"page":115},{"title":"فصل: الشرع","level":2,"page":117},{"title":"فصل: مبنى الإسلام على التوحيد","level":2,"page":121},{"title":"فصل: توحيد الألوهية","level":2,"page":124},{"title":"فصل: توحيد الأسماء والصفات","level":2,"page":130},{"title":"فصل: غلط عامة المتكلمين في مسمى التوحيد","level":2,"page":133},{"title":"فصل: في الفناء وأقسامه","level":2,"page":139},{"title":"فصل: ولا يتم الإسلام إلا بالبراءة مما سواه","level":2,"page":144},{"title":"فصل: المؤمن مأمور بفعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور","level":2,"page":147},{"title":"فصل: أقسام الناس مقام الشرع والقدر","level":2,"page":151},{"title":"فصل: في المفاضلة والمقارنة بين أرباب البدع","level":2,"page":154}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":37,"1,38":39,"1,39":40,"1,40":42,"1,41":43,"1,42":45,"1,43":46,"1,44":47,"1,45":48,"1,46":50,"1,47":51,"1,48":52,"1,49":53,"1,50":54,"1,51":56,"1,52":57,"1,53":58,"1,54":59,"1,55":60,"1,56":61,"1,57":62,"1,58":63,"1,59":64,"1,60":65,"1,61":66,"1,62":67,"1,63":68,"1,64":69,"1,65":71,"1,66":72,"1,67":73,"1,68":74,"1,69":75,"1,70":77,"1,71":78,"1,72":79,"1,73":80,"1,74":81,"1,75":82,"1,76":83,"1,77":84,"1,78":85,"1,79":86,"1,80":87,"1,81":88,"1,82":89,"1,83":90,"1,84":91,"1,85":92,"1,86":94,"1,87":95,"1,88":96,"1,89":97,"1,90":98,"1,91":99,"1,92":100,"1,93":101,"1,94":102,"1,95":103,"1,96":104,"1,97":105,"1,98":106,"1,99":107,"1,100":108,"1,101":109,"1,102":110,"1,103":111,"1,104":113,"1,105":114,"1,106":116,"1,107":118,"1,108":119,"1,109":120,"1,110":122,"1,111":123,"1,112":125,"1,113":126,"1,114":127,"1,115":128,"1,116":129,"1,117":131,"1,118":132,"1,119":134,"1,120":135,"1,121":136,"1,122":137,"1,123":138,"1,124":140,"1,125":141,"1,126":142,"1,127":143,"1,128":145,"1,129":146,"1,130":148,"1,131":149,"1,132":150,"1,133":152,"1,134":153,"1,135":154,"1,136":155,"1,137":156,"1,138":157},"ٜ":{"1":[5,138]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,28","1,29","1,30","1,31","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,36","1,37","1,37","1,38","1,39","1,39","1,40","1,41","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,103","1,104","1,105","1,105","1,106","1,106","1,107","1,108","1,109","1,109","1,110","1,111","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,116","1,117","1,118","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,127","1,128","1,129","1,129","1,130","1,131","1,132","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138"],"ٞ":{"1":[1],"11":[2],"13":[3,4],"18":[5,6],"21":[7],"26":[8],"30":[9],"33":[10],"36":[11],"38":[12,13],"41":[14],"44":[15],"49":[16,17],"55":[18],"60":[19],"70":[20],"76":[21],"93":[22],"103":[23,24],"112":[25],"115":[26],"117":[27],"121":[28],"124":[29],"130":[30],"133":[31],"139":[32],"144":[33],"147":[34],"151":[35],"154":[36]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nال<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وترك أمته على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه، وأئمته الهدى من بعدهم، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد:\nفإن رسول الله ﷺ بين للناس ما نزل إليهم من ربهم بيانًا كاملًا شاملًا في: دقيق أمورهم وجليلها، وظاهرها وخفيها، حتى علمهم ما يحتاجون إليه في مآكلهم، ومشاربهم، ومناكحهم، وملابسهم، ومساكنهم.\nفعلمهم آداب الأكل والشرب، والتخلي منهما، وآداب النكاح، واللباس ودخول المنزل والخروج منه.\nكما علمهم ما يحتاجون إليه في عبادة الله - ﷿ - كالطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج ... وغير ذلك.","vol":"1","page":5},{"text":"وما يحتاجون إليه في معاملة الخلق من بر الوالدين، وصلة الأرحام وحسن الصحبة والجوار ... وغير ذلك.\nوعلمهم كيف يتعاملون بينهم في البيع والشراء، والرهن والارتهان، والتأجير والاستئجار، والهبة والاتهاب ... وغير ذلك.\nحتى قال أبو ذر – ﵁-: \"لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا\".\nوفي صحيح مسلم عن سلمان ﵁ أنه قيل له: قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟ قال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول وذكر تمام الحديث.\nهذا فضلًا عن أسس هذه العبادات والأخلاق والمعاملات، وهي. ما يعتقده العباد في إلههم ومعبودهم؛ في ذاته، وأسمائه، وصفاته وأفعاله، وما ينشأ عن ذلك من أحكامه الكونية والشرعية المبنية على بالغ الحكمة وغاية الرحمة.\nفأخذ عنه ذلك الصحابة معينًا صافيًا نقيًا مبنيًا على التوحيد الكامل المتضمن لركنين أساسيين: نفي، وإثبات.\n- فأما الإثبات فهو: إثبات ما يجب لله تعالى من الربوبية، والألوهية والأسماء والصفات، والأفعال.\n- وأما النفي فهو: نفي مشاركة غير الله تعالى فيما يجب له.\nومضى عليه التابعون لهم بإحسان ممن أدركوا زمن الصحابة أو جاءوا بعدهم من أئمة الهدى المستحقين لرضا الله ﷿ حيث يقول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ","vol":"1","page":6},{"text":"بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿التوبة: ١٠٠] .\nثم خلف خلوف عموا عن الحق أو تعاموا عنه فضلوا وأضلوا قصورًا أو تقصيرًا، أو عدوانًا وظلمًا، فأحدثوا في دين الله تعالى ما ليس منه في العقيدة، والعبادة، والسلوك، وحرفوا من أجل ذلك نصوص الكتاب والسنة، أو كذبوها - إن أمكنهم ذلك -.\n- قال شيخ الإسلام ابن تيميه: \"واعلم أن عامة البدع المتعلقة بالعلوم والعبادات إنما وقع في الأمة في أواخر خلافة الخلفاء الراشدين كما أخبر به النبي ﷺ حيث قال: \" من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي\" ... \"\nإلى أن قال: \"فلما ذهبت دولة الخلفاء الراشدين، وصار ملكًا ظهر النقص في الأمراء؛ فلابد أن يظهر أيضًا في أهل العلم والدين:\nفحدث في آخر خلافة علي ﵁ بدعتا الخوارج والرافضة إذ هي متعلقة بالإمامة والخلافة وتوابع ذلك من الأعمال والأحكام الشرعية.\nوكان ملك معاوية ملكًا ورحمة، فلما ذهب وجاءت إمارة يزيد وجرت فيها فتنة قتل الحسين بالعراق، وفتنة أهل الحرة بالمدينة، وحصروا مكة لما قام عبد الله بن الزبير، ثم مات يزيد وتفرقت الأمة: ابن الزبير بالحجاز، وبنو الحكم بالشام، ووثب المختار بن أبي عبيد وغيره بالعراق وذلك في أواخر عصر الصحابة، وقد بقي فيهم مثل عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وغيرهم حدثت بدعة القدرية والمرجئة فردها بقايا الصحابة ... مع ماكانوا يردونه هم وغيرهم من بدعة","vol":"1","page":7},{"text":"الخوارج والروافض.\nوعامة ما كانت القدرية إذ ذاك يتكلمون فيه: أعمال العباد، كما يتكلم فيها المرجئة، فصار كلامهم في الطاعة والمعصية، والمؤمن والفاسق، ونحو ذلك من مسائل الأسماء والأحكام والوعد والوعيد.\nولم يتكلموا بعد في ربهم، ولا في صفاته إلا في أواخر عصر صغار التابعين، من حين أواخر الدولة الأموية حين شرع القرن الثالث - تابعو التابعين - ينقرض أكثرهم؛ فإن الاعتبار بالقرون الثلاثة بجمهور أهل القرن - وهم وسطه -.\nوجمهور الصحابة انقرضوا بانقراض خلافة الخلفاء الأربعة، حتى إنه لم يكن بقي من أهل بدر إلا نفر قليل.\nوجمهور التابعين بإحسان انقرضوا في أواخر عصر أصاغر الصحابة في إمارة ابن الزبير وعبد الملك.\nوجمهور تابعي التابعين في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية.\nوصار في ولاة الأمور كثير من الأعاجم، وخرج كثير من الأمور عن ولاية العرب، وعربت بعض الكتب العجمية من كتب الفرس، والهند، والروم، وظهر ما قاله النبي ﷺ: \"ثم يفشوا الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد، ويحلف ولا يستحلف\".\nحدث ثلاثة أشياء: الرأي، والكلام، والتصوف، وحدث التجهم - وهو نفي الصفات - وبإزائه التمثيل\".\nإلى أن قال: فإن معرفة أصول الأشياء ومبادئها ومعرفة الدين وأصله، وأصل ما تولد فيه\" من أعظم العلوم نفعًا، إذ المرء ما لم يحط علمًا بحقائق","vol":"1","page":8},{"text":"الأشياء التي يحتاج إليها يبقى في قلبه حسكة\" أهـ.١.\n- وقال ابن القيم – رحمه الله تعالى -: \"بدعة القدر أدركت آخر عصر الصحابة، فأنكرها من كان منهم حيًا كعبد الله بن عمر وابن عباس وأمثالهما – ﵃ – ثم حدثت بدعة الإرجاء بعد انقراض عصر الصحابة، فتكلم فيها كبار التابعين الذين أدركوها، ثم حدثت بدعة التجهم بعد انقراض عصر التابعين واستفحل أمرها واستطار شرها في زمن الأئمة كالإمام أحمد وذويه، ثم حدثت بعد ذلك بدعة الحلول وظهر أمرها في زمن الحسين الحلاج، وكلما أظهر الشيطان بدعة من هذه البدع وغيرها أقام الله لها من حزبه وجنده من يردها، ويحذر المسلمين منها نصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله ولأهل الإسلام\"أهـ٢.\n- وقال ابن حجر – ﵀ – في شرح البخاري: \"فمما حدث: تدوين الحديث، ثم تفسير القرآن، ثم تدوين المسائل الفقهية المولدة من الرأي المحض، ثم تدوين ما يتعلق بأعمال القلوب.\nفأما الأول؛ فأنكره عمر وأبو موسى وطائفة، ورخص فيه الأكثرون.\nوأما الثاني؛ فأنكره جماعة من التابعين كالشعبي.\nوأما الثالث؛ فأنكره الإمام أحمد وطائفة يسيرة، وكذا اشتد إنكار أحمد للذي بعده.\nومما حدث أيضًا تدوين القول في أصول الديانات فتصدى لها المثبتة والنفاة، فبالغ الأول حتى شبه، وبالغ الثاني حتى عطل، واشتد إنكار السلف لذلك كأبي حنيفة، وأبي يوسف، والشافعي. وكلامهم في ذم أهل الكلام\n_________\n١ مجموع الفتاوى ١٠/٣٥٤-٣٦٨.\n٢ انظر تهذيب سنن أبي داود ٧/٦١.","vol":"1","page":9},{"text":"مشهور. وسببه أنهم تكلموا فيما سكت عنه النبي ﷺ وأصحابه.\nوثبت عن مالك أنه لم يكن في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر شيء من الأهواء يعني بدع الخوارج، والروافض، والقدرية.\nوقد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أمة التابعين وأتباعهم.\nولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلًا يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ولو مستكرهًا.\nثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي تربوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما أصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف، واجتنب ما أحدث الخلف، وإن لم يكن له منه بد فليكتف منه بقدر الحاجة، ويجعل الأول المقصود بالأصالة\".أ. هـ١.\n* ولما كان من حكمة الله البالغة أن يجعل للحق معارضين يتبين بمعارضتهم صواب الحق وظهوره على الباطل، فإن خالص الذهب لا يظهر إلا بعرضه على النار، قبض الله جل وعلا بقدرته التامة ولطفه الواسع وقهره الغالب من يدحض حجج هؤلاء المعارضين ويبين زيف شبههم وأنها كما قيل:\nحجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقا وكل كاسر مكسور\nوقال الإمام أحمد ﵀ في خطبة كتاب \"الرد على الجهمية\": \"الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون\n_________\n١ راجع فتح الباري ١٣/٢٥٣.","vol":"1","page":10},{"text":"من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس! وما أقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب، مجمعون على مخالفة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون الجهال بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين\" أهـ١.\n* وكان من جملة من قيضهم الله تعالى لنصرة دينه والذب عنه باللسان والبنان والسنان شيخ الإسلام: أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيميه المولود في حران يوم الاثنين العاشر من شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، المتوفى محبوسًا ظلمًا في قلعة دمشق ليلة الاثنين الموافق العشرين من شهر ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وصلي عليه في الجامع الأموي بعد صلاة الظهر ولم يتم دفنه – لكثرة الزحام – إلا قبل العصر بيسير، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجمعنا به مع من أنعم الله عليهم في جنات النعيم.\n* ولقد كان له ﵀ مصنفات كثيرة في مجادلة أهل البدع ومجالدة أفكارهم ما بين مطولة ومتوسطة وقليلة، وحصل بذلك نفع كبير.\nأشار ابن القيم ﵀ إلى شيء منها في النونية حيث قال:\nوإذا أردت ترى مصارع من خلا ... من أمة التعطيل والكفران\n_________\n١ انظر اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٧ لابن القيم.","vol":"1","page":11},{"text":"إلى أن قال:\nفاقرأ تصانيف الإمام حقيقة ... شيخ الوجود العالم الرباني\nأعني أبا العباس أحمد ذلك الـ ... بحر المحيط بسائر الخلجان\nواقرأ كتاب العقل والنقل الذي ... ما في الوجود له نظير ثان\nوكذاك منهاج له في رده ... قول الروافض شيعة الشيطان\nثم ذكر عدة من كتبه ورسائله وقال:\nهي في الورى مبثوثة معلومة ... تبتاع بالغالي من الأثمان\nإلى أن قال:\nوله المقامات الشهيرة في الورى ... قد قامها لله غير جبان\nنصر الإله ودينه وكتابه ... ورسوله بالسيف والبرهان\nأبدى فضائحهم وبين جهلهم ... وأرى تناقضهم بكل زمان\nإلى أن قال:\nومن العجائب أن بسلاحهم ... أرداهم تحت الحضيض الداني\nكانت نواصينا بأيديهم فما ... يلقوننا إلا بحبل أمان\nفغدت نواصيهم بأيدينا فما ... يلقوننا إلا بحبل أمان\nوغدت ملوكهم مماليكًا لأنـ ... صار الرسول بمنة الرحمن١\n* وكان من جملة رسائل الشيخ ﵀ رسالة: \"تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع\" المعروفة باسم: \"التدمرية\".\n_________\n١ راجع القصيدة النونية ص ٥٣٣ – ٥٣٩ – شرح الهراس.","vol":"1","page":12},{"text":"الظاهر أن هذه الرسالة ضمن أجوبة أجاب بها الشيخ أهل تدمر١.\nوكانت هذه الرسالة من أحسن وأجمع ما كتبه في موضوعها على اختصارها.\nومن أجل ذلك فإني أستعين الله ﷿ في: لم شعثها وجمع شملها وتقريب معانيها لقارئها مع زيادة ما تدعو الحاجة إليه، وحذف ما يمكن الاستغناء عنه على وجه لا يخل بالمقصود٢، وسميته: \"تقريب التدمرية\".\nوأسأل الله تعالى أن يجعل عملي خالصًا لوجهه موافقًا لمرضاته نافعًا لعباده إنه جواد كريم.\nبيان سبب تأليف هذه الرسالة التدمرية\nبين المؤلف سبب تأليف هذه الرسالة بقوله: \"أما بعد: فقد سألني من تعينت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجالس من الكلام في التوحيد والصفات، وفي الشرع والقدر\".\nثم علل وجوب إجابتهم بأمرين:\nأحدهما: مسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الأصلين؛ لأنه لابد أن يخطر على القلب في هذين الأصلين ما يحتاج معه إلى بيان الهدى من الضلال\n_________\n١ مدينة قديمة بوسط سورية، راجع الموسوعة العربية الميسرة ص٥٠٠.\n٢ ومما حذفت القاعدة السابعة لأنها غير موجودة في بعض النسخ، ويغني عنها ما سبقها من القواعد.","vol":"1","page":13},{"text":"والحق من الباطل.\nالثاني: كثرة اضطراب أقوال الناس فيهما، والخوض فيهما بالحق تارة وبالباطل تارات؛ فيلتبس الحق بالباطل على كثير من الناس، ومن ثم احتيج إلى البيان.","vol":"1","page":14},{"text":"تقريب التدمرية\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>فصل: الكلام في التوحيد والصفات وفي الشرع والقدر</span>\n* الكلام في التوحيد والصفات من باب الخبر: الدائر بين النفي والإثبات من قبل المتكلم، المقابل بالتصديق أو التكذيب من قبل المخاطب؛ لأنه خبر عما يجب لله تعالى من التوحيد وكمال الصفات، وعما يستحيل عليه من الشرك والنقص ومماثلة المخلوقات.\nمثال ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ ففي قوله: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: إثبات التوحيد، وفي قوله ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُْ﴾: إثبات كمال الصفات، وفي قوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾: نفي النقائص عن الله المتضمن لإثبات الكمالات.\n* وأما الكلام في الشرع والقدر فهو من باب الطلب: الدائر بين الأمر والنهي من قبل المتكلم، المقابل بالطاعة أو المعصية من قبل المخاطب؛ لأن المطلوب إما محبوب لله ورسوله فيكون مأمورًا به، وإما مكروه لله ورسوله فيكون منهيًا عنه.\nمثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦؛","vol":"1","page":15},{"text":"ففي قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾: الأمر بعبادة الله، وفي قوله: ﴿وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾: النهي عن الإشراك به.\nوالفرق بين الخبر والطلب في حقيقتيهما وحكمهما معلوم.\nفالواجب على العباد إزاء خبر الله ورسوله: التصديق والإيمان به على ما أراد الله ورسوله تصديقًا لا تكذيب معه؛ وإيمانًا لا كفر معه، ويقينًا لا شك معه؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٣٦] .\n* والواجب على العباد إزاء الطلب: امتثاله على الوجه الذي أراد الله ورسوله من غير غلو ولا تقصير، فيقومون بالمأمور ويجتنبون المحظور لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ، وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ، إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ، وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٠ – ٢٣] .\nوإذا تبين ذلك؛ فها هنا أصلان:","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الأصل الأول: في الصفات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>مدخل</span>\n...\nالأصل الأول في الصفات\n* الأصل في الصفات وهو: أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسوله إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل كما جمع الله تعالى بينهما في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .\nفقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾: نفي متضمن لكمال صفاته مبطل لمنهج أهل التمثيل.\nوقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: إثبات لأسمائه وصفاته وإبطال لمنهج أهل التحريف والتعطيل.\nفنثبت ما أثبته الله لنفسه وننفي ما نفى الله عن نفسه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.\nوهذا هو المنهج السليم الواجب المبني على العلم والحكمة والسداد في القول والاعتقاد.\nوله دليلان: أثري ونظري، وإن شئت فقل: سمعي وعقلي.\n- أما الأثري السمعي فمنه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠] . وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]،","vol":"1","page":17},{"text":"وقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤] . ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء:٣٦] .\n- وأما النظري العقلي فلأن القول في أسماء الله وصفاته من باب الخبر المحض الذي لا يمكن للعقل إدراك تفاصيله، فوجب الوقوف فيه على ما جاء به السمع.\nفصل\nوالجمع بين النفي والإثبات في باب الصفات هو حقيقة التوحيد فيه؛ وذلك لأن التوحيد مصدر \"وحد/ يوحد\" ولا يمكن صدق حقيقته إلا بنفي وإثبات، لأن الاقتصار على النفي المحض تعطيل محض. والاقتصار على الإثبات المحض لا يمنع المشاركة.\nمثال ذلك: لو قلت: ما زيد بشجاع؛ فقد نفيت عنه صفة الشجاعة وعطلته منها. ولو قلت: زيد شجاع. فقد أثبت له صفة الشجاعة، لكن ذلك لا يمنع أن يكون غيره شجاعًا أيضًا. ولو قلت: لا شجاع إلا زيد. فقد أثبت له صفة الشجاعة، ونفيت أن يشاركه غيره فيها، فكنت موحدًا له في صفة الشجاعة.\nإذن؛ لا يمكن توحيد أحد بشيء إلا بالجمع بين النفي والإثبات.\n* واعلم أن الصفات الثبوتية التي وصف الله بها نفسه كلها صفات كمال، والغالب فيها التفصيل، لأنه كلما كثر الإخبار عنها وتنوعت دلالتها","vol":"1","page":18},{"text":"ظهر من كمال الموصوف بها ما لم يكن معلومًا من قبل؛ ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر من الصفات المنفية التي نفاها الله عن نفسه.\n* وأما الصفات المنفية التي نفاها الله عن نفسه فكلها صفات نقص ولا تليق به كالعجز، والتعب، والظلم، ومماثلة المخلوقين، والغالب فيها الإجمال؛ لأن ذلك أبلغ في تعظيم الموصوف وأكمل في التنزيه. فإن تفصيلها لغير سبب يقتضيه فيه سخرية وتنقص للموصوف.\nألا ترى أنك لو مدحت ملكًا فقلت له: أنت كريم، شجاع محنك، قوي الحكم، قاهر لأعدائك ... إلى غير ذلك من صفات المدح، لكان هذا من أعظم الثناء عليه، وكان فيه من زيادة مدحه وإظهار محاسنه ما يجعله محبوبًا محترمًا؛ لأنك فصلت في الإثبات.\nولو قلت: أنت ملك لا يساميك أحد ملوك الدنيا في عصرك؛ لكان ذلك مدحًا بالغًا؛ لأنك أجملت في النفي.\nولو قلت: أنت ملك غير بخيل، ولا جبان، ولا فقير، ولا يقال، ولا كناس ولا بيطار، ولا حجام ... وما أشبه ذلك من التفصيل في نفي العيوب التي لا تليق به؛ لعد ذلك استهزاء به وتنقصًا لحقه.\n* وقد يأتي الإجمال في أسماء الله تعالى وصفاته الثبوتية كقوله تعالى في الأسماء: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [لأعراف: ١٨٠] وقوله في الصفات ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]؛ أي: الوصف الأعلى.\n* وقد يأتي التفصيل في الصفات المنفية لأسباب منها:\n١- نفي ما ادعاه في حقه الكاذبون المفترون كقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ","vol":"1","page":19},{"text":"مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] .\n٢- دفع توهم نقص في كماله كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [قّ:٣٨] .\nالأمثلة على التفصيل في الإثبات كثيرة جدًا:\nقوله تعالى في سورة الحشر: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة ...﴾ إلى آخر السورة، [الحشر: ٢٢ – ٢٤] فقد تضمنت هذه الآيات أكثر من خمسة عشر اسمًا، وكل اسم منها قد تضمن صفة أو صفتين أو أكثر.\n- وكقوله تعالى في سورة الحج: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ ... إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٥٩ – ٦٥] فهذه سبع آيات متوالية، ختمت كل آية منها باسمين من أسماء الله – ﷿ – وكل اسم منها متضمن لصفة أو صفتين أو أكثر.\n* وأما أمثلة الإجمال في النفي فمنها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] . وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] . وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] .\nفصل\nواعلم أن الاشتراك في الأسماء والصفات لا يستلزم تماثل المسميات والموصوفات، كما دل على ذلك السمع، والعقل، والحس.\n* أما السمع: فقد قال الله عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] . وقال عن الإنسان: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ","vol":"1","page":20},{"text":"نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢] . ونفي أن يكون السميع كالسميع والبصير كالبصير فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .\nوأثبت لنفسه علمًا وللإنسان علمًا، فقال عن نفسه: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنّ﴾ [البقرة: ٢٣٥] وقال عن الإنسان: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ﴾ [الممتحنة: ١٠] . وليس علم الإنسان كعلم الله تعالى، فقد قال الله عن علمه: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأنعام: ٨٠] . وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران:٥] . وقال عن علم الإنسان: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] .\n* وأما العقل: فمن المعلوم بالعقل أن المعاني والأوصاف تتقيد وتتميز بحسب ما تضاف إليه، فكما أن الأشياء مختلفة في ذواتها فإنها كذلك مختلفة في صفاتها وفي المعاني المضافة إليها، فإن صفة كل موصوف تناسبه لا يفهم منها ما يقصر عن موصوفها أو يتجاوزه.\nولهذا نصف الإنسان باللين، والحديد المنصهر باللين، ونعلم أن اللين متفاوت المعنى بحسب ما أضيف إليه.