{"ً":{"ٌ":11166,"ٍ":"حكم تارك الصلاة - العثيمين","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"بحوث ومسائل/حكم تارك الصلاة - ابن عثيمين - ط مدار الوطن","files":["105852.pdf"]},"ّ":"الكتاب: حكم تارك الصلاة\nالمؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (ت ١٤٢١هـ)\nالناشر: دار الوطن للنشر\nالطبعة: طبعة عام ١٤٢٣ هـ\nعدد الصفحات: ٣١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":57,"ٕ":19,"ٖ":1770153785,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الفصل الأول: حكم تارك الصلاة","level":1,"page":2},{"title":"الفصل الثاني: فيما يترتب على الردة بترك الصلاة أو غيره","level":1,"page":20}],"ٛ":{"1,3":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,24":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29},"ٜ":{"1":[3,31]},"ٝ":["1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"20":[3]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\n...\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله أصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد: فإن كثيرًا من المسلمين اليوم تعاونوا بالصلاة وأضاعوها حتى تركها بعضهم تركًا مطلقًا تهاونًا.\nولما كانت هذه المسألة من المسائل العظيمة الكبرى التي ابتلي بها الناس اليوم، واختلف فيها علماء الأمة وأئمتها قديمًا وحديثًا، أحببت أن أكتب فيها ما تيسر.\nويتلخص الكلام في فصلين:\n* الفصل الأول: في حكم تارك الصلاة.\n* الفصل الثاني: فيما يترتب على الردة بترك الصلاة أو غيرها.\nنسأل الله تعالى أن نكون فيها موفقين للصواب.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الفصل الأول: حكم تارك الصلاة</span>\nإن هذه المسألة من مسائل العلم الكبرى، وقد تنازع فيها أهل العلم سلفًا وخلفًا، فقال الإمام أحمد بن حنبل: \"تارك الصلاة كافر كفرًا مخرجًا من الملة، يقتل إذا لم يتب ويصل\".\nوقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: \"فاسق ولا يكفر\".\nثم اختلفوا فقال مالك والشافعي: \"يقتل حدًا\" وقال أبو حنيفة: \"يعزر ولا يقتل\".\nوإذا كانت هذه المسألة من مسائل النزاع، فالواجب ردها إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّه﴾ [الشورى: من الآية ١٠] . وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: من الآية ٥٩] .\nولأن كل واحد من المختلفين لا يكون قوله حجة على الآخر؛ لأن كل واحد يرى أن الصواب معه، وليس أحدهما أولى بالقبول من الآخر، فوجب الرجوع في ذلك إلى حكم بينهما وهو كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ.\nوإذا رددنا هذا النزاع إلى الكتاب","vol":"1","page":4},{"text":"والسنة، وجدنا أن الكتاب والسنة كلاهما يدل على كفر تارك الصلاة، الكفر الأكبر المخرج عن الملة.\nأولًا: من الكتاب:\nقال تعالى في سورة التوبة: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّين﴾ [التوبة: من الآية ١١] .\nوقال في سورة مريم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٥٩-٦٠] .\nفوجه الدلالة من الآية الثانية – آية سورة مريم – أن الله قال في المضيعين للصلاة، المتبعين للشهوات: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ فدل على أنهم حين إضاعتهم للصلاة واتباع الشهوات غير مؤمنين.\nووجه الدلالة من الآية الأولى – آية سورة التوبة – أن الله تعالى اشترط لثبوت الأخوة بيننا وبين المشركين ثلاثة شروط:\n* أن يتوبوا من الشرك.\n* أن يقيموا الصلاة.\n* أن يؤتوا الزكاة.","vol":"1","page":5},{"text":"فإن تابوا من الشرك، ولم يقيموا الصلاة، ولم يؤتوا الزكاة، فليسوا بإخوة لنا. وإن أقاموا الصلاة، ولم يؤتوا الزكاة، فليسوا بإخوة لنا.