{"ً":{"ٌ":11162,"ٍ":"حقوق آل البيت","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"كتب ابن تيمية/حقوق آل البيت بين السنة والبتدعة - ابن تيمية - ت عطا - ط العلمية ط2","files":["42626.pdf"]},"ّ":"الكتاب: حقوق آل البيت\nالمؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت ٧٢٨ هـ)\nالمحقق: عبد القادر أحمد عطا [ت ١٤٠٣ هـ]\nالناشر: دار الكتب العلمية بيروت - لبنان\nعدد الصفحات: ٦٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":54,"ٕ":1,"ٖ":1770153760,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الصراع بين ابن تيمية وخصومه","level":1,"page":7},{"title":"صور المخطوطات","level":1,"page":12},{"title":"أول كتاب حقوق آل البيت","level":1,"page":13},{"title":"وحدة المسلمين بالكتاب والسنة","level":1,"page":15},{"title":"أهل البيت وخصائصهم","level":1,"page":19},{"title":"صفات أهل الفيء","level":1,"page":25},{"title":"سب الصحابة ... حرام على آل البيت وغيرهم","level":1,"page":27},{"title":"جهل الشيعة بمذهب الإمام علي","level":1,"page":30},{"title":"عوامل الضلال","level":1,"page":33},{"title":"أهل الاستقامة ... عند المصيبة","level":1,"page":40},{"title":"بدع وضلالات","level":1,"page":46}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,19":13,"1,20":14,"1,21":15,"1,22":16,"1,23":17,"1,24":18,"1,25":19,"1,26":20,"1,27":21,"1,28":22,"1,29":23,"1,30":24,"1,31":26,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65},"ٜ":{"1":[5,69]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15",null,"1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,30","1,31","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69"],"ٞ":{"1":[1],"7":[2],"12":[3],"13":[4],"15":[5],"19":[6],"25":[7],"27":[8],"30":[9],"33":[10],"40":[11],"46":[12]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة </span>التحقيق:\nحقوق آل البيت\nآل البيت النبي محمد ﷺ هم على وجه التحقيق: علي وفاطمة وأولادهما، وتناسل منهما حتى تقوم الساعة.\nوآل البيت النبي مفروض على المسلمين حبهما ومودتها بأمر الله تعالى في كتابه العزيز:\n﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ١.\nوحب آل البيت النبوي إنما كان من أجل رأس هذا البيت وهو رسول الله ﷺ ...\nوقضية الحب هذه شغلت أذهان الكثيرين من السابقين واللاحقين ... وكان الانحراف فيها تبعا لعدم التفرقة بين الحب النفسي، والحب العقلي القلبي.\nفالحب النفسي انفعال ظاهري بظاهر الأشياء دون التعمق في بواطنها وفي أسرار جمالها الذي اقتضى هذا الإنفعال.\nالحب النفسي لا يعني إلا بالظواهر وحدها، ومن ثم قد يحب الإنسان شيئا جميلا في ظاهره وباطنه، كأن يعجب بجوهر نفيس كالذهب والماس ... وقد يحب شيئا جميلا في ظاهره دون باطنه، كأن يحب نمطا من المجوهرات الصناعية البراقة الأخاذة بمجامع النفس ... ولكنه في كلا الحالين لا يتجاوز\n_________\n١-سورة الشورى، آية: ٢٣.","vol":"1","page":5},{"text":"الظاهر إلى الباطن، ولا البريق إلى القيمة..فكل نصيب المحب هو الانفعال الفوري، والإعجاب الذي يجترف الأحاسيس من غير هوادة.\nأما الحب العقلي فلا يعني بشيء إلا البواطن والقيم، حتى ولو لم يكن في ظاهر الشيء محبوب شيء مما اصطلح على تسميته بالجمال ...\nيحب الإنسان الرجل الصالح وإن كان فقيرا في ظاهره، كما يحبه وإن كان غنيا جميل الظاهر سواء بسواء.\nويحب المرأة العفيفة الصالحة وإن قل جمال ظاهرها، وافتقرت من المال، كما يحبها غنية جميلة الظاهر سواء بسواء.\nويحب الزهرة الجميلة لا لأنها تزين الموائد والمحافل، ولكن لأن دلالاتها على إبداع الخالق أكثر من أن تحصى ...\nويحب المال لا لأنه وسيلة ترف وزينة، ولكن لأنه يستطيع أن يغني به فقيرا، ويحافظ على إيمان مؤمن ويحمي عرض مضيع من أهله وقومه.\nهذا هو الفرق بين حب النفس وحب العقل والقلب.\nومن هنا اختلف التعبير عن هذا الحب تبعا لقدرات النفس المنفصلة عن العقل، أو لقدراتها مقترنة وممتزجة بقدرات العقل والوجدان القلبي العميق ...\nولقد نجح الرسول ﷺ في وصل نفوس أصحابه بعقولهم وهم يعبرون عن حبهم له.\nوردهم في بعض الحالات التي عبروا فيها نفسيا عن هذا الحب حين قال له بعضهم: ألا نسجد لك؟ فأعلن أنه عبد ولا شيء غير الله ورسوله، وأن المستحق للسجود هو الله وحده ...","vol":"1","page":6},{"text":"وكان اجتماعه بهم، واقتداؤهم به في العمل عاملا رئيسيا في تحويل حبهم النفسي إلى حب عقلي وجداني بلغ قمته في قول الأنصار: \" والله يا رسول الله لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك\".\nوكانت عهودهم معه تنص على: أن يحموه مما يحمون به أنفسهم وأهليهم ... وبذلوا دماءهم تعبيرا صادقا عن حب الله ورسوله، وطاعة الله ورسوله.\n﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ١.\nعبروا عن حبهم بالعمل على مقتضى سنته ومقتضى القرآن لا يحيدون ولا يكسلون.\nوعلموا: أن الحب هو الموافقة في القول والعمل والسمت والحلية، وداسوا في سبيل العمل كل زينة وكل بهرج تهواه النفس بخداعها وضلالها، ومحاولتها الحيدة بصاحبها عن المنهاج السوي.\nومضت السنون، وكان آل البيت قادة في العمل، وأعجب بهم بعض الناس إعجابا نفسيا ظهرت صورته في الصراخ والهتاف وتكثير الجموع، وإشاعة الخرافة، حتى قال الإمام زين العابدين علي بن الحسين لبعض غلاة الشيعة: \" أحببتمونا حتى صار حبكم علينا عارا\".\nويستحيل أن يكون حبهم عليهم عارا وهم يقتدون بهم في القول والعمل. اللهم إلا أن يكونوا قد انحرفوا إلى نوع من الخرافة النفسية الخادعة هو الذي دفع الإمام إلى هذا القول.\nلقد ردد غلاة الشيعة أقوالا حول عصمة الإمام، وحول استقلال الإمام،\n_________\n١-سورة النساء، آية: ٨٠.","vol":"1","page":7},{"text":"بحساب شيعته يوم البعث، وتلك نحلة نضجت تماما على يد حسن الصباح زعيم الحشاشين في \" الموت\".\nوبدأت صفات الربوبية تتسلل إلى الأئمة والدعاة والأبواب، تعبيرا نفسيا خالصا عن الحب الممزوج بخداع النفس مركب الشيطان.\nولهذا سألوا الإمام زين العابدين: متى يبعث الإمام؟ يعنون عليا ﵁ - فقال: \"يبعث يوم القيامة وتهمه نفسه وحدها، ولا شأن له بغيره أمام أحكم الحاكمين\".\nوتطور خداع النفس، وتطور صرفها لأصحابها عن العمل تعبيرا عن الحب إلى مظاهر أخرى بعيدة عن العمل المشروع ... فنصبت الأضرحة على مقابر آل البيت والصالحين بشكل معين يكاد يكون واحدا في كل صقع من الأصقاع، وأوقدت القناديل، وأحرق البخور ونحرت الذبائح، وأقام المنتفعون حولهم يذيعون الخرافة، ويبتزون الأموال، ويصطنعون كل ما يثير شوق النفس إلى عالم الأسرار.\nوالحق أن هذا السلوك كان عجزا عن العمل، عجزا من العقل عن تلك الرحلة المضنية التي يصل من خلالها إلى اليقين بالله، فصنعت له النفس مصدرا سهلا من اليقين المتسلسل من عالم الغيب. وما على الإنسان إلا أن يوقن بسر العالم المادي، فإذا اليقين بالغيب مكتوب ومحكوم به لهذا العبد لا يخطئه ولا يتخطاه.\nولست أول من قال بذلك.\nولكن الإمام الناقد الجليل الحارث بن أسد المحاسبي أفاض في القول بذلك في كتابه \"آداب النفوس\"١ وأقام الأدلة المحسوسة على ضلال الحب\n_________\n١-انظر: آداب النفوس للمحاسبي. من تحقيقنا.","vol":"1","page":8},{"text":"في أي مظهر إلا في العمل الموافق لمرضاة الله ﷿.\nفهذا يقول: إن الجائع يحب الطعام، والعطشان يحب الماء، ولا يكتفي الجائع بوضع الطعام أمامه، ولا العطشان بتعليق الماء في رقبته، حتى ينال من الطعام ويشرب من الماء، فإذا قرب الطعام والشراب إلى الجائع والعطشان فلم ينل أحدهما من أحدهما شيئا، كان كاذبا من دعواه الجوع والعطش.\nوهكذا فالذي يحب الله ورسوله، وهو كاذب في دعواه إن لم يعمل وفق أمر الله ورسوله.\nبل إن هذا هو المشهود في عالم الدنيا ممن يحب بعضهم من الناس، فنجد من يحب إنسانا يسعى بكل جهوده ليرضيه ويعمل بما يريد حتى يرضى.\nفكيف إذا كان الحب لله ورسوله تحولت الرغبة من الإرضاء إلى صراخ وعويل وشموع ونذور باطلة؟!!.\nوكما يقول المحاسبي: ستقرب على الله بما يسخط الله\".\nونحن لا نرمي كل المحبين بهذا السفه في الرأي، والعته في الفكر ... وإنما هم شراذم من الخلق أعماهم الجهل، وأصمهم العجز، وأبوا أن يعترفوا بعجز وجهل، فراحوا يشيعون حول أنفسهم وحول من أحبهم عالما من الأسرار ربما كان المحبون منه براء، وادعوا لأنفسهم للمحبوبين بمثل ما تقرب به أولئك السدنة في هيكل الأسرار، وحذروهم من الاعتراض على أعمالهم خوفا من أن يصيبهم المحبوبون بالدمار والبوار.\nلقد أصبحنا نسمع في عالم الأسرار أقوالا ما كانت في أقوال السلف، وما نزل بها قرآن، وما نطقت بها سنة، نتيجة لهذا الانحراف في المسلك حين","vol":"1","page":9},{"text":"يحب الإنسان الجاهل ربه ورسوله وصالحي أهل دينه.\nومنها: المحبوب منسوب ولو كله عيوب\"!!؟.\n\"من اعترض انطرد\"!!؟\n\"احذر من الاعتراض على شيخك ولو وجدته على كبيرة من الكبائر، فإن له حالا لا تعلمه\"!!؟\nوقد كان رسول الله ﷺ أولى بذلك حينما اعترض عليه عمر ﵁ لما توجه للصلاة على عبد الله بن أبي سلول رأس النفاق حين مات، ولم ينهه رسول الله ﷺ عن الاعتراض، بل رد عليه مبينا وجهة نظره في هدوء المعلم الحكيم الهين اللين.\nتلك هي قضية هذا الكتاب التي عالجها الإمام ابن تيمية علاجا عقليا وفقهيا، مبينا ضلال غلاة الشيعة عن مذهب الإمام علي ﵁، وضلال الجهلة من المحبين عن سنة رسول الله ﷺ.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الصراع بين ابن تيمية وخصومه:</span>\nعاش الإمام ابن تيمية في عصر تبدلت فيه أحوال الأمة الإسلامية فكرا وسلوكا، وكان ذلك منذ أن بعدت عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وبذلك تخلفت عن الدور القيادي الذي قدره الله لها، وأمرها بأن تسير إليه على طريق الجهاد ... وكان أن أخذت الأمة من فكر غيرها مما لا يحكمه كتاب ولا سنة بقدر ما تركت من هذين المصدرين الرئيسين في شرعة الإسلام.\nوارتفعت الصيحات المخلصة تدعو الأمة حكاما ومحكومين وعلماء وعامة إلى الأخذ بمنهج الإصلاح الذي صلحت به حال هذه الأمة من قبل، وهو العودة إلى الكتاب والسنة والاسترشاد بمفهوم السلف الصالح وتطبيقهم لما في الكتاب والسنة من المبادئ والمقومات البناءة للنهضة والإصلاح.\nكان المرض لذي أصاب الأمة هو الزيف الفكري، والابتداع الزائف لشرع الله وسنة رسوله.\nوقد أدى هذا الابتداع الزائف إلى صراع مرير بين دعاة الإصلاح عن طريق العودة إلى سلوك السلف من الصحابة والتابعين وبين أولئك الذين أعطوا أنفسهم حتى الإضافة والحذف كما يحلو لهم، وفيما ليس فيه حق.\nواقتضى هذا الصراع ظهور مدارس متعددة تدور حول العقيدة والسلوك وهما حركة الإسلام.\nوكانت أبين هذه المعارك وأظهرها صيحات شيخ الإسلام ابن تيمية في","vol":"1","page":11},{"text":"القرن الثامن الهجري في وجه التصوف والصوفية إذ حمله ابن تيمية تبعة كثير من مظاهر الفساد في الأفكار والابتداع في السلوك.