\n* وأما الحس: فإننا نشاهد للفيل جسمًا وقدمًا وقوة، وللبعوضة جسمًا وقدمًا وقوة، ونعلم الفرق بين جسميهما، وقدميهما، وقوتيهما.\nفإذا علم أن الاشتراك في الاسم والصفة في المخلوقات لا يستلزم التماثل في الحقيقة مع كون كل منها مخلوقًا ممكنًا، فانتفاء التلازم في ذلك بين الخالق والمخلوق أولى وأجلى، بل التماثل في ذلك بين الخالق والمخلوق ممتنع غاية الامتناع.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>فصل: في الزائغين عن سبيل الرسل وأتباعهم في أسماء الله وصفاته</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>القسم الاول: الممثلة</span>\n...\nفصل: في الزائغين عن سبيل الرسل وأتباعهم في أسماء الله وصفاته\nالزائغون عن سبيل الرسل وأتباعهم في أسماء الله وصفاته قسمان: ممثلة، ومعطلة، وكل منهم غلا في جانب، وقصر في جانب. فالممثلة غلوا في جانب الإثبات، وقصروا في جانب النفي. والمعطلة غلوا في جانب النفي. وقصروا في جانب الإثبات، فخرج كل منهم عن الاعتدال في الجانبين.\nفالقسم الأول: الممثلة:\n* وطريقتهم: أنهم اثبتوا لله الصفات على وجه يماثل صفات المخلوقين، فقالوا: لله وجه، ويدان، وعينان، كوجوهنا، وأيدينا، وأعيننا ... ونحو ذلك.\n* وشبهتهم في ذلك: أن الله تعالى خاطبنا في القرآن بما نفهم ونعقل قالوا: ونحن لا نفهم ولا نعقل إلا ما كان مشاهدًا، فإذا خاطبنا عن الغائب بشيء وجب حمله على المعلوم في الشاهد.\n* ومذهبهم باطل مردود بالسمع، والعقل، والحس:\n- أما السمع: فقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وقال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] . ففي الآية الأولى نفى أن يكون له مماثل مع إثبات السمع والبصر له. وفي الثانية نهى أن تضرب له الأمثال، فجمع في هاتين الآيتين بين النفي والنهي.\n- وأما العقل: فدلالته على بطلان التمثيل من وجوه:\nالأول: التباين بين الخالق والمخلوق في الذات والوجود، وهذا يستلزم التباين في الصفات، لأن صفة كل موصوف تليق به، فالمعاني والأوصاف تتقيد","vol":"1","page":22},{"text":"وتتميز بحسب ما تضاف إليه.\nالثاني: أن القول بالمماثلة بين الخالق والمخلوق يستلزم نقص الخالق سبحانه؛ لأن تمثيل الكامل بالناقص يجعله ناقصًا.\nالثالث: أن القول بمماثلة الخالق للمخلوق يقتضي بطلان العبودية الحق؛ لأنه لا يخضع عاقل لأحد وبذل له على وجه التعظيم المطلق إلا أن يكون أعلى منه.\n- وأما الحس: فإننا نشاهد في المخلوقات ما تشترك أسماؤه وصفاته في اللفظ وتتباين في الحقيقة، فللفيل جسم وقوة، وللبعوضة جسم وقوة، والتباين بين جسميهما وقوتيهما معلوم، فإذا جاز هذا التباين بين المخلوقات كان جوازه بين الخالق والمخلوق من باب أولى، بل التباين بين الخالق والمخلوق واجب، والتماثل ممتنع غاية الامتناع.\n- وأما قولهم: \"إن الله تعالى خاطبنا بما نعقل ونفهم\" فصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] . وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [صّ:٢٩] . وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُم﴾ [إبراهيم: ٤] . ولوا أن الله أراد من عباده عقل وفهم ما جاءت به الرسل لكان لسان قومه ولسان غيرهم سواء، ولما حصل البيان الذي تقوم به الحجة على الخلق.\n- وأما قولهم: \"إذا خاطبنا عن الغائب بشيء وجب حمله على المعلوم في الشاهد\" فجوابه من وجهين:\nأحدهما: أن ما أخبر الله به عن نفسه إنما أخبر به مضافًا إلى نفسه المقدسة، فيكون لائقًا به لا مماثلًا لمخلوقاته، ولا يمكن لأحد أن يفهم منه","vol":"1","page":23},{"text":"المماثلة إلا من لم يعرف الله تعالى، ولم يقدره حق قدره، ولم يعرف مدلول الخطاب الذي يقتضيه السياق.\nالثاني: أنه قد علم بضرورة العقل والشرع ما بين الخالق والمخلوق من التباين العظيم في الذات والوجود فكيف يتصور مؤمن أو عاقل أن يكون بينهما تماثل في الصفات فضلا عن أن يعتقد ذلك في الله ﷿ وعلا.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>فصل: القسم الثاني: المعطلة: الطائفة الأولى: الأشاعرة</span>\n...\nفصل: القسم الثاني١: المعطلة\nوهم الذين أنكروا ما سمى الله تعالى ووصف به نفسه إنكارًا كليًا أو جزئيًا، وحرفوا من أجل ذلك نصوص الكتاب والسنة، فهم محرفون للنصوص، معطلون للصفات.\nوقد انقسم هؤلاء إلى أربع طوائف:\nالطائفة الأولى: الأشاعرة ومن ضاهاهم من الماتريدية وغيرهم:\n* وطريقتهم: أنهم أثبتوا لله الأسماء، وبعض الصفات، ونفوا حقائق أكثرها، وردوا ما يمكنهم رده من النصوص، وحرفوا ما لا يمكنهم رده، وسموا ذلك التحريف تأويلًا؛ فأثبتوا لله من الصفات سبع صفات: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، على خلاف بينهم وبين السلف في كيفية إثبات بعض هذه الصفات.\n* وشبهتهم فيما ذهبوا إليه: أنهم اعتقدوا فيما نفوه أن إثباته يستلزم التشبيه أي التمثيل. وقالوا فيما أثبتوه: إن العقل قد دل عليه؛ فإن إيجاد\n_________\n١ أي من الزائغين عن سبيل الرسل وأتباعهم.","vol":"1","page":24},{"text":"المخلوقات يدل على القدرة، وتخصيص بعضها بما يختص به يدل على الإرادة، وإحكامها يدل على العلم، وهذه الصفات \"القدرة، والإرادة، والعلم\" تدل على الحياة لأنها لا تقوم إلا بحي، والحي إما أن يتصف بالكلام والسمع والبصر - وهذه صفات كمال - أو بضدها - وهو الخرس والصمم والعمى - وهذه صفات ممتنعة على الله تعالى، فوجب ثبوت الكلام، والسمع، والبصر.\n* والرد عليهم من وجوه:\nالأول: أن الرجوع إلى العقل في هذا الباب مخالف لما كان عليه سلف الأمة من الصحابة، والتابعين، وأئمة الأمة من بعدهم، فما منهم أحد رجع إلى العقل في ذلك وإنما يرجعون إلى الكتاب والسنة، فيثبتون لله تعالى من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسله إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل.\nقال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل: \"نصف الله بما وصف به نفسه، ولا نتعدى القرآن والحديث\".\nالثاني: أن الرجوع إلى العقل في هذا الباب مخالف للعقل؛ لأن هذا الباب من الأمور الغيبية التي ليس للعقل فيها مجال، وإنما تتلقى من السمع، فإن العقل لا يمكنه أن يدرك بالتفصيل ما يجب ويجوز ويمتنع في حق الله تعالى؛ فيكون تحكيم العقل في ذلك مخالفًا للعقل.\nالثالث: أن الرجوع في ذلك إلى العقل مستلزم للاختلاف والتناقض، فإن لكل واحد منهم عقلًا يرى وجوب الرجوع إليه كما هو الواقع في هؤلاء، فتجد أحدهم يثبت ما ينفيه الآخر، وربما يتناقض الواحد منهم فيثبت في مكان","vol":"1","page":25},{"text":"ما ينفيه - أو ينفي نظيره - في مكان آخر، فليس لهم قانون مستقيم يرجعون إليه.\nقال المؤلف ﵀ في الفتوى الحموية: \"فيا ليت شعري! بأي عقل يوزن الكتاب والسنة؟! فرضي الله عنه الإمام مالك بن أنس حيث قال: أوكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد ﷺ لجدل هؤلاء\"١.\nومن المعلوم أن تناقض الأقوال دليل على فسادها.\nالرابع: أنهم إذا صرفوا النصوص عن ظاهرها إلى معنى زعموا أن العقل يوجبه، فإنه يلزمهم في هذا المعنى نظير ما يلزمهم في المعنى الذي نفوه مع ارتكابهم تحريف الكتاب والسنة.\n- مثال ذلك: إذا قالوا المراد بيد الله ﷿: القوة دون حقيقة اليد؛ لأن إثبات حقيقة اليد يستلزم التشبيه بالمخلوق الذي له يد.\nفنقول لهم: يلزمكم في إثبات القوة نظير ما يلزمكم في إثبات اليد الحقيقية؛ لأن للمخلوقات قوة، فإثبات القوة لله تعالى يستلزم التشبيه على قاعدتكم.\n- ومثال آخر: إذا قالوا المراد بمحبة الله تعالى إرادة ثواب المحبوب أو الثواب نفسه دون حقيقة المحبة؛ لأن إثبات حقيقة المحبة يستلزم التشبيه.\nفنقول لهم: إذا فسرتم المحبة بالإرادة لزمكم في إثبات الإرادة نظير ما يلزمكم في إثبات المحبة، لأن للمخلوق إرادة، فإثبات الإرادة لله تعالى يستلزم التشبيه على قاعدتكم، وإذا فسرتموها بالثواب، فالثواب مخلوق مفعول لا يقوم إلا بخالق فاعل، والفاعل لابد له من إرادة الفعل، وإثبات الإرادة مستلزم\n_________\n١ راجع مجموع الفتاوى ٥/٢٩.","vol":"1","page":26},{"text":"للتشبيه على قاعدتكم.\nثم نقول: إثباتكم إرادة الثواب أو الثواب نفسه مستلزم لمحبة العمل المثاب عليه، ولولا محبة العمل ما أثيب فاعله، فصار تأويلكم مستلزمًا لما نفيتم؛ فإن أثبتموه على الوجه المماثل للمخلوق ففي التمثيل وقعتم، وإن أثبتموه على الوجه المختص بالله واللائق به أصبتم ولزمكم إثبات جميع الصفات على هذا الوجه.\nالخامس: أن قولهم فيما نفوه: \"إن إثباته يستلزم التشبيه\" ممنوع لأن الاشتراك في الأسماء والصفات لا يستلزم تماثل المسميات والموصوفات كما تقرر سابقًا، ثم إنه منقوض بما أثبتوه من صفات الله، فإنهم يثبتون لله تعالى الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، مع أن المخلوق متصف بذلك، فإثباتهم هذه الصفات لله تعالى مع اتصاف المخلوق بها مستلزم للتشبيه على قاعدتهم.\nفإن قالوا: إننا نثبت هذه الصفات لله تعالى على وجه يختص به ولا يشبه ما ثبت للمخلوق منها.\nقلنا: هذا جواب حسن سديد، فلماذا لا تقولون به فيما نفيتموه فتثبتوه لله على وجه يختص به، ولا يشبه ما ثبت للمخلوق منه؟!\nفإن قالوا: ما أثبتناه فقد دل العقل على ثبوته فلزم إثباته.\nقلنا: عن هذا ثلاثة أجوبة:\nأحدها: أنه لا يصح الاعتماد على العقل في هذا الباب كما سبق.\nالثاني: أنه يمكن إثبات ما نفيتموه بدليل عقلي يكون في بعض المواضع أوضح من أدلتكم فيما أثبتموه.","vol":"1","page":27},{"text":"مثال ذلك: الرحمة التي أثبتها الله تعالى لنفسه في قوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨] . وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] .فإنه يمكن إثباتها بالعقل كما دل عليها السمع فيقال: الإحسان إلى الخلق بما ينفعهم ويدفع عنهم الضرر يدل على الرحمة، كدلالة التخصيص على الإرادة، بل هو أبين وأوضح لظهوره لكل أحد.\nالثالث: أن نقول: على فرض أن العقل لا يدل على ما نفيتموه فإن عدم دلالته عليه لا يستلزم انتفاء في نفس الأمر، لأن انتفاء الدليل المعين لا يستلزم انتفاء المدلول، إذ قد يثبت بدليل آخر، فإذا قدرنا أن الدليل العقلي لا يثبته فإن الدليل السمعي قد أثبته، وحينئذ يجب إثباته بالدليل القائم السالم عن المعارض المقاوم.\nفإن قالوا: بل العقل يدل على انتفاء ذلك لأن إثباته يستلزم التشبيه، والعقل يدل على انتفاء التشبيه.\nقلنا: إن كان إثباته يستلزم التشبيه فإن إثبات ما أثبتموه يستلزم التشبيه أيضًا، فإن منعتم ذلك لزمكم منعه فيما نفيتموه إذ لا فرق.\nوحينئذ إما أن تقولوا بالإثبات في الجميع فتوافقوا السلف، وإما أن تقولوا بالنفي في الجميع فتوافقوا المعتزلة ومن ضاهاهم، وأما التفريق فتناقض ظاهر.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>فصل: الطائفة الثانية: المعتزلة </span>ومن تبعهم من أهل الكلام وغيرهم:\n* وطريقتهم: أنهم يثبتون لله تعالى الأسماء دون الصفات، ويجعلون الأسماء أعلامًا محضة، ثم منهم من يقول إنها مترادفة فالعليم، والقدير","vol":"1","page":28},{"text":"والسميع، والبصير شيء واحد، ومنهم من يقول إنها متباينة ولكنه عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر ... ونحو ذلك.\n*وشبهتهم: أنهم اعتقدوا أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه؛ لأنه لا يوجد شيء متصف بالصفات إلا جسم، والأجسام متماثلة، فإثبات الصفات يستلزم التشبيه.\n* والرد عليهم من وجوه:\nالأول: أن الله تعالى سمى نفسه بأسماء، ووصف نفسه بصفات، فإن كان إثبات الصفات يستلزم التشبيه فإثبات الأسماء كذلك، وإن كان إثبات الأسماء لا يستلزم التشبيه فإثبات الصفات كذلك، والتفريق بين هذا وهذا تناقض، فإما أن يثبتوا الجميع فيوافقوا السلف، وإما أن ينفوا الجميع فيوافقوا غلاة الجهمية والباطنية، وإما أن يفرقوا فيقعوا في التناقض.\nالثاني: أن الله تعالى وصف أسماءه بأنها حسنى، وأمرنا بدعائه بها فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [لأعراف: ١٨٠] . وهذا يقتضي أن تكون دالة على معاني عظيمة تكون وسيلة لنا في دعائنا، ولا يصح خلوها عنها ولو كانت أعلامًا محضة لكانت غير دالة على معنى سوى تعيين المسمى، فضلًا عن أن تكون حسن ووسيلة في الدعاء.\nالثالث: أن الله تعالى أثبت لنفسه الصفات إجمالًا وتفصيلًا مع نفي المماثلة فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] . وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] . وهذا يدل على أن إثبات الصفات لا يستلزم التمثيل، ولو كان يستلزم التمثيل لكان كلام الله متناقضًا.\nالرابع: أن من لا يتصف بصفات الكمال لا يصلح أن يكون ربًا ولا","vol":"1","page":29},{"text":"إلهًا، ولهذا عاب إبراهيم ﵊ أباه باتخاذه ما لا يسمع ولا يبصر إلهًا فقال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] .\nالخامس: أن كل موجود لابد له من صفة، ولا يمكن وجود ذات مجردة عن الصفات، وحينئذٍ لابد أن يكون الخالق الواجب الوجود متصفًا بالصفات اللائقة به.\nالسادس: أن القول بأن أسماء الله أعلام محضة مترادفة لا تدل إلا على ذات الله فقط\" قول باطل؛ لأن دلالات الكتاب والسنة متضافرة على أن كل اسم منها دال على معناه المختص به مع اتفاقها على مسمى واحد وموصوف واحد. فالله تعالى هو الحي القيوم، السميع البصير، العليم القدير، فالمسمى والموصوف واحد، والأسماء والصفات متعددة. ألا ترى أن الله تعالى يسمي نفسه باسمين أو أكثر في موضع واحد كقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣]؟ فلو كانت الأسماء مترادفة ترادفًا محضًا لكان ذكرها مجتمعة لغوًا من القول لعدم الفائدة.\nالسابع: أن القول بأن الله تعالى عليم بلا علم، وقدير بلا قدرة وسميع بلا سمع ... ونحو ذلك؛ قول باطل مخالف لمقتضى اللسان العربي وغير العربي، فإن من المعلوم في لغات جميع العالم أن المشتق دال على المعنى المشتق منه، وأنه لا يمكن أن يقال عليم لمن لا علم له، ولا قدير لمن لا قدرة له، ولا سميع لمن لا سمع له ... ونحو ذلك.\nوإذا كان كذلك تعين أن تكون أسماء الله تعالى دالة على ما تقتضيه من الصفات اللائقة به؛ فيتعين إثبات الأسماء والصفات لخالق الأرض","vol":"1","page":30},{"text":"والسماوات.\nالثامن: أن قولهم: \"لا يوجد شيء متصف بالصفات إلا جسم\": ممنوع؛ فإننا نجد من الأشياء ما يصح أن يوصف وليس بجسم، فإنه يقال: ليل طويل، ونهار قصير، وبرد شديد، وحر خفيف ... ونحو ذلك، وليست هذه أجسامًا.\nعلى أن إضافة لفظ الجسم إلى الله تعالى إثباتًا أو نفيًا من الطرق البدعية التي يتوصل بها أهل التعطيل إلى نفي الصفات التي أثبتها الله لنفسه.\nالتاسع: أن قولهم: \"الأجسام متماثلة\": باطل ظاهر البطلان، فإن تفاوت الأجسام ظاهر لا يمكن إنكاره. قال الشيخ \"المؤلف\": ولا ريب أن قولهم بتماثل الأجسام قول باطل١.\n_________\n١ راجع: مجموع الفتاوى ٣/٧٢.","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>فصل: الطائفة الثالثة: غلاة الجهمية، والقرامطة، والباطنية </span>ومن تبعهم:\n* وطريقتهم: أنهم ينكرون الأسماء والصفات، ولا يصفون الله تعالى إلا بالنفي المجرد عن الإثبات، ويقولون: إن الله هو الموجود المطلق بشرط الإطلاق٢ فلا يقال: هو موجود، ولا حي، ولا عليم، ولا قدير، وإنما هذه أسماء لمخلوقاته أو مجاز، لأن إثبات ذلك يستلزم تشبيهه بالموجود الحي، العليم، القدير ويقولون: إن الصفة عين الموصوف، وإن كل صفة عين الصفة الأخرى، فلا فرق بين العلم والقدرة، والسمع والبصر ... ونحو ذلك.\n_________\n٢ معنى قولهم \"بشرط الإطلاق\": أنه مطلق عن أي صفة ثبوتية؛ لأن الصفة تقيد الموصوف.","vol":"1","page":31},{"text":"* وشبهتهم: أنهم اعتقدوا أن إثبات الأسماء والصفات يستلزم التشبيه والتعدد.\nووجه ذلك في الأسماء: أنه إذا سمي بها لزم أن يكون متصفًا بمعنى الاسم. فإذا أثبتنا \"الحي\" مثلًا لزم أن يكون متصفًا بالحياة؛ لأن صدق المشتق يستلزم صدق المشتق منه، وذلك يقتضي قيام الصفات به وهو تشبيه.\n- وأما في الصفات فقالوا: إن إثبات صفات متغايرة مغايرة للموصوف يستلزم التعدد، وهو تركيب ممتنع مناقض للتوحيد.\n* والرد عليهم من وجوه:\nالأول: أن الله تعالى جمع فيما سمى ووصف به نفسه بين النفي والإثبات \"وقد سبق أمثلة من ذلك\" فمن اقر بالنفي وأنكر الإثبات فقد آمن ببعض الكتاب دون بعض، والكفر ببعض الكتاب كفر بالكتاب كله. قال الله تعالى منكرًا على بني إسرائيل: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥] . وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠ – ١٥١] .\nالثاني: أن الموجود المطلق بشرط الإطلاق لا وجود له في الخارج المحسوس، وإنما هو أمر يفرضه الذهن ولا وجود له في الحقيقة، فتكون حقيقة القول به نفي وجود الله تعالى إلا في الذهن، وهذا غاية التعطيل والكفر.","vol":"1","page":32},{"text":"الثالث: قولهم: \"إن الصفة عين الموصوف، وإن كل صفة عين الصفة الأخرى\" مكابرة في المعقولات، سفسطة في البدهيات، فإن من المعلوم بضرورة العقل والحس أن الصفة غير الموصوف، وأن كل صفة غير الصفة الأخرى، فالعلم غير العالم، والقدرة غير القادر، والكلام غير المتكلم، كما أن العلم والقدرة والكلام صفات متغايرة.\nالرابع: أن وصف الله تعالى بصفات الإثبات أدل على الكمال من وصفه بصفات النفي، لأن الإثبات أمر وجودي يقتضي تنوع الكمالات في حقه، وأما النفي فأمر عدمي لا يقتضي كمالًا إلا إذا تضمن إثباتًا، وهؤلاء النفاة لا يقولون بنفي يقتضي الإثبات.\nالخامس: قولهم: \"إن إثبات صفات متغايرة مغايرة للموصوف يستلزم التعدد..\" قول باطل مخالف للمعقول والمحسوس. فإنه لا يلزم من تعدد الصفات تعدد الموصوف، فها هو الإنسان الواحد يوصف بأنه حي، سميع، بصير، عاقل، متكلم ... إلى غير ذلك من صفاته ولا يلزم من ذلك تعدد ذاته.\nالسادس: قولهم في الأسماء: \"إن إثباتها يستلزم أن يكون متصفًا بمعنى الاسم فيقتضي أن يكون إثباتها تشبيهًا\": جوابه: أن المعاني التي تلزم من إثبات الأسماء صفات لائقة بالله تعالى غير مستحيلة عليه، والمشاركة في الاسم أو الصفة لا تستلزم تماثل المسميات والموصوفات.\nالسابع: قولهم: \"إن الإثبات يستلزم تشبيهه بالموجودات\": جوابه: أن النفي الذي قالوا به يستلزم تشبيهه بالمعدومات على قياس قولهم، وذلك أقبح من تشبيهه بالموجودات، وحينئذ فإما أن يقروا بالإثبات فيوافقوا الجماعة، وإما أن ينكروا النفي كما أنكروا الإثبات فيوافقوا غلاة الغلاة من القرامطة والباطنية وغيرهم.\nوأما التفريق بين هذا وهذا فتناقض ظاهر.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>فصل: الطائفة الرابعة: غلاة الغلاة من الفلاسفة، والجهمية، والقرامطة، والباطنية وغيرهم</span>.\n* وطريقتهم: أنهم أنكروا في حق الله تعالى الإثبات والنفي، فنفوا عنه الوجود، والعدم، والحياة، والموت، والعلم، والجهل ... ونحوها، وقالوا: إنه لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم، ولا جاهل ... ونحو ذلك.\n* وشبهتهم: أنهم اعتقدوا أنهم: إن وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإن وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات.\n* والرد عليهم من وجوه:\nالأول: أن تسمية الله ووصفه بما سمى ووصف به نفسه ليس تشبيهًا ولا يستلزم التشبيه، فإن الاشتراك في الاسم والصفة لا يستلزم تماثل المسميات والموصوفات، وتسميتكم ذلك تشبيهًا ليس تمويهًا وتلبيسًا على العامة والجهال، ولو قبلنا مثل هذه الدعوى الباطلة لأمكن كل مبطل أن يسمي الشيء الحق بأسماء ينفر بها الناس عن قبوله.\nالثاني: أنه قد علم بضرورة العقل والحس أن الموجود الممكن لابد له من موجد واجب الوجود، فإننا نعلم حدوث المحدثات ونشاهدها، ولا يمكن أن تحدث بدون محدث، ولا أن تحدث نفسها بنفسها لقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] . فتعين أن يكون لها خالق واجب الوجود وهو الله تعالى.","vol":"1","page":34},{"text":"ففي الوجود إذن موجودان: أحدهما: أزلي واجب الوجود نفسه.\nالثاني: محدث ممكن الوجود، موجود بغيره.\nولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يتفقا في خصائصه، فإن وجود الواجب يخصه، ووجود المحدث يخصه:\nوجود الخالق: واجب أزلي ممتنع الحدوث، أبدي ممتنع الزوال.\nووجود المخلوق: ممكن حادث بعد العدم قابل للزوال.\nفمن لم يثبت ما بينهما من الاتفاق والافتراق لزمه أن تكون الموجودات كلها إما أزلية واجبة الوجود بنفسها أو محدثة ممكنة الوجود بغيرها، وكلاهما معلوم الفساد بالاضطرار١.\nالثالث: أن إنكارهم الإثبات والنفي يستلزم نفي النقيضين معًا وهذا ممتنع، لأن النقيضين لا يمكن اجتماعهما ولا ارتفاعهما، بل لابد من وجود أحدهما وحده، فيلزم – على قياس قولهم – تشبيه الله بالممتنعات لأنه يمتنع أن يكون الشيء لا موجودًا ولا معدومًا، ولا حيًا ولا ميتًا، إلا أمرًا يقدره الذهن ولا حقيقة له، ووصف الله سبحانه بهذا - مع كونه مخالفًا لبداهة العقول - كفر صريح بما جاء به الرسول.\nفإن قالوا: نفي النقيضين ممتنع عما كان قابلًا لهما، أما ما كان غير قابل لهما - كالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بالسمع والصمم - فإنه يمكن نفيهما عنه فيقال: ليس بسميع ولا أصم.\nقلنا: فالجواب من أربعة أوجه:\nالوجه الأول: أن هذا لا يصح فيما قالوه من نفي الوجود والعدم؛ فإن\n_________\n١ راجع مجموع الفتاوى ٦/٤٣.","vol":"1","page":35},{"text":"تقابلهما تقابل سلب وإيجاب باتفاق العقلاء، فإذا انتفى أحدهما لزم ثبوت الآخر، فإذا قيل ليس بموجود، لزم أن يكون معدومًا، وإذا قيل ليس بمعدوم لزم أن يكون موجودًا، فلا يمكن نفيهما معًا ولا إثباتهما معًا.\nالوجه الثاني: أن قولهم في الجماد: إنه لا يقبل الاتصاف بالحياة، والموت، والعمى، والبصر، والسمع، والصمم ... ونحوها مما يكون تقابله تقابل عدم، وملكه قول اصطلاحي لا يغير الحقائق، مردود بما ثبت من جعل الجماد حيًا، كما جعل الله عصا موسى حية تلقف ما صنعه السحرة، وقد وصف الله تعالى الجماد بأنه ميت في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠ – ٢١] . وأخبر أن الأرض يوم القيامة تحدث أخبارها - وهي ما عمل عليها من خير وشر - وهذا يستلزم سمعها لما قيل ورؤيتها لما فعل.\nالوجه الثالث: أن الذي يقبل الاتصاف بالكمال أكمل من الذي لا يقبله، فما يقبل أن يوصف بالعلم، والقدرة، والسمع، والبصر - ولو كان خاليًا منه - أكمل مما لا يقبل ذلك، فقولكم إن الرب لا يقبل أن يتصف بذلك يستلزم أن يكون أنقص من الإنسان القابل لذلك حيث شبهتموه بالجماد الذي لا يقبله.\nالوجه الرابع: أنه إذا كان يمتنع انتفاء الوجود والعدم، فانتفاء عدم قبول ذلك أشد، وعلى هذا يكون قولهم: إن الرب لا يقبل الاتصاف بالوجود والعدم مستلزمًا لتشبيهه بأشد الممتنعات.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>فصل: المحاذير التي وقعت فيها هذه الطوائف</span>\n...\nفصل\n* علم مما سبق أن كل طائفة من هؤلاء الطوائف الأربع واقعون في محاذير:","vol":"1","page":36},{"text":"الأول: مخالفة طريق السلف.\nالثاني: تعطيل النصوص عن المراد بها.\nالثالث: تحريفها إلى معان غير مرادة بها.\nالرابع: تعطيل الله عن صفات الكمال التي تضمنتها هذه النصوص.\nالخامس: تناقض طريقتهم فيما أثبتوه وفيما نفوه.\nفنقول لكل واحد منهم في جانب الإثبات: أثبت ما نفيت مع نفي التشبيه، كما أثبت ما أثبت مع نفي التشبيه.\nونقول له في جانب النفي: انف ما أثبت خوفًا من التشبيه، كما نفيت ما نفيت خوفًا من التشبيه وإلا كنت متناقضًا.\n* والقول الفصل المطرد السالم من التناقض: ما كان عليه سلف الأمة وأئمتها من: إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه من الأسماء والصفات، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، وإجراء النصوص على ظاهرها على الوجه اللائق بالله ﷿، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.\nويتبين هذا بأصلين، ومثلين، وخاتمة:","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>فصل: أصلان ومثلان فيما كان عليهما سلف الأمة وأئمتها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>فصل: الأصل الول أن القول في بعض الصفات كالقول في بعض</span>\n...