{"ً":{"ٌ":1117,"ٍ":"السبر عند المحدثين","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/hbsnea/sbrhd.pdf"]},"ّ":"الكتاب: السبر عند المحدثين\nوأثره في معرفة أنواع علوم الحديث في المتن والإسناد وفي الحكم على الرواة وعلى المرويات\nأصل الكتاب: أطروحة دكتوراه من جامعة أم درمان الإسلامية - السودان\nالمؤلف: د عبد الكريم بن محمد جراد\nالناشر: مكتبة دار البيان - دمشق\nالطبعة: الثانية، ١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م\nعدد الصفحات: ٥٢٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1714,"ٕ":10,"ٖ":1780758925,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة الطبعة الثانية","level":1,"page":2},{"title":"مقدمة الطبعة الأولى","level":1,"page":5},{"title":"خطة الكتاب","level":2,"page":9},{"title":"الخطوات المتبعة في الكتاب","level":2,"page":12},{"title":"صعوبات تعترض المؤلف","level":2,"page":18},{"title":"الباب الأول السبر - مفهومه - أهميته - الحاجة إليه","level":1,"page":21},{"title":"الفصل الأول: تعريفه - مصطلحاته - أهميته - وما يتعلق بذلك","level":2,"page":21},{"title":"المبحث الأول: التعريف، والمصطلحات","level":3,"page":21},{"title":"المطلب الأول: تعريف السبر","level":4,"page":21},{"title":"المطلب الثاني: التعريف بعنوان الكتاب","level":4,"page":30},{"title":"المطلب الثالث: المصطلحات","level":4,"page":31},{"title":"المبحث الثاني: أهمية السبر، وأقوال الأئمة فيه","level":3,"page":46},{"title":"المطلب الأول: إخراج الحديث","level":4,"page":47},{"title":"المطلب الثاني: كشف العلة","level":4,"page":49},{"title":"المطلب الثالث: الوقوف على فائدة، أو زيادة معنى","level":4,"page":54},{"title":"المطلب الرابع: الحكم على الرجال، والاعتبار بمرويات الرواة","level":4,"page":58},{"title":"المبحث الثالث: شبهات وإشكالات","level":3,"page":64},{"title":"المطلب الأول: الذم من الاستكثار من جمع طرق الحديث","level":4,"page":65},{"title":"المطلب الثاني: معرفة الحديث إلهام","level":4,"page":71},{"title":"المطلب الثالث: نقد السند «الخارجي» دون المتن «الداخلي»","level":4,"page":80},{"title":"المبحث الرابع: الحاجة إلى السبر، والأسباب الداعية إليه","level":3,"page":89},{"title":"المطلب الأول: كثرة الأسانيد وتعدد المتون","level":4,"page":89},{"title":"المطلب الثاني: اختلاف الرواة وتمايزهم في أداء الحديث الشريف","level":4,"page":94},{"title":"الفصل الثاني: نشأة السبر، وصوره، والمصنفات المتعلقة به","level":2,"page":106},{"title":"المبحث الأول: نشأة السبر وتطوره عبر القرون","level":3,"page":106},{"title":"المبحث الثاني: صور السبر عند المحدثين","level":3,"page":130},{"title":"المبحث الثالث: المصنفات في السبر","level":3,"page":136},{"title":"المطلب الأول: المصنفات في مفهوم السبر","level":4,"page":136},{"title":"المطلب الثاني: المصنفات التي اعتمدت السبر","level":4,"page":139},{"title":"المطلب الثالث: المصنفات المسندة التي يعتمد عليها في السبر","level":4,"page":157},{"title":"الفصل الثالث: تصحيح الحديث، وتطبيق السبر، وطريقته العلمية","level":2,"page":163},{"title":"المبحث الأول: تصحيح المتأخرين للأحاديث من خلال السبر","level":3,"page":163},{"title":"المبحث الثاني: تطبيق السبر","level":3,"page":168},{"title":"المبحث الثالث: الطريقة العلمية العملية لسبر الأسانيد","level":3,"page":172},{"title":"المطلب الأول: الطريقة العلمية لسبر الأسانيد","level":4,"page":172},{"title":"المطلب الثاني: الطريقة العملية لسبر الأسانيد","level":4,"page":177},{"title":"الباب الثاني أثر السبر في الحكم على الرجال ومروياتهم","level":1,"page":183},{"title":"الفصل الأول: أثر السبر في الحكم على الرجال","level":2,"page":183},{"title":"المبحث الأول: الحكم على الرجال من خلال السبر","level":3,"page":183},{"title":"المطلب الأول: من حيث العدالة","level":4,"page":185},{"title":"المطلب الثاني: من حيث الضبط","level":4,"page":189},{"title":"المطلب الثالث: ترجيح الحكم على الراوي الذي تعارض فيه الجرح والتعديل من خلال السبر","level":4,"page":192},{"title":"المطلب الرابع: الحكم على الراوي المجهول من خلال السبر","level":4,"page":201},{"title":"المطلب الخامس: معرفة اختلاط الراوي، في أزمنة أو أمكنة أو عن شيوخ دون غيرهم","level":4,"page":208},{"title":"المبحث الثاني: حكم المتقدمين، وسبر المتأخرين","level":3,"page":213},{"title":"الفصل الثاني: أثر السبر في الحكم على مرويات الرجال «الاعتبار»","level":2,"page":215},{"title":"المبحث الأول: المتابعات والشواهد، وشروط تقوية الأحاديث بها","level":3,"page":215},{"title":"المطلب الأول: تعريف المتابع والشاهد والفرق بينهما","level":4,"page":217},{"title":"المطلب الثاني: الرواة الذين يصلح حديثهم للاعتبار","level":4,"page":220},{"title":"المطلب الثالث: المرويات الصالحة للاعتبار","level":4,"page":225},{"title":"المطلب الرابع: الشروط التي يجب توافرها في العاضد «المتابع أو الشاهد»","level":4,"page":229},{"title":"المبحث الثاني: تقوية الحديث الحسن من خلال السبر «الصحيح لغيره»","level":3,"page":231},{"title":"المبحث الثالث: تقوية الحديث الضعيف من خلال السبر «الحسن لغيره»","level":3,"page":233},{"title":"الباب الثالث أثر السبر في الحديث سندا ومتنا","level":1,"page":237},{"title":"الفصل الأول: أثر السبر في السند","level":2,"page":237},{"title":"المبحث الأول: معرفة الحديث الفرد والغريب","level":3,"page":237},{"title":"المطلب الأول: تعريف الحديث الفرد والغريب، والفرق بينهما","level":4,"page":239},{"title":"المطلب الثاني: حكم الحديث الفرد والغريب","level":4,"page":243},{"title":"المطلب الثالث: أثر السبر في معرفة الحديث الفرد والغريب من عدمه","level":4,"page":245},{"title":"المبحث الثاني: معرفة الحديث الشاذ والمنكر","level":3,"page":253},{"title":"المطلب الأول: تعريف الشاذ والمنكر، والفرق بينهما","level":4,"page":253},{"title":"المطلب الثاني: حكم الحديث الشاذ والمنكر","level":4,"page":256},{"title":"المطلب الثالث: أثر السبر في معرفة الحديث الشاذ والمنكر من عدمه","level":4,"page":257},{"title":"المبحث الثالث: معرفة المزيد في متصل الأسانيد","level":3,"page":262},{"title":"المطلب الأول: تعريف المزيد في متصل الأسانيد","level":4,"page":262},{"title":"المطلب الثاني: حكم المزيد في متصل الأسانيد، وآلية تحديد الزيادة","level":4,"page":262},{"title":"المطلب الثالث: أثر السبر في معرفة المزيد في متصل الأسانيد","level":4,"page":266},{"title":"المبحث الرابع: معرفة الاضطراب في الإسناد","level":3,"page":271},{"title":"المطلب الأول: تعريف المضطرب","level":4,"page":271},{"title":"المطلب الثاني: حكم الحديث المضطرب، وشروطه","level":4,"page":272},{"title":"المطلب الثالث: أثر السبر في معرفة المضطرب «سندا»","level":4,"page":273},{"title":"المبحث الخامس: معرفة المقلوب في الإسناد","level":3,"page":281},{"title":"المطلب الأول: تعريف المقلوب لغة واصطلاحا","level":4,"page":281},{"title":"المطلب الثاني: أنواع الحديث المقلوب","level":4,"page":282},{"title":"المطلب الثالث: حكم الحديث المقلوب","level":4,"page":285},{"title":"المطلب الرابع: أثر السبر في معرفة المقلوب «سندا»","level":4,"page":286},{"title":"المبحث السادس: معرفة الإدراج في الإسناد","level":3,"page":296},{"title":"المطلب الأول: تعريف المدرج لغة واصطلاحا","level":4,"page":296},{"title":"المطلب الثاني: أنواع الحديث المدرج «سندا»","level":4,"page":297},{"title":"المطلب الثالث: حكم الحديث المدرج والإدراج","level":4,"page":299},{"title":"المطلب الرابع: أثر السبر في معرفة المدرج «سندا»","level":4,"page":300},{"title":"المبحث السابع: معرفة التدليس في الإسناد","level":3,"page":316},{"title":"المطلب الأول: تعريف التدليس لغة واصطلاحا، وذكر أنواعه","level":4,"page":316},{"title":"المطلب الثاني: حكم الحديث المدلس، ومذاهب العلماء في حكم التدليس","level":4,"page":320},{"title":"المطلب الثالث: أثر السبر في معرفة التدليس في الإسناد","level":4,"page":321},{"title":"المبحث الثامن: معرفة المرسل الخفي","level":3,"page":334},{"title":"المطلب الأول: تعريف المرسل الخفي لغة واصطلاحا","level":4,"page":334},{"title":"المطلب الثاني: الفرق بين المدلس والمرسل الخفي والإرسال","level":4,"page":335},{"title":"المطلب الثالث: حكم المرسل الخفي","level":4,"page":337},{"title":"المطلب الرابع: أثر السبر في معرفة المرسل الخفي","level":4,"page":338},{"title":"المبحث التاسع: معرفة الإرسال في الإسناد","level":3,"page":343},{"title":"المطلب الأول: تعريف الإرسال لغة واصطلاحا","level":4,"page":343},{"title":"المطلب الثاني: حكم الحديث المرسل","level":4,"page":345},{"title":"المطلب الثالث: أثر السبر في معرفة الإرسال في الإسناد","level":4,"page":346},{"title":"المبحث العاشر: معرفة الحديث المتصل من المنقطع والمعضل والمعلق","level":3,"page":355},{"title":"المطلب الأول: تعريف المتصل والمنقطع والمعضل والمعلق","level":4,"page":355},{"title":"المطلب الثاني: حكم المتصل والمنقطع والمعضل والمعلق","level":4,"page":357},{"title":"المطلب الثالث: أثر السبر في معرفة المتصل والمنقطع والمعضل والمعلق","level":4,"page":358},{"title":"المبحث الحادي عشر: معرفة الحديث المرفوع من الموقوف والمقطوع","level":3,"page":369},{"title":"المطلب الأول: تعريف المرفوع والموقوف والمقطوع","level":4,"page":369},{"title":"المطلب الثاني: حكم المرفوع والموقوف والمقطوع","level":4,"page":370},{"title":"المطلب الثالث: أثر السبر في معرفة المرفوع والموقوف والمقطوع","level":4,"page":372},{"title":"المبحث الثاني عشر: معرفة العالي والنازل","level":3,"page":384},{"title":"المطلب الأول: تعريف العالي والنازل","level":4,"page":384},{"title":"المطلب الثاني: أقسام العالي والنازل","level":4,"page":385},{"title":"المطلب الثالث: أهمية العالي من الأسانيد","level":4,"page":387},{"title":"المطلب الرابع: أثر السبر في معرفة العالي والنازل","level":4,"page":388},{"title":"المبحث الثالث عشر: معرفة المتواتر والآحاد والمشهور والعزيز","level":3,"page":395},{"title":"المطلب الأول: تعريف المتواتر والآحاد والمشهور والعزيز","level":4,"page":395},{"title":"المطلب الثاني: حكم المتواتر والمشهور والعزيز والآحاد","level":4,"page":397},{"title":"المطلب الثالث: أثر السبر في معرفة المتواتر والآحاد والمشهور والعزيز","level":4,"page":398},{"title":"المبحث الرابع عشر: تعيين المبهم وتمييز المهمل في الإسناد","level":3,"page":408},{"title":"المطلب الأول: تعريف المبهم والمهمل، والفرق بينهما","level":4,"page":408},{"title":"المطلب الثاني: أقسام المبهمات","level":4,"page":409},{"title":"المطلب الثالث: أثر السبر في تعيين المبهم وتمييز المهمل في الإسناد","level":4,"page":410},{"title":"المبحث الخامس عشر: معرفة التصحيف والتحريف في الإسناد","level":3,"page":416},{"title":"المطلب الأول: تعريف التصحيف والتحريف في الإسناد","level":4,"page":416},{"title":"المطلب الثاني: أقسام التصحيف","level":4,"page":418},{"title":"المطلب الثالث: أثر السبر في معرفة التصحيف والتحريف في الإسناد","level":4,"page":419},{"title":"الفصل الثاني: أثر السبر في المتن","level":2,"page":425},{"title":"المبحث الأول: معرفة زيادة الثقة في المتن","level":3,"page":425},{"title":"المطلب الأول: تعريف زيادة الثقة في المتن","level":4,"page":426},{"title":"المطلب الثاني: حكم زيادة الثقة في المتن","level":4,"page":427},{"title":"المطلب الثالث: أثر السبر في معرفة زيادة الثقة في المتن","level":4,"page":428},{"title":"المبحث الثاني: أثر السبر في معرفة الشاذ والمنكر في المتن","level":3,"page":435},{"title":"المبحث الثالث: أثر السبر في معرفة الإدراج في المتن","level":3,"page":441},{"title":"المطلب الأول: تعريف المدرج متنا","level":4,"page":441},{"title":"المطلب الثاني: أسباب وقوع الإدراج في المتن","level":4,"page":442},{"title":"المطلب الثالث: أقسام الإدراج في المتن","level":4,"page":444},{"title":"المطلب الرابع: أثر السبر في معرفة الإدراج في المتن","level":4,"page":445},{"title":"المبحث الرابع: أثر السبر في معرفة الاضطراب في المتن","level":3,"page":453},{"title":"المبحث الخامس: أثر السبر في معرفة القلب في المتن","level":3,"page":456},{"title":"المبحث السادس: أثر السبر في معرفة المبهم في المتن","level":3,"page":460},{"title":"المطلب الأول: فوائد معرفة المبهم في المتن","level":4,"page":461},{"title":"المطلب الثاني: أثر السبر في معرفة المبهم في المتن","level":4,"page":462},{"title":"المبحث السابع: أثر السبر في معرفة التصحيف في المتن","level":3,"page":465},{"title":"المبحث الثامن: ضبط الحديث «الرواية باللفظ والمعنى»","level":3,"page":467},{"title":"المطلب الأول: تعريف الرواية بالمعنى، والفرق بينها وبين التصحيف","level":4,"page":467},{"title":"المطلب الثاني: حكم الرواية بالمعنى","level":4,"page":468},{"title":"المطلب الثالث: أثر السبر في ضبط الحديث","level":4,"page":469},{"title":"المبحث التاسع: معرفة غريب الحديث","level":3,"page":475},{"title":"المطلب الأول: تعريف غريب الحديث","level":4,"page":475},{"title":"المطلب الثاني: أثر السبر في معرفة غريب الحديث","level":4,"page":476},{"title":"المبحث العاشر: معرفة أسباب ورود الحديث","level":3,"page":480},{"title":"المطلب الأول: تعريف أسباب ورود الحديث","level":4,"page":480},{"title":"المطلب الثاني: أثر السبر في معرفة أسباب ورود الحديث","level":4,"page":481},{"title":"ثبت المصادر والمراجع","level":1,"page":484},{"title":"حرف الألف","level":2,"page":484},{"title":"حرف الباء","level":2,"page":487},{"title":"حرف التاء","level":2,"page":488},{"title":"حرف الثاء","level":2,"page":493},{"title":"حرف الجيم","level":2,"page":493},{"title":"حرف الحاء","level":2,"page":494},{"title":"حرف الخاء","level":2,"page":495},{"title":"حرف الدال","level":2,"page":496},{"title":"حرف الذال","level":2,"page":496},{"title":"حرف الراء","level":2,"page":496},{"title":"حرف الزاي","level":2,"page":497},{"title":"حرف السين","level":2,"page":498},{"title":"حرف الشين","level":2,"page":500},{"title":"حرف الصاد","level":2,"page":501},{"title":"حرف الضاد","level":2,"page":501},{"title":"حرف الطاء والظاء","level":2,"page":502},{"title":"حرف العين","level":2,"page":502},{"title":"حرف الغين","level":2,"page":504},{"title":"حرف الفاء","level":2,"page":505},{"title":"حرف القاف","level":2,"page":506},{"title":"حرف الكاف","level":2,"page":506},{"title":"حرف اللام","level":2,"page":507},{"title":"حرف الميم","level":2,"page":507},{"title":"حرف النون والهاء","level":2,"page":514},{"title":"حرف الواو والياء","level":2,"page":515}],"ٛ":{"1,4":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,180":176,"1,181":177,"1,182":178,"1,183":179,"1,184":180,"1,185":181,"1,186":182,"1,187":183,"1,188":184,"1,189":185,"1,190":186,"1,191":187,"1,192":188,"1,193":189,"1,194":190,"1,195":191,"1,196":192,"1,197":193,"1,198":194,"1,199":195,"1,200":196,"1,201":197,"1,202":198,"1,203":199,"1,204":200,"1,205":201,"1,206":202,"1,207":203,"1,208":204,"1,209":205,"1,210":206,"1,211":207,"1,212":208,"1,213":209,"1,214":210,"1,215":211,"1,216":212,"1,217":213,"1,218":214,"1,219":215,"1,220":216,"1,221":217,"1,222":218,"1,223":219,"1,224":220,"1,225":221,"1,226":222,"1,227":223,"1,228":224,"1,229":225,"1,230":226,"1,231":227,"1,232":228,"1,233":229,"1,234":230,"1,235":231,"1,236":232,"1,237":233,"1,238":234,"1,239":235,"1,240":236,"1,241":237,"1,242":238,"1,243":239,"1,244":240,"1,245":241,"1,246":242,"1,247":243,"1,248":244,"1,249":245,"1,250":246,"1,251":247,"1,252":248,"1,253":249,"1,254":250,"1,255":251,"1,256":252,"1,257":253,"1,258":254,"1,259":255,"1,260":256,"1,261":257,"1,262":258,"1,263":259,"1,264":260,"1,265":261,"1,266":262,"1,267":263,"1,268":264,"1,269":265,"1,270":266,"1,271":267,"1,272":268,"1,273":269,"1,274":270,"1,275":271,"1,276":272,"1,277":273,"1,278":274,"1,279":275,"1,280":276,"1,281":277,"1,282":278,"1,283":279,"1,284":280,"1,285":281,"1,286":282,"1,287":283,"1,288":284,"1,289":285,"1,290":286,"1,291":287,"1,292":288,"1,293":289,"1,294":290,"1,295":291,"1,296":292,"1,297":293,"1,298":294,"1,299":295,"1,300":296,"1,301":297,"1,302":298,"1,303":299,"1,304":300,"1,305":301,"1,306":302,"1,307":303,"1,308":304,"1,309":305,"1,310":306,"1,311":307,"1,312":308,"1,313":309,"1,314":310,"1,315":311,"1,316":312,"1,317":313,"1,318":314,"1,319":315,"1,320":316,"1,321":317,"1,322":318,"1,323":319,"1,324":320,"1,325":321,"1,326":322,"1,327":323,"1,328":324,"1,329":325,"1,330":326,"1,331":327,"1,332":328,"1,333":329,"1,334":330,"1,335":331,"1,336":332,"1,337":333,"1,338":334,"1,339":335,"1,340":336,"1,341":337,"1,342":338,"1,343":339,"1,344":340,"1,345":341,"1,346":342,"1,347":343,"1,348":344,"1,349":345,"1,350":346,"1,351":347,"1,352":348,"1,353":349,"1,354":350,"1,355":351,"1,356":352,"1,357":353,"1,358":354,"1,359":355,"1,360":356,"1,361":357,"1,362":358,"1,363":359,"1,364":360,"1,365":361,"1,366":362,"1,367":363,"1,368":364,"1,369":365,"1,370":366,"1,371":367,"1,372":368,"1,373":369,"1,374":370,"1,375":371,"1,376":372,"1,377":373,"1,378":374,"1,379":375,"1,380":376,"1,381":377,"1,382":378,"1,383":379,"1,384":380,"1,385":381,"1,386":382,"1,387":383,"1,388":384,"1,389":385,"1,390":386,"1,391":387,"1,392":388,"1,393":389,"1,394":390,"1,395":391,"1,396":392,"1,397":393,"1,398":394,"1,399":395,"1,400":396,"1,401":397,"1,402":398,"1,403":399,"1,404":400,"1,405":401,"1,406":402,"1,407":403,"1,408":404,"1,409":405,"1,410":406,"1,411":407,"1,412":408,"1,413":409,"1,414":410,"1,415":411,"1,416":412,"1,417":413,"1,418":414,"1,419":415,"1,420":416,"1,421":417,"1,422":418,"1,423":419,"1,424":420,"1,425":421,"1,426":422,"1,427":423,"1,428":424,"1,429":425,"1,430":426,"1,431":427,"1,432":428,"1,433":429,"1,434":430,"1,435":431,"1,436":432,"1,437":433,"1,438":434,"1,439":435,"1,440":436,"1,441":437,"1,442":438,"1,443":439,"1,444":440,"1,445":441,"1,446":442,"1,447":443,"1,448":444,"1,449":445,"1,450":446,"1,451":447,"1,452":448,"1,453":449,"1,454":450,"1,455":451,"1,456":452,"1,457":453,"1,458":454,"1,459":455,"1,460":456,"1,461":457,"1,462":458,"1,463":459,"1,464":460,"1,465":461,"1,466":462,"1,467":463,"1,468":464,"1,469":465,"1,470":466,"1,471":467,"1,472":468,"1,473":469,"1,474":470,"1,475":471,"1,476":472,"1,477":473,"1,478":474,"1,479":475,"1,480":476,"1,481":477,"1,482":478,"1,483":479,"1,484":480,"1,485":481,"1,486":482,"1,487":483,"1,489":484,"1,490":485,"1,491":486,"1,492":487,"1,493":488,"1,494":489,"1,495":490,"1,496":491,"1,497":492,"1,498":493,"1,499":494,"1,500":495,"1,501":496,"1,502":497,"1,503":498,"1,504":499,"1,505":500,"1,506":501,"1,507":502,"1,508":503,"1,509":504,"1,510":505,"1,511":506,"1,512":507,"1,513":508,"1,514":509,"1,515":510,"1,516":511,"1,517":512,"1,518":513,"1,519":514,"1,520":515},"ٜ":{"1":[4,520]},"ٝ":["1,4","1,5","1,6","1,7","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520"],"ٞ":{"2":[1],"5":[2],"9":[3],"12":[4],"18":[5],"21":[6,7,8,9],"30":[10],"31":[11],"46":[12],"47":[13],"49":[14],"54":[15],"58":[16],"64":[17],"65":[18],"71":[19],"80":[20],"89":[21,22],"94":[23],"106":[24,25],"130":[26],"136":[27,28],"139":[29],"157":[30],"163":[31,32],"168":[33],"172":[34,35],"177":[36],"183":[37,38,39],"185":[40],"189":[41],"192":[42],"201":[43],"208":[44],"213":[45],"215":[46,47],"217":[48],"220":[49],"225":[50],"229":[51],"231":[52],"233":[53],"237":[54,55,56],"239":[57],"243":[58],"245":[59],"253":[60,61],"256":[62],"257":[63],"262":[64,65,66],"266":[67],"271":[68,69],"272":[70],"273":[71],"281":[72,73],"282":[74],"285":[75],"286":[76],"296":[77,78],"297":[79],"299":[80],"300":[81],"316":[82,83],"320":[84],"321":[85],"334":[86,87],"335":[88],"337":[89],"338":[90],"343":[91,92],"345":[93],"346":[94],"355":[95,96],"357":[97],"358":[98],"369":[99,100],"370":[101],"372":[102],"384":[103,104],"385":[105],"387":[106],"388":[107],"395":[108,109],"397":[110],"398":[111],"408":[112,113],"409":[114],"410":[115],"416":[116,117],"418":[118],"419":[119],"425":[120,121],"426":[122],"427":[123],"428":[124],"435":[125],"441":[126,127],"442":[128],"444":[129],"445":[130],"453":[131],"456":[132],"460":[133],"461":[134],"462":[135],"465":[136],"467":[137,138],"468":[139],"469":[140],"475":[141,142],"476":[143],"480":[144,145],"481":[146],"484":[147,148],"487":[149],"488":[150],"493":[151,152],"494":[153],"495":[154],"496":[155,156,157],"497":[158],"498":[159],"500":[160],"501":[161,162],"502":[163,164],"504":[165],"505":[166],"506":[167,168],"507":[169,170],"514":[171],"515":[172]},"ٟ":[484,485,486,487,488,489,490,491,492,493,494,495,496,497,498,499,500,501,502,503,504,505,506,507,508,509,510,511,512,513,514,515]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\">الإهداء\n </span>إلى معلمتي الأولى، المربية الفاضلة\nوالدتي الكريمة\n\nأقدِّمُ لكِ هذَا العملَ - وهوَ\nفيضُ ﴿يس﴾ التيْ تلوتِهَا حينَمَا كنتُ جنينًَا طيَّ الحشَا\nوفيءُ «مجالسِ الذكرِ» التيْ أوردتِنِيْهَا صغيرًا يَفِعَ الصِّبَا\nودعاؤُكِ المبرورُ ليْ عندَ اشتدادِ العُوْدِ أنفسُ ماْ يُجتنَىْ\nورضاؤُكِ المِدوامُ فيْ عنقيْ دَيْنٌ وكلتُ الكريمَ لهُ وفَا\nوهذهِ نسماتُ وُدٍّ بهنَّ مُستجْدٍ وفرَ الدُّعاءِ ومذخورَ الرِّضَاْ\nسائلًا مولىْ النعمِ المتواليةْ، بصدقِ دعائيْ وحسنِ رجائِيهْ،\nأنْ ينسأَ فيْ عُمركِ سنيًَّا باقيةْ، يجللَكِ فيهنَّ لَبُوسَ العافيةْ،\nويُقْرِيْكِ بهنَّ النِّعمَ الوافيةْ\nويختمَ بالحسنىْ المآلَ فيْ غرفِ الجنانِ العاليةْ\n\nولدك المحب","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>مقدمة الطبعة الثانية</span>\nالحمدُ للهِ الذي أنزلَ على عبدِهِ الكتابَ ولم يجعلْ لهُ عوجًا، وأحكمَ آياتِهِ ففصَّلَهَا براهينَ قطعَ بهَا الحججَا، والصلاةُ والسَّلامُ على من تركنَا على المحجَّةِ البيضاءِ فحكمناهُ فينَا ولم نجدْ في أنفسنَا حرجًا، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَنْ على منوالِهِ نسجًَا، وبعدُ:\nفهذِهِ هيَ الطبعةُ الثَّانيةُ مِنْ كتابِ «السَّبرُ عندَ المحدثينَ»، والذيْ قدَّمَ تأصيلًا علميًّا منهجيًّا لمسألةِ السَّبرِ على قواعدِ المحدِّثينَ في المتنِ والإسنادِ، وفي الحكمِ على الرِّجالِ وعلى المرويَّاتِ، أضعُهُ بينَ يديْ أهلِ العلمِ وطلبتِهِ، راجيًا منَ اللهِ أنْ يجعلَهُ مِنَ العلمِ الذي يُنتفَعُ بِهِ ولَا ينقطعُ، فقدْ أخرجَ الإمامُ مسلمٌ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ -﵁-، قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: «إذَا ماتَ الإنسانُ انقطعَ عملُهُ إلَّا مِنْ ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتفَعُ بِهِ، أو ولدٍ صالحٍ يدعُو لَهُ». كمَا أسألُهُ -﷾- أنْ يرزقنيْ حسنَ القصدِ والإخلاصِ، وأنْ يكتبَ لهُ القبولَ، فمَا كانَ للهِ بقي، وما كانَ لغيرِهِ فني، وإنَّني أبرأُ إلى اللهِ من حولِي وقوَّتِي وعلمِي ومعرفتِي، وألجأُ إلى حولِهِ وقوَّتِهِ وعملِهِ ومعرفتِهِ ﷻ.\nولعلَّهُ مِنَ التَّحدُّثِ بنعمِ اللهِ ﷻ أنْ أذكرَ ما تناهَى إلى سمعِي مِنْ إشاداتِ بعضِ الفضلاءِ مِنَ العلماءِ، وكذلكَ مَنْ راسلتُهُم وعرضتُّ عليهِم طرفًا مِنَ الكتابِ","vol":"1","page":5},{"text":"ممَّنْ لهمْ سَبْقُ فضلٍ وحُسْنُ تأليفٍ وتصنيفٍ، مِنْ هؤلاءِ فضيلةُ الأستاذ الدُّكتور حمزة المليباري، المدرِّسُ في كليَّةِ الدِّراساتِ الإسلاميَّةِ بدبي، ورئيسُ اللجنةِ التَّحضيريَّةِ لمؤتمراتِ النَّدوةِ الدُّوليَّةِ للحديثِ الشَّريفِ - حفظَهُ اللهُ وأطالَ عمُرَهُ - فقد أرسلتُ إليهِ طَرَفًا مِنَ الكتابِ - مُسَلِّمًا عليه - راجيًا نصحَهُ ومشورتَهُ، فردَّ عليَّ بقولِهِ: «وعليكمُ السَّلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ، وبعد: فأنَا شاكرٌ لكُمْ هذَا الاتصالَ، وقرأتُ المبحثَ المتعلِّقَ بالسَّبرِ ووجدتُّهُ جيِّدًا وكانَ كلامُكَ دقيقًا وممتازًا … وهنيئًا لكَ، أُحِبُّ أنْ أتعرَّفَ عليكَ، وأخيرًا أدعُو اللهَ تعالَى أنْ يُوفِّقنِي وإياكُم لخدمةِ دينِهِ الحنيفِ ومصادِرِهِ، خدمةً تليقُ بمكانتهِمَا إيمانًا واحتسابًا».\nوكذلكَ فضيلةُ الدُّكتور ماهر الفحل شيخُ دارِ الحديثِ العراقيَّة - حفظَهُ اللهُ وأمتعَ بِهِ - فردَّ عليَّ قائلًا: «وعليكمُ السَّلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ: اطَّلعتُ على البحثِ، وهوَ بحثٌ ممتازٌ، ووجدتُكَ قد استوعبتَ المصادرَ الجديدةَ، فجزاكَ اللهُ خيرَ الجزاءِ … أسألُ اللهَ أن يوفِّقَكَ ويفتحَ عليكَ ويزيدكَ من فضلِهِ. والسَّلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ».\nوإِنَّنِي على يقينٍ أنَّهُ ما مِنْ كتابٍ خلَا كتابَ اللهِ -﷾- إلَّا ويعتريهِ الخطأُ ويعتورُهُ النَّقصُ، قالَ البُويطيُّ: سمعتُ الشَّافعيَّ، يقولُ: «قدْ ألَّفتُ هذِهِ الكتبَ، ولم آلُ فيهَا، ولَا بُدَّ أن يوجدَ فيهَا الخطأُ، لأنَّ اللهَ -﷾- يقولُ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، فمَا وجدتُّم في كُتُبِي هذهِ ممَّا يُخالفُ الكتابَ والسُّنَّةَ، فقدْ رجعنَا عنهُ».","vol":"1","page":6},{"text":"ولذَا فإنَّني أهيبُ بالنَّاصحينَ مِنَ العلماءِ وطلبةِ العلمِ، أنْ يُسْدُوا إليَّ النَّصيحةَ، ويُسدِّدُوا ما وجدوهُ من خطأٍ، انتفعُ بتصويبِهِم، وأهتديْ بإرشادِهِم، وأغتبطُ لانتفاعِهِم، وقدْ أدرجتُ بريديَ الالكترونيِّ أسفلَهُ لمنْ أرادَ مراسلتِيْ وإسداءَ النُّصحِ ليْ شاكرًا لهُ وداعيًا.\nاللهمَّ إنْ كانَ توفيقٌ فمنكَ وحدكَ، فلكَ الحمدُ والمنَّةُ، وإنْ كانَ تقصيرٌ فمنِّي، فاعفُ عنِّي برحمتكِ يا أرحمَ الرَّاحمينَ.\nوآخرُ دعوانَا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ\nوكتبه: د. عبد الكريم محمد جراد\nDr.abdulkrim.jrad@gmail.com","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>مقدمة الطبعة الأولى</span>\nالحمدُ للهِ الذي أرسلَ نبيَّهُ المصطفى -ﷺ- بكتابٍ بيِّنٍ كالشَّمسِ وضُحاهَا، وبسنَّةٍ نيِّرَةٍ كالقمرِ إذَا تلاهَا، فمنْ سارَ على نهجِهِمَا سارَ في ضوءِ النَّهارِ إذَا جلَّاهَا، ومنْ أعرضَ عنهُمَا جالَ في ظلمةِ اللَّيلِ إذَا يغشاهَا، وبعدُ:\nحفظَ اللهُ -﷾- القرآنَ الكريمَ، فقيَّضَ لهُ حملةً صرفُوا في حفظِهِ أوقاتَهُمْ، وبذلُوا في كَتْبِهِ أعمارَهُمْ، وأدامُوا تلاوتَهُ آناءَ اللَّيلِ وأطرافَ النَّهارِ، وأقامُوا هديَهُ في البلدانِ والأمصارِ، فنالُوا شرفَ الأهليَّةِ، ومنزلةَ الخصوصيَّةِ، معَ السَّفرةِ الكرامِ البررةِ.\nوحفظَ السُّنَّةَ المطهَّرةَ، فهيَّأَ لهَا رجالًا مَلَؤُوا بهَا الصُّدورَ، ودوَّنُوهَا في السُّطورِ، وقطعُوا في سبيلِهَا الفيافيَ والقفارَ، وسنُّوا لأجلِهَا الرِّحلةَ في الأقطارِ والأمصارِ، فحازُوا شرفَ الصُّحبةِ بصحبتِهِمْ لأنفاسِهِ -ﷺ-، وعلوَّ النِّسبةِ بلحظِهِمْ لآثارِهِ، وقدْ صدقَ القائلُ:\nأَهْلُ الحَدِيثِ هُمُ أَهْلُ النَّبِيِّ وَإِنْ … لَمْ يَصْحَبُوا نَفْسَهُ أَنْفَاسَهُ صَحِبُوا\nولمَّا كانتِ السُّنَّةُ المطهَّرةُ المصدرَ الثَّانيَ منْ مصادِرِ التَّشريعِ الإسلاميِّ، تستقلُّ بتشريعِ الأحكامِ، وتُفصِّلُ ما جاءَ في القرآنِ، تُبيِّنُ مجملَهُ، وتُخصِّصُ عامَّهُ، وتُقيِّدُ مُطلقَهُ،","vol":"1","page":9},{"text":"وَتُوضِّحُ مُشكِلَهُ، وجبَ تمييزُ صحيحِهَا منْ سقيمِهَا، ومنقولِهَا منْ مُتَقَوَّلِهَا، ومقبولِهَا منْ منحولِهَا.\nولأجلِ هذَا فقدِ انبرى أجلَّةٌ مِنَ العلماءِ الرَّاسخينَ، الصَّيارفةِ النَّاقدينَ، ينفونَ عَنِ السُّنَّةِ تحريفَ الغالينَ، وانتحالَ المبطلينَ، وتأويلَ الجاهلينَ، فحرَّرُوا وحقَّقُوا، واجتهدُوا في نخلِ الأصولِ، وحفظِ المنقولِ، فاستنبطُوا ووضعُوا القواعدَ التي تحكمُ روايةَ الحديثِ، وتُحاكمُ رُوَاتَهُ، فنشأَتْ علومُ الحديثِ، أصولُهُ ومصطلحُهُ وعِلَلُهُ، والجرحُ والتَّعديلُ، فكانَ كلُّ علمٍ منْ هذِهِ العلومِ أُسًَّا تُبْنَى عليهِ معرفةُ الحديثِ الشَّريفِ روايةً ودرايةً، وأصلًا يُتوصَّلُ مِنْ خلالِهِ إلى الحكمِ على الحديثِ صحَّةً أو ضعفًَا.\nومنْ أدقِّ قواعدِ علمِ الحديثِ مسلكًَا، وأعمقِهَا غورًَا، وأكثرِهَا تطبيقًَا، وأعظمِهَا أثرًَا: قاعدةُ السَّبرِ عندَ المحدِّثينَ، فهيَ العمودُ الفقريُّ الذي عليهِ مدارُ علمِ الحديثِ في التَّصحيحِ والتَّضعيفِ، والجرحِ والتَّعديلِ، وذلكَ لأنَّ كشفَ العللِ، وإبرازَ الفوائدِ، والحكمَ على ضبطِ الرِّجالِ ومرويَّاتِهِمْ إنَّمَا يرتكزُ على جمعِ طُرُقِ الحديثِ والموازنَةِ بينَهَا، كمَا إنَّهُ السَّبيلُ لاستيضاحِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ، واستبيانِ الزَّائدِ والنَّاقصِ في المتنِ والإسنادِ.\nوقدْ يُعتمدُ السَّبرُ استقلالًَا في الكشفِ عنِ العلَّةِ أو إبرازِ الفائدةِ - وذلكَ في الأعمِّ الأغلبِ -، وقدْ يكونُ قرينةً مُقوِّيةً للطُّرقِ الأُخرى في معرفةِ أنواعِ علومِ الحديثِ، وقدْ يُغفلُ ويُهملَ في بعضِ الأنواعِ لعدمِ الحاجةِ إليهِ، ولغناءِ الطُّرقِ الأخرى عنهُ،","vol":"1","page":10},{"text":"وقدْ تكونُ دلالةُ السَّبرِ في معرفةِ ذلكَ دلالةً قطعيَّةً، وقدْ تكونُ ظنيَّةً لا بُدَّ لهَا مِنْ عواضدَ تدعمُهَا وتُقوِّيهَا.\nكمَا قدْ يكونُ السَّبرُ عاملًَا في إدراكِ ومعرفةِ أنواعِ علومِ الحديثِ، أو عاملًَا في إدراكِ ضِدِّهِا، فيأتي دلالَةً على التَّفرُّدِ بنفيِ المتابعِ والشَّاهدِ، أو يكونُ عاملًَا في نفيِ التَّفرُّدِ بالوقوفِ مِنْ طريقِهِ على المتابِعِ أو الشَّاهدِ، وكذلكَ في معرفةِ الإدراجِ في الحديثِ أو نفيِهِ …\n* * *\nوهذِهِ الأهميَّةُ البالغةُ لمسألةِ السَّبرِ عندَ المُحدِّثينَ، كانتِ السَّببَ الرئيسَ في اختيارِي لهذَا الموضوعِ والكتابةِ فيهِ، حيثُ لمْ يُفرَدْ بالبحثِ والتَّصنيفِ، ولمْ يُكتبْ فيهِ إلَّا بعضُ المباحثِ القليلةِ التي أُلقيتْ في النَّدواتِ، وبعضُ الفصولِ المتفرِّقةِ المُبعثرةِ في بطونِ الكتبِ والأمَّهاتِ، منهَا ما هوَ نظريٌّ يحتاجُ إلى التَّمثيلِ والتَّطبيقِ، ومنهَا ما هوَ عمليٌّ يحتاجُ إلى الاستقراءِ والتقعيدِ فجمعتُ المتفرِّقَ، واستقرأتُ المُطبَّقَ.\nوثمَّةَ سببٌ آخرُ، وهوَ أنَّ الطريقةَ العلميَّةَ العمليَّةَ والتَّطبيقيَّةَ للتَّوصُّلِ إلى النَّتائجِ والقواعدِ والنَّظريَّاتِ، هيَ الطَّريقةُ الأنجعُ والأقومُ في إدراكِ العلومِ التي تعتمدُ النَّاحيةَ التَّطبيقيَّةَ أكثرَ مِنَ النَّظريَّةِ، وعلمُ الحديثِ درايةً علمٌ قِوامُهُ العملُ والتَّطبيقُ، وهيئةُ التَّوصُّلِ إليهِ منْ خلالِ السَّبرِ هيَ الطَّريقةُ العلميَّةُ العمليَّةُ التي انتهجَهَا الأئمَّةُ المحدِّثونَ، لاستخراجِ عللِ الحديثِ وإبرازِ فوائدِهِ، فهيَ السَّبيلُ المختصرُ الذي يَفيدُ الباحثُ منهُ في دراسةِ الأسانيدِ والمتونِ.","vol":"1","page":11},{"text":"وتصانيفُ الأئمَّةِ في علومِ الحديثِ ومصطلحِهِ وتقعيدُهُمْ لنظريَّاتِهِ إنَّمَا جاءتْ بناءً على صنيعِ المحدِّثينَ في مُصنَّفاتِهِمْ، وعلمُ مصطلحِ الحديثِ مِنَ الأهميَّةِ بحيثُ لا تُجهَلُ قيمَتُهُ، ولا يُغفلُ نفعُهُ، لكنَّهُ نتائجُ نظريةٌ لا بُدَّ لطالبِ العلمِ منْ معرفَتِهَا، إلَّا أنَّهَا لا تُبلورُ طالبَ علمٍ مُحدِّثٍ مُحقِّقٍ، يمتلكُ المكنةَ في التَّصحيحِ والتَّضعيفِ، والملكةَ في دراسةِ الأسانيدِ ومَخْرِ عُبابِ المتونِ، وعلى مثلِ هذَا أيضًَا كُتُبُ طرائقِ التَّخريجِ التي عنيَتْ باستخراجِ الحديثِ وإظهارِهِ منْ بطونِ الكتبِ والأمَّهاتِ، إلَّا أنَّهَا أغفلتِ الطَّريقةَ العلميَّةَ العمليَّةَ في دراسةِ الحديثِ والحكمِ عليهِ صحَّةً أو ضعفًَا، ولذَا ينبغي أنْ تكونَ الطَّريقةُ العمليَّةُ المبنيَّةُ على السَّبرِ وجمعِ الطُّرُقِ السَّبيلَ الذي ينتهجُهُ طالبُ الحديثِ في دراسةِ هذَا العلمِ وتأصيلِهِ.\n* * *\nوقدَّمَ هذَا الكتابُ تأصيلًَا علميًَّا منهجيًَّا لمسألةِ السَّبرِ على قواعدِ المحدِّثينَ في المتنِ والإسنادِ، وفي الحكمِ على الرِّجالِ وعلى المرويَّاتِ، جهدتُ في أنْ يكونَ شاملًا لكلِّ ما يتعلَّقُ بمسألةِ السَّبرِ عند المحدثين، لا يندُّ عنْهُ إلَّا ما لا أهميَّةَ في إدراجِهِ، وما لا حاجةَ إليهِ.\nاتَّبعتُ فيهِ منهجي الجمعِ والاستقراءِ:\nجمعِ المتفرِّقِ مِنْ أقوالِ المحدِّثينَ مِنَ المتقدِّمينَ والمتأخِّرينَ والمعاصرينَ، والتأليفِ بينهَا، واستصدارِ النَّتائجِ منْ خلالِهَا.\nواستقراءِ صنيعِهِمْ في المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ، ومناهجِهِمْ فيمَا أفردوهُ مِنَ المصنَّفاتِ المختصَّةِ بكلِّ نوعٍ منْ أنواعِ علومِ الحديثِ، وقدْ برزَ ذلكَ جليًَّا في فصولِ ومباحثِ","vol":"1","page":12},{"text":"الكتابِ، أخصُّ مِنْ ذلكَ مبحثَي: «المصنَّفاتُ التي اعتمدتِ السَّبرَ» و«الطَّريقةُ العلميَّةُ والعمليَّةُ للسَّبرِ عندَ المحدثينَ».\n\nوهذَا بيانٌ إجماليٌّ ل<span data-type='title' id=toc-3>خطَّةِ الكتابِ:</span>\n• البَابُ الأوَّلُ: السَّبْرُ - مَفْهُومُهُ - أَهَمِّيَّتُهُ - الحَاجَةُ إِلَيهِ:\n• الفَصْلُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُهُ - مُصْطَلَحَاتُهُ - أَهَمِّيَّتُهُ - وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ:\n• المَبْحَثُ الأَوَّلُ: التَّعْرِيفُ، وَالمُصْطَلَحَاتُ:\n• المَبْحَثُ الثَّانِي: أَهَمِّيَّةُ السَّبْرِ، وَأَقْوَالُ الأَئِمَّةِ فِيهِ:\n• المَبْحَثُ الثَّالِثُ: شُبُهَاتٌ وَإِشْكَالاتٌ:\n• المَبْحَثُ الرَّابِعُ: الحَاجَةُ إِلَى السَّبْرِ، وَالأَسْبَابُ الدَّاعِيَةُ إِلَيهِ:\n• الفَصْلُ الثَّانِي: نَشْأَةُ السَّبْرِ، وَصُوَرُهُ، والمُصَنَّفَاتُ المُتَعَلِّقَةُ بِهِ:\n• المَبْحَثُ الأَوَّلُ: نَشْأَةُ السَّبْرِ وَتَطَوُّرُهُ عَبْرَ القُرُونِ:\n• المَبْحَثُ الثَّانِي: صُوَرُ السَّبْرِ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ:\n• المَبْحَثُ الثَّالِثُ: المُصَنَّفَاتُ فِي السَّبْرِ:\n• الفَصْلُ الثَّالِثُ: تَصْحِيحِ الحَدِيثِ، وتَطْبِيقِ السَّبْرِ، وَطَرِيقَتُهُ العِلْمِيَّةُ:\n• المَبْحَثُ الأَوَّلُ: تَصْحِيحِ المُتَأَخِّرِينَ لِلْأَحَادِيثِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:\n• المَبْحَثُ الثَّانِي: تَطْبِيقِ المُتَأَخِّرِينَ للسَّبْرِ:\n• المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الطَّرِيقَةُ العِلْمِيَّةُ العَمَلِيَّةُ لِسَبْرِ الأَسَانِيدِ:\n* * *","vol":"1","page":13},{"text":"البَابُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي الحُكْمِ عَلَى الرِّجَالِ ومرويَّاتِهِمْ:\n• الفَصْلُ الأَوَّلُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي الحُكْمِ عَلَى الرِّجَالِ:\n• المَبْحَثُ الأَوَّلُ: الحُكْمُ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:\n• المَبْحَثُ الثَّانِي: حُكْمُ المُتَقَدِّمِينَ، وَسَبْرُ المُتَأَخِّرِينَ:\n• الفَصْلُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي الحُكْمِ عَلَى مَرْوِيَّاتِ الرِّجَالِ:\n• المَبْحَثُ الأَوَّلُ: المُتَابَعَاتُ وَالشَّوَاهِدُ، وَشُرُوطُ تَقْوِيَةِ الأَحَادِيثِ بِهَا:\n• المَبْحَثُ الثَّانِي: تَقْوِيَةُ الحَدِيثِ الحَسَنِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ «الصَّحِيحُ لِغَيرِهِ»:\n• المَبْحَثُ الثَّالثُ: تَقْوِيَةُ الحَدِيثِ الضَّعِيفِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ «الحَسَنُ لِغَيرِهِ»:\n* * *\n• البَابُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي الحُكْمِ عَلَى الحَدِيثِ سَنَدًَا وَمَتْنًَا:\n• الفَصْلُ الأَوَّلُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي السَّنَدِ:\n• المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ الفَرْدِ وَالغَرِيبِ:\n• المَبْحَثُ الثَّانِي: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ:\n• المَبْحَثُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ:\n• المَبْحَثُ الرَّابِعُ: مَعْرِفَةُ الاِضْطِرَابِ فِي الإِسْنَادِ:\n• المَبْحَثُ الخَامِسُ: مَعْرِفَةُ المَقْلُوبِ فِي الإِسْنَادِ:\n• المَبْحَثُ السَّادِسُ: مَعْرِفَةُ الإِدْرَاجِ فِي الإِسْنَادِ:\n• المَبْحَثُ السَّابِعُ: مَعْرِفَةُ التَّدْلِيسِ فِي الإِسْنَادِ:\n• المَبْحَثُ الثَّامِنُ: مَعْرِفَةُ المُرْسَلِ الخَفِيِّ:","vol":"1","page":14},{"text":"المَبْحَثُ التَّاسِعُ: مَعْرِفَةُ الإِرْسَالِ فِي الإِسْنَادِ:\n• المَبْحَثُ العَاشِرُ: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ المُتَّصِلِ من المُنْقَطِعِ وَالمُعْضَلِ وَالمُعَلَّقِ:\n• المَبْحَثُ الحادي عشرَ: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ المَرْفُوعِ مِنَ المَوقُوفِ وَالمَقْطُوعِ:\n• المَبْحَثُ الثَّانِي عَشَرَ: مَعْرِفَةُ العَالِي وَالنَّازِلِ:\n• المَبْحَثُ الثَّالِثَ عَشَرَ: مَعْرِفَةُ المُتَوَاتِرِ وَالآَحَادِ وَالمَشْهُورِ وَالعَزِيزِ:\n• المَبْحَثُ الرَّابِعَ عَشَرَ: تَعْيِينُ المُبْهَمِ وَتَمْيِيزُ المُهْمَلِ فِي الإِسْنَادِ:\n• المَبْحَثُ الخَامِسَ عَشَرَ: مَعْرِفَةُ التَّصْحِيفِ وَالتَّحْرِيفِ فِي الإِسْنَادِ:\n* * *\n• الفَصْلُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي المتنِ:\n• المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَعْرِفَةُ زِيَادَةِ الثِّقَةِ فِي المَتْنِ:\n• المَبْحَثُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ فِي المَتْنِ:\n• المَبْحَثُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الإِدْرَاجِ فِي المَتْنِ:\n• المَبْحَثُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الاِضْطِرَابِ فِي المَتْنِ:\n• المَبْحَثُ الخَامِسُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ القَلْبِ فِي المَتْنِ:\n• المَبْحَثُ السَّادِسُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المبهمِ فِي المَتْنِ:\n• المَبْحَثُ السَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ التَّصْحِيفِ فِي المَتْنِ:\n• المَبْحَثُ الثَّامِنُ: ضَبْطُ الحَدِيثِ «الرِّوَايَةُ بِاللَّفْظِ وَالمَعْنَى»:\n• المَبْحَثُ التَّاسِعُ: مَعْرِفَةُ غَرِيبِ الحَدِيثِ:\n• المَبْحَثُ العَاشِرُ: مَعْرِفَةُ أَسْبَابِ وُرُودِ الحَدِيثِ:\n* * *","vol":"1","page":15},{"text":"وهذِهِ جملةُ<span data-type='title' id=toc-4> الخطواتِ المتَّبعةِ في الكتابِ:</span>\n• اعتمدتُ نقولاتِ الأئمَّةِ المحدِّثينَ مِنَ المتقدِّمينَ والمتأخِّرينَ والمعاصرينَ، كدليلٍ وشاهدٍ على كلِّ ما أمليتُهُ، وكقاعدةٍ لكلِّ نتيجةٍ خلصتُ بهَا، تأصيلًَا للكتابِ، وإحياءً لكلامِهِمْ، وسيرًَا بركابِهِمْ، فقولُهُمْ أولَى وأجلَى، وأبعدُ عنِ الخطأِ وأقربُ إلى الصَّوابِ.\n• أوردتُ مذاهبَ العلماءِ باختصارٍ في المسائلِ التي تعدَّدَتْ فيهَا الآراءُ، وفصَّلتُ ما يخصُّ السَّبرَ وما يتعلقُ بِهِ منْ قرائنِ التَّرجيحِ ودلائلِ التَّمييزِ، كمَا في الإدراجِ والمزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ، وناقشتُ أقوالَهُمْ معَ بيانِ الرَّاجحِ مُستدلًَّا بأقوالِ جهابذَةِ أئمَّةِ الحديثِ واستقراءِ مناهجِهِمْ، وأهملتُ ما لا صلةَ لهُ بالسَّبرِ. وما كانَ مُختلفًَا فيهِ اختلافًَا كثيرًَا ومُتباينًَا أشرتُ إليهِ إشارةً فقطْ وبيَّنْتُ الرَّاجحَ المُعوَّلَ عليهِ عندَ العلماءِ، كمَا في مسألةِ «زيادةِ الثِّقةِ».\n• التزمتُ اتِّفاقَ المحدِّثينَ في جميعِ المسائلِ التي أوردتُهَا، وإذَا اشتدَّ الخلافُ في مسألةٍ ما أوردتُ كلامَ المتأخِّرينَ منَ العلماءِ، وإنْ لمْ تُحسمِ المسألةُ عندَ المتأخرينَ، أوردتُ كلامَ المعاصرينَ فيهَا ممَّنْ عليهمْ مدارُ علمِ الحديثِ في العالمِ الإسلاميِّ المعاصرِ، وممَّنْ لهمْ مؤلَّفاتٌ قيِّمةٌ في هذَا العلمِ الشَّريفِ، كمسألةِ «تصحيحِ المتأخِّرينَ للحديثِ»، ومسألةِ «حكمِ المتقدِّمينَ وسبرِ المتأخِّرينَ في الحكمِ على الرِّجالِ».\n• ناقشتُ في الحاشيةِ ما ذهبَتْ إليهِ بعضُ مُصنَّفاتِ علماءِ العصرِ، ممَّا خالفَ ما أقرَّتْهُ كُتبُ أصولِ الحديثِ - وذلكَ قليلٌ بعضَ الشَّيءِ - مستدلًَّا باتِّفاقِ العلماءِ في مُصنَّفاتِهِمْ، كمسألةِ الجمعِ بينَ المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ والعالِي والنَّازلِ بجعلهِمَا نوعًَا واحدًَا.","vol":"1","page":16},{"text":"• فصَّلتُ القولَ ببيانِ مناهجِ العلماءِ في كُتُبهِمْ التي أفردُوهَا لأنواعٍ معيَّنةٍ منْ علومِ الحديثِ، خصوصًَا ما كانَ منهَا قائمًَا على السَّبرِ والمقارنةِ بينَ المرويَّاتِ، واقتبستُ مِنْ مُقدِّماتِهَا ما يُثري الموضوعَ ويغنيهِ، كمَا بيَّنتُ في الحاشيةِ ما يتعلَّقُ بمعلوماتِ الكتابِ المطبعيَّةِ.\n• أفدتُ مِنَ الرَّسائلِ العلميَّةِ المتخصِّصَةِ «الماجستيرِ أو الدُّكتوراةِ»، والمُؤلَّفاتِ المفردَةِ في كلِّ نوعٍ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ، لأنَّهَا غالبًَا ما تكونُ جامعةً في موضوعِهَا لتخصُّصِهَا، ومحيطةً بكلِّ دقائقِهِ، وقدْ أشرتُ لأماكنِ تواجُدِهَا، ومعلوماتِ النَّشرِ تامَّةً في الحاشيةِ.\n• لمْ تخلُ الحاشيةُ منْ بعضِ الفوائدِ والنُّكاتِ العلميَّةِ والتَّعليقاتِ المناسبةِ لموضِعِهَا، منهَا ما يتعلَّقُ بالسَّبرِ ومنهَا ما لهُ مُتعلَّقٌ بغيرِهِ، قصدتُ منْ ذلكَ تكاملَ الموضوعِ وإغناءَهُ، وإزالةَ الإشكالاتِ والإجابةَ على التَّساؤلاتِ التي قدْ تعلقُ بذهنِ القارئِ، وكذلكَ بيانَ وإيضاحَ ما ينوءُ ببيانِهِ متنُ الكتابِ فحمَّلتُهُ للحواشي.\n• ترجمتُ في الحاشيةِ للأعلامِ الذينَ أوردَتُ أقوالَهُمْ فحسبُ، بذكرِ اسمِ الرَّاوي، ونسبِهِ، ونسبَتِهِ، وبلدِهِ، وموطنِ مولدِهِ، وكنيتِهِ، ولقبِهِ، وما يدلُّ عليهِ منْ مثلِ ذلكَ، ثمَّ تاريخِ الوِّلادِةِ والوفاةِ بالعامِ الهجريِّ، ثمَّ مرتبتِهِ العلميَّةِ، وبعضِ كتبِهِ في الحديثِ وعلومِهِ، وأهملتُ غيرَهَا مِنَ الكتبِ في العلومِ الأخرى.","vol":"1","page":17},{"text":"• اقتصرتُ على ذكرِ وفَيَاتِ الأعلامِ المدوَّنَةِ أقوالُهُمْ في الكتابِ، وذلكَ في كلِّ مرَّةٍ يردُ فيهَا ذكرُ العَلَمِ، بيانًَا للأقدميَّةِ في إيرادِ الأقوالِ، وإظهارًَا للتَّرتيبِ الزَّمنيِّ في حالِ تعدُّدِ النُّقولاتِ في المسألةِ الواحدةِ، ورمزتُ للوفاةِ بحرفِ «ت»، وللعامِ الهجريِّ بحرفِ «هـ».\n• ضبطتُ بالشَّكلِ آخرَ كلِّ كلمةٍ منَ الكتابِ، وبيَّنتُ بالضَّبطِ التَّامِّ الكلماتِ المُشْكِلَةَ، كأسماءِ الأعلامِ وما كانَ منْ قبيلِ المؤتلفِ والمختلفِ، وميَّزتُ أيضًَا بالضَّبطِ الكاملِ وباللَّونِ الأسودِ السَّميكِ أقوالَ الأئمَّةِ، إبرازًَا لهَا، ودلالةً على عمدتِهَا.\n• شرحتُ في الحاشيةِ بعضَ المفرداتِ الغريبةِ والمصطلحاتِ الغامضةِ التي وردَتْ في ثنايَا الكتابِ.\n• أوردْتُ في الحاشيةِ المصدرَ أو المرجعَ للنُّصوصِ المقتبسةِ حرفيًَّا خاليًا منْ كلمةِ «انظرْ» وإذَا كانَ فيهِ تغييرٌ بسيطٌ أو كلامٌ مُستفادٌ، أوردتُهُ مُصدَّرًَا بكلمةِ «انظرْ».\n• قيَّدتُ في الحاشيةِ معلوماتِ النَّشرِ لكلِّ كتابٍ وردَ ذكرُهُ في الكتابِ، بذكرِ الدَّارِ النَّاشرةِ، وبلدِ النَّشرِ، وتاريخِ النَّشرِ، واسمِ المؤلِّفِ، واسمِ المحقِّقِ إذَا كانَ الكتابُ مُحَقَّقًَا، واعتمدتُ أفضلَ الطَّبعاتِ إلَّا ما كانَ مِنهَا مُتوفِّرًَا لديَّ، وإذَا لمْ يكنِ الكتابُ مطبوعًَا أوردتُ منْ ذكرَهُ أو أشارَ إليهِ مِنَ العلماءِ في المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ، أو المصنَّفاتِ المتخصِّصةِ ب «ببلوغرافيَا» علمِ الحديثِ، كالرِّسالةِ المستطرفَةِ، ومعجمِ المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ، وغيرِهَا …","vol":"1","page":18},{"text":"• أوردتُ في الحاشيةِ الأمثلةَ وموضعَ الشَّاهدِ فيهَا مِنَ المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ التي ذكرتُهَا في متنِ الكتابِ كمصنَّفاتٍ اعتمدتِ السَّبرَ سواءٌ في الحديثِ أو الرِّجالِ أو غيرِ ذلكَ.\n• ذكرتُ المعنى اللُّغويَّ لكلِّ مُصطلَحٍ حديثيٍّ وردَ في الكتابِ، بمَا يفي بالغرضِ، ويُؤدِّي المعنى المرادَ، معَ التَّوسُّعِ في تعريفِ السَّبرِ، والمُصطلحاتِ المرادفةِ لهُ والمتعلِّقةِ بِهِ. وتمَّ العزوُ إلى معاجمِ اللُّغةِ العربيَّةِ بذكرِ المادَّةِ إذَا كانَ المعجمُ مجلَّدًَا واحِدًا، وبذكرِ الجزءِ والصَّفحةِ بالإضافةِ إلى المادَّةِ إذَا تعدَّدتِ الأجزاءُ.\n• اقتصرتُ في التَّعريفِ الاصطلاحيِّ على الجامعِ المانعِ الذي اعتمدَهُ المحدِّثونَ، وإنْ كانَ ثمَّةَ اختلافاتٌ مهمَّةٌ ومعتبرةٌ في التَّعريفاتِ بَيَّنْتُهَا في الحاشيةِ، كمَا في تعريفِ الشاذِّ عندَ الحاكمِ والخليليِّ.\n• ضمَّنْتُ الحاشيةَ بدايةَ كلِّ مبحثٍ منْ مباحثِ الكتابِ - وذلكَ في الأغلبِ الأعمِّ - المصادرَ والمراجعَ التي درسَتِ المبحثَ الذي أكتبُ فيهِ، وأشرتُ إلى ما أُفرِدَ في المبحثِ مِنْ رسائلَ علميةٍ أو كتبٍ معاصرةٍ مطبوعةٍ، وكذلكَ ما أُفردَ بالتَّصنيفِ في بعضِ المسائلِ التي أثارتْ جدلًَا في علمِ الحديثِ - كمسألةِ حُجيَّةِ الآحادِ - معَ ذكرِ معلوماتِ النَّشرِ كاملةً، إثراءً للموضوعِ، وتسهيلًا للرُّجوعِ إلى مصادِرِهِ الأصليَّةِ، ومراجعِهِ المستوعِبَةِ.\n• أوردْتُ الفُروقاتِ بينَ الأنواعِ الحديثيَّةِ المُختلفةِ، وأوجهِ الاشتراكِ والافتراقِ فيمَا بينَهَا، وذكرتُ المعتمدَ المعوَّلَ عليهِ عندَ علماءِ الحديثِ، كالفرقِ بينَ الفردِ والغريبِ، والفرق بين الشَّاذِّ والمُنكرِ.","vol":"1","page":19},{"text":"• ذكرتُ أقسامَ بعضِ أنواعِ علومِ الحديثِ - إنْ كانَ ثمَّةَ أقسامٌ - ومثَّلتُ لكلٍّ منهَا بحديثٍ أقومُ بسبرِهِ واستيفاءِ ما يتحقَّقُ الغرضُ مِنْ طُرُقِهِ، وأهملتُ التمثيلَ لما لا شُهرةَ لهُ معتبرةً في كتبِ مصطلحِ الحديثِ مِنْ الأقسامِ، كمَا في بعضِ أقسامِ «التَّدليسِ».\nوإذَا كانَ للنَّوعِ الحديثيِّ تقسيماتٌ مختلفةٌ مِنْ جوانبَ مُتعدِّدةٍ، اخترتُ التَّقسيماتِ المتعلِّقةَ بمسألة السَّبرِ، وأهملتُ التَّقسيماتِ الأُخرى، كمَا في العالي والنَّازلِ، فقدِ اخترتُ تقسيمَ «المسافةِ والصِّفةِ»، على «المطلقِ والنِّسبيِّ»، لأنَّ المسافةَ تُدركُ بالسَّبرِ بتباينِ عددِ الرُّواةِ.\n• بيَّنتُ حكمَ كلِّ نوعٍ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ، وأشرتُ إلى خلافِ العلماءِ مُبيِّنًا الرَّاجحَ الذي اتفقَ عليهِ جمهورُ المحدِّثينَ، كمَا في حُكمِ «المرسلِ»، وبيانُ ذلكَ مدخلٌ لمعرفةِ ما إذَا كانتِ العلَّةُ المتكشِّفةُ بالسَّبرِ قادحةً أو غيرَ قادحةٍ، وكذلكَ الفائدةُ مقبولةً أو مردودةً.\n• تكلَّمتُ في أهميَّةِ وفوائدِ معرفةِ كُلِّ نوعٍ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ كمدخلٍ ل «أثرِ السَّبرِ في معرفتِهِ»، وأحيانًَا أُفرِدُ ل «الأهميَّةِ» مبحثًَا.\n• بيَّنتُ أثرَ السَّبرِ في معرفةِ كلِّ نوعٍ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ، وذكرتُ جميعَ الطُّرقِ التي وضعَهَا العلماءُ لمعرفتِهَا ومثَّلتُ لهَا باختصارٍ، وفصَّلتُ الكلامَ فيمَا يخصُّ طريقةَ السَّبرِ معَ الأمثلةِ المستفيضةِ.\n• أوضحتُ قرائنَ التَّرجيحِ بينَ المُتخالفِ والمتعارضِ مِنَ المسائلِ، مبينًا أنَّ العمدةَ للقرائنِ والمرجِّحاتِ التي تتمخَّضُ عَنِ السَّبرِ حالَ التَّعارضِ بينَ نوعينِ أو أكثرَ منْ علومِ الحديثِ، كتعارضِ الوصلِ والإرسالِ، والوقفِ والرَّفعِ.","vol":"1","page":20},{"text":"• وكذلكَ دلائلَ التَّمييزِ بينَ المتشابهاتِ أو المشتبهاتِ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ، كالدَّلائلِ التي تُميِّزُ المرسلَ مِنَ المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ منَ العالي والنَّازلِ.\nحيثُ إنَّ السَّبرَ وجمعَ الطُّرقِ لا تتحقَّقُ الفائدةُ الكاملةُ منهُ إلَّا بهذينِ الأخيرينِ «قرائنِ التَّرجيحِ، ودلائلِ التَّمييزِ» لمتعلَّقِهِمَا الوطيدِ بِهِ.\n• مثَّلتُ بأمثلةٍ حديثيَّةٍ لكلِّ نوعٍ أو قسمٍ مِنْ أقسامِ علومِ الحديثِ، طبَّقتُ فيهَا طريقَةَ السَّبرِ في كشفِ العلَّةِ أو إبرازِ الفائدةِ، سواءٌ في المتنِ أو الإسنادِ، مُتَّبعًَا المنهجَ الآتي:\n* اعتمدتُ في إيرادِ الطُّرقِ كتبَ الحديثِ المشهورةِ بمَا تتمُّ منهُ الفائدةُ، ويحصلُ بِهِ المرادُ، ببيانِ موضعِ الشَّاهدِ مِنَ الحديثِ، ولمْ أستوعبْ جميعَ الطُّرقِ، لأنَّ كلَّ حديثٍ تحتاجُ طرقُهُ لجزءٍ مُفردٍ.\n* أوردتُ أوَّلًَا طريقَ الحديثِ كاملًَا، مُعتمدًَا أصحَّ الكتبِ الحديثيَّةِ «البخاريِّ فمسلمٍ فأبي داودَ فالتِّرمذيِّ فالنَّسائيِّ فابنِ ماجةَ»، أو أقدمَهَا إنْ لمْ أجدهُ في الكتبِ السِّتَّةِ، ثُمَّ بيَّنتُ مدارَ الحديثِ، ومَنْ تابعَهُ مِنَ الرُّواةِ، ومَنْ أخرجَ كلَّ متابعةٍ مِنْ أصحابِ المصنَّفاتِ، مُكتفيًَا باسمِ المُصَنَّفِ ورقَمِ الحديثِ فيهِ.\nوقدْ أُوردُ بعضَ الشَّواهدِ للحديثِ التي تفيدُ في تأكيدِ ما تمَّ بيانُهُ، ثمَّ أُبيِّنُ العلَّةَ أو الفائدةَ وموضِعَهَا مِنَ الحديثِ وواضِعَهَا مِنَ الرُّواةِ.","vol":"1","page":21},{"text":"* بيَّنتُ في الحاشيةِ مراتبَ الرُّواةِ المُتابِعينَ في الأمثلةِ التي سبرتُهَا، فإذَا كانَ الرَّاوي مُجمعًَا على ثقتِهِ أو ضعفِهِ اكتفيتُ بتقريبِ ابنِ حجرٍ، فأوردتُ اسمَهُ ونسبَهُ وكنيتَهُ ولقبَهُ، ثمَّ تاريخَ وفاتِهِ، ومرتبَتَهُ، ومَنْ أخرجَ لهُ. وإنْ كانَ فيهِ خلافٌ أوردتُ كلامَ أئمَّة الجرحِ والتَّعديلِ والخلاصةَ في الرَّاوي، فإذَا تكرَّرَ اسمُ الرَّاوي في حديثٍ آخرَ أحلتُ على مكانِ ترجمتِهِ الأولى معَ ذكرِ رقمِ الصَّفحةِ مِنَ الكتابِ.\n* ألحقتُ بذلكَ كلِّهِ أقوالَ الأئمَّةِ الأعلامِ مِنَ المحدثينَ، في بيانِ علَّةِ الحديثِ وفوائدِهِ، تأصيلًَا للنَّتيجةِ، وكعاضدٍ وشاهدٍ لما توصَّلتُ إليهِ.\n• قمتُ بصناعةِ فهارسَ فنيَّةً للكتابِ، ضمَّتْ فهرسًا للموضوعاتِ، وثبتًا للمصادرِ والمراجعِ.\n* * *\n\nهذَا ولا بُدَّ في كلِّ عملٍ مِنْ<span data-type='title' id=toc-5> صعوباتٍ تعترضُ المؤلِّفَ،</span> أُجملُهَا بمَا يأتي:\n١ - فقدانُ المُؤلَّفاتِ المُفردةِ في مسألةِ السَّبرِ عندَ المحدِّثينَ، وندرةُ الأبحاثِ المدوَّنةِ فيهِ، ممَّا حدَا بي لأنْ اعتمدَ استقراءَ صنيعِ المحدِّثينَ ومناهِجِهِمْ، وجمعَ شتاتِ أقوالِهِمْ، ولا تخفى صعوبةُ ووعورةُ ذلكَ في كتابٍ واحدٍ يتضمَّنُ جُلَّ مباحثِ علومِ الحديثِ.\n٢ - عدمُ وجودِ مُصنَّفاتٍ مُتخصِّصةٍ بتراجمَ لبعضِ العلماءِ المعاصرينَ، ممَّا كانَ يضطرُّني للاعتمادِ على الشَّبكةِ العنكبوتيَّةِ في تراجِمِهِمْ، والمعلومُ أنَّ الشَّبكةَ ليستْ مصدرًَا علميًَّا يُمكنُ الوثوقُ بِهِ والتَّوثيقُ منهُ.","vol":"1","page":22},{"text":"٣ - مِنَ المسائلِ التي لم توفَّ حقَّهَا مِنَ الدِّراسةِ بشكلٍ تامٍ وكاملٍ، مسألتانِ غايةً في الأهميَّةِ، وهمَا: «أثرُ السَّبرِ في الحكمِ على الرِّجالِ» و«قرائنُ التَّرجيحِ ودلائلُ التَّمييزِ». لضيقِ الكتابِ عنِ استيعابِهَا، ولقلَّةِ المصادِرِ والمراجعِ التي تكلَّمتْ فيهَا، ولحاجَتِهَا إلى دراسةٍ مُفردةٍ مُستقلَّةٍ، وإنَّني أهيبُ بطلبةِ العلمِ أنْ يُفردُوا هاتينِ المسألتينِ بالدِّراسةِ:\nمسألةُ «أثرُ السَّبرِ في الحكمِ على الرِّجالِ» باستقراءِ منهجِ ابنِ عديٍّ في «الكاملِ»، وابنِ حبَّانَ في «الثِّقاتِ» و«المجروحينَ»، ومنهجِ ابنِ حجرٍ في مرتبةِ المقبولِ في «التقريبِ».\nومسألةُ «قرائنُ التَّرجيحِ ودلائلُ التَّمييزِ» بالتَّوسُّعِ في ذكرِ القرائنِ الخاصَّةِ التي تخصُّ كلَّ نوعٍ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ، بناءً على ما ذكرَهُ ابنُ الصَّلاحِ وفصَّلَهُ العراقيُّ «ت ٨٠٦ هـ» في «التقييدِ والإيضاحِ» (^١)، كمَا ينبغي تفصيلُ ما يصلحُ مِنَ القرائنِ على قواعدِ المحدِّثينَ، وما لا يصلحُ منهَا ممَّا يختصُّ بالأصوليِّينَ أو الفقهاءِ أو اللُّغويينَ أو غيرِهِمْ، وتبيينُ ما كانَ مِنَ القرائنِ دلالتُهُ دلالةٌ قطعيَّةٌ أو ظنيَّةٌ (^٢).\n_________\n(^١) قال العراقي «ت ٨٠٦ هـ»: «اقتصر المصنف على هذا المقدار من وجوه الترجيح وتبع في ذاك الحازميَّ، فإنه قال في كتاب «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ»: \"ووجوه الترجيحات كثيرة، وأنا أذكر معظمها\" فذكر خمسين وجهًا. ثم قال: \"فهذا القدر كافٍ في ذكر الترجيحات، وثمَّ وجوهٌ كثيرةٌ أضربت عن ذكرها، كي لا يطول به هذا المختصر\". ثم قال العراقي: «ووجوه الترجيحات تزيد على المئة وقد رأيت عدها مختصرًا». وعدَّ ١١٠ وجهًا من وجوه الترجيح، ثم قال: «وثَمَّ وجوه أخر للترجيح في بعضها نظر، وفي بعض ما ذكر أيضا نظر، وإنما ذكرت هذا أيضا منها لقول المصنف أن وجوه الترجيح خمسون فأكثر والله أعلم» انظر التقييد والإيضاح ص ٢٨٦.\n(^٢) تجدر الإشارة إلى أن الدكتور عادل عبد الشكور صنف كتابًا بعنوان «قواعد العلل وقرائن الترجيح»، بيَّن فيه القرائن العامة والقرائن الخاصة، لكن لا بد للمسألة من استفاضة واستيعاب أكثر.","vol":"1","page":23},{"text":"وكذلكَ دلائلُ التَّمييزِ بينَ المشتبهِ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ، مُشفَعًَا بالأمثلةِ المستفيضةِ (^١).\nوتكمنُ قيمةُ النَّتائجِ التي توصَّلتُ إليهَا أنَّها جاءتْ موافقةً ومطابقةً لمَا قعَّدَهُ ونصَّ عليهِ الأئمَّةُ المحدِّثونَ، وإذَا صحَّ المسلكُ صدقتِ النَّتيجةُ، حرصتُ مِنْ كلِّ ذلكَ الدَّعوةَ إلى دراسةِ أُصولِ الحديثِ على مناهجِ المحدِّثينَ العمليَّةِ والتَّطبيقيَّةِ.\n* * *\nهذَا وقدْ كُنْتُ أسألُ اللهَ تعالى الفتحَ في هذِا الكتابِ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ، وابتداءَ كلِّ شغلٍ بهِ راجيًا منَ اللهَ أنْ يكونَ قدِ استجابَ الدُّعاءَ وبلَّغَ الرَّجاءَ، وأسألُهُ في الختامِ أنْ يتقبَّلَهُ خالصًا مُخلصًا لوجهِهِ الكريمِ، وأنْ يضعَ لهُ القبولَ والنفعَ عندَ الناسِ.\nاللهمَّ إنْ كانَ توفيقٌ فمنكَ وحدكَ، فلكَ الحمدُ والمنَّةُ، وإنْ كانَ تقصيرٌ فمنِّي، فاعفُ عنِّي برحمتكِ يا أرحمَ الرَّاحمينَ.\nوآخرُ دعوانَا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ\nوكتبه: عبد الكريم محمد جراد\n_________\n(^١) كما تجدر الإشارة إلى أن الدكتور حمزة المليباري ألف كتاب: «زيادة الثقة وما يتصل به من أنواع علوم الحديث» بين فيها دلائل التمييز بين المتشابه من هذه الأنواع، ولا بد من التمييز بين جميع الأنواع المتشابهة.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>البَابُ الأوَّلُ السَّبْرُ - مَفْهُومُهُ - أَهَمِّيَّتُهُ - الحَاجَةُ إِلَيهِ</span>\n<span data-type='title' id=toc-7>الفَصْلُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُهُ - مُصْطَلَحَاتُهُ - أَهَمِّيَّتُهُ - وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-8>المَبْحَثُ الأَوَّلُ: التَّعْرِيفُ، وَالمُصْطَلَحَاتُ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-9>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ السَّبْرِ:</span>\nالسَّبْر: لغةً: بفتحِ السِّينِ وسكونِ الباءِ، مصدرُ سبرَ.\nلِلسَّبرِ في اللُّغةِ معانٍ عدَّةٌ، نُبيِّنُهَا فيمَا يأتي:\nأولًا: الحزْرُ والتَّجربةُ: قالَ ابنُ منظورٍ: «السَّبرُ: التَّجربةُ، سَبَرَ الشَّيءَ سَبْرًا: حَزَرَهُ وَخَبَرَهُ» (^١). وقالَ الفراهيديُّ: «سَبَرَ ما عندَهُ: أي جرَّبَهُ» (^٢). وقالَ ابنُ فارسٍ: «السَّبرُ: هوَ روزُ الأمرِ» (^٣). أي: تجربتُهُ.\n_________\n(^١) لسان العرب ٤/ ٣٤٠.\n(^٢) العين ٧/ ٢٥١.\n(^٣) مقاييس اللغة ٣/ ١٢٧.","vol":"1","page":25},{"text":"ثانيًا: الاختبارُ والامتحانُ: قالَ ابنُ منظورٍ: «سَبَرَ الجرحَ يسبُرُهُ: نظرَ مقدارَهُ وقاسَهَ لِيَعرفَ غورَهُ» (^١). قالَ ابنُ الأثيرِ: «وفي حديثِ الغارِ، قال أبو بكرٍ -﵁- للنبيِّ -ﷺ-: \"لا تَدْخُلْهُ حَتَّى أَسْبُرَهُ قَبْلَكَ\". أي أَختَبِرَه وأعتبرَهُ وأنظُرَ هل فيهِ أحدٌ، أو شيءٌ يؤذِي» (^٢). قالَ الزَّمخشريُّ «وَمِنَ المَجَازِ: خَبَرْتُ فُلَانًا وَسَبَرْتُهُ» (^٣).\nوقالَ ابنُ دريدٍ: «سَبَرْتُ الرَّجُلَ: إِذَا بَلَوتُهُ» (^٤). وقالَ الزُّبيديُّ: «السَّبرُ: بفتحٍ فسكونٍ: امتحانُ غورِ الجرحِ وغيرِهِ» (^٥).\nثالثًا: النَّظَرُ والتَّأمُّلُ: قالَ الفيُّوميُّ: «سَبَرْتَ القَومَ: تَأَمَّلتَهُمْ وَاحَدًَا بَعْدَ وَاحِدٍ لِتَعْرِفَ عَدَدَهُمْ» (^٦).\nرابعًا: القياسُ والاعتبارُ: قالَ ابنُ الأثيرِ: «حَتَّى أَسْبُرَه: أَي أَعْتَبِرَه» (^٧). قالَ الأزهريُّ: «السَّبْرُ: مَصدرُ سَبَرْتُ الجرْحَ أسبُره سَبْرًا: إذا قِسْتُهُ ليُعرَفَ غَورُهُ» (^٨). قالَ الطَّالقانيُّ: «السِّبَارُ: القِيَاسُ» (^٩). والقياسُ يكونُ لمقدارِ الشَّيءِ بمفردِهِ، ويكونُ أيضًَا لقياسِ الشَّيءِ على الشَّيءِ.\n_________\n(^١) لسان العرب ٤/ ٣٤٠.\n(^٢) لم يرد هذا الحديث بهذا اللفظ في كتب الحديث والمغازي - على شهرته فيها بغير لفظ \"السبر\" - وإنما ورد بهذا اللفظ في النهاية في غريب الحديث ٢/ ٣٣٣ استدلالا على معنى السبر، ولعلها رواية على المعنى.\n(^٣) أساس اللغة ١/ ٢٨٢.\n(^٤) جمهرة اللغة ١/ ٣١٠.\n(^٥) تاج العروس ١١/ ٤٨٧.\n(^٦) المصباح المنير ١/ ٢٦٣.\n(^٧) لسان العرب ٤/ ٣٤٠.\n(^٨) تهذيب اللغة ١٢/ ٢٨٤.\n(^٩) المحيط في اللغة ٨/ ٣١٤.","vol":"1","page":26},{"text":"خامسًا: التَّقديرُ: قالَ ابنُ الأعرابيِّ: «سَبَرَ: إِذَا قَدَّرَ» (^١). وقالَ ابنُ دُريدٍ: «أَسبُرُهُ سَبْرًَا: إِذَا قَدَّرْتُ قَعْرَهُ» (^٢).\nسادسًا: العِلمُ والمعرفةُ: قالَ ابنُ منظورٍ: «اِسْبِرْ لِي مَا عِنْدَهُ: أَي: اِعْلَمْهُ» (^٣). وقالَ الزَّمخشريُّ: «وَفِيهِ خَيرٌ كَثِيرٌ لَا يُسْبَرُ، وَهَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا يُسْبَرُ، وَهَذِهِ مَفَازَةٌ لَا تُسْبَرُ: لَا يُعْرَفُ قَدْرُ سِعَتِهَا» (^٤). وقالَ الفيُّوميُّ: «سَبَرْتُ الجُرْحَ سَبْرًَا: تَعَرَّفتُ عُمْقَهُ» (^٥).\nسابعًا: استخراجُ كُنهِ الأمرِ: قالَ ابنُ منظورٍ: «السَّبْر: اسْتِخْراجُ كُنْهِ الأَمر» (^٦).\nالسَّبْرُ: اصطلاحًا:\nقبلَ أنْ نُعرِّجَ على تعريفِ المحدِّثينَ لمصطلحِ السَّبر، لا بدَّ من استقراءِ صنيعِ المحدِّثينَ في استخدامِهِم لهذَا المصطلحِ:\nقالَ ابنُ حِبَّان (^٧) «ت ٣٥٤ هـ»: في ترجمَةِ ابنِ لَهيعَة: «سَبَرْتُ أَخْبَارَهُ فِي رِوَايَةِ المُتَقَدِّمِينَ وَالمُتَأخِّرِينَ عَنْهُ، فَرَأَيتُ التَّخْلِيطَ فِي رِوَايَةِ المُتَأخِّرِينَ مَوجُودًَا» (^٨).\n_________\n(^١) لسان العرب ٤/ ٣٤٠.\n(^٢) جمهرة اللغة ١/ ٣١٠.\n(^٣) لسان العرب ٤/ ٣٤٠.\n(^٤) أساس البلاغة ١/ ٢٨٢.\n(^٥) المصباح المنير ١/ ٢٦٣.\n(^٦) لسان العرب ٤/ ٣٤٠.\n(^٧) محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد التميمي، أبو حاتم البستي، «… - ٣٥٤ هـ»، محدث مؤرخ، ولي قضاء سمرقند مدة، من كتبه «المسند الصحيح» و«الثقات» و«مشاهير علماء الأنصار». انظر الأنساب للسمعاني ١/ ٣٦٣، وسير أعلام النبلاء ١٦/ ٩٢ - ١٠٤، وشذرات الذهب ٣/ ١٦.\n(^٨) انظر المجروحين ٢/ ١٢/ ٥٣٨.","vol":"1","page":27},{"text":"ويكادُ يكونُ ابنُ حِبَّانَ أوَّلَ وأكثرَ منِ استخدَمَ مُصطلحَ السَّبْرِ في كتابَيهِ «الثِّقَاتِ» و«المجروحِين» (^١).\nوقالَ ابنُ عَدِيٍّ (^٢) «ت ٣٦٥ هـ»: في ترجمةِ حبيبِ بنِ أبي الأشرَس: «فَأمَّا أَحَادِيثُهُ وَرِوَايَاتُهُ فَقَدْ سَبَرْتُهَا، وَلَا أَرَى بِهِ بَاسًَا، وَأَمَّا رَدَاءَةُ دينِهِ … فهُمْ أَعْلَمُ وَمَا يَذْكُرُونَهُ» (^٣).\nوقالَ الحافظ العَلائيُّ (^٤) «ت ٧٦١ هـ»، في «جامِعِ التَّحصيلِ» معلِّقًَا على حكمِ المرسَلِ عندَ الشَّافعيِّ (^٥): «وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ سَبَرَ أَحْوَالَ الرَّاوِي وَعَرَفَ مِنْهُ أنَّهُ لَا يُرْسِلُ إِلَّا عَنْ عَدْلٍ ثقَةٍ، يُحتَجُّ بِمُرْسَلِهِ» (^٦).\nوقالَ ابنُ رجبٍ الحنبليُّ (^٧) «ت ٧٩٥ هـ»، في «شرحِ عللِ التِّرمذيِّ» في ترجمَةِ جعفرِ بنِ بُرقَان:\n_________\n(^١) انظر هذه المواضع من كتاب الثقات لابن حبان ٨/ ٢٧٨، و٨/ ٢٣١، و٦/ ٤٥. والمجروحين له: ١/ ٣١٨، و٢/ ١٩٢، و٣/ ٢٧، و٣/ ٩٥، و٢/ ٤٣، و٣/ ١١٤، و٣/ ١٤٥، و٢/ ١٢، و١/ ٢٤٠.\n(^٢) عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد بن مبارك بن القطان الجرجاني، أبو أحمد، «٢٧٧ هـ-٣٦٥ هـ»، العلامة المحدث، من كتبه: «الكامل في معرفة الضعفاء والمتروكين من الرواة». انظر سير أعلام النبلاء ١٦/ ١٥٤، الرسالة المستطرفة ص ١٤٥، وتاريخ الإسلام ص ٣٩٩ - ٣٤١.\n(^٣) انظر الكامل لابن عدي ٢/ ٤٠٤/ ٥٢٤.\n(^٤) خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي، صلاح الدين، أبو سعيد، «٦٩٤ هـ-٧٦١ هـ»، محدث، من كتبه «المدلسين»، و«المسلسلات»، و«جامع التحصيل»، وغيرها. انظر الدرر الكامنة ٢/ ٩٠، والأعلام ٢/ ٣٢١.\n(^٥) محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي، أبو عبد الله، المشهور ب «الشافعي» «١٥٠ هـ-٢٠٤ هـ»، أحد الأئمة الأربعة، من كتبه «الأم» و«اختلاف الحديث»، وغيرهما. انظر تذكرة الحفاظ ١/ ٣٢٩، والوفيات ١/ ٤٤٧، وطبقات الشافعية ١/ ١٨٥، والأعلام للزركلي ٦/ ٢٧.\n(^٦) جامع التحصيل ١/ ٤٣.\n(^٧) عبد الرحمن بن أحمد «ابن رجب الحنبلي» السلَّامي، البغدادي، ثم الدمشقي، أبو الفرج، زين العابدين «٧٣٦ هـ-٧٩٥ هـ» - الحافظ، المحدث، من كتبه «شرح جامع الترمذي» و«جامع العلوم والحكم»، و«فتح الباري شرح صحيح البخاري». انظر الدرر الكامنة ٢/ ٣٢١، والأعلام للزركلي ٣/ ٢٩٥.","vol":"1","page":28},{"text":"«قُلْتُ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُهُ عَنْ أَهْلِ الجَزِيرَةِ خَاصَّةً مَحْفُوظًَا بِخِلَافِ حَدِيثِهِ عَنْ غَيرِهِمْ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى سَبْرِ أَحَادِيثِهِ عَنْ غَيرِ الجَزَرِيِّينَ كَعِكْرِمَةَ وَنَافِعٍ» (^١).\nالجامعُ بينَ هذهِ الأقوالِ أنَّهَا بيَّنتْ أنَّ السَّبرَ إنَّمَا هوَ آليَّةُ جمعِ حديثِ الرَّاوي واختبارِهَا ومقارنَتِهَا بغيرِهَا للتَّوصُّلِ إلى الأغراضِ التي ذُكرتِ فيهَا.\nأمَّا تعريفُ السَّبرِ، فلعلَّ أوَّلَ مَنْ عرَّفَ السَّبرَ السَّخاويُّ في شرحِهِ لألفيَّةِ العراقيِّ، حيثُ عَرَّفَ العِرَاقِيُ «ت ٨٠٦ هـ» الاعتبارَ بأنَّهُ السَّبرُ، فقالَ في ألفيَّتِهِ:\nالاعتبارُ سبرُكَ الحديثَ هلْ … شاركَ راوٍ غيرَهُ فيما حمَل\nفقالَ السَّخَاويُّ (^٢) «ت ٩٠٢ هـ» مُفسِّرًا قولَ العراقيِّ «سَبْرُكَ»: «اِخْتِيَارُكَ وَنَظَرُكَ الحَدِيثَ مِنَ الدَّوَاوِينِ المُبَوَّبَةِ وَالمُسْنَدَةِ، وَغَيرِهِمَا كَالمَعَاجِمِ وَالمَشْيَخَاتِ وَالفَوَائِدِ، لِتَنْظُرَ هَلْ شَارَكَ رَاوِيَهُ الذِي يُظَنُّ تَفَرُّدُهُ بِهِ رَاوٍ غَيرُهُ …» (^٣).\nفعرَّفَ السَّبرَ على أنَّهُ الاختيارُ والنَّظرُ في طرقِ الحديثِ مِنَ الكتبِ الحديثيَّةِ المسندةِ، لغرضِ بيانِ تفرُّدِ الرَّاوي أو المرويِّ مِنْ عدمِهِ، وأنَّهُ الآليَّةُ التي يُتوصَّلُ بهَا إلى الاعتبارِ، فجعلَ الاعتبارَ غرضًَا مِنْ أغراضِ السَّبرِ.\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٩٣.\n(^٢) محمد بن عبد الرحمن بن محمد، شمس الدين السخاوي، «٨٣١ هـ-٩٠٢ هـ»، عالم بالحديث والتفسير والأدب من كتبه «الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع»، و«شرح ألفية العراقي»، و«عمدة القارئ والسامع»، وغيرها كثير. انظر شذرات الذهب ٨/ ١٥، وإيضاح المكنون ١/ ٢٧.\n(^٣) فتح المغيث ١/ ٢٠٧.","vol":"1","page":29},{"text":"وقالَ الصَّنعانيُّ: «وَاعْتِبَارُهُ يَكُونُ بِسَبْرِهِ: أَي المُحَدِّثُ، أي بِتَتَبُّعِهِ طُرُقَ الحَدِيثِ لِيَعْرِفَ المُحَدِّثُ هَلْ يُشَارِكُهُ، أَي يُشَارِكُ الرَّاوِي فِي رِوَايَةِ ذَلِكَ الحَدِيثِ الذِي سَبَرَ طُرُقَهُ رَاوٍ غَيرِهِ» (^١).\nفعرَّفَ الصنعانيُّ السَّبرَ بأنَّهُ التَّتبُّعُ، كمَا بيَّنَ أنَّ الآليَّةَ الموصلةَ للاعتبارِ هيَ السَّبرُ.\nوقدْ عرَّفَ الدكتورُ أحمدُ العزيُّ «السَّبرَ» في معرضِ حديثِهِ عَنِ ابنِ عديٍّ ومنهجِهِ في كتابِهِ «الكاملِ»، فقالَ: «اِسْتِقْصَاءُ مَروِيَّاتِ الحَدِيثِ الوَاحِدِ، وَتَتَبُّعِ طُرُقِهِ، ثُمَّ اخْتِبَارُهَا، وَمُوَازَنَتُهَا بِرِوَايَاتِ الثِّقَاتِ». ثمَّ قالَ مُبيِّنًا ما اشتملَ عليهِ التَّعريفِ: «فَقِوَامُهُ اسْتِنَادًا لِهذَا التَّعرِيفِ أَمْرَانِ هُمَا: الأَوَّلُ: اسْتِقْصَاءُ رِوَايَاتِ الحَدِيثِ: وَهَذَا يَعنِي أَنْ يَجْمَعَ النَّاقِدُ رِوَايَاتِ الحَدِيثِ الوَاحِدِ جَمْعَ اسْتِقْصَاءٍ وَإِحَاطَةٍ …\nالأمرُ الثَّاني: الاِخْتِبَارُ، أي اِعْتِبَارُ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ، وَالنَّظَرُ فِيمَنْ شُورِكَ مِنْ رُوَاتِهَا، وَتُوبِعَ مِمَّنْ تَفَرَّدَ أَوْ خَالَفَ؛ وَهَذَا يَقتَضِي مَعْرِفَةَ مُتَابَعَاتِ تِلكَ الرِّوَايَةِ وَشَوَاهِدِهَا، ثُمَّ مُوَازَنَتِهَا مَعَ مَروِيَّاتِ الرَّاوِي، وَالحُكْمَ عَلَيهِ» (^٢).\nوالملاحظُ أنَّ «الدكتور العزيَّ» قصرَ تعريفَ السَّبرِ في الحكمِ على الرُّواةِ مِنْ خِلالِ أحاديثِهِمْ، وذلكَ أحدُ أغراضِ السَّبرِ، وهوَ يتماشى معَ طبيعةِ بحثِهِ في الكلامِ على منهجِ ابنِ عديٍّ في الكاملِ، إلَّا أنَّهُ أشارَ إلى أثرِ السَّبرِ في معرفةِ أنواعِ علومِ الحديثِ المتعلِّقةِ بالمتنِ والإسنادِ إشارةً وجيزةً.\n_________\n(^١) توضيح الأفكار ٢/ ١٣.\n(^٢) بحث السبر عند المحدثين ص ٧ وما بعدها.","vol":"1","page":30},{"text":"وقدْ أشارَ الدكتور منصورُ الشَّرايريُّ في كتابِهِ «نظريَّةُ الاعتبارِ عندَ المحدِّثينَ» إلى تعريفِ الدكتورِ العزيِّ، ثمَّ قالَ مُعقِّبًا: «وَهَذَا الذِي قَالَهُ الدُّكتورُ العِزِّيُّ صَحِيحٌ، إِلَّا أَنَّنِي وَجَدْتُ أَنَّ المُحَدِّثِينَ أَكْثَرُ مَا يَسْتَعْمِلُونَ السَّبْرَ فِي اسْتِقْصَاءِ جَمِيعِ أَحَادِيثِ الرَّاوِي، ثُمَّ اخْتِبَارِهَا، بِعَرْضِهَا عَلَى أَحَادِيثِ الثِّقَاتِ لِمعرِفَةِ مَا أَصَابَ فِيهِ الرَّاوِي مِمَّا أَخْطَأَ فِيهِ، وَبِالآَتِي الحُكْمَ عَلَيهِ بِمَا يُنَاسِبُ حَالَهُ جَرْحًَا وَتَعْدِيلًَا، فَغَرَضُ السَّبرِ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ هُوَ اخْتِبَارُ الرَّاوِي، وَمَعْرِفَةُ مَدَى عَدَالَتِهِ وَضَبْطِهِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ اخْتِبَارِ أَحَادِيثِهِ وَاحِدًَا وَاحِدًَا» (^١).\nوما بيَّنهُ فيهِ نظرٌ كبيرٌ، لأنَّ من استقرأَ صنيعَ المحدِّثينَ وجدَ أنَّهمْ استخدمُوا السَّبرَ كمرادفٍ ل «جمعِ الطُّرقِ والتَّتبعِ والاستقراءِ والاستقصاءِ … ثمَّ الاختبارِ»، للأغراضِ التي يُؤدِّي إليهَا مِنْ حكمٍ على الرَّاوي والمرويِّ، وكشفِ العلَّةِ، وإبرازِ الفائدةِ، وبالتَّالي معرفةِ كلِّ نوعٍ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ المتعلِّقةِ بالمتنِ والإسنادِ.\nومنْ خلالِ ما تقدَّمَ نجدُ أنَّ السَّبرَ هوَ الآليَّةُ المتضمِّنَةُ لجمعِ الطُّرقِ ثمَّ اختبارِهَا ومقارنتِهَا، وهذَا لَا يكونُ فقطْ للحكمِ علَى الرِّجالِ، وإنَّمَا تتعدَّدُ أغراضُهُ بتعدُّدِ صورِهِ …\nكمَا إنَّ الاعتبارَ ليسَ قسيمًَا للسَّبرِ، وإنَّمَا السَّبرُ آليَّةٌ للاعتبارِ، بمعنى أنَّ الاعتبارَ غرضٌ مِنْ أغراضِ السَّبرِ كمَا بيَّنَهُ المُحدِّثونَ، من ذلكَ تعريفُهُم للاعتبارِ:\n_________\n(^١) نظرية الاعتبار عند المحدثين ص ٦٤.","vol":"1","page":31},{"text":"قالَ الحافظُ العراقيُّ (^١) «ت ٨٠٦ هـ»، في «شرحِ التَّبصرَةِ والتَّذكرةِ» في تعريفِهِ للاعتبارِ: «أَنْ\nتَاتيَ إِلَى حَدِيثٍ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ، فَتَعْتَبِرَهُ بِرِوَايَاتِ غَيرِهِ مِنَ الرُّوَاةِ بِسَبْرِ طُرُقِ الحَدِيثِ لِيُعْرَفَ هَلْ شَارَكَهُ فِي ذَلِكَ الحَدِيثِ رَاوٍ غَيرُهُ فَرَوَاهُ عَنْ شَيخِهِ أَمْ لَا؟» (^٢).