{"ً":{"ٌ":11108,"ٍ":"تلخيص أحكام الجنائز","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"كتب الألباني/تلخيص أحكام الجنائز - الألباني - ط المعارف - ط3","files":["39152.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تلخيص أحكام الجنائز\nالمؤلف: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (ت ١٤٢٠هـ)\nالناشر: مكتبة المعارف\nالطبعة: الثالثة\nعدد الصفحات: ٩٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":414,"ٕ":18,"ٖ":1770154629,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"مايجب على المريض","level":1,"page":3},{"title":"تلقين المحتضر","level":1,"page":7},{"title":"ماعلى الحاضرين بعد موته","level":1,"page":9},{"title":"ما يجوز للحاضرين وغيرهم","level":1,"page":11},{"title":"ما يجب على أقارب الميت","level":1,"page":12},{"title":"ما يحرم على أقارب الميت","level":1,"page":14},{"title":"النعي الجائز","level":1,"page":16},{"title":"علامات حسن الخاتمة","level":1,"page":17},{"title":"ثناء الناس على الميت","level":1,"page":21},{"title":"غسل الميت","level":1,"page":24},{"title":"تكفين الميت","level":1,"page":30},{"title":"حمل الجنازة واتباعها","level":1,"page":34},{"title":"الصلاة على الجنازة","level":1,"page":40},{"title":"صفة صلاة الجنازة","level":1,"page":50},{"title":"الدفن وتوابعه","level":1,"page":54},{"title":"التعزية","level":1,"page":66}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90},"ٜ":{"1":[5,94]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"7":[3],"9":[4],"11":[5],"12":[6],"14":[7],"16":[8],"17":[9],"21":[10],"24":[11],"30":[12],"34":[13],"40":[14],"50":[15],"54":[16],"66":[17]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد ان محمدًا عبده ورسوله.\nأما بعد فقد اقتضت مصلحة تيسير المراجعة لأحكام الجنائز أن ألخصها وأقرب أحكامها لمن شاء الرجوع إليها وأخذ فكرة عامة سريعة عنها، وبخاصة عند حلول المناسبة مثل وفاة قريب أو حبيب لديه، فغنه مما لا يخفى أن الرجوع إلى كتابي أحكام الجنائز وبدعتها وقراءته كله والإحاطة بما فيه من الأحكام اللازمة في مثل هذا الحال مما لا يتيسر لأقل الناس لذلك رأيت أن ألخصه وأقرب إلى عامة القراء فوائده وبذلك أكون قد حققت رغبة ذلك الأخ العزيز الذي كان السبب المباشر لتأليف الحكام كما كنت ذكرت ذلك في ال<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة </span>وهي رغبة يشاركه فيها الكثيرون من محبي السنة النبوية والحريصين على إحيائها في مختلف بلاد الدنيا عربا وعجما حتى أن بعضهم أقدم في مصر على اختصار الكتاب دون إذن مني أو علم ولعله قصد بذلك الأجر الأخروي فقط فإن الكثيرين من الناشرين والطابعين أخذوا يسرقون مؤلفاتي ويطبعونها ليتاجروا بها ويأكلوا ربحها سحتا وقد بلغت ببعضهم الوقاحة إلى حد انه طبع عليها عبارة طبع المكتب الإسلامي وهو بذلك مدلس كاذب ولقد كنا نشكو ولا نزال من سرقة الكتب وطبعها كما هي على طريقة التصوير الأوفست. وإذا بهذا البعض تصل به الجرأة إلى طبعه على طريقة تنضيد الأحرف والطبع من جديد ويدلس على الناس بأنها من طبع المكتب الإسلامي بطبع اسم المكتب عليه ولقد بلغني أن بعضهم أفتى بجواز سرقة الكتب وطبعها والتجارة بها دون إذن من مؤلفها وناشرها وهذا ظلم فاضح واستغلال غير شريف لجهود الآخرين من المؤلفين والناشرين الذين اتخذوا التأليف والنشر وسيلة من أشرف وسائل كسب الرزق الحلال فكيف يليق بمسلم بل بكافر أن يقطع عن هؤلاء رزقهم ويأكل هو ربح جهودهم وأتعابهم بله الإفتاء بجوازه؟ تالله إنها لإحدى الكبر!","vol":"1","page":5},{"text":"ومن العجب ان يتنبه الرجال الغربيون لمثل هذا الظلم فيسنون القوانين العادلة لحفظ حقوق المؤلفين والناشرين والحيلولة بين السارقين وظلمهم ولا يتنبه له بعض المسلمين وهم يعلمون أن من دينهم تحريم الظلم مطلقا كمثل قوله تعالى في الحديث القدسي: \"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا..\". رواه مسلم في صحيحه وقول النبي ﷺ اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة\". أخرجه البخاري ومسلم.\nولقد سمعت من بعض المغفلين الذين لا فقه عندهم انه يستجيز مثل هذه السرقة بحجة نشر العلم والله يعلم أن السارقين ما بهم نشر العلم وإنما همهم جمع المال بجهود غيرهم بدليل أنهم قد يطبعون ما لا يروق لهم من الناحية العلمية أو المذهبية من الكتب وما ذلك إلا لعلمهم برواجها وإقبال الناس عليها ومع ذلك فهم يقدمون على طبعها وسرقتها عملا بقاعدة من لا خلاق لهم الغاية تبرر الوسيلة فالله تعالى حسيبهم ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ .\nواعلم أيها القارئ الكريم أنني في هذا التلخيص قد حذفت تخريج الأحاديث اكتفاء بالأصل ولالتزامنا فيها الصحة كما هي عادتنا في كل مؤلفاتنا والحمد لله دائما وأبدا كما حذفت شيئا من بعض متونه وكثيرا من التعليقات التي لا صلة قوية لها بموضوع الكتاب وأضفت إليه قليلا من الفوائد التي لم تكن في الأصل.\nوالله أسأل ان ينفع به المسلمين ويجعله كأصله وسائر مؤلفاتي عونا لهم على اتباع الكتاب والسنة واستئنافهم للحياة الاسلامية التي لا سبيل إليها إلا بالعلم النافع والعمل الصالح إنه سميع مجيب.\nعمان- الأردن ١٣ جمادى الآخر سنة ١٤٠٢هـ\nمحمد ناصر الدين الألباني.","vol":"1","page":6},{"text":"١- ما يجب على المريض\n١ - على المريض أن يرضى بقضاء الله ويصبر على قدره ويحسن الظن بربه ذلك خير له لقوله ﷺ:\n\"عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له\".\nوقوله ﷺ: \"لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى\".\n٢ - وينبغي عليه أن يكون بين الخوف والرجاء يخاف عقاب الله على ذنوبه ويرجو رحمة ربه لحديث أنس المعروف عند الترمذي وغيره:\nأن النبي ﷺ دخل على شاب وهو بالموت فقال: كيف تجدك؟ قال: والله يا رسول الله إني أرجو الله وإني أخاف ذنوبي فقال رسول الله ﷺ: \"لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وأمنه مما يخاف\"\n٣ - ومهما اشتد به المرض فلا يجوز له أن يتمنى الموت.\nصحيح فإن كان لا بد فاعلا فليقل: اللهم أحييني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي.\n٤ - وإذا كان عليه حقوق فليؤدها إلى أصحابها إن تيسر له ذلك وإلا أوصى لأمره ﷺ بذلك.\n٥ - ولا بد من الاستعجال بمثل هذه الوصية لقوله ﷺ:\n\"ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه قال ابن عمر:","vol":"1","page":7},{"text":"ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك إلا وعندي وصيتي.\n٦ - ويجب أن يوصي للأقربين الذين لا يرثون منه لقوله ﵎: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ .\n٧ - صحيح وله أن يوصي بالثلث من ماله ولا يجوز الزيادة عليه بل الأفضل أن ينقص منه لحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ الثابت في الصحيحين:\nكنت مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع فمرضت مرضا أشفيت منه على الموت فعادني رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إن لي مالا كثيرا وليس يرثني إلا ابنة لي أفأ وصي بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: بشطر مالي؟ قال: لا. قلت: فثلث مالي؟ قال:\n\"الثلث والثلث كثير\" إنك يا سعد أن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس وقال بيده إنك يا سعد لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى إلا أجرت عليها حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك.\nقال: فكان بعد الثلث جائزا\nوقول ابن عباس ﵁:\nوددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع في الوصية لأن النبي ﷺ قال: \"الثلث كثير\"\n٨ - ويشهد على ذلك رجلين عدلين مسلمين فإن لم يوجدا فرجلين من غير المسلمين على أن يستوثق منهما عند الشك بشهادتهما حسبما جاء بيانه في قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا","vol":"1","page":8},{"text":"نَشْتَرِي بِه ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا١ فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ . ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ\n٩ - وأما الوصية للوالدين والأقربين الذين يرثون من الموصي فلا تجوز لأنها منسوخة بآية الميراث وبين ذلك رسول الله ﷺ أتم البيان في خطبته في حجة الوداع فقال:\n\"إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث\".\n١٠ - ويحرم الإضرار في الوصية كأن يوصي بحرمان بعض الورثة من حقهم من الإرث أو يفضل بعضهم على بعض فيه لقوله ﵎: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ. . . . مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا. . .ثم قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ .\nولقوله ﷺ:\n\"لا ضرر ولا ضرار من ضار ضاره الله ومن شاق شاقه الله\".\n١١ - والوصية الجائرة باطلة مردودة لقوله ﷺ: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\".\n_________\n١ أي فإن اتفق الاطلاع على أن الشاهدين المقسمين استحقا إثما بالكذب والكتمان في الشهادة أو بالخيانة وكتمان شيء من التركة في حالة ائتمانهما عليها فالواجب أو فالذي يعمل لإحقاق الحق هو أن ترد اليمين إلى الورثة بأن يقوم رجلان آخران مقامهما من أولياء الميت الوارثين له الذين استحقا ذلك الإثم بالإجرام عليهم والخيانة لهم كذا في تفسير المنار وراجع تمام البحث فيه ٧/٢٢٢.","vol":"1","page":9},{"text":"١٢ - ولما كان الغالب على كثير من الناس في هذا الزمان الابتداع في دينهم ولا سيما فيما يتعلق بالجنائز كان من الواجب أن يوصي المسلم بأن يجهز ويدفن على السنة عملا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ .\nولذلك كان أصحاب رسول الله ﷺ يوصون بذلك والآثار عنهم بما ذكرنا كثيرة تراجع في الأصل منها: عن حذيفة قال:\nإذا أنا مت فلا تؤذنوا بي أحدا فإني أخاف أن يكون نعيا وإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي.\nولهذا قال النووي رحمه الله تعالى في الأذكار:\nويستحب له استحبابا مؤكدا أن يوصيهم باجتناب ما جرت العادة به من البدع في الجنائز ويؤكد العهد بذلك.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>تلقين المحتضر</span>.\n١٣ - فإذا حضره الموت فعلى من عنده أمور:\nأ - أن يلقنوه الشهادة لقوله ﷺ:\n\"لقنوا موتاكم لا إله إلا الله من كان آخر كلامه لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يوما من الدهر وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه\".\nب ج - أن يدعوا له ولا يقولوا في حضوره إلا خيرا لقوله ﷺ:\n\"إذا حضرتم المريض أو الميت فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون\".\n١٤ - وليس التلقين ذكر الشهادة بحضرة الميت وتسميعها إياه بل هو أمره بأن يقولها خلافا لما يظن البعض والدليل حديث أنس ﵁:\nأن رسول الله ﷺ عاد رجلا من الأنصار فقال: يا خال قل: لا إله إلا الله. فقال: أخال أم عم؟ فقال: بل خال فقال: فخير لي أن أقول: لا إله إلا الله؟ فقال النبي ﷺ: \"نعم\".\n١٥ - وأما قراءة سورة يس عنده وتوجيهه نحو القبلة فلم يصح حديث بل كره سعيد بن المسيب توجيهه إليها وقال: أليس الميت امرأ مسلما؟.\nوعن زرعة بن عبد الرحمن أنه شهد سعيد بن المسيب في مرضه وعنده أبو سلمة بن عبد الحمن فغشي على سعيد فأمر أبو سلمة أن يحول فراشه إلى الكعبة فأفاق فقال: حولتم فراشي؟ فقالوا: نعم فنظر إلى أبي سلمة فقال: أراه بعلمك؟ فقال: أنا أمرتهم فأمر سعيد أن يعاد فراشه.","vol":"1","page":11},{"text":"١٦ - ولا بأس في أن يحضر المسلم وفاة الكافر ليعرض الإسلام عليه رجاء أن يسلم لحديث أنس ﵁ قال:\nكان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه فقال له: أسلم فنظر إلى أبيه وهو عنده؟ فقال له: أطع أبا القاسم فأسلم فخرج النبي ﷺ وهو يقول:\n\"الحمد لله الذي أنقذه من النار\" فلما مات قال:\n\"صلوا على صاحبكم\".","vol":"1","page":12},{"text":"٣- ما على الحاضرين بعد موته.\n١٧ - فإذا قضى وأسلم الروح فعليهم عدة أشياء:\nأب - أن يغمضوا عينيه ويدعوا له أيضا لحديث أم سلمة قالت:\nدخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر فضج ناس من أهله فقال: \"لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون\". ثم قال:\n\"اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وأفسح له في قبره ونور له فيه\".\nج - أن يغطوه بثوب يستر جميع بدنه لحديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ حين توفي سجي ببردة حبرة.\nد - وهذا في غير من مات محرما فإن المحرم لا يغطى رأسه ووجه لحديث ابن عباس قال:\nبينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته أو قال: فأقعصته فقال النبي ﷺ: \"اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين\" وفي رواية: \"في ثوبيه اللذين أحرم فيهما\". . . ولا تحنطوه وفي رواية: \"لا تطيبوه ولا تخمروا رأسه ولا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا\".\nهـ - أن يعجلوا بتجهيزه وإخراجه إذا بان موته لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا:\nأسرعوا بالجنازة. . الحديث وسيأتي بتمامه في المسألة ٥٠.\nوأن يدفنوه في البلد الذي مات فيه ولا ينقلوه إلى غيره لأنه ينافي الإسراع المأمور به في حديث أبي هريرة المتقدم.","vol":"1","page":13},{"text":"ولذلك قالت عائشة لما مات أخ لها بوادي الحبشة فحمل من مكانه:\nما أجد في نفسي أو يحزنني في نفسي إلا أني وددت أنه كان دفن في مكانه\nقال النووي في الأذكار:\nوإذا أوصى بأن ينقل إلى بلد آخر لا تنفذ وصيته فإن النقل حرام على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون وصرح به المحققون.\nز - أن يبادر بعضهم لقضاء دينه من ماله ولو أتى عليه كله فإن لم يكن له مال فعلى الدولة أن تؤدي عنه إن كان جهد في قضائه فإن لم تفعل وتطوع بذلك بعضهم جاز وفي ذلك أحاديث تراها في الأصل.","vol":"1","page":14},{"text":"٤-<span data-type=\"title\" id=toc-5> ما يجوز للحاضرين وغيرهم</span>.\n١٨ - ويجوز لهم كشف وجه الميت وتقبيله بين عينيه لتقبيل أبي بكر النبي ﷺ بعد موته والبكاء عليه ثلاثة أيام لحديث صحيح عائشة ﵂ قالت:\nأقبل أبو بكر ﵁ على فرسه من مسكنه ب السنح حتى نزل فدخل على المسجد وعمر يكلم الناس فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة ﵂ فتيمم النبي ﷺ وهو مسجى ببردة حبرة فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله بين عينيه ثم بكى فقال: بأبي أنت وأمي يا نبي الله لا يجمع الله عليك موتتين أما الموتة التي عليك فقد متها وفي رواية: لقد مت الموتة التي لا تموت بعدها.\nوحديث عبد الله بن جعفر ﵁:\nأن النبي ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم ثم أتاهم فقال:\n\"لا تبكوا على أخي بعد اليوم\". . الحديث.\nوسيأتي لفظه في التعزية إن شاء الله تعالى\nصحيح وحديث أنس ﵁ قال:\nدخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف - وكان ظئرا١لإبراهيم ﵇ فأخذ رسول الله ﷺ ﷺ إبراهيم فقبله وشمه.\nثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه فجعت عينا رسول الله ﷺ تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال: \"يا ابن عوف؟ إنها رحمة\".\nثم أتبعها بأخرى فقال:\n\"إن العين لتدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما نرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون\".\n_________\n١ أي زوج مرضعة إبراهيم ﵇.","vol":"1","page":15},{"text":"٥-<span data-type=\"title\" id=toc-6> ما يجب على أقارب الميت</span>.\n١٩ - ويجب على أقارب الميت حين يبلغهم خبر وفاته أمران:\nالأول: الصبر والرضا بالقدر لقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ .\nولحديث أنس بن مالك ﵁ قال:\nمر رسول الله ﷺ بامرأة عند قبر وهي تبكي فقال لها:\n\"اتقي الله واصبري\".\nفقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي قال: ولم تعرفه فقيل لها: هو رسول الله ﷺ فأخذها مثل الموت فأتت باب رسول الله ﷺ ولم تجد عنده بوابين فقالت: يا رسول الله إني لم أعرفك. فقال رسول الله ﷺ: \"إن الصبر عند أول الصدمة\".\nوالصبر على وفاة الأولاد له أجر عظيم وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة أذكر بعضها:\nأولا: ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم الله وأبويهم الجنة بفضل رحمته قال: ويكونون على باب من أبواب الجنة فيقال لهم: ادخلوا الجنة فيقولون: حتى يجيء أبوانا فيقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وأبواكم بفضل رحمة الله.\nثانيا: أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كانوا حجابا من النار. قالت: امرأة: واثنان؟ قال: واثنان.","vol":"1","page":16},{"text":"الثاني: الاسترجاع وهو أن يقولك إنا لله وإنا راجعون للآية المتقدمة ويزيد عليه قوله:\nاللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها لحديث أم سلمة في صحيح مسلم وغيره.\n٢٠ - ولا ينافي الصبر أن تمتنع المرأة من الزينة كلها حدادا على وفاة ولدها أو غيره إذا لم تزد على ثلاثة أيام إلا على زوجها فتحد أربعة أشهر وعشرا لحديث زينب بنت أبي سلمة قالت: دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا\".\nثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست ثم قالت: ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول:. . . . فذكرت الحديث.\n٢١ - ولكنها إذا لم تحد على غير زوجها إرضاء للزوج وقضاء لوطره منها فهو أفضل لها ويرجى لهما من وراء ذلك خير كثير كما وقع لأم سليم وزوجها أبي طلحة الأنصاري ﵄ وقصتهما في ذلك طويلة ولولا ذلك لسقتها هنا فلتراجع في الأصل.","vol":"1","page":17},{"text":"٦-<span data-type=\"title\" id=toc-7> ما يحرم على أقارب الميت</span>.\n٢٢ - لقد حرم رسول الله ﷺ أمورا كان ولا يزال بعض الناس يرتكبونها إذا مات لهم ميت فيجب معرفتها لاجتنابها فلا بد من بيانها:\nأ - النياحة١ وفيها أحاديث كثيرة تراها في الأصل منها قوله ﷺ: \"اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت\"\nب - ج - ضرب الخدود وشق الجيوب لقوله ﷺ:\n\"ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعى بدعوى الجاهلية\".\nد - حلق الشعر لحديث أبي بردة بن أبي موسى قال:\nصحيح وجع أبو موسى وجعا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فصاحت امرأة من أهله فلم يستطع أن يرد عليها شيئا فلما أفاق قال: أنا بريء ممن بريء منه رسول الله ﷺ فإن رسول الله ﷺ بريء من الصالقة٢ والحالقة والشاقة.\nهـ - نشر الشعر لحديث امرأة من المبايعات قالت:\nكان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه وأن لا نخمش وجها ولا ندعو ويلا ولا نشق جيبا وأن لا ننشر شعرا.\nوإعفاء بعض الرجال لحاهم أياما قليلة حزنا على ميتهم فإذا مضت عادوا إلى حلقها فهذا الإعفاء في معنى نشر الشعر كما هو ظاهر يضاف إلى ذلك أنه بدعة وقد قال ﷺ: \"كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار\".\n_________\n١ هو أمر زائد على البكاء قال ابن العربي النوح ما كانت الجاهلية تفعل كان النساء يقفن متقابلات يصحن ويثين التراب على رؤوسهن ويضربن وجوههن نقله الأبي على مسلم.\n٢ هي التي ترفع صوتها عند الفجيعة بالموت.","vol":"1","page":18},{"text":"علما بأن التزين بحلقها كما يفعل الأكثرون معصية ظاهرة باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم لمخالفتها لأنواع من الأدلة الشرعية كما تراها مبينة في آداب الزفاف ص ١١٨ – ١٢٣.\nز - الإعلان عن موته على رؤوس المنائر ونحوها لأنه من النعي وقد ثبت عن حذيفة بن اليمان أنه: كان إذا مات له الميت قال: لا تؤذنوا به أحدا إني أخاف أن يكون نعيا إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي.","vol":"1","page":19},{"text":"٧-<span data-type=\"title\" id=toc-8> النعي الجائز</span>\n٢٣ - ويجوز إعلان الوفاة إذا لم يقترن به ما يشبه نعي الجاهلية وقد يجب ذلك إذا لم يكن عنده من يقوم بحقه من الغسل والتكفين والصلاة عليه ونحو ذلك لحديث أبي هريرة:\nأن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه. . الحديث.\n٢٤ - ويستحب للمخبر أن يطلب من الناس أن يستغفروا للميت لقوله ﷺ في قصة صلاته على النجاشي:\nاستغفروا لأخيكم. وسيأتي في المسالة ٦٠ / السابع.\nقلت: فقول الناس في بعض البلاد: الفاتحة على روح فلان مخالف للسنة المذكورة فهو بدعة بلا شك لا سيما وأن القراءة لا تصل إلى الموتى على القول الصحيح كما سيأتي إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":20},{"text":"٨-<span data-type=\"title\" id=toc-9> علامات حسن الخاتمة</span>.\n٢٥ - ثم إن الشارع الحكيم قد جعل علامات بينات يستدل بها على حسن الخاتمة كتبها الله تعالى لنا بفضله ومنه - فأيما امرئ مات بإحداها كانت بشارة له ويا لها من بشارة.\nالأول: نطقه بالشهادة عند الموت وفيه أحاديث مذكورة في الأصل منها قوله ﷺ:\n\"من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة\".\nالثانية: الموت برشح الجبين لحديث بريدة بن الخصيب ﵁:\nصحيح أنه كان بخراسان فعاد أخا له وهو مريض فوجده بالموت وإذا هو بعرق جبينه فقال: الله أكبر سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"موت المؤمن بعرق الجبين\".\nالثالثة: الحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح الموت ليلة الجمعة أو نهارها لقوله ﷺ:\n\"ما من مسلم يموت الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر\".\nالرابعة: الاستشهاد في ساحة القتال قال الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .\nوقال ﷺ:\n\"للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن الفزع الأكبر ويحلى حلية الإيمان ويزوج من الحور العين ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه\".","vol":"1","page":21},{"text":"الخامسة: الموت غازيا في سبيل الله لقوله ﷺ:\n\"ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد قال: إن شهداء أمتي إذا لقليل. قالو: فمن هم يا رسول الله قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في الطاعون فهو شهيد ومن مات في البطن١ فهو شهيد والغريق شهيد\".\nالسادسة: الموت بالطاعون وفيه أحاديث منها قوله ﷺ:\n\"الطاعون شهادة لكل مسلم\".\nالسابعة: الموت بداء البطن لقوله ﷺ في الحديث المتقدم:\n\"ومن مات في البطن فهو شهيد\".\nالثامنة والتاسعة: الموت بالغرق والهدم لقوله ﷺ:\n\"الشهداء خمسة: المطعون والمبطون والغرق٢ وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله\".\nالعاشرة: موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها لحديث عبادة بن الصامت:\nأن رسول الله ﷺ عاد عبد الله بن رواحة قال: فما تحوز٣ له عن فراشه فقال: أتدري من شهداء أمتي؟ قالوا: قتل المسلم شهادة قال:\n\"إن شهداء أمتي إذا لقليل قتل المسلم شهادة والطاعون شهادة والمرأة يقتلها ولدها جمعاء٤ شهادة يجرها ولدها بسرره٥ إلى الجنة\".\n_________\n١ أي بداء البطن وهو الاستسقاء وانتفاخ البطن وقيل: هو الإسهال وقيل الذي يشتكي بطنه\n٢ ولو بركوب البحر للتجارة إذا لم يكن عاصيا وغلب على الظن السلامة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٢٤/٢٩٣.\n٣ بالحاء المهملة والواو المشددة أي تنحى\n٤ هي التي تموت وفي بطنها ولد أنظر كلام النهاية في التعليق الآتي قريبا.\n٥ السرة ما يبقى بعد القطع مما تقطعه القابلة والسرر ما تقطعه وهو السر بالضم أيضا.","vol":"1","page":22},{"text":"الحادية عشرة والثانية عشرة: الموت باالحرق وذات الجنب١ وفيه أحاديث أشهرها عن جابر بن عتيك مرفوعا:\nالشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد والغرق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد والحرق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع٢ شهيدة.\nالثالثة عشرة: الموت بداء السل لقوله ﷺ:\n\"القتل في سبيل الله شهادة والنفساء شهادة والحرق٣ شهادة والغرق شهادة والسل شهادة والبطن شهادة\".\nالرابعة عشرة: الموت في سبيل الدفاع عن المال المراد غصبه وفيه أحاديث منها:\n\"من قتل دون ماله وفي رواية: من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد\".\nالخامسة عشرة والسادسة عشر: الموت في سبيل الدفاع عن الدين والنفس لقوله ﷺ: \"من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد\".\n_________\n١ هي ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن للأضلاع.\n٢ في النهاية: أي توت وفي بطنها ولد وقيل هي التي توت بكرا والجمع بالضم بمعنى المجمع كذخر بمعنى المذخور وكسر الكسائي الجيم والمعنى أنها ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل عنها من حمل أو بكارة. قلت: والمراد هنا الحمل قطعا بدليل الحديث المتقدم في العاشرة بلفظ يقتلها ولدها جمعاء.\n٣ بفتحتين وكذا الغرق كما في حاشية المسند للسندي ق ٣٠١/١، مكتبة شيخ الإسلام في المدينة المنورة.","vol":"1","page":23},{"text":"السابعة عشرة: الموت مرابطا في سبيل الله فيه حديثان أحدهما:\nرباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان.\nالثامنة عشرة: الموت على عمل صالح لقوله ﷺ:\n\"من قال: لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة ومن صام يوما ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة\" ١.\nالتاسعة عشرة: من قتله الإمام الجائر لأنه قام إليه فنصحه لقوله ﷺ:\n\"سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله\".\nأخرجه الحاكم وصححه والخطيب٢.\n_________\n١ أقول بهذه المناسبة لقد توفي شقيقي الكبير محمد ناجي أبو أحمد في موسم السنة الماضية ١٤٠١ على عمل صالح إن شاء الله في الجمرات آخر أيام التشريق وهو جالس مع بعض رفاقه الحجاج وقد ذكر لي بعضهم أن أحد الجالسين معه قدم إليه بيده اليسرى كأسا من الشاي فقال له يا أخي أعطي بيدك اليمنى ولا تخالف السنة أو كما قال ومات من ساعته ﵀ وحشرنا وإياه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.\n٢ أنظر تحقيق الكلام عليه وبيان صحته في الصحيحة ٣٧٤. بما لا تراه في كتاب والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات.","vol":"1","page":24},{"text":"٩-<span data-type=\"title\" id=toc-10> ثناء الناس على الميت</span>.\n٢٦ - والثناء بالخير على الميت من جمع من المسلمين الصادقين أقلهم اثنان من جيرانه العارفين به من ذوي الصلاح والعلم موجب له الجنة وفيه أحاديث:\nالأول: عن أنس ﵁ قال:\nمر على النبي ﷺ بجنازة فأثني عليها خيرا وتتابعت الألسن بالخير فقالوا: كان - ما علمنا - يحب الله ورسوله فقال نبي الله ﷺ:\n\"وجبت وجبت وجبت\"\nومر بجنازة فأثني عليها شرا وتتابعت الألسن بالشر فقالوا: بئس المرء كان في دين الله فقال نبي الله ﷺ:\n\"وجبت وجبت وجبت\" فقال عمر: فدى لك أبي وأمي مر بجنازة فأثني عليها خيرا فقلت: وجبت وجبت وجبت ومر بجنازة فأثني عليها شرا فقلت: وجبت وجبت وجبت؟ فقال رسول الله ﷺ:\n\"من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار\" الملائكة شهداء في الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض وفي رواية: والمؤمنون شهداء الله في الأرض إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر.\nالثاني: عن أبي الأسود الديلي قال:\nأتيت المدينة وقد وقع بها مرض وهم يموتون موتا ذريعا فجلست إلى عمر بن الخطاب ﵁ فمرت جنازة فأثني خيرا فقال عمر: وجبت فقلت: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت: كما قال النبي ﷺ:\n\"أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة\". قلنا: وثلاثة قال: وثلاثة قلنا: واثنان؟ قال واثنان ثم لم نسأله في الواحد.","vol":"1","page":25},{"text":"الثالث: ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من أهل أبيات جيرانه الأدنيين أنهم لا يعلمون منه إلا خيرا إلا قال الله ﵎: قد قبلت قولكم أو قال: بشهادتكم وغفرت له ما لا تعلمون.\nواعلم أن مجموع هذه الأحاديث الثلاثة يدل على أن هذه الشهادة لا تختص بالصحابة بل هي أيضا لمن بعدهم من المؤمنين الذين هم على طريقتهم في الإيمان والعلم والصدق وبهذا جزم الحافظ ابن حجر في الفتح فليراجع كلامه من شاء المزيد من البيان.\nثم إن تقييد الشهادة بأربع في الحديث الثالث الظاهر أنه كان قبل حديث عمر الذي قبله ففيه الاكتفاء بشهادة اثنين وهو العمدة.\nهذا وأما قول بعض الناس عقب صلاة الجنازة: ما تشهدون فيه؟ اشهدوا له بالخير فيجيبونه بقولهم صالح. أو من أهل الخير ونحو ذلك فليس هو المراد بالحديث قطعا بل هو بدعة قبيحة لأنه لم يكن من عمل السلف ولأن الذين يشهدون بذلك لا يعرفون الميت في الغالب بل قد يشهدون بخلاف ما يعرفون استجابة لرغبة طالب الشهادة بالخير ظنا منهم أن ذلك ينفع الميت وجهلا منهم بأن الشهادة النافعة إنما هي التي توافق الواقع في نفس المشهود له كما يدل على ذلك قوله في الحديث: إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر","vol":"1","page":26},{"text":"الوفاة عند الكسوف؟\n٢٧ - وإذا اتفق وفاة أحد مع انكساف الشمس أو القمر فلا يدل ذلك على شيء واعتقاد أنه يدل على عظمة المتوفى إنما هو من خرافات الجاهلية التي أبطلها رسول الله ﷺ يوم مات ابنه إبراهيم ﵇ وانكسفت الشمس فخطب الناس وحمد الله وأثنى عليه ثم قال:\nصحيح أما بعد أيها الناس إن أهل الجاهلية كانوا يقولون: إن الشمس والقمر لا يخسفان إلا لموت عظيم وإنهما آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن يخوف الله به عباده فإذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره وإلى الصدقة والعتاقة والصلاة في المساجد حتى تنكشف","vol":"1","page":27},{"text":"١٠-<span data-type=\"title\" id=toc-11> غسل الميت</span>\n٢٨ - فإذا مات الميت وجب على طائفة من الناس أن يبادروا إلى غسله أما المبادرة فقد سبق دليلها في الفصل الثالث المسألة ١٧ الفقرة هـ وأما وجوب الغسل فلأمره ﷺ به في غير ما حديث:\nالأول: قوله ﷺ في المحرم الذي وقصته ناقته:\nاغسلوه بماء وسدر. . . الحديث. وقد مضى بتمامه في المسألة المشار إليها فقرة د\nالثاني: قوله ﷺ في ابنته زينب ﵂:\nاغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا. . . أو أكثر من ذلك. . . الحديث\nويأتي بتمامه في المسألة التالية\n٢٩ - ويراعى في غسله الأمور الآتية:\nأولا: غسله ثلاثا فأكثر على ما يرى القائمون على غسله.\nثانيا: أن تكون الغسلات وترا.\nثالثا: أن يقرن مع بعضها سدر أو ما يقوم مقامه في التنظيف كالأشنان والصابون.\nرابعا: أن يخلط مع آخر غسلة منها شيء من الطيب والكافور أولى.\nخامسا: نقض الضفائر وغسلها جيدا.\nسادسا: تسريح شعره.\nسابعا: جعله ثلاث ضفائر للمرأة وإلقاؤها خلفها.\nثامنا: البدء بميامنه ومواضع الوضوء منه.\nتاسعا: أن يتولى غسل الذكر الرجال والأنثى النساء إلا ما استثنى كما يأتي بيانه.","vol":"1","page":28},{"text":"والدليل على هذه الأمور حديث أم عطية ﵂ قالت:\nصحيح دخل علينا النبي ﷺ ونحن نغسل ابنته زينب فقال:\nاغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك. قالت: قلت: وترا؟ قال:\nنعم واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور فإذا فرغتن فآذنني. فلما فرغنا آذناه فألقى إلينا حقوه١ فقال: أشعرنها٢ إياه تعني إزاره قالت: ومشطناها ثلاثة قرون وفي رواية نقضنه ثم غسلنه فضفرنا شعرها ثلاثة أثلاث: قرنيها وناصيتها وألقيناها خلفها قالت: وقال لنا: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها.\nعاشرا: أن يغسل بخرقة أو نحوها تحت ساتر لجسمه بعد تجريده من ثيابه كلها فإنه كذلك كان العمل على عهد النبي ﷺ كما يفيد حديث عائشة ﵂:\nلما أرادوا غسل النبي ﷺ قالوا: والله ما ندري أنجرد رسول الله ﷺ من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه فقاموا إلى رسول الله ﷺ فغسلوه وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم.\nوكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه.\n_________\n١ أي إزاره قال ابن الأثير والأصل في الحقو معقد الإزار وجمعه أحق وأحقاء ثم سمي بها الإزار للمجاورة.\n٢ أي اجعلنه شعارها والشعار الثوب الذي يلي الجسد لأنه يلي شعره.","vol":"1","page":29},{"text":"حادي عشر: حسن والغرض من ستر جسمه واستعمال الخرقة أن لا يطلع على عورته ولا تمس وعورة الرجل من السرة إلى الركبة على الصحيح: لقوله ﷺ:\n\"ما بين السرة والركبة عورة\" ١.\nصحيح وقوله ﷺ:\n\"القخد عورة\" ٢.\nوأما المرأة مع المرأة المسلمة - طبعا - فهي عورة إلا مواطن الزينة منها هي الرأس والأذن والنحر وأعلى الصدر: موضع القلادة والذراع مع شيء من العضد: موضع الدملج والقدم وأسفل الساق: موضع الخلخال وما سوى ذلك فعورة لا يجوز للمرأة - كالمحارم - أن تنظر إلى شيء منها ولا أن تبديه لصريح قوله تعالى:\n﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ . . الآية٣.\nثاني عشر: ويستثنى مما ذكر في رابعا المحرم فإنه لا يجوز تطييبه لقوله في الحديث الذي سبقت الإشارة إليه قريبا:\nلا تحنطوه وفي رواية: ولا تطيبوه. . فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا.\nثالث عشر: ويستثنى أيضا مما ورد في تاسعا الزوجان فغنه يجوزك لكل منهما أن يتولى غسل الآخر إذ لا دليل يمنع منه والأصل الجواز ولا سيما انه مؤيد بحديثين:\nالأول: صحيح قول عائشة ﵂ في حديثها المتقدم:\nلو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي ﷺ غير نسائه.\n_________\n١ أنظر تخريجه في إرواء الغليل ٢٦٩، ٢٧١.\n٢ أنظر تخريجه في إرواء الغليل ٢٦٩، ٢٧١.\n٣ والقول بأن عورة المرأة مع المرأة كعورة الرجل مع الرجل مما لا أعرف له أصلا بل هو خلاف الآية المذكورة.","vol":"1","page":30},{"text":"الثاني: عنها أيضا قالت:\nرجع إلي رسول الله ﷺ من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعا في رأسي وأقول: وارأساه فقال:\nبل أنا وارأساه ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك.\nرابع عشر: أن يتولى غسله من كان أعرف بسنة الغسل لا سيما إذا كان من أهله وأقاربه لأن الذين تولوا غسله ﷺ كانوا كما ذكرنا فقد قال علي ﵁:\nغسلت رسول الله ﷺ فجعلت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئا وكان طيبا حيا وميتا ﷺ.\n٣٠ - ولمن تولى غسله أجر عظيم بشرطين اثنين:\nالأول: أن يستر عليه ولا يحدث بما قد يرى من المكروه لقوله ﷺ:\nمن غسل مسلما فكتم عليه غفر له الله أربعين مرة ومن حفر له فأجنه أجري عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة ومن كفنه كساه الله يوم القيامة من سندس واستبرق الجنة.\nالثاني: أن يبتغي بذلك وجه الله لا يريد به جزاء ولا شكورا ولا شيئا من أمور الدنيا لما تقرر في الشرع أن الله ﵎ لا يقبل من العبادات إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة جدا اجتزئ هنا بذكر اثنين منها:\nالأول: قوله ﵎:\n﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ . أي: لا يقصد بها غير وجه الله تعالى.","vol":"1","page":31},{"text":"الثاني: قوله ﷺ:\n\"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه\".\n٣١ - ويستحب لمن غسله أن يغتسل لقوله ﷺ:\n\"من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ\".\nوظاهر الأمر يفيد الوجوب وإنما لم نقل به لحديثين:\nالأول: قوله ﷺ: \"ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه فإن ميتكم ليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم\".\nالثاني: قول ابن عمر ﵁:\nكنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل.\n٣٢ - ولا يشرع غسل الشهيد قتيل المعركة ولو اتفق أنه كان جنبا وفي ذلك أحاديث:\nالأول: عن جابر قال: قال النبي ﷺ:\nادفنوهم في دمائهم يعني يوم أحد ولم يغسلهم. وفي رواية فقال: أنا شهيد على هؤلاء لفوهم في دمائهم فإنه ليس جريح يجرح في الله إلا جاء وجرحه يوم القيامة يدمى لونه لون الدم وريحه ريح المسك وفي رواية: لا تغسلوهم فإن كل جرح يفوح مسكا يوم القيامة ولم يصل عليهم.\nالثاني: عن أبي برزه أن النبي ﷺ كان في مغزى له فأفاء الله عليه فقال لأصحابه:\nهل تفقدون من أحد؟ . قالوا: نعم فلانا وفلانا وفلانا. ثم قال:\nهل تفقدون من أحد؟ قالوا: لا. قال: لكني أفقد جليبيبا","vol":"1","page":32},{"text":"فاطلبوه. فطلب في القتلى فوجدوه إلى جنب سبعة قتلهم ثم قتلوه فأتي النبي ﷺ فوقف عليه فقال:\nقتل سبعة ثم قتلوه هذه مني وأنا منه هذا مني وأنا منه قالها مرتين أو ثلاثا ثم قال بذراعيه هكذا فبسطهما قال: فوضعه على ساعديه ليس له سرير إلا ساعدي النبي ﷺ قال: فحفر له ووضع في قبره. ولم يذكر غسلا.\nالثالث: صحيح عن عبد الله بن الزبير في قصة أحد واستشهاد حنظلة بن أبي عامر قال: فقال رسول الله ﷺ:\n\"إن صاحبكم تغسله الملائكة فاسألوا صاحبته فقالت: خرج وهو جنب لما سمع الهائعة \" ١ فقال رسول الله ﷺ:\n\"لذلك غسلته الملائكة\".\n_________\n١ هي الصوت الذي تفزع عنه وتخاف منه نهاية.","vol":"1","page":33},{"text":"١١-<span data-type=\"title\" id=toc-12> تكفين الميت</span>.\n٣٣ - وبعد الفراغ من غسل الميت يجب تكفينه لأمر النبي ﷺ بذلك في حديث المحرم الذي وقصته الناقة:\n\". . . . وكفنوه. . . .\" الحديث.\nوقد تقدم بتمامه في الفصل ٣ فقرة د\n٣٤ - والكفن أو ثمنه من مال الميت ولو لم يخلف غيره لحديث خباب بن الأرت قال:\nصحيح هاجرنا مع رسول الله ﷺ في سبيل الله نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئا منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم يوجد له شيء وفي رواية: ولم يترك إلا نمرة فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه فقال رسول الله ﷺ:\n\"ضعوها مما يلي رأسه وفي رواية: غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه الإذخر١\"\nومنا من أينعت له ثمرته فهو يهديها أي يجتنيها.\n٣٥ - وينبغي أن يكون الكفن طائلا سابغا يستر جميع بدنه لحديث جابر بن عبد الله ﵁:\nأن النبي ﷺ خطب يوما فذكر رجلا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل وقبر ليلا فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه إلا أن\n_________\n١ بكسر الهمزة والخاء حشيش معروف طيب الرائحة.","vol":"1","page":34},{"text":"يضطر إنسان إلى ذلك وقال النبي ﷺ:\n\"إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه إن استطاع\".\nقال العلماء:\nوالمراد بإحسان الكفن نظافته وكثافته وستره وتوسطه وليس المراد به السرف فيه والمغالاة ونفاسته.\n٣٦ - فإن ضاق الكفن عن ذلك ولم يتيسر السابغ ستر به رأسه وما طال من جسده وما بقي منه مكشوفا جعل عليه شيء من الإذخر أو غيره من الحشيش لحديث خباب بن الأرت في قصة مصعب وقوله ﷺ في نمرته:\n\"ضعوها مما يلي رأسه وفي رواية: غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه الإذخر\".\nوتقدم بتمامه في المسألة ٣٤.\n٣٧ - وإذا قلت الأكفان وكثرت الموتى جاز تكفين الجماعة منهم في الكفن الواحد بأن يقسم بينهم ويقدم أكثرهم قرآنا إلى القبلة لحديث أنس ﵁ قال:\nحسن لما كان يوم أحد مر رسول الله ﷺ بحمزة بن عبد المطلب وقد جدع ومثل به فقال:\nلولا أن تجد صفية في نفسها ل تركته حتى تأكله العافية١ حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع فكفنه في نمرة وكانت إذا خمرت رأسه بدت رجلاه وإذا خمرت رجلاه بدا رأسه فخمر رأسه ولم يصل على أحد من الشهداء غيره وقال: أنا شاهد عليكم اليوم.\nقال: وكثرت القتلى وقلت الثياب قال: وكان يجمع الثلاثة والاثنين.\n_________\n١ هي السباع والطير التي تقع على الجيف فتأكلها ويجمع على العوافي.","vol":"1","page":35},{"text":"في قبر واحد ويسأل أيهم أكثر قرآنا فيقدم في اللحد وكفن الرجلين والثلاثة في الثوب الواحد١.\n٣٨ - ولا يجوز نزع ثياب الشهيد التي قتل فيها بل يدفن وهي عليه لقوله ﷺ في قتلى أحد:\n\"زملوهم في ثيابهم\".\n٣٩ - ويستحب تكفينه بثوب واحد أو أكثر فوق ثيابه كما فعل رسول الله ﷺ بمصعب بن عمير. وتقدم حديثه في المسألة ٣٤.\n٤٠ - والمحرم يكفن في ثوبيه اللذين مات فيهما لقوله ﷺ في المحرم الذي وقصته الناقة:\n. . . . وكفنوه في ثوبيه اللذين أحرم فيهما.\nوتقدم بتمامه في الفصل ٣ فقرة د\n٤١ - ويستحب في الكفن أمور:\nالأول: البياض لقوله ﷺ:\n\"البسوا من ثيابكم البياض فإنها خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم\".\nالثاني: كونه ثلاثة أثواب لحديث عائشة ﵁ قالت:\nإن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب يمانية بيض سحولية من كرسف ليس فيهن قميص ولا عمامة أدرج فيها أدراجا.\n_________\n١ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:\nمعنى الحديث أنه كان يقسم الثوب الواحد بين الجماعة فيكفن كل واحد ببعضه للضرورة وإن لم يستر إلا بعض بدنه يدل عليه تمام الحديث أنه كان يسأل عن أكثرهم قرآنا فيقدمه في اللحد فلو أنهم في ثوب واحد جملة لسأل عن أفضلهم قبل ذلك كي لا يؤدي إلى نقض التكفين وإعادته ذكره في عون المعبود ٣/١٦٥. وهذا التفسير هو الصواب وأما قول من فسره على ظاهره فخطأ مخالف لسياق القصة كما بينه ابن تيمية وأبعد منه عن الصواب من قال: معنى ثوب واحد قبر واحد لأن هذا منصوص عليه في الحديث فلا معنى لإعادته.","vol":"1","page":36},{"text":"الثالث: أن يكون أحدها ثوب حبرة١ إذا تيسر لقوله ﷺ:\n\"إذا توفي أحدكم فوجد شيئا فليكفن في ثوب حبرة\".\nالرابع: صحيح تبخيره ثلاثا لقوله ﷺ:\n\"إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثا\"\nوهذا الحكم لا يشمل المحرم لقوله ﷺ في المحرم الذي وقصته الناقة. . . . \"ولا تطيبوه. . .\".\n٤٢ - ولا يجوز المغالاة في الكفن ولا الزيادة فيه على الثلاثة لأنه خلاف ما كفن فيه رسول الله ﷺ كما تقدم في المسألة السابقة وفيه إضاعة للمال وهو منهي عنه ولا سيما والحي أولى به قال رسول الله ﷺ:\n\"إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال\".\nويعجبني بهذه المناسبة ما قاله العلامة أو الطيب في الروضة الندية ١ / ١٦٥.\nوليس تكثير الأكفان والمغالاة في أثمانها بمحمود فإنه لولا ورود الشرع به لكان من إضاعة المال لأنه لا ينتفع به الميت ولا يعود نفعه على الحي ورحم الله أبا بكر الصديق حيث قال: إن الحي أحق بالجديد لما قيل له عند تعيينه لثوب من أثوابه في كفنه: إن هذا خلق.\n٤٣ - والمرأة في ذلك كالرجل إذ لا دليل على التفريق.\n_________\n١ بكسر الحاء المهملة وفتح الموحدة ما كان من البرود مخططا والمراد هنا ما غلب عليها البياض.","vol":"1","page":37},{"text":"١٢- حمل الجناة واتباعها.\n٤٤ - ويجب<span data-type=\"title\" id=toc-13> حمل الجنازة واتباعها </span>وذلك من حق الميت المسلم على المسلمين وفي ذلك أحاديث أذكر اثنين منها:\nالأول: صحيح قوله ﷺ:\n\"حق المسلم على المسلم وفي رواية: يجب للمسلم على أخيه خمس: رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس\".\nالثاني: قوله أيضا:\n\"عودوا المريض واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة\".\n٤٥ - واتباعها على مرتبتين:\nالأولى: اتباعها من عند أهلها حتى الصلاة عليها.\nوالأخرى: اتباعها من عند أهلها حتى يفرغ من دفنها.\nوكل منهما فعل رسول الله ﷺ فروى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: صحيح كنا مقدم النبي ﷺ يعني المدينة إذا حضر منا الميت آذنا النبي ﷺ فحضره واستغفر له حتى إذا قبض انصرف النبي ﷺ ومن معه حتى يدفن وربما طال حبس ذلك على النبي ﷺ فلما خشينا مشقة ذلك عليه قال بعض القوم لبعض: لو كنا لا نؤذن النبي ﷺ بأحد حتى يقبض فإذا قبض آذناه فلم يكن عليه في ذلك مشقة ولا حبس ففعلنا ذلك وكنا نؤذنه بالميت بعد أن يموت فيأتيه فيصلي عليه فربما انصرف وربما مكث حتى يدفن الميت فكنا على ذلك حينا ثم قلنا لو لم يشخص النبي ﷺ وحملنا جنازتنا إليه حتى يصلي عليه عند بيته لكان ذلك أرفق به فكان ذلك الأمر إلى اليوم.\n٤٦ - ولا شك في أن المرتبة الأخرى أفضل من الأولى لقوله ﷺ:\n\"من شهد الجنازة من بيتها وفي رواية: من اتبع جنازة مسلم إيمانا","vol":"1","page":38},{"text":"واحتسابا حتى يصلي عليه فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن وفي الرواية الأخرى: يفرغ منها فله قيراطان من الأجر. قيل: يا رسول الله وما القيراطان؟ قال: \"مثل الجبلين العظيمين\". وفي الرواية الأخرى: كل قيراط مثل أحد.\n٤٧ - وهذا الفضل في اتباع الجنائز إنما هو للرجال دون النساء لنهي النبي ﷺ النساء عن اتباعها وهو نهي تنزيه فقد قالت أم عصية ﵂:\nصحيح كنا ننهى وفي رواية: نهانا رسول الله ﷺ عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا.\n٤٨ - ولا يجوز أن تتبع الجنائز بما يخالف الشريعة وقد جاء النص فيها على أمرين: رفع الصوت بالبكاء واتباعها بالبخور وذلك في قوله ﷺ: \"لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار\".\n٤٩ - ويلحق بذلك رفع الصوت بالذكر أمام الجنازة لأنه بدعة ولقول قيس بن عباد:\nكان أصحاب النبي ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الجنائز.\nولأن فيه تشبها بالنصارى فإنهم يرفعون أصواتهم بشيء من أناجيلهم وأذكارهم مع التمطيط والتلحين والتحزين.\nوأقبح من ذلك تشييعها بالعزف على الآلات الموسيقية أمامها عزفا حزينا كما يفعل في بعض البلاد الإسلامية تقليدا للكفار. والله المستعان.\nقال النووي رحمه الله تعالى في الأذكار ص ٢٠٣:\nواعلم أن الصواب والمختار وما كان عليه السلف ﵃ السكوت في حال السير مع الجنازة فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك. والحكمة فيه ظاهرة وهي أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوب في هذا الحال فهذا هو الحق ولا تغتر بكثرة من يخالفه فقد قال أبو علي الفضيل.","vol":"1","page":39},{"text":"ابن عياض ﵁ ما معناه: الزم طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين. وقد روينا في سنن البيهقي ما يقتضي ما قلته يشير إلى قول قيس بن عباد. وأما ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بدمشق وغيرها من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن مواضعه فحرام بإجماع العلماء وقد أوضحت قبحه وغلظ تحريمه وفسق من تمكن من إنكاره فلم ينكره في كتاب آداب القراءة والله المستعان\n٥٠ - ويجب الإسراع في السير بها سيرا دون الرمل لقوله ﷺ:\n\"أسرعوا بالجنازة فإن تكن صالحة فخير تقدمونها عليه وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم\".\nقلت: ظاهر الأمر الوجوب وبه قال ابن حزم ٥ / ١٥٤ - ١٥٥ ولم نجد دليلا يصرفه إلى الاستحباب فوقفنا عنده. وقال ابن القيم في زاد المعاد:\nوأما دبيب الناس اليوم خطوة خطوة فبدعة مكروهة مخالفة للسنة ومتضمنة للتشبه بأهل الكتاب: اليهود.\n٥١ - ويجوز المشي أمامها وخلفها وعن يمينها ويسارها على أن يكون قريبا منها إلا الراكب فيسير خلفها لقوله ﷺ:\n\"الراكب يسير خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبا منها الطفل يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة\".\n٥٢ - وكل من المشي أمامها وخلفها ثبت عن رسول الله ﷺ فعلا كما قال أنس بن مالك ﵁:\nأن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها.\n٥٣ - ولكن الأفضل المشي خلفها لأنه مقتضى قوله ﷺ: \"واتبعوا الجنائز\". وما في معناه. ويؤيده قول علي ﵁:","vol":"1","page":40},{"text":"المشي خفها أفضل من المشي أمامها كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته فذا.\n٥٤ - ويجوز الركوب بشرط أن يسير وراءها لقوله ﷺ في الحديث المتقدم: \"الراكب يسير خلف الجنازة. . .\".