\nفصل\nفأما الأصلان:\n* فأحدهما: أن يقال لمن يثبت بعض الصفات دون بعض: القول في بعض الصفات كالقول في بعض.\nأي: أن من أثبت شيئًا مما أثبته الله لنفسه من الصفات ألزم بإثبات","vol":"1","page":37},{"text":"الباقي، ومن نفى شيئًا منه ألزم بنفي ما أثبته وإلا كان متناقضًا.\nمثال ذلك: إذا كان المخاطب يثبت لله تعالى حقيقة الإرادة، وينفي حقيقة الغضب ويفسره: إما بإرادة الانتقام، وإما بالانتقام نفسه.\nفيقال له: لا فرق بين ما أثبته من حقيقة الإرادة وما نفيته من حقيقة الغضب، فإن كان إثبات حقيقة الغضب يستلزم التمثيل، فإثبات حقيقة الإرادة يستلزمه أيضًا.\nوإن كان إثبات حقيقة الإرادة لا يستلزمه، فإثبات الغضب لا يستلزمه أيضًا، لأن القول في أحدهما كالقول في الآخر، وعلى هذا يلزمك إثبات الجميع، أو نفي الجميع.\nفإن قال: الإرادة التي أثبتها لا تستلزم التمثيل، لأنني أعني بها إرادة تليق بالله ﷿ لا تماثل إرادة المخلوق.\nقيل له: فأثبت لله غضبًا يليق به ولا يماثل غضب المخلوق.\nفإن قال: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام وهذا لا يليق بالله تعالى.\nقيل له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة وهذا لا يليق بالله ﷾.\nفإن قال: هذه إرادة المخلوق، وأما إرادة الله فتليق به.\nقيل له: والغضب بالمعنى الذي قلت غضب المخلوق، وأما غضب الله فيليق به.","vol":"1","page":38},{"text":"وهكذا القول في جميع الصفات التي نفاها يقال له فيها ما يقوله هو فيما أثبته.\nفإن قال: أثبت ما أثبته من الصفات بدلالة العقل عليه.\nأجبنا عنه بثلاثة أجوبة سبق ذكرها عند الرد على الطائفة الأولى.","vol":"1","page":39},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-14> الأصل الثاني: أن يقال لمن يقر بذات الله تعالى ويمثل في صفاته أو ينفيها: القول في الصفات كالقول في الذات</span>.\nيعني أن من أثبت لله تعالى ذاتًا لا تماثل ذوات المخلوقين لزمه أن يثبت له صفات لا تماثل صفات المخلوقين، لأن القول في الصفات كالقول في الذات\nوهذا الأصل يخاطب به أهل التمثيل، وأهل التعطيل من المعتزلة ونحوهم.\nفيقال لأهل التمثيل: ألستم لا تثبتون ذات الله ذاتا بلا تمثي؟ فأثبتوا له صفات بلا تمثيل.\nويقال لأهل التعطيل من المعتزلة ونحوهم: ألستم تقولون بوجود ذات لا تشبه الذوات؟ فكذلك قولوا بصفات لا تشبه الصفات.\nمثال ذلك: إذا قال: إن الله استوى على العرش فكيف استواؤه؟\nفيقال له: القول في الصفات كالقول في الذات فأخبرنا كيف ذاته؟\nفإن قال: لا أعلم كيفية ذاته.\nقيل له: ونحن لا نعلم كيفية استوائه.\nوحينئذ؛ يلزمه أن يقر باستواء حقيقي غير مماثل لاستواء المخلوقين، ولا","vol":"1","page":39},{"text":"معلوم الكيفية، كما أقر بذات حقيقية غير مماثلة لذوات المخلوقين، ولا معلومة الكيفية، كما قال مالك وشيخه ربيعة وغيرهما في الاستواء: \"الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة\"١.\n- فقوله: \"الاستواء معلوم\" أي: معلوم المعنى في اللغة العربية التي نزل بها القرآن وله معان بحسب إطلاقه وتقييده بالحرف، فإذا قيد بـ \"على\" كان معناه العلو والاستقرار كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] وقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣] . فاستواء الله تعالى على عرشه علوه عليه علوًا خاصًا يليق به، على كيفية لا نعلمها، وليس هو العلو المطلق على سائر المخلوقات.\nوقوله: \"والكيف مجهول\" أي أن كيفية استواء الله على عرشه مجهولة لنا وذلك لوجوه ثلاثة:\nالأول: أن الله أخبرنا أنه استوى على عرشه ولم يخبرنا كيف استوى.\nالثاني: أن العلم بكيفية الصفة فرع عن العلم بكيفية الموصوف وهو الذات، فإذا كنا لا نعلم كيفية ذات الله، فكذلك لا نعلم كيفية صفاته.\nالثالث: أن الشيء لا تعلم كيفيته إلا بمشاهدته، أو مشاهدة نظيره أو الخبر الصادق عنه، وكل ذلك منتف في استواء الله ﷿ على عرشه، وهذا يدل على أن السلف يثبتون للاستواء كيفية لكنها مجهولة لنا.\n- وقوله: \"والإيمان به واجب\"؛ أي: أن الإيمان بالاستواء على هذا\n_________\n١ نقله المؤلف ﵀ بالمعنى والمحفوظ من لفظهما: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول. والخطب في ذلك سهل.","vol":"1","page":40},{"text":"الوجه واجب، لأن الله تعالى أخبر به عن نفسه، وهو أعلم بنفسه، وأصدق قولًا وأحسن حديثًا، فاجتمع في خبره كمال العلم، وكمال الصدق، وكمال الإرادة وكمال الفصاحة والبيان فوجب قبوله والإيمان به.\n- وقوله: \"والسؤال عنه – أي: عن كيفيته بدعة\"؛ لأن السؤال عنها لم يعرف في عهد النبي ﷺ ولا خلفائه الراشدين، وهو من الأمور الدينية فكان إيراده بدعة، ولأن السؤال عن مثل ذلك من سمات أهل البدع\nثم إن السؤال عنه مما لا تمكن الإجابة عليه فهو من التنطع في الدين، وقد قال النبي ﷺ: \"هلك المتنطعون\".\nوهذا القول الذي قاله مالك وشيخه يقال في صفة نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا وغيره من الصفات: إنها معلومة المعنى، مجهولة الكيفية، وإن الإيمان بها على الوجه المراد بها واجب، والسؤال عن كيفيتها بدعة.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>فصل: وأما المثلان:</span>\n* فأحدهما: نعيم الجنة: فقد أخبر الله تعالى أن في الجنة طعامًا وشرابًا ولباسًا، وزوجات، ومساكن، ونخلًا، ورمانًا، وفاكهة، ولحمًا، وخمرًا، ولبنًا، وعسلًا، وماءً، وحلية من ذهب ولؤلؤ وفضة ... وغير ذلك.\nوكله حق على حقيقته، وهو في الاسم موافق لما في الدنيا من حيث المعنى لكنه مخالف له في الحقيقة.\n- أما موافقته لما في الدنيا في المعنى فلأن الله تعالى قال عن القرآن: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] . ولولا موافقته له في","vol":"1","page":41},{"text":"المعنى؛ ما فهمناه ولا عقلناه.\n- وأما مخالفته له في الحقيقة فلقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] . وقوله في الحديث القدسي: \"أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر\" قال ابن عباس – ﵄ -: \"ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء\"\nفإذا كانت هذه الأسماء دالة على مسمياتها حقيقة، وكان اتفاقها مع ما في الدنيا من الأسماء لا يستلزم اتفاق المسميات في الحقيقة، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله، فإن مباينة الخالق للمخلوق أعظم وأظهر من مباينة المخلوق للمخلوق؛ لأن التباين بين المخلوقات تباين بين مخلوق ومخلوق مثله، فإذا ظهر التباين بينها كان بينها وبين الخالق أظهر وأولى.\nوقد انقسم الناس في هذا المقام – مقام الإيمان بالله واليوم الآخر – إلى ثلاث فرق:\nالفرقة الأولى: السلف والأئمة وأتباعهم: آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر، وأنه حق على حقيقته مع اعتقادهم التباين بين ما في الدنيا وما في الآخرة، وأن التباين بين الخالق والمخلوق أولى وأعظم وأبين؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .\nالفرقة الثانية: طوائف من أهل الكلام يؤمنون بما أخبر الله به عن اليوم الآخر من الثواب والعقاب، وينفون كثيرًا مما أخبر الله به عن نفسه من الصفات.\nالفرقة الثالثة: القرامطة، والباطنية، والفلاسفة لا يؤمنون بما أخبر الله به","vol":"1","page":42},{"text":"عن نفسه، ولا عن اليوم الآخر، بل ينكرون حقائق هذا وهذا.\nفمذهبهم فيما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر أنه تخييل لا حقيقة له.\nوأما في الأمر والنهي فكثير منهم يجعلون للمأمورات والمنهيات تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها، فيقولون: المراد بالصلوات معرفة أسرارهم، وبالصيام كتمان أسرارهم، وبالحج السفر إلى شيوخهم ... ونحو ذلك مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام أنه كذب وافتراء وكفر وإلحاد.\nوقد يقولون: إن الشرائع تلزم العامة دون الخاصة، فإذا وصل الرجل إلى درجة العارفين والمحققين عندهم ارتفعت عنه التكاليف، فسقطت عنه الواجبات وحلت له المحظورات.\nوقد يوجد في المنتسبين إلى التصوف والسلوك من يدخل في بعض هذه المذاهب.\nوهؤلاء الباطنية هم الملاحدة، الذين أجمع المسلمون على أنهم أكفر من اليهود والنصارى لعظم إلحادهم ومخالفتهم لجميع الشرائع الإلهية.\n* المثل الثاني: الروح التي بها الحياة: وهي أقرب شيء إلى الإنسان، بل هي قوام الإنسان، وقد وصفت في النصوص بأنها تقبض من البدن، ويصعد بها إلى السماء، وتعاد إلى البدن، ولا ينكر أحد وجودها حقيقة.\nوقد عجز الناس عن إدراك كنهها وحقيقتها، إلا ما علموه عن طريق الوحي، واضطربوا فيها اضطرابًا كثيرًا لكونهم لا يشاهدون لها نظيرًا:\n- فمنهم طوائف من أهل الكلام: جعلوها البدن، أو جزءًا منه، أو صفة","vol":"1","page":43},{"text":"من صفاته.\n- ومنهم طوائف من أهل الفلسفة وصفوها بأمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود، فقالوا: لا هي داخل البدن ولا خارجه، ولا مداخلة له ولا مباينة، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عرض. وقد يقولون إنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة، كما يصفون بذلك الخالق الواجب الوجود.\n- فإذا قيل لهم: إثبات هذا القول ممتنع في العقل ضرورة.\nقالوا: هذا ممكن، بدليل أن الكليات ممكنة موجودة وهي غير مشار إليها. وقد غفلوا عن كون الكليات لا توجد كلية إلا في الأذهان لا في الأعيان، فإن الذهن يفرض أشياء في الخيال لا يمكن وجودها في الخارج، كأن يتخيل ارتفاع النقيضين أو اجتماعهما مع أن هذا ممتنع.\nواعلم أن اضطراب المتكلمين والفلاسفة في الروح كثير وله سببان:\nأحدهما: قلة بضاعتهم مما جاء به الوحي في صفاتها.\nوالثاني: أنهم لا يشاهدون لها نظيرًا، فإن الروح ليست من جنس هذا البدن، ولا من جنس العناصر والمولدات منها، وإنما هي من جنس آخر مخالف لهذه الأجناس.\nفعرفها الفلاسفة بالأسلوب التي توجب مخالفتها للأجسام المشهودة، وجعلها المتكلمون من جنس الأجسام المشهودة.\nفطريق الفلاسفة فيها تعطيل، وطريق المتكلمين فيها تمثيل، وكلا الطريقين خطأ.\nوقد صح عن النبي ﷺ أن الروح إذا قبضت اتبعها البصر، وأن الملائكة","vol":"1","page":44},{"text":"تجعلها في كفن وتصعد بها إلى السماء، ومع هذا فالعقول قاصرة عن إدراك كنهها وحقيقتها كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] .\nفإذا كانت الروح حقيقة، واتصافها بما وصفت به في الكتاب والسنة حقيقة، مع أنها لا تماثل الأجسام المشهودة، كان اتصاف الخالق بما يستحقه من صفات الكمال مع مباينته للمخلوقات من باب أولى، وكان عجز أهل العقول عن أن يحدوا الله أو يكيفوه أبين من عجزهم عن حد الروح وتكييفها.\nوإذا كان من نفى صفات الروح جاحدًا معطلًا، ومن مثلها بما يشاهد من المخلوقات جاهلًا بها ممثلًا، فالخالق سبحانه أولى أن يكون من نفى صفاته جاحدًا معطلًا، ومن قاسه بخلقه جاهلًا به ممثلًا.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الخاتمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>القاعدة الأولى: في أن الله تعالى موصوف بالنفي والإثبات</span>\n...\nالخاتمة\nهذه الخاتمة تشتمل على قواعد عظيمة مفيدة:\nالقاعدة الأولى: في أن الله تعالى موصوف بالنفي والإثبات\nيعني أن الله تعالى جمع فيما وصف به نفسه بين النفي والإثبات؛ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .\nوإنما جمع الله تعالى لنفسه بين النفي والإثبات؛ لأنه لا يتم كمال الموصوف إلا بنفي صفات النقص، وإثبات صفات الكمال.\nوكل الصفات التي نفاها الله عن نفسه صفات نقص كالإعياء،","vol":"1","page":45},{"text":"واللغوب، والعجز، والظلم، ومماثلة المخلوقين ... وكل ما أثبته الله تعالى لنفسه فهو صفات كمال كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] سواء كانت من الصفات الذاتية التي يتصف بها أزلًا وأبدًا، أم من الصفات الفعلية التي يتصف بها حيث تقتضيها حكمته، وإن كان أصل هذه الصفات الفعلية ثابتًا له أزلًا، وأبدًا، فإن الله تعالى لم يزل ولا يزال فعالًا لما يريد.\nفصل\n* فمن صفات الله تعالى التي أثبتها لنفسه: الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة والكلام والعزة والحكمة والمغفرة والرحمة.\n- فحياته تعالى: حياة كاملة مستلزمة لكل صفات الكمال، لم يسبقها عدم، ولا يلحقها فناء، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] . وقال: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣] . وقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .\n- وعلمه تعالى: كامل شامل لكل: صغير وكبير، وقريب وبعيد، لم يسبقه جهل، ولا يلحقه نسيان، كما قال الله تعالى عن موسى حين سأله فرعون: ما بال القرون الأولى؟ ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه:٥٢] . وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥] .\n- وقدرته تعالى: كاملة، لم تسبق بعجز ولا يلحقها تعب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤] . وقال: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ","vol":"1","page":46},{"text":"اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] . وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [قّ: ٣٨] .\n- وحكمته تعالى: حكمة بالغة، منزهة عن العبث، شاملة لخلقه وشرعه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨-٣٩] . وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] . وقال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠] .\nوحكمته كسائر صفاته لا يحيط بها الخلق، فقد نعجز عن إدراك الحكمة فيما خلقه أو شرعه، وقد ندرك منها ما يفتح الله به علينا.\nوعلى هذا تجري سائر الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه، فكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه.\nفصل\n* ومن الصفات التي نفاها الله تعالى عن نفسه: الموت والجهل والنسيان والعجز والسنة والنوم واللغوب والإعياء والظلم.\n- قال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] .\n- وقال عن موسى: ﴿فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه:٨٢] .\n- وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٤] .\n- وقال: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .\n- وقال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [قّ:٣٨] . وقال: ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنّ﴾","vol":"1","page":47},{"text":"[الأحقاف: ٣٣] .\n- وقال: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] .\n* وكل صفة نفاها الله تعالى عن نفسه فإنها متضمنة لشيئين:\nأحدهما: انتفاء تلك الصفة.\nالثاني: ثبوت كمال ضدها.\nألا ترى إلى قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]؛ فإن الله تعالى لما نفى عن نفسه العجز بين أن ذلك لكمال علمه وقدرته؟\nوعلى هذا فنفي الظلم عن نفسه متضمن لكمال عدله. ونفي اللغوب والعي متضمن لكمال قوته. ونفي السنة والنوم متضمن لكمال حياته وقيوميته؛ ونفي الموت متضمن لكمال حياته.\nوعلى هذا تجري سائر الصفات المنفية.\n* ولا يمكن أن يكون النفي في صفات الله – ﷿ – نفيًا محضًا، بل لابد أن يكون لإثبات كمال وذلك للوجوه التالية:\nالأول: أن الله تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] . أي الوصف الأكمل، وهذا معدوم في النفي المحض.\nالثاني: أن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء فكيف يكون مدحًا وكمالًا؟!\nالثالث: أن النفي إن لم يتضمن كمالًا فقد يكون لعدم قابلية الموصوف لذلك المنفي أو ضده، لا لكمال الموصوف، كما إذا قيل: \"الجدار","vol":"1","page":48},{"text":"لا يظلم، فنفي الظلم عن الجدار ليس لكمال الجدار، ولكن لعدم قابلية اتصافه بالظلم أو العدل، وحينئذ لا يكون نفي الظلم عنه مدحًا له ولا كمالًا فيه.\nالرابع: أن النفي؛ إن لم يتضمن كمالًا؛فقد يكون لنقص الموصوف أو لعجزه عنه كما لو قيل عن شخص عاجز عن الانتصار لنفسه ممن ظلمه: \"إنه لا يجزي السيئة بالسيئة\" فإن نفي مجازاته السيئة بمثلها ليس لكمال عفوه ولكن لعجزه عن الانتصار لنفسه، وحينئذ يكون نفي ذلك عنه نقصًا وذمًا لا كمالًا ومدحًا.\nألم تر إلى قول الحماسي يهجو قومه:\nلو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا\nإلى أن قال:\nلكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا\nيجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا\nيريد بذلك ذمهم ووصفهم بالعجز لا مدحهم بكمال العفو بدليل قوله بعد:\nفليت لي بهم قومًا إذا ركبوا ... شنوا الإغارة ركبانًا وفرسانا\n* وبهذا علم أن الذين لا يصفون الله تعالى إلا بالنفي المحض لم يثبتوا في الحقيقة إلهًا محمودًا بل ولا موجودًا؛ كقولهم في الله ﷿: إنه ليس بداخل العالم، ولا خارجه، ولا مباين، ولا محايث١، ولا فوق، ولا تحت، ولا متصل، ولا منفصل ... ونحو ذلك.\nولهذا قال محمود بن سبكتكين٢ لمن أدعى ذلك في الخالق جل\n_________\n١ المحايث: المداخل. راجع مجموع الفتاوى لابن القاسم ٥/٢٦٩.\n٢ محمود بن سبكتكين أحد كبار القادة، أمين الدولة وأمين الملة، استولى على الإمارة =","vol":"1","page":49},{"text":"وعلا١: \"ميز لنا بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم\"!\nولقد صدق –﵀ –فإنه لن يوصف المعدوم بوصف أبلغ من هذا الوصف الذي وصفوا به الخالق جل وعلا:\nفمن قال: لا هو مباين للعالم، ولا مداخل للعالم فهو بمنزلة من قال: لا هو قائم بنفسه ولا بغيره، ولا قديم ولا محدث، ولا متقدم على العالم، ولا مقارن له.\nومن قال: ليس بحي، ولا سميع، ولا بصير، ولا متكلم، لزمه أن يكون ميتًا، أصم، أعمى، أبكم٢..\n_________\n= سنة ٣٨٩هـ وأرسل إليه القادر بالله الخليفة العباسي خلعة السلطنة فقصد بلاد خراسان وامتدت سلطنته من أقاصي الهند إلى نيسابور، كان تركي الأصل فصيحًا بليغًا حازمًا صائب الرأي شجاعًا مجاهدًا، فتح في بلاد الكفار من الهند فتوحات هائلة لم تتفق لغيره من الملوك لا قبله ولا بعده، ومع ذلك كان في غاية الديانة والصيانة يكره المعاصي والملاهي وأهلها، ويحب العلماء والصالحين ويجالسهم ويناظرهم، مات في غزنة سنة ٤٢١ – ٤٢٢هـ عن ثلاث وستين سنة، تولى الإمارة فيها ثلاثًا وثلاثين سنة ﵀ وأكرم مثواه.\n١ هو أبو بكر بن فورك المتكلم المعروف.\n٢ راجع الرد على الطائفة الرابعة غلاة الغلاة ص٣٤ – ٣٦.","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>فصل: القاعدة الثانية: في وجوب الإيمان بما أخبر الله به ورسوله سواء عرف معناه أم لم يعرف</span>\n* ما أخبر الله تعالى به في كتابه، أو أخبر به رسوله ﷺ وجب علينا الإيمان به، سواء عرفنا معناه، أم لم نعرفه:\nلقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ","vol":"1","page":50},{"text":"عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:١٣٦] . وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧٠] .\nولأن خبر الله تعالى صادر عن علم تام، فهو أعلم بنفسه وبغيره كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠] .\nولأن خبر الله تعالى أصدق الأخبار كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] .\nولأن كلام الله تعالى أفصح الكلام، وأبلغه، وأبينه كما قال الله تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] . وقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِي﴾ [الزمر: ٢٣] . متشابهًا: يشبه بعضه بعضًا في الكمال والبيان. وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣-١٩٥] .\nولأن الله تعالى يريد بما أنزل إلى عباده من الوحي أن يهتدوا ولا يضلوا كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] . وقال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦] .\nوهكذا خبر النبي ﷺ صادر عن علم فإنه ﷺ أعلم الناس بربه وأسمائه وصفاته وأحكامه وخبره أصدق أخبار البشر، وكلامه أفصح كلام البشر، وقصده أفضل مقصود البشر، فهو أنصح الخلق للخلق.\nفقد اجتمع في خبر الله تعالى وخبر رسوله كمال العلم، وكمال الصدق وكمال البيان، وكمال القصد والإرادة، وهذه هي مقومات قبول الخبر.","vol":"1","page":51},{"text":"ولهذا لو صدر الخبر عن جاهل أو كاذب، أو عيي، أو سيئ قصد لم يكن مقبولًا لفقد مقومات القبول أو أحدها.\nفإذا كانت مقومات قبول الخبر تامة على أكمل وجه في خبر الله ورسوله وجب الإيمان به وقبوله سواء كان نفيًا أم إثباتًا، ولم يبق عذر لمعتذر في رده، أو تحريفه، أو الشك في مدلوله، لاسيما في أسماء الله تعالى وصفاته.\n* وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها وجب قبوله.\nوعامة هذا الباب \"باب الأسماء والصفات\" منصوص عليه في الكتاب والسنة متفق عليه بين سلف الأمة.\n* وأما ما تنازع فيه المتأخرون مما ليس في الكتاب والسنة ولا عند سلف الأمة فليس على أحد بل وليس لأحد أن يثبت لفظه أو ينفيه لعدم ورود السمع به، وليس له أن يقبل معناه أو يرده حتى يعلم المراد منه. فإن كان حقًا وجب قبوله، وإن كان باطلًا وجب رده.\nولذلك أمثلة منها:\nالمثال الأول: الجهة: أي لو قال قائل: إن الله في جهة، أو هل لله جهة؟\nفيقال له: لفظ \"الجهة\" ليس في الكتاب والسنة إثباته ولا نفيه، فليس فيهما أنه في جهة، أو له جهة، ولا أنه ليس في جهة، أو ليس له جهة، وفي النصوص ما يغني عنه كالعلو، والفوقية، والاستواء على العرش، وصعود الأشياء إليه ونزولها منه.\nوقد اضطرب المتأخرون في إثباته ونفيه.\nفإذا أجريناه على القاعدة قلنا:","vol":"1","page":52},{"text":"- أما اللفظ فلا نثبته ولا ننفيه لعدم ورود ذلك.\n- وأما المعنى فنري ماذا يراد بالجهة؟\nأيراد بالجهة شيء مخلوق محيط بالله ﷿؟ فهذا معنى باطل لا يليق بالله سبحانه، فإن الله لا يحيط به شيء من مخلوقاته، فقد وسع كرسيه السموات والأرض، ولا يؤوده حفظهما، ولا يمكن أن يكون داخل شيء من مخلوقاته.\nأم يراد بالجهة ما فوق العالم؟ فهذا حق ثابت لله ﷿، فإن الله تعالى فوق خلقه عال عليهم، كما دل على ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، وفي صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي أن النبي ﷺ قال لجارية كانت له: \"أين الله؟ \" قالت: في السماء. قال: \"من أنا؟ \" قالت: أنت رسول الله. قال: \"أعتقها فإنها مؤمنة\".\nالمثال الثاني: الحيز أو المتحيز:\nفإذا قال قائل: هل نصف الله تعالى بأنه متحيز أو في حيز؟\nقلنا: لفظ \"التحيز\" أو \"الحيز\" ليس في الكتاب والسنة ثابتة ولا نفيه عن الله تعالى، فليس فيهما أنه في حيز، أو متحيز، ولا أنه ليس كذلك، وفي النصوص ما يغني عنه مثل الكبير المتعال.\nوقد اضطرب المتأخرون في إثبات ذلك لله تعالى أو نفيه عنه.\nفإذا أجريناه على القاعدة قلنا:\n- أما اللفظ فلا نثبته ولا ننفيه لعدم ورود السمع به.\n- وأما المعنى؛ فينظر ماذا يراد بالحيز أو المتحيز؟","vol":"1","page":53},{"text":"أيراد به أن الله تعالى تحوزه المخلوقات وتحيط به؟! فهذا معنى باطل منفي عن الله تعالى لا يليق به، فإن الله أكبر وأعظم وأجل من أن تحيط به المخلوقات وتحوزه كيف وقد وسع كرسيه السموات والأرض، والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه؟! وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة – ﵁ – أن النبي ﷺ قال: \"يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ \". وقال ابن عباس – ﵄ -: \"ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم\".\nأم يراد بالحيز أو المتحيز: أن الله منحاز عن المخلوقات أي مباين لها منفصل عنها ليس حالًا فيها، ولا هي حالة فيه، فهذا حق ثابت لله ﷿، كما قال أئمة أهل السنة: هو فوق سمواته على عرشه، بائن من خلقه.\n* تنبيه: جاء في القاعدة أنه يجب علينا الإيمان بما أخبر الله به ورسوله سواء عرفنا معناه أم لا.\nلكن؛ ليعلم أنه ليس في كلام الله ورسوله شيء لا يعرف معناه جميع الأمة، بل لابد أن يكون معروفًا لجميع الأمة أو بعضها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] . وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] . ولأنه؛ لو كان فيه ما لا يعلم معناه أحد لكان بعض الشريعة مجهولًا للأمة.