\nولئن كان الحوار بين ابن تيمية وخصومه ساخنا وحادا ولاذعا باعتبار أن ابن تيمية كان يمثل الهجوم الذي يعني ببيان الحق ويميزه عن الباطل، ومع ذلك فلم يمنع خصومه من أن يوافقوه على هجماته على الصوفية في عصره.\nومن يدمن مطالعة مؤلفات ابن تيمية يمكن أن يدرك بسهولة أنه كان يميل إلى الزهاد الأوائل، ويمدح شيوخ التصوف المشروع، وفي الوقت نفسه كان ينعي على ابن عربي وأتباعه، ويربط بين الإشراقية والصابئة.\nلقد رمي شيخ الإسلام ابن تيمية بالغلظة وتحجر القلب من جانب الصوفية ...\nوالحق أنه لم يكن غليظ القلب ولا متحجرا، ولكن طبيعة الحوار الساخن الذي دار بينه وبين خصومه وهو يدعو إلى وحدة الفكر والسلوك تحت لواء السلفية قد غطى على كثير من جوانب الرقة والروحية في شخصيته بل إنه كان يفيض رقة حين كان يأوي إلى المساجد المهجورة يناجي ربه أن يفتح عليه مغاليق الفكر في مسألة قائلا: \"يا معلم إبراهيم علمني\".\nوالحق أن ابن تيمية ركز هجومه على المدارس التي ظهر فيها إيهام الحلول والاتحاد كمدرسة ابن عربي، وابن سبعين، وابن الفارض، والحلاج.\nوقد تتبع ابن تيمية الأفكار التي أثرت في الحلاج من معاصريه أو من قريبي العهد من عصره كابن بسكويه \"٣٦٩هـ\" والحافظ البغدادي \"٤٦٣هـ\".\nوأثبت باطنية الحلاج وادعاءاته الباطلة مثل فتوى إبليس، وبما جرى على لسانه من قوله: \"أنا الحق\" وهاجم اعتذار الصوفية عن الحلاج، وكشف أن الحلاج حاول خداعهم بمثل قوله: عليك بنفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك","vol":"1","page":12},{"text":"بالباطل\".\nولم يكن أن تيمية يعبر عن فكره في قضية الحلاج بل إنه حكم الشرع في أمره حيث حاول أن يسقط ركن الحج من الإسلام.\nنأسف أشد الأسف لما أصاب التصوف على أيدي أهله من موبقات نرى أنها تمثل خطرا على العقيدة ذاتها، ويمكن إجمال تلك الأخطار فيما يلي:\n١-فقد تطورت المصطلحات الصوفية الأساسية تطورا خطيرا نظرا للاستهواء الذي يفوح من أرجاء عالم التصوف، ونظرا لما يتبع الصفاء الروحي من شفافية قد حجبت الكثافة المادية إلى ما وراءها من المعاني كل ذلك أدى إلى تطور خطير في المصطلح ابتعد به عن أصله الصحيح إلى تفريعات باطلة لا أصل لها من دين، في الوقت الذي تنضح فيه بالابتداع.\nفمثلا مصطلح \"المريد\". وهو من الإرادة: والإرادة في المصطلح العلمي السلوكي الذي يمكن أن نسميه بالمصطلح الصوفي هي عملية تسبق النية في العمل، إذ يحدد العامل إرادته من عمله، لماذا يعمل هذا العمل، وحينما يحدد إرادة الله يبدأ في تصفية إرادة الله من كل شائبة ومن كل خاطر يختلط بتلك الإرادة فيفسدها.\nهذا التحديد هو الإرادة، وفاعله هو المريد. ولكن هذا المصطلح تطور فأصبح المريد هو مريد الطريقة، ثم تطور فأصبح المريد هو مريد شيخ بعينه..فمن إرادة الله إلى الشيخ كانت بلايا لا يعرف مداها إلا الله والراسخون في العلم.\n٢-وترتب على فساد المصطلح هكذا عدوان على العقيدة ذاتها. فالشيخ الجاهل قد استهواه اجتماع مريديه من حوله، وأصبح مشغولا بالحفاظ على المجد الدنيوي الذي يجمع الناس من حوله طائعين لأمره، مبجلين،","vol":"1","page":13},{"text":"خاضعين لسلكانه ومن ثم ابتدعت تعليمات وقواعد لآداب المريد شيخه منها:\nأ-ألاّ يسيء الظن بشيخه ولو رآه على كبيرة من الكبائر!!؟ وهنا اختلفت التعليلات.\nفمن قائل: إن الشيخ له حال مع الله لا يعلمها إلا الله فلا يجوز الاعتراض عليه.\nومن قائل إن الشيخ مرشد وليس بمعصوم ...\nولكننا في كلا الحالتين لا ندري علة شرعية لتعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولأصل النصح لله ورسوله وكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم.\nوكيف يمتنع الاعتراض على شيخ مرتكب للكبيرة، ولم يمتنع الاعتراض على رسوله ﷺ من عمر حين ذهب للصلاة على زعيم المنافقين ومنه ومن غيره في صلح الحديبية.\nب-ألا يجلس على سجادته ولا يأكل في حضرته ولا يستعمل ما يستعمله الشيخ من وسائل الحياة لئلا يلحقه المقت من الله!!؟\nوعللوا هذا بأن حال الشيخ في سجادته فربما كان حالا لا يطيقه المريد فيضطرب أمره!!؟\nوتلك فرية ما علمنا لها أصل من شرع الله ولا في سنة رسوله أبدا.\nج-أن يصور شيخه بين عينيه حين الذكر ولا يدع صورته أبدا حتى يغيب في الذكر ... وهذا شرك واضح لا يحتاج إلى بيان.\nد-أن يكون بين يدي شيخه كالميت بين يدي غاسله لا يتحرك ولا يتكلم!!؟\nهـ-أن يطيع شيخه طاعة عمياء ولو لم يعلم لأمره إياه حكمة ظاهرة!!؟","vol":"1","page":14},{"text":"وغير هذا كثير مدون في آداب المريد مع شيخه في كتب السلوك الصوفي خلاصتها ... \"عبادة الفرد\" أو إذلال المسلم والحجر على فكره ولو كان أمرًا بمعروف أو نهيا عن منكر.\nتلك بعض البلايا التي تطور إليها السلوك الصوفي، والتي كان بعضها أو كلها موجودا في عصر ابن تيمية، مما يعطي هذا الإمام حقه كاملا في الدفاع عن الإسلام، وفي شجب كل ما يهدده من الأوهام من قريب أو من بعيد سدا للذريعة، منعا للجريمة قبل وقوعها ...\nومع كل ذلك فلم نعلم التصوف قد تطور في عصرنا الحاضر إلى شيء نافع للإسلام والمسلمين ... اللهم إلا حشد من جهلاء المشايخ ضاع بينهم المخلصون ... وطقوس وثنية من الطبل والزمر والبكاء والتعرية أثناء ذكر الله..ثم الرقص والشبع، ثم الاختلاط المزري بين الجنسين، ثم دنيا المجاذيب بما فيها من الأحوال المزعومة التي لا يجوز الاعتراض عليها من مخلوق وإلا حاقت بالمعترض لعنة الله!!؟\nنسأل الله ﵎ السلامة في ديننا ودنيانا، المغفرة من كل ذنب، والعصمة من كل أمر.\nوالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>صور المخطوطات</span>\n...\nNo pages","vol":"1","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>أول كتاب حقوق آل البيت</span>\n...\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقال الشيخ الإمام العالم العامل فريد عصره، مفتي الفرق، شيخ الإسلام، تقي الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ الإمام العالم شهاب الدين عبد الحليم ابن الشيخ الإمام العلامة مجد الدين عبد السلام بن تيمية ﵁ وأرضاه، وأعلى درجته:\nهذا الكتاب إلى من يصل إليه من الإخوان المؤمنين الذين يتولون الله ورسوله والذين آمنوا يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون. الذين يحبون الله ورسوله، فإن من محبة الله وطاعته محبة رسوله وطاعته، ومن محبة رسوله وطاعته محبة من أحبه الرسول وطاعة من أمر الرسول بطاعته.\nكما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١.\nوقال النبي ﷺ: \" من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني\" ٢.\nوقال ﷺ فيما رواه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: \"إنما\n_________\n١-سورة النساء، آية:٥٩.\n٢-الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد باب ١٠٩. وكتاب الاعتصام باب=","vol":"1","page":19},{"text":"الطاعة في المعروف\" ١.\nوقال: \"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق\" ٢.\nسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، ونصلي على إمام المتقين، وخاتم النبيين محمد عبده ورسوله، ﷺ تسليما كثيرا، أما بعد:\n_________\n=٢، وكتاب الأحكام باب١. ومسلم في صحيحه ي كتاب الإمارة حديث ٣٢، والنسائي في سننه في كتاب البيعة باب٢٧. وابن ماجة في سننه في المقدمة باب١، وفي كتاب الجهاد باب٣٩، والإمام أحمد في المسند ٢/٥١١،٤٧١،٤٦٧،٤١٦،٣٨٢،٣٤٢،٣١٣،٢٧٠،٢٥٢،٢٤٤،٩٣.\n١-أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأحكام باب٤، وفي الآحاد باب١، وفي المغازي باب ٥٩. ومسلم في صحيحه في كتاب الإمارة حديث ٣٩،٤٠ وأبو داود في سننه في كتاب الجهاد باب٨٧. والنسائي في سننه في البيعة باب٣٤. والإمام أحمد في المسند ١/٨٢-٩٤-١٢٤. وأشار السيوطي في الجامع الصغير حديث رقم ٩٩٠٢ إلى أنه حديث صحيح.\n٢-الحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند والحاكم في مستدركه عن عمران بن الحصين، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: \" رجال أحمد رجال الصحيح، ورواه البغوي عن النواس، وابن حبان عن علي بلفظ \" لا طاعة لبشر في معصية الله\" وله شواهد في الصحيحين. وأورده الإمام السيوطي في الجامع الصغير وصححه.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>وحدة المسلمين بالكتاب والسنة:</span>\nإن الله ﷾ بعث محمدا بالكتاب والحكمة ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد.\nوقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١.\nوقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ﴾ ٢.\nوقال لأزواج نبيه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ ٣.\nوالذي كان يتلوه هو رسول الله ﷺ في بيوت أزواجه: كتاب الله والحكمة.\nفكتاب الله هو القرآن، والحكمة هي ما كان يذكره من كلامه، وهي سنته. فعلى المسلمين أن يتعلموا هذا وهذا.\n_________\n١-سورة آل عمران، آية ١٦٤.\n٢-سورة البقرة، آية: ٢٣١\n٣-سورة الأحزاب، آية:٣٤.","vol":"1","page":21},{"text":"وفي الحديث المشهور الذي رواه الترمذي وغيره عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"ستكون فتنة. قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعى إليه هدى إلى صراط مستقيم ١.\nوقال الله تعالى في كتابه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٢.\nوقال في كتابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ٣.\nفذم الذين تفرقوا فصاروا أحزابا وشيعا، وحمد الذين اتفقوا وساروا جميعا معتصمين بحبل الله الذي هو كتابه شيعة واحدة للأنبياء.\nكما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ ٤ وإبراهيم هو إمام الأنبياء كما قال تعالى:\n_________\n١-الحديث أخرجه الترمذي في ثواب القرآن باب ١٤. والدارمي في المسند، في كتاب فضائل القرآن باب١. والإمام أحمد في المسند ٩١١١.\n٢-سورة آل عمران، آية:١٠٣.\n٣-سورة الأنعام، آية:١٥٩.\n٤-سورة الصافات، آية:٨٣.","vol":"1","page":22},{"text":"﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ١.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢.\nإلى أن قال: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣.\nوكان النبي ﷺ يعلم أمته أن يقولوا إذا أصبحوا: \"أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد ﷺ وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين\" ٤.\nوقال النبي ﷺ: \" ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، فلا ألفين رجلا شبعان على أريكته يقول: بيننا وبينكم هذا القرآن، فما وجدنا فيه من حلال حللناه، ما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا إني أوتيت الكتاب ومثله ومعه\" ٥.\nفهذا الحديث موافق لكتاب الله، فإن ذكر في كتابه أنه \"ﷺ\"٦\n_________\n١-سورة البقرة، آية:١٢٤.\n٢-سورة النحل، آية:١٢٠.\n٣-سورة النحل، آية:١٢٣.\n٤-أخرجه الدارمي في مسنده، كتاب الاستئذان باب ٥٤. والنسائي في سننه، كتاب السهو باب ٦٢. والإمام أحمد في المسند ١/٤، ٦٣،٣/٤٠٦،٤٠٧،٥/١٢٣.