{"ً":{"ٌ":11150,"ٍ":"حجاب المرأة ولباسها في الصلاة","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: حجاب المرأة ولباسها في الصلاة\nالمؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت ٧٢٨هـ)\nالمحقق: محمد ناصر الدين الألباني\nالناشر: المكتب الإسلامي\nالطبعة: الطبعة السادسة، ١٤٠٥هـ/١٩٨٥م\nعدد الصفحات: ٥٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":54,"ٕ":19,"ٖ":1770153760,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"فصل في اللباس في الصلاة","level":1,"page":11},{"title":"فصل في ستر النساء والرجال","level":1,"page":19},{"title":"معاني الاستنباط من سورة النور","level":1,"page":30}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46},"ٜ":{"1":[5,50]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50"],"ٞ":{"1":[1],"11":[2],"19":[3],"30":[4]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.\nأما بعد فهذه هي الطبعة الثانية لرسالة شيخ الإسلام ابن تيمية رجمه الله تعالى في \"اللباس في الصلاة\" يقوم بإعادة طبعها الأستاذ الفاضل الأخ زهير الشاويش الدائب على نشر الكتب النافعة التي ملؤها الثقافة الإسلامية الصافية وبخاصة منها كتب الحديث وتأليفات شيخي الإسلام ابن تيمية وابن قيم الجوزية ومن تخطى بخطاهما وسار بسيرهما مثل مجدد دعوة التوحيد في بلاد نجد وما حولها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيره رحمه الله تعالى.","vol":"1","page":5},{"text":"رسالة شيخ الإسلام هذه هي من رسائله العظيمة حقا فإنها على لطافة حجمها قد لا يجد الطالب الكثير منه في الموسوعات الفقهية وموضوعها في اللباس الواجب على كل من الرجل والمرأة في الصلاة فقد أهبت فيها بالأدلة القاطعة أن هذا اللباس ليس هو اللباس يستر به الرجل عورته خارج الصلاة فقط بل إنه يجب عليه شيء آخر وهو ستر المنكبين أيضا وهذا لحق الصلاة وحرمتها لا لأنها من العورة واستدل لذلك بقوله ﷺ: \"لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء\"، وبأحاديث أخرى \"ص ١٢ - ١٣\". وهذه مسألة هامة طالما غفل عنها جماهير المصلين الذين يصلون في قميص \"الشيال\" الذي لا يستر المنكبين إلا خطا دقيقا منهما غافلين عن قول الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ . وما أحسن ما ذكر المؤلف \"ص ١٧\" \"إن ابن عمر ﵁ قال لغلامه نافع لما رآه يصلي حاسر الرأس: أرأيت لو خرجت إلى الناس كنت تخرج هكذا؟ قال: لا قال: فالله أحق من يتجمل له والجملة الأخيرة قد جاءت مرفوعة في بعض الطرق عن ابن عمر ولفظها في رواية للبيهقي \"إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله أحق من تزين له\" ١ وسبب الغفلة المذكورة عن هذا الأدب الواجب في الصلاة يعود في رأيي إلى أمرين:\n_________\n١ انظر \"صحيح أبي داود ٦٤٥\"","vol":"1","page":6},{"text":"الأول: ظن الكثيرين أن الواجب من اللباس في الصلاة إنما هو ما ستر العورة فقط. وهذا الحصر مع أنه مما لا دليل عليه مطلقا فهو مخالفة صريحة للنصوص المتقدمة ولا سيما الحديث الأول فإنه يدل على بطلان الصلاة إذا لم يكن على عاتقيه من ثوب شيء. وهو مذهب الحنابلة١ وهو الحق الذي لا ريب فيه.\nوالآخر: جمودهم على التقليد الأعمى فقد يقرؤون أو يسمعون بلك النصوص ولكنهم يتأثرون بها ولا يتخذونها لهم نذهبا لأن المذهب الذي نشأوا عليه يحول بينهم وبين الاهتداء بها ولذلك فالسنة في جانب وهم في جانب كما هو شأنهم في هذه المسألة إلا من عصم الله وقليل ما هم فجزى الله شيخ الإسلام خيرا الذي نهد لهم السبيل في هذه الرسالة المباركة ليتعرفوا على كثير من الحقائق التي غفلوا عنها ومنها هذه. ومن ذلك أنه إذ كان لا يجوز له أن يصلي مكشوف الفخذين سواء قيل: هما عورة أولا؟ \"ص ١٦\" وهذا من فقهه الدقيق رحمه الله تعالى.\nهذا في لباس الرجل في الصلاة وأما المرأة فقد بين الشيخ ﵀ أنها وإن كان يجب عليها الجلباب إذا خرجت من بيتها\n_________\n١ انظر \"منار السبيل ١/ ٧٤ - طبع المكتب الإسلامي\" وحاشية الشيخ سليمان ﵀ على \"المقنع\n١/ ١١٦\"","vol":"1","page":7},{"text":"فإنه لا بجب عليها الجلباب إذا صلت في بيتها وإنما يجب عليها الخمار والقميص الذي يستر ظاهر القدمين فهي إذا سجدت قد يبدو باطن قدمها. كذلك يجوز لها أن تكشف عن وجهها وكفيها مع كونهما من العورة خارج الصلاة في اختياره. \"انظر ص ١٣ – ١٥\"١. وعلى العكس من ذلك فإن المرأة لو صلت وحدها كانت مأمورة بالاختمار بينما هي في غير الصلاة يجوز لها كشف رأسها في بيتها وعند ذوي محارمها وحينئذ فقد يستر المصلي في الصلاة ما يجوز ابتداؤه في غير الصلاة وقد يبدو في الصلاة ما يستره عن الرجال \"ص ١٢ و١٣\". وهذا أيضا من دقائق المسائل التي تولى شيخ الإسلام ﵀ شرحها وبيانها جزاه الله عن الإسلام خيرا.\nومن ذلك أنه مع تقريره أن الحجاب مختص بالحرائر دون\n_________\n١ واختار جمهور العلماء أبو حنيفة ومالك والشافعي وكذا أحمد في رواية ذكرها المصنف نفسه \"ص ٢٤\" أن وجهها وكفيها ليس بعورة وهو الذي نصرته في كتابي حجاب المرأة المسلمة واستدللت له بالكتاب والسنة والآثار عن نساء السلف بما قد لا يوجد عموما في كتاب آخر وليس معنى ذلك أنه لا يشرع سترها كلا بل ذلك هو الأفضل كما فصلته في فصل خاص عقدته في الكتاب المذكور تحت عنوان \"مشروعية ستر الوجه\" \"ص ٤٧ - ٥٣\" من الطبعة الثالثة فمن نسب إلى ممن حاول الرد علي في هذه المسألة فلم يفلح - أنني قلت أو قال كدت أقول: بوجوب كشف المرأة لوجهها فقد كذب وافترى كما يشهد بذلك الفضل المشار إليه آنفا.","vol":"1","page":8},{"text":"الإماء وأن الأمة يظهر منها رأسها وشعرها \"ص ٢٦\" فإنه يعود ليناقش المسألة على ضوء بعض القواعد الإسلامية العامة التي منها \"درء المفاسد قبل جلب المصالح\" فلا يدع المسألة على إطلاقها المستلزم جواز بروز الأمة الحسناء أيضا بشعرها فيقول بعد توطئة مفيدة:\nوكذلك الأمة إذا كان يخاف منها الفتنة كان عليها أن تحتجب \"ص ٢٧\". ثم يؤكد ذلك فيقول:\n\"فلو أراد الرجل أن يترك الإماء التركيات الحسان يمشين بين الناس في مثل هذه البلاد والأوقات كما كان أولئك الإماء يمشين كان هذا من باب الفساد\".\nأقول: وعلى هذا فمذهب ابن تيمية وسط بين الجمهور الذين لا يوجبون الخمار على الأمة مطلقا وبين ابن حزم غير الذين يوجبون ذلك عليها. مطلقا ومن الواضح أنه إنما ذهب ابن تيمية إلى ذلك توفيقا بين بعض الآثار التي تدل لمذهب الجمهور \"انظر ص ٢٦، ٣٣\" وبين القاعدة المشار إليها آنفا. وهذا المذهب وإن كان أقرب إلى الصواب من مذهب الجمهور الذي كنا استدللنا على رده في كتاب \"حجاب المرأة المسلمة\" \"ص ٤٢ – ٤٦\". فلا يزال في النفس منه شيء لأن تقدير الجمال المترتب عليه خوف الفساد أمر نسبي وكم من أمة سوداء تكون جميلة الأعضاء والتكوين بحيث يفتتن بها البيض ثم إنها قد لا تكون كذلك عند هؤلاء ولكنها جميلة عند بني جنسها من السود. فالأمر غير منضبط. والله أعلم.","vol":"1","page":9},{"text":"ومن ذلك أنه رجح مذهب الشافعي وأحمد أن النظر إلى وجه الأجنبية من غير حاجة لا يجوز وإن كانت الشهوة منتفية لأنه يخاف ثورانها وقال \"ص ٣٤\":\nولهذا حرم الخلوة بالأجنبية لأنها مظنة الفتنة والأصل أن ما كان سببا للفتنة فإنه لا يجوز فإن الذريعة إلى الفساد يجب سدها إذا لم يعارضها مصلحة راجحة ولهذا كان النظر الذي قد يفضي إلى الفتنة محرما.