\nولكن المعرفة والخفاء أمران نسبيان، فقد يكون معروفًا لشخص ما كان خفيًا على غيره: إما لنقص في علمه، أو قصور في فهمه، أو تقصير في طلبه، أو سوء في قصده.","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>فصل: القاعدة الثالثة: في إجراء النصوص على ظاهرها</span>\n* ظاهر النصوص: ما يتبادر منها من المعاني بحسب ما تضاف إليه وما يحتف بها من القرآن.\n* والواجب في النصوص: إجراؤها على ظاهرها بدون تحريف لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] . وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] . وقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ [لأعراف: ٣] .\nفإذا كان الله تعالى أنزله باللسان العربي من أجل عقله وفهمه، وأمرنا باتباعه، وجب علينا إجراؤه على ظاهره بمقتضى ذلك اللسان العربي، إلا أن تمنع منه حقيقة شرعية.\nولا فرق في هذا بين نصوص الصفات وغيرها، بل قد يكون وجوب التزام الظاهر في نصوص الصفات أولى وأظهر؛ لأن مدلولها توقيفي محض لا مجال للعقول في تفاصيله.\n* فإن قال قائل في نصوص الصفات: لا يجوز إجراؤها على ظاهرها لأن ظاهرها غير مراد.\nفجوابه أن يقال: ماذا تريد بالظاهر؟\n- أتريد ما يظهر من النصوص من المعاني اللائقة بالله من غير تمثيل؟ فهذا الظاهر مراد لله ورسوله قطعًا، وواجب على العباد قبوله، والإيمان به شرعًا؛","vol":"1","page":55},{"text":"لأنه حق ولا يمكن أن يخاطب الله عباده بما يريد منهم خلاف ظاهره بدون بيان كيف، وقد قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم﴾ [النساء: ٢٦] وقال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] ويقول عن رسوله ﷺ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] . ويقول: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] . ومن خاطب غيره بما يريد منه خلاف ظاهره بدون بيان فإنه لم يبين له ولم يهده.\n- أم تريد بالظاهر ما فهمته من التمثيل؟ فهذا غير مراد لكنه ليس ظاهر نصوص الكتاب والسنة؛ لأن هذا الظاهر الذي فهمته كفر وباطل بالنص والإجماع، ولا يمكن أن يكون ظاهر كلام الله ورسوله كفرًا وباطلًا، ولا يرتضي ذلك أحد من المسلمين.\n* وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن نصوص الصفات تجري على ظاهرها اللائق بالله ﷿ من غير تحريف، وأن ظاهرها لا يقتضي تمثيل الخالق بالمخلوق.\nفاتفقوا على: أن لله تعالى حياة، وعلمًا، وقدرة، وسمعًا، وبصرًا، حقيقة، وأنه مستوٍ على عرشه حقيقة، وأنه يحب ويرضى، ويكره ويغضب حقيقة، وأن له وجهًا ويدين حقيقة؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] . وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] . ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٠٢] . ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] . ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه﴾ [المائدة: ١١٩] . ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦] . ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾","vol":"1","page":56},{"text":"[الرحمن: ٢٧] . ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان﴾ [المائدة: ٦٤] .\nفأجروا هذه النصوص وغيرها من نصوص الصفات على ظاهرها وقالوا: إنه مراد على الوجه اللائق بالله تعالى فلا تحريف ولا تمثيل.\nوبيان ذلك: أن من صفاتنا ما هو معان وأعراض قائمة بنا كالحياة والعلم والقدرة، ومنها ما هو أعيان وأجسام وهي أبعاض لنا كالوجه واليدين. ومن المعلوم أن الله وصف نفسه بأنه حي، عليم، قدير، ولم يقل المسلمون إن المفهوم من حياته وعلمه وقدرته كالمفهوم من حياتنا وعلمنا وقدرتنا، فكذلك لما وصف نفسه بأن له وجهًا ويدين لم يكن المفهوم من وجهه ويديه كالمفهوم من وجوهنا وأيدينا. وإنما قال المسلمون إن المفهوم من صفات الله في هذا وهذا لا يماثل المفهوم منها في صفاتنا، بل كل صفة تناسب الموصوف وتليق به، فلما كانت ذات الخالق لا تماثل ذوات المخلوقين، فكذلك صفاته لا تماثل صفات المخلوقين.\nوقد سبق أن القول في الصفات كالقول في الذات.\n* فتبين بذلك أن من قال: إن ظاهر نصوص الصفات غير مراد فقد أخطأ على كل تقدير، لأنه إن فهم من ظاهرها معنى فاسدًا وهو التمثيل، فقد أخطأ في فهمه وأصاب في قوله \"غير مراد\"، وإن فهم من ظاهرها معنى صحيحًا وهو المعنى اللائق بالله، فقد أصاب في فهمه وأخطأ في قوله \"غير مراد\" فهو إن أصاب في معنى ظاهرها أخطأ في نفي كونه مرادًا، وإن أخطأ في معنى ظاهرها أصاب في نفي كونه مرادًا، فيكون قوله خطأ على كل تقدير.\nوالصواب الذي لا خطأ فيه: أن ظاهرها مراد، وأنه ليس إلا معنى يليق بالله.","vol":"1","page":57},{"text":"فصل\nوالذين يجعلون ظاهر النصوص معنى فاسدًا فينكرونه يكون خطؤهم على وجهين:\n* الأول: أن يفسروا النص بمعنى فاسد لا يدل عليه اللفظ فينكرونه لذلك، ويقولون: إن ظاهره غير مراد.\n- مثال ذلك: قوله تعالى في الحديث القدسي: \"يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، يا ابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني، يا ابن آدم! استسقيتك فلم تسقني ... \". الحديث رواه مسلم.\nقالوا: فظاهر الحديث أن الله يمرض، ويجوع، ويعطش، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.\nفنقول: لو أعطيتم النص حقه لتبين لكم أن هذا المعنى الفاسد ليس ظاهر اللفظ، لأن سياق الحديث يمنع ذلك فقد جاء مفسرًا بقول الله تعالى في الحديث نفسه: \"أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ واستسقاك عبدي فلان فلم تسقه؟ \". وهذا صريح في أن الله سبحانه لم يمرض، ولم يجع، ولم يعطش، وإنما حصل المرض والجوع والعطش من عبد من عباده.\n- ومثال آخر: قوله تعالى عن سفينة نوح: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] .\n- قالوا: فظاهر الآية أن السفينة تجري في عين الله، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.\nفنقول: دعواكم أن ظاهر الآية أن السفينة تجري في عين الله سبحانه","vol":"1","page":58},{"text":"مردودة من جهة التركيب اللفظي ومن جهة المعنى أيضًا:\nأما التركيب اللفظي: فإنه إذا قال القائل: فلان يسير بعيني لم يفهم أحد من هذا التركيب أنه يسير داخل عينيه، ولو أدعى مدع أن هذا ظاهر لفظه لضحك منه السفهاء فضلًا عن العقلاء، وإنما يفهم منه أن عينيه تصحبه بالنظر والرعاية، لأن الباء هنا للمصاحبة وليست للظرفية.\nوأما المعنى: فإن من المعلوم أن نوحًا ﵊ كان في الأرض، وأنه صنع السفينة في الأرض، وجرت على الماء في الأرض كما قال الله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود: ٣٨] . وقال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ، فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٠ – ١٤] .\nولا يمكن لأحد أن يدعي أن ظاهر اللفظ أن السفينة تجري في عين الله ﷿، لأن ذلك ممتنع غاية الامتناع في حق الله تعالى، ولا يمكن لمن عرف الله وقدره حق قدره، وعلم أنه مستو على عرشه، بائن من خلقه، ليس حالًا في شيء من مخلوقاته، ولا شيء من مخلوقاته حالًا فيه أن يفهم من هذا اللفظ هذا المعنى الفاسد.\nوعلى هذا؛ فمعنى الآية الذي هو ظاهر اللفظ أن السفينة تجري والله تعالى يكلؤها بعينه.\n- ومثال ثالث: في الأثر: \"الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه\".\nقالوا: فظاهر الأثر أن الحجر نفسه يمين الله في الأرض، وهذا معنى","vol":"1","page":59},{"text":"فاسد فيكون غير مراد.\nفنقول: أولًا: هذا الأثر روي عن النبي ﷺ بإسناد لا يثبت والمشهور أنه عن ابن عباس. قلت: قال ابن الجوزي: \"هذا حديث لا يصح\". وقال ابن العربي: \"حديث باطل فلا يلتفت إليه\" أهـ.\nثانيًا: أنه على تقدير صحته صريح في أن الحجر الأسود ليس نفس يمين الله لأنه قال: \"يمين الله في الأرض\" فقيده في الأرض ولم يطلق، وحكم اللفظ المقيد يخالف المطلق، ومعلوم أن الله تعالى في السماء، ولأنه قال: \"فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه\" ومعلوم أن المشبه غير المشبه به.\nفالأثر ظاهر في أن مستلم الحجر ليس مصافحًا لله، وليس الحجر نفس يمين الله، فكيف يجعل ظاهره كفرًا يحتاج إلى تأويل؟!\n* الوجه الثاني: أن يفسروا اللفظ بمعنى صحيح موافق لظاهره، لكن يردونه لاعتقادهم أنه باطل وليس بباطل.\n- مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] .\nقالوا: فظاهر الآية أن الله علا على العرش، والعرش محدود فيلزم أن يكون الله سبحانه محدودًا، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.\nفنقول: إن علو الله تعالى على عرشه – وإن كان العرش محدودًا – لا يستلزم معنى فاسدًا، فإن الله تعالى قد علا على عرشه علوًا يليق بجلاله وعظمته، ولا يماثل علو المخلوق على المخلوق، ولا يلزم منه أن يكون الله محدودًا، وهو علو يختص بالعرش، والعرش أعلى المخلوقات فيكون الله","vol":"1","page":60},{"text":"تعالى عاليًا على كل شيء وهذا من كماله وكمال صفاته، فكيف يكون معنى فاسدًا غير مراد؟!\n- مثال آخر: قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ [المائدة: ٦٤] .\nقالوا: فظاهر الآية أن الله تعالى يدين حقيقتين وهما جارحة، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.\nفنقول: إن ثبوت اليدين الحقيقيتين لله ﷿ لا يستلزم معنى فاسدًا، فإن لله تعالى يدين حقيقيتين تلقيان بجلاله وعظمته، وبهما يأخذ ويقبض، ولا تماثلان أيدي المخلوقين، وهذا من كماله وكمال صفاته.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٧] .\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"ما تصدق أحد بصدقة من طيب – ولا يقبل الله إلا الطيب – إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل\".\nفأي معنى فاسد يلزم من ظاهر النص حتى يقال إنه غير مراد؟!\n*وقد يجتمع الخطأ من الوجهين: في مثال واحد مثل قوله ﷺ: \"إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء\".\nفقالوا على الوجه الأول: ظاهر الحديث أن قلوب بني آدم بين أصابع الرحمن فيلزم منه المباشرة والمماسة، وأن تكون أصابع الله سبحانه داخل أجوافنا، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.","vol":"1","page":61},{"text":"وقالوا على الوجه الثاني: ظاهر الحديث أن لله أصابع حقيقية والأصابع جوارح، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.\nفنقول على الوجه الأول: إن كون قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن حقيقة لا يلزم منه المباشرة والمماسة، ولا أن تكون أصابع الله ﷿ داخل أجوافنا.\nألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]؛ فإن السحاب لا يباشر السماء ولا الأرض ولا يماسهما.\nويقال: سترة المصلي بين يديه وليست مباشرة له ولا مماسة له.\nفإذا كانت البينية لا تستلزم المباشرة والمماسة فيما بين المخلوقات فكيف بالبينية فيما بين المخلوق والخالق الذي وسع كرسيه السموات والأرض وهو بكل شيء محيط؟!\nوقد دل السمع والعقل على أن الله تعالى بائن من خلقه، ولا يحل في شيء من خلقه، ولا يحل فيه شيء من خلقه، وأجمع السلف على ذلك.\nونقول على الوجه الثاني: إن ثبوت الأصابع الحقيقية لله تعالى لا يستلزم معنى فاسدًا، وحينئذ يكون مرادًا قطعًا، فإن لله تعالى أصابع حقيقية تليق بالله ﷿، ولا تماثل أصابع المخلوقين.\nوفي صحيح البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: \"جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد!، إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله","vol":"1","page":62},{"text":"ﷺ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] . هذا لفظ البخاري في تفسير سورة الزمر.\nفأي معنى فاسد يلزم من ظاهر النص حتى يقال إنه غير مراد؟!\n* ويشبه هذا الخطأ أن يجعل اللفظ نظيرًا لما ليس مثله:\nكما قيل في قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص: ٧٥] . إنه مثل قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] . فيكون المراد باليد نفس الفاعل في الآيتين.\nوهذا غلط؛ فإن الفرق بينهما ثابت من وجوه ثلاثة:\nالأول: من حيث الصيغة، فإن الله قال في الآية الأولى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص: ٧٥] وهي تخالف الصيغة في الآية الثانية، فإن الله قال فيها: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] ولو كانت الأولى نظيرة للثانية لكان لفظها: \"لما خلقت يداي\" فيضاف الخلق إليهما، كما أضيف العمل إليهما في الثانية.\nالثاني: أن الله تعالى أضاف في الآية الفعل إلى نفسه معدى بالباء إلى اليدين، فكان سبحانه هو الخالق وكان خلقه بيديه. ألا ترى إلى قول القائل: كتبت بالقلم؟ فإن الكاتب هو فاعل الكتابة، ومدخول الباء - وهو القلم - حصلت به الكتابة.\nوأما الآية الثانية: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] فأضاف الفعل فيها إلى الأيدي المضافة إليه، وإضافة الفعل إلى الأيدي كإضافته إلى النفس فكأنه قال: مما عملنا. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم﴾ [الشورى: ٣٠] . والمراد بما كسبتم؛ بدليل قوله في آية","vol":"1","page":63},{"text":"أخرى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ [الزمر: ٥١] .\nالوجه الثالث: أن الله تعالى أضاف الفعل في الآية الأولى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص: ٧٥] معدّى بالباء إلى يدين اثنتين، ولا يمكن أن يراد بهما نفسه لدلالة التثنية على عدد محصور باثنين، والرب – جل وعلا – إله واحد، فلا يمكن أن يذكر نفسه بصيغة التثنية لدلالة ذلك على صريح العدد وحصره، ولكنه تعالى يذكر نفسه تارة بصيغة الإفراد للتوحيد، وتارة يذكر نفسه بصيغة الجمع للتعظيم، وربما يدل الجمع على معاني أسمائه.\nأما في الآية الثانية فأضاف الفعل إلى الأيدي المضافة إليه مجموعة للتعظيم، فصار المراد بها نفسه المقدسة جل وعلا.\nوبهذا تبين الفرق بين قوله ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص: ٧٥] . وقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١]، وأنها ليست نظيرًا لها. وتبين أيضًا أن ظاهر النصوص في الصفات حق ثابت مراد لله تعالى على الوجه اللائق به، وأنه لا يستلزم نقصًا في حقه ولا تمثيلًا له بخلقه.\nلكن؛ لو كنا نخاطب شخصًا لا يفهم من ظاهرها إلا ما يقتضي التمثيل فإننا نقول له: إن هذا الظاهر الذي فهمته غير مراد، ثم نبين له أن هذا ليس ظاهر النصوص؛ لأنه باطل لا يقتضيه السياق كما سبق بيانه.","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>القاعدة الرابعة: توهم بعض الناس في نصوص الصفات والمحاذير المترتبة على ذلك</span>\n* اعلم أن كثيرًا من الناس يتوهم في بعض الصفات التي دلت عليها النصوص - أو كثير منها، أو أكثرها، أو كلها - أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم","vol":"1","page":64},{"text":"يريد أن ينفي ذلك الوهم الذي توهمه؛ فيقع في أربعة محاذير:\nالأول: أنه فهم من النصوص صفات تماثل صفات المخلوقين، وظن أن ذلك هو مدلول النص، وهذا فهم خاطئ؛ فإن الصفة التي دلت عليها النصوص تناسب موصوفها وتليق به.\nوتمثيل الخالق بالمخلوق كفر وضلال؛ لأنه تكذيب لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] .\nولا يمكن أن يكون ظاهر النصوص الكفر والضلال؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] . وقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] .\nالثاني: أنه جنى على النصوص؛ حيث نفى ما تدل عليه من المعاني الإلهية، ثم أثبت لها معاني من عنده لا يدل عليها ظاهر اللفظ، فكان جانيًا على النصوص من وجهين.\nالثالث: أنه نفى ما دلت عليه النصوص من الصفات بغير علم فيكون بذلك قائلًا على الله ما لا يعلم، وهذا محرم بالنص والإجماع، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] .\nالرابع: أنه إذا نفى عن الله ﷿ ما تقتضيه النصوص من صفات الكمال لزم أن يكون الله سبحانه متصفًا بنقيضها من صفات النقص؛ وذلك لأنه ما من موجود إلا وهو متصف بصفة، ولا يمكن وجود ذات مجردة عن الصفات، فإذا انتفت صفة الكمال عنها، لزم اتصافها بصفات النقص.","vol":"1","page":65},{"text":"وحينئذٍ؛ يكون من نفى عن الله تعالى ما تقتضيه النصوص من صفات الكمال متعديًا في حق الله تعالى، حيث جمع بين نفي صفات الكمال عنه، وتمثيله بالمنقوصات والمعدومات، بل قد يرتقي به الغلو في النفي إلى تمثيله بالممتنعات المستحيلات.\nويكون أيضًا جانيًا على النصوص حيث عطلها عما دلت عليه من صفات الكمال لله تعالى، وأثبت لها معاني من عنده لا يدل عليها ظاهرها.\nفيجمع بين النفي والتمثيل في صفات الله، وبين التحريف والتعطيل في نصوص الكتاب والسنة، ويكون ملحدًا في أسماء الله وآياته، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [لأعراف: ١٨٠] . وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠] .\n* مثال ذلك: أن الله تعالى أخبر عن نفسه أنه استوى على العرش فيتوهم واهم أنه كاستواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام، وأنه محتاج إلى العرش كحاجة الإنسان للأنعام والفلك، فلو عثرت الدابة لخر المستوي عليها، ولو انخرقت السفينة لغرق المستوي عليها، فقياس هذا أنه لو عدم العرش لسقط الرب - على قياسه الفاسد -، فينفي بذلك حقيقة الاستواء.\nومنشأ هذا الوهم الذي توهمه في استواء الله على عرشه ظنه أنه مثل استواء الإنسان على ظهور الأنعام والفلك، وهذا ظن فاسد؛ لأن الله تعالى أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة، لم يذكر استواء مطلقًا يصلح للمخلوق، ولا عامًا يتناول المخلوق، فتعين أن يكون استواءً خاصًا يليق به؛ كسائر صفاته","vol":"1","page":66},{"text":"وأفعاله لا يماثل استواء المخلوقين، كما أن الله نفسه لا يماثل المخلوقين.\nألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧]؟ هل يتوهم أحد أن بناءه إياها كبناء المخلوق سقف البيت، بحيث يحتاج إلى زنبيل ومجارف وضرب لبن، وجبل طين ونحو ذلك، فإذا كان لا يحتاج إلى ذلك في هذا الفعل من أفعاله، لزم أن لا يكون محتاجًا إلى العرش في استوائه عليه، بل هو سبحانه الغني عن العرش وغيره.\nفتجد هذا نفي حقيقة الاستواء الذي هو ظاهر النصوص وقع في تلك المحاذير الأربعة:\n- فقد مثل ما فهمه من استواء الله على عرشه باستواء المخلوقين.\n- وعطل النصوص عما دلت عليه من صفة الاستواء اللائق بالله، ثم حرفها إلى معان لا تدل عليها.\n- وكان نفيه لذلك وتعطيله بلا علم، بل عن جهل وظن فاسد.\n- ولزم من نفيه لصفة الكمال التي تضمنها الاستواء ثبوت صفة نقص بفوات هذا الكمال.\n* مثال آخر: قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك:١٦] . فيتوهم واهم أن الله تعالى داخل السماء، وأن السماء تحيط به كما لو قلنا: فلان في الحجرة فإن الحجرة محيطة به، فينفي بناء على هذا الوهم كون الله تعالى في السماء ويقول: إن الذي في السماء ملكه وسلطانه ... ونحو ذلك.\nومنشأ هذا الوهم ظنه أن \"في\" التي للظرفية تكون بمعنى واحد في جميع مواردها، وهذا ظن فاسد؛ فإن \"في\" يختلق معناه بحسب متعلقها؛ فإنه يفرق","vol":"1","page":67},{"text":"بين كون الشيء في المكان، وكون العرض في الجسم، وكون الوجه في المرآة، وكون الكلام في الورق المكتوب فيه، فلو قيل: هل العرش في السماء أو في الأرض؟ لقيل: في السماء؛ مع أن العرش أكبر من السماء كثيرًا.\nوعلى هذا فيخرج قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ على أحد وجهين:\nإما أن تكون السماء بمعنى العلو، فإن السماء يراد بها العلو كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [النمل: ٦٠] . والمطر ينزل من السحاب المسخر بين السماء والأرض لا من السماء نفسها، فيكون معنى كونه تعالى في السماء أنه في العلو المطلق فوق جميع المخلوقات، وليس هناك ظرف وجودي يحيط به إذ ليس فوق العالم شيء سوى الله تعالى.\nوإما أن تكون \"في\" بمعنى \"على\" كما جاءت بمعناها في مثل قوله تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧]؛ أي على الأرض، وقوله عن فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوع﴾ [طه: ٧١]؛ أي على جذوع النخل، وعلى هذا فيكون معنى قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]؛ أي على السماء أي فوقه، والله تعالى فوق السموات وفوق كل شيء.\nفتجد هذا الذي نفى أن يكون الله في السماء حقيقة وقع في المحاذير الأربعة:\n- فقد مثل ما فهمه من كون الله تعالى في السماء يكون المخلوق في الحجرة ونحو ذلك.\n- وعطل النصوص عما دلت عليه من علو الله في السماء، ثم","vol":"1","page":68},{"text":"حرفها إلى معان لا تدل عليها.\n- وكان نفيه وتعطيله بلا علم، بل عن جهل وظن فاسد.\n- ولزم من نفيه لصفة الكمال التي تضمنها كونه في السماء ثبوت صفة النقص؛ لأن نفيه لصفة العلو يستلزم أحد أمرين ولابد:\nفإما أن يكون الله تعالى في كل مكان بذاته! والقول بهذا في غاية الضلال والكفر، لأنه يستلزم إما تعدد الخالق، وإما تبعضه، ويستلزم كذلك: أن يكون في محلات القذر والأذى التي يتنزه عنها كل ذي مروءة، فضلًا عن الخالق.\nوإما أن يكون الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت، ولا متصلًا ولا منفصلًا، ولا مباينًا ولا محايثًا ... ونحو ذلك من العبارات المتضمنة للتعطيل المحض، وحقيقة هذا نفي وجود الخالق جل وعلا.","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>القاعدة الخامسة: في علمنا بما أخبر الله تعالى به عن نفسه</span>\nما أخبرنا الله به عن نفسه فهو معلوم لنا من جهة، ومجهول من جهة. معلوم لنا من جهة المعنى، ومجهول لنا من جهة الكيفية.\n* أما كونه معلومًا لنا من جهة المعنى فثابت بدلالة السمع؛ والعقل.\nفمن أدلة السمع قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] . وقوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] . وقوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] وقوله ﷺ: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\".","vol":"1","page":69},{"text":"فحث الله تعالى على تدبر القرآن كله ولم يستثن شيئًا منه، ووبخ من لم يتدبره، وبين أن الحكمة من إنزاله أن يتدبره الذين أنزل إليهم ويتعظ به أصحاب العقول، ولولا أن له معنى يعلم بالتدبر لكان الحث على تدبره من لغو القول، ولكان الاشتغال بتدبره من إضاعة الوقت، ولفاتت الحكمة من إنزاله، ولما حسن التوبيخ على تركه.\nوالحث على تدبر القرآن شامل لتدبر جميع آياته الخبرية العلمية والحكمية العملية، فكما أننا مأمورون بتدبر آيات الأحكام لفهم معناها والعمل بمقتضاها، إذ لا يمكن العمل بها بدون فهم معناها - فكذلك نحن مأمورون بتدبر آيات الأخبار لفهم معناها، واعتقاد مقتضاها، والثناء على الله تعالى بها، إذ لا يمكن اعتقاد ما لم نفهمه، أو الثناء على الله تعالى به-.\n- وأما دلالة العقل على فهم معاني ما أخبر الله تعالى به عن نفسه فمن وجهين:\nأحدهما: أن ما أخبر الله به عن نفسه أعلى مراتب الإخبار وأغلى مطالب الأخيار، فمن المحال أن يكون ما أخبر الله به عن نفسه مجهول المعنى، وما أخبر به عن فرعون، وهامان، وقارون، وعن قوم نوح، وعاد، وثمود، والذين من بعدهم، معلوم المعنى من أن ضرورة الخلق لفهم معنى ما أخبر الله به عن نفسه أعظم وأشد.\nالوجه الثاني: أنه من المحال أن ينزل الله تعالى على عباده كتابًا يعرفهم به بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، ويصفه بأنه عليِّ حكيم١ كريم٢ عظيم٣\n_________\n١ ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ .\n٢ ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ .\n٣ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ .","vol":"1","page":70},{"text":"مجيد١ مبين بلسان عربي ليعقل ويفهم٢ ثم تكون كلماته في أعظم المطالب غير معلومة المعنى، بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يعلمها الناس إلا أماني، ولا يخرجون بعلمها عن صفة الأمية كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِي﴾ [البقرة: ٧٨] .