\nوالأخوة في الدين لا تنتفي إلا حيث يخرج المرء من الدين بالكلية، فلا تنتفي بالفسوق والكفر دون الكفر.\nألا ترى إلى قوله تعالى في آية القتل: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: من الآية ١٧٨] . فجعل الله القاتل عمدًا أخًا للمقتول، مع أن القتل عمدًا من أكبر الكبائر، لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] .\nثم ألا تنظر إلى قوله تعالى في الطائفتين من المؤمنين إذا اقتتلوا: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم﴾ [الحجرات: ٩-١٠] . فأثبت الله تعالى الأخوة بين الطائفة المصلحة والطائفتين المقتتلتين، مع أن قتال المؤمن من الكفر، كما ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن ابن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: \"سباب","vol":"1","page":6},{"text":"المسلم فسوق، وقتاله كفر\" ١. لكنه كفر لا يخرج من الملة، إذ لو كان مخرجًا من الملة ما بقيت الأخوة الإيمانية معه. والآية الكريمة قد دلت على بقاء الأخوة الإيمانية مع الاقتتال.\nوبهذا علم أن ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة، إذ لو كان فسقًا أو كفرًا دون كفر، ما انتفت الأخوة الدينية به، كما لم تنتف بقتل المؤمن وقتاله.\nفإن قال قائل: هل ترون كفر تارك إيتاء الزكاة كما دل عليه مفهوم آية التوبة؟\nقلنا: كفر تارك إيتاء الزكاة قال به بعض أهل العلم، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى.\nولكن الراجح عندنا أنه لا يكفر، لكنه يعاقب بعقوبة عظيمة، ذكرها الله تعالى في كتابه، وذكرها النبي ﷺ في سنته، ومنها ما في حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ ذكر عقوبة مانع الزكاة، وفي آخره: \"ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار\"\n_________\n١ رواه البخاري كتاب الإيمان باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر رقم ٤٨ ومسلم كتاب الإيمان باب بيان قول النبي ﷺ: \"سباب المسلم فسوق\" رقم ٦٤.","vol":"1","page":7},{"text":"وقد رواه مسلم بطوله في: باب \"إثم مانع الزكاة\"١، وهو دليل على أنه لا يكفر، إذ لو كان كافرًا ما كان له سبيل إلى الجنة.\nفيكون منطوق هذا الحديث مقدمًا على مفهوم آية التوبة؛ لأن المنطوق مقدم على المفهوم كما هو معلوم في أصول الفقه.\nثانيًا: من السنة:\n١- قال ﷺ: \"إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة \".\nرواه مسلم في كتاب الإيمان عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم٢.\n٢- وعن بريده بن الحصيب ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: \"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر\". رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه٣.\n_________\n١ رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، رقم ٩٨٧.\n٢ رواه مسلم، كتاب الأيمان، باب إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، رقم ٨٢.\n٣ رواه أحمد ٥/٣٤٦ والترمذي، كتاب الأيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة، رقم ٢٦٢١ وقال: حديث حسن صحيح غريب. والنسائي، كتاب الصلاة، باب الحكم في تارك الصلاة رقم ٤٦٣ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء فيمن ترك الصلاة رقم ١٠٧٩.","vol":"1","page":8},{"text":"والمراد بالكفر هنا: الكفر المخرج عن الملة؛ لأن النبي ﷺ جعل الصلاة فصلًا بين المؤمنين والكافرين، ومن المعلوم أن ملة الكفر غير ملة الإسلام، فمن لم يأت بهذا العهد فهو من الكافرين.\n٣- وفي صحيح مسلم عن أم سلمة ﵂، أن النبي ﷺ، قال: \"ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع.\" قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: \"لا ما صلوا\" ١.\n٤- وفي صحيح مسلم أيضًا من حديث عوف بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ، قال: \"خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم\n_________\n١ رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع، رقم ١٨٥٤.","vol":"1","page":9},{"text":"ويعلنونكم\". قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: \"لا ما أقاموا فيكم الصلاة\" ١.\nففي هذين الحديثين الأخيرين دليل على منابذة الولاة وقتالهم بالسيف إذا لم يقيموا الصلاة، ولا تجوز منازعة الولاة وقتالهم إلا إذا أتوا كفرًا صريحًا، عندنا فيه برهان من الله تعالى، لقول عبادة بن الصامت ﵁: \"دعانا رسول الله ﷺ فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا، أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله\". قال: \"إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان\" ٢.\nوعلى هذا فيكون تركهم للصلاة الذي علق عليه النبي ﷺ، منابذتهم وقتالهم بالسيف كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان.\nولم يرد في الكتاب والسنة أن تارك الصلاة ليس بكافر أو أنه\n_________\n١ رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب خيار الأئمة وشرارهم رقم ١٨٥٥.\n٢ رواه البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي ﷺ: \"سترون بعدي أمورًا تنكرونها\" رقم ٧٠٥٥- ٧٠٥٦ ومسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، رقم ١٧٠٩م.","vol":"1","page":10},{"text":"مؤمن، وغاية ما ورد في ذلك نصوص تدل على فضل التوحيد، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وثواب ذلك، وهي إما مقيدة بقيود في النص نفسه يمتنع معها أن يترك الصلاة، وإما واردة في أحوال معينة يعذر الإنسان فيها بترك الصلاة، وإما عامة فتحمل على أدلة كفر تارك الصلاة؛ لأن أدلة كفر تارك الصلاة خاصة، والخاص مقدم على العام.\nفإن قال قائل: ألا يجوز أن تحمل النصوص الدالة على كفر تارك الصلاة على من تركها جاحدًا لوجوبها؟\nقلنا: لا يجوز ذلك لأن فيه محذورين:\nالأول: إلغاء الوصف الذي اعتبره الشارع وعلق الحكم به.\nفإن الشارع علق الحكم بالكفر على الترك دون الجحود ورتب الأخوة في الدين على إقام الصلاة، دون الإقرار بوجوبها، فلم يقل الله تعالى: فإن تابوا وأقروا بوجوب الصلاة، ولم يقل النبي ﷺ: بين الرجل وبين الشرك والكفر جحد وجوب الصلاة. أوالعهد الذي بيننا وبينهم الإقرار بوجوب الصلاة، فمن جحد وجوبها فقد كفر.\nولو كان هذا مراد الله تعالى ورسوله لكان العدول عنه خلاف البيان الذي جاء به القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا","vol":"1","page":11},{"text":"عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل من الآية ٨٩] . وقال تعالى مخاطبًا نبيه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم﴾ [النحل: من الآية ٤٤] .\nالثاني: اعتبار وصف لم يجعله الشارع مناطًا للحكم:\nفإن جحود وجوب الصلوات الخمس موجب لكفر من لا يعذر بجهله فيه سواء صلى أم ترك.\nفلوا صلى شخص الصلوات الخمس وأتى بكل ما يعتبر لها من شروط، وأركان، وواجبات، ومستحبات، لكنه جاحد لوجوبها بدون عذر له فيه لكان كافرًا مع أنه لم يتركها.\nفتبين بذلك أن حمل النصوص على من ترك الصلاة جاحدًا لوجوبها غير صحيح، وأن الحق أن تارك الصلاة كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، كما جاء ذلك صريحًا فيما رواه ابن أبي حاتم في سننه عن عبادة بن الصامت ﵁، قال: أوصانا رسول الله ﷺ: \"لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تتركوا الصلاة عمدًا، فمن تركها عمدًا متعمدًا فقد خرج من الملة \".