\n٥-أخرجه ابن ماجة في سننه، في المقدمة باب٢، والترمذي في العلم باب١٠، والإمام أحمد ٤/١٣٢.\n٦-مابين المعقوفتين سقطت من الأصل.","vol":"1","page":23},{"text":"يتلو الكتاب والحكمة، وهي التي أوتيها مع الكتاب.\nوقد أمر في كتابه بالاعتصام بحبله جميعا، ونهى عن التفريق، الاختلاف، و\"أمر\"١ أن نكون شيعة واحدة، لا شيعا متفرقين، وقال الله تعالى في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٢.\nفجعل المؤمنين إخوة، وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل مع وجود الاقتتال والبغي.\nوقال النبي ﷺ: \" مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر\" ٣.\nوقال: \" المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا\" ٤ وشبك بين أصابعه.\nفهذه أصول الإسلام التي هي الكتاب والحكمة، والاعتصام بحبل الله جميعا \"واجب\" على أهل الإيمان للاستمساك بها.\n_________\n١- مابين المعقوفتين سقطت من الأصل.\n٢- سورة الحجرات، آية: ٩،١٠.\n٣- الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأدب باب ٢٧. ومسلم في صحيحه في كتاب البر حديث ٦٦-٦٧. والإمام أحمد في المسند٤/٢٦٨-٢٧٠-٢٧٤-٢٧٦-٢٧٨-٣٧٥. وأورده الإمام السيوطي في الجامع الصغير حديث رقم ٨١٥٥ وعزاه إلى الإمام أحمد ومسلم عن النعمان بن بشير، وأشار إلى صحته.\n٤-أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة باب٨٨، وفي كتاب الأدب باب٣٦،=","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>أهل البيت وخصائصهم:</span>\nمن هم أهل البيت؟\nولا ريب أن الله قد أوجب فيهم من حرمة خلفائه وأهل بيته والسابقين الأولين، والتابعين لهم بإحسان ما أوجب.\nقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا. وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١.\nوقدر روى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن أم سلمة: أن هذه الآية لما نزلت أدار النبي ﷺ كساءه على علي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ فقال: \"اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا\" ٢.\nوسنته تفسر كتاب الله تبينه، وتدل عليه، وتعبر عنه.\n_________\n= وفي المظالم باب ٥. ومسلم في صحيحه في كتاب البر حديث ٦٥، والترمذي في البر باب ١٨. النسائي في الزكاة باب ٦٧. والإمام أحمد في المسند ٤/١٠٤-٤٠٥-٤٠٩. وأورده السيوطي في الجامع الصغير حديث رقم ٩١٤٣ وأشار إلى صحته بعد عزوه للشيخين والترمذي والنسائي.\n١-سورة الأحزاب: آية:٢٨.\n٢-الحديث أخرجه الترمذي في المناقب باب ٦٠، والإمام أحمد في مسنده ١/٣٣١، ٣/٢٥٩،٢٨٥،٦/٢٩٢-٢٩٨-٣٠٤.","vol":"1","page":25},{"text":"فلما قال: \"هؤلاء أهل بيتي\" مع أن سياق القرآن يدل على أن الخطاب مع أزواجه، علمنا أن أزواجه وإن كنّ من أهل بيته كما دل عليه القرآن، فهؤلاء أحق بأن يكونوا أهل بيته، لأن صلة النسب أقوى من صلة الصهر١.\nوالعرب تطلق هذا البيان للاختصاص بالكمال لا للاختصاص بأصل الحكم، كقول النبي ﷺ: \" ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، وإنما المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يتفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس إلحافا\"٢.\nبين بذلك: أن هذا مختص بكمال المسكنة، بخلاف الطواف فإنه لا تكمل فيه المسكنة، لوجود من يعطيه أحيانا، مع أنه مسكين أيضا.\nويقال: هذا هو العالم، وهذا هو العدو، وهذا هو مسلم لمن كمل فيه ذلك وإن شاركه غيره في ذلك وكان دونه.\nونظير هذا \"في\"٣ الحديث ما رواه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: \" مسجدي هذا\" يعني: مسجد المدينة. مع سياق القرآن في قوله عن مسجد الضرار: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ\n_________\n١-المصاهرة: هي القرابة الناشئة بسبب الزواج.\n٢-أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التفسير سورة رقم ٢، وفي الزكاة باب ٥٣، وأبو داود في سننه في كتاب الزكاة باب ٢٤. النسائي في سننه في كتاب الزكاة باب ٧٦. والدارمي في مسنده كتاب الزكاة باب٢. ومالك في الموطأ في كتاب صفة النبي حديث ٧. والإمام أحمد في المسند ١/٣٨٤-٤٤٦،٢/٢٦٠-٣١٦-٣٩٣-٣٩٥-٤٤٩-٤٥٧-٤٦٩. وأورده السيوطي في الجامع الصغير حديث رقم ٧٥٨٥ وعزاه إلى الشيخين وأبو داود والنسائي والإمام أحمد، وأشار إلى صحته.\n٣-ما بين المعقوفتين سقطت من الأصل.","vol":"1","page":26},{"text":"فِيهِ، فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ١ يقتضي أنه مسجد قباء.\nفإنه قد تواتر أنه قال لأهل قباء: \" ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به؟ \" فقالوا: لأننا نستنجي بالماء٢\".\nلكن مسجده أحق بأن يكون مؤسسا على التقوى من مسجد قباء، وإن كان كل منهما مؤسسا على التقوى، وهو أحق أن يقوم فيه من مسجد الضرار.\nفقد ثبت عنه ﷺ: إنه كان يأتي قباء كل سبت راكبا وماشيا، فكان يقوم في مسجده القيام الجامع يوم الجمعة، ثم يقوم يوم السبت ٣. وفي كل منهما قد قام في المسجد المؤسس على التقوى.\nولما بين سبحانه أنه يريد أن يذهب الرجس عن أهل بيته ويطهرهم تطهيرا، دعا النبي ﷺ أقرب أهل بيته وأعظمهم اختصاصا به، وهم: علي، وفاطمة ﵄، وسيدي شباب أهل الجنة، جمع الله لهم بين أن قضى لهم بالتطهير، وبين أن قضى لهم بكمال دعاء النبي ﷺ فكان من ذلك ما دلنا على أن إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم نعمة من الله، ليسبغها عليهم، ورحمة من الله وفضل لم يبلغوهما بمجرد حولهم وقوتهم، إذ لو كان كذلك\n_________\n١-سورة التوبة آية:١٠٨.\n٢-أخرجه الإمام أحمد في المسند ٣/٤٢٢،٦/٦. وابن ماجة في سننه في كتاب الطهارة باب٢٨.\n٣-أخرجه البخاري في صحيحه في فضل الصلاة في مسجد مكة باب٣،٦ وفي الاعتصام باب١٦. ومسلم في صحيحه في كتاب الحج حديث ٥١٥-٥١٩-٥٢١. وأبو داود في سننه في كتاب المناسك باب ٩٥. والنسائي في سننه في كتاب المساجد باب٩. ومالك في الموطأ كتاب السفر حديث ٧١. والإمام أحمد في المسند ٢/٥-٣٠-٥٧-٥٨-٦٥-٧٢-٨٠-١٠١-١٠٨-١٥٥.","vol":"1","page":27},{"text":"لاستغنوا بهما عن دعاء النبي ﷺ، كان يظن من يظن أنه قد استغنى في هدايته وطاعته عن إعانة الله تعالى له، وهدايته إياه.\nوقد ثبت أيضا بالنقل الصحيح: أن هذه الآيات لما نزلت قرأها النبي ﷺ على أزواجه، وخيرهن كما أمره الله، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ولذلك أقرهن، ولم يطلقهن، حتى مات عنهن. ولو أردن الحياة الدنيا وزينتها لكان يمتعهن ويسرحهن كما أمره الله تعالى، فإنه ﷺ أخشى الأمة لربه وأعلمهم بحدوده.\nولأجل ما دلت عليه هذه الآيات من مضاعفة للأجور والوزر بلغنا عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين وقرة عين الإسلام أنه قال: \"إني لأرجو أن يعطي الله للمحسن منا أجرين، وأخاف أن يجعل على المسيء منا وزرين\".\nوثبت في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أنه قال: خطبنا رسول الله ﷺ بغدير \"خم\" بين مكة والمدينة فقال: \"وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بتي، أذكركم الله في أهل بتي\". قيل لزيد بن أرقم: ومن أهل بيته؟ قال: الذين حرموا الصدقة: آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل عباس. قيل لزيد: آكُلُ هؤلاء أهل بيته؟ قال: نعم\" ١.\nوقد ثبت عن النبي ﷺ من وجوه صحاح أن الله لما أنزل عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .\nسأل الصحابة: كيف يصلون عليه، فقال: \" قولوا: اللهم صلي على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد\".\n_________\n١-الحديث أخرجه مسلم في الصحيح. الدارمي في فضائل القرآن باب١. والإمام أحمد في المسند ٢/١١٤،٤/٣٦٧. والترمذي. النسائي. الحاكم في المستدرك. وهو حديث صحيح.","vol":"1","page":28},{"text":"وفي حديث صحيح: \" اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته\" ١.\nما لهم وما عليهم:\nوثبت عنه أن ابنه الحسن لما تناول تمرة من تمر الصدقة قال \"له\"٢: \"كخ، كخ أما علمت أنا آل بيت لا تحل لنا الصدقة\"؟ ٣.\nوقال: \"إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد\" ٤.\nوهذا- والله أعلم- من التطهير الذي شرعه الله لهم، فإن الصدقة أوساخ الناس، فطهرهم الله من الأوساخ، وعوضهم بما يقيتهم من خمس الغنائم ومن الفيء الذي جعل منه رزق محمد حيث قال ﷺ فما رواه أحمد وغيره: \"بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه\n_________\n١-أخرجه البخاري في صحيحه في تفسير سورة رقم ٣٣، وفي كتاب الأنبياء باب ١٠، وفي الدعوات باب ٣١-٣٢. ومسلم في الصحيح في كتاب الصلاة حديث ٦٥-٦٦-٦٩. الترمذي في تفسير سورة رقم ٣٣، وفي الوتر باب ٢، وأبو داود في سننه في كتاب الصلاة باب ١٧٩. والنسائي في السنن من كتاب السهو باب ٤٩-٥٠-٥٤ والدارمي في المسند في كتاب الصلاة باب ٨٥. ومالك في الموطأ كتاب السفر حديث رقم ٦٦-٦٧ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ١/١٦٢-٣/٤٧-٤/١١٨-٢٤١-٢٤٣-٢٢٤-٥/٢٧٤-٣٧٤-٣٢٤.\nوآية الحديث: سورة الأحزاب آية:٥٦.\n٢-مابين المعقوفتين سقطت من الأصل.\n٣-الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الزكاة باب ٦٠، وفي الجهاد باب ١٨٨. والدارمي في المسند في كتاب الزكاة باب ١٦. والإمام أحمد بن حنبل في المسند ٢/٤٠٩-٤٤٤-٤٧٦. وأورده الإمام السيوطي في الجامع الصغير حديث رقم ٦٢٢٦ عزاه للشيخين عن أبي هريرة ﵁.\n٤-الحديث أخرجه الدارمي في المسند كتاب الزكاة باب١٦. والنسائي في سننه في كتاب الزكاة باب٩٨ في الترجمة. ومالك في الموطأ في كتاب الصدقة حديث ١٣. والإمام أحمد ابن حنبل في المسند ٢/٢٧٩.","vol":"1","page":29},{"text":"بقوم فهو منهم\" ١.\nولهذا ينبغي أن يكون اهتمامهم بكفاية أهل البيت الذين حرمت عليهم الصدقة أكثر من اهتمامهم بكفاية الآخرين من الصدقة، لا سيما إذا تعذر أخذهم من الخمس والفيء، إما لقلة ذلك، وإما لظلم من يستولي على حقوقهم، فيمنعهم إياها من ولاة الظلم، فيعطون من الصدقة المفروضة ما يكفيهم إذ لم تحصل كفايتهم من الخمس والفيء.\n_________\n١-الحديث أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ٢/٥٠-٩٢ والبخاري في صحيحه في كتاب الجهاد باب ٨٨ تعليقا. وأورده السيوطي في الجامع الصغير حديث رقم ٣١٥٢ وغزاه إلى الإمام أحمد والطبراني وعبد الرزاق عن ابن عمر ﵁. وعزاه المناوي في شرح الجامع الصغير إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبيهقي في شعب الإيمان. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>صفات أهل الفيء:</span>\nوعلى الآخذين من الفيء من ذوي القربى وغيرهم أن يتصفوا بما وصف الله به أهل الفيء في كتابه حيث قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ٢ الآيات.\nفجعل أهل الفيء ثلاثة أصناف: المهاجرين، والأنصار، والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.