\nفإن قلت: ما الجواب عن قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، فإن هذا يقتضي أن في القرآن آيات متشابهات لا يعلم تأويلهن إلا الله؟!\nقلنا: الجواب أن للسلف في الوقف في هذه الآية قولين:\nأحدهما: الوقف عند قوله: ﴿إلا الله﴾ وهو قول جمهور السلف والخلف، وبناء عليه يكون المراد بالتأويل في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] الحقيقة التي يؤول الكلام إليها، لا التفسير الذي هو بيان المعنى. فتأويل آيات الصفات - على هذا - هو حقيقة تلك الصفات وكنهها، وهذا من الأمور الغيبية التي لا يدركها العقل ولم يرد بها السمع فلا يعلمها إلا الله.\nالثاني: الوصل فلا يقفون على قوله: ﴿إلا الله﴾ وهو قول جماعة من السلف والخلف، وبناء عليه يكون المراد بالتأويل في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] التفسير الذي هو بيان المعنى. وهذا معلوم للراسخين في العلم كما قال ابن عباس رضي الله\n_________\n١ ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ .\n٢ ﴿حم، إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ .","vol":"1","page":71},{"text":"عنهما: \"أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله\". وقال مجاهد: \"عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عن تفسيرها؟ \".\nوبهذا تبين أن الآية لا تدل على أن في القرآن شيئًا لا يعلم معناه إلا الله تعالى، وإنما تدل على أن في القرآن شيئًا لا يعلم حقيقته وكنهه إلا الله على قراءة الوقف، وتدل على أن الراسخين في العلم يعلمون معنى المتشابه الذي يخفى على كثير من الناس على قراءة الوصل.\nوعلى هذا؛ فلا تعارض مع ما ذكرناه من أنه ليس في القرآن شيء لا يعلم معناه.\nفصل\n* وأما كون ما أخبرنا الله به عن نفسه مجهولًا لنا من جهة الكيفية فثابت بدلالة السمع والعقل.\n- فأما دلالة السمع فمن وجهين:\nالأول: قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ فإن نفي الإحاطة علمًا شامل للإحاطة بذاته وصفاته، فلا يعلم حقيقة ذاته وكنهها إلا هو ﷾، وكذلك صفاته.\nالثاني: أن الله أخبرنا عن ذاته وصفاته، ولم يخبرنا عن كيفيتها، وعقولنا لا تدرك ذلك، فتكون الكيفية مجهولة، لنا، لا يحل لنا أن نتكلم فيها أو نقدرها بأذهاننا لقوله تعلى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء:٣٦] وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ","vol":"1","page":72},{"text":"الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] .\n- وأما دلالة العقل على ذلك: فلأن الشيء لا تدرك كيفيته إلا بمشاهدته، أو بمشاهدة نظير المساوي له، أو الخبر الصادق عنه، وكل هذه الطرق منتفية في كيفية ذات الله تعالى وصفاته، فتكون كيفية ذات الله وصفاته مجهولة لنا.\nوأيضًا؛ فإننا نقول: ما هي الكيفية التي تقدرها لذات الله تعالى وصفاته؟! إن أي كيفية تقدرها في ذهنك، أو تنطق بها بلسانك فالله أعظم وأجل من ذلك، وإن أي كيفية تقدرها في ذهنك، أو تنطق بها بلسانك فستكون كاذبًا فيها؛ لأنه ليس لك دليل عليها.\nتتمة\nبهذا التقرير الذي تبين به أنه لا يمكن أن يكون في القرآن شيء لا يعلم معناه إلا الله – يتبين بطلان مذهب المفوضة الذين يفوضون علم معاني آيات الصفات، ويدعون أن هذا هو مذهب السلف، وقد ضلوا فيما ذهبوا إليه، وكذبوا فيما نسبوه إلى السلف، فإن السلف إنما يفوضون علم الكيفية دون علم المعنى، وقد تواتر القول عنهم بإثبات معاني هذه النصوص إجمالًا أحيانًا، وتفصيلًا أحيانًا، فمن الإجمال قوله: \"أمروها كما جاءت بلا كيف\" ومن التفصيل ما سبق عن مالك في الاستواء.\nقال شيخ الإسلام ابن تيميه في كتابه \"درء تعارض العقل والنقل\" المعروف باسم \"العقل والنقل\" ١/١٦ المطبوع على هامش منهاج السنة ١/٢٠١ تحقيق رشاد سالم: \"وأما التفويض؛ فمن المعلوم أن الله أمرنا","vol":"1","page":73},{"text":"بتدبر القرآن، وحضنا على عقله وفهمه، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟! \".\nإلى أن قال: \"فعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص، ولا الملائكة، ولا السابقون الأولون، وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن - أو كثير مما وصف الله به نفسه - لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كلامًا لا يعقلون معناه\".\nقال: \"ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى وبيانًا للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نزل إليهم، وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته، أو عن كونه خالقًا لكل شيء وهو بكل شيء عليم، أو عن كونه أمر ونهى، ووعد وتوعد، أو عما أخبر به عن اليوم الآخر لا يعلم أحد معناه فلا يعقل، ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بين الناس ما نزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين.\nوعلى هذا التقدير؛ فيقول كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك، لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة، ولا يعلم أحد معناها، وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به.\nفيبقى هذا الكلام سدًا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحًا لباب من يعارضهم ويقول: إن الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء؛ لأنا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون، فضلًا عن أن يبينوا مرادهم، فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد\". أهـ كلامه ﵀.","vol":"1","page":74},{"text":"فصل: في التأويل\nالتأويل لغة: ترجيع الشيء إلى الغاية المرادة منه، من \"الأول\" وهو الرجوع.\nوفي الاصطلاح: رد الكلام إلى الغاية المرادة منه بشرح معناه أو حصول مقتضاه.\nويطلق على ثلاثة معان:\nالأول: التفسير: وهو توضيح الكلام بذكر معناه المراد به، ومنه قوله تعالى عن صاحبي السجن يخاطبان يوسف: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦] . وقول النبي ﷺ لابن عباس ﵄: \"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل\" وسبق قول ابن عباس ﵄: \"أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله\". ومنه قول ابن جرير وغيره من المفسرين \"تأويل قوله تعالى\" أي: تفسيره.\nوالتأويل بهذا المعنى معلوم لأهل العلم.\n* المعنى الثاني: مآل الكلام إلى حقيقته، فإن كان خبرًا فتأويله نفس حقيقة المخبر عنه - وذلك في حق الله كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره - وإن كان طلبًا فتأويله امتثال المطلوب.\n- مثال الخبر: قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] . أي ما ينتظر هؤلاء المكذبون إلا وقوع حقيقة ما أخبروا به من البعث والجزاء، ومنه قوله تعالى عن يوسف: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] .","vol":"1","page":75},{"text":"- ومثال الطلب: قول عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: \"سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي\" يتأول القرآن؛ أي: يمتثل ما أمره الله به في قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١-٣] .\nوتقول: فلان لا يتعامل بالربا يتأول قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] .\nوالتأويل بهذا المعنى مجهول حتى يقع فيدرك واقعًا.\nفأما قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] . فيحتمل أن يكون المراد بالتأويل فيها التفسير، ويحتمل أن يكون المراد به مآل الكلام إلى حقيقته بناء على الوقف فيها والوصل.\nفعلى قراءة الوقف عند قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾؛ يتعين أن يكون المراد به مآل الكلام إلى حقيقته؛ لأن حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر لا يعلمها إلا الله ﷿.\nوعلى قراءة الوصل يتعين أن يكون المراد به التفسير، لأن تفسيره معلوم للراسخين في العلم فلا يختص علمه بالله تعالى.\nفنحن نعلم معنى الاستواء أنه العلو والاستقرار، وهذا هو التأويل المعلوم لنا، لكننا نجهل كيفيته وحقيقته التي هو عليها، وهذا هو التأويل المجهول لنا.\nوكذلك نعلم معاني ما أخبرنا الله به من أسمائه وصفاته، ونميز الفرق بين هذه المعاني فنعلم معنى الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر ونحو ذلك","vol":"1","page":76},{"text":"ونعلم أن الحياة ليس هي العلم، وأن العلم ليس هو القدرة، وأن القدرة ليس هي السمع، وأن السمع ليس هو البصر ... وهكذا بقية الصفات والأسماء، لكننا نجهل حقائق هذه المعاني وكنهها الذي هي عليه بالنسبة إلى الله ﷿.\nوهذا المعنيان للتأويل هما المعنيان المعروفان في الكتاب والسنة وكلام السلف.\n* المعنى الثالث للتأويل: صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقتضيه. وإن شئت فقل: صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى يخالف الظاهر لدليل يقتضيه.\nوهذا اصطلاح كثير من المتأخرين الذين تكلموا في الفقه وأصوله، وهو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل نصوص الصفات وهل هو محمود أو مذموم؟ وهل هو حق أو باطل؟\nوالتحقيق: أنه إن دل عليه دليل صحيح فهو حق محمود يعمل به ويكون من المعنى الأول للتأويل وهو التفسير؛ لأن تفسير الكلام تأويله إلى ما أراده المتكلم به سواء كان على ظاهره، أم على خلاف ظاهره ما دمنا نعلم أنه مراد المتكلم.\nمثال ذلك: قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوه﴾ [النحل: ١] . فإن الله تعالى يخوف عباده بإتيان أمره المستقبل، وليس يخبرهم بأمر أتى وانقضى بدليل قوله: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوه﴾ .\nومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]؛ فإن ظاهر اللفظ إذا فرغت من القراءة، والمراد إذا أردت أن","vol":"1","page":77},{"text":"تقرأ؛ لأن النبي ﷺ كان يستعيذ إذا أراد أن يقرأ لا إذا فرغ من القراءة.\nوإن لم يدل عليه دليل صحيح كان باطلًا مذمومًا، وجديرًا بأن يسمى تحريفًا لا تأويلًا.\nمثال ذلك: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . فإن ظاهره أن الله تعالى علا على العرش علوًا خاصًا يليق بالله ﷿، وهذا هو المراد، فتأويله إلى أن معناه \"استولى\" و\"ملك\" تأويل باطل مذموم، وتحريف للكلم عن مواضعه؛ لأنه ليس عليه دليل صحيح.\nفصل\n* اعلم أن الله تعالى وصف القرآن بأنه محكم، وبأنه متشابه، وبأن بعضه محكم وبعضه متشابه.\nفالأول كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢] .\nوالثاني كقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] .\nوالثالث كقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] .\n- فالإحكام الذي وصف به جميع القرآن هو: الإتقان والجودة في اللفظ والمعنى، فألفاظ القرآن كله في أكمل البيان والفصاحة والبلاغة، ومعانيه أكمل المعاني وأجلها وأنفعها للخلق حيث تتضمن كمال الصدق في الأخبار، وكمال الرشد والعدل في الأحكام، كما قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] .\n- والتشابه الذي وصف به جميع القرآن هو: تشابه القرآن في الكمال","vol":"1","page":78},{"text":"والإتقان والائتلاف، فلا يناقض بعضه بعضًا في الأحكام، ولا يكذب بعضه بعضًا في الأخبار كما قال الله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] .\n- والإحكام الذي وصف به بعض القرآن هو: الوضوح والظهور بحيث يكون معناه واضحًا بينًا لا يشتبه على أحد، وهذا كثير في الأخبار والأحكام.\nمثاله في الأخبار قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] . فكل أحد يعرف شهر رمضان، وكل أحد يعرف القرآن.\nومثاله في الأحكام قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] . فكل أحد يعرف والديه، وكل أحد يعرف الإحسان.\n- وأما التشابه الذي وصف به بعض القرآن فهو: الاشتباه أي خفاء المعنى بحيث يشتبه على بعض الناس دون غيرهم، فيعلمه الراسخون في العلم دون غيرهم.\n* موقفنا من اختلاف هذه الأوصاف وكيفية الجمع بينها:\nموقفنا من اختلاف هذه الأوصاف وكيف نجمع بينها أن نقول:\n- إن وصف القرآن جميعه بالإحكام، ووصفه جميعه بالتشابه لا يتعارضان والجمع بينهما: أن الكلام المحكم المتقن يشبه بعضه بعضًا في الكمال والصدق، فلا يتناقض في أحكامه، ولا يتكاذب في أخباره.\n- وأما وصف القرآن بأن بعضه محكم وبعضه متشابه فلا تعارض بينهما أصلًا؛ لأن كل وصف وارد على محل لم يرد عليه الآخر، فبعض القرآن محكم ظاهر المعنى، وبعضه متشابه خفي المعنى، وقد انقسم الناس في ذلك إلى قسمين:","vol":"1","page":79},{"text":"فالراسخون في العلم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا، وإذا كان من عنده فلن يكون فيه اشتباه يستلزم ضلالًا أو تناقضًا، ويردون المتشابه إلى المحكم فصار مآل المتشابه إلى الإحكام.\nوأما أهل الضلال والزيغ فاتبعوا المتشابه وجعلوه مثارًا للشك والتشكيك فضلوا وأضلوا، وتوهموا بهذا المتشابه ما لا يليق بالله ﷿ ولا بكتابه ولا برسوله.\nمثال الأول ١: قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [يس: ١٢] . وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ... ونحوهما مما أضاف الله فيه الشيء إلى نفسه بصيغة الجمع.\nفاتبع النصراني هذا المتشابه وادعى تعدد الآلهة وقال: إن الله ثالث ثلاثة، وترك المحكم الدال على أن الله واحد.\nوأما الراسخون في العلم: فيحملون الجمع على التعظيم لتعدد صفات الله وعظمها، ويردون هذا المتشابه إلى المحكم في قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣] ويقولون للنصراني: إن الدعوى التي ادعيت – بما وقع لك من الاشتباه – قد كفرك الله بها وكذبك فيها فاستمع إلى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣]؛ أي كفروا بقولهم إن الله ثالث ثلاثة.\nومثال الثاني ٢: قوله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت﴾ [القصص: ٥٦] . وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] .\n_________\n١ توهم ما لا يليق بالله ﷿.\n٢ توهم ما لا يليق بالقرآن.","vol":"1","page":80},{"text":"ففي الآيتين موهم تعارض فيتبعه من في قلبه زيغ ويظن بينهما تناقضًا وهو النفي في الأولى، والإثبات في الثانية. فيقول: في القرآن تناقض.\nوأما الراسخون في العلم؛ فيقولون: لا تناقض في الآيتين فالمراد بالهداية في الآية الأولى هداية التوفيق، وهذه لا يملكها إلا الله وحده فلا يملكها الرسول ولا غيره. والمراد بها في الآية الثانية هداية الدلالة، وهذه تكون من الله تعالى ومن غيره فتكون من الرسل وورثتهم من العلماء الربانيين.\nومثال الثالث ١: قوله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤] .\nففي الآية ما يوهم وقوع الشك من النبي ﷺ مما أنزل إليه فيتبعه من في قلبه زيغ فيدعي أن النبي ﷺ وقع منه ذلك فيطعن في رسول الله ﷺ.\nوأما الراسخون في العلم؛ فيقولون: إن النبي ﷺ لم يقع منه شك ولا امتراء فيما أنزل إليه، كيف وقد شهد الله له بالإيمان في قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] . وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [لأعراف: ١٥٨]؟!\nويقولون: إن مثل هذا التعبير - ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤] – لا يلزم منه وقوع الشرط، بل ولا إمكانه كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ٢﴾ [الزخرف: ٨١]؛ فإن وجود الولد لله ﷿ ممتنع غاية\n_________\n١ توهم ما لا يليق برسول الله ﷺ.\n٢ في معنى هذه الآية أقوال: أظهرها أنه إن كان للرحمن ولد – على سبيل الفرض الممتنع – فإن ذلك لن يحملني على عبادة ذلك الولد، بل سأكون أول العابدين لله، ولن أعبد =","vol":"1","page":81},{"text":"الامتناع كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩١] . فكذلك الشك والامتراء من رسول الله ﷺ فيما أنزل إليه ممتنع غاية الامتناع، ولكن جاءت العبارة بهذه الصيغة الشرطية لتأكيد امتناع الشك والامتراء من رسول الله ﷺ فيما أنزل إليه من الله ﷿.\n* فإن قلت: ما الحكمة من كون بعض القرآن متشابهًا؟\nفالجواب: أن الحكمة من ذلك ابتلاء العباد واختبارهم ليتبين الصادق في إيمانه من الشاك الجاهل الزائغ، فالصادق في إيمانه الراسخ في عمله الذي يؤمن بالله وكلماته، ويعلم أن كلام الله ﷿ ليس فيه تناقض، ولا اختلاف فيرد ما تشابه منه إلى ما كان محكمًا، ليصير كله محكمًا. وأما من الشاك الجاهل الزائغ الذي يتبع ما تشابه منه، ليضرب كتاب الله تعالى بعضه ببعض، فيضل ويضل، ويكون إمامًا في الضلال والشقاء فيفتن الناس في دينهم، ويوقعهم في الشك والحيرة، ويفتن بعضهم ببعض ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ، رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٧-٨] .\nتتمة\n* التشابه الواقع في القرآن نوعان: حقيقي ونسبي:\n- فالحقيقي: ما لا يعلمه إلا الله ﷿ مثل: حقيقة ما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر فإنا – وإن كنا نعلم معاني تلك الأخبار – لا نعلم\n_________\n= الولد، وذلك لأن المعبود لم يذكر فيها، فنصرف المعنى إلى من لا تصح العبادة إلا له وهو الله تعالى.","vol":"1","page":82},{"text":"حقائقها وكنهها كما قال الله تعالى عن نفسه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] . وقال: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] . وقال عما في اليوم الآخر: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] . وفي الحديث القدسي الثابت في الصحيحين عن النبي ﷺ أن الله قال: \"أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر\".\nفما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر فيه ألفاظ متشابهة تشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا، كما أخبر عن نفسه أنه حي، عليم، قدير، سميع، بصير ... ونحو ذلك.\nونحن نعلم أن ما دلت عليه هذه الأسماء من الصفات ليس مماثلًا في الحقيقة لما للمخلوق منها، فحقيقتها لا يعلم معناها إلا الله.\nكما نعلم أن في الجنة لحمًا، ولبنًا، وعسلًا، وماء، وخمرًا ... ونحو ذلك، ولكن ليس حقيقة ذلك من جنب ما في الدنيا، وحينئذ لا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى.\nوالإخبار عن الغائب لا يفهم إن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، ويعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد، مع العلم بالفارق المميز، وأن ما أخبر الله به من الغيب أعظم مما يعلم في الشاهد.\nوهذا النوع الذي لا يعلمه إلا الله لا يسأل عنه لتعذر الوصول إليه.\n- وأما النسبي؛ فهو ما يكون مشتبهًا على بعض الناس دون بعض، فيعلم منه الراسخون في العلم والإيمان ما يخفى على غيرهم، إما لنقص في علمهم أو تقصير في طلبهم، أو قصور في فهمهم، أو سوء في قصدهم.","vol":"1","page":83},{"text":"وهذا النوع يسأل عن بيانه، لأنه يمكن الوصول إليه، إذ ليس في القرآن شيء لا يتبين معناه لأحد من الناس، كيف وقد قال الله ﷿: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] . وقال: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨] . وقال: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨-١٩] . وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] . وقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥] .\nولهذا النوع أمثلة كثيرة في المسائل العلمية الخبرية، والمسائل العملية الحكمية، وغالب المسائل التي اختلف الناس فيها أوكلها من هذا النوع.\nفمن أمثلة ذلك في المسائل العلمية الخبرية: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] . حيث اشتبه على النفاة أهل التعطيل ففهموا منه انتفاء الصفات عن الله تعالى، ظنًا منهم أن إثباتها يستلزم مماثلة الله تعالى للمخلوقين؛ فنفوا عن الله تعالى ما وصف به نفسه أو بعضه، وأعرضوا عن الأدلة السمعية والعقلية الدالة على ثبوت صفات الكمال لله ﷿، وغفلوا عن كون الاشتراك في أصل المعنى لا يستلزم المماثلة في الحقيقة.\nثم لو أمعنوا في النظر في هذا المنفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لتبين لهم أنه يدل على ثبوت الصفات لا على انتفائها، لأن نفي المماثلة يدل على ثبوت أصل المعنى، لكن لكماله تعالى لا يماثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولولا ثبوت أصل الصفة لم يكن لنفي المثل فائدة.\nومن أمثلة ذلك في المسائل العملية الحكمية قوله ﷺ: \"صلوا كما","vol":"1","page":84},{"text":"رأيتموني أصلي\".\nحيث اشتبه على بعض الناس ففهموا منه أنه شامل للكمية والكيفية، وبنوا على ذلك أنه لا تجوز الزيادة في صلاة الليل على العدد الذي كان النبي ﷺ يقوم به، فلا يزاد في التراويح في رمضان على إحدى عشرة، أو ثلاثة عشرة ركعة.\nولكن من تأمل الحديث وجده دالًا على الكيفية فقط دون الكمية، إلا أن تكون الكمية في ضمن الكيفية كعدد الصلاة الواحدة.\nويدل لذلك ما ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رجلًا سأل النبي ﷺ وهو على المنبر: ما ترى في صلاة الليل؟ قال: \"مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح صلى واحدة فأوترت له ما صلى\". وفي رواية: أن السائل قال: كيف صلاة الليل؟ ولو كان عدد قيام الليل محصورًا لبينه النبي ﷺ لهذا السائل، ولهذا كان الراجح أن يقتصر في قيام الليل على إحدى عشرة أو ثلاثة عشرة وإن زاد على ذلك فلا بأس.\nوأمثلة ذلك كثيرة، تعلم من كتب الفقه المعنية بذكر الخلاف والترجيح بين الأقوال والله المستعان.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>القاعدة السادسة: في ضابط ما يجوز لله ويمتنع عنه نفيًا وإثباتًا</span>\nصفات الله تعالى دائرة بين النفي والإثبات – كما سبق – فلابد من ضابط لهذا وذاك.\n* فالضابط في النفي أن ينفى عن الله تعالى:","vol":"1","page":85},{"text":"أولًا: كل صفة عيب كالعمى والصمم والخرس والنوم والموت ... ونحو ذلك.\nثانيًا: كل نقص في كماله كنقص حياته أو علمه أو قدرته أو عزته أو حكمته ... أو نحو ذلك.\nثالثًا: مماثلته للمخلوقين كأن يجعل علمه كعلم المخلوق، أو وجهه كوجه المخلوق، أو استواؤه على عرشه كاستواء المخلوق ... ونحو ذلك.\nفمن أدلة انتفاء الأول عنه: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] . فإن ثبوت المثل الأعلى له - وهو الوصف الأعلى - يستلزم انتفاء كل صفة عيب.\nومن أدلة انتفاء الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [قّ: ٣٨] .\nومن أدلة انتفاء الثالث: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .\n* وبهذا علم أنه لا يصح الاعتماد في ضابط النفي على مجرد نفي التشبيه وذلك لوجهين:\nالأول: أنه إن أريد بالنفي نفي التشابه المطلق أي: نفي التساوي من كل وجه بين الخالق والمخلوق فإن هذا لغو من القول إذ لم يقل أحد بتساوي الخالق والمخلوق من كل وجه، بحيث يثبت لأحدهما من الجائز والممتنع والواجب ما يثبت للآخر، ولا يمكن أن يقوله عاقل يتصور ما يقول، فإنه مما يعلم بضرورة العقل وبداهة الحس انتفاؤه، وإذا كان كذلك لم يكن لنفيه فائدة.\nوإن أريد بالنفي مطلق التشابه أي: نفي التشابه من بعض الوجوه","vol":"1","page":86},{"text":"فهذا النفي لا يصح إذ ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك يشتركان فيه، وقدر مختص يتميز به كل واحد عن الآخر، فيشتبهان من وجه، ويفترقان من وجه.\nفالحياة – مثلًا - وصف مشترك بين الخالق والمخلوق، قال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] . وقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيّ﴾ [الروم: ١٩] . لكن حياة الخالق تختص به فهي حياة كاملة من جميع الوجوه لم تسبق بعدم ولا يلحقها فناء، بخلاف حياة المخلوق فإنها حياة ناقصة مسبوقة بعدم متلوة بفناء قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦-٢٧] .\nفالقدر المشترك - وهو مطلق الحياة - كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر، لكن ما يختص به كل واحد ويتميز به لم يقع فيه اشتراك، وحينئذ لا محذور من الاشتراك في هذا المعنى الكلي، وإنما المحذور أن يجعل أحدهما مشاركًا للآخر فيما يختص به.