{"ً":{"ٌ":11131,"ٍ":"جمع القرآن الكريم حفظا وكتابة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم القرآن/جمع القرآن الكريم حفظا وكتابة - العبيد - المجمع","files":["86911-7.pdf"]},"ّ":"الكتاب: جمع القرآن الكريم حفظا وكتابة\nالمؤلف: أ. د. علي بن سليمان العبيد\nالناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة\nعدد الصفحات: ٦٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":948,"ٕ":5,"ٖ":1770155367,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"المبحث الأول: معنى جمع القرآن الكريم","level":1,"page":4},{"title":"المطلب الأول: معنى الجمع في اللغة","level":2,"page":4},{"title":"المطلب الثاني: معنى جمع القرآن في الاصطلاح","level":2,"page":5},{"title":"المبحث الثاني: حفظ القرآن الكريم","level":1,"page":9},{"title":"المطلب الأول: حفظ القرآن الكريم في السماء","level":2,"page":9},{"title":"المطلب الثاني: حفظ القرآن الكريم في طريقه إلى الأرض","level":2,"page":10},{"title":"المطلب الثالث: حفظ القرآن الكريم على الأرض","level":2,"page":11},{"title":"المبحث الثالث: كتابة القرآن الكريم في عهد النبي ﷺ","level":1,"page":20},{"title":"المطلب الأول: الأدلة على كتابة القرآن الكريم في عهده ﷺ","level":2,"page":20},{"title":"المطلب الثاني: كتاب الوحي","level":2,"page":24},{"title":"المطلب الثالث: الأدوات التي كتب عليها الوحي","level":2,"page":28},{"title":"المطلب الرابع: الصفة التي كتب عليها القرآن في عهد النبي ﷺ","level":2,"page":30},{"title":"المطلب الخامس: السبب في عدم جمع القرآن الكريم في مصحف واحد في عهده ﷺ","level":2,"page":32},{"title":"المبحث الرابع: جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق ﵁","level":1,"page":34},{"title":"مدخل","level":2,"page":34},{"title":"المطلب الأول: عناية الصحابة بالقرآن الكريم","level":2,"page":37},{"title":"المطلب الثاني: سبب تردد أبي بكر الصديق في قبول عرض عمر ﵄ بجمع القرآن","level":2,"page":38},{"title":"المطلب الثالث: سبب جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق","level":2,"page":40},{"title":"المطلب الرابع: سبب اختيار زيد بن ثابت ﵁","level":2,"page":42},{"title":"المطلب الخامس: منهج جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق","level":2,"page":44},{"title":"المطلب السادس: مدة جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر","level":2,"page":48},{"title":"المطلب السابع: سمات جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق","level":2,"page":49},{"title":"المطلب الثامن: تسميته بالمصحف","level":2,"page":51},{"title":"المطلب التاسع: خبر هذا المصحف","level":2,"page":53},{"title":"المبحث الخامس: جمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان ﵁","level":1,"page":54},{"title":"مدخل","level":2,"page":54},{"title":"المطلب الأول: فكرة الجمع","level":2,"page":57},{"title":"المطلب الثاني: سبب جمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان ﵁","level":2,"page":60},{"title":"المطلب الثالث: منهج جمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان ﵁","level":2,"page":61},{"title":"المطلب الرابع: نشر عثمان بن عفان المصاحف في الأمصار","level":2,"page":64},{"title":"المطلب الخامس: حرق الصحف والمصاحف الأخرى ورضا الصحابة عن ذلك","level":2,"page":67},{"title":"المطلب السادس: خبر هذه المصاحف","level":2,"page":69},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":72},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":75}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":25,"1,25":26,"1,26":27,"1,27":29,"1,28":31,"1,29":33,"1,30":34,"1,31":35,"1,32":36,"1,33":38,"1,34":39,"1,35":41,"1,36":43,"1,37":45,"1,38":46,"1,39":47,"1,40":50,"1,41":52,"1,42":54,"1,43":55,"1,44":56,"1,45":58,"1,46":59,"1,47":61,"1,48":62,"1,49":63,"1,50":65,"1,51":66,"1,52":68,"1,53":70,"1,54":71,"1,55":72,"1,56":73,"1,57":74,"1,58":75,"1,59":76,"1,60":77,"1,61":78,"1,62":79},"ٜ":{"1":[1,62]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,23","1,24","1,25","1,26","1,26","1,27","1,27","1,28","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,32","1,33","1,34","1,34","1,35","1,35","1,36","1,36","1,37","1,38","1,39","1,39","1,39","1,40","1,40","1,41","1,41","1,42","1,43","1,44","1,44","1,45","1,46","1,46","1,47","1,48","1,49","1,49","1,50","1,51","1,51","1,52","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62"],"ٞ":{"1":[1],"4":[2,3],"5":[4],"9":[5,6],"10":[7],"11":[8],"20":[9,10],"24":[11],"28":[12],"30":[13],"32":[14],"34":[15,16],"37":[17],"38":[18],"40":[19],"42":[20],"44":[21],"48":[22],"49":[23],"51":[24],"53":[25],"54":[26,27],"57":[28],"60":[29],"61":[30],"64":[31],"67":[32],"69":[33],"72":[34],"75":[35]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ال<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد:\nفقد أنزل الله ﷿ على عبده محمد ﷺ القرآن الكريم ليكون للعالمين نذيرًا، وجعله خاتمة كتبه، ومهيمنًا عليها، وحجة على خلقه، ومعجزة لنبيه ﷺ، لهذا تكفل الله ﷿ بحفظه فقال ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) وقال ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ فصلت:٤٢) وقال ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (القيامة: ١٦-١٧)، فهيأ لذلك الأسباب والرجال يحفظونه، ويعلمونه،ويقدمون أنفسهم في سبيل تعليم الناس بعض آيات من القرآن الكريم.\nولإبراز ما تحقق للقرآن الكريم من عناية واهتمام حفظًا وكتابة أحببت الكتابة في هذا الموضوع، وجعلته بعنوان: (جمع القرآن الكريم – حفظًا وكتابة)\nوقد اقتضت طبيعة الكتابة فيه أن ينتظم في خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: معنى جمع القرآن الكريم، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: معنى الجمع في اللغة.\nالمطلب الثاني: معنى جمع القرآن في الاصطلاح.","vol":"1","page":1},{"text":"المبحث الثاني: حفظ القرآن الكريم، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: حفظ القرآن الكريم في السماء.\nالمطلب الثاني: حفظ القرآن الكريم في طريقه إلى الأرض.\nالمطلب الثالث: حفظ القرآن الكريم على الأرض.\nالمبحث الثالث: كتابة القرآن الكريم في عهد النبي ﷺ وفيه خمسة مطالب.\nالمطلب الأول: الأدلة على كتابة القرآن الكريم في عهده ﷺ\nالمطلب الثاني: كُتَّاب الوحي.\nالمطلب الثالث: الأدوات التي كتب عليها الوحي.\nالمطلب الرابع: الصفة التي كتب عليها القرآن الكريم في عهده ﷺ.\nالمطلب الخامس: السبب في عدم جمع القرآن الكريم في مصحف واحد في عهده ﷺ.\nالمبحث الرابع: جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق ﵁ وفيه تسعة مطالب.\nالمطلب الأول: عناية الصحابة بالقرآن الكريم.\nالمطلب الثاني: سبب تردد أبي بكر في عرض عمر ﵄ بجمع القرآن.\nالمطلب الثالث: سبب جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق ﵁.\nالمطلب الرابع: سبب اختيار زيد بن ثابت ﵁.","vol":"1","page":2},{"text":"المطلب الخامس: منهج جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق ﵁.\nالمطلب السادس: مدة جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق ﵁.\nالمطلب السابع: سمات جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق ﵁.\nالمطلب الثامن: تسميته بالمصحف.\nالمطلب التاسع: خبر هذا المصحف.\nالمبحث الخامس: جمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان ﵁ وفيه ستة مطالب.\nالمطلب الأول: فكرة الجمع.\nالمطلب الثاني: سبب جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان ﵁.\nالمطلب الثالث: منهج جمع القرآن الكريم في عهد عثمان ﵁.\nالمطلب الرابع: نشر عثمان بن عفان المصاحف بالأمصار.\nالمطلب الخامس: حرق المصحف والمصاحف الأخرى، ورضا الصحابة عن ذلك.\nالمطلب السادس: خبر هذه المصاحف.\nوالله أسال أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به، وأن يغفر لي ولوالدي ولجميع المسلمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nعلي بن سليمان العبيد","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المبحث الأول معنى جمع القرآن الكريم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المطلب الأول: معنى الجمع في اللغة</span>.\nالجَمْع: مصدر الفعل \"جَمَع\"، يقال: جمع الشيء يجمعه جمعًا.\nقال الجوهري المتوفى سنة ٣٩٣هـ: \" أجمعتُ الشيءَ: جعلته جميعًا، والمجموع: الذي جُمِعَ من هاهنا وهنا وإن لم يجعل كالشيء الواحد \"١\nوقال الراغب الأصفهاني المتوفى سنة ٥٠٢هـ: \" الجمع: ضم الشيء بتقريب بعضِهِ من بعض، يقال: جمعته فاجتمع \" ٢\nوقال ابن منظور المتوفى سنة ٧١١هـ: \" جَمَعَ الشيءَ عن كل تفرقة يجمعه جمعًا، واستجمع السيل: اجتمع من كل موضع، وجمعت الشيء: إذا جئت به من هنا وهنا، وتجمَّع القوم: اجتمعوا أيضًا من هنا وهنا \" ٣\nوقال الفيروز أبادي المتوفى سنة ٨١٧هـ: \" الجمع: تأليف المُتَفَرِّق \" ٤\nويلاحظ في هذه المعاني أن اشتقاق كلمة \"جَمَع\" تدل على الجمع والاجتماع والتأليف، وضم المتفرق فجمع الشيء استقصاؤه والإحاطة به.\n_________\n١ الصحاح للجوهري ج٣ – ص ١١٩٩ مادة \"جمع\"\n٢ المفردات للراغب ص ٩٦.\n٣ لسان العرب لابن منظور ج٨ – ص ٥٣ مادة \"جمع\"\n٤ ترتيب القاموس المحيط ج١ ص ٥٢٨ مادة \"جمع\".","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>المطلب الثاني: معنى جمع القرآن في الاصطلاح</span>.\nجمع القرآن الكريم يطلق في علوم القرآن على معنيين:\nأحدهما: جمعه بمعنى حفظه في الصدور عن ظهر قلب، ويدل له قوله تعالى ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (القيامة: ١٧) أي: جمعه في صدرك، وإثبات قراءته في لسانك١ وما جاء عن عبد الله بن عمرو – ﵁ – أنه قال: \" جمعتُ القرآن فقرأته كلَّه في ليلة، فقال رسول الله ﷺ: إني أخشى أن يطول عليك الزمان، وأن تملَّ، فاقرأه في شهر، فقلت: دعني أستمتع من قوتي وشبابي قال: فاقرأه في عشرة، قلت: دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: فاقرأه في سبع، قلت: دعني أستمتع من قوتي وشبابي فأبى\" ٢ فمعنى قوله: جمعت القرآن أي: حفظته عن ظهر قلب.\nومنه قولهم: \" جُمَّاع القرآن \" أي: حفاظه.\nالثاني: جمعه بمعنى كتابته، ويدل له ما ورد في الحديث الذي أخرجه البخاري في قصة جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق – ﵁ – ومما ورد فيه:\nقول عمر بن الخطاب لأبي بكر – ﵄: \" وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن \"\nوقول أبي بكر الصديق لزيد بن ثابت – ﵄: \" فتتبع القرآن فاجمعه \" أي: اكتبه كله.\n_________\n١انظر الكشاف ج٦ – ص ٢٦٩.\n٢الحديث أخرجه ابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة، باب في كم يستحب يختم القرآن، سنن ابن ماجة ج١ – ص ٤٢٨.","vol":"1","page":5},{"text":"وقول زيد بن ثابت – ﵁ -: \" فتتبعت القرآن أجمعه من العسف واللخاف وصدور الرجال \" ١\nوإذا نظرنا إلى أشهر أسماء القرآن الكريم، فإننا سنجد فيها اسمين يدلان على المعنيين:\nالأول: القرآن.