\nوقالَ السُّيوطِيُّ (^٣) «ت ٩٠٢ هـ» عندَ حديثِهِ عنِ الاعتبارِ: «فَيَعْتَبِرَهُ بِرِوَايَاتِ غَيرِهِ مِنَ الرُّوَاةِ بِسَبْرِ طُرُقِ الحَدِيثِ، لِيَعْرِفَ هَلْ شَارَكَهُ فِي ذَلِكَ الحَدِيثِ» (^٤).\nوالمُنَاويُّ (^٥) «ت ١٠٣١ هـ»، قالَ في «اليواقيتِ والدُّرَرِ»: «الاِعْتِبَارُ: أَنْ يَاتِيَ إِلَى حَدِيثِ بَعْضِ الرُّوَاةِ فَيَعْتَبِرُهُ بِرِوَايَاتِ غَيرِهِ مِنَ الرُّوَاةِ بِسَبْرِ طُرُقِ الحَدِيثِ لِيُعرَفَ هَلْ شَارَكَهُ فِيهِ غَيرُهُ فَرَوَاهُ عَنْ شَيخِهِ أَوْ لَا» (^٦). وسيأتي تفصيلٌ أكثرُ عنِ الفرقِ بينَ السَّبرِ والاعتبارِ عندَ الحديثِ عَنْ مرادفاتِ السَّبِر.\n_________\n(^١) عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، أبو الفضل، زين الدين، المعروف ب «الحافظ العراقي»، «٧٢٥ هـ - ٨٠٦ هـ»، محدث، من أهم كتبه: «المغني عن حمل الأسفار في الأسفار»، و«الألفية في الحديث»، و«تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد»، و«التقييد والايضاح» في مصطلح الحديث، و«طرح التثريب في شرح التقريب»، وغيرها كثير. انظر غاية النهاية ١/ ٣٨٢، وميزان الاعتدال ٨/ ٦، والأعلام للزركلي ٣/ ٣٤٤.\n(^٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٨١.\n(^٣) عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين، جلال الدين السيوطي، «٨٤٩ هـ-٩١١ هـ»، الحافظ، المحدث، والمفسر، له نحو ٦٠٠ مصنف، منها: «الجامع الصغير»، و«جمع الجوامع» وهو الكبير، و«تدريب الراوي». انظر الضوء اللامع ٤/ ٦٥، والأعلام للزركلي ٣/ ٣٠١.\n(^٤) تدريب الراوي ١/ ٢٤٢.\n(^٥) محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين، المناوي، «٩٥٢ هـ-١٠٣١ هـ»، له نحو ثمانين مصنفًا، منها: «كنوز الحقائق» في الحديث، و«التيسير شرح الجامع الصغير». انظر الأعلام ٦/ ٢٠٤.\n(^٦) اليواقيت والدرر ١/ ٤٤٣، وقال أيضًا في فيض القدير: «فإن الآية - أي قوله تعالى: ﴿ولم يكن له ولي من الذل﴾ - بكمالها ثابتة في الحديث كما يحيط به من سبر الروايات ووقف على الأصول ويشهد لكونه إنما حمله على حذفها رعاية الإيجاز أنه أتى بها في جامعه الكبير ولم يذكر لفظ الآية». ١/ ٦١.","vol":"1","page":32},{"text":"وعلى هذَا فيُمكنُنَا القولُ بأنَّ تعريفَ السَّبرِ في اصطلاحِ المحدِّثينَ:\nاسْتِقْصَاءُ مَرْوِيَّاتِ الحَدِيثِ، ومُعَارَضَةُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، لكَشْفِ عِلَّةٍ، أو الوُقُوفِ عَلَى فَائِدَةٍ، أو الحُكْمِ عَلَى رَاوٍ، أو الاِعْتِبَارِ بِمَرْوِيَّاتِه.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>المَطْلَبُ الثَّانِي: التَّعْرِيفُ بِعُنْوَانِ الكتابِ:</span>\nبعدَ الوقوفِ على حدِّ السَّبرِ، لا بدَّ من التَّعريجِ على عُنوانِ الكتابِ للتَّعريفِ بِهِ:\nالسَّبرُ «عندَ المحَدِّثينَ»: قيدٌ خرجَ بهِ السَّبرُ عندَ الفُقهاءِ والأصوليِّينِ (^١)، لأنَّهُ المتبادَرُ إلى الذِّهنِ حينمَا يُطلقُ، وهوَ - أي: السَّبرُ- لفظٌ قليلُ الاستعمالِ عندَ المحدِّثينَ، ويُستعملُ عندهم بمرادفاتٍ أخرى كالجمعِ والاستقراءِ … الخ.\nوَأَثَرُهُ: الأثَرُ: لغةً: بقيَّةُ الشَّيءِ، والتَّأثيرُ: إِبقاءُ الأثرِ في الشَّيءِ (^٢).\nفِي معرفةِ أنواعِ علومِ الحَدِيثِ: المتعلِّقةِ بالمتنِ والإسنادِ.\nوفي الحكمِ على الرُّواةِ: جرحًَا وتعديلًا، لأنَّ الحكمَ على الرَّاوي لا يكونُ قاطعًَا إلَّا باختبارِ حديثِهِ لبيانِ ضبطِهِ.\nوعلى المرويَّاتِ: صحةً أو ضعفًا، سواءٌ الحكمَ على مرويَّاتِ الرَّاوي بالقبولِ أو الطَّرحِ أو على كلِّ روايةٍ بحدِّ ذاتِهَا، بتقويتِهَا، أو كشفِ العلَّةِ فيهَا، أو الوقوفِ على فائدةٍ فيهِا.\n* * *\n_________\n(^١) فالسبر يرد في باب القياس عند الأصوليين، وتعريفه: اختبار صلاحية الأوصاف المقارنة للحكم لتكون علة بعد تقسيمها. أي: إن الأصولي يقوم بحصر الصفات التي تصلح للعلية في بادي الرأي، ثم يقوم باختبار كل واحدة منها هل تصلح لذلك أو لا؟ فيبطل مالا يصلح منها، فيتعين الباقي للعلية. انظر إرشاد الفحول ١/ ٣٦٣.\n(^٢) لسان العرب ٤/ ٥ - مادة «أثر»، وتاج العروس ١٠/ ١٢ - مادة «أثر».","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type='title' id=toc-11>المَطْلَبُ الثَّالثُ: المُصْطَلَحَاتُ:</span>\nالنُّقْطَةُ الأُولَى: المُصْطَلَحَاتُ المُرَادِفَةُ لِلسَّبْرِ:\nوَنعنِي بالمرادفَةِ للسَّبْرِ، أي: في استخدامِ واصطلاحِ المحدِّثينَ، فقد تكونُ في معنَاهَا اللُّغَوِيِّ غيرَ مرادِفَةٍ بالمعنى الكُلِّيِّ، وإنَّما متضمنةً لبعضِ مفرداتِ ومعاني وأغراضِ السَّبرِ.\nأوَّلًا: جَمْعُ طُرُقِ الحَدِيثِ:\nوهوَ المصطلحُ المرادفُ للسَّبرِ الأكثرُ شهرةً في كتبِ الحديثِ، بلْ هوَ الأصلُ في مفهومِ السَّبرِ عندَ المحدِّثينَ، ومنهُ قولُ ابنِ المَدينيِّ (^١) «ت ٢٣٤ هـ»: «الحَدِيثُ إِذَا لَمْ تُجمَعْ طُرُقُهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ خَطَؤُهُ» (^٢). وقولُ الحافظِ العِراقيِّ «ت ٨٠٦ هـ»: «وَقَدْ جَمَعْتُ طُرُقَ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي صَلَاةِ الخَوفِ فَبَلَغَتْ سَبْعَةَ عَشَرَ وَجْهًَا» (^٣).\nوقدْ كثرَتِ الأجزاءُ الحديثيَّةُ التي تحملُ عنوانَ «جمعُ طرقِ حديثِ كذا …».\n_________\n(^١) علي بن عبد الله بن جعفر السعدي، المعروف ب «ابن المديني»، البصري، أبو الحسن، «١٦١ هـ-٢٣٤ هـ»، محدث مؤرخ، كان حافظ عصره، له نحو مئتي مصنف، منها: «الأسامي والكنى»، و«اختلاف الحديث»، و«علل الحديث ومعرفة الرجال». انظر تذكرة الحفاظ ٢/ ١٥، وميزان الاعتدال ٢/ ٢٢٩.\n(^٢) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢١٢.\n(^٣) طرح التثريب ٣/ ١٢٧.","vol":"1","page":35},{"text":"الجمعُ: الجيمُ والميمُ والعينُ: أصلٌ واحدٌ يدلُّ على تَضَامِّ الشَّيءِ. جمعتُ المتفرِّقَ جمعًا، ضَمَمْتُ بعضَهُ إلى بعضٍ (^١). لكنْ هنا لَيس على سبيلِ التَّداخُلِ، وإنما على سبيلِ ضَمِّ بعضها لبعض في مكان واحدٍ.\nطُرُقُ الحديثِ: الطَّريقُ: السَّبيلُ. وعندَ المحدِّثينَ يُطلقُ على السَّندِ، فهو الطَّريقُ المُوصِلُ للمَتنِ.\nوفي اصطلاحِ المحدِّثينَ: ضَمُّ أَسَانِيدِ الحَدِيثِ الوَاحِدِ وَتَرْتِيبُهَا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ.\nومنَ المصطلحاتِ المرادفَةِ لمعنى \"الجَمْعِ\" التي استخدمهَا المحدِّثُونَ:\n١ - التَّتَبُّعُ: لغةً: تطلُّبُه شيئًا بعدَ شيءٍ في مُهْلَةٍ. وتَتَبُّعُ طُرُقِ الحديثِ، بمعنَى: تَطَلُّبُ طرقِ الأحاديثِ واحدًا بعدَ واحدٍ لغرضِ جمعِهَا أو اختبارِهَا.\nومنهُ قولُ ابنِ حِبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ» في صحيحِهِ: «وَقَدْ تَتَبَّعْتُ طُرُقَ هَذَا الخَبَرِ عَلَى أَنْ أَجِدَ أَحَدًَا رَوَاهُ عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، فَلَمْ أَجِدْ إِلَّا أَبَا حَازِمٍ» (^٢).\nوقولُ ابنِ حجرٍ (^٣) «ت ٨٥٢ هـ» في معرضِ دفاعِهِ عنِ ابنِ العَربيِّ (^٤):\n_________\n(^١) انظر معجم مقاييس اللغة ١/ ٤٧٩، والمعجم الوسيط ١/ ١٣٤.\n(^٢) صحيح ابن حبان ٣/ ٤٤٧/ ١١٧٣.\n(^٣) أحمد بن علي بن محمد الكناني، العسقلاني، أبو الفضل، شهاب الدين، المعروف ب «ابن حجر»، «٧٧٣ هـ-٨٥٢ هـ»، المحدث الحافظ، ومصنفاته كثيرة جدًا، منها: «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، و«تهذيب التهذيب»، و«تقريب التهذيب» … وغيرها كثير. انظر الضوء اللامع ٢/ ٣٦، والأعلام للزركلي ١/ ١٧٩.\n(^٤) محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيلي المالكي، أبو بكر بن العربي، «٤٦٨ هـ-٥٤٣ هـ»، قاضٍ، من حفاظ الحديث، من كتبه: «عارضة الأحوذي في شرح الترمذي»، و«الناسخ والمنسوخ»، و«المسالك على موطأ مالك»، و«الإنصاف في مسائل الخلاف». انظر طبقات الحفاظ ١/ ٤٦٨.","vol":"1","page":36},{"text":"«وَقَدْ تَتَبَّعْتُ طُرُقَ هَذَا الحَدِيثِ فَوَجَدْتُّهُ كَمَا قَالَ ابْنُ العَرَبِيِّ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ طَرِيقًَا عَنِ الزُّهْرِيِّ …» (^١).\n٢ - الاستِقْرَاءُ: لغةً: استقرأَهُ: - في الأصلِ - طَلَبَ إليهِ أنْ يقرأَ.\nوالاستقراءُ: تَتَبُّعُ الجزئياتِ للوصولِ إلى نتيجةٍ كُليَّةٍ (^٢).\nوفي الاصطلاحِ: تتبُّعُ المرويَّاتِ وجمعُهَا، ومنهُ قولُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «زَعَمَ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ أنَّهُ اسْتَقْرَأَ الأَحَادِيثَ الوَارِدَةَ فِي الصَّبْرِ فَوَجَدَهَا لَا تَعْدُو أَحَدَ الأَمْرَينِ …» (^٣).\n٣ - الاسْتِقْصَاءُ: لغةً: استقصَى الأمرَ: بلغَ أقصاهُ في البحثِ عنهُ، واستوعبَهُ، وبلغَ الغايةَ فيهِ (^٤)، وهوَ هنَا بمعنَى بلُوغِ الغايَةِ في تتبُّعِ المرويَّاتِ وجمعِهَا.\nويُقصدُ به تتبُّعُ مرويَّاتِ الحديثِ الواحدِ في مظانِّهَا منْ كتبِ الحديثِ المسنَدَةِ، وجمعُهَا على سبيلِ الاستقصاءِ.\nومنهُ قولُ ابنِ عديٍّ «ت ٣٦٥ هـ» في سعيدِ بنِ كثيرٍ: «وَلَمْ أَجِدْ بَعْدَ اسْتِقْصَائِي لِحَدِيثِهِ شَيئًَا مِمَّا يُنكَرُ عَلَيهِ إِلَّا حَدِيثَينِ …» (^٥).\n_________\n(^١) النكت على ابن الصلاح لابن حجر ٢/ ٦٥٦.\n(^٢) انظر المعجم الوسيط ٢/ ٣٦٠.\n(^٣) فتح الباري ١٠/ ١٠٩.\n(^٤) انظر لسان العرب ١٥/ ١٨٤، والمعجم الوسيط ٢/ ٧٤١ - مادة «قصي».\n(^٥) الكامل لابن عدي ٣/ ٤١١.","vol":"1","page":37},{"text":"٤ - جَمْعُ الأَبْوَابِ: وقدْ ذكرتُ جمعَ الأبوابِ منْ مرادفاتِ جمعِ الطُّرقِ، لأنَّ بعضَ المحدثينَ جمعَ بينهمَا، وبعضهُم فرَّقَ، والتَّفريقُ بينهُمَا هوَ الصوابُ، لكنْ ينبغِي التَّنبُّهُ إلى أنَّ جمعَ الأبوابِ منْ مرادفاتِ السَّبرِ، لأنه يحمِلُ أغراضَ السَّبرِ ذاتَها.\nقالَ الأبناسيُّ (^١) «ت ٨٠٢ هـ» مُعَلِّلًا سببَ تفريقِ الأئمَّةِ بينَ جمعِ الأبوابِ وجمعِ الطُّرقِ:\n«وَقَدْ أَدْخَلَ الخَطِيبُ هَذَا القِسْمَ - أَي: جَمْعَ الطُّرُقِ - فِي جَمْعِ الأَبْوَابِ، وَأَفْرَدَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ بِالذِّكْرِ، وَهُوَ وَاضِحٌ؛ لِأنَّ هَذَا جَمْعُ طُرُقِ حَدِيثٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ جَمْعُ بَابٍ وَفِيهِ أَحَادِيثُ مُخْتَلِفَةٌ» (^٢).\nثَانِيًَا: الاِعْتِبَارُ:\nلغةً: الاختيارُ والامتحانُ، مثل: اعتبرتُ الدَّراهِمَ فوجدتُّهَا ألفًا.\nوالقياسُ: منْ قبيلِ قياسِ الشَّيءِ على غيرِهِ، ومعرفَةِ وجوهِ الاتِّفاقِ والافتراقِ، قالَ تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]. أي: قيسُوا حالَكُمْ على حالِ منْ سبقكُمْ.\nوتكونُ العِبرةُ والاعتبارُ: بمعنى الاعتدادِ بالشَّيءِ، ومنهُ قولُهُمْ: لا عِبْرةَ بالشَّيءِ. أي: لا يُعْتَدُّ بِهِ (^٣).\n_________\n(^١) إبراهيم بن موسى بن أيوب، برهان الدين، أبو إسحاق، الأبناسي، القاهري، «٧٢٥ هـ = ٨٠٢ هـ»، فقيه شافعي، محدث، من مصنفاته «الدرة المضية في شرح الألفية»، و«الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح». انظر الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع ١/ ١٧٢، والأعلام للزركلي ١/ ٧٥.\n(^٢) الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح للأبناسي ١/ ٤١٨.\n(^٣) انظر المصباح المنير ٢/ ٣٩٠، ومعجم العين ٢/ ١٢٩، والتعاريف للمناوي ١/ ٧٣.","vol":"1","page":38},{"text":"اصطلاحًَا:\nلعلَّ أوَّلَ مَنْ تكلَّمَ في معنى الاعتبارِ ابنُ حبانَ «ت ٣٥٤ هـ»، لكنَّهُ لمْ يأتِ بتعريفٍ جامعٍ مانعٍ، وإنَّمَا بيَّنَهُ بمثالٍ، فقالَ: «أَنْ يَرْوِيَ حَمَّادٌ مَثَلًَا حَدِيثًَا لَا يُتَابَعُ عَلَيهِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَيُنْظَرَ هَلْ رَوَاهُ ثِقَةٌ غَيرَ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ، فَثِقَةٌ غَيرُ ابنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -﵁-، وَإِلَّا فَصَحَابِيٌ غَيرَ أَبِي هُرَيرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَأَيُّ ذَلِكَ وُجِدَ عُلِمَ أنَّ لهُ أَصْلًَا يَرْجِعُ إِلَيهِ، وَإِلَّا فَلَا» (^١).\nفبيَّنَ أنَّ معنَى الاعتبارِ: معرفةُ هلْ للحديثِ أصلٌ أو لا.\nوعرَّفهُ ابنُ الصَّلاحِ فقالَ: «النَّوعُ الخَامِسُ عَشَرَ: مَعْرِفَةُ الاِعْتِبَارِ وَالمتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ: هَذِهِ أُمُورٌ يَتَدَاوَلُونَهَا فِي نَظَرِهِمْ فِي حَالِ الحَدِيثِ هَلْ تَفَرَّدَ رَاوِيَهُ أَوْ لَا، وَهَلْ هُوَ مَعْروفٌ أَوْ لَا». ثمَّ ساقَ مثالَ أبي حاتمٍ آنفِ الذِّكرِ.\nفحصرَ ابنُ الصَّلاحِ الغرضَ مِنْ معرفَةِ الاعتبارِ والمتابعاتِ والشَّواهدِ بأمرينِ اثنينِ:\nالأول: معرفةُ تفرُّدِ الراوي في الحديثِ مِنْ عدمِهِ.\nالثاني: معرفةُ الحديثِ هل هوَ معروفٌ أو لا.\nوكلَا الأمرينِ يقودانِ إلى بعضِهِمَا، فتفرُّدُ الرَّاوي في الحديثِ يُبيِّنُ أنَّ الحديثَ فردٌ غيرُ معروفٍ، والعكسُ صحيحٌ.\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان ١/ ١٥٥.","vol":"1","page":39},{"text":"وقدْ بيَّنَ ابنُ الصَّلاحِ ذلكَ في موطنٍ آخرَ فقالَ: «وَإِنْ لَمْ نَسْتَوفِ النَّظَرَ المُعَرِّفَ لِكَونِ ذَلِكَ المُحَدِّثِ فِي نَفْسِهِ ضَابِطًَا مُطْلَقًَا، وَاحْتَجْنَا إِلَى حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِ اعْتَبَرنَا ذَلَكِ الحَدِيثَ وَنَظَرنَا هَلْ لَهُ أَصْلٌ مِنْ رِوَايَةِ غَيرِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ طَرِيقِ الاِعْتِبَارِ فِي النَّوعِ الخَامِسِ عَشَرَ» (^١).\nوقدْ أوضحَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» ما يُلتبسُ على كلامِ ابنِ الصَّلاحِ، فقالَ: «مَعْرِفَةُ الاِعْتِبَارِ وَالمُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ: قُلْتُ: هَذِهِ العِبَارَةُ تُوهِمُ أَنَّ الاِعْتِبَارَ قَسِيمٌ لِلمُتَابَعَةِ وَالشَّاهِدِ وَلَيسَ كَذَلِكَ، بَلِ الاِعْتِبَارُ هُوَ الهَيئَةُ الحَاصِلَةُ فِي الكَشْفِ عَنِ الُمتَابَعَةِ وَالشَّاهِدِ، وَعَلَى هَذَا فَكَانَ حَقُّ العِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ: مَعْرِفَةُ الاِعْتِبَارِ لِلمُتَابَعَةِ وَالشَّاهِدِ، وَمَا أَحْسَنَ قَولَ شَيخِنَا فِي مَنْظُومَتِهِ:\nالاِعْتِبَارُ سَبْرُكَ الحَدِيثَ هَلْ … شَارَكَ رَاوٍ غَيرَهُ فِيمَا حَمَلْ\nفَهَذَا سالم من الاعتراض والله أعلم» (^٢).\nوأقولُ هُنَا - واللهُ أعلمُ -: الأولى في العبارَةِ أنْ تكونَ: معرفةُ المتابعةِ والشَّاهدِ لغرض الاعتبارِ، أي لقياسِ هذِهِ الرِّوايةِ على غيرِهَا مِنَ الرِّواياتِ، لمعرفةِ التَّفرُّدِ مِنْ عدمِهِ. وأمَّا الهيئةُ الحاصلةُ في الكشفِ عنْ طرقِ الحديثِ فهوَ السَّبرُ.\nولذا نجدُ أنَّ ابنَ حجرٍ بعدَ كلامِهِ هذَا رجعَ إلى قولِ العراقيِّ في تفسيرِ الاعتبارِ بالسَّبرِ، وفي هذَا بيانٌ جليٌّ أنَّ السَّبرَ هوَ آلةُ الاعتبارِ التي يُتوصَّلُ مِنْ خلالِهَا للمتابعِ\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح ص ١٢٢.\n(^٢) النكت لابن حجر ٢/ ٦٨١.","vol":"1","page":40},{"text":"والشَّاهدِ، وقولِهِ للمتابعِ والشَّاهدِ: لأنَّهما السَّبيلَ لنفيِ التَّفرُّدِ عَنِ الرَّاوي والمرويِّ، ومعرفةِ أنَّ للحديثِ أصلًا يرجعُ إليهِ، قالَ ابنُ حجرٍ: «وَاعْلَمْ أَنَّ تَتَبُّعَ الطُّرُقِ مِنَ الجَوَامِعِ وَالمِسَانِيدِ وَالأَجْزَاءِ لِذَلِكَ الحَدِيثِ الذِي يُظَنُّ أَنَّهُ فَردٌ، لِيُعْلَمَ هَلْ مُتَابَعٌ أَمْ لَا، هُوَ الاِعْتِبَارُ» (^١).\nوعلى هذَا جرى السُّيوطيِّ في تعريفِهِ للاعتبارِ (^٢). وكذَا الصَّنعانيُّ، حيثُ قالَ: «الاِعْتِبَارُ عِنْدَهُمْ: طَلَبُ التَّوَابِعِ وَالشَّوَاهِدِ التِي يُعْرَفُ بِهَا أَنَّ لِلحَدِيثِ أَصْلًَا» (^٣). وكذا السَّخاويُّ، وابنُ جماعةَ، والحلبيُّ، والدَّهلويُّ (^٤).\nفالاعتبارُ: ليسَ مجرَّدَ معرفةِ طرقِ الحديثِ، وإنَّمَا هوَ الغرضُ مِنْ معرفتِهَا، لأنَّ بمعرفةِ التَّابعِ والمشاهدِ مِنْ عدمِهِ، يتَّضحُ لنَا التَّفرُّدُ مِنْ عدمِهِ في الرَّاوي والمرويِّ، وكذَا معرفةُ أنَّ للحديثِ أصلًا أولا.\nوبيَّنَ القاسميُّ «ت ١٣٣٢ هـ» غرضًَا آخرَ للاعتبارِ، فقالَ: «الاِعْتِبَارُ: النَّظَرُ فِي طُرُقِ الحَدِيثِ لِيُلْحَقَ بِنَوعِهِ» (^٥). وهذَا صحيحٌ لكنْ ليسَ على إطلاقِهِ لأنَّهُ عامٌ في كلِّ أنواعِ\n_________\n(^١) نزهة النظر ص ٧٢.\n(^٢) تدريب الراوي ١/ ٢٤١.\n(^٣) توضيح الأفكار ١/ ٢١٣.\n(^٤) انظر على الترتيب: التوضيح الأبهر ص ٧٢، والمنهل الروي ١/ ٥٩، وقفو الأثر ١/ ٦٤، ومقدمة في أصول الحديث ١/ ٥٧.\n(^٥) قواعد التحديث ١/ ٤٨.","vol":"1","page":41},{"text":"علومِ الحديثِ المتعلِّقةِ بالمتنِ والإسنادِ، والصَّحيحُ المعتمدُ أنْ نقولَ: ليُلحقَ بنوعِهِ مِنْ حيثُ التَّفرُّدِ وعدمِهِ فحسبُ.\nولنتأمَّلْ كلامَ ابنَ حجرٍ، حيثُ يقولُ: «وَالفَرْدُ النِّسْبِيُّ إِنْ وَافَقَهُ غَيرَهُ فَهُوَ المُتَابِعُ، وَإِنْ وُجِدَ مَتْنٌ يُشْبِهُهُ فَهُوَ الشَّاهِدُ، وَتَتَبُّعِ الطُّرُقِ لِذَلِكَ هُوَ الاِعْتِبَارُ». لذلكَ، أي: لغرضِ كشفِ المتابعةِ والشَّاهدِ فقطْ، وليسَ لكشفِ العلَّةِ ولا لإبرازِ الفائدةِ فهذِهِ مِنْ أغراضِ جمعِ الطُّرقِ على العمومِ الذي هوَ السَّبرُ، وإنْ كانَ كلُّ طريقٍ للحديثِ لا يعدُو كونَهُ متابعًا أو شاهدًا.\nومن استخداماتِ المحدِّثينَ للاعتبارِ قولهمْ في الرَّاوِي: «يُكْتَبُ حَدِيثُهُ عَلَى الاِعْتِبَارِ» (^١). وقولُ الخطيبِ (^٢) «ت ٤٦٣ هـ» في عبدِ اللهِ بنِ خَيرَانَ: «اِعْتَبَرْتُ كَثِيرًَا مِنْ حَدِيثِهِ فَوَجَدْتُهُ مُسْتَقِيمًا» (^٣). وهذهِ الأقوالُ تعنِي قياسُ مرويَّاتِ الرَّاوي على مرويَّاتِ الثِّقات للاعتدادِ بهَا أو طرحِهَا.\nبيدَ أنَّهُ تنبغي الإشارةُ إلى أنَّ بعضَ المحدِّثينَ استخدمُوا مصطلحَ الاعتبارِ مرادفًَا للسَّبرِ مِنْ هؤلاءِ:\nأَحمدُ بنُ حنبلٍ (^٤) «ت ٢٦١ هـ» (^٥).\n_________\n(^١) انظر الجرح والتعديل ٣/ ١٥٠.\n(^٢) أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، أبو بكر، المعروف ب «الخطيب البغدادي»، «٣٩٢ هـ-٤٦٣ هـ»، أحد الحفاظ المؤرخين، من كتبه «تاريخ بغداد»، و«الكفاية في علوم الرواية»، و«الجامع لأخلاق الراوي»، وغيرها كثير. انظر طبقات الشافعية ٣/ ١٢، ووفيات الأعيان ١/ ٢٧.\n(^٣) تاريخ بغداد ٩/ ٤٥٠.\n(^٤) أحمد بن محمد بن حنبل، أبو عبد الله، الشيباني، الوائلي، (١٦٤ هـ-٢٤١ هـ)، أحد الأئمة الأربعة، من كتبه «المسند»، و«العلل والرجال»، و«الناسخ والمنسوخ». انظر البداية والنهاية ١٠/ ٣٢٥، وتاريخ بغداد ٤/ ٤١٢.\n(^٥) ذكر قول أحمد العقيلي في الضعفاء ١/ ١٤٣، والجرح والتعديل ٢/ ٣٧٨.","vol":"1","page":42},{"text":"وابنُ حِبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ» في أَكْثَرَ منْ موضِعٍ منْ كتابِهِ «الثِّقَاتُ» (^١). وابنُ عَدِيٍّ «ت ٣٦٥ هـ» في «الكَامِلُ» (^٢). وَالخَطِيبُ «ت ٤٦٣ هـ» في «تَاريخُ بغدادَ» (^٣).\nاصْطِلَاحًَا: معرفةُ المتابعِ والشَّاهدِ، لبيانِ التَّفرُّدِ منْ عدمِهِ في الرَّاوي والمرويِّ، ولمعرفةِ هلْ للحديثِ أصلٌ أو لَا.\nوخلاصةُ القولِ: أنَّ السَّبرَ ليسَ قسيمًَا للاعتبارِ\nبلْ إنَّ السَّبرَ أداةٌ للاعتبارِ، والاعتبارُ غرضٌ منْ أغراضِ السَّبرِ\nكمَا يستخدمُ الاعتبارُ كمرادفٍ للسَّبرِ عندَ المحدِّثينَ\nوالسَّبرُ قسيمٌ لجمعِ الطُّرقِ، ويزيدُ عليهِ بالاختبارِ والمقارنةِ\nولهذَا الغرضِ كانَ اختيارُ مصطلحِ السَّبرِ على غيرِهِ مِنَ المصطلحاتِ الأخرى\nفهوَ آلةٌ، وتتعدَّدُ أغراضُهُ بتعدُّدِ صورِهِ، ليشملَ الرَّاوي، والمرويَّ سندًَا ومتنًَا.\n* * *\nثَالِثًَا: التَّخْرِيجُ:\nلغةً: مصدرُ الفعلِ خرَّجَ، بمعنى أَظْهَرَ وَأَبْرَزَ.\nفالتَّخريجُ: هوَ الإِظهارُ والإِبرازُ.\n_________\n(^١) انظر الثقات ٦/ ١٣٢، و٤/ ٣٣٦، و٨/ ٢٩٣، و٨/ ٤٩٢.\n(^٢) انظر الكامل لابن عدي ٢/ ٦٣، و٣/ ٥٣، و٤/ ٨٢، ومختصر الكامل ١/ ١٩٨، و١/ ٤٣١.\n(^٣) انظر تاريخ بغداد ١/ ٢٦٩، و٩/ ٤٥٠، و١١/ ٢٤٤.","vol":"1","page":43},{"text":"والخروجُ نقيضُ الدُّخولِ، وقدْ أَخْرَجَهُ وَخَرَجَ بِهِ، ومنهُ قولُهُ تعالَى: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح/ ٢٩]، وأَخْرَجَ الحديثَ: نَقَلَهُ بالأسانيدِ الصحيحةِ (^١).\nواصْطِلَاحًَا: يُطلقُ التَّخريجُ على معانٍ عدَّةٍ عندَ المحدِّثينَ، ومنْ هذهِ المعانِي ممَّا يتَّصلُ بموضوعِ السَّبرِ معنَيَان، بيَّنهَا السَّخَاوِيُّ «ت ٩٠٢ هـ» بقولِهِ: «وَالتَّخْرِيجُ: إِخْرَاجُ المُحَدِّثِ الأَحَادِيثَ مِنْ بُطُونِ الأَجْزَاءِ وَالمَشْيَخَاتِ وَالكُتُبِ وَنَحْوِهَا …، وَعَزْوِهَا لِمَنْ رَوَاهَا مِنْ أَصْحَابِ الكُتُبِ وَالدَّوَاوِينِ» (^٢).\nالأَوَّلُ: إِخْرَاجُ الحَدِيثِ، أي: إظهارُهُ وإبرازُهُ منْ مصادرِهِ الحديثيَّةِ المسنَدَةِ. لأنَّ إخراجَ الحديثِ وإبرازَهُ هو المرحلةُ الأولَى منْ مراحلِ السَّبر.\nوالثَّانِي: ذِكْرُ مَخْرَجِ الحديثِ، أي: إظهارُ وإبرازُ موضعِ خروجِهِ، وعزوِهِ إلى مكانِهِ منَ الكُتبِ الحديثيَّةِ المسنَدَةِ. وهوَ المقصودُ بقولِ السَّخَاوِيِّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَعَزْوِهَا لِمَنْ رَوَاهَا مِنْ أَصْحَابِ الكُتُبِ وَالدَّوَاوِينِ» (^٣).\nوعلى هذا فالتَّخريجُ اصطلاحًَا: إِخْرَاجُ الحَدِيثِ مِنْ مَصَادِرِهِ الحَدِيثِيَّةِ المُسْنَدَةِ، وَعَزْوِهِ إليهَا. والتَّخريجُ مرادفٌ للسَّبر، لأنَّهُ المرحلةُ الأولى منْ مراحِلِ السَّبرِ.\n* * *\n_________\n(^١) انظر لسان العرب ٢/ ٢٥٣، والمعجم الوسيط ١/ ٤٦٧.\n(^٢) فتح المغيث ٢/ ٣٣٨.\n(^٣) المصدر ذاته.","vol":"1","page":44},{"text":"رابعًا: المُعَارَضَةُ:\nلغةً: عارضَ الكتابَ معارضةً وعِرَاضًَا: قابلَهُ بكتابٍ آخرَ، وصَيَّر فيهِ كلَّ ما في الآخرِ ومنهُ الحديثُ: «إِنَّ جِبْرِيلَ -﵇- كَانَ يُعَارِضُهُ القُرْآَنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَأَنَّهُ عَارَضَهُ القُرْآنَ مَرَّتَينِ» (^١). أي كانَ يدارسُهُ جميعَ ما نزلَ منَ القرآنِ، منَ المُعارضَةِ: المقابَلَةِ. لأنَّ المحدِّث يقابِلُ أحاديثَهُ بأحاديثِ غيرِهِ لغرضِ الضَّبطِ.\nومنهُ العَرْضُ على الشَّيءِ: كعرْضِ الذَّهَبِ على النَّارِ، لأنَّ المحدِّثَ يعرضُ مرويَّاتِ الضُّعفاءِ على مرويَّاتِ الثِّقاتِ ليختبِرَهَا ويوازنَهَا ويقارِنَ بعضهَا ببعضٍ، ويعلمَ مدى اتِّفاقهِا مع رواياتِ الثِّقاتِ من اختلافِهَا، لغرضِ الاعتبارِ.\nومنهُ عَرْضُ الشَّيءِ بالشَّيءِ مُعَارَضَةً: منَ المقابلةِ والمقارنةِ والموازنةِ، لغرضِ بيانِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ، لكشفِ علَّةٍ، أو وقوفٍ على فائدةٍ.\nفالمعارضةُ تعنِي: العَرْضَ، والمقابلةَ، والمقارنةَ، والموازنةَ (^٢).\nوعلى هذَا فالمعارضَةُ في اصطلاحِ المحدِّثينَ تأتي لثلاثَةِ أغراضٍ:\nأولًا: المقابلةُ لغرضِ ضبطِ ألفاظِ المرويَّاتِ وتصحيحِهَا: وقد عَقَدَتْ كثيرٌ من كتبِ أصولِ الحديثِ بابًا في المعارضَةِ بهذا المعنى (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري - كتاب بدء الخلق - باب ذكر الملائكة - ر ٣٠٤٨، وصحيح مسلم - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل فاطمة بنت النبي -ﷺ- ر ٢٤٥٠.\n(^٢) انظر تاج العروس ١٨/ ٣٧٩، والنهاية في غريب الأثر ٣/ ٢١٢، التعاريف للمناوي ١/ ٦٦٤، ولسان العرب ٧/ ١٦٥ - ١٦٧.\n(^٣) انظر المحدث الفاصل ١/ ٥٤٤، وفتح المغيث - باب المقابلة - ٢/ ١٨٥، والمقنع ١/ ٣٥٣، والنكت على ابن الصلاح ٣/ ٥٨٣، وتوجيه النظر إلى أصول الأثر ٢/ ٧٣٣، والجامع لأخلاق الراوي ١/ ٢٧٥.","vol":"1","page":45},{"text":"ومنه قولُ هشامِ بنِ عروةَ (^١) «ت ١٤٦ هـ»: «قَالَ لِي أَبِي: أَكَتَبْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: عَارَضْتَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: لَمْ تَكْتُبْ!» (^٢).\nثانيًا: مقابلَةُ وموازنَةُ المرويَّاتِ بعضِهَا ببعضٍ لبيانِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ فيما بينهَا لغرضِ كشفِ علةٍ أو وقوفٍ على فائدةٍ.\nثالثًا: عَرْضُ مرويَّاتِ الرَّاوي الضَّعيفِ على مرويَّاتِ الثِّقاتِ للاعتبارِ بهَا أو طرحِهَا. ومنهُ قولُ ابنُ معينٍ (^٣) «ت ٢٣٣ هـ»: «رُبَّمَا عَارَضْتُ بِأَحَادِيثِ يَحْيَى بْنِ يَمَانٍ أَحَادِيثَ\nالنَّاسِ، فَمَا خَالَفَ فِيهَا النَّاسَ ضَرَبْتُ عَلَيهِ» (^٤).\nوالأغراضُ الثلاثةُ مقصودةٌ في بحثنَا هذَا، وأمَّا المعارضَةُ التي بمعنى المخالفَةِ، أي: مخالفةُ حديثٍ لآخرَ فهِيَ مطَّردَةٌ في استخداماتِ المحدِّثينَ، لكنَّهَا لا تتعلَّقُ بالسَّبرِ، وإنِّما تدخُلُ في بابِ مختلفِ الحديثِ ومُشكِلِهِ.\nالنُّقْطَةُ الثَّانِيَةُ: المُصْطَلَحَاتُ المُتَعَلِّقَةُ بِالسَّبْرِ:\nوهيَ المفرداتُ التي يستخدمُهَا المحدِّثونَ، أو يكثُرُ تداولُهَا على ألسنتهِمْ وفي كتبهِمْ، والتي لا بُدَّ منهَا عندَ القيامِ بعمليَّةِ سبرِ الحديثِ الشَّريفِ، وتصحيحِهِ أو تضعيفِهِ.\n_________\n(^١) هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، القرشي، الأسدي، أبو المنذر، «٦١ هـ-١٤٦ هـ»، تابعي، من أئمة الحديث، روى نحو ٤٠٠ حديث. انظر ميزان الاعتدال ٣/ ٢٥٥، وتاريخ بغداد ١٤/ ٣٧.\n(^٢) الكفاية في علوم الرواية ١/ ٥٤٤.\n(^٣) يحيى بن معين بن عون بن زياد، البغدادي، أبو زكريا، «١٥٨ هـ-٢٣٣ هـ»، من أئمة المحدثين والرجال، من كتبه «التاريخ والعلل»، و«معرفة الرجال». انظر تذكرة الحفاظ ٢/ ١٦، تاريخ بغداد ١٤/ ١٧٧.\n(^٤) تاريخ ابن معين ٣/ ٣١٩/ ١٥٢٧.","vol":"1","page":46},{"text":"أَوَّلًَا: السَّنَدُ:\nالسَّند: لغةً: هو ما ارتفعَ وعلا عن سفحِ الجبلِ، لأنَّ المُسْنِدَ يرفَعُهُ إلى قائلِهِ.\nأو منْ قولِهم: «فلانٌ سَنَدٌ». أي: معتَمَدٌ، فسُمِّيَ الإِخبَارُ عنْ طريقِ المتنِ سندًا لاعتمادِ الحفَّاظِ في صحَّةِ الحديثِ وضعفهِ عليه (^١).\nواصطلاحًا: الطَّريقُ الموصِلةُ إلى المتنِ (^٢).\n* * *\nثَانِيًَا: المَتْنُ:\nوالمتنُ: لغةً: من المماتنَةِ، وهي: المباعَدَةُ في الغايةِ، لأن المتنَ غايةُ السندِ.\nأو منْ متنتُ الكبشَ: إذا شققتُ جلدةَ بيضتِهِ واستخرجتُهَا، وكأنَّ المُسْنِدَ استخرجَ المتنَ بسندِهِ. أو منَ المتنِ: وهو ما صلُبَ وارتفعَ من الأرضِ، لأن المُسْنِدَ يقوِّيهِ بالسندِ (^٣).\nواصطلاحًا: ما ينتهي إليهِ السَّنَدُ منَ الكلامِ (^٤).\n* * *\nثَالِثًَا: الرِّوَايَةُ:\nلغةً: روى الحديثَ أوِ الشِّعرَ روايةً: حملَهُ ونقلَهُ، فهوَ راوٍ، جَمْعُ رُواةٍ، وراوِي الحديثِ أو الشِّعرِ: حامِلُهُ وناقِلُهُ.\n_________\n(^١) لسان العرب ٣/ ٢٢٠ - مادة «سبر»، والمنهل الروي ١/ ٣٠.\n(^٢) انظر شرح نخبة الفكر للقاري ١/ ٥٣٤.\n(^٣) لسان العرب ١٣/ ٣٩٨ - مادة «متن»، والمنهل الروي ١/ ٢٩.\n(^٤) شرح نخبة الفكر للقاري ١/ ١٥٧.","vol":"1","page":47},{"text":"وتأتي بمعنَى الإلقاءِ، روَى الحديثَ: أي: ألقاهُ على السَّامعينَ (^١).\nوالرِّوايةُ: الشَّيءُ المرويُّ، والرِّوايةُ والمرويَّاتُ: تُطلقُ عندَ المحدِّثينَ على الحديثِ، لأنَّهُ يُرْوَى، أي يُلقَى علَى السَّامعينَ. والرِّوَايةُ تَشملُ الحديثَ سَندًا ومتنًا.\nوَمنهُ عِلمُ الحديثِ روايةً، فهو: «عِلْمٌ يَشْتَمِلُ عَلَى أَقْوَالِ النَّبيِّ -ﷺ- وَأَفْعَالِهِ وَتَقْرِيرَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَرِوَايَتِهَا، وَضَبْطِهَا، وَتَحْرِيرِ أَلْفَاظِهَا، أَوِ الصَّحَابيِّ، أَوِ التَّابِعِيِّ» (^٢).\nرَابِعًَا: المُتَابَعَاتُ والشَّوَاهِدُ (^٣):\nخامسًا: الطَّرِيقُ:\nلغةً: السَّبِيلُ، وتطرَّقَ إلى الأمرِ: ابتغى إليهِ سبيلًا (^٤).\nوالطَّرِيقُ عندَ المحدِّثينَ: هوَ السَّندُ، لأنَّهُ السَّبيلُ والطَّريقُ للوصولِ إلى المتنِ.\nسادسًا: المَدَارُ:\nلغةً: دارَ يدورُ، بمعنى: إذا طافَ حولَ الشَّيءِ، وإذا عادَ إلى الموضِعِ الذي ابتدَأَ منهُ.\n_________\n(^١) القاموس المحيط، والمعجم الوسيط - مادة «روي».\n(^٢) قواعد التحديث للقاسمي ١/ ٧٥.\n(^٣) سيأتي تعريف المتابعات والشواهد والفرق بينهما في مبحث «أثر السبر على في الحكم على مرويات الراوي «الاعتبار»، انظر ص.\n(^٤) انظر لسان العرب ١٠/ ٢١٩ - مادة «طرق»، ومختار الصحاح - مادة «طرق».","vol":"1","page":48},{"text":"والمدارُ: مَفْعَل: يكون مَوضِعًَا، ويكون مَصْدَرًَا، كالدَّوَرانِ (^١). ويُطلقُ على نقاطِ التقاءِ الدائرةِ. ومنهُ مدارُ الحديثِ: لأنَّ الرَّاويَ يلتقِي عندَهُ جميعُ الرُّواةِ.\nاصطلاحًا: الرَّاوِي الذي تلتقِي عندَهُ أسانيدُ الحديثِ مهمَا تعدَّدَتْ (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) انظر لسان العرب ٤/ ٢٩٧ - مادة «دور».\n(^٢) انظر منزلة مدار الإسناد في علم علل الحديث الشريف - محمد مجير الخطيب - ص ٢٢.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type='title' id=toc-12>المَبْحَثُ الثَّانِي: أَهَمِّيَّةُ السَّبْرِ، وَأَقْوَالُ الأَئِمَّةِ فِيهِ:</span>\nاهتمَّ العلماءُ اهتمامًَا بالغًَا بحفظِ السُّنَّةِ النَّبويَّةِ المطهَّرَةِ، ولذا وضعُوا قواعِدَ دقيقةً لصيانةِ السنَّةِ النَّبويَّة منَ الوضعِ والتحريفِ، وتمييزِ الصحيحِ من الضعيفِ، والمنقولِ من الموضوعِ، من خلالِ النَّظرِ والتَّدقيقِ في الأسانيدِ والمتونِ، وكانَ دأبُهُمْ في البدايةِ النظرَ في حالِ الرَّاوي من حيثُ الأهليةِ والأداءِ، والعدالةِ والضبطِ، ولمَّا كثرَ الرُّواةُ وتعدَّدتِ الأسانيدُ للحديثِ الواحِدِ وتعدَّدتِ المتونُ بتعدُّدِ أسانيدِهَا، كانَ لا بدَّ من المقارنَةِ والموازنَةِ والمعارضَةِ بينَ مرويَّاتِ الرُّواةِ لبيانِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ في الحديثِ، ومن ثُمَّ كشفِ عللِهِ وغوامضِهِ أو الوقوفِ على معانٍ زائدَةٍ فيهِ.\nفكانَ لسبرِ الأسانيدِ والمتونِ وجمعِهَا وموازنتِهَا واختبارِهَا أهميةٌ بالغةٌ عندهُم، فَقَلَّ ما تجدُ مصنَّفًا حديثيًَّا من كتبُ السُّنَّة وعلومِ الحديثِ، إلا ويعتمدُ السَّبر في إخراجِ حديثِهِ، أو استخرَاجِ العِلَّةِ، أو استقراءِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ في الأسانيدِ والمتونِ، وكذلك أئمَّةُ الجرحِ والتعديلِ يعتمدونَ على السَّبرِ في الحكْمِ على الرِّجَالِ ومروِيَّاتِهْم، قال السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَكَمْ فِي جَمْعِ طُرُقِ الحديثِ منْ فائدةٍ» (^١). وَتظهرُ أهميَّةُ السَّبرِ في نواحٍ عدةٍ نبيُّنهَا فِي المطالبِ الآتيةِ:\n_________\n(^١) فتح المغيث ٢/ ٣٧٠.","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type='title' id=toc-13>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: إِخْرَاجُ الحَدِيثِ:</span>\nوالمقصودُ بهِ عملُ المصنِّفينَ منَ الأئمَّةِ المحدِّثينَ، حيثُ قاموا بسبرِ طُرُقِ الحديثِ، لإخراجِ الصَّحيحِ وتصنيفهِ، وتمييزِهِ عمَّا سواهُ من الضَّعيفِ والموضوعِ، فألَّفوا بذلكَ كتبَ الصحيحِ، والسُّنَنِ، والمسانيدِ، والمعاجمِ، وكذلك كتبَ الضعيفِ.\nوأغلبُ عملِ أئمَّةِ الحديثِ المصنِّفينَ قامَ على سبرِ الحديثِ وانتقاءِ ما صنَّفوهُ من جملةٍ منَ الأحاديثِ بعد فرزِهَا وتمييزِهَا، وهو ما بيَّنهُ جمعٌ منهم، قال الإمامُ أحمد «ت ٢٤١ هـ»: «جَمَعْتُ فِي المُسْنَدِ أَحَادِيثَ انْتَخَبْتُهَا مِنْ أَكْثَرِ مِنْ سَبْعِمِئَةِ ألفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفًَا» (^١). والمرادُ بهذهِ الأعدادِ الطُّرُقُ لا المتونُ، فالانتخابُ تمَّ من طريقِ السَّبرِ لهذهِ الأحاديثِ وانتقائِهَا بعنايَةٍ.\nوقالَ البخاريُّ (^٢) «ت ٢٥٦ هـ»: «أَحْفَظُ مِئَةَ أَلْفِ حَدِيثٍ صَحِيحٍ، وَأَحْفَظُ مِئَتَي أَلْفِ حَدِيثٍ غَيرَ صَحِيحٍ، وَمَا أَدْخَلْتُ فِي كِتَابِ الجَامِعِ إِلَّا مَا صَحَّ، وَتَرَكْتُ الصِّحَاحَ الطِّوَالَ لِحَالِ الطُّولِ» (^٣).\nوقالَ أيضًا: «صَنَّفْتُ كِتَابِي الصَّحِيحَ فِي ستَّ عَشَرَةَ سَنَةٍ، خرَّجْتُهُ مِنْ سِتِّمِئَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ» (^٤).\n_________\n(^١) تدريب الراوي ١/ ١٠٠.\n(^٢) محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله، «١٩٤ هـ-٢٥٦ هـ»، الحافظ، صاحب «الجامع الصحيح»، من كتبه: «التاريخ»، و«الضعفاء»، و«الأدب المفرد». انظر تذكرة الحفاظ ٢/ ١٢٢، والتهذيب ٩/ ٤٧.\n(^٣) تغليق التعليق ٥/ ٤١٨، نقل هذا القول عنه محمد بن حمدويه.\n(^٤) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ١٨٥.","vol":"1","page":51},{"text":"وقالَ الإمامُ مسلمٌ (^١) «ت ٢٦١ هـ»: «صَنَّفْتُ هَذَا المُسْنَدَ الصَّحِيحَ مِنْ ثَلَاثِمِئَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ مَسْمُوعَةٍ» (^٢). وجعلَ الإمامُ مسلمٌ لكُلِّ حديثٍ موضِعًَا واحدًا جمعَ فيهِ طرقَهُ التي ارتضاهَا، واختارَ فيهَا أسانيدَهُ المتعدِّدةَ وألفاظَهُ المختلفَةَ، ليسهُلَ النظرُ في وجوهِ الحديثِ وما بينَ سندِهِ\nومتنِهِ من فروقٍ.\nوقالَ أبو داودَ (^٣) «ت ٢٧٥ هـ»: «كَتَبْتُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- خَمْسَمِئَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ، انْتَخَبْتُ مِنْهَا أَرْبَعَةَ آَلَافِ حَدِيثٍ وَثَمَانِمِئَةِ حَدِيثٍ فِي الأَحْكَامِ» (^٤).\nوالنَّسَائيُّ (^٥) «ت ٣٠٣ هـ» انتخَبَ كتابَهُ المجتبَى منْ كتابِهِ «السننُ الكبرى»، وسارَ فيهِ على طريقةٍ دقيقةٍ جمعَ إليهَا فنَّ الإسنادِ، فجمعَ أسانيدَ الحديثِ الواحدِ في موطنٍ واحدٍ.\nولمْ يخلُ مصنَّفٌ حديثيٌ منَ الاعتمادِ على السَّبرِ في إخراجِ حديثِهِ، وإظهارِهِ للنَّاسِ.\n* * *\n_________\n(^١) مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري، النيسابوري، أبو الحسين، «٢٠٤ هـ-٢٦١ هـ»، الحافظ، صاحب الصحيح، من كتبه: «المسند الكبير»، و«الكنى والأسماء»، و«الأفراد والوحدان»، و«الأقران»، وغيرها كثير. انظر تذكرة الحفاظ ٢/ ١٥٠، والتهذيب ١٠/ ١٢٦.\n(^٢) طبقات الحفاظ ١/ ٢٦٥.\n(^٣) سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني، أبو داود، «٢٠٢ هـ-٢٧٥ هـ»، صاحب السنن، أحد الكتب الستة، وله: «المراسيل»، و«الزهد»، وغيرها. انظر تذكرة الحفاظ ٢/ ١٥٢، وتاريخ بغداد ٩/ ٥٥.\n(^٤) عمدة القاري ١/ ٢٢.\n(^٥) أحمد بن علي بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار، أبو عبد الرحمن النسائي، «٢١٥ هـ-٣٠٣ هـ»، القاضي الحافظ، من كتبه «المجتنى» أحد الكتب الستة، و«الضعفاء والمتروكين»، و«خصائص علي»، و«مسند مالك». انظر تذكرة الحفاظ ٢/ ٢٤١، وشذرات الذهب ٢/ ٢٣٩.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type='title' id=toc-14>المَطْلَبُ الثَّانِي: كَشْفُ العِلَّةِ:</span>\nعِلْمُ العِلَلِ منْ أجلِّ علومِ السُّنَّة المطهَّرَةِ، لأنَّ بيانَ صِحَّةِ الحديثِ من ضعفهِ قائمٌ على هذا العلمِ الدَّقيقِ، قال الخطيبُ «ت ٦٤٣ هـ»: «مَعْرِفَةُ العِلَلِ أَجَلُّ أَنْوَاعِ عِلْمِ الحَدِيثِ» (^١).\nوكمْ منْ حديثٍ فيهِ علَّةٌ معَ أنَّ ظاهرَهُ السَّلامَةُ، وهذا لا ينكشِفُ إلا منْ خلالِ السَّبرِ لأسانيدِ الحديثِ ومتونِهِ، لأنَّ السَّبرَ كمَّا بيَّنَّا آنفًَا يكونُ للسنَدِ والمتْنِ معًَا، قال ابنُ الصلاحِ (^٢) «ت ٦٤٣ هـ»: «قَدْ تَقَعُ العِلَّةُ فِي إِسْنَادِ الحَدِيثِ وَهُوَ الأَكْثَرُ، وَقَدْ تَقَعُ فِي مَتْنِهِ، ثُمَّ مَا يَقَعُ فِي الإِسْنَادِ قَدْ يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الإِسْنَادِ وَالمَتْنِ جَمِيعًَا، وَقَدْ يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الإِسْنَادِ خَاصَّةً» (^٣).\nإنَّ سبْرَ الأَسانيدِ والمتونِ وموازنتَهَا معَ بعضِهَا البعْضِ، هيَ منْ أدقِّ ما تَوَصَّلَ إليهِ المحدِّثُونَ من مسالكَ في سبيلِ كشفِ العلَّةِ وبيانِهَا، وذلكَ لدقَّةِ العلَّةِ وخفائِهَا وغموضِهَا، فلا يمكنُ معرفتُهَا إلا بالنَّظَرِ الثَّاقبِ، والتَّفحُّصِ الدَّؤوبِ للأسانيدِ والمتونِ.\n_________\n(^١) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢٩٤.\n(^٢) عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الشهرورزي، الكردي، أبو عمرو، المعروف بابن الصلاح، «٥٧٧ هـ-٦٤٣ هـ» الإمام المحدث، من كتبه: «معرفة علوم الحديث» المعروف بمقدمة ابن الصلاح، و«طبقات الفقهاء الشافعية». انظر وفيات الأعيان ١/ ٣١٢، وشذرات الذهب ٥/ ٢٣١.\n(^٣) علوم الحديث لابن الصلاح ١/ ٩١.","vol":"1","page":53},{"text":"قال ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «المُعَلَّلُ هُوَ مِنْ أَغْمَضِ أَنْوَاعِ عُلُومِ الحَدِيثِ وَأَدَقِّهَا، وَلَا يَقُومُ بِهِ إِلَّا مَنْ رَزَقَهُ اللُه فَهْمًَا ثَاقِبًَا، وَحِفْظًَا وَاسِعًَا، وَمَعْرِفَةً تَامَّةً بِمَرَاتِبِ الرُّوَاةِ، وَمَلَكَةً قَوِيَّةً بِالأَسَانِيدِ وَالمُتُونِ» (^١). وقالَ أيضًَا: «وَتَحْصُلُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ بِكَثْرَةِ التَّتَبُّعِ وَجَمْعِ الطُّرُقِ» (^٢).\nوقدْ بيَّنَ الأئمَّةُ المحدِّثونَ أهميَّةَ السَّبر في كشفِ العلَّةِ، وبيانِ الخطأِ منَ الحديثِ، قالَ ابنُ المباركِ (^٣) «ت ١٨١ هـ»: «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ يَصِحَّ لَكَ الحَدِيثُ فَاضْرِبْ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ» (^٤).\nوقال ابنُ مَعينٍ «ت ٢٣٢ هـ»: «اُكْتُبِ الحَدِيثَ خَمْسِينَ مَرَّةً، فَإِنِّ لَهُ آَفَاتٍ كَثِيرَةً» (^٥).\nوقالَ ابنُ المَدينيِّ «ت ٢٣٤ هـ»: «البَابُ إِذَا لمْ تُجْمَعْ طُرُقُهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ خَطَؤُهُ» (^٦).\nوقالَ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ»: «فَبِجَمْعِ الرِّوَايَاتِ، وَمُقَابَلَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ يَتَمَيَّزُ صَحِيحُهَا مِنْ سَقِيمِهَا» (^٧).\nوقالَ الجوهريُّ (^٨) «ت ٣٨١ هـ»: «كُلُّ حَدِيثٍ لَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ مِئَةِ وَجْهٍ فَأَنَا فِيهِ يَتِيمٌ» (^٩).\n_________\n(^١) نزهة النظر ١٢٣ و١٢٤.\n(^٢) المصدر ذاته ص ٤٥.\n(^٣) عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، التميمي، المروزي، أبو عبد الرحمن، «١١٨ هـ-١٨١ هـ»، الحافظ من كتبه: «الجهاد»، و«الرقائق». انظر تذكرة الحفاظ ١/ ٢٥٣، والرسالة المستطرفة ص ٣٧.\n(^٤) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢٩٥.\n(^٥) المصدر السابق.\n(^٦) المصدر ذاته ٢/ ٢١٢.\n(^٧) التمييز ١/ ٢٠٩.\n(^٨) إبراهيم بن سعيد الجوهري، أبو إسحاق، «… هـ-٢٤٧ هـ»، من أئمة الحديث، روى عنه الخمسة له «المسند». انظر ميزان الاعتدال ١/ ١٨، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٨٩، والأعلام للزركلي ١/ ٤٠.\n(^٩) تاريخ بغداد ٦/ ٩٤.","vol":"1","page":54},{"text":"وقالَ الخطيبُ البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ»: «السَّبِيلُ إِلَى مَعْرِفَةِ عِلَّةِ الحَدِيثِ أَنْ يُجْمَعَ بَينَ طُرُقِهِ وَيُنْظَرَ فِي اخْتِلَافِ رُوَاتِهِ، وَيُعْتَبَرَ بِمَكَانِهِمْ مِنَ الحِفْظِ وَمَنْزِلَتِهِمْ فِي الإِتْقَانِ وَالضَّبْطِ» (^١).\nوقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَالطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ العِلَلِ: جَمْعُ طُرُقِ الحَدِيثِ، والنَّظرُ في اختلافِ رواتِهِ، وفي ضبطِهِم وإتقانِهِم، فَيَقَعُ فِي نَفْسِ العَالِمِ العَارِفِ بِهَذَا الشَّانِ أَنَّ الحَدِيثَ مَعْلُولٌ، وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ فَيَحْكُمُ بِعَدَمِ صِحَّتِهِ، أَوْ يَتَرَدَّدُ فَيَتَوَقَّفُ فِيهِ» (^٢).\nوقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالسَّبِيلُ إِلَى مَعْرِفَةِ سَلَامَةِ الحَدِيثِ مِنَ العِلَّةِ أَنْ يَجْمَعَ بَينَ طُرُقِهِ، فَإِنِ اتَّفَقَتْ رُوَاتُهُ وَاسْتَوُوا ظَهَرَتْ سَلَامَتُهُ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا أَمْكَنَ ظُهُورُ العِلَّةِ، فَمَدَارُ التَّعْلِيلِ فِي الحَقِيقَةِ عَلَى بَيَانِ الاِخْتِلَافِ» (^٣).\nفالتَّفرُّدُ، والمخالفةُ، والقرائنُ المرجِّحةُ هيَ السُّبلُ لإدراكِ علَّةِ الحديثِ، وهذهِ الثَّلاثةُ معتمدُهَا السَّبرُ وتتبُّعُ الطُّرقِ.\nقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَيُسْتَعَانُ عَلَى إِدْرَاكِهَا بِتَفَرُّدِ الرَّاوِي، وَبِمُخَالَفَةِ غَيرِهِ لَهُ، وَمَعَ قَرَائِنَ تَنْضَمُّ إِلَى ذَلِكَ، تُنَبِّهُ العَارِفَ بِهَذَا الشَّانِ» (^٤).\n_________\n(^١) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢٩٥.\n(^٢) علوم الحديث لابن الصلاح ١/ ٨٩، واختصار علوم الحديث ١/ ٢٠٠.\n(^٣) النكت على مقدمة ابن الصلاح لابن حجر ص ٢٩٥.\n(^٤) مقدمة ابن الصلاح ص ٨٩. وبنحوه قال العراقي في التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٦.","vol":"1","page":55},{"text":"وقدْ دعا الأئمَّةُ منَ المحدِّثينَ إلى كثرةِ مجالسةِ العلماءِ، وعدمِ الاقتصارِ على واحدٍ منهم، لينكشفَ بتعدُّدِ المجالسِ والرِّواياتِ زَللُ الرَّاوي، وخطأُ الرِّوايةِ، قالَ السَّختيانيُّ (^١) «ت ١٣١ هـ»: «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ خَطَأَ شَيخِكَ فَجَالِسْ غَيرَهُ» (^٢)، وقالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» مبيِّنًا فوائدَ مجالسِ الإملاءِ: «وَمِنْ فَوَائِدِهَا: اعْتِنَاءُ الرَّاوِي بِطُرُقِ الحَدِيثِ، وَشَوَاهِدِهِ، وَمُتَابِعِهِ، وَعَاضِدِهِ، بِحَيثُ بِهَا يَتَقَوَّى، وَيَثْبُتُ لِأَجْلِهَا حُكْمُهُ بِالصِّحَّةِ أَوْ غَيرِهَا، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيهَا إِظْهَارُ الخَفِيِّ مِنَ العِلَلِ، وَيُهذِّبُ الَّلفْظَ مِنَ الخَطَأِ» (^٣).\nولهذَا لمْ ينبرِ لهذَا العلمِ إلا قلَّةٌ منْ جهابذَةِ أئمَّةِ الحديثِ، ولمْ يبرز فيهِ إلا قلائلُ منْ أصحابِ هذا الشَّأنِ، كابن المَدينيِّ، وابن مَعينٍ، وابنِ حنبلٍ، وأبي زُرعةَ (^٤)، وأبي حاتِمٍ (^٥)، وأصحابِ الكتبِ السِّتَّةِ، وأبي بكرٍ البزَّارِ (^٦)، والدَّارقُطنيِّ (^٧).\n_________\n(^١) أيوب بن أبي تميمة، كيسان السختياني، البصري، أبو بكر، «٦٦ هـ-١٣١ هـ»، تابعي، فقيه، حافظ، رُوي عنه نحو ٨٠٠ حديث. انظر حلية الأولياء ٣/ ٣، والتهذيب ١/ ٢٩٧.\n(^٢) سنن الدارمي ١/ ١٦١/ ٦٤٣، نقله عنه سلَّام بن سليم.\n(^٣) فتح المغيث ٢/ ٣٣٤.\n(^٤) عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ المخزومي، أبو زرعة الرازي، «٢٠٠ هـ-٢٦٤ هـ»، الحافظ، له «مسند». انظر تذكرة الحفاظ ٢/ ١٢٤، والتهذيب ٧/ ٣٠.\n(^٥) محمد بن إدريس بن المنذر بن داود، أبو حاتم الرازي، «١٩٥ هـ-٢٧٧ هـ»، الحافظ، من كتبه: «طبقات التابعين»، و«أعلام النبوة». انظر الرسالة المستطرفة ص ١٠٤، والأعلام للزركلي ٦/ ٢٧.\n(^٦) أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، أبو بكر البزار، «… - ٢٩٢ هـ»، البصري، الحافظ، من علماء الحديث، صاحب المسند المسمى ب «البحر الزخار». انظر طبقات المحدثين بأصبهان ٣/ ٣٨٦، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٦٥٣.\n(^٧) علي بن عمر بن أحمد بن مهدي، أبو الحسن الدراقطني، «٣٠٦ هـ - ٣٨٥ هـ» - إمام عصره في الحديث والعلل، من تصانيفه: «السنن»، و«العلل الواردة في الأحاديث النبوية»، و«المؤتلف والمختلف». انظر طبقات الشافعية ٢/ ٣١٠، ووفيات الأعيان ١/ ٣٣١، والأعلام للزركلي ٤/ ٣١٤.","vol":"1","page":56},{"text":"قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «اِعْلَمْ أَنَّ مَعْرِفَةَ عِلَلِ الحَدِيثِ مِنْ أَجَلِّ عُلُومِ الحَدِيثِ وَأَدَقِّهَا وَأَشْرَفِهَا، وَإِنَّمَا يَضْطَلِعُ بِذَلِكَ أَهْلُ الحِفْظِ والخِبْرَةِ وَالفَهْمِ الثَّاقِبِ» (^١).\nوقالَ الحافظُ العَلائِيُّ «ت ٧٦١ هـ» بعدَ بيانِ عللِ الأحاديثِ: «التَّعْلِيلُ أَمْرٌ خفَيٌّ لَا يَقُومُ بِهِ إِلَّا نُقَّادُ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ دُونَ الفُقَهَاءِ الَّذِينَ لَا اطِّلَاعَ لَهمْ عَلَى طُرُقِهِ وَخَفَايَاهَا» (^٢).\nوَدِقَّةُ المحدِّثينَ هيَ التي دعتْ ابنَ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» للقَولِ: «وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ عِظَمُ مَوقِعِ كَلَامِ الأَئِمَّةِ المُتَقَدِّمِينَ، وَشِدَّةِ فَحْصِهِمْ، وَقُوَّةِ بَحْثِهِمْ، وَصِحَّةِ نَظَرِهِمْ وَتَقَدُّمِهِمْ بِمَا يُوجِبُ المَصِيرَ إِلَى تَقْلِيدِهِمْ فِي ذَلِكَ وَالتَّسْلِيمِ لَهُمْ فِيهِ» (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) علوم الحديث لابن الصلاح ١/ ٨١.\n(^٢) نكت ابن حجر على ابن الصلاح ٢٩٧.\n(^٣) المصدر ذاته.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type='title' id=toc-15>المَطْلَبُ الثَّالِثُ: الوُقُوفُ عَلَى فَائِدَةٍ، أَوْ زِيَادَةِ مَعْنَىً:</span>\nفمنْ خلالِ سبرِ الأسانيدِ والمتونِ ومقارنتِهَا ببعضهَا، يتَّضحُ الزَّائدُ في الحديثِ، سواءً كانتْ هذهِ الزِّيادةُ زيادةَ فائدَةٍ أو زيادَةً في المعنى، والوقوفُ على معنىً زائدٍ، أو على فائدةٍ في الحديثِ لا تقتصرُ على المتنِ فحسب، وإنَّما تشملُ السَّندَ والمتنَ معًا، وإنْ كانت في المتنِ أكثرُ، وقدْ أشارَ الإمامُ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ» إلى ذلكِ في مقدمةِ صحيحهِ، فقالَ: «وَإِنَّا نَعْمَدُ إِلَى جُمْلَةِ مَا أُسْنِدَ مِنَ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَنُقَسِّمُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، وَثَلَاثِ طَبَقَاتٍ مِنَ النَّاسِ عَلَى غَيرِ تَكْرَارٍ، إِلَّا أَنْ يَاتِيَ مَوضِعٌ لَا أَسْتَغْنِي فِيهِ عَنْ تَرْدَادِ حَدِيثٍ فِيهِ زِيَادَةُ مَعْنَىً، أَوْ إِسْنَادٍ يَقَعُ إِلَى جَنْبِ إِسْنَادٍ لِعِلَّةٍ تَكُونُ هِنَاكَ؛ لِأَنَّ المَعْنَى الزَّائِدَ فِي الحَدِيثِ المُحْتَاجِ إِلَيهِ يَقُومُ مَقَامَ حَدِيثٍ تَامٍّ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ الحَدِيثِ الذِي فِيهِ مَا وَصَفْنَا مِنَ الزِّيَادَةِ، أَوْ أَنْ يُفَصِّلَ ذَلِكَ المَعْنَى مِنْ جُمْلَةِ الحَدِيثِ عَلَى اخْتِصَارِهِ إِذَا أَمْكَنَ» (^١).\nفزيادةُ المعنى التي ذكرَهَا الإمامُ مسلمٌ ﵀ هيَ التي تتكشَّفُ من خلالِ سَبرِ الأسانيدِ وجمعِ المتونِ وموازنتِهَا، ولكنْ حتَّى تكونَ هذهِ الزِّيادةُ معتبرةً لا بدَّ من صحَّةِ السَّندِ الموصِلِ إليهَا، وثقةِ الرَّاوي الذي جاءَ بهَا.\n_________\n(^١) مقدمة صحيح مسلم ١/ ٤.","vol":"1","page":58},{"text":"قالَ شعبةُ بنُ الحجَّاجِ (^١) «ت ١٦٠ هـ»: «إِنَّمَا يُعْلَمُ صِحَّةُ الحَدِيثِ بِصِحَّةِ الإِسْنَادِ» (^٢).\nوقال يحيى القطَّانُ (^٣) «ت ١٩٨ هـ»: «لَا تَنْظُرُوا إِلَى الحَدِيثِ، وَلَكِنِ انْظُرُوا إِلَى الإِسْنَادِ، فَإِنْ صَحَّ الإِسْنَادُ وَإِلَّا فَلَا تَغْتَرَّ بِالحَدِيثِ إِذَا لَمْ يَصِحَّ الإِسْنَادُ» (^٤).\nوقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في «الفتحِ»: «المُتَعَيِّنُ عَلَى مَنْ يَتَكَلَّمُ عَلَى الأَحَادِيثِ أَنْ يَجْمَعَ طُرُقَهَا، ثُمَّ يَجْمَعَ أَلْفَاظَ المُتُونِ إِذَا صَحَّتِ الطُّرُقُ، وَيَشْرَحَهَا عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فَإِنَّ الحَدِيثَ أَولَى مَا فُسِّرَ بِالحَدِيثِ» (^٥).\nوهوَ الشَّرطُ الذي اشترطَهُ في «الفتحِ»، فقالَ: «أَسْتَخْرِجُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي ذَلِكَ الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ المَتْنِيَّةِ وَالإِسْنَادِيَّةِ، مُنْتَزِعًَا كُلَّ ذِلَكَ مِنْ أُمَّهَاتِ المَسَانِيدِ وَالجَوَامِعِ وَالمُسْتَخْرَجَاتِ وَالأَجْزَاءِ وَالفَوَائِدِ، بِشَرْطِ الصِّحَّةِ أَوِ الحُسْنِ فِيمَا أُورِدُهُ مِنْ ذَلِكَ» (^٦).\nوالحديثُ لا يُحاطُ بمعانيهِ ولا تُدركُ مغازِيهِ، إلا حينمَا نَجمعُ بينَ ألفاظِهِ، قالَ ابنُ مَعينٍ «ت ٢٣٢ هـ»: «لَو لم نَكْتُبِ الحَدِيثَ مِنْ ثَلَاثِينَ وَجْهًا مَا عَقَلْنَاهُ» (^٧).\n_________\n(^١) شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، الأزدي، الواسطي ثم البصري، أبو بسطام، «٨٢ هـ-١٦٠ هـ»، من أئمة الحديث رواية ودراية، له كتاب «الغرائب» في الحديث. انظر التهذيب ٤/ ٣٣٨، والرسالة المستطرفة ص ٨٥.\n(^٢) التمهيد لابن عبد البر ١/ ٥٧.\n(^٣) يحيى بن سعيد بن فروخ القطان، التميمي، أبو سعيد، «١٢٠ هـ-١٩٨ هـ»، الحافظ، له كتاب «المغازي». انظر تذكرة الحفاظ ١/ ٢٧٤، والتهذيب ١١/ ٢١٦.\n(^٤) الجامع لأخلاق الراوي ١٣٠١.\n(^٥) فتح الباري ٦/ ٤٧٥.\n(^٦) انظر مقدمة فتح الباري ١/ ٤.\n(^٧) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢١٢.","vol":"1","page":59},{"text":"وقالَ ابنُ دقيقٍ (^١) «ت ٧٠٢ هـ»: «عَلَى طَالِبِ التَّحْقِيقِ أَنْ يَجْمَعَ طُرُقَ الحَدِيثِ، وَيُحْصِيَ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ فِيهِ، وَيَاخُذَ بِالزَّائِدِ فَالزَّائِدِ، فَإِنَّ الأَخْذَ بِالزَّائِدِ وَاجِبٌ» (^٢).\nوعقَّبَ الشَّوكانيُّ (^٣) «ت ١٢٥٠ هـ» على قولِهِ قائلًا: «فَجَمَعْنَا مِنْ طُرُقِ الحَدِيثِ مَا تَدْعُو الحَاجَةُ إِلَيهِ، وَتَظْهَرُ لِلاِخْتِلَافِ فِي أَلْفَاظِهِ مَزِيدُ فَائِدَةٍ، وَعَمِلْنَا بِالزَّائِدِ فَالزَّائِدِ مِنْ أَلْفَاظِهِ» (^٤).\nوَكَمْ لَفظَةٍ غريبَةٍ أو مُصحَّفةٍ في متن حديثٍ وَرَدتْ مُفسَّرَةً ومضبوطَةً في حديثٍ آخرَ وَكَمْ من حديثٍ مُشْكِلٍ زالَ إشكَالُهُ بروايَةٍ أُخْرَى، أو علَّةٍ أصوليَّةٍ لا تستبينُ إلا منْ خلالِ روايةٍ أخرى تبيِّنُ سببَ ورودِ الحديثِ والواقعةَ التي نشَأ لأجلهَا، وقدْ يكونُ عامًَّا في حديثٍ وله مخصِّصٌ في آخرَ، أو مُطلقًا وله مُقيِّدٌ، أو مُجملًا ومُبيَّنًا في آخر، ورُبَّ اسمٍ مُبهمٍ وردَ في حديثٍ وجاءَ مصرَّحًا بهِ في آخرَ، أو تكونُ فيهِ زيادَةُ ثقةٍ تأتي بزيادَةِ معنَىً وفائدَةٍ … الخ.\nقالَ ابنُ حنبلٍ: «٢٤١ هـ»: «الحَدِيثُ إِذَا لَمْ تُجْمَعْ طُرُقُهُ لَمْ تَفْهَمْهُ، وَالحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًَا» (^٥).\n_________\n(^١) محمد بن علي بن وهب بن مطيع، أبو الفتح، المعروف ب «ابن دقيق العيد»، «٦٢٥ هـ-٧٠٢ هـ»، من كتبه: «إحكام الأحكام»، و«الإلمام بأحاديث الأحكام». انظر الدرر الكامنة ٤/ ٩١، والأعلام ٦/ ٢٨٣.\n(^٢) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ٢/ ٤.\n(^٣) محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني، «١١٧٣ هـ-١٢٥٠ هـ»، فقيه، له ١١٤ كتابًا، منها «نيل الأوطار»، و«الفوائد في الأحاديث الموضوعة». انظر البدر الطالع ٢/ ٢١٤، والأعلام للزركلي ٦/ ٢٩٨.\n(^٤) انظر نيل الأوطار ٢/ ٢٩٧ «بتصرف»، وقد اعتمد الشوكاني هذه القاعدة في كتابه، وأشار إليها في مواطن عدة، انظر المواضع الآتية ٢/ ١٨٧، و٢/ ٢٣١، و٢/ ٢٩٨، و٢/ ٣١٦، و٢/ ٣٤٨.\n(^٥) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢١٢.","vol":"1","page":60},{"text":"وقالَ الأثرمُ (^١) «ت ٢٦١ هـ»: «الأَحَادِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًَا، وَيُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًَا» (^٢).\nوقال ابنُ دقيقٍ العيدِ «ت ٧٠٢ هـ»: «الحَدِيثُ إِذَا اجْتَمَعَتْ طُرُقُهُ فَسَّرَ بَعْضُهَا بَعْضًَا» (^٣).\nوقالَ أبو زُرعةَ (^٤) «ت ٨٢٦ هـ»: «وَالحَدِيثُ إِذَا جُمِعَتْ طُرُقُهُ تَبَيَّنَ المُرَادُ مِنْهُ، وَلَيسَ لَنَا أَنْ نَتَمَسَّكَ بِرِوَايَةٍ وَنَتْرُكَ بَقِيَّةَ الرِّوَايَاتِ» (^٥).\nوَهَذَا في المتنِ، أمَّا الإسنادُ فتتمخَّضُ عنهُ من خلالِ السَّبرِ فوائدُ عدَّةٌ، كتقويَةِ الأحاديثِ بعضهَا ببعضٍ، وقد يردُ حديثٌ مُنقطعٌ أو مُرسلٌ ويأتي في آخرَ متَّصِلًا، أو موقوفٌ أو مقطوعٌ وفي آخرَ مرفوعًا، أو إسنادٌ نازلٌ وفي آخرَ عاليًا، وبه - أي بالسَّبرِ - يتميَّزُ المتواتِرُ من المشهورِ من الآحادِ، وتُرفَعُ الجهالةُ عن الرَّاوي، وكذلِكَ الإبهامُ، ويُعرَفُ المشْتَبِهُ من الرُّوَاةِ، ويتَّضحُ المزيدُ في متَّصلِ الأسانيدِ … الخ.\nقالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ» مبيِّنًا الوجهَ الثَّاني لمعرفَةِ صحَّةِ الحديثِ وسِقَمِهِ: «وَالوَجْهُ الثَّانِي: مَعْرِفَةُ مَرَاتِبِ الثِّقَاتِ، وَتَرْجِيحُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ الاِخْتِلَافِ، إِمَّا فِي الإِسْنَادِ، وَإِمَّا فِي الوَصْلِ وَالإِرْسَالِ، وَإِمَّا فِي الوَقْفِ وَالرَّفْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الذِي يَحْصُلُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَإِتْقَانِهِ وَكَثْرَةِ مُمَارَسَتِهِ الوُقُوفُ عَلَى دَقَائِقِ عِلَلِ الحَدِيثِ» (^٦).\n* * *\n_________\n(^١) أحمد بن محمد بن هانئ الطائي، الكلبي، الإسكافي، أبو بكر الأثرم، «… -٢٦١ هـ»، من حفاظ الحديث، له كتاب في «علل الحديث»، وآخر في «السنن»، و«ناسخ الحديث ومنسوخه». انظر تذكرة الحفاظ ٢/ ١٣٥.\n(^٢) ناسخ الحديث ومنسوخه ص ٢٥١.\n(^٣) إحكام الأحكام ١/ ١١٧.\n(^٤) أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين العراقي، ولي الدين، أبو زرعة، «٧٦٢ هـ-٨٢٦ هـ»، انتفع بأبيه، ودرَّس في حياته، من تصانيفه: «الإطراف بأوهام الأطراف»، و«تكملة طرح التثريب»، و«تحفة التحصيل في ذكر المراسيل» وغيرها. انظر طبقات الشافعية ٤/ ٨٠، والضوء اللامع ١/ ٣٣٦.\n(^٥) طرح التثريب ٧/ ١٦٩.\n(^٦) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٦٣.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type='title' id=toc-16>المَطْلَبُ الرَّابِعُ: الحُكْمُ عَلَى الرِّجَالِ، وَالاِعْتِبَارُ بِمَرْوِيَّاتِ الرُّوَاةِ:</span>\nمنْ أغراضِ سبرِ الأحاديثِ، الحُكْمُ على الرِّجَالِ مِنَ الرُّوَاةِ، أو على مرويَّاتِهِم، منْ خِلالِ عرضهَا على مرويَّاتِ الثِّقاتِ، فإنْ وافقتْ مرويَّاتُ الرَّاوي أحاديثَ الثِّقاتِ حُكمَ على الراوي بأنَّه ضابطٌ، وحُكِمَ على مرويَّاتِهِ بالقبولِ.\nويجبُ أنْ يتوفَّرَ في الرَّاوي شرطَا العَدالةِ والضَّبطِ حتى يُحكمَ عليهِ وعلى مرويَّاتِهِ بالقبولِ، فقدْ يكونُ الرَّاوي في نفسِهِ صدوقًَا، لكنَّهُ ضعيفُ الضَّبطِ، فهذا يُكتبُ حديثُهُ للاعتبارِ بمرويَّاتِ الثِّقاتِ، والحُكْمُ من خلالها على ضبطِهِ.\nوقدْ يكونُ غيرَ ثقةٍ بتنصيصِ العلماءِ على ذلكَ، فهذا لا يُطرحُ حديثُهُ ولا يُرَدُّ، وإنَّمَا يُكتَبُ حديثُهُ للاعتبَارِ، أي: للعَرضِ على مرويَّاتِ الثِّقاتِ، وبيانِ مدى موافقتِهِ أو مخالفتِهِ لمرويَّاتِ الثِّقاتِ، ومنْ خلالِ السَّبرِ يتِمُّ الحكمُ على مرويَّاتِ الرَّاوي بالقبولِ أو الرَّدِّ.\nولِذَا فالحكمُ على الرِّجالِ من خلالِ السَّبر، يختلفُ عنِ الحُكمِ على مرويَّاتِهم مِنْ خلالِهِ ويجتمعانِ ويفترقانِ، فلا يلزمُ من عدالةِ الرَّاوي ضبطُهُ، لأنَّهُ قد يطرأُ على الثِّقةِ ما يُخِلُّ في ضبطِهِ منْ اختلاطٍ بسببِ ضعفٍ أو مرضٍ واحتراقِ كتبٍ … الخ، وغالبًا ما يكونُ الرَّاوي الضَّابطُ عدلًا، فلا بُدَّ من التَّمييزِ بينَ الأمرينِ:\nالنُّقْطَةُ الأُولَى: الحُكْمُ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:\nإنَّ تمييزَ الرُّواةِ الثِّقاتِ منَ الضعفاءِ، يتمُّ بإحدى ثلاثِ طرقٍ:","vol":"1","page":62},{"text":"أولًا: تنصيصُ العلماءِ: ممنْ خَبَرَ حالَ الرُّواةِ وعاصرهُمْ، وهذا لا بدَّ فيهِ من الإدراكِ والمعاصرةِ.\nثانيًا: جمعُ أقوالِ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ، والموازنَةُ بينهَا، وهذَا عملُ المتأخِّرينَ كالذَّهبيِّ وابنِ حجرٍ وغيرهِمَا.\nثالثًا: سَبْرُ حَدِيثِهِ ومقارنَتُهُ معَ أحاديثِ الثِّقاتِ، وهو المقصودُ من بحثنَا هذَا.\nلمْ يقتصِرْ منهجُ المتقدِّمينَ في الحكمِ على الرِّجالِ على التَّنصيصِ، وإنَّما كانَ جُلُّ اعتمادهِمْ في الحكمِ على الرَّاوي أو لَهُ، والاعتدادُ بمرويَّاتِهِ أو طرحُهَا، هو سَبرُ حديثهِ ومقارنتُهُ معَ أحاديثِ الثِّقاتِ، والحكمُ على الرِّجالِ منْ خلالِ السَّبرِ فرعٌ عنِ الاعتبارِ بمرويَّاتِهِ، لأنَّهم يوَثِّقُونَ من عُرِفَ بالعدالَةِ وكانتْ جُلُّ أحاديثِهِ مستقيمةً، حتى يغلبَ على الظنِّ أن الاستقامةَ مَلَكَةٌ لذلكَ الرَّاوي، وغالبُ أحكامِ الأئمَّةِ على الرُّواةِ مبنيَّةٌ على السَّبرِ، حتَّى فيمنْ عاصروهُم، وشهدُوا على دينهِمْ واستقامتهِم، قال مسلم «ت ٢٦١ هـ»: «فَبِجَمْعِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَمُقَابَلَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ … تَتَبَيَّنُ رُوَاةُ ضِعَافِ الأَخْبَارِ مِنْ أَضْدَادِهِمْ مِنَ الحُفَّاظِ، وَلِذَلِكَ أَضْعَفُ أَهْلِ المَعْرِفَةِ بِالحَدِيثِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بنُ أَبِي خَثْعَمٍ وَأَشْبَاهِهِ مِنْ نَقَلَةِ الأَخْبَارِ، لِرِوَايَتِهِمُ الأَحَادِيثَ المُسْتَنْكَرَةَ التِي تُخَالِفُ رِوَايَاتِ الثِّقَاتِ المَعْرُوفِينَ مِنَ الحُفَّاظِ» (^١).\n_________\n(^١) التمييز ١/ ٢٠٩.","vol":"1","page":63},{"text":"وقالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ»: «الإِنْصَافُ فِي نَقَلَةِ الأَخْبَارِ: اِسْتِعْمَالُ الاِعْتِبَارِ فِيمَا رَوَوا» (^١).\nوكثيرًا ما يردُ على ألسنَةِ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ القَولُ في الرَّاوي: «فلانٌ يُعتبرُ بِهِ»، «فلانٌ يصلحُ للاعتبارِ». وهو حُكْمٌ للرَّاوي بعدمِ طرحِ حديثهِ، حتى ينظرَ فيهِ ويعلمَ موافقتَهُ من مخالفتِهِ للأثباتِ منَ الرُّواةِ.\nكما إنَّ بعضًَا منَ الرُّواةِ لَم يردْ فيهمْ جرحٌ أو تعديلٌ، ولا يُعرَفُ فيهمْ ما يرفَعُ جهالَة حالهِم، فترتفِعُ الجهالَةُ عنِ الرَّاوي منهُم بروايَةِ اثنينِ عنهُ، وهذا لا يُدرَكُ إلا بسَبْرِ حديثِهِ، ومعرفَةِ من روى عنْهُ، معَ أنَّ ارتفاعَ الجهالةِ عن الرَّاوي لا تعنِي عدالَتَهُ، وعدالَتُهُ إنَّما تُعرفُ بتنصِيصِ العلماءِ وشهودهِمْ لهُ بذلكَ، ولا تستبينُ بالسَّبرِ كمَا سيأتي بيانُهُ (^٢).\nوقد أشارَ لهذهِ القاعدةِ ابنُ عديٍّ «ت ٣٦٥ هـ» في ترجمَةِ ابنِ أبي الأشرسِ، فقالَ: «لَهُ غَيرُ مَا ذَكَرْتُ مِنَ الحديثِ، وَقَدْ سَبَرْتُ رِوَايَاتِهِ، فَلَمْ أَرَ بِهَا بَاسًَا، وَأَمَّا رَدَاءَةُ دِينِهِ فَهُمْ أَعْلَمُ بِهِ» (^٣).\nوقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَيُعْرَفُ كَونُ الرَّاوِي ضَابِطًَا بِأَنْ تُعْتَبَرَ رِوَايَاتِهِ بِرِوَايَاتِ الثِّقَاتِ المَعْرُوفِينَ بِالضَّبْطِ وَالإِتْقَانِ، فَإِذَا وَجَدْنَا رِوَايَاتِهِ مُوَافِقَةً-وَلَو مِنْ حَيثُ المَعْنَى- لِرِوَايَاتِهِمْ، أَوْ مُوَافِقَةً لَها فِي الأَغْلَبِ، وَالمُخَالَفَةُ نَادِرَةٌ، عَرَفْنَا حِينَئِذٍ\n_________\n(^١) مقدمة صحيح ابن حبان ١/ ١٥٤.\n(^٢) انظر ص ١٦٨، وما بعدها.\n(^٣) الكامل لابن عدي ٢/ ٤٢٤/ ٥٢٤.","vol":"1","page":64},{"text":"كَونَهُ ضَابِطًَا وَثَبْتًَا، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ كَثِيرَ المُخَالَفَةِ لَهمْ عَرَفْنَا اخْتِلَالَ ضَبْطِهِ وَلَمْ نَحْتَجَّ بِحَدِيثِهِ» (^١).\nوقال الزَّركشيُّ (^٢) «ت ٧٩٤ هـ»: «يَنْبَغِي أَنْ يُسْبَرَ حَالُ الشَّخْصِ فِي الرِّوَايَةِ بَعْدَ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ» (^٣).\nوَعَلى هذا فضبطُ الراوي واستقامَةُ حديثِهِ تُعرفُ بعرضِ رواياتِهِ على رواياتِ الثِّقاتِ، ليتبينَ قدرُ موافقتِهِ أو مخالفتِهِ أو تفرُّدِهِ، ويُعتبرُ حالُهُ في الإتقانِ بقدرِ ما وافقَ الثِّقاتَ، وحالُهُ في الجرحِ بحسبِ ما تفرَّدَ بهِ، أو خالفَ فيهِ الثِّقَاتِ، أو وافقَ المجروحينَ.\nقالَ الشَّافعيُّ (^٤) «ت ٢٠٤ هـ»: «يُعْتَبَرُ عَلَى أَهْلِ الحَدِيثِ بَأَنْ إِذَا اشْتَرَكُوا فِي الحَدِيثِ عَنِ الرَّجُلِ، بِأَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَى حِفْظِ أَحَدِهِمْ بِمُوَافَقَةِ أَهْلِ الحِفْظِ، وَعَلَى خِلَافِ حِفْظِهِ بِخِلَافِ حِفْظِ أَهْلِ الحِفْظِ لَهُ» (^٥).\n_________\n(^١) علوم الحديث لابن الصلاح ١/ ١٠٦.\n(^٢) محمد بن بهادُر بن عبد الله، أبو عبد الله، بدر الدين الزركشي، «٧٤٥ هـ-٧٩٤ هـ»، فقيه وأصولي، من تصانيفه: «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة»، و«التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح». انظر الدرر الكامنة ٣/ ٣٩٧، والرسالة المستطرفة ص ١٤٢.\n(^٣) النكت على مقدمة ابن الصلاح ١/ ٢٧١.\n(^٤) محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، الهاشمي، القرشي، المطلبي، أبو عبد الله، «١٥٠ هـ - ٢٠٤ هـ»، أحد الأئمة الأربعة، صاحب المذهب، من كتبه: «السنن»، و«الرسالة»، و«اختلاف الحديث». انظر تذكرة الحفاظ ١/ ٣٢٩، وتهذيب التهذيب ٩/ ٢٥، والأعلام ٦/ ٢٦.\n(^٥) الرسالة للشافعي ١/ ٣٨٣.","vol":"1","page":65},{"text":"وقالَ الذَّهبيُّ (^١) «ت ٧٤٨ هـ»: «أَكْثَرُ المُتَكَلَّمِ فِيهِمْ مَا ضَعَّفَهُمُ الحُفَّاظُ إِلَّا لِمُخَالَفَتِهِمُ الأَثْبَاتِ» (^٢).\nوقدْ أشارَ المُعَلِّميُّ (^٣) «ت ١٣٨٦ هـ» لهذهِ القاعدةِ في التَّنكيلِ، فقالَ: «مِنَ الأَئِمَّةِ مَنْ لَا يُوَثِّقُ مَنْ تَقَدَّمَهُ حَتَّى يَطَّلِعَ عَلَى عِدَّةِ أَحَادِيثَ لَهُ تَكُونُ مُسْتَقِيمَةً، وَتَكْثُرُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ\nأَنَّ الاِسْتِقَامَةَ كَانَتْ مَلَكَةً لِذَلِكَ الرَّاوِي، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جُلَّ اعْتِمَادِهِمْ فِي التَّوثِيقِ وَالجَرْحِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبْرِ حَدِيثِ الرَّاوِي» (^٤).\nالنُّقْطَةُ الثَّانِيَةُ: الاِعْتِبَارُ بِمَرْوِيَّاتِ الرَّاوِي:\nالضَّابطُ الذي وضعهُ أئمَّةُ الحديثِ لقَبولِ مَرويَّاتِ الرَّاوي، هو موافقتُهَا لمرويَّاتِ الأثباتِ مِنَ الرُّواةِ، فبقدرِ الاتِّفاقِ والاختلافِ يتمُّ القبولُ أو الرَّدُّ، وبهذا المنهجِ النَّقديِّ يتميَّزُ المقبولُ من المردودِ من الأحاديثِ، فإذا كانَ الرَّاوي عدلًا مُستقيمًا، عُرضَت مرويَّاتُهُ على مرويَّاتِ الثِّقاتِ لمعرفةِ حالِ روايتِهِ، ومدى ضبطهِ لمرويَّاتهِ.\n_________\n(^١) محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز، شمس الدين الذهبي، أبو عبد الله «٦٧٣ هـ - ٧٤٨ هـ» - الحافظ، المؤرخ، ولد وتوفي في دمشق، له ما يقرب من مئة مصنف، منها: «الكاشف»، و«ميزان الاعتدال»، و«سير أعلام النبلاء»، و«تذكرة الحفاظ»، و«الموقظة» في المصطلح. انظر الدرر الكامنة ٣/ ٣٣٦، وذيل تذكرة الحفاظ ١/ ٣٤.\n(^٢) الموقظة في علم مصطلح الحديث للذهبي ص ٥٢.\n(^٣) عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن محمد المُعَلِّمي، العُتْمي، «١٣١٣ هـ-١٣٨٦ هـ»، من كتبه: «التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل»، و«الأنوار الكاشفة». انظر الأعلام للزركلي ٣/ ٣٤٢.\n(^٤) التنكيل للمعلمي ١/ ٦٦.","vol":"1","page":66},{"text":"قال ابنُ معينٍ «ت ٢٣٢ هـ»: «قَالَ لِي إِسْمَاعِيلُ بنُ عُلَيَّةَ يَومًَا: كَيفَ حَدِيثِي؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ مُسْتَقِيمُ الحَدِيثِ، قَالَ: فَقَالَ لِي: وَكَيفَ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ؟ قُلْتُ لَهُ: عَارَضْنَا بِهَا أَحَادِيثَ النَّاسِ، فَرَأَينَاهَا مُسْتَقِيمَةً» (^١).\nأمَّا إذا كانَ الرَّاوي أقلَّ من الثِّقةِ رُتبةً، وأعلى منْ شديدِ الضَّعفِ، أي: محتملَ الضَّعفِ فهذا يُكتبُ حديثُهُ للاعتبارِ، ومعنى ذلكَ: أنَّ مروياتِهِ لا تُطرحُ ولا تُردُّ جملةً، وإنَّما تُكتبُ للنَّظرِ فيهَا ومعارضتِهَا بأحاديثِ الثِّقاتِ، فما وافقَ منها قُبِلَ، وما خالفَ منها رُدَّ، ومنهُ قولهم في مرويَّاتِ الرَّاوي: «اعْتَبَرْتُ حَدِيثَهُ فَوَجَدْتُّهُ صَالِحَ الحَدِيثِ، وَلَمْ أَجِدْ فِي حَدِيثِهِ حَدِيثًَا مُنْكَرًَا» (^٢).\nوبهذا نُدركُ أهميَّة السَّبرِ عندَ المحدثينَ، كأساسٍ يقومُ عليهِ عملُهُم في التَّصحيحِ والتَّضعيفِ، والجرحِ والتعديلِ، فمدارُ هذا العلمِ عليهِ، وعمودُهُ الفِقريُّ الذي يقومُ بهِ.\nقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَعَجِيبٌ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ عَنِ الحَدِيثِ فَيَرُدُّ مَا فِيهِ صِرِيحًَا بِالأَمْرِ المُحْتَمَلِ، وَمَا سَبَبُ ذَلِكَ إِلَّا إِيثَارُ الرَّاحَةِ بِتَرْكِ تَتَبُّعِ طُرُقِ الحَدِيثِ، فَإِنَّهَا طَرِيقٌ تُوصِلُ إِلَى الوُقُوفِ عَلَى المُرَادِ غَالِبًَا» (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) معرفة الرجال ٢/ ٣٩.\n(^٢) انظر الكامل لابن عدي ٤/ ٨٢. وسيأتي تفصيل من يكتب حديثه من الرواة للاعتبار، والمرويات الصالحة للاعتبار في مبحث «أثر السبر في الحكم على مرويات الرجال». انظر ص\n(^٣) فتح الباري ١٢/ ٢٢٢.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type='title' id=toc-17>المِبْحَثُ الثَّالِثُ: شُبُهَاتٌ وَإِشْكَالاتٌ:</span>\nمنْ خلالِ مبحثِ - أهميَّةِ السَّبرِ وأقوالِ العلماءِ فيهِ - تتجلَّى لنَا ثلاثُ مسائلَ مهمَّةٍ، وكلُّ واحدةٍ منْ هذهِ المسائلِ تُزِيلُ شبهةً أو تدفعُ إشكالًا مُثارًَا حولَ علمِ الحديثِ النَّبويِّ الشَّريفِ درايةً، وهذهِ المسائلُ هيَ:\n١ - الأهميَّةُ البالغَةُ للسَّبرِ عندَ المحدِّثينَ منْ خلالِ أقوالِهِم، وتطبيقاتِهِم، وحثِّهِمْ على العملِ بِهِ كمنهَجٍ علميٍّ دقيقٍ.\nوتدفعُ إشكالَ ذمِّ بعضِ الأئمَّةِ منَ الاستكثارِ في جمعِ طُرِقِ الأحاديثِ.\n٢ - عِلمُ درايَةِ الحديثِ مبنيٌّ على أسسٍ دقيقةٍ وقواعدَ راسخةٍ، وفي مقدِّمتِهَا السَّبرُ.\nوتزيلُ شبهةً أُثيرَتْ - اعتمادًَا على قولٍ لابنِ مهديٍّ: «إِنَّ هَذَا العِلْمَ إِلهَامٌ» - على أنَّ تعليلَ المحدِّثينَ نوعٌ منَ التَّخرُّصِ والتَّخمينِ، لا ينبني على أسسٍ أو قواعدَ، منْ غيرِ أنْ يُدركُوا أنَّ المرادَ بقولِ ابنِ مهديٍّ «حفظٌ، وملكةٌ، ودرايةٌ».\n٣ - علمُ الحديثِ درايَةً بأسسِهِ وقواعدِهِ، شمَلَ كُلًا منَ السَّندِ والمتنِ على حدٍ سواء.\nوتُزِيلُ شبهةً أثارَهَا المستشرقُونَ وبعضُ الكتَّابِ العصريِّينَ، بأنَّ علماءَ الحديثِ غلَّبُوا المنهجَ النَّقديَّ للحديثِ على السَّندِ دونَ المتنِ.\nوإليكَ حلُّ هذهِ الإشكالاتِ، وإزالةُ الشُّبهاتِ، في المطالبِ الآتيةِ:","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type='title' id=toc-18>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: الذَّمُّ مِنَ الاسْتِكْثَارِ مِنْ جَمْعِ طُرُقِ الحَدِيثِ:</span>\nمعَ ما رأينا مِنْ حِرصِ أئمَّةِ الحديثِ على جمعِ طُرقِ الحديثِ ومتونِهِ، والحثِّ على ذلكَ، وعدِّهِ المنهجَ العلميَّ الأدقَّ لاكتشافِ عللِ الحديثِ، وإبرازِ فوائدِهِ، فقدْ جاءتْ عباراتٌ منْ أهلِ العلمِ تذُمُّ إفناءَ العمرِ في جمعِ طرقِ الأحاديثِ وتتبُّعِ الأسانيدِ، منْ ذلكَ قولُ\nالرَّامَهُرمزِي (^١) «ت ٣٦٠ هـ» في مُقدِّمةِ كتابِهِ «المحدثِ الفاصِلِ»: «فَتَمَسَّكُوا - جَبَرَكُمُ اللهُ - بِحَدِيثِ نَبِيِّكُمْ -ﷺ-، وَتَبَيَّنُوا مَعَانِيهِ، وَتَفَقَّهُوا بِهِ، وَتَأَدَّبُوا بِآدَابِهِ، وَدَعُوا مَا بِهِ تُعَيَّرُونَ مِنْ تَتَبُّعِ الطُّرُقِ، وَتَكْثِيرِ الأَسَانِيدِ، وَتَطَلُّبِ شَوَاذِّ الأَحَادِيثِ …» (^٢).\nومَا وردَ عنْ حمزةَ بنِ محمَّدٍ الكِنانيِّ (^٣) الحافظِ «ت ٣٥٧ هـ»، قال: «خَرَّجْتُ حَدِيثًَا وَاحِدًَا عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِنْ مِئَتَي طَرِيقٍ، أَوْ مِنْ نَحْوِ مِئَتَي طَرِيقٍ، فَدَاخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ الفَرَحُ غَيرُ قَلِيلٍ، وَأُعْجِبْتُ بِذَلِكَ، فَرَأَيتُ لَيلَةً مِنَ الَّليَالِي يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ فِي المَنَامِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا، خَرَّجْتُ حَدِيثًَا وَاحِدًَا عَنِ النَّبيِّ -ﷺ- مِنْ مِئَتَي طَرِيقٍ! قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: \"أَخْشَى أَنْ يَدْخُلَ هَذَا تَحْتَ «أَلْهَكُمُ التَّكَاثُرُ\"» (^٤).\n_________\n(^١) الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي، الفارسي، أبو محمد، «نحو ٢٦٥ هـ - ٣٦٠ هـ»، محدث العجم في زمانه، من كتبه «المحدث الفاصل بين الراوي والواعي» في علوم الحديث. انظر تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٠٥، وطبقات الحفاظ ١/ ٣٧٠.\n(^٢) المحدث الفاصل للرامهرمزي ١/ ١٦١.\n(^٣) حمزة بن محمد بن علي بن العباس، أبو القاسم الكناني، المصري، الحافظ، «٢٧٥ هـ - ٣٧٥ هـ»، له «البطاقة» أمالٍ في الحديث. انظر تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٣٢.\n(^٤) جامع العلم وبيان فضله لابن عبد البر ٢/ ١٣٢.","vol":"1","page":69},{"text":"قالَ الشَّاطبيُّ (^١) «ت ٧٩٠ هـ» معقِّبًَا على هذهِ القصَّةِ: «هَذَا مَا قَالَ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي الاِعْتِبَارِ لِأَنَّ تَخْرِيجَهُ مِنْ طُرُقٍ يَسِيرَةٍ كَافٍ فِي المَقْصُودِ مِنْهُ، فَصَارَ الزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ فَضْلًَا» (^٢).\nومِنهَا قولُ عمَّارِ بنِ رُزَيقٍ (^٣) «ت ١٥٩ هـ» لابنِهِ، لمَّا رَأى تطلُّبَهُ للحَديثِ: «يَا بُنَيَّ اعْمَلْ بِقَلِيلِهِ تَزْهَدْ فِي كَثِيرِهِ» (^٤).