\nثم إن إرادة ذلك – أعني: نفي مطلق التشابه – تستلزم التعطيل المحض، لأنه إذا نفي عن الله تعالى صفة الوجود مثلًا - بحجة أن للمخلوق صفة وجود فإثباتها للخالق يستلزم التشبيه على هذا التقدير - لزم على نفيه أن يكون الخالق معدومًا، ثم يلزمه على هذا اللازم الفاسد أن يقع في تشبيه آخر وهو تشبيه الخالق بالمعدوم لاشتراكهما في صفة العدم فيلزمه - على قاعدته – تشبيه بالمعدوم. فإن نفى عنه الوجود والعدم وقع في تشبيه ثالث أشد وهو تشبيه بالممتنعات؛ لأن الوجود والعدم نقيضان يمتنع انتفاؤهما كما يمتنع اجتماعهما.\nفإن قال قائل: إن الشيء إذا شارك غيره من وجه جاز عليه من ذلك الوجه ما يجوز على الآخر، وامتنع عليه ما يمتنع، ووجب له ما يجب؟","vol":"1","page":87},{"text":"فالجواب من وجهين:\nأحدهما: المنع، فيقال لا يلزم من اشتراك الخالق والمخلوق في أصل الصفة أن يتماثلا فيه فيما يجوز ويمتنع ويجب، لأن مطلق المشاركة لا يستلزم المماثلة.\nالثاني: التسليم، فيقال هب أن الأمر كذلك ولكن إذا كان ذلك القدر المشترك لا يستلزم إثبات ما يمتنع على الرب سبحانه، ولا نفي ما يستحقه لم يكن ممتنعًا، فإذا اشتركا في صفة الوجود، والحياة، والعلم، والقدرة، واختص كل موصوف بما يستحقه ويليق به كان اشتراكهما في ذلك أمرًا ممكنًا لا محذور فيه أصلًا، بل إثبات هذا من لوازم الوجود، فإن كل موجودين لابد بينهما من مثل هذا، ومن نفاه لزمه تعطيل وجود كل موجود، لأن نفي القدر المشترك يلزم منه التعطيل العام.\nوهذا الموضع من فهمه فهمًا جيدًا وتدبره زالت عنه عامة الشبهات وانكشف له غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام.\nفصل\nالوجه الثاني: مما يدل على أنه لا يصح الاعتماد في ضابط النفي على مجرد نفي التشبيه: أن الناس اختلفوا في تفسير التشبيه فقد يفسره بعضهم بما لا يراه الآخرون تشبيهًا.\n- مثال ذلك مع المعتزلة ومن سلك طريقهم من النفاة: أنهم جعلوا من أثبت لله تعالى علمًا قديمًا، أو قدرة قديمة مشبهًا ممثلًا، لأن القدم أخص وصف الإله عند جمهورهم، فمن أثبت له علمًا قديمًا أو قدرة قديمة فقد أثبت له مثيلًا.","vol":"1","page":88},{"text":"والمثبتون يجيبونهم تارة بالمنع، وبالتسليم تارة.\nأما المنع؛ فيقولون: ليس القدم أخص وصف الإله، وإنما أخص وصف الإله ما لا يتصف به غيره، مثل: كونه رب العالمين، وأنه بكل شيء قدير، وأنه الإله ... ونحو ذلك.\nوالصفات وإن وصفت بالقدم كما توصف به الذات لا يقتضي ذلك أن تكون إلهًا أو ربًا أو نحو ذلك، كما أن النبي - مثلًا – يوصف بالحدوث، وتوصف صفاته بالحدوث، ولا يقتضي ذلك أن تكون صفاته نبيًا.\nوعلى هذا فلا يكون إثبات الصفات القديمة لله تعالى تمثيلًا، ولا تشبيهًا.\nوأما التسليم فيقولون: نحن وإن سلمنا أن هذا المعنى قد يسمى في اصطلاح بعض الناس تشبيهًا أو تمثيلًا فإنه لم ينفه عقل ولا سمع، وحينئذ فلا مانع من إثباته.\nفالقرآن إنما نفى مسمى المثل، والكفء والند ... ونحو ذلك، والصفة في لغة العرب التي نزل بها القرآن ليست مثل الموصوف، ولا كفؤًا له، ولا ندًا فلا تدخل فيما نفاه القرآن.\nفالواجب نفي ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية فقط.\n- مثال آخر: مع الأشاعرة ونحوهم ممن ينفي علوه على عرشه ونحوه دون صفة الحياة، والعلم، والقدرة ونحوها فيقول: إن هذه الصفات قد تقوم بما ليس بجسم بخلاف العلو فإنه لا يقوم إلا بجسم فلو أثبتناه لزم أن يكون جسمًا، والأجسام متماثلة فيلزم التشبيه.\nوالمثبتون يجيبونهم تارة بمنع المقدمة الأولى وهي قولهم: \"إن العلو لا","vol":"1","page":89},{"text":"يقوم إلا بجسم\" وتارة بمنع المقدمة الثانية وهي قولهم: \"إن الأجسام متماثلة\" وتارة بمنع المقدمتين، وتارة بالاستفصال، فيقولون: إن أردتم بالجسم جسمًا مؤلفًا من لحم وعظم وأجزاء يفتقر بعضها إلى بعض، أو يحتاج إلى مقومات خارجية، فهذا ممتنع بالنسبة إلى الله الغني الحميد، وليس بلازم من إثبات الصفات، وإن أردتم بالجسم ما كان قائمًا بنفسه موصوفًا بالصفات اللائقة به، فهذا حق ثابت لله ﷿ ولا يلزم عليه شيء من اللوازم الباطلة.\nوإذا تبين اختلاف الناس في تفسير التشبيه صار الاعتماد على مجرد نفيه باطلًا، لأنه يلزم منه نفي صفات الكمال عن الله تعالى عند من يرى أن إثباتها يستلزم التشبيه.\nوعلى هذا فالضابط الصحيح فيما ينفى عن الله تعالى ما سبق في أول القاعدة.\nفصل\n* فإذا تبين أنه لا يصح الاعتماد في ضابط النفي على مجرد نفي التشبيه وأنه طريق فاسد، فإن أفسد منه ما يسلكه بعض الناس حيث يعتمدون فيما ينفى عن الله تعالى على نفي التجسيم والتحيز ... ونحو ذلك، فتجدهم إذا أرادوا أن يحتجوا على من وصف الله تعالى النقائص من: الحزن، والبكاء، والمرض والولادة ... ونحوها يقولون له: لو اتصف الله بذلك لكان جسمًا، أو متحيزًا، وهذا ممتنع، هذه حجتهم عليه!\nوهذه طريقة فاسدة لا يحصل بها المقصود لوجوه:\nالأول: أن لفظ \"الجسم\" و\"الجوهر\" و\"التحيز\" ونحوها عبارات مجملة مشتبهة لا تحق حقًا، ولا تبطل باطلًا، ولذلك لم تذكر فيما وصف الله وسمى به نفسه؛","vol":"1","page":90},{"text":"لا نفيًا ولا إثباتًا، لا في كتاب الله تعالى، ولا في سنة رسوله ﷺ، ولم يسلكه أحد من سلف الأمة وأئمتها، وإنما هي عبارات مبتدعة أنكرها السلف والأئمة.\nالثاني: أو وصف الله تعالى بهذه النقائض أظهر فسادًا في العقل والدين من وصفه بالتحيز والتجسيم، فإن كفر من وصفه بهذه النقائص معلوم بالضرورة من الدين، بخلاف التحيز والتجسيم لما فيهما من الاشتباه والخفاء.\nوإذا كان وصف الله تعالى بهذه النقائص أظهر فسادًا من وصفه بالحيز والجسم، فإنه لا يصح الاستدلال بالأخفى على الأظهر؛ لأن الدليل مبين للمدلول ومثبت له فلابد أن يكون أبين وأظهر منه.\nالثالث: أن من وصفوه بهذه النقائص يمكنهم أن يقولوا نحن نصفه بذلك، ولا نقول بالتجسيم والتحيز كما يقوله من يثبت لله صفات الكمال مع نفي القول بالتجسيم والتحيز، فيكون كلام من يصف الله بصفات الكمال ومن يصفه بصفات النقص واحدًا، ويبقى الرد عليهما بطريق واحد وهو أن الإثبات مستلزم للتجسيم والتحيز، وهذا في غاية الفساد والبطلان.\nوالرابع: أن الذين اعتمدوا في ضابط ما ينفى عن الله على نفي التجسيم والتحيز نفوا عن الله تعالى صفات الكمال بهذه الطريقة. واتصاف الله تعالى بصفات الكمال واجب ثابت بالسمع والعقل؛ فيكون كل ما اقتضى نفيه باطلًا بالسمع والعقل، وبه يتبين فساد تلك الطريقة وبطلانها.\nالخامس: أن سالكي هذه الطريقة متناقضون، فكل من أثبت شيئًا ونفى غيره ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات، وكل من نفى شيئًا واثبت غيره ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من النفي.\nمثال ذلك: أن من أثبتوا لله تعلى الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع","vol":"1","page":91},{"text":"والبصر، والكلام دون غيرها من الصفات قال لهم نفاة ذلك – كالمعتزلة -: إثبات هذه تجسيم؛ لأن هذه الصفات أعراض والعرض لا يقوم إلا بجسم.\nفيرد عليهم أولئك بأنكم أنتم أثبتم أنه حي، عليم، قدير، وقلتم ليس بجسم مع أنكم لا تعرفون حيًا عالمًا قادرًا إلا جسمًا، فأثبتموه على خلاف ما عرفتم، فكذلك نحن نثبت هذه الصفات ولا نقول إنه جسم فهذا تناقض المعتزلة.\nأما تناقض خصومهم الذين أثبتوا الصفات السبع السابقة دون غيرها فقد قالوا لمن أثبت صفة الرضا، والغضب، ونحوها: إثبات الرضا والغضب، والاستواء، والنزول، والوجه، واليدين ونحوها تجسيم لأننا لا نعرف ما يوصف بذلك إلا ما هو جسم. فيرد عليهم المثبتة بأنكم أنتم وصفتموه بالحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، ولا يعرف ما يوصف بذلك إلا ما هو جسم، فإن لزمنا التجسيم فيما أثبتناه لزمكم فيما أثبتموه، وإن لم يلزمكم فيما أثبتموه لم يلزمنا فيما أثبتناه وإن ألزمتمونا به، لأنه لا فرق بين الأمرين، وتفريقكم بينهما تناقض منكم.\nفصل\n* وأما الضابط في باب الإثبات: فأن نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه من صفات الكمال على وجه لا نقص فيه بأي حال من الأحوال لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠] . والمثل الأعلى هو الوصف الأكمل الذي لا يماثله شيء.\nفصفات الله تعالى كلها صفات كمال، سواء كانت صفات ثبوت، أم صفات نفي. وقد سبق أن النفي المحض لا يوجد في صفات الله تعالى، وأن المقصود بصفات النفي نفي تلك الصفة لا تصافه بكمال ضدها.","vol":"1","page":92},{"text":"* ولهذا لا يصح في ضابط الإثبات أن نعتمد على مجرد الإثبات بلا تشبيه؛ لأنه لو صح ذلك لجاز أن يثبت المفتري لله سبحانه كل صفة نقص مع نفي التشبيه فيصفه بالحزن والبكاء والجوع والعطش ... ونحوها مما ينزه الله عنه مع نفي التشبيه، فيقول: إن الله يحزن لا كحزن العباد، ويبكي لا كبكائهم، ويجوع لا كجوعهم، ويعطش لا كعطشهم، ويأكل لا كأكلهم، كما أنه يفرح لا كفرحهم، ويضحك لا كضحكهم، ويتكلم لا ككلامهم.\nولجاز أيضًا أن يثبت المفتري لله سبحانه أعضاء كثيرة مع نفي التشبيه فيقول: إن لله تعالى كبدًا لا كأكباد العباد، وأمعاء لا كأمعائهم ... ونحو ذلك مما ينزه الله تعالى عنه، كما أن له وجهًا لا كوجوههم، ويدين لا كأيديهم.\nثم يقول المفتري لمن نفى ذلك وأثبت الفرح، والضحك، والكلام، والوجه، واليدين: أي فرق بين ما نفيت وما أثبت، إذا جعلت مجرد نفي التشبيه كافيًا في الإثبات؛ فأنا لم أخرج عن هذا الضابط فإني اثبت ذلك بدون تشبيه؟\nفإن قال النافي: الفرق هو السمع أي الدليل من الكتاب والسنة فما جاء به الدليل أثبته وما لم يجئ به لم أثبته.\nقال المفتري: السمع خبر والخبر دليل على المخبر عنه، والدليل لا ينعكس فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه؛ لأنه قد يثبت بدليل آخر، فما لم يرد به السمع يجوز أن يكون ثابتًا في نفس الأمر وإن لم يرد به السمع، ومن المعلوم أن السمع لم يرد بنفي كل هذه الأمور بأسمائها الخاصة فلم يرد بنفي الحزن، والبكاء، والجوع، والعطش، ونفي الكبد، والمعدة، والأمعاء، وإذا لم يرد بنفيها جاز أن تكون ثابتة في نفس الأمر، فلا يجوز نفيها بلا دليل.\nوبهذا ينقطع النافي لهذه الصفات حيث اعتمد فيما ينفيه على مجرد","vol":"1","page":93},{"text":"نفي التشبيه، ويعلم أنه لا يصح الاعتماد عليها، وإنما الاعتماد على ما دل عليه السمع والعقل من وصف الله تعالى بصفات الكمال على وجه لا نقص فيه، وعلى هذا فكل ما ينافي صفات الكمال الثابتة لله، فالله منزه عنه؛ لأن ثبوت أحد الضدين نفي للآخر ولما يستلزمه.\nوبهذا يمكن دفع ما أثبته هذا المفتري لله تعالى من صفات النقص فيقال: الحزن، والبكاء، والجوع، والعطش صفات نقص منافية لكماله فتكون منتفية عن الله، ويقال أيضًا: الأكل، والشرب مستلزم للحاجة والحاجة نقص، وما استلزم النقص فهو نقص، ويقال أيضًا، الكبد، والمعدة، والأمعاء آلات الأكل والشرب، والمنزه عن الأكل والشرب منزه عن آلات ذلك.\nوأما الفرح، والضحك، والغضب، ونحوها فهي صفات كمال لا نقص فيها فلا تنتفي عنه لكنها لا تماثل ما يتصف به المخلوق منها فإنه سبحانه لا كفء له، ولا سمي، ولا مثل، فلا يجوز أن تكون حقيقة ذاته كحقيقة شيء من ذوات المخلوقين، ولا حقيقة شيء من صفاته كحقيقة شيء من صفات المخلوقين؛ لأنه ليس من جنس المخلوقات، لا الملائكة، ولا الآدميين، ولا السموات، ولا الكواكب، ولا الهواء، ولا الأرض وغير ذلك.\nبل يعلم أن حقيقته على مماثلة شيء من الموجودات أبعد من سائر الحقائق، لأن الحقيقتين إذا تماثلتا جاز على الواحدة ما يجوز على الأخرى، ووجب لها ما يجب للأخرى، وامتنع عليها ما يمتنع على الأخرى، فيلزم أن يجوز على الخالق الواجب بنفسه ما يجوز على المخلوق المحدث، وأن يثبت لهذا المخلوق ما يثبت للخالق فيكون الشيء الواجد واجبًا بنفسه غير واجب بنفسه، موجودًا معدومًا، وهذا جمع بين النقيضين.","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>الأصل الثاني: في القدر والشرع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>الإيمان بالقدر ومرتبته في الدين</span>\n...\nالأصل الثاني في القدر والشرع١\n* القدر: تقدير لله تعالى لما كان وما يكون أزلًا وأبدًا.\n* والإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان السنة التي بينها رسول الله ﷺ لجبريل حين سأله عن الإيمان فقال: \"أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره\".\n* والإيمان بالقدر والشرع من تمام الإيمان بربوبية الله تعالى.\n* وللإيمان بالقدر مراتب أربع:\nالمرتبة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى قد علم بعلمه الأزلي الأبدي ما كان وما يكون من صغير وكبير، وظاهر وباطن مما يكون من أفعاله، أو أفعال مخلوقاته.\nالمرتبة الثانية: الإيمان بأن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، فما من شيء كان أو يكون إلا وهو مكتوب مقدر قبل أن يكون.\nودليل هاتين المرتبتين في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسوله ﷺ:\n- أما الكتاب: فمنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ\n_________\n١ سبق الكلام على الأصل الأول \"الصفات\".","vol":"1","page":95},{"text":"وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] . وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] .\n- وأما السنة: فمنها قوله ﷺ: \"كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة\" قال: \"وعرشه على الماء\". أخرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.\nوروى البخاري في صحيحه من حديث عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء\".\nوروى الإمام أحمد والترمذي من حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب. قال: رب وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة\". وهو حديث حسن.\nالمرتبة الثالثة: الإيمان بمشيئة الله تعالى وأنها عامة في كل شيء، فما وجد موجود، ولا عدم معدوم من صغير وكبير، وظاهر وباطن في السموات والأرض إلا بمشيئة الله ﷿ سواء كان ذلك من فعله تعالى أم من فعل مخلوقاته.\nالمرتبة الرابعة: الإيمان بخلق الله تعالى وأنه خالق كل شيء من صغير وكبير، وظاهر وباطن، وأن خلقه شامل لأعيان هذه المخلوقات وصفاتها وما يصدر عنها من أقوال، وأفعال، وآثار.","vol":"1","page":96},{"text":"ودليل هاتين المرتبتين قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٢-٦٣] . وقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] . وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] .\nولم يخلق شيئًا إلا بمشيئته؛ لأنه تعالى لا مكره له لكمال ملكه وتمام سلطانه.\nقال الله تعالى مبينًا أن فعله بمشيئته: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧] . وقال: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [القصص: ٨٢] .\nوقال مبينًا أن فعل مخلوقاته بمشيئته: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ* وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨-٢٩] . وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] .\n* والقدر لا ينافي الأسباب القدرية أو الشرعية التي جعلها الله تعالى أسبابًا، فإن الأسباب من قدر الله تعالى، وربط المسببات بأسبابها هو مقتضى الحكمة التي هي من أجل صفات الله ﷿، والتي أثبتها الله لنفسه في مواضع كثيرة من كتابه.\n- فمن الأسباب القدرية قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِه﴾ إلى قوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ","vol":"1","page":97},{"text":"ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٤٨-٥٠] .\n- ومن الأسباب الشرعية قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥-١٦] .\nوكل فعل رتب الله عليه عقابًا أو ثوابًا فهو من الأسباب الشرعية باعتبار كونه مطلوبًا من العبد، ومن الأسباب القدرية باعتبار وقوعه بقضاء الله وقدره.\nوالناس في الأسباب طرفان ووسط:\nفالطرف الأول: نفاة أنكروا تأثير الأسباب وجعلوها مجرد علامات يحصل الشيء عندها لا بها، حتى قالوا: إن انكسار الزجاجة بالحجر إذا رميتها به حصل عند الإصابة لا بها. وهؤلاء خالفوا السمع، وكابروا الحس، وأنكروا حكمة الله تعالى في ربط المسببات بأسبابها.\nوالطرف الثاني: غلاة أثبتوا تأثير الأسباب، لكنهم غلوا في ذلك وجعلوها مؤثرة بذاتها، وهؤلاء وقعوا في الشرك، حيث أثبتوا موجدًا مع الله تعالى وخالفوا السمع والحس. فقد دل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أنه لا خالق إلا الله، كما أننا نعلم بالشاهد المحسوس أن الأسباب قد تتخلف عنها مسبباتها بإذن الله، كما في تخلف إحراق النار لإبراهيم الخليل حين ألقي فيها فقال الله تعالى: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] . فكانت بردًا وسلامًا عليه ولم يحترق بها.\nوأما الوسط: فهم الذين هدوا إلى الحق وتوسطوا بين الفريقين وأخذوا بما مع كل واحد منهما من الحق، فأثبتوا للأسباب تأثيرًا في مسبباتها لكن لا بذاتها بل بما أودعه الله تعالى فيها من القوى الموجبة.","vol":"1","page":98},{"text":"وهؤلاء هم الطائفة الوسط الذين وفقوا للصواب وجمعوا بين المنقول والمعقول، والمحسوس.\n* وإذا كان القدر لا ينافي الأسباب الكونية والشرعية فهو لا ينافي أن يكون للعبد إرادة وقدرة يكون بهما فعله، فهو مريد قادر فاعل لقوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَة﴾ [آل عمران: ١٥٢] . وقوله: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] . وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] . وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] .\nلكنه غير مستقل بإرادته وقدرته وفعله، كما لا تستقل الأسباب بالتأثير في مسبباتها لقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩] . ولأن إرادته وقدرته وفعله من صفاته وهو مخلوق، فتكون هذه الصفات مخلوقة أيضًا، لأن الصفات تابعة للموصوف، فخالق الأعيان خالق لأوصافها.\n* فإن قال قائل: أفلا يصح على هذا التقرير أن يحتج بالقدر من خالف الشرع؟\nفالجواب: أن الاحتجاج بالقدر على مخالفة الشرع لا يصح كما دل على ذلك الكتاب والسنة والنظر:\n- أما الكتاب: فمن أدلته قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] فأبطل الله حجتهم هذه بقوله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] .","vol":"1","page":99},{"text":"ومنها قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] .\nفبين الله تعالى أن الحجة قامت على الناس بإرسال الرسل، ولا حجة لهم على الله بعد ذلك، ولو كان القدر حجة ما انتفت بإرسال الرسل.\nوأما السنة: فمن أدلتها ما ثبت في الصحيحين عن علي بن أبي طالب – ﵁ – أن النبي ﷺ قال: \" ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة\". قالوا: يا رسول الله! أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: \"اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة. ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥-١٠] .\n- وأما النظر: فمن أدلته:\n١- أن تارك الواجب وفاعل المحرم يقدم على ذلك باختياره لا يشعر أن أحدًا أكرهه عليه، ولا يعلم أن ذلك مقدر؛ لأن القدر سر مكتوم فلا يعلم أحد أن شيئًا ما قدره الله تعالى إلا بعد وقوعه.\nفكيف يصح أن يحتج بحجة لا يعلمها قبل إقدامه على ما اعتذر بها عنه؟!!\nولماذا لم يقدر أن الله تعالى كتبه من أهل السعادة، فيعمل بعملهم، دون أن يقدر أن الله كتبه من أهل الشقاوة، ويعمل بعملهم؟!\n٢- أن إقحام النفس في مآثم ترك الواجب وفعل المحرم ظلم لها وعدوان","vol":"1","page":100},{"text":"عليها، كما قال الله تعالى عن المكذبين للرسل: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم﴾ [هود: ١٠١] . ولو أن أحدًا ظلم المحتج بالقدر على مخالفته، ثم قال له: ظلمي إياك كان بقدر الله. لم يقبل منه هذه الحجة، فكيف لا يقبل هذه الحجة بظلم غيره له، ثم يحتج بها بظلمه هو لنفسه؟!\n٣- أن هذا المحتج لو خير في السفر بين بلدين أحدهما: بلد آمن مطمئن فيه أنواع المآكل، والمشارب، والتنعم، والثاني: بلد خائف قلق، فيه أنواع البؤس، والشقاء، لاختار السفر إلى البلد الأول ولا يمكن أن يختار الثاني محتجًا بالقدر، فلماذا يختار الأفضل في مقر الدنيا، ولا يختاره في مقر الآخرة؟\n* فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى لرسوله ﷺ: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٦-١٠٧] . فأخبر أن شركهم واقع بمشيئة الله تعالى؟\nقيل له: الجواب عنه: أن الله تعالى أخبر أن شركهم واقع بمشيئته تسلية لرسوله ﷺ لا دفاعًا عنهم، وإقامة للعذر لهم، بخلاف احتجاج المشركين على شركهم بمشيئة الله، فإنما قصدوا به دفع اللوم عنهم وإقامة العذر على استمرارهم على الشرك؛ ولهذا أبطل الله احتجاجهم ولم يبطل أن شركهم واقع بمشيئته.\nفإن قال قائل: ما الجواب عما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"احتج آدم وموسى – وفي لفظ: تحاج آدم وموسى – فقال موسى: يا آدم! أنت أبونا خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أتلومني على أمر قدره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحج آدم موسى، فحج آدم موسى ثلاثًا\". وعند أحمد: \"فحجه آدم\". أي غلبه في الحجة.","vol":"1","page":101},{"text":"قيل له: الجواب من وجهين:\nأحدهما: أن احتجاج آدم بالقدر كان على المصيبة التي حصلت عليه وهي إخراجه وزوجه من الجنة، فإن موسى ﵊ لم يكن ليعتب على آدم في معصية تاب منها إلى الله تعالى فاجتباه ربه وتاب عليه وهدى، فإن هذا بعيد جدًا أن يقع من موسى ﵊ وهو أجل قدرًا من أن يلوم أباه ويعتب عليه في هذا، وإنما عنى بذلك المصيبة التي حصلت لآدم وبنيه وهي الإخراج من الجنة الذي قدره الله عليه بسبب المعصية، فاحتج آدم على ذلك بالقدر من باب الاحتجاج بالقدر على المصائب، لا على المعايب فهو كقوله ﷺ: \"احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء الله فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان\" رواه مسلم.\nفقد أرشد النبي ﷺ إلى تفويض الأمر إلى قدر الله بعد فعل الأسباب التي يحصل بها المطلوب ثم يتخلف.\nونظير هذا أن يسافر شخص فيصاب بحادث في سفره فيقال له: لماذا تسافر؟ فيقول: هذا أمر مقدر والمقدر لا مفر منه، فإنه لا يحتج هنا بالقدر على السفر لأنه يعلم أنه لا مكره له وأنه لم يسافر ليصيبه الحادث، وإنما يحتج بالقدر على المصيبة التي ارتبطت به.\nوهذا هو الوجه الذي اختاره الشيخ المؤلف في هذه العقيدة.\nالوجه الثاني: أن الاحتجاج بالقدر على ترك الواجب، أو فعل المحرم بعد التوبة جائز مقبول، لأن الأثر المترتب على ذلك قد زال بالتوبة فانمحى به توجه اللوم على المخالفة، فلم يبق إلا محض القدر الذي احتج به لا ليستمر على ترك الواجب، أو فعل المحظور ولكن تفويضًا إلى قدر الله تعالى الذي لابد من وقوعه.","vol":"1","page":102},{"text":"وقد أشار إلى هذا ابن القيم في شفاء العليل وقال إنه لم يدفع بالقدر حقًا ولا ذكره حجة له على باطل ولا محذور في الاحتجاج به، وأما الموضوع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل بأن يرتكب فعلًا محرمًا، أو يترك واجبًا فيلومه عليه لائم فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره، فيبطل بالاحتجاج به حقًا ويرتكب باطلًا، كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] . ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] . فاحتجوا به مصوبين لما هم عليه وأنهم لم يندموا على فعله ولم يعزموا على تركه ولم يقروا بفساده، فهذا ضد احتجاج من تبين له خطأ نفسه، وندم وعزم كل العز على أن لا يعود ... ونكتة المسألة: أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعًا فالاحتجاج بالقدر باطل، ثم ذكر حديث علي ﵁ حين طرقه النبي ﷺ وفاطمة ليلًا فقال: \"ألا تصليان\". الحديث. وأجاب عنه بأن احتجاج علي صحيح [ولذلك لم ينكر عليه النبي ﷺ] ١ وصاحبه يعذر فيه؛ فالنائم غير مفرط، واحتجاج غير المفرط بالقدر صحيح.