\nوذلك أن الفيء إنما حصل بجهاد المهاجرين والأنصار وإيمانهم وهجرتهم ونصرتهم، فالمتأخرون إنما يتناولنه مخلفا عن أولئك، مشبها بتناول الوارث ميراث أبيه، فإن لم يكن مواليا له لم يستحق الميراث \" فلا يرث المسلم\n_________\n٢-سورة الحشر، آية:٧.","vol":"1","page":30},{"text":"الكافر\" ١.\nفمن لم يستغفر لأولئك بل كان مبغضا لهم خرج عن الوصف الذي وصف الله به أهل الفيء، حتى يكون قلبه مسلما لهم، ولسانه داعيا لهم، ولو فرض أنه صدر من واحد منهم ذنب محقق فإن الله يغفره له بحسناته العظيمة، أو بتوبة تصدر منه، أو يبتليه ببلاء يكفر به سيئاته، أو يقبل فيه شفاعة نبيه وإخوانه المؤمنين، أو يدعو الله بدعاء يستجيب له.\n_________\n١-لانقطاع الموالاة بينهما. لحديث أسامة بن زيد الذي أخرجه الإمام أحمد ٥/٢٠١-٢٠٢-٢٠٩ والبخاري ومسلم والأربعة. وقال السيوطي: حديث صحيح.","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>سب الصحابة ... حرام على آل البيت وغيرهم:</span>\nوقد ثبت عن النبي ﷺ في الصحاح من رواية أمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁ أن حاطب بن أبي بلتعة كاتب كفار مكة لما أراد النبي ﷺ أن يغزوهم غزوة الفتح، فبعث إليهم امرأة معها كتاب يخبرهم فيه بذلك، فجاء الوحي إلى النبي ﷺ بذلك، فبعث عليا والزبير فأحضرا الكتاب، فقال: \"ما هذا يا حاطب\"؟ فقال: والله يا رسول الله ما فعلت ذلك أذى ولا كفرا، ولكن كنت امرءًا ملصقا من قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من أصحابك لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأردت أن أتخذ عندهم يدا أحمي بها قرابتي، فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال: \"إنه شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم\" وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ الآيات٢.\n_________\n٢-سورة الممتحنة، آية:١.","vol":"1","page":31},{"text":"وثبت في صحيح مسلم أن غلام حاطب هذا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله والله ليدخلن حاطب النار، وكان حاطب يسيء إلى ممالكيه. فقال النبي ﷺ: \"كذبت، إنه قد شهد بدرا والحديبية\". وقال ﷺ: \"لا يدخل النار واحد بايع تحت الشجرة\" ١.\nفهذا حاطب قد تجسس على رسول الله ﷺ في غزوة فتح مكة التي كان ﷺ يكتمها عن عدوه، وكتمها عن أصحابه، وهذا من الذنوب الشديدة جدا، وكان يسيء إلى مماليكيه.\nوفي الحديث المرفوع. \" لن يدخل الجنة سيء الملكة\" ٢.\nثم مع هذا لما شهد بدرا والحديبية غفر الله له ورضي عنه، فإن الحسنات يذهبن السيئات.\nفكيف بالذين هم أفضل من حاطب وأعظم إيمانا وعلما وهجرة وجهارا، فلم يذنب أحد قريبا من ذنوبه؟!\nثم إن أمير المؤمنين عليا ﵁ روى هذا الحديث في خلافته، ورواه عنه كاتبه عبيد الله بن أبي رافع، وأخبر فيه أنه هو الزبير ذهبا لطلب الكتاب من المرأة الظعينة، وأن النبي ﷺ شهد لأهل بدر مما شهد، مع علم أمير المؤمنين بما جرى، ليكف القلوب والألسنة عن أن تتكلم فيهم إلا بالحسنى، فلم يأت أحد منهم بأشد مما جاء به حاطب، بل كانوا في غالب ما يأتون به مجتهدون.\nوقد قال النبي ﷺ: \"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد\n_________\n١-وأخرجه أيضا الترمذي في المناقب باب ٥٧-٥٨ وغيرهما.\n٢-أخرجه ابن ماجة في سننه في الأدب باب ١٠، والإمام أحمد بن حنبل في المسند ١/٤،٧-١٢.","vol":"1","page":32},{"text":"فأخطأ فله أجر\" ١ وهذا حديث حسن مشهور.\nوثبت عنه أيضا أنه لما كان في غزوة الأحزاب فرد الله الأحزاب بغيظهم لم ينالوا خيرا، وأمر بقصد بني قريظة قال لأصحابه: \"لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة\".\nفأدركتهم الصلاة في الطريق، فمنهم قوم قالوا: لا نصليها إلا في نبي قريظة، ومنهم قوم قالوا: لم يرد منا تفويت الصلاة، إنما أراد المسارعة، فصلوا في الطريق، فلم يعنف النبي ﷺ واحدة من الطائفتين.\nوكانت سنة رسول الله صلى الله عليه ولم هذه موافقة لما ذكره الله تعالى في كتابه حيث قال: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ٢.\nفأخبر ﷾ أنه خص أحد النبيين بفهم الحكم في تلك القضية وأثنى على كل منهما بما آتاه من العلم والحكم.\nفهكذا السابقون والأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه \"كانوا\"٣ فيما تنازعوا فيه مجتهدين طالبين للحق.\n_________\n١-الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في الاعتصام باب ٢٠-٢١ ومسلم في الأقضية حديث رقم ١٥،وأبو داود في سننه في الأقضية باب ٢، والنسائي في سننه في كتاب الأحكام باب٢، وفي القضاة باب٣، والإمام أحمد في المسند ٤/١٩٨-٢٠٤-٢٠٥.\n٢-سورة الأنبياء، آية:٧٨.\n٣-ما بين المعقوفتين سقطت من الأصل.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>جهل الشيعة بمذهب الإمام علي:</span>\nوقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: \" من يعش منك بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة\" ١.\nوروى عنه مولاه سفينة أنه قال: \"الخلافة ثلاثون سنة، ثم تصبر ملكا\" ٢، فكان الثلاثين حين سلم سبط رسول الله ﷺ: الحسن بن علي ﵄ الأمر إلى معاوية.\nوكان معاوية أول الملوك، وفيه ملك ورحمة، كما روي في الحديث: \"ستكون خلافة نبوة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم يكون ملك وجبرية، ثم يكون ملك عضوض\" ٣.\nوقد ثبت عن أمير المؤمنين علي ﵁ من وجوه أنه لما قاتل أهل الجمل لم يسب لهم ذرية، ولم يغنم لهم مالا، ولا أجهز على جريح، ولا اتبع مدبرا، ولا قتل أسيرا، وأنه صلى على قتلى الطائفتين بالجمل وصفتين، وقال: \"إخواننا بغوا علينا\".\n_________\n١-أخرجه أبو داود في سننه في كتاب السنة باب٥. والترمذي في العلم باب ١٦. وابن ماجة في سننه في المقاومة باب ٢. والدارمي في مسنده في المقاومة باب١٦. والإمام أحمد في مسنده ٤/١٢٦،١٢٧.\n٢-أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/٢٢٠-٢٢١.\n٣-أخرجه أبو داود في سننه في كتاب السنة باب٨. والترمذي في الفتن باب ٤٨. والإمام أحمد ٤/٢٧٣،٥/٤٤-٥٠-٤٠٤.","vol":"1","page":34},{"text":"وأخبر أنهم ليسوا بكفار ولا منافقين، واتبع فيما قاله كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، فإن الله سماهم إخوة، وجعلهم مؤمنين في الاقتتال والبغي كما ذكر في قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ١.\nوثبت عن النبي ﷺ في الصحاح أنه قال: \"تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق\" ٢.\nوهذه المارقة هم أهل حروراء، الذين قتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وأصحابه لما مرقوا عن الإسلام، وخرجوا عليه فكفروه، وكفروا سائر المسلمين، واستحلوا دماءهم وأموالهم.\nوقد ثبت عن النبي ﷺ من طرق متواترة أنه وصفهم وأمر بقتالهم، فقال: \"يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، صيامه مع صيامهم، وقرآنه مع قرآنهم، ويقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ولو يعلم الذين يقتلونهم ما لهم على لسان محمد ﷺ لنكلوا عن العمل\" ٣.\n_________\n١-سورة الحجرات، آية:٩.\n٢-أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الزكاة حديث ١٥٠-١٥٢. وأبو داود في سننه في كتاب السنة باب ١٢. وأحمد في المسند ٣/٣٢-٤٨.\n٣-أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأنبياء باب٢، وفي المناقب باب٢٥، والمغازي باب٦١، وفضائل القرآن باب ٣٦، والأدب باب٩٥، وفي التوحيد باب ٢٣-٥٧-وفي الاستتابة باب٩٥. ومسلم في كتاب الزكاة حديث رقم ١٤٢-١٤٣-١٤٤-١٤٧-١٤٨-١٥٤-١٥٦-١٥٩. وأبو داود في سننه في كتاب الزكاة باب ٧٩، وفي كتاب التحريم باب ٢٦. وابن ماجة في المقدمة باب ١٢. الدارمي في المسند من المقدمة باب٢١. ومالك في الموطأ في مس القرآن حديث١٠. والإمام أحمد في المسند ١/٨٨-٩٢-١٣١-١٤٧-١٥١-١٥٦-١٦٠-٢٥٦-٤٠٤-٣/٥-١٥-٣٣-٥٢-٥٦-٦٠-٦٤-٦٥-٦٨-٧٣-١٥٩-١٨٣-١٨٩-٢٢٤-٣٥٣-٣٥٤-٣٥٥—٤٨٦-٤-١٤٥-٤٢٢-٤٢٥-٥/٤٢-١٧٦.","vol":"1","page":35},{"text":"فقتلهم علي ﵁ وأصحابه، وسر أمير المؤمنين بقتلهم سرورا شديدا وسجد لله شكرا، لما ظهر فيهم علامتهم وهو المخدج اليد، الذي على يده مثل البضعة من اللحم، عليها شعرات، فاتفق جميع الصحابة على استحلال قتالهم، وندم كثير منهم كابن عمر وغيره على ألا يكونوا شهدوا قتالهم مع أمير المؤمنين، بخلاف ما جرى في وقعة الجمل وصفين، فإن أمير المؤمنين كان متوجعا لذلك القتال، مشتكيا مما جرى، ويتراجع هو وابنه الحسن القول فيه، ويذكر له الحسن أن رأيه ألا يفعله.\nفلا يستوي ما سر قلب أمير المؤمنين وأصحابه وغبطه به من لم يشهده، مع ما تواتر عن النبي ﷺ، وساء قلب أفضل أهل بيته، حب النبي ﷺ، الذي قال فيه: \"اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه\".\nوإن كان أمير المؤمنين هو أولى بالحق ممن قاتله في جميع حروبه.\nولا يستوي القتلى الذين صلى عليهم وسماهم وإخواننا، والقتلى الذين لم يصل عليهم، بل قيل له: من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا؟ فقال: هم أهل حروراء.\nفهذا الفرق بين أهل حروراء وبين غيرهم الذي سماه أمير المؤمنين في خلافته بقوله وفعله موافقا فيه لكتاب الله وسنة نبيه هو الصواب الذي لا معدل عنه لمن هدى رشده، وإن كان كثير من علماء السلف والخلف لا يهتدون لهذا الفرقان، بل يجعلون السيرة في الجميع واحدة.\nفإما أن يقصروا بالخوارج عما يستحقونه من البعض واللعنة والعقوبة والقتل، وإما أن يزيدوا على غيرهم ما يستحقونه من ذلك.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>عوامل الضلال</span>\nوسبب ذلك قلة العلم والفهم لكتاب الله وسنة رسوله الثابتة عنه، وسيرة خلفائه الراشدين المهديين، وإلا فمن استهدى الله واستعانه، وبحث عن ذلك، طلب الصحيح من المنقول، وتدبر كتاب الله، وسنة نبيه، وسنة خلفائه، ولا سيما أمير المؤمنين الهادي المهدي التي جرى فيها ما اشتبه على خلق كثير فضلوا بسبب ذلك، إما غلوا فيه، وإما جفاء عنه.\nكما روي عنه قال: \" يهلك في رجلان: محب غال يقرظني بما ليس فيَّ، ومبغض قال يرميني بما نزهني الله منه\" ١.\nوحد ذلك وملاك ذلك شيئان:\nطلب الهدى، مجانبة الهوى حتى لا يكون الإنسان ضالا وغاويا، بل مهتديا راشدا.\nقال الله تعالى في حق نبيه ﷺ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٢.\nفوصفه بأنه ليس بضال وهو الجاهل، ولا هو غاو، وهو الظالم، فإن صلاح العبد في أنه يعلم الحق ويعمل به، فمن لم يعلم الحق فهو ضال عنه. ومن علمه فخالفه واتبع هواه فهو غاو، ومن علمه وعمل به كان من أولي الأيدي عملا، ومن أولي الأبصار علما، وهو الصراط المستقيم الذي أمرنا الله سبحانه\n_________\n١-أخرجه الإمام أحمد في المسند ١/١٦٠.\n٢-سورة النجم آية:٣.","vol":"1","page":37},{"text":"في كل صلاة أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ١.\nفالمغضوب عليهم: الذين يعرفون الحق ولا يتبعونه كاليهود، والضالون الذين يعملون أعمال القلوب والجوارح بلا علم كالنصارى. ولهذا وصف الله اليهود بالغواية في قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ ٢.