\nوَيُحمَلُ ذَمُّ تتبُّعِ الطُّرقِ والاستكثارِ منَ الأسانيدِ، على ما يأتي:\n١ - أنْ يكونَ الجمعُ لغرضِ الجمعِ والحشوِ فحسب، منْ غيرِ تمييزِ الصحيحِ من الضعيفِ: طلبًا للتباهي والكثرةِ فقط، وعلى هذا يُحمَلُ كلامُ ابنِ معينٍ «ت ٢٣٢ هـ» «أَخْشَى أَنْ يَدْخُلَ هَذَا تَحْتَ «أَلْهَكُمُ التَّكَاثُرُ»». وإلَّا فابنُ معينٍ «ت ٢٣٢ هـ» مِنْ أوائلِ منْ دَعَا إلى جمعِ الطُّرقِ، حيثُ قالَ: «لَو لَمْ نَكْتُبِ الحَدِيثَ مِنْ ثَلَاثِينَ وَجْهًَا مَا عَقَلْنَاهُ» (^٥).\nوقدْ بيَّنَ الخطيبُ «٤٦٣ هـ» سببَ الذَّمِّ هذا بقولِهِ: «وَلَو لَمْ يَكُنْ فِي الاِقْتِصَارِ عَلَى سَمَاعِ الحَدِيثِ وَتَخْلِيدِهِ الصُّحُفَ، دُونَ التَّمْيِيزِ بِمَعْرِفَةِ صَحِيحِهِ مِنْ فَاسِدِهِ، وَالوُقُوفِ عَلَى اخْتِلَافِ وُجُوهِهِ، وَالتَّصَرُّفِ فِي أَنْوَاعِ عُلُومِهِ، إِلَّا تَلْقِيبُ المُعْتَزِلَةِ القَدَرِيَّةِ مَنْ سَلَكَ تِلْكَ\n_________\n(^١) إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي، الغرناطي، الشهير ب «الشاطبي»، «… -٧٩٠ هـ»، من أئمة المالكية، من كتبه «الموافقات في أصول الفقه»، و«المجالس» شرح به كتاب البيوع من صحيح البخاري. انظر فهرس الفهارس ١/ ١٣٤، والأعلام للزركلي ١/ ٧٥.\n(^٢) انظر الموافقات للشاطبي ١/ ١١٤.\n(^٣) عمار بن رُزَيق الضَّبِّيُّ، التميمي، أبو الأحوص، «ت ١٥٩ هـ»، أخرج له «م د س جه». انظر تهذيب الكمال ٢١/ ١٨٩، وتقريب التهذيب ١/ ٧٠٦.\n(^٤) جامع العلم وبيان فضله لابن عبد البر ٢/ ١٣٢.\n(^٥) تاريخ ابن معين (رواية الدوري) ٤/ ٢٧١.","vol":"1","page":70},{"text":"الطَّرِيقَةِ ب «الحَشَوِيَّةِ»؛ لَوَجَبَ عَلَى الطَّالِبِ الأَنَفَةُ لِنَفْسِهِ، وَدَفَعُ ذَلِكَ عَنْهُ وَعَنْ أَبْنَاءِ جِنْسِهِ» (^١).\nوقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» بعدَ أنْ ذكرَ إفرادَ العُلماءِ لبعضِ طُرقِ الأحاديثِ بالتَّأليفِ: «وَعَلِيهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ تَصْحِيحُ القَصْدِ، والحَذَرُ مِنْ قَصْدِ المُكَاثَرَةِ، وَنَحْوِهِ» (^٢). ثمَّ ذكرَ قصَّةَ حمزةَ الكِنانيِّ معَ ابنِ معينٍ آنفَةِ الذِّكرِ.\n٢ - أنْ يكونَ الجمعُ للمنكراتِ منَ الأسانيدِ، والغرائِبِ منَ المتونِ، مع إهمالِ الصَّحيحِ وإغفالِهِ: وقدْ ذكرَ ابنُ الجوزيِّ (^٣) «ت ٥٩٧ هـ» تلبيسَ إبليسَ على أصحابِ الحديثِ، فقال: «قَومٌ اسْتَغْرَقُوا أَعْمَارَهُمْ فِي سَمَاعِ الحَدِيثِ، وَالرِّحْلَةِ فِيهِ، وَجَمْعِ الطُّرُقِ الكَثِيرَةِ، وَطَلَبِ الأَسَانِيدِ العَالِيَةِ، وَالمُتُونِ الغَرِيبَةِ» (^٤). ثمَّ ذكرَ أنَّ هؤلاءِ على قسمينِ، فقالَ: «القِسْمُ الثَّاني: قَومٌ أَكْثَرُوا سَمَاعَ الحَدِيثِ وَلَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُمْ صَحِيحًَا، وَلَا أَرَادُوا مَعْرِفَةَ الصَّحِيحِ مِنْ غَيرِهِ بِجَمْعِ الطُّرُقِ، وَإنَّمَا كَانَ مُرَادُهُم العَوَالِي وَالغَرَائِبَ، فَطَافُوا البُلْدَانَ لِيَقُولَ أَحَدُهُمْ: «لَقِيتُ فُلَانًا، وَلِي مِنَ الأَسَانِيدِ مَا لَيسَ لِغَيرِي» وَ«عِنْدِي أَحَادِيثُ لَيسَتْ عِنْدَ غَيرِي»» (^٥).\n_________\n(^١) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ١٨٠.\n(^٢) مقدمة ابن الصلاح ١/ ٢٥٤.\n(^٣) عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي، البغدادي، أبو الفرج الجوزي «٥٠٨ هـ-٥٩٧ هـ»، علامة عصره في التاريخ والحديث، له نحو ثلاثمئة مصنف، منها: «الناسخ والمنسوخ»، و«تلبيس إبليس»، و«الضعفاء والمتروكون». انظر وفيات الأعيان ١/ ٢٧٩، والأعلام للزركلي ٣/ ٣١٦.\n(^٤) تلبيس ابليس ١/ ١٤٢.\n(^٥) المصدر ذاته.","vol":"1","page":71},{"text":"وقالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ» مبيِّنًَا ما ينبغِي على طالبِ الحديثِ أنْ يقومَ بجمعِهِ مِنْ الطُرقِ والأسانيدِ: «يَنْبَغِي لِلْمُنْتَخِبِ أَنْ يَقْصِدَ تَخَيُّرَ الأَسَانِيدِ العَالِيَةِ، وَالطُّرُقِ الوَاضِحَةِ، وَالأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، والرِّوَايَاتِ المُسْتَقِيمَةِ، وَلَا يُذْهِبَ وَقْتَهُ فِي التُّرَّهَاتِ، مِنْ تَتَبُّعِ الأَبَاطِيلِ وَالمَوضُوعَاتِ، وَتَطَلُّبِ الغَرَائِبِ وَالمُنْكَرَاتِ» (^١). وأجابَ عمَّا كرِهَ العلماءُ تتبُّعَهُ، وإفناءَ العمرِ في تطلُّبِهِ، فقالَ: «وَالغَرَائِبُ التِي كَرِهَ العُلَمَاءُ الاِشْتِغَالَ بِهَا، وَقَطْعَ الأَوقَاتِ فِي طَلَبِهَا، إِنَّمَا هِيَ مَا حَكَمَ أَهْلُ المَعْرِفَةِ بِبُطْلَانِهِ، لِكَونِ رُوَاتِهِ ممَّنْ يَضَعُ الحَدِيثَ، أَوْ يَدَّعِي السَّمَاعَ، أَمَّا مَا اسْتُغْرِبَ لِتَفَرُّدِ رَاوِيهِ بِهِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ، فَذَلِكَ يَلْزَمُ كَتْبُهُ، وَيَجِبُ سَمَاعُهُ وَحِفْظُهُ» (^٢).\n٣ - جمعُ الطُّرقِ وتتبُّعُ الأسانيدِ، على حسابِ التَّفقُّهِ فيهِ: ممَّا ينبغِي على متتبِّعِ الطُّرقِ والأسانيدِ، أنْ يضُمَّ إليهَا جمعَ المتونِ، والنَّظَرَ في الاختلافاتِ والزياداتِ في متنِ الحديثِ، لأنَّهُ السبيلُ إلى فقهِ الحديثِ، بل هو ثمرةُ علمِ الحديثِ، قال ابنُ المدينيِّ «ت ٢٣٤ هـ»: «التَّفقُّهُ فِي مَعَانِي الحَدِيثِ نِصْفُ العِلْمِ، وَمَعْرِفَةُ الرِّجَالِ نِصْفُ العِلْمِ» (^٣). وقالَ الحاكمُ (^٤) «ت ٤٠٥ هـ»: «مِنْ عِلْمِ الحَدِيثِ مَعْرِفَةُ فِقْهِ الحَدِيثِ، إِذْ هُوَ ثَمَرَةُ هَذِهِ العُلُومِ، وَبِهِ قِوَامُ الشَّرِيعَةِ» (^٥).\n_________\n(^١) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ١٥٩.\n(^٢) المصدر السابق ٢/ ١٦٠.\n(^٣) المحدث الفاصل ١/ ٣٢٠.\n(^٤) محمد بن عبد الله بن حمدويه بن نعيم الضبي، الحاكم النيسابوري، أبو عبد الله، «٣٢١ هـ-٤٠٥ هـ»، من أكابر حفاظ الحديث والمصنفين فيه، صنف أكثر من ألف وخمسمئة جزء، منها: «المستدرك»، و«معرفة علوم الحديث». انظر تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٣٩، والأعلام للزركلي ٦/ ٢٢٧.\n(^٥) معرفة علوم الحديث للحاكم ١/ ٦٣.","vol":"1","page":72},{"text":"وقدْ رأينَا كيفَ أنَّ أئمَّةَ الحديثِ، لمْ يكُن جمعهُمْ للحديثِ على حسابِ تفقُّهِهِم فيهِ، وهذا بيِّنٌ منْ تصانيفهِمُ الَّتي بوَّبوهَا باستنباطاتٍ فِقهيةٍ غايةٍ في الدِّقَّةِ والرَّصانَة، كالكُتبِ السِّتَّةِ، ناهيكَ أنَّ الإمامَ ابنَ حنبلٍ إمامٌ لمذهَبٍ فِقهيٍ، والجمعُ المذمومُ للطُّرُقِ والأسانيدِ ما كانَ على حسابِ التَّفقُّهِ في معانيهِ، قالَ الخَطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «وَهَذِهِ العِلَّةُ - أي جَمْعُ الطُّرُقِ وَالأَسَانِيدِ - هِيَ الَّتِي اقْتَطَعَتْ أَكْثَرَ مَنْ فِي عَصْرِنَا مِنْ طَلَبَةِ الحَدِيثِ عَنِ التَّفَقُّهِ بِهِ، وَاسْتِنْبَاطِ مَا فِيهِ مِنَ الأَحْكَامِ» (^١).\n٤ - قيامُ الأحداثِ وغيرِ المتخصِّصينَ بتتبُّعِ الطُّرُقِ وجمعِ الأسانيدِ: لأنَّ قيامَ مثلِ هؤلاءِ بجمعِ الطُّرقِ وتتبعِ الأسانيدِ، لا طائلَ منهُ سوى الاستكثارُ مما ينبغِي الإقلالُ منهُ والإقلاعُ عنهُ، إذْ لا درايةَ لهمْ في استخراجِ العللِ، وإبرازِ الفوائدِ، فهُم لم يصلُوا إلى درجةٍ تُخوِّلُهم التَّمييزَ بينَ الصحيحِ والضَّعيفِ، والمقبولِ من المردودِ، فتنقضِي أعمارُهُم دونَ بلوغِ الغايةِ - إنْ وُجدَتْ - فمثلُ هذا لمْ يقُم بهِ إلا جهابذَةُ النُّقَّادِ منْ أهلِ الحديثِ. قالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «وَأَكْثَرُ مَنْ يَجْمَعُ ذَلِكَ: الأَحْدَاثُ مِنْهُمْ، فَيَتَحَفَّظُونَهَا وَيُذَاكِرُونَ بِهَا، وَلَعَلَّ أَحَدَهُمْ لَا يَعْرِفُ مِنَ الصِّحَاحِ حَدِيثًا، وَتَرَاهُ يَذْكُرُ مِنَ الطُّرُقِ الغَرِيبَةِ وَالأَسَانِيدِ العَجِيبَةِ التِي أَكْثَرُهَا مَوضُوعٌ وَجُلُّهَا مَصْنُوعٌ، مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَقَدْ أَذْهَبَ مِنْ عُمُرِهِ جُزْآً فِي طَلَبِهِ» (^٢).\n_________\n(^١) شرف أصحاب الحديث للخطيب ١/ ١٢٩.\n(^٢) المصدر السابق.","vol":"1","page":73},{"text":"وأمَّا جهابذةُ النُّقَّادِ منَ المُحدِّثينَ، فَجَمْعُهُم للأسانيدِ والمتونِ وتتبُّعُهُم للطُّرُقِ لغايةٍ ذاتِ فوائدَ جمَّةٍ وعظيمةٍ - ومدارُ بحثِنَا هذا على بيانِهَا - وذلكَ للاطِّلاعِ على صحيحِ السُّنَّةِ والثَّابِتِ مِنْهَا، وتمييزِ المقبولِ منَ المردُودِ، قالَ الأستاذُ عبدُ الفتَّاحِ أبو غدَّة (^١) «ت ١٤١٧ هـ»: «إِنَّ المُحَدِّثِينَ الحُفَّاظَ المُتَوَسِّعِينَ فِي جَمْعِ الحَدِيثِ جَرَتْ عَادَتُهُمْ عَلَى سَمَاعِ مَا يُحدَّثُ بِهِ مِنَ الأَحَادِيثِ وَمَا لَا يُحدَّثُ بِهِ، لِأنَّهُ يَنْفَعُ فِي وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنْ عُلُومِ الحَدِيثِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا وَقَرَّرُوا هَذِهِ القَاعِدَةِ، الَّتِي عَبَّرَ عَنْهَا الحَافِظُ ابْنُ مَعِينٍ بِقَولِهِ: «إِذَا كَتَبْتَ فَقَمِّشْ، وَإِذَا حَدَّثْتَ فَفَتِّشْ» -أَي: عِنْدَ تَحَمُّلِ الحَدِيثِ وَتَلَقِّيهِ عَنْ شُيُوخِ الرِّوَايَةِ - يَجْمَعُونَ مِنْهُ مَا اسْتَطَاعُوا عَنْ كُلِّ شَيخٍ، وَلَكِنْ عِنْدَ تَحْدِيثِهِمْ يُفتِّشُونَ فِيمَا تَحَمَّلُوهُ مِنَ الأَسَانِيدِ وَالمُتُونِ، فَلَا يُحدِّثُونَ إِلَّا بِالأَسَانِيدِ المتَّصِلَةِ بِالعُدُولِ الثِّقَاتِ الضَّابِطِينَ عَنْ مِثْلِهِمْ، وَالمُتُونِ الخَالِيَةِ مِنَ الشُّذُوذِ وَالعِلَّةِ، وَمَا تَبَيَّنَ لَهمْ مِنْ كَذِبٍ أَوْ وَهْمٍ أَوْ بَلَايَا لِلرُّوَاةِ فِي الأَسَانِيدِ، أَوِ الشُّذُوذِ أَوْ عِلَّةٍ فِي المُتُونِ يُمْسِكُونَ عَنِ التَّحْدِيثِ بِهَا، وَلَا يَذْكُرُونَهَا إِلَّا مَعَ البَيَانِ لِمَا فِي تِلْكَ الأَسَانِيدِ أَوِ المُتُونِ مِنْ ضَعْفٍ وَشُذُوذٍ» (^٢).\nفهذهِ جُملةُ الأسبابِ الَّتي عابَ بها العلماءُ على منْ أفنَى عُمُرَهُ في جمعِ الطُّرقِ والأسانيدِ، إذَا قامَ بهَا مَنْ ليسَ مِنْ أهلهَا، وخَلَتْ مِنْ أيَّةِ فائدةٍ أو غايةٍ، وإلا فالسَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ هوَ منْ أهَمِّ وأدَّقِّ ما توَصَّلَ إليهِ المُحَدِّثونَ في كشفِ عللِ الأحاديثِ، وإبرازِ فوائدِهِ.\n* * *\n_________\n(^١) عبد الفتاح بن محمد بن بشير بن حسن أبو غدة، «١٣٣٥ هـ- ١٤١٧ هـ»، تخرج من كلية الشريعة في الأزهر، له مصنفات وتحقيقات كثيرة منها: «لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث»، و«أمراء المؤمنين في الحديث»، و«الرسول المعلم وأساليبه في التعليم». انظر كتاب «الشيخ عبد الفتاح أبو غدة كما عرفته» - محمد علي الهاشمي - دار البشائر الإسلامية - ٢٠٠٤ م.\n(^٢) لمحات من تاريخ السنة للأستاذ عبد الفتاح أبو غدة - ص ١٧٤ - ١٧٦.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>المَطْلَبُ الثَّانِي: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ إِلهامٌ:</span>\nأقامَ المحدِّثونَ المنهجَ النَّقديَّ للحديثِ على أسسٍ دقيقةٍ، وقواعدَ راسخةٍ، والسَّبرُ عمادُ هذهِ الأسسِ والقواعدِ، وقدْ جاءَتْ بعضُ عباراتِ المحدِّثينَ تُعارضُ هذا المنهجَ العلميَّ الدقيقَ - على رأيِ بعضِ المستشرقينَ ك «جولد تسيهر» (^١) - وتُبيِّنُ أنَّهُ ضربٌ من الإلهامِ والكشفِ، أو الخرصِ والتَّخمينِ لا ينبني على أسسٍ، أَوْ أمرٌ مزاجيٌّ لا مُسَوِّغَ لَهُ في العِلْمِ، وأنَّهُ أقربُ إلى الكهانَةِ والعرافَةِ منهُ إلى العقْلِ والقواعِدِ العلميَّةِ الرَّصينةِ، ومنْ هذهِ الأقوالِ التي استدلُّوا بهَا: قولُ ابنِ مَهديٍّ (^٢) «ت ١٩٨ هـ»: «مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ إِلْهَامٌ، فَلَو قُلْتَ لِلْعَالِمِ بِعِلَلِ الحَدِيثِ، أَينَ قُلْتَ هَذَا؟ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُجَّةٌ».\n_________\n(^١) ذكر ذلك في كتابه «دراسات محمدية» وقد ترجم الكتاب مؤخرًا إلى العربية الدكتور: الصِّديق بشير نصر، وطبع في مركز العالم الإسلامي لدراسة الإستشراق - لندن، والكتاب متوفر في دار قتيبة - سوريا. وقد صنفت كتب في الرد على افتراءاته، منها: «الرد على مزاعم المستشرقَين إجناتس جولدتسيهر ويوسف شاخت ومن أيدهما من المستغربين» - د. عبد الله عبد الرحمن الخطيب - طبعه مجمع الملك فهد - ١٤٢٥ هـ، وكتاب «السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي» للدكتور مصطفى السباعي - دار الوراق - المكتب الإسلامي - بيروت - ٢٠٠٠ م، وكتاب «منهج النقد» لفضيلة شيخنا العلامة نور الدين عتر، عقد فيه فصلًا في الرد على المستشرقين، وخص بالرد منهم جولد تسيهر. ص ٤٥٩ وما بعدها.\n(^٢) عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري، البصري، اللؤلؤي، أبو سعيد، «١٣٥ هـ- ١٩٨ هـ»، من كبار حفاظ الحديث، وله مصنفات فيه، قال الشافعي: «لا أعرف له نظيرًا في الدنيا». انظر تذكرة الحفاظ ١/ ٣٣١، والأعلام للزركلي ٣/ ٣٣٩.","vol":"1","page":75},{"text":"قالَ ابنُ نُمَيرٍ (^١) «ت ٢٣٤ هـ»: «صَدَقَ لَو قُلْتَ: مِنْ أَينَ؟ لَمْ يَكُنْ لَهُ جَوَابٌ» (^٢).\nوَقالَ أبو حاتمٍ الرَّازيُّ «ت ٢٧٧ هـ»: «مَثَلُ مَعْرِفَةِ الحَدِيثِ كَمَثَلِ فُصٍّ ثَمَنُهُ مِئَةُ دِينَارٍ، وَآَخَرَ مِثْلُهُ عَلَى لَونِهِ ثَمَنُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَكَمَا لا يَتَهَيَّأُ للنَّاقِدِ أَنْ يُخْبِرَ بِسَبَبِ نَقْدِهِ، فَكَذَلِكَ نَحْنُ رُزِقْنَا عِلْمًَا لا يَتَهَيَّأُ لنَا أَنْ نُخْبِرَ كَيفَ عَلِمْنَا بَأَنَّ هَذَا حَدِيثٌ كَذِبٌ وَأَنَّ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ إِلا بِمَا نَعْرِفُهُ» (^٣).\nوَقَدْ بوَّبَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ» لذلكَ بِقَولِهِ: «المَعْرِفَةُ بِالحَدِيثِ لَيسَتْ تَلْقِينًَا، وَإِنَّمَا هُوَ عِلْمٌ يُحْدِثُهُ اللهُ فِي القَلْبِ» (^٤). وَأوردَ كلامَ الأئمَّةِ المتقدِّمِ في هذَا الشَّأنِ.\nومنْ ذلكَ أيضًا قولُ ابنُ القَيِّمِ (^٥) «ت ٧٥١ هـ»: «وَمَعْرِفَةُ هَذَا الشَّأنِ وَعِلَلِهِ ذَوقٌ وَنُورٌ يَقْذِفُهُ اللهُ فِي القَلْبِ، يَقطعُ بهِ مَنْ ذَاقَهُ وَلا يَشُكُّ فِيهِ، وَمَنْ لَيسَ لَهُ هَذَا الذَّوقُ لا شُعُورَ لَهُ بِهِ، وَهَذَا كَنَقْدِ الدَّرَاهِمِ لأَرْبَابِهِ، فِيهِ ذَوقٌ وَمَعْرِفَةٌ لَيسَتَا لِكِبَارِ العُلَمَاءِ» (^٦).\nوَنُجِيبُ عنْ هذَا الإشكالِ المُخْتَلَقِ بِمَا يأتي:\n_________\n(^١) محمد بن عبد الله بن نمير، أبو عبد الرحمن الهمذاني، الخارفي، «… -٢٣٤ هـ»، من الحفاظ، روى له مسلم «٢٢» حديثًا، والبخاري «٥٧٣» حديثًا. انظر التاريخ الكبير ١/ ١٤٤، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٤٣٩.\n(^٢) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢٥٥.\n(^٣) الجرح والتعديل ١/ ٣٥١.\n(^٤) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢٥٥.\n(^٥) محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي، الدمشقي، أبو عبد الله، المشهور ب «ابن قيم الجوزية»، «٦٩١ هـ-٧٥١ هـ»، من كبار العلماء، وله مصنفات كثيرة، منها: «إعلام الموقعين»، و«الفروسية»، و«السياسة الشرعية». انظر الدرر الكامنة ١/ ٤٨٠، والأعلام للزركلي ٦/ ٥٦.\n(^٦) الفروسية ١/ ٢٣٥.","vol":"1","page":76},{"text":"١ - اجْتِزاءُ أقوالِ الأئمَّةِ، والأخذُ ببعضهِا دونَ البعضِ الآخرِ، أَوْ فَهْمُهَا بِغَيرِ مَا هِيَ عَلَيه: إنَّ مَا تمسَّكَ المستشرقونَ بأذيالِهِ منْ كلامِ أئمَّةِ الحديثِ، هوَ كلامٌ إمَّا مجزوءٌ أو مُقتطعٌ، غرضهُمْ منْ ذلكَ نسفُ صرحِ هذا العلمِ، وتقويضُ بنيانِهِ، للطَّعنِ في سنَّةِ النَّبيِّ -ﷺ-، فابنُ مَهديٍّ «ت ١٩٨ هـ» الذي قالَ بأنَّ هذا العلمَ إلهامٌ، هو منْ قالَ: «إِنْكَارُنَا الحَدِيثَ عِنْدَ الجُهَّالِ كَهَانَةٌ» (^١). وقيلَ لهُ: إنَّكَ تقولُ للشَّيءِ هذا يصحُّ وهذا لمْ يثبتْ، فعمَّنْ تقولُ ذلكَ؟ فقالَ: «أَرَأَيتَ لَو أَتَيتَ النَّاقِدَ فَأَرَيتَهُ دَرَاهِمَكَ، فَقَالَ: هَذَا جَيِّدٌ وَهَذَا بَهْرَجٌ، أَكُنْتَ تَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ تُسَلِّمُ الأَمْرَ إِلَيهِ؟ قَالَ: لا بَلْ كُنْتُ أُسَلِّمُ الأَمْرَ إِلَيهِ، فَقَالَ: فَهَذَا كَذَلِكَ». لكنْ ذيَّلَ كلامَهُ هذَا مُبيِّنًَا العواملَ الَّتي تبنِي الملكةَ عندَ المُحدِّثِ، بقولِهِ: «لِطُولِ المُجَادَلَةِ والمُنَاظَرَةِ وَالخِبْرَةِ» (^٢).\nبالإضافةِ إلى أنّهمْ حَمَلُوا كلامَ الأئمَّةِ على غيرِ مُرادِهِ، فالأئمَّةُ شبَّهُوا معرفتَهُمْ للحديثِ بمعرفَةِ الصَّيرفيِّ للجوهَرِ، وهذِهِ المعرفَةُ مُكتسَبَةٌ عنْ طولِ خِبرةٍ، وكثرةِ ممارسَةٍ، ولا تأتِي منْ بابِ التَّخرُّصِ أو التَّخمِينِ.\n٢ - الخبرةُ والمُمَارَسَةُ وطُولُ المُذَاكَرَةِ هِيَ العَامِلُ فِي أَحْكَامِ الرُّوَاةِ، لا التَّخَرُّصُ والتَّخمِينُ: لا يكونُ الإلهامُ إلا لأهلِ الخِبرةِ الطَّويلَةِ والتَّخَصُّصِ المكينِ في هذَا العلمِ، لذا نرى الأئمَّةَ يُشبِّهونَ تَمييزَهُمْ للحديثِ، بتمييزِ الصَّيارِفَةِ للجوهَرِ المُزيَّفِ منَ غيرِهِ،\n_________\n(^١) علل الحديث لابن أبي حاتم ١/ ١٠.\n(^٢) جامع العلوم والحكم ١/ ٢٥٦.","vol":"1","page":77},{"text":"وذلكَ لعُمقِ الخِبرةِ وطولِ المُمَارسةِ، قالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: «وَلا بُدَّ فِي هذَا العِلْمِ مِنْ طُولِ المُمَارسَةِ وَكَثْرَةِ المُذَاكَرَةِ» (^١).\nوقال المُعلِّمِيُّ «ت ١٣٨٦ هـ»: «وَهَذِهِ المَلَكَةُ لَمْ يُؤْتَوهَا مِنْ فَرَاغٍ، وَإِنَّمَا هِيَ حَصَادُ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الطَّلَبِ، وَالسَّمَاعِ، وَالكِتَابَةِ، وَإِحْصَاءِ أَحَادِيثِ الشُّيُوخِ، وَحِفْظِ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ، وَكِنَاهُمْ، وَأَلَقَابِهِمْ، وَأَنْسَابِهِمْ، وَبُلْدَانِهِمْ، وَتَوَارِيخِ وِلادَةِ الرُّوَاةِ وَوَفِيَّاتِهِمْ، وَابْتِدَائِهِمْ فِي الطَّلَبِ وَالسَّمَاعِ، وَارْتِحَالِهِمْ مِنْ بَلَدٍ إِلَى آَخَر، وَسَمَاعِهِمْ مِنَ الشُّيُوخِ فِي البُلْدَانِ، مَنْ سَمِعَ فِي كُلِّ بَلَدٍ؟ وَمَتَى سَمِعَ؟ وَكَيفَ سَمِعَ؟ وَمَعَ مَنْ سَمِعَ؟ وَكَيفَ كِتَابُهُ؟، ثُمَّ مَعْرِفَةُ أَحْوَالِ الشُّيُوخِ الذِينِ يُحَدِّثُ الرَّاوِي عَنْهُمْ، وَبُلْدَانِهِمْ، وَوَفِيَّاتِهِمْ، وَأَوقَاتِ تَحْدِيثِهِمْ، وَعَادَتِهِمْ فِي التَّحْدِيثِ، وَمَعْرِفَةِ مَرْوِيَّاتِ النَّاسِ عَنْ هَؤُلاءِ الشُّيُوخِ، وَعَرْضِ مَرْوِيَّاتِ هَذَا الرَّاوِي عَلَيهَا، وَاعْتِبَارِهَا بِهَا، إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ شَرْحُهُ. هَذَا مَعَ سَعَةِ الاِطِّلاعِ عَلَى الأَخْبَارِ المَرْوِيَّةِ، وَمَعْرِفَةِ سَائِرِ أَحْوَالِ الرُّوَاةِ التَّفْصِيلِيَّةِ، وَالخِبْرَةِ بِعَوَائِدِ الرُّوَاةِ وَمَقَاصِدِهِمْ وَأَغْرَاضِهِمْ، وَبِالأَسْبَابِ الدَّاعِيَةِ إِلَى التَّسَاهُلِ وَالكَذِبِ، وَبِمَظَنَّاتِ الخَطَأِ وَالغَلَطِ، وَمَدَاخِلِ الخَلَلِ. هَذَا مَعَ اليَقَظَةِ التَّامَّةِ، وَالفَهْمِ الثَّاقِبِ، وَدَقِيقِ الفِطْنَةِ، … وَغَيرِ ذَلِكَ» (^٢).\nفعِلمُ الحديثِ علمٌ تخصُّصِيٌّ، شديدُ العمقِ، بعيدُ الغَورِ، لا يفهمهُ إلا منْ وقفَ عمرَهُ عليهِ، وصرفَ الُجهدَ فيهِ، قالَ ابنُ المَدينيِّ «ت ٢٣٤ هـ»: «أخَذَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٦٤.\n(^٢) النكت الجياد ١/ ١٠.","vol":"1","page":78},{"text":"على رجلٍ منْ أهلِ البَصرَةِ حديثًا، فغضِبَ لهُ جماعَةٌ، فأتَوهُ، فقالُوا: «يَا أبا سعيدٍ! منْ أينَ قلتَ هذا في صاحبِنَا؟ قالَ: فغضبَ عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، وقالَ: «أَرَأَيتَ لَو أَنَّ رَجُلًا أَتَى بِدِينَارٍ إلى صَيرَفِيٍّ، فَقَالَ: انْتَقِدْ لِي هَذَا. فَقَالَ: هُوَ بَهْرَجٌ. يَقُولُ لَهُ: مِنْ أَينَ قُلْتَ لي إِنَّهُ بَهرَجٌ؟ اِلزَمْ عَمَلِي هَذَا عِشْرِينَ سَنَةً، حَتَّى تَعْلَمَ مِنْهُ مَا أَعْلَمْ» (^١).\nوقالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «أَشْبَهُ الأَشْيَاءِ بِعِلْمِ الحَدِيثِ مَعْرِفَةُ الصَّرْفِ وَنَقْدِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، يَعْرِفُهُ النَّاقِدُ عِنْدَ المُعَايَنَةِ، فَيَعْرِفُ البَهْرَجَ الزَّائِفَ وَالخَالِصَ والمَغْشُوشَ، وَكَذَلِكَ تَمْيِيزُ الحَدِيثِ، فَإِنَّهُ عِلْمٌ يَخْلُقُهُ اللهُ تَعَالَى فِي القُلُوبِ، بَعْدَ طُولِ المُمَارَسَةِ لَهُ، والاِعْتِنَاءِ بِهِ» (^٢).\nفطولُ المذاكرةِ والممارسةِ لكلامِ النَّبيِّ -ﷺ- تُحدِثُ مَلَكَةً عندَ الرَّاوِي في تَمييزِ كلامِهِ -ﷺ- منْ كلامِ غيرِهِ، قالَ أبو حاتِمٍ الرَّازِيُّ «ت ٢٧٧ هـ»: «وَتُعْرَفُ جَودَةُ الدِّينَارِ بِالقِيَاسِ إِلَى غَيرِهِ، فَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي الحُمْرَةِ وَالصَّفَاءِ عُلِمَ أَنَّهُ مَغْشُوشٌ، وَيُعْلَمُ صِحَّةُ الحَدِيثِ بِعَدَالَةِ نَاقِلِيهِ، وَأَنْ يَكُونَ كَلامًَا يَصْلُحُ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ كَلامَ النُّبُوَّةِ» (^٣).\n٣ - قَصْرُ تَعْلِيلِ المُحَدِّثِينَ لِلْحَدِيثِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، دُونَ الجَهَلَةِ فِي أُصُولِ وَقَوَاعِدِ هَذَا العِلْمِ: لعمقِ علمِ العللِ عندَ المحدِّثينَ نهى نُقَّادُ الحديثِ عنْ شرحِ كثيرٍ منْ عِللِ الأحاديثِ إلا عندَ أهلِ الحديثِ، لما يُخشَى منْ شرحِ ذلكِ على غيرِ أهلِ الحديثِ أنْ يكونَ سببًا في أنْ يَفْتِنُوا أو يُفْتَنُوا. قالَ أبو داودَ «ت ٢٧٥ هـ» في «رسالتِهِ إلى أهلِ مكَّةَ»: «وَرُبَّما\n_________\n(^١) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢٥٦.\n(^٢) المصدر ذاته ٢/ ٢٥٥.\n(^٣) الجرح والتعديل ١/ ٣٥١.","vol":"1","page":79},{"text":"أَتَوَقَّفُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ - يَعْنِي: إِبْرَازَ العِلَلِ-، لأنَّهُ ضَرَرٌ عَلَى العَامَّةِ أَنْ نُظْهِرَ لَهمْ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا البَابِ فِيمَا مَضَى مِنْ عُيُوبِ الحَدِيثِ، لأنَّ عِلْمَ العَامَّةِ يَقْصُرُ عَنْ ذَلِكَ» (^١).\nوقالَ ابنُ مَهديٍّ «ت ١٩٨ هـ»: «إِنْكَارُنَا الحَدِيثَ عِنْدَ الجُهَّالِ كَهَانَةٌ» (^٢).\nقال شيخنا نور الدين (^٣): «وَلمَاَّ كَانَ شَانُ العِلَلِ الدِّقَّةَ وَالخَفَاءَ، تَوَقَّفَ المُحَدِّثُونَ كَثِيرًَا عَنِ التَّصْرِيحِ بِمَا يُعَلُّ بِهِ الحَدِيثُ، إِمَّا لِعَدَمِ اسْتِحْضَارِ عِبَارَةٍ يُعَبِّرُونَ بِهَا، أَوْ لِعَدِمِ قَابِلِيَّةِ السَّامِعِ أَنْ يَتَفَهَّمَ» (^٤).\nوُيُحملُ كلامُ النُّقادِ على أَنَّ مَنْ يَجهَلُ هذا العلمَ لا يُمكنُهُ الإحاطةُ بطرائقِهِ وعناصرِهِ. وَعَرْضُ الدَّليلِ والبُرهَانِ يلزَمُ منهُ وُجودُ منْ يُدركهُمَا، وغيرُ ذوِي الاختصاصِ يكفيهِمْ معرفةُ الحكمِ المتضمِّنِ صِحَّةً أَوْ ضَعفًَا أَوْ بُطلانًَا، فإنْ أرادُوا معرفِةَ هذَا العلمِ فلا بدَّ أنْ يسلُكُوا مسلكَ النُّقَّادِ في إعدادِ الرَّصيدِ الكافِي الذي يمتلكُهُ هؤلاءِ الأئمَّةُ بمعرفتهِمُ الكاملةِ وإحاطتهِمُ التَّامَّةِ لأحاديثِ الرُّوَاةِ، وَهوَ ما عبَّرَ عنهُ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ» بقولِهِ: «الحُجَّةُ فِي هَذَا العِلْمِ عِنْدَنَا الحِفْظُ وَالفَهْمُ وَالمَعْرِفَةُ لَا غَير» (^٥).\n_________\n(^١) رسالة أبي داود لأهل مكة ١/ ٣١.\n(^٢) علل الحديث لابن أبي حاتم ١/ ١٠.\n(^٣) فضيلة الدكتور العلامة نور الدين عتر، أطال الله عمره، رئيس قسم علوم القرآن والسنة في كلية الشريعة بدمشق، له مصنفات كثيرة، منها: «منهج النقد في علوم الحديث»، و«الأحاديث المختارة من جوامع الإسلام»، و«هدي النبي في الصلوات الخاصة»، و«إعلام الأنام شرح بلوغ المرام». وغيرها …\n(^٤) منهج النقد - د. نور الدين عتر - ص ٤٥٢.\n(^٥) معرفة علوم الحديث للحاكم ١/ ١١٣.","vol":"1","page":80},{"text":"٤ - الحُجَجُ والبَرَاهِينُ حَاضِرَةٌ عندَ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ، لكنْ لا يحضُرُهُمْ التَّعبِيرُ عَنْهَا فِيمَا لَو سُئِلُوا عَنْهَا لِغَيرِ أَهْلِهَا: نجدُ أنَّ كثيرًا منْ أقوالِ الأئمَّةِ في العللِ تحملُ الدليلَ والحجَّةَ والبُرهانَ، إذا كانتْ أسئلةً تدورُ بينَ جهابذَةِ هذا الفنِّ، فالتِّرمذيُّ يسألُ البُخاريَّ، وعبدُ اللهِ ابنُ أحمدَ يسألُ أباهُ، وابنُ أبي حاتمٍ يسألُ أباهُ وأبا زُرعَةَ، والبُرْذُعِيُّ يَسألُ أبَا زُرْعَةَ، والبَرْقَانِيُّ والسَّهْمِيُّ يَسْألانِ الدَّارَقُطِنِيَّ، وأُلِّفت كتبٌ في علمِ العللِ، وتعليلِ الأحاديثِ.\nقالَ الأعمشُ (^١) «ت ١٤٨ هـ»: «كَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخْعِيُّ صَيرَفِيًَّا فِي الحَدِيثِ، كُنْتُ أَسْمَعُ مِنَ الرِّجَالِ، فَأَعْرِضُ عَلَيهِ مَا سَمِعْتُهُ» (^٢).\nوَقَالَ الأوزاعِيُّ (^٣) «ت ١٥٧ هـ»: «كُنَّا نَسْمَعُ الحَدِيثَ فَنَعْرِضُهُ عَلَى أَصْحَابِنَا كَمَا نَعْرِضُ الدِّرْهَمَ الزَّائِفَ عَلَى الصَّيَارِفَةِ، فَمَا عَرَفُوا أَخَذْنَا وَمَا أَنْكَرُوا تَرَكْنَا» (^٤).\nأمَّا إذَا كانَ بيانُ الحجَّةِ لغيرِ أهلِ هذَا الفنِّ، فإنَّ العبارَةَ تقِفُ عندَ ذلكَ، لجهْلِ غيرِ الأئمَّةِ بهذَا العلْمِ، لذلكَ عقَّبَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» على قولِ ابنِ مَهديٍّ «ت ١٩٨ هـ»: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حُجَّةٌ» (^٥). فقالَ: «يَعْنِي يُعَبِّرُ بِهَا غَالِبًَا، وَإِلا فَفِي نَفْسِهِ حُجَجٌ لِلْقَبُولِ وَلِلرَّفْضِ» (^٦).\n_________\n(^١) سليمان بن مهران الأسدي، أبو محمد، الملقب بالأعمش، «٦١ هـ- ١٤٨ هـ»، كان عالمًا بالقرآن والحديث والفرائض. انظر تذكرة الحفاظ ١/ ١٥٤.\n(^٢) مسند ابن الجعد ١/ ١٢٧.\n(^٣) عبد الرحمن بن عمرو بن يُحمِد الأوزاعي، أبو عمرو، «٨٨ هـ-١٥٧ هـ»، إمام الديار الشامية، من كتبه: (السنن) في الفقه، و(المسائل). انظر حلية الأولياء ٦/ ١٣٥.\n(^٤) المسند المستخرج على صحيح مسلم ١/ ٥١.\n(^٥) تدريب السيوطي ١/ ٢٥٣.\n(^٦) فتح المغيث ١/ ٢٣٥.","vol":"1","page":81},{"text":"والحجَّةُ عندَ المحدِّثينَ بالنِّسبةِ للأُمِّيينَ في هذَا العلمِ، هوَ الاتِّفاقُ فيمَا بينهُمْ منْ غيرِ مُواطأَةٍ، قالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ» بعدَ أنْ شبَّهَ المحدثينَ بالصَّيارفَةِ: «وَكُلٌّ مِنْ هَؤُلاءِ - أَي: المُحَدِّثِينَ وَالصَّيَارِفَةِ - لا يُمْكِنُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ سَبَبِ مَعْرِفَتِهِ وَلا يُقِيمَ عَلَيهِ دَلِيلًا لِغَيرِهِ، وَآَيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَعْرِضُ الحَدَيثَ الوَاحِدَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِمَّنْ يَعْلَمُ هَذَا العِلْمَ، فَيَتَّفِقُونَ عَلَى الجَوَابِ فِيهِ مِنْ غَيرِ مُوَاطَأَةٍ» (^١).\nومنَ المعلومِ أنَّ الاتفاقَ منْ غيرِ مواطأةٍ لا يكونُ منْ بابِ التَّخْمينِ والتَّخَرُّصِ، وَإنَّمَا يكونُ نتيجةَ قواعدَ راسخةٍ معلومةٍ لدى أهلِهَا، يبنونَ عليهَا مسائلَهُمْ وأقوالَهُمْ، قالَ أبو زُرْعَة «ت ٢٦٤ هـ»، وقدْ قالَ لهُ رجلٌ: ما الحجَّةُ في تعليلِكُمُ الحديثَ؟ قالَ: «الحُجَّةُ أَنْ تَسْأَلَنِي عَنْ حَدِيثٍ لَهُ عِلَّةٌ، فَأَذْكُرُ عِلَّتَهُ، ثُمَّ تَقْصِدُ مُحَمَّدَ بنَ مُسْلِمٍ بنِ وَارَةَ، فَتَسْأَلَهُ عَنْهُ وَلا تُخْبِرْهُ بِأَنَّكَ قَدْ سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فَيَذْكُرُ عِلَّتَهُ، ثُمَّ تَقْصِدُ أَبَا حَاتِمٍ فَيُعَلِّلَهُ، ثُمَّ تُمَيِّزُ كَلامَنَا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ وَجَدْتَ بَينَنَا خِلافًَا فِي عِلَّتِهِ فَاعْلَمْ أَنَّ كُلًا مِنَّا تَكَلَّمَ عَلَى مُرَادِهِ، وَإِنْ وَجَدْتَ الكَلِمَةَ مُتَّفِقَةً فَاعْلَمْ حَقِيقَةَ هَذَا العِلْمِ، قَالَ: فَفَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ فَاتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا العِلْمَ إِلْهَامٌ» (^٢).\nوهوَ ما حصلَ معَ أبي حاتمٍ الرَّازيِّ في قصَّةٍ طويلَةٍ (^٣) - يطولُ سردُهَا هنَا - مَا يُبَيِّنُ أنَّ هذَا العلمَ لهُ أصولُهُ وقواعدُهُ، لا يَخْبَرُهَا إلا منْ أمضى عمْرَهُ في دقائقِهَا والغوصِ في أغوارِهَا.\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم ١/ ٢٥٦.\n(^٢) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢٥٦.\n(^٣) انظر القصة بتمامها في الجرح والتعديل ١/ ٣٥٠.","vol":"1","page":82},{"text":"إِنَّ تطبيقاتِ المحدِّثينَ وِفقَ قواعدَ علميَّةٍ دقيقةٍ، وعلى الأخصِّ منهَا السَّبْرُ وُموازنةُ المرويَّاتِ ومعارضتُهَا ببعضِهَا - والتي عَلَيهَا مدارُ بحثِنَا - هيَ أكبرُ برهانٍ على بطلانِ هذهِ الشُّبْهَةِ، بِالإِضافَةِ إلى أنَّ الأسبابَ التي يستنبطُهَا المحدِّثونَ في تنقيبِهِمْ، ويُعِلُّونَ بها الأحاديثَ كثيرةٌ، مثلَ الإرسالِ أو الانقطاعِ في الموصولِ، والوقفِ في المرفوعِ، أو الإدراجِ في الحديثِ … الخ، وقدْ ذكرَ الحاكمُ عشرةَ أجناسٍ للعلَّةِ، وأمَّا ما لمْ يُصَرِّحِ المحدِّثونَ بسببِ علَّتِهِ فللأسبَابِ التي أوردنَاهَا آنفًَا.\n* * *","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type='title' id=toc-20>المَطْلَبُ الثَّالِثُ: نَقْدُ السَّنَدِ «الخَارِجِيِّ» دُونَ المَتْنِ «الدَّاخِلِيِّ»:</span>\nتَقَدَّمَ في مبحثِ «أهميَّةُ السَّبرِ وأقوالِ العلماءِ فيهِ» أنَّ السَّبرَ يشملُ كلًا منَ الإسنادِ والمتنِ على حدٍ سواءٍ، لكشفِ العلَّةِ فيهمَا أو في أحدهمَا، ولإبرازِ الفوائدِ فيهمَا أو في أحدهمَا، كمَا بينَّا أنَّ أئمَّةَ الجرحِ والتَّعديلِ لا يحكمُونَ على الرَّاوي ومرويَّاتِهِ، إلا بعدَ عرضِهَا على مرويَّاتِ الثِّقاتِ، فإنْ وافقتْ ولو مِنْ حيثُ المعنى قُبِلَتْ، وإلا فَلا، ممَّا يُشيرُ إلى أنَّ الأئمَّةَ قامُوا بنقدِ السَّندِ والمتنِ معًَا، والاهتمامِ بهمَا جميعًَا. وقدْ أثارَ بعضُ المستشرقينَ - ك «غوستاف ويت» (^١)، و«شاخت» (^٢)، و«جولد تسيهر» (^٣)، و«كاتياني» (^٤) - شبهةً أنَّ المحدثينَ اهتمُّوا بالنَّقدِ الخارجيِّ «السَّندِ»\n_________\n(^١) قال «غوستاف ويت»: «قد درس رجال الحديث السنة بإتقان، إلا أن تلك الدراسة كانت موجهة إلى السند ومعرفة الرجال والتقائهم وسماع بعضهم من بعض … لقد نقل لنا الرواة حديث الرسول -ﷺ- مشافهة، ثم جمعه الحفاظ ودونوه، إلا أن هؤلاء لم ينقدوا المتن، ولذلك لسنا متأكدين من أن الحديث قد وصلنا كما هو عن الرسول -ﷺ- من غير أن يضيف إليه الرواة شيئا عن حسن نية في أثناء روايتهم للحديث». انظر المستشرقون والحديث النبوي - محمد بهاء الدين - ص ١٦١.\n(^٢) قال «شاخت»: «ومن المهم أن نلاحظ أنهم أخفوا نقدهم لمادة الحديث وراء نقدهم للإسناد نفسه». انظر كتاب مناهج المستشرقين في الدراسات العربية والإسلامية - «المستشرق شاخت والسنة النبوية» - محمد مصطفى الأعظمي -المنظمة العربية للتربية ومكتب التربية العربي لدول الخليج - ١٤٠٥ هـ.\n(^٣) قال «جولد تسيهر»: «في النقد الإسلامي للسنة تهيمن النزعة الشكلية في القاعدة التي انطلق منها هذا العلم، والعوامل الشكلية هي بصورة خاصة العوامل الحاسمة للحكم على استقامة وأصالة الحديث، أو كما يقول المسلمون: على صحة الحديث، وتختبر الأحاديث بحسب شكلها الخارجي فقط». انظر جهود المحدثين في نقد متن الحديث - محمد طاهر الجوابي - ص ٤٥٠.\n(^٤) قال «كاتياني»: «كل قصد المحدثين ينحصر ويتركز في وادٍ جدب ممحل من سرد الأشخاص الذين نقلوا المروي، ولا يشغل أحد نفسه بنقد العبارة والمتن نفسه». انظر المستشرقون والحديث النبوي - محمد بهاء الدين - ص ١٢٨.","vol":"1","page":84},{"text":"للحديثِ، وأغفلوا النَّقدَ الدَّاخليَّ «المتنَ»، وتبعَهُمْ على ذلكَ بعضُ الكُتَّابِ - ك «أحمد أمين» (^١) و«أحمد البهي» (^٢)، و«محمود أبو رية» (^٣) -.\nوللرَّدِّ على هذِهِ الشُّبهةِ (^٤) نقولُ:\n١ - النَّقْدُ الدَّاخِلِيُّ للحَدِيثِ «المتن» كَانَ أَوَّلَ عُلُومِ الحَدِيثِ وُجُودًَا فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ: فحينَ كانَ النَّاسُ على العدالَةِ، لا يكذبُ بعضهُمْ على بعضٍ، نشأَ بينهُمْ منهجُ المعارضَةِ للمرويَّاتِ، والتثبُّتِ حينَ التَّحمُّلِ والأداءِ، على يدِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- كمَا في حديثِ ميراثِ الجدَّةِ (^٥)، قالَ الذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ» في ترجمتِهِ: «كَانَ أَوَّلَ مَنِ احْتَاطَ فِي قَبُولِ الأَخْبَارِ» (^٦).\n_________\n(^١) قال أحمد أمين: «وفي الحق أن المحدثين عنوا عناية بالغة بالنقد الخارجي، ولم يعنوا هذه العناية بالنقد الداخلي». انظر ضحى الإسلام ٢/ ١٣٠، وفجر الإسلام ص ٢١٧ و٢١٨.\n(^٢) قال الدكتور أحمد البهي: «إن رجال الحديث كان كل همهم منصرفا إلى تصحيح السند والرواية، دون الاهتمام بتمحيص متن الحديث». انظر مجلة العربي، عدد ٨٩ - سنة ١٩٦٦ م- ص: ١٣.\n(^٣) نشر ذلك في كتابه «أضواء على السنة المحمدية» - طبع في دار المعارف - القاهرة - ١٩٥٧ - وقد انبرى في الرد على تخليطه وافترائه أئمة أجلة، من هؤلاء: محمد أبو شهبة في كتابه «دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين» - طبع في دار السنة «الدار السلفية لنشر العلم» - القاهرة - ١٤٠٩ هـ. ولينظر ص ٤١ وما بعدها في رد الشيخ أبو شهبة على شبهة النقد الخارجي للسند.\n(^٤) من الكتب المفردة للرد على هذه الشبهة: «اهتمام المحدثين بنقد الحديث سندًا ومتنًا» - محمد لقمان السلفي - دار الداعي - الرياض - ط ٢ - ١٤٢٠ هـ، و«جهود المحدثين في نقد متن الحديث النبوي الشريف» - محمد طاهر الجوابي - مؤسسات عبد الكريم بن عبد الله - تونس - ١٩٨٦ م.\n(^٥) انظر ص ٩٧.\n(^٦) تذكرة الحفاظ ١/ ٢.","vol":"1","page":85},{"text":"وَعُمرُ الفاروقُ -﵁- كما في قصَّتِهِ معَ أبي موسَى الأشعرِيِّ -﵁- (^١)، قالَ الذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ» في ترجمتِهِ: «وَهُوَ الَّذِي سَنَّ لِلْمُحَدِّثِينَ التَثَبُّتَ فِي النَّقْلِ وَرُبَّمَا كَانْ يَتَوَقَّفُ فِي خَبَرِ الوَاحِدِ إِذَا ارْتَابَ» (^٢). وهوَ أوَّلُ منْ عرضَ الرِّواياتِ على نصوصِ وقواعدِ الدِّينِ، فمَا خالفَ منها تركَ العملَ بِهِ، فحينَمَا سمِعَ حديثَ فاطمةَ بنتِ قيسٍ أنَّ زوجَهَا طلَّقَهَا ثلاثًَا، فلمْ يجعَلْ رسولُ اللهِ -ﷺ- لا سُكنَى ولا نفقَةَ لهَا، قَالَ عُمَر -﵁-: «لا نَترُكُ كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا -ﷺ- لِقَولِ اِمْرَأَةٍ لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ أَوْ نَسِيَتْ، لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَة، قَالَ اللهُ ﷿: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾» (^٣).\nوعَلِيٌّ -﵁-، قالَ الذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ» في ترجمتِهِ: «كَانَ إِمَامًَا عَالِمًَا مُتَحَرِّيًَا فِي الأَخْذِ، بِحَيثُ إِنَّهُ يَسْتَحْلِفُ مَنْ يُحَدِّثُهُ بِالحَدِيثِ …» (^٤). وقدْ ردَّ حديثَ مَعْقِلِ بنِ سِنَانَ في مَهْرِ منْ ماتَ عنهَا زوجُهَا، ولمْ يدخُلْ بهَا، ولمْ يُسَمِّ لهَا مهرًَا، وقالَ -﵁-: «لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا لِقَولِ أَعْرَابِيٍّ بَوَّالٍ عَلَى عَقِبَيهِ» (^٥).\nوابنُ عُمَرَ -﵁- كَمَا في قصَّتِهِ معَ أبي هُريرَة -﵁- (^٦).\nوقدْ أكثرتْ عائشةُ -﵁- من نقدِ المتونِ ومعارضتِهَا، منْ ذلكَ حينَمَا سمعَتْ حديثَ عُمرَ وابنِهِ عبدِ اللهِ أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ- قالَ: «إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيهِ».\n_________\n(^١) انظر ص ٩٨.\n(^٢) تذكرة الحفاظ ١/ ٦.\n(^٣) صحيح مسلم - كتاب الطلاق - باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها - ر ١٤٨٠.\n(^٤) تذكرة الحفاظ ١/ ١٠.\n(^٥) سبل السلام ٣/ ١٥١.\n(^٦) انظر ص ٩٩.","vol":"1","page":86},{"text":"فَقَالَتْ: «رَحِمَ اللهُ عُمَرَ، واللهِ مَا حَدَّثَ رسولُ اللِه -ﷺ- أنَّ اللهَ يُعذِّبُ المؤمنينَ ببكاءِ أحدٍ، ولكنْ قالَ: «إِنَّ اللهَ يَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًَا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيهِ». وقالتْ: حسبكُمُ القرآنُ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾» (^١).\nوقدْ جمعَ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ» كتابًا أسماه «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة -﵁- على الصحابة» (^٢).\nفهذَا نقدٌ بَيِّنٌ لِمتونِ الأحاديثِ، منْ خلالِ عرضِهَا على كتابِ اللهِ -﷾-. والإِسْنَادُ أتى مُتأخِّرًَا عن ذلكَ أيَّامَ الفتنةِ، كمَا أشارَ لذلكَ ابنُ سيرينَ (^٣).\nوكذلكَ كانَ دأبُ ومنهجُ المحدّثينَ منَ التَّابعينَ وتابعيهِم ومَن أتَى بعدهُم، قالَ الرَّبيعُ ابن خُثَيمٍ (^٤) «ت ٦٣ هـ»: «إِنَّ مِنَ الحَدِيثِ حَدِيثًَا لَهُ ضَوءٌ كَضَوءِ النَّهَارِ نَعرِفُهُ بِهِ، وَإِنَّ مِنَ الحَدِيثِ حَدِيثًَا لَهُ ظُلمَةٌ كَظُلمَةِ الَّليلِ نَعرِفُهُ بِهَا» (^٥).\n_________\n(^١) البخاري - كتاب الجنائز - باب قول النبي -ﷺ- يعذب الميت ببكاء أهله - ر ١٢٢٦، ومسلم - كتاب الجنائز - باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه - ر ٩٢٩، وزاد مسلم: قالت عائشة -﵁-: «إنكم لتحدثوني غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطئ».\n(^٢) حققه سعيد الأفغاني، وطبعه المكتب الإسلامي في بيروت عام ١٩٨٥ م، واختصره السيوطي في كتاب أسماه «عين الإصابة فيما استدركته عائشة على الصحابة»، حققه عبد الله محمد درويش، طبع في مكتبة العلم في القاهرة، عام ١٩٨٨ م.\n(^٣) صحيح مسلم ١/ ١٥.\n(^٤) الربيع بن خثيم بن عائذ بن عبد الله الثوري، أبو يزيد، كوفي، تابعي، «… - ٦٣ هـ»، روى له الجماعة، قال الشعبي: «كان من معادن الصدق». وقال ابن معين: «لا يسئل عن مثله». انظر المعرفة والتاريخ ٢/ ٣٢٦، وتذكرة الحفاظ ١/ ٥٧، ومغاني الأخيار ١/ ٣٢٣.\n(^٥) طبقات ابن سعد ٦/ ١٨٦.","vol":"1","page":87},{"text":"وَقَدْ رَدَّ عُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ (^١) «ت ٩٤ هـ» حَدِيثَ: «الصَّخْرَةُ عَرْشُ اللهِ الأَدْنَى». وَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ! يَقُولُ اللهُ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٤٢]، وَتَكُونُ الصَّخْرَةُ عَرْشَهُ الأَدْنَى» (^٢).\n٢ - النَّقْدُ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ شَمَلَ كُلًا مِنَ السَّنَدِ وَالمَتْنِ: قسَّمَ العلماءُ الحديثَ باعتبارِ سندِهِ ومتنِهِ إلى صحيحٍ وحسنٍ وضعيفٍ، فمنْ شروطِ الصَّحيحِ «أنْ لا يكونَ شاذًَا ولا معلَّلًَا»، والشُّذوذُ يكونُ في السَّندِ والمتنِ، قالَ العِراقِيُّ «ت ٨٠٦ هـ» في تعريفِ الشَّاذِّ: «وَذُو الشُّذُوذِ مَا يُخَالِفُ الثِّقَةُ فِيهِ المَلَا» (^٣). قالَ السَّخَاوِيُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «أي: بِالزِّيَادَةِ أَوِ النَّقْصِ فِي السَّنَدِ أَوْ فِي المَتْنِ» (^٤). والعلَّةُ تكونُ في المتنِ والإسنادِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «قَدْ تَقَعُ العِلَّةُ فِي إِسْنَادِ الحَدِيثِ وَهُوَ الأَكْثَرُ، وَقَدْ تَقَعُ فِي مَتْنِهِ» (^٥).\nوَمنْ هذا القبيلِ نشأتْ أنواعٌ للحديثِ بالنَّظَرِ لمتنِهِ كالمقلوبِ، والمضطربِ، والمدرجِ، والمعلَّلِ، والمصحَّفِ، والموضوعِ، وزيادَةِ الثِّقَةِ … الخ، وكذلك ظهرتْ علومٌ تَخُصُّ المتْنَ، كالغريبِ، وأسبابِ الورودِ، والنَّاسخِ والمنسوخِ، والمُشكِلِ،\n_________\n(^١) عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، القرشي، أبو عبد الله، «٢٢ هـ - ٩٣ هـ» - أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، عالم بالسيرة، حافظ ثبت. انظر مشاهير علماء الأنصار ص ٦٤، وتذكرة الحفاظ ١/ ٦٢.\n(^٢) المنار المنيف ١/ ٨٦/ ١٥٤ و١٥٥.\n(^٣) فتح المغيث ١/ ١٩٦.\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) علوم الحديث لابن الصلاح ١/ ٩١.","vol":"1","page":88},{"text":"والمُختَلِفِ، والمُحكَمِ. وكلُّ هذِهِ الأنواعِ والعلومِ سيأتِي تفصيلُهَا في «الفصلِ الثَّاني منَ البابِ الثَّالثِ منْ هذهِ الرِّسالةِ في بيانِ أثرِ السَّبرِ عندَ المُحدِّثينَ في المتنِ» (^١)، وبذلكَ تُرَدُّ كلُّ شُبهةٍ، ويُدفَعُ كُلُّ إشكَالٍ.\n٣ - الحُكْمُ عَلى الحَدِيثِ يَشْمَلُ كُلًا مِنَ السَّنَدِ وَالمَتْنِ: فالمُحدِّثونَ حِينمَا يقعُ في كلامهِمْ: «حديثٌ صحيحُ الإسنادِ» أو «حسنُ الإسنادِ» أو «سندٌ صحيحٌ»، فهوَ دونَ قولِهِمْ: «حديثٌ صحيحٌ»، و«حديثٌ حسنٌ» (^٢)، فهذَا يشمَلُ كُلًا منَ المتنِ والسَّندِ، وذاكَ مُختصٌّ بالسَّندِ، قال المُعَلِّمِيُّ «ت ١٣٨٦ هـ»: «أَئِمَّةُ الحَدِيثِ إِذَا اسْتَنْكَرُوا الحَدِيثَ نَظَرُوا فِي سَنَدِهِ فَوَجَدُوا مَا يُبَيِّنُ وَهْنَهُ، فَيَذْكُرُونَهُ؛ وَكَثِيرًَا مَا يَسْتَغْنُونَ بِذَلِكَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِحَالِ المَتْنِ؛ انظُرْ «مَوضُوعَاتِ ابْنِ الجَوزِيِّ»، وَتَدَبَّرْ تَجِدْهُ إِنَّمَا يَعْمَدُ إِلَى المُتُونِ الَّتِي يَرَى فِيهَا مَا يُنْكِرُهُ، وَلَكِنَّهُ قَلَّمَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ، بَلْ يَكْتَفِي غَالِبًَا بِالطَّعْنِ فِي السَّنَدِ» (^٣). وممَّا يَدُلُّ عَلَى شدَّةِ فحصِ الأئمَّةِ للسَّندِ والمتنِ معًَا، أنَّ الإمامَ لا يعدِلُ عنْ قولِهِ «صحيحٌ» إلى «صحيحِ الإسنادِ»، إلا لأمرٍ حاكَ في صدرِهِ (^٤).\nولذا فقدْ قرَّرَ أئمَّةُ الحديثِ - احتياطًا منهم للحديثِ النَّبوِيِّ - أنَّهُ لا تلازُمَ بينَ السَّندِ والمتنِ صحَّةً أو ضعفًَا، قالَ السَّخاوِيُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَالحُكْمُ الصَّادِرُ مِنْ المُحَدِّثِ لِلْإِسْنَادِ\n_________\n(^١) انظر ص ٣٧٧.\n(^٢) علوم الحديث لابن الصلاح ١/ ٣٨.\n(^٣) الأنوار الكاشفة للمعلمي ١/ ٢٦٣.\n(^٤) النكت على ابن الصلاح ١/ ٤٧٤.","vol":"1","page":89},{"text":"بِالصِّحَّةِ أَوْ بِالحُسْنِ، دُونَ الحُكْمِ مِنْهُ بِذَلِكَ لِلْمَتْنِ، حَسْبَمَا اقْتَضَاهُ تَصْرِيحُهُمْ بَأَنَّهُ لا تَلازُمَ بَينَ الإِسْنَادِ وَالمَتْنِ، إِذْ قَدْ يَصِحُّ السَّنَدُ أَوْ يَحْسُنُ لاسْتِجْمَاعِ شُرُوطِهِ مِنَ الاتِّصَالِ وَالعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ دُونَ المتْنِ لِشُذُوذٍ أَوْ عِلَّةٍ» (^١).\nبيدَ أنَّ هناكَ اتصالًا وثيقًا بينَ نقدِ المتنِ ونقدِ الإسنادِ، لأنَّ إثباتَ ثقةِ الرَّاوِي لا يكونُ بمجرَّدِ عدالتِهِ وصدقِهِ، بلْ لا بُدَّ منْ اختبارِ مرويَّاتِهِ بعرضِهَا على رواياتِ الثِّقاتِ، فإنْ وافقتْ رواياتُهُمْ مرويَّاتِ الثِّقاتِ - ولو منْ حيثُ المعنى، أو في الأغلَبِ - عرفنَا حينئِذٍ كونَهُ ضابطًا ثبتًا، قال المُعَلِّمِيُّ «ت ١٣٨٦ هـ»: «مَنْ تَتَبَّعَ كُتُبَ تَوَارِيخِ رِجَالِ الحَدِيثِ وَتَرَاجُمِهِمْ، وَكُتُبَ العِلَلِ، وَجَدَ كَثِيرًَا مِنَ الأَحَادِيثِ يُطْلِقُ الأَئِمَّةُ عَلَيهَا: «حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، بَاطِلٌ، شِبْهُ المَوضُوعِ، مَوضُوعٌ»؛ وَكَثِيرًَا مَا يَقُولُونَ فِي الرَّاوِي: «يُحَدِّثُ بِالمَنَاكِيرِ، صَاحِبُ مَنَاكِيرَ، عِنْدَهُ مَنَاكِيرُ، مُنْكَرُ الحَدِيثِ»؛ وَمَنْ أَنْعَمَ النَّظَرَ وَجَدَ أَكْثَرَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ المَعْنَى؛ وَلمَّا كَانَ الأَئِمَّةُ قَدْ رَاعَوا فِي تَوثِيقِ الرُّوَاةِ النَّظَرَ فِي أَحَادِيثِهِمْ وَالطَّعْنَ فِيمَنْ جَاءَ بِمُنْكَرٍ، صَارَ الغَالِبُ أَنْ لا يُوجَدَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ إِلا وَفِي سَنَدِهِ مَجْرُوحٌ، أَوْ خَلَلٌ» (^٢).\nوالارتباطُ يتجلَّى أيضًَا في أنَّ الإسنادَ الصَّحيحَ غَالبًا ما يقودُنَا إلى متنٍ صحيحٍ وكذلكَ المتنُ الصَّحيحُ غَالبًا ما يَرِدُنَا منْ طَرِيقٍ مُعتبَرٍ، قالَ الدُّكتور صبحِي الصَّالِحُ (^٣) «ت ١٤٠٦ هـ»:\n_________\n(^١) فتح المغيث ١/ ٩٠.\n(^٢) الأنوار الكاشفة للمعلمي ١/ ٢٦٤.\n(^٣) الدكتور صبحي الصالح، الشهيد، «١٣٤٤ هـ- ١٩٢٥ هـ»، رئيس المجلس الأعلى، وأمين عام رابطة العلماء، والأمين العام للجبهة الإسلامية في لبنان؛ وعضو لكثير من المجامع العلمية، حصل على العالمية من جامعة = =الأزهر، من مصنفاته: «علوم الحديث ومصطلحه»، و«منهل الواردين شرح رياض الصالحين»، وغيرها كثير. انظر أعلام الصحوة لمحمد علي شاهين ر ٢٦٤.","vol":"1","page":90},{"text":"«مَقَايِيسُ المُحَدِّثِينَ فِي السَّنَدِ لَا تَنْفَصِلُ عَنْ مَقَايِيسِهِمْ فِي المَتْنِ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّوضِيحِ وَالتَّبْوِيبِ وَالتَّقْسِيمِ، وَإِلَّا فَالغَالِبُ عَلَى السَّنَدِ الصَّحِيحِ أَنْ يَنْتَهِيَ بِالمَتْنِ الصَّحِيحِ، وَالغَالِبُ عَلَى المَتْنِ المَعْقُولِ المَنْطِقِيِّ الَّذِي لَا يُخَالِفُ الحِسَّ أَنْ يَرِدَ عَنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ» (^١).\n٤ - وُجُودُ عَلامَاتٍ وَضَوَابِطَ لِمَعْرِفَةِ الحَدِيثِ المَوضُوعِ مِنْ خِلالِ المَتْنِ، وَدُونَ الرُّجُوعِ إِلَى السَّنَدِ: مِنَ المعلومِ أنَّ نقدَ المتنِ عندَ المُحدِّثينَ يؤدِّي إلى الحُكمِ على الحديثِ بأشدِّ الأحكامِ وهوَ الوضعُ، حيثُ قرَّروا أنَّ الوضعَ قدْ يُعرَفُ منَ النَّظرِ في المرويِّ، قالَ ابنُ الجوزيِّ «ت ٥٩٧ هـ»: «إِذَا رَأَيتَ الحَدِيثَ يُبَايِنُ المَعْقُولَ، أَوْ يُخَالِفُ المَنْقُولَ، أَوْ يُنَاقِضُ الأُصُولَ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ مَوضُوعٌ، فَلَا تَتَكَلَّفِ اعْتَبَارَهُ» (^٢).\nوقالَ ابنُ دقيقٍ «ت ٧٠٢ هـ» «وَأَهْلُ الحَدِيثِ كَثِيرًَا مَا يَحْكُمُونَ بِالوَضْعِ بِاعْتِبَارِ أُمُورٍ تَرْجِعُ إِلى المَرْوِيِّ وَأَلْفَاظِ الحَدِيثِ، وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهُ حَصَلَتْ لَهمْ لِكَثْرَةِ مُحَاوَلَةِ أَلْفَاظِ (^٣) النَّبِيِّ\nهَيئَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ وَمَلَكَةٌ قَوِيَّةٌ عَرَفُوا بِهَا مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَلْفَاظِ النُّبُوَّةِ، وَمَا لا يَجُوزُ» (^٤).\nوحينمَا سُئِلَ ابنُ القيِّمِ «ت ٧٥١ هـ»: هَلْ يُمكنُ معرفةُ الحديثِ الموضوعِ بضابطٍ منْ غيرِ أنْ يُنْظَرَ في سندِهِ؟. فقالَ: «إِنَّمَا يَعْرِفُ ذَلِكَ مَنْ تَضَلَّعَ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ الصَّحِيحَةِ،\n_________\n(^١) علوم الحديث ومصطلحه - للدكتور صبحي الصالح - ص ٢٨٣.\n(^٢) الموضوعات لابن الجوزي ١/ ١٠٦.\n(^٣) المراد بقوله «لكثرة محاولة» أي: لكثرة تعايشهم مع ألفاظ النبي -ﷺ-، وكثرة دراستها وحفظها حصلت لهم هذه الملكة.\n(^٤) الاقتراح في علوم الاصطلاح لابن دقيق العيد ١/ ٢٥.","vol":"1","page":91},{"text":"وَخُلِطَتْ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ، وَصَارَ لَهُ فِيهَا مَلَكَةٌ وَاخْتِصَاصٌ شَدِيدٌ بِمَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالآَثَارِ، وَمَعْرِفَةِ سِيرَةِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَهَدْيِهِ فِيمَا يَامُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ وَيُخْبِرُ عَنْهُ وَيَدْعُو إِلَيهِ وَيُحِبُّهُ وَيَكْرَهُهُ وَيُشَرِّعُهُ لِلْأُمَّةِ، بِحَيثُ كَأَنَّهُ مُخَالِط لَهُ -ﷺ- بَينَ أَصْحَابِهِ الكِرَامِ» (^١).\nولذا وضعَ أئمَّةُ الحديثِ علاماتٍ وضوابطَ يُعرفُ بهَا الحديثُ الموضوعُ، مِنْ غيرِ الرُّجوعِ إلى سندِهِ، منْ ذلكَ: ركاكَةُ اللفظِ في المروِيِّ، ومخالفةُ الحديثِ لنصِّ القرآنِ أو السُّنَّةِ المتواترَةِ، وما اشتملَ على وعدٍ في الثوابِ العظيمِ على الأمرِ الصَّغيرِ، أو وعيدٍ عظيمٍ على الفعلِ اليسيرِ (^٢).\nوَقَدْ ألَّفَ ابنُ قيِّمِ الجوزيَّة «ت ٧٥١ هـ» كتابًا أسماهُ «نقدُ المنقولِ والمحكُّ المُمَيِّزُ بينَ المردودِ والمقبولِ» (^٣) بيَّنَ فيهِ ردَّ العلماءِ لكثيرٍ مِنَ الأحاديثِ بالنَّظرِ إلى متونِهَا.\nوبهذَا يتقرَّرُ أنَّ المحدِّثينَ أقاموا منهجَهُمْ النَّقْدِيَّ على السَّنَدِ والمَتْنِ، فَشَمَلَ السَّبْرُ والتَّصحيحُ والتَّضعيفُ والإعلالُ كِليهِمَا، دونَ الاهتمامِ بجانبٍ على حسابِ إغفالِ الجانبِ الآخرِ.\n* * *\n_________\n(^١) المنار المنيف في الصحيح والضعيف لابن قيم الجوزية - ص ٤٤.\n(^٢) انظر مقدمة ابن الصلاح ١/ ٩٨.\n(^٣) طبع في دار القادري - بيروت - ١٤١١ هـ - تحقيق: حسن السماعي سويدان.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-21>المَبْحَثُ الرَّابِعُ: الحَاجَةُ إِلَى السَّبْرِ، وَالأَسْبَابُ الدَّاعِيَةُ إِلَيهِ:</span>\nبيَّنتُ في المبحثِ الثاني أهميَّةَ السَّبرِ عندَ المحدثينَ، وأنَّه العمودُ الفِقريُّ الذي يقومُ عليهِ عملهُم في التَّصحيحِ والتَّضعيفِ، والجَرْحِ والتَّعديلِ، ولا بُدَّ منْ بيانِ الأسبابِ الدَّاعيةِ لسبرِ الأسانيدِ والمتونِ، والحاجةِ لذلكَ، ويعودُ ذلك لسببينِ رئيسينِ، وهمَا:\n\n<span data-type='title' id=toc-22>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: كَثْرَةُ الأَسَانِيدِ وَتَعَدُّدُ المُتُونِ:</span>\nوالسَّببُ في كثرةِ الأسانيدِ وتعدُّدِ المتونِ يرجعُ إلى أمرينِ، هما:\n١) الاِهْتِمَامُ البَالِغُ بِالإِسْنَادِ مِنْ قِبَلَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُم: لأنَّ الإسنادَ هوَ الطَّريقُ الموصلَةُ للمتنِ، فالسَّندُ الصحيحُ غالبًا ما يقودنَا إلى متنٍ صحيحٍ، فكانُوا يتحرَّونَ في نقلِ الأحاديثِ، ولا يقبلونَ منها إلا ما عرفُوا طريقَهُ، واطمأنُّوا إلى ثقةِ رواتِهِ وعدالتهِم، وذلكَ عن طريقِ الإسنادِ، فتعدَّدتِ الأسانيدُ بتعدُّدِ النَّقلةِ، وتعدَّدتِ المتونُ بتعدُّد الأسانيدِ، قال محمَّد بن سيرينَ (^١) «ت ١١٠ هـ»: «إِنَّ هَذَا العِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَاخُذُونَ دِينَكُمْ» (^٢).\n_________\n(^١) محمد بن سيرين البصري، الأنصاري، أبو بكر، «٣٣ هـ-١١٠ هـ»، تابعي، محدث، فقيه، ينسب له كتاب (تعبير الرؤيا). انظر حلية الأولياء ٢/ ٢٦٣، والتهذيب ٩/ ٢١٤.\n(^٢) رواه مسلم من طريقه عن محمد بن سيرين ١/ ١٤.","vol":"1","page":93},{"text":"وكانَ ابنُ شهابٍ الزهريُّ (^١) «ت ١٢٤ هـ» إذا حدَّثَ أتى بالإسنادِ، وقالَ: «لَا يَصِحُّ أَنْ يُرْقَى السَّطْحُ بِدُونِ سُلَّمٍ» (^٢). وقالَ مطرُ بنُ طَهْمَانَ الورَّاقِ (^٣) «ت ١٢٥ هـ» في تأويلِ قولِهِ تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤]: «إِسْنَادُ الحَدِيثِ» (^٤). وقال الأوزاعيُّ «ت ١٥٧ هـ»: «مَا ذَهَابُ العِلْمِ إِلَّا ذَهَابُ الإِسْنَادِ» (^٥). وقالَ شعبةُ «ت ١٦٠ هـ»: «كُلُّ حَدِيثٍ لَيسَ فِيهِ (حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا) فَهُوَ مِثْلُ الرَّجُلِ باِلفَلَاةِ مَعَهُ البَعِيرُ لَيسَ لَهُ خِطَامٌ» (^٦). وقال الثَّوريُّ (^٧) «ت ١٦١ هـ»: «الإِسْنَادُ سِلَاحُ المُؤْمِنِ، إِذَا لمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلَاحٌ فَبِأَيِّ شَيءٍ يُقَاتِلُ» (^٨).\n_________\n(^١) محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري، القرشي، أبو بكر، «٥٠ هـ-١٢٤ هـ»، أول من دوَّن الحديث رسميًَّا للخليفة عمر بن عبد العزيز، كان يحفظ ألفين ومئتي حديث، نصفها مسند. انظر تذكرة الحفاظ ١/ ١٠٢، حلية الأولياء ٣/ ٣٦٠، والتهذيب ٩/ ٣٩٥/ ٧٣٤، والسنة قبل التدوين - طبعة دار الفكر - ص ٢١٦ - ٢٢٠.\n(^٢) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ١٦١٢.\n(^٣) مَطَر بن طَهْمَان الوراق، أبو رجاء الخراساني، السلمي، مولى علي، «… هـ-١٢٥ هـ»، محدث، أخرج له البخاري في التاريخ، والخمسة. انظر ميزان الاعتدال ٦/ ٤٤٤، والتهذيب ١٠/ ١٥٢.\n(^٤) المحدث الفاصل للرامهرزي ص ٢١٠.\n(^٥) تاريخ مدينة دمشق ٣٥/ ١٨٦.\n(^٦) المصدر ذاته.\n(^٧) سفيان بن مسعود بن مسروق الثوري، أبو عبد الله، «٩٧ هـ-١٦١ هـ»، أمير المؤمنين في الحديث من كتبه: «الجامع الكبير» و«الجامع الصغير». انظر حلية الأولياء ٦/ ٣٥٦.\n(^٨) جامع التحصيل ١/ ٥٩.","vol":"1","page":94},{"text":"وقالَ ابنُ المباركِ «ت ١٨١ هـ»: «الإِسْنَادُ عِنْدِي مِنَ الدِّينِ، وَلَولَا الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ» (^١). وقالَ أيضًَا: «بَينَنَا وَبَينَ القَومِ القَوَائِمُ- أَي: الإِسْنَادُ» (^٢).\nوكانَ ابتداءُ التَّثبُّتِ والتَّحرِّي للإسنادِ في عهدِ الصَّحابةِ رضوانُ الله عليهمْ، واشتدَّ الاهتمامُ به بدايةَ عهدِ الفتنةِ، قالَ محمَّدُ بنُ سيرينَ «ت ١١٠ هـ»: «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ، قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ البِدْعَةِ فَلَا يُؤخَذُ حَدِيثُهُمْ» (^٣).\nونشأَ على أيدي صغارِ الصَّحابةِ ممَّنْ تأخَّرت وفاتُهم عنْ عصرِ الفتنةِ، فقدْ رُويَ أنَّ بُشَيرًا العدويِّ (^٤) جاءَ إلى ابنِ عباسٍ (^٥) -﵁- فجعلَ يُحَدِّثُ ويقولُ: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-، فجعلَ ابنُ عباسٍ لا يأذَنُ لحديثِهِ - أي: لا يستمعُ - ولا ينظرُ إليهِ، فقالَ: يا بنَ عبَّاسٍ ما لي لا أراكَ تسمَعُ لحديثِي، أحدِّثُكَ عن رسولِ اللهِ -ﷺ-، ولا تسمَعُ، فقالَ ابنُ عباسٍ -﵁-: «إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلًَا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأَصْغَينَا إِلَيهِ بِآَذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ لَمْ نَاخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَا نَعْرِفُ» (^٦).\n_________\n(^١) المصدر ذاته ١/ ١٥.\n(^٢) المصدر ذاته.\n(^٣) صحيح مسلم ١/ ١٥.\n(^٤) بُشَير بن كعب بن أبي الحميري، العدوي، أبو أيوب البصري، «… هـ- … هـ»، مخضرم، أخرج له البخاري، والأربعة. انظر التهذيب ١/ ٤١٣، والكاشف ١/ ٤٣٠.\n(^٥) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي، أبو العباس، «٣ قه - ٨٦ هـ»، الصحابي الجليل، حبر الأمة، له في الصحيحين وغيرهما «١٦٦٠» حديث. صفة الصفوة ١/ ٣١٤، والإصابة ت ٤٧٧٢.\n(^٦) صحيح مسلم ١/ ١٥. وثمة أمثلة كثيرة على تثبت الصحابة واحتياطهم في الرواية فلتنظر في السنة قبل التدوين لفضيلة شيخنا محمد عجاج، الباب الثاني: احتياط الصحابة والتابعين في رواية الحديث - ص ٦٣ - ٨٤.","vol":"1","page":95},{"text":"وكانوا يقطعونَ المفاوزَ من أجلِ التثبُّتِ في الرِّوايةِ وإسنادِهَا إلى رواتِهَا، لنفيِ الخبثِ والدَّخيلِ عن الحديثِ النبويِّ الشريفِ، قالَ أبو العاليةِ (^١) «ت ٩٠ هـ»: «كُنَّا نَسْمَعُ الرِّوَايَةَ بِالبَصْرَةِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَلَا نَرْضَى حَتَّى نَرْكَبَ إِلَى المَدِينَةِ فَنَسْمَعْهَا مِنْ\nأَفْوَاهِهِمْ» (^٢).\nوالاهتمامُ لم يكنْ بمجرَّدِ الإسنادِ، وإنَّما كانَ الاهتمامُ بمعارضةِ المرويَّاتِ والأخبارِ واعتضادِ بعضهِا ببعض.\n٢) كثرةُ المشتغلينَ بروايةِ الحديثِ النَّبويِّ الشَّريفِ: حملَ الحديثَ النَّبويَّ الشَّريفَ عنِ الصَّحابةِ جمٌّ غفيرٌ من الرُّواةِ، تفرَّقُوا في البلادِ، وحملَ عنْ هؤلاءِ جمعٌ أكبرُ، وهكذا … حتَّى كثُرتِ الأسانيدُ والطُّرقُ للحديثِ الواحدِ، ومع تعدُّدِ الأسانيدِ تعدَّدَتِ المتونُ وكثرتْ بكثرةِ طُرقِهَا، واختلفَتْ تِبعًَا لاختلافِ قرائِحِ الرُّواةِ وحفظهِمْ، وكثُرتِ القوادحُ الكثيرةُ والعللُ الظَّاهرةُ والخفيَّةُ، فكانَ لا بدَّ منْ جمعِ هذهِ المرويَّاتِ وسبرِهَا لبيانِ الصَّحيحِ من الضَّعيفِ، والمنقولِ من الدَّخيلِ.\nوشهدتِ الرِّحلةُ نشاطًا زائدًا من أجلِ هذا الغرضِ، حتى عُدَّتْ من ضروراتِ التَّحصيلِ لطالبِ الحديثِ، فلا تعلمُ محدِّثًا لهُ شأنُهُ إلا وقدْ رحلَ في البلادِ في طلبِ الحديثِ، وأفادَ العلماءُ من رَحلاتهمْ هذهِ فوائدَ كثيرةً، حيثُ اطَّلعُوا على ما نشرَهُ\n_________\n(^١) رُفَيع بن مِهْران البصري، أبو العالية، «… هـ-٩٠ هـ»، الفقيه، المقرئ، تابعي، لقي أبا بكر -﵁- وجمعًا من الصحابة، أخرج له الجماعة. انظر تذكرة الحفاظ ١/ ٦١/ ٥٠، وميزان الاعتدال ٣/ ٨١.\n(^٢) سنن الدارمي ١/ ١٤٩/ ٥٦٤.","vol":"1","page":96},{"text":"الصحابَةُ في شتَّى الآفاقِ، ووازنوا بين الأسانيدِ والمتونِ، مما تفرَّعَ عنهُ كثيرٌ من الفوائدِ، قالَ القاسمِيُّ (^١) «ت ١٣٣٢ هـ»: «أَمْعَنَ أَهْلُ الحَدِيثِ فِي جَمْعِ طُرُقِ الحَدِيثِ، وَرَحَلُوا إِلَى أَقْطَارِ الأَرْضِ وَبَحَثُوا عَنْ حَمَلَةِ العِلْمِ، فَكَثُرَ مِنَ الأَحَادِيثِ مَا لَا يَرْوِيهِ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ، وَلَا يَرْوِيهِ عَنْهُ أَوْ عَنْهُمَا إِلَّا رَجُلٌ أَوْ رَجْلَانِ، وَهَلُمَّ جَرَا» (^٢).\nوجمعَ هؤلاءِ الأئمةُ مع روايةِ الحديثِ الاهتمامَ بعلومِهِ درايةً، فقَد جرى حصرٌ شبهُ كاملٍ واستقراءٌ تامٌ لأحوالِ الرُّواةِ ومراتبهِم في الحفظِ وأخطائِهِم وعلَلِ أحاديثِهِم، ويظهَرُ هذا جَلِيًَّا في أحكامِ أئمَّة الجرحِ والتَّعديلِ على الرُّواةِ اعتمادًا منهم على السَّبرِ، وكذلكَ بيانُهُم لعلَلِ الأحاديثِ وتصحيحِها وتضعيفِهَا من خلالِ السَّبر كذلكَ.\n* * *\n_________\n(^١) جمال الدين بن محمد «سعيد بن قاسم الحلاق» القاسمي، «١٢٨٣ هـ-١٣٣٢ هـ»، إمام الشام في عصره، له أكثر من اثنين وسبعين مصنفًا، منها: «قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث»، و«محاسن التأويل» تفسير للقرآن. انظر الأعلام للزركلي ٢/ ١٣٥.\n(^٢) انظر قواعد التحديث لجمال الدين القاسمي ١/ ٣٣٤.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-23>المَطْلَبُ الثَّانِي: اخْتِلَافُ الرُّوَاةِ وَتَمَايُزُهُمْ فِي أَدَاءِ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ:</span>\nالاختلافُ أمرٌ فطريٌّ خاضعٌ لاختلافِ الملكاتِ عندَ الرُّواةِ، حالَ التَّحمُّلِ والأداءِ، قالَ ابنُ معينٍ «ت ٢٣٣ هـ»: «لَسْتُ أَعْجَبُ ممَّنْ يُحدِّثُ فَيُخْطِئُ، إِنَّمَا العَجَبُ ممَّنْ يُحدِّثُ فَيُصِيبُ» (^١). فمنَ الرُّواةِ منْ بلغَ أعلى درجاتِ الضَّبطِ والإتقانِ، ومنهمْ منْ كانَ أدنى في ذلكَ منْ غيرِهِ، ومنهُمْ من كانَ يختَلُّ ضبطُهُ منْ وقتٍ لآخرَ مع تغيُّراتِ الزَّمانِ واختلافِ الأحوالِ وتبدُّلِ الصِّحَّةِ، ومنهمْ منْ كانَ يحرِصُ على مرويَّاتِهِ بالمذاكرَةِ والمتابعَةِ، بعكسِ البعضِ الآخرِ.\nوالفيصلُ في هذا الاختلافِ إنَّما يتأتَّى بسبرِ المرويَّاتِ ومقارنتِهَا لكشفِ ما يعتوِرُ الحديثَ من وهمٍ أو نقصٍ وما يعتريهِ منْ تغييرٍ، قالَ ابنُ جماعة (^٢) «ت ٧٣٣ هـ»: «وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ - أَي الحَدِيثُ المُعَلُّ - جَمْعُ طُرُقِ الحَدِيثِ وَالنَّظَرُ فِي اخْتِلَافِ رُوَاتِهِ وَضَبْطِهِمْ وَإِتْقَانِهِمْ» (^٣).\nوللاختلافِ في الأسانيدِ والمتونِ أسبابٌ منها ما هو مشتركٌ بينَ السَّندِ والمتنِ معًا، ومنها ما يختَصُّ بأحدهِمَا، ومنها ما هو حقيقيٌّ قادحٌ، ومنهَا ما هوَ ظاهريٌّ غيرُ قادحٍ،\n_________\n(^١) تاريخ ابن معين «رواية الدوري» ٣/ ١٣/ ٥٢.\n(^٢) محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني، أبو عبد الله، بدر الدين بن جماعة، «٦٣٩ هـ-٧٣٣ هـ»، من العلماء بالحديث، من تصانيفه: «المنهل الروي في الحديث النبوي»، و«غرر البيان لمبهمات القرآن». انظر الأعلام للزركلي ٥/ ٢٩٧.\n(^٣) انظر المنهل الروي ١/ ٥٢.","vol":"1","page":98},{"text":"قالَ السَّخاوِيُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «مَيَّزَ الإِمَامُ مُسْلِمُ فِي صَحِيحِهِ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ حَتَّى فِي حَرْفٍ مِنَ المَتْنِ، وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُهُ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ مَعْنَىً، وَرُبَّمَا كَانَ فِي بَعْضِهِ اخْتِلَافٌ فِي المَعْنَى» (^١).\nوهذهِ الأسبابُ نُجملهَا فيمَا يأتي:\n١ - الاِخْتِلَافُ الحَقِيقِيُّ: وهوَ ما كانَ الخلافُ فيه جوهرِيًّا حقيقيًّا وقادحًَا، وليسَ اختلافًا ظاهريًَّا، وهوَ: أن يختلفَ الرُّوَاةُ في متنِ حديثينَ، أحدُهُمَا يخالفُ أَوْ ينافي الآخرَ، أو أنْ يختلفَ الرُّوَاة في راوٍ أَوْ رواةٍ مختلفينَ عَنِ الآخرينَ معْ عدمِ إمكانِ التَّرجيحِ والتَّوفيقِ، وهو ما يُنبئُ عن وجودِ علَّةٍ في الحديثِ لا تستبينُ إلا بالسَّبرِ، ومنْ أسبابِ الاختلافِ هذا:\n١) الوَهْمُ وَالخَطَأُ: وهما نتيجةُ السَّهوِ والنِّسيانِ اللذينِ جُبلَ الإنسانُ عليهما، ولا يسلمُ منهُما كبيرُ أحدٍ من الحفَّاظِ فضلًا عن صغارهِمْ، وهُمَا حاصلانِ في أحاديثِ الثِّقاتِ فضلًا عن الضُّعفاءِ، وفي أحاديثِ المكثرينَ أكثرَ منهمَا في أحاديثِ المقلِّينَ، إلا أنَّ الوهمَ والخطأَ اليسيرينِ لا يؤثِّرانِ في الرِّوايَةِ والرَّاوِي ما لم يفحُشَا في حديثِهِ، قالَ ابن المباركِ «ت ١٨١ هـ»: «وَمَنْ يَسْلَمُ مِنَ الوَهْمِ، وَقَدْ وَهَّمَتْ عَائِشَةُ -﵁- جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ فِي رِوَايَاتِهِمْ لِلْحَدِيثِ» (^٢). وقالَ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «وَمَنْ يَعْرَى مِنَ الخَطَأِ وَالتَّصْحِيفِ» (^٣).\n_________\n(^١) انظر فتح المغيث ٢/ ٢٤٤.\n(^٢) مختصر الكامل في الضعفاء للمقريزي ١/ ٧٧.\n(^٣) تاريخ أسماء الثقات لأبي حفص الواعظ ١/ ٢٥٩/ ١٥٨٦.","vol":"1","page":99},{"text":"وقالَ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ»: «فَلَيسَ مِنْ نَاقِلِ خَبَرٍ وَحَامِلِ أَثَرٍ مِنَ السَّلَفِ المَاضِينَ إِلَى زَمَانِنَا - وَإِنْ كَانَ مِنْ أَحْفَظِ النَّاسِ وَأَشَدِّهِمْ تَوَقِّيًا وَإِتْقَانًَا لِمَا يَحْفَظُ وَيَنْقُلُ - إِلَّا الغَلَطُ وَالسَّهْوُ مُمْكِنٌ فِي حِفْظِهِ وَنَقْلِهِ» (^١). وقالَ التِّرمذيُّ (^٢) «ت ٢٧٩ هـ»: «لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الخَطَأِ وَالغَلَطِ كَبِيرُ أَحَدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ مَعَ حِفْظِهِمْ» (^٣).\nوينتجُ عنِ الوهمِ والخطأِ في الحديثِ: الاضطرابُ، والقلبُ، والتَّصحيفُ والتَّحريفُ ورفعُ الموقوفِ، ووقفُ المرفوعِ، ووصلُ المرسلِ، وإرسالُ الموصولِ، والإدراجُ في المتنِ والإسنادِ. وهذهِ المذكوراتُ تقعُ في المتنِ والإسنادِ على حدٍ سواءٍ، أحدهُمَا أو كِلاهُما.\n٢) الاِخْتِلَاطُ: وهوَ منْ أسبابِ اختلالِ الضَّبطِ عندَ المحدِّثِ، والاختلاطُ كما عرَّفهُ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» بقولِهِ: «وَحَقِيقَتُهُ فَسَادُ العَقْلِ وَعَدَمُ انْتِظَامِ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ، إِمَّا بِخَرَفٍ، أَوْ ضَرَرٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ عَرَضٍ مِنْ مَوتِ ابْنٍ وَسَرِقَةِ مالٍ، كَالمَسْعُودِيِّ، أَوْ ذَهَابِ كُتُبٍ كَابْنِ لَهِيعَةَ، أَوْ احْتِرَاقِهَا كَابْنِ المُلَقِّنِ» (^٤). أو فقدانِ بصرٍ كعبدِ الرَّزَّاقِ بن هَمَّامٍ الصَّنعانيِّ (^٥).\n_________\n(^١) التمييز ١/ ١٧٠.\n(^٢) محمد بن عيسى بن سورة بن موسى السلمي، الترمذي، أبو عيسى، «٢٠٩ هـ-٢٧٩ هـ»، الحافظ، صاحب «الجامع الكبير» أحد الكتب الستة، و«الشمائل النبوية»، و«العلل». انظر التهذيب ٩/ ٣٨٧، والتذكرة ٢/ ١٨٧.\n(^٣) العلل الصغير ١/ ٧٤٦.\n(^٤) فتح المغيث ٣/ ٣٦٦.\n(^٥) قال ابن حنبل عنه: «أتيناه قبل المئتين وهو صحيح البصر، ومن سمع منه بعد ذهاب بصره فهو ضعيف السماع». انظر تهذيب الكمال ١٨/ ٥٢/ ٣٤١٥.","vol":"1","page":100},{"text":"والسَّبرُ والاختبارُ هما المنظارُ الدَّقيقُ الذي يتمّ من خلالهِ الكشفُ عن اختلاطِ الرُّواةِ، قالَ حمادٌ (^١) «ت ١٧٩ هـ»: «شُعْبَةُ كَانَ لَا يَرْضَى أَنْ يَسْمَعَ الحَدِيثَ مَرَّةً، يُعَاوِدُ صَاحِبَهُ مِرَارًَا» (^٢).\n٣) اخْتِلَالُ الضَّبْطِ: الضَّبطُ التَّامُّ من أهمِّ شروطِ الحديثِ الصَّحيحِ، وكلَّما خفَّ الضَّبطُ نزلَ الحديثُ عن رتبةِ الصَّحيحِ إلى الحسنِ فالضَّعيفِ فشديدِ الضَّعفِ ومنَ الرُّواةِ من يَخِفُّ ضبطهُم في بعضِ الأحايينِ، وهوَ بابٌ لدخولِ الوهمِ والخطأِ في حديثِ الرَّاوي، فينشأُ عنهُ الاختلافُ في المتنِ والإسنادِ، أحدُهما أو كلاهُما.\nولاختلالِ الضَّبطِ أسبابٌ عدةٌ نذكرُ منهَا:\n١. الانشغالُ عن الحديثِ بغيرهِ: كانَ دأبُ المحدِّثينَ التَّفرُّغَ لهذا العلمِ الشَّريفِ، وعدمُ جمعِ أيٍ من العلومِ إليهِ، حتَّى قالَ الخطيبُ البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ»: «عَلَى طَالِبِ الحَدِيثِ أَنْ يَقُومَ بِمُعَانَاةِ عِلْمِ الحَدِيثِ دُونَ سِوَاهُ، لِأنَّهُ عِلْمٌ لَا يَعْلَقُ إِلَّا بِمَنْ وَقَفَ نَفْسَهُ عَلِيهِ، وَلَمْ يَضُمَّ غَيرَهُ مِنَ العُلُومِ إِلَيهِ» (^٣). ولذَا قالَ ابنُ حبانَ «ت ٣٥٤ هـ»: «الفُقَهَاءُ الغَالِبُ عَلَيهِمْ حِفْظُ المُتُونِ وَأَحْكَامِهَا وَأَدَاؤُهَا بِالمعْنَى دُونَ حِفْظِ الأَسَانِيدِ وَأَسْمَاءِ المُحَدِّثِينَ» (^٤). وكذلكَ قالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»:\n_________\n(^١) حماد بن زيد بن درهم الأزدي، أبو إسماعيل البصري، «٩٨ هـ-١٧٩ هـ»، شيخ العراق في عصره، من حفاظ الحديث. انظر تذكرة الحفاظ ١/ ٢٢٨، وطبقات الحفاظ ١/ ١٠٣.\n(^٢) الجرح والتعديل ١/ ١٦٨.\n(^٣) انظر الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ١٧٣. بتصرف يسير، وهي زيادة «على طالب الحديث أن يقوم».\n(^٤) انظر صحيح ابن حبان ١/ ١٥٩.","vol":"1","page":101},{"text":"«الفُقَهَاءُ المُعْتَنُونَ بِالرَّايِ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَيهِمُ الاِشْتِغَالُ بِهِ، لَا يَكَادُونَ يَحْفَظُونَ الْحَدِيثَ كَمَا يَنْبَغِي، وَلَا يُقِيمُونَ أَسَانِيدَهُ وَلَا مُتُونَهُ، وَيُخْطِئُونَ فِي حِفْظِ الأَسَانِيدِ كَثِيرًَا وَيَرْوُونَ المُتُونَ بِالمَعْنَى، وَيُخَالِفُونَ الحُفَّاظَ فِي أَلْفَاظِهِ» (^١). كحمَّادِ بنِ أبي سُليمانَ، شيخِ أبي حنيفةَ النُّعمان، انشَغَلَ بالفقهِ عن الرِّوايَة (^٢).\nوكذلكِ الانشغالُ بالعبادَةِ عنِ الرِّوايَة: قال ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: «الصَّالحُونَ غَيرُ العُلَمَاءِ يَغْلِبُ عَلَى حَدِيثِهِمُ الوَهْمُ وَالغَلَطُ» (^٣). وقالَ الإمامُ مالكٌ (^٤) «ت ١٧٩ هـ»: «أَدْرَكْتُ بِهَذَا البَلَدِ - يَعْنِي الْمَدِينَةَ - مَشْيَخَةً لهُمْ فَضْلٌ وَصَلَاحٌ وَعِبَادَةٌ يُحَدِّثُونَ، مَا سَمِعْتُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَدِيثًَا قطُّ، فقيلَ لَهُ: وَلِمَ يا أبا عَبْدِ الله؟ قَالَ: لَمْ يكونُوا يعرفُونَ ما يُحدِّثونَ» (^٥). مِنْ هؤلاءِ أبَّانُ ابن أبي عيَّاش (^٦).\n٢. تحديثُ صاحبِ الكتابِ منْ حفظِهِ: الضَّبْطُ عندَ المحدثينَ اثنانِ: ضبطُ صدرٍ، وضبطُ سطرٍ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» في شرطِ من يحتجُّ بروايتِهِ: «أَنْ يَكُونَ حَافِظًَا\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٣٣ - ٨٣٤.\n(^٢) قال عنه أبو حاتم: «مستقيم في الفقه، وإذا جاء الآثار شوش». وقال شعبة: «كان حماد لا يحفظ». وعقَّب ابن أبي حاتم على ذلك، فقال: «يعني: إن الغالب عليه الفقه، ولم يرزق حفظ الآثار». انظر الجرح والتعديل ٣/ ١٤٧.\n(^٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٣٣.\n(^٤) مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، الحميري، أبو عبد الله، «٩٣ هـ-١٧٩ هـ»، إمام دار الهجرة أحد الأئمة الأربعة، وإليه تنسب المالكية، صنف «الموطأ»، وله رسالة في «الوعظ»، وكتاب في «المسائل». انظر التهذيب ١٠/ ٥، والأعلام للزركلي ٥/ ٢٥٧.\n(^٥) انظر العلل لابن حنبل «رواية المروزي» ص ١٨٦.\n(^٦) قال ابن رجب الحنبلي: «ذكر الترمذي من أهل العبادة المتروكين رجلين: أحدهما أبان بن أبي عياش». انظر شرح علل الترمذي ١/ ٣٩٠.","vol":"1","page":102},{"text":"إِنْ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ، ضَابِطًَا لِكِتَابِهِ إِنْ حَدَّثَ مِنْ كِتَابِهِ» (^١). فمنَ المحدثِّينَ مَنْ إذا حدَّثَ منْ حفظِهِ وَهِمَ، وإذَا حدَّثَ من كتابِهِ أتَى بهِ على الوَجهِ المرادِ، من هؤلاءِ حفصُ بن غياثٍ النَّخْعِيُّ (^٢)، وكذلكَ إذا رَوَى في بلدٍ معينٍ لبُعدِهِ عن كُتُبِهِ، فيُحدِّثُ من حفظِهِ فيقعُ الاختلالُ بالضَّبطِ منْ جرَّاءِ ذلكَ، ومنْ هؤلاءِ إسماعيلُ بنُ عياشٍ (^٣). وكذلكَ إذا سمعَ الحديثَ في بلدٍ معينٍ لعدمِ تأهُّبِهِ لذلكَ، أو أنَّ سماعَهُ لراوٍ ليسَ بصحيحٍ أو بعدَ الاختلاطِ، كزُهيرِ بنِ معاويةَ (^٤).\n٣. الاهتمامُ بالمتنِ دونَ الإسنادِ أو العكسُ: فمنَ الرُّواةِ من يخفُّ ضبطُهُ ويختلُّ في الإسنادِ دونَ المتنِ، من هؤلاءِ أبو مَعشرٍ نُجَيح بن عبد الرحمن السِّنديُّ، قالَ عنهُ ابنُ حنبلَ «ت ٢٤١ هـ»: «كَانَ صَدُوقًَا، لِكَنَّهُ لَا يُقِيمُ الإِسْنَادَ» (^٥). وقالَ الدَّارقطنيُّ (^٦) «ت ٣٨٥ هـ»: «كَانَ شُعْبَةُ ﵀ يُخْطِئُ فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ لِاشْتِغَالِهِ بِحِفْظِ المَتْنِ» (^٧).\n_________\n(^١) انظر علوم الحديث لابن الصلاح ١/ ١٠٤.\n(^٢) قال أبو زرعة: «ساء حفظه بعد ما استقضى، فمن كتب عنه من كتابه فهو صالح». وقال يعقوب بن شيبة: «هو ثقة ثبت إذا حدث من كتابه، ويتقى بعض حفظه». انظر التهذيب ٣٢/ ٣٥٨.\n(^٣) قال يعقوب بن سفيان: «تكلَّم قومٌ في إسماعيل، وإسماعيل ثقة عدلٌ، أعلم الناس بحديث الشام، ولا يدفعه دافع، وأكثر ما تكلموا قالوا: يُغرِبُ عَنْ ثقات المدنيين والمكيين». انظر المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٢٣، وطبقات الحفاظ ١/ ١١٥.