\n_________\n١ مابين القوسين مني.","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>فصل: في ضرورة الإيمان بالقدر والشرع</span>\n* لابد للإنسان من الإيمان بالقدر لأنه أحد أركان الإيمان الستة، ولأنه من تمام توحيد الربوبية، ولأن به تحقيق التوكل على الله تعالى وتفويض الأمر إليه مع القيام بالأسباب الصحيحة النافعة، ولأن به اطمئنان الإنسان في","vol":"1","page":103},{"text":"حياته حيث يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ولأن به ينتفي الإعجاب بالنفس عند حصول المراد، لأنه يعلم أن حصوله بقدر الله، وأن عمله الذي حصل به مراده ليس إلا مجرد سبب يسره الله له، ولأن به يزول القلق والضجر عند فوات المراد أو حصول المكروه، لأنه يعلم أن الأمر كله لله فيرضى ويسلم. وإلى هذين الأمرين يشير قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:٢٢-٢٣] .\n* ولابد للإنسان أيضًا من الإيمان بالشرع وهو ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام من أمر الله ونهيه، وما يترتب عليهما من الجزاء ثوابًا أو عقابًا، فيقوم بما يلزمه نحو الأمر والنهي، ويؤمن بما يترتب عليهما من الجزاء.\nوذلك لأن الإنسان مريد فلابد له من فعل يدرك به ما يريد، ويدفع به ما لا يريد، ولابد له من ضابط يضبط تصرفه لئلا يقع فيما يضره، أو يفوته ما ينفعه من حيث لا يشعر.\nوالشرع الإلهي الذي جاءت به الرسل هو الذي يضبط ذلك، ويصدر الحكم به، ويكون به التمييز بين النافع والضار، والصالح والفاسد، لأنه من عند الله العليم، الرحيم، الحكيم.\nوالعقول وإن كانت تدرك النافع والضار في الجملة، لكن تفصيل ذلك والإحاطة به إحاطة تامة إنما يكون من جهة الشرع.\nولهذا نقول: النفع أو الضرر قد يكون معلومًا بالفطرة، وقد يكون معلومًا بالعقل، وقد يكون معلومًا بالتجارب، وقد يكون معلومًا بالشرع. فالشرع يأتي","vol":"1","page":104},{"text":"مؤيدًا لما شهدت به الفطرة والعقل والتجارب، وهذه تأتي شاهدة لما جاء به الشرع.\nوفي هذا المقام اختلف الناس في الأعمال هل يعرف حسنها وقبحها بالشرع أو بالعقل والتحقيق: أن ذلك يعرف تارة بالشرع، وتارة بالعقل، وتارة بهما، لكن علم ذلك على وجه الشمول والتفصيل وعلم غايات الأعمال في الآخرة من سعادة، وشقاء ونحو ذلك لا يعلم إلا بالشرع.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>أقسام الناس في الإيمان القدر</span>\n...\nفصل\n* إذا تبين أنه لابد للإنسان من الإيمان بالقدر والإيمان بالشرع، فاعلم أن الناس انقسموا في ذلك إلى قسمين:\nالقسم الأول: أهل الهدى والفلاح الذين آمنوا بقضاء الله وقدره على ما سبق بيانه من المراتب الأربع، وآمنوا أيضًا بشرعه فقاموا بأمره ونهيه وآمنوا بما ترتب على ذلك من جزاء، ولم يحتجوا بقدره على شرعه، أو بشرعه على قدره، ولم يجعلوا ذلك تناقضًا من الخالق، وهؤلاء هم أهل الحق الذين حققوا مقام ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] المؤمنين بمقتضى قوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [لأعراف: ٥٤] .\nالقسم الثاني: أهل الضلال والهلاك المخالفون للجماعة، وهم ثلاث فرق: مجوسية ... ومشركية ... وإبليسية.\n- فالمجوسية هم: القدرية الذين آمنوا بشرع الله، وكذبوا بقدره. فغلاتهم أنكروا عموم علم الله تعالى وقالوا: إن الله تعالى لم يقدر أعمال العباد ولا علم له بها قبل وقوعها، ومقتصدوهم آمنوا بعلم الله بها قبل وقوعها. وأنكروا أن تكون واقعة بقدر الله تعالى وأن تكون مخلوقة له.","vol":"1","page":105},{"text":"وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم. ومذهبهم باطل بما سبق في أدلة مراتب القدر.\n- والمشركية: هم الذين أقروا بقدر الله واحتجوا به على شرعه كما قال الله تعالى عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] .\n- والإبليسية: هم الذين أقروا بالأمرين بالقدر وبالشرع لكن جعلوا ذلك تناقضًا من الله ﷿، وطعنوا في حكمته تعالى، وقالوا: كيف يأمر العباد وينهاهم، وقد قدر عليهم ما قدر قد يكون مخالفًا لما أمرهم به ونهاهم عنه؟ فهل هذا إلا التناقض المحض والتصرف المنافي للحكمة؟!\nوهؤلاء أتباع إبليس فقد احتج على الله ﷿ حين أمره أن يسجد لآدم فقال إبليس: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] .\nوالرد على هاتين الفرقتين معلوم من الرد على المحتجين بالقدر على معصية الله تعالى.","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>فصل: الشرع</span>\n...\nفصل\n* وأما الشرع فهو ما جاءت به الرسل من عبادة الله تعالى التي من أجلها خلق الله الجن والإنس لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . وذلك هو الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] فالإسلام هو الاستسلام لله وحده بالطاعة فعلًا للمأمور وتركًا","vol":"1","page":106},{"text":"للمحظور في كل زمان ومكان كانت الشريعة فيه قائمة.\nوهذا هو الإسلام بالمعنى العام.\nوعلى هذا يكون أصحاب الملل السابقة مسلمين حين كانت شرائعهم قائمة لم تنسخ كما قال الله تعالى عن نوح وهو يخاطب قومه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢]، وقال عن إبراهيم: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]، وقال أيضًا: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣١-١٣٢]، وقال عن موسى في مخاطبته قومه: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]، وقال عن التوراة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] . وقال عن الحواريين أتباع عيسى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] . وقال عن ملكة سبأ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] .\nوأما الإسلام بالمعنى الخاص فيختص بشريعة محمد ﷺ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] . وقال في أمته: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ [الحج: ٧٨] .\nفلا إسلام بعد بعثته إلا باتباعه، لأن دينه مهيمن على الأديان كلها ظاهر عليها، وشريعته ناسخة للشرائع السابقة كلها.","vol":"1","page":107},{"text":"قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١] .\nوالذي جاء مصدقًا لما مع الرسل قبله هو محمد ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] . وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] . وهذا يعم الظهور قدرًا وشرعًا.\nفمن بلغته رسالة النبي ﷺ فلم يؤمن به ويتبعه لم يكن مؤمنًا ولا مسلمًا بل هو كافر من أهل النار؛ لقول النبي ﷺ: \"والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة – يعني أمة الدعوة – يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار\". أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁.\n* وبهذا يعلم أن النزاع فيمن سبق من الأمم هل هم مسلمون أو غير مسلمين؟ نزاع لفظي، وذلك لأن الإسلام بالمعنى العام يتناول كل شريعة قائمة بعث الله بها نبيًا فيشمل إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء ما دامت شريعته قائمة غير منسوخة بالاتفاق كما دلت على ذلك النصوص السابقة، وأما بعد بعثة النبي محمد ﷺ فإن الإسلام يختص بما جاء به، فمن لم يؤمن به ويتبعه فليس بمسلم، ومن زعم أن مع دين محمد ﷺ دينًا سواه قائمًا مقبولًا عند الله تعالى من دين اليهود، أو النصارى، أو غيرهما فهو مكذب؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإٌِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] .","vol":"1","page":108},{"text":"* وإذا كان الإسلام اتباع الشريعة القائمة؛ فإنه إذا نسخ شيء منها لم يكن المنسوخ دينًا بعد نسخه ولا اتباعه إسلامًا، فاستقبال بيت المقدس – مثلًا – كان دينًا وإسلامًا قبل نسخه، ولم يكن دينًا ولا إسلامًا بعده. وزيارة القبور لم تكن دينًا ولا إسلامًا حين النهي عنها، وكانت دينًا وإسلامًا بعد الأمر بها.","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>فصل: مبنى الإسلام على التوحيد</span>\n...\nفصل\nمبنى الإسلام على توحيد الله ﷿، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] . ولابد في التوحيد من الجمع بين النفي والإثبات، لأن النفي وحده تعطيل، والإثبات وحده لا يمنع المشاركة، فلا توحيد إلا بنفي وإثبات.\nوقد قسمه العلماء – بالتتبع والاستقراء – إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، توحيد الألوهية، توحيد الأسماء والصفات.\nوقد جمع الله هذه الأقسام في قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] .\nفأما توحيد الربوبية: فهو إفراد لله تعالى بالخلق، والملك، والتدبير:\n* ومن أدلته قوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] . وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾ [آل عمران: ١٨٩] . وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَه﴾ [سبأ: ٢٢] .\n* وهذا قد أقر به المشركون الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ كما قال","vol":"1","page":109},{"text":"الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] . ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] . وقال تعالى: ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١] . وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤-٩٠] .\n* ولم يكن أحد من هؤلاء المشركين ولا غيرهم ممن يقر بالخالق يعتقد أن أحدًا من الخلق شارك الله تعالى في خلق السموات والأرض أو غيرهما، ولا أن للعالم صانعين متكافئين في الصفات والأفعال، ولم ينقل أرباب المقالات الذين جمعوا ما قبل في الملل والنحل والآراء والديانات عن أحد من الناس أنه قال بذلك.\n- وغاية ما نقلوا قول الثنوية القائلين بالأصلين: النور، والظلمة، وأن النور خلق الخير، والظلمة خلقت الشر، لكنهم لا يقولون بتساويهما وتكافئهما:\nفالنور مضيء موافق للفطرة، بخلاف الظلمة.\nوالنور قديم، ولهم في الظلمة قولان: أحدهما: أنها محدثة مخلوقة للنور، فيكون النور أكمل منها. الثاني: أنها قديمة لكنها لا تخلق إلا الشر.\nفصارت الظلمة ناقصة عن النور في مفعولاتها، كما أنها ناقصة عنه في وجودها وصفاتها.\nوأما قول فرعون لقومه حين جمعهم فنادى: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] . وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾","vol":"1","page":110},{"text":"[القصص: ٣٨]؛ فمكابرة لم يصدر عن عقيدة، بل كان يعتقد في قرارة نفسه أن الله هو رب السموات والأرض، ولهذا لم يكذب موسى حين قال له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] . واقرأ قوله تعالى عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤] .\n- وأما قول من قال من الناس: إن بعض الحوادث مخلوقة لغير الله كالقدرية الذين يقولون إن العباد خلقوا أفعالهم، فإنهم يقرون بأن العباد مخلوقون والله تعالى هو خالقهم وخالق قدرتهم.\n- وكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم الذين يجعلون بعض المخلوقات مبدعة لبعض الأمور يعتقدون أن هذه الفاعلات مخلوقة حادثة.\nوبهذا يتقرر أنه لم يكن أحد من الناس يدعي أن للعالم صانعين متكافئين.","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>فصل: توحيد الألوهية</span>\n...\nفصل\nوأما توحيد الألوهية فهو: إفراد الله تعالى بالعبادة بأن يعبد وحده ولا يعبد غيره من ملك، أو رسول، أو نبي، أو ولي، أو شجر، أو حجر، أو شمس، أو قمر، أو غير ذلك كائنًا من كان.\nومن أدلته قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] . وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] . وقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] . وقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو","vol":"1","page":111},{"text":"الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] .\n* وهذا النوع قد أنكره المشركون الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ كما قال الله تعالى عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥-٣٦] . وقال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ، وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [صّ: ٤-٦] .\nومن أجل إنكارهم إياه قاتلهم النبي ﷺ واستباح دماءهم وأموالهم وسبي نسائهم وذرياتهم بإذن الله تعالى وأمره، ولم يكن إقرارهم بتوحيد الربوبية مخرجًا لهم عن الشرك، ولا عاصمًا لدمائهم وأموالهم.\n* وتحقيق هذا النوع أن يعبد الله وحده لا شريك له بشرعه الذي جاءت به رسله كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] . فمن لم يعبد الله تعالى فهو مستكبر غير موحد، ومن عبده وعبد غيره فهو مشرك غير موحد، ومن عبده بما لم يشرعه فهو مبتدع ناقص التوحيد حيث جعل لله تعالى شريكًا في التشريع.\n* والعبادة تطلق على معنيين:\nأحدهما: التعبد، وهو فعل العابد فتكون بمعنى التذلل للمعبود حبًا وتعظيمًا. وهذان – أعني الحب والتعظيم – أساس العبادة؛ فبالحب يكون طلب الوصول إلى مرضاة المعبود بفعل ما أمر به، وبالتعظيم يكون الهرب من أسباب غضبه بترك ما نهى عنه.","vol":"1","page":112},{"text":"الثاني: المتعبد به، فتكون اسمًا جامعًا لكل ما يتعبد به لله تعالى كالطهارة، والصلاة، والصدقة، والصوم، والحج وبر الوالدين وصلة الأرحام ... وغير ذلك من أنواع العبادة.\n* وللعبادة شرطان:\nأحدهما: الإخلاص لله ﷿ بألا يريد بها سوى وجه الله والوصول إلى دار كرامته، وهذا من تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله.\nالثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله بألا يتعبد لله تعالى بغير ما شرعه، وهذا من تحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله.\nفالمشرك في العبادة لا تقبل عبادته، ولا تصح لفقد الشرط الأول.\nوالمبتدع فيها لا تقبل ولا تصح لفقد الشرط الثاني.\n* وقد دل على هذين الشرطين كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ:\n- فمن أدلة اشتراط الإخلاص من كتاب الله: قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ* أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص﴾ [الزمر: ٢-٣] . وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] . وقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ... إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة المتنوعة الدلالة.\n- ومن أدلته من السنة: ما أخرجه البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"يا أيها الناس! إنما الأعمال بالنية وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن هاجر إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه\". هذا أحد ألفاظ البخاري.","vol":"1","page":113},{"text":"وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه\".\n- ومن أدلة اشتراط المتابعة لرسول الله ﷺ من كتاب الله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] . وقوله في وصف النبي ﷺ: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ... إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة المتنوعة الدلالة.\n- ومن أدلته من السنة: ما أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\". أي: مردود.\nوفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ كان يقول إذا خطب الناس يوم الجمعة: \"أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة\". وصح عنه ﷺ أنه قال: \"إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة\". رواه أحمد وأبو داود.\nولا تتحقق المتابعة إلا بموافقة العبادة للشرع في سببها، وجنسها، وقدرها، وكيفيتها، وزمانها، ومكانها.","vol":"1","page":114},{"text":"* والعبادة أنواع كثيرة:\nفمنها الصلاة والذبح، لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] . وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] . فمن صلى لغير الله فهو مشرك، ومن ذبح لغير الله تقربًا وتعظيمًا فهو مشرك.\n- ومنها التوكل لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] . وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] .\nولهذا لما كان التوكل خاصًا به كان وحده هو الحسب كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣] .\nفأما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] . فمعناه أن الله هو حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين فقوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ معطوف على الكاف في قوله: ﴿حَسْبُكَ﴾ وليس معطوفًا على ﴿اللَّهُ﴾ كما ظنه بعض الغالطين، فإن هذا يفسد به المعنى إذ يكون المعنى على هذا التقدير: أن الله والمؤمنين حسب النبي ﷺ وهذا باطل، فإن مقام النبي ﷺ أعلى وأقوى من مقام من اتبعه، فكيف يكون الأدنى حسبًا للأعلى والأقوى؟!\n- ومنها الخشية والخوف تعبدًا وتقربًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] . وقوله: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْن﴾ [المائدة: ٣] . وقوله: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٣] وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] . فجعل الرهبة له وحده كما جعل العبادة له","vol":"1","page":115},{"text":"وحده في قوله: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦] .\n- ومنها التقوى تعبدًا وتقربًا لقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١] . وقوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ [النحل: ٥٢] . وقوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ [النحل: ٥٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] .","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>فصل: توحيد الأسماء والصفات</span>\n...\nفصل\nوأما توحيد الأسماء والصفات: فهو إفراد الله تعالى بأسمائه وصفاته وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.\n* فلا يجوز نفي شيء مما سمى الله به نفسه، أو وصف به نفسه لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠] . ولأن ذلك تعطيل يستلزم تحريف النصوص أو تكذيبها مع وصف الله تعالى بالنقائص والعيوب.\n* ولا يجوز تسمية الله تعالى أو وصفه بما لم يأت في الكتاب والسنة؛ لأن ذلك قول على الله تعالى بلا علم وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] . وقال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] .\n* ولا يجوز إثبات اسم أو صفة لله تعالى مع التمثيل لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . وقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا","vol":"1","page":116},{"text":"لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤] . ولأن ذلك إشراك بالله تعالى يستلزم تحريف النصوص أو تكذيبها مع تنقص الله تعالى بتمثيله بالمخلوق الناقص.\n* ولا يجوز إثبات اسم أو صفة لله تعالى مع التكييف؛ لأن ذلك قول على الله تعالى بلا علم، يستلزم الفوضى والتخبط في صفات الله تعالى إذ كل واحد يتخيل كيفية معينة غير ما تخيله الآخر، ولأن ذلك محاولة لإدراك مالا يمكن إدراكه بالعقول، فإنك مهما قدرت من كيفية فالله أعلى وأعظم.\n* وهذا النوع من التوحيد هو الذي كثر فيه الخوض بين أهل القبلة فانقسموا في النصوص الواردة فيه إلى ستة أقسام:\nالقسم الأول: من أجروها على ظاهرها اللائق بالله تعالى من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، وهؤلاء هم السلف، وهذا هو الصواب المقطوع به لدلالة الكتاب، والسنة، والعقل، والإجماع السابق عليه دلالة قطعية أو ظنية.\nالقسم الثاني: من أجروها على ظاهرها لكن جعلوها من جنس صفات المخلوقين. وهؤلاء هم الممثلة، ومذهبهم باطل بالكتاب، والسنة والعقل، وإنكار السلف.\nالقسم الثالث: من أجروها على خلال ظاهرها، وعينوا لها معاني بعقولهم، وحرفوا من أجلها النصوص. وهؤلاء هم أهل التعطيل فمنهم من عطل تعطيلًا كبيرًا كالجهمية والمعتزلة ونحوهم، ومنهم من عطل دون ذلك كالأشاعرة.\nالقسم الرابع: من قالوا: الله أعلم بما أراد بها، فوضوا علم معانيها إلى","vol":"1","page":117},{"text":"الله وحده. وهؤلاء هم أهل التجهيل المفوضة، وتناقض بعضهم فقال: الله أعلم بما أراد، لكنه لم يرد إثبات صفة خارجية له تعالى.\nالقسم الخامس: من قالوا: يجوز أن يكون المراد بهذه النصوص إثبات صفة تليق بالله تعالى وأن لا يكون المراد ذلك. وهؤلاء كثير من الفقهاء وغيرهم.\nالقسم السادس: من أعرضوا بقلوبهم وأمسكوا بألسنتهم عن هذا كله واقتصروا على قراءة النصوص ولم يقولوا فيها بشيء١.\nوهذه الأقسام سوى الأولى باطلة كما قد تبين في غير هذا الموضع.\n_________\n١ ذكر هذه الأقسام في \"الفتوى الحموية\".","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>فصل: غلط عامة المتكلمين في مسمى التوحيد</span>\n...\nفصل\n* وبهذا التقرير عن أقسام التوحيد يتبين غلط عامة المتكلمين في مسمى التوحيد حيث جعلوه ثلاثة أنواع:\nالأول: أن الله واحد في ذاته لا قسيم له، أو لا جزء له، أو لا بعض له.\nالثاني: أنه واحد في صفاته لا شبيه له.\nالثالث: أنه واحد في أفعاله لا شريك له.\n* وبيان غلطهم في وجوه:\nأحدها: أنهم لم يدخلوا فيه توحيد الألوهية، وهو أن الله تعالى واحد في ألوهيته لا شريك له فيفرد وحده بالعبادة.\n- مع أن هذا النوع من التوحيد هو الذي من أجله خلق الجن والإنس؛","vol":"1","page":118},{"text":"لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] .\n- ومن أجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] . وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت﴾ [النحل: ٣٦] . وقد قام الرسل عليهم الصلاة والسلام بذلك يدعون قومهم ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٩] . أي: ما لكم من معبود حق غير الله، فجميع الآلهة سواه باطلة كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان: ٣٠] .\n- ومن أجله قامت المعارك الكلامية والقتالية بين الرسل وأقوامهم المكذبين لهم كما قال الله تعالى عن قوم نوح: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [هود: ٣٢] . وقال عن قوم هود: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ، إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٣- ٥٤] . وقال في إبراهيم وقومه: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ، أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ، قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ، قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٦ - ٦٩] . وقال عن المكذبين لمحمد ﷺ: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء:٣٦] وقال: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ* أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ، وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى","vol":"1","page":119},{"text":"آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص: ٤ - ٦] . وقال في أعدائه: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ٢] .\nوالمهم أن هذا التوحيد الذي هذا شأنه قد أغفله عامة المتكلمين الذين يتكلمون في أنواع التوحيد، وهو أحد وجوه غلطهم في مسمى التوحيد.\nالوجه الثاني: قولهم: \"إن الله واحد في ذاته لا قسيم له ... \" الخ فيه إجمال:\n- فإن أرادوا به أن الله تعال لا يتجزأ ولا يتفرق ولا يكون مركبًا من أجزاء فهذا حق، فإن الله تعالى أحد صمد، لم يلد ولم يكن له كفوًا أحد.\n- وإن أرادوا به مع ذلك نفي ما وصف به نفسه كعلوه واستوائه على عرشه، ووجهه، ويديه ونحو ذلك – وهذا مرادهم – فهو باطل، لأن الله تعالى قد أثبت لنفسه من صفات الكمال من هذا وغيره ما هو أهل له. وتوحيده فيها إثباتها له على الوجه اللائق به بدون تمثيل لا أن تنفى عنه بنوع من التحريف والتعطيل.\nالوجه الثالث: قولهم: \"واحد في صفاته لا شبيه له\" فيه إجمال:\nفإن أرادوا به إثبات صفات الله تعالى على الوجه اللائق به من غير أن يماثله أحد فيما يختص به فهذا حق، وهو مذهب السلف لكن عامة المتكلمين لا يريدون ذلك.