\nالثاني: الكتاب.\nفالاسم الأول \" القرآن \" إشارة إلى جمعه عن طريق المعنى الأول، وهو الحفظ في الصدور. فالقرآن: لفظ مشتق من الفعل \"قرأ\" بمعنى تلا، فهو مرادف للقراءة، ودل على هذا قوله عز: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ (طه:١١٤) أي: لا تعجل بقراءة القرآن قبل أن ينتهي جبريل من قراءته. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء: ٧٨) أي: قراءة القرآن في هذا الوقت تشهدها الملائكة ويشهدون بها.\nقال اللحياني ٢ وجماعة من أهل اللغة: \" قرآن: مصدر كغفران، سمي ب \"المقروء\" أي المتلو، تسمية للمفعول بالمصدر، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (القيامة: ١٧،١٨) أي: قراءته، والمراد: جبريل ﵇. ومنه كذلك قول حسان بن ثابت يرثي عثمان ابن عفان ﵄:\nضَحُّوا بأشمطَ عنوانُ السجود به ... يُقَطِّعُ الليلَ تسبيحًا وقرآنا٣\nأي: قراءة. ويقال: قرأ الرجل، إذا تلا، يقطع قرآنا وقراءة ٤\n_________\n١ الحديث أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن. صحيح البخاري ج٦ – ص ٩٨\n٢ هو علي بن حازم اللحياني، لغوي عاصر، الفراء، كان حيا سنة ٢٠٧هـ، معجم المؤلفين ٧: ٥٦\n٣ الاشمط: أبيض الرأس يخالطه سواد، انظر ديوان حسان ص ٤٦٩.\n٤ انظر قوله في مدخل إلى تفسير القرآن د. زرزور ص ٤٥.","vol":"1","page":6},{"text":"والاسم الثاني \"الكتاب\" إشارة إلى جمعه عن طريق المعنى الثاني وهو الحفظ في السطور، فالكتاب في الأصل مصدر، ثم سمي المكتوب فيه كتابًا١.\nقال السخاوي المتوفى سنة ٦٤٣هـ \" ومن أسمائه – أي القرآن – الكتاب، سمي بذلك، لأن الكَتْبَ الجمع يقال: كتب إذا جمع الحروف بعضها على بعض، وتكَتَّب بنو فلان، أي: اجتمعوا٢.\nوقال الدكتور محمد دراز: روعي في تسميته قرآنًا كونه متلوًا بالألسن، كما روعي في تسميته كتابًا كونه مدونًا بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه.\nوفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعًا ... فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلًا بعد جيل، على هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر٣.\nوحين يتحدث المؤلفون في علوم القرآن عن موضوع جمع القرآن الكريم فإن أغلبهم يطلق عبارة جمع القرآن الكريم في زمن النبي ﷺ، وجمعه في عهد أبي بكر الصديق ﵁، وجمعه في عهد عثمان بن عفان ﵁، ويريدون بالجمع معاني مختلفة، فبتدبر الأمر وتتبع الروايات نجد أن لفظ الجمع حين يطلق في زمن النبي ﷺ يقصد به حفظه عن ظهر قلب وكتابته على الأدوات المتوفرة ذلك الوقت.\n_________\n١انظر المفردات ص ٤٢٣.\n٢جمال القراء ج١ ص ٢٨.\n٣النبأ العظيم ص ١٢، ١٣","vol":"1","page":7},{"text":"وحين يطلق في عهد أبي بكر الصديق ﵁ يقصد به كتابة القرآن الكريم في مصحف واحد مسلسل الآيات مرتب السور. وحين يطلق في عهد عثمان بن عفان ﵁ يقصد به نسخ المصحف الذي كتب في عهد أبي بكر ﵁ بمصاحف متعددة. وسنتناول بالتفصيل إن شاء الله – هذه المراحل في المباحث التالية:-","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الثاني: حفظ القرآن الكريم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>المطلب الأول: حفظ القرآن الكريم في السماء</span>.\nلقد حظي كتاب الله ﷿ بالحفظ والعناية منذ أن كان في السماء حيث أودعه الله كتابًا مكنونًا وأقسم الله تعالى على هذه الحقيقة بقسم عظيم فقال: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ. تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الواقعة: ٧٥، ٨٠)\nوقال ﷿ ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ. بِأَيْدِي سَفَرَةٍ. كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (عبس: ١٣، ١٦ (. فهو في اللوح المحفوظ، مصون مستور عن الأعين، لا يطلع عليه إلاّ الملائكة المقربون، ولا يمسه في السماء إلاّ الملائكة الأطهار، ولا يصل إليه شيطان، ولا يُنال منه١ فالشياطين لا تمس هذا الكتاب، وليس لها سبيل إليه، وإنما تحف به الملائكة المقربون، ويؤكد الله تعالى وصفه بكونه مكنونًا بوصفه بكونه محفوظًا في قوله تعالى ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (البروج: ٢١، ٢٢) .\n_________\n١انظر الضوء المنير لابن القيم ٥: ٥٨٧.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المطلب الثاني: حفظ القرآن الكريم في طريقه إلى الأرض</span>\nحفظ الله ﷿ القرآن الكريم وهو في طريقه إلى الأرض فجاء به روح مطهر، فما للأرواح الخبيثة عليه سبيل، ولا وصول لها إليه، قال تعالى ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ. وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (الشعراء: ٢١٠، ٢١١ (.، وإنما تناله الأرواح المطهرة وهم الملائكة١ وحَفِظَه من الشياطين التي كانت تسترق السمع طلبًا لخبر السماء، فحفِظه بالحرس الأقوياء من الملائكة، وبالكواكب التي تحرق وتمنع من أراد استراق السمع.\nقال تعالى ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا. وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ (الجن: ٨، ١٠)، وقال ﷿ ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ. إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ (الصافات: ٧، ١٠)\nإذن حفظ الله ﷿ القرآن الكريم وهو في السماء، وعند نزوله منها، وبعد نزوله إلى الأرض. وهو ما سنتحدث عنه في المطلب التالي:\n_________\n١انظر الضوء المنير ٥: ٥٨٦.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المطلب الثالث: حفظ القرآن الكريم على الأرض</span>.\nلقد حفظ الله ﷿ القرآن الكريم على الأرض بواسطة رسول الله ﷺ الذي استقبله فأحسن الاستقبال، وحفظه أتم حفظ، وقام به خير قيام، وبلغه أحسن تبليغ والشواهد على ذلك كثيرة منها:\n١- قوله تعالى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ القيامة: ١٦، ١٩) . فكان ﷺ حين نزول القرآن عليه يتعجل ويبادر بأخذه، واختلف في سبب ذلك.\n* فقيل: لما يجده من المشقة عند النزول، فيتعجل لتزول المشقة سريعًا.\n* وقيل خشية منه ﷺ أن ينساه، أو يتفلت منه شيء.\n* وقيل: لأجل أن يتذكره.\n* وقيل: من حبه إياه.\nقال ابن حجر – بعد ذكر هذه الأسباب – \"ولا بعد في تعدد السبب\"١.\nومما ورد في تفسير هذه الآيات ما أخرجه البخاري وغيره عن موسى بن أبي عائشة أنه سأل سعيد بن جبير عن قوله تعالى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ قال: وقال ابن عباس: \"كان يحرك شفتيه إذا أُنْزِل عليه، فقيل له: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ يَخْشى أن يَتَفَلَّتَ منه ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَه﴾ أن نجمعه في صدرك ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أن تَقْرأَهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ يقول: أُنْزِل عليه ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أن نُبِيَّنه على لسانك\"٢\n_________\n١فتح الباري ج٨ – ص ٥٢٤.\n٢الأثر أخرجه البخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة القيامة، باب (إن علينا جمعه وقرآنه) صحيح البخاري ج٦ – ص٧٦","vol":"1","page":11},{"text":"وأخرج البخاري أيضًا عن موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قال: \"كان رسول الله ﷺ إذا نزل جبريل عليه بالوحي، وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه، فيشتد عليه، وكان يُعْرفُ منه فأنزل الله الآية التي في لا أقسم بيوم القيامة ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إن علينا جمعه وقرآنه﴾ قال: علينا أن نَجْمعَهُ في صدرك وقرآنه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فإذا أنزلناه فاستمع ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ علينا أن نبينه بلسانك. قال: فكان إذا أتاه جبريل أَطْرَقَ، فإذا ذهب قَرَأَهُ كما وعده الله\"١.\nإذن تدل هذه الآيات على تكفل الله المطلق لهذا القرآن: وحيًا، وحفظًا، وجمعًا، وبيانًا، وأن على الرسول ﷺ التلقي والاتباع ثم البلاغ، فكان كلما نزلت عليه آية أو آيات جمعها الله له في صدره، فوعاها قلبه، واشتغل بها لسانه لنفسه وللمسلمين.\n١- قوله تعالى ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ (الأعلى: ٦) حيث تكفل الله ﷿ لنبيه محمد ﷺ برفع مشقة استظهار القرآن وحفظ قلبه له فلا ينسى ما يقرئه ربه.\n٢- حرص النبي ﷺ على حفظ القرآن الكريم ومدارسته في كل أوقاته، فكان يحيي الليل بتلاوة آيات القرآن في الصلاة عبادةً، وتلاوةً، وتدبرًا لمعانيه، حتى تفطرت قدماه الشريفتان من كثرة القيام امتثالًا لأمر الله تعالى القائل ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (المزمل:١، ٤)\n_________\n١ الأثر أخرجه البخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة القيامة، باب ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ . صحيح البخاري ج٦ – ص٧٦، ٧٧.","vol":"1","page":12},{"text":"٤- مدارسة جبريل ﵇ القرآن للرسول ﷺ ومع تكفل الله ﷿ للنبي ﷺ بحفظه وجمعه في صدره حتى لا يضيع منه شيء، فإن جبريل – ﵇ – لم يكتف بتبليغ الرسول ﷺ القرآن، بل كان يقرأه النبي ﷺ على جبريل ﵇ في كل عام مرة حتى يزداد ثبات قلب النبي ﷺ به، وليطمئن جبريل ﵇ أكثر على ما بلغه به.\nأخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: \"كان النبي ﷺ أجودَ الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان؛ لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يَعْرِضُ عليه رسولُ الله ﷺ القرآنَ، فإذا لقيه جبريلُ كان أجودَ بالخير من الريح المرسلة\"١\nوعندما دنا أجل النبي ﷺ عارضه جبريل بالقرآن مرتين فقد ورد في صحيح البخاري: قال مسروق عن عائشة ﵂، عن فاطمة ﵍: \"أسَرّ إليَّ النبيُّ ﷺ أن جبريل يعارضُني بالقرآن كلَّ سنة، وأنَّه عارضني العام مرتين، ولا أُراهُ إلاّ حضر أجلي\"٢.\nوأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: \"كان يَعْرضُ على النبي ﷺ القرآن كل عام مرةً، فعرضَ عليه مرتين في العام الذي قبض، وكان يعتكف كلَّ عام عشرا، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض\"٣.\n_________\n١الحديث أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﷺ. صحيح البخاري ج٦ – ص١٠١، ١٠٢.\n٢صحيح البخاري ج٦ – ص ١٠١ في كتاب فضائل القرآن، باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﷺ.\n٣الحديث أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﷺ. صحيح البخاري ج٦ – ص ١٠٢.","vol":"1","page":13},{"text":"٥- تعليم النبي ﷺ القرآن بنفسه:\nفقد باشر النبي ﷺ تعليم المسلمين القرآن بنفسه، وأمره الله ﷿ بأن يقرأه على الناس على مكث، أي: تؤدَة وتمهل، كي يحفظوا لفظه ويفقهوا معناه. كما قال تعالى ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (الإسراء: ١٠٦)\nوأخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: \"والله لقد أَخذتُ من في رسولِ الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة\"١.\nوأخرج عنه أنه قال: \"كنا مع رسول الله ﷺ وأنْزِلتْ عليه والمرسلات، وإنا لنتلقَّاها من فِيْه\"٢\nوأخرج الإمام أحمد عن ابن عمر ﵄ قال: \"كان رسول الله ﷺ يعلمنا القرآن، فإذا مَرّ بسجود القرآن سجد وسجدنا معه\"٣.\nوأخرج مسلم عن ابن عباس ﵄ أنه قال كان رسول الله ﷺ يُعَلِّمُنا التشهد كما يُعَلِّمنا السورة من القرآن\" وفي رواية ابن رُمْح \"كما يُعَلِّمنا القرآن\"٤.