\nووصف العالم الذي لم يعمل بعلمه بذلك في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ ٣.\nووصف النصارى بالضلال في قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ٤.\nووصف بذلك من يتبع هواه بغير علم حيث قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ ٥.\n_________\n١-سورة الفاتحة، آية:٦-٧.\n٢-سورة الأعراف، آية:١٤٦.\n٣-سورة الأعراف، آية: ١٧٥.\n٤-سورة المائدة، آية:٧٧.\n٥-سورة الأنعام، آية: ١١٩.","vol":"1","page":38},{"text":"وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّه﴾ ١.\nوأخبر أن من اتبع هداه المنزل فإنه لا يضل كما ضل الضالون، ولا يشقى كما شقي المغضوب عليهم فقال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ ٢.\nقال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.\nومن تمام الهداية: أن ينظر المستهدي في كتاب الله، وفيما تواتر من سنة نبيه، وسنة الخلفاء، وما نقله الثقات الأثبات، ويميز بين ذلك وبين ما نقله من لا يحفظ الحديث، أو يتهم فيه الكذب، أو يكذب خطأ لسوء حفظه أو نسيانه، أو لقلة فهمه وضبطه.\nثم إذا حصلت \"للمستهدي\"٣ المعرفة بذلك تدبر ذلك، وجمع بين المتفق منه، وتدبر المختلف فيه، حتى يتبين له أنه متفق في الحقيقة وإن كان الظاهر مختلفا، أو أن بعضه راجح يجب اتباعه، والآخر مرجوح ليس بدليل في الحقيقة، وإن كان الظاهر دليلا.\nأما غلط الناس فلعدم التمييز بين ما يعقل من النصوص والآثار، أو يعقل بمجرد القياس والاعتبار، ثم إذا خالط الظن الغلط في العلم هوى النفوس ومناها في العمل صار لصاحبها نصيب من قوله تعالى:\n_________\n١-سورة القصص، آية:٥٠.\n٢-سورة طه، آية:١٢٣.\n٣-ما بين المعقوفتين سقطت من الأصل.","vol":"1","page":39},{"text":"﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ١.\nوهذا سبب ما خلق الإنسان عليه من الجهل في نوع العلم، والظلم في نوع العمل، فبجهله يتبع الظن، وبظلمه يتبع ما تهوى الأنفس. ولما بعث الله رسله وأنزل كتبه، لهدى الناس وإرشادهم، صار أشدهم إتباعا للرسل أبعدهم عن ذلك كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢.\nولهذا صار ما وصف الله به الإنسان لا يخص غير المسلمين دونهم، ولا يخص طائفة من الأمة، لكن غير المسلمين أصابهم ذلك في أصول الإيمان التي صار جهلهم وظلمهم فيها كفرانا وخسرانا مبينا، ولذلك من ابتدع في أصول الدين بدعة جليلة أصابه من ذلك أشد مما يصيب من أخطأ في أمر دقيق أو أذنب فيه، والنفوس لهجة بمعرفة محاسنها، ومساوئ غيرها.\nوأما العالم العادل فلا يقول إلا الحق، ولا يتبع إلا إياه، ولهذا من يتبع المنقول الثابت عن النبي ﷺ وخلفائه وأصحابه وأئمة أهل بيته، مثل الإمام علي بن الحسين زين العابدين، وابنه الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر، وابنه الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق شيخ علماء الأمة، ومثل: أنس بن مالك، والثوري، وطبقتهما، وجد ذلك جميعه متفقا مجتمعا في أصول دينهم، وجماع شرائعهم، ووجد في ذلك ما يشغله وما يغنيه عما أحدثه كثير من المتأخرين من أنواع المقالات التي تخالف ما كان عليه أولئك\n_________\n١-سورة النجم، آية:٢٣.\n٢-سورة البقرة، آية: ٢١٣.","vol":"1","page":40},{"text":"السلف \"وهؤلاء المتأخرون\"١ ممن ينتصب لعداوة آل البيت رسول الله ﷺ، ويبخسهم حقوقهم، ويؤذيهم، أو ممن يغلوا فيهم غير الحق ويفتري عليهم الكذب، ويبخس السابقين والطائعين حقوقهم، ورأى أن في المأثور عن أولئك السلف في باب التوحيد والصفات، وباب العدل والقدر، وباب الإيمان والأسماء والأحكام، وباب الوعيد والثواب، والعذاب، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما يتصل به حكم الأمراء أبرارهم وفجارهم، وحكم الرعية معهم، والكلام في الصحابة والقرابة ما يبين لكل عاقل عادل أن السلف المذكورين لم يكن بينهم من النزاع في هذه الأبواب إلا من جنس النزاع الذي أقرهم عليه الكتاب والسمة كما تقدم ذكره، وأن البدع الغليظة المخالفة للكتاب والسنة، واتفاق أولي الأمر الهداة المهتدين إنما حدثت من الأخلاف، وقد يعزون بعض ذلك إلى بعض الأسلاف، تارة بنقل غير ثابت، وتارة بتأويل لشيء من كلامهم متشابه.\nثم إن من رحمة الله قل أن ينقل عنهم شيء من ذلك إلا وفي النقول الصحيحة الثابتة عنهم للقول المحكم الصريح ما يبين غلط الغالطين عليهم في النقل أو التأويل، وهذا لأن الصراط المستقيم في كل الأمة بمنزلة الصراط في الملك، فكمال الإسلام هو الوسط في الأديان والملك، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ٢.\nولم ينحرفوا انحراف اليهود والنصارى والصابئين.\nفكذلك أهل الاستقامة، ولزوم سنة رسول الله ﷺ، وما عليه السلف، تمسكوا بالوسط، ولم ينحرفوا إلى الإطلاق.\nفاليهود مثلا جفوا في الأنبياء والصديقين حتى قتلوهم وكذبوهم، كما قال الله تعالى:\n_________\n١-ما بين المعقوفتين سقطت من الأصل.\n٢-سورة البقرة، آية: ١٤٣.","vol":"1","page":41},{"text":"﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ١.\nوالنصارى غلوا فيهم عبدوهم كما قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ ٢.\nواليهود انحرفوا في النسخ حتى زعموا أنه لا يقع من الله أو لا يجوز عليه، كما ذكر الله عنهم إنكاره في القرآن حيث قال: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ ٣.\nوالنصارى قابلوهم، فجوزوا للقسيسين والرهبان أن يوجبوا ما شاءوا، ويحرموا ما شاءوا، وكذلك تقابلهم في سائر الأمور.\nفهدى الله المؤمنون إلى الوسط فاعتقدوا في الأنبياء ما يستحقونه، ووقروهم، وعزروهم، وأحبوهم، وأطاعوهم واتبعوهم ولم يردوهم كما فعلت اليهود، ولا أطروهم ولا غلوا فيهم فنزلوهم منزلة الربوبية كما فعلت النصارى.\nوكذلك في النسخ، جوزوا أن ينسخ الله، ولم يجوزوا لغيره أن ينسخ، فإن الله له الخلق والأمر، فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره.\nوهكذا أهل الاستقامة في الإسلام المعتصمون بالحكمة النبوية، والعصبة الجماعية، متوسطون في باب التوحيد والصفات بين النفاة المعطلة وبين الشبهة الممثلة.\nوفي باب القدر والعدل والأفعال بين القدرية والجبرية والقدرية المجوسية.\nوفي باب الأسماء والأحكام بين من أخرج أهل المعاصي من الإيمان بالكلية\n_________\n١-سورة البقرة، آية:٨٧.\n٢-سورة النساء، آية:١٧١.\n٣-سورة البقرة، آية:١٤٢.","vol":"1","page":42},{"text":"كالخوارج وأهل المنزلة، وبين من جعل إيمان الفساق كإيمان الأنبياء والصديقين كالمرجئة والجهمية.\nوفي باب الوعيد والثواب والعقاب بين الوعيد بين الذين لا يقولون بشفاعة نبينا لأهل الكبائر، وبين المرجئة الذين يقولن بنفوذ الوعيد.\nوفي باب الإمامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بين الذين يوافقون الولاة على الإثم والعدوان، ويركنون إلى الذين ظلموا، وبين الذين لا يرون أن يعاونوا أحدا على البر والتقوى، لا على جهاد ولا جمعة ولا أعياد إ أن يكون معصوما، ولا يدخلون فيما أمر الله به ورسوله إلا في طاعة من لا وجود له.\nفالأولون يدخلون في المحرمات، وهؤلاء يتركون واجبات الدين، وشرائع الإسلام، غلاتهم يتركونها لأجل موافقة من يظنونه ظالما، وقد يكون كاملا في علمه وعدله.","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>أهل الاستقامة ... عند المصيبة:</span>\nوأهل الاستقامة والاعتدال يطيعون الله ورسوله بحسب الإمكان، فيتقون الله ما استطاعوا، وإذا أمرهم الرسول بأمر أتوا منه ما استطاعوا، ولا يتركون ما أمروا به لفعل غيرهم ما نهى عنه، بل كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ١.\nولا يعانون أحدا على معصية، ولا يزيلون المنكر بما هو أنكر منه، ولا يأمرون بالمعروف إلا بالمعروف، فهم وسط في عامة الأمور، ولهذا وصفهم النبي ﷺ بأنهم الطائفة الناجية لما ذكر اختلاف أمته وافتراقهم.\nومن ذلك أن اليوم الذي هو يوم عاشوراء الذي أكرم الله فيه سبط نبيه، وأحد سيدي شباب أهل الجنة بالشهادة على أيدي من قتله من الفجرة الأشقياء، وكان ذلك مصيبة عظيمة من أعظم المصائب الواقعة في الإسلام.\nوقد روى الإمام أحمد وغيره عن فاطمة بنت الحسين وقد كانت قد شهدت مصرع أبيها، الحسين بن علي ﵃، عن جده رسول الله ﷺ أنه قال: \" ما من رجل يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وإن قدمت، فيحدث لها استرجاعا إلا أعطاه الله من الأجر مثل أجره يوم أصيب بها\" ٢.\nفقد علم أن الله أن مثل هذه المصيبة العظيمة سيتجدد ذكرها مع تقادم.\n_________\n١-سورة المائدة، آية:١٠٥.\n٢-أخرجه الإمام أحمد في المسند ١/٢٠١. وابن ماجة في السنن في الجنائز باب٥٥.","vol":"1","page":44},{"text":"العهد، فكان من محاسن الإسلام أن روى هذا الحديث صاحب المصيبة والمصاب به أولا ولا ريب أن ذلك فعله الله كرامة للحسين ﵁، ورفعا لدرجته ومنزلته عند الله، تبليغا له منازل الشهداء، وإلحاقا له بأهل بيته الذين ابتلوا بأصناف البلاء، ولم يكن الحسن والحسين حصل لهما من الابتلاء ما حصل لجدهما ولأمهما وعمهما، لأنهما ولدا في عز الإسلام، تربيا في حجور المؤمنين، فأتم الله نعمته عليهما بالشهادة، أحدهما مسموما، والآخر مقتولا، لأن الله عنده من المنازل العالية في دار كرامته ما لا ينالها إلا أهل البلاء كما قال النبي ﷺ وقد سئل: أي الناس بلاء؟ فقال: \"الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، وابتلى الرجل حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه وما يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس خطيئة\" ١.\nوشقي بقتله من أعان عله، أو رضي به، فالذي شرعه الله للمؤمنين عند الإصابة بالمصائب وإن عظمت أن يقولوا: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ٢.\nوقد روى الشافعي في مسنده أن النبي ﷺ لما مات، وأصاب أهل بيته من المصيبة ما أصابهم، سمعوا قائلا يقول: \"يا آل بيت رسول الله، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا المصاب من حرم الثواب ... \".\nفكانوا يرونه الخضر جاء يعزيهم بالنبي ﷺ.\n_________\n١-الحديث أخرجه الترمذي في الزهد باب ٥٧. وابن ماجة في سننه في الفتن باب٢٣.والدارمي في مسنده في كتاب الرقاق باب ٦٧. والإمام أحمد في المسند ١/١٧٢-١٧٤-١٨٠-١٨٥.\n٢-سورة البقرة، آية:١٥٦.","vol":"1","page":45},{"text":"فأما اتخاذ المآتم في المصائب، واتخاذ أوقاتها مآتم، فليس من دين الإسلام، وهو أمر لم يفعله رسول الله ﷺ، ولا أحد من السابقين الأولين، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من قادة أهل البيت، ولا غيرهم.\nوقد شهد مقتل علي أهل بيته، وشهد مقتل الحسين من شهده من أهل بيته، وقد مرت على ذلك سنون كثيرة، وهم متمسكون بسنة رسول الله ﷺ، لا يحدثون مأتما، ولا نياحة، بل يصبرون ويسترجعون كما أمر الله ورسوله، أو يفعلون ما لا بأس به من الحزن والبكاء عند قرب المصيبة.\nقال النبي ﷺ: \"ما كان من العين والقلب فمن الله، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان\" ١.