\n(^٤) قال ابن حجر في التقريب: «ثقة ثبت، إلا أنَّ سماعه عن أبي إسحاق بآخرة». انظر التقريب ١/ ٢١٨.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال ١/ ٤١٢/ ٨٧٥.\n(^٦) علي بن عمر بن أحمد بن مهدي، أبو الحسن الدارقطني، الشافعي، «٣٠٦ هـ-٣٨٥ هـ»، إمام عصره في الحديث من تصانيفه: «السنن»، و«العلل الواردة في الأحاديث النبوية»، و«المؤتلف والمختلف»، و«الضعفاء». انظر وفيات الأعيان ١/ ٣٣١، وطبقات الشافعية ٢/ ٣١٠.\n(^٧) العلل للدارقطني ١١/ ٣١٤.","vol":"1","page":103},{"text":"ومنهمْ منْ يقيمُ الإسنادَ ولا يُحسنُ المتنَ، قال ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ»: «وَأَكْثَرُ مَنْ رَأَينَا مِنَ الحُفَّاظِ كَانُوا يَحْفَظُونَ الطُّرُقَ، وَلَقَدْ كُنَّا نُجَالِسُهُمْ بُرْهَةً مِنْ دَهْرِنَا عَلَى المُذَاكَرَةِ، وَلَا أَرَاهُمْ يَذْكُرُونَ مِنْ مَتْنِ الخَبَرِ إِلَّا كَلِمَةً وَاحِدَةً يُشِيرُونَ إِلَيهَا» (^١). وعقَّبَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ» بقولِهِ: «وَإِنِّمَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِمَنْ عُرِفَ مِنْهُ عَدَمُ حِفْظِ المُتُونِ وَضَبْطِهَا، وَلَعَلَّهُ يَخْتَصُّ بِالمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الحُفَّاظِ، نَحْوَ مَنْ كَانَ فِي عَصْرِ ابْنِ حِبَّانَ» (^٢). ولهذا فقدْ يصحُّ الإسنادُ دونَ المتنُ، وبالعكسِ.\n٤) التَّدلِيسُ: هو أنْ يرويَ الرَّاوي عمَّنْ لقيَهُ ما لم يسمعهُ منهُ بصيغةٍ توهمُ السَّماعَ، أو أن يسمِّيَ شيخَهُ أو يُكنِّيهِ على خلافِ المشهورِ لتعميةِ أمرِهِ. وَهُوَ منَ الأسبابِ الرئيسةِ التي تُدخِلُ الاختلافَ في المتونِ والأسانيدِ، لأن التَّدليسَ يكشفُ عن سقوطِ راوٍ أحيانًا، وربَّما كان هذا السَّاقطُ ضعيفًا أو في حفظِهِ شَيءٌ، أو لم يضْبط حديثَهُ، فيكونُ لهذا السَّاقِطِ دورٌ في اختلافِ الأسانيدِ والمتونِ (^٣).\n٢ - الاِخْتِلَافُ الظَّاهِرِيُّ: وهوَ ما كانَ فيه الاختلافُ مفيدًا أو غيرَ قادحٍ، بأنْ يكونَ الاختلافُ بينَ مترادفاتٍ تحملُ المعنى ذاتَهُ، أو تكونَ الزِّيادةُ فيهِ أو النُّقصانُ لفائدةٍ وزيادةِ معنىً، كأنْ يختلفَ الرُّواةُ في حديثينِ - سندًا أو متنًا - اختلافًا لفظيًا أو شَكليًا، معَ إمكانِ الجمعِ والتَّوفيقِ بينَ الرِّوايَاتِ المختلفةِ، وهوَ ما ينبئُ عن وجودِ فائدةٍ لا تتميَّزُ إلا بالسَّبرِ، وهذهِ جملةٌ من الأسبابِ الموجبةِ لهذا الاختلافِ نُجملهَا فيما يأتي:\n_________\n(^١) انظر المجروحين ١/ ٩٣.\n(^٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٣٧.\n(^٣) انظر معرفة علوم الحديث ص ١٠٣، ونزهة النظر ص ١١٣، وأثر اختلاف المتون والأسانيد في اختلاف الفقهاء للدكتور ماهر الفحل ص ٤٠.","vol":"1","page":104},{"text":"١) تعدُّدُ الحوادثِ والوقائعِ، ويقابلُهُ تعدُّدُ الطُّرقِ والأسانيدِ: فقدْ يروي النَّبيُّ -ﷺ- الحديثَ عدَّةَ مرارٍ لتعدُّدِ الحوادثِ، فيرويهِ الصَّحابةُ عنهُ، فتتعدَّدُ الأسانيدُ وكذلك المتونُ، قالَ القاضي عياضٌ (^١) «ت ٥٤٤ هـ» بعدَ ما ذكرَ رواياتِ الحوضِ: «هَذَا كُلُّهُ مِنْ اخْتِلَافِ التَّقْدِيرِ، لَيسَ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ فَيُحْسَبُ اخْتِلَافًَا وَاضْطِرَابًَا مِنَ الرُّوَاةِ وَإِنَّمَا جَاءَ فِي أَحَادِيثَ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ غَيرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ سَمِعُوهُ فِي مَوَاطِنَ مُخْتَلِفَةٍ» (^٢). وقالَ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «إِذَا اخْتَلَفَتْ مَخَارِجُ الحَدِيثِ وَتَبَاعَدَتْ أَلْفَاظُهُ، فَالذِي يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَا حَدِيثَينِ مُسْتَقِلَّينِ» (^٣). وكذا قالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: «إِنْ ظَهَرَ حَدِيثَانِ بِإِسْنَادَينِ، لَمْ يُحْكَمْ بِخَطَأِ أَحَدِهِمَا، وَعَلَامَةُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِهِمَا زِيَادَةٌ عَلَى الآَخَرِ، أَوْ نَقْصٌ مِنْهُ، أَوْ تَغَيُّرٌ، يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ آَخَرُ، فَهَذَا يَقُولُ عَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ وَغَيرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الصَّنْعَةِ: هُمَا حَدِيثَانِ بِإِسْنَادَينِ» (^٤). وقالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «إِذَا اخْتَلَفَتْ مَخَارِجُ الحَدِيثِ، وَتَبَاعَدَتْ أَلْفَاظُهُ، أَوْ كَانَ سِيَاقُ الحَدِيثِ فِي حِكَايةِ وَاقِعَةٍ يَظْهَرُ تَعَدُّدُهَا، فَالذِي يَتَعَيَّنُ القَولُ أَنْ يُجْعَلَا حَدِيثَيَنِ مُسْتَقِلَّينِ، وَلَا يُعَلُّ أَحَدُهُمَا بِالآَخَرِ، وَلَا يَكُونُ الاِخْتِلَافُ مُؤَثِّرًا» (^٥). وأمَّا تعدُّدُ الطُّرقِ والأسانيدِ فهذا طبيعيٌ بسببِ تعدُّدِ الرُّواةِ.\n_________\n(^١) عياض بن موسى بن عياض بن عمرو، اليحصبي، البستي، أبو الفضل، «٤٧٦ هـ-٥٤٤ هـ»، عالم المغرب، وإمام أهل الحديث في وقته، من تصانيفه: «الشفا بتعريف حقوق المصطفى»، و«الإلماع إلى معرفة أصول الرواية». انظر وفيات الأعيان ١/ ٣٩٢، والأعلام للزركلي ٥/ ٩٩.\n(^٢) إكمال المعلم ٧/ ٢٥٩.\n(^٣) نظم الفرائد ص ١١٢.\n(^٤) شرح العلل ٢/ ٨٤٣.\n(^٥) النكت على علوم ابن الصلاح ٢/ ٧٩١.","vol":"1","page":105},{"text":"٢) الرِّوَايةُ بالمعنَى، وروايةُ الحديثِ مُختصَرًَا أو مُطوَّلًا، ويقابِلُهُ الاختلافُ في ذكرِ الرُّواةِ: وينتج عن الرِّوايةِ بالمعنى الاختلافُ باللفظِ مع اتِّفاقِ المعنى واتِّحادِ المخرجِ، إلَّا إذَا كانَ الرَّاوي غيرَ عالمٍ بما يُحِيلُ المعنى فيتحوَّلُ إلى اختلالٍ في الضَّبطِ، قالَ العَلائِيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «إِذَا اتَّحَدَ مَخْرَجُ الحَدِيثِ وَتَقَارَبَتْ أَلْفَاظُهُ، فَالْغَالِبُ حِينَئِذٍ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَقَعَ الاِخْتِلَافُ فِيهِ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ، لَا سِيَمَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِهِ وَاقِعَةٌ تَبعُدُ أَنْ يَتَعَدَّدَ مِثْلُهَا فِي الوُقُوعِ» (^١). وقالَ ابنُ دقيقٍ «ت ٧٠٢ هـ»: «يُعْرَفُ كَونُ الحَدِيثِ وَاحِدًَا بِاتِّحادِ سَنَدِهِ وَمَخْرَجِهِ وَتَقَارُبِ أَلْفَاظِهِ» (^٢).\nوكذلكَ اختصارُ الحديثِ، وروايتُهُ بغيرِ الواقعَةِ التي نزلَ لأجلهَا، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «أَمَّا اخْتِصَارُ الحَدِيثِ فَالأَكْثَرُونَ عَلَى جَوَازِهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الذِي يَخْتَصِرُهُ عَالِمًا، لِأَنَّ العَالِمَ لَا يُنْقِصُ مِنَ الحَدِيثِ إِلَّا مَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا يُبْقِيهِ مِنْهُ، بِحَيثُ لَا تَخْتَلِفُ الدِّلَالَةُ، وَلَا يَخْتَلُّ البَيَانُ، حَتَّى يَكُونَ المَذْكُورُ وَالمَحْذُوفُ بِمَنْزِلَةِ خَبَرَينِ، أَوْ يَدُلُّ مَا ذَكَرَهُ عَلَى مَا حَذَفَهُ» (^٣).\nفالرِّوايةُ بالمعنى واختصارُ الحديثِ سببانِ للاختلافِ الحاصلِ بينَ متونِ الأحاديثِ النَّبويَّةِ مختلفةِ الطُّرقِ. قالَ جريرُ بنُ حازِمٍ (^٤) «ت ١٧٠ هـ»: «كَانَ الحَسَنُ يُحَدِّثُ بِالحَدِيثِ، الأَصْلُ وَاحِدٌ وَالكَلَامُ مُخْتَلِفٌ» (^٥).\n_________\n(^١) نظم الفرائد للعلائي ص ١١٢.\n(^٢) إحكام الأحكام ٢/ ٢٣١.\n(^٣) شرح النخبة للقاري ١/ ٤٩٥.\n(^٤) جرير بن حازم بن زيد، عبد الله بن شجاع، أبو النضر الأزدي، «٨٥ هـ-١٧٠ هـ»، الإمام الحافظ، محدث البصرة. انظر تذكرة الحفاظ ١/ ٢٠٠، وطبقات الحفاظ ١/ ٩٢.\n(^٥) الدارمي في السنن ١/ ١٠٥/ ٣١٧.","vol":"1","page":106},{"text":"والمقصُودُ بالاختلافِ في ذكرِ الرُّواةِ: أنْ يُذكرَ الرَّاوي مرَّةً باسمِهِ، ومرَّةً بكنيتهِ، ويذكُرَهُ بعضهُمْ بلقبِهِ، أو بنسبِهِ، أو بوصفٍ اشتهَرَ بِهِ، أو يوردُهُ مبهَمًا، أو مُهمَلًا (^١)، ولذا ألَّف الأئمةُ كُتبًا في الكُنى والألقابِ والأنسابِ والمُبهماتِ وتقييدِ المهملينَ من الرُّواةِ والمتَّفِقِ والمفتَرِقِ للإفصاحِ عنْ حقيقةِ الرَّاوي، قالَ السُّيوطِيُّ «ت ٩١١ هـ» في النَّوعِ الخمسينَ: «الأسماءُ والكُنى»: «وَيَنْبَغِي العِنَايَةُ بِذَلِكَ، لِئَلَّا يُذْكَرَ مَرَّةً الرَّاوِي بِاسْمِهِ، وَمَرَّةً بِكُنْيَتِهِ، فَيَظُنُّهَا مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ رَجُلَينِ، وَرُبَّما ذُكِر بِهِمَا مَعًَا فَيُتَوَهَّمُ رَجُلَينِ» (^٢).\n٣) زيادَةُ الثِّقةِ في المتنِ، ويقابلهُ المزيدُ في متَّصلِ الأسانيدِ: وهمَا من الأسبابِ التِي تُثَمِّر الخلافَ بينَ الرِّواياتِ في المتنِ والإسنادِ، فزيادةُ الثِّقةِ: ما كانتِ المخالفةُ بزيادةِ لفظةٍ أو جملةٍ في المتنِ يتفرَّدُ بها ثقةٌ عن بقيَّةِ الرُّواةِ، والمزيدُ في متَّصِلِ الأسانيدِ: هو ما كانتِ المخالفةُ بزيادةِ راوٍ في أثناءِ السَّندِ المتَّصلِ وهمًا (^٣)، وإنْ كانتْ هذهِ الزِّيادةُ غيرُ مفيدةٍ، حيثُ يستوي وجودُهَا وعدمُهَا، ولكنَّهَا تُحدثُ اختلافًا ظاهريًَّا، قالَ النَّوَويُّ (^٤) «ت ٦٧٦ هـ»: «وَأَمَّا اخْتِلَافُ الرُّوَاةِ عَنِ الصَّحَابِيِّ الوَاحِدِ فِي القِصَّةِ الوَاحِدَةِ فَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ حَفِظَ وَبَعْضَهُمْ نَسِيَ، فَيُؤْخَذُ بِمَا زَادَ الثِّقَةُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي قَبُولِ زِيَادَةِ الثِّقَةِ الضَّابِطِ» (^٥).\n_________\n(^١) انظر تعريف المهمل ص «».\n(^٢) انظر تدريب الراوي ٢/ ٢٧٨.\n(^٣) انظر المنهل الروي ١/ ٥٨، وتدريب الراوي ٢/ ٢٠٣، والمقنع ٢/ ٤٨٣، وشرح النخبة للقاري ١/ ٣١٥. والاختلاف في المزيد في متصل الأسانيد ظاهري، لكنه غير مفيد، حيث يستوي وجوده وعدمه.\n(^٤) يحيى بن شرف بن مري بن حسن الحزامي، الحوراني، النووي، الشافعي، أبو زكريا، محيي الدين، «٦٣١ هـ-٦٧٦ هـ»، المحدِّث، الفقيه، من كتبه: «المنهاج في شرح صحيح مسلم»، و«التقريب والتيسير» في مصطلح الحديث، و«منهاج الطالبين». انظر طبقات الشافعية ٥/ ١٦٥، والأعلام للزركلي ٨/ ١٤٩.\n(^٥) شرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ١٠٦.","vol":"1","page":107},{"text":"٤) الإدراجُ في المتنِ: وقد بيَّنتُ أنَّ الإدراجَ في المتنِ والإسنادِ منْ أسبابِ الوهمِ والخطأِ، أي: يدخلُ في اختلافِ التَّضادِّ لا التَّنوُّعِ - إلا إذا كانَ الإدراجُ لتفسيرِ غريبٍ، فقد استثناهُ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ» من الإدراجِ الممنوعِ، ويؤيِّدُهُ في ذلكَ صنيعُ أئمَّةِ الحديثِ المعتمدينَ، كالزُّهريِّ وغيرِهِ، لكنْ ينبغي على المحدِّثِ تفصيلُهُ وبيانُهُ (^١).\n٥) طلبُ الإسنادِ بعلوٍّ، والاستخراجُ: قالَ الإمامُ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «طَلَبُ عُلُوِّ الإِسْنَادِ مِنَ الدِّينِ» (^٢). وكانَ العلماءُ يرحلونَ لأجلِ طلبِ علوِّ الإسنادِ، وهوَ سببٌ في تعدُّدِ الأسانيدِ والمتونِ تبعًا لذلكَ، ويتبعُهُ الاختلافُ في الرِّواياتِ الحديثيَّةِ.\nوكذلكَ المستخرجاتُ (^٣) من أسبابِ الاختلافِ، لأنَّها طريقٌ إلى حصولِ زيادةٍ في المتنِ، وتبايُنٍ في الإسنادِ، قال العراقيُّ «ت ٨٠٦ هـ»: «وَمَا تَزِيدُ المُسْتَخْرَجَاتُ، أَوْ مَا يَزِيدُ المُسْتَخْرِجُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَلْفَاظٍ زَائِدَةٍ عَلَيهِ، مِنْ تَتِمَّةٍ لمِحْذُوفٍ، أَوْ زِيَادَةِ شَرْحٍ فِي حَدِيثٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَاحْكُمْ بِصِحَّتِهِ؛ لِأنَّهَا خَارِجَةٌ مِنْ مَخْرَجِ الصَّحِيحِ» (^٤).\nوللمستخرجاتِ فوائدُ تثمِّرُ الاختلافَ بينَ الرِّواياتِ، أوصلهَا ابن ناصرِ الدِّينِ الدِّمشقيِّ (^٥) «ت ٨٤٢ هـ» إلى عشرةٍ، منهَا: «عُلُوُّ الإِسْنَادِ، وَالزِّيَادَةُ فِي قَدَرِ الصَّحِيحِ، لِمَا\n_________\n(^١) انظر علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٩٣.\n(^٢) الرحلة للخطيب ١/ ٨٩/ ١٣.\n(^٣) «الكتاب المستخرج أو المخرَّج: هو كتاب يروي فيه صاحبه أحاديث كتاب معين بأسانيد لنفسه، فيلتقي في أثناء السند مع صاحب الكتاب الأصل في شيخه أو من فوقه». قال شيخنا نور الدين عتر: «لكن لا يتوهم أنه يروى الحديث بنفس لفظ الكتاب الأصلي، وإنما يرويه بحسب ما نقله إليه رجال سنده، مع احتمال أن يكون بينهما تفاوت في اللفظ، وربما كان تفاوتا في المعنى». انظر فتح المغيث ١/ ٢١، وتدريب الراوي ص ٥٦، ومنهج النقد للدكتور عتر ١/ ٢٦١.\n(^٤) التقييد والإيضاح للحافظ العراقي ١/ ٢٨.\n(^٥) محمد بن عبد الله بن محمد القيسي، الدمشقي، شمس الدين، الشهير بابن ناصر الدين، «٧٧٧ هـ-٨٤٢ هـ»، الحافظ، المؤرخ، من كتبه «افتتاح القاري لصحيح البخاري»، و«عقود الدرر في علوم الأثر». انظر الضوء اللامع ٨/ ١٠٣، والدرر الكامنة ٣/ ٣٩٧، والأعلام للزركلي ٦/ ٢٣٧.","vol":"1","page":108},{"text":"يَقَعُ فِيهِ مِنْ أَلْفَاظٍ زَائِدَةٍ، وَتَتِمَّاتٍ فِي بَعْضِ الأَحَادِيثِ، تَثْبُتُ صِحَّتُهَا بِهَذِهِ التَّخَارِيجِ، وَدَفْعُ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنَ النَّقْدِ عَلَى إِسْنَادِ الحَدِيثِ، كَأَنْ يَثْبُتَ فِي إِسْنَادِ المُسْتَخْرَجِ تَصْرِيحُ المُدَلِّسِ بِالسَّمَاعِ، وَتَعْيِينُ المُبْهَمِ، وَغَيرُ ذَلِكَ» (^١).\nهذهِ هيَ مُجملُ الأسبابِ للاختلافِ في الحديثِ النَّبويِّ الشَّريفِ سَندًا ومتنًا، منها ما يكونُ اختلافَ تَضادٍّ، لا يمكنُ التَّوفيقُ بينهُ، ينبئُ عن وجودِ علَّةٍ في الحديثِ، ويكشفُ عن قلَّةِ ضبطِ الرَّاوي، ومنهَا ما يكونُ اختلافَ تنوُّعٍ، يُمكنُ التَّوفيقُ بينهُ، ينبئُ عن زيادةِ فائدةٍ في الحديثِ، ويكشفُ عنْ دقَّةِ ضبطٍ في المرويِّ.\nوطريقُ الكَشفِ عمَّا ذكرناهُ من أسبابِ الاختلافِ بنوعيهِ، هوَ السَّبرُ والموازنَةُ بين المرويَّاتِ بعضِهَا ببعضٍ، فبالسَّبر تستبينُ أوجهُ الاختلافِ والاتِّفاقِ لغرضِ الجمعِ بين المرويَّاتِ أو التَّرجيحِ بينَهَا أو طَرحِهَا، ومِنْ ثُمَّ الحكمُ على المرويَّاتِ بالتَّصحيحِ أو التَّضعيفِ وعلى الرُّواةِ بالجرحِ أو التَّعديلِ.\n* * *\n_________\n(^١) انظر علوم الحديث لابن الصلاح ١/ ٢٤، والشذا الفياح للأبناسي ١/ ٩٢.","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type='title' id=toc-24>الفَصْلُ الثَّانِي: نَشْأَةُ السَّبْرِ، وَصُوَرُهُ، والمُصَنَّفَاتُ المُتَعَلِّقَةُ بِهِ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-25>المَبْحَثُ الأَوَّلُ: نَشْأَةُ السَّبْرِ وَتَطَوُّرُهُ عَبْرَ القُرُونِ:</span>\nإذَا أردْنَا أنْ نؤرِّخَ لنشأةِ السَّبرِ، ونتكلَّمَ عنْ مراحلِ تطوُّرِهِ، لا بدَّ منَ الحديثِ عنْ نشأةِ كُلٍ منَ «الإسنادِ»، و«العلَّةِ»، و«الجرحِ والتَّعديلِ»، لأنَّهما - أي: الجرحُ والتَّعديلُ، والعلَّةُ - غرضانَ منْ أغراضِ السَّبرِ، والإسنادُ أداتُهُ.\nفالسَّبرُ هو المرحلةُ التي تلي نشأَةَ الإسنادِ وتسبِقُ أو تتزامنُ مع نشوءِ «العلَّةِ» و«الجرحِ والتعديلِ»، وهوَ ما يُعبَّرُ عنْهُ ب «تسارُعِ وتزامُنِ تطوُّرِ المنهَجِ النَّقدِيِّ عندَ المحدِّثينَ».\nنشأَ السَّبرُ بنشأَةِ الرِّوايَةِ للحديثِ النَّبوِيِّ الشَّريفِ، لكنَّ أغراضَ السَّبرِ كانتْ تختلفُ منْ قرنٍ إلى آخرَ، تبعًا لتطوُّرِ الإسنادِ والرِّوايَةِ.\n* * *","vol":"1","page":110},{"text":"أولًا: السَّبْرُ بِمَعْنَى المُعَارَضَةِ لِلتَّثَبُّتِ وَالتَّحَرِّي «عَصْرُ الصَّحَابَةِ وَكِبَارِ التَّابِعِينَ»:\nفَالسبرُ بمعنَى المعارضَةِ والمقابلَةِ لغرَضِ التثبُّتِ نَشَأَ في زمنِ الصَّحابَةِ -﵃-، وقدْ عقدَ شيخنَا محمَّدُ عجاجِ الخطيبُ (^١) بابًا في كتابِهِ «السُّنَّةُ قبلَ التَّدوينِ» بيَّنَ فيهِ بالأمثلةِ المستفيضَةِ احتياطَ وتثبُّتَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ في قبولِ الأحاديثِ، فقالَ: «كَانَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- قُدْوَةً حَسَنَةً لِلْمُسْلِمِينَ فِي المُحَافَظَةِ عَلَى السُّنَّةِ، وَالتَّثَبُّتِ فِي قَبُولِ الأَخْبَارِ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ وَيَقَعَ المُسْلِمُونَ فِي خَطَأٍ يُؤَدِّي بِهِمْ إِلَى مَا لَا تُحْمَدُ عُقْبَاهُ» (^٢). ثمَّ أوردَ الأخبارَ التي تُبيِّنُ طريقَ الصَّحابةِ ومنهجَهُمْ في ذلكَ، مما سنأتي على ذكرِهِ. وقالَ الأعظمِيُّ (^٣): «إِنَّ مَنْهَجَ المُعَارَضَةِ بَينَ الرِّوَايَاتِ المُخْتَلِفَةِ بَدَأَ فِي عَهْدٍ مُبَكِّرٍ جِدًَا، وَلَعَلَّ أَوَّلَ نَقْلٍ يُثْبِتُ هَذَا المَنْهَجَ وَصَلَنَا مِنْ عَهْدِ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ -﵁- حَيثُ كَانَ هُوَ نَفْسُهُ النَّاقِدَ المُتَّبِعَ لِهَذَا المَنْهَجِ» (^٤). ومنَ الأمثلةِ على ذلكَ:\n_________\n(^١) الأستاذ الدكتور محمد عجاج الخطيب - أمد الله بعمره وأمتع به - «ولد ١٩٣٢ م»، حصل على الدكتوراة من جامعة القاهرة عام ١٩٦٦ م بتقدير شرف أولى، درَّس في جامعات كل من دمشق والسعودية والإمارات، وعمل عميدًا لكلية الشريعة في الشارقة، نال درجة أستاذ عام ١٩٧٦ م، من مصنفاته: «السنة قبل التدوين»، و«أبو هريرة -﵁- راوية الإسلام»، و«أصول الحديث ومصطلحه»، و«لمحات في المكتبة والبحث»، ومن تحقيقاته: «المحدث الفاصل بين الراوي والواعي»، و«الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع»، وله أبحاث عديدة نشرت في عدد من الصحف والمجلات. كتبت هذه الترجمة نقلًا عن ملف المؤلفين لدى مؤسسة الرسالة للطباعة، دمشق - بيروت.\n(^٢) انظر السنة قبل التدوين - الباب الثاني: تثبت الصحابة والتابعين في قبول الحديث - ص ٧٦ - ٨٤، وأصول الحديث - د. محمد عجاج الخطيب ص ٥٨ - ٦٢.\n(^٣) الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، الهندي، «ولد ١٣٥٠ هـ»، نال العالمية العالية من جامعة كامبردج، ودرَّس بكلية الشريعة في مكة المكرمة، من تصانيفه: «دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه»، و«منهج النقد عند المحدثين»، و«تاريخ تدوين القرآن»، وغيرها …\n(^٤) منهج النقد - د. محمد مصطفى الأعظمي ص ٥٠.","vol":"1","page":111},{"text":"حينمَا جاءَتِ الجدَّةُ إلى أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- تلتمسُ ميراثَهَا، فقالَ: ما أجدُ في كتابِ اللهِ شيئًا، وما علمتُ أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ- ذكرَ لكِ شيئًَا. ثمَّ سألَ النَّاسَ، فقامَ المغيرةُ، فقالَ: حضرتُ رسولَ اللهِ -ﷺ- يعطيهَا السُّدُسَ. فقالَ لهُ: هلْ معكَ أحدٌ؟ فشهدَ محمدُ بنُ مَسْلَمَةَ مثلَ ذلكَ، فأنفذَهُ لهَا أبو بكرٍ -﵁- (^١).\nقالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «أَبُو بَكْرٍ -﵁- أَوَّلُ مَنْ وَقَى الكَذِبَ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-» (^٢).\nوقالَ الذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ»: «فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَوَّلَ مَنِ احْتَاطَ فِي قَبُولِ الأَخْبَارِ» (^٣).\nوقالَ أيضًا: «إِلَيهِ المُنْتَهَى فِي التَّحَرِّي وَالقَبُولِ» (^٤).\nقالَ الأعظميُّ: «وَهُوَ الذِي دَلَّنَا عَلَى أَهَمِّ قَاعِدَةٍ لِلنَّقْدِ وَالتَّدْقِيقِ، وَهِيَ المُقَارَنَةُ بَينَ الرِّوَايَاتِ» (^٥).\nوقدْ مضى عمرُ -﵁- على المنهَجِ ذاتِهِ في مُقابلَةِ المرويَّاتِ ومعارضتِهَا ببعضٍ لغرضِ التثبُّتِ، ومنْ ذلكَ حينمَا جاءَ أبو موسىَ الأشعريُّ -﵁- إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ -﵁-، فاستأذَنَ ثلاثًَا، ثمَّ رجَعَ، فأرسَلَ عمرُ -﵁- في أَثَرِهِ. فقالَ: مالَكَ لمْ تدخُلْ؟ فقالَ أبو موسى: سمعتُ رسولَ اللهِ -ﷺ- يقولُ: الاستئذانُ\n_________\n(^١) سنن النسائي الكبرى - ذكر الجدات والأجداد ومقادير نصيبهم - ر ٦٣٤٠.\n(^٢) المدخل إلى كتاب الإكليل للحاكم ١/ ٧٠.\n(^٣) تذكرة الحفاظ ١/ ٢.\n(^٤) المصدر ذاته ١/ ٥.\n(^٥) منهج النقد - د. محمد مصطفى الأعظمي ص ١١.","vol":"1","page":112},{"text":"ثلاثٌ، فإنْ أُذِنَ لكَ فادخُلْ، وإلا فارجِعْ، فقالَ عُمَرُ -﵁-: «وَمَنْ يَعْلَمُ هَذَا؟ لَئِنْ لَمْ تَاتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ لَأَفْعَلَنَّ بِكَ كَذَا وَكَذَا، فَخَرَجَ أَبُو مُوسَى حَتَّى جَاءَ بِأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- فَشَهِدَ مَعَهُ»، فقالَ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ -﵁- لأبي موسَى: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ، وَلَكِنْ خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-» (^١).\nقالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ»: «إِنَّ عُمَرَ وَعَلِيًَا أَوَّلَ مَنْ فَتَّشَا عَنِ الرِّجَالِ في الرِّوَايةِ، وَبَحَثَا عَنِ النَّقْلِ فِي الأَخْبَارِ، ثُمَّ تَبِعَهُمْ نَاسٌ عَلَى ذَلِكَ» (^٢). ويُحملُ قولُ ابنُ حبَّانَ على أنَّهمَا أوَّلُ منْ وسَّعَ التَّثبُّتَ والتَّحرِّيَ في الرِّواياتِ، فأبو بكرٍ -﵁- هوَ أوَّلُ منْ قامَ بذلكَ.\nوَكذلكَ ما وردَ عنِ ابنِ عُمرَ -﵁- حينمَا روى حديثًَا مُخالفًا لفتوى ابنِ عبَّاسٍ -﵁-، ثمُّ قالَ لصاحبِهِ: «إِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ فَسَلْ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ ذَلِكَ، فَانْطَلَقَ، فَسَأَلَ أَبَا سَعِيدٍ، فَقِيلَ لابْنِ عَبَّاسٍ -﵁- مَا قَالَ ابنُ عُمَرَ وَأَبُو سَعِيدٍ، فَاسْتَغْفَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ -﵁- اللهَ -﷾-، وَقَالَ: هَذَا رَايٌ رَأَيتُهُ» (^٣).\nوعندمَا روى أبو هريرةَ حديثَ رسولِ اللهِ -ﷺ-: «مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ». فقالَ لهُ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ -﵁-: «انظُرْ مَا تُحَدِّثُ يَا أَبَا هُرَيرَةَ -﵁- فَإِنَّكَ تُكْثِرُ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى عَائِشَةَ -﵁- ا فَصَدَّقَتْ أَبَا هُرَيرَةَ -﵁-» (^٤).\n_________\n(^١) سنن أبي داود - كتاب الأدب - باب كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان - ر ٥١٨٤.\n(^٢) المجروحين لابن حبان ١/ ٣٨.\n(^٣) المعجم الكبير ١/ ٧٢.\n(^٤) مسند ابن حنبل - ر ٩٠٠٤.","vol":"1","page":113},{"text":"وقدْ قامتِ السَّيدةُ عائشةُ -﵁- بنوعٍ جديدٍ منَ السَّبرِ والمعارضَةِ بينَ المروِيَّاتِ، وهوَ المعارضةُ بينَ مرويَّاتِ الرَّاوي نفسِهَا في أزمنَةٍ مختلفةٍ، للتبيُّنِ منْ ضبطِهِ وصحَّةِ مرويَّاتِهِ، فعن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ، قالَ: قالتْ لي عائشةُ -﵁-: «يَا بْنَ أُخْتِي بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو مَارٌّ بِنَا إِلَى الْحَجِّ، فَالْقَهُ، فَسَائِلْهُ، فَإِنَّهُ قَدْ حَمَلَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- عِلْمًا كَثِيرًا». قالَ: فلقيتُهُ، فساءَلْتُهُ عنْ أشياءَ يذكرُهَا عنْ رسولِ اللهِ -ﷺ-، فكانَ فيمَا ذكرَ أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعًَا، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ، وَيُبْقِي فِي النَّاسِ رُؤُوسًا جُهَّالًا يُفْتُونَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ، فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ». قالَ عروةُ: فلمَّا حدَّثتُ عائشةَ -﵁- بذلكَ أعظمتْ ذلكَ وأنكرتْهُ، وقالتْ: «أَحَدَّثَكَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ هَذَا؟». قالَ عروةُ: حتَّى إذا كانَ قابلُ، قالتْ لهُ: إنَّ ابنَ عمرٍو قدْ قدمَ، فالْقَهُ، ثمَّ فاتحْهُ، حتَّى تسأَلَهُ عنِ الحديثِ الذي ذكرَهُ لكَ في العلمِ، قالَ: فلقيتُهُ فساءَلتُهُ، فذكرَهُ لي نحوَ ما حدَّثنِي بهِ في مرَّتِهِ الأولى، فلمَّا أخبرتُهَا بذلكَ، قالتْ: «مَا أَحْسِبُهُ إِلاَّ قَدْ صَدَقَ، أَرَاهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ شَيئًا وَلَمْ يَنْقُصْ» (^١).\n_________\n(^١) صحيح مسلم - كتاب - باب - ر ٦٩٧٤. ومثل هذه المعارضة قام بها مروان بن الحكم «٦٥ هـ» مع أبي هريرة -﵁-، فقد روى أبو الزعيزعة - كاتب مروان - أن مروان بن الحكم أرسل إلى أبي هريرة -﵁-، فجعل يسأله وأجلسني خلف السرير، وأنا أكتب حتى إذا كان رأس الحول، دعا به فأقعده من وراء الحجاب، فجعل يسأله من ذلك الكتاب، فما زاد ولا نقص ولا قدم ولا أخر. انظر سير أعلام النبلاء ٢/ ٤٣١. =\n= وممن قام بمثل ذلك من التابعين إبراهيم النخعي «٩٥ هـ»، حيث قال لعمارة بن القعقاع: «حدثني عن أبي زرعة، فإني سألته عن حديث، ثم سألته عنه بعد سنتين، فما أخرم منه حرفًا». انظر العلم لأبي خيثمة ص ١٢٢.","vol":"1","page":114},{"text":"ولقدْ سنَّ الصَّحابَةُ -﵃- الرِّحْلَةَ في طلَبِ الحَدِيثِ (^١)، فكانَ لهَا الأثرُ العميقُ في معرفَةِ الطُّرقِ المتعدِّدةِ للحديثِ الواحدِ، بالإضافةِ إلى فوائدَ يُعَدُّ أغلبُهَا منْ فوائِدِ السَّبر، قالَ شيخُنَا محمَّدُ عجاجٍ: «كَذَلِكَ كَانَ لِلرَّحَلَاتِ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ فِي مَعْرِفَةِ طُرُقِ كَثِيرَةٍ لِلْحَدِيثِ الوَاحِدِ، فَقَدْ يَسْمَعُ الرَّاوِي مِنْ عُلَمَاءِ المِصْرِ الذِي رَحَلَ إِلَيهِ زِيَادَاتٍ لَمْ يَسْمَعْهَا مِنْ عُلَمَاءِ مِصْرِهِ، وَكَثِيرًَا مَا يَجِدُ عِنْدَهُمْ مَا لَمْ يَجِدْهُ عِنْدَ شُيُوخِهِ وَقَدْ تَقَعُ مُنَاظَرَاتٌ بَينَ عُلَمَاءِ الأَمْصَارِ، تُعَارَضُ فِيهَا طُرُقُ الحَدِيثِ الوَاحِدِ، فَيُحَصَّلُ فِيهَا القَوِيُّ وَيُعْرَفُ الضَعِيفُ» (^٢).\nونَهَجَ نَهْجَ الصَّحابةِ في ذلكَ جمعٌ منْ كبارِ التَّابعينَ، قالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ»: «ثمَّ أَخَذَ مَسْلَكَ [أبي بَكْرٍ وَ] عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَاسْتَنَّ بُسُنَّتِهِمْ وَاهْتَدَى بِهَدْيِهِمْ فِيمَا اسْتَنُّوا مِنَ التَّيَقُّظِ فِي الرِّوَايَاتِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مِنْ سَادَاتِ التَّابِعِينَ، مِنْهُمْ: سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ، وَالقَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ بنِ أَبِي بَكْرٍ، وَسَالِمُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، وَعَلِيُّ بنُ الحُسَينِ بنِ\n_________\n(^١) من الصحابة الذين رحلوا في طلب الحديث: أبو أيوب الأنصاري -﵁-، رحلَ من المدينة إلى مصر، ليسأل عقبة بن عامر -﵁- عن حديث سمعه من النبي -ﷺ-، فلما قدم قال له: «حدِّثْنا ما سمعته من رسول الله -ﷺ- في ستر المسلم، لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك». فلما حدَّثه، ركب أبو أيوب راحلته عائدًا إلى المدينة، وما حلَّ رحله. مسند الحميدي ١/ ١٨٩/ ٣٨٤.\nوجابر بن عبد الله الأنصاري -﵁-: بلغه حديثٌ عن صحابيٍّ بالشَّام سمعه من رسول الله -ﷺ-، فاستعظم أن يفوته شيء من حديث رسول الله -ﷺ-، فاشترى بعيرًا وشدَّ عليه رحله، وسافر مسيرة شهر حتى قدم الشام، فإذا هو عبد الله بن أنيس -﵁- فقال له: «حديثٌ بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله -ﷺ- في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «يُحشر الناس يوم القيامة - أو قال العباد - عراةً غرلًا بُهْما». مسند أحمد - ر ١٦٠٨٥. وانظر للتعريف بالرحلة وفوائدها كتاب «الرحلة في طلب الحديث» للخطيب البغدادي.\n(^٢) السنة قبل التدوين ص ١٢٢.","vol":"1","page":115},{"text":"عَلِيٍّ، وَأَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوفٍ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ، وَخَارِجَةُ بنُ زَيدٍ بنِ ثَابِتٍ، وُعُرْوَةُ بنُ الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ، وَأَبُو بَكْرٍ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ الحَارِثِ، وَسُلَيمَانُ بنُ يَسَارٍ» (^١).\nومنْ الأمثلة في ذلكَ حينمَا قيلَ لمِسْعَرِ بنِ كدامٍ «ت ٥٣ أو ٥٥ هـ»: «مَا أَكْثَرَ تَشَكُّكِكَ؟» قالَ: «تِلْكَ مُحَامَاةٌ عَنِ اليَقِينِ» (^٢). وقولُ أبي العاليةِ الرِّياحيِّ «ت ٩٠ هـ»: «كُنَّا نَسْمَعُ الرِّوَايَةَ بِالبَصْرَةِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَلَمْ نَرْضَ حَتَّى رَكِبْنَا إِلَى المَدِينَةِ، فَسَمِعْنَاهَا مِنْ أَفْوَاهِهِمْ» (^٣).\n* * *\nثانيًا: الاِهْتِمَامُ بِالإِسْنَادِ، وَالتَّفْتِيشُ عَنْهُ «قُبَيلَ مُنْتَصَفِ القَرْنِ الأَوَّلِ الهِجْرِيِّ»:\nوقُبَيلَ النِّصفِ الثَّاني منَ القرنِ الأوَّلِ للهجرَةِ النَّبويَّةِ بدأَ الاهتمامُ بالإسنادِ والتَّفتيشُ عنهُ، كمَا أشارَ إلى ذلكَ محمَّدُ بنُ سيرينَ «ت ١١٠ هـ» بقولِهِ: «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ، قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ البِدَعِ فَلا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ» (^٤).\n_________\n(^١) المجروحين ١/ ٣٨.\n(^٢) المحدث الفاصل ١/ ٥٥٢.\n(^٣) سنن الدارمي ١/ ١٤٩/ ٥٦٤.\n(^٤) صحيح مسلم ١/ ١٥. قال شيخنا محمد عجاج: «وهذا لا يدل على أنَّ الصحابة والتابعين لم يكونوا يسندون الأحاديث قبل الفتنة، بل كان بعضهم يسند ما يروي تارة ولا يسنده أخرى، لأنهم كانوا على جانب كبير من الصدق والأمانة والإخلاص، وهناك أمثلة واضحة تبين إسناد الصحابة للروايات قبل الفتنة، من هذا ما حدَّث به علي -﵁- عن البراء بن عازب: «أن فاطمة أخبرته أن رسول الله -ﷺ- أمرها أن = = تحل، فحلت ونضحت البيت بنضوح». وكان أبو أيوب الأنصاري يحدث عن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- ما لم يسمعه من رسول الله -ﷺ-. وقد حدث الصحابة بعضهم عن بعض». انظر السنة قبل التدوين ١٤٦ وما بعدها.","vol":"1","page":116},{"text":"والفتنةُ كانتْ عامَ «٣٥ هـ»، فقدْ قالَ إبراهيمُ النَّخَعِيُّ (^١) «ت ٩٦ هـ»: «إِنَّمَا سُئِلَ عَنِ الإِسْنَادِ أَيَّامَ المُخْتَارِ» (^٢). وأيَّامُ «المختارِ» هيَ امتدادٌ لأيامِ الفتنةِ التي وردتْ في كلامِ ابنِ سيرينَ حيثُ بلغتِ الأوجَ، والمختارُ قَدِمَ الكوفةَ سنةَ «٦٤ هـ»، وتوفي سنة «٦٧ هـ» (^٣).\nوهذَا الزَّمَنُ كانَ فيهِ كلٌ منَ الشَّعبيِّ (^٤) «ت ١٠٣ هـ» وابنِ سيرينَ «ت ١١٠ هـ»، وهمَا أوَّلُ منْ فتَّشَ عنِ الإسنادِ، قالَ يحيى القَطَّانُ «ت ١٩٨ هـ»: «الشَّعْبِيُّ أَوَّلُ مَنْ فَتَّشَ عَنِ الإِسْنَادِ» (^٥). وقالَ ابنُ المَدِينِيِّ «ت ٢٣٤ هـ»: «كَانَ ابنُ سِيرِينَ مِمَّنْ يَنْظُرُ فِي الحَدِيثِ، وَيُفَتِّشُ عَنِ الإِسْنَادِ، لا نَعْلَمُ أَحَدًَا أَوَّلَ مِنْهُ، ثُمَّ كَانَ أَيُّوبُ، وَابْنُ عَونٍ، ثُمَّ كَانَ شُعْبَةُ، ثُمَّ كَانَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ» (^٦). وليسَ هذا معناهُ أنَّهمَا الوَحيدانِ في هذَا المَيدانِ، فقدْ ذكرَ ابنُ حبَّانَ جماعةً منْ ساداتِ التَّابعينَ اعتمدُوا التَّثبُّتَ في الرِّواياتِ - كمَا مرَّ آنفًا - لكنَّ الشَّعبِيَّ وابنَ سيرينَ أُثِرَ عنهمَا كلامٌ في ذلكَ، فكانَ التَّأريخُ استنادًَا على كلامِهِمَا.\n_________\n(^١) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود، أبو عمران النخعي، «٤٦ هـ - ٩٦ هـ»، من أكابر التابعين، ومن رواة وحفاظ الحديث، فقيه العراق. انظر طبقات ابن سعد ٦/ ١٨٨، وحلية الأولياء ٤/ ٢١٩.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال لابن حنبل ٣/ ٣٨٠.\n(^٣) وسبب هذا أنه كثر الكذب على عليّ في تلك الأيام، كما روى شريك، عن أبي إسحاق، قال: سمعت خزيمة ابن نصر العبسي أيام المختار - وهم يقولون ما يقولون من الكذب - وكان من أصحاب علي -﵁- قال: «ما لهم قاتلهم الله، أي عصابة شانوا وأي حديث أفسدوا!». وقال صلة بن زفر العبسي: «قاتل الله المختار أي شيعة أفسد، وأي حديث شان». وقال الجوزجاني: «كان المختار يعطي الرجال الألف دينار والألفين على أن يروي له في تقوية أمره حديثًا». انظر جميع هذه الأقوال في كتاب «أحوال الرجال» للجوزجاني ١/ ٣٩ - ٤٠.\n(^٤) عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار، الشعبي، الحميري، أبو عمرو، «١٩ هـ - ١٠٣ هـ»، علامة التابعين إمام حافظ، فقيه، استقضاه عمر بن عبد العزيز. انظر حلية الأولياء ٤/ ٣١٠، تذكرة الحفاظ ١/ ٧٩.\n(^٥) المحدث الفاصل ١/ ٢٠٨.\n(^٦) شرح علل الترمذي ١/ ٥٢.","vol":"1","page":117},{"text":"والتَّفتيشُ عنِ الإِسنادِ تفتيشٌ عنِ الرُّواةِ أيضًا منْ حيثُ العدالةِ والضَّبطِ، والقبُولِ أو الرَّدِّ، فقدْ برزَ معَ الإسنادِ علمُ الجرحِ والتَّعديلِ (^١)، لأنَّ بهِ يتميَّزُ الرَّاوِي الثِّقةُ منْ غيرِهِ، ولا معنَى للإسنادِ إذا لمْ تتميَّز رُوَاتُهُ، قالَ التِّرمذِيُّ «ت ٢٧٩ هـ»: «وَقَدْ وَجَدْنَا غَيرَ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ التَّابِعِينَ قَدْ تَكَلَّمُوا فِي الرِّجَالِ، منهُمُ: الحسنُ البَصرِيُّ «ت ١١٠ هـ»، وطَاوُسُ «ت ١٠٦ هـ»، وَسَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ «ت ٩٥ هـ»، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ «ت ٩٦ هـ»، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ «ت ١٠٣ هـ»» (^٢).\nوكذلكَ محمَّدُ بنُ سيرينَ، قالَ الذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ»: «أَوَّلُ مَنْ زَكَّى وَجَرَحَ مِنَ التَّابِعِينَ - وَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ ذَلِكَ قَبْلَهُمْ - الشَّعبِيُّ وَابنُ سِيرِينَ، حُفِظَ عَنْهُمَا تَوثِيقُ أُنَاسٍ وَتَضْعِيفُ آَخَرِينَ» (^٣). وذكرَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ» أنَّ ابنَ سيرينَ أوَّلُ منِ انتقدَ الرِّجالَ، وميَّزَ الثِّقاتَ منْ غيرهِمْ. ونقلَ عنْ يعقوبَ بنِ شيبةَ (^٤) «ت ٢٦٢ هـ» أنَّهُ قالَ: «قُلْتُ لِيَحْيَى بنِ معينٍ: تَعْرِفُ أَحَدًَا مِنَ التَّابِعِينَ كَانَ يَنتقِي الرِّجَالَ، كَمَا كَانَ ابنُ سِيرِينَ يَنْتَقِيهِمْ؟ فَقَالَ بِرَاسِهِ: أَي: لا» (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) وأعني بذلك ظهور علم الجرح والتعديل وبروزه لا نشأته، فقد نشأ الجرح والتعديل مع نشأة الرواية في الإسلام، وقد ورد عن النبي -ﷺ- جرح وتعديل في بعض الرجال، ووصلنا كثير من أقوال الصحابة -﵁- في هذا الباب، وتكلم بعد الصحابة التابعون وأتباعهم وأهل العلم من بعدهم في الرجال جرحًا وتعديلًا. انظر أصول الحديث علومه ومصطلحه - د. عجاج الخطيب ص ١٦٩.\n(^٢) العلل الصغير للترمذي ١/ ٧٣٨.\n(^٣) ميزان الاعتدال ٨/ ٤.\n(^٤) يعقوب بن شيبة بن الصَّلت بن عصفور، أبو يوسف، البصري، «١٨٢ هـ - ٢٦٢ هـ»، من كبار علماء الحديث من كتبه «المسند الكبير». انظر تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٧٧، وتاريخ بغداد ١٤/ ٢٨١.\n(^٥) شرح علل الترمذي ١/ ٥٢.","vol":"1","page":118},{"text":"ثالثًا: تَطَوُّرُ السَّبْرِ بِمَفْهُومِهِ الوَاسِعِ (أَوَاخِرُ القَرْنِ الأَوَّلِ، وَأَوَائِلُ القَرْنِ الثَّانِي):\nبعدَ اهتمامِ الأئمَّةِ بالإسنادِ ورجالِهِ، تضاعفتْ أعدادُ الأسانيدِ لتصلَ إلى مئاتِ الآلافِ ومعَ تضاعُفِ الأسانيدِ وتضاعُفِ رُوَاتِهَا، كانَ لا بُدَّ منْ حصرِ مرويَّاتِ كلِّ راوٍ وسبرِهَا، وسبْرِ متابعاتِ كلِّ حديثٍ وشواهِدِهِ، فأخَذَ منهجُ السَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ بالتَّطوُّرِ والارتقاءِ - أي: في أواخِرِ القرنِ الأوَّلِ الهجرِيِّ، وأوائلِ القرنِ الثَّاني الهجرِيِّ - وقدْ بيَّنَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ» في كتابِهِ المجروحينَ بدايةَ السَّبرِ بمفهومِهِ الواسِعِ - تتبُّعُ المرويَّاتِ وجمعُهَا وموازنتُهَا ومقارنتُهَا - والرِّحلَةَ لأَجْلِهِ، وأَنَّهُ نشأَ على يدِ أوَّلِ طبقَةٍ منَ التَّابعينَ، فقالَ بعدَ أنْ ذكرَ تفتيشَ الصَّحابَةِ وتثبُّتَهُمْ في الرِّوايَاتِ، واتِّباعَ سَادَاتِ التَّابعينَ لهم في ذلكَ: «أَخَذَ عَنْهُمُ العِلْمَ، وَتَتَبُّعَ الطُّرُقِ، وَانْتِقَاءَ الرِّجَالِ، وَرَحَلَ فِي جَمْعِ السُّنَنِ جَمَاعَةٌ بَعْدَهُمْ، مِنْهُمُ: الزُّهْرِيُّ «ت ١٢٤ هـ»، وَيَحْيَى بنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ «ت ١٤٤ هـ»، وَهِشَامُ بنُ عُرْوَةَ «ت ١٤٦ هـ»، وَسَعْدُ بنُ إِبْرَاهِيمَ «ت ١٢٥ هـ» …» (^١).\nوأوَّلُ منِ اعتمَدَ السَّبرَ وجمعَ الطُّرقِ هوَ الشَّعبِيُّ «ت ١٠٣ هـ»، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «أَمَّا جَمْعُ الحَدِيثِ إِلَى مِثْلِهِ فِي بَابٍ وَاحِدٍ، فَقَدْ سَبَقَ إِلَيهِ الشَّعْبِيُّ، فِإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ الطَّلاقِ جَسِيمٌ، وَسَاقَ فِيهِ أَحَادِيثَ» (^٢).\n_________\n(^١) المجروحين ١/ ٣٩.\n(^٢) انظر تدريب الراوي للسيوطي ١/ ٨٩. وقد أورد سعيد بن منصور «٢٢٧ هـ» في سننه «١/ ٢٦٨/ ٩٣٢» بسنده عن الشعبي قال: «باب من الطلاق جسيم: \"إذا اعتدت المرأة ورثت\"». وفي هذا إشارة إلى أنَّ تدوين الحديث بجمع الحديث إلى مثله سابق لتدوينه في أبواب، قال شيخنا محمد عجاج: «وهناك أخبار كثيرة تثبت أن جمع الأبواب بعضها إلى بعض كان بعد جمع الأحاديث في باب واحد. من ذلك ما رواه خالد بن دينار، قال: قلت لأبي العالية: أعطني كتابك؟ قال: \"ما كتبت إلا باب الصلاة، وباب الطلاق\". وقال يحيى بن سعيد: \"كان سفيان صاحب أبواب\". وقال سفيان الثوري: \"كم من أحاديث طنانات لا يؤبه لها قد أخرجنا عن صاحب هذا القبر «ابن جريج» في أبواب\"». انظر السنة قبل التدوين ص ٢٢٢ في الهامش، وانظر تخريج الأقوال في الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢٨٥، وتاريخ مدينة دمشق ١٨/ ١٧٨.","vol":"1","page":119},{"text":"وَمِنْ أوائلِ منْ أُثِرَ عنهُ كلامٌ في السَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ محمَّدُ بنُ سيرينَ «ت ١١٠ هـ»، حيثُ قالَ: «كُنْتُ أَسْمَعُ الحَدِيثَ مِنْ عَشَرَةٍ، اللَّفظُ مُخْتَلِفٌ وَالمَعْنَى وَاحِدٌ» (^١).\nوَابنُ أبي مُلَيكَةَ (^٢) «ت ١١٧ هـ» حيثُ قالَ لأيوبَ السِّخْتِيَانِيِّ «ت ١٣١ هـ»: «أَلَا تَعْجَبْ! حَدَّثَنِي القَاسِمُ عَنْ عَائِشَةَ -﵁- أنَّهَا قَالَتْ: «أَهْلَلْتُ بِالحَجِّ». وَحَدَّثَنِي عُرْوَةُ أَنَّهَا قَالَتْ: «أَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ». أَلَا تَعْجَبْ!» (^٣). يُبَيِّنُ فيهَا معارضةَ روايَتَي القاسِمِ وعُرْوَةَ.\nوكذلك يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ «ت ١٢٨ هـ» يقولُ: «إِذَا سَمِعْتَ الحَدِيثَ فَانْشُدْهُ كَمَا تَنْشُدُ الضَّالَّةَ، فَإِنْ عُرِفَ فَخُذْهُ، وَإِلَّا فَدَعْهُ» (^٤).\nووردَ أيضًا عنْ أيوبَ السِّخْتِيَانِيّ «ت ١٣١ هـ» - وهوَ منَ الفقهاءِ العبَّادِ التَّابعينَ - قَولُهُ: «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ خَطَأَ مُعَلِّمِكَ فَجَالِسْ غَيرَهُ» (^٥). ولا يكونُ تمييزُ الخطأِ إلَّا بالمقارنَةِ والموازنَةِ، أي: بسبرِ أحاديثِ الشُّيوخِ.\nوَقَالَ الطَّيَالِسِيُّ (^٦) «ت ٢٠٤ هـ»: «كُنَّا عندَ شُعبَةَ «ت ١٦٠ هـ»، فجاءَهُ خالدُ بنُ طَلِيقٍ، وَأبو الرَّبيعِ السَّمَّانُ، فكانَ خالدُ بنُ طليقٍ الذِي يَسألُهُ، فقالَ: يا أبَا بِسطَامَ، حدِّثني حديثَ\n_________\n(^١) الجامع لمعمر بن راشد ١١/ ٤٥١.\n(^٢) عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، التيمي، المكي، «… - ١١٧ هـ»، قاض، من رجال الحديث. انظر التهذيب ٥/ ٣٠٦.\n(^٣) مسند أبي عوانة ٢/ ٢٨٧/ ٣١٦٥.\n(^٤) التعديل والتجريح ١/ ٢٩١.\n(^٥) سنن الدارمي ١/ ١٦١/ ٦٤٣.\n(^٦) سليمان بن داود بن الجارود، أبو داود الطيالسي، فارسي الأصل، «١٣٣ هـ - ٢٠٤ هـ»، من كبار الحفاظ له «المسند». انظر تذكرة الحفاظ ١/ ٣٥١، والتهذيب ٤/ ١٦٠.","vol":"1","page":120},{"text":"سِمَاكِ ابنِ حربٍ في اقتضاءِ الوَرِقِ منَ الذَّهَبِ، فقالَ: «رَفَعَهُ سِمَاكُ وَأَنَا أُفَرِّقُهُ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، لَمْ يَرْفَعْهُ. وَحَدَّثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ سَعِيدِ بنِ الُمسَيِّبِ، عَنِ ابنِ عُمَرَ لَمْ يَرْفَعْهُ. وَحَدَّثَنِي أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابنِ عُمَرَ، لَمْ يَرْفَعْهُ. وَرَفَعَهُ سِمَاكُ» (^١). وهذا سبرٌ بيِّنٌ للرِّواياتِ، وكشفٌ للعلَّةِ منْ خلالِهِ، حيثُ ميَّزَ الحديثَ الموقوفَ من المرفوعِ منْ خلالِ السَّبرِ.\nوقالَ ابنُ المباركِ «ت ١٨١ هـ»: «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ يَصِحَّ لَكَ الحَدِيثُ فَاضْرِبْ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ» (^٢).\nورُوِيَ عنِ ابنِ شِهابٍ الزُّهرِيِّ «ت ١٢٤ هـ» معارضتُهُ بينَ المرويَّاتِ، حيثُ قال: «أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيرِ، وَابْنُ المُسَيِّبِ، وَعَلْقَمَةُ بنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيدُ اللهِ بنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ -﵁-، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًَا» (^٣).\nفهذهِ كلُّهَا نصوصٌ تُبيِّنُ أنَّ الأئمَّةَ في أواخرِ القرنِ الأوَّلِ ومطلَعِ القرنِ الثانِي كانُوا يسبرونَ المرويَّاتِ ويوازنُونَ بينهَا، ويستخرجونَ عللِهَا، ويبينونَ فوائِدَهَا.\nولا بدَّ منْ أن نُشيرَ هنا إلى تزامُنِ معرفَةِ العلَّةِ مع نشأَةِ السَّبرِ، لأنَّ السَّبرَ هو الأداةُ التي استخدمَهَا المحدِّثونَ لبيانِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ، لكشفِ عللِ الأحاديثِ، وإبرازِ فوائدِهِ، والأئمَّةُ الذينَ نشأَ على أيديهِم علمُ العللِ، هم شعبةُ بنُ الحجَّاجِ «ت ١٦٠ هـ»،\n_________\n(^١) ضعفاء العقيلي ٢/ ١٧٨/ ٦٩٩.\n(^٢) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢٩٥.\n(^٣) صحيح البخاري ٢/ ٩٣٢.","vol":"1","page":121},{"text":"وعبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ «ت ١٩٨ هـ»، وَيحيى بنُ سعيدٍ القطَّانُ «ت ١٩٨ هـ». والنَّصُّ الذي أوردناهُ آنفًا عنْ شعبةَ بنِ الحجَّاجِ يُفيدُ إفادةً قاطعةً على استخراجِ «شعبةَ» لعللِ الحديثِ منْ خلالِ السَّبرِ، حيثُ ميَّزَ الموقوفَ من المرفوعِ، ممَّا يؤكِّدُ أوَّليَّتَهُ في هذا العلمِ الدقيقِ، وكذلكَ فقدْ ذكرَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ» أنَّ ليحيى بنِ سعيدٍ القطَّانِ «ت ١٩٨ هـ» كتابًا في العللِ (^١).\n* * *\nرابعًا: بُلُوغُ السَّبْرِ أَوجَهُ فِي القَرْنِ الثَّالِثِ، وَتَنَوُّعُ التَّصْنِيفِ فِي الحَدِيثِ اعْتِمَادًَا عَلَيهِ:\nبلغَ السَّبرُ أوجَهُ في القرنِ الثَّالثِ الهجريِّ، ويدلُّ على ذلكَ صنيعُ الأئمَّةِ المحدِّثينَ والمصنفِّينَ، كابنِ معينٍ، وابنِ المدينيِّ، وابنِ حنبلٍ، والبخاريِّ، ومسلمٍ، ويعقوبَ بنِ شيبةَ وأبي حاتمٍ، وأبي زرعةَ، والتِّرمذيِّ، والعُقيليِّ، وأبي بكرٍ البزارِ … وغيرِهِم منْ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ، حيثُ اعتمدوا السَّبرَ في الحكمِ على الرِّجالِ ومرويَّاتِهِم، واستخراجِهِم عللَ الأحاديثِ، وهوَ ما تُرجِمَ على ألسنةِ كثيرٍ من هؤلاءِ الأئمَّةِ بيانًا لأهميَّةِ السَّبر، وقدْ مرَّت أقوالُ هؤلاءِ الأئمَّةِ في السَّبرِ، سأذكرُ أقوالِهم في الهامشِ تجنُّبًَا للتَّكرَارِ.\nوهذَا القرنُ هوَ قرنُ التَّأليفِ اعتمادًَا على السَّبرِ، واتخَذَ أَشكَالًا عدَّةً:\nفمصنفونَ اعتمدُوا السَّبرَ في تصنيفِ الصَّحيحِ والضَّعيفِ منَ الحديثِ، كالأئمَّةِ السِّتَّةِ … وغيرهِم.\nوانتشرَت الأجزاءُ الحديثيَّةُ التي تجمعُ مرويَّاتِ راوٍ بعينِهِ، أو مرويَّاتٍ في موضوعٍ مستقلٍّ، أو جمعِ طرُقِ حديثٍ واحدٍ.\n_________\n(^١) انظر شرح علل الترمذي ص ٥٣٣.","vol":"1","page":122},{"text":"وكذلكَ المستخرجاتُ (^١): وهيَ عبارةٌ عنْ بحثٍ وتفتيشٍ لطرقٍ أخرى للأحاديثِ لتعزيزِهَا، واستكمالِ ما قدْ يُظَنُّ فيهَا منْ نقصٍ أو خللٍ.\nومنْ أئمَّةِ السَّبرِ في هذَا القرنِ:\nابنُ معينٍ «ت ٢٣٢ هـ»، وجُلُّ اعتمادِهِ في الحكمِ على الرِّجالِ هو السَّبرُ، وهوَ ما يظهرُ جليًَّا في تاريخِهِ. قالَ ابنُ عديٍّ «ت ٣٦٥ هـ» في معرِضِ دفاعِهِ عنِ ابنِ معينٍ: «وَيَحْيَى أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُقَالَ فِيهِ مِثْلُ هَذَا، لأَنَّ عَامَّةَ الرُّوَاةِ سَبَرَ لَهُ أَحْوَالَهُ» (^٢).\nوابنُ المدينيِّ «ت ٢٣٤ هـ»، وهوَ إمامٌ في العللِ، ولهُ مصنَّفاتٌ كثيرةٌ فيهِ، منهَا: عللُ المسندِ، والعللُ لإسماعيلَ القاضِي، وعللُ حديثِ ابنِ عُيَينَةَ، واختلافُ الحديثِ، والعللُ المفرَّقَةُ (^٣).\n_________\n(^١) المُسْتَخْرَجُ: هو أن يروي المُستَخْرِجُ أحاديث كتاب معين بأسانيد لنفسه، فيلتقي في أثناء السند مع صاحب الكتاب الأصل في شيخه أو من فوقه، لكن لا يتوهم أنه يروى الحديث بنفس لفظ الكتاب الأصلي وإنما يرويه بحسب ما نقله إليه رجال سنده، مع احتمال أن يكون بينهما تفاوت في اللفظ، وربما كان تفاوتا في المعنى، وقد أوصل ابن حجر فوائد المستخرجات إلى عشر، ذكرها الصنعاني في التوضيح ١/ ٧١.\nنذكر من هذه الفوائد: ١ - علو الإسناد. ٢ - الزيادة في قدر الصحيح. ٣ - اندفاع ما قد يُتوهَّم من النقد على إسناد الصحيح، قال ابن حجر: «وكلُّ علَّة أُعلَّ بها حديث في أحد الصحيحين جاءت رواية المستخرَجِ سالمة منه». نقل هذا القول السيوطي في تدريب الراوي ١/ ١١٦.\nوقد كتب الدكتور \"موفَّق بن عبد اللهِ بن عبد القادر\" بحثًا بعنوان «المُسْتَخْرَجَاتُ - نَشْأَتُهَا وَتَطَوُّرُهَا»، نُشِرَ في «مجلَّة جامعة أمِّ القرى»، العدد ١٩. تطرَّق فيه إلى ستَّ عشرة فائدة من فوائد التَّخريج والمستخرجات، والتي تشترك مع فوائد السَّبر التي ستأتي في مباحث هذه الرِّسالة «إنْ شاءَ اللهُ تعالَى».\n(^٢) لسان الميزان ٢/ ٢٨٠.\n(^٣) من هذه الكتب «العلل لابن المديني». حققه محمد مصطفى الأعظمي، وهو مطبوع، وأما غيره مما ذكرناه فلم يصلنا منها شيء، وإنما ذكرها العلماء في كتبهم. انظر الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٣٠٢.","vol":"1","page":123},{"text":"وابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»، والبخاريُّ «ت ٢٥٦ هـ»، ومسلمٌ «ت ٢٦١ هـ»، وأبو داودَ «ت ٢٧٥ هـ» والتِّرمذيُّ «ت ٢٧٩ هـ»، والنَّسائيُّ «ت ٣٠٣ هـ»، وقدْ بيَّنَّا كيفَ أخرجَ هؤلاءِ الأئمَّةُ مصنَّفاتِهِم منْ خلالِ السَّبرِ (^١)، فضلًا عن كونِهِمْ منْ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ، والعللِ.\nوهذانِ العِلْمَانِ مُعْتَمَدُهُمَا السَّبرُ، إلَّا أنَّ الإمامَ مسلمًا اختصَّ بجمعِ طُرقِ الحديثِ في مكانٍ واحدٍ بأسانيدِهِ المتعدِّدةِ، وألفاظِهِ المختلفَةِ، وسنُبيِّنُ منهجَ الإمامِ مسلمٍ في صحيحِهِ بالتَّفصيلِ في مبحثِ «المصنَّفاتُ التي اعتمدَتِ السَّبرَ» (^٢).\nوللبخاريِّ كتابانِ عَرَضَ فيهمَا لعللِ الأحاديث، يُعرفَانِ بالتَّاريخِ الكبيرِ (^٣)، والتاريخِ الأوسط (^٤).\nوكذلكَ التِّرمِذِيُّ «ت ٢٧٩ هـ»، فإنَّهُ يُومئُ إلى طرقِ الحديثِ الأخرى بعدَ ذكرِ الرِّوايةِ الأصليَّةِ، قالَ الشَّيخُ أحمدُ شاكر (^٥) «ت ١٣٧٧ هـ»: «بَعْدَ أنْ يَرْوِي التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ البَابِ،\n_________\n(^١) انظر ص ٤٣.\n(^٢) انظر ص ١٢٧.\n(^٣) طبع في الهند عام ١٣٦١ هـ. وقد اعتمدت طبعة دار الكتب العلمية بتحقيق وتعليق عبد الرحمن المعلِّمي. والبخاري في كتابه هذا يورد الطرق المتعددة للحديث الواحد الذي رواه صاحب الترجمة بسنده، من ذلك ما أورده في ترجمة «سليمان بن أرقم، مولى بني قريظة»، من حديث: «لا نذر في معصية». فقد أورده من ثمانية طرق، وبألفاظه المتعددة. انظر التاريخ الكبير ٤/ ٢/ ١٧٥٦.\n(^٤) طبعته دار التراث - القاهرة - عام ١٩٧٧ م، بتحقيق: محمود إبراهيم زايد. ومن أمثلة جمع البخاري للطرق في كتابه هذا، ما أورده في ترجمة «عطاء بن يزيد» حديث: «الدين النصيحة». من تسعة طرق. انظر التاريخ الصغير ٢/ ٣٥ - ٣٦.\n(^٥) أحمد بن محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر، أبو الأشبال، «١٣٠٩ هـ - ١٣٧٧ هـ»، له تحقيقات كثيرة، منها في السنة وعلومها «تحقيق الجامع للترمذي»، و«تحقيق مختصر سنن أبي داود»، و«تحقيق ثلث مسند أحمد»، و«شرح ألفية السيوطي»، وغيرها … انظر مجلة البيان/ عدد ٣٩، وللاستزادة حول ترجمته انظر «الصبح السافر في ترجمة العلامة أحمد شاكر» لرجب عبد المقصود.","vol":"1","page":124},{"text":"يَذْكُرُ أَسْمَاءَ الصَّحَابَةِ الذِينَ رُوِيَتْ عَنْهُمْ أَحَادِيثُ فِي هَذَا البَابِ، سَوَاءً أَكَانَتْ بِمَعْنَى الحَدِيثِ الذِي رَوَاهُ، أَمْ بِمَعْنَىً آَخَرَ، أَمْ بِمَا يُخَالِفُهُ، أَمْ بِإِشَارَةٍ إِلَيهِ وَلَو مِنْ بَعِيدٍ» (^١). بالإضافَةِ إلى بيانِ الإمامِ التِّرمذيِّ للعللِ في كتابِهِ على ضوءِ سبرِهِ للأحاديثِ.\nوالنَّسائيُّ «ت ٣٠٣ هـ»، فقدْ سارَ في سننِهِ على طريقةٍ جمعتْ بينَ الفقهِ وفنِّ الإسنادِ، فجمعَ أسانيدَ الحديثِ الواحدِ في موطنٍ واحدٍ، قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «وَكِتَابُ «المُجْتَبَى» هَذَا يَسِيرُ عَلَى طَرِيقَةٍ دَقِيقَةٍ تَجْمَعُ بَينَ الفِقْهِ وَفَنِّ الإِسْنَادِ، فَقَدْ رَتَّبَ الأَحَادِيثَ عَلَى الأَبْوَابِ، وَوَضَعَ لَها عَنَاوِينَ تَبْلُغُ أَحْيَانًَا مَنْزِلَةً بَعِيدَةً مِنَ الدِّقَّةِ، وَجَمَعَ أَسَانِيدَ الحَدِيثِ الوَاحِدِ فِي مَوطِنٍ وَاحِدٍ، وَبِذَلِكَ سَلَكَ أَغْمَضَ مَسَالِكِ المُحَدِّثِينَ وَأَجَلِّهَا» (^٢). وللنَّسائِيِّ أيضًَا جزءٌ جمعَ فيهِ حديثَ «الفُضَيلِ بن عِيَاضٍ» (^٣).\nوالإمامُ أحمدُ «ت ٢٤١ هـ» في كتابِهِ المسنَدِ - كما هوَ شأنُ المسانيدِ - جمعَ أحاديثَ الصَّحابيِّ في موضعٍ واحدٍ (^٤) - وَفي كتابِهِ «فضائلُ الصحابَةِ» حيثُ جمعَ طرقَ كلِّ نصٍّ في موضعٍ واحدٍ (^٥).\nومحمدُ بنُ أسلَمَ الطُّوسِيُّ «ت ٢٤٢ هـ»، جمعَ طُرُقَ حديثِ «قبضِ العلمِ» (^٦).\n_________\n(^١) مقدمة جامع الترمذي ١/ ٦٦.\n(^٢) منهج النقد - د. نور الدين عتر - ١/ ٢٧٧.\n(^٣) ذكره ابن خير الاشبيلي «٥٧٥ هـ» في فهرسته ر ٢٠٣، والرسالة المستطرفة ر ٧٤٧.\n(^٤) وهي صورة من صور السبر، تفيد في سهولة الوصول إلى أحاديث الصحابي، أي تفيد في التخريج، وليس لها فائدة إسناديَّةٌ أو متنيَّةٌ، لذا لم أدرجها في صور السبر، في مبحث «صور السبر».\n(^٥) انظر المصنفات في السنة النبوية ٢/ ٣٨.\n(^٦) ذكره الكتاني في الرسالة المستطرفة ١/ ١١٢، وللمقدسي وللخطيب البغدادي جزء في مثل ذلك.","vol":"1","page":125},{"text":"وأبو بكرٍ الأثرمُ «ت ٢٦١ هـ»، لهُ مصنَّفٌ في السُّنَنِ، وآخرُ في عللِ الحديثِ (^١).\nوالذُّهليُّ «ت ٢٧٥ هـ»، جمعَ حديثَ «الزُّهرِيِّ» وبيَّنَ عللَهُ، وهي المسمَّاةُ ب «الزُّهريَّاتِ» (^٢).\nوأبُو بكرٍ الإسفراييني «ت ٢٨٦ هـ»، لهُ مُستخرَجٌ على صحيحِ مُسلِمٍ (^٣).\nوالبَزَّارُ «ت ٢٩٢ هـ»، كذلك لهُ مُستخرَجٌ على صحيحِ مُسلِمٍ، ولهُ المسندُ جمعَ فيهِ طرقَ\nالحديثِ (^٤).\nوأبو بكرٍ محمَّدُ بنُ إسماعيلَ الإِسماعيليُّ «ت ٢٩٥ هـ»، جمعَ حديثَ «الزُّهرِيِّ»، وحديثَ «مالكٍ»، وحديثَ «يحيى بنِ سعيدٍ»، وحديثَ «عبدِ الله بن دينارٍ»، وحديثَ «موسى بنِ عقبةَ»، وحديثَ «مِسعرِ بنِ كِدامٍ» (^٥).\n* * *\nرابعًا: السَّبْرُ مِنَ القَرْنِ الرَّابِعِ حَتَّى القَرْنِ التَّاسِعِ الهِجْرِيِّ:\nيُعدُّ القَرْنُ الثَّالثُ - كمَا أسلفْنَا - العصرَ الذَّهبيَّ للسَّبرِ عندَ المُحدِّثينَ، تكاملَ فيهِ بنيانُهُ واكتملتْ أغراضُهُ، واستُخدِمَ على أوسعِ نطاقٍ، من النَّاحيتينِ النَّظريَّةِ والتَّطبيقِيَّةِ، حيثُ كانَ المنهجَ العلمِيَّ الأدَقَّ للنَّقدِ عندَ أئمَّةِ الحديثِ النَّبويِّ الشَّريفِ.\n_________\n(^١) ذكره ابن حجر في المعجم المفهرس ١/ ٥١. وقال الخطيب في تاريخه ٥/ ١١٠: «له كتاب في علل الحديث».\n(^٢) ويسمى أيضًا: «علل حديث الزهري». انظر الرسالة المستطرفة ٦/ ٣٥. وقد حقق جزءًا منه ضمن رسالة جامعية عام «١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م» بعنوان «الإمام محمد بن يحيى الذهلي محدثًا، مع تحقيق الجزء المنتقى من زهرياته». للباحث سليمان بن سعيد العسيري - جامعة أم القرى.\n(^٣) ذكره النووي في شرحه على صحيح مسلم ١/ ٢٦.\n(^٤) ذكر الذهبي «مستخرج البزار» في التذكرة ٢/ ١٥٦، فقال: «وله مستخرج كهيئة صحيح مسلم». وأما مسند البزار فهو مطبوع باسم «البحر الزخار» بتحقيق محفوظ الرحمن زين الدين - دار الكتب العلمية - ٢٠٠٣ م.\n(^٥) انظر الرسالة المستطرفة ٦/ ٥٥.","vol":"1","page":126},{"text":"وأمَّا القرونُ التي أتتْ بعدَ هذَا القرنِ فكانتْ امتدادًَا لهُ، لمْ يزِدْ عليهِ أئمَّتُهُ سوى الاستنانِ بِسُنَنِ أئمَّةِ القَرنِ الثَّالثِ في تطبيقِ منهجِ السَّبرِ، لكنْ يُلاحَظُ في هذَا القرنِ «الرابع»:\nأولًا: استخدامُ مُصطلَحِ «السَّبْرِ» على يدِ إمامينِ جليلينِ منْ أئمَّةِ العِلَلِ والرِّجالِ، وهُمَا ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ»، وابنُ عديٍّ «ت ٣٦٥ هـ»، فهمَا أكثرُ منِ استخدَمَ السَّبْرَ لفظًَا وتطبيقًَا، في كُتُبهِمَا الثِّقاتِ والمجروحينَ لابنِ حبَّانَ، والكاملِ لابنِ عديٍّ.\nثانيًا: وثمَّةَ مَلْحَظٌ آخرُ، وهوَ كثرةُ الأجزاءِ الحديثيَّةِ التي تجمعُ طُرُقَ حديثٍ مَا.\nوممنْ استخدمَ السَّبرَ وجمعَ طرقِ بعضِ الأحاديثِ في القرنِ الرَّابعِ:\nابنُ جريرٍ الطَّبريُّ «ت ٣١٠ هـ» في كتابِهِ «تهذيبُ الآثارِ»، وكتابُهُ هذَا مُستفيضٌ ببيانِ العللِ وجمعِ الطُّرقِ بمَا لمْ يسبِقْ إليهِ (^١).\nوأبو عَوَانَةَ الإِسفرايينِيُّ «ت ٣١٦ هـ» لهُ مُستخرَجٌ على صحيحِ مُسلِم (^٢).\nوالطَّحاوِيُّ «ت ٣٢١ هـ» في كتابِهِ «مشكِلِ الآثارِ» (^٣)، حيثُ جمعَ بينَ الرِّواياتِ التي ظاهرُهَا التَّعارضُ، وقامَ بدفعِ هذَا التَّعارُضِ.\n_________\n(^١) قال الفَرْغاني «ت ٣٦٢ هـ»: «وابتدأ بتصنيف كتاب تهذيب الآثار، وهو من عجائب كتبه، ابتداءً بما أسنده الصديق مما صحَّ عنده سنده، وتكلم على كل حديث منه بعلله وطرقه، ثم فقهه واختلاف العلماء وحججهم، وما فيه من المعاني والغريب، والرَّدِّ على الملحدين». نقله الذهبي في أعلام النبلاء ١٤/ ٢٧٣.\n(^٢) وهو «المسند الصحيح المخرج على صحيح مسلم» ويعرف ب «مسند أبي عوانة». دار المعرفة، بيروت، ١٩٩٨ م.\n(^٣) طبع في أربعة مجلدات - دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد - ١٩٦٨ م.","vol":"1","page":127},{"text":"وابنُ عُقدةَ «ت ٣٣٢ هـ»، جمعَ طرُقَ حديثِ «منْ كنتُ مولاهُ فعليٌ مولاهُ» (^١).\nوقاسمُ بنُ إِصبَغَ القُرطُبِيُّ «ت ٣٤٠ هـ» لهُ مُستخرَجٌ على سُنَنِ أبي داودَ (^٢).\nوابنُ النَّجَّادِ «ت ٣٤٨ هـ»، في مُصنَّفِهِ «مسندُ عمرَ بنِ الخطَّابِ»، حيثُ قامَ بجمعِ أحاديثِ كلِّ قضيةٍ ناقشَهَا في موضعٍ واحدٍ، وجمعَ طرقَ الحديثِ الواحدِ في موضعٍ واحدٍ، ونبَّهَ إلى الاختلافِ الواقعِ بينَ رواةِ النَّصِّ الواحدِ (^٣).\nوالحافظُ يوسُفُ بنُ خليلٍ الدِّمشقِيُّ «ت ٣٤٨ هـ»، جمعَ حديثَ «منْ كذبَ عليَّ مُتعمِّدًَا» (^٤).\nوالآجريُّ «ت ٣٦٠ هـ»، جمعَ طُرقَ حديثِ (الإِفْكِ) (^٥).\nوالطَّبرانيُّ «ت ٣٦٠ هـ»، جمعَ طُرُقَ حديثِ «منْ كذبَ عليَّ متعمِّدًَا» (^٦)، وجمعَ أحاديثَ\n«الأعمشِ»، ولهُ أيضًَا «مسندُ شعبةَ»، و«مسندُ سُفيانَ»، وَ«مسندُ الأوزاعِيِّ» (^٧).\n_________\n(^١) أشار إليه الحافظ ابن حجر في الفتح ٧/ ٧٤، فقال: «وأما حديث «من كنت مولاه …» وهو كثير الطرق جدًا، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان».\n(^٢) قال الذهبي: «صنف كتابًا في السنن خرجه على سنن أبي داود». أعلام النبلاء ١٥/ ٢٤٢.\n(^٣) انظر المصنفات في السنة النبوية ١/ ٢٤٥. طُبِعَ في مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة - ١٤١٥ هـ، بتحقيق: د. محفوظ الرحمن زين الدين.\n(^٤) طبع هذا الجزء في المكتب الإسلامي ١٩٩٠، بتحقيق «علي حسن عبد الحميد» و«هشام السقا».\n(^٥) معجم ابن حجر ص ١٨٤، وللحافظ ابن حجر جزء في طرقه. انظر الجواهر والدرر ٢/ ٦٧٤.\n(^٦) طبع في المكتب الإسلامي، ودار عمار - بيروت - ١٤١٠ هـ، حققه «علي عبد الحميد» و«هشام السقا».\n(^٧) باقي المسانيد أشار إليها الذهبي في السير ٦/ ١٢٨، والتذكرة ٣/ ٩١٣، وانظر المستطرفة ٦/ ٥٦.","vol":"1","page":128},{"text":"وأبو عليٍّ المَاسَرْجَسِيُّ «ت ٣٦٥ هـ» لهُ مُستخرَجٌ على الصَّحيحينِ (^١).\nوأبو بكرٍ أحمدُ بنُ إبراهيمَ الإسماعيليُّ «ت ٣٧١ هـ»، منْ تصانيفِهِ «المستخرجُ على الصَّحيحَينِ»، و«مسندُ عمرَ»، وجمعَ أحاديثَ «الأعمشِ» (^٢).\nومحمَّدُ بنُ أبي حامدٍ الغَطْرِيفِيُّ «ت ٣٧٧ هـ» لهُ مستخرجٌ على صحيحِ البخاريِّ، وله جزء حديثي (^٣).\nومحمَّدُ بنُ أبي العبَّاسِ الهَرَوِيُّ «ت ٣٧٨ هـ» له أيضًا مستخرجٌ على صحيحِ البخاريِّ (^٤).\nوالدَّارقطنِيُّ «ت ٣٨٥ هـ» في كتابِهِ «الرُّؤيةِ»، حيثُ ذكرَ أحاديثَ كلِّ صحابيٍّ على حِدَه،\nوجمعَ طُرُقَ الأحاديثِ التي يسوقُهَا، وبيَّنَ اختلافَ الإسنادِ أو المتنِ (^٥).\nوابنُ شاهينَ «ت ٣٨٥ هـ»، جمعَ طُرُقَ حديثِ «إنَّمَا الماءُ منَ الماءِ» (^٦).\nوَممَّنْ قامَ بمثْلِ ذلكَ في القرنِ الخامِسِ:\nأبو بكرٍ البَرْقَانيّ «ت ٤٢٥ هـ» لهُ مُستخرَجٌ على الصَّحيحَينِ (^٧).\n_________\n(^١) الرسالة المستطرفة ٣/ ٦٨.\n(^٢) أشار إلى مصنفاته الذهبي في السير ١٦/ ٢٩٣، والتذكرة ٣/ ٩٤٧.\n(^٣) أشار إليه الكتاني في الرسالة المستطرفة ٥/ ٧٤، وطبع جزء منه باسم «الأحاديث المنتقاة من جزء الغطريفي» - تحقيق: أحمد العوين - دار العاصمة - الرياض.\n(^٤) قال الذهبي: «لابن أبي ذهل \"صحيح\" خرجه على «صحيح البخاري»». انظر أعلام النبلاء ١٦/ ٣٨١.\n(^٥) طبع الكتاب عام «١٤١١ هـ» في مكتبة المنار - الأردن - حققه كل من إبراهيم العلي، وأحمد الرفاعي.\n(^٦) ذكره ابن حجر في التلخيص ١/ ٣٦٥.\n(^٧) قال الخطيب في تاريخه ٤/ ٣٧٤: «وصنف مسندًا ضمنه ما اشتمل عليه صحيح البخاري ومسلم».","vol":"1","page":129},{"text":"وأبو بكرٍ بنِ مَنْجَوَيهِ «ت ٤٢٨ هـ»، لهُ مُستخرَجٌ على الصَّحيحينِ، وعلَى سُننِ التِّرمذيِّ، وعلى سننِ أبي داودَ (^١).\nوأبو نُعَيمٍ الأصبهانيُّ «ت ٤٣٠ هـ»، جمعَ طرقَ حديثِ «إنَّ للهِ تسعةً وتسعينَ اسمًا» (^٢). ولهُ مُستخرَجٌ على الصَّحيحَينِ (^٣).\nوأبو ذرٍّ الهَرَوِيُّ «ت ٤٣٤ هـ» لهُ مُستخرَجٌ على الصَّحيحَينِ (^٤).\nوأبو عمرٍو الدَّانيُّ «ت ٤٤٤ هـ» جمعَ طُرُقَ كلِّ حديثٍ في كتابِهِ «السُّنَنُ الواردَةُ في الفتنِ» (^٥).\nوَمنْ أبرزِ منِ استخدمَ السَّبرَ نظريًَّا وتطبيقًَا الخطيبُ البغدادِيُّ «ت ٤٦٣ هـ» في تاريخِهِ (^٦)، ولهُ جُزءٌ جمعَ فيهِ طرقَ حديثِ «قبضِ العلمِ» (^٧).\nوكذلكَ ابنُ عبدِ البَرِّ «ت ٤٦٣ هـ» في كتابِهِ «التمهيدُ لمَا في الموطَّأِ منَ المعانِي والأسانيدِ» (^٨).\n_________\n(^١) انظر أعلام النبلاء ١٧/ ٤٤٠.\n(^٢) طبع في مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة - ط ١ - ١٤١٣ هـ - تحقيق: مشهور بن حسن بن سلمان.\n(^٣) انظر سير أعلام النبلاء ١٧/ ٤٥٥.\n(^٤) قال القاضي عياض: «ولأبي بكر كتابه الكبير في المسند الصحيح المخرج على البخاري ومسلم». ترتيب المدارك ٤/ ٦٩٧، وسماه الذهبي: «الصحيح المسند المخرج على الصحيحين». انظر أعلام النبلاء ١٧/ ٥٦٠.\n(^٥) طبع في دار العاصمة - الرياض - ١٤١٦ هـ - بتحقيق: رضا الدين المباركفوري.\n(^٦) طبع في دار الكتب العلمية - بيروت - ٢٠٠٤ م - تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا.\n(^٧) انظر التذكرة للذهبي ٣/ ٢٤٤.\n(^٨) طبع في دار الكتب العلمية - بيروت - ١٩٩٩ م - تحقيق: محمد عبد القادر عطا.","vol":"1","page":130},{"text":"وأبو الفتحِ نصرُ بنُ إبراهيمَ المقدسِيُّ «ت ٤٩٠ هـ»، جمعَ طُرقَ حديثِ «قبضِ العلمِ» (^١).\nوفي القرنِ السَّادسِ:\nالحازِميُّ «ت ٥٤٨ هـ»، جمعَ طرقَ حديثِ «إنَّمَا الماءُ منَ الماءِ» (^٢).\nوابنُ الجوزِيِّ «ت ٥٩٧ هـ»، جمعَ حديثَ «منْ كذبَ عليَّ» (^٣).\nوفي القرْنِ السَّابِعِ:\nالضِّياءُ المقدسيُّ «ت ٦٤٣ هـ»، جمعَ طرقَ حديثِ «الحوضِ» (^٤).\nوابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»، جمعَ طرقَ حديثِ (الرَّحمةِ) (^٥).\nولا بدَّ من الإشارَةِ إلى جامعِ الأصولِ (^٦) لابنِ الأثيرِ الجزرِيِّ «ت ٦٠٦ هـ»، وهوَ مُختصٌّ بالمتنِ دونَ الإسنادِ، فقدْ جمعَ ابنُ الأثيرِ الرِّواياتِ المختلفَةِ منَ الحديثِ في موطنٍ واحدٍ مبيِّنًَا أوجُهَ الاختلافِ والاتِّفاقِ في متنِ الحديثِ.\nوفِي القَرنِ الثَّامِنِ:\nابنُ دقيقٍ «ت ٧٠٢ هـ»، ذكرنَا لهُ قولًا في السَّبرِ (^٧).\n_________\n(^١) انظر فتح المغيث ٢/ ٣٨٩.\n(^٢) أشار له ابن حجر في التلخيص ١/ ٣٦٥.\n(^٣) جمع طرقه في مقدمة كتابه «الموضوعات» فرواه عن «٦١» صحابيًا، من «١٣٣» طريقًا.\n(^٤) انظر الرسالة المستطرفة ٦/ ٥٧.\n(^٥) المصدر ذاته ٦/ ٦٠.\n(^٦) طبع في دار إحياء التراث العربي - بيروت - ١٤٠٤ هـ - تحقيق: محمد حامد الفقي.\n(^٧) انظر ص ٥١.","vol":"1","page":131},{"text":"والدِّمْيَاطِيُّ «ت ٧٠٨ هـ»، جمعَ حديثَ «لا نكاحَ إلا بوليٍّ» (^١).\nوالذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ»، وهوَ إمامٌ مبرِّزٌ في هذا العلمِ، ولهُ جَمْعُ طُرُقِ حديثِ «منْ كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ» (^٢)، وحديثِ «الطَّيرِ» (^٣).\nوالعلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»، جمعَ طرقَ حديثِ «ذِي اليدينِ» في سجودِ السَّهوِ (^٤).\nوالزَّركَشيُّ «ت ٧٩٤ هـ» لهُ قولٌ في أهميَّةِ السَّبرِ (^٥).\nوابنُ رَجبٍ الحنبلِيُّ «ت ٧٩٥ هـ»، في كتابِهِ «فتحُ البارِي شرحُ صحيحِ البخاريِّ» (^٦).\nوفِي القَرنِ التَّاسِعِ:\nالحافظُ العراقيُّ «ت ٨٠٦ هـ»، لهُ أقوالٌ في أهميَّةِ السَّبر (^٧).\nوابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»، فقدِ اعتمدَ السَّبرَ وجَمْعَ المرويَّاتِ في جُلِّ كُتُبِهِ، ك «فَتْحِ البَاري»، و«التَّلخيصِ الحبِير»، وله جزءٌ في جَمْعِ طُرُقِ حديثِ «التَّسبيحِ» (^٨).\n* * *\n_________\n(^١) انظر التلخيص الحبير ٣/ ٣٤٢.\n(^٢) انظر تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٤٤.\n(^٣) المصدر ذاته ٣/ ١٠٤٣.\n(^٤) انظر التلخيص الحبير ١/ ٢٨١.\n(^٥) انظر ص ٥٥.\n(^٦) طبع في دار ابن الجوزي - الدمام - ١٤٢٢ هـ - بتحقيق: طارق عوض الله.\n(^٧) انظر ص ٣٠\n(^٨) ذكره في أجوبته ٣/ ١٧٨٢.","vol":"1","page":132},{"text":"إنَّ منهجَ السَّبرِ عندَ المحدِّثينَ لتمييزِ الصَّحيحِ منَ الضَّعيفِ، والمنقولِ منَ المتقوَّلِ، والحكمِ على الرِّجالِ، والاعتبارِ بمرويَّاتِهِم، بدأتْ بذورُهُ في عهدِ الصَّحابَةِ الأُوَلِ أبي بكرٍ وعُمَرَ -﵃- ومَنْ بعدَهُم، ثمَّ ترعرعتْ في ظِلِّ كثرةِ الرُّواةِ وتعدُّدِ الأسانيدِ والمتونِ، حتَّى أصبحَ السَّبرُ عُمْدَةَ المنهجِ العلمِيِّ للنَّقدِ عندَ المحدِّثينَ في التَّصحيحِ والتَّضعيفِ، والجرحِ والتَّعديلِ، وبلغَ الذُّروَةَ في القرنِ الثَّالِثِ الهِجريِّ، وامتدَّت جذورُهُ حتَّى القرنِ العاشرِ الهجريِّ، إلى زماننَا هذَا، قالَ الأعظَمِيُّ: «إِنَّ المُعَارَضَةَ بَينَ الرِّوَايَاتِ المُخْتَلِفَةِ لِمَعْرِفَةِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَتَمْيِيزِ الصَّوَابِ مِنَ الخَطَأِ، وَنَقْدِ الرِّجَالِ، بَدَأَتْ مِنْ عَهْدِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَتَرَعْرَعَتْ، وَتَفَرَّعَتْ، وَاسْتُعْمِلَتْ مِنْ قِبَلِ المُحَدِّثِينَ النُّقَّادِ كَافَّةً، حَتَّى أَصْبَحَتْ مَنْهَجَهُمُ العِلْمِيَّ فِي الأَقْطَارِ وَالأَزْمَانِ كَافَّةً، غَيرَ أَنَّ هَذَا المَنْهَجَ تَوَّسَعَ كَثِيرًَا بِمُرُورِ الزَّمَنِ، وَتَنَوَّعَتْ طُرُقُهُ وَأَسْبَابُهُ …» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) منهج النقد للأعظمي ص ٦٦.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type='title' id=toc-26>المَبْحَثُ الثَّانِي: صُوَرُ السَّبْرِ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ:</span>\nتتعدَّدُ صورُ السَّبرِ عندَ المحدِّثينَ بتنوُّعِ أغراضِهِ، لبيانِ حالِ الرَّاوي أوِ المروِيِّ، وهذهِ الصُّورُ استُقْرِئَتْ منْ صنيعِ المحدِّثينَ وتطبيقاتِهِم وبعضِ تعليقاتِهِمْ في الحكمِ على الأحاديثِ والرِّجالِ، وكتبُ عللِ الحديثِ والرِّجالِ تزخَرُ بأمثلَةٍ وافيَةٍ عنْ ذلكَ، وقدْ ذَكَرَ بعضُ العلماءِ المعاصرينَ (^١) بعضًا منهَا كصُوَرٍ للمُعَارضَةِ - بمفهومِهَا عندَ المحدِّثينَ - لكنَّ بعضَ هذهِ الصُّورِ لا يدخلُ في مفهومِ السَّبرِ، وإنَّما في جُزئيةٍ منهُ، أو منْ بابِ عرضِ الشَّيءِ على الشَّيءِ، أي: مقابلتُهُ بغيرِهِ لغرضِ التَّصحيحِ.\nوالسَّبرُ بحسبِ أغراضِهِ ينقسمُ إلى نوعينِ، ويندرجُ تحتَ كلِّ نوعٍ صورٌ عدَّةٌ:\nالنَّوعُ الأوَّلُ: السَّبرُ لمعرفَةِ ضبطِ الرَّاوِي: ولهذا النَّوعِ صورتانِ:\n١ - سَبْرُ مَرْوِيَّاتِ الرَّاوِي، وَمُعَارَضَتُهَا بِمَرْوِيَّاتِ الثِّقَاتِ:\n_________\n(^١) ذكر «الأعظمي» في كتابه «منهج النقد عند المحدثين» ستَّ صور للمعارضة، لكن بعضًا منها لا يدخل في مفهوم السبر الذي نحن بصدده، كعرض الرواية على النصوص القرآنية، والمعارضة بين الكتاب والآخر لغرض التصحيح، فهذه من باب عرض الشيء على الشيء.\nوجعلها «محمد رضا صمدي» في كتابه «نظرية العلة عند المحدثين» قسمين، ويتفرع عنهما عدة فروع.\nوذكر الدكتور «أحمد عزي» في بحثه «السبر عند المحدثين، ومنهج ابن عدي في الكامل» صورتين من صور السبر، لكنها تختص بمعرفة حال الراوي، تماشيًا مع طبيعة البحث.\nانظر منهج النقد للأعظمي ١/ ٦٧، ومقال «السبر عند المحدثين» ضمن مجموعة أبحاث قدمت لندوة علوم الحديث علوم وآفاق في دبي، ونظرية العلة عند المحدثين لأحمد رضا صمدي ص ٤١.","vol":"1","page":134},{"text":"وهذَا هوَ المنهجُ الأشهرُ والأكثرُ ممارسةً عندَ المحدِّثينَ، وهوَ الميزانُ الذي يتمُّ منْ خلالِهِ التَّعرُّفُ على ضبطِ الرَّاوِي كشرطٍ لقبولِ حديثِهِ، وصورَتُهُ: أنْ يعمدَ المحدِّثُ إلَى جمعِ جميعِ مرويَّاتِ الرَّاوي «الأسانيدِ والمتونِ»، ومنْ ثُمَّ يعارضُهَا بمرويَّاتِ الثِّقاتِ والأثباتِ ممَّنْ هُمْ في طبقتِهِ واشتركُوا معَهُ في الرِّوايةِ، للتَّعرُّفِ علَى دقَّةِ ضبطِهِ للحدِيثِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «يُعْرَفُ كَونُ الرَّاوِي ضَابِطًَا بَأَنْ تُعْتَبَرَ رِوَايَاتُهُ بِرِوَايَاتِ الثِّقَاتِ المَعْرُوفِينَ بِالضَّبْطِ وَالإِتْقَانِ، فَإِنْ وَجَدْنَا رِوَايَاتِهِ مُوَافِقَةً وَلَو مِنْ حَيثُ المَعْنَى لِرِوَايَاتِهِمْ، أو مُوَافِقَةً لَهَا فِي الأَغْلَبِ وَالمُخَالَفَةُ نَادِرَةٌ، عَرَفْنَا حِينَئِذٍ كَونَهُ ضَابِطًَا ثَبْتًَا، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ كَثِيرَ المُخَالَفَةِ لهمْ، عَرَفْنَا اخْتِلالَ ضَبْطِهِ، وَلَمْ نَحْتَجَّ بِحَدِيثِهِ» (^١).\nوقالَ الذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ»: «ثُمَّ اِعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ المُتَكَلَّمِ فِيهِمْ، مَا ضَعَّفَهُمُ الحُفَّاظُ إِلا لِمُخَالَفَتِهِمُ الأَثْبَاتِ» (^٢).\nوسبيلُ معرفةِ المخالفةِ أو الموافقةِ هوَ السَّبرُ، قالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ»: «مَنْ كَانَ مُنْكَرَ الحَدِيثِ عَلَى قِلَّتِهِ لا يَجُوزُ تَعْدِيلُهُ إِلا بَعْدَ السَّبْرِ» (^٣). وهذهِ بعضُ الأمثلةِ على سبرِ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ للرُّواةِ، والحكمِ عليهِمْ منْ خِلالِ ذلكَ:\nقالَ يحيَى القطَّانُ «ت ١٩٨ هـ»: «إِذَا حَدَّثَكُمُ المُعْتَمِرُ بنُ سُلَيمَانَ بِشَيءٍ فَاعْرِضُوهُ، فَإِنَّهُ سَيِّءُ الحِفْظِ» (^٤).\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح ص ٦١.\n(^٢) الموقظة في علوم الحديث ٣/ ٥٢.\n(^٣) المجروحين ١/ ٣١٤.\n(^٤) الكفاية في علوم الرواية ١/ ٢٢٣.","vol":"1","page":135},{"text":"وقالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ» في «عبدِ الحميدِ بنِ جعفرٍ»: «أَحَدُ الثِّقَاتِ المُتْقِنِينَ، قَدْ سَبَرْتُ أَخْبَارَهُ، فَلَمْ أَرَهُ انْفَرَدَ بِحَدِيثٍ مُنْكَرٍ لَمْ يُشَارَكْ فِيهِ» (^١).\nوقالَ ابنُ عديٍّ «ت ٣٦٥ هـ» في «حبيبِ بنِ أبي الأشرسِ»: «سَبَرْتُ رِوَايَاتِهِ فَلَمْ أَرَ بِهِ بَاسًَا، وَأَمَّا رَدَاءَةُ دِينِهِ فَهُمْ أَعْلَمُ بِهِ» (^٢). وكتابُ «الكاملِ» لابنِ عديٍّ، و«المجروحينَ» و«الثقاتِ» لابنِ حبَّانَ زاخرةٌ بأمثلةٍ عنْ هذهِ الصُّورةِ منْ صورِ السَّبرِ.\n٢ - سَبْرُ مَرْوِيَّاتِ الرَّاوِي، وَمُعَارَضَتُهَا بِنَفْسِهَا مِنَ الرَّاوِي ذَاتِهِ فِي أَزْمَانٍ مُخْتَلِفَةٍ:\nوهوَ أنْ يكتبَ النَّاقدُ الحديثَ عنْ راوِيهِ سمَاعًَا، ثُمَّ يعودَ إليهِ بعدَ بُرهَةٍ لسؤالِهِ عنِ الحديثِ نفسِهِ، وأوَّلُ منْ سلَكَ هذَا المسلَكَ عائشةُ -﵁- في قصَّتهَا معَ عمرِو بنِ العاصِ -﵃- (^٣). ومروانُ بنُ الحكمِ في معارضتِهِ لحديثِ أبي هريرةَ -﵁- (^٤)، وهوَ ما كانَ يفعلُهُ شعبَةُ «ت ١٨٩ هـ»، حيثُ قالَ: «مَا رَوَيتُ عَنْ رَجُلٍ حَدِيثًَا إِلَّا أَتَيتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، والذِي رَوَيتُ عَنْهُ عَشْرَةَ أَحَادِيَثَ أَتَيتُهُ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ مِرَارٍ، وَالذِي رَوَيتُ عَنْهُ خَمْسِينَ حَدِيثًَا أَتَيتُهُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ مَرَّةً، وَالذِي رَوَيتُ عَنْهُ مِئَةَ حَدِيثٍ أَتَيتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ مَرَّةٍ، إِلَّا حَيَّانَ البَارِقِيَّ فَإِنِّي سَمِعْتُ مِنْهُ هَذِهِ الأَحَادِيثَ، ثُمَّ عُدْتُ إِلَيهِ فَوَجَدْتُهُ قَدْ مَاتَ» (^٥).