\nوأخرج البخاري عن جابر بن عبد الله قال: \"كان رسول الله ﷺ يُعَلِّمُنا الاستخارة في الأمور كما يُعَلِّمُنا السورة من القرآن\"٥.\n_________\n١ الأثر أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب القراء من أصحاب النبي ﷺ. صحيح البخاري ج٦ – ص١٠٢.\n٢ الأثر أخرجه البخاري في كتاب التفسير تفسير سورة والمرسلات صحيح البخاري ج٦ – ص٧٧.\n٣ الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده ج٢ – ص١٥٧.\n٤ الحديث أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة. صحيح مسلم ج١ –ص٣٠٢، ٣٠٣، رقم ٦٠.\n٥ الحديث أخرجه البخاري في كتاب التهجد بالليل، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى. صحيح البخاري ج٢ – ص٥١.","vol":"1","page":14},{"text":"وأخرج الطبري عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: \"حدثنا الذين كانوا يقرئوننا: أنهم يستقرئون من النبي ﷺ، فكانوا إذا تعلّموا عشر آيات لم يُخلِّفوها حتى يعلموا بما فيها من العمل، فتعلّمنا القرآن والعمل جميعًا\"١.\nوكان الصحابة رضوان الله عليهم إذا عجز أحدهم عن تفريغ وقت لتحصيل القرآن الكريم مباشرة من فم رسول الله ﷺ أناب عنه من يحصل عنه.\nأخرج البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار في بني أمية بن زيد – وهي من عوالي المدينة – وكنا نتناوبُ النزولَ على رسول الله ﷺ ينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلتُ جئتهُ بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعلَ مثل ذلك٢.\nوكان من نتيجة ذلك أن كثر الحفاظ في عهد النبي رسول الله ﷺ، وكانوا يعرضون على النبي ﷺ القرآن ويقرؤونه عليه، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ: \" اقرأ عليّ، قلتُ: اقرأ عليك وعليك أنزل؟، قال: فإني أحب أن اسمعه من غيري، فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ (النساء: ٤١) قال: أمسك، فإذا عيناه تذرفان\" ٣ وكان مسجده ﷺ عامرًا بتلاوة القرآن يضج بأصوات الحفاظ فأمرهم رسول الله عليه وسلم أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا.\n_________\n١ الحديث أخرجه الطبري في تفسيره ج١ – ص٣٦، والإمام أحمد بنحوه في المسند ج٥ –ص ٤١٠.\n٢ الحديث أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب التناوب في العلم، صحيح البخاري ج١ – ص٣١\n٣ الحديث أخرجه البخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة النساء باب (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) صحيح البخاري ج٥ – ص١٨٠.","vol":"1","page":15},{"text":"وكان كل حافظ للقرآن ينشر ما حفظه، ويعلمه للأولاد والصبيان والذين لم يشهدوا نزول الوحي، بل كان الرسول ﷺ يدفع كل مهاجر جديد إلى أحد الحفاظ ليعلمه حفظ القرآن الكريم، فشاع حفظه بين الرجال والنساء، حتى إن المرأة المسلمة كانت ترضى سورة من القرآن أو أكثر مهرًا لها، ومما ورد في ذلك ما أخرجه البخاري عن سهل بن سعد قال: أتت النبيَّ ﷺ امرأةٌ فقالت، إنها قد وهبت نفسها لله ولرسوله ﷺ فقال: ما لي في النساء من حاجة فقال رجل: زوجنيها، قال: أعطها ثوبًا، قال لا أجد، قال: أعطها ولو خاتمًا من حديد، فاعتلَّ له، فقال: ما معك من القرآن؟ قال: كذا وكذا، قال فقد زوجتكها بما معك من القرآن\" ١\nوخير دليل على كثرة الحفاظ في زمن الرسول ﷺ أنه قتل منهم في بئر معونة٢ المعروفة ب \"سرية القراء\" سبعون رجلًا، كما قتل منهم يوم اليمامة في عهد أبي بكر الصديق ﵁ سبعون قارئًا.\nوذكر أبو عبيد في كتابه \"القراءات\" عددًا كبيرًا من القراء أصحاب النبي ﷺ، فذكر كثيرًا من المهاجرين، وكثيرًا من الأنصار، وبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم٣\n_________\n١ الحديث أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه. صحيح البخاري ج٦ – ص١٠٨.\n٢ بئر معونة: موضع في بلاد هذيل بين مكة وعسفان، وتعرف هذه الموقعة ب (سرية القراء) وكانت بين رِعْل وذكوان، ووقعت بعد أحد مباشرة أي في حدود سنة ٤هـ. انظر خبرها في صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير، باب العون بالمدد ج٤ – ص٣٥.\n٣ انظر قوله في المرشد الوجيز ص ٤٠، ٤١، والبرهان في علوم القرآن ج١ – ص ٢٤٢، والإتقان في علوم القرآن ج١ – ص ٢٤٨ النوع العشرين.","vol":"1","page":16},{"text":"ويتبين من ذلك أن الله ﷿ حفظ القرآن على الأرض بواسطة رسول الله ﷺ، ثم أصحابه رضوان الله عليهم والتابعين وكافة المؤمنين بعد ذلك، ولعل من أبرز دواعي حفظه – غير تكفل الله ﷿ بحفظه – ما يلي:\n١. مجيء القرآن الكريم معجزًا متميزًا في نظمه، فريدًا في أسلوبه، لا يطاوله كلام البلغاء، ولا تدنو منه فصاحة الفصحاء، وكان الصحابة ينتظرونه بشغف ويتمنون أن يتلقوه فور نزوله، كما كان أعداء الرسول ﷺ يحرصون على سماعه، إما للبحث عن نقط ضعف فيه تعينهم على مغالبته أو مهاجمته، وإما لإشباع حاجتهم الملحة في التذوق الأدبي، ويمكننا أن نتصور إذن مدى الاهتمام الذي كان يثيره القرآن في نفوس المؤمنين والكافرين على السواء١.\n٢. تشريع قراءة القرآن الكريم في الصلاة فرضًا كانت أم نفلًا، سرًا أم جهرًا، مما جعلهم يحرصون على حفظ القرآن الكريم لأداء هذه العبادة. أخرج مسلم في صحيحه عن حذيفة ﵁ قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلى بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلًا، إذا مَرَّ بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مَرّ بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع ...\"٢\n_________\n١ انظر: مدخل إلى القرآن الكريم ص٣٤، وأضواء على سلامة المصحف الشريف من النقص والتحريف ص٢٨، ٣٦.\n٢ الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل. صحيح مسلم ج١ – ص٥٣٦.","vol":"1","page":17},{"text":"٣. ارتباط القرآن الكريم بالتشريعات، فإن كثيرًا من آياته تحوي أحكامًا في العبادات: كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وأحكامًا في المعاملات كالبيع والشراء والدَّين، وأحكامًا في سائر أمور الحياة، فلا بد أن يستظهروه ليعملوا بمقتضاه ١.\n٤. الترغيب في قراءة القرآن الكريم وحفظه وتعلمه وتعليمه، وقد ورد ذلك في القرآن نفسه، وفي أحاديث رسول الله ﷺ وهي أكثر من أن تحصى ومن ذلك:\nقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ (فاطر: ٢٩-٣٠) وقوله تعالى في الحديث القدسي عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"يقول الرب ﷿ من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أُعْطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه \" ٢.\nوقوله ﷺ فيما روته عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق، له أجران\" ٣\n_________\n١ انظر أضواء على سلامة المصحف الشريف من النقص والتحريف ص٢٨، ٢٩.\n٢ الحديث أخرجه الترمذي في كتاب فضائل القرآن، باب رقم ٢٥، سنن الترمذي ج٥ – ص١٨٤، الدارمي في كتاب فضائل القرآن، باب كلام الله على سائر الكلام سنن الدارمي ج٢ – ص٣١٧.\n٣ الحديث أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب الماهر بالقرآن والذي يتتعتع فيه. صحيح مسلم ج١ – ص٥٤٩.","vol":"1","page":18},{"text":"وقوله ﷺ فيما رواه عثمان بن عفان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\" ١.\nوقوله ﷺ فيما رواه أبو موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال: \" تعاهدوا القرآن فو الذي نفسي بيده لهو أشدُّ تَفَصِّيًا٢٤ من الإبل في عقلها\" ٣.\n٥. سهولة حفظ القرآن الكريم وتيسيره، فكان من رحمة الله على خلقه أن يسر لهم حفظ القرآن الكريم، ليجعل من ذلك سببًا مانعًا من ضياع شيء منه، فكما قال ﷿ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر الآية ٩) .\nفقد قال أيضًا ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (سورة القمر: ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠)\n_________\n١الحديث أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن. باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه صحيح البخاري ج٦ – ص١٠٨.\n٢تفصيًا: أي تفلتًا.\n٣عقلها: أي الإبل المشدودة بالعقال، وهو الحبل الذي يشد في ركبة البعير. والحديث أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب استذكار القرآن وتعاهده. صحيح البخاري ج٦ – ص١٠٩، ١١٠.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>المبحث الثالث: كتابة القرآن الكريم في عهد النبي ﷺ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>المطلب الأول: الأدلة على كتابة القرآن الكريم في عهده ﷺ</span>\n...\nالمبحث الثالث: كتابة القرآن الكريم في عهد النبي ﷺ\nلم يكتف النبي ﷺ بحفظ القرآن الكريم، وإقرائه لأصحابه، وحثهم على تعلمه وتعليمه، بل جمع إلى ذلك الأمر بكتابته وتقييده في السطور، فكان كلما نزل عليه نجم دعا الكتاب فأملاه عليهم فيكتبونه، وبذلك كان القرآن مكتوبًا كله بأمره في عهده ﷺ.\nالمطلب الأول: الأدلة على كتابة القرآن الكريم في عهده ﷺ:\nلقد وردت أدلة كثيرة تدل على كتابة القرآن الكريم في عهده ﷺ ومبادرته بالأمر بكتابته أذكر منها ما يلي:\n١. إطلاق لفظ الكتاب على القرآن الكريم في مواضع عدة من القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ (البقرة: ٢) .\nفالكتاب يدل على أن القرآن مكتوب١.\n٢. أن الكتابة من الصفات الثابتة للقرآن الكريم حيث قال ﷿ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً. فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (البينة الآيتان ٢،٣) .\nقال الفخر الرازي في تفسيره لهاتين الآيتين: \"فاعلم أن الصحف جمع صحيفة، وهي ظرف للمكتوب\"٢.\n_________\n١راجع مبحث معنى جمع القرآن.\n٢تفسير الفخر الرازي ج٣٢ - ص ٤٢.","vol":"1","page":20},{"text":"٣. ما ورد من الأحاديث الدالة على وجود القرآن الكريم مكتوبًا في عهد النبي ﷺ ومن ذلك:\n* ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ \"أن رسول الله ﷺ نهى أن يُسَافر بالقرآن إلى أرض العدو\"١.\n* وفي لفظ لمسلم أن رسول الله صلى الله عيه وسلم قال: \"لا تسافروا بالقرآن، فإني لا آمنُ أن يناله العدو\"\n* وما أخرجه مالك والدرامي وأبو عبيد في كتاب النبي ﷺ لعمرو بن حزم: \"أن لا يَمسَّ القرآنَ إلاّ طاهر\" ٢.\nوغير ذلك من الأخبار الدالة على أن القرآن الكريم كان مكتوبًا في عهده ﷺ.\n٤. إذنه ﷺ بكتابة القرآن الكريم، أخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه\" ٣ فهذا الحديث يدل على نهي النبي ﷺ للصحابة كتابة شيء غير القرآن٤، وأن القرآن كان مأذونًا لهم في كتابته.\n_________\n١ الحديث أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب السفر بالمصاحف إلى أرض العدو صحيح البخاري ج٤ – ص١٥، ومسلم في كتاب الإمارة، باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار. صحيح مسلم ج٣ – ص١٤٩٠.\n٢ الحديث أخرجه مالك في كتاب القرآن، باب الأمر بالوضوء لمن مس القرآن، الموطأ ج١ – ص١٩٩، والدارمي في كتاب الطلاق باب لا طلاق قبل نكاح – سنن الدارمي ج٢ – ص٨٤. وأبو عبيد في كتاب فضائل القرآن ص٢٤٤.\n٣ الحديث أخرجه مسلم في كتاب الزهد، باب التثبت في الحديث، وحكم كتابة العلم. صحيح مسلم ج٤ – ص٢٢٩٨\n٤ نهي النبي ﷺ لكتابة الحديث النبوي كان هذا في أول الأمر خشية أن يلتبس القرآن بالسنة، أو لأجل أن يخص القرآن بالعناية.","vol":"1","page":21},{"text":"٥. أن النبي ﷺ كان له كُتَّاب يكتبون له الوحي، وكان يأمرهم بكتابته فور نزوله، أخرج البخاري عن البراء بن عازب ﵁ أنه قال: \"لما نزلت ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء:٩٥ (.