\nأقول: ولو أن العلماء قديما والكتاب حديثا راعوا هذا الأصل الذي ذكره: \"ما كان سببا للفتنة فإنه لا يجوز\" وجعله دليلا مرجح لتحريم النظر المذكور لما تورطوا في إصدار بعض الفتاوى التي لا يشك المتفقه في أصول الشريعة وفروعها أنها تؤدي إلى مفاسد ظاهرة كقول بعض الحنفية:\n\"يجوز للأجنبي النظر إلى شعر الأمة وذراعها وساقها وصدرها وثدييها١\" وقول بعض المذاهب:\n_________\n١ انظر: \"أحكام القرآن\" لأبي بكر الجصاص الحنفي \"٣ / ٣٩٠\" وكتابي \"حجاب المرأة\" \"ص ٤٤\"\nفإن فيه ردا على القول المذكور ومع ذلك لم ننج من أن يتهمنا بعض الحنفية أنفسهم بأني أبيح النظر إلى وجه المرأة وأخشى ما أخشاه أي يكون ذلك على قول المثل: رمتني بدائها وانسلت.","vol":"1","page":10},{"text":"\"يجوز النظر إلى المرأة الأجنبية وعورتها من المرآة\"\nوعلل ذلك بعضهم بأنه إنما ينظر إلى خيال وتبنى ذلك اليوم - مع الأسف - أحد الأحزاب الإسلامية الذي يأخذ من كل مذهب ما يناسب المصلحة بزعمه ولم يقف عند هذا فحسب بل إنه جعله كالنص المعصوم فرتب عليه ما هو أشد إفسادا من الأول لأنه أمس بحياة شبابنا اليوم وواقعهم وهو جواز النظر إلى الصور الخلاعية في التلفزيون والسينما والمجلات معللا ذلك بما تقدم أنه إنما ينظر إلى خيال وكل ذي عقل ولب حتى ولو كان غير مسلم يعلم يقينا أن هذه الصور من أشد الأنواع المثيرة لشهوة الشباب وغرائزهم بحيث أنهم لا يجدون بعد ذلك سبيلا إلى إطفائها إلا بارتكاب المحرم نصا ولو كان تحريمه من باب سد الذريعة كالنظر والسمع ونحوهما مما ذكره رسول الله ﷺ في قوله \".... وزنا العينين النظر وزنا اللسان النطق والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه\" أخرجه الشيخان وغيرهما١.\nوليس هذا فقط فقد أصدر نشرة منذ عهد غير بعيد ذهب فيها إلى التصريح بجواز تقبيل المرأة الأجنبية عند السلام عليها\n_________\n١ وقد خرجته في \"إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل للشيخ ابن ضويان \"١٧٨٧\".","vol":"1","page":11},{"text":"ولكن بدون شهوة وقد قلنا وقال غيرنا لبعض أولئك الحزبيين: افترض أن يفعل ذلك بأختك وزوجتك فوجم!\nولهم من مثل هذه المسائل البعيدة عن الكتاب والسنة بل العقل السليم الشيء الكثير لا مجال الآن للتوسع فيه وإنما استطردنا إلى ما ذكرنا من شواذهم وانحرافهم عن العلم الصحيح لنقول:\nيجب على هؤلاء وغيرهم ممن يهمهم أن يكونوا على معرفة بالعلم الصحيح المستنبط من الكتاب والسنة استنباطا قائما على العلم بالقواعد الأصولية وحسن تطبيق لها على الفروع أن يجعلوا دينهم - بعد دراسة الكتاب والسنة - مطالعة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ومنها هذه الرسالة المباركة - وبذلك يتمرنون على الاستنباط الصحيح والتفريح الرجيح وينجون من الإتيان باجتهادات وآراء لا يقول بها أحد ممن يعقل ما ينطق به لسانه أو يجري به قلمه من مثل ما تقدم بيانه!\nتلك هي بعض المسائل التي جاءت في طي هذه الرسالة القيمة وفيها مسائل وفوائد أخرى ستمر بالقارئ إن شاء الله تعالى وبمجموعها كانت الرسالة فريدة في بابها لا مثيل لها بين أترابها فإن غالبها ما تفردت به عن مثيلاتها ككتاب \"الحجاب\" للعلامة المودودي وكتابي \"حجاب المرأة المسلمة\" وغيرهما فليعض عليها بالنواجذ وليحمد الله تعالى أن جعله من قراء كتب ابن تيمية المستفيدين منها فإنه هو \"العارف بالله\" حقا ومن نحا نحوه.","vol":"1","page":12},{"text":"ونحن إذ نشهد له بهذا لا ندعي له العصمة كيف وقد أبدينا بعض الملاحظات على مواطن معدودة قليلة من الرسالة مصداقا لقول الإمام مالك رحمه الله تعالى: ما منا من أحد إلا ورد عليه إلا النبي ﷺ وقد روي عن غيره أيضا١ وذلك مما لا يحط من قدره أو قدر رسالته بلا ريب بل إن ذلك ليرفع من قيمتها للقلة المشار إليها على حد قول الشاعر:\nكفى المرء نبلا ... أن تعد معايبه\nبل لا عيب عليه في ذلك مطلقا فإنه مجتهد مأجور إما أجرين وهو الأكثر بفضل الله أو أجرا واحدا.\nهذا وقد كانت الرسالة طبعت سابقا تحت عنوان \"حجاب المرأة ولباسها في الصلاة وغيرها\" ولولا أن ثمة بعض الموانع منها اشتهارها بالاسم المذكور لرأيت أن نجعل عنوانها:\nلباس الرجل والمرأة في الصلاة\nلأنه هو الموضوع الذي اختصت به الرسالة ودندن المؤلف حوله وجاء بما يعز وجوده من الفوائد والفقه الصحيح.\nوقد زدت في التعليق عليها بعض الفوائد العلمية والحديثية مما\n_________\n١ انظر: \"صفة الصلاة\" \"ص ٢٨ - الطبعة السابعة\".","vol":"1","page":13},{"text":"كان فاتني في الطبعة السابقة وبذلك ازدادت الفائدة بهذه الطبعة على سابقتها فالحمد لله الذي يسر لنا ذلك ووفق الأستاذ الأخ أبو بكر زهير الشاويش لطبعها من جديد في هذا الثوب القشيب.\nنسأل الله تعالى أن يجعل عملنا خالصا لوجهه وأن ينفع به المسلمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.\nوالحمد لله رب العالمين.\nدمشق في ٧ رمضان سنة ١٣٩٣\nوكتبه: محمد ناصر الدين الألباني","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>فصل في \"اللباس في الصلاة</span>\"\nوقال شيخ الإسلام ﵀ فصل في \"اللباس في الصلاة\" وهو أخذ الزينة عند كل مسجد: الذي يسميه الفقهاء: \"باب ستر العورة في الصلاة\" فإن طائفة من الفقهاء ظنوا أن الذي يستر في الصلاة هو الذي يستر عن أعين الناظرين وهو العورة وأخذ ما يستر في الصلاة من قوله: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ ثم قال ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ يعني الباطنة ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ ١ الآية، فقالوا: يجوز لها في الصلاة أن تبدي الزينة الظاهرة دون الباطنة\nوالسلف قد تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين:\n١ - فقال: ابن مسعود ومن وافقه هي الثياب\n٢ - وقال ابن عباس ومن وافقه: هو ما في الوجه واليدين،\n_________\n١ سورة النور: الآية ٣١، وتمامها: ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾","vol":"1","page":15},{"text":"مثل الكحل والخاتم. وعلى هذين القولين تنازع الفقهاء في النظر إلى المرأة الأجنبية.\nفقيل: يجوز النظر لغير شهوة إلى وجهها ويديها وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وقول في مذهب أحمد.\nوقيل: لا يجوز وهو ظاهر مذهب أحمد قال: كل شيء منها عورة حتى ظفرها وهو قول مالك.