\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان ٥/ ١٨٤.\n(^٢) الكامل لابن عدي ٢/ ٤٠٥.\n(^٣) انظر ص ٩٩.\n(^٤) انظر حاشية ص ٩٩.\n(^٥) العلل الصغير للترمذي ١/ ٧٤٨.","vol":"1","page":136},{"text":"وقالَ ابنُ شيبَةَ «ت ٢٦٢ هـ»: «إِنَّ شُعْبَةَ كَانَ إِذَا لَمْ يَسْمَعِ الحَدِيثَ مَرَّتَينِ لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ» (^١).\nويدخلُ في هذَا أيضًا معارضةُ مرويَّاتِ الرَّاوِي بنفسِهَا، فقدْ يروِي الرَّاوِي الحديثَ فيصلُهُ تارةً ويُرسلُهُ أخرَى، أو يرفعُهُ مرَّةً ويوقفُهُ أُخرى، أو يزيدُ في إسنادِهِ مرَّةً وينقصُهُ أُخرى، ويقيمُ متنَهُ مرَّةً ومرَّة، وبالمُعَارضةِ يتبينُ اضطرابُهُ منْ عدمِهِ.\nويندرجُ تحتَ هذا النَّوعِ صورٌ أخرى، كمعارضةِ مرويَّاتِ الرَّاوي في أزمنةٍ أو أمكنةٍ مختلفةٍ، أو عنْ شيوخٍ دونَ غيرهِمْ، لمعرفةِ اختلاطِ الرَّاوِي، وضعفِهِ في شيوخٍ دونَ آخرينَ، أو في بلدٍ دونَ آخرَ، أو في زمنٍ دونَ آخرَ، وتمييزِ خطئِهِ منْ خطأِ غيرهِ، وسيأتي بسطُ الكلامِ عنْ هذهِ الصَّورِ في مبحثِ «الحكمُ على الرِّجالِ منْ خلالِ السَّبرِ» (^٢).\n* * *\nالنَّوعُ الثَّانِي: السَّبْرُ لِمَعْرِفَةِ حَالِ المَرْوِيِّ: وَيندرجُ تحتَ هذَا النوعِ صورتانِ:\n١ - سَبْرُ مَرْويَّاتِ الرَّاوِي، وَمُعَارَضَتُهَا بِمَرْوِيَّاتِ الثِّقَاتِ، لِمَعْرِفَةِ اسْتِقَامَةِ حَدِيثِهِ:\nوهذهِ مثلُ الصُّورةِ الأولَى منْ صورِ السَّبرِ في بيانِ حالِ الرَّاوي، إلا أنَّ الغرضَ هنَا بيانُ حالِ مرويَّاتِ الرَّاوي، فالغرضُ منْ هذهِ الصُّورةِ ثُنَائِيٌ: بيانُ حالِ الرَّاوي أولًا - وقدْ تقدَّمَ ذكرُهُ - وبيانُ حالِ مرويَّاتِ الرَّاوي من حيثُ القبولِ أوِ الرَّدِّ، وَمدى صلاحيَّتِهَا للاعتبارِ، قالَ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «مَنْ سَبَرَ أَحْوَالَ الرَّاوِي، وَعَرَفَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ عَدْلٍ، يُحْتَجُّ بِمُرْسَلِهِ» (^٣).\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ٩/ ٢٦٥.\n(^٢) اكتفيت بالإشارة إليها هنا تجنبًا للتكرار. انظر ص\n(^٣) جامع التحصيل ١/ ٤٣.","vol":"1","page":137},{"text":"وقالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ» في «إِسحاقَ بنِ يحيَى»: «سَبَرْتُ أَخْبَارَهُ فَإِذَا الاجْتِهَادُ أَدَّى إِلَى تَرْكِ مَا لَمْ يُتَابَعُ عَلَيهِ، وَيُحْتَجُّ بِمَا وَافَقَ الثِّقَاتِ» (^١).\nوقالَ ابنُ معينٍ «ت ٣٢٣ هـ»: «قَالَ لِي إِسْمَاعِيلُ بنُ عُلَيَّةَ يَومًَا: كَيفَ حَدِيثِي؟ قُلْتُ: أَنْتَ مُسْتَقِيمُ الحَدِيثِ، فَقَالَ لِي: وَكَيفَ عَلِمْتُمْ ذَاكَ؟ قُلْتُ لَهُ: عَارَضْنَا بِهَا أَحَادِيثَ النَّاسِ فَرَأَينَاهَا مُسْتَقِيمَةً، فَقَالَ: الحَمْدُ للهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ: الحَمْدُ للهِ، وَيَحْمَدُ رَبَّهُ حَتَّى دَخَلَ دَارَ بِشْرَ ابنِ مَعْرُوفٍ - أَوْ قَالَ: دَارَ أَبِي البُخْتُرِيِّ - وَأَنَا مَعَهُ» (^٢). والأمثلةُ على ذلكَ كثيرةٌ، وكتبُ عللِ الحديثِ بهَا مُستفيضَةٌ.\n٢ - سَبْرُ المُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ، وَمُعَارَضَتُهَا بِمَرْوِيَّاتِ الثِّقَاتِ:\nوالمتابعةُ: ما توبعَ عليهِ رواتُهُ ممَّنْ دونَ الصَّحابةِ لفظًَا ومعنَى.\nوالشَّاهدُ: ما تابعَ الصَّحابِيُّ في روايتِهِ صحابيًَا آخرَ لفظًَا أو معنَىً (^٣).\nوصورةُ هذا النَّوعِ: أنْ يعمدَ المحدِّثُ إلى حديثٍ فيسبرَ متابعاتِهِ، ويعارضَهَا، ليتبيَّنَ أوجُهَ الاختلافِ والاتِّفاقِ، وذلكَ:\nلكشفِ عللِ الحديثِ، قالَ الخطيبُ البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ»: «السَّبيلُ إلى معرفَةِ علَّةِ الحديثِ أنْ يجمعَ بينَ طُرقِهِ وينظُرَ في اختلافِ رواتِهِ، ويعتبِرَ بمكانِهِم منَ الحفظِ ومنزلتِهِم في الإتقانِ والضَّبطِ» (^٤).\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان ٥/ ١٨٤.\n(^٢) سؤالات ابن محرز ٢/ ٣٩.\n(^٣) وسيأتي تعريف المتابعة والشاهد والفرق بينهما مستفيضًا في مبحث «تقوية الأحاديث بالمتابعات والشواهد»، وللاستزادة انظر فتح المغيث ١/ ٢٠٨ و٢١٠، ونخبة الفكر ١/ ١٥ و١٦، وأصول الحديث للدهلوي ١/ ٥٧.\n(^٤) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢٩٥.","vol":"1","page":138},{"text":"وإبرازِ فوائدِهِ، قالَ ابنُ حجرٍ «٨٥٢ هـ» في الفتحِ: «المتعيِّنُ على من يتكلَّمُ على الأحاديثِ أنْ يجمعَ طرقَهَا، ثم يجمعَ ألفاظَ المتونِ إذا صحَّت الطُّرقُ ويشرَحَهَا على أنَّهُ حديثٌ واحدٌ فإنَّ الحديثَ أولَى ما فُسِّرَ بالحديثِ» (^١).\nوترقيةِ الحديثِ لمرتبةٍ أعلى، كالصَّحيحِ والحسنِ لغيرِهِ، وقالَ أيضًا: «فَإِنْ خَفَّ الضَّبْطُ: فَالحَسَنُ لِذَاتِهِ، وَبِكَثْرَةِ طُرُقِهِ يُصَحَّحُ» (^٢).\nوَقَالَ النَّووِيُّ «ت ٦٧٦ هـ» عنْ بعضِ الأحاديثِ: «وَهَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ أَسَانِيدٌ مُفْرَدَاتُهَا ضَعِيفَةٌ، فَمَجْمُوعُهَا يُقَوِّي بَعْضُهُ بَعْضًَا، وَيَصِيرُ الحَدِيثُ حَسَنًَا، وَيُحْتَجُّ بِهِ» (^٣).\nوهذهِ هيَ المرحلةُ الأولى منْ مراحلِ سبرِ الحديثِ، بجمعِ متابعاتِهِ والمقارنةِ والموازنةِ فيمَا بينهَا، لبيانِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ، ومعرفَةِ درجَةِ حديثِ الصَّحابِيِّ الواحِدِ منْ خلالِ سبرِ طُرُقِهِ.\nوتأتِي بعدَهَا مرحلَةُ سبرِ الشَّواهِدِ، بجمعِ الأحاديثِ المتَّفقَةِ لفظًَا أو معنَىً التي رواهَا الصَّحابَةُ، والمقارنَةِ والموازنَةِ فيمَا بينَهَا، والأئمَّةُ المحدِّثونَ لا يعتبرونَ أيَّ متابعٍ أو شاهدٍ يجدونَهُ منْ طرقِ الحديثِ، بلْ ضمنَ منهجٍ دقيقٍ، وضوابطَ محكمةٍ، سيأتِي بيانُهَا بالتَّفصيلِ - إنْ شاءَ اللهُ تعالَى - في مبحثِ «تقويةِ الأحاديثِ منْ خلالِ السَّبرِ» (^٤).\nوسَبْرُ المتابعاتِ وسبرُ الشَّواهِدِ يحملانِ الغرضَ ذاتَهُ في كشفِ عللِ الحديثِ، وإبرازِ فوائدِهِ، وترقيتِهِ إلى الصَّحيحِ أو الحسنِ لغيرِهِ.\n* * *\n_________\n(^١) فتح الباري ٦/ ٤٧٥.\n(^٢) نخبة الفكر ١/ ٢٢٩.\n(^٣) المجموع ٧/ ١٧٢.\n(^٤) انظر ص ٢٠٤ وما بعدها.","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>المَبْحَثُ الثَّالِثُ: المُصَنَّفَاتُ فِي السَّبْرِ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-28>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: المُصَنَّفَاتُ فِي مَفْهُومِ السَّبرِ:</span>\nعقدَتْ كثيرٌ منْ كتبِ أصولِ الحديثِ ومصطلحِهِ أبوابًَا في مفهومِ السَّبرِ، بمرادفاتِهِ التي ذكرتُهَا في مبحثِ «تعريفِ السَّبرِ ومرادفاتِهِ» (^١)، وأغلبُ المحدثينَ أفردُوا مباحثَ بعنوانِ «الاعتبارِ والمتابعاتِ والشواهدِ»، حيثُ إنَّ مصطلحَ السَّبرِ قليلُ التَّداولِ عندَ المحدِّثينَ، خلَا البعضِ القليلِ منهُمْ - كمَا بيَّنَّاهُ في محلِّهِ - وهذهِ بعضُ الأبوابِ أو الفصولِ التي عقدتْهَا كتبُ أصولِ الحديثِ في مفهومِ السَّبرِ، نشيرُ إليهَا جملةً، معَ الإشارَةِ إلى جميعِ المصادِرِ في الهامِشِ:\nأوَّلًا: «معرفةُ الاعتبارِ والمتابعاتِ والشواهدِ» (^٢)، وأغلبهُمْ جعلهَا تبعًَا لابنِ الصَّلاحِ «النَّوعَ الخامسَ عشرَ منْ علومِ الحديثِ».\nثانيًا: المتابعةُ والشَّاهدُ (^٣).\n_________\n(^١) انظر ص ٢٤، وما بعدها.\n(^٢) مقدمة ابن الصلاح ١/ ٨٢، والمنهل الروي لابن جماعة. ١/ ٥٩، والشذا الفياح للأبناسي ١/ ١٨٩، والمقنع في علوم الحديث لسراج الدين الأنصاري ١/ ١٨٧، والتقييد والإيضاح للحافظ العراقي ١/ ١٠٩ والنكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٨١، وفتح المغيث للسخاوي. ١/ ٢٠٧، والتدريب للسيوطي ١/ ٢٤١، وقفو الأثر لرضي الدين الحلبي ١/ ٦٤، وتوضيح الأفكار. ٢/ ١١.\n(^٣) رسوم التحديث «فوائد المتابعات والشواهد» ١/ ٨٥، والغاية في شرح الهداية ١/ ١٩٤، وشرح نخبة الفكر للقاري «المتابع ومراتبه» ١/ ٣٤٤ و«الشاهد» ١/ ٣٥٢، ومقدمة في أصول الحديث «المتابع» ١/ ٥٦.","vol":"1","page":140},{"text":"ثالثًا: «الاعتبار» (^١). رابعًا: «المعارضة» (^٢).\nخامسًا: «المقابلة» (^٣)، وقدْ تعرَّضَ أهلُ الفنِّ لأمرِ المقابلَةِ في مبحثِ كتابَةِ الحديثِ وضبطهِ، بمعنَى «المقابلةِ» بنسخةٍ أُخرى أو كتابٍ آخرَ للتَّصحيحِ. وكذلكَ «المعارضَةُ» عندَ بعضِهِمْ، وهوَ يحملُ جزئيَّةً منْ معنَى السَّبرِ.\nوأمَّا إفرادُ السَّبرِ في مبحثٍ مستقلٍ، فأمرٌ نادرٌ معَ أهميَّتِهِ البالغَةِ، وهذا الذي دعانِي لإفرادِ الحديثِ عنِ السَّبرِ في رسالةٍ مستقلَّةٍ، حاولْتُ فيهَا استقصاءَ كلِّ جوانبِهِ النَّظريَّةِ والتَّطبيقيَّةِ، بيدَ أنَّ هناكَ بعضُ الأطروحَاتِ العلميَّةِ التي تحملُ مفهومَ السَّبر عندَ المحدثينَ، لكنَّهَا ليستْ مُستوعِبَةً وغيرَ متخصِّصةٍ في السَّبرِ بكلِّ جوانبِهِ، وكذلكَ بعضُ المقالاتِ العلميَّةِ التي لا ترقَى إلى البحثِ الجامِعِ المانِعِ في موضوعِهِ، ومنْ هذِهِ الأطروحَاتِ والمقالاتِ:\n١ - مقالُ «السَّبرُ عندَ المحدِّثينَ وإمكانيَّةُ تطبيقِهِ عندَ المعاصرينَ» - للدكتور أحمد عزي، وهو ضمنَ مجموعةِ أبحاثٍ قدِّمتْ لندوَةٍ أُقيمَتْ عامَ «٢٠٠٣ م» في كليَّةِ الدِّراساتِ الإسلاميَّةِ\n_________\n(^١) رسوم التحديث للجعبري ١/ ٤٨، ونخبة الفكر ١/ ٢٢٩، والتوضيح الأبهر للسخاوي ١/ ٧٢، وشرح نخبة الفكر للقاري ١/ ٣٥٦، ومقدمة في أصول الحديث لعبد الحق الدهلوي ١/ ٥٧.\n(^٢) توجيه النظر لطاهر الجزائري ٢/ ٧٧٣، ومنهج النقد للأعظمي ١/ ٦٧، ونظرية العلة عند المحدثين ص ٤١. وهذه الكتب المعاصرة جعلت «المعارضة» قرين مفهوم «السبر»، أمَّا المتقدمة فجعلت «المعارضة» بمعنى «المقابلة».\n(^٣) وسأذكر عنوان الباب لكل كتاب، والغرض بيان مفهوم «المقابلة» في هذه الكتب. انظر الكفاية في علوم الرواية «باب المقابلة وتصحيح الكتاب» ١/ ٢٣٧، والإلماع للقاضي عياض «وأما مقابلة النسخة بأصل السماع ومعارضتها به فمتعينة …» ١/ ١٥٨، ومقدمة ابن الصلاح «في كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب …» ١/ ١٩٢ و١/ ٢٠٧، والشذا الفياح «العاشر: على الطالب مقابلة كتابه بأصل سماعه …» ١/ ٣٣٩، والغاية في شرح الهداية للسخاوي «كتابة الحديث وضبطه» ١/ ٨٩، وفتح المغيث «المقابلة» ٢/ ١٨٥، وتدريب الراوي «كتابة الحديث وضبطه» ٢/ ٧٧.","vol":"1","page":141},{"text":"والعربيَّةِ بدبي، بعنوانِ «علومُ الحديثِ: واقعٌ وآفاقٌ»: وهوُ المقالُ الوحيدُ الذي حملَ عنوانَ السَّبرِ، لكنَّ كاتبَهُ اقتصَرَ في بيانِ السَّبرِ منْ خلالِ منهجِ ابنِ عديٍّ في كتابِهِ «الكامِلِ»، أي: قَصَرَ الكلامَ على غرضٍ من أغراضِ السَّبرِ وهوَ الجرحُ والتَّعديلُ، مع إشارَةٍ عابرَةٍ إلى أمثلَةٍ منْ عللِ بعضِ الأحاديثِ التي ذكرَهَا ابنُ عديٍّ منٍ خلالِ سبرِ الأحاديثِ.\n٢ - مقالُ «الاعتبارُ عندَ المحدِّثينَ» ل «جمال بن العربي اسطيري»، في مجلَّةِ الأحمديَّةِ، وهي مجلةٌ علميَّةٌ دوريَّةٌ تُعنَى بالدِّراساتِ الإسلاميَّةِ وإحياءِ التُّراثِ، تصدُرُ عنْ دارِ البحوثِ للدِّراساتِ الإسلاميَّةِ وإحياءِ التُّراثِ بدبيّ.\n٣ - أطروحَةُ دكتوراة بعنوانِ «نظريَّةُ الاعتبارِ عندَ المحدِّثينَ»، في جامعَةِ اليرموكِ، للباحثِ «منصور محمود الشَّرايري»، طُبعَ في الدَّارِ الأثريَّةِ - عمانَ «الأردن» - ١٤٣٠ هـ.\n* * *","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type='title' id=toc-29>المَطْلَبُ الثَّانِي: المصنَّفاتُ التي اعتمدَتِ السَّبرَ:</span>\nلا يخلُو مصنَّفٌ حديثيٌّ من اعتمادِهِ السَّبرَ والمعارضَةَ والموازنَةَ بينَ المرويَّاتِ، فهوَ العمودُ الفقريُّ الذي عليهِ مدارُ عملِ المحدِّثينَ.\nفكتبُ الحديثِ «الصحاحُ، والسُّننُ، والمسانيدُ، والمصنَّفاتُ، والمعاجمُ، والضعيفةُ …» ميَّزتِ الصَّحيحَ من الضَّعيفِ وأفردَت كلًَّا بالتَّصنيفِ بعدَ سبرِ المرويَّاتِ ونخلِهَا وتمييزِهَا.\nوكذلكَ كتبُ «العللِ»، حيثُ إنَّ طريقَ كشفِ العلَّةِ هوَ السَّبرُ والمقارنَةُ بينَ المرويَّاتِ.\nوكتبُ «شروحِ الحديثِ» التي تكلَّمتْ في جوانبِ المتنِ والإسنادِ، وبحثَتْ في عللِ الأحاديثِ، وبيانِ فوائدِهَا وزوائدِهَا، كلُّ هذَا مُعتمدُهُ السَّبرُ وجمعُ الأسانيدِ والمتونِ.\nوكتبُ «التَّخريجِ» سواءٌ التي اقتصرَتْ على جمعِ طرقِ الأحاديثِ أو أطرافِهَا، أو التي تكلَّمتْ في عللِهَا وفوائِدِهَا.\nوكتبُ «الرِّجالِ»، حيثُ إنَّ الحكمَ على الرَّاوِي لا يتمُّ إلا بعدَ سبرِ مرويَّاتِهِ ومعارضتِهَا بمرويَّاتِ الثِّقاتِ.\nوكتبُ «الأجزاءِ الحديثيَّةِ» التي مُعتمدُهَا السَّبرُ والجمعُ للمرويَّاتِ.","vol":"1","page":143},{"text":"وعلَى هذَا فجميعُ كتُبِ الأصولِ الحديثيَّةِ التي يُعتمَدُ عليهَا في علْمِ الحديثِ بُنيتْ على هذَا الأساسِ، وهوَ السَّبرُ للمرويَّاتِ ومعارضتُهَا، لكشفِ عللِ الحديثِ، وإبرازِ فوائدِهِ، والحكمِ على الرِّجالِ، والاعتبارِ بمرويَّاتِهِم، وسنبيِّنُ أهمَّ المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ التي برزَ السَّبرُ فيها بشكلٍ جليٍّ، معَ الإشارَةِ إلى بعضِهَا فقطْ، وفقَ التَّصنيفِ الآتِي:\n* * *\nأولًا: كتبُ الحديثِ الشَّريفِ:\nوهيَ المصنَّفاتُ التي جمعتِ الأحاديثَ النبويَّةَ الشَّريفةَ بأسانيدِهَا إلى النبيِّ -ﷺ-، ككتبِ الصحيحِ، والسُّننِ، والمصنَّفاتِ، والمسانيدِ، والمعاجمِ، وإليكَ بيانُ منهجِ اثنينِ منْ هذهِ الكتبِ في جمعِ طرقِ الحديثِ:\n١ - صَحِيحُ مُسلِمٍ: ويطلقُ عليهِ «المسندُ الصَّحيحُ» أو «الجامعُ الصَّحيحُ»، وهوَ للإمامِ مسلمٍ بنِ الحجَّاجِ القُشيريِّ النَّيسابوريِّ «٢٠٦ هـ - ٢٦١ هـ»، وقدْ ذكرتُ صحيحَ مسلمٍ دونَ البخاريِّ - معَ أفضليَّةِ الأخيرِ عندَ المحدِّثينَ - لبروزِ السَّبرِ فيهِ بشكلٍ جليٍّ، وهوَ منهجُ الإمامِ مسلمٍ في صحيحِهِ، حيثُ جعلَ لكُلِّ حديثٍ موضِعًَا واحدًا جمعَ فيهِ طرقَهُ التي ارتضاهَا واختارَ فيهَا أسانيدَهُ المتعدِّدةِ وألفاظَهُ المختلفَةِ، ليسهُلَ النَّظرُ في وجوهِ الحديثِ وما بينَ سندِهِ ومتنِهِ من فروقٍ، وهذا هوَ السَّبرُ عينُهُ، قال الإمام النووي «ت ٦٧٦ هـ»: «وَقَدِ انْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِفَائِدَةٍ حَسَنَةٍ، وَهِيَ كَونُهُ أَسْهَلُ مُتَنَاوَلًَا مِنْ حَيثُ إِنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ حَدِيثٍ مَوضِعًَا وَاحِدًَا يَلِيقُ بِهِ، جَمَعَ فِيهِ طُرُقَهُ التِي ارْتَضَاهَا، وَاخْتَارَ ذِكْرَهَا، وَأَورَدَ فِيهِ أَسَانِيدَهُ المُتَعَدِّدَةَ، وَأَلْفَاظَهُ المُخْتَلِفَةَ، فَيَسْهُلُ عَلَى","vol":"1","page":144},{"text":"الطَّالِبِ النَّظَرُ فِي وُجُوهِهِ وَاسْتِثْمَارِهَا، وَيَحْصُلُ لَهُ الثِّقَةُ بِجَمِيعِ مَا أَورَدَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقِهِ، بِخِلَافِ البُخَارِيِّ، فَإِنَّهُ يَذْكُرُ تِلْكَ الوُجُوهِ المُخْتَلِفَةِ فِي أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ مُتَبَاعِدَةٍ» (^١). وقالَ السُّيوطِيُّ «ت ٩١١ هـ»: «وَاخْتَصَّ مُسْلِمٌ بِجَمْعِ طُرُقِ الحَدِيثِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ بَأَسَانِيدِهِ الُمتَعَدِّدَةِ، وَأَلْفَاظِهِ المُخْتَلِفَةِ» (^٢). ومَنْ فَضَّلَ صحيحَ مسلمٍ على البُخاريِّ فللمنهجِ الذي اتَّبعَهُ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «حَصَلَ لِمُسْلِمٍ فِي كِتَابِهِ حَظٌّ عَظِيمٌ مُفْرِطٌ لَمْ يَحْصَلْ لِأَحَدٍ مِثْلَهُ، بِحَيثُ إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ كَانَ يُفَضِّلُهُ عَلَى صَحِيحِ مُحَمَّدٍ ابنِ إِسْمَاعِيلَ، وَذَلِكَ لِمَا اخْتَصَّ بِهِ مِنْ جَمْعِ الطُّرُقِ، وَجَودَةِ السِّيَاقِ، وَالمُحَافَظَةِ عَلَى أَدَاءِ الأَلْفَاظِ كَمَا هِيَ، مِنْ غَيرِ تَقْطِيعٍ وَلَا رِوَايَةٍ بِمَعْنَى» (^٣).\n٢ - سُنَنُ النَّسَائِيِّ: وضعَ الإمامُ النَّسائيُّ «أحمدُ بنُ شعيبِ بنِ عليٍّ النَّسائيُّ «٢١٥ هـ - ٣٠٣ هـ» كتابًا كبيرًا جدًا حافلًا، عُرِفَ ب «السُّننِ الكبرى»، ثم انتخَبَ منهُ «المُجتبى»، قالَ جمالُ الدِّينِ القَاسميُّ: «صَنَّفَ النَّسَائِيُّ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ كِتَابًَا يُقَالُ لَهُ السُّنَنُ الكُبْرَى، وَهُوَ كِتَابٌ جَلِيلٌ لَمْ يُكْتَبْ مِثْلُهُ فِي جَمْعِ طُرُقِ الحَدِيثِ وَبَيَانِ مَخْرَجِهِ» (^٤).\n_________\n(^١) انظر المنهاج شرح صحيح مسلم للنووي ١/ ١٤ و١٥.\n(^٢) تدريب الراوي ١/ ٩٥.\n(^٣) تهذيب التهذيب ١٠/ ١١٤.\n(^٤) مقدمة سنن النسائي ١/ ٢ - ٥.","vol":"1","page":145},{"text":"والنَّسائيُّ في سننهِ جمعَ بينَ طريقتَي البخاريِّ ومسلمٍ منْ حيثُ الصِّناعةِ الحديثيَّةِ والفقهيَّةِ، أمَّا بالنسبةِ للنَّاحيةِ الحديثيَّةِ فنجدُهُ في كثيرٍ منَ الأحيانِ يُعنَى بعللِ الأحاديثِ، فيُورِدُ الحديثَ منْ طرقٍ متعدِّدةٍ على اختلافِ النَّاقلينَ لهذَا الحديثِ، لكنَّهُ في البدايَةِ يُورِدُ الحديثَ منْ طريقٍ، ثمَّ يُبَوِّبُ بعدَ ذلكَ بابًَا، فيقولُ: «بابُ بيانِ اختلافِ النَّاقلينَ للحديثِ عنْ فلانٍ» - مثلًا عنِ الأوزاعيِّ - ثمُّ يبدأُ يذكرُ الاختلافَ على الأوزاعيِّ. قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «وَكِتَابُ «المُجْتَبَى» هَذَا يَسِيرُ عَلَى طَرِيقَةٍ دَقِيقَةٍ تَجْمَعُ بَينَ الفِقْهِ وَفَنِّ الإِسْنَادِ، فَقَدْ رَتَّبَ الأَحَادِيثَ عَلَى الأَبْوَابِ، وَوَضَعَ لَها عَنَاوِينَ تَبْلُغُ أَحْيَانًَا مَنْزِلَةً بَعِيدَةً مِنَ الدِّقَّةِ، وَجَمَعَ أَسَانِيدَ الحَدِيثِ الوَاحِدِ فِي مَوطِنٍ وَاحِدٍ، وَبِذَلِكَ سَلَكَ أَغْمَضَ مَسَالِكِ المُحَدِّثِينَ وَأَجَلِّهَا» (^١).\nومنْ كتبِ الحديثِ التي اعتمدَتِ السَّبرَ بإيرادِ الحديثِ منْ طرقٍ متعدِّدةٍ:\nصحيحُ البخاريِّ (^٢)، وصحيحُ ابنِ حبَّانَ (^٣)، وصحيحُ ابنِ خُزيمَةَ (^٤).\n_________\n(^١) انظر منهج النقد - د. نور الدين عتر - ١/ ٢٧٧.\n(^٢) وطريقة البخاري في صحيحه أن يورد الحديث في مواطن متفرقة، لكن بإسناد جديد لكل موطن، وأحيانًا يورد الحديث في الموطن نفسه بعدة روايات - وهو قليل - ومثال ذلك حديث: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده …». فقد أورده من طريقين، عن أبي هريرة -﵁-، وأنس بن مالك -﵁-. انظر صحيح البخاري «ر ١٤ و١٥». وانظر كلام ابن حجر في مقدمة «الفتح» عن منهج البخاري في ذلك ١/ ١٥.\n(^٣) وطريقة ابن حبان في صحيحه أن يورد حديث الباب، ثم يورد بعده من الأحاديث ما يدلل له، فمثلًا يقول: «ذكر الخبر الدال على أن الأمر بالاغتسال للجمعة في الأخبار التي ذكرناها قبل إنما هو أمر ندب وإرشاد لعلة معلومة». ثم يورد بعدها: «ذكر خبر ثان يصرح بأن الاغتسال للجمعة غير فرض على من شهدها». ثم: «ذكر خبر ثالث …». وخبر رابع وخامس، وقد تصل إلى أكثر من عشرة أحاديث للباب الواحد. انظر «ر ١٢٣٠ - ١٢٣٤».\n(^٤) مثاله: حديث: «أنَّ النبي -ﷺ- وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين». فأورده من طريقين، كلاهما عن أنس -﵁-. انظر ابن خزيمة - باب افتتاح القراءة بالحمد لله - ١/ ٢٤٨/ ٤٩١ و٤٩٢.","vol":"1","page":146},{"text":"وسننُ التِّرمذيِّ (^١)، وسننُ ابنِ ماجَةَ (^٢)، وسننُ الدَّارقطنيِّ (^٣) …\nوسننُ ابنِ منصورٍ (^٤)، ومعرفة السننِ والآثارِ للبيهقيِّ (^٥) …\nومسندُ أبي عوانةَ (^٦)، ومسندُ يعقوبِ بنِ شيبةَ (^٧)، ومسندُ البزَّارِ (^٨) …\n_________\n(^١) قال جمال الدين القاسمي عن سنن الترمذي: «فجمع كتابًا جامعًا، واختصر طرق الحديث اختصارًا لطيفًا، فذكر واحدًا وأومأ إلى ما عداه». انظر قواعد التحديث ١/ ٣٤٢. ومثال ذلك حديث: «كان النبي -ﷺ- إذا دخل الخلاء قال … الحديث». قال الترمذي عقبه: «وفي الباب عن علي، وزيد بن أرقم، وجابر، وابن مسعود -﵃-، وحديث أنس أصح شيء في هذا الباب وأحسن، وحديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب». ثم أشار إلى بقية الأسانيد المتعددة لهذا الخبر وتكلم عنها. انظر سنن الترمذي - باب ما يقول إذا دخل الخلاء - ١/ ١٠/ ر ٥ و٦.\n(^٢) مثال ذلك حديث: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء». فقد أورده من أربعة طرق، عن ثلاثة من الصحابة. انظر سنن ابن ماجة - باب وقت صلاة العشاء - ١/ ٢٢٦/ ر ٦٩٠ - ٢٩٣.\n(^٣) قال ابن تيمية الحرَّاني «٧٢٨ هـ»: «أبو الحسن الدراقطنيُّ - مع إتمام إمامته في الحديث- فإنه إنما صنف هذه السنن كي يذكر فيها الأحاديث المستغربة في الفقه، ويجمع طرقها، فإنها هي التي يحتاج فيها إلى مثله». انظر الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٩٩، ومثال جمعه للطرق حديث: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته». فد أورد الدارقطني من ستة عشر طريقًا، عن جمع من الصحابة -﵃-. انظر سنن الدارقطني - باب في ماء البحر - ١/ ٣٤ - ٣٧.\n(^٤) مثال ذلك حديث: «بيع الأمة طلاقها». فقد أورد ابن منصور الحديث من أربعة عشر طريقًا، عن جمع من الصحابة والتابعين. انظر سنن سعيد بن منصور - باب الأمة تباع ولها زوج - ٢/ ٦٢/ ر ١٩٤٢ - ١٩٥٤.\n(^٥) ومثال ذلك حديث: «لا يمسه إلا المطهرون». فقد أورده البيهقي من ستة طرق عن جمع من الصحابة، منهم سلمان الفارسي، وعمرو بن حزم، وعبد الله بن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك -﵃-. انظر معرفة السنن والآثار للبيهقي ١/ ١٨٥ - ١٨٧ ر «١٠٤ - ١٠٩».\n(^٦) مثال ذلك حديث: «﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ قال: رآه بفؤاده مرتين». أورده من أربعة طرق. انظر مسند أبي عوانة ١/ ١٣٣/ ر ٣٩٨ - ٤٠١.\n(^٧) قال ابن الصلاح «٦٤٣ هـ» في مقدمته ١/ ٢٥٣: «ثم إن أعلى المراتب في تصنيفِهِ - أي الحديث - تصنيفُهُ معللًا بأن يجمع في كل حديث طرفه واختلاف الرواة فيه، كما فعل يعقوب بن شيبة في مسنده».\n(^٨) مثال ذلك حديث: «لم تؤتوا بعد كلمة الإخلاص أفضل من العافية …». وأورده من طريقين، وقال: «ولا نعلم أسنده إلا زائدة عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة، ولا عن زائدة إلا الحسين بن علي». انظر مسند البزار ١/ ٧٩/ ر ٢٣ و٢٤.","vol":"1","page":147},{"text":"ومصنَّفُ ابن أبي شيبةَ (^١)، ومصنَّفُ ابنِ عبدِ الرَّزاقِ (^٢)، وغيرُهَا … (^٣).\nثانيًا: كتبُ العِللِ:\nوهيَ الكتبُ التي تَجمعُ الأحاديثَ المعلَّةَ معَ بيانِ عللِهَا، والتَّصنيفُ في العللِ منْ أدقِّ ما قامَ بهِ المحدِّثونَ، لأنَّهُ يحتاجُ إلى جهدٍ حثيثٍ وصبرٍ طويلٍ في تتبُّعِ الأسانيدِ، وإمعانِ النَّظرِ فيهَا، لكشفِ خفيِّ عللِهَا، منْ خلالِ بيانِ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ.\nوجميعُ كتبِ العللِ التي تكلَّمتْ في عللِ الأحاديثِ أوِ الرِّجالِ، بُنِيَتْ علَى السَّبرِ للمرويَّاتِ، ومنْ أهمِّ هذهِ الكتبِ: عللُ ابنِ المدينيِّ، والعللُ ومعرفةُ الرِّجالِ للإمامِ أحمدَ، والعللُ لابنِ أبي حاتمٍ، والعللُ الكبيرُ للتِّرمذيِّ، والعللُ للدَّارقُطنِيِّ، والعللُ المتناهيةُ لابنِ الجوزيِّ، والأباطيلُ والمناكيرُ للجَوزَقانيِّ (^٤)، وسنقتصرُ على بيانِ منهجِ اثنينِ منْها:\n١ - العللُ لابنِ أبي حاتِمٍ: وهوَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ أَبِي حَاتِمٍ «مُحمَّدُ بنُ إدريسَ» التَّميميُّ «٢٤٠ هـ - ٣٢٧ هـ»، وكتابه «العللُ»، قال السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» في معرِضِ ذكرِهِ للكتبِ التي\n_________\n(^١) مثال ذلك ما أورده من أخبار وآثار في باب «من كان لا يخلل لحيته، ويقول يكفيك ما سال منها»، فقد أورد عشر روايات في هذا الباب عن جمع من التابعين. انظر مسند ابن أبي شيبة ١/ ٢١/ ر ١١٧ - ١٢٦.\n(^٢) مثال ذلك ما أورده من أخبار وآثار في باب «المسح بالأذنين». فقد أورد سبع عشرة رواية في هذا الباب عن جمع من الصحابة والتابعين. انظر مصنف عبد الرزاق ١/ ١١ - ١٤/ ر ٢٣ - ٣٨.\n(^٣) وهذه الكتب التي أوردتها ذكرها هنا لشهرتها، وقد استقرأت منهجها، ومن خلاله وضعت الأمثلة عليها.\n(^٤) انظر تفصيل كتب العلل في الرسالة المستطرفة ص ١٤٧، وجهود المحدثين في بيان علل الحديث ١/ ١٠٧، ولم أضرب أمثلة من كتب العلل التي ذكرتها، لأنها متضمنة للسبر بداهةً، فالطريق إلى كشف العلة هو الجمع والموازنة بين المرويات، وكتب العلل جميعها مبنية على هذا الأساس.","vol":"1","page":148},{"text":"ينبغِي لطالبِ علمِ الحديثِ العنايةُ بهَا: «ولابنِ أَبِي حاتِمٍ، وَكِتَابُهُ مُرَتَّبٌ عَلَى الأَبْوَابِ، وَقَدْ شَرَعَ الحَافِظُ ابنُ عَبدِ الهَادِي فِي شَرْحِهِ، فَاخْتَرَمَتْهُ المَنِيَّةُ بَعْدَ أَنْ كَتَبَ مِنْهُ مُجَلَّدًَا عَلَى يَسِيرٍ مِنْهُ» (^١).\nواستخدامُ ابنِ أبِي حاتمٍ للسَّبرِ جليٌّ، وكتابُهُ حافلٌ بجمعِ المرويَّاتِ والموازنَةِ والمقارنَةِ بينَهَا، واستخراجِ العللِ من خلالِ ذلكَ، كمَا هوَ شأنُ جميعِ كتبِ العللِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في بيانِ صفةِ تصنيفِ الحديثِ: «أَوْ تَصْنِيفُهُ عَلَى العِلَلِ، فَيَذْكُرُ المَتْنَ وَطُرُقَهُ، وَبَيَانَ\nاخْتِلَافِ نَقَلَتِهِ» (^٢). قالَ القَارِيُّ (^٣) «ت ١٠١٤ هـ» مُعقِّبًا: «… وكَمَا فَعَلَ ابنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي عِلَلِهِ المُبَوَّبَةِ» (^٤).\nومنهجُ ابنُ أبي حاتمٍ في كتابِهِ «العللِ» أنْ يوردَ الحديثَ بطرقِهِ ورواياتِهِ المتعدِّدةِ، على هيئةِ سؤالٍ، ثمَّ يُوردَ بعدَ ذلكَ أجوبةَ أئمَّةِ العللِ في حكمهِمْ علَى هذهِ الطُّرقِ، وبيانِ صحَّتهَا منْ ضعفِهَا، ومواطنِ العلَّةِ فيهَا، ومنشئِهَا من الرُّواةِ، ولمْ يقتصِرْ علَى رأيِهِ، بلْ ضمَّ إليهِ آراءَ أئمَّةٍ منْ جهابذَةِ هذا الفنِّ، كشعبةَ بنِ الحجَّاجِ، ويحيى بنِ سعيدٍ القطَّانِ، والطَّيالسيِّ، وابنِ معينٍ، وابنِ حنبلٍ، ومسلمِ بنِ الحجَّاجِ، وأبي حاتمٍ وأبي زرعَةَ الرَّازيينِ، ومنْ أمثلةِ ذلكَ:\n_________\n(^١) فتح المغيث ٢/ ٣٧٨.\n(^٢) نخبة الفكر ص ٢٣٣.\n(^٣) علي بن «سلطان» محمد، نور الدين، المعروف ب «الملا علي القاري»، «… - ١٠١٤ هـ»، فقيه حنفي، محدث، من مصنفاته «شرح مشكاة المصابيح»، و«شرح مشكلات الموطأ»، و«شرح نخبة الفكر»، و«تذكرة الموضوعات». انظر خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر ٣/ ١٨٥.\n(^٤) شرح نخبة الفكر للقاري ١/ ٨١٣.","vol":"1","page":149},{"text":"قالَ ابنُ أبِي حاتمٍ (^١) «ت ٣٢٧ هـ»: «سُئِلَ أَبُو زُرْعَةَ، عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ مَالِكِ بنِ عُرْفُطَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيرٍ، عَنْ عَلِيٍّ -﵁-، فِي الوُضُوءِ ثَلاثًَا. وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَزَائِدَةُ، عَنْ خَالِدِ بنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيرٍ، عَنْ عَلِيٍّ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فِي الوُضُوءِ. فَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: وَهِمَ فِيهِ شُعْبَةُ، إِنَّمَا أَرَادَ خَالِدَ بنَ عَلْقَمَةَ، وَرَوَاهُ سُفْيَانُ مَوقُوفًَا لَمْ يَرْفَعْهُ» (^٢).\n٢ - عِلَلُ الدَّارَقُطْنِيُّ: وهوَ كتابُ «العللِ الواردَةِ في الأحاديثِ النبويَّةِ»، للإمامِ أبِي الحسنِ، عليٍّ بنِ عمرَ بنِ أحمدَ الدَّارقُطنيِّ «٣٠٦ هـ - ٣٨٥ هـ»، قالَ ابنُ جماعَة «ت ٧٣٣ هـ»: «وَأَحْسَنُ كِتَابٍ صُنِّفَ فِي العِلَلِ كِتَابِ الدَّارَقُطْنِيّ» (^٣).\nومنهجُ الدَّارقطنيِّ يُشبهُ منهجَ ابنِ أبِي حاتمٍ إلى حدٍ كبيرٍ في إيرادِ ومناقشَةِ عللِ الأحاديثِ، لكنَّهُ يُعدُّ أجمعَ كتابٍ في العللِ، قَالَ البلقينيُّ (^٤) «ت ٨٠٥ هـ»: «وَأَجَلُّ كِتَابٍ في العِلَلِ كِتَابُ الحَافِظِ ابنِ المَدِينِيِّ، وَكَذَلِكَ كِتَابُ ابنِ أَبِي حَاتِمٍ، وكِتَابُ العِلَلِ لِلخَلَّالِ، وأَجْمَعُهَا كِتَابُ الحَافِظِ الدَّارَقُطْنِيِّ» (^٥).\n_________\n(^١) عبد الرحمن بن محمد «أبي حاتم» بن إدريس، التميمي، الحنظلي، الرازي، أبو محمد، «٢٤٠ هـ - ٣٢٧ هـ»، الإمام الحافظ، من تصانيفه «الجرح والتعديل»، و«علل الحديث»، و«المسند»، و«الكنى». انظر تذكرة الحفاظ ٣/ ٤٦، وطبقات الحنابلة ٢/ ٥٥.\n(^٢) العلل لابن أبي حاتم ١/ ٦١٦، وانظر مقدمته للمحقِّقَين د. سعد الحميد، ود. خالد الجريسي ١/ ٢٨٣.\n(^٣) المنهل الروي ١/ ١٤١.\n(^٤) عمر بن رسلان بن نصير بن صالح الكناني، أبو حفص، المصري، سراج الدين البلقيني، «٧٢٤ هـ - ٨٠٥ هـ» إمام مجتهد، حافظ، فقيه، من كتبه «محاسن الاصطلاح»، و«مناسبات تراجم أبواب البخاري». انظر طبقات الحفاظ ١/ ٥٤٢.\n(^٥) محاسن الاصطلاح ص ٢٠٣.","vol":"1","page":150},{"text":"وكتابُهُ عبارةٌ عنْ أسئلةٍ وجَّههَا إليهِ «البَرْقَانِيُّ»، وأجوبتُهُ متنوِّعةٌ، وكلُّهَا يدورُ علَى ذكرِ الرُّواةِ الذينَ يقعُ اختلافُ الإسنادِ عنهُم، وإيرادُ الطُّرقِ المتعدِّدةِ، فيذكُرُ للرِّوايَةِ طريقَينِ أو عدَّةَ طُرُقٍ، ثمَّ يُبيِّنُ أوجُهَ الاختلافِ والاتِّفاقِ فيهَا، ومواطنَ العلَّة منْ هذهِ المرويَّاتِ، والحكمَ عليهَا وعلَى الرُّواةِ (^١)، منْ أمثلةِ ذلكَ:\nحديثُ أوسٍ بنِ أوسٍ الثَّقفيِّ، عنْ أبِي بكرٍ الصِّديقِ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-، قالَ: «مَنْ غَسَلَ وَاغْتَسَلَ … الحديث». قالَ الدَّارقطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ»: «يَرْوِيهِ يَحْيَى بنُ الحَارِثِ الذُّمَارِيّ - مِنْ رِوَايَةِ الحَسَنِ بنِ ذَكْوَانَ عَنْهُ - عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ أَوسٍ بنِ أَوسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-. وَخَالَفَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّاميِّينَ وَغَيرِهِمْ، فَرَوَوهُ عَنْ يَحيَى بنِ الحَارِثِ … الخ» (^٢). والأمثلةُ كثيرةٌ فلتُنظَرْ فِي محلِّهَا.\nثالثًا: شروحُ الحديثِ:\nوأغلبُ الشُّروحِ الحديثيَّةِ التي شرحتِ الكتبَ المسندَةَ تكلَّمتْ في جوانبِ المتنِ والإسنادِ، وما يتعلَّقُ بهمَا منْ عللٍ وفوائدَ، منْ خلالِ السَّبرِ وجمعِ المرويَّاتِ والموازنَةِ بينَهَا، ومنْ أهمِّ الشُّروحِ:\n١ - فتحُ البَارِي: واسمهُ: «فتحُ البارِي بشرحِ صحيحِ البخارِي» للحافظِ أحمدَ بنِ عليٍّ ابنِ حجرٍ، أبو الفضلِ العسقلانيُّ «٧٧٣ هـ - ٨٥٢ هـ». قال السَّخاوِيُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَلَو لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا شَرْحُ البُخَارِيِّ لَكَانَ كَافِيًَا فِي عُلُوِّ مِقْدَارِهِ» (^٣).\n_________\n(^١) مقدمة العلل الواردة في السنن النبوية للدارقطني ١/ ٨٩.\n(^٢) العلل للدارقطني ١/ ٢٤٦/ ٤٥.\n(^٣) انظر التبر المسبوك في ذيل السلوك للسخاوي ١/ ٢٣١.","vol":"1","page":151},{"text":"ومنهجُ الحافظِ ابنِ حجرٍ أنْ يجمعَ طرقَ الحديثِ في أوَّلِ موضعٍ يردُ فيهِ، ويوردُ الشَّواهدَ والرِّواياتِ المتعلِّقةَ بمضمونِهِ، ثمَّ يشرحُ الحديثَ باختلافِ ألفاظِهِ، ويتكلَّمُ في جوانبِ المتنِ والإسنادِ، ببيانِ العلَّةِ، وإبرازِ الفوائدِ والزَّوائدِ، وكثيرًا ما يُبيِّنُ متابعاتِ الحديثِ وشواهدِهِ، ويحكُمُ عليهِ منْ خلالِ ورودِهِ منْ طرقٍ أُخرَى، قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» مبينًا منهجَهُ في «فتحِ الباري»: «فَأَسُوقُ - إِنْ شَاءَ اللهُ - البَابَ وَحَدِيثَهُ أَوَّلًَا، ثُمَّ أَذْكُرُ وَجْهَ المُنَاسَبَةِ بَينَهُمَا إِنْ كَانَتْ خَفِيَّةً، ثُمَّ أَسْتَخْرِجُ ثَانِيًَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي ذَلِكَ الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ المَتْنِيَّةِ وَالإِسْنَادِيَّةِ، مِنْ تَتِمَّاتٍ وَزِيَادَاتٍ، وَكَشْفِ غَامِضٍ، وَتَصْرِيحِ مُدَلِّسٍ بِسَمَاعٍ، وَمُتَابَعَةِ سَامِعٍ مِنْ شَيخٍ اخْتَلَطَ قَبْلَ ذَلِكَ، مُنْتَزِعًَا كُلَّ ذِلَكَ مِنْ أُمَّهَاتِ المَسَانِيدِ وَالجَوَامِعِ وَالمُسْتَخْرَجَاتِ وَالأَجْزَاءِ وَالفَوَائِدِ، بِشَرْطِ الصِّحَّةِ أَوِ الحُسْنِ فِيمَا أُورِدُهُ مِنْ ذَلِكَ» (^١).\nوقالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَاعْلَمْ أَنَّ العِنَايَةَ بِاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ مَعَ الطُّرِقِ مِنَ المُهِمَّاتِ، وَهُوَ أَحَدُ الأَسْبَابِ المُقْتَضِيَةِ لِامْتِيَازِ شَرْحِ البُخَارِيِّ لِشَيخِنَا عَلَى سَائِرِ الشُّرُوحِ» (^٢).\nوقالَ القسطلانيُّ (^٣) «ت ٩٢٣ هـ»: «شُهْرَتُهُ - أَي: فَتْحُ البَارِي - وَانْفِرَادُهُ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيهِ مِنَ الفَوَائِدِ الحَدِيثِيَّةِ، وَالنُّكَاتِ الأَدَبِيَّةِ، وَالفَوَائِدِ الفِقْهِيَّةِ، تُغْنِي عَنْ وَصْفِهِ،\n_________\n(^١) انظر مقدمة فتح الباري ١/ ٤.\n(^٢) فتح المغيث ٢/ ٢١٢.\n(^٣) أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك القسطلاني، القتيبي، المصري، أبو العباس، شهاب الدين، «٨٥١ هـ - ٩٢٣ هـ»، من علماء الحديث، من مصنفاته «إرشاد الساري بشرح صحيح البخاري»، «المواهب اللدنية في المنح النبوية». انظر الدرر الكامنة ١/ ٣٤٢، والضوء اللامع ٢/ ١٠٣.","vol":"1","page":152},{"text":"لَا سِيَما وَقَدِ امْتَازَ بِجَمْعِ طُرُقِ الحَدِيثِ التي رُبَّمَا يَتَبَيَّنُ مِنْ بَعْضِهَا تَرْجِيحُ أَحَدِ الاِحْتِمَالَاتِ شَرْحًَا وَإِعْرَابًَا» (^١).\n٢ - المنهاجُ للإمامِ النَّوويِّ: واسمُهُ «المنهاجُ في شرحِ صحيحِ مسلمِ بنِ الحجَّاجِ»، للإمامِ محيِ الدِّينِ، أبِي زكريَّا، يحيَى بنِ شرفٍ النَّووِيِّ «٦٣١ هـ - ٦٧٦ هـ».\nمنهجُ الإمامِ النوويِّ في «المنهاجِ» بالنِّسبةِ لجمعِ الطُّرُقِ: يبيِّنُ علَّةَ بعضِ الأسانيدِ، معَ بيانِ صحَّةِ المتنِ منْ طُرقٍ أُخرَى، كمَا عَنيَ بضبطِ المتنِ وجمعِ ألفاظِهِ ورواياتِهِ سواءً عندَ مسلمٍ أو عندَ غيرهِ ممَّنْ رواهَا منْ أصحابِ الكتبِ الستَّةِ وبخاصةٍ إنْ كانَ في ذكرِهَا فائدةٌ، وعندَ مدافعتِهِ عنِ الإمامِ مسلمٍ فيمَا انتُقِدَ عليهِ منَ الأحاديثِ، يقومُ بإيرادِ طرقٍ أخرَى للحديثِ تُبيِّنُ صحَّةَ الحديثِ، وتدفعُ عنهُ المطاعنَ والانتقاداتِ. قالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ» في مقدِّمةِ شرحِهِ مبيِّنًَا أهميَّةَ السَّبرِ الذي اعتمدَهَا فِي شَرْحِهِ: «وَمِنْ أَهَمِّ العُلُومِ تَحقِيقُ مَعْرِفَةِ الأَحَادِيثِ النَبَوِيَّاتِ … وَمَعرِفَةُ طُرُقِ الاعتِبَارِ وَالمتَابَعَاتِ، وَمَعْرِفَةُ حُكْمِ اخْتِلَافِ الرُّوَاةِ فِي الأَسَانِيدِ وَالمُتُونِ، والوَصْلِ وَالإِرْسَالِ، وَالوَقفِ وَالرَّفعِ، وَالقَطْعِ وَالانْقَطَاعِ، وَزَيَادَاتِ الثِّقَاتِ» (^٢).\nومنَ الشُّروحِ أيضًَا: التَّمهيدُ لمَا في الموطَّأِ منَ المعانِي والأسانيدِ (^٣)، وغايةُ المقصودِ في حلِّ سننِ أبِي داودَ (^٤)،\n_________\n(^١) إرشاد الساري شرح صحيح البخاري ١/ ٤٢.\n(^٢) انظر المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي ١/ ٣.\n(^٣) وكتاب «التمهيد» لابن عبد البر، حافل بالأمثلة في إيراد الطرق والمتون، والحديث عنها عللها وفوائدها، لذا سأشير إليها إشارة فحسب، انظر «المسح على الخفين» ١١/ ١٤٧ وما بعدها.\n(^٤) لمحمد شمس الحق العظيم آبادي «ت ١٣٢٩ هـ»، وكتاب «عون المعبود في شرح سنن أبي داود» للمؤلف نفسه، هو المختصر ل «غاية المقصود»، ف «غاية المقصود» يفصل القول في كل مسألة من مسائل الحديث إسنادًا ومتنًا، بإيراد طرقه ورواياته، بينما يقتصر في «عون المعبود» على إيراد بعض الأسطر، مع الإحالة إلى «غاية المقصود». انظر مقدمة غاية المقصود ١/ ١٢.","vol":"1","page":153},{"text":"وتحفةُ الأحوذيِّ بشرحِ جامعِ سننِ التِّرمذيِّ (^١)، وزهرُ الرُّبَا علَى المُجتبَى (^٢) … الخ.\nرابعًَا: كتبُ التَّخريجِ:\nوهيَ الكتبُ التي أُلِّفتْ في تخريجِ أحاديثِ كتابٍ بعينِهِ، ومنْ أهمِّهَا:\n١. نصبُ الرَّايةِ لأحاديثِ الهِدَايَةِ: للإمامِ الحافظِ جمالِ الدِّينِ، أبي محمَّدٍ، عبدِ اللهِ بنِ يوسفَ الزَّيلعيِّ الحنفيِّ «… هـ- ٧٦٢ هـ»، خرج فيه أحاديث كتاب «الهداية في الفقه الحنفي» للمرغيناني «٥٩٣ هـ».\nومنهجُ الزَّيلعيِّ أنْ يذكرَ الحديثَ، ويتوسَّعَ في إيرادِ طُرُقِهِ، ويُفصِّلَ القولَ فيهَا، والحكمَ علَى الحديثِ وبيانِ عللَهِ وفوائدِهِ، منْ خلالِ طُرُقهِ، قالَ شيخنَا نورُ الدِّينِ: «وَهُوَ كِتَابٌ حَافِلٌ بِإِيرَادِ الرِّوَايَاتِ، غَزِيرٌ فِي فَوَائِدِهِ الحَدِيثِيَّةِ، يَتَكَلَّمُ عَلَى كُلِّ حَدِيثٍ مِنْ كِتَابِ الهِدَايَةِ، ثُمَّ يُتْبِعْهُ بِمَا يُؤَيِّدُهُ مِنَ الرِّوَايَاتِ وَالأَحَادِيثِ الأُخْرَى» (^٣). والكتابُ حافلٌ بالأمثلَةِ على جمعِ الطُّرقِ وإيرادِ الرِّواياتِ المتعدِّدةِ، منْ أمثلَةِ ذلكَ قولُهُ في حديثِ\n_________\n(^١) وهو للإمام الحافظ أبي العلاء، محمد بن عبد الرحمن المباركفوري «ت ١٣٥٣ هـ»، وقد قام «المباركفوري» بتخريج الأحاديث التي أشار إليها الترمذي في كل باب بقوله: وفي الباب عن فلان وفلان، وذكر ألفاظها مهما أمكن، وأشار أيضًا إلى أحاديث أخرى توافق أصل حديث الباب. انظر مثال ذلك - باب ما جاء في الوضوء مما غيرت النار - ١/ ٢٥٧.\n(^٢) وهو للإمام الحافظ جلال الدين، عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي «ت ٩١١ هـ»، والإمام السيوطي يتطرق إلى اختلاف الروايات في بعض الألفاظ، لكن بشكل مختصر غير موسع. انظر منهج السيوطي في شرحه هذا في كتاب «مقارنة بين شروحات الكتب الستة» للشيخ عبد الكريم الخضير ٤/ ١٢.\n(^٣) منهج النقد - نور الدين عتر - ص ٢٠٨، وللاستزادة حول منهج الكتاب انظر مقدمة «نصب الراية» للمحقق محمد عوامة ١/ ٩ وما بعدها.","vol":"1","page":154},{"text":"عائشةَ ﵂ في الماءِ المُشَمَّسِ: «وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ -﵁- فَلَهُ خَمْسُ طُرُقٍ …» (^١)، ثمَّ فصَّلَ الكلامَ فيهِ وفي رُواتِهِ.\n٢. التَّلخيصُ الحبيرُ في تخريجِ أحاديثِ الرَّافعيِّ الكبيرِ: للحافظِ أحمدِ بنِ عليِّ بنِ حجرٍ أبو الفضلِ العسقلانيُّ «٧٧٣ هـ - ٨٥٢ هـ».\nخرَّجَ فيهِ الحافظُ ابنُ حجرٍ أحاديثَ «الشَّرحِ الكبيرِ» الذي شرحَ فيهِ كتابَ «الوجيزِ في الفقهِ الشَّافعيِّ» للإمامِ الغزاليِّ، ولخَّصَ في تخريجِهِ هذَا كتبًا عدَّةً صُنِّفَتْ قبلَهُ في تخريجِ أحاديثِ الشَّرحِ الكبيرِ، وأفادَ كذلكَ منْ «نصبِ الرَّايةِ» للزَّيلعيِّ، فجاءَ كتابًا جامعًا حافلًا لمَا تفرَّقَ في غيرِهِ، قالَ شيخنَا نورُ الدينِ مبيِّنًَا منهجَ ابنِ حجرٍ في «التَّلخِيصِ»: «وَطَرِيقَتُهُ فِيهِ أَنْ يُورِدَ طَرَفًَا مِنَ الحَدِيثِ الوَارِدِ فِي الشَّرْحِ الكَبِيرِ، ثُمَّ يُخَرِّجُهُ مِنَ المَصَادِرِ وَيَذْكُرُ طُرُقَهُ وَرِوَايَاتِهِ، وَيَتَكَلَّمُ عَلَيهِ تَفْصِيلًَا، جَرْحًَا وَتَعْدِيلًَا، وَصِحَّةً وَضَعْفًَا، ثُمَّ يَذْكُرُ مَا وَرَدَ مِنْ أَحَادِيثَ فِي مَعْنَى الحَدِيثِ بِاسْتِيفَاءٍ، وَهَكَذَا … حَتَّى صَارَ مَرْجِعًَا فِي أَحَادِيثِ الأَحْكَامِ لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ» (^٢).\nومنْ أمثلةِ إيرادِ الحافظِ لجمعِ الطُّرُقِ، قَولُهُ في حديثِ الرَّكعتينِ بعدَ العصرِ: «أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الأَسْوَدِ وَمَسْرُوقٍ عَنْهَا بِلَفْظِ … وَلِلْبُخَارِيِّ … وَلَهُ طُرُقٌ …» (^٣). ثمَّ يسردُ طرقَ الحديثِ ورواياتِهِ المختلفَةَ.\n_________\n(^١) انظر نصب الراية ١/ ١٠٢.\n(^٢) منهج النقد - نور الدين عتر - ص ٢٠٩.\n(^٣) التلخيص الحبير ١/ ٤٨٤/ ٢٧٩، وانظر أيضًا: «١/ ٦١/ ٦٤» و«١/ ٨٠/ ٧٩»، و«٢/ ٣/ ٤٧٠»، و«٣/ ٤٢/ ١٢٤٣»، و«٤/ ١٥٠/ ١٩٩٠»، والكتاب مبني على سبر المرويات، وبيان أوجه الاتفاق والاختلاف.","vol":"1","page":155},{"text":"ومنْ كتبِ التَّخريجِ أيضًَا: المغنِي عنْ حملِ الأسفارِ في الأسفارِ في تخريجِ مَا في الإحياءِ منَ الأخبارِ، للإمام الحافظِ العراقيِّ «ت ٨٠٦ هـ»، وتخريجِ أحاديثِ تفسيرِ الكشَّافِ للزَّيلعيِّ «٧٦٢ هـ»، والكافِ الشَّافِ في تخريجِ أحاديثِ الكشَّافِ، لابنِ حجرٍ «٨٥٢ هـ»، وغيرها …\nخامسًا: كتبُ الرِّجَالِ:\n١ - المجروحينَ لابنِ حبَّانَ: واسمُ الكتابِ: «المجروحينَ منَ المحدِّثينَ والضُّعفاءِ والمتروكينَ»، للإمامِ أبِي حاتمٍ، محمَّدُ بنُ حبَّانَ البُستيُّ «… هـ - ٣٥٤ هـ».\nتجدرُ الإشارةُ إلى أنَّ منهجَ ابنِ حبَّانَ في كتابيهِ «الثِّقاتِ» و«المجروحينَ» منْ حيثُ الحكمُ\nعلَى الرِّجَالِ منْ خلالِ سبرِ مرويَّاتِهِم مُتقارِبٌ إلى حدٍ كبيرٍ. وابنُ حبَّانَ أكثرُ منَ وردَ لفظُ «السَّبرِ» في كتابِهِ، فضلًا عنْ تطبيقاتِهِ.\nوقدْ أوضحَ ابنُ حبَّانَ منهجَهُ في الحكمِ على الرجالِ في كتابِهِ «المجروحينَ»، وأنَّه بناهُ على استقراءِ وسبرِ مرويَّاتِ الرَّاوِي، فقالَ: «مَنْ كَانَ مُنْكَرَ الحَدِيثِ عَلَى قِلَّتِهِ لَا يَجُوزُ تَعْدِيلُهُ إِلَّا بَعْدَ السَّبْرِ، وَلَو كَانَ مِمَّنْ يَرْوِي المَنَاكِيرَ وَوَافَقَ الثِّقَاتِ فِي الأَخْبَارِ لَكَانَ عَدْلًَا مَقْبُولَ الرِّوَايَةِ إِذَا النَّاسُ فِي أَقْوَالِهِمْ عَلَى الصَّلَاحِ وَالعَدَالَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَا يُوجِبُ القَدْحَ، هَذَا حُكْمُ المَشَاهِيرِ مِنَ الرُّوَاةِ، فَأَمَّا المَجَاهِيلُ الذِينَ لَمْ يَرْوِ عَنْهُمْ إِلَّا الضُّعَفَاءُ، فَهُمْ مَتْرُوكِونَ عَلَى الأَحْوَالِ كُلِّهَا» (^١).\n_________\n(^١) المجروحين ٢/ ١٩٢.","vol":"1","page":156},{"text":"وقالَ أيضًَا: «وَمَنْ أَحَادِيثِ الثِّقَاتِ أَجْنَاسٌ لَا يُحْتَجُّ بِهَا، قَدْ سَبَرْتُ رِوَايَاتِهِمْ، وَخَبَرْتُ أَسْبَابَهَا فَرَأَيتُهَا تَدُورُ فِي نَفْسِ الاحْتِجَاجِ بِهَا عَلَى سِتَّةِ أَجْنَاسٍ …» (^١).\nومنْ أمثلةِ السَّبرِ في كتابِهِ، قولُهُ: «قَدْ سَبَرْتُ أَخْبَارَ ابْنِ لَهِيعَةَ مِنْ رِوَايَةِ المُتَقَدِّمِينَ وَالمُتَأَخِّرِينَ عَنْهُ، فَرَأَيتُ التَّخْلِيطَ فِي رِوَايَةِ المُتَأَخِّرِينِ عَنْهُ مَوجُودًَا …» (^٢). و«اليَسَعُ بنُ طَلْحَةَ: لَا يَجُوزُ الاِحْتِجَاجُ بِهِ بِحَالٍ، لِمَا فِي رِوَايَتِهِ مِنَ المَنَاكِيرِ التِي يُنْكِرُهَا أَهْلُ الرِّوَايَةِ وَالسَّبْرِ» (^٣).\n٢ - الكاملُ لابنِ عديٍّ: واسمُ الكتابِ «الكاملُ في ضُعفاءِ الرِّجالِ» ل «عبدِ اللهِ بنِ عديٍّ الجُرجَانيِّ «٢٧٧ هـ- ٣٦٥ هـ»، قالَ الدَّارقطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ» عنهُ: «فِيهِ كِفَايَةٌ، لَا يُزَادُ عَلَيهِ» (^٤).\nومنهجُ ابنِ عديٍّ في كتابِهِ الكامِلِ: أنْ يُعرِّفَ بالرَّاوِي، ثمَّ يُوردَ أقوالَ علماءِ الجرحِ والتَّعديلِ، ثمَّ يسوقَ مَا أُنكرَ علَى الرَّاوِي منْ أحاديثَ، ثمَّ يحكمَ عليهِ بعدَ أنْ يسبرَ حديثَهُ، ويقارنَهَا بمرويَّاتِ الثِّقاتِ، ويبيِّنَ عللَهَا، قَالَ في مقدِّمةِ كتابِهِ: «فَكَمَا أَوجَبَ اللهُ عَلَينَا طَاعَتَهُ، أَوجَبَ عَلَينَا الاقْتِدَاءَ بِهِ، وَاتِّبَاعَ آَثَارِهِ، وَسَبْرَ رِوَايَاتِ أَخْبَارِهِ، لِعِرْفَانِ صَحِيحِهَا مِنْ سَقِيمِهَا وَقَوِيِّهَا مِنْ ضَعِيفِهَا» (^٥).\n_________\n(^١) المصدر ذاته ١/ ٩٠.\n(^٢) المصدر ذاته ٢/ ١٢.\n(^٣) المصدر ذاته ٣/ ١٤٥.\n(^٤) تاريخ جرجان ص ٣٦٧.\n(^٥) الكامل لابن عدي ١/ ١.","vol":"1","page":157},{"text":"ويُعدُّ ابنُ عديٍّ - بالإضافةِ إلى ابنِ حبَّانَ - أكثرَ منِ استخدَمَ السَّبرَ في كتابِهِ لفظًا وتطبيقًا، وقدْ وردَ تصريحُ ابنِ عديٍّ بسبرِهِ لمرويَّاتِ الرَّاوِي كثيرًَا في كتابِهِ الكاملِ، منْ ذلكَ قولُهُ: «وَلَمْ أَرَ فِي حَدِيثِهِ شَيئًَا مُنْكَرًَا» (^١). و«سَائِرُ مَا ذَكَرْتُ مِنْ حَدِيثِهِ، وَمَا لَمْ أَذْكُرْهُ كُلُّهَا مُحْتَمِلَةٌ وَأَحَادِيثُهُ عَامَّتُهَا مُسْتَقِيمَةٌ» (^٢). و«عَامَّةُ مَا يَرْوِيهِ غَيرُ مَحْفُوظٍ، وَالضَّعْفُ بَيِّنٌ عَلَى رِوَايَاتِهِ» (^٣). و«فَأمَّا أَحَادِيثُهُ وَرِوَايَاتُهُ فَقَدْ سَبَرْتُهَا، وَلَا أَرَى بِهِ بَاسًَا» (^٤). وغيرها من الأمثلة كثير (^٥).\nومنْ كتبِ التواريخِ وأحوالِ الرِّجالِ التي استخدمَتِ السَّبرَ في الحكمِ علَى الرُّواةِ:\nالتَّاريخُ الكبيرُ للإمامِ البخاريِّ (^٦)، ومعرفةُ الثِّقاتِ للعجليِّ (^٧)، والضُّعفاءُ للعقيليِّ (^٨)، والثِّقاتُ لابنِ حبَّانَ (^٩)،\n_________\n(^١) المصدر ذاته، ترجمة «سعيد بن كثير بن عفير» ٣/ ١٢٤٧.\n(^٢) المصدر ذاته، ترجمة «إسرائيل بن يونس» ١/ ٤١٦.\n(^٣) المصدر ذاته، ترجمة «أشعث بن بزار» ١/ ٣٦٧.\n(^٤) المصدر ذاته، ترجمة «حبيب بن أبي الأشرس» ٢/ ٤٠٤.\n(^٥) للاستزادة انظر كتاب «ابن عدي، ومنهجه في كتاب الكامل في ضعفاء الرجال» للدكتور زهير عثمان علي نور ١/ ١٩٤ وما بعدها، ومقال «السبر عند المحدثين وإمكانية تطبيقه عند المعاصرين» ص ٥ وما بعدها.\n(^٦) من ذلك قوله في «شعبة بن عمرو»: «أحاديثه مناكير». وقوله في «واصل بن أبي جميل»: «أحاديثه مرسلة». انظر التاريخ الكبير ٤/ ٢٤٣ و٨/ ٧٣.\n(^٧) ومثال ذلك قوله في «ثوير بن أبي فاختة»: «يكتب حديثه، وهو ضعيف». وقوله في «يحيى بن عباد السعدي»: «لا يقيم الحديث، حديثه يدلك على ضعفه». انظر معرفة الثقات ١/ ٢٦٢، و٢/ ٣٥٤.\n(^٨) ومثال ذلك قوله في «إسماعيل بن شبيب الطائفي»: «أحاديثه مناكير، ليس منها شيء محفوظ». وقوله في «جعفر ابن مرزوق»: «أحاديثه مناكير، لا يتابع منها على شيء». انظر ضعفاء العقيلي ١/ ٨٣ و١٩٠.\n(^٩) من ذلك قوله في «سنان بن سعد»: «وقد اعتبرت حديثه فرأيت ما روى عن سنان بن سعد يشبه أحاديث الثقات وما روى عن سعد بن سنان وسعيد بن سنان فيه المناكير كأنهما اثنان فالله أعلم». وقوله في «سهيل بن محمد»: «اعتبرت حديثه فرأيته مستقيم الحديث». انظر الثقات ٤/ ٣٣٦، و٨/ ٢٩٣.","vol":"1","page":158},{"text":"والجرحُ والتَّعديلُ لابنِ أبِي حاتمٍ (^١)، وتاريخُ بغدادَ للخطيبِ (^٢)، وغيرُهَا …\nسابعًا: كتبُ الأَجْزَاءِ الحَدِيثيَّةِ:\nوهيَ الكتبُ التي تجمعُ الأحاديثَ المرويَّةَ عنْ رجلٍ واحدٍ، سواءٌ كانَ منْ طبقةِ الصَّحابةِ أو منْ بعدهُم، ك «جزءِ حديثِ أبي بكرٍ -﵁-»، و«جزءِ حديثِ مالكٍ».\nأو الكتابُ الذي يجمعُ أسانيدَ الحديثِ الواحدِ، ويتكلَّمُ عليهِ، كجزءِ: «اختيارُ الأَولَى في حديثِ اختصامِ الملأِ الأعلَى».\nقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَمِمَّا يَعْتَنُونَ بِهِ فِي التَّالِيفِ جَمْعُ الشُّيُوخِ، أَي: جَمْعُ حَدِيثِ شُيُوخٍ مَخْصُوصِينَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ» (^٣). وَعَقَّبَ «الأَبنَاسيُّ» في «الشَّذَا الفيَّاحِ» على كلامِ ابنِ الصَّلاحِ، فقالَ: «مِثَالُ جَمْعِ الشُّيُوخِ … كَجَمْعِ حَدِيثِ الأَعْمَشِ لِلإِسْمَاعِيلِيِّ، وَحَدِيثِ الفُضَيلِ بنِ عِيَاضٍ لِلنَّسَائِيِّ، وَحَدِيثِ مُحَمَّدِ بنِ جَحَادَةَ لِلطَّبَرَانِيِّ، وَغَيرِ ذَلِكَ» (^٤).\n_________\n(^١) من ذلك قوله في «أحمد بن علي النميري»: «لم يرو عنه غير محمود بن خالد، أرى أحاديثه مستقيمة». وقوله عن «صلة بن سليمان العطار»: «متروك الحديث، أحاديثه عن أشعث منكرة» انظر الجرح والتعديل ٤/ ٤٤٧، و٢/ ٦٣.\n(^٢) من ذلك قوله في «عبد الله بن خيران»: «قلت: قد اعتبرت من رواياته أحاديث كثيرة فوجدتها مستقيمة تدل على ثقته». وقال عن «محمد بن الحسن النقاش»: «وفي أحاديثه مناكير بأسانيد مشهورة». انظر تاريخ بغداد ٩/ ٤٥٠/ ر ٥٠٨٢، و٢/ ٢٠١/ ر ٦٣٥.\n(^٣) مقدمة ابن الصلاح ١/ ٢٥٣.\n(^٤) الشذا الفياح ١/ ٤١٧.","vol":"1","page":159},{"text":"وقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» مُتمِّمًَا قولَهُ السَّابِقِ: «وَيُفْرِدُونَ أَحَادِيثَ، فَيَجْمَعُونَ طُرُقَهَا فِي كُتُبٍ مُفْرَدَةٍ، نَحْوَ «طُرُقِ حَدِيثِ قَبْضِ العِلْمِ» وَحَدِيثِ «الغُسْلِ يَومَ الجُمُعَةِ» وَغَيرِ ذَلِكَ» (^١). وَعقَّبَ الأَبنَاسيُّ أيضًا بِقولِهِ: «وَمِثَالُ جَمْعِ الطُّرُقِ … كَطُرُقِ حَدِيثِ «قَبْضِ العِلْمِ لِلطُّوسِيِّ» وَطُرُقِ حَدِيثِ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًَا لِلطَّبَرَانِيِّ»، وَنَحْوُ ذَلِكَ» (^٢).\nوقدْ عقدَ «الكتَّانيُّ» في «الرِّسالةِ» فصلًا في بيانِ هذهِ الكتبِ، فقالَ: «وَمِنْهَا كُتُبٌ فِي أَحَادِيثِ شُيُوخٍ مَخْصُوصِينَ مِنَ المُكْثِرِينَ» (^٣). وعدَّدَ جمًَّا غفيرًَا منْ هذهِ الأجزاءِ، وقالَ أيضًَا:\n«وَمِنْهَا كُتُبٌ فِي جَمْعِ طُرُقِ بَعْضِ الأَحَادِيثِ» (^٤). وعدَّد جمًا غفيرًا منهَا أيضًا.\nوالأجزاءُ الحديثيَّةُ أكثرُ منْ أنْ تُحصَى، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في تتبُّعِهِ لطُرقِ حديثِ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ»: «تَتَبَّعْتُهُ من الْكُتُبِ وَالْأَجْزَاءِ حتى مَرَرْتُ على أَكْثَرَ من ثَلَاثَةِ آلَافِ جُزْءٍ فما اسْتَطَعْتُ أَنْ أُكْمِلَ له سَبْعِينَ طَرِيقًا» (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح ١/ ٢٥٤.\n(^٢) الشذا الفياح ١/ ٤١٣.\n(^٣) الرسالة المستطرفة ص ١١٠.\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) انظر التلخيص الحبير ١/ ٥٥. وقد ألَّف في جمعها الباحث «يوسف بن محمَّد العتيق» كتابًا أسماه «التَّعريف بما أُفرد من الأحاديث بالتَّصنيف». وقد حقَّق الباحث «محمد زياد عمر تكلة» تسعة عشر جزءًا حديثيًا، وجمعها في كتاب أسماه «جمهرة الأجزاء الحديثيَّة»، كما قام الشيخ «بكر أبو زيد» بتحقيق بعض الأجزاء الحديثيَّة، وجمعها في مؤلف أسماه «الأجزاء الحديثيَّة».","vol":"1","page":160},{"text":"<span data-type='title' id=toc-30>المطلبُ الثَّالثُ: المصنَّفاتُ المسندَةُ التي يُعتمَدُ عليهَا في السَّبرِ:</span>\nوالمقصودُ بالمصنَّفاتِ المسندَةِ التي يُعتمدُ عليهَا في السَّبرِ، أي: المصنَّفاتُ التي ينبغِي على طالبِ الحديثِ أنْ يقومَ بجمعِ أسانيدِ ومتونِ الحديثِ منهَا، إذْ ليسَ كلُّ كتابٍ حديثيٍّ يُعتمدُ عليهِ في جمعِ طرقِ الحديثِ، لأنَّ البعضَ منهَا قائمٌ على المتنِ دونَ الإسنادِ (^١)، والسَّبرُ إنَّمَا يكونُ للمتنِ والإسنادِ معًَا، وبعضُ الكتبِ شأنُهَا جمعُ الأحاديثِ المسندَةِ، لكنَّهَا بأسانيدَ منْ غيرِ طريقِ المؤلِّفِ (^٢)، فلا يُرجعُ إليهَا في جمعِ الطُّرقِ، وَإنَّمَا إلى الأُصولِ التي أَخذتْ منهَا مادَّتَهَا وبعضُ المصنَّفاتِ تسوقُ متونَهَا بأسانيدَ منكرةٍ أو غريبةٍ أو باطلةٍ لا أصلَ لهَا، فهذهِ ممَّا ينبغي اجتنابُهَا في عمليَّةِ السَّبرِ.\nوقدْ بيَّنَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ» أنواعًا منْ هذهِ المصنَّفاتِ، فقالَ: «وَيَتْرُكُ المُنْتَخِبُ أَيضًَا الاِشْتِغَالَ بِأَخْبَارِ الأَوَائِلِ، مِثْل كِتَابِ المُبْتَدَأ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ الشُّغْلَ بِذَلِكَ غَيرُ نَافِعٍ وَهُوَ عَنِ التَّوَفُّرِ عَلَى مَا هُوَ أَولَى قَاطِعٌ» (^٣).\n_________\n(^١) وقد جمع المتأخرون كتبًا حديثية كثيرة في جميع أبواب العلم، مشتملة على المتون دون الأسانيد، مع الإبقاء على صحابي الحديث وحده في الغالب، ككتاب «جامع الأصول» لابن الأثير الجزري، و«مجمع الزوائد» للهيثمي، و«رياض الصالحين» للنووي، و«مصابيح السنة» للبغوي، وغيرها من كتب الحديث.\n(^٢) مثال ذلك: كتب الزوائد، ك «كشف الأستار»، و«المطالب العالية»، لأنها استخرجت الزوائد من كتاب معين على كتب معينة، وكذلك كتب الأطراف، ك «تحفة الأشراف»، و«إتحاف المهرة».\n(^٣) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ١٥٩.","vol":"1","page":161},{"text":"ثمَّ قالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «وَنَظِيرُ مَا ذَكَرْنَاهُ آَنِفًَا: أَحَادِيثُ المَلَاحِمِ، وَمَا يَكُونُ مِنَ الحَوَادِثِ، فَإِنَّ أَكْثَرَهَا مَوضُوعٌ، وَجُلَّهَا مَصْنُوعٌ، كَالكِتَابِ المَنْسُوبِ إِلَى دَانْيَالِ، وَالخُطَبِ المَرْوِيَّةِ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ» (^١).\nومنْ هذهِ الكتبِ أيضًا: كتبُ المغازي والملاحمِ والتَّفسيرِ المُسنَدَةُ، قالَ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «ثَلَاثَةُ كُتُبٍ لَيسَ لَهَا أُصُولٌ: المَغَازِي وَالمَلَاحِمُ وَالتَّفْسِيرُ» (^٢).\nقالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ» معقِّبًا على قولِ ابنِ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «وَهَذَا الكَلَامُ مَحْمُولٌ عَلَى وَجْهٍ: وَهُوَ أَنَّ المُرَادَ بِهِ كُتُبٌ مَخْصُوصَةٌ فِي هَذِهِ المَعَانِي الثَّلَاثَةِ، غَير مُعْتَمِدٍ عَلَيهَا، وَلَا مَوثُوقٍ بِصِحَّتِهَا، لِسُوءِ أَحْوَالِ مُصَنِّفِيهَا، وَعَدَمِ عَدَالَةِ نَاقِلِيهَا، وَزِيَادَاتِ القُّصَاصِ فِيهَا. فَأَمَّا كُتُبُ المَلَاحِمِ: فَجَمِيعُهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَلَيسَ يَصِحُّ فِي ذِكْرِ المَلَاحِمِ المُرْتَقَبَةِ وَالفِتَنِ المُنْتَظَرَةِ غَيرَ أَحَادِيثٍ يَسِيرَةٍ اتَّصَلْتْ أَسَانِيدُهَا إِلَى الرَّسُولِ -ﷺ- مِنْ وُجُوهٍ مَرْضِيَّةٍ، وَطُرُقٍ وَاضِحَةٍ جَلِيَّةٍ. وَأَمَّا الكُتُبُ المُصَنَّفَةُ فِي تَفْسِيرِ القُرْآَنِ، فَمِنْ أَشْهَرِهَا كِتَابَا الكَلْبِيِّ، وَمُقَاتِلِ بنِ سُلَيمَانَ» (^٣).\nومنْ هذهِ الكتبِ أيضًَا: كتبُ الفضائلِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» معلِّقًا على قولِ ابنِ حنبلٍ آنفِ الذِّكرِ: «قُلْتُ: يَنْبَغِي أنْ يُضَافَ إِلَيهَا الفَضَائِلُ، فَهِذِهِ أَودِيَةُ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالمَوضُوعَةِ … وَأَمَّا الفَضَائِلُ، فَلَا تُحْصَى كَمْ وَضَعَ الرَّافِضَةُ فِي فَضْلِ أَهْلِ البَيتِ، وَعَارَضَهُمْ جَهَلَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ بِفَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ، وَبِفَضَائِلِ الشَّيخَينِ، وَقَدْ أَغْنَاهُمَا اللهُ وَأَعْلَى مَرْتَبَتِهِمَا» (^٤).\n_________\n(^١) المصدر ذاته ٢/ ١٦١.\n(^٢) المصدر السابق ٢/ ١٥٩.\n(^٣) المصدر ذاته ٢/ ١٦٣.\n(^٤) لسان الميزان ١/ ١٢.","vol":"1","page":162},{"text":"ومنْ هذهِ الكتبِ أيضًَا: كتبُ القُصَّاصِ، قالَ أيُّوبُ السَّختيانيُّ «ت ١٣١ هـ»: «مَا أَفْسَدَ عَلَى النَّاسِ حَدِيثَهُمْ إِلَّا القُصَّاصُ» (^١).\nقالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «فَمَا رُوِيَ مِنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ عَمَّنِ اشْتَهَرَ تَصْنِيفُهُ، وَعُرِفَ بِجَمْعِهِ وَتَأَلِيفِهِ، هَذَا حُكْمُهُ - أَي: كُتُبُ المَغَازِي وَالمَلَاحِمِ وَالتَّفْسِيرِ- فَكَيفَ بِمَا يُورِدُهُ القُصَّاصُ فِي مَجَالِسِهِمْ، وَيَسْتَمِيلُونَ بِهِ قُلُوبَ العَوَامِّ مِنْ زَخَارِفِهِمْ، إِنَّ النَّقْلَ لِمثْلِ تِلْكَ العَجَائِبِ مِنَ المُنْكَرَاتِ، وَذَهَابِ الوَقْتِ فِي الشُّغْلِ بِأَمْثَالِهَا مِنْ أَخْسَرِ التِّجَارَاتِ» (^٢).\nوعلى هذَا فالكتبُ التي يُعتمدُ عليهَا في السَّبرِ هيَ الكتبُ الحديثيَّةُ المسندَةُ الأصيلَةُ، والتي تتوافرُ فيهَا ثلاثةُ شروطٍ:\nأولًا: أن تكونَ متخصِّصةً في الحديثِ النَّبويِّ الشَّريفِ.\nثانيا: أنْ تجمعَ بينَ المتنِ والإسنادِ.\nثالثًا: أنْ تكونَ أصيلةً، بأنْ تُروَى أسانيدُهَا منْ طريقِ المؤلِّفِ ذاتِهِ.\nرابعًا: ألا تكونَ المصنَّفاتُ ممَّا يجمعُ المنكراتِ والموضوعاتِ والأباطيلَ.\nوقدْ أشارتْ كتبُ أصولِ الحديثِ إشارةً فقطْ إلى أصنافِ الكتبِ التي يُعتمدُ عليهَا في السَّبرِ منْ غيرِ استيعابٍ لأصنافها، معَ بيانِهِا بالعمومِ بأنَّ السَّبرَ وجمعَ الطُّرقِ يكونُ منْ جميعِ الكتبِ الحديثيَّةِ المسندةِ، قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَتَتَبُّعِ الطُّرُقِ مِنَ الجَوَامِعِ وَالمَسَانِيدِ وَالأَجْزَاءِ لِذَلِكَ الحَدِيثِ الذِي يُظَنُّ أَنَّهُ فَرْدٌ، هُوَ الاِعْتِبَارُ» (^٣).\n_________\n(^١) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ١٦٤.\n(^٢) المصدر ذاته.\n(^٣) نخبة الفكر ١/ ٢٢٩.","vol":"1","page":163},{"text":"وَقَالَ المُنَاوِيُّ «ت ١٠٣١ هـ»: «تَتَبُّعُ الطُّرُقِ مِنَ المُحَدِّثِ مِنَ الجَوَامِعِ وَالمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ وَالأَجْزَاءِ وَالتَّوَارِيخِ، وَغَيرِهَا …» (^١). فأضافَ التَّواريخَ، ولعلَّهُ قصدَ بهَا تواريخَ الرِّجالِ، وأطلقَ بقولِهِ: «وغيرِهَا …».\nوقال الصنعانيُّ (^٢) «ت ١١٨٢ هـ»: «وَاعْلَمْ أَنَّ التَّتَبُّعَ يَكُونُ مِنَ الجَوَامِعِ، وَالمَسَانِيدِ، وَالأَجْزَاءِ» (^٣).\nفالكتبُ المعتمدةُ في السَّبرِ هيَ: الصِّحاحُ (^٤)، والجوامعُ (^٥) …\nوالموطَّآتُ (^٦)، والسُّننُ (^٧)،\n_________\n(^١) اليواقيت والدرر ١/ ٤٤٢.\n(^٢) محمد بن إسماعيل صلاح بن محمد الحسني، الكحلاني، أبو إبراهيم، عز الدين الصنعاني، «١٠٩٩ هـ - ١١٨٢ هـ»، الملقب بالأمير، المجتهد، له نحو مئة مؤلف، من تصانيفه «توضيح الأفكار»، و«سبل السلام شرح بلوغ المرام»، و«شرح الجامع الصغير». انظر البدر الطالع ٢/ ١٣٣، وتوضيح الأفكار ١/ ٧٣.\n(^٣) توضيح الأفكار ٢/ ١٦، وقد عزا الصنعانيُّ هذا القول لابن الصلاح، وبحثت عنه في كتب ابن الصلاح فلم أجده، وإنما هو قول لابن حجر ﵀.\n(^٤) الصحاح: وهي الكتب التي التزمت الصحة في إخراج الصحيح، ك «صحيح البخاري»، و«صحيح مسلم»، و«صحيح ابن حبان»، و«صحيح ابن خزيمة».\n(^٥) الجوامع: وهي الكتب المرتبة على الأبواب، والتي جمعت جميع مواضيع الدين وأبوابه، ومن أهمها: جامع عبد الرزاق، وجامع الثوري، وجامع ابن عيينة، وجامع معمر، وغيرها … ويطلق أيضًا على «الجامع الصحيح البخاري»، «والجامع الصحيح لمسلم»، و«الجامع للترمذي». انظر الرسالة المستطرفة ص ٤١.\n(^٦) الموطآت: لغة: جمع موطأ، وهو المسهل والمهيأ. واصطلاحًا: وهو الكتاب المرتب على الأبواب الفقهية، ويشمل الحديث المرفوع والموقوف والمقطوع، ك «موطأ الإمام مالك»، و«الموطأ لابن أبي ذئب»، و«الموطأ لابن أبي سلمة الماجشون»، و«الموطأ لابن أبي يحيى». انظر مناهج التخريج عند المحدثين - د. محمد خرشافي ١٤٢ و١٤٣.\n(^٧) السنن: وهي الكتب التي تجمع أحاديث الأحكام المرفوعة، مرتبة على أبواب الفقه. ك «سنن أبي داود»، و«سنن الترمذي»، و«سنن النسائي»، و«سنن ابن ماجه»، و«سنن البيهقي»، و«سنن الدارقطني»، و«سنن سعيد بن منصور»، و«سنن الشافعي». انظر الرسالة المستطرفة ص ٣٢.","vol":"1","page":164},{"text":"والمسانيدُ (^١) … والمصنَّفاتُ (^٢)، والمعاجمُ (^٣)، والأمالي (^٤) … والمشيخاتُ (^٥)، والتواريخُ (^٦)، والمستخرجاتُ (^٧)، والمستدركاتُ (^٨) … والأجزاءُ الحديثيَّةُ (^٩)، والفوائدُ الحديثيَّةُ (^١٠).\n_________\n(^١) المسانيد: جمع مسند، وهي الكتب التي تجمع الحديث مرتبًا على الصحابة، ترتيبًا هجائيًا، أو بالأسبقية أو بالشرف. ك «مسند ابن حنبل»، و«مسند أبي يعلى»، و«مسند البزار»، و«مسند أبي عوانة»، و«مسند ابن راهويه»، وغيرها … انظر الرسالة المستطرفة ص ٦٠.\n(^٢) المصنفات: جمع «مصنف»، وهو الكتاب المرتب على الأبواب الفقهية، ويشتمل على الحديث المرفوع والموقوف والمقطوع. ك «مصنف عبد الرزاق»، و«مصنف ابن أبي شيبة». انظر منهج النقد ل «د. نور الدين» ص ٢٠٠.\n(^٣) المعاجم: جمع «معجم»، وهو كتاب تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الشيوخ، والغالب عليها اتباع الترتيب على حروف الهجاء. ومن كتب المعاجم: المعاجم الثلاثة للطبراني «٣٦٠ هـ». انظر الرسالة المستطرفة ص ١٣٥.\n(^٤) الأمالي: هي الكتب التي تجمع الأحاديث التي يمليها الشيخ على تلامذته، بأسانيده إلى النبي -ﷺ-، والأمالي كثيرة، ك «أمالي المحاملي»، و«أمالي ابن مردويه»، و«أمالي الباغندي»، و«أمالي الحافظ العراقي». انظر كشف الظنون ١/ ١٦١، والرسالة المستطرفة ص ١٥٩.\n(^٥) المشيخات: وهي كتب يجمع فيها المحدثون أسماء شيوخهم، وما تلقوه عليهم من الكتب أو الأحاديث مع إسنادهم إلى مؤلفي الكتب التي تلقوها، ك «مشيخة الحافظ أبي يعلى الخليلي»، و«مشيخة يعقوب بن سفيان»، ومنها ما يسمى «فهرسًا» أو «ثبتًا» أو «برنامجًا». انظر منهج النقد ل «د. نور الدين» ص ٢١٠.\n(^٦) تواريخ الرجال: وهي الكتب التي أُلِّفت في تراجم الرجال، وتواريخهم، والحكم عليهم، ك «تاريخ ابن معين» و«التاريخ الكبير» و«التاريخ الأوسط» للبخاري، و«تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي، و«تاريخ دمشق» لابن عساكر، وغيرها … انظر الرسالة المستطرفة ص ١٢٨.\n(^٧) المستخرجات: جمع «مستخرج»، وهو أن يعمد المستخرج إلى كتاب من كتب الحديث، فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب، فيجتمع معه في شيخه أو من فوقه ولو في الصحابي. ك «مستخرج الإسماعيلي على البخاري»، و«مستخرج أبي عوانة الإسفرايني على مسلم». انظر الرسالة المستطرفة ص ٣١.\n(^٨) المستدركات: جمع «مستدرك»، وهو كل كتاب جمع فيه مؤلفه الأحاديث التي استدركها على كتاب آخر مما فاته على شرط مؤلفه. ك «المستدرك للحاكم». انظر الرسالة المستطرفة ص ٢١، ومعجم المصطلحات الحديثية ص ٣٩.\n(^٩) تقدم تعريفها ص ١٥٣.\n(^١٠) الفوائد الحديثية: وهي الكتب التي تَجمعُ فيها مرويَّات بعينها بأسانيد مؤلِّفيهَا، لاشتمالها على فوائد متنوِّعةٍ في المتنِ أوِ الإسنادِ. ك «فوائد أبي بكر الشاسي»، و«فوائد أبي ذر الهروي» …، وقد جعلها «الكتاني» في الأجزاء الحديثية. انظر الرسالة المستطرفة ص ٢١٢. وانظر مقدمة كتاب «الفوائد المنتخبة - الصحاح والغرائب» ص ٥، ففيه دراسة قيمة للدكتور \"سعود بن عيد الجربوعي\" عن كتب الفوائد الحديثية. والكتاب عبارة عن فوائد خرَّجها الخطيب البغداديّ لأبي القاسم المِهْروانيِّ «٤٦٨ هـ»، ويسمى «المهروانيَّات».","vol":"1","page":165},{"text":"هذهِ هيَ مُجملُ الكتبِ الحديثيَّةِ المسندَةِ التي يُعتمدُ عليهَا في السَّبرِ، فعلَى الباحثِ أنْ يُفرغَ وُسعَهُ في البحثِ والتَّنقيرِ عنِ المتونِ والأسانيدِ، وجمعِهَا منْ بطونِ الكتبِ الحديثيَّةِ المسندَةِ، ليكونَ تصوُّرُهُ عنْ معانِي الحديثِ كاملًا، وحكمُهُ عليهِ صائبًَا.\n* * *","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type='title' id=toc-31>الفَصْلُ الثَّالِثُ: تَصْحِيحِ الحَدِيثِ، وتَطْبِيقِ السَّبْرِ، وَطَرِيقَتُهُ العِلْمِيَّةُ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-32>المَبْحَثُ الأَوَّلُ: تَصْحِيحِ المُتَأَخِّرِينَ لِلْأَحَادِيثِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ </span>(^١):\nأثارَ ابنُ الصَّلاحِ مسألةَ تصحيحِ المتأخِّرينَ للحديثِ في مقدمتِهِ في علومِ الحديثِ، حينمَا ارتأَى انعدامَ إمكانيَّةِ تصحيحِ الأحاديثِ وتحسينِهَا منْ قبلِ المتأخِّرينَ (^٢)، وقدْ حملَ بعضُ الأئمَّةِ كلامَ ابنِ الصَّلاحِ علَى الإطلاقِ في المنعِ منْ تصحيحِ الأحاديثِ، منهمُ الإمامُ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»، وابنُ كثيرٍ «ت ٧٧٤ هـ»، والحافظُ العراقيُّ «ت ٨٠٦ هـ»، والحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ».\nوعارضَ هؤلاءِ الأئمَّةُ ابنَ الصَّلاحِ في منعِهِ هذَا، فقالَ الإمامُ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «مَنْ رَأَى فِي هَذِهِ الأَزْمَانِ حَدِيثًَا صَحِيحَ الإِسْنَادِ فِي كِتَابٍ أَوْ جُزْءٍ لَمْ يَنُصَّ عَلَى صِحَّتِهِ حَافِظٌ مُعْتَمَدٌ قَالَ الشَّيخُ - يعنِي ابنَ الصَّلَاحِ -: «لَا يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ لِضَعْفِ أَهْلِ هَذِهِ\n_________\n(^١) وسيأتي الحديثُ عن حكم المتأخرين على الرجال من خلال السبر، وكذلك الحديثُ عن تقوية الأحاديث بالمتابعات والشواهد من خلال السبر. انظر ص ١٩٤، وص ١٩٦.\n(^٢) قال ابن الصلاح في مقدمته: «إذا وجدنا فيما نروي من أجزاء الحديث وغيرها حديثًا صحيح الإسناد، ولم نجده في أحد الصحيحين، ولا منصوصًا على صحته في شيءٍ من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة، فإنا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحته، فقد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد، لأنه ما من إسناد من ذلك إلا ونجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه عريًا عما يُشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان، فآل الأمر إذًا في معرفة الصحيح والحسن إلى الاعتماد على ما نصَّ عليه أئمَّة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشهورة التي يؤمن فيها لشهرتها من التغيير والتحريف، وصار معظم المقصود بما يتداول من أسانيد خارجًا من ذلك إبقاء سلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأمة». انظر مقدمة ابن الصلاح ص ١١.","vol":"1","page":167},{"text":"الأَزْمَانِ». وَالأَظْهَرُ عِنْدِي جَوَازُهُ لِمَنْ تَمَكَّنَ وَقَوِيَتْ مَعْرِفَتُهُ» (^١). وقالَ الحافظُ العراقيُّ «ت ٨٠٦ هـ»: «وَمَا رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ هُوَ الذِي عَلَيهِ عَمَلُ أَهْلِ الحَدِيثِ، فَقَدْ صَحَّحَ جَمَاعَةٌ مِنَ الُمتَأَخِّرِينَ أَحَادِيثَ لَمْ نَجِدْ لِمَنْ تَقَدَّمَهُمْ فِيهَا تَصْحِيحًَا» (^٢). وقالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ قَبُولِ التَّصْحِيحِ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ وَرَدِّهِ مِنَ المُتَأَخِّرِينَ، قَدْ يَسْتَلْزِمُ رَدَّ مَا هَوَ صَحِيحٌ وَقَبُولِ مَا لَيسَ بِصَحِيحٍ، فَكَمْ مِنْ حَدِيثٍ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ إِمَامٌ مُتَقَدِّمٌ اطَّلَعَ المُتَأَخِّرُ فِيهِ عَلَى عِلَّةٍ قَادِحَةٍ تَمْنَعُ مِنَ الحُكْمِ بِصِحَّتِهِ» (^٣). وقدْ تبعَ هؤلاءِ الأئمَّةَ كلُّ منْ جاءَ بعدهُم، وصارَ كلامُ الإمامِ النَّوويِّ العمدةَ في هذهِ المسألَةِ.\nإلَّا أنَّ الإمامَ السُّيوطيَّ «ت ٩١١ هـ» أفردَ لهذهِ المسألَةِ كتابًَا أسماهُ «التنقيحَ لمسألةِ التَّصحيحِ» خرَّجَ فيهِ المسألةَ تخريجًا يدفَعُ الاعتراضَ على ابنِ الصَّلاحِ، ويُوفِّقُ فيهِ بينَ ما ذهبَ إليهِ ومَا اعتُرِضَ عليهِ، فقالَ: «وَالتَّحْقِيقُ عِنْدِي: أَنَّهُ لا اعْتِرَاضَ عَلَى ابنِ الصَّلَاحِ، وَلَا مُخَالَفَةَ بَينَهُ وَبَينَ مَنْ صَحَّحَ فِي عَصْرِهِ أَوْ بَعْدَهُ، وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّحِيحَ قِسْمَانِ: صَحِيحٌ لِذَاتِهِ، وَصَحِيحٌ لِغَيرِهِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كِتَابِ ابنِ الصَّلَاحِ، وَغَيرِهِ. وَالذِي مَنَعَهُ ابنُ الصَّلَاحِ إِنَّمَا هُوَ القِسْمُ الأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي كَمَا تُعْطِيهِ عِبَارَتُهُ» (^٤).\n_________\n(^١) تقريب النووي ١/ ١٤٣.\n(^٢) التقييد والإيضاح ص ٢٣، وذكر الحافظ العراقي جملة من العلماء المعاصرين لابن الصلاح الذين خالفوه، منهم: أبو الحسن ابن القطان «٦٢٨ هـ» صاحب كتاب «الوهم والإيهام»، والحافظ المقدسي «ت ٦٥٦ هـ»، صاحب كتاب «الأحاديث المختارة»، والحافظ المنذري «٦٥٦ هـ»، صاحب كتاب «الترغيب والترهيب»، وهؤلاء الأئمة قاموا بتصحيح بعض الأحاديث التي لم يسبق إلى تصحيحها.\n(^٣) تدريب الراوي ٨١ - ٨٢.\n(^٤) التنقيح لمسألة التصحيح ص ٢١، وقد طبع الكتاب ضمن مجموعة رسائل في دار البخاري - المدينة المنورة - ١٩٩٥ م - تحقيق: بدر بن محمد العماش.","vol":"1","page":168},{"text":"فبيَّنَ السُّيوطيُّ أنَّ الذي لا يُمكنُ للمتأخِّرينَ القيامُ بهِ، هوَ تصحيحُ الحديثِ بمجرَّدِ النَّظرِ في ظاهِرِ الإسنادِ الواحِدِ، وهذَا ينطبُقُ علَى الحديثِ الذِي ليسَ لهُ إلَّا سندٌ واحدٌ، قالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «وَذَلِكَ أَنْ يُوجَدَ فِي جُزْءٍ مِنَ الأَجْزَاءِ حَدِيثٌ بِسَنَدٍ وَاحِدٍ مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ لَمْ تَتَعَدَّدْ طُرُقُهُ، وَيَكُونُ ظَاهِرُ الإِسْنَادِ الصِّحَّةَ لاتِّصَالِهِ وَثِقَةِ رِجَالِهِ فَيُرِيدُ الإِنْسَانُ أَنْ يَحْكُمَ لِهَذَا الحَدِيثِ بِالصِّحَّةِ لِذَاتِهِ بِمُجَرَّدِ هَذَا الظَّاهِرِ، وَلَمْ يُوجَدْ لَأَحَدٍ مِنَ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ الحُكُمُ عَلَيهِ بِالصِّحَّةِ، فَهَذَا مَمْنُوعٌ قَطْعًَا لأَنَّ مُجَرَّدَ ذَلِكَ لا يُكْتَفَى بِهِ فِي الحُكْمِ بِالصِّحَّةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ فَقْدِ الشُّذُوذِ وَنَفْيِ العِلَّةِ». ثمَّ قالَ: «فَإِذَا وَجَدَ الإِنْسَانُ فِي جُزْءٍ مِنَ الأَجْزَاءِ حَدِيثًَا بِسَنَدٍ وَاحِدٍ ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ لاتِّصَالِهِ وَثِقَةِ رِجَالِهِ، لَمْ يُمْكِنْهُ الحُكْمُ عَلَيهِ بِالصِّحَّةِ لِذَاتِهِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيهَا لِتَعَذُّرِ العِلْمِ بِالعِلَلِ فِي هَذِهِ الأَزْمَانِ» (^١).\nلأنَّ الحديثَ قدْ يكونُ إسنادُهُ صِحيحًَا في الظَّاهِرِ، لكنْ لهُ علَّةٌ لا تتكشَّفُ إلَّا بالسَّبرِ وجمعِ المرويَّاتِ، وهذَا لا يتحقَّقُ إذَا كانَ للحديثِ سندٌ واحدٌ فحسبُ، أو أهمَلَ النَّاقدُ مجموعَ طُرُقِ الحديثِ، واكتفَى بالنَّظرِ لسندٍ واحدٍ يحكُمُ علَى الحديثِ منْ خلالِهِ، فمثلُ ذلكَ يجبُ أنْ يُطْلَقَ الحكمُ فيهِ علَى سندِ الحديثِ فحسب، ولا يُعتبَرُ حُكمًَا علَى الحديثِ بجُملتِهِ، قالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «وَالأَحْوَطُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ ب «صَحِيحِ الإِسْنَادِ»، وَلَا يُطْلَقُ التَّصْحِيحُ لاحْتِمَالِ عِلَّةٍ لِلْحَدِيثِ خَفِيَتْ عَلَيهِ، وَقَدْ رَأَيتُ مَنْ يُعَبِّرُ خَشْيَةً مِنْ ذَلِكَ بِقَولِهِ: «صَحِيحٌ إِنْ شَاءَ اللهُ»» (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق ص ٢٣ و٢٤.