\nوأيضًا فإننا لو حملناه على ترك الجحود لم يكن لتخصيص الصلاة في النصوص فائدة، فإن هذا الحكم عام في الزكاة، والصيام، والحج، فمن ترك منها واحدًا جاحدًا لوجوبه كفر إن","vol":"1","page":12},{"text":"كان غير معذور بجهل.\nوكما أن كفر تارك الصلاة مقتضى الدليل السمعي الأثري، فهو مقتضى الدليل العقلي النظري.\nفكيف يكون عند الشخص إيمان مع تركه للصلاة التي هي عمود الدين، والتي جاء من الترغيب في فعلها ما يقتضي لكل عاقل مؤمن أن يقوم بها ويبادر إلى فعلها. وجاء من الوعيد على تركها ما يقتضي لكل عاقل مؤمن أن يحذر من تركها وإضاعتها؟ فتركها مع قيام هذا المقتضى لا يبقي إيمانًا مع التارك.\nفإن قال قائل: ألا يحتمل أن يراد بالكفر في تارك الصلاة كفر النعمة لا كفر الملة؟ أو أن المراد به كفر دون الكفر الأكبر؟ فيكون كقوله ﷺ: \"اثنتان بالناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، النياحة على الميت\" ١. وقوله: \"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر\" ٢ ونحو ذلك.\nقلنا: هذا الاحتمال والتنظير له لا يصح لوجوه:\n_________\n١ رواه مسلم، كتاب الأيمان، باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب رقم ٦٧.\n٢ سبق تخريجه.","vol":"1","page":13},{"text":"الأول: أن النبي ﷺ جعل الصلاة حدًا فاصلًا بين الكفر والإيمان، وبين المؤمنين والكفار. والحد يميز المحدود ويخرجه عن غيره، فالمحدودان متغايران لا يدخل أحدهما في الآخر.\nالثانى: أن الصلاة ركن من أركان الإسلام، فوصف تاركها بالكفر يقتضي أنه الكفر المخرج من الإسلام؛ لأنه هدم ركنًا من أركان الإسلام، بخلاف إطلاق الكفر على من فعل فعلًا من أفعال الكفر.\nالثالث: أن هناك نصوصًا أخرى دلت على كفر تارك الصلاة كفرًا مخرجًا من الملة؛ فيجب حمل الكفر على ما دلت عليه لتتلاءم النصوص وتتفق.\nالرابع: أن التعبير بالكفر مختلف.\nففي ترك الصلاة قال: \"بين الرجل وبين الشرك والكفر\" ١ فعبر بـ \"أل\" الدالة على أن المراد بالكفر حقيقة الكفر بخلاف كلمة \"كفر\" منكرًا أو كلمة \"كفر\" بلفظ الفعل، فإنه دال على أن هذا من الكفر، أو أنه كفر في هذه الفعلة وليس هو الكفر المطلق\n_________\n١ سبق تخريجه.","vol":"1","page":14},{"text":"المخرج عن الإسلام.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب \"اقتضاء الصراط المستقيم\" \"ص٧٠ طبعة السنة المحمدية\" على قوله ﷺ: \"اثنتان في الناس هما بهم كفر\" ١.\nقال: \"فقوله: \"هما بهم كفر\" أي هاتان الخصلتان هما كفر قائم بالناس، فنفس الخصلتين كفر حيث كانتا من أعمال الكفر، وهما قائمتان بالناس، لكن ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير بها كافرًا الكفر المطلق، حتى تقوم به حقيقة الكفر. كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير بها مؤمنًا حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته. وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله ﷺ: \"ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة\" ٢ وبين كفر منكر في الإثبات انتهى كلامه.\nفإذا تبين أن تارك الصلاة بلا عذر كافر كفرًا مخرجًا من الملة بمقتضى هذه الأدلة، كان الصواب فيما ذهب إليه الإمام أحمد\n_________\n١ سبق تخريجه.\n٢ سبق تخريجه.","vol":"1","page":15},{"text":"ابن حنبل وهو أحد قولي الشافعي كما ذكره ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَات﴾ [مريم: من الآية ٥٩] . وذكر ابن القيم في \"كتاب الصلاة\" أنه أحد الوجهين في مذهب الشافعي، وأن الطحاوى نقله عن الشافعي نفسه.\nوعلى هذا القول جمهور الصحابة، بل حكى غير واحد إجماعهم عليه.