\nوقال: \"ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية\" ٢. يعني: مثل قول المصاب \"يا سنداه، يا ناصراه، يا عضداه\".\nوقال: \" إن النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تلبس يوم القيامة درعا من جرب، وسربالا من قطران \" ٣.\nوقال: \"لعن الله النائحة والمستمعة إليها\" ٤.\n_________\n١-أخرج أبو نعيم عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"ما كان من حزن في قلب أو عين فهو من قبل الرحمة وما كان من حزن يد أو لسان فهو من قبل الشيطان\" انظر جمع الجوامع للسيوطي ١/٧٠٩.\n٢-أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجنائز باب ٣٦-٣٨-٣٩، وفي المناقب باب٨. ومسلم في صحيحه في كتاب الإيمان حديث ١٦٥. والترمذي في كتاب الجنائز باب٢٢. وابن ماجة في سننه باب الجنائز باب٥٢. والإمام أحمد في مسنده ١/٣٨٦-٤٣٢-٤٥٦-٤٤٢-٤٦٥-٤/١٣١.\n٣-أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجنائز حديث رقم ٢٩. وابن ماجة في سننه في الجنائز باب٥١. والإمام أحمد في مسنده ٥/٣٤٢-٣٤٣-٣٤٤.\n٤-أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الجنائز باب٢٥. والإمام أحمد في المسند ٣/٦٥.","vol":"1","page":46},{"text":"وقد قال في تنزيله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.\nوقد فسر النبي ﷺ قوله: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ بأنها النياحة.\nوتبرأ النبي ﷺ من الحالقة والصالقة.\n\"والحالقة\"٢: التي تحلق شعرها عند المصيبة.\nوالصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة.\nوقال جرير بن عبد الله: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعتهم الطعام للناس من النياحة.\nوإنما السنة أن يصنع لأهل الميت طعام، لأن مصيبتهم تشغلهم.\nكما قال النبي ﷺ لما نعى جعفر بن أبي طالب لما استشهد بمؤتة فقال: \"اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد جاءهم ما يشغلهم\" ٣.\nوهكذا ما يفعل قوم آخرون يوم عاشوراء من الاكتحال والانخضاب، أو المصافحة، والاغتسال، فهو بدعة أيضا لا أصل لها، ولم يذكرها أحد من الأئمة المشهورين.\nوإنما روي فيها حديث: \" من اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض تلك السنة ومن اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد ذلك العام\" نحو ذلك.\n_________\n١-سورة الممتحنة، آية:١٢.\n٢-ما بين المعقوفتين سقطت من الأصل.\n٣-الحديث أخرجه الترمذي في الجنائز باب٢١. وابن ماجة في الجنائز باب٥٩.","vol":"1","page":47},{"text":"ولكن الذي ثبت عن النبي ﷺ: أنه صام يوم عاشوراء، وأمر بصيامه وقال: \"صومه يكفر سنة\" ١.\nوقرر النبي ﷺ أن الله أنجى فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، وروى انه كان فيه حوادث الأمم..فمن كرامة الحسين أن الله جعل استشهاده فيه.\nوقد يجمع الله في الوقت شخصا أو نوعا من النعمة التي توجب شكرا، أو المحنة التي توجب صبرا.\nكما أن سابع عشر شهر رمضان فيه كانت وقعة بدر، وفيه مقتل علي ...\nوأبلغ من ذلك: أن يوم الاثنين في ربيع الأول فيه مولد النبي ﷺ، وفيه هجرته وفيه وفاته.\nوالعبد المؤمن يبتلي بالحسنات التي تسره، والسيئات التي تسوءه في الوقت الواحد، ليكون صبارا شكورا، فكيف إذا وقع مثل ذلك في وقتين متعددين من نوع واحد.\nويستحب صوم التاسع والعاشر، ولا يستحب الكحل، والذين يصنعونه من الكحل من أهل الدين لا يقصدون به مناصبة أهل البيت وإن كانوا مخطئين في فعلهم، ومن قصد منهم أهل البيت بذلك أو غيره، أو فرح، أو استشفى بمصائبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.\nفقد قال النبي ﷺ: \" والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلي\" ٢ لما شكى إليه العباس أن بعض قريش يجفون بني هاشم.\n_________\n١-أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٥/٢٩٥-٢٩٧-٣٠٤-٣٠٧.\n٢-انظر الحديث في مسند: الإمام أحمد، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، والمستدرك للحاكم ٤/٧٥، وسنن ابن ماجة. مع اختلاف في الألفاظ. قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح\".","vol":"1","page":48},{"text":"وقال: \"إن الله اصطفى قريشا من بني كنانة، اصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم\" ١.\nوروي أنه قال: \"أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي\" ٢.\nوهذا باب واسع يطول القول فيه.\n_________\n١-أول حديث: \" إن الله تعالى اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا\" ...\nأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الفضائل حديث رقم ١. والترمذي في المناقب باب١. والإمام أحمد في المسند ٤/١٠٧ وأورده السيوطي في الجامع الصغير حديث رقم ١٦٨٣ وعزاه إلى الترمذي عن وائلة بن الأسقع وصححه وقال الترمذي: حيث صحيح\".\n٢-أخرجه الترمذي في لمناقب، والحاكم في مستدركه في فضائل أهل البيت، وصححه كل منها، وأقره الذهبي في التلخيص. وأورده السيوطي في الجامع الصغير حديث رقم ٢٢٤ وعزاه إلى الترمذي والحاكم، ورمز له بالصحة.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>بدع وضلالات:</span>\nوكان سبب هذه المواصلة أن بعض الإخوان قدم بورقة فيها ذكر النبي ﷺ، وذكر سادة أهل البيت، وقد أجرى فيها ذكر النذور لمشهد المنتظر، فخوطب من فضائل أهل البيت وحقوقهم بما سر قلبه، وشرح صدره، وكان ما ذكر بعض الواجب، فإن الكلام في هذا طويل، ولم يحتمل هذا الحامل أكثر من ذلك.\nوخوطب فيما يتعلق بالأنساب والنذور بما يوجب في دين الله، فسأل المكاتبة بذلك إلى من يذهب إليه من الإخوان، فإن النبي ﷺ قال: \"الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابة، ولرسوله، والأئمة المسلمين وعامتهم\" ١.\nأما ورقة الأنساب والتواريخ ففيها غلط في مواضع متعددة، مثل: ذكر أن النبي ﷺ توفي في صفر، وأنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن عمرو ابن العلاء بن هاشم، وأن جعفر الصادق توفي في خلافة الرشيد، وغير ذلك.\nفإنه لا خلاف بين أهل العلم أن النبي ﷺ توفي في شهر ربيع الأول شهر مولده وشهر هجرته، وأنه توفي يوم الاثنين، وفيه ولد، وفيه أنزل عليه، وجده هاشم بن عبد مناف، وإنما كان هاشم يسمى عمر، ويقال له:\n_________\n١-أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان باب٤٢ ومسلم في صحيحه في كتاب الإيمان حديث ٩٥. وأبو داود في السنن في كتاب الأدب باب ٥٩.والترمذي في البر باب١٧. والنسائي في البيعة باب ٣١، و٤١. والدارمي في المسند كتاب الرقاق باب٤١. والإمام أحمد في المسند ١/٣٥١-٢/٢٩٧-٤/١٠٢-١٠٣.","vol":"1","page":50},{"text":"عمرو العلا، كما قال الشاعر:\nعمر العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مستنون عجاف\nوأن جعفر أبا عبد الله توفي في سنة ثمان وأربعين في إمارة أبي جعفر المنصور.\nوأما المنتظر فقد ذكر طائفة من أهل العلم بأنساب أهل البيت: أن الحسن ابن علي العسكري لما توفي بعسكر سامراء لم يعقب ولم ينسل، وقال من أثبته: إن أباه لما توفي سنة ستين ومائتين كان عمره سنتين أو أكثر من ذلك بقليل، وإنه غاب من ذلك الوقت، وإنه من ذلك الوقت حجة الله على أهل الأرض، لا يتم الإيمان إلا به، وإنه هو المهدي الذي أخبر به النبي ﷺ، وإنه يعلم لكل ما يفتقر إليه في الدين.\nوهذا موضع ينبغي للمسلم أن يتثبت فيه، ويستهدي الله ستعينه، فإن الله قد حرم القول بغير علم، وذكر أن ذلك من خطوات الشيطان وحرم القول بغير علم، وذكر أن ذلك من خطوات الشيطان وحرم القول المخالف للحق، ونصوص التنزيل شاهدة بذلك، ونهى عن اتباع الهوى.\nفأما المهدي الذي بشر به النبي ﷺ فقد رواه أهل العلم العالمون بأخبار النبي ﷺ، والحافظون لها، الباحثون عنها وعن رواتها، مثل أبي داود، والترمذي، وغيرهما، ورواه الإمام أحمد في مسنده.\nفعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلا من أهل بيتي يوطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما","vol":"1","page":51},{"text":"وجورا\" ١.\nوروي هذا المعنى من حديث أم سلمة وغيرها.\nوعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: \"المهدي من ولد ابني هذا\" وأشار إلى الحسن٢.\nوقال ﷺ: \"يكون في آخر الزمان خليفة يحثو المال حثوا\" ٣. وهو حديث صحيح.\nفقد أخبر النبي ﷺ أنه اسمه محمد بن عبد الله، ليس محمد بن الحسن. ومن قال: إن أباه جده الحسين، وأن كنيته الحسين أبو عبد الله فقد جعل النية اسمه، فما يخفى على من يخشى الله أن هذا تحريف للكلم عن مواضعه، وأنه من جنس تأويلات القرامطة.\n_________\n١-الحديث أخرجه الترمذي ولفظه: \" لا تذهب الدنيا حتى يملك رجل من أهل بيتي\" الحديث. وأخرجه الإمام أحمد وأبو داود عن ابن مسعود ﵁. وأوردوه السيوطي في الجامع الصغير حديث رقم ٧٤٩٠. وقال الترمذي: \"حسن صحيح\".\nقال المناوي في شرح الجامع الصغير في الكلام عن هذا الحديث: فيه رد لقول الرافضة إن المهدي هو الإمام أبو القاسم محمد الحجة ابن الإمام أبي محمد الحسن الخالص وأنه المهدي المنتظر لأنه وإن وافق اسمه لكن اسم أبيه ليس موافقا لاسم أبيه، \"انظر فيض القدير ٥/٣٣٢\".\n٢-لم أقف عليها بهذا اللفظ فيما أتيح لي من مصادر. ووجدت معناه من حديث أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \" المهدي من عترتي من ولد فاطمة\" أخرجه ابن ماجة.\nوعن علي بن أبي طالب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: \" المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة\" أخرجه الإمام أحمد في مسنده.\n٣-أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الفتن باب ١٨ أحاديث رقم ٦٧-٦٨-٦٩ من أحاديث الباب.","vol":"1","page":52},{"text":"وقول أمير المؤمنين صريح في أنه حسني لا حسيني، لأن الحسن والحسين مشبهان من بعض الوجوه بإسماعيل وإسحاق، وإن لم يكونا نبيين.\nولهذا كان النبي ﷺ يقول لهام: \"أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة\" ١.\nويقول: \"إن إبراهيم كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق\".\nوكان إسماعيل هو الأكبر والأحلم.\nولهذا قال النبي ﷺ وهو يخطب على المنبر: \"إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين\" ٢.\nفكما أن غالب الأنبياء كانوا من ذرية إسحاق، فهكذا كان غالب السادة الأئمة من ذرية الحسين، وكما أن خاتم الأنبياء الذي طبق أمره مشارق الأرض ومغاربها كان من ذرية إسماعيل، فكذلك الخليفة الراشد المهدي الذي هو آخر الخلفاء يكون من ذرية الحسن.\nوأيضا فإن من كان ابن سنتين كان في حكم الكتاب والسنة مستحقا أن يحجر عليه في بدنه، ويحجر عليه في ماله، حتى يبلغ ويؤنس منه الرشد، فإنه يتيم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ٣.\n_________\n١-أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب ١٠. وأبو داود في تاب السنة باب ٢٠. والترمذي في الطب باب ١٨ وابن ماجة في الطب باب ٣٦. وأحمد ١/٢٣٦-٢٧٠.