\nوإن أرادوا به نفي أن يكون شيء من المخلوقات مماثلًا له من كل وجه، لهذا لغو لا حاجة إليه فهو كقول القائل: السماء فوقنا والأرض تحتنا، لأن مماثلة الخالق للمخلوق من كل وجه معلوم الانتفاء، - بل الامتناع - بضرورة","vol":"1","page":120},{"text":"العقل، والسمع، وإجماع العقلاء؛ ولهذا لم يثبت أحد من الأمم أحدًا مماثلًا لله تعالى من كل وجه، وغاية من شبه به شيئًا أن يشبهه به في بعض الأمور.\n- وإن أرادوا به نفي أن يكون بين صفات الخالق والمخلوق قدر مشترك مع تميز كل منهما بما يختص به – وهذا مرادهم – فهو باطل، لأنه قد علم بضرورة العقل أن كل موجودين قائمين بأنفسهما لابد من قدر مشترك بينهما مع تميز كل واحد منهما بما يختص به، كاتفاقهما في مسمى الوجود والذات والقيام بالنفس ... ونحو ذلك، ونفي هذا القدر تعطيل محض.\nوالقول بهذا المراد لا يمنع نفي ما يجب لله تعالى من صفات الكمال عند من يرى أن إثبات ذلك يستلزم التشبيه، فقد سبق أن أهل التعطيل من الجهمية والمعتزلة وغيرهم أدخلوا نفي الصفات في مسمى التوحيد وقالوا: من أثبت لله علمًا أو قدرة ونحو ذلك فهو مشبه غير موحد، وزاد عليهم غلاة الفلاسفة والقرامطة فأدخلوا فيه نفي الأسماء وقالوا: من قال إن الله عليم قدير ... ونحو ذلك فهو مشبه غير موحد، وزاد عليهم غلاة الغلاة فقالوا: إن الله لا يوصف بما يتضمن إثباتًا أو نفيًا، فمن نفى عنه صفة، أو أثبت له صفة فهو مشبه غير موحد!\nوقد سبق الرد على هؤلاء الطوائف في أول الرسالة ولله الحمد.\nالوجه الرابع: قولهم: \"واجد في أفعاله لا شريك له\" وهذا أشهر أنواع التوحيد عندهم، ويعنون به أن خالق العالم واحد، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب وأن هذا معنى \"لا إله إلا الله\" فيجعلون معناها: لا قار على الاختراع إلا الله.\nومعلوم أن هذا خطأ من وجهين:","vol":"1","page":121},{"text":"الأول: أن هذا الذي قرروه قد أقر به المشركون الذين قاتلهم النبي ﷺ فإنهم لم يجعلوا لله شريكًا في أفعاله كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١] . ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] . ومع هذا لم يكونوا موحدين بل هم مشركون بدلالة الكتاب والسنة والإجماع المعلوم بالضرورة من دين الإسلام لكونهم أنكروا توحيد الألوهية وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [صّ: ٥] ولهذا قاتلهم النبي ﷺ مستبيحًا دماءهم وأموالهم، وسبى ذراريهم ونساءهم.\nالثاني: أن تفسيرهم \"لا إله إلا الله\" بهذا التفسير الذي ذكروه أي أنه لا قادر على الاختراع إلا الله، يقتضي أن من أقر بأن الله وحده هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أن لا إله إلا الله وعصم دمه وماله.\nومعلوم أن تفسيرها بهذا المعنى باطل مخالف لما عرفه المسلمون منها فإن تفسيرها الصحيح: أن لا معبود حق إلا الله، هذا هو الذي يعرفه المسلمون من معناها، بل والمشركون، ألا ترى إلى قول الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥ - ٣٦] . وكانوا لا يستكبرون عن الإقرار بقلوبهم وألسنتهم بأن الله هو الخالق وحده، ولا يدعون أن آلهتهم تخلق شيئًا، فتبين بذلك أن المشركين أعلم وأفقه بمعنى لا إله إلا الله من هؤلاء المتكلمين، وأن غاية ما يقرره هؤلاء المتكلمون من التوحيد توحيد الربوبية الذي لا يخلص الإنسان من الشرك، ولا يعصم به دمه وماله، ولا يسلم به من الخلود في النار.\nوقد سلك هذا المسلك طوائف من أهل التصوف المنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد، فكان غاية ما عندهم من التوحيد: أن يشهد المرء أن الله","vol":"1","page":122},{"text":"رب كل شيء، ومليكه، وخالقه لاسيما إذا غاب العارف بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء توحيد الربوبية بحيث ينفى من لم يكن ويبقى من لم يزل.\nومعلوم أن هذه الغاية هي ما أقر به المشركون من التوحيد، وهي غاية لا يكون بها الرجل مسلمًا، فضلًا عن أن يكون من أولياء الله تعالى وسادة خلقه.","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>فصل: في الفناء وأقسامه</span>\n* الفناء لغة: الزوال. قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧] .\n* والفناء في الاصطلاح ثلاثة أقسام:\nالأول: ديني شرعي: وهو الفناء عن إرادة السوى، أي: عن إرادة ما سوى الله ﷿ بحيث يفنى بالإخلاص لله عن الشرك، وبشريعته عن البدعة، وبطاعته عن معصيته، وبالتوكل عليه عن التعلق بغيره، وبمراد ربه عن مراد نفسه ... إلى غير ذلك مما يشتغل به من مرضاة الله عما سواه.\n- وحقيقته: انشغال العبد بما يقربه إلى الله ﷿ عما لا يقربه إليه وإن سمي فناء في اصطلاحهم.\n- وهذا فناء شرعي به جاءت الرسل، ونزلت الكتب، وبه قيام الدين والدنيا وصلاح الآخرة والدنيا.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] . وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ","vol":"1","page":123},{"text":"أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] . وقال: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٢] . وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩] .\n- وهذا هو الذوق الإيماني الحقيقي الذي لا يعادله ذوق:\nففي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذا أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار\".\nوفي صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولًا\".\nالقسم الثاني: صوفي بدعي: وهو: الفناء عن شهود السوى، أي: عن شهود ما سوى الله تعالى، وذلك أنه بما ورد على قلبه من التعلق بالله ﷿ وضعفه عن تحمل هذا الوارد ومقاومته غاب عن قلبه كل ما سوى الله ﷿، ففني بهذه الغيبوبة عن شهود ما سواه، ففني بالمعبود عن العبادة وبالمذكور عن الذكر، حتى صار لا يدري أهو في عبادة وذكر أم لا؟! لأنه غائب عن ذلك بالمعبود والمذكور لقوة سيطرة الوارد على قلبه.\n- وهذا فناء يحصل لبعض أرباب السلوك.\n- وهو فناء ناقص من وجوه:","vol":"1","page":124},{"text":"الأول: أنه دليل على ضعف قلب الفاني، وأنه لم يستطع الجمع بين شهود المعبود والعبادة، والآمر والمأمور به، واعتقد أنه إذا شاهد العبادة والأمر اشتغل به عن المعبود والآمر، بل إذا ذكر العبادة والذكر كان ذلك اشتغالًا عن المعبود والمذكور.\nالثاني: أنه يصل بصاحبه إلى حال تشبه حال المجانين والسكارى، حتى إنه ليصدر عنه من الشطحات القولية والفعلية المخالفة للشرع ما يعلم هو وغيره غلطه فيها كقول بعضهم في هذه الحال: سبحاني.. سبحاني ... أنا الله ... ما في الجبة إلا الله ... أنصب خيمتي على جهنم ... ونحو ذلك من الهذيان والشطح.\nالثالث: أن هذا الفناء لم يقع من المخلصين الكمل من عباد الله؛ فلم يحصل للرسل ولا للأنبياء ولا للصديقين والشهداء.\nفهذا رسول الله ﷺ رأى ليلة المعراج من آيات الله اليقينية ما لم يقع لأحد من البشر وفي هذه الحال كان ﷺ على غاية من الثبات في قواه الظاهرة والباطنة كما قال الله تعالى عن قواه الظاهرة: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [لنجم: ١٧] وقال عن قواه الباطنة: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [لنجم: ١١] .\nوهاهم الخلفاء الراشدون أبوبكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃ أفضل البشر بعد الأنبياء، وسادات أوليائهم، لم يقع لهم مثل هذا الفناء.\nوهاهم سائر الصحابة مع علو مقامهم وكمال أحوالهم لم يقع لهم مثل هذا الفناء.\nوإنما حدث هذا في عصر التابعين، فوقع منه من بعض العباد والنساك ما","vol":"1","page":125},{"text":"وقع، فكان منهم من يصرخ، ومنهم من يصعق، ومنهم من يموت، وعرف هذا كثيرًا في بعض مشايخ الصوفية.\n- ومن جعل هذا نهاية السالكين فقد ضل ضلالًا مبينًا، ومن جعله من لوازم السير إلى الله فقد أخطأ.\n- وحقيقته: أنه من العوارض التي تعرض لبعض السالكين لقوة الوارد على قلوبهم وضعفها عن مقاومته، وعن الجمع بين شهود العبادة والمعبود ونحو ذلك.\nالقسم الثالث: فناء إلحادي كفري: وهو الفناء عن وجود السوى. أي: عن وجود ما سوى الله ﷿ بحيث يرى أن الخالق عين المخلوق، وأن الموجود عين الموجد، وليس ثمة رب ومربوب، وخالق ومخلوق، وعابد ومعبود، وآمر ومأمور، بل الكل شيء واحد وعين واحدة.\n- وهذا فناء أهل الإلحاد القائلين بوحدة الوجود كابن عربي، والتلمساني وابن سبعين، والقونوي ونحوهم ...\n- وهؤلاء أكفر من النصارى من وجهين:\nأحدهما: أن هؤلاء جعلوا الرب الخالق عين المربوب المخلوق، وأولئك النصارى جعلوا الرب متحدًا بعبده الذي اصطفاه بعد أن كانا غير متحدين.\nالثاني: أن هؤلاء جعلوا اتحاد الرب ساريًا في كل شيء في الكلاب والخنازير، والأقذار، والأوساخ ... وأولئك النصارى خصوه بمن عظموه كالمسيح١.\n- وتصور هذا القول كاف في رده، إذ مقتضاه: أن الرب والعبد شيء\n_________\n١ راجع: \"مجموع الفتاوى\" ٢/١٧٢.","vol":"1","page":126},{"text":"واحد، والآكل والمأكول شيء واحد، والناكح والمنكوح شيء واحد، والخصم والقاضي شيء واحد، والمشهود له وعليه شيء واحد، وهذا غاية ما يكون من السفه والضلال.\n-قال الشيخ ﵀: ويذكر عن بعضهم أنه كان يأتي ابنه ويدعي أنه الله رب العالمين١ قبح الله طائفة يكون إلهها الذي تعبده هو موطؤها الذي تفترشه.\n- وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في النونية عن هذه الطائفة:\nفالقوم ما صانوه عن إنس ... ولا جن ولا شجر ولا حيوان\nلكنه المطعوم والملبوس والـ ... مشموم والمسموع بالآذان\nوكذاك قالوا إنه المنكوح والـ ... مذبوح بل عين الغوي الزاني\nإلى أن قال:\nهذا هو المعبود عندهم فقل ... سبحانك اللهم ذا السبحان\nيا أمة معبودها موطوؤها ... أين الإله وثغرة الطعان\nيا أمة قد صار من كفرانها ... جزءًا يسيرًا جملة الكفران\n_________\n١ راجع: مجموع الفتاوى ٢/٣٧٨.","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>فصل\n* ولا يتم الإسلام إلا بالبراءة مما سواه </span>كما قال الله تعالى عن إبراهيم الخليل ﵊: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ، وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨] . وبين أن لنا فيه أسوة حسنة فقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ","vol":"1","page":127},{"text":"حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١ - ٥٢] . وقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] .\n* والبراءة نوعان: براءة من عمل، براءة من عامل.\nفأما البراءة من العمل: فتجب من كل عمل محرم سواء كان كفرًا أم دونه، فيبرأ المؤمن من الشرك، والزنى، وشرب الخمر ونحو ذلك بحيث لا يرضاه ولا يقره، ولا يعمل به، لأن الرضا بذلك، أو إقراره، أو العمل به مضادة لله تعالى ورضا بما لا يرضاه.\nوأما البراءة من العامل:\n- فإن كان عمله كفرًا وجبت البراءة منه بكل حال من كل وجه لما سبق من الآيات الكريمة، ولأنه لم يتصف بما يقتضي ولاءه.\n- وإن كان عمله دون الكفر وجبت البراءة منه من وجه دون وجه، فيوالى","vol":"1","page":128},{"text":"بما معه من الإيمان والعمل الصالح، ويتبرأ منه بما معه من المعاصي؛ لأن الفسوق لا ينافي أصل الإيمان، فقد يكون في الإنسان خصال فسوق، وخصال طاعة، وخصال إيمان، وخصال كفر كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠] . فجعل الله تعالى الطائفتين المقتتلتين إخوة للطائفة المصلحة، ووصفهم بالإيمان مع أن قتال المؤمن لأخيه من خصال الكفر لقول النبي ﷺ: \"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر\". ولم تكن هذه الخصلة الكفرية منافية لأصل الإيمان ولا رافعة للأخوة الإيمانية، ولا ريب أن الأخوة الإيمانية مقتضية للمحبة والولاية، ويقوى مقتضاها بحسب قوة الإيمان والاستقامة.\nوهذا الأصل – أعني: أنه قد يجتمع في الإنسان خصلة إيمان، وخصلة كفر – هو ما دل عليه الكتاب والسنة وكان عليه السلف والأئمة، فتكون المحبة والولاية تابعة لما معه من خصال الإيمان، والكراهة والعداوة تابعة لما عنده من خصال الكفر.","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>فصل\nالمؤمن مأمور بفعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور: </span>قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠] وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] . وقال عن لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾","vol":"1","page":129},{"text":"[لقمان: ١٧] . وقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٦٥] .\n* ومأمور في جانب الطاعة بالإخلاص والاستغفار:\nقال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] . وقال: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ* وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٢ - ٣] . وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوه﴾ [فصلت: ٦] .\nوقال النبي ﷺ: \"يا أيها الناس! توبوا إلى ربكم فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة\". وقال: \" إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة\". أخرجهما مسلم.\nوروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة\".\n* والجامع لهذا: أنه لابد في الأمر من أصلين، ولابد في القدر من أصلين أيضًا:\nأما الأصلان في الأمر فهما:\n- أصل قبل العمل أو مقارن له وهو: الاجتهاد في الامتثال علمًا وعملًا، فيجتهد في العلم بالله تعالى، وأسمائه وصفاته، وأحكامه، ثم يعمل بما يقتضيه ذلك العلم من تصديق الأخبار، والعمل بالأحكام فعلًا للمأمور، وتركًا للمحظور.\n- والثاني: أصل بعد العمل: وهو الاستغفار والتوبة من التفريط في المأمور، أو التعدي في المحظور، ولهذا كان من المشروع ختم الأعمال بالاستغفار كما قال الله تعالى:","vol":"1","page":130},{"text":"﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧] . فقاموا الليل وختموه بالاستغفار.\nوكان النبي ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا. ً\nوآخر سورة نزلت عليه سورة النصر ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣] . فكان بعد نزولها يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: \"سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي\". وكان نزولها إيذانًا بقرب أجله ﷺ كما قال ابن عباس ﵄ في مجلس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بمحضر من الصحابة فأقره عمر ﵁ وقال: ما أعلم منها إلا ما تقول.\nوفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول قبل أن يموت: \"سبحانك وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك\". فجعل الاستغفار والتوبة خاتمة العمر كما جعلتا خاتمة العمل.\nوأما الأصلان في القدر فهما:\n- أصل قبل المقدور وهو: الاستعانة بالله ﷿، والاستعاذة به ودعاؤه رغبة ورهبة، فيكون معتمدًا على ربه، ملتجئًا إليه في حصول المطلوب ودفع المكروه.\n- والثاني: بعد المقدور وهو: الصبر على المقدور حيث يفوت مطلوبه، أو يقع مكروهه فيوطن نفسه عليه بحيث يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الحال لا يمكن أن تتغير عما قدره والحزن.\nكما قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ","vol":"1","page":131},{"text":"يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] . قال ابن عباس ﵄: يهد قلبه لليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وقال علقمة في الآية: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.\n* فإذا راعى الأمر والقدر على الوجه الذين ذكرنا عابدًا لله تعالى مستعينًا به متوكلًا عليه من الذين أنعم الله عليهم.\n* وقد جمع الله بين هذين الأصلين في أكثر من موضع كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] . وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] . وقوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] .","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>فصل: أقسام الناس مقام الشرع والقدر</span>\n...\nفصل\n* والناس في هذا المقام – مقام الشرع والقدر – أربعة أقسام:\nالأول: من حققوا هذه الأصول الأربعة: أصلي الشرع، وأصلي القدر، وهم المؤمنون المتقون الذي كان عندهم من عبادة الله تعالى والاستعانة به ما تصلح به أحوالهم، فكانوا لله، وفي الله، وهؤلاء أهل القسط والعدل الذين شهدوا مقام الربوبية والألوهية، وهم أعلى الأقسام، فإن هذا مقام الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، والشهداء، والصالحين.\nالثاني: من فاتهم التحقيق في أصلي القدر، فكان عندهم من عبادة الله تعالى والاستقامة في شرعه ما عندهم، لكن ليس عندهم قوة في الاستعانة بالله والصبر على أحكامه الكونية والشرعية، فيصيبهم عند العمل من العجز والكسل ما يمنعهم من العمل أو إكماله، ويلحقهم بعد العمل من العجب والفخر ما قد","vol":"1","page":132},{"text":"يكون سببًا لحبوط عملهم وخذلانهم، وهؤلاء أضعف ممن سبقهم وأدنى مقامًا وأقل عدلًا، لأن شهودهم مقام الإلهية غالب على شهود مقام الربوبية.\nالثالث: من فاتهم التحقيق في أصلي الشرع، فكانوا ضعفاء في الاستقامة على أمر الله تعالى ومتابعة شرعه، لكن عندهم قوة في الاستعانة بالله والتوكل عليه، ولكن قد يكون ذلك في أمور عندهم قوة في الاستعانة بالله والتوكل عليه، ولكن قد يكون ذلك في أمور لا يحبها الله تعالى ولا يرضاها، فيعان ويمكن له بقدر حاله، ويحصل له من المكاشفات والتأثيرات ما لا يحصل للقسم الذي قبله، لكن ما يحصل له من هذه الأمور يكون من نصيب العاجلة الدنيا، أما عاقبته فعاقبة سيئة، لأنه ليس من المتقين وإنما العاقبة للمتقين.\nقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ، لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥ - ٦٦] .\nفالله تعالى يعلم أن هؤلاء سيشركون بعد أن ينجيهم لكن لما كانوا في البحر كانوا مخلصين في دعائهم الله تعالى أن ينجيهم صادقين في تفويض الأمر إليه حصل مرادهم، ولما لم يكن لهم عبادة لم يستقم أمرهم وكان عاقبة أمرهم خسرًا.\nفالفرق بين هؤلاء وبين القسم الذين قبلهم: أن الذين قبلهم كان لهم دين ضعيف لضعف استعانتهم بالله وتوكلهم عليه، لكنه مستمر باق إن لم يفسده صاحبه بالعجز والجزع. وهؤلاء لهم حال وقوة لكن لا يبقى لهم إلا ما وافقوا فيه الأمر واتبعوا فيه السنة.","vol":"1","page":133},{"text":"القسم الرابع: من فاتهم تحقيق أصلي الشرع، وأصلي القدر، فليس عندهم عبادة لله تعالى، ولا استعانة به ولا لجوء إليه عند الشدة فهم مستكبرون عن عبادة الله مستغنون بأنفسهم عن خالقهم، وربما لجئوا في الشدائد وإدراك مطالبهم إلى الشياطين فأطاعوها فيما تريد وأعانتهم فيما يريدون، فيظن الظان أن هذا من باب الكرامات، وهو من باب الإهانات؛ لأن عاقبتهم الذل والهوان. وهذا القسم شر الأقسام.","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>فصل: في المفاضلة والمقارنة بين أرباب البدع</span>\n* نظار المتكلمين الذين يدعون التحقيق وينتسبون إلى السنة: يرون التوحيد عبارة عن تحقيق توحيد الربوبية.\n* وطوائف من أهل التصوف الذين ينتسبون إلى التحقيق والمعرفة: غاية التوحيد عندهم شهود توحيد الربوبية. ومعلوم أن هذا هو ما أقر به المشركون، وأن الرجل لا يكون به مسلمًا، فضلًا عن أن يكون وليًا من أولياء الله، أو من سادات أولياء الله تعالى.\n* وطائفة أخرى: تقرر هذا التوحيد مع نفي الصفات، فيقعون في التقصير والتعطيل، وهذا شر من حال كثير من المشركين.\n* والجهم بن صفوان إمام الجهمية نفاة الصفات: يغلو في القضاء والقدر ويقول بالجبر، فيوافق المشركين في قولهم لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء، لكنه يثبت الأمر والنهي فيفارق المشركين إلا أنه يقول بالإرجاء فيضعف الأمر والنهي والعقاب عنده، لأن فاعل الكبيرة عنده مؤمن كامل الإيمان غير مستحق للعقاب.\n* والنجارية – أتباع الحسين بن محمد النجار – والضرارية – أتباع ضرار ابن عمرو وحفص الفرد -: يقربون من جهم في مسائل القدر والإيمان مع","vol":"1","page":135},{"text":"مقاربتهم له أيضًا في نفي الصفات.\n* والكلابية – أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب – والأشعرية - المنتسبون لأبي الحسن الأشعري -: خير من هؤلاء في باب الصفات، فإنهم يثبتون لله الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وأما في القدر ومسائل الأسماء والأحكام فأقوالهم متقاربة.\n* وأصحاب ابن كلاب - كالحارث المحاسبي -: خير من الأشعرية في هذا وهذا.\n* والكرامية أتباع محمد بن كرام: قولهم في الصفات، والقدر، والوعد، والوعيد أشبه من أكثر طوائف أهل الكلام التي في أقوالها مخالفة للسنة. وأما في الإيمان فقولهم منكر لم يسبقهم إليه أحد، فإنهم جعلوا الإيمان قول اللسان فقط وإن لم يكن معه تصديق القلب، فالمنافق عندهم مؤمن ولكنه مخلد في النار.\n* والمعتزلة – أتباع واصل بن عطاء الذي اعتزل مجلس الحسن البصري –: يقاربون قول جهم في الصفات فيقولون بنفيها، وأما في القدر والأسماء والأحكام فيخالفونه:\n- ففي القدر يقولون: إن العبد مستقل بعمله كامل الإرادة فيه، ليس لله في عمله تقدير ولا خلق. ففيهم نوع من الشرك من هذا الباب وجهم يقول: إن العبد مجبر على عمله، وليس له إرادة فيه.\n- وفي الأسماء والأحكام: يقول المعتزلة: إن فاعل الكبيرة خارج عن الإيمان غير داخل في الكفر فهو في منزلة بين منزلتين، ولكنه مخلد في النار. ويقول جهم: إنه مؤمن كامل الإيمان غير مستحق لدخول النار.","vol":"1","page":136},{"text":"* والمعتزلة خير من الجهمية فيما خالفوهم فيه من القدر والأسماء والأحكام، فإن إثبات الأمر والنهي، والوعد والوعيد، مع نفي القدر خير من إثبات القدر مع نفي الأمر والنهي، والوعد والوعيد.\nولهذا لم يوجد في زمن الصحابة والتابعين من ينفي الأمر والنهي، والوعد والوعيد ووجد في زمنهم القدرية والخوارج الحرورية وإنما يظهر من البدع أولًا ما كان أخف، وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة قويت البدعة، وكلما كان الرجل إلى السلف والأئمة أقرب كان قوله أعلى وأفضل.\n* والمتصوفة الذين يشهدون الحقيقة الكونية مع إعراضهم عن الأمر والنهي شر من القدرية المعتزلة ونحوهم، لأن هؤلاء المتصوفة يشبهون المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] . والقدرية يشبهون المجوس الذين قالوا: إن للعالم خالقين. والمشركون شر من المجوس.\n* أما الصوفية الذين عندهم شيء من تعظيم الأمر والنهي مع مشاهدة توحيد الربوبية وإقرارهم بالقدر، فهم خير من المعتزلة، لكنهم معتزلة من وجه آخر حيث جعلوا غاية التوحيد مشاهدة توحيد الربوبية، والفناء فيه فاعتزلوا بذلك جماعة المسلمين وسنتهم. وقد يكون ما وقعوا فيه من البدعة شرًا من بدعة أولئك المعتزلة.\nوكل هذه الطوائف عندها من الضلال والبدع بقدر ما فارقت به جماعة المسلمين وسنتهم.\n* ودين الله تعالى: ما بعث به رسله، وأنزل به كتبه، وهو الصراط المستقيم طريق رسول الله ﷺ وأصحابه خير الأمة التي هي خير الأمم.\n- وقد أمرنا الله تعالى أن نقول في صلاتنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ،","vol":"1","page":137},{"text":"صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] . فالمغضوب عليهم كاليهود عرفوا الحق فلم يتبعوه، والضالون كالنصارى عبدوا الله بغير علم.\n- وكان يقال: تعوذوا بالله من فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل.\n- وقال ابن مسعود ﵁: خط لنا رسول الله ﷺ خطًا بيده ثم قال: \"هذا سبيل الله مستقيمًا\" وخط عن يمينه وشماله ثم قال: \"هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه\" ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .\n- وقال حذيفة بن اليمان ﵁: يا معشر القراء استقيموا وخذوا طريق من قبلكم فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا.\n- وقال عبد الله بن مسعود ﵁: من كان منك مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ﷺ وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم على الهدى المستقيم. نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا.\nوالحمد لله رب العالمين.\nتم في ٢٢/٥/١٤١٠هـ.","vol":"1","page":138}]}