\nدعا رسول الله ﷺ زيدًا فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم،\nفشكا ضَرَارتَهُ فأنزل الله ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وفي رواية أخرى عن البراء قال: \"لما نزلت ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال النبي ﷺ: \"ادعوا فلانًا، فجاءه ومعه الدواة واللوح أو الكتف، فقال: اكتب: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وخلف النبي ﷺ ابنُ أم مكتوم، فقال: يا رسول الله أنا ضرير، فنزلت مكانها ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ١\nوأخرج ابن أبي داود أن زيد بن ثابت قال: \"كنت جار رسول الله ﷺ فكان إذا نزل الوحي أرسل إليَّ فكتبت الوحي\"٢\nوأخرج البخاري وغيره أن أبا بكر قال لزيد بن ثابت ﵄: \"كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ.\" ٣\nفهذه الأحاديث تدل على أن النبي ﷺ كان له كتاب يكتبون الوحي ويدعوهم لكتابته فور نزوله.\n_________\n١ الحديثان أخرجهما البخاري في كتاب التفسير تفسير سورة النساء، باب لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله. صحيح البخاري ج٥ – ص١٨٢، ١٨٣.\n٢ الحديث أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف ص٣.\n٣ الحديث أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن. صحيح البخاري ج٦ – ص٩٨.","vol":"1","page":22},{"text":"٦ توجيه النبي ﷺ للكُتَّاب بأن يضعوا الآية أو الآيات التي تنزل في مواضعها من سورها، ويدل على ذلك الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد والترمذي وأبو داود والحاكم من حديث عبد الله بن عباس عن عثمان بن عفان ﵃ قال: \"كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان، ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: \"ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا. وينزل عليه الآية فيقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا وينزل عليه الآيات فيقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا\"١\n٧. مراجعته ﷺ للكُتَّاب بعد كتابتهم لما ينزل فقد أخرج الطبراني عن زيد بن ثابت أنه قال: \"كنت أكتب الوحي عند رسول الله وهو يملي عليَّ، فإذا فرغت، قال: اقرأه، فأقرأه، فإن كان فيه سقط أقامه\"٢\n_________\n١ الحديث أخرجه أحمد في مسنده ج١ – ص٥٧،٦٩، والترمذي في كتاب التفسير، تفسير سورة التوبة. سنن الترمذي ج٥ – ص٢٧٢، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب ما جاء من جهر بها. سنن أبي داود ج١ – ص٢٦٨. والحاكم في المستدرك ج٢ – ص٢٢١، ٣٣٠ وصححه ووافقه الذهبي.\n٢ الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط ج٢ – ص٥٤٤.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المطلب الثاني: كُتَّاب الوحي:</span>\nكان للنبي ﷺ كُتَّاب يكتبون له ما ينزل عليه من آي الذكر الحكيم وسوره، وما يحتاجه من مكاتبات في شؤون الرسالة والدعوة وحوائج الناس٣ واختلفت المصادر في تعدادهم وذِكْرهم، حتى أوصلها\n_________\n٣ كالكتابة إلى النجاشي في شأن مهاجري الحبشة، وكتابه إلى مصعب بن عمير بالمدينة لإقامة صلاة الجمعة، وصلح الحديبية. وغير ذلك.","vol":"1","page":23},{"text":"بعضهم إلى أربعة وأربعين كاتبًا١ ولعل السبب في ذلك هو جمعهم بين من كتب التنزيل وغيره وبين من كتب في شؤون الرسالة والدعوة ونحوها دون التنزيل، أو بين من كتب التنزيل بصفة رسمية وبين من كتبه لنفسه.\nوالذي اشتهر بكتابة التنزيل بين يدي النبي ﷺ كتاب وهم:\n١. عبد الله بن سعد بن أبي السرح القرشي العامري أول من كتب للنبي ﷺ بمكة، حيث لم يكن بها أحد يعرف الكتابة سوى نفرٍ قليل. وقد اتخذه النبي ﷺ كاتبًا للتنزيل في أول الأمر، ثم أزله الشيطان وأغواه فارتد عن الإسلام، ولما كان يوم فتح مكة أسلم وحسن إسلامه وعاد لكتابة التنزيل توفي سنة ٣٦هـ٢\n٢. عثمان بن عفان بن أبي العاص القرشي، ثالث الخلفاء الراشدين، وممن كتب للنبي ﷺ التنزيل وغيره، يقول الذهبي: \"هو أفضل من قرأ على النبي ﷺ\". وقد شاء الله ﷿ أن يستقر المصحف على هيئته الخالدة على يده ﵁. توفي سنة ٣٥هـ.\n٣. علي بن أبي طالب بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، رابع الخلفاء الراشدين، وممن كتب للنبي ﷺ أكثر التنزيل، كما كتب له كثيرًا من العهود وعقود الصلح. توفي ﵁ سنة ٤٠هـ.\n٤. أبي بن كعب بن قيس الأنصاري الخزرجي، أول من كتب للنبي ﷺ عند قدومه المدينة، كما كان يكتب ما يأمره به الرسول\n_________\n١انظر المصباح المضي في كتاب النبي الأمي ج١ – ص٢٩.\n٢انظر: كتاب الوحي ص٣٢٥.","vol":"1","page":24},{"text":"ﷺ من الكتب والرسائل وهو سيد القراء توفي سنة ٣٠هـ.\n٥. زيد بن ثابت الأنصاري الخزرجي، كان أكثر الكتاب ملازمة للكتابة حيث لا عمل له غير ذلك، ولكثرة تعاطيه ذلك خصه البخاري في صحيحه بتسميته \"كاتب النبي صلى الله عليه وسلم١ توفي سنة ٤٥هـ.\n٦. معاوية بن أبي سفيان القرشي الأموي، طلب أبوه من النبي ﷺ في فتح مكة أن يجعله كاتبًا بين يديه، فكان بعد ذلك ملازمًا للكتابة بين يدي الرسول ﷺ في التنزيل وغيره توفي سنة ٦٠هـ٢.\nهؤلاء ستة كُتَّاب للتنزيل كتبوه بصفة رسمية بين يدي الرسول ﷺ وكانوا يضعون ما يكتبون في حجرات النبي ﷺ، ولا يعني هذا أن الوحي لم يكتبه غيرهم، فقد كتبه غيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم كأبي بكر وعمر وابن مسعود وغيرهم، ولكن هذه الكتابة كانت لأنفسهم دون تكليف من الرسول ﷺ.\nوممن كتب في شؤون الرسالة والدعوة وحوائج الناس:\n١) أبو بكر الصديق ﵁.\n٢) عمر بن الخطاب ﵁.\n٣) حنظلة بن الربيع ﵁ وغلب عليه اسم \"الكاتب\".\n٤) الزبير بن العوام ﵁.\n٥) خالد بن سعيد بن العاص ﵁.\n_________\n١ صحيح البخاري ج٦ – ص٩٩ كتاب فضائل القرآن، باب كاتب النبي ﷺ\n٢ انظر كتاب الوحي، وفتح الباري ٩: ١٩.","vol":"1","page":25},{"text":"٦) ثابت بن قيس بن شماس ﵁.\n٧) المغيرة بن شعبة ﵁.\n٨) معاذ بن جبل ﵁.\n٩) وغيرهم ١\n_________\n١انظر كتاب الوحي ٦٥.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المطلب الثالث: الأدوات التي كتب عليها الوحي:</span>\nكان كتاب الوحي يكتبون القرآن فيما كان ميسرًا لهم في زمنهم، ومن الأدوات التي كتب فيها:\n١. الرِّقاع: وهي جمع رقعة، وهي القطعة من الجلد وقد تكون من غيره كالقماش أو الورق، وهو غالب ما كتب عليه الوحي. قال زيد بن ثابت: \"كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع٢\n٢. الأكتاف: وهي جمع كتف، وهو عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان٣ قال السيوطي: \"هو العظم الذي للبعير أو الشاة\"٤. قال زيد ابن ثابت بعد أن أُمِر بجمع القرآن: \"فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال٥\n_________\n٢ الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده ج٥ – ص١٨٥.\n٣ انظر النهاية في غريب الحديث والأثر ٤: ١٥٠.\n٤ الإتقان في علوم القرآن ج١ – ص٢٠٧ النوع الثامن عشر.\n٥ الحديث أخرجه البخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة براءة، باب قوله ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ صحيح البخاري ج٥ – ص٢١٠.","vol":"1","page":26},{"text":"٣. العُسُب: وهو جمع عسيب، وهو جريد النخل، كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في الطرف العريض١\n٤. اللِّخاف: وهو جمع لَخْفَة، وهي صفائح الحجارة٢ قال زيد بن ثابت: فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف٣.\n٥. الأقتاب: وهو جمع قتب، وهو قطع الخشب التي توضع على ظهر البعير ليركب عليه الإنسان٤، قال زيد بن ثابت في رواية ابن أبي داود: \"فجمعت القرآن أجمعه من الأكتاف والأقتاب والعسب وصدور الرجال٥.\nومما كانوا يكتبون فيه: الصحف والألواح والكرانيف وغيرها٦.\n_________\n١الإتقان في علوم القرآن ج١ – ص٢٠٧.\n٢انظر الصحاح ٤: ١٤٢٦ مادة \"لخف\".\n٣الحديث أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن. صحيح البخاري ج٦ – ص٩٨.\n٤الإتقان في علوم القرآن ج١ – ص٢٠٧.\n٥الحديث أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف – ص٨،٩.\n٦انظر فتح الباري ج٩ – ص١١، الكرانيف: أصول الكرب التي تبقي في جذع النخلة.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المطلب الرابع: الصفة التي كتب عليها القرآن في عهد النبي ﷺ:</span>\nبعد أن بينَّا أن القرآن الكريم كتب في عهد النبي ﷺ، يمكننا أن نقرر بأن القرآن الكريم لم يستظهر في عهد الرسول ﷺ فحسب، بل دُوِّن كاملًا وهذا التدوين اتصف بصفات أبرزها:\n١. أن النبي ﷺ لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلاّ والقرآن الكريم كله كان مكتوبًا، كتبه كُتَّاب خاصون بهذه المهمة، وبتوجيهات منه ﷺ لهم.","vol":"1","page":27},{"text":"٢. أن أمر النبي ﷺ بكتابة القرآن لكريم كان عامًّا، ولم يكن بجمعه في صحف؛ ولهذا لم يكن مجموعًا في مكان ومصحف واحد، قال زيد بن ثابت: \"قبض النبي ﷺ ولم يكن القرآن جمع في شيء\"١.\n٣. أن كتابة القرآن الكريم تمت على أدوات متنوعة وغير متجانسة مما جعله غير مرتب ومحصور بين دفتين.\n٤. أنه لم يكن مرتب السور، لأنه كتب أولًا بأول على حسب نزوله، وترتيب القرآن الكريم ليس على حسب النزول بالإجماع. مع العلم أن النبي ﷺ لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلاّ بعد أن علَّم الصحابة بترتيب القرآن الكريم سورًا وآيات، حتى صاروا يقرؤون القرآن الكريم كاملًا مرتبًا على نحو ما أمر به ﷺ بتعليم من جبريل ﵇ للنبي ﷺ في كل عرضة يعرض فيها القرآن على الرسول ﷺ.\n_________\n١ الإتقان ١/١٦٤","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المطلب الخامس: السبب في عدم جمع القرآن الكريم في مصحف واحد في عهده ﷺ:</span>\nلم يجمع القرآن الكريم في عهده ﷺ على هيئة مصحف لأسباب منها:\n١. ما كان يترقبه النبي ﷺ من تتابع نزول الوحي حيث كانت تنزل بعض آيات سورة من السور، وتنقطع بنزول آيات سورة أخرى – قبل تلك السورة أو بعدها – ثم يستأنف الوحي آيات السورة","vol":"1","page":28},{"text":"الأولى.. وهكذا حتى كمل التنزيل. ولاشك والحالة هذه استحالة جمع القرآن الكريم مباشرة عند نزوله في مصحف واحد، إذ يلزم ذلك تغييرًا مستمرًا في الأدوات التي كتب عليها١ يقول الزركشي: \"وإنما لم يكتب في عهد النبي ﷺ مصحف، لئلا يفضي إلى تغييره كل وقت، فلهذا تأخرت كتابته إلى أن كمل نزول القرآن بموته ﷺ\"٢.\n٢. أن ترتيب آيات القرآن الكريم وسوره لم يكن على حسب النزول، بل على حسب ما هو في اللوح المحفوظ الذي بُلِّغه النبي ﷺ عن طريق جبريل ﵇.\nفلو كتب القرآن مرتبًا حسب نزوله لخالف ترتيبه في اللوح المحفوظ، ولوقع اضطراب في كثير من آياته وتداخلت آيات سورة بآيات أخرى بما يتنافى وإعجازه٣.\n٣. أن المدة بين آخر ما نزل من القرآن الكريم وبين وفاته ﷺ قصيرة جدًا، وهي غير كافية لجمع القرآن بين دفتي مصحف واحد.\n٤. أنه لم يوجد من دواعي الجمع في مصحف واحد مثل ما وجد في عهد أبي بكر الصديق ﵁، فقد كان المسلمون في عهد النبي ﷺ بخير وأمن، والقراء كثيرون، والفتنة مأمونة، وفوق هذا الرسول ﷺ بينهم، بخلاف ما حصل في عهد أبي بكر الصديق ﵁ من مقتل الحفاظ حتى خاف على ضياع القرآن الكريم.\n_________\n١انظر موجز علوم القرآن ١٥٩\n٢البرهان في علوم القرآن ج١ – ص٢٦٢\n٣انظر جمع القرآن بين الحقائق الثابتة والشبهات الهابطة ص٤٣.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>المبحث الرابع: جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق ﵁</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>مدخل</span>\n...