\nلكن الأفضل المشي لأنه المعهود عنه ﷺ ولم يرد أنه ركب معها بل قال ثوبان ﵁:\nإن رسول الله ﷺ أتي بدابة وهو مع الجنازة فأبى أن يركبها فلما أنصرف أتي بدابة فركب فقيل له؟ فقال:\nإن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون فلما ذهبوا ركبت.\n٥٥ - وأما الركوب بعد الانصراف عنها فجائز بدون كراهة لحديث ثوبان المذكور آنفا ومثله حديث جابر بن سمرة ﵁ قال:\nصلى رسول الله ﷺ على ابن الدحداح ونحن شهود وفي رواية: خرج على جنازة ابن الدحداح ماشيا ثم أتي بفرس عري فعقله رجل فركبه حين انصرف فجعل يتوقص به١ ونحن نتبعه نسعى خلفه وفي رواية: حوله قال: فقال رجل من القوم: إن النبي ﷺ قال:\n\"كم من عذق معلق أو مدلى في الجنة لابن الدحداح\".\n٥٦ - وأما حمل الجنازة على عربة أو سيارة مخصصة للجنائز وتشييع المشيعين لها وهم في السيارات فهذه الصورة لا تشرع البتة وذلك لأمور:\nالأول: أنها من عادات الكفار وقد تقرر في الشريعة أنه لا يجوز تقليدهم فيها. وفي ذلك أحاديث كثيرة جدا كنت استوعبتها وخرجتها في كتابي حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة. بعضها في الأمر والحض على مخالفتهم في\n_________\n١ أي يثب ويقارب الخطو.","vol":"1","page":41},{"text":"عباداتهم وأزيائهم وعاداتهم وبعضها من فعله ﷺ في مخالفتهم في ذلك فمن شاء الاطلاع عليها فليرجع إليه.\nالثاني: أنها بدعة في عبادة مع معارضتها للسنة العملية في حمل الجنازة وكل ما كان كذلك من المحدثات فهو ضلالة اتفاقا.\nالثالث: أنها تفوت الغاية من حملها وتشييعها وهي تذكر الآخرة كما نص على ذلك رسول الله ﷺ في الحديث المتقدم في أول هذا الفصل بلفظ:\n\". . . واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة\".\nأقول: إن تشييعها على تلك الصورة مما يفوت على الناس هذه الغاية الشريفة تفويتا كاملا أو دون ذلك فإنه مما لا يخفى على البصير أن حمل الميت على الأعناق ورؤية المشيعين لها وهي على رؤوسهم أبلغ في تحقيق التذكر والاتعاظ من تشييعها على الصورة المذكورة ولا أكون مبالغا إذا قلت: إن الذي حمل الأوربيين عليها إنما هو خوفهم من الموت وكل ما يذكر به بسبب تغلب المادة عليهم وكفرهم بالآخرة.\nالرابع: أنها سبب قوي لتقليل المشيعين لها والراغبين في الحصول على الأجر الذي سبق ذكره في المسألة ٤٦ من هذا الفصل ذلك لأنه لا يستطيع كل أحد أن يستأجر سيارة ليشيعها.\nالخامس: أن هذه الصورة لا تتفق من قريب ولا من بعيد مع ما عرف الشريعة المطهرة السمحة من البعد عن الشكليات والرسميات لا سيما في مثل هذا الأمر الخطير: الموت والحق أقول: إنه لو لم يكن في هذه البدعة إلا هذه المخالفة لكفى ذلك في ردها فكيف إذا انضم إليها ما سبق بيانه من المخالفات والمفاسد وغير ذلك مما لا أذكره.\n٥٧ - والقيام لها منسوخ. وهو على نوعين:\nأ - قيام الجالس إذا مرت به.","vol":"1","page":42},{"text":"ب - وقيام المشيع لها عند انتهائها إلى القبر حتى توضع على الأرض.\nوالدليل على ذلك حديث علي ﵁:\nقام رسول الله ﷺ للجنازة فقمنا ثم جلس فجلسنا. وفي لفظ: كان يقوم في الجنائز ثم جلس بعد. وفي آخر: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالقيام في الجنازة ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس.\nويستحب لمن حملها أن يتوضأ لقوله ﷺ:\n\"من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ\".","vol":"1","page":43},{"text":"١٣-<span data-type=\"title\" id=toc-14> الصلاة على الجنازة</span>.\n٥٨ - والصلاة على الميت المسلم فرض كفاية لأمره ﷺ بها في أحاديث أذكر منها حديث زيد بن خالد الجهني:\nصحيح أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ توفي يوم خيبر فذكروا ذلك لرسول الله فقال:\n\"صلوا على صاحبكم\" فتغيرت وجوه الناس لذلك قال:\n\"إن صاحبكم غل في سبيل الله\".\nففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز اليهود لا يساوي درهمين\n٥٩ - ويستثنى من ذلك شخصان فلا تجب الصلاة عليهما:\nالأول: الطفل الذي لم يبلغ لأن النبي ﷺ لم يصل على ابنه إبراهيم ﵇ قالت عائشة ﵂:\nمات إبراهيم بن النبي ﷺ وهو ابن ثمانية عشر شهرا فلم يصل عليه رسول الله ﷺ.\nالثاني: الشهيد لأن النبي ﷺ لم يصل على شهداء أحد وغيرهم كما سبق.\nولكن ذلك لا ينفي مشروعية الصلاة عليهما بدون وجوب كما يأتي في المسألة التالية:\n٦٠ - وتشرع الصلاة على من يأتي ذكرهم:\nالأول: الطفل: ولو كان سقطا وهو الذي يسقط من بطن أمه قبل تمامه لقوله ﷺ في الحديث المتقدم المسألة ٥١:\n٠٠٠٠والطفل وفي رواية: السقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة. والظاهر أن السقط إنما يصلى عليه إذا كان قد نفخت فيه الروح. وذلك إذا استكمل أربعة أشهر ثم مات فأما إذا سقط قبل ذلك فلا.","vol":"1","page":44},{"text":"لأنه ليس بميت كما لا يخفى. وأصل ذلك حديث عبد اله بن مسعود ﵁ مرفوعا: \"إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكا. . . ينفخ فيه الروح\".\nالثاني: الشهيد وفيه أحاديث كثيرة أكتفي بذكر بعضها:\n١ - حسن عن عبد الله بن الزبير:\nأن رسول الله ﷺ أمر يوم أحد بحمزة فسجي ببردة ثم صلى عليه فكبر تسع تكبيرات ثم أتي بالقتلى يصفون ويصلي عليهم وعليه معهم\n٢ - عن عقبة بن عامر الجهني:\nأن النبي ﷺ خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات ثم انصرف إلى المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال:\n\"إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم وإن موعدكم الحوض وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن وإن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم الدنيا أن تتنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم\".\nقال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ.\nالثالث: من قتل في حد من حدود الله لحديث عامر بن حصين:\nأن امرأة من جهينة أتت نبي الله ﷺ وهي حبلى من الزنا فقالت: يا نبي الله أصبت حدا فأقمه علي فدعا نبي الله ﷺ وليها فقال:\n\"أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها. ففعل فأمر بها نبي الله ﷺ فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها فقال له عمر: تصلي","vol":"1","page":45},{"text":"عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال: \"لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى؟ \"\nالرابع: الفاجر المنبعث في المعاصي والمحارم مثل تارك الصلاة والزكاة مع اعترافه بوجوبهما والزاني ومدمن الخمر ونحوهم من الفساق فإنه يصلى عليهم إلا أنه ينبغي لأهل العلم والدين أن يدعوا الصلاة عليهم عقوبة وتأديبا لأمثالهم كما فعل النبي ﷺ. وفي ذلك أحاديث أذكر أحدها:\nعن أبي قتادة قال: كان رسول الله ﷺ إذا دعي لجنازة سأل عنها فإن أثني عليها خير قام فصلى عليها وإن أثني عليها غير ذلك قال لأهلها: \"شأنكم بها ولم يصلي عليها\".\nالخامس: المدين الذي لم يترك من المال ما يقضي به دينه فإنه يصلى عليه وإنما ترك رسول الله ﷺ الصلاة عليه في أول الأمر وفيه أحاديث:\n١ - عن سلمة بن الأكوع قال:\nكنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ أتي بجنازة فقالوا: صل عليها فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا. قال: فهل ترك شيئا؟ قالوا: لا فصلى عليه.\nثم أتي بجنازة أخرى فقالوا: يا رسول الله صل عليها قال: هل عليه دين؟ قيل: نعم قال: فهل ترك شيئا؟ قالوا: ثلاثة دنانير قال: فقال بأصابعه: ثلاث كيات فصلى عليها.\nثم أتي بالثالثة فقالوا: صل عليه قال: هل ترك شيئا؟ قالوا: لا قال: هل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير قال: صلوا على صاحبكم. قال رجل من الأنصار يقال له أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعلي دينه.\n٢ - عن أبي هريرة:\nأن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين فيسأل: هل ترك من قضاء؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه وإلا فلا: قال: \"صلوا على","vol":"1","page":46},{"text":"صاحبكم\". فلما فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم في الدنيا والآخرة اقرؤوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فمن توفي وعليه دين ولم يترك وفاء فعلي قضاؤه ومن ترك مالا فهو لورثته.\nالسادس: من دفن قبل أن يصلى عليه أو صلى عليه بعضهم دون بعض فيصلون عليه وهو في قبره على أن يكون الإمام في الصورة الثانية ممن لم يكن صلى عليه. وفي ذلك أحاديث أجتزئ هنا بواحد منها:\nعن عبد الله بن عباس ﵄ قال:\nصحيح مات رجل - وكان رسول الله ﷺ يعوده - فدفنوه بالليل فلما أصبح أعلموه فقال: ما منعكم أن تعلموني؟ قالوا: كان الليل وكانت الظلمة فكرهنا أن نشق عليك. فأتى قبره فصلى عليه قال: فأمنا وصفنا خلفه وأنا فيهم وكبر أربعا.\nالسابع: من مات في بلد ليس فيها من يصلي عليه صلاة الحاضر فهذا يصلي عليه طائفة من المسلمين صلاة الغائب لصلاة النبي ﷺ على النجاشي.\nوقد رواها جماعة من أصحابه ﷺ يزيد بعضهم على بعض وقد جمعت أحاديثهم فيها ثم سقتها في سياق واحد تقريبا للفائدة والسياق لحديث أبي هريرة:\nإن رسول الله ﷺ نعى للناس وهو بالمدينة النجاشي أصحمة صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه قال: إن أخا لكم قد مات وفي رواية: مات اليوم عبد لله صالح بغير أرضكم فقوموا فصلوا عليه. قالوا: من هو؟ قال: النجاشي وقال: استغفروا لأخيكم.\nقال: فخرج بهم إلى المصلى وفي رواية: البقيع ثم تقدم فصفوا خلفه صفين قال: فصففنا خلفه كما يصف على الميت وصلينا عليه كما يصلى على الميت وما نحسب الجنازة إلا موضوعة بين يديه قال: فأمنا وصلى عليه وكبر عليه أربع تكبيرات فقيل: يا رسول الله تصلي على","vol":"1","page":47},{"text":"عبد حبشي؟ فأنزل الله ﷿:؟ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله. . .؟ الآية\nقال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد ١ / ٢٠٥ / ٢٠٦:\nولم يكن من هديه ﷺ وسنته الصلاة على كل ميت غائب فقد مات خلق كثير من المسلمين وهم غيب فلم يصل عليهم وصح أنه صلى على النجاشي صلاته على الميت.\nومما يؤيد عدم مشروعية الصلاة على كل غائب أنه لما مات الخلفاء الراشدون وغيرهم لم يصل أحد من المسلمين عليهم صلاة الغائب ولو فعلوا لتواتر النقل بذلك عنهم.\nفقابل هذا بما عليه كثير من المسلمين اليوم من الصلاة على كل غائب لا سيما إذا كان له ذكر أو صيت ولو من الناحية السياسية فقط ولا يعرف بصلاح أو خدمة للإسلام ولو كان مات في الحرم المكي وصلى عليه الآلاف المؤلفة في موسم الحج صلاة الحاضر قابل ما ذكرنا بمثل هذه الصلاة تعلم يقينا أن ذلك من البدع التي لا يمتري فيها عالم بسنته ﷺ ومذهب السلف ﵃.\n٦١ - وتحرم الصلاة والاستغفار والترحم على الكفار والمنافقين١ لقول الله ﵎: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ .\nولحديث علي ﵁ قال:\nسمعت رجلا يستغفر لأبويه وهم مشركان فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: أليس قد استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك؟ قال: فذكرت ذلك\n_________\n١ هم الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام وإنما يتبين كفرهم بما يترشح من كلماتهم من الغمز في بعض أحكام الشريعة واستهجانها وزعمهم أنها مخالفة للعقل والذوق وقد أشار إلى هذه الحقيقة ربنا ﵎ في قوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ وأمثال هؤلاء المنافقين كثير في عصرنا والله المستعان.","vol":"1","page":48},{"text":"للنبي ﷺ فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ .\nقال النووي رحمه الله تعالى في المجموع ٥ / ١٤٤، ٢٥٨:\nالصلاة على الكافر والدعاء له بالمغفرة حرام بنص القرآن والإجماع.\nقلت: ومن ذلك تعلم خطأ بعض المسلمين اليوم في الترحم والترضي على بعض الكفار ويكثر ذلك من بعض أصحاب الجرائد والمجلات ولقد سمعت أحد رؤساء العرب المعروفين بالتدين يترحم على ستالين الشيوعي الذي هو ومذهبه من أشد وألد الأعداء على الدين وذلك في كلمة ألقاها لرئيس المشار إليه بمناسبة وفاة المذكور أذيعت بالراديو ولا عجب من هذا فقد يخفى عليه مثل هذا الحكم ولكن العجب من بعض الدعاة المسلمين أن يقع في مثل ذلك حيث قال في رسالة له: رحم الله برناردشو. . وأخبرني بعض الثقات عن أحد المشايخ أنه كان يصلي على من مات من الإسماعيلية مع اعتقاده أنهم غير مسلمين. لأنهم لا يرون الصلاة ولا الحج ويعبدون البشر ومع ذلك كان يصلي عليهم نفاقا ومداهنة لهم. فإلى الله المشتكى وهو المستعان.\n٦٢ - وتجب الجماعة في صلاة الجنازة كما تجب في الصلوات المكتوبة بدليلين:\nالأول: مداومة النبي ﷺ عليها:\nالآخر: قوله ﷺ: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\".\nولا يعكر على ما ذكرنا صلاة الصحابة على النبي ﷺ فرادى لم يؤمهم أحد لأنها قضية خاصة لا يدرى وجهها فلا يجوز من أجلها أن نترك ما واظب عليه.","vol":"1","page":49},{"text":"ﷺ طيلة حياته المباركة لا سيما والقضية المذكورة لم ترد بإسناد صحيح تقوم به الحجة وإن كانت رويت من طرق يقوي بعضها بعضا فإن أمكن الجمع بينها وبين ما ذكرنا من هديه ﷺ في التجميع في الجنازة فبها وإلا فهديه هو المقدم لأنه أثبت وأهدى. فإن صلوا عليها فرادى سقط الفرض وأثموا بترك الجماعة والله أعلم.\nقال النووي في المجموع ٥ / ٣١٤:\nتجوز صلاة الجنازة فرادى بلا خلاف والسنة أن تصلى جماعة للأحاديث المشهورة في الصحيح في ذلك مع إجماع المسلمين.\n٦٣ - وأقل ما ورد في انعقاد الجماعة فيها ثلاثة ففي حديث عبد الله بن أبي طلحة:\nأن طلحة دعا رسول الله ﷺ إلى عمير بن أبي طلحة حين توفي فأتاه رسول الله ﷺ فصلى عليه في منزلهم فتقدم رسول الله ﷺ وكان أبو طلحة وراءه وأم سليم وراء أبي طلحة ولم يكن معهم غيرهم.\n٦٤ - وكلما كثر الجمع كان أفضل للميت وأنفع لقوله ﷺ:\n\"ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه\". وفي حديث آخر: \"غفر له\".\nوقد يغفر للميت ولو كان العدد أقل من مائة إذا كانوا مسلمين لم يخالط توحيدهم شيء من الشرك لقوله ﷺ: \"ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه\".\n٦٥ - ويستحب أن يصفوا وراء الإمام ثلاثة صفوف فصاعدا لحديثين رويا في ذلك تتقوى المسألة بمجموعهما فراجعهما في الأصل.","vol":"1","page":50},{"text":"٦٦ - وإذا لم يوجد مع الإمام غير رجل واحد فإنه لا يقف حذاءه كما هو السنة في سائر الصلوات بل يقف خلف الإمام للحديث المتقدم في المسألة ٦٣.\n٦٧ - والوالي أو نائبه أحق بالإمامة فيها من الولي لحديث أبي حازم قال:\nإني لشاهد يوم مات الحسن بن علي فرأيت الحسين بن علي يقول لسعيد ابن العاص ويطعن في عنقه ويقول: تقدم فلولا أنها سنة ما قدمتك وسعيد أمير على المدينة يومئذ وكان بينهم شيء.\n٦٨ - فإن لم يحضر الوالي أو نائبه فالأحق بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله ثم على الترتيب الذي ورد ذكره في قوله ﷺ:\n\"يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدهم سلما ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلى إلا بإذنه\".\nويؤمهم الأقرأ ولو كان غلاما لم يبلغ الحلم لحديث عمرو بن سلمة:\nأنهم يعني قومه وفدوا على النبي ﷺ فلما أرادوا أن ينصرفوا قالوا: يا رسول الله من يؤمنا؟ قال: أكثركم جمعا للقرآن أو أخذا للقرآن فلم يكن أحد من القوم جمع ما جمعت فقدموني وأنا غلام وعلي شملة لي. قال: فما شهدت مجمعا من جرم إلا كنت إمامهم وكنت أصلي على جنائزهم إلى يومنا هذا.\n٦٩ - وإذا اجتمعت جنائز عديدة من الرجال والنساء صلي عليها صلاة واحدة وجعلت الذكور - ولو كانوا صغارا - مما يلي الإمام وجنائز الإناث مما يلي القبلة فإنه السنة كما قال نافع عن ابن عمر:\nأنه صلى١ على تسع جنائز جميعا فجعل الرجال يلون الإمام والنساء يلين القبلة فصفهن صفا واحدا ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي امرأة عمر بن\n_________\n١ قلت: يعني إماما كما يدل عليه السياق وصرح بذلك البيهقي في رواية له ولا يعارض هذا قوله فيما بعد والإمام يومئذ سعيد بن العاص لأن المراد أنه كان هو الأمير.","vol":"1","page":51},{"text":"الخطاب وابن لها يقال له: زيد وضعا جميعا والإمام يومئذ سعيد بن العاص وفي الناس ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة فوضع الغلام مما يلي الإمام فقال رجل: فأنكرت ذلك فنظرت إلى ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي قتادة فقلت: ما هذا؟ قالوا: هي السنة.\n٧٠ - ويجوز أن يصلي على كل واحدة من الجنائز صلاة لأنه الأصل ولأن النبي ﷺ فعل ذلك في شهداء أحد كما تقدم في المسألة ٦٠ / ١.\n٧١ - وتجوز الصلاة على الجنازة في المسجد لحديث عائشة ﵂ قالت:\nصحيح لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي ﷺ أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه ففعلوا فوقف به على حجرهن يصلين عليه أخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد. فبلغهن أن الناس عابوا ذلك وقالوا هذه بدعة ما كانت الجنائز يدخل بها إلى المسجد فبلغ ذلك عائشة فقالت: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد والله ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء وأخيه إلا في جوف المسجد.\n٧٢ - لكن الأفضل الصلاة عليها خارج المسجد في مكان معد للصلاة على الجنائز كما كان الأمر على عهد النبي ﷺ وهو الغالب على هديه فيها وفي ذلك أحاديث مذكورة في الأصل منها صلاته ﷺ على النجاشي في المصلى قرب البقيع كما تقدم في المسألة ٦٠ / ٧.\nومنها حديث: أن اليهود جاؤوا إلى النبي ﷺ برجل منهم وامرأة زنيا فأمر بهما فرجما قريبا من موضع الجنائز عند المسجد.","vol":"1","page":52},{"text":"قال الحافظ في الفتح:\nإن مصلى الجنائز كان لاصقا بمسجد النبي ﷺ من ناحية جهة المشرق.\nوقال في موضع آخر ١٢ - ١٠٨:\nوالمصلى الذي كان يصلى عنده العيد والجنائز هو من ناحية بقيع الغرقد.\n٧٣ - ولا تجوز الصلاة عليها بين القبور لحديث أنس بن مالك ﵁:\nأن النبي ﷺ نهى أن يصلى على الجنائز بين القبور.\nوعنه أيضا:\n\"كان يكره أن يبنى مسجد بين القبور\".\nويشهد للحديث ما تواتر عن النبي ﷺ من النهي عن اتخاذ القبور مساجد وقد ذكرت ما ورد ي ذلك في أول كتابي تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد وسأذكر بعضها في المسألة ١٢٦ فقرة ٩.\n٧٤ - ويقف الإمام وراء رأس الرجل ووسط المرأة وفيه حديثان أجمعهما حديث أبي غالب الخياط قال:\nصحيح شهدت أنس بن مالك صلى على جنازة رجل فقام عند رأسه وفي رواية رأس السرير فلما رفع أتي بجنازة امرأة من قريش أو من الأنصار فقيل له: يا أبا حمزة هذه جنازة فلانة ابنة فلان فصل عليها فصلى عليها فقام وسطها وفي رواية عند عجيزتها وعليها نعش أخضر وفينا العلاء بن زياد العدوي١ فلما رأى اختلاف قيامه على الرجل والمرأة قال: يا أبا حمزة هكذا كان رسول الله ﷺ يقوم حيث قمت ومن المرأة حيث قمت؟ قال: نعم قال: فالتفت إلينا العلاء فقال: احفظوا.\n_________\n١ كتبه أبو نصر وهو من ثقات التابعين وكان من عباد أهل البصرة وقرائهم مات سنة أربع وتسعين.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>صفة صلاة الجنازة</span>.\n٧٥ - ويكبر عليها أربعا أو خمسا إلى تسع تكبيرات كل ذلك ثبت عن النبي ﷺ فأيها فعل أجزأه والأولى التنويع فيفعل هذا تارة وهذا تارة كما هو الشأن في أمثاله كأدعية الاستفتاح وصيغ التشهد والصلوات الإبراهيمية ونحوهما وإن كان لا بد من التزام نوع واحد منها فهو الأربع لأن الأحاديث فيها أقوى وأكثر والمقتدي يكبر ما كبر الإمام. وبيان ذلك في الأصل.\n٧٦ - ويشرع له أن يرفع يديه في التكبيرة الأولى وفيه حديثان يقوي أحدهما الآخر مع اتفاق العلماء عليه.\n٧٧ - ثم يضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد ثم يشتد بهما على صدره وفي ذلك أحاديث معروفة ترى بعضهما في الأصل.\nوأما الوضع تحت السرة فضعيف اتفاقا كما قال النووي والزيلعي وغيرهما.\n٧٨ - ثم يقرأ عقب التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب وسورة لحديث طلحة بن عبد الله بن عوف قال:\nصحيح صليت خلف ابن عباس ﵁ على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر حتى أسمعنا فلما فرغ أخذت بيده فسألته؟ فقال: إنما جهرت لتعلموا أنها سنة وحق\n٧٩ - ويقرأ سرا لحديث أبي أمامة بن سهل قال:\nصحيح السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة ثم يكبر ثلاثا والتسليم عند الآخرة.\n٨٠ - ثم يكبر التكبيرة الثانية ويصلي على النبي ﷺ لحديث أبي أمامة المذكور أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ:\nأن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد","vol":"1","page":54},{"text":"التكبيرة الأولى سرا في نفسه ثم يصلي على النبي ﷺ ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات الثلاث لا يقرأ في شيء منهن١ ثم يسلم سرا في نفسه حين ينصرف عن يمينه والسنة أن يفعل من ورائه مثلما فعل إمامه.\nوأما صيغة الصلاة على النبي ﷺ في الجنازة فلم أقف عليها في شيء من الأحاديث الصحيحة فالظاهر أن الجنازة ليس لها صيغة خاصة بل يؤتى فيها بصيغة من الصيغ الثابتة في التشهد في المكتوبة٢.\n٨١ - ثم يأتي ببقية التكبيرات ويخلص الدعاء فيها للميت لحديث أبي أمامه المتقدمة آنفا وقوله ﷺ:\n\"إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء\" ٣.\n٨٢ - ويدعو فيها بما ثبت عنه ﷺ من الأدعية وقد وقفت منها على أربعة:\nالأول:\nاللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء الثلج والبرد ونقه من خطاياه كما نقيت وفي رواية كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا وفي رواية: زوجة خيرا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار.\n_________\n١ يعني من القرآن فلا ينافي قراءة الأدعية الثابتة فيها كما يأتي قريبا إن شاء الله تعالى.\n٢ وهي سبع صيغ أوردتها في صفة صلاة النبي ﷺ وقد طبعه المكتب الإسلامي عدة طبعات آخرها الطبعة التاسعة.\n٣ قال السندي: أي خصوه بالدعاء وقال: المناوي: أي ادعوا له بإخلاص وحضور قلب لأن المقصود بهذه الصلاة إنما هو الاستغفار والشفاعة للميت وإنما يرجى قبولها عند توفر الإخلاص والابتهال ولهذا شرع في الصلاة عليه من الدعاء ما لم يشرع مثله في الدعاء للحي قال ابن القيم: هذا يبطل قول من زعم أن الميت لا ينتفع بدعاء الحي.\nقلت: وفي رواية الحاكم من حديث أبي أمامه المتقدم: ويخلص الصلاة في التكبيرات الثلاث فالصلاة هنا بمعنى الدعاء بدليل الرواية الأولى ويخلص الدعاء لأن أصل معنى الصلاة في اللغة الدعاء فمن غرائب التفسير ما في القول البديع ص ١٥٢ويخلص الصلاة أي يرفع صوته في صلاته بالتكبيرات الثلاث.","vol":"1","page":55},{"text":"الثاني:\nاللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده.\nالثالث:\nاللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك وحبل جوارك فقه فتنة القبر وعذاب النار وأنت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم.\nالرابع:\nاللهم عبدك وابن أمتك احتاج إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه إن كان محسنا فزد في حسناته وإن كان مسيئا فتجاوز عنه.\nثم يدعوا ما شاء الله أن يدعو.\n٨٣ - والدعاء بين التكبيرة الأخيرة والتسليم مشروع لحديث أبي يعفور عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال:\nشهدته وكبر على جنازة أربعا ثم قام ساعة - يعني - يدعو ثم قال: أتروني كنت أكبر خمسا؟ قالوا: لا. قال: إن رسول الله ﷺ: كان يكبر أربعا.\n٨٤ - ثم يسلم تسليمتين مثل تسليمه في الصلاة المكتوبة إحداها عن يمينه والأخرى عن يساره لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال:\nثلاث خلال كان رسول الله ﷺ يفعلهن تركهن الناس إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة. وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن ابن مسعود أن النبي ﷺ كان يسلم تسلمتين في الصلاة. فهذا يبين أن المراد بقوله في الحديث الأول مثل التسليم في الصلاة أي التسليمتين المعهودتين.","vol":"1","page":56},{"text":"٨٥ - ويجوز الاقتصار على التلسيمة الأولى فقط لحديث أبي هريرة ﵁:\nأن رسول الله ﷺ صلى على جنازة فكبر عليها أربعا وسلم تسليمة واحدة.\n٨٦ - والسنة أن يسلم في الجنازة سرا الإمام ومن وراءه في ذلك سواء لحديث أبي أمامة المتقدم في المسألة ٨٠ بلفظ:\nثم يسلم سرا في نفسه حين ينصرف والسنة أن يفعل من وراءه مثلما فعل إمامه.\n٨٧ - ولا تجوز الصلاة على الجنازة في الأوقات الثلاثة التي تحرم الصلاة فيها إلا لضرورة لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال:\nثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب.\nوهو بعمومه يشمل الصلاة على الجنازة وهو الذي فهمه الصحابة كما شرحته في الأصل.","vol":"1","page":57},{"text":"١٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-16> الدفن وتوابعه</span>.\n٨٨ - ويجب دفن الميت ولو كان كافرا وفي ذلك حديثان:\nالأول: عن جماعة من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو طلحة الأنصاري والسياق له:\nأن رسول الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فجروا بأرجلهم فقذفوا في طوى١ من أطواء بدر خبيث مخبث بعضهم على بعض إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها فذهبوا يحركووه فتزايل٢ فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة. . .\nالحديث.\nالثاني: عن علي ﵁ قال:\nلما توفي أبو طالب أتيت النبي ﷺ فقلت: إن عمك الشيخ الضال قد مات فمن يواريه؟ قال: اذهب فواره ثم لا تحدث شيئا حتى تأتيني فقال: إنه مات مشركا فقال اذهب فواره قال: فواريته ثم أتيته قال: اذهب فاغتسل ثم لا تحدث شيئا حتى تأتيني قال: فاغتسلت ثم أتيته قال: فدعا لي بدعوات ما يسرني أن لي بها حمر النعم وسودها. قال: وكان علي إذا غسل الميت اغتسل.\n٨٩ - ولا يدفن مسلم مع كافر ولا كافر مع مسلم بل يدفن المسلم في مقابر المسلمين والكافر مقابر المشركين. كذلك كان الأمر على عهد النبي ﷺ واستمر إلى عصرنا هذا ومن الأدلة على ذلك حديث بشير بن الخصاصية قال:\nبينما أماشي رسول الله ﷺ آخذا بيده فقال: يا ابن الخصاصية ما\n_________\n١ هي البئر التي طويت وثبتت بالحجارة لتثبت ولا تنهار.\n٢ أي تفسخ وتفرقت أجزاؤه.","vol":"1","page":58},{"text":"أصبحت تنقم على الله١؟ أصبحت تماشي رسول الله قال: أحسبه قال: آخذا بيده فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما أصبحت أنقم على الله شيئا كل خير فعل بي الله فأتى على قبور المشركين فقال: لقد سبق هؤلاء بخير كثير وفي رواية: خيرا كثيرا ثلاث مرات ثم أتى على قبور المسلمين فقال: لقد أدرك هؤلاء خيرا كثيرا ثلاث مرات.\nفبينما هو يمشي إذ حانت منه نظرة فإذا هو برجل يمشي بين القبور عليه نعلان فقال: يا صاحب السبتيتين ويحك ألقي سبتيتيك فنظر فلما عرف الرجل رسول الله ﷺ خلع نعليه فرما بهما.\nوإن مما يؤكد ذلك تفريق الشارع الحكيم بين ما يقوله المؤمن إذا زار قبور المسلمين وما يقوله إذا مر بمقابر الكافرين كما يأتي بيانه قريبا في زيارة القبور.\n٩٠ - والسنة الدفن في المقبرة لأن النبي ﷺ كان يدفن الموتى في مقبرة البقيع كما تواترت الأخبار بذلك وتقدم بعضها في مناسبات شتى أقربها حديث ابن الخصاصية الذي سقته في المسألة السابقة. ولم ينقل عن أحد من السلف أنه دفن في غير المقبرة إلا ما تواتر أيضا أن النبي ﷺ دفن في حجرته وذلك من خصوصياته ﵊ كما دل عليه حديث عائشة ﵂: قالت:\nلما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله ﷺ شيئا ما نسيته قال:\nما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه فدفنوه في موضع فراشه.\n_________\n١ إنما قال له ﵇ هذا لأن بشيرا ﵁ كان أظهر شيئا من التضجر بسبب بعده عن دار قومه فقد روى الطبراني في الكبير ١٢٣٦ والأوسط عن بشير نفسه قال:\nأتيت النبي ﷺ فلحقته بالبقيع فسمعته يقول: السلام على أهل الديار من المؤمنين وانقطع شسعي فقال: أنعش قدمك فقلت يا رسول الله طالت عزوبتي ونأيت عن دار قومي فقال: يا بشير ألا تحمد الله الذي أخذ بناصيتك من بين ربيعة قوم يرون لولاهم انكفت الأرض بمن عليها قال الهيثمي في المجمع ٣/٦٠: ورجاله ثقات قلت: وفيه نظر.","vol":"1","page":59},{"text":"٩١ - ويستثنى مما سبق من مات من الشهداء في المعركة فإنهم يدفنون في مواطن استشهادهم ولا ينقلون إلى المقابر لحديث جابر ﵁ قال:\nخرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى المشركين ليقاتلهم وقال أبي عبد الله: يا جابر بن عبد الله لا عليك أن تكون في نظاري أهل المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا فإني والله لولا أني أترك بنات لي بعدي لأحببت أن تقتل بين يدي قال: فبينما أنا في النظارين إذ جاءت عمتي بأبي وخالي عادلتهما على ناضح فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا - إذ لحق رجل ينادي: ألا إن رسول الله ﷺ يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت فرجعنا بهما فدفناهما حيث قتلا.\n٩٢ - ولا يجوز الدفن في الأحوال الآتية إلا لضرورة:\nأ - الدفن في الأوقات الثلاثة لحديث عقبة بن عامر المتقدم في المسألة ٨٧ بلفظ:\nثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا. . الحديث.\nب - في الليل لحديث جابر ﵁:\n\". . . فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه\"١ إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك\". وقد سبق بتمامه في المسألة ٣٥.\n٩٣ - فإن اضطروا لدفنه ليلا جاز ولو مع استعمال المصباح والنزول به في القبر لتسهيل عملية الدفن والدليل حديث ابن عباس:\n\"أن رسول الله ﷺ أدخل رجلا قبره ليلا وأسرج في قبره\".\n_________\n١ أي نهارا لأنه مظنة كثرة الجماعة.","vol":"1","page":60},{"text":"٩٤ - ويجب إعماق القبر وتوسيعه وتحسينه وفيه حديثان:\nالأول: عن هشام بن عامر قال:\nلما كان يوم أحد أصيب من أصيب من المسلمين وأصاب الناس جراحات فقلنا: يا رسول الله الحفر علينا لكل إنسان شديد فكيف تأمرنا فقال:\n\"احفروا وأوسعوا وأعمقوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في القبر وقدموا أكثرهم قرآنا.\nقال: فكان أبي ثالث ثلاثة وكان أكثرهم قرآنا فقدم\".\nالثاني: عن رجل من الأنصار قال:\nخرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار وأنا غلام مع أبي فجلس رسول الله ﷺ على حفيرة القبر فجعل يوصي وفي رواية يومئ إلى الحافر ويقول:\nأوسع من قبل الرأس وأوسع من قبل الرجلين لرب عذق له في الجنة١.\n٩٥ - ويجوز في القبر اللحد٢ والشق لجريان العمل عليهما في عهد النبي ﷺ ولكن الأول أفضل وفي ذلك أحاديث أذكر اثنين منها:\nالأول: عن أنس بن مالك قال:\nلما توفي النبي ﷺ كان بالمدينة رجل يلحد وآخر يضرح فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما فأيهما سبق تركناه فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا للنبي ﷺ.\n_________\n١ قلت: وظاهر الأمر في الحديثين يفيد وجوب ما ذكر فيهما من الإعماق والتوسعة والإحسان والمعروف عن الشافعية وغيرهم استحباب الإعماق وأما ابن حزم فقد صرح في المحلى ٥/١١٦. بفرضيته واختلفوا في حد الإعماق على أقوال تراها في المجموع أو غيره.\n٢ بفتح اللام وبالضم وسكون الحاء هو الشق في عرض القبر من جهة القبلة والشق هو الضريح وهو أن يحفر على أسفل كالنهر.","vol":"1","page":61},{"text":"الثاني: عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال:\n\"اللحد لنا والشق لغيرنا\".\n٩٦ - ولا بأس من أن يدفن فيه اثنان أو أكثر عند الضرورة ويقدم أفضلهم وفيه أحاديث تقدم منها حديث أنس في المسألة ٣٧ وحديث هشام بن عامر في المسألة ١٠٠.\n٩٧ - ويتولى إنزال الميت ولو كان أنثى الرجال دون النساء لأمور:\nالأول: أنه المعهود في عهد النبي ﷺ وجرى عليه عمل المسلمين حتى اليوم ويأتي فيه حديث أنس في المسألة ٩٩.\nالثاني: أن الرجال أقوى على ذلك.\nالثالث: لو تولته النساء أفضى ذلك إلى انكشاف شيء من أبدانهن أمام الأجانب وهو غير جائز.