\nقال عبد الله بن شقيق: \"كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة\". رواه الترمذي والحاكم وصححه على شرطهما١.\nوقال إسحاق بن راهويه الإمام المعروف: \"صح عن النبي ﷺ أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا، أن تارك الصلاة عمدًا من غير عذر حتى يخرج وقتها كافر\".\nوذكر ابن حزم أنه قد جاء عن عمر وعبد الرحمن بن عوف\n_________\n١ رواه الترمذي، كتاب الأيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة، رقم ٢٦٢٢ والحاكم ١/٧.","vol":"1","page":16},{"text":"ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة، قال: \"ولا نعلم لهؤلاء مخالفًا من الصحابة\". نقله عنه المنذري في \"الترغيب والترهيب\"١ وزاد من الصحابة: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبا الدرداء ﵃. قال: \"ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن المبارك، والنخعي، والحكم بن عتيبة، وأيوب السختياني، وأبو داود الطيالسي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب وغيرهم\". أ. هـ.\nفإن قال قائل: ما هو الجواب عن الأدلة التي استدل بها من لا يرى كفر تارك الصلاة؟\nقلنا: الجواب: أن هذه الأدلة لم يأت فيها أن تارك الصلاة لا يكفر، أو أنه مؤمن، أو أنه لا يدخل النار، أو أنه في الجنة. ونحو ذلك.\nومن تأملها وجدها لا تخرج عن خمسة أقسام كلها لا تعارض أدلة القائلين بأنه كافر.\n_________\n١ الترغيب والترهيب ١/٤٤٥- ٤٤٦.","vol":"1","page":17},{"text":"القسم الأول: أحاديث ضعيفة غير صريحة حاول موردها أن يتعلق بها ولم يأت بطائل.\nالقسم الثاني: ما لا دليل فيه أصلًا للمسألة.\nمثل استدلال بعضهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: من الآية ٤٨] . فإن معنى قوله تعالى: ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ ما هو أقل من ذلك، وليس معناه ما سوى ذلك، بدليل أن من كذب بما أخبر الله به ورسوله، فهو كافر كفرًا لا يغفر وليس ذنبه من الشرك.\nولو سلمنا أن معنى ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ ما سوى ذلك، لكان هذا من باب العام المخصوص بالنصوص الدالة على الكفر بما سوى الشرك، والكفر المخرج عن الملة من الذنب الذي لا يغفر وإن لم يكن شركًا.\nالقسم الثالث: عام مخصوص بالأحاديث الدالة على كفر تارك الصلاة.\nمثل قوله ﷺ في حديث معاذ بن جبل: \"ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار\" ١\n_________\n١ رواه البخاري، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قومًا دون قوم، رقم ١٢٨ ومسلم، كتاب الأيمان، باب من لقي الله بالأيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة، رقم ٣٣.","vol":"1","page":18},{"text":"وهذا أحد ألفاظه، وورد نحوه من حديث أبي هريرة١ وعبادة بن الصامت٢ وعتبان بن مالك٣ ﵃.\nالقسم الرابع: عام مقيد بما لا يمكن معه ترك الصلاة.\nمثل قوله ﷺ في حديث عتبان بن مالك: \"فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله\" رواه البخاري٤.\nوقوله ﷺ في حديث معاذ: \"ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار\" رواه البخاري٥.\nفتقييد الإتيان بالشهادتين بإخلاص القصد وصدق القلب\n_________\n١ أخرجه مسلم رقم ٢٧.\n٢ أخرجه مسلم رقم ٢٩.\n٣ سيأتي تخريجه.\n٤ أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت، رقم ٤٢٥ ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر رقم ٣٣م\n٥ سبق تخريجه.","vol":"1","page":19},{"text":"يمنعه من ترك الصلاة، إذ ما من شخص يصدق في ذلك ويخلص إلا حمله صدقه وإخلاصه على فعل الصلاة ولابد، فإن الصلاة عمود الإسلام، وهي الصلة بين العبد وربه، فإذا كان صادقًا في ابتغاء وجه الله، فلابد أن يفعل ما يوصله إلى ذلك، ويتجنب ما يحول بينه وبينه، وكذلك من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه، فلابد أن يحمله ذلك الصدق على أداء الصلاة مخلصًا بها لله تعالى متبعًا فيها رسول الله ﷺ؛ لأن ذلك من مستلزمات تلك الشهادة الصادقة.