\n(^٢) المصدر ذاته.","vol":"1","page":169},{"text":"ثمَّ بيَّنَ السُّيوطيُّ أنَّ للمتأخِّرينَ الحكمَ على الحديثِ، والكشفَ عنْ عللِهِ، وإبرازَ فوائدِهِ، لكنْ بعدَ السَّبرِ وجمعِ المرويَّاتِ - وهذَا ما عليهِ إجماعُ المحدِّثينَ - وهوَ ما عبَّرَ عنهُ ب «الصَّحِيحِ لغيرِهِ»، ونحنُ نعلمُ أنَّ الحديثَ لَا يرتقِي إلى الصحيحِ لغيرِهِ إلَّا بمجموعِ الطُّرقِ، قالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «وَأَمَّا القِسْمُ الثَّانِي: فَهَذَا لَا يَمْنَعُهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَلَا غَيرُهُ، وَعَلَيهِ يُحْمَلُ صَنِيعُ مَنْ كَانَ فِي عَصْرِهِ وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ، فَإِنِّي اسْتَقْرَيتُ مَا صَحَّحَهُ هَؤُلَاءِ فَوَجَدُّتُهُ مِنْ قِسْمِ الصَّحِيحِ لِغَيرِهِ لَا لِذَاتِهِ …» (^١).\nفالتَّصحيحُ سنَّةٌ ماضيةٌ، وحاجةٌ ملحَّةٌ، وإنَّ اللهَ يُقيَّضُ للسنَّةِ المطهَّرةِ رجالًا ينفونَ عنهَا تحريفَ الغالينَ وانتحالَ المبطلينَ وتأويلَ الجاهلينَ، وكثيرٌ منْ أئمَّةِ المتأخِّرينَ خاضُوا ميدانَ التَّصحيحِ والتَّضعيفِ.\nوما زالَ الأمرُ موصولًا إلى زمانِنَا هذَا (^٢).\nوهؤلاءِ الأئمَّةُ اعتمدُوا في تصحيحهمْ للأحاديثِ مناهجَ الأئمَّةِ المتقدِّمينَ، فسبرُوا طرقَ الحديثِ، وقارنُوا بينَ المرويَّاتِ، وكشفُوا عنْ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ، وهذَا ما عليهِ مدارُ عملِ جهابذَةِ المحدِّثينَ من المتقدِّمينَ.\n_________\n(^١) المصدر السابق.\nوقد أُلِّفت كتبٌ معاصرةٌ في مسألةِ التَّصحيحِ عندَ ابنِ الصَّلاحِ، منهَا: كتاب «مسألة التصحيح والتحسين في الأعصار المتأخرة - للدكتور عبد الرزاق الشايجي - دار ابن حزم - بيروت - عام ١٩٩٩ م». وكتابُ «تصحيح الحديث عند الإمام ابن الصلاح للدكتور حمزة المليباري - بيروت - عام ١٩٩٧ م» -، وخرَّج قول ابن الصلاح على أنَّ المقصود من منعه «الأجزاء وغيرها».\n(^٢) وقد حدثت مساجلات، وألفت كتب في انتقاد بعض العلماء المعاصرين، لعدم اتباعهم منهج المتقدمين في التصحيح والتضعيف، من خلال التساهل في تصحيح الأحاديث، وحكمهم على ظواهر الأحاديث دون النظر في عللها، واعتمادهم الكلي على «تقريب التهذيب» في الحكم على الرجال، والتوسع في تصحيح الأحاديث من خلال المتابعات والشواهد، وكلٌ يُؤخذُ منهُ ويردُّ عليهِ إلا صاحبُ القبرِ الشَّريف -ﷺ-.","vol":"1","page":170},{"text":"وما دامتِ المادَّةُ التي كانَ يعتمدُ عليهَا الأئمَّةُ في تصحيحهمْ وتضعيفهمْ للأحاديثِ قدْ دوَّنوهَا، وهيَ بينَ ظهرانينَا، ككتبِ الحديثِ المسندَةِ، وكتبِ الرِّجالِ والجرحِ والتَّعديلِ، وكتبِ العللِ، فلَا يبقَى إلَّا حذقُ العالمِ ومكنتُهُ وفطنتُهُ وكثرةُ إطِّلاعِهِ علَى أُصولِ الحديثِ ومصنَّفاتِهِ، وأقوالِ الأئمَّةِ في الإعلالِ والرِّجالِ.\nولذَا نجدُ أنَّ الأئمَّةَ أكَّدوا علَى أهليَّةِ العالمِ ونظرتِهِ الثَّاقبَةِ كشرطٍ في تصدِّيهِ للحكمِ على الحديثِ الشَّريفِ، قالَ الحافظُ العراقيُّ «ت ٨٠٦ هـ» بعدَ أنْ ذكرَ جملةً منَ الأئمَّةِ المتأخِّرينَ الذينَ خالفُوا ابنَ الصَّلاحِ في منعِهِ، وصحَّحُوا أحاديثَ لم يُسبَق إليهَا: «وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأبُ مَنْ بَلَغَ أَهْلِيَّةَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُقْبَلُ ذِلَكَ مِنْهُمْ، وَكَذَا كَانَ المُتَقَدِّمُونَ رُبَّمَا صَحَّحَ بَعْضُهُمْ شَيئًَا فَأُنْكِرَ عَلَيهِ تَصْحِيحُهُ» (^١). وقَالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَلَا يَقُومُ بِهِ - أي: عِلْمُ العِلَلِ - إِلَّا مَنْ مَنَحَهُ اللهُ تَعَالَى فَهْمًَا غَائِصًَا، وَاطِّلَاعًَا حَاوِيًَا، وَإِدْرَاكًَا لِمَرَاتِبِ الرُّوَاةِ، وَمَعْرِفَةً ثَاقِبَةً» (^٢).\nوعلى رأسِ القواعدِ التي ينبغِي على المتأخِّرينَ مراعاتُهَا والعملُ بهَا، قاعدَةُ السَّبرِ والتتبُّعِ وجمعِ طرقِ الحديثِ، والذي انتُقِدَ على عملِ المتأخِّرينَ هو إغفالُهم طرقَ الحديثِ وسبرَهَا، وإهمالُهم النَّظرَ في دقائِقِ علمِ العللِ، واعتمادُ الإسنادِ الواحدِ، والحكمُ على الأحاديثِ بظواهرِ الأسانيدِ.\n* * *\n_________\n(^١) التقييد والإيضاح للحافظ العراقي ١/ ٢٤.\n(^٢) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٧١١.","vol":"1","page":171},{"text":"<span data-type='title' id=toc-33>المَبْحَثُ الثَّانِي: تَطْبِيقِ السَّبْرِ:</span>\nبعدَ أنْ بينَّا إمكانيَّةَ تصحيحِ المتأخِّرينَ للحديثِ بإجماعِ المحدِّثينَ، وبينَّا تخريجَ الإمامِ السُّيوطيِّ لقولِ ابنِ الصَّلاحِ، بأنَّ التَّصحيحَ ممكنٌ للحديثِ متعدِّدِ الطُّرقِ، كانَ لا بدَّ منْ اعتمادِ السَّبر وجمعِ الطُّرقِ كقاعدةٍ رئيسيَّةٍ وأساسيَّةٍ في تصحيحِ الحديثِ، وعدمِ الاقتصارِ على\nالسَّندِ الواحدِ والحكمِ على الحديثِ من خلالِهِ.\nوقَدْ يقولُ قائلٌ: إنَّ السَّبرَ مُتعذِّرٌ في هذهِ الأزمانِ بسببِ كثرةِ الأسانيدِ، وتشعُّبِهَا، وبُعدِ المسافَةِ عنْ عصرِ الرِّوايَةِ، وعدمِ الأهليَّةِ لذلكَ، فإنَّهُ يصعبُ جمعُ طرقِ كلِّ حديثٍ، والنَّظرُ فيهَا، والحكمُ عليها، بِحُجَّةِ أنَّ الأوائلَ كانُوا يحفظونَ الأسانيدَ، وَلا يُحوجُهُمْ جمعُهَا إلَّا استدعاؤُهَا من ذاكرتِهِمْ، ولدفعِ ذلكَ نقولُ:\nأولًا: إنَّ منْ يُريدُ خوضَ غمارِ هذَا العلمِ لا بدَّ أنْ يكونَ متخصِّصًَا، وأنْ يقصُرَ همَّتهُ ووقتَهُ عليهِ، وألا يجمعَ معَهُ غيرَهُ، وأنْ يُفرغَ وسعَهُ في تَطلُّبِهِ، قالَ الخطيبُ البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ»: «[عَلَى طَالِبِ الحَدِيثِ أَنْ يَقُومَ] بِمُعَانَاةِ عِلْمِ الحَدِيثِ دُونَ سِوَاهُ، لِأنَّهُ عِلْمٌ لَا يَعْلَقُ إِلَّا بِمَنْ وَقَفَ نَفْسَهُ عَلِيهِ، وَلَمْ يَضُمَّ غَيرَهُ مِنَ العُلُومِ إِلَيهِ» (^١). وقَالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: «وَلَا بُدَّ فِي هَذَا العِلْمِ مِنْ طُولِ المُمَارَسَةِ، وَكَثْرَةِ المُذَاكَرَةِ، فَإِذَا عَدِمَ المُذَاكَرَةَ بِهِ فَليُكْثِرْ طَالِبُهُ المُطَالَعَةَ فِي كَلَامِ الأَئِمَّةِ العَارِفِينَ كَيَحْيَى\n_________\n(^١) انظر الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ١٧٣. بتصرف. وما بين معقوفتين من إدراج الباحث.","vol":"1","page":172},{"text":"القَطَّانِ، وَمَنْ تَلَقَّى عَنْهُ كَأَحْمَدَ وَابْنِ المَدِينِيِّ وَغَيرِهِمَا، فَمَنْ رُزِقَ مُطَالَعَةَ ذَلِكَ، وَفَهِمَهُ، وَفَقِهَتْ نَفْسُهُ فِيهِ، وَصَارَتْ لَهُ فِيهِ قُوَّةُ نَفْسٍ وَمَلَكَةٍ، صَلُحَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيهِ» (^١).\nولذَا فإنَّ لقبَ «المحدِّثِ» لا يُطلَقُ إلَّا على منْ يشتغلُ بعلمِ الحديثِ روايةً ودرايةً، ويطَّلعُ على كثيرٍ منَ الرِّواياتِ وأحوالِهَا، وَقدْ أشارَ المعلِّميُّ «ت ١٣٨٦ هـ» في مقدِّمةِ كتابِهِ «الاستبصارُ في نقدِ الأخبارِ» إلى صعوبَةِ علمِ الحديثِ درايةً، لكنْ ليسَ إلى حدِّ استحالتِهِ أو تعذُّرِهِ، فقالَ: «وَأَرْجُو إِذَا يَسَّرَ اللهُ ﵎ إِتْمَامَ هَذِهِ الرِّسَالَةِ كَمَا أُحِبُّ، أَنْ يَتَّضِحَ لِقَارِئِهَا سَبِيلُ القَومِ فِي نَقْدِ الحَدِيثِ، وَيَتَبَيَّنَ أَنَّ سُلُوكَهَا لَيسَ مِنَ الصُّعُوبَةِ بِالدَّرَجَةِ التِي يَقْطَعُ بِامْتِنَاعِهَا، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَاعِيًَا لِأُولِي الِهمَمِ إِلَى الاِسْتِعْدَادِ لِسُلُوكِهَا، فَيَكُونُ مِنْهُمْ أَئِمَّةٌ مَجْتَهِدُونَ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى» (^٢).\nثانيًا: الأئمَّةُ المتقدِّمونَ كانُوا يقطعونَ المفاوزَ من أجلِ جمعِ طرقِ حديثٍ واحدٍ، ويُمضونَ الأيَّامَ الطِّوالَ ويُواصلونَ الليلَ بالنَّهارِ للنَّظرِ في علَّةِ حديثٍ مَا منْ خلالِ طرقِهِ، قالَ ابنُ المدينيِّ «ت ٢٣٤ هـ»: «رُبَّمَا أَدْرَكْتُ عِلَّةَ حَدِيثٍ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً» (^٣). وقالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «مِنَ الأَحَادِيثِ مَا تَخْفَى عِلَّتُهُ، فَلَا يُوقَفُ عَلَيهَا إِلَّا بَعْدَ النَّظَرِ الشَّدِيدِ، وَمُضِيِّ الزَّمَنِ البَعِيدِ» (^٤). - ولنَا فيهمْ أُسوةٌ حسنةٌ - وهوَ المنهجُ الذي سارَ عليهِ الأئمَّةُ المتأخِّرونَ، وقدْ ذكرنَا عددًَا منَ المتأخِّرينَ الذينَ قامُوا بعمليَّةِ السَّبرِ اعتمادًَا على المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ المسندَةِ معَ بُعدهِمْ عنْ عصرِ الرِّوايَةِ، والأسانيدُ التي\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٦٤.\n(^٢) انظر ص ٨.\n(^٣) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢٥٧.\n(^٤) المصدر ذاته.","vol":"1","page":173},{"text":"كانتْ بينَ أيديهِمْ لا تختلفُ عمَّا في أيدينَا، فهيَ مدوَّنةٌ في الكتبِ والمصنَّفاتِ، وإنَّما اختلفَتْ هِمَّةُ الطَّلبِ، وحِدَّةُ الصَّبرِ والمثابرَةِ، فهذَا الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» يقولُ في تتبُّعهِ لطُرقِ حديثِ: «إِنَّما الأعمالُ بالنيَّاتِ»: «تَتَبَّعْتُهُ من الْكُتُبِ وَالْأَجْزَاءِ، حتى مَرَرْتُ على أَكْثَرَ من ثَلَاثَةِ آلَافِ جُزْءٍ فما اسْتَطَعْتُ أَنْ أُكْمِلَ له سَبْعِينَ طَرِيقًا» (^١).\nوقدْ سهَّلَ اللهُ علينَا الطَّريقَ في عمليَّةِ السَّبرِ بمَا أنعمَهُ علينَا منْ نعمَةِ التقنيَّةِ الحديثَةِ، بحيثُ يستطيعُ الواحدُ منَّا جمعَ طرقِ حديثٍ في عُشرِ معشارِ المدِّةِ التي كانَ يقضيهَا الأئمَّةُ في ذلكَ منْ خلالِ الحاسوبِ المُفهرِسِ (^٢)، فاختصَرَ علينَا الطَّريقَ في جمعِ وتتبُّعِ وسبرِ الأسانيدِ.\nثالثًا: إدراكُ علَّةِ حديثٍ خيرٌ منْ حفظِ مئةِ حديثٍ، هذَا ما أَوعَزَ إِليهِ أئمَّةُ الحديثِ، فلئنْ يُمضِيَ الباحثُ المتخصِّصُ ردحًَا منَ الزَّمنِ في جمعِ طرقِ حديثٍ لاستخراجِ مكمنِ علَّتِهِ يذُبُّ بذلكَ عن سنَّةِ رسولِ اللهِ -ﷺ-، ويميِّزُ الدَّخيلَ فيهَا منَ الأصيلِ، خيرٌ لهُ منْ أنْ يحفظَ مئةَ حديثٍ لا يعلَمُ غثَّهَا من سَمينِهَا، قَالَ ابنُ مهديٍّ «ت ١٩٨ هـ»: «لَئِنْ أَعْرِفَ عِلَّةَ حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَنْ أَسْتَفِيدَ عَشَرَةَ أَحَادِيثٍ» (^٣). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «مِنْ أَهَمِّ أَنْوَاعِ العُلُومِ تَحْقِيقُ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّاتِ، أَعْنِي: مَعْرِفَةَ مُتُونِهَا، صَحِيحِهَا، وَحَسَنِهَا، وَضَعِيفِهَا. مُتَّصِلِهَا، وَمُرْسَلِهَا، وَمُنْقَطِعِهَا، وَمُعْضَلِهَا، وَمَقْلُوبِهَا، وَمَشْهُورِهَا، وَغَرِيبِهَا، وَعَزِيزِهَا، وَمُتَوَاتِرِهَا،\n_________\n(^١) التلخيص الحبير ١/ ٥٥.\n(^٢) لا بد من التنبيه إلى أن الحاسوب لا يمكن الاعتماد عليه، إلا كفهرس يسهل لنا الوصول إلى الكتاب، لكثرة الأخطاء في محتوى الكتب المدخلة فيه.\n(^٣) معرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري ١/ ١١٢.","vol":"1","page":174},{"text":"وَآَحَادِهَا، وَأَفْرَادِهَا. مَعْرُوفِهَا، وَشَاذِّهَا وَمُنْكَرِهَا، وَمُعَلَّلِهَا، وَمَوضُوعِهَا، وَمُدْرَجِهَا، وَنَاسِخِهَا، وَمَنْسُوخِهَا» (^١).\nرابعًا: تخيُّرُ الأسانيدِ العاليَةِ والصَّحيحةِ، والبعدُ عنِ المنكراتِ والأباطيلِ: فتُملأُ الصَّفحاتُ بالأسانيدِ الكثيرةِ، التي لا طائلَ منهَا، ولا فائدةَ فيهَا، ممَّا يبعثُ الباحثَ على التَّقاعسِ في المضيِّ في دراسةِ الأسانيدِ وتتبُّعِهَا، أو الاختصارِ فيهَا بمَا يُخلُّ في دراسةِ الحديثِ والحكمِ عليهِ، وقدْ بوَّبَ الخطيبُ البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ» في «الجامعِ لأخلاقِ الرَّاوي» بعنوانِ «مَا ينبغي أنْ يُصْدَفَ عنِ الاشتغالِ بهِ في الانتقاءِ»، ثمَّ قالَ: «يَنْبَغِي لِلْمُنْتَخِبِ أَنْ يَقْصِدَ تَخَيُّرَ الأَسَانِيدِ العَالِيَةِ، وَالطُّرُقِ الوَاضِحَةِ، وَالأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَالرِّوَايَاتِ المُسْتَقِيمَةِ، وَلَا يُذْهِبَ وَقَتَهُ فِي التُّرَّهَاتِ مِنْ تَتَبُّعِ الأَبَاطِيلِ وَالمَوضُوعَاتِ وَتَطَلُّبِ الغَرَائِبِ وَالمُنْكَرَاتِ» (^٢). ثمَّ قالَ مبيِّنًَا الغرائبَ التي يجبُ الابتعادُ عنْ انتقائِهَا: «وَالغَرَائِبُ التِي كَرِهَ العُلَمَاءُ الاشْتِغَالَ بِهَا، وَقَطْعَ الأَوقَاتِ فِي طَلَبِهَا، إِنَّمَا هِيَ مَا حَكَمَ أَهْلُ المَعْرِفَةِ بِبُطْلَانِهِ، لِكَونِ رُوُاتِهِ مِمَّنْ يَضَعُ الحَدِيثَ، أَوْ يَدَّعِي السَّمَاعَ، فَأَمَّا مَا اسْتُغْرِبَ لِتَفَرُّدِ رَاوِيهِ بِهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ فَذَلِكَ يَلْزَمُ كَتْبُهُ وَيَجِبُ سَمَاعُهُ وَحِفْظُهُ» (^٣).\nولتجنُّبِ الوقوعِ في ذلكَ على الباحثِ الالتزامُ بجمعِ طرقِ الحديثِ منَ المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ التي أشرتُ إليهَا في مبحثِ «المصنَّفاتُ الحديثيَّةُ المسندةُ التي يُعتمدُ عليهَا في السَّبرِ» (^٤) والابتعادُ عنْ كتبِ الغرائِبِ والأفرادِ، والموضوعاتِ.\n* * *\n_________\n(^١) شرح صحيح مسلم للنووي ١/ ٣.\n(^٢) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ١٥٩.\n(^٣) المصدر ذاته ٢/ ١٦٠.\n(^٤) انظر ص ١٤٦ وما بعدها.","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-34>المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الطَّرِيقَةُ العِلْمِيَّةُ العَمَلِيَّةُ لِسَبْرِ الأَسَانِيدِ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-35>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: الطَّرِيقَةُ العِلْمِيَّةُ لِسَبْرِ الأَسَانِيدِ:</span>\nهناكَ طرقٌ عدَّةٌ اعتمدهَا الأئمَّةُ المحدِّثونَ في مصنَّفاتهِمْ بالنِّسبَةِ لسبرِ الحديثِ وجمعِ طرقِهِ في موطنٍ واحدٍ، ولكلٍّ منهمْ مقصدٌ من طريقتِهِ، وهذهِ الطُّرقُ هيَ:\nالطَّريقةُ الأولَى: وهيَ طريقَةُ الإمامِ مسلمٍ في صحيحِهِ، فقد رتَّبَ الرِّواياتِ بحسبِ قوَّتِهَا، قالَ المُعلِّميُّ «ت ١٣٨٦ هـ»: «عَادَةُ مُسْلِمٍ أَنْ يُرَتِّبَ رِوَايَاتِ الحَدِيثِ بِحَسَبِ قُوَّتِهَا، يُقَدِّمُ الأَصَحَّ فَالأَصَحَّ» (^١). وقدْ أشارَ الإمامُ مسلمٌ إلى ذلكَ في مقدِّمةِ صحيحِهِ، فقالَ: «فَأَمَّا القِسْمُ الأَوَّلُ فَإِنَّا نَتَوَخَّى أَنْ نُقَدِّمَ الأَخْبَارَ التِي هِيَ أَسْلَمُ مِنَ العُيُوبِ مِنْ غَيرِهَا … فَإِذَا نَحْنُ تَقَصَّينَا أَخْبَارَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ أَتْبَعْنَاهَا أَخْبَارًَا يَقَعُ فِي أَسَانِيدِهَا بَعْضُ مَنْ لَيسَ بِالمَوصُوفِ بِالحِفْظِ وَالإِتْقَانِ كَالصِّنْفِ الُمقَدَّمِ قَبْلَهُمْ …» (^٢).\nومقصِدُ الإمامِ مسلمٍ في ترتيبِهِ إبرازُ الفوائدِ الإسناديَّةِ، وبيانُ عللِ الأحاديثِ (^٣).\n_________\n(^١) الأنوار الكاشفة للمعلمي ١/ ٢٨.\n(^٢) انظر صحيح مسلم ١/ ٥.\n(^٣) وهذه الطريقة هي الأبرز في ترتيب الإمام مسلم لأحاديثه، لكنها ليست الوحيدة، فقد اعتمد الإمام مسلم بعبقريةٍ ترتيب أحاديثه، سنأتي على ذكر بعض منها عند الكلام على الطرق الأخرى في السبر، وقد ذكر الأئمة مقصد الإمام مسلم من ترتيب صحيحه ك «ابن الصلاح، والحافظ العراقي، والحافظ ابن حجر، والقسطلاني»، اقتصرنا على القول ب «الفوائد الإسنادية» على الإجمال، خشية الإطالة. انظر صيانة صحيح مسلم لابن الصلاح ص ٩٠، وشرح مسلم للنووي ١/ ٢٣، وشرح ألفية العراقي ١/ ٧٢، وهدي الساري لابن حجر ص ١٣، وشرح صحيح البخاري للقسطلاني ١/ ٢٠.","vol":"1","page":176},{"text":"الطَّريقةُ الثَّانيةُ: وهيَ طريقةُ النَّسائيِّ في سننِهِ الكبرى، والتِّرمذيِّ في سننِهِ كذلكَ، وهيَ بعكسِ طريقةِ الإمامِ مسلمٍ، فيبدأانِ بإيرادِ الأحاديثِ غريبَةِ الإسنادِ لبيانِ ما فيهَا منْ عللٍ، ثمَّ يوردانِ الصَّحيحَ منَ الإسنادِ، قالَ ابنُ رجبٍ الحنبليُّ «ت ٧٩٥ هـ»: «وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّهُ فِي غَالِبِ الأَبْوَابِ يَبْدَأُ بِالأَحَادِيثِ الغَرِيبَةِ الإِسْنَادِ غَالِبًَا، وَلَيسَ ذَلِكَ بِعَيبٍ فَإِنَّهُ يُبَيِّنُ مَا فِيهَا مِنَ العِلَلِ، ثُمَّ يُبَيِّنُ الصَّحِيحَ فِي الإِسْنَادِ، وَكَانَ مَقْصِدُهُ ذِكْرَ العِلَلِ، وَلِهَذَا تَجِدُ النَّسَائِيَّ إِذَا اسْتَوعَبَ طُرُقَ الحَدِيثِ، بَدَأَ بِمَا هُوَ غَلَطٌ، ثُمَّ يَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ الصَّوَابَ المُخَالِفَ لَهُ» (^١). ومقصدُهُما ذكرُ العللِ.\nالطَّريقةُ الثَّالثةُ: وهيَ طريقةُ الإمامِ الحربيِّ «ت ٢٨٥ هـ» في كتابِهِ «غريبِ الحديثِ» (^٢)، والبيهقيِّ «ت ٤٥٨ هـ» في سُننِهِ الكُبرَى، وابنِ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في «المطالبِ العاليةِ بزوائدِ الكتبِ الثَّمانيَةِ»، وهيَ أنْ يُقدِّمَ الحديثَ المرفوعَ ثم الموقوفَ ثم المقطوعَ (^٣)، لأنَّ المرفوعَ هوَ الأصلُ في البابِ، ما لمْ يكنِ الأصحَّ وَقْفُهُ.\nالطَّريقَةُ الرَّابعَةُ: وهيَ أحدُ الاعتباراتِ التي اعتمدَهَا الإمامُ مسلمٌ في ترتيبِهِ أحاديثَ الصَّحيحِ، وهيَ أنْ يُورِدَ الطُّرُقَ بحسبِ علوِّ الإسنادِ، فيبدأُ بالعالِي ثمَّ النَّازلِ\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ١/ ٤١١.\n(^٢) مجلة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة - العدد ١١٧ - الفصل الخامس: التخريج من طريق غريب ألفاظ الحديث المرتب على الراوي الأعلى - المبحث الثاني: التعريف بكتاب غريب الحديث للإمام الحربي.\n(^٣) والإمامان عبد الرزاق وابن أبي شيبة أوردا في مصنفيهما المرفوع والموقوف والمقطوع، لكنهما يوردان الأحاديث كيفما اتفق من غير الترتيب المذكور.","vol":"1","page":177},{"text":"وهكذَا …، ذكرَ ذلكَ الدُّكتورُ حمزةُ المليباريُّ (^١) في كتابِهِ «عبقريَّةُ الإمامِ مسلمٍ في ترتيبِ أحاديثِ مُسندِهِ الصَّحيحِ» (^٢).\nالطَّريقةُ الخَامسةُ: والطُّرقُ السَّابقَةُ كلُّهَا تختصُّ بالسَّندِ، إلَّا أنَّ هناكَ طريقةً مختصَّةً بالمتنِ، وهيَ إيرادُ الطُّرقِ بحسبِ المتنِ، فيُوردُ المتنَ بتمامِهِ أوَّلًا، ثمَّ المختَصَرَ، ثمَّ الزِّيادَاتِ، إلَّا أنَّ هذَا التَّرتيبَ يخضعُ لصحَّةِ السَّندِ المُوصِّلِ لهذَا المتنِ، وهيَ طريقَةُ أبي داودَ في سننِهِ، قالَ أبو داودَ «ت ٢٧٥ هـ» مبيِّنًا طريقتَهُ: «وَإِذَا أَعَدْتُ الحَدِيثَ فِي البَابِ مِنْ وَجْهَينِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ زِيَادَةِ كَلَامٍ فِيهِ، وَرُبَّمَا فِيهِ كَلِمَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الأَحَادِيثِ» (^٣). وقالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: «وَأَمَّا أَبُو دَاوُدَ فَكَانَتْ عِنَايَتُهُ بِالمُتُونِ أَكْثَرَ، وَلِهَذَا يَذْكُرُ الطُّرُقَ وَاخْتِلَافَ أَلْفَاظِهَا، وَالزِّيَادَاتِ المَذْكُورَةَ فِي بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ» (^٤). وهوَ ما قامَ بهِ الإمامُ ابنُ الأثيرِ الجزريُّ «ت ٦٠٦ هـ» في كتابِهِ «جامعِ الأصولِ»، قالَ في مقدِّمةِ كتابِهِ: «ثُمَّ إِنَّنِي عَمِدْتُ إِلَى كُلِّ فَصْلٍ وَكُلِّ فَرْعٍ وَكُلِّ بَابٍ، فَنَضَّدْتُ الأَحَادِيثَ فِيهِ، كُلُّ حَدِيثٍ يَتْلُو مَا يُشْبِهُهُ، أَوْ يُمَاثِلُهُ، أَوْ يُقَارِبُهُ» (^٥).\nإلَّا أنَّ الكتابَ محذوفُ الأسانيدِ، ويُصارُ إليهَا بالرُّجوعِ إلى مصادرِهَا الأصليَّةِ (^٦).\n_________\n(^١) الدكتور حمزة بن عبد الله بن أحمد المليباري، الهندي، ولد «١٩٥٢ هـ»، من مؤلفاته «الحديث المعلول - قواعد وضوابط»، و«الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين في تصحيح الأحاديث وتعليلها» و«تصحيح الحديث عند ابن الصلاح»، و«عبقرية الإمام مسلم في ترتيب أحاديث مسنده الصحيح»، وغيرها …\n(^٢) عبقرية الإمام مسلم في ترتيب أحاديث الصحيح - د. حمزة المليباري - ص ٥.\n(^٣) رسالة أبي داود إلى أهل مكة ١/ ٢٣.\n(^٤) شرح علل الترمذي ١/ ٤١١.\n(^٥) مقدمة جامع الأصول ١/ ٥٨.\n(^٦) وهناك طرقٌ أخرى، كالتَّرتيب على حروف الهجاء، وعلى الأطراف، وعلى مسانيد الصحابة، لكن لا مُتعلَّقَ لها في بحثنا، إذ ليس منها فائدة حديثيَّةٌ إسناديَّةٌ أو متنيَّةٌ، وإنِّما تُسهِّل عملية التَّخريج.","vol":"1","page":178},{"text":"ولَمْ تستبنْ طريقَةُ سبرِ الأئمَّةِ للأحاديثِ في كتبِ العللِ، لأنَّهَا اقتصَرتْ على إيرادِ مَا نتجَ عنْ عمليَّةِ السَّبرِ، منْ تحديدٍ ل «مدارِ الإسنادِ»، وبيانٍ لأوجهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ، ومنْ يدورُ عليهِ الاختلافُ أو الاتِّفاقُ منَ الرُّواةِ، ومواطنِ التقاءِ الرُّواةِ وافتراقِهِم في كلِّ طريقٍ، والزِّياداتِ الواردَةِ في كلِّ روايَةٍ، وعمليَّةُ السبرِ غالبًَا ما تكونُ حبيسةَ الذاكرةِ أو المسوَّداتِ.\nإلَّا أنَّهُ منَ الممكنِ أنْ نذكرَ اعتباراتٍ ينبغِي اعتمادُهَا في عمليَّةِ ترتيبِ الأسانيدِ، وبذلكَ نجمعُ بينَ مختلفِ الطُّرقِ التي اتَّبعهَا الأئمَّةُ في مصنَّفاتِهِم، والتي أوردناهَا آنفًَا:\n١ - يُقدَّمُ السَّندُ الأصحُّ، أو الخالي منَ العلَّةِ: لأنَّهُ الميزانُ الذي يُقاسُ بهِ غيرُهُ منَ الأسانيدِ، فيقدَّمُ الحديثُ منْ صحيحِ البخاريِّ، ثمَّ صحيحِ مسلمٍ، ويُعتمدُ ترتيبَ مسلمٍ في إيرادِ مرويَّاتِهِ، لأنَّهُ يُوردُ الطَّريقَ الصَّحيحَ ثُمَّ المعلولَ، ثُمَّ سننِ أبي داودٍ، ثمَّ سننِ النَّسائيِّ، ويُعتمدُ عكسُ ترتيبِ النَّسائيِّ في إيرادِ مرويَّاتِهِ، لأنَّ النَّسائيَّ يبدأُ بمَا هو غلطٌ، ثمَّ يذكرُ الصَّوابَ المخالفَ لهُ، بعكسِ ترتيبِ مسلمٍ، ثمَّ سننِ التِّرمذيِّ، ثمَّ سننِ ابنِ ماجَه، ثمَّ تُؤخذُ اعتباراتُ الأقدمِ وفاةً في المصنَّفاتِ غير الكتبِ الستَّةِ.\n١) يُقَدَّمُ الإسنادُ العالِي على النَّازِلِ، إلَّا إذا كانَ النَّازلُ أصحّ.\n٢) تُقدَّمُ الأسانيدُ المرفوعَةُ، فالموقوفَةُ، فالمقطوعَةُ.\n٣) ويتبعُ المتنُ السَّندَ في التَّرتيبِ، فنُورِدُ المتنَ في الطَّريقِ الأوَّلِ كاملًا كمَا هوَ، ونشيرُ إلى الزِّيادَاتِ في الطُّرقِ الأُخرَى، قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «مِمَّا يَلْزَمُ الحَدِيثِيَّ مِنَ الضَّبْطِ","vol":"1","page":179},{"text":"وَالإِتْقَانِ إِذَا رَوَى حَدِيثًَا وَسَاقَ المَتْنَ ثُمَّ أَعْقَبَهُ بِإِسْنَادٍ آَخَرَ، أَنْ يُفَرِّقَ بَينَ أَنْ يَقُولَ: «مِثْلُهُ»، أَوْ «نَحْوُهُ»، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ: «مِثْلُهُ» إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَقِفَ عَلَى المَتْنَينِ جَمِيعًَا، فَيُعْلَمَ أَنَّهُمَا عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا لَمْ يُمَيِّزْ ذَلِكَ، جَازَ أَنْ يَقُولَ: «نَحْوُهُ»، فَإِذَا قَالَ: «نَحْوُهُ» بَيَّنَ أَنَّهُ مِثْلُ مَعَانِيهِ» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) انظر سؤالات السجزي للحاكم ١/ ١٢٨/ ١٢٣.","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type='title' id=toc-36>المَطْلَبُ الثَّانِي: الطَّرِيقَةُ العَمَلِيَّةُ لِسَبْرِ الأَسَانِيدِ:</span>\nأَوَّلًَا: تَشْجِيرُ الأَسَانِيدِ: ويحسنُ بالباحثِ أنْ يقومَ بعملِ مُشجَّرٍ للطُّرقِ والأسانيدِ، وبيانِ طبقاتِ كلِّ سندٍ، ليسهلَ عليهِ مطالعتُهَا، وبيانُ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ فيهَا.\nوالتَّشجيرُ: لغةً: مِنَ التَّصاويرِ، ما كانَ على صيغَةِ الشَّجرِ، أي: على هيئةِ الشَّجرِ (^١).\nواصطلاحًا: الرَّسمُ التَّوضيحيُّ لرُواةِ الحديثِ في طُرُقِهِ المتعدِّدةِ، ليتَّضحَ لنَا مواضعُ التقاءِ الرُّواةِ وافتراقِهِم في كلِّ طريقٍ، وعلى منْ تدورُ روايةُ الحديثِ. وقدْ سبقَ الشَّيخُ العطَّارُ (^٢) «ت ١٣٣٥ هـ» فألَّفَ مشجَّرًَا أسماهُ «مشجَّرُ الأسانيدِ»، قالَ الكتَّانيُّ (^٣) «ت ١٣٨٢ هـ» عنهُ: «ذَكَرَ فِيهِ أَسَانِيدَ الكُتُبِ السِّتَّةِ وَالمُوَطَّأِ وَمُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ وَالشَّمَائِلِ …، وَهُوَ مُشَجَّرٌ عَجِيبٌ، عَلَى نَسَقٍ غَرِيبٍ، جَعَلَهُ دَوَائِرَ، وَكُلُّ دَائِرَةٍ يُكْتَبُ فِيهَا اسْمُ رَاوٍ وَيَصِلُهَا بِأُخْرَى يَكْتُبُ دَاخِلَهَا اسْمَ الرَّاوِي عَنْهُ، وَهَكَذَا إِلَى اسْمِ جَامِعِهِ الشَّيخِ أَحْمَدَ أَبِي الخَيرِ» (^٤).\n_________\n(^١) تاج العروس - مادة «شجر» - ١٢/ ١٣٩.\n(^٢) أحمد بن عثمان بن علي جمال العطار، الأحمدي، أبو الخير، المكي، الهندي «١٢٧٧ هـ - ١٣٣٥ هـ»، محدث، عالم بالرجال، رحَّالة في طلب ورواية الحديث، من كتبه «در السحابة في صحة سماع الحسن البصري من جماعة من الصحابة»، و«حصول المنى بأصول الألقاب والكنى». انظر فهرس الفهارس ١/ ٥٠، والأعلام للزركلي ١/ ١٦٨.\n(^٣) محمد عبد الحي بن عبد الكبير بن محمد الحسني الإدريسي، المغربي، المعروف ب «عبد الحي الكتاني»، «١٣٠٥ هـ - ١٣٨٢ هـ»، علم بالحديث ورجاله، من مصنفاته «فهرس الفهارس»، و«اختصار الشمائل»، و«التراتيب الإدارية» و«ثلاثيات البخاري». انظر الأعلام للزركلي ٦/ ١٨٧.\n(^٤) انظر فهرس الفهارس والأثبات والمعاجم - عبد الحي الكتاني - ٢/ ٥٨٨/ ١٨٢.","vol":"1","page":181},{"text":"ويتِمُّ ترتيبُ الرُّواةِ في المشجَّرِ بحسبِ الرَّاوِي الأعلَى «الصَّحَابيِّ»، فمنْ بعدَهُ إلى نهايةِ السَّندِ، وهكذَا نضمُّ إليهِ جميعَ الرِّواياتِ بدآً منَ الصَّحابيِّ، لتتَّضحَ لنَا مواطنُ الاتِّفاقِ والافتراقِ منَ الرُّواةِ.\nثَانِيًَا: تَعْيِينُ الرُّوَاةِ وَمَعْرِفَةُ أَحْوَالِهِمْ: أي: معرفةُ شخصِ الرَّاوي وعينِهِ، لأنَّ الخطأَ في تعيينِ الرُّواةِ يُؤدِّي إلى الخطأِ بترتيبِهِم في مُشجَّرِ الأسانيدِ، ممَّا يُؤثِّرُ على تعيينِ مواطنِ الاختلافِ والاتِّفاقِ منَ الرُّواةِ، وبالتَّالي إلى الخطأِ في الحكمِ على الحديثِ، قال ابن المديني «ت ٢٣٤ هـ»: «مَعْرِفَةُ الرِّجَالِ نِصْفُ العِلْمِ» (^١). فتعيينُ شخصِ الرَّاوي هوَ مقدمةٌ لتعيينِ حالِهِ، ويكونُ تحديدُ شخصِ الرَّاوي منَ الناحيتينِ الاسميَّةِ والتاريخيَّةِ.\nفأمَّا منَ النَّاحيةِ الاسميَّةِ، فلا بُدَّ منْ:\nمعرفةِ الرَّاوِي باسمِهِ وكنيتِهِ ولقبِهِ ونسبِهِ: ليتميَّزَ اسمُ الرَّاوي المشهورِ بكنيتِهِ أو لقبِهِ أو نسبِهِ، ويتعيَّنَ منْ ذُكرَ بأسماءٍ مختلفةٍ أو نعوتٍ متعددةٍ، وللاحترازِ عنْ ذكرِ الرَّاوي مرةً باسمِهِ ومرةً بكنيتِهِ أو لقبِهِ أو نسبِهِ فيُظَنَّا رجلينِ أو أكثرَ، أو ربَّمَا ذُكرَ بهمَا معًا فيُتَوهَّمَا رجلينِ سقطَ بينهُمَا حرفُ «عن»، ولدفعِ توهُّمِ التعدُّدِ عنِ المنسوبِ لغيرِ أبيهِ حينَ يُنسبُ لأبيهِ.\nوتعيينِ المبهمِ وتقييدِ المهمَلِ: لدفعِ الانقطاعِ في السَّندِ.\nوَمعرفَةِ المتشابِهِ، والمتَّفقِ والمفترقِ، والمؤتلِفِ والمختلِفِ: لمنعِ وقوعِ الوهمِ في اسم الراوِي، أو خلطِهِ بغيرِهِ، وللاحترازِ عنْ جعلِ الاثنينِ واحدًا، والواحدِ اثنينِ.\n_________\n(^١) المحدث الفاصل ص ٣٢٠.","vol":"1","page":182},{"text":"وَمعرفةِ أوطانِ الرُّواةِ وبلدانِهِمْ: ليتعيَّنَ شخصُ الرَّاوي أيضًا ويتميَّزَ عمَّنْ يُشابهُهُ في الاسمِ، ومعرفةُ بلديِّ الرَّاوي منْ شيوخِهِ وتلاميذِهِ إذا اشتُبِهَ بغيرِهِ، وقدْ يتعيَّنُ بِهِ المُهملُ، ويظهرُ الرَّاوي المدلِّسُ، ويُعلَمُ تلاقِي الرُّواةِ (^١).\nأَمَّا النَّاحيةُ التَّاريخيَّةُ، فلا بدَّ منْ:\nمعرفةِ مواليدِ الرُّواةِ ووفياتِهِم، وطبقاتِهِم: إذْ يُتَوصَّلُ بهَا إلى التَّمييزِ بينَ الرُّواةِ المتشابهينَ ويُؤْمَنُ التَّداخلُ بينهُمْ كالمتفقينَ في الاسمِ والكنيةِ، كمَا يُوقَفُ على المرادِ من عنعنَةِ المدلِّسِ أهيَ على سبيلِ الاتِّصالِ، أم الانقطاعِ.\nومعرفةِ الإخوةِ والأخواتِ: حتى لا يُظَنَّ أنَّ روايةَ الرَّاوي عنْ أخيهِ وهمٌ.\nوروايةِ الأقرانِ: لدفعِ التَّوهُّمِ بأنَّ ذكرَ أحدِ المتقارنينِ وقعَ في السندِ خطأً، وألَّا يُفهَمَ أنَّ «عنْ» خطأٌ، وأنَّ صوابَهَا واوُ العطفِ التي تدلُّ على أنَّهُما اشتركَا في روايةِ الحديثِ عن الرَّاوي الذي ذُكرَ في الإسنادِ قبلهُمَا.\nوروايةِ الأكابرِ عنِ الأصاغرِ، والآباءِ عنِ الأبناءِ، والأبناءِ عنِ الآباءِ، والسَّابقِ واللاحقِ: لرفعِ توهُّمِ الخطأِ أو الانقلابِ في الإسنادِ (^٢).\nثمَّ بعدَ تعيينِ أعيانِ الرُّواةِ، لا بدَّ منْ معرفةِ أحوالِهمْ ومراتبِهِم، منْ حيثُ القبولُ أو الرَّدُّ، والجرحُ والتَّعديلُ، والعدالَةُ والضَّبطُ، وأيُّهمْ يُقدَّمُ أو يُرجَّحُ عندَ الاختلافِ،\n_________\n(^١) انظر ابن الصلاح ٢٩١ - ٣٧٥، وفتح المغيث ٣/ ٩٠ - ٣٠١، وتدريب الراوي ٢/ ٢٦٠ - ٣٤٢.\n(^٢) انظر ابن الصلاح ٣٨٠ و٣٨٩ - ٤٠٤، وفتح المغيث ٣/ ٣٠٧، وتدريب الراوي ٢/ ٣٤٩ و٣٨٠ - ٣٨٤.","vol":"1","page":183},{"text":"ومن اشتهرَ منهُمْ بالتَّدليسِ، أو الإرسالِ، أو عُرِفَ عليهِ الاختلاطُ في أزمنَةٍ، أو أمكنَةٍ، أو شيوخٍ مخصوصينَ دونَ غيرهِمْ (^١).\nثَالِثًَا: تَحْدِيدُ مَدَارِ الإِسْنَادِ (^٢): تقدَّمَ الكلامُ في تعريفِ المدارِ (^٣).\nوبقيَ أنْ نُنوِّهَ إلى أنَّهُ غالبًا ما تدورُ الأسانيدُ على الأئمَّةِ المكثرينَ، وتنحصرُ في التَّابعينَ وأتباعِ التَّابعينَ، وقدْ اهتمَّ الأئمَّةُ اهتمامًَا بالغًَا بمدارِ الإسنادِ، فذكرَ ابنُ المدينيِّ في عللِهِ مَنْ يدورُ عليهِمُ الإسنادُ (^٤).\nوعنونَ ابنُ رجبٍ في «شرحِ عللِ التِّرمذِيِّ» القسمَ الأوَّلَ منْ أقسامِ علمِ العللِ ب «مَعْرِفَةُ مَرَاتِبِ أَعْيَانِ الثِّقَاتِ الذِينَ تَدُورُ غَالِبُ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَلَيهِمْ، وَبَيَانُ مَرَاتِبِهِمْ فِي الحِفْظِ، وَذِكْرُ مَنْ يُرَجَّح قَولُهُ مِنْهُمْ عِنْدَ الاِخْتِلَافِ» (^٥). تبيانًا لأهميَّةِ المدارِ في علمِ العللِ، لأنَّهُ يُعينُ على معرفةِ مواطنِ الاتِّفاقِ والافتراقِ منَ الرُّواةِ، وكيفيَّةِ التَّرجيحِ والتَّوفيقِ بينَ الاختلافاتِ، منْ خلالِ معرفةِ مراتبِ الرُّاوةِ عنِ المدارِ، سألَ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ «ت ٢٩٠ هـ» أباهُ، فقالَ: «أَيُّمَا أَثْبَتُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ؟ فَقَالَ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِلَّةٌ إِلَّا أَنَّ يُونُسَ وَعَقِيلًَا يُؤَدِّيَانِ الأَلْفَاظَ، وَشُعَيبًا بنَ أَبِي حَمْزَةَ، وَلَيسَ هُمْ مِثْل مَعْمَرٍ، مَعْمَرٌ يُقَارِبُهُمْ فِي الإِسْنَادِ. قُلْتُ: فَمَالِكٌ؟ قَالَ: مَالِكٌ أَثْبَتُ فِي كُلِّ شَيءٍ» (^٦).\n_________\n(^١) انظر ابن الصلاح ٣٨٧ - ٣٩١، وفتح المغيث ٣/ ٣٠٨ - ٣٩٧، وتدريب الراوي ٢/ ٣٦٨ - ٣٧١.\n(^٢) اقتصرت في بيان «مدار الإسناد» على ما تقتضيه الحاجة هنا، إلا أن الموضوع ذو أهمية كبيرة، وفوائده كثيرة، وللاستزادة ينظر «منزلة مدار الإسناد في علم علل الحديث» محمد مجير الخطيب - دار الميمان - الرياض - ١٩٩٩ م.\n(^٣) انظر ص ٤١.\n(^٤) انظر العلل للمديني ١/ ٣٦ و٣٧ و٣٨.\n(^٥) انظر شرح علل الترمذي ٣/ ٦٦٥.\n(^٦) انظر العلل ومعرفة الرجال ٢/ ٣٤٨.","vol":"1","page":184},{"text":"ولمدارِ الإسنادِ أهميَّةٌ بالغةٌ عندَ المحدِّثينَ، فبهِ يُعرفُ مَخْرَجُ الحديثِ، أي: أصلُ السَّندِ، وَيُعطِي صورةً واضحةً للأسانيدِ الشَّاذَّةِ أوِ المنكرةِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «فَسَّرَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ بنِ العَرَبِيِّ «مَخْرَجَ الحَدِيثِ» بِأَنْ يَكُونَ مِنْ رِوَايَةِ رَاوٍ قَدِ اشْتَهَرَ بِرِوَايَةِ حَدِيثِ أَهْلِ بَلَدِهِ كَقَتَادَةَ فِي البَصْرِيِّينَ …، فَإِنَّ حَدِيثَ البَصْرِيِّينَ مَثَلًَا إِذَا جَاءَ عَنْ قَتَادَةَ وَنَحْوِهِ كَانَ مَخْرَجُهُ مَعْرُوفًَا، وَإِذَا جَاءَ عَنْ غَيرِ قَتَادَةَ وَنَحَوِهِ كَانَ شَاذًَّا، وَاللهُ أَعْلَمُ» (^١).\nونتبينُ مراتبَ الرُّواةِ عنِ المدارِ منْ خلالِ اختلافِهِمْ أو خطئِهِمْ عنِ المدارِ، فإذَا اتَّفقتْ روايَةُ الرُّواةِ عنِ المدارِ وخالفهُمْ واحدٌ، عُلِمَ أنَّ الخطأَ منهُ دونَهُمْ، قالَ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ»: «إِذَا رَوَى نَفَرٌ مِنْ حُفَّاظِ النَّاسِ حَدِيثًَا عَنْ مِثْلِ الزُّهْرِيِّ أَوْ غَيرِهِ مِنَ الأَئِمَّةِ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ وَمَتْنٍ وَاحِدٍ مُجْتَمِعُونَ عَلَى رِوَايَتِهِ فِي الإِسْنَادِ وَالمَتْنِ، لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فِي مَعْنَى، فَيَرْوِيهِ آَخَرُ سِوَاهُمْ عَمَّنْ حَدَّثَ عَنْهُ النَّفَرُ الذِينَ وَصَفْنَاهُمْ بِعَينِهِ، فَيُخَالِفُهُمْ فِي الإِسْنَادِ أَوْ يَقْلِبُ المَتْنَ، فَيَجْعَلُهُ بِخِلَافِ مَا حَكَى مَنْ وَصَفْنَا مِنَ الحُفَّاظِ، فَيُعْلَمُ حِينَئِذٍ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنَ الرِّوَايَتِينِ مَا حَدَّثَ الجَمَاعَةُ مِنَ الحُفَّاظِ دُونَ الوَاحِدِ المُنْفَرِدِ» (^٢).\nرَابِعًَا: تَعْيِينُ مَوَاطِنِ الاتِّفَاقِ وَالاِخْتِلَافِ: بعدَ تشجيرِ الأسانيدِ، وتعيينِ الرُّواةِ، وتحديدِ مدارِ الإسنادِ، على الباحثِ النَّظرُ في الأسانيدِ والمتونِ، وبيانُ مواطنِ الاتِّفاقِ والافتراقِ منَ الرُّواةِ، لتوضيحِ الاختلافاتِ فيهَا، والتي منْ خلالِهَا تُكشفُ عللُ الحديثِ، وتظهرُ فوائدُهُ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «فَالسَّبِيلُ إِلَى مَعْرِفَةِ سَلَامَةِ الحَدِيثِ\n_________\n(^١) النكت على ابن الصلاح ١/ ٤٠٥.\n(^٢) التمييز ١/ ١٧٢.","vol":"1","page":185},{"text":"مِنَ العِلَّةِ أَنْ يَجْمَعَ طُرُقَهُ، فَإِنِ اتَّفَقَتْ رُوَاتُهُ وَاسْتَوَوا ظَهَرَتْ سَلَامَتُهُ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا أَمْكَنَ ظُهُورُ العِلَّةِ، فَمَدَارُ التَّعْلِيلِ فِي الحَقِيقَةِ عَلَى بَيَانِ الاخْتِلَافِ» (^١).\nولا بدَّ في هذهِ المرحلةِ منْ حدَّةِ الذِّهنِ، وَدقَّةِ الفهمِ، وسعةِ المِرانِ، والإلمامِ بجميعِ المتونِ والأسانيدِ، والإدراكِ لجميعِ مراتبِ الرُّواةِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَلَا يَقُومُ بِهِ إِلَّا مَنْ مَنَحَهُ اللهُ تَعَالَى فَهْمًَا غَائِصًَا، وَاِطِّلَاعًَا حَاوِيًَا، وَإِدْرَاكًَا لِمَرَاتِبِ الرُّوَاةِ، وَمَعْرِفَةٍ ثَاقِبَةٍ» (^٢).\nوهذا لا يتأتَّى إلَّا بكثرةِ المطالعةِ والمذاكرةِ، والبحثِ والتَّفتيشِ، قالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: «وَلَابُدَّ فِي هَذَا العِلْمِ مِنْ طُولِ المُمَارَسَةِ، وَكَثْرَةِ المُذَاكَرَةِ، فَإِذَا عَدِمَ المُذَاكَرَةَ بِهِ فَلْيُكْثِرْ المُطَالَعَةَ فِي كَلَامِ الأَئِمَّةِ العَارِفِينَ كَيَحْيَى القَطَّانِ، وَمَنْ تَلَقَّى عَنْهُ كَأَحْمَدَ وَابْنِ المَدِينِيِّ، فَمَنْ رُزِقَ مُطَالَعَةَ ذَلِكَ وَفَهْمِهُ، وَفَقُهَتْ نَفْسُهُ فِيهِ، وَصَارَتْ لَهُ فِيهِ قُوَّةُ نَفْسٍ وَمَلَكَةٌ، صَلَحَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيهِ» (^٣).\nإنَّ ما ذكرناهُ في هذا المبحثِ والمباحثِ السابقةِ لهُ، هوَ المدخلُ لبيانِ أثرِ السَّبرِ في المتنِ والإسنادِ، والجرحِ والتعديلِ، لكشفِ عللِ الحديثِ، وإبرازِ فوائدِهِ، والحكمِ على الرِّجالِ، والاعتبارِ بمرويَّاتهمْ.\n* * *\n_________\n(^١) النكت على ابن الصلاح لابن حجر ٢/ ٧١٠ و٧١١.\n(^٢) المصدر ذاته.\n(^٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٦٤.","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type='title' id=toc-37>البَابُ الثَّانِي أَثَرُ السَّبْرِ فِي الحُكْمِ عَلَى الرِّجَالِ ومرويَّاتِهِمْ</span>\n<span data-type='title' id=toc-38>الفَصْلُ الأَوَّلُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي الحُكْمِ عَلَى الرِّجَالِ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-39>المَبْحَثُ الأَوَّلُ: الحُكْمُ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:</span>\nوضعَ أئمَّةُ الحديثِ شروطًَا للرَّاوي حتَّى يُقبلَ حديثُهُ ويحتجَّ بِهِ، وبيَّنُوا صفاتِ منْ تُقبلُ روايتُهُ ومنْ تُردُّ، وقدْ جمعهَا ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» في مقدِّمتهِ، فقالَ: «أَجْمَعَ جَمَاهِيرُ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ وَالفِقْهِ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِ: أَنْ يَكُونَ عَدْلًَا ضَابِطًَا لِمَا يَرْوِيِهِ.\nوَتَفْصِيلُهُ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًَا بَالِغًَا عَاقِلًَا سَالِمًَا مِنْ أَسْبَابِ الفِسْقِ وَخَوَارِمِ المُرُوءَةِ، مُتَيَقِّظًَا غَيرَ مُغَفَّلٍ، حَافِظًَا إِنْ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ، ضَابِطًَا لِكِتَابِهِ إِنْ حَدَّثَ مِنْ كِتَابِهِ، وَإِنْ كَانَ يُحَدِّثُ بِالمَعْنَى اشْتُرِطَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَالِمًَا بِمَا يُحِيلُ المَعَانِي» (^١).\nويرجعُ كلامُ ابنِ الصَّلاحِ إلى صفتَينِ اثنتَينِ، وهمَا: العدالةُ والضَّبطُ، فالعدالَةُ تخصُّ حالَ الرَّاوي، والضَّبطُ يخصُّ مرويَّاتِهِ، ولا بُدَّ في الرَّاوي حتَّى يُحكَمَ بتوثيقِهِ ويُعمَلَ بحديثِهِ، أنْ يجتمعَ فيهِ رُكنَا العدالَةِ والضَّبطِ معًَا، ولا يكفِي أحدهُمَا بدونِ الآخرِ.\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح ١/ ١٠٤.","vol":"1","page":187},{"text":"ومنَ المعلومِ أنَّ أئمَّةَ الجرحِ والتَّعديلِ لمْ يحكمُوا على الرَّاوِي، إلَّا بتحقُّقهِمْ مِنْ عدالتِهِ بالمعاينَةِ والمخالطَةِ سواءً بأنفسِهِمْ أو بتنصيصِ غيرهِمْ مِنَ الأئمَّةِ ممَّنْ خالطُوا الرَّاوِي. وبتحقُّقِهمْ مِنْ ضبطِهِ بالاطِّلاعِ علَى مرويَّاتِهِ ومدَى موافقتِهَا للثِّقاتِ في الأغلبِ الأعمِّ، فمَنْ وجدنَا فيهِ حُكمًا لهُمْ بالتَّوثيقِ أو الجرحِ فهوَ حكمٌ قاطعٌ مبنيٌّ على العدالةِ والضَّبطِ معًَا.\nوإذَا كانَ الرَّاوي عدلًا في دينِهِ، غيرَ ضابطٍ في حديثِهِ، أو العكسُ (^١)، فقدْ فرَّقَ العلماءُ ذلكَ وبيَّنوهُ، وستأتِي أمثلةٌ على ذلكَ في المطالبِ الآتيةِ، إنْ شاءَ اللهُ تعالَى.\nوللأئمَّةِ في الحكمِ على عدالةِ الرُّواةِ وضبطِهِمْ ورفعِ الجهالَةِ عنهُمْ طرقٌ، سنبيِّنُ ما يخصُّ العدالَةَ منهَا، وما يخصُّ الضَّبطَ كذلكَ، وما يخصُّ المجهولَ بأقسامِهِ، معَ بيانِ إمكانيَّةِ الحكمِ علَى عدالَةِ الرَّاوي أو ضبطِهِ أو رفعِ الجهالةِ عنهُ في عينِهِ أو حالِهِ مِنْ خلالِ السَّبرِ.\n* * *\n_________\n(^١) قال مالك بن أنس: «لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ ممن سوى ذلك: لا تأخذ من سفيه معلن بالسفه وإن كان أروى الناس، ولا تأخذ من كذاب يكذب في أحاديث الناس إذا جرب ذلك عليه وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله -ﷺ-، ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من شيخ له فضل وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث». المعرفة والتاريخ للفسوي ١/ ١٦٦.","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-40>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: مِنْ حَيثُ العَدَالَةُ:</span>\nالعدالةُ هيَ: ملكةٌ تحملُ صاحبَهَا علَى التَّقوى، واجتنابِ الأدناسِ وما يُخلُّ بالمروءَةِ.\nويُشترطُ فيهَا كمَا بيَّنهُ الخطيبُ البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ»، بقولِهِ: «هِيَ العَدَالَةُ الرَّاجِعَةُ إِلَى اسْتِقَامَةِ دِينِهِ، وَسَلَامَةِ مَذْهَبِهِ، وَسَلَامَتِهِ مِنَ الفِسْقِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ مِمَّا اتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ مُبْطِلُ العَدَالَةِ مِنْ أَفْعَالِ الجَوَارِحِ وَالقُلُوبِ المَنْهِيِّ عَنْهَا» (^١).\nوالسبيلُ إلى معرفَةِ عدالَةِ الرَّاوِي:\n١ - الاختبارُ بمعرفَةِ أحوالِهِ بالمخالطَةِ والمعاينَةِ: قالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «الطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ العَدْلِ المَعْلُومِ عَدَالَتُهُ مَعَ إِسْلَامِهِ وَحُصُولِ أَمَانَتِهِ وَنَزَاهَتِهِ وَاسْتِقَامَةِ طَرَائِقِهِ، لَا سَبِيلَ إِلَيهَا إِلَّا بِاخْتِبَارِ الأَحْوَالِ وَتَتَبُّعِ الأَفْعَالِ التِي يَحْصُلُ مَعَهَا العِلْمُ مِنْ نَاحِيَةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِالعَدَالَةِ» (^٢). وردَّ على مَنْ زعمَ بأنَّ العدالَةَ هيَ إظهارُ الإسلامِ، وسلامَةُ المسلمِ منْ فسقِ الظَّاهرِ.\n٢ - الشُّهرةُ والاستفاضَةُ: وقدْ بوَّبَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ» لذلكَ بقولِهِ: «بَابُ المُحَدِّثِ المَشْهُورِ بِالعَدَالَةِ وَالثِّقَةِ وَالأَمَانَةِ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَزْكِيَةِ المُعَدِّلِ». وذكرَ أمثلةً منْ أئمَّةِ الحديثِ المشهورِينَ بالعلمِ، ثمَّ قالَ: «وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ فِي نَبَاهَةِ الذِّكْرِ وَاسْتِقَامَةِ الأَمْرِ وَالاِشْتِهَارِ\n_________\n(^١) الكفاية ١/ ٨٠.\n(^٢) الكفاية ١/ ٨١.","vol":"1","page":189},{"text":"بِالصِّدْقِ وَالبَصِيرَةِ وَالفَهْمِ، لَا يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ، وَإِنَّمَا يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَةِ مَنْ كَانَ فِي عِدَادِ المَجْهُولِينَ أَوْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ عَلَى الطَّالِبِينَ» (^١).\n٣ - التَّنصيصُ: قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «عَدَالَةُ الرَّاوِي تَارَةً تَثْبُتُ بِتَنْصِيصِ مُعَدِّلِينَ عَلَى عَدَالَتِهِ، وَتَارة تَثْبُتُ بِالاِسْتِفَاضَةِ …» (^٢). والتَّنصيصُ مبنيٌّ على البندِ الأوَّلِ، باختبارِ أحوالِ الرَّاوي بالمعاينةِ والمخالطةِ.\nوبذلكَ نجدُ أنَّ طُرقَ الأئمَّةِ في تحديدِ عدالةِ الرَّاوي، لا تتعدَّى ما ذكرناهُ، وسبرُ حديثِ الرَّاوي وتتبعُهُ ليسَ واحدًا منهَا، إذْ إنَّ متعلَّقَ السَّبرِ بالضَّبطِ دونَ العدالةِ.\nلكنَّ ثمَّةَ مذهبًا يقولُ: إنَّ الرُّواةَ علَى العدالَةِ ما لمْ يظهرْ فيهِمْ ما يقدحُ فيهَا، وإنَّ الأصلَ في الرَّاوِي الإسلامُ، والأصلَ في المسلمِ العدالَةُ، والفسقَ عارضٌ، فحيثُ لمْ يُنقَلْ في حقِّ الرَّاوِي ما يُوثِّقُهُ أو يُجرِّحُهُ فهوَ عدلٌ، وهوَ رأيُ ابنِ حبَّانَ «ت ٣٤٥ هـ»، حيثُ قالَ: «مَنْ كَانَ لَا يَرْوِي المَنَاكِيرَ، وَوَافَقَ الثِّقَاتَ فِي الأَخْبَارِ، كَانَ عَدْلًَا مَقْبُولَ الرِّوَايَةِ، إِذِ النَّاسُ أَحْوَالُهمْ عَلَى الصَّلَاحِ وَالعَدَالَةِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْهُمْ مَا يُوجِبُ القَدْحَ فَيُجْرَحُ بِمَا ظَهَرَ مِنْهُ مِنَ الجَرْحِ، هَذَا حُكْمُ المَشَاهِيرِ مِنَ الرُّوَاةِ، وَأَمَّا المَجَاهِيلُ الذِينَ لَمْ يَرْوِ عَنْهُمْ إِلَّا الضُّعَفَاءُ فُهُمْ مَتْرُوكُونَ عَلَى الأَحْوَالِ كُلِّهَا» (^٣).\nفالعدولُ عندَهُ همُ المشهورونَ الذينَ روى عنهُمْ الثِّقاتُ، والمجروحونَ همُ المجاهيلُ الذينَ لمْ يروِ عنهُمْ إلَّا الضُّعفاءُ، ولو لمْ يردْ فيهِمْ جرحٌ أو تعديلٌ، وبيَّنَ أنَّ العمدةَ في توثيقِ\n_________\n(^١) المصدر ذاته.\n(^٢) مقدمة ابن الصلاح ١/ ١٠٤.\n(^٣) المجروحين ٢/ ١٩٢ «بتصرف يسير».","vol":"1","page":190},{"text":"هؤلاءِ أو تجريحِهِمْ هوَ السَّبرُ لحديثِهِمْ، والنَّظرُ في مدى موافقتِهَا للثِّقاتِ، فقالَ: «وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمَ عَلَى مُسْلِمٍ بِالجَرْحِ، وَأَنَّهُ لَيسَ بِعَدْلٍ، إِلَّا بَعْدَ السَّبْرِ» (^١). وقالَ في «عبدِ الوهَّابِ الصَّيرفيِّ»: «مُسْتَقِيمُ الحَدِيثِ، لَمْ أَرَ فِي حَدِيثِهِ مَا يُوجِبُ أَنْ يُعْدَلَ بِهِ عَنِ الثِّقَاتِ إِلَى غَيرِهِمْ» (^٢).\nواشتهرَ هذا المذهبُ عنِ ابنِ عبدِ البَرِّ (^٣) «ت ٤٦٣ هـ»، حيثُ قالَ: «كُلُّ حَامِلِ عِلْمٍ مَعْرُوفِ العِنَايَةِ بِهِ فَهُوَ عَدْلٌ مَحْمُولٌ فِي أَمْرِهِ أَبَدًَا عَلَى العَدَالَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ جَرْحُهُ فِي حَالِهِ أَوْ فِي كَثْرَةِ غَلَطِهِ، لِقَولِهِ -ﷺ-: يَحْمِلُ هَذَا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ» (^٤).\nوقوَّى مذهبَ ابنِ عبدِ البَرِّ: ابنُ سيِّدِ النَّاسِ «ت ٧٣٤ هـ» (^٥)، والحافظُ المزيُّ «ت ٧٤١ هـ» (^٦)، وابنُ الجزريِّ «ت ٨٣٣ هـ» (^٧)، وَالذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ» (^٨)،\n_________\n(^١) المصدر ذاته ٢/ ١٢٣.\n(^٢) الثقات ٨/ ٤١٠/ ١٤١٤١، وانظر التراجم رقم ١٠٣٧٢، و١٣٨٩١، و١٥٩١٣.\n(^٣) وقد سُبِق ابن عبد البر بهذا المذهب، قال السخاوي «٩٠٢ هـ»: «على أن ابن عبد البر سُبِقَ بذلك، فروينا في «شرف أصحاب الحديث» للخطيب «٤٦٣ هـ» من طريق محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة، قال: رأيت رجلًا قدم آخر إلى إسماعيل بن إسحاق القاضي، فادعى عليه شيء؛ فأنكر، فقال للمدعي: ألك بينة؟ قال: نعم؛ فلان وفلان، فقال: أما فلان؛ فمن شهودي، وأما فلان؛ فليس من شهودي، قال: فيعرفه القاضي قال: نعم، قال: بماذا؟ قال: أعرفه بكتب الحديث، قال: فكيف تعرفه في كتبة الحديث؟ قال: ما علمت إلا خيرًا، قال: فإن رسول اللَّه قال: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله»، ومن عدله رسول الله -ﷺ- أولى ممن عدلته أنت، فقم فهاته، فقد قبلت شهادته!!». انظر شرف أصحاب الحديث ١/ ٣٠، وفتح المغيث ١/ ٢٩٩.\n(^٤) التمهيد لابن عبد البر ١/ ٢٨.\n(^٥) قال: «لست أرى ما قال أبو عمر إلا مرضيًا». النكت على مقدمة ابن الصلاح ٣/ ٣٣٠.\n(^٦) قال: «ما قال ابن عبد البر حيث قال، هو في زماننا مرضيٌ، بل ربما يتعين». فتح المغيث ١/ ٣٠٠.\n(^٧) قال: «ما ذهب إليه ابن عبد البَرِّ هو الصَّواب، وإن ردَّه بعضهم». الغاية في شرح الهداية ١/ ١٢٠.\n(^٨) فقال: «إنَّه حقٌّ». واستثنى من ذلك المستورين. نقله السخاوي عن الذهبي في فتح المغيث ١/ ٣٠٠.","vol":"1","page":191},{"text":"وابن الموَّاقِ (^١) «ت ٨٩٧ هـ» (^٢).\nوردَّهُ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»، فقالَ: «وَفِيمَا قَالَهُ اتِّسَاعٌ غَيرُ مَرْضِيٍّ» (^٣). ووافقَ ابنَ الصَّلاحِ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»، وابنُ كثيرٍ «ت ٧٧٤ هـ»، وابنُ الملقِّنِ «ت ٨٠٤ هـ»، والعراقيُّ «ت ٨٠٦ هـ» والسُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ» (^٤). وعليهِ جمهورُ المحدِّثينَ.\nوذِكْرُ هذا المذهبِ منَ الأهميَّةِ بمكانٍ، لأنَّهُ لو صحَّ لقادَنَا إلى توثيقِ منْ لمْ يردْ فيهِ جرحٌ أو تعديلٌ، كمجهولِ الحالِ والمستورِ منْ خلالِ سبرِ حديثِهِم، إذْ لو كانُوا علَى العدالَةِ، لمْ يبقَ إلَّا التَّحقُّقُ مِنْ ضبطِهِمْ، وهذَا يحصلُ بسبرِ مرويَّاتِهِمْ والنَّظرِ في مدى موافقتِهَا للثِّقاتِ، وسيأتي تفصيلُ ذلكَ في مطلبِ «الحكمُ علَى المجهولينَ منْ خلالِ السَّبرِ» الآتي (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) عبد الله بن المواق المغربي «… - ٨٩٧ هـ»، محدث، حافظ، أصولي، من كتبه «بغية النقاد في أصول الحديث». انظر كشف الظنون ١/ ٢٥١.\n(^٢) قال ابن الموَّاق: «أهل العلم محمولون على العدالة حتَّى يظهر منهم خلاف ذلك». انظر المقنع ١/ ٢٤٨.\n(^٣) مقدمة ابن الصلاح ١/ ١٠٤.\n(^٤) انظر المقنع في علوم الحديث ١/ ٢٤٥، والتقييد والإيضاح ص ١٣٨، وإرشاد طلاب الحقائق ١/ ٢٧٧ والباعث الحثيث ١/ ٢٨٣، وتدريب الراوي ١/ ٣٠٢.\n(^٥) انظر ص ١٨٣.","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type='title' id=toc-41>المَطْلَبُ الثَّانِي: مِنْ حَيثُ الضَّبْطُ:</span>\nالضبطُ: هوَ كمَا قرَّرهُ الخطيبُ «ت ٦٤٣ هـ»، بقوله: «أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي مُتَيَقِّظًَا غَيرَ مُغَفَّلٍ، حَافِظًَا إِنْ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ، ضَابِطًَا لِكِتَابِهِ إِنْ حَدَّثَ مِنْ كِتَابِهِ، وَإِنْ كَانَ يُحَدِّثُ بِالمَعْنَى اشْتُرِطَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَالِمًَا بِمَا يُحِيلُ المَعَانِي» (^١).\nوالسبيلُ إلى معرفَةِ ضبطِ الرَّاوِي:\nسبرُ حديثِهِ ومقارنتُهُ بأحاديثِ الثِّقاتِ، كمَا قعَّدهُ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» بناءً على عملِ المحدِّثينَ، فقالَ: «أَنْ نَعْتَبِرَ رِوَايَاتِهِ بِرِوَايَاتِ الثِّقَاتِ المَعْرُوفِينَ بِالضَّبْطِ وَالإِتْقَانِ، فَإِنْ وَجَدْنَا رِوَايَاتِهِ مُوَافِقَةً وَلَو مِنْ حَيثُ المَعْنَى لِرِوَايَتِهِمْ أَوْ مُوَافِقَةً لَهَا فِي الأَغْلَبِ، وَالمُخَالَفَةُ نَادِرَةٌ، عَرَفْنَا حِينَئِذٍ كَونَهُ ضَابِطًَا، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ كَثِيرَ المُخَالَفَةِ لَهمْ عَرَفْنَا اخْتِلَالَ ضَبْطِهِ وَلَمْ نَحْتَجَّ بِحَدِيثِهِ» (^٢).\nوأحكامُ أئمَّةِ الجرحِ والتعديلِ في الرُّواةِ مبنيَّةٌ علَى السَّبرِ، حتَّى فيمَنْ عاصرُوهُمْ وشهدُوا علَى دينهِمْ واستقامتِهِمْ، أو نصَّ الأئمَّةُ مِنْ قبلِهِمْ علَى عدالَتِهِمْ، قالَ الإمامُ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ»: «فَبِجَمْعِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَمُقَابَلَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ … تَتَبَيَّنُ رُوَاةُ ضِعَافِ الأَخْبَارِ مِنْ أَضْدَادِهِمْ مِنَ الحُفَّاظِ، وَلِذَلِكَ أَضْعَفُ أَهْلِ المَعْرِفَةِ بِالحَدِيثِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي خَثْعَم وَأَشْبَاهُهُ مِنْ نَقَلَةِ الأَخْبَارِ، لِرِوَايَتِهِمُ الأَحَادِيثَ المُسْتَنْكَرَةِ التِي تُخَالِفُ\n_________\n(^١) الكفاية ١/ ٢٨٠.\n(^٢) مقدمة ابن الصلاح ١/ ١٠٤.","vol":"1","page":193},{"text":"رِوَايَاتِ الثِّقَاتِ المَعْرُوفِينَ مِنَ الحُفَّاظِ» (^١). وقالَ الذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ»: «أَكْثَرُ المُتَكَلَّمِ فِيهِمْ مَا ضَعَّفَهُمُ الحُفَّاظُ إِلَّا لِمُخَالَفَتِهِمُ الأَثْبَاتَ» (^٢). وقال المُعَلِّميُّ «ت ١٣٨٦ هـ»: «مِنَ الأَئِمَّةِ مَنْ لَا يُوَثِّقُ مَنْ تَقَدَّمَهُ حَتَّى يَطَّلِعَ عَلَى عِدَّةِ أَحَادِيثَ لَهُ تَكُونُ مُسْتَقِيمَةً، وَتَكْثُرُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الاِسْتِقَامَةَ كَانَتْ مَلَكَةً لِذَلِكَ الرَّاوِي، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جُلَّ اعْتِمَادِهِمْ فِي التَّوثِيقِ وَالجَرْحِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبْرِ حَدِيثِ الرَّاوِي» (^٣).\nفضبطُ الراوي واستقامَةُ حديثِهِ تُعرفُ من خلالِ عرضِ رواياتِهِ على رواياتِ الثِّقاتِ، ليتبينَ قدرُ موافقتِهِ أو مخالفتِهِ أو تفرُّدِهِ، ويُعتبرُ حالُهُ في الإتقانِ بقدرِ ما وافقَ فيهِ الثِّقاتَ، وحالُهُ في الجرحِ بحسبِ ما تفرَّدَ بهِ، أو خالفَ فيهِ الثِّقَاتَ، أو وافقَ المجروحينَ.\nوبذلكَ نجدُ أنَّ أئمَّةَ الحديثِ والرِّجالِ فرَّقوا بينَ العدالةِ والضَّبطِ في استخدامِهِمْ للسَّبرِ وإليكَ بعضُ الأمثلةِ على ذلك:\nساقَ الخطيبُ بسندِهِ قولَ ابنِ معينٍ «ت ٢٣٣ هـ» في «حاجبِ بنِ الوليدِ»: «لَا أَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَحَادِيثُهُ فَصَحِيحَةٌ». قالَ عبدُ الخالقِ بنُ منصورٍ: فقلتُ لابنِ معينٍ: ترى أنْ أكتبَ عنهُ؟ فقالَ: «مَا أَعْرِفُهُ، وَهُوَ صَحِيحُ الحَدِيثِ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ» (^٤).\n_________\n(^١) التمييز ١/ ٢٠٩.\n(^٢) الموقظة للذهبي ص ٥٢.\n(^٣) التنكيل للمعلمي ١/ ٦٦.\n(^٤) تاريخ بغداد ٨/ ٢٧٠/ ٤٣٦٧.","vol":"1","page":194},{"text":"وقالَ ابنُ أبي حاتمٍ «ت ٣٢٧ هـ»: سألتُ أبي عنْ سليمانَ بنِ حسَّانَ الشَّاميِّ، فقالَ: سألتُ ابنَ أبي غالبٍ عنهُ، فقالَ: «لَا أَعْرِفُهُ، وَلَا أَرَى البَغْدَادِيِّينَ يَرْوُونَ عَنْهُ، وَرَوَى عَنْهُ مِنَ الرَّازِيِّينِ أَرْبَعَةٌ أَوْ خَمْسَةٌ». قلتُ: ما تقولُ فيهِ؟ قالَ: «هُوَ صَحِيحُ الحَدِيثِ» (^١). فحكمَ على حديثِهِ دونَ حالِهِ لعدمِ معرفتِهِ بهِ. وكذلكَ قالَ في «محمَّدِ بنِ مسلمَةَ»: «هُوَ شَيخٌ، لَا أَعْرِفُهُ، وَحَدِيثُهُ لَيسَ بِمُنْكَرٍ» (^٢).\nوقال ابن عدي «ت ٣٦٥ هـ»: «وَلحَبِيبِ بنِ حَسَّانَ غَيرَ مَا ذَكَرْتُ مِنَ الحَدِيثِ، فَأَمَّا أَحَادِيثُهُ وَرِوَايَاتُهُ فَقَدْ سَبَرْتُهَا، وَلَا أَرَى بِهِ بَاسًَا، وَأَمَّا رَدَاءَةُ دِينِهِ كَمَا حُكِيَ عَنْ يَحيَى القَطَّانِ، وَكَمَا ذَكَرَ عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ عَنِ الأَفْطَسِ فَهُمْ أَعْلَمُ وَمَا يَذْكُرُونَهُ، وَالذِي قَالُوا مُحْتَمَلٌ، وَأَمَّا فِي بَابِ الرِّوَايَةِ فَلَمْ أَرَ فِي رِوَايَاتِهِ بَاسًَا» (^٣).\nوقال الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «يَنْبَغِي أَنْ يُسْبَرَ حَالُ الشَّخْصِ فِي الرِّوَايَةِ بَعْدَ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ» (^٤).\nوالنُّقولاتُ في كتبِ الجرحِ والتَّعديلِ كثيرةٌ في مثلِ هذا، تُثبِتُ تفريقَ الأئمَّةِ في حكمِهِمْ علَى عدالَةِ الرَّجلِ منْ جهةٍ وعلى ضبطِهِ منْ جهةٍ أُخرى، وهذا هوَ مذهبُ الجمهورِ مِنْ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ.\n* * *\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٤/ ١٠٧/ ٤٧٨.\n(^٢) المصدر السابق ٧/ ٢٧٦/ ١٤٩٥.\n(^٣) الكامل لابن عدي ٢/ ٤٠٤.\n(^٤) النكت على مقدمة ابن الصلاح ١/ ٢٧١.","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type='title' id=toc-42>المَطْلَبُ الثَّالِثُ: تَرْجِيحُ الحُكْمِ عَلَى الرَّاوِي الذِي تَعَارَضَ فِيهِ الجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:</span>\nالحكمُ على الرُّواةِ جرحًا أو تعديلًا خاضعٌ لاجتهادِ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ، وكلُّ ما كانَ مرجعُهُ الاجتهادُ حصلَ فيهِ الاختلافُ، وقدِ اختلفَ أئمَّةُ الجرحِ والتَّعديلِ في بعضِ الرُّواةِ، والاختلافُ قدْ يكونُ منْ ناقدٍ واحدٍ، أو منْ ناقدينِ فأكثرَ، وللعلماءِ في تعارضِ الجرحِ والتَّعديلِ مِنْ ناقدينِ فأكثرَ (^١) مذاهبُ، نُجملُهَا فيمَا يأتي، معَ التَّفصيلِ في مسألةِ التَّرجيحِ بينَ الجرحِ والتَّعديلِ مِنْ خلالِ السَّبرِ:\nأولًا: يُقدَّمُ الجرحُ على التَّعديلِ: وهوَ رأيُ الجمهورِ مِنَ المحدِّثينَ والأصوليِّينَ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «لِأَنَّ المُعَدِّلَ يُخْبِرُ عَمَّا ظَهَرَ مِنْ حَالِهِ، وَالجَارِحُ يُخْبِرُ عَنْ بَاطِنٍ خَفِيَ عَلَى المُعَدِّلِ» (^٢). وتقديمُ الجرحِ على التَّعديلِ ليسَ على إطلاقِهِ، وإنَّمَا يكونُ بشروطٍ (^٣).\nثانيًا: يُقدَّمُ التَّعديلُ إذا كانَ عددُ المعدِّلينَ أكثرَ مِنَ المجرِّحينَ: وقدْ ردَّهُ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ» فقالَ: «وَهَذَا خَطَأٌ مِمَّنْ تَوَهَّمَهُ، لِأَنَّ المُعَدِّلِينَ لَيسُوا يُخْبِرُونَ عَنْ عَدَمِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الجَارِحُونَ» (^٤).\n_________\n(^١) أما إذا كان من ناقدٍ واحدٍ، فقد قال السيوطي «٩١١ هـ»: «إذا كان من قائل واحد، فهذا قد لا يكون تناقضًا، بل نسبيًا في أحدهما، أو ناشئا عن تغير اجتهاد …». انظر فتح المغيث ١/ ٣١٠.\n(^٢) مقدمة ابن الصلاح ١/ ١٠٨.\n(^٣) وهذه الشروط هي: ١ - أن يكون الجرح مفسرًا، مستوفيًا لسائر الشروط. ٢ - أن لا يكون الجارح متعصبًا على المجروح أو متعنتًا في جرحه. ٣ - ألا يبين المعدل أن الجرح مدفوع عن الراوي، ويثبت ذلك بدليل الصحيح. لتفصيل الشروط انظر الرفع والتكميل ص ١١٤.\n(^٤) الكفاية للخطيب ١/ ١٠٧.","vol":"1","page":196},{"text":"وبعبارةٍ أخرى: المعدِّلونَ وإنْ كثرُوا لا يُبطلونَ ما أثبتَهُ الجارحونَ، والمثبِتُ مقدَّمٌ على النَّافي، إذْ المعدِّلُ كأنَّهُ يقولُ: لا نعلمُ في فلانٍ قدحًَا، بينَمَا الجارحُ يقولُ: أعلمُ فيهِ القدحَ.\nثالثًا: يُقَدَّمُ الجَرحُ أوِ التَّعديلُ بمرجِّحٍ، إمَّا بدليلٍ أو قرينةٍ: قالَ اللَّكنويُّ «ت ١٣٠٤ هـ»: «حَكَاهُ ابنُ الحَاجِبِ، كَذَا فَصَّلَهُ العِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ أَلْفِيَّتِهِ، وَالسُّيُوطِيُّ فِي التَّدْرِيبِ» (^١).\nوبيَّنَ السَّخَاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» وجهةَ نظرِ ابنِ الحاجِبِ، فقالَ: «وَوَجْهُهُ أَنَّ مَعَ المُعَدِّلِ زِيَادَةَ قُوَّةٍ بِالكَثْرَةِ، وَمَعَ الجَارِحِ زِيَادَةَ قُوَّةٍ بِالاِطِّلَاعِ عَلَى البَاطِنِ» (^٢). وكلامُ الخطيبِ يقتضِي نَفْيَ هذَا القولِ.\nفبيَّنَ السَّخَاويُّ أنَّ ترجيحَ التَّعديلِ لسببِ الكثرةِ، وترجيحَ الجرحِ لسببِ الإطلاعِ على الباطنِ، بالإضافةِ إلى الشُّروطِ التي ذكرهَا العلماءُ في المذهبِ الأوَّلِ، وأشرنَا إليهَا في الحاشيةِ فهيَ مِنَ المرجِّحَاتِ.\nوقدْ أوردْتُ كلامَ اللكنويِّ هنَا، لنبحثَ فيمَا إذا كانَ السَّبرُ عندَ مَنْ ذَكَرَ مِنَ الأَئِمَّةِ أحدَ هذهِ المرجِّحاتِ عندَ تعارُضِ الجرحِ والتَّعديلِ، وبالرُّجوعِ إلى كتبِ أصولِ الحديثِ ومصطلحِهِ، ومنهَا «ألفيَّةُ العراقيِّ» و«شرحُهَا للسُّيوطيِّ» و«تدريبُ الرَّاوي»، لمْ أجدْ منِ استفاضَ في ذكرِ المرجِّحاتِ التي بهَا يُقدَّمُ الجرحُ علَى التَّعديلِ أو العكسُ زيادةً على ما ذكرنَا، كمَا لَمْ أجِدْ مَنْ أشارَ إلى السَّبرِ كمُرجِّحٍ، خلا قولًا لبعضِ المعاصرينَ، قالَ الدكتور\n_________\n(^١) الرفع والتكميل ١/ ١١٧.\n(^٢) فتح المغيث ١/ ٣١٠.","vol":"1","page":197},{"text":"حاتمُ العونيُّ (^١): «الرَّاوِي الذِي اشْتَدَّ فِيهِ الاِخْتِلَافُ جَرْحًَا أَوْ تَعْدِيلًَا، يُمْكِنُ الاِسْتِفَادَةُ مِنْ سَبْرِ حَدِيثِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ مُكْثِرًَا أَمْ مُقِلًَّا، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ نَتِيجَةُ سَبْرِ حَدِيثِهِ القَبُولَ أَمْ الرَّدَّ فِي التَّرجِيحِ بَينَ تِلْكَ الأَقْوَالِ المُخْتَلِفَةِ، فَيَكُونُ السَّبْرُ حِينَهَا لِلوُصُولِ إِلَى مُرَجِّحٍ فَقَطْ، لَا إِلَى حُكْمٍ اسْتِقْلَالِيٍّ» (^٢).\nويُمكِنُنَا القولُ - مِنْ خلالِ الاستقراءِ - إنَّ اعتمادَ السَّبرِ كمُرجِّحٍ في تعارضِ الجرحِ والتَّعديلِ هوَ مذهبُ كلٍّ منْ ابنِ حبَّانَ وابنِ عديٍّ، واختيارُ الذَّهبيِّ في بعضِ الرُّواةِ، نُوردُ أقوالَهُمْ وتطبيقاتِهِمْ بشيءٍ منَ التَّفصيلِ:\nأولًا: ابن حبان:\nقالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ» في مقدِّمةِ كتابِهِ «الثِّقاتِ»: «وَإِنَّمَا أَذْكُرُ فِي هَذَا الكِتَابِ الشَّيخَ بَعْدَ الشَّيخِ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا وَوَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ، فَمَنْ صَحَّ عِنْدِي مِنْهُمْ أَنَّهُ ثِقَةٌ بِالدَّلَائِلِ النَّيِّرَةِ أَدْخَلْتُهُ فِي هَذَا الكِتَابِ، لَأَنَّهُ يَجُوزُ الاِحْتِجَاجُ بِخَبَرِهِ، وَمَنْ صَحَّ عِنْدِي مِنْهُمْ أَنَّهُ ضَعِيفٌ بِالبَرَاهِينِ الوَاضِحَةِ لَمْ أَذْكُرْهُ فِي هَذَا الكِتَابِ، لَكِنِّي أَدْخَلْتُهُ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ بِالعِلَلِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الاِحْتِجَاجُ بَخَبَرِهِ» (^٣). والدَّلائلُ النيِّرةُ والبراهينُ الواضحةُ: هيَ سبرُ مرويَّاتِ الرَّاوِي ومدَى موافقتِهَا للثِّقاتِ أو مخالفتِهَا.\n_________\n(^١) الدكتور حاتم بن عارف بن ناصر الشريف، العوني، من آل عون، العبادلة الأشراف الحسنيين، «ولد ١٣٨٥ هـ»، حصل على الدكتوراة من جامعة أم القرى بمكة المكرمة سنة «١٤٢١ هـ»، له العديد من المؤلفات والتحقيقات، فمن مؤلفاته: «المنهج المقترح لفهم المصطلح»، و«المرسل الخفي، وعلاقته بالتدليس»، و«خلاصة التأصيل لعلم الجرح والتعديل»، و«إجماع المحدثين»، ومن تحقيقاته: «أحاديث الشيوخ الثقات» لأبي بكر الباقي. انظر المعجم الجامع في تراجم العلماء المعاصرين، الصادر عن ملتقى أهل الحديث على الشبكة العنكبوتية.\n(^٢) خلاصة التأصيل لعلم الجرح والتعديل ص ٢٢.\n(^٣) الثقات لابن حبان ١/ ١٣.","vol":"1","page":198},{"text":"وقالَ في مقدِّمةِ الصَّحيحِ: «وَرُبَّمَا أَرْوِي فِي هَذَا الكِتَابِ وَأحْتَجُّ بِمَشَايِخَ قَدْ قَدَحَ فِيهِمْ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا، وَاحْتَجَّ بِهِمُ البَعْضُ، فَمَنْ صَحَّ عِنْدِي مِنْهُمْ بِالبَرَاهِينِ الوَاضِحَةِ وَصِحَّةِ الاِعْتِبَارِ عَلَى سَبِيلِ الدِّينِ أَنَّهُ ثِقَةٌ احْتَجَجْتُ بِهِ، وَلَمْ أُعَرِّجْ عَلَى قَولِ مَنْ قَدَحَ فِيهِ، وَمَنْ صَحَّ عِنْدِي بِالدَّلَائِلِ النَّيِّرَةِ وَالاِعْتِبَارِ الوَاضِحِ عَلَى سَبِيلِ الدِّينِ أَنَّهُ غَيرُ عَدْلٍ لَمْ أَحْتَجَّ بِهِ، وَإِنْ وَثَّقَهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا» (^١). ثمَّ قالَ بعدَ أنْ مثَّلَ لذلكَ ب «حمَّادِ بنِ سلمةَ»: «هَذَا حُكْمُ الاِعْتِبَارِ بَينِ النَّقَلَةِ فِي الرِّوَايَاتِ، وَقَدِ اعْتَبَرْنَا حَدِيثَ شَيخٍ شَيخٍ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنَ الاِعْتِبَارِ عَلَى سَبِيلِ الدِّينِ، فَمَنْ صَحَّ عِنْدَنَا مِنْهُمْ أَنَّهُ عَدْلٌ احْتَجَجْنَا بِهِ وَقَبِلْنَا مَا رَوَاهُ وَأَدْخَلْنَاهُ فِي كِتَابِنَا هَذَا، وَمَنْ صَحَّ عِنْدَنَا أَنَّهُ غَيرُ عَدْلٍ بِالاِعْتِبَارِ الذِي وَصَفْنَاهُ لَمْ نَحْتَجَّ بِهِ وَأَدْخَلْنَاهُ فِي كِتَابِ المَجْرُوحِينَ مِنَ المُحَدِّثِينَ» (^٢).\nومنْ أمثلَةِ الرُّواةِ الذينَ رجَّحَ ابنُ حبَّانَ تعديلَهُم:\nشُرَحْبِيلُ بنُ سعدٍ: ضعَّفهُ مالكٌ، وابنُ معينٍ، وأبو زرعةَ، وذكرَهُ ابنُ حبَّانَ في الثِّقاتِ وقالَ عنهُ الحافظُ ابنُ حجرٍ: «صدوقٌ، اختلطَ بآخرة» (^٣).\nأَسْبَاطُ بنُ نَصْرٍ: وثَّقهُ ابنُ معينٍ مرَّةً وضعَّفهُ أخرى، وضعَّفهُ أحمدُ، وقال النَّسائيُّ: «ليسَ بالقويِّ»، وذكرهُ ابنُ حبَّانَ في الثِّقاتِ، وكذلكَ ذكرَهُ الذَّهبيُّ فيمنْ تُكُلِّمَ فيهِ وهوَ مُوثَّقٌ وقالَ ابنُ حجرٍ: «صدوقٌ، كثيرُ الخطأِ، يُغْرِبُ» (^٤).\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان ١/ ١٥٢ و١٥٣.\n(^٢) المصدر السابق ١/ ١٥٥.\n(^٣) انظر الثقات ر ٣٣٧٠، والضعفاء للنسائي ر ٢٩٠، والضعفاء لابن الجوزي ر ١٦١٨، والكامل لابن عدي ر ٨٩٩، والتقريب ١/ ٢٦٥.\n(^٤) انظر الجرح والتعديل ر ١٢٦١، والثقات ر ٦٨٣٤، ومن تكلم فيه وهو موثق ر ٢٧، وتهذيب الكمال ر ٣٢١، والتهذيب ر ٣٩٦.","vol":"1","page":199},{"text":"عُتْبَةُ بنُ حُمَيدٍ الضَّبِّيُّ: ضعَّفهُ أحمدُ، وقالَ أبو حاتمٍ: «صالحُ الحديثِ». وذكرهُ ابنُ حبَّانَ في الثِّقاتِ، وضعَّفهُ الذَّهبيُّ، وقالَ ابنُ حجرٍ في التَّهذيبِ: «صدوقٌ، لهُ أوهامٌ» (^١).\nومنْ أمثلةِ الرُّواةِ المختلفِ فيهِم الذينَ أدرجَهُم في كتابِهِ «المجروحينَ»:\nعُبَيدُ اللهِ بنُ أَبي زيادٍ القدَّاحُ: ضعَّفهُ ابنُ معينٍ مرَّةً ووثَّقهُ أُخْرى، ووثقهُ العجليُّ، وقالَ النَّسائيُّ: «ليسَ بالقويِّ». وقالَ ابنُ حبَّانَ: «كانَ ممنْ ينفردُ عنِ القاسِمِ بمَا لا يُتابَعُ عليهِ، وكانَ رديءَ الحفظِ كثيرَ الوهمِ، لمْ يكنْ في الإتقانِ بالحالِ التي يُقبلُ ما انفردَ بهِ ولا يجوزُ الاحتجاجُ بأخبارِهِ إلَّا بمَا وافقَ الثِّقاتِ» (^٢).\nعطاءُ بنُ عبدِ اللهِ الخُراسانيُّ: وثَّقهُ ابنُ معينٍ، والعجليُّ، ويعقوبُ بنُ شيبةَ، وقالَ أبو حاتمٍ: «لا بأسَ بهِ». وذكرَهُ البخاريُّ في الضعفاءِ، وقالَ ابنُ حبَّانَ: «كانَ منْ خيارِ عبادِ اللهِ، غيرَ أنَّهُ رديءُ الحفظِ، كثيرُ الوهمِ، يُخطئُ ولا يعلمُ، فَحُمِلَ عَنْهُ، فلمَّا كثرَ ذلكَ في روايتِهِ بطلَ الاحتجاجُ بِهِ». ووثَّقه الدَّارقُطنيُّ، وقالَ ابنُ حجرٍ: «صدوقٌ، يهمُ كثيرًَا، ويُرسلُ، ويدلِّسُ» (^٣).\nقريشُ بنُ أنسٍ الأنصاريُّ: وثَّقهُ ابنُ معينٍ، وابنُ المدينيِّ، والنَّسائيُّ، وقالَ البخاريُّ في الضُّعفاءِ: «اختلطَ ستَّ سنين في البيتِ». وقالَ ابنُ حبَّانَ: «صدوقٌ، إلَّا أنَّهُ اختلطَ في\n_________\n(^١) انظر الجرح والتعديل ر ٢٠٤٢، والثقات ر ١٠٠٢٦، والمغني في الضعفاء ر ٣٩٩٤، والتقريب ر ٤٤٢٩.\n(^٢) انظر معرفة الثقات ر ١١٥٧، والضعفاء للنسائي ر ٣٥٥، والضعفاء لابن الجوزي ر ٢٢٣٩، والكامل لابن عدي ر ١١٥٩.\n(^٣) انظر الضعفاء للبخاري ر ٢٧٨، والكامل لا بن عدي ر ١٥٢١، ومن تكلم فيه وهو موثق ر ٢٤٣، والمجروحين ر ٧٢٥، والتهذيب ر ٣٩٥، والتقريب ر ٤٦٠٠.","vol":"1","page":200},{"text":"آخرِ عمرِهِ، حتَّى كانَ لا يدرِي ما يُحدِّثُ بِهِ، وبقيَ ستَّ سنين في اختلاطِهِ، فظهرَ في روايتِهِ أشياءُ مناكيرُ لا تُشبِهُ حديثَهُ القديمَ، فلمَّا ظهرَ ذلكَ منْ غيرِ أنْ يتميَّزَ مستقيمُ حديثِهِ منْ غيرِهِ لمْ يجزِ الاحتجاجُ بهِ فيمَا انفردَ» (^١).\nثانيًا: ابنُ عديٍّ:\nقالَ ابنُ عديٍّ «ت ٣٦٥ هـ» في مقدِّمةِ «الكاملِ»: «وَذَاكِرٌ فِي كِتَابِي هَذَا كُلَّ مَنْ ذُكِرَ بِضَرْبٍ مِنَ الضَّعْفِ، وَمَنِ اخْتُلِفَ فِيهِمْ فَجَرَّحَهُ البَعْضُ وَعَدَّلَهُ البَعْضُ الآَخَرُ، وَمُرَجِّحٌ قَولَ أَحَدِهِمَا مَبْلَغَ عِلْمِي مِنْ غَيرِ مُحَابَاةٍ، فَلَعَلَّ مَنْ قَبَّحَ أَمْرَهُ أَوْ حَسَّنَهُ تَحَامَلَ عَلَيهِ أَوْ مَالَ إِلَيهِ، وَذَاكِرٌ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مِمَّا رَوَاهُ مَا يُضَعَّفُ مِنْ أَجْلِهِ، أَوْ يُلْحِقُهُ بِرِوَايَتِهِ، وَلَهُ اِسْمُ الضَّعْفِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيهَا، لِأُقَرِّبَهُ عَلَى النَّاظِرِ فِيهِ» (^٢).\nومنَ الأمثلةِ على ترجيحِ الرُّواةِ المختلفِ فيهِمْ منْ خلالِ السَّبرِ، قولُ ابنِ عديٍّ في «بشارِ بنِ موسَى»: «رَجُلٌ مَشْهُورٌ بِالحَدِيثِ، وَيَرْوِي عَنْ قَومٍ ثِقَاتٍ، وَأَرْجُو أَنْ لَا بَاسَ بِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ كَتَبَ الحَدِيثَ الكَثِيرَ، وَقَدْ حَدَّثَ النَّاسُ عَنْهُ، وَلَمْ أَرَ فِي حَدِيثِهِ شَيئًَا مُنْكَرًَا، وَقَولُ مَنْ وَثَّقَهُ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ مِمَّنْ ضَعَّفَهُ» (^٣).\nوقولُهُ في «عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ بنِ أسلمَ»: «وَلَهُ مِنَ الحَدِيثِ غَيرُ مَا ذَكَرْتُ، قَلِيلٌ لَيسَ بِالكَثِيرِ، وَهُوَ مَعَ ضَعْفِهِ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَثَّقَهُ غَيرُ وَاحِدٍ» (^٤).\n_________\n(^١) انظر الضعفاء للبخاري ر ٢٧٨، والكامل لا بن عدي ر ١٥٢١، ومن تكلم فيه وهو موثق ر ٢٤٣، والمجروحين ر ٧٢٥، والتهذيب ر ٣٩٥، والتقريب ر ٤٦٠٠.\n(^٢) الثقات لابن حبان ١/ ١٣.\n(^٣) الكامل لابن عدي ر ٢٦٣.\n(^٤) المصدر ذاته ر ١٠٠١.","vol":"1","page":201},{"text":"ثالثًا: الذهبي:\nقالَ الذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ» في مقدِّمةِ كتابِهِ «الرُّواةُ الثِّقاتُ المتكلَّمُ فيهِمْ بمَا لا يُوجِبُ رَدُّهُمْ»: «فَهَذَا فَصْلٌ نَافِعٌ فِي مَعْرِفَةِ ثِقَاتِ الرُّوَاةِ الذِينَ تَكَلَّمَ فِيهِمْ بَعْضُ الأَئِمَّةِ بِمَا لَا يَرُدُّ أَخْبَارَهُمْ، وَفِيهِمْ بَعْضُ اللينِ، وَغَيرُهُمْ أَتْقَنُ مِنْهُمْ وَأَحْفَظُ، فَهَؤُلَاءِ حَدِيثُهُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الصَّحِيحِ فَلَا يَنْزِلُ عَنْ رُتْبَةِ الحَسْنِ، اللهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ للرَّجُلِ مِنْهُمْ أَحَادِيثُ تُسْتَنْكَرُ عَلِيهِ، وَهِيَ التِي تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ أَجْلِهَا، فَيَنْبَغِي التَّوَقُّفُ فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ» (^١).\nوالإمامُ الذَّهبيُّ أشارَ إلى سبرِ حديثِ الرَّاوي، بفصلِ ما يُستَنكَرُ مِنْ حديثِهِ عمَّا يُصحَّحُ منهُ، وقدِ اعتمدَ في التَّرجيحِ قرائِنَ عِدَّةً، والسَّبرُ أحدُهَا، فقد أوردَ منْ تعارضَ فيهِ الجرحُ والتَّعديلُ، مرجِّحًَا المعدَّلَينَ بقرائِنَ وبراهينَ أوردَهَا عندْ حديثِهِ عنْ كلِّ راوٍ، وسنقتصِرُ علَى إيرادِ أمثلةٍ ممَّنْ رجَّحهُمُ الذَّهبيُّ منْ خلالِ سبرِ حديثِهِمْ:\nعبدُ الرَّزَّاقِ بنُ همَّامٍ: «إِمَامٌ، لَهُ مَا يُنْكَرُ، وَفِيهِ تَشَيُّعٌ مَعْرُوفٌ» (^٢).\nزيدُ بنُ أبي أُنَيسَةَ: «ثِقَةٌ، حَدِيثُهُ فِي الأُصُولِ، قَالَ أَحْمَدُ: «فِي حَدِيثِهِ بَعْضُ النَّكَارَةِ»» (^٣).\nعبدُ اللهِ بنُ سعيدٍ: «حَدِيثُهُ فِي الكُتُبِ، وَهُوَ ثِقَةٌ، ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَحْدَهُ» (^٤).\nعبدُ الرَّحمنِ بنُ محمَّدٍ المُحاربِيُّ: «ثِقَةٌ، نَبِيلٌ، رَوَى مَنَاكِيرَ عَنْ مَجَاهِيلَ» (^٥).\n_________\n(^١) ص ٢٣.\n(^٢) الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم ص ١٢٥.\n(^٣) المصدر ذاته ص ٩٦.\n(^٤) المصدر ذاته ص ١١٧.\n(^٥) المصدر ذاته ص ١٢٣.","vol":"1","page":202},{"text":"والحقيقةُ أنَّ الجرحَ أوِ التَّعديلَ منْ جهةِ عدالَةِ الرَّاوي، لا يُمكنُ ترجيحُهُ بالسَّبرِ، وأمَّا مِنْ جهةِ ضبطِهِ، فهذَا ممَّا يُمكنُ اعتبارُ السَّبرِ كمرجِّحٍ فيهِ، وبالنَّظرِ إلى مراتِبِ الجرحِ والتَّعديلِ نجدُ أنَّ بعضَ المراتبِ هيَ حكمٌ على عدالَةِ الرَّاوِي دُونَ ضبطِهِ، فإذا اعتبرنَا حديثَهُ وتبيَّنَ لنا ضبطُهُ في الأغلبِ الأعمِّ، استطعنَا الحكمَ عليهِ بالتَّوثيقِ أو التَّضعيفِ، بترجيحِ أقوالِ المعدِّلينَ والمجرِّحينَ بعضِهَا على بعض.