\nوحقيقة الأمر: أن الله جعل الزينة زينتين: زينة ظاهرة وزينة غير ظاهرة وجوز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم وأما الباطنة فلا تبديها إلا للزوج وذوي المحارم.\nوكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين وكان حينئذ يجوز النظر إليها لأنه يجوز لها إظهاره١.\n_________\n١ قلت: ظاهر هذا الكلام مع الذي بعده أن الآية نزلت في ستر الوجه واليدين خاصة وقد اغتر بذلك العلامة المودودي فقال في كتاب \"الحجاب\" \"ص ٣٦٦\" بعد أن ساق آية الأحزاب: نزلت خاصة في ستر الوجه!\nوقد ذكرت ما يمكن أن يكون مستنده في ذلك وهو مستند ضعيف أيضا في كتابي \"حجاب المرأة المسلمة\" وبينت فيه أن إسناده ضعيف جدا فراجعه \"ص ٤١\"","vol":"1","page":16},{"text":"ثم لما أنزل الله ﷿ آية الحجاب بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ ١ حجب النساء عن الرجال.\nوكان ذلك لما تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش٢ فأرخى النبي ﷺ الستر ومنع أنسًا أن ينظر.\nولما اصطفى صفية بنت حيي بعد ذلك عام خيبر قالوا: إن حجبها٣ فهي من أمهات المؤمنين. وإلا فهي ملكت يمينه،\n_________\n١ الأحزاب: ٥٩\n٢ قلت: هذا الكلام غير منسجم مع الذي قبله فإن الآية التي نزلت لما توزج النبي ﷺ بزينب بنت جحش ليست هي الآية المتقدمة وإنما هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ...﴾ [الآية ٥٤ – الأحزاب] .\nفهذه الآية هي التي نزلت حين تزوج ﷺ بزينب كما صرحت بذلك الأحاديث الصحيحة عند البخاري ومسلم وغيرهما انظر \"تفسير ابن كثير\" و\"الدر المنثور\" وغيرهما وكتابي \"حجاب المرأة المسلمة\" \"ص ٤٨\" طبع المكتب الإسلامي فلعلها سقطت من قلم المؤلف أو الناسخ وهو الأقرب.\n٣ أي وجهها كما في بعض الطرق. ففي الحديث أن النبي ﷺ كان يحجب نساءه الحرائر في وجوههن أيضا وهذا هو الأفضل كما فصل ذلك في =","vol":"1","page":17},{"text":"فحجبها فلما١ أمر الله أن لا يسألن إلا من وراء حجاب وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن.\nو\"الجلباب\" هو الملاءة وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره: الرداء وتسميه العامة الإزار وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها.\nوقد حكى عبيدة وغيره: أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها ومن جنسه النقاب فكن النساء ينتقبن.\nوفي الصحيح: \"أن المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين\".\nفإذا كن مأمورات بالجلباب لئلا يعرفن٢ وهو ستر الوجه\n_________\n= \"الحجاب\" \"ص ٥٠\" بخلاف إمائه ﷺ فإن الحديث يدل على أنه كان لا يحجبهن في وجوههن وأما أن الحديث يدل على أن السنة في الإماء أن لا يسترن رؤوسهن ونحورهن بالجلباب أو الخمار على الأقل فلا كما بينته في الكتاب المذكور \"ص ٤٤ – ٤٥\". والحديث متفق عليه وترى تخريجه فيه \"ص ٤٦\"\n١ كذا ولعل الصواب \"فلذا\".\n٢ الآية تقول: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ وتقدير \"لا \" فيها خلاف الأصل ولا مبرر له فإن المعنى بدونها مستقيم قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: أي إذا فعلن ذلك عرفن أنهن حرائر لسن بإمام ولا عواهر ومحوه في \"تفسير ابن جرير\". وعليه فقوله \"وهو ستر الوجه\" مما لا وجه له وكذا ما بعده. نعم حديث \"الصحيح\" يدل على أن الانتقاب كان معروفا لكنه لا يدل على وجوبه ولا على أنه المقصود بالآية","vol":"1","page":18},{"text":"أو ستر الوجه بالنقاب: كان حينئذ الوجه واليدان من الزينة التي أمرت ألا تظهرها للأجانب.\nفما بقي يحل للأجانب النظر إلا الثياب الظاهرة فابن مسعود ذكر آخر الأمرين وابن عباس ذكر أول الأمرين١.\nوعلى هذا فقوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ ٢ يدل على أن لها أن تبدي الزينة الباطنة لمملوكها. وفيه قولان:\n_________\n١ كذا قال المؤلف رحمه الله تعالى وهو يعني أن ابن مسعود لما ذكر في تفسير الزينة الظاهرة أنها الثياب كما تقدم قريبا إنما ذكر ما استقر عليه الأمر وابن عباس لما ذكر في تفسيرها أنها الوجه واليدين ذكر ما كان عليه الأمر قبل ذلك وهذا بعيد فإن كلا من الصحابيين الجليلين قال ما قال في تفسير الآية المشار إليها ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ . وهي تعني قطعا الأمر الذي استقر أخيرا حكم الشرع عليه غاية ما في الأمر أنهما اختلفا في تفسير هذا الأمر ذاته فكيف يصح أن يقال: فابن مسعود ذكر آخر الأمرين وابن عباس أوله. ولذلك ذهب بعض السلف إلى الجمع بين قوليهما فقال ابن جرير في تفسيره \"١٨ / ٩٤ \" بعد أخرجه ساق القولين بأسانيده إليهما: وقال آخرون عني به الوجه والثياب ذكر من ذكر ذلك. ثم روى بإسنادين صحيحين له عن الحسن البصري أنه قال: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: \"الوجه والثياب\" ثم اختار هو أن المراد به الوجه والكفان وفيه نظر من حيث الأسلوب القرآني بينته في \"الحجاب\" وقد وافقته على اختياره من الناحية الفقهية فراجعه \"ص ١٧ – ٢٤\"\n٢ سورة النور الآية: ٣١.","vol":"1","page":19},{"text":"١ - قيل المراد الإماء والإماء الكتابيات كما قاله ابن المسيب ورجحه أحمد وغيره.\n٢ - وقيل: هو المملوك الرجل: كما قاله ابن عباس وغيره وهذا مذهب الشافعي وغيره وهو الرواية الأخرى عن أحمد فهذا يقتضي جواز نظر العبد إلى مولاته.\nوقد جاءت بذلك أحاديث١ وهذا لأجل الحاجة لأنها محتاجة إلى مخاطبة عبدها أكثر من حاجتها إلى رؤية الشاهد والعامل والخاطب.\nفإذا جاز نظر أولئك فنظر العبد أولى وليس في هذا ما يوجب أن يكون محرما يسافر بها كغير أولي الإربة فإنهم يجوز لهم النظر وليسوا محارم يسافرون بها.\nفليس كل من جاز له النظر جاز له السفر بها ولا الخلوة بها بل عبدها ينظر إليها للحاجة وإن كان لا يخلو بها ولا يسافر بها فإنه لم يدخل في قوله ﷺ: \"لا تسافر المرأة إلا مع زوج أو ذي محرم\" ٢ فإنه يجوز له أن يتزوجها إذا عتق كما يجوز لزوج أختها أن يتزوجها إذا طلق أختها\n_________\n١ قلت: ذكرت بعضها في التعقيب على كتاب الحجاب للعلامة المودودي وهو مطبوع في آخر كتابه المذكور.\n٢ متفق عليه من حديث ابن عباس وغيره. وهو مخرج في \"إرواء الغليل\" \"٩٩٥ \" و\"الصحيحة\" \"٢٤٢١\"","vol":"1","page":20},{"text":"والمحرم: من تحرم عليه على التأبيد ولهذا قال ابن عمر: سفر المرأة مع عبدها ضيعة١.\nفالآية رخصت في إبداء الزينة لذوي المحارم وغيرهم وحديث السفر ليس فيه إلا ذوو المحارم وذكر في الآية ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ و﴿غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ﴾ ٢ وهي لا تسافر معهم.\nوقوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ قال: احتراز عن النساء المشركات فلا تكون المشركة قابلة للمسلمة ولا تدخل معهن الحمام٣.