\nالقسم الخامس: ما ورد مقيدًا بحال يعذر فيها بترك الصلاة.\nكالحديث الذي رواه ابن ماجه١ عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: \"يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب\" الحديث. وفيه: \"وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله\n_________\n١ رواه ابن ماجه، كتاب الفتن، باب ذهاب القرءان والعلم، رقم ٤٠٤٩ والحاكم ٤/٤٧٣ وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.","vol":"1","page":20},{"text":"فنحن نقولها\" فقال له صلة: \"ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون لا صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة\" فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثًا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: \"يا صلة، تنجيهم من النار\" ثلاثًا.\nفإن هؤلاء الذين أنجتهم الكلمة من النار كانوا معذورين بترك شرائع الإسلام؛ لأنهم لا يدرون عنها، فما قاموا به هو غاية ما يقدرون عليه، وحالهم تشبه حال من ماتوا قبل فرض الشرائع، أو قبل أن يتمكنوا من فعلها، كمن مات عقب شهادته قبل أن يتمكن من فعل الشرائع، أو أسلم في دار الكفر فمات قبل أن يتمكن من العلم بالشرائع.\nوالحاصل أن ما استدل به من لا يرى كفر تارك الصلاة لا يقاوم ما استدل به من يرى كفره، لأن ما استدل به أولئك: إما أن يكون ضعيفًا غير صريح، وإما ألا يكون فيه دلالة أصلًا، وإما أن يكون مقيدًا بوصف لا يتأتى معه ترك الصلاة، أو مقيدًا بحال يعذر فيها بترك الصلاة، أو عامًا مخصوصًا بأدلة تكفيره!.\nفإذا تبين كفره بالدليل القائم السالم عن المعارض المقاوم، وجب أن تترتب أحكام الكفر والردة عليه، ضرورة أن الحكم يدور مع علته وجودًا أو عدمًا.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الفصل الثاني: فيما يترتب على الردة بترك الصلاة أو غيره</span>\nيترتب على الردة أحكام دنيوية وأخروية.\nأولًا: من الأحكام الدنيويه:\n١- سقوط ولايته: فلا يجوز أن يولى شيئًا يشترط في الولاية عليه الإسلام، وعلى هذا فلا يولى على القاصرين من أولاده وغيرهم، ولا يزوج أحدًا من مولياته من بناته وغيرهن.\nوقد صرح فقهاؤنا رحمهم الله تعالى في كتبهم المختصرة والمطولة: أنه يشترط في الولي الإسلام إذا زوج مسلمة، وقالوا: \"لا ولاية لكافر على مسلمة\".\nوقال ابن عباس ﵄: \"لا نكاح إلا بولي مرشد\"، وأعظم الرشد وأعلاه دين الإسلام، وأسفه السفه وأدناه الكفر والردة عن الإسلام. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: من الآية ١٣٠] .\n٢- سقوط إرثه من أقاربه: لأن الكافر لا يرث المسلم، والمسلم لا يرث الكافر، لحديث أسامة بن زيد ﵄، أن النبي ﷺ قال: \"لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر","vol":"1","page":22},{"text":"المسلم\". أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما١.\n٣- تحريم دخوله مكة وحرمها: لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: من الآية ٢٨] .\n٤- تحريم ما ذكاه من بهيمة الأنعام: \"الإبل والبقر والغنم\" وغيرها مما يشترط لحله الذكاة؛ لأن من شروط الذكاة: أن يكون المذكي مسلمًا أو كتابيًا \"يهوديًا أو نصرانيًا\"، فأما المرتد والوثني والمجوسي ونحوهم فلا يحل ما ذكاه.\nقال الخازن في تفسيره: \" أجمعوا على تحريم ذبائح المجوس وسائر أهل الشرك من مشركي العرب وعبدة الأصنام ومن لا كتاب له\".