\nالمبحث الرابع: جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق ﵁\nلما تولى أبو بكر الصديق – ﵁ – الخلافة بعد وفاة رسول الله صلى الله عيه وسلم ارتدت بعض القبائل العربية ممن دخلت في الإسلام حديثًا، وامتنع بعضها عن دفع الزكاة، فجهز الجيوش لمحاربة المرتدين، ووجه خالد بن الوليد – ﵁ – في جيش كبير إلى اليمامة – قوم مسيلمة الكذاب – وذلك سنة اثنتي عشرة للهجرة، فدارت معركة حامية الوطيس، انتهت بقتل مسيلمة، وهزيمة قومه، وعودة من سلم منهم إلى الإسلام. كما استشهد فيها عدد كبير من الصحابة قدروا بخمسمائة١، وقيل ستمائة وستون٢ وقيل سبعمائة٣ وكان من بين هؤلاء سبعون قارئًا، منهم سالم مولى أبي حذيفة – أحد الذين أمر النبي ﷺ بأخذ القرآن عنهم – وقد هال ذلك عمر بن الخطاب ﵁ واستشعر خطورة الأمر بذهاب شيء من القرآن بموت بعض القراء والحفظة من الصحابة، ففزع إلى أبي بكر الصديق ﵁ وأشار عليه بجمع القرآن الكريم وكتابته في مصحف واحد بدلًا من وجوده متفرقًا في صحف متعددة٤. وفي هذا الأمر يروي لنا البخاري عن زيد بن ثابت ﵁\n_________\n١ ذكر ذلك ابن كثير في فضائل القرآن. انظر تفسير ابن كثير تحقيق سامي سلامة ج١ – ص٢٦.\n٢ ذكر ذلك ابن الأثير في الكامل ج٢ – ص٢٤٧.\n٣ ذكر ذلك ابن حجر في فتح الباري ج٩ – ص٩.\n٤ انظر: أضواء على سلامة المصحف الشريف من النقص والتحريف ص ٣٩ وانظر تفصيل وقعة اليمامة في البداية والنهاية لابن كثير ج٦ – ص٣٢٣.","vol":"1","page":30},{"text":"أنه قال: \"أرسل إليَّ أبو بكر الصديق، مقتل أهل اليمامة١، فإذا عمرُ بن الخطاب عنده، قال أبو بكرٍ: إنَّ عمر أتاني فقال: إنَّ القتل قد اسْتَحَرّ٢ يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإني أخشى أن يَسْتَحرّ القتلُ بالقراء بالمواطن، فيذهبَ كثيرٌ من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن\nقلت لعمر٣: كيف تفعلُ شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال عمر: هذا والله خيرٌ، فلم يزل عمرُ يراجعُني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيتُ في ذلك الذي رأى عمر.\nقال زيد: قال أبو بكر: إنَّك رجلٌ شابٌّ عاقلٌ لا نتهمُكَ، وقد كنتَ تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فتتبع القرآن فاجمعه، فو الله٤ لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كانَ أثْقَلَ عليّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلتُ: كيف تفعلونَ شيئًا لم يفعلْهُ رسولُ الله ﷺ؟ قال: هو والله خير، فلم يزلْ أبو بكر يراجعُني حتى شرح الله صدري للذي شرح لهُ صدر أبي بكر وعمر ﵄.\nفتتبعتُ القرآن أجمعه من العسب واللِّخاف، وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحدٍ غيرِه ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ ٥ حتى خاتمة براءة، فكانت الصُّحُفُ عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عُمَرَ حياته، ثم عند حفصة بنت عمر ﵂\"٦.\n_________\n١ أي:عقب مقتل أهل اليمامة، والمراد بهم هنا من قتل بها من الصحابة في الوقعة المشهورة.\n٢ أي: اشتد وكثر.\n٣ أي: قال أبو بكر لعمر، حكاه ثانيًا لزيد.\n٤ أي: قال زيد.\n٥ سورة التوبة ١٢٨.\n٦ الحديث أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن صحيح البخاري ج٦ – ص٩٨، وانظر فتح الباري ج٩ – ص٩-١٣.","vol":"1","page":31},{"text":"ونستطيع أن نستخلص من هذا الحديث وغيره من أحاديث جمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁ عدة أمور أوجزها في المطالب التالية:","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>المطلب الأول: عناية الصحابة بالقرآن الكريم</span>\nتدلنا الروايات التي وردت حول وقعة اليمامة وحديث جمع القرآن الكريم على مدى العناية والاهتمام من الصحابة رضوان الله عليهم بالقرآن الكريم. فكان حفظ القرآن الكريم شعارًا لهم في وقعة اليمامة، حيث كانوا يتنادون به، ويشجعون أنفسهم أمام قوة عدوهم بعبارات تدل على حفظهم للقرآن الكريم، ومن العبارات التي وردت على ألسنتهم عندما حمي الوطيس: قولهم \"يا أصحاب سورة البقرة\" وقول سالم مولى أبي حذيفة – للمهاجرين عندما خشوا أن يؤتوا من قبله –\"بئس حامل القرآن أنا إذًا\" وقول أبي حذيفة: \"يا أهل القرآن: زينوا القرآن بالفعال.\" ١\nكما نلحظ فزع عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي بكر الصديق ﵁ لما علم بكثرة القتلى من القراء، وخشي أن يشتد في مواقع أخرى ويكثر القتلى منهم فيذهب كثير من القرآن. ودار حوار بينهما حول كيفية العمل والحال ما وقع، ثم استدعى الخليفة أبو بكر الصديق زيد بن ثابت ﵁ وأمره بجمع القرآن الكريم فدلَّ ذلك على مدى اهتمامهم بالقرآن الكريم حيث جعلوه من أولويات عملهم، بعد أن تناقش الجميع في الأمر وانتهوا إلى ما انتهوا إليه.\nفهذا الحرص من الصحابة رضوان الله عليهم لم يقتصر على عهد رسول الله ﷺ، بل تعداه وأشد إلى ما بعد وفاته ﷺ.\n_________\n١انظر البداية والنهاية ج٦ –ص ٣٢٤، وجمع القرآن بين الحقائق الثابتة والشبهات الهابطة ص٩٠.","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المطلب الثاني: سبب تردد أبي بكر الصديق في قبول عرض عمر ﵄ بجمع القرآن:</span>\nنلحظ من الحديث السابق الذي رواه البخاري أن أبا بكر الصديق ﵁ تردد في أول الأمر – في قبول عرض عمر بن الخطاب ﵁ بجمع القرآن الكريم. ولعل السبب في ذلك أن أبا بكر ﵁ ظن أن جمع القرآن الكريم كله في مصحف واحد بدعة في الدين، فخاف أن يحدث فيه ما لم يفعله الرسول ﷺ أو يأمر به، ولذلك قال رضي الله: \"كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال ابن بطال: \"إنما نفر أبو بكر أولًا، ثم زيد بن ثابت ثانيًا، لأنهما لم يجدا رسول الله ﷺ فعله، فكرها أن يحلا أنفسهما محل من يزيد احتياطه للدين على احتياط الرسول١.\nولكن عمر بن الخطاب ﵁ أخذ يقنع أبا بكر بصواب الفكرة، وأن في هذا الأمر خيرًا، ولم يزل به حتى اقتنع بأهمية ذلك، ولذا قال: \"فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك\".\nوبنفس الإقناع اقتنع زيد في آخر الأمر حيث قال \"لم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄\".\nقال ابن حجر: \"وقد تسول لبعض الروافض أنه يتوجه الاعتراض على أبي بكر بما فعله من جمع القرآن في المصحف فقال: كيف جاز أن يفعل شيئًا لم يفعله الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام؟ والجواب: أنه لم يفعل\n_________\n١فتح الباري ج٩ –ص ١١.","vol":"1","page":33},{"text":"ذلك إلاّ بطريق الاجتهاد السائغ الناشئ عن النصح منه لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وقد كان النبي ﷺ أذن في كتابة القرآن، ونهى أن يكتب معه غيره، فلم يأمر أبو بكر إلاّ بكتابة ما كان مكتوبًا. ثم قال: وإذا تأمل المنصف ما فعله أبو بكر من ذلك جزم بأنه يعد من فضائله، وينوه بعظيم منقبته لثبوت قوله ﷺ: \"من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها\" ١ فما جمع القرآن أحد بعده إلاّ وكان له مثل أجره إلى يوم القيامة\"٢.\nومن هنا يتبين أن عمل أبي بكر ﵁ لم يكن بدعة في الدين، ويكفي دليلًا على ذلك إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على استحسان عمله ومشاركتهم فيه، وقد عبر علي بن أبي طالب ﵁ عن ذلك بقوله: \"أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمع بين اللوحين٣.\n_________\n١ الحديث أخرجه مسلم في كتاب الزكاة باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة. صحيح مسلم ج٢ –ص٧٠٥.\n٢ فتح الباري ج٩ – ص١٠.\n٣ أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ١٥٥، وابن أبي داود في كتاب المصاحف ص٥، وأورده ابن كثير وقال عنه: إسناده صحيح، تفسير القرآن العظيم فضائل القرآن) ج١ – ص٢٥. وانظر: أضواء على سلامة المصحف الشريف من النقص والتحريف ٤٥-٤٧ وجمع القرآن ص٩٤.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المطلب الثالث: سبب جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق</span>\nدلت الأحاديث الواردة في جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق ﵁ على أن سبب جمعه يعود إلى خوف الصحابة رضوان","vol":"1","page":34},{"text":"الله عليهم من ذهاب شيء من القرآن بذهاب حفاظه باستشهادهم في المعارك أو موتهم، فكتابته مجموعًا في مصحف واحد فيه أمان وحفظ له مما قد يحصل في المستقبل، ويدل لهذا ما أفصح عنه عمر ﵁ بقوله: \"إن القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن\" فذهاب بعض القراء قد يعني ذهاب الآخرين، فبهذا العمل أمكن تدارك الأمر منذ بدايته١.\n_________\n١انظر: أضواء على سلامة المصحف الشريف من النقص والتحريف ص٦١، وجمع القرآن ص٩١.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>المطلب الرابع: سبب اختيار زيد بن ثابت ﵁:</span>\nلقد أبان أبو بكر الصديق ﵁ في كلامه الصفات التي جعلته يختار زيد بن ثابت ﵁ لمهمة جمع القرآن الكريم حيث قال: \"إنك رجل شاب، عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه\" ويمكن إيضاحها بما يلي:\n١. إنه شاب يتوفر فيه النشاط والحماسة، فيكون أنشط لما يطلب منه، وحتى لا تفتر عزيمته أثناء العمل.\n٢. إنه عاقل فطن يحسن التصرف، فيكون أوعى لما يعمله، وحتى لا يقع في عمله نقص أو خلل.\n٣. إنه غير متهم في دينه لا يتطرق إليه تجريح أو تفسيق فلا يكون في عمله أدنى ريبة أو شك، وقد استشعر هو خطورة المهمة وضخامتها حيث قال: \"فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن\".","vol":"1","page":35},{"text":"٤. إنه أحد كتبة الوحي لرسول الله ﷺ، فلديه التجربة العملية والخبرة الميدانية أمام من نزل عليه القرآن ﷺ ويكفي بها مزية.\nهذا ما ذكره أبو بكر الصديق ﵁، ويمكن أن يضاف إلى ذلك:\n* حسن خطه وشدة ضبطه.\n* شهوده العرضة الأخيرة للقرآن، قال أبو شامة \"قال أبو عبد الرحمن السلمي: قرأ زيد بن ثابت على رسول الله ﷺ في العام الذي توفاه الله فيه مرتين، وإنما سميت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت، لأنه كتبها لرسول الله ﷺ، وقرأها عليه، وشهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كَتْب المصاحف، ﵃ أجمعين١\n_________\n١المرشد الوجيز ص٩٦.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المطلب الخامس: منهج جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق</span>\nحينما اقتنع الخليفة أبو بكر الصديق ﵁ بجمع القرآن الكريم، أمر عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت ﵄ بالبدء بهذه المهمة وسارا وفق منهج محدد بالاعتماد على مصدرين معًا هما:\nالأول: ما كتب بين يدي النبي ﷺ.\nالثاني: ما كان محفوظًا في صدور الرجال.","vol":"1","page":36},{"text":"ويدل لهما قول زيد بن ثابت – في الحديث السابق – الذي أخرجه البخاري: \"فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف، وصدور الرجال\".\nفقوله \"من العسب واللخاف\" دليل على المكتوب، وقوله \"صدور الرجال\" دليل على المحفوظ.\nوما ذكره السيوطي عن موسى بن عقبة في مغازيه عن شهاب قال: لما أصيب المسلمون باليمامة فزع أبو بكر، وخاف أن يذهب من القرآن طائفة، فأقبل الناس بما كان معهم، وعندهم، حتى جمع على عهد أبي بكر في الورق، فكان أبو بكر أول من جمع القرآن في المصحف١\nفقوله \"فأقبل الناس بما كان معهم\" يدل على إتيان الناس بالمحفوظ. وقوله \"وعندهم\" بالمكتوب٢.