\n٩٨ - وأولياء الميت أحق بإنزاله لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ١ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ . ولحديث علي ﵁ قال:\nصحيح غسلت رسول الله ﷺ فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئا وكان طيبا حيا وميتا وولي دفنه وإجنانه دون الناس أربعة: علي والعباس والفضل وصالح مولى رسول الله ﷺ ولحد لرسول الله لحدا ونصب عليه اللبن نصبا.\nوعن عبد الرحمن بن أبزى قال:\nصليت مع عمر بن الخطاب على زينب بنت جحش في المدينة فكبر أربعا ثم أرسل إلى أزواج النبي ﷺ: من يأمرن أن يدخلها القبر؟ قال: وكان يعجبه أن يكون هو الذي يلي ذلك فأرسلن إليه: انظر من كان يراها في حال حياتها فليكن هو الذي يدخلها القبر. فقال عمر: صدقتن.\n_________\n١ وهم الأب وآباؤه والابن وأبناؤه ثم الإخوة الأشقاء ثم الذين للأب ثم بنوهم ثم الأعمام للأب والأم ثم للأب ثم بنوهم ثم كل ذي رحم محرمة كذا في المحلى ٥/١٤٣. ونحوه في المجموع ٥/٢٩٠.","vol":"1","page":62},{"text":"٩٩ - ويجوز للزوج أن يتولى بنفسه دفن زوجته لحديث عائشة ﵂ قالت:\nدخل علي رسول الله ﷺ في اليوم التالي الذي بدئ فيه فقلت: وارأساه فقال: وددت أن ذلك كان وأنا حي فهيأتك ودفنتك. قالت: فقلت: غيرى: كأني بك في ذلك اليوم عروسا ببعض نسائك قال: وأنا وارأساه ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا فإني أخاف أن يقول قائل ويتمنى متمن: أنا أولى ويأبى الله ﷿ والمؤمنون إلا أبا بكر.\n١٠٠ - لكن ذلك مشروط بما إذا كان لم يطأ تلك الليلة وإلا م يشرع له دفنها وكان غيره هو الأولى بدفنها ولو أجنبيا بالشرط المذكور لحديث أنس بن مالك ﵁ قال:\nشهدنا ابنة لرسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ جالس على القبر فرأيت عينيه تدمعان. ثم قال: هل منكم من رجل لم يقارف الليلة أهله؟ فقال أبو طلحة: نعم: أنا يا رسول الله قال: فانزل. قال: فنزل في قبرها فقبرها١.\n١٠١ - والسنة إدخال الميت مؤخر القبر لحديث أبي إسحاق قال:\nأوصى الحارث أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد فصلى عليه ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر وقال: هذا من السنة.\nوعن ابن سيرين قال:\nكنت مع أنس في جنازة فأمر بالميت فسل من قبل رجل القبر.\n_________\n١ قلت: والحديث ظاهر الدلالة على ما ترجمنا له وبه قال ابن حزم ﵀ ٥/١٤٤- ١٤٥، ومن الغرائب أن عامة كتب الفقه التي كنت وقفت عليها أو راجعتها بهذه المناسبة لم تتعرض لهذه المسألة لا نفيا ولا إثباتا وهذا دليل من أدلة كثيرة على أنه لا غنى للفقيه عن كتب السنة خلافا لما يظنه المتعصبة للمذاهب أن كتب الفقه تغني عن كتب الحديث بل وعن كتاب الله ﵎ عما يقول الظالمون علوا كبيرا.\nأنظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ج ١. ص ١٢٨- ١٢٩، طبع المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":63},{"text":"١٠٢ - ويجعل الميت في قبره على جنبه اليمين ووجه قبالة القبلة ورأسه ورجلاه إلى يمين القبلة ويسارها على هذا جرى عمل أهل الإسلام من عهد رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا وهكذا كل مقبرة على ظهر الأرض.\nكذا في المحلى ٥ / ١٧٣ وغيره.\n١٠٣ - ويقول الذي يضعه في لحده:\nبسم الله وعلى سنة رسول الله أو: ملة رسول الله ﷺ.\nأو يقول:\nبسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ﷺ.\nأمر بذلك كله ﷺ.\n١٠٤ - ويستحب لمن عند القبر أن يحثو من التراب ثلاث حثوات بيديه جميعا بعد الفراغ من سد اللحد لحديث أبي هريرة:\nأن رسول الله ﷺ صلى على جنازة ثم أتي بالميت فحثا عليه من قبل رأسه ثلاثا.\n١٠٥ - ويسن بعد الفراغ من دفنه أمور:\nالأول: أن يرفع القبر عن الأرض قليلا نحو شبر ولا يسوى بالأرض ليتميز فيصان ولا يهان لحديث جابر ﵁:\nأن النبي ﷺ ألحد له لحد ونصب عليه اللبن نصبا ورفع قبره من الأرض نحوا من شبر\nالثاني: أن يجعل مسنما لحديث سفيان التمار قال:\nرأيت قبر النبي ﷺ وقبر أبي بكر وعمر مسنما\nالثالث: أن يعلمه بحجر أو نحوه ليدفن إليه من يموت من أهله لحديث المطلب بن أبي وداعة ﵁ قال:\nلما مات عثمان بن مظعن أخرج بجنازته فدفن أمر النبي ﷺ رجلا أن","vol":"1","page":64},{"text":"يأتيه بحجر فلم يستطع حمله فقام إليها رسول الله ﷺ وحسر عن ذراعيه قال المطلب: قال الذي يخبرني عن رسول الله ﷺ: كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله ﷺ حين حسر عنهما ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال: أتعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي.\nالرابع: أن لا يلقن الميت التلقين المعروف اليوم لأن الحديث الوارد فيه لا يصح بل يقف على القبر يدعو له بالتثبيت ويستغفر له ويأمر الحاضرين بذلك لحديث عثمان بن عفان ﵁ قال:\nكان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: \"استغفروا لأخيكم وسلو له التثبيت فإنه الآن يسأل\".\n١٠٦ - ويجوز الجلوس عنده أثناء الدفن بقصد تذكير الحاضرين بالموت وما بعده لحديث البراء بن عازب لا بأس من ذكره على طوله لما فيه من الرغبة والرهبة والموعظة قال:\nخرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله ﷺ مستقبل القبلة وجلسنا حوله وكأن على رءوسنا الطير وفي يده عود ينكت في الأرض فجعل ينظر إلى الأرض وجعل يرفع بصره ويخفضه ثلاثا فقال استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا ثم قال اللهم إني أعوذ من عذاب القبر ثلاثا ثم قال:\nإن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة وفي رواية المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها وفي رواية حتى إذا خرج روحه صلى عليه","vol":"1","page":65},{"text":"كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء وفتحت له أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط فذلك قوله تعالى: توفته رسلنا وهم لا يفرطون ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض قال فيصعدون بها فلا يمرون يعني بها على ملإ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيب فيقولون فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح لهم فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهى به إلى السماء السابعة فيقول الله ﷿ اكتبوا كتاب عبدي في عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون فيكتب كتابه في علييين ثم قال: أعيدوه إلى الأرض فإني وعتهم إني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى قال فيرد إلى الأرض وتعاد روحه في جسده قال فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولا عنه مدبرين فيأتيه ملكان شديدا الانتهار فينتهرانه ويجلسانه.\nفيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله.\nفيقولان له: ما دينك فيقول: ديني الإسلام.\nفيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ\nفيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت فينتهره فيقول: من ربك؟ ما دينك؟ ما نبيك؟ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن فذلك حين يقول الله ﷿: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فيقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد ﷺ فينادي مناد في السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من","vol":"1","page":66},{"text":"الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة قال فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره.\nقال: وفي رواية يمثل له رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر بالذي يسرك أبشر برضوان من الله وجنات فيها نعيم مقيم هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له: وأنت فبشرك الله بخير من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير فيقول أنا عملك الصالح فوالله ما علمتك إلا كنت سريعا في طاعة الله بطيئا في معصية الله فجزاك الله خيرا ثم يفتح له باب من الجنة وباب من النار فيقال هذا منزلك لو عصيت الله أبدلك الله به هذا فإذا رأى ما في الجنة فيقول: رب عجل قيام الساعة كيما أرجع إلى أهلي ومالي فيقال له: اسكن قال:\nوإن العبد الكافر وفي رواية: الفاجر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة غلاظ شداد سود الوجوه معهم المسوح١ من النار فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب قال فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبلول فتقطع معها العروق والعصب فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء وتغلق أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ألا تعرج روحه من قبلهم فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملإ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان - بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله\n_________\n١ جمع المسح بكسر الميم وهو ما يلبس من نسيج الشعر على البدن تقشفا وقهرا للبدن.","vol":"1","page":67},{"text":"ﷺ: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ ١ فيقول الله ﷿: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى ثم يقال: أعيدوا عبدي إلى الأرض فغني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فتطرح روحه من السماء طرحا حتى تقع في جسده ثم قرأ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ فتعاد روحه في جسده قال: فإنه ليسمع خفق نعال أصحابه إذا ولو عنه.\nويأتيه ملكان شديدا الانتهار فينتهرانه ويجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه٢ لا أدري فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري فيقولان له: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه فيقال: محمد فيقول: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون ذاك قال: فيقال: لا دريت ولا تلوت فينادي مناد من السماء أن كذب فافرشوا له من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ويأتيه وفي رواية: ويمثل له رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول: وأنت فبشرك لله بالشر من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر فيقول: أنا عملك الخبيث فوالله ما علمت إلا كنت بطيئا عن طاعة الله سريعا إلى معصية الله فجزآك الله شرا ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة لو ضرب بها جبل كان ترابا فيضربه ضربة حتى يصير ترابا ثم يعيده الله كما كان فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعه كل شيء\n_________\n١ أي ثقب الإبرة والجمل هو الحيوان المعروف وهو ما أتى عليه تسع سنوات.\n٢ هي كلمة تقال في الضحك وفي الإيعاد وقد تقال للتوجع وهو أليق بمعنى الحديث والله أعلم كذا في الترغيب.","vol":"1","page":68},{"text":"إلا الثقلين ثم يفتح له باب من النار ويمهد من فرش النار فيقول: رب لا تقم الساعة.\n١٠٧ - ويجوز إخراج الميت من القبر لغرض صحيح كما لو دفن قبل غسله وتكفينه ونحو ذلك لحديث جابر بن عبد الله قال: صحيح أتى رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي بعد ما أدخل حفرته فأمر به فأخرج فوضعه على ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه. قال جابر: وصلى عليه فالله أعلم١ وكان كسا عباسا قميصا.\n١٠٨ - ولا يستحب للرجل أن يحفر قبره قبل أن يموت فإن النبي ﷺ لم يفعل ذلك وهو ولا أصحابه والعبد لا يدري أين يموت وإذا كان مقصود الرجل الاستعداد للموت فهذا يكون من العمل الصالح.\nكذا في الاختيارات العلمية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى\n_________\n١يعني بالحكمة التي من أجلها فعل ذلك ﷺ بابن أبي مع كونه كان منافقا والظاهر أن هذا كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ الآية.","vol":"1","page":69},{"text":"١٥-<span data-type=\"title\" id=toc-17> التعزية</span>.\n١٠٩- وتشرع تعزية أهل الميت١ وفيه حديثان:\nالأول: عن قرة المزني ﵁ قال:\nصحيح كان نبي الله ﷺ إذا جلس يجلس إليه نفر من أصحابه وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه فقال له النبي ﷺ: تحبه فقال: يا رسول الله أحبك كما أحبه فهلك فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه فحزن عليه ففقده النبي ﷺ فقال: ما لي لا أرى فلانا؟ فقالوا: يا رسول الله بنيه الذي رأيته هلك فلقيه النبي ﷺ فسأله عن بنيه؟ فأخبره بأنه هلك فعزاه عليه ثم قال:\nيا فلان أيما كان أحب إليك: أن تمتع به عمرك أولا تأتي غدا إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك؟\nقال: يا نبي الله بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها إلي لهو أحب إلي قال: فذاك لك.\nفقال رجل من الأنصار: يا رسول الله جعلني الله فداءك أله خاصة أو لكلنا؟ قال: \"بل لكلكم\".\nالثاني: عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال:\n\"من عزى أخاه المؤمن في مصيبته كساه الله حلة خضراء يحبر بها يوم القيامة\"\nقيل: يا رسول الله ما يحبر؟ قال: \"يغبط\".\n_________\n١ وهي الحمل على الصبر بوعد الأجر والدعاء للميت والمصاب.","vol":"1","page":70},{"text":"١١٠ - ويعزيهم بما يظن أنه يسليهم ويكف من حزنهم ويحملهم على الرضا والصبر مما ثبت عنه ﷺ إن كان يعلمه ويستحضره وإلا فبما تيسر له من الكلام الحسن الذي يحقق الغرض ولا يخاف الشرع كقولهم أعطاك عمره وفي ذلك أحاديث:\nالأول: عن أسامة بن زيد قال:\nأرسلت إلى رسول الله ﷺ بعض بناته: أن صبيا لها ابنا أو ابنة وفي رواية أميمة بنت زينب١ قد احتضرت فاشهدنا قال: فأرسل إليها يقرؤها السلام ويقول:\nإن لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده إلى أجل مسمى فلتصبر ولتحتسب. . الحديث.\nقلت: وهذه الصغية من التعزية وإن وردت فيمن شارف الموت فالتعزية بها فيمن قد مات أولى بدلالة النص ولهذا قال النووي في الأذكار وغيره:\nوهذا الحديث أحسن ما يعزى به\nالثاني: قوله ﷺ للمرأة الأنصارية يعزيها بولدها: \"أما إنه بلغني أنك جزعت على ابنك فأمرها بتقوى الله وبالصبر\". فقالت: يا رسول الله ما لي لا أجزع ووإني امرأة رقوب لا ألد ولم يكن لي غيره؟ فقال رسول الله ﷺ: \"الرقوب: الذي يبقى ولدها\" ثم قال:\n\"ما من امرئ أو امرأة مسلمة يموت لها ثلاثة أولاد يحتسبهم إلا أدخله الله بهم الجنة\".\nفقال عمر وهو عن يمين النبي ﷺ: بأبي أنت وأمي واثنين؟ قال: واثنين.\n_________\n١ قلت ثم عاشت أميمة هذه ويقال: أمامة حتى تزوجها علي بعد فاطمة ﵃.","vol":"1","page":71},{"text":"الثالث:\nقوله ﷺ حينما دخل على أم سلمة ﵂ عقب موت أبي سلمة:\n\"اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه\".\nوقد مضى بتمامه في المسألة ١٧.\nالرابع: قوله ﷺ في تعزيته عبد الله بن جعفر في أبيه:\n\"اللهم اخلف جعفرا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه\". قالها ثلاث مرات.\nيأتي بتمامه في المسألة التالية.\n١١١ - ولا تحد التعزية بثلاثة أيام لا يتجاوزها بل متى رأى الفائدة في التعزية أتى بها فقد ثبت عنه ﷺ أنه عزى بعد الثلاثة في حديث عبد الله بن جعفر ﵄ قال:\nبعث رسول الله ﷺ جيشا استعمل عليهم زيد بن حارثة وقال:\n\"فإن قتل زيد أو استشهد فأميركم جعفر فإن قتل أو استشهد فأميركم عبد الله بن رواحة\".\nفلقوا العدو فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل ثم أخذها عبد الله فقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه،\nوأتى خبرهم النبي ﷺ فخرج إلى الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: \"إن إخوانكم لقوا العدو وإن زيدا أخذ الراية فقاتل حتى قتل واستشهد ثم. . . ثم. . . ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه\".","vol":"1","page":72},{"text":"فأمهل ثم أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم ثم أتاهم فقال:\nلا تبكوا على أخي بعد اليوم ادعوا لي ابني أخي قال: فجيء بنا كأنا أفرخ فقال: ادعوا لي الحلاق فجيء بالحلاق فحلق رؤوسنا ثم قال:\nأما محمد فشبيه عمنا أبي طالب وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي.\nثم أخذ بيدي فأشالها فقال:\n\"اللهم اخلف جعفرا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه. قالها ثلاث مرات\".\nقال: فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا وجعلت تفرح١ له. فقال:\nالعيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟\n١١٢ - وينبغي اجتناب أمرين وإن تتابع الناس عليهما:\nأ - الاجتماع للتعزية في مكان خاص كالدار أو المقبرة أو المسجد.\nب - اتخاذ أهل الميت الطعام لضيافة الواردين للعزاء.\nوذلك لحديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال:\nكنا نعد وفي رواية: نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة.\nقال النووي في المجموع ٥ / ٣٠٦:\nوأما الجلوس للتعزية فنص الشافعي والمصنف وسائر الأصحاب على كراهته قالوا: يعني بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من أراد التعزية قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم فمن صادفهم عزاهم ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها.\nونص الإمام الشافعي الذي أشار إليه النووي في كتاب الأم ١ / ٢٤٨:\n_________\n١ أي تغمه وتحزنه من أفرحه إذا غمه وأزال عنه الفرح وأفرحه الدين أثقله.","vol":"1","page":73},{"text":"وأكره المآتم وهي الجماعة وإن لم يكن لهم بكاء فإن ذلك يجدد الحزن ويكلف المؤنة مع ما مضى فيه من الأثر.\nكأنه يشير إلى حديث جرير هذا قال النووي:\nواستدل له المصنف وغيره بدليل آخر وهو أنه محدث.\nوكذا نص ابن الهمام في شرح الهداية ١ / ٤٧٣ على كراهة اتخاذ الضيافة من الطعام من أهل الميت وقال: وهي بدعة قبيحة وهو مذهب الحنابلة كما في الإنصاف ٢ / ٥٦٥.\n١١٣ - وإنما السنة أن يصنع أقرباء الميت وجيرانه لأهل الميت طعاما يشبعهم لحديث عبد الله بن جعفر ﵁ قال:\nلما جاء نعي جعفر حين قتل قال النبي ﷺ:\n\"اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم أمر يشغلهم أو أتاهم ما يشغلهم\".\nقال الإمام الشافعي في الأم ١ / ٢٤٧:\nوأحب لجيران الميت أو ذي القرابة أن يعملوا لأهل الميت في يوم يموت وليلته طعاما يشبعهم فإن ذلك سنة وذكر كريم وهو من فعل أهل الخير قبلنا وبعدنا.\nثم ساق الحديث المذكور عن عبد الله بن جعفر.\n١١٤ - ويستحب مسح رأس اليتيم وإكرامه لحديث عبد الله بن جعفر قال:\nلو رأيتني وقثم وعبيد الله بن عباس ونحن صبيان نلعب إذ مر النبي ﷺ على دابة فقال: ارفعوا هذا إلي قال: فحملني أمامه وقال: لقثم: ارفعوا هذا إلي فحمله وراءه وكان عبيد الله أحب إلى عباس من قثم فما استحى من عمه أن حمل قثما وتركه قال:","vol":"1","page":74},{"text":"ثم مسح على رأسي ثلاثا وقال كلما مسح:\n\"اللهم اخلف جعفرا في ولده\"\nقال: قلت لعبد الله: ما فعل قثم؟ قال: استشهد قال: قلت: والله أعلم ورسوله بالخير. قال: أجل.\nما ينتفع به الميت.\n١١٥ - وينتفع الميت من عمل غيره بأمور:\nأولا: دعاء المسلم له إذا توفرت فيه شروط القبول لقول الله ﵎:\n﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾\nوأما الأحاديث فهي كثيرة جدا وقد سبق بعضها ويأتي بعضها في زيارة القبور ودعاء النبي ﷺ لهم وأمره بذلك. ومنها قوله ﷺ:\n\"دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل\".\nبل إن صلاة الجنازة جلها شاهد لذلك لأن غالبها دعاء للميت واستغفار له كما تقدم بيانه.\nثانيا: قضاء ولي الميت صوم النذر عنه وفيه أحاديث:\nالأول: عن عائشة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:\n\"من مات وعليه صيام صام عنه وليه\".\nوهو محمول على صيام النذر دون صيام رمضان وبيانه في الأصل.\nالثاني: عن ابن عباس ﵁:\nأن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله ﵎ أنجاها أن تصوم","vol":"1","page":75},{"text":"شهرا فأنجاها الله ﷿ فلم تصم حتى ماتت فجاءت قرابة لها إما أختها أو ابنتها إلى النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال:\n\"أرأيتك لو كان عليها دين كنت تقضيه؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى\". [ف] \"اقضي عن أمك\".\nثالثا: قضاء الدين عنه من أي شخص وليا كان أو غيره كما تقدم.\nرابعا: ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة فإن لوالديه مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيء لأن الولد من سعيهما وكسبهما والله ﷿ يقول:؟ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى؟ وقال رسول الله ﷺ: \"إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه\".\nويؤيد ما دلت عليه الآية والحديث أحاديث خاصة وردت في انتفاع الوالد بعمل ولده الصالح كالصدقة والصيام والعتق ونحوه وهذه بعضها:\nالأول: عن عائشة ﵂:\nأن رجلا قال: إن أمي افتلتت نفسها١ ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها ولي أجر؟ قال: نعم فتصدق عنها.\nالثاني: عن عبد الله بن عمر:\nأن العاص بن وائل السهمي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة وأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية قال: حتى أسأل رسول الله ﷺ فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أبي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة وإن هشاما أعتق عنه خمسين وبقيت عليه خمسون أفأعتق عنه؟ فقال رسول الله ﷺ:\n\"إنه لو كان مسلما فأعتقتم أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك\" وفي رواية: \"فلو كان أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك\".\n_________\n١ بضم المثناة وكسر اللام أي سلبت على ما لم يسم فاعله أي ماتت فجأة.","vol":"1","page":76},{"text":"خامسا: ما خلفه من بعده من آثار صالحة وصدقات جارية لقوله ﵎:؟ ونكتب ما قدموا وآثارهم؟ وقوله ﷺ:\n\"إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح١ يدعو له\".\nوعن جرير بن عبد الله ﵁ قال:\nكنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار فجاءه أقوام حفاة عراة مجتابي النمارأو العباء متقليدي السيوف وليس عليهم أزر ولا شيء غيرها عامتهم من مضر بل كلهم من مضر فتمعر وفي رواية: فتغير - ومعناهما واحد وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وصلى الظهر ثم صعد منبرا صغيرا ثم خطب فحمد الله وأثنى عليه فقال:\nأما بعد فإن الله أنزل في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ والآية التي في الحشر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ . تصدقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من شعيره من صاع تمره حتى قال: ولا يحقرن أحدكم شيئا من الصدقة ولو بشق تمرة فأبطؤوا حتى بان في وجهه الغضب قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة من ورق وفي\n_________\n١ قيد بالصالح لأن الأجر لا يحصل من غيره وأما الوزر فلا يلحق بالوالد من سيئة ولده إذا كانت نيته في تحصيل الخير وإنما ذكر الدعاء له تحريضا على الدعاء لأبيه لا لأنه قيد لأن الأجر يحصل للوالد من ولده الصالح كلما عمل عملا صالحا سواء أدعا لأبيه أم لا كمن غرس شجرة يحصل له من أكل ثمرتها ثواب سواء أدعا له من أكلها أم لم يدع وكذلك الأم.\nكذا في مبارق الأزهار في شرح مشارق الأنوار لابن الملك.","vol":"1","page":77},{"text":"رواية: من ذهب\nكادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت فناولها رسول الله ﷺ وهو على منبره فقال: يا رسول الله هذه في سبيل الله فبضها رسول الله ﷺ ثم قام أبو بكر فأعطى ثم قام عمر فأعطى ثم قام المهاجرون والأنصار فأعطوا ثم تتابع الناس في الصدقات فمن ذي دينار ومن ذي درهم ومن ذي ومن ذي حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة فقال رسول الله ﷺ:\n\"من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها ومثل أجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن سنة في الإسلام سيئة كان عليه وزرها ومثل وزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء\". ثم تلى هذه الآية: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ قال: فقسمه بينهم١.\nزيارة القبور:\n١١٦ - وتشرع زيارة القبور للاتعاظ بها وتذكرة الآخرة شريطة أن لا يقول عندها ما يغضب الرب ﷾ كدعاء المقبور والاستغاثة به من دون الله تعالى أو تزكيته والقطع له بالجنة ونحو ذلك وفيه أحاديث معروفة لا ضرورة لذكرها هنا فمن شاء راجعها في الأصل.\n١١٧ - والنساء كالرجال في استحباب زيارة القبور لوجوه:\nالأول: عموم قوله ﷺ: \"فزوروا القبور\" فيدخل فيه النساء وبيانه: أن النبي ﷺ لما نهى عن زيارة القبر في أول الأمر فإن مما لا شك فيه أن\n_________\n١ قلت: ليتأمل القارئ الكريم في سياق الحديث والمناسبة التي قاله النبي ﷺ فيها يتبين له أن الاستدلال به على إثبات البدعة الحسنة في الإسلام أبعد ما يكون عن الصواب لأنه ليس في سياقه ذكر لبدعة وقعت فيه فكيف يصح تفسير الحديث بقولهم \" من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة\" كما يقول المبتدعة وهو ﷺ إنما قاله بمناسبة مجيء الأنصاري بصدقته قبل غيره ثم تتابع الناس بصدقاتهم من بعده فكان له أجر صدقته وأجر صدقاتهم لأنه الذي كان سنها وابتدأها في ذلك المجلس فالحديث في الصدقة المشروعة وليس في البدعة المذمومة ذما عاما وبذلك يتبين لكل ذي عينين أن الحديث لا يعارض قوله ﷺ:\"كل بدعة ضلالة\" وأنه لا يجوز أن نخصص به هذه الكلية التي كان ﷺ يعلمها الناس في مجتمعاتهم وبخاصة في خطبة يوم الجمعة.","vol":"1","page":78},{"text":"النهي كان شاملا للرجال والنساء معا فلما قال: كنت نهيتكم عن زيارة القبور كان مفهوما أنه كان يعني الجنسين ضرورة أنه يخبرهم عما كان في أول الأمر من نهي الجنسين فإذا كان الأمر كذلك كان لزاما أن الخطاب في الجملة الثانية من الحديث وهو قوله: فزوروها إنما أراد به الجنسين أيضا.\nويؤيده أن الخطاب في بقية الأفعال المذكورة في روايته: ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرا.\nأقول: فالخطاب في جميع هذه الأفعال موجه إلى الجنسين قطعا كما هو الشأن في الخطاب الأول: كنت نهيتكم فإذا قيل بأن الخطاب في قوله: فزوروها خاص بالرجال اختل نظام الكلام وذهبت طلاوته الأمر الذي لا يليق إلصاقه بمن أوتي جوامع الكلم ومن هو أفصح من نطق بالضاد ﷺ ويزيده تأييدا الوجوه الآتية:\nالثاني: مشاركتهن الرجال في العلة التي من أجلها شرعت زيارة القبور: فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة.\nالثالث: أن النبي ﷺ قد رخص لهن في زيارة القبور في حديثين حفظتهما لنا أم المؤمنين عائشة ﵂:\n١- عن عبد الله بن أبي مليكة:\nأن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت: لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر عبد الرحمن بن أبي بكر فقلت لها: أليس كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم: ثم أمرنا بزيارتها.\nوفي رواية عنها: أن رسول الله ﷺ رخص في زيارة القبور.\n٢ - عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال يوما: ألا أحدثكم عني","vol":"1","page":79},{"text":"وعن أمي؟ فظننا أنه يريد أمه التي ولدت قال: قالت عائشة: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله ﷺ؟ قلنا: بلى قالت:\nلما كانت ليلتي التي كان النبي ﷺ فيها عندي انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع فلم يلبث إلا ريثما ظهر أنه قد رقدت فأخذ رداءه رويدا وانتعل رويدا وفتح الباب رويدا فخرج ثم أجافه رويدا فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري١ ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات ثم انحرف فانحرفت وأسرع فأسرعت فهرول فهرولت فأحضر فأحضرت فسبقته فدخلته فليس إلا أن أضجعت فدخل فقال: مالك يا عائش٢ حشيا٣ رابية؟ قالت: قلت: لا شيء يا رسول الله قال: لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير قالت قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي فأخبرته الخبر قال: فأنت السواد الذي رأيته أمامي؟ قلت: نعم فلهزني في صدري لهزة٤ أوجعتني ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟ قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله قال: نعم.\nقال: فإن جبريل أتاني حين رأيت فناداني فأخفاه منك فأجبته فأخفيته منك ولم يكن ليدخل عليك وقد وضعت ثيابك وظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك وخشيت أن تستوحشي فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم.\nقالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله ﷺ؟ قال قولي:\n\"السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون\".\n_________\n١ بغير باء التعدية بمعنى لبست إزاري فلهذا عدي بنفسه.\n٢ يجوز في عائش فتح الشين وضمها وهما وجهان جاريان في كل المرخمات.\n٣ بفتح المهملة وإسكان المعجمة معناه وقع عليك الحشا وهو الربو والتهيج الذي يعرض للمسرع في مشيه من ارتفاع النفس وتواتره وقوله رابية أي مرتفعة البطن.\n٤ اللهز: الضرب بجمع الكف في الصدر.","vol":"1","page":80},{"text":"١١٨ - لكن لا يجوز لهن الإكثار من زيارة القبور والتردد عليها لأن ذلك قد يفضي بهن إلى مخالفة الشريعة من مثل الصياح والتبرج واتخاذ القبور مجالس للنزهة وتضييع الوقت في الكلام الفارغ كما هو مشاهد اليوم في بعض البلاد الإسلامية وهذا هو المراد - إن شاء الله - بالحديث المشهور:\n\"لعن رسول الله ﷺ وفي لفظ: لعن الله زوارات القبور\".\nقال القرطبي:\nاللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج وما ينشأ من الصياح ونحو ذلك وقد يقال: إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الأذن لهن لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء.\nقال الشوكاني في نيل الأوطار ٤ / ٩٥:\nوهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر.\n١١٩ - ويجوز زيارة قبر من مات على غير الإسلام للعبرة فقط لحديث أبي هريرة وغيره:\nزار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال:\nاستأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت.\nوالمقصود من زيارة القبور شيئان:\n١- انتفاع الزائر بذكر الموت والموتى وأن مآلهم إما إلى جنة وإما إلى نار وهو الغرض الأول من الزيارة كما يدل عليه ما سبق من الأحاديث.\n٢ - نفع الميت والإحسان إليه بالسلام عليه والدعاء والاستغفار له وهذا خاص بالمسلم وفيه أحاديث أذكر بعض صيغها:","vol":"1","page":81},{"text":"الأول:\nالسلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين وإنا وإياكم وما توعدون غدا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد.\nالثاني:\nالسلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون.\nالثالث:\nالسلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع أسأل الله لنا ولكم العافية.\n١٢٠ - وأما قراءة القرآن عند زيارتها فمما لا أصل له في السنة بل الأحاديث المذكورة في المسألة السابقة تشعر بعدم مشروعيتها إذ لو كانت مشروعة لفعلها رسول الله ﷺ وعلمها أصحابه لا سيما وقد سألته عائشة ﵂ - وهي من أحب الناس إليه ﷺ - عما تقول إذا زارت القبور؟ فعلمها السلام والدعاء ولم يعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن فلو أن القراءة كانت مشروعة لما كتم ذلك عنها كيف وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في علم الأصول فكيف بالكتمان؟ ولو أنه ﷺ علمهم شيئا من ذلك لنقل إلينا فإذا لم ينقل بالسند الثابت دل على أنه لم يقع.\nومما يقوي عدم المشروعية قوله ﷺ:\n\"لا تجعلوا بيوتكم مقابر فإن الشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة\" فقد أشار ﷺ إلى أن القبور ليست موضعا للقراءة شرعا فلذلك حض على قراءة القرآن في البيوت ونهى عن جعلها كالمقابر التي لا يقرأ فيها كما أشار في","vol":"1","page":82},{"text":"الحديث الآخر إلى أنها ليست موضعا للصلاة أيضا وهو قوله:\n\"صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا\".