\nلكن قد كن النسوة اليهوديات يدخلن على عائشة وغيرها فيرين وجهها ويديها بخلاف الرجال فيكون هذا في الزينة الظاهرة في حق النساء الذميات وليس للذميات أن يطلعن على\n_________\n١ قلت: وروي عن ابن عباس مرفوعا ولا يصح كما بينته في \"سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة\" \"٣٧٠١\"\n٢ سورة النور: الآية: ٣١.\n٣ قلت: وهذا التفسير ل \"نسائهن \" وأنهن النساء المسلمات دون الكافرات هو الصواب الذي لم يرو غيره عن السلف كما تراه في \"الدر المنثور\" و\"تفسير ابن جرير\" و\"زاد المسير لابن الجوزي\" \"٦ / ٣٢ - طبع المكتب الإسلامي\" و\"ابن كثير\". وأما تفسير بعض أفاضل المعاصرين بأنهن الصالحات الأخلاق من النساء سواء كن مسلمات أم كافرات فإنه تفسير محدث لمخالفته لتفسير السلف مع كونه غير متبادر من إضافته تعالى النساء إلى المسلمات من حيث الأسلوب العربي. فتأمل.","vol":"1","page":21},{"text":"الزينة الباطنة ويكون الظهور والبطون بحسب ما يجوز لها إظهاره.\nولهذا كان أقاربها تبدي لهن الباطنة وللزوج خاصة ليست للأقارب.\nوقوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ دليل على أنها تغطي العنق فيكون من الباطن لا الظاهر ما فيه من القلادة وغيرها.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>فصل في ستر النساء والرجال</span>\nفهذا ستر النساء عن الرجال وستر الرجال عن الرجال والنساء عن النساء في العورة الخاصة كما قال ﷺ: \"لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة\" ١ وكما قال: \"احفظ عورتك إلا عن زوجتك أو ما ملكت يمينك\".\nقلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟.\nقال: إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها.\nقلت: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: \"فالله أحق أن يستحيا منه\" ٢\n\"ونهى أن يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد والمرأة إلى المرأة في ثوب واحد\"٣ وقال عن الأولاد: \" مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع\" ٤\n_________\n١ أخرجه أحمد ومسلم وغيرهما وهو مخرج في \"الإرواء\" \"١٨٠٨\"\n٢ حديث حسن أخرجه أحمد وغيره وهو مخرج في \"آداب الزفاف\" \"ص ٣٦\"\n٣ متفق عليه\n٤ صحيح أخرجه أبو داود وغيره من طريقين وهو مخرج في \"صحيح أبي داود\" \"٥٠٨ و٥٠٩\"","vol":"1","page":23},{"text":"فهذا نهي عن النظر والمس لعورة النظير لما في ذلك من القبح والفحش وأما الرجال مع النساء فلأجل شهوة النكاح فهذان نوعان.\nوفي الصلاة نوع ثالث فإن المرأة لو صلت وحدها كانت مأمورة بالاختمار١ وفي غير الصلاة يجوز لها كشف رأسها في بيتها فأخذ الزينة في الصلاة لحق الله فليس لأحد أن يطوف بالبيت عريانا٢ ولو كان وحده بالليل ولا يصلي عريانا ولو كان وحده فعلم أن أخذ الزينة في الصلاة لم يكن ليحتجب عن الناس فهذا نوع وهذا نوع.\nوحينئذ فقد يستر المصلي في الصلاة ما يجوز إبداؤه في غير الصلاة وقد يبدي في الصلاة ما يستره عن الرجال.\nفالأول: مثل المنكبين فإن النبي ﷺ نهى أن يصلي الرجل في\n_________\n١ قلت: وذلك لقوله ﷺ: \"لا يقبل الله صلاة حائض\" أي بالغة \"إلا بخمار\".\nوهو حديث صحيح كما يأتي قريبا وهو بعمومه يشمل الإماء أيضا فتخصيص الحديث بالمرأة الحرة كما سيأتي من المؤلف في الصفحة التالية مما لا أعرف له دليلا. بل قد روي أن النبي ﷺ قال لمولاة لهم: \"اختمري\" وقد خرجته في \"الحجاب\" \"ص ٤٥\" فهذا يدل على أن الأمة كالحرة في وجوب الاختمار فهو يؤيد العموم المشار إليه\n٢ يشير إلى الحديث الآتي ص ١٥.","vol":"1","page":24},{"text":"الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء١ فهذا لحق الصلاة ويجوز له كشف منكبيه للرجال خارج الصلاة،\nوكذلك المرأة الحرة٢ تختمر في الصلاة كما قال النبي ﷺ: \" لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار\" ٣ وهي لا تختمر عند زوجها ولا عند ذوي محارمها فقد جاز لها إبداء الزينة الباطنة لهؤلاء ولا يجوز لها في الصلاة أن تكشف رأسها لهؤلاء ولا لغيرهم.\nوعكس ذلك: الوجه واليدان والقدمان ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين بخلاف ما كان قبل النسخ بل لا تبدي إلا الثياب.\nوأما ستر ذلك في الصلاة فلا يجب باتفاق المسلمين بل يجوز لها كشف الوجه بالإجماع وإن كان من الزينة الباطنة وكذلك اليدان يجوز إبداؤهما في الصلاة عند جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما وهو إحدى الروايتين عن أحمد وكذلك القدم\n_________\n١ متفق عليه وهو مخرج في \"صحيح أبي داود\" \"٦٣٧\" و\"إرواء الغليل\" \"٢٧٥\"\n٢ قلت: تخصيص الاختمار بالحرة لا دليل عليه بل عموم الحديث الآتي ينافيه وانظر التعليق السابق.\n٣ صحيح أخرجه أبو داود وغيره وهو مخرج في \"إرواء الغليل\" \"١٩٦\".","vol":"1","page":25},{"text":"يجوز إبداؤه عند أبي حنيفة وهو الأقوى فإن عائشة جعلته من الزينة الظاهرة قالت: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ١ قالت: \"الفتخ\" حلق من فضة تكون في أصابع الرجلين٢ رواه ابن أبي حاتم فهذا دليل على أن النساء كن يظهرن أقدامهن أولا كما يظهرن الوجه واليدين فإنهن كن يرخين ذيولهن فهي إذا مشت قد يظهر قدمها ولم يكن يمشين في خفاف وأحذية وتغطية هذا في الصلاة فيه حرج عظيم وأم سلمة قالت: \"تصلي المرأة في ثوب سابغ يغطي ظهور قدميها \"٣ فهي إذا سجدت قد يبدو باطن القدم.\nوبالجملة: قد ثبت بالنص والإجماع أنه ليس عليها في الصلاة أن تلبس الجلباب الذي يسترها إذا كانت في بيتها وإنما ذلك إذا خرجت وحينئذ فتصلي في بيتها وإن بدا وجهها ويداها وقدماها كما كن يمشين أولا قبل الأمر بإدناء الجلابيب عليهن فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر لا طردا ولا عكسا\nوابن مسعود ﵁ لما قال: الزينة الظاهرة هي\n_________\n١ سورة النور الآية ٣١\n٢ في \"النهاية\": \"فتخ تفتحتين جمع فتخة وهي خواتم كبار تلبس في الأيدي وربما وضعت في أصابع الأرجل\" ونحوه في \"القاموس\"\n٣ قلت: وروي مرفوعا إلى النبي ﷺ ولا يصح لا مرفوعا ولا موقوفا كما بينته في \"ضعيف أبي داود\" \"٩٧ – ٩٨\"","vol":"1","page":26},{"text":"الثياب لم يقل إنها كلها عورة حتى ظفرها بل هذا قول أحمد يعني به أنها تستره في الصلاة فإن الفقهاء يسمون ذلك: \"باب ستر العورة\" وليس هذا من ألفاظ الرسول ولا في الكتاب والسنة أن ما يستره المصلي فهو عورة بل قال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ١ ونهى النبي ﷺ أن يطوف بالبيت عريانا٢ فالصلاة أولى. وسئل عن الصلاة في الثوب الواحد فقال: \"أو لكلكم ثوبان؟ \" ٣ وقال في الثوب الواحد: \"إن كان واسعا فالتحف به وإن كان ضيقا فاتزر به\"٤ ونهى أن يصلي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء٥ فهذا دليل على أنه يؤمر في الصلاة بستر العورة: الفخذ وغيره وإن جوزنا للرجل النظر إلى ذلك.\nفإذا قلنا على أحد القولين وهو إحدى الروايتين عن أحمد: أن العورة هي السوءتان وأن الفخذ ليست بعورة فهذا في جواز نظر الرجل إليها ليس هو في الصلاة والطواف فلا يجوز أن\n_________\n١ سورة الأعراف الآية: ٣١.