\nويقصد بالحفظ أنهم لم يقبلوا شيئًا من القرآن إلاّ إذا كان محفوظًا عن ظهر قلب. وهذا الشرط كان ميسورًا، لأن القرآن الكريم كان محفوظًا في صدور الصحابة.\nأما الكتابة فيقصد بها أن يكون كتب بين يدي الرسول ﷺ. أما ما كان بأيدي الصحابة من القرآن المكتوب، فكان يطلب من الصحابي الذي يتقدم به أن يُشهد على أن هذا المكتوب كتب بين يدي النبي ﷺ أو روجع على قراءته، أو سمعه وأقره. ويؤكد هذا ما قاله أبو بكر لعمر وزيد ﵃: \"اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه\"٣\n_________\n١الإتقان في علوم القرآن ج١ –ص٢٠٧ النوع الثامن عشر.\n٢انظر: جمع القرآن ص١٠٢. والبيان في مباحث من علوم القرآن ص١٧٦، ١٧٧.\n٣الأثر أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف ص٦، وقال عنه ابن حجر: رجاله ثقات مع انقطاعه. فتح الباري ج٩ –ص١٢.","vol":"1","page":37},{"text":"كما يدل عليه ما أخرجه ابن أبي داود عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قال عمر: \"من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئًا من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئًا حتى يشهد شهيدان\"١.\nوليس المقصود بالشهادة هنا على قرآنية المكتوب، فقرآنيته بلا شك ثابتة متواترة بحفظ المئات من الصحابة، وإنما على أنه كتب بين يدي الرسول ﷺ، فكما هو معلوم كان للصحابة رضوان الله عليهم مصاحف خاصة بهم كتبوها في بيوتهم لأنفسهم.\nقال أبو شامة موضحًا ذلك: \"لم تكن البينة على أصل القرآن، فقد كان معلومًا لهم كما ذكر، وإنما كانت على ما أحضروه من الرقاع المكتوبة فطلب البينة عليها أنها كانت كتبت بين يدي رسول الله ﷺ وبإذنه على ما سمع من لفظه ولهذا قال: فليمل سعيد، يعني من الرقاع التي أحضرت، ولو كانوا كتبوا من حفظهم لم يحتج زيد فيما كتبه إلى من يمليه عليه٢.\nإذن فالمقصود الشهادة على كونها مكتوبة لا كونها محفوظة، وهكذا كان منهج الجمع:\nعدم الاكتفاء بما سمعاه من رسول الله ﷺ.\nوعدم الاكتفاء بما كتباه وقت نزول الوحي.\nوعدم الاكتفاء بما حفظاه.\n_________\n١أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف ص١٠.\n٢المرشد الوجيز ص٥٩ – ٦٠.","vol":"1","page":38},{"text":"والطلب من الصحابة الآخرين بما حفظوه وكتبوه على أن لا يقبل هذا المكتوب إلاّ أن يأتي صاحبه بشاهدَيْ عدل يشهدان على كتابته بين يدي الرسول ﷺ، ويطابق ما هو محفوظ في صدورهم.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المطلب السادس: مدة جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر:</span>\nاستغرق جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁ قرابة خمسة عشر شهرًا حيث بدأ بعد معركة اليمامة التي وقعت في أواخر السنة الحادية عشرة أو أوائل الثانية عشرة وانتهى قبل وفاة أبي بكر الصديق ﵁ وكانت في الشهر السادس من السنة الثالثة عشرة، وتم ذلك جمعًا وكتابة قبل وفاته ﵁، ويدل على ذلك قول زيد بن ثابت. كما في الحديث السابق الذي أخرجه البخاري \"فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله\"١\n_________\n١انظر: تاريخ الطبري ج٣ – ص٣٤٣، ٤١٩، وأضواء على سلامة المصحف الشريف ٧١، ٧٢.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>المطلب السابع: سمات جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق:</span>\nاتسم جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق بعدة سمات، من أبرزها:\n١. أن كتابته قامت على أدق وسائل التثبت والاستيثاق، فلم يقبل فيه إلاّ ما أجمع الجميع على أنه قرآن وتواترت روايته.\n٢. أنه جمع في مصحف واحد مرتب الآيات والسور.","vol":"1","page":39},{"text":"٣. موافقته لما ثبت في العرضة الأخيرة.\n٤. اقتصاره على ما لم تنسخ تلاوته، وتجريده مما ليس بقرآن.\n٥. اشتماله على الأحرف السبعة التي ثبتت في العرضة الأخيرة.\n٦. إجماع الصحابة على صحته ودقته، وعلى سلامته من الزيادة والنقصان، وتلقيهم له بالقبول والعناية، حتى قال علي بن أبي طالب ﵁: \"أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، فإنه أول من جمع بين اللوحين\"١\nفهذه السمات اجتمعت في الصحف التي جمعها أبو بكر الصديق ﵁، وإن وجدت مصاحف فردية لدى بعض الصحابة كمصحف علي بن أبي طالب، ومصحف أبي بن كعب، ومصحف عبد الله بن مسعود ﵃ إلاّ أنها لم تكن على هذا النحو ولم تحظ بالتحري والدقة والجمع والترتيب، والاقتصار على القرآن، حيث كانت متضمنة تعليقات وشروحًا وأدعية ومأثورات كتبها الصحابة لأنفسهم، فهي خاصة بهم وباستطاعتهم تمييز القرآن من غيره، أما غيرهم فقد لا يستطيع ذلك.\n_________\n١أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف ص١١. وانظر المدخل لدراسة القرآن ص٢٧٣، ومباحث في علوم القرآن لمناع القطان ١٢٨.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>المطلب الثامن: تسميته بالمصحف:</span>\nبعد أن أتم زيد جمع القرآن الكريم أطلق على هذا المجموع \"المصحف\"، فقد روى السيوطي عن ابن أشته في كتابه المصاحف أنه قال: \"لما جمعوا القرآن فكتبوه في الورق، قال أبو بكر: التمسوا له اسمًا، فقال بعضهم: السِّفْر.\nوقال بعضهم: المصحف، فإن الحبشة يسمونه المصحف.","vol":"1","page":40},{"text":"وكان أبو بكر أول من جمع كتاب الله وسماه \"المصحف\"١.\nوعلى أي حال فإن المصحف يطلق على مجموع الصحائف المدون فيها القرآن الكريم، أما القرآن فهو الألفاظ ذاتها.\n_________\n١الإتقان في علوم القرآن ج١ – ص١٨٥ النوع السابع عشر.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>المطلب التاسع: خبر هذا المصحف:</span>\nدل الحديث السابق الذي أخرجه البخاري على أن الصحف التي جمع فيها القرآن سلمت إلى أبي بكر الصديق ﵁ فحفظه عنده، حتى توفي سنة ١٣هـ، ثم آلت إلى أمير المؤمنين من بعده عمر بن الخطاب ﵁، حتى توفي سنة ٢٣هـ، وبعد وفاته بقيت عند ابنته حفصة بنت عمر أم المؤمنين ﵂، لأن عمر ﵁ جعل أمر الخلافة من بعده شورى، فبقى عندها إلى أن طلبه عثمان بن عفان ﵁ لنسخها، ثم أعادها إليها مرة أخرى.\nوبقي عندها حتى أرسل مروان بن الحكم٢ يسألها إياه فامتنعت، ولما توفيت أرسل مروان إلى أخيها عبد الله بن عمر ﵂ – ساعة رجعوا من جنازة حفصة – ليُرْسِلَنّ إليه بتلك الصحف، فأرسل بها إليه، فأمر بها مروان فشققت، فقال مروان:\n\"إنما فعلتُ هذا، لأن ما فيها قد كتب، وحفظ بالمصحف، فخشيت إن طال بالناس زمان أن يَرْتاب في شأن هذه الصحف مرتاب، أو يقول: إنه قد كان شيء منها لم يكتب\"٣.\n_________\n٢ مروان بن الحكم قام بالشام بعد بيعة ابن الزبير بأشهر، فبايعه جماعة من أهل الشام سنة ٦٤هـ، ثم مات في رمضان سنة ٦٥هـ، فكانت ولايته تسعة أشهر وعشرين يومًا، وتولى بعده ابنه عبد الملك بن مروان انظر: تلقيح فهوم أهل الأُثر لابن الجوزي ص٨٥.\n٣ انظر: المرشد الوجيز ص٥٢، وتاريخ القرآن للأبياري ص ٨٨، ٨٩.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المبحث الخامس: جمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان ﵁</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>مدخل</span>\n...\nالمبحث الخامس جمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان ﵁\nعندما جمع أبو بكر الصديق ﵁ القرآن الكريم كان الهدف الأساس منه كتابة القرآن الكريم في مصحف واحد مسلسل الآيات مرتب السور، ولم يكن من أهدافه القضاء على المصاحف الخاصة التي جمع فيها بعض الصحابة القرآن الكريم لأنفسهم والتي تضم بعض التفسيرات والأدعية والمأثورات ونحوها، وهم يعلمون أنها ليست من القرآن، أو تركوا تدوين سورة وهم يعلمون أنها من القرآن١.\nفتعدد المصاحف الخاصة بجوار مصحف أبي بكر، وانتشار القراء في الأمصار نتيجة اتساع الفتوحات الإسلامية، وأخذ كل مصر القراءة ممن وفد إليه من الصحابة، حيث كان كل صحابي يُعَلِّم بالحرف الذي تلقاه من الأحرف السبعة التي نزلت على رسول الله صلى الله عيه وسلم. أقول: إن ذلك تسبب في تعدد القراءات واختلاف القراء.\nفكان أهل الشام يقرؤون بقراءة أبي بن كعب ﵁.\nوأهل العراق يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود ﵁.\nوغيرهم يقرؤون بقراءة أبي موسى الأشعري ﵁.\n_________\n١انظر: تأويل مشكل القرآن ص٤٧، ٤٩، والمدخل إلى تفسير القرآن وعلومه ص١١٦.","vol":"1","page":42},{"text":"فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء، ووجوه القراءات، فكان إذا ضمهم مجمع أو موطن من مواطن الغزو عجب البعض من وجود هذا الاختلاف حتى كاد الأمر يصل إلى النزاع والشقاق بينهم وإنكار بعضهم على بعض وبخاصة من الذين لم يسمعوا من النبي ﷺ مباشرة القراءات القرآنية.\nأخرج ابن أبي داود عن أيوب عن أبي قلابة قال: \"لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، قال أيوب: لا أعلمه إلاّ قال: حتى كفر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان فقام خطيبًا فقال: أنتم عندي تختلفون فيه فتلحنون، فمن نأى عني من الأمصار أشد فيه اختلافًا وأشد لحنًا، اجتمعوا يا أصحاب محمد واكتبوا للناس إمامًا\"١\nوممن لا حظ الاختلاف في الأمصار حذيفة بن اليمان ﵁ المتوفى سنة ٣٦هـ حيث شارك في فتح \"أرمينية، وأذربيجان\" سنة ٢٥هـ الذي اشترك فيه أهل الشام وأهل العراق، فرأى اختلافًا كثيرًا بين المسلمين في وجوه القراءة، وسمع ما كان يحصل بينهم من تجريح، وتأثيم بعضهم البعض، وقرر الركوب إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان لإخباره بما رأى. أخرج البخاري – قصة ذلك – في الحديث الذي رواه أنس بن مالك حيث قال: \"إن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح \"أرمينية، وأذربيجان \" مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في\n_________\n١الأثر أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف ص٢١.","vol":"1","page":43},{"text":"الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف نَنْسَخُها في المصاحف ثم نردُّها إليكِ فأرسلت بها حفصة إلى عثمان. فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام. فنسخوها في المصاحف. وقال للرهط القرشيين الثلاثة: \"إذا اختلفتم أنتم وزيدُ بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم\" ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق\"١\nفأفادت هذه الروايات وغيرها عدة أمور أوجزها في المطالب التالية:\n_________\n١الحديث أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن. صحيح البخاري ج٦ –ص ٩٩","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المطلب الأول: فكرة الجمع</span>\nلما سمع عثمان بن عفان ﵁ – ما سمع، وأخبره حذيفة بما رآه، جمع – ﵁ – أعلام الصحابة واستشارهم في علاج هذه الفتنة وذلك الاختلاف، فأجمعوا أمرهم على ثلاثة أمور:\n١. أن تنسخ الصحف الأولى التي جمعها زيد بن ثابت في عهد أبي بكر الصديق في مصاحف متعددة.\n٢. أن ترسل نسخة إلى كل مصر من الأمصار فتكون مرجعًا للناس منه يقرؤون ويُقرئون وإليه يحتكمون عند الاختلاف.\n٣. أن يحرق ماعدا هذه النسخ.","vol":"1","page":44},{"text":"ثم شرع عثمان بن عفان – ﵁ – في تنفيذ هذه الأمور وكان ذلك في أواخر سنة ٢٤هـ وأوائل سنة ٢٥هـ ١ حيث عهد إلى لجنة من الصحابة من خيرة الحفاظ والكتاب مؤلفة من أربعة أشخاص هم:\n١. زيد بن ثابت الأنصاري الخزرجي أحد كتاب الوحي لرسول الله ﷺ، وهو الذي كلفه أبو بكر الصديق ﵁ بجمع المصحف في عهده. توفي سنة ٤٢هـ وقيل ٤٣هـ وقيل ٤٥هـ٢\n٢.عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي، أحد العبادلة الذين اشتهروا بالعلم، وعنوا بحفظ القرآن الكريم. توفي سنة ٧٣هـ ٣\n٣. سعيد بن العاص القرشي الأموي، كان من فصحاء قريش، ومما قيل فيه: إن عربية القرآن أقيمت على لسان سعيد بن العاص. لأنه كان أشبه الصحابة بلهجة رسول الله ﷺ. توفي سنة ٥٣هـ٤\n٤. عبد الرحمن بن الحارث بن هشام القرشي المخزومي كان من أشراف قريش، نشأ في حجر عمر، وتزوج بنت عثمان ﵃ مات سنة ٤٣هـ٥\nويلاحظ أن زيد بن ثابت هو الأنصاري الوحيد أما الثلاثة الآخرون فهم قرشيون، وكان نصيبهم كبيرًا، لأن القرآن نزل بلغة قريش.\nوتشير بعض الروايات إلى أن الذين ساهموا في نسخ المصاحف اثنا عشر رجلًا. حيث أخرج ابن أبي داود عن محمد بن سيرين عن كثير بن\n_________\n١ انظر: فتح الباري ج٩ – ص١٧.\n٢ انظر: الإصابة ج٤ – ص٤١.\n٣ انظر: الإصابة ج٦ - ص٨٣\n٤ انظر: الإصابة ج٤ – ص٤١.\n٥ انظر: الإصابة ج٦ - ص٨٣.","vol":"1","page":45},{"text":"أفلح قال: \"لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلًا من قريش والأنصار فيهم أبي بن كعب وزيد بن ثابت١.\nوالظاهر أنه لا تنافي بين رواية البخاري التي اقتصرت على ذكر الأربعة وبين الروايات الأخرى التي أضافت إليهم خمسة أو سبعة، فرواية البخاري حددت اللجنة الأساسية، والروايات الأخرى أضافت إليهم ممن ساعدهم بالإملاء والكتابة٢.\n_________\n١أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف ص٢٥.\n٢انظر جمع القرآن ١٣٢، وعلوم القرآن لنور الدين عتر ١٧٤.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>المطلب الثاني: سبب جمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان ﵁</span>\nبينت لنا الروايات السابقة أن سبب جمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان يمكن إرجاعه إلى ما يلي:\n١. رفع الاختلاف والتنازع في القرآن الكريم، وقطع المراء فيه، وذلك باعتماد القراءات المتواترة التي يمكن أن يقرأ بها القرآن الكريم.\n٢. حماية النص القرآني من أي إضافة أو نقص نتيجة وجود عدد من المصاحف بأيدي الصحابة حيث اشتملت على ما ليس بقرآن كالشروح والتفاسير، أو لم يكتب فيها بعض السور لعدم حاجتهم لكتابتها مع علمهم بأنها من القرآن٣.\n_________\n٣ انظر: مدخل إلى القرآن الكريم لدراز ص٤٣، ومدخل إلى تفسير القرآن وعلومه لزرزور ص١٢٠، والمدخل لدراسة القرآن ص٢٧٨.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المطلب الثالث: منهج جمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان ﵁</span>\nحينما عزم عثمان بن عفان - ﵁ – على جمع القرآن الكريم وعيّن اللجنة التي تباشر هذا العمل حدَّد لها خطوات العمل الذي يمكن إيجازه بما يلي:\n١. اعتباره الصحف التي جمعها زيد بن ثابت – ﵁ – في عهد أبي بكر الصديق – ﵁ – أساسًا في نسخ المصاحف حيث أمر عثمان بن عفان – ﵁ – بإحضارها من حفصة بنت عمر أم المؤمنين حيث قال لها: \"أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك\".\n٢. إشراف عثمان بن عفان – ﵁ – المباشر على الجمع حيث كان يتفقد اللجنة باستمرار، ويتعاهدهم على الدوام. أخرج ابن أبي داود بإسناده عن كثير بن أفلح أنه قال: \"وكان عثمان يتعاهدهم، فكانوا إذا تدارؤوا في شيء أخروه\"١\n٣. رجوع اللجنة إلى الخليفة عثمان بن عفان – ﵁ – فيما يحتاجون إليه للتأكد من كتابته وكيفية ذلك. أخرج البخاري أن ابن الزبير (أحد أعضاء اللجنة) قال: قلت لعثمان بن عفان: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ (البقرة: ٢٤٠ (.قال: قد نسختها الأخرى، قلت: فلِمَ تَكْتُبُها؟ أَوَتَدَعُها؟ قال: يابن أخي لا أغير شيئًا من مكانه\"٢\n_________\n١الأثر أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف ص٢٥.\n٢الحديث أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب (والذين يتوفون منكم) صحيح البخاري ج٥ – ص١٦٣.","vol":"1","page":47},{"text":"٤. استيثاق اللجنة مما يكتبونه وبخاصة فيما تعددت فيه القراءة حيث كانوا يسألون مشاهير الصحابة عن كيفية القراءة به لا عن قرآنيته، فإن ذلك عرف في جمع أبي بكر، لأنه – ﵁ – أراد أن تكتب المصاحف في مجموعها على جميع القراءات التي قرأها الرسول ﷺ، ليقضي على الفتنة التي حدثت بين المسلمين، بسبب جهلهم هذه القراءات.\n٥. أن الكتابة تمت بشكل يجمع ما ثبت من الأحرف السبعة في العرضة الأخيرة على أن يكتب بدون تكرار الكلمات، واتفقوا على رسم الكلمات التي بها عدة أوجه بطريقة يجعلها محتملة لأن تقرأ بكل تلك الأوجه، وقد ساعد على ذلك عدم التشكيل، وعدم التنقيط. قال ابن الجزري المتوفى سنة ٨٣٣هـ \"وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أن هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ على جبرائيل ﵇، متضمنة لها لم تترك حرفًا منها\" إلى أن قال \"وهذا القول هو الذي يظهر صوابه، لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة المستفيضة تدل عليه وتشهد له ... \"\nثم قال: \"فكتب الصحابة المصاحف على لفظ لغة قريش والعرضة الأخيرة، وجردوا المصاحف عن النقط والشكل لتحتمله صورة ما بقي من الأحرف السبعة\"١.\n_________\n١ النشر في القراءات العشر ج١ – ص٣١.","vol":"1","page":48},{"text":"٦. عند اختلاف اللجنة في كتابة كلمة فإنهم يكتبونه بحرف قريش. حيث قال عثمان بن عفان – ﵁ – للرهط القرشيين الثلاثة: \"إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم\"١.\nفالمقصود بالاختلاف هنا من حيث الرسم والكتابة، لا من حيث الألفاظ والكلمات، ويدل عليه قوله \"فاكتبوه\" فيكون المعنى: إذا اختلفتم أنتم وزيد في رسم كلمة، فاكتبوها بالرسم الذي يوافق لغة قريش ولهجتها٢.\n_________\n١سبق تخريجه.\n٢راجع في هذا الموضوع: المقنع في رسم المصاحف للداني، في رحاب القرآن ١: ١٥٣، معجم القراءات القرآنية ١: ٤٥.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المطلب الرابع: نشر عثمان بن عفان المصاحف في الأمصار</span>\nبعد أن تم العمل بنسخ المصاحف، أعاد عثمان بن عفان – ﵁ – الصحف إلى حفصة أم المؤمنين ﵂، وأمر بتوزيع المصاحف على الأمصار؛ ليقضي على التنازع والاختلاف في قراءة القرآن الكريم، فأرسل إلى كل مصر من الأمصار بمصحف من المصاحف التي نسخت، واحتفظ عنده بمصحف سمي \"المصحف الإمام\"٣.\nوقد وقع الاختلاف في عدد هذه المصاحف:\nفقيل: إنها ثمان نسخ، ذكر ذلك ابن الجزري عن عثمان قال \"فكتب منها عدة مصاحف: فوجه بمصحف للبصرة، ومصحف إلى الكوفة، ومصحف إلى الشام، وترك مصحفًا بالمدينة، وأمسك لنفسه مصحفًا –\n_________\n٣ الأحرف السبعة ٢٧٢، دراسات حول القرآن لبدران أبو العينين ٧٦-٨٠.","vol":"1","page":49},{"text":"الذي يقال له الإمام – ووجه بمصحف إلى مكة، ومصحف إلى اليمن، ومصحف إلى البحرين\".١\n٢. وقيل: إنها أربع نسخ، قال أبو عمرو الداني: \"أكثر العلماء على أن عثمان لما كتب المصاحف جعله على أربع نسخ، وبعث إلى كل ناحية واحدا: الكوفة، والبصرة، والشام، وترك واحدًا عنده٢\n٣. وقيل: إنها خمس نسخ، قال ابن حجر: \"فالمشهور أنها خمسة\"٣ وقرره السيوطي في الإتقان٤\nوعلى أي حال فإن الجميع يكاد يتفق على خمسة وهي:\nالكوفي، والبصري، والشامي، والمدني العام، والمدني الخاص – الذي حبسه عثمان لنفسه وهو المسمى بالإمام.\nوالتي محل خلاف ثلاثة هي: المكي، ومصحف البحرين، واليمن. وإن كان بعضهم أضاف مصر.\nولم يكتف عثمان – ﵁ – بتوجيه هذه المصاحف إلى تلك البلدان، وإنما اختار حفاظًا يثق بهم فأرسلهم إليها ليقرئوا أهل البلد المرسل إليهم مع ملاحظة أن تكون قراءته موافقة لخط المصحف.\n١. فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمصحف المدني.\n٢. وبعث عبد الله بن السائب المتوفى سنة ٧٠هـ مع المصحف المكي.\n_________\n١ النشر لابن الجزري ١: ٧.\n٢المقنع ص١٠.\n٣فتح الباري ج٩ – ص١٨.\n٤انظر الإتقان ج١ – ص٢١١ النوع الثامن عشر.","vol":"1","page":50},{"text":"٣. وبعث المغيرة بن شهاب المتوفى سنة ٩١هـ مع المصحف الشامي.\n٤. وبعث أبا عبد الرحمن السلمي المتوفى سنة ٧٢هـ مع المصحف الكوفي.\n٥. وبعث عامر بن قيس مع المصحف البصري١.\n_________\n١انظر: المدخل لدراسة القرآن ص ٢٨٠، ٢٨١. ومناهل العرفان ج١- ص٤٠٣،٤٠٤.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المطلب الخامس: حرق الصحف والمصاحف الأخرى ورضا الصحابة عن ذلك</span>\nبعد أن أرسل عثمان - ﵁ – المصاحف التي تم نسخها إلى الأمصار، أمر بما سواها مما كان بأيدي الناس أن يحرق، كما في حديث أنس السابق الذي أخرجه البخاري: \"فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق\". وقد استجاب الصحابة كلهم لذلك، وقاموا بحرق مصاحفهم، حتى عبد الله بن مسعود ﵁، فإنه بعد أن امتنع في أول الأمر رجع طواعية لما علم صواب ذلك، وأن مصلحة الأمة فيما فعله عثمان.\nوقد أشار إلى ذلك ابن أبي داود في كتاب المصاحف حيث عقد له بابًا سماه \"رضاء عبد الله بن مسعود لجمع عثمان ﵁ المصاحف٢.\nوأخرج أيضًا عن سويد بن غفلة قال: \" قال علي حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته\"٣.\nوأخرج أيضًا عن مصعب بن سعد قال: \"أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، وقال: لم ينكر ذلك منه أحد٤.\n_________\n٢المصاحف ص ١٨.\n٣لمصاحف ص ١٢.\n٤المصاحف ص ١٢.","vol":"1","page":51},{"text":"وجاء في المصاحف عن سويد بن غفلة أنه قال: \"والله لا أحدثكم إلاّ شيئًا سمعته من علي بن أبي طالب – ﵁ – سمعته يقول: \"يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلاّ خيرًا في المصاحف وإحراق المصاحف، فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلاّ عن ملأ منا جميعًا.\" ثم قال: قال علي: والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل١\nونقل أبو شامة عن البيهقي في جمع عثمان: \"وذلك كله بمشورة من حضرة من علماء الصحابة – ﵃ -، وارتضاه علي بن أبي طالب – ﵁ -، وحمد أثره فيه\"٢\nوهكذا استطاع عثمان بن عفان – ﵁ – بهذا العمل الجبار أن يزيل جذور الخلاف، ويجمع الأمة عبر كل العصور – منذ عهد الصحابة ﵃ وحتى عصرنا الحاضر – على التزام المصحف الذي أجمعوا عليه، وحمد له المسلمون ذلك العمل. قال الزركشي: \"ولقد وفق لأمر عظيم، ورفع الاختلاف، وجمع الكلمة، وأراح الأمة\"٣.\n_________\n١المصاحف لابن أبي داود ص ٢٢، ٢٣، وانظر: الجامع لأحكام القرآن ج١/ص٥٤، وفتح ج٩ –ص ١٨\n٢المرشد الوجيز ص ٦٢، وانظر السنن الكبرى للبيهقي ج٢ –ص٤١،٤٢.\n٣البرهان في علوم القرآن ج١ –ص٢٣٩.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المطلب السادس: خبر هذه المصاحف</span>\nاعتنت الأمة الإسلامية بهذه المصاحف العثمانية فاتخذتها أصولًا يؤخذ منها، وأئمة يقتدى بها في كتابة المصاحف جيلًا بعد جيل.\nأما عن هذه المصاحف بذاتها فقد ذكر بعض الرحالة والمؤرخين عن رؤيتهم لبعض منها.","vol":"1","page":52},{"text":"فيحدثنا ابن جبير المتوفى سنة ٦١٤هـ في رحلته إلى الشام عندما زار جامع دمشق حيث ذكر أنه رأى في الركن الشرقي من المقصورة الحديثة في المحراب خزانة كبيرة فيها مصحف من مصاحف عثمان، وهو الذي أرسله إلى الشام١.\nكما أشار ابن بطوطة المتوفى سنة ٧٧٩هـ إلى رؤيته له في رحلته إلى الشام٢.