\n٢-أخرجه البخاري في كتاب الصلح باب٩، وفي فضائل أصحاب النبي باب٢٢، وفي الفتن باب٢٠، وفي المناقب باب ٢٥. وأبو داود في كتاب السنة باب ١٢، وفي المهدي باب٨. والترمذي في المناقب باب٢٥. وأبو داود في كتاب السنة باب١٢، وفي المهدي باب ٨. والترمذي في المناقب باب٣٠. والنسائي في كتاب الجمعة باب٢٧.\n٣-سورة النساء، آية:٦.","vol":"1","page":53},{"text":"فمن لم تفوض الشريعة إليه أمر نفسه كيف تفوض إليه أمر الأمة؟\nوكيف يجوز أن يكون إماما على الأمة من لا يرى ولا يسمع له خبر؟ مع أن الله لا يكلف العباد بطاعة من لا يقدرون على الوصول إليه، وله أربعمائة وأربعون سنة ينتظره من ينتظره وهو لم يخرج، إذ لا وجود له.\nوكيف لم يظهر لخواصه وأصحابه المأمون عليه كما ظهر آباؤه، وما الموجب لهذا الاختفاء الشديد دون غيره من الآباء؟\nوما زال العقلاء قديما وحديثا يضحكون بمن يثبت هذا، ويعلق دينه به، حتى جعل الزنادقة هذا وأمثاله طريقا إلى القدح في الملة، وتسفيه عقول أهل الدين إذا كانوا يعتقدون مثل هذا.\nلهذا قد اطلع أهل المعرفة على خلق كثير منافقين زنادقة يتسترون بإظهار هذا وأمثاله، ليستميلوا قلوب وعقول الضعفاء وأهل الأهواء، ودخل بسبب ذلك من الفساد ما الله به عليم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله يصلح أمر هذه الأمة ويهديهم ويرشدهم.\nالنذور للمشاهد والمساجد:\nوكذلك ما يتعلق بالنذور للمساجد والمشاهد، فإن الله في كتابه وسنة نبيه التي نقلها السابقون والتابعون من أهل بيته وغيرهم قد أمر بعمارة المساجد، وإقامة الصلوات فيها بحسب الإمكان، ونهى عن بناء المساجد على القبور، ولعن من يفعل ذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ١.\n_________\n١-سورة التوبة، آية:١٨.","vol":"1","page":54},{"text":"قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ ١.\nوقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ ٢.\nوقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ٣.\nوقال: ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ٤.\nقال النبي ﷺ: \"من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة\" ٥.\nوقال: \"وبشر المشائين في ظلم الليل إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة \" ٦.\n_________\n١-سورة البقرة، آية:١١٤.\n٢-سورة النور، آية:٣٦.\n٣-سورة الجن، آية:١٨.\n٤-سورة الحج: آية:٤٠.\n٥-أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب المساجد حديث ٣٤-٣٥، وفي المسافرين حديث ١٠٣، وفي الزهد حديث حديث ٤٣-٤٤. والبخاري في كتاب الصلاة باب ٦٥. وأبو داود في كتاب التطوع باب١. والترمذي في كتاب الصلاة باب١٢٠-١٨٩-٢٠٤ والنسائي في كتاب المساجد باب ١، وفي قيام الليل باب٦٦-٦٧. وابن ماجة في الإقامة باب ١٠٠، ١٨٥، وفي المساجد باب١-٩-وفي التجارات باب ٤٠ والدارمي في الصلاة باب ١١٣. والإمام أحمد في المسند ١/٢٠، ٥٣-٦١-٧٠-٢٤١-٢/٢٢١-٢٩٦-٣٨٦-٤١٣-٤٩٨-٦/٣٢٦-٤٢٨-٤٦١.\n٦-أخرجه ابن ماجة في سننه في كتاب المساجد باب ١٤.","vol":"1","page":55},{"text":"وقال: \"من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له نزلا كلما غدا أو راح\" ١.\nوقال: \"صلاة الرجل في المسجد تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين درجة\" ٢.\nوقال: \"من تطهر في بيته فأحسن الطهور، وخرج إلى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، كانت خطوتاه إحداهما ترفع درجة، والأخرى تضع خطيئة\" ٣.\nوقال: \"صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر أحب إلى الله\" ٤.\nوقال: \"سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة\" ٥.\n_________\n١-أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الآذان باب٣٧. والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ٢/٥٠٩.\n٢-أخرجه البخاري ف صحيحه في كتاب الأذان باب٣٠-٣١. والترمذي في المواقيت باب٤٧.والنسائي في كتاب الصلاة باب٢١، وفي الإمامة باب٤٢. وابن ماجة في كتاب المساجد باب١٦ ومالك في الموطأ في كتاب الجماعة حديث ١. وأحمد ١/٣٧٦-٤٥٢-٢/١٠٢-١١٢-٢٣٣-٣٢٨-٤٥٤-٥٢٠-٥٢٥-٣/٥٥.\n٣-أخرجه البخاري في كتاب البيوع باب٤٩، ومسلم في كتاب الطهارة حديث ١٢، وفي المساجد حديث ٢٧٢، وأبو داود من الصلاة باب٤٨. والنسائي في المساجد باب ٦.وابن ماجة في الطهارة باب ٦، وفي المساجد باب١٤. والإمام أحمد ٢/١٧٦-٢٥٢.\n٤-أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٥/١٤٥. وأبو داود في سننه في كتاب الصلاة باب ٤٧. والنسائي في كتاب الإمامة باب ٤٥.\n٥-أخرجه مسلم في كتاب المساجد حديث ٢٤١-٢٤٣. والنسائي في كتاب الإمامة وابن ماجة في كتاب الإقامة باب ١٥٠. والدارمي في كتاب الصلاة باب ٢٥. والإمام أحمد ٦/٧.","vol":"1","page":56},{"text":"وقال: \"يصلون لكم، فإن أحسنوا فلكم، وإن أساءوا فلكم وعليهم\".\nوهذا الباب واسع جدا.\nوقال أيضا: \"لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\". ويحذر مما فعلوا قالوا: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا. وهذا قاله في مرضه.\nوقال قبل موته بخمس: \"إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذون القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك\" ١.\nولما ذكر كنيسة الحبشة قال: \"أولئك إذا مات الرجل فيهم بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة\" ٢.\nوكل هذه الأحاديث في الصحاح المشاهير.\nوقال أيضا: \"لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج\" ٣. رواه الترمذي وغيره وقال: حديث حسن.\n_________\n١- أخرجه البخاري في كتاب الصلاة باب ٤٨-٥٢ وفي كتاب الجنائز باب ٩٦، وفي الأنبياء باب ٥٠، وفي اللباس باب١٩، وفي المغازي باب ٨٣ ومسلم في المساجد حديث ١٩-٢٠-٢١-٢٢-٢٣. وأبو داود في كتاب الجنائز باب ٧٢-٧٨ والترمذي في الصلاة باب١٢١. والنسائي في المساجد باب ١٣، وفي الجنائز باب ١٠٦. ومالك في الموطأ في كتاب السفر حديث٨٥، وفي المدينة حديث ١٧. والدارمي في كتاب الصلاة باب ١٢٠. وأحمد ١/١٩٥-٢١٨-٤٠٥-٤٣٥-٤٥٤-٢/٢٢٩-٢٤٦-٢٨٤-٢٨٥-٢٨٧-٣٢٤-٣٣٧-٣٦٦-٣٩٦-٤٥٤-٥١٨-٥/١٨٤،١٨٦-٢٠٤-٦/٣٤-٨٠-١٢١-١٤٩-٢٢٩-٢٥٢-٢٥٥-٢٧٤-٢٧٥.\n٢- أخرجه البخاري في كتاب الصلاة باب٤٨-٥٤، وفي الجنائز باب ٧٠، وفي مناقب الأنصار باب٣٧. ومسلم في المساجد حديث ١٦، وفي الفتن حديث ١١٠-١١٦-١٣١. والنسائي في المساجد باب١٣.\n٣- أخرجه الترمذي في كتاب الجنائز باب ٦١. وابن ماجة في كتاب الجنائز باب ٤٩.=","vol":"1","page":57},{"text":"فإذا كان النبي ﷺ قد لعن الذين يتخذون على القبور المساجد ويسرجون عليها الضوء، فكيف يستحيل مسلم أن يجعل هذا طاعة وقربة؟!!\nوفي صحيح مسلم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال: \"بعثني رسول الله ﷺ فأمرني ألا أدع قبر مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته\" ١.\nوثبت عن النبي ﷺ أنه قال: \"اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد\" ٢.\nوقال: \"لا تتخذوا قبري عبدا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني\" ٣.\nفنهى النبي ﷺ عن الاجتماع عند قبره.\nوأمر بالصلاة عليه في جميع المواضع، فإن الصلاة عليه تصل إليه من جميع المواضع.\nوهذه الأحاديث رواها أهل بيته، مثل: علي بن الحسين عن أبيه عن جده علي، ومثل عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب.\nفكانوا هم وجيرانهم من علماء أهل المدينة ينهون عن البدع التي عند قبره أو غير قبر غيره، امتثالا لأمره، ومتابعة لشريعته.\n_________\n=وأحمد ٢/٣٣٧-٣٥٦ و٣/٤٤٣.\n١-أخرجه مسلم في كتاب الجنائز حديث ٩٣، وأبو داود في كتاب الجنائز باب٦٨. والترمذي في كتاب الجنائز باب٥٦ والنسائي في كتاب الجنائز باب٩٩. والإمام أحمد ١/٨٧-٩٦-١٢٩-١٣٨-١٤٥.\n٢-أخرجه مالك في الموطأ في كتاب السفر حديث ٨٥ والإمام أحمد ٢/٢٤٦.\n٣-أخرجه أبو داود في كتاب المناسك باب ٩٦، والإمام أحمد في المسند ٢/٣٦٧.","vol":"1","page":58},{"text":"فإن من مبدأ عبادة الأوثان: العكوف على الأنبياء والصالحين، والعكوف على تماثيلهم، وإن كانت وقعت بغير ذلك.\nوقد ذكر الله في كتابه عن المشركين أنهم قالوا:\n﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ ١.\nوقد روى طائفة من علماء السلف أن هؤلاء كانوا قوما صالحين، فلما ماتوا بنوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم.\nوكذلك قال ابن عباس في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ٢. قال ابن عباس: كان اللات رجلا يلت السويق للحجاج، فلما مات عكفوا على قبره، ولهذا قال النبي ﷺ: \"اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد\" نهى أن يصلى عند قبره.\nولهذا لما بنى المسلمون حجرته حرفوا مؤخرها، وسنموه لئلا يصلي إليه \"أحد\"٣. فإنه ﷺ قال: \"لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها\" ٤. رواه مسلم.\nوكان ﷺ إذا خرج إلى أهل البقيع يسلم عليهم، ويدعو لهم.\n_________\n١-سورة: نوح، آية:٢٣.\n٢-سورة النجم، آية:١٩.\n٣-ما بين المعقوفتين سقطت من الأصل.\n٤-أخرجه مسلم في الجنائز حديث ٩٧-٩٨. وأبو داود في الجنائز باب ٧٣. والترمذي في الجنائز باب ٥٧. والنسائي في القبلة باب١١. والإمام أحمد ٤/١٣٥. وأورده السيوطي في الجامع الصغير حديث ٤٧-٩٧ وصححه.","vol":"1","page":59},{"text":"وعلم أصحابه أن يقولوا إذا زاروا القبور: \"سلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل لكم العافية، اللهم آجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر. لنا ولهم\" ١.\nهذا مع أن في البقيع إبراهيم وبناته أم كلثوم ورقية، وسيدة نساء العالمين فاطمة، وكانت إحداهن دفنت فيه قديما قريبا من غزوة بدر، ومع ذلك فلم يحدث على أولئك السادة شيئا من هذه المنكرات، بل المشروع التحية لهم، والدعاء بالاستغفار وغيره.\nوكذلك في حقه، أمر بالصلاة والسلام عليه من القرب والبعد، وقال: \"أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي. قالوا: كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يعني: بليت. قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء\" ٢.\nوقال: \"ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇\" ٣.\n_________\n١-أخرجه مسلم في كتاب الجنائز حديث ١٠٢. وأبو داود في كتاب الجنائز باب٧٩. والنسائي في كتاب الطهارة باب ١٠٩، وفي الجنائز باب١٠٣. وابن ماجة في الجنائز باب ٣٦. وفي الزهد باب٣٦. ومالك في الموطأ في كتاب الطهارة حديث رقم ٢٨.\n٢-أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة باب٢٠١، وفي الوتر باب٢٦. والنسائي في كتاب الجمعة باب٥. وابن ماجة في كتاب الإقامة باب٧٩، وفي الجنائز باب٦٥. والدارمي في كتاب الصلاة باب٢٠٦. والإمام احمد ٤/٨.\n٣-أخرج أبو داود في سننه في كتاب المناسك باب ٩٦ عن أبي هريرة ﵁ قالك قال رسول الله ﷺ: \" ما من أحد يسلم علي رد علي روحي حتى أرد ﵇\"ز وأورده السيوطي في الجماع الصغير حديث ٨٦،٧٩ وضعفه.","vol":"1","page":60},{"text":"وكل هذه الأحاديث ثابتة عن أهل المعرفة بحديث النبي ﷺ.