\n٢ متفق عليه وهو مخرج في \"صحيح أبي داود\" \"٦٣٦ و٦٤٠\".\n٣ متفق عليه.\n٤ أخرجه البخاري ومسلم بنحوه وهو مخرج في \"صحيح أبي داود\" \"٦٤٤\".\n٥ صحيح وتقدم ص ١٣.","vol":"1","page":27},{"text":"يصلي الرجل مكشوف الفخذين سواء قيل هما عورة أو لا ولا يطوف عريانا بل عليه أن يصلي في ثوب واحد ولا بد من ذلك إن كان ضيقا اتزر به وإن كان واسعا التحف به كما أنه لو صلى وحده في بيت كان عليه تغطية ذلك باتفاق العلماء.\nوأما صلاة الرجل بادي الفخذين مع القدرة على الإزار فهذا لا يجوز١ ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف ومن بنى هذا على الروايتين في العورة كما فعله طائفة فقد غلطوا ولم يقل أحمد ولا غيره: أن المصلي يصلي على هذه الحال كيف وأحمد يأمره بستر المنكبين؟ فكيف يبيح له كشف الفخذ؟ فهذا هذا.\nوقد اختلف في وجوب ستر العورة إذا كان الرجل خاليا ولم يختلف في أنه في الصلاة لا بد من اللباس وأنه لا تجوز الصلاة عريانا مع القدرة على اللباس باتفاق العلماء ولهذا جوز أحمد وغيره للعراة أن يصلوا قعودا ويكون إمامهم وسطهم بخلاف خارج الصلاة هذا الستر لحرمة الصلاة لا لأجل النظر\nوقد قال النبي ﷺ في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده لما قال: يا\n_________\n١ قلت: وعلى هذا ينبغي أن يؤدب الصبيان فلا يجوز لآبائهم أن يلبسوهم السراويل القصيرة: \"التبان\" وأن يحضروهم المساجد في هذه الحالة. للحديث المتقدم: \"مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع ... \" ولا شك أن هذا الأمر يشمل أمرهم بشروط وأركانها أيضا فتنبه ولا تكن من الغافلين.","vol":"1","page":28},{"text":"رسول الله، فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: \"فالله أحق أن يستحيا منه من الناس\" ١\nفإذا كان هذا خارج الصلاة فهو في الصلاة أحق أن يستحيا منه فتؤخذ الزينة لمناجاته ﷾\nولهذا قال ابن عمر لغلامه نافع لما رآه يصلي حاسرا: أرأيت لو خرجت إلى الناس كنت تخرج هكذا؟ قال: لا قال: فالله أحق من يتجمل له.٢\nوفي الحديث الصحيح لما قيل له ﷺ الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا فقال: \"إن الله جميل يحب الجمال\" ٣.\nوهذا كما أمر المصلي بالطهارة والنظافة والطيب فقد أمر النبي ﷺ \"أن تتخذ المساجد في البيوت وتنظف وتطيب\"٤ وعلى هذا فيستتر في الصلاة أبلغ مما يستتر الرجل من الرجل والمرأة من المرأة.\n_________\n١ حسن وتقدم ص ١١.\n٢ لم أره بهذا اللفظ فيما وقفت عليه من طرقه وهو مخرج في \"صحيح أبي داود\" \"٦٤٥\" دون ذكر الحسر فلعله في بعض المصادر التي لم أطلع عليها.\n٣ رواه مسلم وغيره وهو مخرج في \"الصحيح \"١٣٢٠ و١٦٢٦\".\n٤ صحيح أخرجه أبو داود وغيره وقد خرجته في \"صحيح أبي داود\" \"٤٧٩\".","vol":"1","page":29},{"text":"ولهذا أمرت المرأة أن تختمر في الصلاة وأما وجهها ويداها وقدماها١ فهي إنما نهيت عن إبداء ذلك للأجانب لم تنه عن إبدائه للنساء ولا لذوي المحارم، فعلم أنه ليس من جنس عورة الرجل مع الرجل والمرأة مع المرأة التي نهي عنها لأجل الفحش وقبح كشف العورة بل هذا من مقدمات الفاحشة فكان النهي عن إبدائها نهيا عن مقدمات الفاحشة كما قال في الآية: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ ٢ وقال في آية الحجاب: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ ٣ فنهى عن هذا سدا للذريعة لا أنه عورة مطلقة لا في الصلاة ولا غيرها فهذا هذا.\nوأمر المرأة في الصلاة بتغطية يديها بعيد جدا واليدان يسجدان كما يسجد الوجه٤ والنساء على عهد النبي ﷺ إنما كان لهن قمص وكن يصنعن الصنائع والقمص عليهن فتبدي المرأة يديها إذا عجنت وطحنت وخبزت ولو كان ستر اليدين في الصلاة واجبا لبينه النبي ﷺ وكذلك القدمان وإنما أمر بالخمار فقط مع القميص فكن يصلين في قمصهن وخمرهن.\n_________\n١ في الأصل \"قدمها\".\n٢ سورة النور الآية: ٣٠.\n٣ سورة الأحزاب الآية: ٥٣.\n٤ وفي ذلك حديث صحيح عن ابن عمر ﵄ \"انظر صفة الصلاة ص ١٤٨ الطبعة السابعة طبع المكتب الإسلامي\"","vol":"1","page":30},{"text":"وأما الثوب التي كانت المرأة ترخيه وسألت عن ذلك النبي ﷺ فقال: \"شبرا\" فقلن: إذن تبدو سوقهن؟ فقال: \"ذراع لا يزدن عليه\" ١ وقول عمر بن أبي ربيعة:\nكتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول٢\nفهذا كان إذا خرجن من البيوت ولهذا سئل عن المرأة تجر ذيلها على المكان القذر فقال: \"يطهره ما بعده\" ٣ وأما في نفس البيت فلم تكن تلبس ذلك كما أن الخفاف اتخذها النساء بعد ذلك لستر السوق إذا خرجن وهن لا يلبسنها في البيوت ولهذا قلن: إذن تبدوا سوقهن وكان المقصود تغطية الساق لأن الثوب إذا كان فوق الكعبين بدا الساق عند المشي.\nوقد روي: \"أعروا النساء يلزمن الحجال\" ٤ يعني إذا لم يكن لها ما تلبسه في الخروج لزمت بيتها.\n_________\n١ حديث صحيح رواه أبو داود وغيره انظر \"الحجاب\" \"ص ٣٦ – ٣٧\" و\"المشكاة\" ٤٣٣٤\" و\"٤٣٣٥\".\n٢ ديوانه ص \"٤٩٨\" وفيه \"المحصنات\" مكان \"الغانيات\"\n٣ حديث حسن رواه أبو داود وغيره وهو مخرج في \"صحيح أبو داود\" \"٤٠٧ – ٤٠٨\".\n٤ ضعيف وبيانه في \"الأحاديث الضعيفة\" \"٢٨٢٧\".","vol":"1","page":31},{"text":"وكن نساء المسلمين يصلين في بيوتهن وقد قال النبي ﷺ: \"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن\" ١ ولم يؤمرن مع القمص إلا بالخمر لم تؤمر بما يغطي رجليها لا خف ولا جورب ولا بما يغطي يديها لا بقفازين ولا غير ذلك.\nفدل على أنه لا يجب عليها في الصلاة ستر ذلك إذا لم يكن عندها رجال أجانب وقد روي: \"أن الملائكة لا تنظر إلى الزينة الباطنة فإذا وضعت خمارها وقميصها لم ينظر إليها\" وروي في ذلك حديث عن خديجة٢ فهذا القدر للقميص والخمار هو المأمور به لحق الصلاة كما يؤمر الرجل إذا صلى في ثوب واسع أن يلتحف به فيغطي عورته ومنكبيه.\nوالمنكبان في حقه كالرأس في حق المرأة لأنه يصلي في قميص أو ما يقوم مقام القميص وهو في الإحرام لا يلبس على بدنه ما يقدر له كالقميص والجبة كما أن المرأة لا تنتقب ولا تلبس القفازين وأما رأسه فلا يخمره.\nووجه المرأة فيه قولان في مذهب أحمد وغيره:\n١ - قيل: إنه كرأس الرجل فلا يغطى.\n_________\n١ متفق عليه من حديث ابن عمر دون قوله \"وبيوتهن خير لهن\" فإنه في رواية لأبي داود وغيره وهو مخرج في \"صحيح أبي داود\" \"٥٧٥ – ٥٧٦\".\n٢ ولا يصح كما أشار إلى ذلك المؤلف ﵀ بقوله: \"روي ... \"","vol":"1","page":32},{"text":"٢ - وقيل: إنه كيديه فلا يغطى بالنقاب والبرقع ونحو ذلك مما صنع على قدره وهذا هو الصحيح فإن النبي ﷺ لم ينه إلا عن القفازين والنقاب.\nوكن النساء يدنين على وجوههن ما يسترها من الرجال من غير وضع ما يجافيها عن الوجه١ فعلم أن وجهها كيدي الرجل ويديها وذلك أن المرأة كلها عورة كما تقدم فلها أن تغطي وجهها ويديها٢ لكن بغير اللباس المصنوع بقدر العضو كما أن الرجل لا يلبس السراويل ويلبس الإزار والله ﷾ أعلم.