\nكما رأى النسخة نفسها ابن كثير الدمشقي المتوفى سنة ٧٧٤هـ حيث قال: \"وأما المصاحف العثمانية الأئمة، فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق – عند الركن، شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله – وقد كان قديمًا في \"طبريَّة\"، ثم نقل منها إلى دمشق في حدود ثمان عشرة وخمسمائة ٥١٨هـ، وقد رأيته كتابًا عزيزًا جليلًا عظيمًا ضخمًا، بخط حسن مبين، قوي، بحبر محكم، في رق أظنه من جلود الإبل، والله أعلم\"٣\nواستمر هذا المصحف محفوظًا في الجامع الأموي إلى أوائل القرن الرابع عشر الهجري، ثم فقد هذا المصحف:\nفبعضهم يرى أنه احترق عندما احترق الجامع الأموي. يقول محمد كرد علي في حديثه عن الجامع الأموي: \"حتى إذا كانت سنة ١٣١٠هـ سرت النار إلى جذوع سقفه، فالتهمتها في أقل من ثلاث ساعات، فدثر آخر ما بقي من آثاره ورياشه، وحرق فيه مصحف كبير بالخط الكوفي، كان جيء\n_________\n١رحلة ابن جبير ص ٢٤٢.\n٢رحلة ابن بطوطة ج١ – ص٥٤.\n٣فضائل القرآن لابن كثير من تفسير القرآن العظيم ج١ – ص٣٤.","vol":"1","page":53},{"text":"به من مسجد عتيق في بصرى، وكان الناس يقولون: إنه المصحف العثماني١، وبعضهم يرى أنه نقل إلى إنجلترا٢\nوفي مصر الآن مصاحف أثرية، يقال إنها مصاحف عثمانية – في المسجد الحسيني، ودار الكتب المصرية – ولكن يستبعد ذلك لوجود زركشة وزينة ونقوش فاصلة بين السور، وعلامات لبيان أعشار القرآن، ولا شك أن المصاحف العثمانية كانت خالية من كل هذا، ومن النقط والشكل٣٠\nوعلى أي حال فإن فقد هذه المصاحف لا يقلل من ثقتنا بما تواتر واستفاض نقله من المصاحف، ثقة عن ثقة وإمامًا عن إمام، وسواء أوجدت هذه المصاحف أم لم توجد فإنا على يقين بسلامة القرآن الكريم من الزيادة أو النقصان٤.\nوهكذا سجلت الأمة الإسلامية بحفظها القرآن الكريم في الصدور والسطور منذ نزول القرآن الكريم في عهد الرسول ﷺ، ثم بصنيع أبي بكر، ثم بصنيع عثمان بن عفان ﵃، مزية ليس لأمة غيرها، نقلوه عن الأصل المكتوب بين يدي رسول الله ﷺ، ومقابلة ذلك بما حفظوه في صدورهم، وبذلوا فيه كل عوامل الدقة والاستيثاق، فجاء كاملًا، محفوظًا، عزيزًا، تحقيقًا لقوله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) . وقوله ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت:٤١- ٤٢)\n_________\n١خطط الشام لمحمد كرد علي ج٥ – ص٢٦٢.\n٢انظر: مباحث في علوم القرآن لصبحي الصالح ص٨٨.\n٣انظر: مناهل العرفان ج١ – ص٤٠٤.\n٤انظر: مدخل إلى القرآن لدراز ص٤٠.","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>الخاتمة</span>\nالحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه وبعد:\nفقد تناول هذا البحث معنى جمع القرآن الكريم في اللغة والاصطلاح، والمقصود بحفظ القرآن الكريم، ثم مراحل كتابته زمن النبي صلى اله عليه وسلم والخلفاء الراشدين.\nوظهر فيه ما يلي:\nأولًا: أن القرآن الكريم محفوظ بحفظ الله له منذ أن كان في السماء، وفي طريقه إلى الأرض، وحين نزل إلى الأرض.\nثانيًا: أن كتابة القرآن الكريم زمن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين مرت بمراحل ثلاث، كل مرحلة لها سمتها وخصائصها أوجزها بما يلي:\n١. المراد بجمع القرآن الكريم في العهود الثلاثة:\n* في عهد النبي ﷺ: حِفْظُه عن ظهر قلب، وكتابته على الأدوات المتوفرة ذلك الوقت.\n* في عهد أبي بكر الصديق ﵁: كتابة القرآن الكريم في مصحف واحد مسلسل الآيات مرتب السور.\n* في عهد عثمان بن عفان ﵁: نسخ المصحف الذي كتب في عهد أبي بكر بمصاحف متعددة.","vol":"1","page":55},{"text":"٢. سبب الجمع:\n* في عهد النبي ﷺ لمجرد كتابته وحفظه.\n* في عهد أبي بكر الصديق ﵁ خشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته، حين كثر القتل بالقراء.\n* في عهد عثمان ﵁ لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة فأراد حسم هذا الخلاف بجمعه على مصحف واحد.\n٣. ترتيب الآيات في سورها:\nقدر مشترك في العهود الثلاثة، إلاّ أنه في عهد النبي ﷺ لم يكن يربطها رابط، لعدم تجانس الأشياء المكتوبة فيها.\n٤. ترتيب السور كتابةً:\nفي عهد النبي ﷺ لم تكن مرتبة كتابة.\nوفي عهد أبي بكر وعثمان – ﵄ – فقد كانت مرتبة فيجمعهما.\n٥. تجريد الكتابة من المنسوخ تلاوة:\nقدر مشترك في العهود الثلاثة:\nففي عهد النبي ﷺ، لئلا يلتبس الناسخ بالمنسوخ.\nوفي عهد أبي بكر؛ فلأن نزول القرآن قد اكتمل.\nوفي عهد عثمان، فلأن المصاحف قد نسخت من مصحف أبي بكر وكانت خالية منه.","vol":"1","page":56},{"text":"٦. كتابة القرآن في مكان واحد:\nفي عهد النبي ﷺ كان غير مجموع في موضع واحد.\nوفي عهد أبي بكر وعثمان ﵄ كتب في مكان واحد.\n٧. تجريد الكتابة من النقط والشكل:\nقدر مشترك في العهود الثلاثة؛ لعدم وجودها ذلك الوقت، وأفاد في كتابة القرآن الكريم بشكل يجمع القراءات المتعددة.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>مصادر ومراجع</span>\n...\nفهرس المصادر\n١. الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. نشر الهيئة المصرية العامة لكتاب سنة ١٩٧٤م.\n٢. الإصابة في تمييز الصحابة، لأحمد بن حجر العسقلاني، نشر مكتبة الكليات الأزهرية، الطبعة الأولى سنة ١٣٨٨هـ.\n٣. أضواء على سلامة المصحف الشريف من النقص والتحريف د. زيد عمر مصطفى، نشر: مركز البحوث التربوية بجامعة الملك سعود سنة ١٤١٤هـ.\n٤. البداية والنهاية للحافظ بن كثير، نشر: مكتبة المعارف بيروت، الطبعة الثانية سنة ١٩٧٧م.\n٥. البرهان في علوم القرآن لبدر الدين الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر: دار المعرفة بيروت.\n٦. البيان في مباحث من علوم القرآن، عبد الوهاب غزلان مطبعة دار التأليف.\n٧. تاريخ الرسل والملوك لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر: دار المعارف بالقاهرة، الطبعة الثالثة.\n٨. تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة، تحقيق: السيد أحمد صقر نشر: دار التراث بالقاهرة.\n٩. ترتيب القاموس المحيط للفيروز ابادي، ترتيب: الطاهر الزاوي، نشر: دار الكتب العلمية سنة ١٣٩٩هـ.\nتفسير القرآن العظيم، لأبي الفداء إسماعيل ابن كثير، تحقيق: سامي السلامة، نشر: دار طيبة بالرياض، الطبعة الأولى سنة ١٤١٨هـ","vol":"1","page":58},{"text":"١١. تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير، لأبي الفرج ابن الجوزي، نشر: مكتبة الآداب بالقاهرة.\n١٢. جامع البيان عن تأويل آي القرآن لابن جرير الطبري، الطبعة الثالثة سنة ١٣٨٨هـ مطبعة مصطفى البابي الحلبي.\n١٣. الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله القرطبي، نشر: دار الكتاب العربي سنة ١٣٨٧هـ.\n١٤. الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر، نشر: مكتبة مصطفى البابي الحلبي بمصر، الطبعة الثانية سنة ١٣٩٨هـ.\n١٥. جمال القراء وكمال الإقراء، لعلم الدين السخاوي، تحقيق: د. علي حسين البواب، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٨هـ.\n١٦. جمع القرآن بين الحقائق الثابتة والشبهات الهابطة د. جمال مصطفى – الطبعة الأولى سنة ١٤١٣هـ.\n١٧. خطط الشام لمحمد كرد علي.\n١٨. دراسات حول القرآن لبدران أبو العينين بدران، نشر: مؤسسة شباب الجامعة بالإسكندرية.\n١٩. ديوان حسان بن ثابت، نشر: عبد الرحمن البرقوقي.\n٢٠. رحلة ابن بطوطة، مطبعة التقدم بمصر، الطبعة الثانية.\n٢١. رحلة ابن جبير، نشر: دار صادر، ودار بيروت سنة ١٣٨٤هـ.\n٢٢. سنن الدارمي، لأبي محمد عبد الله الدارمي، تحقيق: السيد عبد الله هاشم، نشر: حديث أكادمي بالباكستان سنة ١٤٠٤هـ.\n٢٣. سنن أبي داود، لأبي داود سليمان بن الأشعث، دراسة وفهرسة: كمال الحوت، نشر: دار الجنان بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٩هـ.\n٢٤. سنن ابن ماجة، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، نشر: دار الفكر بيروت.","vol":"1","page":59},{"text":"٢٥. الصحاح لإسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، الطبعة الثانية سنة ١٤٠٢هـ.\n٢٦. صحيح البخاري، نشر: المكتبة الإسلامية باستانبول سنة ١٩٧٩م.\n٢٧. صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، نشر دار الإفتاء بالرياض سنة ١٤٠٠هـ.\n٢٨. الضوء المنير على التفسير \"تفسير ابن قيم الجوزيه\" جمع: علي الحمد الصالحي، نشر: مؤسسة النور بالرياض.\n٢٩. علوم القرآن لنور الدين عتر نشر: دار الخير، الطبعة الأولى سنة ١٤١٤هـ.\n٣٠. فتح الباري شرح صحيح البخاري، لأحمد بن حجر العسقلاني، نشر: دار المعرفة بيروت، الطبعة الثانية.\n٣١. فضائل القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلام، تحقيق: وهبي سليمان غاوجي، نشر: دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى سنة ١٤١١هـ.\n٣٢. في رحاب القرآن الكريم، د. محمد سالم محيسن، نشر: مكتبة الكليات الأزهرية سنة ١٤٠٠هـ.\n٣٣. الكامل في التاريخ لابن الأثير، نشر: دار الكتاب العربي بيروت.\n٣٤. كُتَّاب الوحي د. أحمد عبد الرحمن عيسى، نشر دار اللواء، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٠هـ.\n٣٥. الكشاف لجار الله الزمخشري، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، نشر: مكتبة العبيكان.\n٣٦. لسان العرب لأبي الفضل جمال الدين بن منظور، نشر: دار الفكر بيروت.\n٣٧. مباحث في علوم القرآن لصبحي الصالح، نشر: دار العلم للملايين، الطبعة التاسعة سنة ١٩٧٧هـ.","vol":"1","page":60},{"text":"٣٨. مباحث في علوم القرآن لمناع القطان، نشر: مكتبة المعارف بالرياض سنة ١٤١٣هـ.\n٣٩. المصباح المضي في كتاب النبي العربي، لابن حديدة الأنصاري – طبع دائرة المعارف العثمانية بالهند سنة ١٣٩٦هـ.\n٤٠. المدخل إلى تفسير القرآن وعلومه د. عدنان محمد زرزور نشر: دار القلم دمشق والدار الشامية بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤١٦هـ.\n٤١. مدخل إلى القرآن الكريم د. محمد عبد الله دراز، نشر: دار القلم بالكويت سنة ١٤٠٤هـ.\n٤٢. المدخل لدراسة القرآن الكريم د. محمد أبو شهبة، نشر: دار اللواء بالرياض، الطبعة الثالثة سنة ١٤٠٧هـ.\n٤٣. المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، لأبي شامة المقدسي، تحقيق: طيار قولاج، نشر: دار صادر بيروت سنة ١٣٩٥هـ\n٤٤. المستدرك على الصحيحين، لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري، نشر: دار المعرفة بيروت.\n٤٥. مسند الإمام أحمد بن حنبل، نشر: المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة الرابعة سنة ١٤٠٣هـ.\n٤٦. المصاحف لعبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث، نشر: مؤسسة قرطبة بمصر.\n٤٧. معجم القراءات القرآنية، د. أحمد مختار، وعبد العال مكرم، نشر: جامعة الكويت، الطبعة الثانية سنة ١٤٠٨هـ.\n٤٨. معجم المؤلفين، لعمر رضا كحالة، نشر: مكتبة المثنى، ودار إحياء التراث العربي، بيروت.","vol":"1","page":61},{"text":"٤٩. مفاتيح الغيب للفخر الرازي، نشر: دار الفكر بيروت – الطبعة الأولى سنة ١٤٠١هـ.\n٥٠. المفردات للراغب الأصفهاني، تحقيق: محمد كيلاني – مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر، سنة ١٣٨١هـ.\n٥١. المقنع لأبي عمرو الداني تحقيق: محمد أحمد دهمان، نشر: دار الفكر دمشق.\n٥٢. مناهل العرفان في علوم القرآن، لمحمد عبد العظيم الزرقاني، مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة، الطبعة الثالثة.\n٥٣. موجز علوم القرآن د. داود العطار، نشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت، الطبعة الثانية سنة ١٣٩٩هـ.\n٥٤. الموطأ للإمام مالك بن أنس، تخريج: محمد فؤاد عبد الباقي، نشر: دار إحياء التراث العربي بيروت سنة ١٤٠٦هـ.\n٥٥. النبأ العظيم، د. محمد عبد الله دراز، نشر: دار القلم بالكويت، الطبعة الثانية سنة ١٣٩٠هـ.\n٥٦. النشر في القراءات العشر لابن الجزري، نشر: دار الكتب العلمية بيروت.\n٥٧. النهاية في غريب الحديث والأثر، لمجد الدين أبي السعادات ابن الأثير، تحقيق: طاهر الزاوي ومحمود الطناحي، نشر: دار الباز بمكة المكرمة","vol":"1","page":62}]}