\nفالدعاء والاستغفار يصل إلى الميت عند قبره، وهو الذي ينبغي للمسلم أن يعامل به موتى المسلمين من الدعاء لهم بأنواع الدعاء، كما كان حياته يدعو لهم.\nوهذا رسول الله ﷺ قد أمرنا أن نصلي عليه ونسلم تسليما في حياته ومماته، وعلى آل بيته.\nوأمرنا أن ندعو للمؤمنين والمؤمنات في محياهم ومماتهم، عند قبورهم وغير قبورهم.\nونهانا الله أن نجعل لله أندادا، أو نشبه بيت المخلوق الذي هو قبره ببيت الله الذي هو الكعبة البيت الحرام، فإن الله أمرنا أن نحج ونصلي إليه، ونطوف به، وشرع لنا أن نستلم أركانه، ونقبل الحجر الأسود الذي جعله الله بمنزلة يمينه.\nقال ابن عباس: \" الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن استلمه وصافحه فكأنما صافح الله وقبل يمينه\".\nوشرع كسوة الكعبة، وتعليق الأستار عليها، وكان يتعلق من يتعلق بأستار الكعبة كالمتعلق بأذيال المستجير به، فلا يجوزان تضاهى بيوت المخلوقين ببيت الخالق.\nولهذا كان السلف ينهون من زار قبر النبي ﷺ أن يقبله، بل يسلم عليه بأبي هو وأمي ﷺ، ويصلى عليه كما كان السلف يفعلون.\nفإذا كان السلف أعرف بدين الله وسنة نبيه وحقوقه، وحقوق السابقين والتابعين من أهل البيت وغيرهم، ولم يفعلوا شيئا من هذه البدع التي تشبه","vol":"1","page":61},{"text":"الشرك وعبادة الأوثان، لأن الله ورسوله نهاهم عن ذلك، بل يعبدون الله وحده لا شريك له، مخلصين له الدين كما أمر الله به ورسوله، ويعمرون بيوت الله بقلوبهم وجوارحهم من الصلاة والقراءة، والذكر والدعاء وغير ذلك.\nفكيف يحل للمسلم أن يعدل عن كتاب الله، وشريعة رسوله، وسبيل السابقين من المؤمنين، إلى ما أحدثه ناس آخرون، إما عمدا وإما خطأ.\nفخوطب حامل هذا الكتاب بان جميع هذه البدع التي على قبور الأنبياء والسادة من آل البيت والمشايخ المخالفة للكتاب والسنة، ليس للمسلم أن يعين عليها، هذا إذا كانت القبور صحيحة، فكيف وأكثر هذه القبور مطعون فيها؟\nوإذا كانت هذه النذور للقبور معصية قد نهى الله عنها ورسوله والمؤمنون والسابقون، فقد قال النبي ﷺ: \"من نذر أن يعطي الله فليطعمه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصيه\" ١.\nوقال ﷺ: \"كفارة النذر كفارة اليمين\" ٢. وهذا الحديث في الصحاح.\nفإذا كان النذر طاعة الله ورسوله، مثل أن ينذر صلاة أو صوما أو حجا أو صدقة أو نحو ذلك، فهذا عليه أن يعني به.\n_________\n١-أخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب٢٨، ٣١ وأبو داود في كتاب الإيمان باب ١٩. والترمذي في كتاب النذور باب٢. والنسائي كتاب الإيمان باب٢٧-٢٨ وابن ماجة في كتاب الكفارات باب ١٦. والدارمي في النذور باب٣. ومالك في الموطأ كتاب النذور حديث ٨. والإمام أحمد في المسند ٩/٣٦ -٤١-٢٠٨-٢٢٤.\n٢-أخرجه مسلم في النذر حديث ١٢. وأبو داود في كتاب الإيمان باب ٢٥. والترمذي في النذور باب ٤. والنسائي في الأيمان باب ٤١. وأحمد في المسند ٤/١٤٤-١٣٦-١٤٧.","vol":"1","page":62},{"text":"وإذا كان المنذر معصية كفرا أو غير كفر، مثل، أن ينذر للأصنام كالنذور التي بالهند، ومثلما كان المشركون ينذرون لآلهتهم، مثل: اللات التي كانت بالطائف، والعزى التي كانت بعرفة قريبا من مكة، مناة الثالثة الأخرى التي كانت لأهل المدينة.\nوهذه المدائن الثلاث هي مدائن أرض الحجاز، كانوا ينذرون لها النذور، ويتعبدون لها، ويتوسلون بها إلى الله في حوائجهم، كما أخبر عنهم بقوله:\n﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١ ومثلما ينذر الجهال من المسلمين لعين ماء، أو بئر من الآبار، أو قناة ماء أو مغارة، أو حجر، أو شجرة من الأشجار، أو قبر من القبور، وإن كان قبر نبي أو رجل صالح، أو ينذر زيتا أو شمعا أو كسوة أو ذهبا، أو فضة لبعض هذه الأشياء، فإن هذا كله نذر معصية لا يوفى به.\nلكن من العلماء من يقول: على صاحبه كفارة يمين، لما روى أهل السنن عن النبي ﷺ: \" لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين\" ٢.\nوفي الصحيح عنه أنه قال: \"كفارة النذر كفارة يمين\" ٣.\nوإذا صرف من ذلك المنذور شيء في قربة من القربات المشروعة كان حسنا، مثل أن يصرف الدهن إلى تنوير بيوت الله، ويصرف المال والكسوة إلى من يستحقه من المسلمين ومن آل بيت رسول الله ﷺ، وسائر المؤمنين، وفي سائر المصالح التي أمر الله بها ورسوله.\n_________\n١-سورة الزمر، آية:٣.\n٢-أخرجه مسلم في النذر حديث ٨. وأبو داود في الأيمان باب١٢-١٩ والترمذي في النذور باب١. والنسائي في الأيمان باب١٧-٣١-٤١. وابن ماجة في الكفارات باب ١٦. والإمام أحمد ٢/٢٠٧-٤٢٩-٤٣٢-٦/٢٤٧.\n٣-سبق تخريجه.","vol":"1","page":63},{"text":"وإذا اعتقد بعض الجهال أن بعض هذه النذور المحرمة قد قضت حاجته يجلب المنفعة من المال والعافية ونحو ذلك، أو بدفع المضرة من العدو ونحو، فقد غلط في ذلك.\nفقد صح عن النبي صلى لله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال: \"إنه لا يأتي بخير، ولكنه يستخرج به من البخيل\" ١.\nفعد النذر مكروها، وإن كان الوفاء به واجبا إذا كان المنذور طاعة الله ورسوله ﷺ.\nوقد أخبر النبي ﷺ أن النذر لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من بخيل، وهذا المعنى قد ثبت عن النبي ﷺ من غير وجه، فيما كان قربة محضة لله، فكيف بنذر شرك؟ فإنه لا يجوز نذره ولا الوفاء به.\nوهذا وإن كان قد عمر الإسلام، وكثر العكوف على القبور التي هي للصالحين من أهل البيت وغيرهم، فعلى الناس أن يطيعوا الله ورسوله، ويتبعون دين الله الذي بعث به نبيه ﷺ، ولا يشرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، فإن الله إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، وليعبدوا الله وحده لا شريك له.\nكما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٢.\n_________\n١-أخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب٢٦،وفي القدر باب٦.ومسلم في كتاب القدر حديث ٢-٣-٤-٥-٦-وأبو داود في كتاب الأيمان باب١٨. والترمذي في كتاب النذور باب١١. والنسائي في كتاب الأيمان ٢٤-٢٦. وابن ماجة في كتاب الكفارات باب١٥. والإمام أحمد ٢/٦١-٢٣٥-٢٤٢-٤٠١-٣١٤-٤١٢-٤٣٦.\n٢-سورة الزخرف، آية:٤٥.","vol":"1","page":64},{"text":"وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ ١.\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ ٢.\nوقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ٣.\nوقال تعالى في حق الذين كانوا يدعون الملائكة والنبيين: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٤.\nورد على من اتخذ شفعاء من دونه فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٥.\n_________\n١-سورة الشورى، آية:١٣.\n٢-سورة النحل، آية:٣٦.\n٣-سورة الإسراء، آية: ٥٦.\n٤-سورة آل عمران:٨.\n٥- سورة الزمر، آية:٤٣.","vol":"1","page":65},{"text":"وقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.\nوقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٢.\nوقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٣.\nوقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٤.\nقال: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٥.\nوكتب الله من أولها إلى آخرها تأمر بإخلاص الدين لله، ولا سيما الكتاب الذي بعث به محمد ﷺ أو الشريعة التي جاء بها فإنها كملت الدين.\nقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ٦.\nوقال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ\n_________\n١-سورة التوبة، آية: ٣١.\n٢-سورة البقرة، آية: ٢٥٥.\n٣-سورة النجم، آية:٢٦.\n٤-سورة الأنبياء، آية:٢٨.\n٥-سورة سبأ، آية: ٢٣.\n٦-سورة المائدة، آية:٣.","vol":"1","page":66},{"text":"لا يَعْلَمُونَ﴾ ١.\nوقد جعل قوام الأمر بالإخلاص لله والعدل في الأمور كلها، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ ٢.\nولقد خلص النبي ﷺ التوحيد من دقيق الشرك وجليله، حتى قال: \"من حلف بغير الله فقد أشرك\" ٣ رواه الترمذي وصححه.\nوقال: \"إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت\" ٤. وهذا مشهور في الصحاح.\nوقال: \"ولا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء محمد\" ٥.\nوقال له رجل: \"ما شاء الله وشئت، فقال: \" أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده\" ٦.\nوروي عنه أنه قال: \"الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل\" ٧.\n_________\n١-سورة الجاثية، آية: ١٨.\n٢-سورة الأعراف، آية:٢٩.\n٣-أخرجه الترمذي في النذور باب٩ والنسائي في الأيمان باب ٤. وابن ماجة في الكفارات باب ٢. والدارمي في النذور باب٦. والإمام أحمد ١/٤٧-٢/٣٤-٦٧-٦٩-٨٧-٩٨-١٢٥-١٤٢.\n٤-أخرجه الإمام أحمد في المسند ٢/٧. والترمذي في النذور باب٨ وغيرهما.\n٥-أخرجه الدارمي في الاستئذان باب٦٣. وابن ماجة في الكفارات باب١٣. والإمام أحمد ٥/٧٢-٣٩٣.\n٦-أخرجه الإمام أحمد في المسند ١/٢١٤-٢٢٤-٢٨٣-٣٤٧.\n٧-أخرجه الإمام أحمد ٤/٤٠٣.","vol":"1","page":67},{"text":"وروي عنه أن الرياء شرك١.\nوقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٢.\nوعلم بعض أصحابه أن يقول: \"اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، واستغفرك لما لا أعلم\".\nومن هذا الباب الذين يسألون الصدقة أو يعطونها لغير الله، مثل من يقول: لأجل فلان، إما بعض الصحابة، أو بعض أهل البيت، حتى يتخذ السؤال بذلك ذريعة إلى أكل أموال الناس بالباطل، ويصير قوم ممن ينتسب إلى السنة يعطي الآخرين والشيطان قد استحوذ على الجميع، فإن الصدقة وسائر العبادات لا يشرع أن تفعل إلا الله، كما قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى. الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ٣.\nوقال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ٤.\nوقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ\n_________\n١-أخرجه الترمذي في النذور باب ٩. وابن ماجة في الفتن باب ١٦. والإمام أحمد ٥/٤٢٨.\n٢-سورة الكهف، آية: ١١٠.\n٣-سورة الليل، آية: ١٨.\n٤-سورة الروم، آية: ٣٩.","vol":"1","page":68},{"text":"جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ ١.\nوقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ ٢.\nوقال تعالى كلمة جامعة: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٣.\nوعبادته تجمع الصلاة وما يدخل فيها من الدعاء والذكر، وتجمع الصدقة والزكاة بجميع الأنواع، ومن الطعام اللباس والنقد وغير ذلك.\nوالله يجعلنا وسائر إخواننا المؤمنين مخلصين له الدين، تعبده ولا نشرك به شيئا، معتصمين بحبله، متمسكين بكتابه، متعلمين لما أنزل من الكتاب والحكمة، ويصرف عنا شياطين الجن والإنس، ويعيذنا أن تفرق بنا عن سبيله، ويهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.\nوالحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما كثيرا.\n_________\n١-سورة البقرة، آية:٢٥٦.\n٢-سورة الإنسان، آية:٨.\n٣-سورة البينة، آية:٤.","vol":"1","page":69}]}