\n_________\n١ يعني في الإحرام والمؤلف ﵀ يشير إلى حديث عائشة قالت: \"كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها\". وهو حديث صحيح مخرج في \"الحجاب\" \"ص ٥٠\".\n٢ قلت: وإذا كان للمحرمة أن تغطي وجهها بالسدل عليه فهو يبطل قول من تأول حديث الخثعمية التي كان ينظر إليها الفضل بن العباس في منى بأن النبي ﷺ لم يأمرها بالتغطية لأنها كانت محرمة ففيما ذكره المؤلف إشارة إلى الرد على هؤلاء.\nوعليه ففي الحديث دليل على أن وجه المرأة ليس بعورة وإلا لأمرها ﷺ أن تستره وهذا لا ينافي أن التغطية أفضل كما شرحته في \"الحجاب\" وإنما الكلام في الوجوب فتنبه.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>معاني الاستنباط من سورة النور</span>\nومن كلامه رحمه الله تعالى في جوابه واستنباطه من معاني سورة النور في معنى ما تقدم قوله١\nالمرأة يجب أن تصان وتحفظ بما لا يجب مثله في الرجل ولهذا خصت بالاحتجاب وترك إبداء الزينة وترك التبرج.\nفيجب في حقها الاستتار باللباس والبيوت ما لا يجب في حق الرجل لأن ظهور النساء سبب الفتنة والرجال قوامون عليهن.\nوقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ ٢ الآية إلى قوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ\n_________\n١ كان هذا الكلام في الأصل تعليقا فاخترنا أن يكون عنوانا.\n٢ سورة النور الآية ٣٠ - ٣١: وتمامها ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .","vol":"1","page":34},{"text":"جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١. فأمر الله سبحانه الرجال والنساء بالغض من البصر وحفظ الفرج كما أمرهم جميعا بالتوبة.\nوأمر النساء خصوصا بالاستتار وأن لا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ومن استثناه الله تعالى في الآية فما ظهر من الزينة هو الثياب الظاهرة فهذا لا جناح عليها في إبدائها إذا لم يكن في ذلك محذور آخر فإن هذه لا بد من إبدائها وهذا قول ابن مسعود وغيره وهو المشهور عن أحمد.\nوقال ابن عباس: الوجه واليدان من الزينة الظاهرة وهي الرواية الثانية عن أحمد وهو قول طائفة من العلماء كالشافعي وغيره.\nوأمر سبحانه النساء بإرخاء الجلابيب لئلا يعرفن٢ ولا يؤذين وهذا دليل على القول الأول وقد ذكر عبيدة السلماني وغيره: أن نساء المؤمنين كن يدنين عليهن الجلابيب من فوق رءوسهن حتى لا يظهر إلا عيونهن لأجل رؤية الطريق.\nوثبت في الصحيح أن المرأة المحرمة تنهى عن الانتقاب والقفازين وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين\n_________\n١ سورة النور الآية: ٣١.\n٢ أنظر التعليق على الصفحة ١٨.","vol":"1","page":35},{"text":"في النساء اللاتي لم يحرمن وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن١\nوقد نهى الله تعالى عما يوجب العلم بالزينة الخفية بالسمع أو غيره فقال: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ ٢ وقال: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فلما نزل ذلك عمد نساء المؤمنين إلى خمرهن فشققنهن٣ وأرخينها على أعناقهن.\nو\"الجيب\": هو شق في طول القميص فإذا ضربت المرأة بالخمار على الجيب سترت عنقها.\nوأمرت بعد ذلك أن ترخي من جلبابها والإرخاء إنما يكون إذا خرجت من البيت فأما إذا كانت في البيت فلا تؤمر بذلك.\nوقد ثبت في الصحيح: أن النبي ﷺ لما دخل٤ بصفية قال أصحابه: إن أرخى عليها الحجاب فهي من أمهات المؤمنين وإن لم يضرب عليها الحجاب فهي مما ملكت يمينه فضرب عليها الحجاب.\n_________\n١ قلت: وهذا حق ولكنه لا يدل على أن ذلك واجب عليهن والآية ليست صريحة الدلالة وفيه ما سبقت الإشارة إليه. وراجع كتابي \"الحجاب\" \"ص ٤٠ - طبع المكتب الإسلامي\". فتأمل\n٢ سورة النور الآية: ٣١.\n٣ كذا الأصل ولعل الصواب: فشققنها.\n٤ أي أراد أن يدخل لأن قول أصحابه المذكور إنما كان قبل دخولها بها: انظر \"حجاب المرأة\" \"ص٥٠\"","vol":"1","page":36},{"text":"وإنما ضرب الحجاب على النساء لئلا ترى وجوههن وأيديهن.\nوالحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي ﷺ وخلفائه أن الحرة تحتجب والأمة تبرز وكان عمر ﵁ إذا رأى أمة مختمرة ضربها وقال: أتتشبهين بالحرائر أي لكاع١ فيظهر من الأمة رأسها ويداها ووجهها.\nوقال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ ٢ فرخص للعجوز التي لا تطمع في النكاح أن تضع ثيابها فلا تلقي عليها جلبابها ولا تحتجب وإن كانت مستثناة من الحرائر لزوال المفسدة الموجودة في غيرها كما استثنى التابعين غير أولي الإربة من الرجال في إظهار الزينة لهم في عدم الشهوة التي تتولد منها الفتنة.\nوكذلك الأمة إذا كان يخاف بها الفتنة كان عليها أن ترخي من جلبابها وتحتجب ووجب غض البصر عنها ومنها.\nوليس في الكتاب والسنة إباحة النظر إلى عامة الإماء ولا ترك احتجابهن وإبداء زينتهن ولكن القرآن لم يأمرهن بما أمر\n_________\n١ هذا ثابت عن عمر ﵁ كما تراه في \"الحجاب\" \"ص ٤٥\" مع الجواب عنه. والمؤلف نفسه لم يأخذ يقول عمر هذا على إطلاقه كما يأتي \"٣٣ – ٣٤\".\n٢ سورة النور الآية: ٦٠.","vol":"1","page":37},{"text":"الحرائر. والسنة فرقت بالفعل بينهن وبين الحرائر ولم تفرق بينهن وبين الحرائر بلفظ عام بل كانت عادة المؤمنين أن تحتجب منهم الحرائر دون الإماء واستثنى القرآن من النساء الحرائر القواعد فلم يجعل عليهن احتجابا واستثنى بعض الرجال وهم غير أولي الإربة فلم يمنع من إبداء الزينة الخفية لهم لعدم الشهوة في هؤلاء وهؤلاء فأن يستثنى بعض الإماء أولى وأحرى وهن من كانت الشهوة والفتنة حاصلة بترك احتجابها وإبداء زينتها وكما أن المحارم أبناء أزواجهن ونحوه ممن فيهن شهوة وشغف لم يجز إبداء الزينة الخفية له فالخطاب خرج عاما على العادة فما خرج عن العادة خرج به عن نظائره فإذا كان في ظهور الأمة والنظر إليها فتنة وجب المنع من ذلك كما لو كانت في غير ذلك وهكذا الرجل مع الرجال والمرأة مع النساء: لو كان في المرأة فتنة للنساء وفي الرجل فتنة للرجال لكان الأمر بالغض للناظر من بصره متوجها كما يتوجه إليه الأمر بحفظ فرجه فالإماء والصبيان إذا كن حسانا تخشى١ الفتنة بالنظر إليهم كان حكمهم كذلك كما ذكر ذلك العلماء.\nقال المروذي: قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل - الرجل ينظر إلى المملوك؟ قال: إذا خاف الفتنة لم ينظر إليه كم\n_________\n١ في الأصل: تختشى","vol":"1","page":38},{"text":"نظرة ألقت في قلب صاحبها البلاء.\nوقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: رجل تاب وقال: لو ضرب ظهري بالسياط ما دخلت في معصية إلا أنه لا يدع النظر فقال: أي توبة هذه؟ قال جرير سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة فقال: \"اصرف بصرك\" ١\nوقال ابن أبي الدنيا: حدثني أبي وسويد قالا: حدثني إبراهيم بن هراسة عن عثمان بن صالح عن الحسن بن ذكوان قال: لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لهم صورا كصور النساء وهم أشد فتنة من العذارى٢ وهذا الاستدلال٣ والقياس والتنبيه بالأدنى على الأعلى ... إلى أن قال: وكذلك المرأة مع المرأة وكذلك محارم المرأة مع ابن زوجها وابنه وابن أخيها وابن أختها ومملوكها عند من يجعله محرما متى كان يخاف عليه الفتنة أو عليها توجه الاحتجاب بل وجب.\nوهذه المواضع التي أمر الله تعالى بالاحتجاب فيها مظنة الفتنة ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ ٤ فقد تحصل الزكاة والطهارة\n_________\n١ رواه مسلم وغيره وقد خرجته في \"حجاب المرأة المسلم\" \"ص ٣٥ - طبع المكتب الإسلامي\". وفي \"تخريج الحلال والحرام\" \"رقم: ١٨٨\"\n٢ هذا مع كونه مقطوعا فإن إسناده ضعيف جدا إبراهيم ابن هراسة متروك. والحسن بن ذكروان نفسه فيه ضعف.\n٣ كذا الأصل ولعل الصواب: وهذا من باب الاستدلال\n٤ سورة النور الآية: ٣٠","vol":"1","page":39},{"text":"بدون ذلك لكن هذا أزكى وإذا كان النظر والبروز قد انتفى فيه الزكاة والطهارة لما يوجد في ذلك من شهوة القلب واللذة بالنظر كان ترك النظر والاحتجاب أولى بالوجوب.\nوروى الجماعة إلا مسلما أن النبي ﷺ لعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال: \"أخرجوهم من بيوتكم وأخرجوا فلانا وفلانا\": يعني المخنثين وقد ذكر بعضهم أنهم كانوا ثلاثة: - بيم وهيت وماتع - على عهد رسول الله ﷺ ولم يكونوا يرمون بالفاحشة الكبرى إنما كان تخنثهم وتأنيثهم لينا في القول وخضابا في الأيدي والأرجل كخضاب النساء ولعبا كلعبهن.\nوفي سنن أبي داود عن أبي يسار القرشي١ عن أبي هاشم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ أتي بمخنث وقد خضب رجليه ويديه بالحناء فقال: \"ما بال هذا؟ \" فقيل: يا رسول الله يتشبه بالنساء فأمر به فنفي إلى النقيع٢ فقيل: يا رسول الله ألا نقتله فقال: \" إني نهيت عن قتل المصلين\"\nفإذا كان النبي ﷺ قد أمر بإخراج مثل هؤلاء من البيوت فمعلوم أن الذي يمكن الرجال من نفسه والاستمتاع به وبما\n_________\n١ قال في \"الخلاصة\": مجهول وآخر الحديث المرفوع صحيح وهو مخرج في \"الصحيحة\" \"٢٣٧٩\"\n٢ موقع على عشرين فرسخا أو نحو ذلك من المدينة","vol":"1","page":40},{"text":"يشاهدونه من محاسنه وفعل الفاحشة الكبرى به شر من هؤلاء وهو أحق بالنفي من بين أظهر المسلمين وإخراجه عنهم.\nفإن المخنث فيه إفساد للرجال والنساء لأنه تشبه بالنساء فقد تعاشره النساء ويتعلمن منه وهو رجل فيفسدهن ولأن الرجال إذا مالوا إليه فقد يعرضون عن النساء ولأن المرأة إذا رأت الرجل يتخنث فقد تترجل هي وتتشبه بالرجال فتعاشر الصنفين وتختار هي مجامعة النساء كما يختار هو مجامعة الرجال والله سبحانه قد أمر في كتابه بغض البصر وهو نوعان: غض البصر عن العورة وغضه عن محل الشهوة.\nفالأول: كغض الرجل بصره عن عورة غيره كما قال النبي ﷺ: \"لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة\" ١.\nويجب على الإنسان أن يستر عورته كما قال لمعاوية بن حيدة: \"احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك\".\nقلت: فإذا كان أحدنا مع قومه؟ قال: \"إن استطعت أن لا تريها أحدا فلا يرينها\"\nقلت: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: \"فالله أحق أن يستحيا منه من الناس\" ٢.\n_________\n١ أخرجه أحمد ومسلم وغيرهما وقد مضى \"ص ٢٣\".\n٢ حديث حسن وتقدم \"ص ٢٣\".","vol":"1","page":41},{"text":"ويجوز كشفها بقدر الحاجة كما تكشف عند التخلي.\nولهذا إذا اغتسل الرجل وحده - بحيث يجد ما يستره - فله أن يغتسل عريانا كما اغتسل موسى عريانا١ وأيوب٢ وكما في اغتسال النبي ﷺ يوم الفتح٣ واغتساله في حديث ميمونة٤.\nوأما النوع الثاني من النظر - كالنظر إلى الزينة الباطنة من المرأة الأجنبية - فهذا أشد من الأول كما أن الخمر أشد من الميتة والدم ولحم الخنزير وعلى صاحبها الحد.\nوتلك المحرمات إذا تناولها مستحلا لها٥ كان عليه التعزير لأن هذه المحرمات لا تشتهيها النفوس كما تشتهي الخمر وكذلك النظر إلى عورة الرجل لا يشتهى كما يشتهى النظر إلى النساء ونحوهن وكذلك النظر إلى الأمرد بشهوة هو من هذا الباب.\nوقد اتفق العلماء على تحريم ذلك كما اتفقوا على تحريم النظر إلى الأجنبية وذوات المحارم بشهوة.. إلى أن قال: فصار النظر إلى المردان ثلاثة أقسام:\n_________\n١ هو قطعة من حديث. أخرجه الشيخان عن أبي هريرة\n٢ أخرجه البخاري في حديث لأبي هريرة أيضا\n٣ أخرجاه من حديث أم هانئ\n٤ أخرجاه عن ميمونة\n٥ يعني استحلالا بالفعل غير مضطر إلى تناولها فهذا يعزر. وأما لو استحلها اعتقادا فيكفر اتفاقا","vol":"1","page":42},{"text":"أحدها: ما تقترن به الشهوة فهو محرم بالاتفاق.\nوالثاني: ما يجزم أنه لا شهوة معه كنظر الرجل الورع إلى ابنه الحسن وابنته الحسنة وأمه الحسنة فهذا لا يقترن به شهوة إلا أن يكون الرجل من أفجر الناس ومتى اقترنت به الشهوة حرم.\nوعلى هذا نظر من لا يميل قلبه إلى المردان كما كان الصحابة وكالأمم الذين لا يعرفون هذه الفاحشة فإن الواحد من هؤلاء لا يفرق من هذا الوجه بين نظره إلى ابنه وابن جاره وصبي أجنبي لا يخطر بقلبه شيء من الشهوة لأنه لم يعتد ذلك وهو سليم القلب من قبل ذلك وقد كانت الإماء على عهد الصحابة يمشين في الطرقات متكشفات الرءوس١ ويخدمن الرجال مع سلامة القلوب فلو أراد الرجل أن يترك الإماء التركيات الحسان يمشين بين الناس في مثل هذه البلاد والأوقات كما كان أولئك الإماء يمشين كان هذا من باب الفساد.\nوكذلك المردان الحسان لا يصلح أن يخرجوا في الأمكنة والأزقة التي يخاف فيها الفتنة بهم إلا بقدر الحاجة فلا يمكن الأمرد الحسن من التبرج ولا من الجلوس في الحمام بين الأجانب ولا من\n_________\n١ كأنه يشير إلى ما رواه البيهقي \"٢ / ٢٢٧\" عن أنس قال: كن إماء عمر ﵁ يخدمننا كاشفات عن شعورهن تضطرب ثديهن. وسنده جيد","vol":"1","page":43},{"text":"رقصه بين الرجال ونحو ذلك مما فيه فتنة للناس والنظر إليه كذلك.\nوإنما وقع النزاع بين العلماء في القسم الثالث من النظر وهو النظر إليه بغير شهوة لكن مع خوف ثورانها ففيه وجهان في مذهب أحمد أصحهما وهو المحكي عن نص الشافعي وغيره أنه لا يجوز. والثاني: يجوز لأن الأصل عدم ثورانها فلا يحرم بالشك بل قد يكره. والأول هو الراجح كما أن الراجح في مذهب الشافعي وأحمد أن النظر إلى وجه الأجنبية من غير حاجة لا يجوز وإن كانت الشهوة منتفية لكن لأنه يخاف ثورانها ولهذا حرم الخلوة بالأجنبية لأنه مظنة الفتنة، والأصل أن كل ما كان سببا للفتنة فإنه لا يجوز فإن الذريعة إلى الفساد يجب سدها إذا لم يعارضها مصلحة راجحة.\nولهذا كان النظر الذي قد يفضي إلى الفتنة محرما إلا إذا كان لحاجة راجحة مثل نظر الخاطب والطبيب وغيرهما فإنه يباح النظر للحاجة مع عدم الشهوة وأما النظر لغير حاجة إلى محل الفتنة فلا يجوز.