\nوقال الإمام أحمد: \"لا أعلم أحدًا قال بخلافه إلا أن يكون صاحب بدعة \".\n_________\n١ رواه البخاري، كتاب الفرائض، باب \"لا يرث المسلم الكافر\" رقم ٦٧٦٤ ومسلم، كتاب الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم رقم ١٦١٤.","vol":"1","page":23},{"text":"٥- تحريم الصلاة عليه بعد موته، وتحريم الدعاء له بالمغفرة والرحمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] . وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيم وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٣- ١١٤] .\nودعاء الإنسان بالمغفرة والرحمة لمن مات على الكفر بأي سبب كان كفره اعتداء في الدعاء، ونوع من الاستهزاء بالله، وخروج عن سبيل النبي والمؤمنين.\nوكيف يمكن لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدعو بالمغفرة والرحمة لمن مات على الكفر وهو عدو لله تعالى؟! كما قال ﷿: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] . فبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن الله تعالى عدو لكل الكافرين.\nوالواجب على المؤمن أن يتبرأ من كل كافر؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي","vol":"1","page":24},{"text":"فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٦- ٢٧] .\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: من الآية٤] . وليتحقق له بذلك متابعة رسول الله ﷺ، حيث قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: من الآية ٣] .\nومن أوثق عرى الإيمان: أن تحب في الله، وتكره في الله، وتوالي في الله، وتعادي في الله، لتكون في محبتك، وكراهيتك، وولايتك، وعداوتك، تابعًا لمرضاة الله ﷿.\n٦- تحريم نكاحة المرأة المسلمة: لأنه كافر، والكافر لا تحل له المرأة المسلمة بالنص والإجماع. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ﴾ [الممتحنة: من الآية ١٠] .\nقال في المغني ٦/٥٩٢: \"وسائر الكفار غير أهل الكتاب لا خلاف بين أهل العلم في تحريم نسائهم وذبائحهم \". قال:","vol":"1","page":25},{"text":"\"والمرتدة يحرم نكاحها على أي دين كانت، لأنه لم يثبت لها حكم أهل الدين الذي انتقلت إليه في إقرارها عليه، ففي حلها أولى\".\nوقال في باب المرتد ٨/١٣٠: \"وإن تزوج لم يصح تزوجه؛ لأنه لا يقر على النكاح، وما منع الإقرار على النكاح منع انعقاده كنكاح الكافر المسلمة\"١.\nفأنت ترى أنه صرح بتحريم نكاح المرتدة، وأن نكاح المرتد غير صحيح، فماذا يكون لو حصلت الردة بعد العقد؟\nقال في المغني ٦/٢٩٨:\"إذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال، ولم يرث أحدهما الآخر، وإن كانت ردته بعد الدخول ففيه روايتان: إحداهما: تتعجل الفرقة. والثانى: تقف على انقضاء العدة\".\nوفي المغني ٦/٦٣٩:\" أن انفساخ النكاح بالردة قبل الدخول قول عامة أهل العلم، واستدل له. وفيه أيضًا أن\n_________\n١ وفي مجمع الأنهر للحنفية آخر باب نكاح الكافر ١/٢٠٢: \"ولا يصح تزوج المرتد ولا المرتدة أحدًا\" لإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.","vol":"1","page":26},{"text":"انفساخه في الحال إذا كان بعد الدخول قول مالك وأبي حنيفة، وتوقفه على انقضاء العدة قول الشافعي.\nوهذا يقتضى أن الأئمة الأربعة متفقون على انفساخ النكاح بردة أحد الزوجين، لكن إن كانت الردة قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال، وإن كانت بعد الدخول فمذهب مالك وأبي حنيفة الانفساخ في الحال، ومذهب الشافعي الانتظار إلى انقضاء العدة، وعن أحمد روايتان كالمذهبين.\nوفي ص ٦٤٠ منه: \"وإن ارتد الزوجان معًا، فحكمهما حكم ما لو ارتد أحدهما، إن كان قبل الدخول تعجلت الفرقة، وإن كان بعده فهل تتعجل أو تقف على انقضاء العدة على روايتين. وهذا مذهب الشافعي\" ثم نقل عن أبي حنيفة أن النكاح لا ينفسخ استحسانًا، لأنه لم يختلف بهما الدين، فأشبه ما لو أسلما، ثم نقض صاحب المغني قياسه طردًا وعكسًا.