\nوالمراتبُ التي يُمكِنُ منْ خلالِ السَّبرِ ترجيحُ الحكمِ بالجرحِ أو التَّعديلِ على الرَّاوي، همْ أصحابُ المرتبةِ الخامسةِ على تقسيمِ ابنِ حجرٍ في التَّقريبِ، وهمْ مَنْ قيلَ فيهمْ: «ليسَ بهِ بأسٌ، أو لا بأسَ بهِ، أو صدوقٌ، أو مأمونٌ، أو خِيَارُ الخلقِ، أو ما أعلمُ بهِ بأسًا، أو محلُّهُ الصِّدقُ» (^١). قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «لِأَنَّ هِذِهِ العِبَارَاتِ لَا تُشْعِرُ بِشَرِيطَةِ الضَّبْطِ، فَيُنْظَرُ فِي حَدِيثِهِ وَيُخْتَبَرُ حَتَّى يُعْرَفَ ضَبْطُهُ، وَإِنْ لَمْ نَسْتَوفِ النَّظَرَ المُعَرِّفَ لِكَونِ ذَلِكَ المُحَدِّثِ فِي نَفْسِهِ ضَابِطًَا مُطْلَقًَا، وَاحْتَجْنَا إِلَى حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِ اعْتَبَرْنَا ذَلِكَ الحَدِيثَ وَنَظَرْنَا هَلْ لَهُ أَصْلٌ مِنْ رِوَايَةِ غَيرِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ طَرِيقِ الاِعْتِبَارِ» (^٢).\nقالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «اتَّفَقَ الأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ «صَدُوقٍ» لَا يُحْتَجُّ بِمَنْ قِيلَتْ فِيهِ إِلَّا بَعْدَ الاِخْتِبَارِ وَالنَّظَرِ، لِيُعْلَمَ هَلْ يَضْبِطُ الحَدِيثَ أَوْ لَا، وَذَلِكَ يَرُدُّ مَا زَعَمَهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ مَنْ قِيلَتْ فِيهِ يَكُونُ حَدِيثُهُ حُجَّةً مِنَ الحَسَنِ لِذَاتِهِ دُونَ أَنْ يُقَيِّدَهُ بِأَنْ يُنْظَرَ فِيهِ» (^٣).\n_________\n(^١) تقريب التهذيب ص ٢٤.\n(^٢) مقدمة ابن الصلاح ١/ ١٢٢.\n(^٣) منهج النقد ص ١١١ «بتصرف يسير».","vol":"1","page":203},{"text":"ومنْ أمثلةِ ذلكَ: قولُ العُقَيليِّ «ت ٣٢٢ هـ» في «ثابتِ بنِ عجلانَ الأنصاريِّ»: «لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ» (^١). فَتعقَّبهُ أبُو الحسنِ القطَّانُ «ت ٢٥٤ هـ» بأنَّ ذلكَ لا يضرُّهُ إلَّا إذَا كثُرتْ منهُ روايَةُ المناكيرِ، ومخالفَةُ الثِّقاتِ (^٢)، وأقرَّ ذلكَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»، فقالَ: «وَهُوَ كَمَا قَالَ» (^٣). والتحقُّقُ منْ ذلكَ لا يكونُ إلَّا بالسَّبرِ.\n* * *\n_________\n(^١) ضعفاء العقيلي ١/ ١٧٥.\n(^٢) بيان الوهم والإيهام ٥/ ٣٦٣.\n(^٣) مقدمة فتح الباري ١/ ٣٩٤.","vol":"1","page":204},{"text":"<span data-type='title' id=toc-43>المَطْلَبُ الرَّابِعُ: الحُكْمُ عَلَى الرَّاوِي المَجْهُولِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:</span>\nالمجهولُ عندَ المحدِّثينَ ثلاثَةُ أقسامٍ، ومنهُمْ منْ جعلَهُ قسمينِ:\nأَوَّلًَا: مَجْهُولُ العَينِ: قالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ» في تعريفِهِ: «المَجْهُولُ عِنْدَ أَصْحَابِ الحَدِيثِ: هُوَ كُلُّ مَنْ لَمْ يَشْتَهِرْ بِطَلَبِ العِلْمِ فِي نَفْسِهِ، وَلَا عَرَفَهُ العُلَمَاءُ بِهِ، وَمِمَّنْ لَمْ يُعْرَفْ حَدِيثُهُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ رَاوٍ وَاحِدٍ» (^١). وترتفعُ جهالةُ العينِ عنِ الرَّاوي بأنْ يرويَ عنهُ اثنانِ فصاعدًا منَ المشهورينَ بالعلمِ، عندَ غيرِ ابنِ حبَّانَ وشيخِهِ ابنِ خُزيمةَ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَكَانَ عِنْدَ ابنِ حِبَّانَ أَنَّ جَهَالَةَ العَينِ تَرْتَفِعُ بِرِوَايَةِ وَاحِدٍ مَشْهُورٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ شَيخِهِ ابنِ خُزَيمَةَ، وَلَكِنَّ جَهَالَةَ حَالِهِ بَاقِيَةٌ عِنْدَ غَيرِهِ» (^٢). ويُصبِحُ في طبقَةِ مجهولِ الحالِ، ما لمْ يردْ فيهِ جرحٌ أو تعديلٌ.\nوالطَّريقُ إلى رفعِ جهالةِ العينِ عنِ الرَّاوي، هوَ السَّبرُ وتتبُّعُ الأسانيدِ، ليُنظَرَ هلْ روَى عنْه راوٍ آخرُ أو أكثرُ ترتفعُ بهِ جهالَةُ عينِهِ، وكثيرٌ منْ مجهولي العينِ ارتفعتْ جهالَةُ عينهِمْ منْ خلالِ السَّبرِ وتتبعِ الأسانيدِ، بوجودِ راويَينِ أو أكثرَ عنهُمَا، والأمثلةُ في كتبِ الرِّجالِ والعللِ مُستفيضَةٌ، نقتصرُ على بعضِهَا:\nزكريَّا بنُ الصَّلتِ الأصبهانيُّ: قالَ الذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ»: «قَالَ أَبُو الشَّيخِ: لَمْ نَرَ أَحَدًَا حَدَّثَ عَنْ زَكَرِيَّا بنِ الصَّلتِ إِلَّا أَبُو جَعْفَرٍ».\n_________\n(^١) الكفاية ١/ ٨٨.\n(^٢) لسان الميزان ١/ ١٤.","vol":"1","page":205},{"text":"ثمَّ قالَ: «وَقَدْ رَوَى أَبُو الشَّيخِ فِي تَرْجَمَتِهِ حِكَايَتِينِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بنِ عِصَامٍ، وَمُحَمَّدِ بنِ عَامِرٍ، فَزَالَتْ جَهَالَةُ عَينِهِ» (^١).\nعبدُ اللهِ بنُ أبي بصيرٍ: قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «قِيلَ: لَا يُعْرَفُ، لِأَنَّهُ مَا رَوَى عَنْهُ غَيرُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، لَكِنْ أَخْرَجَ الحَاكِمُ حَدِيثَهُ مِنْ رِوَايَةِ العَيزَارِ بنِ حُرَيثٍ عَنْهُ، فَارْتَفَعَتْ جَهَالَةُ عَينِهِ» (^٢).\nعُبيدُ بنُ أبي عُبيدٍ: قالَ الكِنَانيُّ «ت ٩٦٣ هـ»: «ذَكَرَ الحَافِظُ فِي «لِسَانِ المِيزَانِ» أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ عَاصِمُ بنُ عُبَيدِ اللهِ، وَالرَّاوِي عَنْهُ فِي هَذَا الخَبَرِ فُلَيحٌ، فَقَدْ زَالَتْ جَهَالَةُ عَينِهِ، وَبَقِيَتْ جَهَالَةُ حَالِهِ» (^٣).\nثانيًا: مجهولُ الحالِ: وهوَ منْ عُرِفَتْ عينُهُ، ولمْ تُعرَفْ عدالتُهُ الظَّاهرَةُ والباطنَةُ، قالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ» فيمنْ عُرِفَتْ عينُهُ مِنَ الرُّواةِ دونَ حالِهِ: «إِلَّا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ العَدَالَةِ بِرِوَايَتِهِمَا عَنْهُ، وَقَدْ زَعَمَ قَومٌ أَنَّ عَدَالَتَهُ تَثْبُتُ بِذَلِكَ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ فَسَادَ قَولِهِمْ بَمَشِيئَةِ اللهِ وَتَوفِيقِهِ» (^٤). ثمَّ ساقَ الرُّدودَ على القائلينَ بهذَا المذهبِ ممَّا يطولُ سردُهُ هنَا.\nوقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «المَجْهُولُ العَدَالَةِ مِنْ حَيثُ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ جَمِيعًَا، رِوَايَتُهُ غَيرُ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ الجَمَاهِيرِ» (^٥).\n_________\n(^١) ميزان الاعتدال ٨/ ١٠٨.\n(^٢) التلخيص الحبير ٢/ ٢٦.\n(^٣) تنزيه الشريعة ٢/ ٢٨٣.\n(^٤) الكفاية ١/ ٨٩.\n(^٥) مقدمة ابن الصلاح ١/ ١١٢.","vol":"1","page":206},{"text":"وممَّنْ قالَ بثبوتِ عدالتِهِ العجليُّ (^١) وابنُ حبَّانَ وشيخُهُ ابنِ خُزيمةَ والدَّارقُطنيُّ (^٢)، وأكثرُ مَنْ اشتهرَ بذلكَ ابنُ حبَّانَ حيثُ رأَى أنَّ الرَّاوي الذي لمْ تُعلَمْ سيرتُهُ إلَّا مِنْ جهَةِ رواياتِهِ، فنحكُمُ عليهِ مِنْ خلالِ سبرِ حديثِهِ، فإذَا سلمتْ منَ النَّكارَةِ حُكِمَ بثقتِهِ، وإلَّا حُكِمَ بضعفِهِ، إذْ الأصلُ عندَهُ أنَّ الرُّواةَ على العدالَةِ ما لمْ يتبيَّنْ ما يقدحُ فيهَا، وقدْ بيَّنَ هذهِ القاعدةَ في مقدِّمةِ كتبِهِ «الثِّقاتِ، والمجروحينَ، والصَّحيحِ»، وطبَّقهَا فيهِمْ أيضًَا، ومنْ جرَّاءِ ذلكَ صُنِّفَ منَ المتساهلينَ في توثيقِ المجهولينَ، وقدْ بيَّنَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» قاعدةَ ابنِ حبَّانَ في ذلكَ، فقالَ: «يَذْكُرُ فِي كِتَابِ «الثِّقَاتِ» كُلَّ مَجْهُولٍ رَوَى عَنْهُ ثِقَةٌ، وَلَمْ يُجْرَحْ، وَلَمْ يَكُنِ الحَدِيثُ الذِي يَرْوِيهِ مُنْكَرًَا، هَذِهِ قَاعِدَتُهُ» (^٣).\n_________\n(^١) قال المعلمي: «وتوثيقُ العجليِّ وجدته بالاستقراء كتوثيق ابن حبَّان أو أوسع». الأنوار الكاشفة ١/ ٧٠.\n* ومن الأمثلة على توثيق العجلي لمجاهيل:\nمنصور الكلبي: قال العجلي: «مصري، تابعي، ثقة». وقد جهَّله ابن المديني، وابن خزيمة، والذهبي، وابن حجر. انظر معرفة الثقات ر ١٧٩٧، والثقات ر ٥٥٥٠، وتهذيب الكمال ر ٦١٩٣، والكاشف ر ٥٦٤١.\nعمارة بن حديد: قال العجلي: «حجازي، تابعي، ثقة». وقد جهله ابن المديني، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن عبد البر، والذهبي. انظر معرفة الثقات ر ١٣٢٤، والجرح والتعديل ر ٢٠٠٨، وتهذيب الكمال ر ٤١٧٩.\n(^٢) أشار لذلك اللكنويُّ «١٣٠٤ هـ»، فقال: «وعند الدارقطني: جهالة الوصف أيضًا ترتفع بها». أي: برواية اثنين عنه. انظر الرفع والتكميل ١/ ٢٤٨.\nوألحق المعلمي في توثيق المجهولين: ابن سعد، وابن معين، والنسائي، فقال: «والعجلي قريب منه - أي من ابن حبان - في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد، وابن معين، والنسائي، وآخرون غيرهم، يوثقون من كان من التابعين أو أتباعهم إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة بأن يكون له فيما يروي متابع أو شاهد، وإن لم يرو عنه إلا واحد، ولم يبلغهم عنه إلا حديث واحد». انظر التنكيل للمعلمي ١/ ١٦٠.\n(^٣) لسان الميزان ١/ ٤٩٢.","vol":"1","page":207},{"text":"ثم ردَّ مذهبَهُ هذَا، فقالَ: «هَذَا الذِي ذَهَبَ إِلَيهِ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا انْتَفَتْ جَهَالَةُ عَينِهِ كَانَ عَلَى العَدَالَةِ إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ جَرْحُهُ: مَذْهُبٌ عَجِيبٌ، وَالجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ» (^١).\nومنَ الأمثلةِ علَى توثيقِ ابنِ حبَّانَ لرواةٍ مجهولينَ منْ خلالِ السَّبرِ:\nالحسنُ بنُ سُهَيلٍ: قالَ الذَّهبيُّ «ت ٧٤٨ هـ»: «مَا عَلِمْتُ رَوَى عَنْهُ غَيرَ يَزِيدَ بنِ أَبِي زِيَادٍ الكُوفِيِّ، وَلَكِنْ ذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ» (^٢).\nعبدُ اللهِ بنُ القاسمِ التَّيميُّ: قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «قَالَ ابنُ القَطَّانِ: «مَجْهُولٌ». وَذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ» (^٣).\nمنقذُ مولَى ابنِ سُرَاقةَ: قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «مُنْقِذُ: مَجْهُولُ الحَالِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ» (^٤).\nبِشْرُ بنُ غالبٍ الأسديُّ: قالَ العينيُّ «ت ٨٥٥ هـ»: «قَالَ الأَزْدِيُّ: «مَجْهُولٌ». وَذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ» (^٥).\nثَالِثًَا: المَسْتُورُ: وقدْ عرَّفهُ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٤٦٣ هـ»، فقالَ: «المَجْهُولُ الذِي جُهِلَتْ عَدَالَتُهُ البَاطِنَةُ، وَهُوَ عَدْلٌ فِي الظَّاهِرِ» (^٦). وللعلماءِ مذاهبُ في قبولِ روايةِ المستورِ:\n_________\n(^١) المصدر السابق ١/ ١٤.\n(^٢) الثقات ٤/ ١٢٢، وميزان الاعتدال ٢/ ٢٤٢.\n(^٣) الثقات ٥/ ٤٦، والتهذيب ٥/ ٣١٤.\n(^٤) الثقات ٥/ ٤٤٧، وتغليق التعليق ٣/ ٢٣٩.\n(^٥) الثقات ٤/ ٦٩، ومغاني الأخيار ١/ ٩٠.\n(^٦) مقدمة ابن الصلاح ١/ ١١١ و١١٢.","vol":"1","page":208},{"text":"١ - ردُّ روايتِهِ، أو التَّوقُّفُ إلى استبانَةِ حديثِهِ: وهوَ رأيُ الجمهورِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «قَدْ قَبِلَ رِوَايَتَهُ جَمَاعَةٌ بِغَيرِ قَيدٍ، وَرَدَّهَا الجُمْهُورُ، والتَّحْقِيقُ: أَنَّ رِوَايَةَ المَسْتُورِ مَوقُوفَةٌ إِلَى اسْتِبَانَةِ حَالِهِ» (^١).\n٢ - يُقْبَلُ فِي الشَّوَاهِدِ فَقَطْ: وهوَ حكمٌ للرَّاوي بالقبولِ وليسَ بالعدالَةِ، وهوَ حكمٌ على مرويَّاتِهِ أكثرُ منهُ حكمًا على الرَّاوي، وهذا سيأتِي تفصيلُهُ في مبحثِ «الحكمُ علَى مرويَّاتِ الرَّاوِي منْ خلالِ السَّبرِ»، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «إِنَّ جُمْهُورَ المُحَدِّثِينَ لَا يَقْبَلُونَ رِوَايَةَ المَسْتُورِ، وَهُوَ قِسْمٌ مِنَ المَجْهُولِ، فَرِوَايَتُهُ بِمُفْرَدِهَا لَيسَتْ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُمْ، وَإِنَّمَا يُحْتَجُّ بِهَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ بِالشُّرُوطِ التِي ذَكَرَهَا التِّرْمِذِيُّ» (^٢). وهذهِ الشُّروطُ هيَ التي ذكرهَا التِّرمذيُّ في تعريفِهِ للحديثِ الحسنِ، بقولِهِ: «كُلُّ حَدِيثٍ يُرْوَى، لَا يَكُونُ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالكَذِبِ، وَلَا يَكُونُ حَدِيثًَا شَاذًَّا، وَيُرْوَى مِنْ غَيرِ وَجْهٍ نَحْوُ ذَاكَ» (^٣).\nومرتبةُ «المقبولِ» عندَ ابنِ حجرٍ منْ هذَا القبيلِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «مَنْ لَيسَ لَهُ مِنَ الحَدِيثِ إِلَّا القَلِيلُ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهُ مَا يُتْرَكُ حَدِيثُهُ مِنْ أَجْلِهِ، وَإِلَيهِ الإِشَارَةُ بِلَفْظِ: «مَقْبُول» حَيثُ يُتَابَعُ» (^٤). والملاحظُ أنَّ كثيرًا مِنَ الرُّواةِ المقبولينَ عندَ ابنِ حجرٍ مِنَ الموصوفينَ بالجهالةِ فإذَا تحقَّقَتِ في الراوي الشُّروطُ التي ذكرناهَا، جعلَهُ ابنُ حجرٍ في مرتبةِ المقبولينَ، لكنْ بعدَ سبرِ حديثِهِ واختبارِهِ، ليتحقَّقَ مِنْ عدمِ الشُّذوذِ ومنْ وجودِ المتابعةِ لحديثِهِ.\n_________\n(^١) نزهة النظر ١/ ١٢٦ «بتصرف».\n(^٢) النكت على ابن الصلاح ١/ ٤٠٨.\n(^٣) العلل الصغير ١/ ٧٥٨.\n(^٤) تقريب التهذيب ١/ ٧٤.","vol":"1","page":209},{"text":"٣ - يُقبَلُ مطلقًا: وهوَ قولُ مَنْ ذكرنَاهُمْ ممَّنْ قالُوا بعدالَةِ مجهولِ الحالِ، فالأولَى قبولُ المستورِ عندهُمْ، وطريقتُهُمْ في معرفَةِ حالِهِ سبرُ حديثِهِ. وكذلكَ قولُ منْ حملَ النَّاسَ على العدالَةِ في الأصلِ، إلا أنَّ الذهبيَّ - وهوَ منْ أصحابِ هذَا الرأيِ - أخرجَ المستورَ ومجهولَ الحالِ منْ دائرةِ القبولِ، فقالَ: «وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ المَسْتُورُ، فَإِنَّهُ غَيرُ مَشْهُورٍ بِالعِنَايَةِ بِالعِلْمِ، فَكُلُّ مَنِ اشْتَهَرَ بَينَ الحُفَّاظِ بِأَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الحَدِيثِ، وَأَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِالعِنَايَةِ بِهَذَا الشَّانِ، ثُمَّ كَشَفُوا عَنْ أَخْبَارِهِ فَمَا وَجَدُوا فَيهِ تَلْيِينًَا، وَلَا اتَّفَقَ لَهمْ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّ أَحَدًَا وَثَّقَهُ، فَهَذَا الذِي عَنَاهُ الحَافِظُ وَأَنَّهُ يَكُونُ مَقْبُولَ الحَدِيثِ، إِلَى أَنْ يَلُوحَ فِيهِ جَرْحٌ» (^١). وقالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ - بعدَ أنْ أوردَ انتقادَ ابنِ الصَّلاحِ لرأيِ ابنِ عبدِ البرِّ في هذهِ المسألةِ: «وَكَأَنَّ ابْنَ الصَّلَاحِ لَحَظَ في ذَلِكَ إِلَى الشِّبَهِ بِالمَسْتُورِ، لَكِنْ صَوَّبَ هَذَا القَولَ المُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ، كَالجَزَرِيِّ، وَالمِزِّيِّ، وَالذَّهَبِيِّ، وَالسَّخَاوِيِّ، وَصَوَّرُوهُ بِمَا لَا يُشْبِهُ مَجْهُولَ الحَالِ» (^٢).\nبينما نجدُ أنَّ ابنَ سيِّدِ النَّاسِ عدَّ المستورَ المشتهرَ بالعلمِ ممَّنْ يُحمَلُ على العدالةِ مطلقًا، فقالَ: «وَلَو أَنَّ مَسْتُورَي الحَالِ فِي دِينِهِمَا تَعَارَضَا فِي نَقْلِ خَبَرٍ، وَأَحَدُهُمَا مَعْرُوفٌ بِطَلَبِ الحَدِيثِ وَكِتَابَتِهِ، وَالآَخَرُ لَيسَ كَذَلَكَ، لَكَانَتِ النَّاسُ إِلَى قَبُولِ خَبَرِ الطَّالِبِ أَمْيَلَ، وَلَا مَعْنَى لِهَذِهِ المَعْرِفَةِ إَلَّا مَزِيَّةُ طَلَبِ العِلْمِ» (^٣).\n_________\n(^١) فتح المغيث ١/ ٣٠٠.\n(^٢) منهج النقد - د. نور الدين عتر ١/ ١٠٤.\n(^٣) الغاية في شرح الهداية ١/ ٦٥.","vol":"1","page":210},{"text":"فالسَّبرُ هوَ السَّبيلُ لمعرفَةِ عينِ الرَّاوي المجهولِ عندَ الجمهورِ.\nومجهولُ الحالِ والمستورُ يُعرفُ حالُهُ بسبرِ مرويَّاتِهِ عندَ ابنِ حبَّانَ وابنِ خُزيمَةَ والدَّارقُطنِيِّ.\nوالمستورُ عندَ البخاريِّ ومسلمٍ - وهوَ اختيارُ ابنِ حجرٍ - يُعتبرُ حديثُهُ بشروطٍ.\n* * *","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type='title' id=toc-44>المَطْلَبُ الخَامِسُ: مَعْرِفَةُ اخْتِلَاطِ الرَّاوِي، فِي أَزْمِنَةٍ أَوْ أَمْكِنَةٍ أَوْ عَنْ شُيُوخٍ دُونَ غَيرِهِمْ:</span>\nالاختلاطُ: لغةً: فسادُ العقلِ.\nواصطلاحًا: هوَ فسادُ العقلِ، وعدمُ انتظامِ الأقوالِ والأفعالِ، إمَّا بخرفٍ أو ضررٍ، أو مرضٍ، أو عَرَضٍ، مِنْ موتِ ابنٍ، أو سرقَةِ مالٍ، أو ذهابِ كتبٍ، أوِ احتراقِهَا (^١).\nوقدْ بيَّنَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» الحكمَ في حديثِ منْ رُميَ بالاختلاطِ مِنَ الثِّقاتِ، فقالَ: «وَالحُكْمُ فِيهِمْ: أَنَّهُ يُقْبَلُ حَدِيثُ مَنْ أَخَذَ عَنْهُمْ قَبْلَ الاِخْتِلَاطِ، وَلَا يُقْبَلُ حَدِيثُ مَنْ أَخَذَ عَنْهُ بَعْدَ الاِخْتِلَاطِ، أَوْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ فَلَمْ يَدْرِ هَلْ أُخِذَ عَنْهُ قَبْلَ الاِخْتِلَاطِ أَوْ بَعْدَهُ» (^٢).\nومِنَ القرائنِ التي تُميِّزُ ما رُويَ أو مَنْ روى قبلَ أو بعدَ الاختلاطِ:\n١ - أنْ يكونَ الحديثُ مِنْ روايَةِ الكِبارِ مِنْ أصحابِ الرَّاوي المختلِطِ، أي: الذينَ عُلِمَ أنَّهُمْ سمعُوا منهُ في وقتٍ مُبكِرٍ، قال ابن الصلاح «ت ٦٤٣ هـ»: «فَمِنْهُمْ عَطَاءُ بنُ السَّائِبِ: اخْتَلَطَ فِي آَخِرِ عُمُرِهِ فَاحَتَجَّ أَهْلُ العِلْمِ بِرِوَايَةِ الأَكَابِرِ عَنْهُ، مِثْلِ: سُفْيَانَ الثَّورِيِّ وَشُعْبَةَ، لِأَنَّ سَمَاعَهُمْ مِنْهُ كَانَ فِي الصِّحَّةِ» (^٣).\n_________\n(^١) انظر مقدمة ابن الصلاح ١/ ٣٩١، وفتح المغيث ٣/ ٣٦٦، وتدريب الراوي ٢/ ٣٧١.\n(^٢) مقدمة ابن الصلاح ١/ ٣٩١.\n(^٣) المصدر ذاته.","vol":"1","page":212},{"text":"٢ - تنصيصُ الرَّاوِي بِأنَّهُ سمعَ مِنَ الشَّيخِ قبلَ الاختلاطِ أو بعدَهُ، أو تنصيصُ غيرِهِ علَى ذلكَ، قالَ ابنُ نُميرٍ «ت ٢٣٤ هـ»: «كَانَ المَسْعُودِيُّ ثِقَةً، فَلَمَّا كَانَ بِآَخِرَةٍ اخْتَلَطَ، سَمِعَ مِنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ وَيَزِيدُ بنُ هَارُونَ أَحَادِيثَ مُخْتَلِطَةً، وَمَا رَوَى عَنْهُ الشُّيُوخُ فَهُوَ مُسْتَقِيمٌ» (^١).\n٣ - سبرُ حديثِ الرَّاوي: قالَ الحافظُ العراقيُّ «ت ٨٠٦ هـ»: «وَإِنَّمَا يَتَمَيَّزُ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الرُّوَاةِ عَنْهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ سَمِعَ مِنْهُمْ قَبْلَ الاِخْتِلَاطِ فَقَطْ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَمِعَ بَعْدَهُ فَقَطْ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَمِعَ فِي الحَالَينِ، وَلَمْ يَتَمَيَّزْ» (^٢).\nولبيانِ اختلاطِ الرَّاوي مِنْ خلالِ السَّبرِ صورٌ نبيِّنُهَا فيمَا يأتِي:\n١) تمييزُ الرُّواةِ عنِ الشَّيخِ قبلَ الاختلاطِ وبعدَهُ: بأنْ يسبرَ حديثَ كلِّ راوٍ عنْ ذلكَ الشَّيخِ، ويقارنَهَا بمرويَّاتِ الثِّقاتِ، وينظرَ منْ يوافقُ الثِّقاتَ في مرويَّاتِهِ ممَّنْ يُخالفُهُمْ عَنِ الشَّيخِ، قالَ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ» في «جَعْفَرَ بنِ بُرْقَانَ»: «أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَيمُونَ بنِ مُهْرَانَ ويَزِيدَ بنِ الأَصَمِّ، فَأَمَّا رِوَايَتُهُ عَنْ غَيرِهِمَا، كَالزُّهْرِيِّ وَعَمْرِو بنِ دِينَارٍ وَسَائِرِ الرِّجَالِ، فَهُوَ فِيهَا ضَعِيفُ الرُّكْنِ، رَدِيءُ الضَّبْطِ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ» (^٣). وقَالَ ابنُ حِبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ» في «الخليلِ بنِ عمرَ»: «فَإِذَا سُبِرَ مَا رَوَى عَنْ غَيرِ أَبِيهِ مِنَ الثِّقَاتِ وَجَدَ أَشْيَاءَ مُسْتَقِيمَةً تُشْبِهُ حَدِيثَ الأَثْبَاتِ» (^٤). وقالَ في «أيوبَ بنِ سُويدٍ»: «إِذَا\n_________\n(^١) الشذا الفياح ٢/ ٧٥٧.\n(^٢) شرح التبصرة والتذكرة ٣/ ٢٦٤.\n(^٣) التمييز للإمام مسلم ١/ ٢١٨.\n(^٤) الثقات ٨/ ٢٣١.","vol":"1","page":213},{"text":"سَبَرْتَ رِوَايَاتِهِ مِنْ غَيرِ رِوَايَةِ ابْنِهِ عَنْهُ وُجِدَ أَكْثَرُهَا مُسْتَقِيمَةً» (^١). وقالَ في «عبدِ اللهِ بنِ أبي مريمَ الغسَّانيِّ»: «يُعْتَبَرُ بِحَدِيثِهِ مِنْ غَيرِ رِوَايَةِ ابْنِهِ عَنْهُ» (^٢).\n٢) تمييزُ البلدِ الذي اختلَطَ فيهِ الرَّاوِي عنْ غيرِهِ مِنَ البلدانِ: وذلكَ بسبرِ حديثِ الرَّاوي عنْ شيوخِ كلِّ بلدٍ على حدَةْ، ومقارنَتِهَا بمرويَّاتِ الثِّقاتِ، ليستبينَ في أيِّ البلدانِ اختلطَ، قالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ» في «جعفرَ بنِ بُرْقَانَ»: «قُلْتُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُهُ عَنْ أَهْلِ الجَزِيرَةِ خَاصَّةً مَحْفُوظًَا، بِخِلَافِ حَدِيثِهِ عَنْ غَيرِهِمْ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى سَبْرِ أَحَادِيثِهِ عَنْ غَيرِ الجَزَرِيِّينَ كَعِكْرِمَةَ وَنَافِعٍ» (^٣). وقالَ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «فَرَجُ بنُ فُضَالَةَ، إِذَا حَدَّثَ عَنِ الشَّامِيِّينَ فَلَيسَ بِهِ بَاسٌ، وَلَكِنَّ حَدِيثَهُ عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ مُضْطَرِبٌ» (^٤). وقالَ عنْ «إسماعيلَ بنِ عيَّاشٍ»: «رِوَايَتُهُ عَنِ الشَّامِيِّينَ أَحْسَنُ حَالًَا مِمَّا رَوَى عَنِ المَدَنِيِّينَ، وَغَيرِهِمْ» (^٥). وقالَ ابنُ عديٍّ «ت ٣٦٥ هـ» في «بقيَّةَ بنِ الوليدِ» بعدَ أنْ أوردَ ما يُستنكرُ عليهِ مِنَ الأحاديثِ: «وَلِبَقِيَّةَ حَدِيثٌ صَالِحٌ غَيرَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ يُخَالِفُ الثِّقَاتِ، وَإِذَا رَوَى عَنْ أَهْلِ الشَّامِ فَهُوَ ثَبْتٌ، وَإِذَا رَوَى عَنْ غَيرِهِمْ خَلَطَ» (^٦).\n٣)\n_________\n(^١) المصدر ذاته ٨/ ١٢٥.\n(^٢) المصدر ذاته ٧/ ٥٥.\n(^٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٩٣.\n(^٤) سؤالات أبي داود لابن حنبل ص ٢٦٥.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال لابن حنبل ١/ ١٠٤.\n(^٦) الكامل لابن عدي ٢/ ٨٠.","vol":"1","page":214},{"text":"تعيينُ الزَّمنِ الذي اختلطَ فيهِ الرَّاوي، لمعرفةِ الشُّيوخِ الذينَ روَوا عنهُ قبلَ زمنِ الاختلاطِ مِنَ الذينَ روَوا عنهُ في زمنِ الاختلاطِ: بأنْ يُسبَرَ حديثُ الرَّاوي عنْ شيوخِهِ المتقدِّمينَ، ثمَّ المتأخِّرينَ، ويقارِنَهَا بمرويَّاتِ الثِّقاتِ، حيثُ إنَّ أغلبَ الرُّواةِ المختلطينَ كانَ اختلاطُهُمْ في سِنٍّ متأخِّرةٍ بسببِ الكِبَرِ وفسادِ العقلِ، فكانَ لا بُدَّ مِنْ تمييزِ السِّنِّ التي اختلطُوا فيهَا، وبيانِ الرُّواةِ الذينَ أخذُوا عنهُم قبلَ أو بعدَ الاختلاطِ، قالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ» في «محمَّدِ بنِ الفضلِ السَّدوسِيِّ»: «اِخْتَلَطَ فِي آَخِرِ عُمُرِهِ وَتَغَيَّرَ، فَكَانَ لَا يَدْرِي مَا يُحَدِّثُ بِهِ، فَوَقَعَتِ المَنَاكِيرُ الكَثِيرَةُ فِي رِوَايَتِهِ، فَيَجِبُ تَنَكُّبُ رِوَايَةِ المُتَأَخِّرِينَ عَنْهُ» (^١). وقالَ في «ابنِ لهيعَةَ»: «سَبَرْتُ أَخْبَارَهُ فِي رِوَايَةِ المُتَقَدِّمِينَ وَالمُتَأَخِّرِينَ عَنْهُ، فَرَأَيتُ التَّخْلِيطَ فِي رِوَايَةِ المُتَأَخِّرِينَ مَوجُودًَا» (^٢). وقالَ في «قيسِ بنِ الرَّبيعِ»: «سَبَرْتُ أَخْبَارَهُ مِنْ رِوَايَاتِ القُدَمَاءِ وَالمُتَأَخِّرِينَ وَتَتَبَّعْتُهَا، فَرَأَيتُهُ صَدُوقًَا مَامُونًَا حَيثُ كَانَ شَابًَّا» (^٣).\n٤) معرفةُ مصدرِ الخطأِ مِنَ الشَّيخِ أوِ التِّلميذِ: بأنْ يسبرَ حديثَ الرَّاوي عنْ شيخٍ لهُ، ويعارضَهُ بمرويَّاتِ المشهورينَ بالإتقانِ مِنْ أقرانِهِ عنْ ذلكَ الشَّيخِ، فإنْ خالفَ أقرانَهُ كانَ الخطأُ منهُ، وقدْ بيَّنَ ابنُ معينٍ «ت ٣٣٢ هـ» هذا النَّوعَ، حينمَا سُئِلَ عنْ سماعِهِ لكُتُبِ «حمادِ بنِ سلمةَ» منْ سبعةَ عشرَ تلميذًَا، فقالَ: «إِنَّ حَمَّادَ بنَ سَلَمَةَ كَانَ يُخْطِئُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُمَيِّزَ خَطَأَهُ مِنْ خَطَأِ غَيرِهِ، فَإِذَا رَأَيتُ أَصْحَابَهُ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى شَيءٍ عَلِمْتُ أَنَّ الخَطَأَ مِنْ حَمَّادٍ\n_________\n(^١) المجروحين ٢/ ٢٩٥.\n(^٢) المصدر ذاته ٢/ ١٢.\n(^٣) المصدر ذاته ٢/ ٢١٨.","vol":"1","page":215},{"text":"نَفْسِهِ، وَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى شَيءٍ عَنْهُ، وَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِخِلَافِهِمْ عَلِمْتُ أَنَّ الخَطَأَ مِنْهُ لا مِنْ حَمَّادٍ، فَأُمَيِّزُ بَينَ مَا أَخْطَأَ هُوَ بِنَفْسِهِ وَبَينَ مَا أُخْطِئَ عَلَيهِ» (^١). وقالَ أيضًا عنِ «الواقديِّ»: «نَظَرْنَا فِي حَدِيثِ الوَاقِدِيِّ، فَوَجَدْنَا حَدِيثَهُ عَنِ المَدَنيِّينَ عَنْ شُيُوخٍ مَجْهُولِينَ أَحَادِيثَ مَنَاكِيرٍ، فَقُلْنَا: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الأَحَادِيثُ المَنَاكِيرُ مِنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، ثُمَّ نَظَرْنَا إِلَى حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَمَعْمَرٍ، فَإِنَّهُ يَضْبِطُ حَدِيثَهُمْ، فَوَجَدْنَاهُ قَدْ حَدَّثَ عَنَهُمَا بِالمَنَاكِيرِ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ مِنْهُ، فَتَرَكْنَا حَدِيثَهُ» (^٢).\nقالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ»: «إِذَا رَوَى ضَعِيفَانِ خَبَرًَا مَوضُوعًَا لا يَتَهَيَّأُ إِلْزَاقُهُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الآَخَرِ إِلا بَعْدَ السَّبْرِ» (^٣).\nفإنْ وُجِدَ بعدَ سبرِ مرويَّاتِ الرَّاوي ومقارنتِهَا أَنَّهُ لمْ يخالِفْ، فيُعمَدُ إلى مرويَّاتِ شيخِ الرَّاوي عنْ شيوخِهِ ويُقارِنُهَا بمرويَّاتِ الأقرانِ، ليتبيَّنَ مكانَ الخطأِ منَ الشَّيخِ أو التَّلاميذِ، قالَ ابنُ عَدِيٍّ «ت ٣٦٥ هـ» في «إبراهيمَ بنِ أبي يحيَى»: «وَقَدْ نَظَرْتُ أَنَا فِي أَحَادِيثِهِ وَسَبَرْتُهَا، وَفَتَّشْتُ الكُلَّ مِنْهَا، فَلَيسَ فِيهَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَإِنَّمَا يُرْوَى المُنْكَرُ إِذَا كَانَتِ العُهْدَةُ مِنْ قِبَلِ الرَّاوِي عَنْهُ، أَوْ مِنْ قِبَلِ مَنْ يَرْوِي إِبْرَاهِيمُ عَنْهُ، وَكَأَنَّهُ أَتَى مِنْ قِبَلِ شَيخِهِ لا مِنْ قِبَلِهِ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ» (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) المصدر ذاته ١/ ٣٢.\n(^٢) انظر الجرح والتعديل ٤/ ١/ ٢١.\n(^٣) المصدر السابق ٣/ ٩٥.\n(^٤) انظر الكامل لابن عدي ١/ ٢٢٤.","vol":"1","page":216},{"text":"<span data-type='title' id=toc-45>المَبْحَثُ الثَّانِي: حُكْمِ المُتَقَدِّمِينَ، وَسَبْرُ المُتَأَخِّرِينَ:</span>\nمنْ خلالِ ما تقدَّمَ نخلصُ إلى أنَّ أئمَّةَ الجرحِ والتَّعديلِ مِنَ المتقدِّمينَ لمْ يحكمُوا على الرُّواةِ إلَّا بعدَ مخالطتِهِمْ ومعاينةِ أحوالِهم أوَّلًا، وسبرِ واختبارِ أحاديثِهِمْ ثانيًَا، فمنْ وجدنَا فيهِ مِنَ الرُّواةِ حكمًَا لإمامٍ منْ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ الموسومينَ بالتَّشدُّدِ أو الاعتدالِ، كانَ حكمًَا قاطعًَا منهُمْ على عدالةِ الرَّجلِ وضبطِهِ، جرحًَا أو تعديلًَا.\nولا يُمكنُ نقضُ حكمِ المتقدِّمينَ بسبرِ المتأخِّرينَ، ولو كانَ ما توصَّلَ إليهِ المتأخِّرونَ\nمُخالفًَا لما نصَّ عليهِ أئمَّةُ الجرحِ والتَّعديلِ المتقدِّمينَ، لأنَّ المتقدِّمينَ بمعاينتِهِمْ ومُكْنتِهِمْ\nاطَّلعُوا على ما لمْ يطَّلعْ عليهِ المتأخِّرونَ منْ حالِ الرَّاوي وروايتِهِ.\nوالحكمُ على الرِّجالِ مِنْ خلالِ السَّبرِ عندَ المتأخرينَ\nيُعتمدُ في حالاتٍ معيَّنةٍ، وبضوابطَ مهمَّةٍ، نُجملُهَا فيمَا يأتي:\nأولًا: الرُّواةُ الذينَ حكمَ الأئمَّةُ بعدالتِهِم دونَ ضبطِهِمْ: كمَا تقدَّمَ في أصحابِ المرتبةِ الخامسةِ منْ مراتبِ «التَّعديلِ» على تقسيم ابنِ حجرٍ (^١)، فهؤلاءِ يُحكمُ بتوثيقِهِمْ أو تضعيفِهِمْ منْ خلالِ معرفةِ ضبطِهِمْ بسبرِ أحاديثِهِم، قالَ الدُّكتور حاتمُ العوفيُّ: «أَمَّا طَرِيقَةُ السَّبْرِ التِي سَارَ عَلَيهَا المُتَقَدِّمُونَ فَلَا يُمْكِنُ لِلْمُتَأَخِّرِينَ الاِعْتِمَادُ عَلِيهَا لِمعْرِفَةِ ضَبْطِ الرُّوَاةِ اسْتِقْلَالًَا، أَي: دُونَ أَنْ يَكُونُوا مَسْبُوقِينَ بِنَحْوِ حُكْمِهِمْ مِنْ إِمَامٍ مُتَقَدِّمٍ» (^٢). فإذَا\n_________\n(^١) انظر ص ١٨٢.\n(^٢) خلاصة التأصيل في علم الجرح والتعديل ص ٢٠.","vol":"1","page":217},{"text":"حكمَ إمامٌ متقدمٌ على عدالةِ راوٍ لمخالطتِهِ ومعاينةِ حالِهِ، ولمْ يردْ فيهِ حكمٌ على ضبطِهِ، جازَ للمتأخِّرِ سبرُ حديثِهِ ليستبينَ أحدُ جانبي الجرحِ أو التَّعديلِ.\nثانيًَا: الرُّواةُ المَجْهولونَ وَالمستورونَ: الحكمُ يكونُ بقبولِ حديثِ مثلِ هؤلاءِ حيثُ يتابعُ على حديثِهِمْ، وذلكَ إذَا كانَ حديثُهُمْ قليلًا، ولمْ يثبتْ ما يُتركُ لأجلِهِ، وهوَ مذهبُ ابنُ حجرٍ - ﵀ - فيمنْ اختارَ قبولَهُمْ في التَّقريبِ.\nثالثًا: التَّرجيحُ في الرَّاوي المختلفِ فيهِ جرحًَا أو تعديلًَا: فإذَا اشتدَّ الاختلافُ في الرَّاوي جرحًَا وتعديلًا بلا مُرجِّحٍ، فيمكنُنَا اللجوءُ إلى سبرِ حديثِ الرَّاوي كمرجِّحٍ في قبولِ حديثِهِ، ما لمْ يثبتِ الطَّعنُ في عدالتِهِ.\nوقدْ أشارَ المُعلِّميُّ «ت ١٣٨٦ هـ» إلى عسرِ ذلكَ على المعاصرينَ، إلَّا في بعضِ الحالاتِ القليلةِ، فقالَ: «وَهَذَا يَثْبُتُ عِنْدَ المُحَدِّثِ - أَي اسْتِقَامَةُ الرِّوَايَةِ - بِتَتَبُّعِهِ أَحَادِيثَ الرَّاوِي وَاعْتِبَارِهَا، وَتَبَيَّنَ أَنَّهَا كُلَّهَا مُسْتَقِيمَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّاوِي مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ - وَهَذَا لَا يَتَيَسَّرُ لِأَهْلِ عَصْرِنَا - لَكِنْ إِذَا كَانَ القَادِحُونَ فِي الرَّاوِي قَدْ نَصُّوا عَلَى مَا أَنْكَرُوهُ مِنْ حَدِيثِهِ، بِحَيثُ ظَهَرَ أَنَّ مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِهِ مُسْتَقِيمٌ، فَقَدْ يَتَيَسَّرُ لَنَا أَنْ نَنْظُرَ فِي تِلْكَ الأَحَادِيثِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ لَهَا مَخَارِجَ قَوِيَّةً تَدْفَعُ التُّهْمَةَ عَنِ الرَّاوِي فَقَدْ ثَبَتَتْ اسْتِقَامَةُ رِوَايَتِهِ» (^١).\nوالخلاصةُ أنَّهُ لا بدَّ مِنْ إفرادِ مسألةِ «الحكمُ على الرِّجالِ مِنْ خلالِ السَّبرِ» في كتابٍ مستقلٍّ، والاستفاضةِ في بيانِ آراءِ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ باستقراءِ مناهجِهِمْ.\n* * *\n_________\n(^١) انظر التنكيل للمعلمي ١/ ٨٠.","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type='title' id=toc-46>الفَصْلُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي الحُكْمِ عَلَى مَرْوِيَّاتِ الرِّجَالِ «الاعتِبَارُ»:</span>\nسبقَ تعريفُ الاعتبارِ في مبحثِ «المصطلحاتِ المرادفةِ للسَّبرِ» (^١).\nوسآتي على بيانِ أثرِ السَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ في تقويةِ الأحاديثِ بعضِهَا ببعضٍ، لأنَّهُ بالسَّبرِ وجمعِ طرقِ الحديثِ يمكنُنَا العثورُ على طرقٍ أخرى للحديثِ تجبرُ ضعفَهُ، تقوِّيهِ أو تُرقِّيهِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-47>المَبْحَثُ الأَوَّلُ: المُتَابَعَاتُ وَالشَّوَاهِدُ، وَشُرُوطُ تَقْوِيَةِ الأَحَادِيثِ بِهَا:</span>\nالضَّابطُ الذي اعتمدَهُ الأئمَّةُ في تقويةِ وترقيةِ الأحاديثِ بالمتابعاتِ والشَّواهدِ، هوَ تعريفُ الإمامِ التِّرمذيِّ للحديثِ الحسنِ، حيثُ قالَ: «كُلُّ حَدِيثٍ يُرْوَى لَا يَكُونُ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالكَذِبِ، وَلَا يَكُونُ الحَدِيثُ شَاذًَّا، وَيُرْوَى مِنْ غَيرِ وَجْهٍ نَحْوُ ذَاكَ فَهُوَ\n_________\n(^١) انظر ص ٣٣.\n(^٢) الكلام على تقوية الأحاديث بالمتابعات والشواهد مهم وشائك، وفيه تفاصيل بنبغي عدم إغفالها، وبحثنا هذا لا يستطيع الإحاطة بها جميعًا، إذ لا بد لها من رسالة مستقلة، وللاستزادة ينظر كتاب مناهج المحدثين في تقوية الأحاديث بالمتابعات والشواهد - د. المرتضى الزين أحمد - وهي عبارة عن رسالة دكتوراة - طبعت في مكتبة الرشد الرياض ١٩٩٤ م. وكتاب الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات - طارق بن عوض الله بن محمد - طبع في القاهرة - مكتبة ابن تيمية - ١٩٩٨ م.","vol":"1","page":219},{"text":"عِنْدَنَا حَدِيثٌ حَسَنٌ» (^١). وقدْ بيَّنَ العلماءُ أنَّ تعريفَ الإمامِ التِّرمذيِّ للحسنِ يخصُّ الحسنَ لغيرِهِ لا لذاتِهِ.\nوبذلكَ فللحديثِ حتَّى يتقوَّى ويرتقِي ثلاثةُ شروطٍ، وهيَ:\nأولًا: ألَّا يكونَ في إسنادِ الحديثِ راوٍ متَّهمٌ بالكذبِ: فلا بدَّ مِنْ معرفةِ الرُّواةِ الذينَ يصلحُ حديثُهمْ للاعتبارِ.\nثانيًا: ألَّا يكونَ الحديثُ شاذًَّا: وهذَا يقودُ للكلامِ على المرويَّاتِ الصالحةِ للاعتبارِ.\nثالثًا: أنْ يُروى مِنْ غيرِ وجهٍ: وللرِّوايةِ العاضدةِ والمقويَّةِ أُسسٌ وقواعدُ وشُروطٌ اعتمدَهَا العلماءُ في التَّقويةِ والتَّرقيةِ بالمتابعاتِ والشَّواهدِ.\nسنبيِّنُ ذلكَ كلَّهُ في المطالبِ الآتيةِ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.\n* * *\n_________\n(^١) العلل الصغير ص ٧٥٨.","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type='title' id=toc-48>المَطْلَبُ الأُولُ: تَعْرِيفُ المُتَابِعِ وَالشَّاهِدِ وَالفَرْقُ بَينَهُمَا:</span>\nذكرتُ في نقطةِ «المُصْطَلَحَاتُ المُتَعَلِّقَةُ بِالسَّبْرِ» المعنَى الرَّاجِحَ للمُتابعةِ والشَّاهدِ، مِنْ غيرِ بيانِ اختلافِ العلماءِ في مفهومِهِمَا، أبسطُهُ هنَا لمناسبتِهِ لهذَا المبحثِ (^١)، فقدْ انتهى العلماءُ في التَّفريقِ بينَ المتابعةِ والشَّاهدِ إلى معنيينِ:\nالأوَّلُ: المتابعةُ: ما تُوبِعَ عليهِ رواتُهُ لفظًَا ولو كانَ الرَّاوي صحابيًَّا.\nوالشَّاهدُ: ما تُوبِعَ عليهِ رواتُهُ معنَىً ولو كانَ الرَّاوي ممَّنْ دونَ الصَّحابةِ.\nفالمتابعةُ ما اتَّفَقَ لفظًَا، والشَّاهدُ: ما اتَّفقَ معنَى.\nواختارَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» في المقدِّمةِ ذلكَ (^٢)، وابنُ الجعبريِّ «ت ٧٣٢ هـ» (^٣)، والأبناسيُّ\n«ت ٨٠٢ هـ» (^٤)، وسراجُ الدِّينِ الأنصاريُّ «ت ٨٠٤ هـ» (^٥).\nوقالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ» في التَّقريبِ: «وَالمُتَابَعَةُ: أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ أَيُّوبَ غَيرُ حَمَّادٍ، وَهِيَ المُتَابَعَةُ التَّامَّةُ. أَوْ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ غَيرُ أَيُّوبَ، أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ غَيرُ ابْنِ سِيرِينَ، أَوْ عَنِ\n_________\n(^١) وثمَّة سبب آخر، هو أنني لم أجد من المعاصرين ممن عَنِيَ بجانب تقوية الأحاديث بالمتابعات والشواهد من طرح مسألةَ التَّفريق بين المتابعة والشاهد، وإنما اكتفوا بمجرد ذكر المعنى الراجح المتداول في كتب أصول الحديث.\n(^٢) انظر علوم الحديث لابن الصلاح ١/ ٨٢.\n(^٣) انظر رسوم التحديث في علوم الحديث ١/ ٨٤.\n(^٤) انظر الشذا الفياح ١/ ١٨٩.\n(^٥) انظر المقنع في علوم الحديث ١/ ١٨٨.","vol":"1","page":221},{"text":"النَّبِيِّ -ﷺ- صَحَابِيٌّ آَخَرُ، فَكُلُّ هَذَا يُسَمَّى مُتَابَعَةً. وَتَقْصُرُ عَنِ الأُولَى بَحَسَبِ بُعْدِهَا مِنْهَا، وَتُسَمَّى المُتَابَعَةُ شَاهِدًَا.\nوالشَّاهِدُ: أَنْ يُرْوَى حَدِيثٌ آَخَرُ بِمَعْنَاهُ، وَلَا يُسَمَّى هَذَا مُتَابَعَةً» (^١). وعلَّقَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ» على كلامِ النَّوويِّ بقولِهِ: «فَقَدْ حَصَلَ اخْتِصَاصُ المُتَابَعَةِ بِمَا كَانَ بِاللَّفْظِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ رِوَايَةِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ أَمْ لَا، وَالشَّاهِدُ أَعَمُّ. وَقِيلَ: هَوَ - أَي الشَّاهِدُ - مَخْصُوصٌ بِمَا كَانَ بِالمَعْنَى فَقَطْ» (^٢).\nالثَّاني: المتابعةُ: ما تُوبِعَ عليهِ رواتُهُ ممَّنْ دونَ الصَّحابةِ لفظًَا أو معنَىً.\nوالشَّاهدُ: ما تابعَ الصَّحابيُّ في روايتِهِ صحابيًَّا آخرَ لفظًَا أو معنَىً.\nحكاهُ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» عنِ الجمهورِ (^٣)، وقالَ: «وَقَدْ حَكَاهُ شَيخُنَا - ابنُ حَجَرٍ- مَعَ اخْتِصَاصٍ بِالمَعْنِى كَذَلِكَ عَنْ قَومٍ - يَعْنِي كَالبَيهَقِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ - وَلَكِنَّهُ رَجَّحَ أَنَّهُ لَا اقْتِصَارَ فِي التَّابِعِ عَلَى اللَّفْظِ، وَلَا فِي الشَّاهِدِ عَلَى المَعْنَى، وَإنَّ افْتَرَاقَهُمَا بِالصَّحَابِيِّ فَقَطْ، فَكُلَّمَا\nجَاءَ عَنْ ذَاكَ الصَّحَابِيِّ فَتَابِعٌ أَوْ عَنْ غَيرِهِ فَشَاهِدٌ» (^٤).\nوهوَ ما اختارَهُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»، فقالَ: «وَالمُتَابَعَةُ عَلَى مَرَاتِبَ: إِنْ حَصَلَتْ للرَّاوِي نَفْسِهِ، فَهِيَ التَّامَّةُ.\n_________\n(^١) التقريب ص ٥.\n(^٢) تدريب الراوي ١/ ٢٤٣.\n(^٣) قال السخاوي في فتح المغيث ١/ ٢١٠: «… وأما من يقصر الشاهد على الآتي من حديث صحابي آخر وهم الجمهور …».\n(^٤) فتح المغيث ١/ ٢٠٨ و٢١٠.","vol":"1","page":222},{"text":"وَإِنْ حَصَلَتْ لِشَيخِهِ فَمَنْ فَوقَهُ، فَهِي القَاصِرَةُ … وَإِنْ وُجِدَ مَتْنٌ يُرْوَى مِنْ حَدِيثِ صَحَابِيٍّ آَخَرَ يُشْبِهُهُ فِي اللَّفْظِ وَالمَعْنَى، أَوْ فِي المَعْنَى فَقَطْ، فَهُوَ الشَّاهِدُ» (^١). وقالَ الدَّهلويُّ «ت ١٠٥٢ هـ» في مقدمتِهِ في أصولِ الحديثِ: «وَيُشْتَرَطُ فِي المُتَابَعَةِ أَنْ يَكُونَ الحَدِيثَانِ مِنْ صَحَابِيٍّ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ صَحَابِيَّينِ، يُقَالُ لَهُ: شَاهِدٌ» (^٢).\nوهذَا هوَ مفهومُ المتابعةِ والشَّاهدِ في استخدامِ المحدِّثينَ مِنْ أصحابِ الكُتبِ السِّتَّةِ والسُّنَنِ.\nملاحظةٌ: قالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «وَتُسَمَّى المُتَابَعَةُ شَاهِدًَا، وَلَا يُسَمَّى الشَّاهِدُ مُتَابَعَةً» (^٣). وكذَا قالَ العينيُّ «ت ٨٥٥ هـ» في «العمدةِ» (^٤). وخالفَهُم السَّخَاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»، فقالَ: «وَقَدْ تُطْلَقُ المُتَابَعَةُ عَلَى الشَّاهِدِ وَبِالعَكْسِ، وَالأَمْرُ فِيهِ سَهْلٌ» (^٥).\nقلتُ: ووجهُ إطلاقِ كلٍّ منهُمَا على الآخرِ، لأنَّ الشَّاهدَ يحملُ معنَى المتابعةِ: لكونِ الصَّحابيِّ تابعَ صحابيًَّا آخرَ في روايةِ الحديثِ لفظًَا أو معنَىً. والمتابعَةُ تحملُ معنَى الشَّاهدِ: لأنَّهَا تشهدُ على صدقِ مَنْ رواهُ، والرِّوايةُ الثَّانيةُ تشهدُ للرِّوايةِ الأولى.\nوأمَّا قولُ النَّوويِّ والعينيِّ بعدمِ إطلاقِ المتابعةِ على الشَّاهدِ، لأنَّهمْ قالوا بأنَّ الصَّحابيَّ إذَا روى الحديثَ فقدْ استقلَّ بروايتِهِ، وهوَ بذلكَ لا يُتابِعُ غيرَهُ على هذَا الحديثِ. وكذلكَ يُحملُ على مَنْ جعلَ الفرقَ بينَ المتابعةِ والشَّاهدِ في اللَّفظِ والمعنَى، لأنَّ شرطَ المتابعةِ أنْ تكونَ في الرِّوايةِ الواحدةِ المتَّفقةِ لفظًَا عندَهُم.\n_________\n(^١) نخبة الفكر ١/ ١٥ و١٦.\n(^٢) مقدمة في أصول الحديث للدهلوي ١/ ٥٧.\n(^٣) انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٣٤.\n(^٤) انظر عمدة القاري ١/ ٨.\n(^٥) انظر فتح المغيث ١/ ٢٠٨ و٢١٠.","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type='title' id=toc-49>المَطْلَبُ الثَّانِي: الرُّوَاةُ الذِينَ يَصْلُحُ حَدِيثُهُمْ لِلْاِعْتِبَارِ:</span>\nلأهميَّةِ هذَا النَّوعِ مِنَ الرُّواةِ، فقدْ أشارَ الحَاكمُ «ت ٤٠٥ هـ» إلى أنَّ ابنَ المدينيِّ ألَّفَ كتابًا في الرُّواةِ الذينَ لا يسقطُ حديثُهُمْ ولا يُحتجُّ بهِ، فقالَ عندَ ذكرِهِ للنَّوعِ الحادي والخمسينَ مِنْ علومِ الحديثِ: «هَذَا النَّوعُ مِنْ هَذِهِ العُلُومِ: مَعْرِفَةُ جَمَاعَةٍ مِنَ الرُّوَاةِ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، لَمْ يُحْتَجَّ بِحَدِيثِهِمْ فِي الصَّحِيحِ وَلَمْ يَسْقُطُوا، قَدْ ذَكَرْتُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ مُصَنَّفَاتِ عَلِيِّ بنِ المَدِينِيِّ ﵀ كِتَابًَا مُتَرْجَمًَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، غَيرَ أَنِّي لَمْ أَرَ الكِتَابَ قَطْ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيهِ، وَهَذَا عِلْمٌ حَسَنٌ فَإِنَّ فِي رُوَاةِ الأَخْبَارِ جَمَاعَةً بِهَذِهِ الصِّفَةِ» (^١). وكانَ قدْ ذكرَهُ في معرضِ سردِهِ لمصنَّفاتِ ابنِ المدينيِّ، فقالَ: «كتابُ مَنْ لا يُحتجُّ بحديثِهِ ولا يسقطُ، جُزْآنِ» (^٢).\nوقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «ثُمَّ اِعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ فِي بَابِ المُتَابَعَةِ وَالاِسْتِشْهَادِ رِوَايَةُ مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَحْدَهُ، بَلْ يَكُونُ مَعْدُودًَا فِي الضُّعَفَاءِ. وَفِي كِتَابِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الضُّعَفَاءِ ذِكْرَاهُمْ فِي الُمتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ، وَلَيسَ كُلُّ ضَعِيفٍ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، وَلِهَذَا يَقُولُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيرُهُ فِي الضُّعَفَاءِ: «فُلَانٌ يُعْتَبَرُ بِهِ» وَ«فُلَانٌ لَا يُعْتَبَرُ بِهِ» (^٣).\nوقدْ ذكرَ أئمَّةُ الجرحِ والتَّعديلِ الرُّواةَ الذينَ يُعتبرُ بحديثِهِمْ في المتابعاتِ والشَّواهدِ، في مباحثِ ألفاظِ الجرحِ والتَّعديلِ، قالَ ابنُ أبي حاتمٍ «ت ٣٢٧ هـ»: «وَإِذَا قِيلَ: «صَالِحُ\n_________\n(^١) معرفة علوم الحديث ص ٢٥٤.\n(^٢) المصدر ذاته ص ٧١.\n(^٣) مقدمة ابن الصلاح ص ٨٤.","vol":"1","page":224},{"text":"الحَدِيثِ» فَإِنَّهُ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ لِلْاِعْتِبَارِ، وَإِذَا أَجَابُوا عَنِ الرَّجُلِ ب «لَيِّنِ الحَدِيثِ» فَهُوَ مِمَّنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَيُنْظَرُ فِيهِ اعْتِبَارًَا، وَإِذَا قَالُوا: «لَيسَ بِقَوِيٍّ» فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الأُولَى فِي كَتْبِهِ حَدِيثَهُ إِلَّا أَنَّهُ دُونَهُ. وَإِذَا قَالُوا: «ضَعِيفُ الحَدِيثِ» فَهُوَ دُونَ الثَّانِي لَا يُطْرَحُ حَدِيثُهُ بَلْ يُعْتَبَرُ بِهِ» (^١).\nوالرُّواةُ الذينَ يُعتبرُ بحديثِهِمْ: بعضُ أصحابِ المرتبةِ السَّادسةِ مِنْ مراتبِ التَّعديلِ - على تقسيمِ ابنِ حجرٍ - كمَا أشارَ لذلكَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» بقولِهِ: «وَأَمَّا السَّادِسَةُ فَالحُكْمُ فِي أَهْلِهَا دُونَ أَهْلِ التِي قَبْلَهَا، وَفِي بَعْضِهِمْ مَنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ لِلْاِعْتِبَارِ دُونَ اخْتِبَارِ ضَبْطِهِمْ لِوُضُوحِ أَمْرِهِمْ فِيهِ» (^٢). وهمْ مَنْ قيلَ فيهِمْ: «ليسَ ببعيدٍ مِنَ الصَّوابِ»، أو «شيخٌ»، أو «يُروى حديثُهُ»، أو «يُعتبرُ بِهِ»، أو «شيخٌ وسطٌ»، أو «رُويَ عنهُ»، أو «صالحُ الحديثُ»، أو «يُكتبُ حديثُهُ»، أو «مُقاربُ الحديثِ»، أو «ما أقربَ حديثَهُ»، أو «صُويلحٌ»، أو «صدوقٌ إنْ شاءَ اللهُ»، أو «أرجو أنْ لا بأسَ بهِ»، أو «جيِّدُ الحديثِ»، أو «حسنُ الحديثِ»، أو «وسطٌ»، أو «مقبولٌ»، أو «صدوقٌ تغيَّرَ بآخرَة»، أو «صدوقٌ سيِّءُ الحفظِ»، أو «صدوقٌ لهُ أوهامٌ»، أو «صدوقٌ مُبتدعٌ»، أو «صدوقٌ يهمْ».\nوكذلكَ أصحابُ المرتبتينِ الخامسةِ والسَّادسةِ مِنْ مراتبِ الجرحِ، كمَا بيَّنهُ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» كذلكَ، فقالَ: «وَمَا عَدَا الأَرْبَعِ - أَي: المَرَاتِبِ الأَرْبَعِ الأُوَلِ مِنْ مَرَاتِبِ الجَرْحِ - يُخَرَّجُ حَدِيثُهُ لِلْاِعْتِبَارِ لِإِشْعَارِ هَذِهِ الصِّيَغِ بِصَلَاحِيَةِ المُتَّصِفِ بِهَا لِذَلِكَ وَعَدَمِ مُنَافَاتِهَا لَهَا» (^٣).\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٢/ ٣٧.\n(^٢) فتح المغيث ١/ ٣٦٧.\n(^٣) المصدر السابق ١/ ٣٧٣.","vol":"1","page":225},{"text":"وهؤلاءِ مَنْ قيلَ فيهِمْ: «فيهِ مقالٌ»، أو «أدنى مقالٍ»، أو «ضُعِّفَ»، أو «يُنكَرُ مرَّةً ويُعرفُ أُخرَى»، أو «ليسَ بذاكَ»، أو «ليسَ بالقويِّ»، أو «ليسَ بالمتينِ»، أو «ليسَ بحجَّةٍ»، أو «ليسَ بعمدةٍ»، أو «ليسَ بمأمونٍ»، أو «ليسَ بالمرضيِّ»، أو «ليسَ يحمدونَهُ»، أو «ليسَ بالحافظِ»، أو «غيرُهُ أوثقُ منهُ»، أو «فيهِ شيءٌ»، أو «فيهِ جهالةٌ»، أو «لا أدري ما هوَ»، أو «فيهِ ضعفٌ»، أو «ليِّنُ الحديثِ»، أو «سيِّئُ الحفظِ»، أو «للضَّعفِ ما هوَ»، أو «فيهِ لينٌ» - عند غير الدارقطني- و«تكلَّمُوا فيهِ»، أو «سكتُوا عنهُ»، أو «مطعونٌ فيهِ». أو «فيهِ نظرٌ» - عندَ غيرِ البخاريِّ. وكذلكَ مَنْ قيلَ فيهِ: «فلانٌ لا يُحتجُّ بهِ»، أو «ضعَّفوهُ»، أو «مُضطربُ الحديثِ»، أو «لهُ ما يُنكَرُ»، أو «حديثُهُ مُنكرٌ»، أو «لهُ مناكيرُ»، أو «ضعيفٌ»، أو «مُنكرٌ» عندَ غيرِ البخاريِّ.\nمثال ذلك: قول ابنِ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ» في عبدِ الله بنِ لَهيعةَ: «مَا كَانَ حَدِيثُهُ بِذَاكَ، وَمَا أَكْتُبُ حَدِيثَهُ إِلَّا لِلْاِعْتِبَارِ وَالاِسْتِدْلَالِ، وَإِنَّمَا قَدْ اَكْتُبُ حَدِيثَ الرَّجُلِ كَأنِّي أَسْتَدِلُّ بِهِ مَعَ غَيرِهِ يَشُدُّهُ، لَا أنَّهُ حُجَّةٌ إِذَا انْفَرَدَ» (^١).\nوأمَّا الرُّواةُ الذينَ لا يُعتبرُ بهمْ، فقدَ ذكرَ ضابطَهُمْ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»، فقالَ: «وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ لِقُوَّةِ الضَّعْفِ، وَتَقَاعُدِ هَذَا الجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ، وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الذِي يَنْشَأُ مِنْ كَونِ الرَّاوِي مُتَّهَمًَا بِالكَذِبِ …» (^٢). وقالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «وَأَمَّا إِذَا كَانَ الضَّعْفُ لِكَونِ الرَّاوِي مُتَّهَمًَا بِالكَذِبِ أَوْ فَاسِقًَا، فَلَا يَنْجَبِرُ ذَلِكَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ» (^٣).\n_________\n(^١) انظر شرح علل الترمذي ص ١١٢.\n(^٢) مقدمة ابن الصلاح ١/ ٣٤.\n(^٣) إرشاد طلاب الحقائق ص ١٤٨.","vol":"1","page":226},{"text":"وهؤلاءِ الرُّواةُ همْ أصحابُ المراتبِ الأربعِ الأولى مِنْ مراتبِ الجرحِ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» فيهِمْ: «لَا يُحْتَجُّ بِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهَا وَلَا يُسْتَشْهَدُ بِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ بِهِ» (^١). وهمْ مَنْ قيلَ فيهِمْ: «فلانٌ رُدَّ حديثُهُ»، أو «مردودُ الحديثِ»، أو «ضعيفٌ جدًَّا»، أو «ليسَ بثقةٍ»، أو «واهٍ بمرَّةٍ»، أو «طرحوهُ»، أو «مطروحُ الحديثِ»، أو «مطروحٌ»، أو «ارمِ بِهِ»، أو «لا يُكتبُ حديثُهُ»، أو «لا تحلُّ كتابةُ حديثِهِ»، أو «لا تحلُّ الرِّوايةُ عنهُ»، أو «ليسَ بشيءٍ»، أو «لا يُساوي شيئًَا»، أو «لا يُستشهدُ بحديثِهِ»، أو «لا شيءْ» خلافًا لابنِ معينٍ.\nو«فلانٌ يسرقُ الحديثَ» (^٢)، و«فلانٌ مُتَّهمٌ بالكذبِ أو الوضعِ»، أو «ساقطٌ»، أو «متروكٌ» أو «ذاهبُ الحديثِ»، أو «تركوهُ»، أو «لا يُعتبرُ بهِ أو بحديثِهِ»، أو «ليسَ بالثِّقةِ»، أو «غيرُ ثقةٍ»، و«مُجمَعٌ على تركِهِ»، و«مُودٍ، أي: هَالكٌ»، و«هوَ على يدي عَدْلٍ».\n_________\n(^١) فتح المغيث ١/ ٣٧٢.\n(^٢) قال السخاوي «٩٠٢ هـ»: «سرقة الحديث: أن يكون محدث ينفرد بحديث، فيجيء السارق ويدعي أنه سمعه أيضًا من شيخ ذلك المحدث». فتح المغيث ١/ ٣٧٠.\nولا بد من التنبيه إلى أن قولهم «لص يسرق الحديث» لا تحمل على القدح مطلقًا، بل قد تقال في معرض المدح، كما ورد في إسرائيل بن يونس، قال ابن مهدي: «كان إسرائيل في الحديث لصًا». قال ابن أبي شيبة معلقًا: «لم يرد أن يذمه». وقال ابن أبي حاتم: «يعني أنه يتلقف العلم تلقفًا». أي: يتلقف ما يسمع من العلم استعجالًا به.\nوالسبب في حمل قولهم في إسرائيل على الذم، هو تصرف عثمان بن أبي شيبة في العبارة، فقد نَقَلَ عن ابن مهدي أنه قال: «إسرائيل لص، يسرق الحديث». والحقيقة أنها كما رواها أبو بكر بن أبي شيبة من غير= = لفظة «يسرق الحديث»، فتصرف الناقل أحال معنى قول ابن مهدي، فصار معارضًا لما نقل عنه من توثيق إسرائيل، وبهذا يتبين أنه لا تعارض بين توثيق ابن مهدي لإسرائيل وبين قوله آنف الذكر. انظر العلل ومعرفة الرجال ٣/ ٣٦٦، والجرح والتعديل ٢/ ٣٣٠، وتهذيب التهذيب ١/ ٢٣٠.","vol":"1","page":227},{"text":"و«دجَّالٌ»، و«الكذَّابُ»، و«الوضَّاعُ»، وكذا: «يضعُ»، و«يكذبُ»، و«وضعَ حديثًَا».\nو«أكذبُ النَّاسِ»، أو «إليهِ المنتهى في الكذبِ»، أو «هوَ رُكنُ الكذبِ»، أو «منبعُهُ»، أو «معدِنُهُ»، ونحوُ ذلكَ.\nهؤلاءِ هُمْ جملةُ الرُّواةِ الذينَ يُعتبرُ بحديثِهِمْ، والذينَ لا يُعتبرُ بحديثِهِمْ، وسنأتي إلى بيانِ المرويَّاتِ الصَّالحةِ للاعتبارِ.\n* * *","vol":"1","page":228},{"text":"<span data-type='title' id=toc-50>المَطْلَبُ الثَّالِثُ: المَرْوِيَّاتُ الصَّالِحَةُ لِلْاِعْتِبَارِ:</span>\nقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «لَمْ يَذْكُرْ - ابنُ الصَّلَاحِ - لِلْجَابِرِ ضَابِطًَا يُعْلَمُ مِنْهُ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَابِرًَا أَوْ لَا، وَالتَّحْرِيرُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الاِحْتِمَالِ فِي طَرَفَي القَبُولِ وَالرَّدِّ، فَحَيثُ يَسْتَوِي الاِحْتِمَالُ فِيهِمَا فَهُوَ الذِي يَصْلُحُ لِأَنْ يَنْجَبِرَ» (^١).\nفالصَّالحُ للاعتبارِ مِنَ المرويَّاتِ: ما كانَ مُحتمِلَ الخطأِ والصَّوابِ، ورُجِّحَ جانبُ الصَّوابِ وأمكنَ جبرُ ضعفِهِ وتقويتُهُ مِنَ الضَّعيفِ إلى الحسنِ، أو ترقيتُهُ مِنَ الحسنِ إلى الصَّحيحِ، قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَمَتَى تُوبِعَ السَّيِّئُ الحِفْظِ بِمُعْتَبَرٍ، كَأَنْ يَكُونَ فَوقَهُ أَوْ مِثْلَهُ لا دُونَهُ … صَارَ حَدِيثُهُ حَسَنًَا لَا لِذَاتِهِ، بَلْ وَصْفُهُ بِذَلِكَ بِاعْتِبَارِ المَجْمُوعِ مِنَ المُتَابِعِ وَالمُتَابَعِ، لِأَنَّ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ احْتِمَالَ كَونِ رِوَايَتِهِ صَوَابًَا أَوْ غَيرَ صَوَابٍ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، فَإِذَا جَاءَتْ مِنَ المُعْتَبِرِينَ رِوَايَةٌ مُوَافِقَةٌ لِأَحَدِهِمْ رُجِّحَ أَحَدُ الجَانِبَينِ مِنَ الاِحْتِمَالَينِ المَذْكُورَينِ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الحَدِيثَ مَحْفُوظٌ، فَارْتَقَى مِنْ دَرَجَةِ التَّوَقُّفِ إِلَى دَرَجَةِ القَبُولِ» (^٢).\nوقدْ بيَّنَ ابنُ الصَّلاحِ مرويَّاتِ الرُّواةِ التي تصلحُ للاعتبارِ والانجبارِ (^٣)، فقالَ: «لَيسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ فَمِنْهُ مَا يُزِيلُهُ\n_________\n(^١) النكت على ابن الصلاح ص ٤٠٩.\n(^٢) نزهة النظر شرح نخبة الفكر ص ٢٣٤.\n(^٣) وبيان ابن الصلاح هذا لا يتعارض مع ما ذكره ابن حجر من أن ابن الصلاح لم يذكر ضابطًا للجابر من الأحاديث، لأن الضابط بمثابة القاعدة، وهو ما لم يبينه ابن الصلاح، وما ذكره يندرج تحت قاعدة الاعتبار.","vol":"1","page":229},{"text":"ذَلِكَ، بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًَا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيثُ الإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي المُرْسَلِ الذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ» (^١).\nوقالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «مَا كَانَ ضَعْفُهُ لِضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ الصَّدُوقِ الأَمِينِ زَالَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ وَصَارَ حَسَنًَا، وَكَذَا إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ بِالإِرْسَالِ زَالَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ» (^٢). وقالَ ابنُ سيِّدِ النَّاسِ «ت ٧٣٤ هـ»: «الذِي يَحْتَاجُ إِلَى مَجِيئِهِ مِنْ غَيرِ وَجْهٍ مَا كَانَ رَاوِيهِ فِي دَرَجَةِ المَسْتُورِ، وَلَمْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُ» (^٣).\nوأمَّا إذا كانَ الخطأُ في المتنِ أو الإسنادِ مِنَ الرِّوايةِ راجحًَا، فحينئذٍ لا تصلحُ الرِّوايةُ للاعتبارِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَحَيثُ يَقْوَى جَانِبُ الرَّدِّ فَهُوَ الذِي لَا يَنْجَبِرُ» (^٤).\nوقدْ بيَّنَ الأئمَّةُ جوانبَ رُجحانِ الخطأِ لعدمِ صلاحيةِ الرِّوايةِ للاعتبارِ بأحدِ أمرينِ:\nالأوَّلُ: مُتعلِّقٌ بالرَّاوي: إذا كانَ مِنْ أحدِ أصحابِ المراتبِ الأربعِ الأولى مِنْ مراتبِ التجريحِ.\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح ص ٣٤.\n(^٢) التقريب ص ٢.\n(^٣) شرح ألفية العراقي ١/ ٨٦.\n(^٤) النكت على ابن الصلاح ص ٤٠٩.","vol":"1","page":230},{"text":"قالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «وَأَمَّا الضَّعْفُ لِفِسْقِ الرَّاوِي فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ مُوَافَقَةُ غَيرِهِ» (^١). وقالَ الطَّيِّبيُّ «ت ٧٤٣ هـ»: «وَأَمَّا الضَّعِيفُ فَلِكَذِبِ رَاوِيهِ، أَوْ فِسْقِهِ، لَا يَنْجَبِرُ بِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ» (^٢). وهذا ما أوضحناهُ جليًا في نقطةِ «الرُّواةُ الذينَ يصلحُ حديثُهُمْ للاعتبارِ».\nالثَّاني: مُتعلِّقٌ بالرِّوايةِ: كأنْ تكونَ الرِّوايةُ مُنكرةً، أو شاذَّةَ المتنِ أو الإسنادِ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ … لِقُوَّةِ الضَّعْفِ، وَتَقَاعُدِ هَذَا الجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ، وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الذِي يَنْشَأُ مِنْ كَونِ الحَدِيثِ شَاذًَّا» (^٣). أي مُعارَضًَا برواياتِ الثِّقاتِ، لأنَّ الرِّوايةَ المخالفَةَ لمرويَّاتِ الثِّقاتِ مردودةٌ.\nوقدْ اشترطَ ابنُ جماعةَ «ت ٧٣٣ هـ» خلوَّ الرِّوايةِ مِنَ العِلَّةِ، فقالَ: «الأَحْسَنُ فِي حَدِّ الحَسَنِ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مَا فِي إِسْنَادِهِ المُتَّصِلِ مَسْتُورٌ لَهُ بِهِ شَاهِدٌ، أَوْ مَشْهُورٌ قَاصِرٌ عَنْ دَرَجَةِ الإِتْقَانِ، وَخَلَا مِنَ العِلَّةِ وَالشُّذُوذِ» (^٤). وردَّ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» على ابنِ جماعةَ، فقالَ: «اِشْتِرَاطُ نَفْيِ العِلَّةِ لَا يَصْلُحُ هُنَا، لِأَنَّ الضَّعْفَ فِي الرَّاوِي عِلَّةٌ فِي الخَبَرِ، وَالاِنْقِطَاعَ فِي الإِسْنَادِ عِلَّةُ في الخَبَرِ، وَعَنْعَنَةَ المُدَلِّسِ عِلَّةٌ فِي الخَبَرِ، وَجَهَالَةَ حَالِ الرَّاوِي عِلَّةٌ فِي الخَبَرِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالتِّرْمِذِيُّ يَحْكُمُ عَلَى\n_________\n(^١) التقريب ص ٢.\n(^٢) رسالة في أصول الحديث ص ٤٤.\n(^٣) مقدمة ابن الصلاح ص ٣٤.\n(^٤) المنهل الروي ص ٣٦.","vol":"1","page":231},{"text":"ذَلِكَ كُلِّهِ بِالحُسْنِ إِذَا جَمَعَ الشُّرُوطَ الثَّلَاثَةَ التِي ذَكَرَهَا، فَالتَّقْيِيدُ بِعَدَمِ العِلَّةِ يُنَاقِضُ ذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ» (^١).\nوالحقيقةُ أنَّ ما ذكرَهُ ابنُ حجرٍ في ردِّهِ على ابنِ جماعةَ ليسَ منَ العللِ الخفيَّةِ، فلا يُشترطُ خلوُّ الرِّوايةِ منهَا، وهيَ تزولُ بالمتابعاتِ والشَّواهدِ، وأمَّا العللُ الخفيَّةُ فلا تزولُ، فيشترطُ خلوُّ الرِّوايةِ منهَا، وهيَ تستبينُ مِنْ خلالِ السَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ، فيُطرحُ الحديثُ ويُردُّ لأجلِهَا (^٢).\nوبقيَ الكلامُ على الشُّروطِ التي يجبُ توافرُهَا في العاضدِ «المتابعِ أو الشَّاهدِ» حتَّى يصلحَ للاعتبارِ المقصودِ منْ كلامِ التِّرمذيِّ «وَيُرْوَى مِنْ غَيرِ وَجْهٍ نَحْوُ ذَاكَ».\n* * *\n_________\n(^١) النكت على ابن الصلاح ص ٤٠٧.\n(^٢) انظر أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء - د. ماهر الفحل- ص ٢٤، ومناهج المحدثين - د. المرتضى الزين - ص ٨٢.","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-51>المَطْلَبُ الرَّابِعُ: الشُّرُوطُ التِي يَجِبْ تَوَافُرُهَا فِي العَاضِدِ «المُتَابِعِ أو الشَّاهِدِ»:</span>\nبعدَ أنْ بيَّنَّا الرُّواةَ الذينَ يُعتبرُ بأحاديثِهِمْ، والمرويَّاتِ الصَّالحةَ للاعتبارِ، نعرِّجُ على بيانِ الشُّروطِ التي يجبُ أنْ تتوفَّرَ في العَاضدِ «المتابعةِ أو الشَّاهدِ» حتى يصلحَ لأنْ يكونَ جابرًَا ومقويًَّا ومرقيًَّا للحديثِ.\nأَوَّلًَا: أَنْ تَكُونَ المُتَابَعَاتُ وَالشَّوَاهِدُ فِي دَرَجَةِ المُتَابَعِ وَالمَشْهُودِ لَهُ، لَا دُونَهُ:\nاشترطَ المحدِّثونَ لتقويةِ الأحاديثِ أنْ يكونَ المتابِعُ في درجةِ المتابَعِ أو أعلى منهُ، لا دونَهُ، وكذلكَ الشَّاهدُ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» «وَمَتَى تُوبِعَ السَّيِّئُ الحِفْظِ بِمُعْتَبَرٍ، كَأَنْ يَكُونَ فَوقَهُ أَوْ مِثْلَهُ لا دُونَهُ … صَارَ حَدِيثُهُ حَسَنًَا لَا لِذَاتِهِ …» (^١).\nوأوضحَ ابنُ قطلوبغَا (^٢) «ت ٨٧٩ هـ» أنَّ ترقيةَ الحديثِ الحسنِ لذاتِهِ بالحسنِ لغيرِهِ يندرجُ في كلامِ ابنِ حجرٍ، حيثُ عقَّبَ على كلامِهِ، فقالَ: «حَتَّى لَو كَانَ الحَسَنُ لِذَاتِهِ يُرْوَى مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ حَسَنٍ لِغَيرِهِ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِصِحَّةٍ» (^٣).\nوهذَا الشَّرطُ يندرجُ تحتَهُ شرطَا الإمامِ التِّرمذيِّ الأوَّلانِ مِنْ أنَّ التَّابعَ يجبُ ألَّا يكونَ في سندِهِ مُتَّهمًا بالكذبِ، وألَّا يكونَ شاذًَّا، حتى يكونَ مثلَ أو فوقَ المتابَعِ لا دُونَهُ.\n_________\n(^١) نزهة النظر شرح نخبة الفكر ص ٢٣٤.\n(^٢) قاسم بن قطلوبغا، زين الدين، أبو العدل السوداني، الجمالي «٨٠٢ هـ - ٧٨٩ هـ» - فقيه حنفي، مؤرخ، من كتبه: «تاج التراجم» في علماء الأحناف. انظر الضوء اللامع ٦/ ١٨٤، والأعلام للزركلي ٥/ ١٨٠.\n(^٣) انظر شرح النخبة للقاري ص ٢٩٧.","vol":"1","page":233},{"text":"ثَانِيًَا: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ المُتَابَعِ، وَإِنَّمَا يُكْتَفَى بِمَعْنَاهُ:\nوالأصلُ في ذلكَ قولُ التِّرمذيِّ «ت ٢٧٩ هـ»: «وَيُرْوَى مِنْ غَيرِ وَجْهٍ نَحْوُ ذَاكَ». فقولُهُ: «نَحْوُ ذَاكَ». أي: بمعناهُ لا بلفظِهِ، قالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: «أَنْ يُرْوَى مَعْنَى ذَلِكَ الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ عَنْ النَّبِيِّ -ﷺ- بِغَيرِ ذَلِكَ الإِسْنَادِ» (^١). وقالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «فَإِذَا وَرَدَ مِثْلُ مَا رَوَاهُ أَوْ مَعْنَاهُ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ ضَبْطَ» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ١/ ٣٨٤.\n(^٢) فتح المغيث ١/ ٦٦.","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type='title' id=toc-52>المَبْحَثُ الثَّانِي: تَقْوِيَةُ الحَدِيثِ الحَسَنِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ «الصَّحِيحُ لِغَيرِهِ»:</span>\nالحديثُ الحسنُ هوَ: الحديثُ الذي اتَّصلَ سندُهُ بنقلِ العدلِ الضَّابطِ الذي خفَّ ضبطُهُ ولا يكونُ شاذًَّا ولا مُعلًَّا (^١).\nفإذا سُبِرَ الحديثُ الحسنُ ووُقِفَ على طُرقٍ أُخرى لهُ مثلَهُ أو أقوى منهُ بلفظِهِ أو بمعناهُ، فإنَّهُ يتقوَّى ويرتقي مِنْ درجةِ الحسنِ إلى الصَّحيحِ، ويُسمَّى الصَّحيحَ لغيرِهِ.\nقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «إِذَا كَانَ رَاوِي الحَدِيثِ مُتَأَخِّرًَا عَنْ دَرَجَةِ أَهْلِ الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ، غَيرَ أَنَّهُ مِنَ المَشْهُورِينَ بِالصِّدْقِ وَالسَّتْرِ، وَرُوِيَ مَعَ ذَلِكَ حَدِيثُهُ مِنْ غَيرِ وَجْهٍ، فَقَدِ اجْتَمَعَتْ لَهُ القُوَّةُ مِنَ الجِهَتَينِ، وَذَلِكَ يُرَقِّي حَدِيثَهُ مِنْ دَرَجَةِ الحَسَنِ إِلَى الصَّحِيحِ» (^٢).\nوقالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «إِذَا كَانَ رَاوِي الحَدِيثِ مُتَأَخِّرًَا عَنْ دَرَجَةِ الحَافِظِ الضَّابِطِ، مَشْهُورًَا بِالصِّدْقِ وَالسَّتْرِ، فَرُوِيَ حَدِيثُهُ مِنْ غَيرِ وَجْهٍ، قَوِيَ وَارْتَفَعَ مِنَ الحَسَنِ إِلَى الصَّحِيحِ» (^٣).\nوقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «فَإِنْ خَفَّ الضَّبْطُ فَالْحَسَنُ لِذَاتِهِ، وَبِكَثْرَةِ طُرُقِهِ يُصَحَّحُ» (^٤).\n_________\n(^١) هذا هو المعنى المعتمد في تعريف الحديث الحسن، وللتفصيل في بقية التعاريف انظر التقييد والإيضاح ص ٣٣ و٤٤، ومعالم السنن ١/ ١١، ونزهة النظر ص ٢٩.\n(^٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٤٣.\n(^٣) التقريب ص ٢.\n(^٤) نزهة النظر ص ٢٧٥.","vol":"1","page":235},{"text":"وقالَ أيضًَا: «وَإِنَّمَا يُحْكَمُ لَهُ بِالصِّحَّةِ عِنْدَ تَعَدُّدِ الطُّرِقِ، لِأَنَّ لِلصُّورَةِ المَجْمُوعَةِ قُوَّةً تَجْبِرُ القَدْرَ الذِي قَصُرَ بِهِ ضَبْطُ رَاوِي الحَسَنِ عَنْ رَاوِي الصَّحِيحِ، وَمِنْ ثَمَّةَ تُطْلَقُ الصِّحَّةُ عَلَى الإِسْنَادِ الذِي يَكُونُ حَسَنًَا لِذَاتِهِ لَو تَفَرَّدَ إِذَا تَعَدَّدَ» (^١).\nومنْ أمثلتِهِ: قوله -ﷺ-: «اِسْتَنْزِهُوا مِنَ البَولِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ مِنْهُ». رواهُ الدَّارقطنيُّ مِنْ طريقِ ابنِ عونٍ، عَنْ محمَّدِ بنِ سيرينَ، عنْ أبي هريرةَ -﵁-، وصحَّحَ إرسالَهُ (^٢).\nوقدْ تبيَّنَ منْ خلالِ السَّبرِ أنَّ للحديثِ طُرقًا أُخرى تشهدُ لهُ، وردتْ بلفظِ: «أَكْثَرُ عَذَابِ القَبْرِ مِنَ البَولِ». أخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ «ر ١٣٠٦»، وابنُ حنبلٍ «ر ٨٣١٣»، وابنُ ماجةَ «ر ٣٤٨»، والدَّارقُطنيُّ «١/ ١٢٨» وصحَّحهُ.\nوالحاكمُ «ر ٦٥٣»، وقالَ: «صحيحٌ على شرطِ الشَّيخينِ، ولا أعرفُ لهُ علَّةً، ولمْ يخرِّجاهُ ولهُ شاهدٌ مِنْ حديثِ أبي يحيى القتَّاتِ».\nوالبيهقيُّ «ر ٣٩٤٤»، وقالَ: «رواهُ أبو يحيى، عنْ مجاهدٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-، فزادَ فيهِ: \"فتنزَّهُوا مِنَ البولِ\"». فالحديثُ ينتهضُ بمجموعِ هذهِ الطُّرقِ إلى الصِّحَّةِ، ويصيرُ صحيحًَا لغيرِهِ (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) المصدر ذاته ص ٧٨.\n(^٢) سنن الدارقطني ١/ ١٢٨.\n(^٣) انظر إعلام الأنام - د. نور الدين عتر- ١/ ٢٤٨.","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type='title' id=toc-53>المَبْحَثُ الثَّالثُ: تَقْوِيَةُ الحَدِيثِ الضَّعِيفِ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ «الحَسَنُ لِغَيرِهِ»:</span>\nالحديثُ الضَّعيفُ هوَ: كلُّ حديثٍ فقدَ شرطًا مِنْ شُروطِ الحديثِ المقبولِ (^١).\nفإذا سُبِرَ الحديثُ الضَّعيفُ ووُقِفَ على طُرقٍ أُخرى لهُ مثلَهُ أو أقوى منهُ بلفظِهِ أو بمعناهُ، فإنَّهُ يتقوَّى ويرتقي إلى الحسنِ لغيرِهِ.\nقال الرَّهاويُّ (^٢) «ت ٦١٢ هـ»: «إِنَّ الأَحَادِيثَ الضِّعَافَ إِذَا انْضَمَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ مَعَ كَثْرَةِ تَعَاضُدٍ وَتَتَابُعٍ أَحْدَثَتْ قُوَّةً، وَصَارَتْ كَالاِشْتِهَارِ وَالاِسْتِفَاضَةِ اللَّذَينِ يَحْصُلُ بِهِمَا العِلْمُ فِي\nبَعْضِ الأُمُورِ» (^٣).\nوقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «لَيسَ كُلُّ ضَعْفٍ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ، فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًَا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ مَعَ كَونِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ،\n_________\n(^١) هذا هو تعريف الحافظ ابن حجر. انظر النكت على ابن الصلاح ١/ ٤٩٢. ولمناقشة بقية تعاريف الحديث الضعيف انظر مقدمة ابن الصلاح ص ٤١، وفتح المغيث ١/ ٩٦ وما بعدها.\n(^٢) عبد القادر بن عبد الله الفهمي، الرهاوي، الحراني، أبو محمد، «٥٣٦ هـ - ٦١٢ هـ» - من حفاظ الحديث، عالم بالتراجم، رحالة، من مصنفاته: «الأربعين المتباينة الإسناد والبلاد». انظر أعلام النبلاء ٢٢/ ٧١، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٣٨٧.\n(^٣) نقل هذا الكلام الحافظ ابن حجر في النكت ١/ ٣٢٩، وعزاه للأربعين البلدانيَّة للرَّهاوي، وهذا الكتاب مخطوط - الظاهرية - ر ١٠٥٤.","vol":"1","page":237},{"text":"فَإِذَا رَأَينَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ ضَبْطُهُ لَهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيثُ الإِرْسَالِ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي المُرْسَلِ الذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ إِذَا فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ» (^١).\nوقالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «إِذَا رُوِيَ الحَدِيثُ مِنْ وُجُوهٍ ضَعِيفَةٍ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَحْصَلَ مِنْ مَجْمُوعِهَا حُسْنٌ، بَلْ مَا كَانَ ضَعْفُهُ لِضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ الصَّدُوقِ الأَمِينِ زَالَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ وَصَارَ حَسَنًَا، وَكَذَا إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ بِالإِرْسَالِ زَالَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ» (^٢).\nمثالهُ: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرو -﵁-، أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ- قالَ: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ إِصْلَاحُ ذَاتِ البَينِ».\nالحديثُ رواهُ الطَّبرانيُّ «ر ١٣٤٦٢»، والبزَّارُ «ر ٢٠٥٩» (^٣)، وفيهِ عبدُ الرَّحمنِ بنُ زيادٍ بنِ أَنْعُم، وهوَ ضعيفٌ (^٤).\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح ص ٣٤.\n(^٢) التقريب ص ٢.\n(^٣) بحثت عنه في مسند البزار ولم أجده، ووجدته في كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة ٢/ ٤٤٠. وقد أورد البزار حديث أبي الدَّرْدَاءِ -﵁-، وقال: «وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله= = -ﷺ- بإسناد متصل أحسن من هذا الإسناد». وأشار محقق مسند البزار الدكتور محفوظ الرحمن زين الله إلى أن أربع صفحات من مسند عبد الله بن عمرو بن العاص سقطت من مسند البزار، من غير أن يعثر على نسخة أخرى تكمل هذا النقص. انظر مسند البزار ٦/ ٤٣٢.\n(^٤) انظر مجمع الزوائد ٨/ ٨٠، وتقريب التهذيب ر ٣٨٦٢.","vol":"1","page":238},{"text":"قالَ المنذريُّ «ت ٦٥٦ هـ»: «وَحَدِيثُهُ هَذَا حَسَنٌ لِحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ المتَقَدِّمِ» (^١). وحديثُ أبي الدَّرداءِ -﵁-، أخرجَهُ ابنُ حنبلٍ «ر ٢٧٥٤٨»، وأبو داودَ «ر ٤٩١٩»، والتِّرمذيُّ «ر ٢٥٠٩» وصحَّحهُ وابنُ حبَّانَ «ر ٥٠٩٢»، بلفظِ: «ألا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ من دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟ قالوا: بَلَى. قال: إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَينِ. وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَينِ الْحَالِقَةُ».\n* * *\nفالسَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ هوَ المسلكُ المعتمدُ في الحكمِ النِّهائيِّ على الحديثِ صحَّةً أو ضعفًَا، لأنَّ الحكمَ على حديثٍ ما عَرِيًَّا عنْ مجموعِ طُرقِهِ هوَ حكمٌ على ذلكَ الحديثِ فحسبْ، ولا يكونُ الحكمُ على الحديثِ قاطعًا إلَّا بمجموعِ طرقِهِ، وهنَا تبرزُ ضرورةُ الاهتمامِ بالسَّبرِ وجمع الطُّرقِ في تقويةِ الأحاديثِ وترقيتِهَا.\nقالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «عَلَى الرَّاوِي أَنْ يَعْتَنِيَ بِطُرُقِ الحَدِيثِ وَشَوَاهِدِهِ وَمُتَابِعِهِ وَعَاضِدِهِ، لِأَنَّهُ بِهَا يَتَقَوَّى، ويَثْبُتُ لِأَجْلِهَا حُكْمُهُ بِالصِّحَّةِ أَوْ غَيرِهَا» (^٢).\nولأجلِ هذَا حَرِصَ أئمَّةُ الحديثِ على تكثيرِ طُرقِ الحديثِ، ليندفعَ بذلكَ ضعفُهُ، ويرتقِي إلى مرتبةِ القبولِ والعملِ بِهِ.\n_________\n(^١) الترغيب والترهيب ٣/ ٣٢١.\n(^٢) انظر فتح المغيث ٢/ ٣٣٤ «بتصرف».","vol":"1","page":239},{"text":"قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَبِهَذَا يَظْهَرُ عُذْرُ أَهْلِ الحَدِيثِ فِي تَكْثِيرِهِمْ طُرُقَ الحَدِيثِ الوَاحِدِ لِيُعْتَمَدَ عَلَيهِ، إِذِ الإِعْرَاضُ عَنْ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الفَقِيهِ العَمَلَ بِكَثِيرٍ مِنَ الأَحَادِيثِ اعْتِمَادًَا عَلَى ضَعْفِ الطَّرِيقِ التِي اتَّصَلَتْ إِلَيهِ» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) قوة الحِجَاج في عموم المغفرة للحاج - ابن حجر - ص ١٩.","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type='title' id=toc-54>البَابُ الثَّالِثُ\nأَثَرُ السَّبْرِ فِي الحَدِيثِ سَنَدًَا وَمَتْنًَا</span>\n<span data-type='title' id=toc-55>الفَصْلُ الأَوَّلُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي السَّنَدِ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-56>المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ الفَرْدِ وَالغَرِيبِ:</span>\nالسَّبرُ هوَ الطَّريقُ لبيانِ أحوالِ الإسنادِ، عللِهِ وفوائدِهِ، والفيصلُ بينَ الانفرادِ وعدمِهِ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» في مطلعِ كلامِهِ عنِ الاعتبارِ بالشَّواهدِ والمتابعاتِ: «لمَّا انْتَهَى الشَّاذُّ وَالمُنْكَرُ المُجْتَمِعَانِ فِي الاِنْفِرَادِ، أَرَدْنَا بَيَانَ الطَّرِيقِ المُبَيِّنِ لِلْاِنْفِرَادِ وَعَدَمِهِ، وَلَكِنَّهُ لَو أُخِّرَ عَنِ الإِفْرَادِ وَالغَرِيبِ لَتَبَيَّنَ، وَكَانَ أَنْسَبَ» (^١). ثمَّ قالَ: «الاِعْتِبَارُ سَبْرُكَ الحَدِيثَ، لِتَنْظُرَ هَلْ شَارَكَ رَاوِيَهُ الذِي يُظَنُّ تَفَرُّدُهُ بِهِ رَاوٍ غَيرَهُ … فَالاِعْتِبَارُ: هُوَ الهَيئَةُ الحَاصِلَةُ فِي الكَشْفِ عَنِ المُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ» (^٢). التي بهَا يتميَّزُ الحديثُ الفردُ أو الغريبُ منْ غيرِهِ. لذَا قالَ: «وَمَا خَلَا عَنِ التَّابِعِ وَالشَّاهِدِ فَهُوَ مُفَارِدٌ، أَي: إِفْرَادٌ» (^٣).