\nوأما الأبصار فلا بد من فتحها والنظر بها وقد يفجأ الإنسان ما ينظر إليه بغير قصد فلا يمكن غضها مطلقا ولهذا أمر تعالى عباده بالغض منها كما أمر لقمان ابنه بالغض من صوته.\nوأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾","vol":"1","page":44},{"text":"[الحجرات: ٣] الآية فإنه مدحهم على غض الصوت عند رسوله مطلقا فهم مأمورون بذلك في مثل ذلك ينهون عن رفع الصوت عنده ﷺ وأما غض الصوت مطلقا عند رسول الله ﷺ فهو غض خاص ممدوح ويمكن العبد أن يغض صوته مطلقا في كل حال ولم يؤمر العبد به بل يؤمر برفع الصوت في مواضع: إما أمر إيجاب أو استحباب.\nفلهذا قال: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩]، فإن الغض في الصوت والبصر جماع ما يدخل إلى القلب ويخرج منه فبالسمع يدخل القلب وبالصوت يخرج منه كما جمع العضوين في قوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٨، ٩]، فبالعين والنظر يعرف القلب الأمور واللسان والصوت يخرجان من عند القلب الأمور هذا رائد القلب وصاحب خبره وجاسوسه وهذا ترجمانه.\nثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠]، وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وقال في آية الاستئذان: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨]، وقال: ﴿فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وقال: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [المجادلة: ١٢] .","vol":"1","page":45},{"text":"وقال النبي ﷺ: \"اللهم طهر قلبي من خطاياي بالماء والثلج والبرد\" ١ وقال في دعاء الجنازة: \"واغسله بماء وثلج وبرد ونقه من خطاياه كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس\" ٢.\nفالطهارة - والله أعلم - هي من الذنوب التي هي رجس.\nوالزكاة تتضمن معنى الطهارة التي هي عدم الذنوب ومعنى النماء بالأعمال الصالحة: مثل المغفرة والرحمة ومثل النجاة من العذاب والفوز بالثواب ومثل عدم الشر وحصول الخير.\nوأما نظر الفجأة فهو عفو إذا صرف بصره كما ثبت في \"الصحاح\"٣ عن جرير قال سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة قال: \"اصرف بصرك\"\nوفي السنن أنه قال لعلي ﵁: \" يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الثانية\" ٤ وفي الحديث الذي في المسند وغيره: \"النظر سهم مسموم من سهام إبليس\" وفيه: \" من نظر إلى محاسن امرأة ثم\n_________\n١ رواه البخاري\n٢ رواه مسلم يراجع أحكام الجنازة\n٣ كذا الأصل ولعل الصواب \"الصحيح\": يعني \"صحيح مسلم\" فإن إطلاق لفظة \"الصحاح\" على الأمهات الستة فيه تساهل لا يخفى على أهل العلم ولذلك لم يجر عليه المتقدمون العارفون بهذا العلم. وقد مضى الحديث \"ص ٢٨\"\n٤ حديث حسن، روي من طريقتين عند أحمد وغيره، وقد خرجته في \"حجاب المرأة المسلمة\"، \"ص:٣٤\".","vol":"1","page":46},{"text":"غض بصره عنها أورث الله قلبه حلاوة عبادة يجدها إلى يوم القيامة\" ١. أو كما قال\nولهذا يقال: إن غض البصر عن الصورة التي ينهى عن النظر إليها: كالمرأة والأمرد الحسن يورث ذلك ثلاث فوائد جليلة القدر:\nإحداها: حلاوة الإيمان ولذته التي هي أحلى وأطيب مما تركه لله \" فإن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه\" ٢.\nوأما الفائدة الثانية من غض البصر: فهو يورث نور القلب والفراسة قال تعالى عن قوم لوط: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]، فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل وعمى البصيرة وسكر القلب بل جنونه.\nوذكر الله سبحانه آية النور عقيب آيات غض البصر فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] وكان شاه بن شجاع الكرماني٣ لا تخطئ له فراسة وكان يقول:\n_________\n١ حديث ضعيف جدا وكذا الذي قبله وقد خرجتهما في \"الضعيفة\" \"١٠ ٦٤ و١٠٦٥\".\n٢ قلت: هذا من حديث رواه أحمد بسند صحيح.\n٣ قلت: هو من رجال \"الحلية\" لأبي نعيم ترجم له \"١٠ / ٢٣٧ – ٢٣٨\" وذكر أنه كان من أصحاب أبي تراب النخشي. ولم يذكر وفاة.","vol":"1","page":47},{"text":"من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وغض بصره عن المحارم وكف نفسه عن الشهوات وذكر خصلة سادسة أظنه١ هو أكل الحلال: لم تخطئ له فراسة.\nوالله تعالى يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله فيطلق نور بصيرته ويفتح عليه باب العلم والمعرفة والكشوف ونحو ذلك مما ينال ببصيرة القلب.\nالفائدة الثالثة: قوة القلب وثباته وشجاعته فيجعل الله له سلطان البصيرة مع سلطان الحجة فإن الرجل الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله ولهذا يوجد في المتبع هواه من ذل النفس وضعفها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه.\nوإن الله جعل العزة لمن أطاعه والذلة لمن عصاه قال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] .\nولهذا كان في كلام الشيوخ: الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا في طاعة الله.\n_________\n١ هذا من المصنف وكأنه نقله من حفظه كما هي عادته ولفظه في \"الحلية\": \"وعود نفسه أكل الحلال\"","vol":"1","page":48},{"text":"وكان الحسن البصري يقول: وإن هملجت بهم البراذين وطقطقت بهم البغال فإن ذل المعصية في رقابهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه ومن عصاه ففيه قسط من فعل من عاداه بمعاصيه وفي دعاء القنوت: \"إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت\"١\nوأما أهل الفواحش الذين لا يغضون أبصارهم ولا يحفظون فروجهم فقد وصفهم الله بضد ذلك: من السكرة والعمه والجهالة وعدم العقل وعدم الرشد والبغض وطمس الأبصار هذا مع ما وصفهم به من الخبث والفسوق والعدوان والإسراف والسوء والفحش والفساد والإجرام فقال عن قوم لوط: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فوصفهم بالجهل وقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وقال: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ وقال: ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ وقال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ وقال: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ وقال: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]","vol":"1","page":49},{"text":"\"١\" انظر: \"صفة الصلاة\" \"ص ١٩٦ - الطبعة السابعة - طبع المكتب الإسلامي\"\n[٤٩]\nإلى قوله: ﴿انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ وقوله: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾\nبل قد ينتهي النظر والمباشرة بالرجل إلى الشرك كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]\nولهذا لا يكون عشق الصور إلا من ضعف محبة الله وضعف الإيمان والله تعالى إنما ذكره في القرآن عن امرأة العزيز المشركة وعن قوم لوط المشركين والعاشق المتيم يصير عبدا لمعشوقه منقادا له أسير القلب له\nوالله أعلم، وصلى الله على محمد.","vol":"1","page":50}]}