\nوإذ تبين أن نكاح المرتد لا يصح من مسلم سواء كان أنثى أم رجلًا، وأن هذا مقتضى دلالة الكتاب والسنة، وتبين أن تارك الصلاة كافر بمقتضى دلالة الكتاب والسنة وقول عامة الصحابة؛ تبين أن الرجل إذا كان لا يصلي وتزوج امرأة مسلمة، فإن زواجه غير صحيح، ولا تحل له المرأة بهذا العقد، وأنه إذا","vol":"1","page":27},{"text":"تاب إلى الله تعالى ورجع إلى الإسلام وجب عليه تجديد العقد. وكذلك الحكم لو كانت المرأة هي التي لا تصلي.\nوهذا بخلاف أنكحة الكفار حال كفرهم، مثل أن يتزوج كافر بكافرة، ثم تسلم الزوجة فهذا إن كان إسلامها قبل الدخول انفسخ النكاح، وإن كان إسلامها بعده لم ينفسخ النكاح، ولكن ينتظر فإن أسلم الزوج قبل انقضاء العدة فهي زوجته، وإن انقضت العدة قبل إسلامه فلا حق له فيها، لأنه تبين أن النكاح قد انفسخ منذ أن أسلمت.\nوقد كان الكفار في عهد النبي ﷺ يسلمون مع زوجاتهم، ويقرهم النبي ﷺ على أنكحتهم، إلا أن يكون سبب التحريم قائمًا، مثل أن يكون الزوجان مجوسيين وبينهما رحم محرم، فإذا أسلما حينئذ فرق بينهما لقيام سبب التحريم.\nوهذه المسالة ليست كمسألة المسلم الذي كفر بترك الصلاة، ثم تزوج مسلمة، فإن المسلمة لا تحل للكافر بالنص والإجماع كما سبق ولو كان الكافر أصليًا غير مرتد، ولهذا لو تزوج كافر مسلمة فالنكاح باطل، ويجب التفريق بينهما، ولو أسلم وأراد أن يرجع إليها لم يكن له ذلك إلا بعقد جديد.","vol":"1","page":28},{"text":"٧- حكم أولاد تارك الصلاة من مسلمة تزوج بها:\nفأما بالنسبة للأم فهم أولاد لها بكل حال.\nوإما بالنسبة للزوج فعلى قول من لا يرى كفر تارك الصلاة فهم أولاده يلحقون به بكل حال؛ لأن نكاحه صحيح. وأما على قول من يرى كفر تارك الصلاة وهو الصواب على ما سبق تحقيقه في الفصل الأول فإننا ننظر:\n* فإن كان الزوج لا يعلم أن نكاحه باطل، أو لا يعتقد ذلك، فالأولاد أولاده يلحقون به، لأن وطأه في هذه الحال مباح في اعتقاده، فيكون وطء شبهة، ووطء الشبهة يلحق به النسب.\n* وإن كان الزوج يعلم أن نكاحه باطل ويعتقد ذلك، فإن أولاده لا يلحقون به، لأنهم خلقوا من ماء من يرى أن جماعه محرم لوقوعه في امرأة لا تحل له.\nثانيًا: الأحكام الأخروية المترتبة على الردة:\n١- أن الملائكة توبخه وتقرعه، بل تضرب وجوههم وأدبارهم، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [لأنفال: ٥٠-٥١] .","vol":"1","page":29},{"text":"٢ - أنه يحشر مع أهل الكفر والشرك لأنه منهم، قال الله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٢٢-٢٣] . والأزواج جمع \"زوج\" وهو \"الصنف\" أي احشروا الذين ظلموا ومن كان من أصنافهم من أهل الكفر والظلم.\n٣- الخلود في النار أبد الآبدين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب: الآيات ٦٤ – ٦٦] .\nوإلى هنا انتهى ما أردنا القول فيه في هذه المسألة العظيمة التي ابتلي بها كثير من الناس.\n* وباب التوبة مفتوح لمن أراد أن يتوب. فبادر أخي المسلم إلى التوبة إلى الله ﷿ مخلصًا لله تعالى، نادمًا على ما مضى، عازمًا على ألا تعود، مكثرًا من الطاعات، فـ ﴿مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: الآيتان ٧٠ – ٧١] .\nأسأل الله تعالى أن يهيئ لنا من أمرنا رشدًا، وأن يهدينا","vol":"1","page":30},{"text":"جميعًا صراطه المستقيم، صراط الذين انعم الله عليهم من النبيين، والصديقين والشهداء، والصالحين، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.\nتم بقلم الفقير إلى الله تعالى\nمحمد الصالح العثيمين\nفي ٢٣/٢/١٤٠٧هـ","vol":"1","page":31}]}