\nوترجم له البخاري بقوله: باب كراهية الصلاة في المقابر فأشار به إلى أنه يفيد كراهة الصلاة في المقابر فكذلك الحديث الذي قبله يفيد كراهة قراءة القرآن في المقابر ولا فرق ولذلك كان مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وغيرهم كراهة القراءة عند القبور وهو قول الإمام أحمد فقال أبو داود في مسائله ص ١٥٨:\nسمعت أحمد سئل عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا\n١٢١ - ويجوز رفع اليدين في الدعاء لها لحديث عائشة ﵁ قالت:\nحسن خرج رسول الله ﷺ ذات ليلة فأرسلت بريرة في أثره لتنظر أين ذهب قالت: فسلك نحو بقيع الغرقد فوقف في أدنى البقيع ثم رفع يديه ثم انصرف فرجعت إلي بريرة فأخبرتني فلما أصبحت سألته فقلت: يا رسول الله أين خرجت الليلة؟ قال:\n\"بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم\".\n١٢٢ - ولكنه لا يستقبل القبور حين الدعاء لها بل الكعبة لنهيه ﷺ عن الصلاة إلى القبور كما سيأتي والدعاء مخ الصلاة ولبها كما هو معروف فله حكمها وقد قال ﷺ:\n\"الدعاء هو العبادة\" ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ .\n١٢٣ - وإذا زار قبر الكافر فلا يسلم عليه ولا يدعوه له بل يبشره بالنار كذلك أمر رسول الله ﷺ في حديث سعد بن أبي وقاص قال:\nجاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي كان يصل الرحم وكان وكان","vol":"1","page":83},{"text":"فأين هو؟ قال: في النار. فكأن الأعرابي وجد من ذلك فقال: يا رسول الله فأين أبوك؟ قال:\n\"حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار\".\nقال: فأسلم الأعرابي بعد فقال:\nلقد كلفني رسول الله تعبا ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار.\n١٢٤ - ولا يمشي بين قبور المسلمين في نعليه لحديث بشير بن الحنظلية المتقدم. قال:\nبينا أماشي رسول الله ﷺ أتى على قبور المسلمين فبينما هو يمشي إذ حانت منه نظرة فإذا هو برجل يمشي بين القبور عليه نعلان فقال:\n\"يا صاحب السبتيتين ألق سبتيتك\".\nفنظر فلما عرف الرجل رسول الله ﷺ خلع نعليه فرمى بهما.\n١٢٥ - ولا يشرع وضع الأس ونحوها من الرياحين والورود على القبور لأنه لم يكن من فعل السلف ولو كان خيرا لسبقونا إليه وقد قال ابن عمر ﵄:\n\"كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة\".\nما يحرم عند القبور.\n١٢٦ - ويحرم عند القبور ما يأتي:\n١ - الذبح لوجه الله لقوله ﷺ:\n\"لا عقر في الإسلام\" قال عبد الرزاق بن همام:\nكانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة.\n٢- رفعها زيادة على التراب الخارج منها.\n٣ - طليها بالكلس ونحوه.\n٤ - الكتابة عليها.","vol":"1","page":84},{"text":"٥ - البناء عليها.\n٦ - القعود عليها.\nوفي ذلك أحاديث:\nالأول: عن جابر ﵁ قال:\nنهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه أو يزاد عليه أو يكتب عليه.\nالثاني:\nعن أبي سعيد وهو الخدري:\nأن النبي ﷺ نهى أن يبنى على القبر.\nالثالث: عن أبي الهياج الأسدي قال:\nقال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالا وفي رواية: صورة في بيت إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته.\nالرابع: عن ثمامة بن شفي قال: خرجنا مع فضالة بن عبيد إلى أرض الروم وكان عاملا لمعاوية على الدرب وفي رواية: غزونا أرض الروم وعلى ذلك الجيش فضالة بن عبيد الأنصاري فأصيب ابن عم لنا ب رودس١ فصلى عليه فضالة وقام على حفرته حتى واراه فلما سوينا عليه حفرته قال: أخفوا عنه وفي الرواية الأخرى: خففوا عنه٢ فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا بتسوية القبور.\nوظاهره تسويتها بالأرض بحيث لا ترفع إطلاقا وهذا غير مراد قطعا بدليل أن السنة الرفع قدر شبر كما مرت الإشارة إليه سابقا ويؤيد هذا من الحديث\n_________\n١ جزيرة معروفة في البحر الأبيض المتوسط جنوب غرب تركيا.\n٢ هي بمعنى الرواية التي قبلها إلا أن هذه عديت بالتشديد وتلك بالألف.","vol":"1","page":85},{"text":"نفسه قول فضالة خففوا أي التراب فلم يأمر بإزالة التراب عنه بالكلية وبهذا فسره العلماء. انظر المرقاة ٢ / ٣٧٢.\nالخامس: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:\n\"لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس\" وفي رواية: \"يطأ على قبر\".\nالسادس: عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لأن أمشي على جمرة أو سيف أو أخصف نعلي برجلي١ أحب إلي من أن أمشي على قبر مسلم وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق\".\nالسابع: عن أبي مرثد الغنوي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها\".\n٧ - الصلاة إلى القبور للحديث المتقدم آنفا.\nوفيه دليل على تحريم الصلاة إلى القبر لظاهر النهي وهو اختيار النووي فقال المناوي في فيض القدير شارحا للحديث:\nأي مستقبلين إليها لما فيه من التعظيم البالغ لأنه من مرتبة المعبود فجمع - يعني الحديث بتمامه - بين النهي عن الاستخفاف بالتعظيم والتعظيم البليغ.\nثم قال في موضع آخر:\nفإن ذلك مكروه فإن قصد إنسان التبرك في الصلاة في تلك البقعة فقد ابتدع في الدين ما لم يأذن به الله والمراد كراهة التنزيه قال النووي: كذا قال أصحابنا ولو قيل بتحريمه لظاهر الحديث لم يبعد. ويؤخذ من الحديث النهي عن الصلاة في المقبرة فهو مكروه كراهة تحريم.\nوينبغي أن يعلم أن التحريم المذكور إنما هو إذا لم يقصد بالاستقبال تعظيم\n_________\n١ أي وذلك أمر صعب شديد إن أمكن.","vol":"1","page":86},{"text":"القبور وإلا فهو شرك قال الشيخ علي القاري في المرقاة ٢ / ٣٧٢ في شرحه لهذا الحديث:\nولو كان هذا التعظيم حقيقة للقبر ولصاحبه لكفر المعظم فالتشبه به مكروه وينبغي أن يكون كراهة تحريم وفي معناه بل أولى منه: الجنازة الموضوعة وهو مما ابتلي به أهل مكة حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها.\n٨ - الصلاة عندها ولو بدون استقبال وفيه أحاديث:\nالأول: عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام\".\nالثاني: عن أنس:\n\"أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بين القبور\".\nالثالث: عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال:\n\"اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا\".\nالرابع: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة\".\n٩ - بناء المساجد عليها.\nوفيه أحاديث أذكر بعضها:\nالأول: عن عائشة وعبد الله بن عباس معا قالا:\nلما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك:\nلعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر مثل ما صنعوا.","vol":"1","page":87},{"text":"قالت في رواية: فلولا ذاك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا.\nالثاني: قوله ﷺ:\n\"اللهم لا تجعل قبري وثنا لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\".\nالثالث: عن جندب قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس يقول: \"قد كان لي فيكم أخوة وأصدقاء وإني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك\".\nالرابع: عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء ومن يتخذ القبور مساجد\".\nالخامس: عن عائشة قالت:\nلما كان مرض النبي ﷺ تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة يقال لها مارية وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة فذكرن من حسنها وتصاويرها. فقال النبي ﷺ:\n\"إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة\".\nوالاتخاذ المذكور في الأحاديث المتقدمة يشمل عدة أمور:\nالأول: الصلاة إلى القبور مستقبلا لها.\nالثاني: السجود على القبور.\nالثالث: بناء المساجد عليها.","vol":"1","page":88},{"text":"والمعنى الثاني ظاهر من الاتخاذ والآخران مع دخولهما فيه فقد جاء النص عليهما في بعض الأحاديث المتقدمة وفصلت القول في ذلك وأوردت أقوال العملاء مستشهدا بها في كتابنا الخاص تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد. وذكرت في تاريخ إدخال القبر النبوي في المسجد الشريف وما فيه من المخالفة للأحاديث المتقدمة وأن الصلاة مع ذلك لا تكره فيه خاصة فمن شاء بسط القول في ذلك كله فليرجع إليه.\n١٠ - اتخاذها عيدا تقصد في أوقات معينة ومواسم معروفة للتعبد عندها أو لغيرها لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n\"لا تتخذوا قبري عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وحيثما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني\".\n١١ - السفر إليها:\nوفيه أحاديث:\nالأول:\nعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:\n\"لا تشد الرحال إلا وفي رواية: إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ ومسجد الأقصى\".\nالثاني: عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n\"لا تشد وفي لفظ: لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى\".\nالثالث: عن أبي بصرة الغفاري أنه لقي أبا هريرة وهو جاء فقال: من أين أقبلت؟ قال: أقبلت من الطور صليت فيه قال: أما إني لو أدركتك لم تذهب إني سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n\"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى\".","vol":"1","page":89},{"text":"الرابع: عن قزعة قال:\nأردت الخروج إلى الطور فسألت ابن عمر فقال: أما علمت أن النبي ﷺ قال:\n\"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ والمسجد الأقصى\".\nودع عنك الطور فلا تأته.\n١٢ - إيقاد السرج عندها.\nوالدليل على ذلك عدة أمور:\nأولا: كونه بدعة محدثة لا يعرفها السلف الصالح وقد قال ﷺ: \"كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار\". رواه النسائي وابن خزيمة في صحيحه بسند صحيح.\nثانيا: أن فيه إضاعة للمال وهو منهي عنه بالنص كما تقدم في المسألة ٤٢.\nثالثا: أن فيه تشبها بالمجوس عباد النار قال ابن حجر الفقيه في الزواجر ١ / ١٣٤:\nصرح أصحابنا بحرمة السراج على القبر وإن قل حيث لم ينتفع به مقيم ولا زائر وعللوه بالإسراف وإضاعة المال والتشبه بالمجوس فلا يبعد في هذا أن يكون كبيرة.\nقلت: ولم يورد بالإضافة إلى ما ذكر من التعليل دليلنا الأول مع أنه دليل وارد بل لعله أقوى الأدلة لأن الذين يوقدون السرج على القبور إنما يقصدون بذلك التقرب إلى الله تعالى - زعموا - ولا يقصدون الإنارة على المقيم أو الزائر بدليل إيقادهم إياها والشمس طالعة في رابعة النهار فكان من أجل ذلك بدعة ضلالة.\n١٣ - كسر عظامها.","vol":"1","page":90},{"text":"والدليل عليه قوله ﷺ: \"إن كسر عظم المؤمن ميتا مثل كسره حيا\".\nوالحديث دليل على تحريم كسر عظم الميت المؤمن ولهذا جاء في كتب الحنابلة:\nويحرم قطع شيء من أطراف الميت وإتلاف ذاته وإحراقه ولو أوصى به.\nكذا في كشاف القناع ٢ / ١٢٧ ونحو ذلك في سائر المذاهب بل جزم ابن حجر الفقيه في الزواجر ١ / ١٣٤ بأنه من الكبائر قال:\nلما علمت من الحديث أنه ككسر عظم الحي.\nوقال النووي في المجموع ٥ / ٣٠٣ ما مختصره:\nولا يجوز نبش القبر لغير سبب شرعي باتفاق الأصحاب ويجوز بالأسباب الشرعية كنحو ما سبق في المسألة ١٠٧ ومختصره:\nأنه يجوز نبش القبر إذا بلي الميت وصار ترابا وحينئذ يجوز دفن غيره فيه ويجوز زرع تلك الأرض وبناؤها وسائر وجوه الانتفاع والتصرف فيها باتفاق الأصحاب وهذا كله إذا لم يبق للميت أثر من عظم وغيره ويخلف ذلك باختلاف البلاد والأرض ويعتمد فيه قول أهل الخبرة بها.\nقلت: ومنه تعلم تحريم ما ترتكبه بعض الحكومات الإسلامية من درس بعض المقابر الإسلامية ونبشها من أجل التنظيم العمراني دون أي مبالاة بحرمتها أو اهتمام بالنهي عن وطئها وكسر عظامها ونحو ذلك. ولا يتوهمن أحد أن التنظيم المشار إليه يبرر مثل هذه المخالفات كلا فإنه ليس من الضروريات وإنما هي من الكماليات التي لا يجوز بمثلها الاعتداء على الأموات فعلى الأحياء أن ينظموا أمورهم دون أن يؤذوا موتاهم.\nومن العجائب التي تلفت النظر أن ترى هذه الحكومات تحترم الأحجار.","vol":"1","page":91},{"text":"والأبنية القائمة على بعض الموتى أكثر من احترامه للأموات أنفسهم فإنه لو وقف في طيق التنظيم المزعوم بعض هذه الأبنية من القباب أو الكنائس أو نحوها تركتها على حالها وعدلت من أجلها خارطة التنظيم إبقاء عليها لأنهم يعتبرونها من الآثار القديمة وأما قبور الموتى أنفسهم فلا تستحق عندهم ذلك التعديل بل إن بعض تلك الحكومات لتسعى - فيما علمنا - إلى جعل القبور خارج البلدة والمنع من الدفن في القبور القديمة وهذه مخالفة أخرى في نظري لأنها تفوت على المسلمين سنة زيارة القبور لأنه ليس من السهل على عامة الناس أن يقطع المسافات الطويلة حتى يتمكن من الوصول إليها ويقوم بزيارتها والدعاء لها.\nوالحامل على هذه المخالفات - فيما أعتقد - إنما هو التقليد الأعمى لأوروبا المادية الكافرة التي تريد أن تقضي على كل مظهر من مظاهر الإيمان بالآخرة وكل ما يذكر بها وليس هو مراعاة القواعد الصحية كما يزعمون ولو كان ذلك صحيحا لبادروا إلى محاربة الأسباب التي لا يشك عاقل في ضررها مثل بيع الخمور وشربها والفسق والفجور على اختلاف أشكاله وأسمائه فعدم اهتمامهم بالقضاء على هذه المفاسد الظاهرة وسعيهم إلى إزالة كل ما يذكر بالآخرة وإبعادها عن أعينهم أكبر دليل على أن القصد خلاف ما يزعمون ويعلنون وما تكنه صدورهم أكبر.\n٢ - أنه لا حرمة لعظام غير المؤمنين لإضافة العظم إلى المؤمن في قوله:\nعظم المؤمن. فأفاد أن عظم الكافر ليس كذلك وقد أشار إلى هذا المعنى الحافظ في الفتح بقوله:\nيستفاد منه أن حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته١.\nومن ذلك يعرف الجواب عن السؤال الذي يتردد على ألسنة كثير من الطلاب في كليات الطب وهو: هل يجوز كسر العظام لفحصها وإجراء التحريات الطبية فيها؟\n_________\n١ ذكره في الفيض ٤/٥٥١.","vol":"1","page":92},{"text":"والجواب: لا يجوز ذلك في عظام المؤمن ويجوز في غيرها ويؤديه ما يأتي في المسألة التالية:\n١٢٧ - ويجوز نبش قبور الكفار لأنه لا حرمة لها كما دل عليه مفهوم الحديث السابق ويشهد له حديث أنس بن مالك ﵁ قال:\nقدم النبي ﷺ فنزل أعلى المدينة في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ثم أرسل إلى بني النجار فجاؤوا متقلدي السيوف كأني أنظر إلى النبي ﷺ على راحلته وأبو بكر ردفه وملأ من بني النجار حوله حتى أتى بفناء أبي أيوب وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم وكان أمر ببناء المسجد فأرسل إلى ملأ من بني النجار فقال:\n\"يا بني النجار ثامنوني بحائطم هذا\".\nقالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله\nقال: فكان فيه قبور المشركين وخرب ونخل فأمر النبي ﷺ بقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب فسويت وبالنخل فقطع فصفوا النخل قبلة المسجد وجعل عضادتيه الحجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي ﷺ معهم وهو يقول: وهو ينق اللبن:\nهذا الحمال١ لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر\nاللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة\nوفي رواية من حديث عائشة ﵂:\nاللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة\n_________\n١ بالكسر من الحمل والذي يحمل من خيبر التمر أي أن هذا في الآخرة أفضل من ذاك وأحمد عاقبة كأنه جمع حمل بكسر الميم أو حمل بفتح الميم ويجوز أن يكون مصدر حمل أو حامل كما في النهاية.","vol":"1","page":93},{"text":"الحافظ في الفتح:\nوفي الحديث جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع وجواز نبش القبور الدارسة إذا لم تكن محترمة وجواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها وإخراج ما فيها وجواز بناء المساجد في أماكنها.\nوهذا آخر ما يسر الله ﵎ من تلخيص أحكام الجنائز سائلا المولى ﷿ أن يحيينا حياة طيبة وأن يميتنا مؤمنين وأن يلحقنا بالصالحين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":94}]}