\nوقالَ السِّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «الاِعْتِبَارُ وَالمُتَابَعَاتُ وَالشَّوَاهِدُ هَذِهِ أُمُورٌ يَتَدَاوَلُهَا أَهْلُ الحَدِيثِ يَتَعَرَّفُونَ بِهَا حَالَ الحَدِيثِ، يَنْظُرُونَ هَلْ تَفَرَّدَ رَاوِيهِ أَوْ لَا، وَهَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ أَوْ لَا» (^٤).\n_________\n(^١) فتح المغيث ١/ ٢٠٧.\n(^٢) المصدر ذاته.\n(^٣) المصدر ذاته ١/ ٢٠٨.\n(^٤) تدريب الراوي ١/ ٢٤١.","vol":"1","page":241},{"text":"وقالَ طاهرُ الجزائريُّ (^١) «ت ١٣٣٨ هـ»: «وَلَا يَسُوغُ الحُكْمُ بِالتَّفَرُّدِ إِلَّا بَعْدَ الاِعْتِبَارِ، وَالاِعْتِبَارُ هُوَ تَتَبُّعُ الطُّرُقِ مِنَ الجَوَامِعِ وَالمَسَانِيدِ وَالأَجْزَاءِ لِذَلِكَ الحَدِيثِ الذِي يُظَنُّ أَنَّهُ فَرْدٌ، لِيُعْلَمَ هَلْ لِرَاوِيهِ مُتَابِعٌ أَوْ هَلْ لَهُ شَاهِدٌ أَمْ لَا، وَمَظَنَّةُ مَعْرِفَةِ الطُّرُقِ التِي يَحْصَلُ بِهَا المُتَابَعَاتُ وَالشَّوَاهِدُ وَيَنْتَفِي بِهَا التَّفَرُّدُ كُتُبُ الأَطْرَافِ» (^٢).\nوقدْ عنيَ العلماءُ بالتَّصنيفِ والتأليفِ في الحديثِ الفردِ، منْ هذهِ المصنَّفاتِ: «السُّننُ التي تفرَّدَ بكلِّ سنَّةٍ منهَا أهلُ بلدةٍ» (^٣) لأبي داودَ السجستانيِّ، و«الأفرادُ» (^٤) للدَّارقُطنيِّ، و«المفاريدُ» (^٥) لأبي يعلى، واهتمَّ الإمامُ الطَّبرانيُّ في معجميهِ الأوسطِ والصَّغيرِ بذكرِ الأفرادِ، والبزَّارُ في مسندِهِ، والعقيليُّ في الضُّعفاءِ.\nوفي الغريبِ: «غرائبُ مالكٍ» (^٦) للدَّارقُطنيِّ، و«غرائبُ شعبةَ» (^٧) لابنِ مندَهْ.\n_________\n(^١) طاهر بن صالح بن أحمد بن موهب، السمعوني، الجزائري، الدمشقي، «١٢٦٨ هـ - ١٣٣٨ هـ» - بحاثة من أكابر العلماء باللغة والأدب في عصره، عمل مديرًا لدار الكتب الظاهرية، له نحو عشرين مصنفًا، منها: «توجيه النظر إلى علم الأثر»، و«الإلمام» في السيرة. انظر الأعلام للزركلي ٣/ ٢٢٢.\n(^٢) توجيه النظر إلى أصول النظر ١/ ٤٩١.\n(^٣) وهو كتاب مفقود، انظر الرسالة المستطرفة ص ١١٤.\n(^٤) رتبه المقدسي باسم «أطراف الغرائب والأفراد» - تحقيق: جابر السريع - دار التدمرية - ١٤٢٨ هـ.\n(^٥) طبع بتحقيق الدكتور عبد الله بن يوسف جديع - دار الأقصى - الكويت - ط ١ - ١٩٨٥ م.\n(^٦) قال ابن حجر في تعجيل المنفعة ص ٨: «فيه من الأحاديث ما ليس في \"الموطأ\" شيءٌ كثيرٌ، ومن الرُّواة كذلك». وممن ألف في «غرائب مالك» الإمام محمد بن المظفَّر «٣٩٧ هـ» - تحقيق: طه بو سريح - دار المغرب الإسلامي - بيروت - ١٩٩٨ م، وبتحقيق: رضا بن خالد الجزائري - دار السلف - الرياض - ١٤١٨ هـ.\n(^٧) ذكره ابن حجر في معجمه ر ١٤٠٥، وصلة الخلف ص ٣٠٩، وأشار السخاوي في الجواهر والدرر ص ٣٦ إلى أن الحافظ ابن حجر رتبه. وهناك «غرائب حديث شعبة بن الحجاج» للحافظ محمد بن المظفر البزاز - حقق في رسالة ماجستير بجامعة الملك محمد بن سعود - الباحث: عبد الله بن عبد العزيز الغصن - سنة ١٤٠٣ هـ. انظر تعليقات أبي يعلى البيضاوي على الرسالة المستطرفة ٧/ ٤.","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type='title' id=toc-57>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ الحَدِيثِ الفَرْدِ والغَرِيبِ، وَالفَرْقُ بَينَهُمَا:</span>\nالحديثُ الفردُ:\nالفردُ: لغةً: جمعُهُ أفرادٌ، وهوَ نصفُ الزَّوجِ، ومنْ لا نظيرَ لهُ (^١).\nاصطلاحًا: هوَ ما تفرَّدَ بهِ راويهِ بأيِّ وجهٍ منْ وجوهِ التَّفرُّدِ (^٢).\nوالفردُ نوعانِ: فردٌ مطلقٌ، وفردٌ نسبيٌّ.\nالفردُ المطلقُ: هوَ ما تفرَّدَ بهِ راوٍ واحدٌ عنْ جميعِ الرُّواةِ، لمْ يروِهِ أحدٌ غيرُهُ لا باللفظِ ولا بالمعنى. وهوَ يطابقُ الغريبَ متنًا وإسنادًَا، ويدخلُ فيهِ الشَّاذُّ والمنكرُ.\nالفردُ النِّسبيُّ: وهوَ ما يقعُ فيهِ التَّفرُّدُ بالنِّسبةِ إلى جهةٍ خاصَّةٍ أيًَّا كانتْ تلكَ الجهةُ. وأكثرُ ما يُطلقُ على هذَا النَّوعِ «الغريبُ»، ويدخلُ فيهِ ما سنذكرُهُ منَ الغريبِ إسنادًَا لا متنًَا، ويتناولُ جهاتٍ أخرى، منهَا:\n١ - ما قُيِّدَ ببلدٍ معيَّنٍ: كقولِهِمْ: تفرَّدَ بهذَا الحديثِ أهلُ مكَّةَ، أو أهلُ المدينةِ …\n٢ - مَا قُيِّدَ بثقةٍ: كقولِهمْ: لمْ يروِ حديثَ كذَا ثقة إلا فلان.\n٣ - ما قُيِّدَ بإمامٍ أو حافظٍ ونحوِهِ: كقولِهمْ: تفرَّدَ بهذَا الحديثِ فلانٌ عنْ فلانٍ، أو لمْ يروِ حديثَ كذَا عنْ فلانٍ إلَّا فلانٌ.\n_________\n(^١) انظر لسان العرب - مادة «فرد» - ٣/ ٣٣١، ومختار الصحاح - مادة «ف ر د».\n(^٢) انظر معرفة علوم الحديث ص ٩٦، ومقدمة ابن الصلاح ص ٨٨، والباعث الحثيث ١/ ١٨٩، والمنهل الروي ص ٥١، والنكت للزركشي ٢/ ١٩٨، ونخبة الفكر ص ١، وفتح المغيث ص ١/ ٢١٩، والتوضيح الأبهر ص ٤٧.","vol":"1","page":243},{"text":"الحديثُ الغريبُ (^١):\nالغريبُ لغةً: هوَ المنفردُ، أو البعيدُ عنْ أقاربِهِ، سُمِّيَ بذلكَ لأنَّهُ كالغريبِ الوحيدِ الذي لا أهلَ عندَهُ، أو لبُعدهِ عنْ مرتبةِ الشُّهرةِ فضلًا عنِ التَّواترِ (^٢).\nاصطلاحًا: قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «مَا يَتَفَرَّدْ بِرِوَايَتِهِ شَخْصٌ وَاحِدٌ فِي أَي مَوضِعٍ وَقَعَ التَّفَرُّدُ بِهِ مِنَ السَّنَدِ» (^٣).\nوللغريبِ أقسامٌ بحسبِ موضعِ الغرابةِ فيهِ:\n١ - الغريبُ متنًا وإسنادًا: وهوَ الحديثُ الذي لا يُروى إلَّا منْ وجهٍ واحدٍ. وهوَ الذي يُعبِّرُ عنهُ التِّرمذيُّ بقولِهِ: «غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ». وهوَ يُطابقُ الفردَ المطلقَ.\nويدخلُ في هذَا: الغريبُ متنًا لا إسنادًَا: وهوَ الحديثُ الفردُ في أوَّلِ أمرِهِ ثمَّ اشتهرَ آخرًَا، لأنَّ سندَهُ تعدَّدَ فيمَا بعدَ التَّفرُّدِ.\nوكذلكَ الغريبُ بعضَ المتنِ: وهوَ ما انفردَ فيهِ راويهِ بزيادةٍ في متنِهِ، فإنَّهُ غريبٌ متنًَا وإسنادًَا منْ حيثُ هذِهِ الزِّيادةِ.\n_________\n(^١) انظر معرفة علوم الحديث ص ٩٤، ومقدمة ابن الصلاح ص ٢٧٠، والتقريب ص ١٩، والمنهل الروي ص ٥٥، والشذا الفياح ٢/ ٤٤٦، والتقييد والإيضاح ص ٢٧٣، ونخبة الفكر ص ١، وفتح المغيث ٢/ ٢٨ وتدريب الراوي ٢/ ١٨٠ … وغيرها.\n(^٢) انظر لسان العرب - مادة «غرب» - ١/ ٦٤٠، ومختار الصحاح - مادة «غ ر ب».\n(^٣) شرح نخبة الفكر ص ٢٠٨.","vol":"1","page":244},{"text":"٢ - الغريبُ إسنادًا لا متنًا: وهوَ الحديثُ الذي اشتهرَ بورودِهِ منْ عدَّةِ طرقٍ عنْ راوٍ أو عنْ صحابيٍّ، أو عدَّةِ رواةٍ، ثمَّ تفرَّدَ بهِ راوٍ منْ وجهٍ آخرَ غيرِ ما اشتهرَ بهِ الحديثُ. وهوَ الذي يُعبِّرُ عنهُ التِّرمذيُّ بقولِهِ: «غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ». ويدخلُ فيهِ غريبُ بعضَ السَّندِ.\nالفَرْقُ بَينَ الفَرْدِ وَالغَرِيبِ:\nاختلفَ المحدِّثونَ في التَّفريقِ بينَ الفردِ والغريبِ لتقاربِهِمَا، هلْ همَا نوعٌ واحدٌ أو نوعانِ مفترقانِ، والقولُ المعتمدُ الذي عوَّلَ عليهِ كلُّ منْ ألَّفَ في علومِ الحديثِ ومصطلحِهِ في التَّفريقِ بينَ الفردِ والغريبِ، ما قالَهُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «الغَرِيبُ وَالفَرْدُ مُتَرَادِفَانِ لُغَةً واصْطِلَاحًَا، إِلَّا أَنَّ أَهْلَ الاِصْطِلَاحِ غَايَرُوا بَينَهُمَا مِنْ حَيثُ كَثْرَةِ الاِسْتِعْمَالِ وَقِلَّتِهِ، فَالفَرْدُ أَكْثَرُ مَا يُطْلِقُونَهُ عَلَى الفَرْدِ المُطْلَقِ، وَالغَرِيبُ أَكْثَرُ مَا يُطْلِقُونَهُ عَلَى الفَرْدِ النِّسْبِيِّ» (^١). فالفردُ ما تفرَّدَ بهِ الصَّحابيُّ عنِ النَّبيِّ -ﷺ-، والغريبُ مَا تفرَّدَ بهِ التَّابعيُّ فمنْ بعدَهُ، قالَ شيخنُا محمَّد عجاج: «وَلَا يُطْلِقُ المُحَدِّثُونَ الغَرِيبَ عَلَى الفَرْدِ المُطْلَقِ الذِي لَيسَ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- إِلَّا رَاوٍ وَاحِدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَو تَعَدَّدَتِ الطُّرُقُ إِلَيهِ، بَلْ يَقُولُونَ حَدِيثٌ فَرْدٌ، فَلَو تَفَرَّدَ عَنِ الصَّحَابِيِّ تَابِعِيٌّ فَهُوَ فَرْدٌ غَرِيبٌ» (^٢).\n_________\n(^١) شرح نخبة الفكر للقاري ١/ ٢٣٩.\n(^٢) أصول الحديث ص ٢٣٧.","vol":"1","page":245},{"text":"والأولى جعلهُمَا نوعينِ، لعدمِ دخولِ بعضِ الأفرادِ في الحديثِ الغريبِ، كأفرادِ البلدانِ وأفرادِ القبائلِ (^١)، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «لَيسَ كُلُّ مَا يُعَدُّ مِنْ أَنْوَاعِ الإِفْرَادِ مَعْدُودًَا مِنْ أَنْوَاعِ الغَرِيبِ، كَمَا فِي الأَفْرَادِ المُضَافَةِ إِلَى البِلَادِ» (^٢). وعلى هذَا فالفردُ أعمُّ مِنَ الغريبِ.\n* * *\n_________\n(^١) منهج النقد - د. نور الدين عتر - ص ٤٠١.\n(^٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٧٠.","vol":"1","page":246},{"text":"<span data-type='title' id=toc-58>المَطْلَبُ الثَّانِي: حُكْمُ الحَدِيثِ الفَرْدِ وَالغَرِيبِ:</span>\nالحكمُ على الحديثِ الفردِ والغريبِ يخضعُ إلى استيفاءِ كلٍّ منهُمَا شروطَ الصِّحَّةِ أو الحُسْنِ أو عدمِ استيفائِهِمَا لذلكَ، قالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «وَإِذَا انْتَفَتِ المُتَابَعَاتُ وَتَمَحَّضَ فَرْدًَا فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ:\nحَالٌ يَكُونُ مُخَالِفًَا لِرِوَايَةِ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ فَهَذَا ضَعِيفٌ، وَيُسَمَّى: شَاذًَّا وَمُنْكَرًَا.\nوَحَالٌ لا يَكُونُ مُخَالِفًَا، وَيَكُونُ هَذَا الرَّاوِي حَافِظًَا ضَابِطًَا مُتْقِنًَا، فَيَكُونُ صَحِيحًَا.\nوَحَالٌ يَكُونُ قَاصِرًَا عَنْ هَذَا، وَلَكِنَّهُ قَرِيبٌ مِنْ دَرَجَتِهِ، فَيَكُونُ حَدِيثُهُ حَسَنًَا.\nوَحَالٌ يَكُونُ بَعِيدًَا عَنْ حَالِهِ، فَيَكُونُ شَاذًَّا وَمُنْكَرًَا مَرْدُودًَا» (^١).\nوذكرَ شيخُنَا محمَّدُ عجاجٍ حالةً - يُمكنُ أنْ نجعلَهَا خامسةً - فقالَ: «إِذَا كَانَ المُتَفَرِّدُ بِالحَدِيثِ وَالمُخَالِفُ لَهُ مُتَسَاوِيَينِ فِي الحِفْظِ وَالضَّبْطِ، وَلَا يُمْكِنُ تَرْجِيحُ مَرْوِيِّ أَحَدِهِمَا عَلَى الآَخَرِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي كُلِّ الشُّرُوطِ، حِينَئِذٍ يَكُونُ المَرْوِيُّ مُضْطَرِبًَا» (^٢).\nقالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «وَهَذَا ظَاهِرٌ - أَي الأَحْكَامُ السَّابِقَةُ عَلَى الحَدِيثِ الفَرْدِ وَالغَرِيبِ - بِالنِّسْبَةِ لِلْغَرِيبِ سَنَدًَا وَمَتْنًَا، وَلِلْفَرْدِ المُطْلَقِ.\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٣٤.\nوالفرقُ بين الحالتين الأولى والرابعة، أن الأولى مخالفة الراوي من هو أحفظ منه، والرابعة لروايته المناكير، ولو لم يخالف غيره.\n(^٢) أصول الحديث ص ٢٣٦. علمًا أن المضطرب قد يكون من راوٍ أو أكثر على ما سيأتي بيانه في «المضطرب».","vol":"1","page":247},{"text":"أَمَّا الغَرِيبُ إِسْنَادًَا لَا مَتْنًَا وَالفَرْدُ النِّسْبِيُّ، فَيُنْظَرُ فِي أَسَانِيدِ الحَدِيثِ، إِنْ صَحَّ مِنْ بَعْضِ الوُجُوهِ التِي وَرَدَ بِهَا لِاسْتِيفَائِهِ شَرْطَ الصِّحَّةِ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَكَذَا إِذَا اسْتَوفَى شُرُوطَ الحَسَنِ، وَإِلَّا يُنْظَرُ فَإِنْ صَلُحَتْ أَسَانِيدُهُ لِلتَّقْوِيَةِ بِبَعْضِهَا قُبِلَتْ، وَإِلَّا فَهُوَ ضَعِيفٌ» (^١).\nوذكرُ هذَا منَ الأهميَّةِ بمكانٍ لتعلُّقِهِ بمسألَةِ السَّبرِ، إذْ إنَّ السَّبرَ لا يكونُ فقطْ لتحديدِ الحديثِ الفردِ أو الغريبِ منْ عدمِهِ، بلْ يكونُ أيضًَا للحكمِ عليهِ بالعثورِ على أسانيدَ صالحةٍ لهذَا الحديثِ، أو تقويتِهِ بطرقِهِ المتعدِّدةِ إلى المتفرِّدِ بِهِ (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) منهج النقد ص ٤٠٢.\n(^٢) وقد مرَّ الكلام على ذلك في مبحث أثر السبر في تقوية الحديث بالمتابعات والشواهد. انظر ص ١٩٦.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-59>المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الحَدِيثِ الفَرْدِ وَالغَرِيبِ مِنْ عَدَمِهِ:</span>\nمثَّلَتْ كتبُ علومِ الحديثِ ومصطلحِهِ للحديثِ الفردِ والغريبِ في معرضِ ذكرِهَا لأنواعِهِ، بإيرادِ الأحاديثِ ومواضعِ التَّفرُّدِ أو الغرابةِ فيهَا، وآثرتُ إفرادَ الأمثلةِ في مطلبٍ خاصٍّ لبيانِ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الحديثِ الفردِ أو الغريبِ منْ عدمِهِ، منْ خلالِ ما يأتي:\nأَوَّلًَا: دَرْءُ التَّفَرُّدِ عَنْ حَدِيثٍ نَصَّ بَعْضُ الأَئِمَّةِ عَلَى تَفَرُّدِهِ لِوُرُودِ مُتَابِعٍ لَهُ:\nالحكمُ على حديثٍ ما بالتفرُّدِ أو الغرابةِ لا بُدَّ أنْ يكونَ بعدَ سَعَةِ اطِّلاعٍ ووسعِ تتبُّعٍ وسبرٍ لطُرقِ الحديثِ، ليُعلمَ يقينًَا أنَّ الحديثَ عريٌّ عنِ المتابعِ والشَّاهدِ، قالَ الزركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «وَيَحْتَاجُ - مَعْرِفَةُ الفَرْدِ وَتَحْدِيدُهُ - اتِّسَاعُ البَاعِ فِي الحِفْظِ، وَكَثِيرًَا مَا يَدَّعِي الحَافِظُ التَّفَرُّدَ بِحَسَبِ عِلْمِهِ، وَيَطَّلِعُ غَيرُهُ عَلَى المُتَابِعِ» (^١). ولذَا فإذَا كانَ التَّفرُّدُ عندَ منْ تدورُ عليهمُ الأحاديثُ والرِّواياتُ فغالبًَا ما يكونُ الحكمُ قاطعًَا ولا يُطمَعُ في وجودِ متابعٍ أو شاهدٍ، قالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «وَإِذَا قَالُوا: تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو هُرَيرَةَ، أَوْ ابْنُ سِيرِينَ، أَوْ أَيُّوبُ، أَوْ حَمَّادُ، كَانَ مُشْعِرًَا بِانْتِفَاءِ وُجُوهِ المتَابَعَاتِ كُلِّهَا» (^٢).\n_________\n(^١) نكت الزركشي على مقدمة ابن الصلاح ٢/ ١٩٨.\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٣٤.","vol":"1","page":249},{"text":"وكذلكَ إذا جاءَ الحكمُ على حديثٍ بالتَّفرُّدِ أو الغرابةِ منْ إمامٍ حافظٍ مِنْ أهلِ الاستقراءِ التامِّ، قالَ الدكتورُ عبدُاللهِ الجديعُ (^١): «وَاعْلَمْ أَنَّ الوَصْفَ بِالتَّفَرُّدِ إِنْ وَقَعَ مِنْ حَافِظٍ عَارِفٍ، فَلَا تَطْمَعَنَّ أَنْ تَجِدَ لَهُ طَرِيقًَا أُخْرَى صَالِحَةً عَمَّنْ وَقَعَ التَّفَرُّدُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ» (^٢).\nوبالنَّظرِ في كتبِ الحديثِ والتَّخريجِ وجدتُ غيرَ مثالٍ على ردِّ الأئمَّةِ للتَّفرُّدِ بإيرادِ مُتابِعٍ للحديثِ، أَقتصرُ على حديثِ: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ».\nالحديثُ أخرجَهُ ابنُ شيبةَ في مصنَّفهِ «ر ١٤١٣٧»، وأحمدُ في مسندِهِ «ر ١٤٨٩٢»، والأزرقيُّ في أخبارِ مكَّةَ «٢/ ٥٢»، وابنُ ماجةَ في سننهِ «ر ٣٠٦٢»، والطَّبرانيُّ في المعجمِ الأوسطِ «ر ٨٤٩»، وقالَ: «لَمْ يَرْوِ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ إِلَّا عَبْدُ اللهِ بنُ المُؤَمِّلِ» (^٣). والبيهقيُّ في الكبرى «ر ٩٤٤٢»، وقالَ: «تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللهِ بنُ المُؤَمِّلِ» (^٤). وأوردهُ العقيليُّ في ترجمةِ عبدِ اللهِ بنِ المؤمِّلِ «٨٧٩» وقالَ: «لَا يُتَابَعُ عَلَيهِ» (^٥). وكذَا قالَ ابنُ حبَّانَ: «لَا يُتَابَعُ عَلَيهِ» (^٦).\n_________\n(^١) الدكتور عبد الله بن يوسف الجديع، بصري المولد والنشأة، «١٩٥٩ م - …»، أحد أعضاء المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، من كتبه: «تحرير علوم الحديث»، و«أضواء على حديث افتراق الأمة»، و«أحاديث ذم الغناء والمعازف في الميزان»، وغيرها من التحقيقات.\n(^٢) تحرير علوم الحديث ١/ ٤٩.\n(^٣) المعجم الأوسط ١/ ٢٥٩.\n(^٤) سنن البيهقي ٥/ ١٤٨.\n(^٥) ضعفاء العقيلي ٢/ ٣٠٢.\n(^٦) المجروحين ٢/ ٢٨.","vol":"1","page":250},{"text":"وقدْ ردَّ العلماءُ قولَ منْ قالَ بتفرُّدِ عبدِ اللهِ بنِ المؤملِ (^١) عنْ أبي الزُّبيرِ، بأنَّ لهُ متابعتينِ\nمنْ طريقِ حمزةَ الزيَّاتِ (^٢) عنْ أبي الزُّبيرِ، أوردَهَا الطَّبرانيُّ في الأوسطِ «ر ٣٨١٥»، ومنْ طريقِ ابنِ طهمانَ (^٣)، عنْ أبي الزُّبيرِ، أوردَهَا البيهقيُّ في سننِهِ «ر ٩٧٦٧»، وإليكَ أقوالُ العلماءِ في ذلكَ:\nقالَ ابنُ عديٍّ «ت ٣٨٥ هـ»: «وَهَذَا الحَدِيثُ يُعْرَفُ بِابْنِ المُؤَمِّلِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ» (^٤).\nوكذَا قالَ ابنُ القيسرانيِّ (^٥) «ت ٥٠٧ هـ» (^٦).\n_________\n(^١) عبد الله بن المؤمل بن وهب الله «ت ١٦٠ هـ»، ضعفه ابن معين والنسائي والعقيلي وابن حبان، وقال أحمد: «أحاديثه مناكير»، من السابعة، أخرج له «بخ ت جه». انظر الضعفاء للنسائي «ر ٣٣١»، والضعفاء للعقيلي «ر ٨٧٩»، والمجروحين «ر ٥٥٩»، والكامل لابن عدي «ر ٩٧٤»، والضعفاء لابن الجوزي «ر ٢٠٩٧» والتقريب «ر ٣٦٤٨».\n(^٢) حمزة بن حبيب الزيات القارئ، أبو عمارة الكوفي، «ت ١٥٦ هـ»، وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان، وقال ابن حجر: «صدوق، ربما يهم»، أخرج له «م، د، ت، س، جه». انظر معرفة الثقات «ر ٣٥٦»، والثقات لابن حبان «ر ٧٤٨٤»، والكاشف «ر ١٢٣٣»، والتهذيب «ر ٣٧»، والتقريب «ر ١٥١٨».\n(^٣) إبراهيم بن طهمان الخراساني، أبو سعيد، «ت ١٦٨ هـ»، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: «له مدخل في الثقات ومدخل في الضعفاء»، ووثقه ابن معين مرة وقال مرة: «صالح»، ووثقه ابن حنبل، وقال أبو حاتم: «صدوق، يحسن الحديث»، وقال الذهبي: «ثقة متقن، من رجال الصحيحين، أفبمجرد الإرجاء يضعف حديث الثقة»، وقال ابن حجر: «ثقة يغرب». أخرج له «خ م د ت س جه». انظر الثقات لابن حبان «ر ٦٥٧٩»، والتعديل والتجريح «ر ٤١»، والرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم «ص ٣٥» والتهذيب «ر ٢٣١»، والتقريب «ر ١٨٩».\n(^٤) الكامل لابن عدي ٤/ ١٣٦.\n(^٥) محمد بن طاهر بن علي بن أحمد المقدسي، الشيباني، أبو الفضل، «٤٤٨ هـ - ٥٠٧ هـ» - رحالة مؤرخ، من حفاظ الحديث، من كتبه: «ذخيرة الحفاظ»، و«تذكرة الموضوعات»، و«أطراف الكتب الستة». انظر ميزان الاعتدال ٣/ ٧٥، والوافي بالوفيات ٣/ ١٦٦، والأعلام للزركلي ٦/ ١٧١.\n(^٦) ذخيرة الحفاظ ٤/ ٢٠٧٢.","vol":"1","page":251},{"text":"وقالَ ابنُ التُّركمانيِّ (^١) «ت ٧٥٠ هـ»: «لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ، بَلْ تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، كَذَا أَورَدَهُ البَيهَقِيُّ نَفْسُهُ فِيمَا بَعْدُ فِي بَابِ الرُّخْصَةِ فِي الخُرُوجِ بِمَاءِ زَمْزَمَ» (^٢).\nوقالَ ابنُ الملقِّنِ (^٣) «ت ٨٠٤ هـ» في ردِّهِ قولَ البيهقيِّ بتفرُّدِ ابنِ المؤمِّلِ: «لَا، بَلْ تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرِ مَرْفُوعًَا، كَذَا أَورَدَهُ البَيهَقِيُّ نَفْسُهُ فِي سُنَنِهِ» (^٤).\nوقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في ردِّهِ قولَ العقيليِّ بتفرُّدِ ابنِ المؤمِّلِ لهذَا الحديثِ: «لَكِنْ وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ غَيرِهِ عِنْدَ البَيهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بنِ طَهْمَانَ، وَمِنْ طَرِيقِ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ» (^٥).\nثَانِيًَا: أَثَرُ السَّبْرِ فِي بَيَانِ الحَدِيثِ الفَرْدِ، وَتَحْدِيدِ نَوعِهِ بِحَسَبِ جِهَاتِهِ:\nبيَّنَّا أنَّ السَّبرَ هوَ السَّبيلُ لتمييزِ الحديثِ الفردِ منْ غيرِهِ، لأنَّ الحديثَ الفردَ والغريبَ هو ما خلا منَ المتابِعِ أو الشَّاهدِ.\n_________\n(^١) علي بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى، المارديني، أبو الحسن، «٦٨٣ هـ - ٧٥٠ هـ»، من علماء الحديث واللغة، قاض حنفي، من مصنفاته: «المنتخب» في علوم الحديث، و«المؤتلف والمختلف»، و«الضعفاء والمتروكين»، وغيرها. انظر النجوم الزاهرة ١٠/ ٢٤٦، والأعلام للزركلي ٤/ ٣١١.\n(^٢) الجوهر النقي ٥/ ١٤٨.\n(^٣) عمر بن علي بن أحمد الأنصاري، سراج الدين، أبو حفص، المعروف ب «ابن الملقن»، «٧٢٣ هـ - ٨٠٤ هـ» ومن علماء الحديث والفقه وتاريخ الرجال، له نحو ثلاثمئة مصنف، منها: «التذكرة في علوم الحديث»، و«الأعلام بفوائد عمدة الأحكام»، و«المقنع» في الحديث، و«خلاصة البدر المنير». انظر طبقات الشافعية ٤/ ٤٣، وإنباء الغمر ٥/ ٤١، والزهر النضر في أخبار الخضر ص ١٣.\n(^٤) البدر المنير ٦/ ٢٩٩.\n(^٥) فتح الباري ٣/ ٤٩٣، ويُشارُ هنَا إلى قولِ ابنِ حجرٍ في التَّلخيصِ الحبيرِ «٢/ ٢٦٨»: «ولا يصح عن إبراهيم. قلت: إنما سمعه إبراهيم من ابن المؤمل».","vol":"1","page":252},{"text":"قالَ القاريُّ «ت ١٠١٤ هـ»: «إِذَا عَرِيَ الحَدِيثُ مِنَ المُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ، فَالحَدِيثُ إِذًَا فَرْدٌ» (^١). ولا يعني التَّفرُّدُ أو الغرابةُ عدمَ تعدُّدِ الطُّرقِ، لأنَّهُ قدْ تتعدَّدُ الطُّرقُ إلى الرَّاوي المنفردِ بهذَا الحديثِ، إذْ إنَّ التَّفرُّدَ والغرابةَ ما كانَ في أصلِ السَّندِ أو بعضِهِ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «الفَرْدُ المُطْلَقُ، وَهُوَ الحَدِيثُ الذِي لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ، وَلَو تَعَدَّدَتِ الطُّرُقُ إِلَيهِ» (^٢). وإليكَ أمثلةٌ على أنواعِ الحديثِ الفردِ والغريبِ:\n١ - الفردُ المطلقُ «الغريبُ سندًَا ومتنًَا»: مثالُهُ حديثُ أبي هريرةَ -﵁-: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إلى الرحمن خَفِيفَتَانِ على اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ في الْمِيزَانِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ».\nأخرجَهُ البخاريُّ «ر ٦٠٤٣» و«ر ٦٣٠٤» و«ر ٧١٢٤»، ومسلمٌ «ر ٢٦٩٤»، والتِّرمذيُّ «ر ٣٤٦٧»، والنَّسائيُّ «ر ١٠٦٦٦»، وابنُ ماجةَ «ر ٣٨٠٦»، وابنُ أبي شيبةَ «ر ٢٩٤١٣» و«ر ٣٥٠٢٦»، وابنُ حنبلٍ «ر ٧١٦٧»، وأبو يعلى «ر ٦٠٩٦»، وابنُ حبَّانَ «ر ٨٣١»، كلُّهُمْ منْ طريقِ محمَّدِ بنِ فُضيلٍ (^٣)، عنْ\nعمارةَ بنِ القعقاعِ (^٤)، عنْ أبي زرعةَ (^٥)، عنْ أبي هُريرةَ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-.\n_________\n(^١) شرح نخبة الفكر ص ٣٥٥.\n(^٢) فتح المغيث ٣/ ٣٠.\n(^٣) محمد بن فضيل بن غزوان، أبو عبد الرحمن الضبي، «ت ١٩٥ هـ»، وثقه ابن معين والعجلي، وقال أبو زرعة: «صدوق من أهل العلم»، وقال ابن حنبل: «شيخ، كان يتشيع، وكان حسن الحديث»، وقال = = الذهبي: «صدوق، شيعي»، وقال ابن حجر: «صدوق، عارف، رمي بالتشيع»، أخرج له الستة. انظر معرفة الثقات «ر ١٦٣٥»، والجرح والتعديل «ر ٢٦٣»، وميزان الاعتدال «ر ١٠٨٣٣»، والتهذيب «ر ٦٦٠»، والتقريب «ر ٦٢٢٧».\n(^٤) عمارة بن القعقاع بن شُبرمة، الضبي، ثقة، من السادسة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٨٥٩».\n(^٥) عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ، أبو زرعة الرازي، «ر ٤٣١٦»، إمام حافظ، ثقة، مشهور، من الحادية عشرة، أخرج له «خ م ت س جه». انظر التقريب «ر ٤٣١٦».","vol":"1","page":253},{"text":"قالَ التِّرمذيُّ «ت ٢٧٩ هـ»: «حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ» (^١). وذكرَهُ المقدسيُّ «ت ٥٠٧ هـ» في أطرافِ الغرائِبِ والأفرادِ (^٢)، وقال ابن حجر «ت ٨٥٢ هـ»: «وَجْهُ الغَرَابَةِ فِيهِ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ تَفَرُّدِ مُحَمِّدِ بنِ فُضَيلٍ وَشَيخِهِ وَشَيخِ شَيخِهِ وَصَحَابِيِّهِ» (^٣). وقالَ الصَّنعانيُّ «ت ١١٨٢ هـ»: «لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا أَبُو هُرَيرَةَ -﵁-، وَتَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَتَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ عَمَارَةُ بنُ القَعْقَاعِ، وَتَفَرَّدَ بِهِ محمَّدُ بنُ فُضيلٍ، وَعَنْهُ انْتَشَرَ» (^٤). فرواهُ عنْ محمَّدِ بنِ فضيلٍ ابنُ أبي شيبةَ، وابنُ حنبلٍ، وزهيرُ بنُ حربٍ، وقتيبةُ بنُ سعيدٍ، وأحمدُ بنُ إشكابٍ، وعليُّ بنُ محمَّدٍ، ويوسفُ بنُ عيسى، ومحمَّدُ بنُ آدمَ، وحسينُ بنُ الأسودِ، ومحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ نميرٍ، والعبَّاسُ بنُ يزيدٍ البحرانيُّ، وغيرُهُمْ.\n٢ - الفَرْدُ النِّسْبِيُّ «الغَرِيبُ إِسْنَادًَا لَا مَتْنًَا»: مثالُهُ: حديثُ أبي موسى الأشعريِّ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-، قالَ: «الكَافِرُ يَاكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، وَالمُؤْمِنُ يَاكُلُ فِي مَعْيٍ وَاحِدٍ».\nالحديثُ أخرجَهُ البخاريُّ «ر ٥٠٨٠»، ومسلمٌ «ر ٢٠٦٠»، والتِّرمذيُّ «ر ١٨١٨»، والنَّسائيُّ «ر ٦٧٧٢»، وابنُ ماجةَ «ر ٣٢٥٧»، والطَّيالسيُّ «ر ٢٥٢١»، وعبدُ الرَّزَّاقِ «ر ١٩٥٥٩»، وابنُ أبي شيبةَ «ر ٢٤٥٥٠»، وابنُ راهويهِ «ر ٢٠٩»، وابنُ حنبلٍ «ر ٥٠٢٠»، وأبو عوانةَ «ر ٨٤١٢»، والطَّبرانيُّ في الأوسطِ «ر ١٧٣٩»، وغيرُهُمْ منْ حديثِ أبي هريرةَ، وأبي سعيدٍ الخدريِّ،\n_________\n(^١) سنن الترمذي ٥/ ٥١٢.\n(^٢) / ٢٨٩.\n(^٣) انظر فتح الباري ١٣/ ٥٤٠، وشرح نخبة الفكر ١/ ٢٠٥.\n(^٤) توضيح الأفكار ١/ ٢٤.","vol":"1","page":254},{"text":"وأبي بصرةَ الغفاريِّ، وجهجاهٍ الغفاريِّ، وميمونةَ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرٍو -﵃-.\nوأوردَهُ التِّرمذيُّ «ت ٢٧٩ هـ» في العللِ منْ حديثِ أبي موسىَ -﵁-، وقالَ: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيرِ وَجْهٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَإِنَّمَا يُسْتَغْرَبُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى -﵁- … وسَأَلْتُ مُحمَّدَ بنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: لَمْ نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي كُرَيبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ. فَقُلْتُ لَهُ: حَدَّثَنَا غَيرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ بِهَذَا، فَجَعَلَ يَتَعَجَّبُ، وَقَالَ: مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًَا حَدَّثَ هَذَا غَيرَ أَبِي كُرَيبٍ، وَقَالَ مُحَمَّدُ: كُنَّا نَرَى أَنَّ أَبَا كُرَيبٍ أَخَذَ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ فِي المُذَاكَرَةِ» (^١). وقالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «فَإِنَّهُ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى -﵁- مَعَ كَونِهِ مَعْرُوفًَا مِنْ حَدِيثِ غَيرِهِ» (^٢).\n٣ - أَفْرَادُ البُلْدَانِ: مثالُهُ: حديثُ عائشةَ -﵁-: «مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَلَى سُهَيلِ بنِ بَيضَاءَ إِلَّا فِي المَسْجِدِ».\nالحديث أخرجه مسلم «ر ٩٧٣»، والترمذي «ر ١٠٣٣»، والنسائي «ر ١٩٦٨»، وابن ماجة «ر ١٥١٨»، والطبراني في الكبير «ر ٦٠٣٠»، وعبد الرزاق «ر ٦٥٧٨»، وابن أبي شيبة «ر ١١٩٧٠»، وابن حنبل «ر ٢٤٥٤٢».\n_________\n(^١) العلل الصغير ١/ ٧٥٩.\n(^٢) فتح المغيث ٣/ ٣٥.","vol":"1","page":255},{"text":"قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ المَدِينَةِ، وَرُوَاتُهُ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ، وَقَدْ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ آَخَرَ عَنْ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ حَمْزَةَ، عَنْ عَبَدَ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَكُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ لَمْ يَشْرَكْهُمْ فِيهِ أَحَدٌ» (^١).\nواكتفيتُ بإيرادِ هذهِ الأمثلةِ على بعضِ أنواعِ الفردِ والغريبِ لأنَّ بعضَ أنواعِهِ يدخلُ في بعضٍ - كالغريبِ متنًا لا إسنادًا - ومنهَا ما يدخلُ في علمِ زياداتِ الثِّقاتِ - كغريبِ بعضِ المتنِ، وغريبِ بعضِ السَّندِ - ومنهَا ما يدخلُ في الشَّاذِّ والمنكرِ إذَا كانَ التَّفرُّدُ معَ المخالفةِ، وهوَ ما سيأتي تفصيلُهُ في مباحثَ مستقلَّةٍ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.\n* * *\n_________\n(^١) معرفة علوم الحديث ١/ ٩٧، وتدريب السيوطي ١/ ٢٥٠.","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type='title' id=toc-60>المَبْحَثُ الثَّانِي: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ:</span>\nالمنكرُ والشَّاذُّ يجتمعانِ معَ بعضِهِمَا ومعَ المفردِ والغريبِ بالانفرادِ، ويفترقانِ معَ المفردِ والغريبِ بالمخالفةِ - وكمَا بيَّنَّا في مبحثِ المفردِ والغريبِ - فإنَّ الفيصلَ بينَ الشَّاذِّ والمحفوظِ، وبينَ المنكرِ والمعروفِ هوَ السَّبرُ وتتبُّعُ الطُّرقِ، وقدْ سبقَ كلامُ السَّخاويِّ «ت ٩٠٢ هـ» في ذلكَ، حيثُ قالَ في مطلعِ كلامِهِ عنْ الاعتبارِ بالشَّواهدِ والمتابعاتِ: «لمَّا انْتَهَى الشَّاذُّ وَالمُنْكَرُ المُجْتَمِعَانِ فِي الاِنْفِرَادِ، أَرَدْنَا بَيَانَ الطَّرِيقِ المُبَيِّنِ لِلْاِنْفِرَادِ وَعَدَمِهِ» (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-61>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ، وَالفَرْقُ بَينَهُمَا:</span>\nالنُّقْطَةُ الأُولَى: تَعْرِيفُ الشَّاذِّ:\nالشَّاذُّ: لغةً: المنفردُ عنِ الجماعةِ، شذَّ يشذُّ شذوذًَا، إذا انفردَ (^٢).\nاصطلاحًا: ما رواهُ المقبولُ مخالفًَا لمنْ هوَ أولى منهُ لكثرةِ عددٍ أو زيادةِ حفظٍ.\nوهذا هوَ تعريفُ الحافظِ ابنِ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»، والمقبولُ هنَا: هوَ الذي يُحتجُّ بهِ مُطلقًَا مُنفردًَا أو مُتابَعًَا، يعني: ما كانَ صحيحَ الحديثِ وحسنَهُ فقطْ (^٣).\n_________\n(^١) فتح المغيث ١/ ٢٠٧.\n(^٢) انظر القاموس المحيط - مادة «شذ» - ١/ ٣٥٤.\n(^٣) انظر شرح نخبة الفكر للقاري ص ٢٥٣، والشاذ والمنكر وزيادة الثقة - د. عبد القادر المحمدي - ص ٨٣.","vol":"1","page":257},{"text":"قالَ الشَّافعيُّ «ت ٢٠٤ هـ»: «إِنَّمَا الشَّاذُّ أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَةُ حَدِيثًَا يُخَالِفُ فِيهِ النَّاسَ» (^١).\nوالمحفوظُ: مقابلُ الشَّاذِّ، وهوَ ما رواهُ الثِّقةُ مخالفًَا لمنْ هوَ دونَهُ في القبولِ (^٢).\nالنُّقْطَةُ الثَّانِيَةُ: تَعْرِيفُ المُنْكَرُ:\nالمُنْكَرُ: لغةً: نكرَ الأمرَ نكيرًا، وأنكرَهُ إنكارًَا ونُكرًَا: جَهِلَهُ (^٣).\nاصطلاحًا: ما رواهُ الضَّعيفُ مخالفًَا للثِّقةِ (^٤).\nقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَأَمَّا إِذَا انْفَرَدَ المَسْتُورُ أَوْ المَوصُوفُ بِسُوءِ الحِفْظِ أَوْ المُضَعَّفُ فِي بَعْضِ مَشَايِخِهِ دُونَ بَعْضٍ بِشَيءٍ لَا مُتَابِعَ لَهُ وَلَا شَاهِدَ، فَهَذَا أَحَدُ قِسْمَي المُنْكَرِ، وَهُوَ الذِي يُوجَدُ فِي إِطْلَاقِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ» (^٥).\n_________\n(^١) وقد ذهب الحاكم والخليلي في تعريف الشاذ مذهبًا مختلفًا عما ذهب إليه الشافعي والذي اعتمده علماء أصول الحديث في كتبهم، قال الحاكم في معرفة علوم الحديث ص ١١٩: «الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة = = من الثقات وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة». وقال الخليلي في كتابه الإرشاد ١/ ١٧٦: «الذي عليه حفاظ الحديث: الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ، ثقة كان أو غير ثقة، فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به». وقد رد ابن الصلاح في مقدمته كلام الحاكم والخليلي، لدخول الأحاديث الغرائب والأفراد الصحيحة في تعريفهما، فقال: «ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم؛ بل الأمر في ذلك على تفصيل نبيه» فلينظر ص ٧٦.\n(^٢) نخبة الفكر ص ٢٢٩.\n(^٣) انظر لسان العرب - مادة «نكر» - ١٤/ ٢٨١.\n(^٤) وعلى هذا التعريف كثير من المحدثين، وهو الذي استقر عليه الاصطلاح عند المتأخرين، وعليه جرى الحافظ ابن حجر في النخبة، وهناك مسلك آخر وهو التوسع في إطلاق المنكر، ليشمل الفرد. نبهت عليه هنا لوروده بكثرة في كلام المتقدمين، حتى يفهم على مراده عندهم، ولا يحمل على المعنى الأول، قال شيخنا نور الدين «ومن هنا يتعين على من يطالع كتب المحدثين أن يتفطن ويتنبه لإطلاق كلمة \"منكر\"، ولا يتأثر بدافع التعجل فيضعف مالا يستحق التضعيف، ويتكلم بغير علم، كما وقع لبعض العصريين». انظر منهج النقد ص ٤٣٢.\n(^٥) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٧٥.","vol":"1","page":258},{"text":"والمعروفُ: مُقابلُ المنكرِ: وهوَ ما رواهُ الثِّقةُ مخالفًا روايةَ الضَّعيفِ (^١).\nالنُّقْطَةُ الثَّالِثَةِ: الْفَرْقُ بَينَ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ، وَأَقْسَامُهُمَا:\nالمنكرُ والشَّاذُّ يشتركانِ في الإفرادِ والمخالفةِ، ويفترقانِ في مرتبةِ الرَّاوي المخالِفِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «بَينَ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ بَينَهُمَا اجْتِمَاعًَا فِي اشْتِرَاطِ المُخَالَفَةِ، وَافْتِرَاقًَا فِي أَنَّ الشَّاذَّ رِوَايَةُ ثِقَةٍ أَوْ صَدُوقٍ، وَالمُنْكَرُ رِوَايَةُ ضَعِيفٍ. وَقَدْ غَفَلَ مَنْ سَوَّى بَينَهُمَا» (^٢). إشارةً إلى ابنِ الصَّلاحِ (^٣). وأصبحَ ما قرَّرهُ ابنُ حجرٍ بالفصلِ بينَ الشَّاذِّ والمنكرِ قاعدةً سارَ عليهَا كلُّ مَنْ جاءَ بعدَهُ.\nوينقسمُ الشَّاذُّ بحسبِ موضعِهِ في الحديثِ إلى قسمينِ: شاذٍّ في المتنِ، وشاذٍّ في السَّندِ. وكذلكَ المنكرُ: إلى منكرٍ متنًَا، ومنكرٍ سندًَا. وسنقتصرُ في إيرادِ الأمثلةِ على الشَّاذِّ والمنكرِ في السَّندِ، والكلامُ على الشَّاذِّ والمنكرِ في المتنِ سيأتي في مباحثِ «أثرِ السَّبرِ في المتنِ» (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) نخبة الفكر ص ٢٢٩.\n(^٢) نزهة النظر ص ٨٧.\n(^٣) مقدمة ابن الصلاح ص ٨٠.\n(^٤) انظر ص ٣٨٥.","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type='title' id=toc-62>المَطْلَبُ الثَّانِي: حُكْمُ الحَدِيثِ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ:</span>\nالحديثُ الشَّاذُّ مردودٌ لا يُقبلُ، لأنَّ راويهِ وإنْ كانَ ثقةً، لكنَّهُ بمخالفتِهِ لمنْ هوَ أولى\nمنهُ تبيَّنَ خطؤُهُ في هذا الحديثِ. قال النووي «ت ٦٧٦ هـ»: «فَإِنْ كَانَ مُفْرَدُهُ مُخَالِفًَا أَحْفَظَ مِنْهُ وَأَضْبَطَ كَانَ شَاذًّا مَرْدُودًَا» (^١).\nوالشَّاذُّ يحتاجُ إلى دقَّةِ نظرٍ لاشتباهِهِ بزياداتِ الثِّقاتِ في المتنِ أو الإسنادِ، قالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «الحَدِيثُ الشَّاذُّ عَسِيرٌ، وَلِعُسْرِهِ لَمْ يُفْرِدْهُ أَحَدٌ بِالتَّصْنِيفِ» (^٢).\nوالحديثُ المنكرُ ضعيفٌ جدًَّا، لأنَّ راويَهُ ضعيفٌ، وازدادَ بالمخالفةِ ضعفًَا (^٣). قالَ ابنُ كثيرٍ «ت ٧٧٤ هـ»: «وَهُوَ كَالشَّاذِّ: إِنْ خَالَفَ رَاوِيهِ الثِّقَاتِ فَمُنْكَرٌ مَرْدُودٌ» (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) التقريب للنووي ١/ ٥.\n(^٢) تدريب الراوي ١/ ٢٣٣.\n(^٣) انظر منهج النقد - د. نور الدين عتر - ص ٤٢٨ و٤٣٢.\n(^٤) علوم الحديث لابن كثير ص ٥٥.","vol":"1","page":260},{"text":"<span data-type='title' id=toc-63>المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الحَدِيثِ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ مِنْ عَدَمِهِ:</span>\nالسَّبرُ لتمييزِ الشَّاذِ منَ المحفوظِ، والمنكرِ منَ المعروفِ، يكونُ مِنْ جهاتٍ عدَّةٍ:\nأولًا: بمَا أنَّ الشَّاذَّ والمنكرَ يشتركانِ بالإفرادِ، وذلكَ لعدمِ وجودِ متابعةٍ أو شاهدٍ لأحدِهِمَا، فإنَّ نفيَ المتابعِ والشَّاهدِ لا يكونُ إلَّا بالسَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ، ولا بُدَّ فيهِ كمَا بيَّنَّا في الفردِ والغريبِ مِنْ استفراغِ الوسعِ في التَّتبُّعِ حتَّى يُتيقَّنَ منْ عدمِ وجودِ متابعٍ أو شاهدٍ.\nثانيًا: يُشترطُ في المحفوظِ والمعروفِ المقابلَينِ للشَّاذِّ والمنكرِ إمَّا زيادةُ الضَّبطِ أو كثرَةُ العددِ، وكثرةُ العددِ التي يُرجَّحُ بهَا المحفوظُ والمعروفُ على الشَّاذِّ والمنكرِ تستبينُ بالسَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ، قالَ الشَّافعيُّ «ت ٢٠٤ هـ»: «لِأَنَّ العَدَدَ الكَثِيرَ أَولَى بِالحِفْظِ مِنَ الوَاحِدِ» (^١).\nثالثًا: إنَّ استيضاحَ المخالفةِ المرجوحةِ للشَّاذِّ والمنكرِ، والرَّاجحةِ للمحفوظِ والمعروفِ تتمُّ مِنْ خلالِ معارضةِ روايةِ الرَّاوي بروايةِ غيرِهِ، قالَ الإمامُ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ»: «وَعَلَامَةُ المُنْكَرِ فِي حَدِيثِ المُحَدِّثِ إِذَا مَا عُرِضَتْ رِوَايَتُهُ لِلْحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ غَيرِهِ مِنْ أَهْلِ الحِفْظِ وَالرِّضَى خَالَفَتْ رِوَايَتُهُ رِوَايَتُهُمْ وَلَمْ تَكَدْ تُوَافِقُهَا» (^٢).\nويتطلَّبُ الوقوفُ على التَّفرُّدِ والمخالفةِ بالإضافةِ للسَّبرِ والمعارضةِ قدرًا كبيرًا مِنَ الفهمِ العميقِ والاطِّلاعِ الواسعِ، قالَ الدكتورُ حمزةُ المليباريُّ: «وَإِنْ كَانَ الوُقُوفُ عَلَى\n_________\n(^١) اختلاف الحديث ص ٥٢٣.\n(^٢) صحيح مسلم ١/ ٧.","vol":"1","page":261},{"text":"تَفَرُّدِ الرَّاوِي وَمُخَالَفَتِهِ لِغَيرِهِ مُمْكِنًَا بِالنِّسْبَةِ إِلَينَا نَحْنُ المُعَاصِرِينَ عَنْ طَرِيقِ جَمْعِ الرِّوَايَاتِ وَالمُقَارَنَةِ بَينَهُمَا، إِلَّا أَنَّ مُعَالَجَتَهُمَا تَتَوَقَّفُ عَلَى قَدْرٍ كَبِيرٍ مِنَ الفَهْمِ وَالخَلْفِيَّةِ العِلْمِيَّةِ الوَاسِعَةِ» (^١).\nوإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الحديثِ المنكرِ منَ المعروفِ، والشَّاذِّ منَ المحفوظِ في السَّندِ، مِنْ خلالِ ما يأتي:\nأَوَّلًَا: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ الشَّاذِّ «سَنَدًَا» مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:\nمثالُهُ: حديثُ ابنِ عباسٍ -﵁-: «أَنَّ رَجُلًَا مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا إِلَّا غُلَامًَا لَهُ كَانَ أَعْتَقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: هَلْ لَهُ أَحَدٌ؟ قَالُوا: لَا، إِلَّا غُلَامًَا لَهُ كَانَ أَعْتَقَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مِيرَاثَهُ لَهُ».\n* الحديثُ أخرجَهُ التِّرمذيُّ «ر ٢١٠٦» والنَّسائيُّ «ر ٦٤٠٩» وابنُ ماجةَ «ر ٢٧٤١»\nوالطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ١٢٢١٠» وغيرُهُمْ، مِنْ طريقِ سفيانَ بنِ عيينةَ (^٢)، عَنْ عمرٍو بنِ دينارٍ، عَنْ عوسجةَ، عَنْ ابنِ عباسٍ -﵁- مَوصُولًا.\n* ورواهُ البيهقيُّ «ر ١٢١٧٦» منْ طريقِ حمَّادِ بنِ زيدٍ (^٣)، عنْ عمرٍو ابنِ دينارٍ، عنْ عَوسَجَةَ مُرسلًا.\n_________\n(^١) الحديث المعلول - ضوابط وقواعد - ١/ ١٥.\n(^٢) سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي، «ت ١٩٨ هـ»، ثقة، حافظ، فقيه، إمام إلا أنه تغير حفظه بآخرة، من أثبت الناس في عمرو بن دينار، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٤٥١».\n(^٣) حماد بن زيد بن درهم الأزدي، الجهضمي، أبو إسماعيل البصري، «ت ١٧٩ هـ»، ثقة ثبت، فقيه، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ١٤٩٨».","vol":"1","page":262},{"text":"وتابعَ ابنَ عيينةَ على وصلِهِ أربعُ ثقاتٍ:\nحمادُ بنُ سلمةَ (^١) في سننِ أبي داودَ «ر ٢٩٠٥» والمستدركِ «ر ٨٠١٤» والبيهقيِّ «ر ١٢١٧٤».\nومحمَّدُ بنُ مسلمٍ (^٢) في المعجمِ الكبيرِ «ر ١٢٢١١».\nوأبو يعلى الموصليُّ (^٣) في مسندِهِ «ر ٢٣٩٩».\nوابنُ جُريجٍ (^٤) في المستدركِ «ر ٨٠١٣» إِلَّا أنَّهُ ذكرَ عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ بدلَ عوسجةَ.\nوبسبرِ هذهِ الطُّرقِ تبيَّنَتْ لنَا روايتَا الوصلِ والإرسالِ، وترجَّحَتْ لدينَا روايةُ الوصلِ\nعلى الإرسالِ، لأنَّ روايةَ الوصلِ هيَ المحفوظةُ لوجودِ متابعاتٍ لسفيانَ بنِ عيينةَ، وابنُ عيينةَ مِنْ أوثقِ النَّاسِ في ابنِ دينارٍ، وروايةُ الإرسالِ هيَ الشَّاذَّةُ لتفرُّدِ حمادِ بنِ زيدٍ بهَا مِنْ غيرِ مُتابعٍ ومخالفةِ الثِّقةِ للثِّقاتِ الأكثرِ عددًَا. قالَ البيهقيُّ «ت ٤٥٨ هـ»: «قَالَ القَاضِي - إِسْمَاعِيلُ بنُ إِسْحَاقَ -: هَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بنُ زَيدٍ مُرْسَلًَا، لَمْ يَبْلُغْ بِهِ ابنَ عَبَّاسٍ» (^٥).\n_________\n(^١) حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، «ت ١٦٧ هـ»، ثقة عابد، من أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخرة، أخرج له مسلم والأربعة. انظر التقريب «ر ١٤٩٩».\n(^٢) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، أبو بكر، «ت ١٢٥ هـ»، الحافظ، متفق على جلالته، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٢٩٦».\n(^٣) أحمد بن علي بن المثنى، أبو يعلى الموصلي، «ت ٣٠٧ هـ»، له المسند الكبير. انظر تذكرة الحفاظ «ر ٢٦».\n(^٤) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، الأموي، المكي، «ت ١٥٠ هـ»، ثقة، فقيه، فاضل، كان يدلس ويرسل، أخرج له الستة. انظر التقريب «٤١٩٣».\n(^٥) سنن البيهقي ٦/ ٢٤٢.","vol":"1","page":263},{"text":"وقالَ ابنُ أبي حاتمٍ «ت ٣٢٧ هـ»: «سَأَلْتُ أَبِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّ ابنَ عُيَينَةَ وَمُحَمَّدَ بنَ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ يَقُولَانِ: عَنْ عَوسَجَةَ، عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-. فَقُلْتُ لَهُ: اللَّذَانِ يَقُولَانِ ابنَ عَبَّاسٍ مَحْفُوظٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَصَّرَ حَمَّادُ بنُ زَيدٍ» (^١).\nثَانِيًَا: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ المُنْكَرِ «سَنَدًَا» مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:\nمثالُهُ: حديثُ ابنِ عباسٍ -﵁-: «مَنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ، وَحَجَّ البَيتَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، وَقَرَى الضَّيفَ، دَخَلَ الجَنَّةَ».\n* الحديثُ أخرجَهُ عبدُ الرَّزاقِ في مصنَّفِهِ «ر ٢٠٥٢٩»، والبيهقيُّ في شعبِ الإيمانِ «ر ٩٥٩٣»، والحربيُّ في إكرامِ الضَّيفِ «ر ٥١»: منْ طريقِ معمرِ بنِ راشدٍ (^٢)، عنْ أبي إسحاقَ، عنِ العيزارَ، عنِ ابنِ عباسٍ -﵁- موقوفًَا.\nوتابعَ مَعْمَرًا عمَّارُ بنُ رزيقٍ (^٣)، كمَا في إكرامِ الضَّيفِ للحربيِّ «ر ٥٢».\n_________\n(^١) علل الحديث ٢/ ٥٢.\n(^٢) معمر بن راشد، أبو عروة البصري، «ت ١٥٤ هـ»، ثقة ثبت، إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدث بالبصرة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٨٠٩».\n(^٣) عمار بن رزيق الضبي، أبو الأحوص الكوفي، «ت ١٥٩ هـ»، قال أبو حاتم والنسائي والبزار: «لا بأس به». ووثقه ابن معين، وابن المديني، وأبو زرعة، وابن حنبل، وذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه الذهبي = = وقال: «ما علمت لأحد فيه تليينًا إلا قول السليماني: إنه من الرافضة، فالله أعلم بصحة ذلك». انظر الجرح والتعديل «٢١٨٢»، والثقات «ر ١٠٠٩٥»، وميزان الاعتدال «ر ٥٩٩٢»، والتقريب «ر ٤٨٢١»، والتهذيب «ر ٦٤٨».","vol":"1","page":264},{"text":"* ورواهُ الطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ١٢٦٩٢»، والنَّقاشُ في فوائدِ العراقيينَ «ر ٢٣»، والحربيُّ في إكرامِ الضَّيفِ «ر ٥٠»: منْ طريقِ حبيبِ بنِ حبيبٍ (^١) أخو حمزةَ الزَّيَّاتِ، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ العيزارَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- مرفوعًَا.\nفبسبرِ طُرقِ هذَا الحديثِ تبيَّنَ لنَا روايتَانِ:\nإحداهُمَا: موقوفةٌ منْ طريقِ ثقتينِ، وهمَا: معمرُ بنُ راشدٍ، وعمَّارُ بنُ رزيقٍ.\nوالثَّانيةُ: مرفوعةٌ منْ طريقٍ ضعيفٍ، وهوَ: حبيبُ بنُ حبيبٍ، فترجَّحتْ روايةُ الوقفِ، وعُلمَ أنَّ روايةَ الرَّفعِ منكرةٌ لمخالفةِ الضَّعيفِ للثِّقاتِ.\nقالَ أبو زرعةَ «ت ٢٦٤ هـ»: «هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، إِنَّمَا هُوَ ابنُ عَبَّاسٍ، مَوقُوفٌ» (^٢).\nوقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «لِأَنَّ غَيرَ حبيبٍ، مِنَ الثِّقَاتِ رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مَوقُوفًَا، وَهُوَ المَعْرُوفُ» (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) حبيب بن حبيب، أخو حمزة الزيات، وثقه عثمان بن أبي شيبة، وتركه ابن المباري، وقال أبو زرعة: «واهي الحديث». وذكره العقيلي في الضعفاء، وقال الرازي: «ليس بالقوي». وقال الأزدي: «ليس بالمرضي». انظر ضعفاء العقيلي «ر ٣٢٠»، والجرح والتعديل «١٣٧٣»، والكامل لابن عدي «ر ٥٣٢»، والضعفاء لابن الجوزي «ر ٧٥٤».\n(^٢) علل الحديث لابن أبي حاتم ٢/ ١٨٢.\n(^٣) نخبة الفكر وشرحها للقاري ص ٣٣٩.","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type='title' id=toc-64>المَبْحَثُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ:</span> (^١)\n<span data-type='title' id=toc-65>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ:</span>\nلغةً: زيادةُ العددِ في السَّندِ (^٢).\nاِصطلاحًَا: أنْ يزيدَ راوٍ في الإسنادِ المتَّصلِ رجلًَا لمْ يذكرهُ غيرُهُ، وهمًَا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-66>المَطْلَبُ الثَّانِي: حُكْمُ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ، وآَلِيَّةُ تَحْدِيدِ الزِّيَادَةِ:</span>\nالزِّيادةُ في «المزيدِ في متَّصلِ الأسانيدِ» كعدمِهَا، قالَهُ الجعبريُّ (^٣) «ت ٧٣٢ هـ» (^٤). والحكمُ للحديثِ الخالي مِنَ الزِّيادةِ (^٥).\n_________\n(^١) ألف الخطيب كتابًا أسماه «تمييز المزيد في متصل الأسانيد» - وهو كتاب مفقود - وقد اعترض عليه ابن الصلاح ص ٢٨٦، وهناك رسالة ماجستير بعنوان «المزيد في متصل الأسانيد - دراسة نظرية تطبيقية» للباحثة سميرة محمد سلامة - طبعتها مكتبة الرشد ناشرون - الرياض - ١٤٢٦ هـ.\n(^٢) رسوم التحديث ص ٩١.\n(^٣) إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل الجعبري، أبو إسحاق، «٦٤٠ هـ - ٧٣٢ هـ»، عالم بالقراءات، من فقهاء الشافعية، له نحو مئة كتاب، منها: «رسوم التحديث في علوم الحديث»، و«أسماء الرواة المذكورين في الشاطبية». انظر البداية والنهاية ١٤/ ١٦٠، والدرر الكامنة ١/ ٥٠، وطبقات الشافعية ٦/ ٨٢.\n(^٤) رسوم التحديث ص ٩١.\n(^٥) انظر جامع التحصيل ص ١٢٦.","vol":"1","page":266},{"text":"ويُشترطُ لردِّ الزِّيادةِ أنْ يقعَ التَّصريحُ بالسَّماعِ، معَ قرينةٍ تدلُّ على الوهمِ في الزِّيادةِ (^١).\nفإنْ لمْ يقعِ التَّصريحُ بالسَّماعِ، وكانَ بـ «عَنْ»، اعتبرَ الإسنادُ الخالي مِنَ الزِّيَادةِ مُنقطعًَا، وعُدَّ منَ المرسلِ الخفيِّ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «لِأَنَّ الإِسْنَادَ الخَالِي عَنِ الرَّاوِي الزَّائِدِ، إِنْ كَانَ بِلَفْظِهِ «عَنْ» فِي ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِإِرْسَالِهِ وَيُجْعَلَ مُعَلَّلًَا بِالإِسْنَادِ الذِي ذُكِرَ فِيهِ الزَّائِدُ» (^٢).\nوقدْ يكونُ أيضًَا في حالِ التَّصريحِ بالسَّماعِ، مِنَ العالي والنَّازلِ، بأنْ سمعَهُ أوَّلًَا عنْ شيخِهِ، ثمَّ تطلَّبَهُ بعلوٍ، فسمعَهُ منْ شيخِ شيخِهِ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالسَّمَاعِ أَوْ بِالإِخْبَارِ … فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ عَنْهُ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْهُ نَفْسَهُ» (^٣).\nفإنْ كانَ ثمَّةَ قرينةٌ تدلُّ على كونِ الزِّيادةِ وهمًَا، فهوَ المزيدُ في متَّصلِ الأسانيدِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» بعدَ كلامِهِ السَّابقِ: «اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُوجَدَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى كَونِهِ وَهْمًَا» (^٤).\n_________\n(^١) وقد بيَّن الدكتور عبد الله الجديع أن الوهم ليس شرطًا في المزيد، بل قد تكون زيادة ثقة، كما في العالي والنازل. انظر تحرير علوم الحديث ٢/ ١٠٢٣. وهو خلاف ما نص عليه الأئمة المحدثون في كتب أصول = = الحديث، ومن جهة أخرى فإن المزيد في متصل الأسانيد يشترك مع العالي والنازل في الزيادة، لكنهما يفترقان، في كون الزيادة في العالي والنازل زيادة معتبرة، وفي المزيد زيادة مردودة. انظر مقدمة ابن الصلاح ص ٢٨٦، ورسوم التحديث ص ٩١، والشذا الفياح ٢/ ٤٧٧، والمقنع في علوم الحديث ٢/ ٤٨٣، وتدريب الراوي ٢/ ٢٠٣، ونخبة الفكر وشرحها للقاري ص ٤٧٨.\n(^٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٨٦.\n(^٣) المصدر ذاته.\n(^٤) المصدر ذاته.","vol":"1","page":267},{"text":"وقالَ الأبناسيُّ «ت ٨٠٢ هـ»: «رُبَّمَا كَانَ الحُكْمُ لِلنَّاقِصِ، وَالزَّائِدُ وَهْمٌ، فَيَكُونُ مِنْ نَوعِ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ» (^١).\nومنَ القرائنِ لمعرفةِ المزيدِ في متَّصلِ الأسانيدِ:\nأوَّلًا: كثرةُ العددِ: قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» في معرضِ كلامِهِ عنِ الرِّوايةِ التي مثَّلَ بهَا للمزيدِ: «وَأَمَّا ذِكْرُ أَبِي إِدْرِيسَ فِيهِ فَابْنُ المُبَارَكِ مَنْسُوبٌ فِيهِ إِلَى الوَهْمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الثِّقَاتِ رَوَوهُ عَنْ ابْنِ جَابِرٍ فَلَمْ يَذْكُرُوا أَبَا إِدْرِيسَ بَينَ بِسْرٍ وَوَاثِلَةَ، وَفِيهِمْ مَنْ صَرَّحَ فِيهِ بِسَمَاعِ بِسْرٍ مِنْ وَاثِلَةَ» (^٢).\nثانيًَا: سلوكُ الجَادَّةِ (^٣): قالَ أبو حاتمٍ «ت ٢٢٧ هـ» عنِ الرِّوايةِ السَّابقةِ: «يَرَونَ أَنَّ ابْنَ المُبَارَكِ وَهِمَ فِي هَذَا، وَكَثِيرًَا مَا يُحَدِّثُ بِسْرٌ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، فَغَلِطَ ابْنُ المُبَارَكِ وَظَنَّ أَنَّ هَذَا مِمَّا رُوِيَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ وَاثِلَةَ، وَقَدْ سِمِعَ هَذَا بِسْرٌ مِنْ وَاثِلَةَ نَفْسِهِ» (^٤).\nثالثًَا: أنْ يكونَ مَنْ لمْ يأتِ بالزِّيادةِ أوثَقَ ممَّنْ أتَى بهَا: قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَإِنْ كَانَتِ المُخَالَفَةُ بِزِيَادَةِ رَاوٍ فِي أَثْنَاءِ الإِسْنَادِ، وَمَنْ لَمْ يُزِدْهَا أَتْقَنُ مِمَّنْ زَادَهَا، فَهَذَا هُوَ المَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ» (^٥).\n_________\n(^١) الشذا الفياح ٢/ ٤٨١.\n(^٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٨٦.\n(^٣) سلوك الجادة: الجادة في اللغة: هي معظم الطريق، فمعنى: «سلك الجادة» هو أنه سار على ما هو أغلب وأشهر. وبمعناها قولهم: «أخذ المجرة» و«اتبع المجرة» و«لزم الطريق» و«سلك الطريق» ونحو ذلك.\nوفي الاصطلاح، قال ابن رجب «ت ٧٩٥ هـ»: «فإن كان المنفرد عن الحفاظ، مع سوء حفظه قد سلك الطريق المشهور، والحفاظ يخالفونه، فإنه لا يكاد يرتاب في وهمه وخطئه، لأن الطريق المشهور تسبق إليه الألسنة والأوهام كثيرًا. فيسلكه من لا يحفظ». شرح علل الترمذي ٢/ ٨٤١.\n(^٤) علل الحديث لابن أبي حاتم ١/ ٨٠.\n(^٥) نخبة الفكر وشرحها للقاري ص ٤٧٨.","vol":"1","page":268},{"text":"أو كانَ منْ أثبتِ النَّاسِ في شيخِهِ الذي رُويَ عنهُ الحديثُ، قالَ أبو بكرٍ بنُ أبي عاصمٍ (^١) «ت ٢٨٧ هـ» في روايةِ ابنِ المباركِ السَّابقةِ: «رَوَاهُ صَدَقَةُ بنُ خَالِدٍ مِنْ غَيرِ الزِّيَادَةِ، وَأَيُّوبُ بنُ سُوَيدٍ، وَالوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ. وَصَدَقَةُ مِنْ أَثْبَتِهِمْ فِي ابْنِ جَابِرٍ» (^٢).\nرابعًَا: إيرادُ الرَّاوي للرِّوايةِ المزيدةِ دونَ الأخرى، فإذَا ذكرَ الرِّوايتينِ المزيدةَ وغيرَ المزيدةِ منْ طريقِهِ ولمْ يكنْ ثمَّةَ قرينةٌ للوهمِ حُمِلَ على كونِهِ مِنَ العالي والنَّازلِ، قالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الظَّاهِرُ مِمَّنْ لَهُ هَذَا أَنْ يَذْكُرَ السَّمَاعَينِ، فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْهُمَا حُمِلَ عَلَى الزِّيَادَةِ» (^٣).\nخامسًا: أنْ يكونَ الرَّاوي ممَّنْ يزيدُ في الإسنادِ، قالَ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «كَانَ يَحْيَى يُنْكِرُ عَلَى هَمَّامٍ أَنَّهُ يَزِيدُ فِي الإِسْنَادِ» (^٤). وقالَ ابنُ حنبلٍ عنْ مجالدٍ: «كَذَا وَكَذَا، وَحَرَّكَ يَدَهُ، وَلَكِنَّهُ يَزِيدُ فِي الإِسْنَادِ» (^٥).\nفإنْ لمْ تترجَّحْ لدينَا الزِّيادةُ أو عدمُهَا، قالَ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «يُتَوَقَّفُ فِيهِ لِكَونِهِ مُحْتَمَلًَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الأَمْرَينِ» (^٦).\n_________\n(^١) أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك، ابن مخلد الشيباني، أبو بكر بن أبي عاصم، «٢٠٦ هـ - ٢٨٧ هـ»، عالم بالحديث، ولي قضاء أصبهان، من كتبه: «الآحاد والمثاني»، و«المسند الكبير»، كتاب «السنة». انظر تذكرة الحفاظ ٢/ ١٩٣، والبداية والنهاية ١١/ ٨٤.\n(^٢) الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم ١/ ٢٤٣.\n(^٣) التقريب ١/ ٢٠.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال ١/ ٢٢٦.\n(^٥) المصدر ذاته ١/ ٤١٣.\n(^٦) جامع التحصيل ص ١٢٧.","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type='title' id=toc-67>المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ:</span>\nيتجلَّى أثرُ السَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ في معرفةِ المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ بمَا يأتي:\nأولًا: إدراكُ ومعرفةُ الزِّيادةِ في السَّندِ تتمُّ مِنْ خلالِ السَّبرِ والمعارضَةِ بينَ الأسانيدِ.\nثانيًا: إنَّ بعضَ القرائنِ المذكورةِ آنفًا معتمدُهَا السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ لترجيحِ الزِّيادةِ منْ عدمِهَا، أو تحديدِ نوعِهَا مِنْ حيثُ كونُهَا معتبرةً أو مردودةً، كمَا في القرينتينِ الأولى والرَّابعةِ، وهمَا تعدُّدُ الطُّرقِ الخاليةِ مِنَ الزِّيادةِ مقابلَ الرِّوايةِ المزيدةِ، وكذلكَ عدمُ ذكرِ الرَّاوي صاحبِ الزِّيادةِ للسَّماعِ الثَّاني الخالي منَ الزِّيادةِ منْ طريقِهِ.\nمعَ العلمِ أنَّهُ لا بدَّ بالإضافةِ إلى السَّبرِ مِنْ دقَّةِ نظرٍ وقرائنَ مرجِّحةٍ، للحكمِ على نوعِ الزِّيادةِ، والتَّأكُّدِ أنَّهَا مِنَ المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ.\nوإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ، مِنْ خلالِ المثالين الآتيين:\nأَوَّلًَا: الحَدِيثُ الذِي مَثَّلَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَمَنْ تَبِعَهُ عَلَى المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ:\nوهوَ حديثُ أبي مرثدٍ الغنويِّ -﵁-، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ -ﷺ- يقولُ: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيهَا».\n* بسبرِ طرقِ هذَا الحديثِ نجدُ أنَّهُ أخرجَهُ مسلمٌ «ر ٩٧٢»، وابنُ خزيمةَ «ر ٧٩٤»، وابنُ حبَّانَ «ر ٢٣٢٠»، والحاكمُ «ر ٤٩٦٩»، والتِّرمذيُّ «ر ١٠٥٠»، والبيهقيُّ في الكبرى «ر ٤٠٧٤»،","vol":"1","page":270},{"text":"وابنُ حنبلٍ «ر ١٧٢٥٥»، وأبو يعلى «ر ١٥١٤»، منْ طريقِ ابنِ المباركِ (^١)، عنْ ابنِ جابرٍ، عنْ بسرَ ابنِ عُبيدِ اللهِ، عنْ أبي إدريسَ الخولانيِّ، عنْ واثلةَ بنِ الأسقعِ، عنْ أبي مرثدٍ الغنويِّ -﵁-.\n* وأخرجَهُ ابنُ خزيمةَ «ر ٧٩٣»، وأبو عوانةَ «ر ١١٧٩»، والتِّرمذيُّ «ر ١٠٥١»، والنَّسائيُّ «ر ٧٦٠»، وابنُ حنبلٍ «ر ١٧٢٥٤»، والبيهقيُّ «ر ٧٠٠٧»، منْ طريقِ الوليدِ بنِ مسلمٍ (^٢)، عنْ ابنِ جابرٍ، عنْ بسرَ، عنْ واثلةَ، عنْ أبي مرثدٍ. منْ غيرِ ذكرِ أبي إدريسَ الخولانيِّ بينَ بسرَ وواثلةَ.\nوتابع الوليدَ صدقةُ بنُ خالدٍ (^٣)، كمَا في المستدركِ «ر ٤٩٧٥»، والآحادِ والمثاني «ر ٣١٦»، والمعجمِ الكبيرِ «ر ٤٣٣»، ومسندِ الشَّاميينَ «ر ٥٨٠».\nوعيسى بنُ يونسَ (^٤)، كمَا في سننِ أبي داودَ «ر ٣٢٢٩».\nوبشرُ بنُ بكرٍ (^٥)، كمَا في المستدركِ «ر ٤٩٧٥».\nوبذلكَ يتبيَّنُ لنَا تفرُّدُ ابنِ المباركِ بذكرِ أبي إدريسَ الخولانيِّ بينَ بسرَ وواثلةَ، خالفَهُ بذلكَ الوليدُ بنُ مسلمٍ، وصدقةُ بنُ خالدٍ، وعيسى بنُ يونسَ، وبشرُ بنُ بكرٍ، فترجَّحَ لنَا الطَّريقُ\n_________\n(^١) عبد الله بن المبارك المروزي، «ت ١٨١ هـ»، ثقة ثبت، فقيه عالم جواد، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٣٥٧٠».\n(^٢) الوليد بن مسلم، أبو العباس الدمشقي، «ت ١٩٥ هـ»، ثقة، كثير التدليس والتسوية، أخرج له الأربعة. انظر التقريب «ر ٧٤٥٦».\n(^٣) صدقة بن خالد الأموي، أبو العباس الدمشقي، «ت ١٧١ هـ»، ثقة، أخرج له «خ د س جه». انظر التقريب «ر ٢٩١١».\n(^٤) عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، «ت ١٨٧ هـ»، ثقة مأمون، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٥٣٤١».\n(^٥) بشر بن بكر التنيسي، أبو عبد الله البجلي، «ت ٢٠٥ هـ»، ثقة يغرب، أخرج له «خ د س جه». انظر التقريب «ر ٦٧٧».","vol":"1","page":271},{"text":"منْ غيرِ هذهِ الزِّيادةِ لقرينةِ كثرةِ العددِ، ووَهْمِ ابنِ المباركِ بسلوكِهِ الجادَّةَ في روايةِ أبي إدريسَ عنْ واثلةَ، وثمَّةَ قرينةٌ أخرى وهيَ أنَّ صدقةَ بنَ خالدٍ منْ أثبتِهِمْ في ابنِ جابرٍ (^١).\nقالَ أبو حاتمٍ «ت ٢٢٧ هـ»: «يَرَونَ أَنَّ ابْنَ المُبَارَكِ وَهِمَ فِي هَذَا، وَكَثِيرًَا مَا يُحَدِّثُ بِسْرُ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، فَغَلِطَ ابْنُ المُبَارَكِ وَظَنَّ أَنَّ هَذَا مِمَّا رَوَيَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ وَاثِلَةَ، وَقَدْ سَمِعَ هَذَا بِسْرُ مِنْ وَاثِلَةَ نَفْسِهِ» (^٢).\nوقالَ البخاريُّ «ت ٢٥٦ هـ»: «حَدِيثُ ابْنِ المُبَارَكِ خَطَأٌ، أَخْطَأَ فِيهِ ابْنُ المُبَارَكِ وَزَادَ فِيهِ: «عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ». وَإِنَّمَا هُوَ بِسْرُ بنُ عُبَيدِ اللهِ عَنْ وَاثِلَةَ. هَكَذَا رَوَى غَيرُ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ، وَلَيسَ فِيهِ: «عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ». وَبِسْرُ بنُ عُبَيدِ اللهِ قَدْ سَمِعَ مِنْ وَاثِلَةَ» (^٣).\nوقالَ الدَّراقطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ»: «وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ وَاثِلَةَ عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ» (^٤).\nثَانِيًَا: مثالٌ آخرُ: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ -﵁-، قالَ: «أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ -ﷺ- مُسْتَلْقِيًَا فِي المَسْجِدِ وَاضِعًَا إِحْدَى رِجْلَيهِ عَلَى الأُخْرَى».\nالحديثُ أخرجَهُ البُخاريُّ «ر ٤٦٣»، ومسلمٌ «ر ٢١٠٠»، وابنُ حبَّانَ «ر ٥٥٥٢»، مِنْ طريقِ مالكٍ (^٥)، عنْ ابنِ شهابٍ الزُّهريِّ، عنْ عبَّادِ بنِ تميمٍ، عنْ عمِّهِ عبدِ اللهِ بنِ زيادٍ -﵁-.\n_________\n(^١) ذكر ابن الصلاح في هذا الحديث زيادة أخرى من قبيل المزيد في متصل الأسانيد، وهي ذكر «سفيان» بين ابن المبارك وابن جابر، وقد تتبعت طرق الحديث فلم أجد مَنْ ذَكَرَ هذه الزيادة ألبتة. والله أعلم.\n(^٢) علل الحديث لابن أبي حاتم ١/ ٨٠.\n(^٣) علل الترمذي ص ١٥١.\n(^٤) العلل للدارقطني ٧/ ٤٣.\n(^٥) مالك بن أنس الأصبحي، أبو عبد الله المدني، «ت ١٧٩ هـ»، الحافظ الحجة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٤٢٥».","vol":"1","page":272},{"text":"وتابعَ مالكَ بنَ أنسٍ معمرُ بنُ راشدٍ (^١)، في سننِ البيهقيِّ «ر ٣٠٢٦»، ومصنَّفِ عبدِ الرَّزَّاقِ «ر ٢٠٢٢١»، ومسندِ عبدِ بنِ حُميدٍ «ر ٢١٧».\nوسفيانُ بنُ عيينةَ (^٢)، في سننِ التِّرمذيِّ «ر ٢٧٦٥»، وسننِ الدَّارميِّ «ر ٢٦٥٦».\nويونسُ بنُ يزيدَ (^٣)، في مسندِ أبي عوانةَ «ر ٨٦٩٢».\nوابنُ أبي ذئبٍ (^٤)، في مسندِ الطَّيالسيِّ «ر ١١٠١».\nويحيى بنُ جرجةَ (^٥)، في مسندِ ابنِ حنبلٍ «ر ١٦٤٩١». وغيرُهُمْ.\nوخالفَهُمْ عبدُ العزيزِ الماجشون (^٦)، كمَا في معرفةِ الصَّحابةِ «ر ٤١٥٩»، فرواهُ عنْ الزُّهريِّ عنْ محمودِ بنِ لبيدٍ، عنْ عبَّادِ بنِ تميمٍ، عنْ عمِّهِ عبدِ اللهِ بنِ زيادٍ. فزادَ «محمودَ بنَ لبيدٍ» بينَ الزُّهريِّ وعبَّادٍ.\nفمنْ خلالِ السَّبرِ تبيَّنَ تفرُّدُ عبدِ العزيزِ الماجشونَ - وهوَ ثقةٌ - بزيادةِ «محمودِ بنِ لبيدٍ»، ومخالفتُهُ للأكثرِ منَ الرُّواةِ الثِّقاتِ، فكانتْ زيادتُهُ مِنَ المزيدِ في متَّصلِ الأسانيدِ.\n_________\n(^١) تقدمت ترجمته ص ٢٣٢.\n(^٢) تقدمت ترجمته ص ٢٣٠.\n(^٣) يونس بن يزيد بن أبي النجاد، أبو يزيد الأيلي، «ت ١٥٩ هـ»، ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا وفي غير الزهري خطأ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٩١٩».\n(^٤) محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، أبو الحارث المدني، «ت ١٥٨ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٠٨٢».\n(^٥) يحيى بن جرجة، المكي، قال أبو حاتم: «شيخ». وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: «ربما خالف». وقال ابن عدي: «أرجو أنه لا بأس بحديثه». انظر الجرح والتعديل «ر ٥٦٠»، والثقات «ر ١١٦٤٨»، والكامل لابن عدي «ر ٢١٢٧»، واللسان «ر ٨٦١».\n(^٦) عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، «ت ١٦٤ هـ»، ثقة، فقيه، مصنف، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤١٠٤».","vol":"1","page":273},{"text":"قالَ أبو حاتمٍ «ت ٢٢٧ هـ» وأبو زرعةَ «ت ٢٨١ هـ»: «خَالَفَ عَبْدُ العَزِيزِ المَاجِشُون أَصْحَابَ الزُّهْرِيِّ فِي ذَلِكَ، أَدْخَلَ فِيمَا بَينَ الزُّهْرِيِّ وَعَبَّادٍ «مَحْمُودَ بنَ لَبِيدٍ»، وَلَمْ يُدْخِلْهُ أَحَدٌ مِنَ الحُفَّاظِ» (^١).\nوذكرَهُ المقدسيُّ «٥٠٧ هـ» في أطرافِ الغرائبِ والأفرادِ، وقالَ: «غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَحْمُودٍ بنِ لَبِيدٍ عَنْ عَبَّادٍ، تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ العَزِيزِ المَاجِشُونَ بِهَذَا الإِسْنَادِ» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) علل الحديث لابن أبي حاتم ٢/ ٢٦٧. وينظر فتح الباري ٢/ ٥٧٣.\n(^٢) أطراف الغرائب والأفراد ٤/ ١٩٣.","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type='title' id=toc-68>المَبْحَثُ الرَّابِعُ: مَعْرِفَةُ الاِضْطِرَابِ فِي الإِسْنَادِ:</span> (^١)\n<span data-type='title' id=toc-69>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُضْطَرِبِ:</span>\nالمضطربُ: لغةً: اسمُ فاعلٍ منْ «اضْطَربَ». يُقالُ: اضطربَ الموجُ، أي: ضربَ بعضُهُ بعضًَا. واضطربَ الأمرُ: اختلَّ (^٢).\nاصطِلاحًَا: هوَ الحديثُ المرويُّ منْ راوٍ أو أكثرَ على أوجهٍ مُختلفةٍ مؤثِّرةٍ (^٣)، معَ عدمِ إمكانيَّةِ الجمعِ أو التَّرجيحِ.\nقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «المُضْطَرِبُ مِنَ الحَدِيثِ: هُوَ الذِي تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِيهِ، فَيَرْوِيهِ بَعْضُهُمْ عَلَى وَجْهٍ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى وَجْهٍ آَخَرَ مُخَالِفٍ لَهُ، وَإِنَّمَا نُسَمِّيهِ مُضْطَرِبًَا إِذَا تَسَاوَتِ الرِّوَايَتَانِ» (^٤).\n_________\n(^١) للإمام ابن حجر «المقترب في بيان المضطرب» - وهو من الكتب المفقودة - قال السخاوي «٩٠٢ هـ»: «القتطه شيخنا من العلل للدارقطني مع زوائد». فتح المغيث «بتصرف» ١/ ٢٢٧. ومن الرسائل العلمية «الحديث المضطرب - دراسة وتطبيقًا». للباحث أحمد بازمول، وقد طبعه بعنوان «المقترب في بيان المضطرب» - دار الخراز - السعودية - جدة - ١٤٢٢ هـ. وانظر في «المضطرب» مقدمة ابن الصلاح ص ٩٣، والاقتراح في بيان الاصطلاح ص ٢٢، ورسوم التحديث ص ٨٥، والمنهل الروي ص ٥٢، والنكت على ابن الصلاح ٢/ ٢٤٤، والشذا الفياح ٢/ ٢١٢، والمقنع ص ٢٢١، والتقييد والإيضاح ص ١٢٤، وفتح المغيث ١/ ٢٣٧، وتدريب الراوي ١/ ٢٦٢.\n(^٢) انظر لسان العرب - مادة «ضرب» ١/ ٥٤٤، وتاج العروس - مادة «ضرب» ٣/ ٢٤٨.\n(^٣) قيد خرج به اختلاف التنوع في الرواية، كأن يُروى الحديث عن رجل مرة وعن آخر مرة، ثم يجمعهما في سند. وكذا اضطراب الرواة في اسم الراوي ونسبه مع ثقته. انظر النكت للزركشي ٢/ ٢٢٤.\n(^٤) مقدمة ابن الصلاح ص ٩٣.","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type='title' id=toc-70>المَطْلَبُ الثَّانِي: حُكْمُ الحَدِيثِ المُضْطَرِبِ، وَشُرُوطُهُ:</span>\nقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَالاِضْطِرَابُ مُوجِبٌ ضَعْفَ الحَدِيثِ، لِإِشْعَارِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يُضْبَطْ» (^١).\nويُشترطُ في الحديثِ حتَّى يُحكمَ عليهِ بالاضطرابِ:\nأوَّلًا: الاختلافُ، معَ التَّساوي في القوَّةِ بحيثُ لا يترجَّحُ منهُ شيءٌ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَإِنَّمَا نُسَمِّيهِ مُضْطَرِبًَا إِذَا تَسَاوَتِ الرِّوَايَتَانِ، أَمَّا إِذَا تَرَجَّحَتْ إِحْدَاهُمَا بِحَيثُ لَا تُقَاوِمُهَا الأُخْرَى بِأَنْ يَكُونَ رَاوِيهَا أَحْفَظَ أَوْ أَكْثَرَ صُحْبَةً لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ، أَوْ غَيرُ ذَلِكَ مِنَ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ المُعْتَمَدَةِ فَالحُكْمُ لِلرَّاجِحَةِ، وَلَا يُطْلَقُ عَلَيهِ حِينَئِذٍ وَصْفُ المُضْطَرِبِ وَلَا لَهُ حُكْمُهُ» (^٢).\nثانيًَا: عدمُ إمكانيةِ الجمعِ بينَ الوجوهِ المختلفةِ. قالَ ابنُ دقيقٍ «ت ٧٠٢ هـ»: «فَإِنْ أَمْكَنَ الجَمْعُ بَينَ تِلْكَ الوُجُوهِ بِحَيثُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ المُتَكَلِّمُ مُعَبِّرًَا بِاللَّفْظَينِ الوَارِدَينِ عَنْ مَعْنَى وَاحِدٍ فَلَا إِشْكَالَ أَيضًَا، مِثْلَ: أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الوَجْهَينِ قَدْ قَالَ الرَّاوِي: عَنْ رَجُلٍ. وَفِي الوَجْهِ الآَخَرِ سَمَّى رَجُلًَا، فَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُسَمَّى هَوَ ذَلِكَ المُبْهَمَ، فَلَا تَعَارُضَ» (^٣).\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح ص ٩٣. «يُضْبَط»: مبني للمجهول، أي: الحديث. ومن الممكن أن تبنى للمعلوم «يَضْبِطْ»، أي: الراوي الحديثَ.\n(^٢) المصدر ذاته.\n(^٣) الاقتراح في بيان الاصطلاح ص ٢٢، وانظر مقدمة فتح الباري ١/ ٣٤٨.","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type='title' id=toc-71>المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المُضْطَرِبِ «سَنَدًَا»:</span>\nالمضْطَربُ قدْ يكونُ في السَّندِ، وقدْ يكونُ في المتنِ، وقدْ يكونُ في السَّندِ والمتنِ معًَا، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَهُوَ يَقَعُ فَي الإِسْنَادِ غَالِبًَا» (^١). ونحنُ هنَا بصددِ الحديثِ عمَّا يختصُّ بالسَّندِ أو ما يكونُ في السَّندِ والمتنِ معًا، لأنَّ اضطرابَ المتنِ غالبًَا ما يكونُ تابعًَا لاضطرابِ السَّندِ، قالَ اللَّكنويُّ (^٢) «ت ١٣٠٤ هـ»: «الاِضْطِرَابُ فِي المَتْنِ قَلَّمَا يُوجَدُ إِلَّا وَمَعَهُ اضْطِرَابٌ فِي السَّنَدِ» (^٣). والكلامُ على المضْطربِ متنًَا سيأتي في مباحثِ «أثرِ السَّبرِ في المتنِ».\nالاِضْطِرابُ في الحديثِ علَّةٌ خفيَّةٌ (^٤)، لا يطَّلعُ عليهَا إلَّا مَنْ كانَ منْ أهلِ السَّبرِ والتَّتبُّعِ والاستقراءِ التامِّ، والاضْطِرابُ يكونُ بينَ المتعدِّدِ، فلمعرفتِهِ لا بدَّ منْ جمعِ الطُّرقِ ومعارضتِهَا ببعضِهَا والنَّظرِ في الاختلافاتِ الواردةِ بينَهَا، فالسَّبرُ هوَ الآليَّةُ التي منْ خلالِهَا يُحدَّدُ الاضْطِرابُ في الإسنادِ منْ عدمِهِ، لأنَّهُ بهِ يُعرفُ الاختلافُ بينَ طرقِ\n_________\n(^١) نخبة الفكر وشرحها للقاري ص ٤٨١.\n(^٢) محمد عبد الحي بن محمد عبد الحليم الأنصاري، اللكنوي، الهندي، أبو الحسنات، «١٢٦٤ هـ - ١٣٠٤ هـ»، عالم بالحديث والتراجم، من كتبه: «الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة»، و«الرفع والتكميل في الجرح والتعديل»، و«ظفر الأماني في مختصر الجرجاني»، و«التعليق الممجد» على موطأ الشيباني. انظر الرسالة المستطرفة ص ١١٥، والأعلام ٦/ ١٨٧.\n(^٣) ظفر الأماني ص ٣٩٨.\n(^٤) المقترب في بيان المضطرب - أحمد بازمول - ص ٩٨.","vol":"1","page":277},{"text":"الحديثِ سواءٌ منَ الرَّاوي نفسِهِ أو مِنْ جمعِ الرُّواةِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَقَدْ يَقَعُ ذَلِكَ مِنْ رَاوٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ يَقَعُ بَينَ رُوَاةٍ لَهُ جَمَاعَةٌ» (^١). فإذَا كانَ مِنْ راوٍ واحدٍ، فالسَّبرُ يكونُ لطرقِ الحديثِ مِنْ ذلكَ الرَّاوي، وإذَا كانَ مِنْ رواةٍ عدَّةٍ فيكونُ السَّبرُ لجميعِ هذهِ الطُّرقِ.\nوبِهِ يتبيَّنُ لنَا التَّساوي المتقاوِمُ الذي يؤكِّدُ اضْطِرابَ الحديثِ، لأنَّهُ بالسَّبرِ تنتفي أحدُ المرجِّحاتِ لعدمِ الاضْطِرابِ، ككثرةِ العددِ مقابلَ قلَّتهِ للمخالِفِ أو تفرُّدِهِ، قالَ ابنُ دقيقٍ «ت ٧٠٢ هـ»: «إِنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ فِي الحَدِيثِ مِمَّا يَمْنَعُ الاِحْتِجَاجَ بِهِ، بِشَرْطِ تَكَافُؤِ الرِّوَايَاتِ أَوْ تَقَارُبِهَا، أَمَّا إِذَا كَانَ التَّرْجِيحُ وَاقِعًَا لِبَعْضِهَا، إِمَّا لِأَنَّ رُوَاتَهُ أَكْثَرُ أَوْ أَحْفَظُ فَيَنْبَغِي العَمَلُ بِهَا» (^٢). والتَّسَاوي في عددِ الرُّواةِ لا بدَّ فيهِ منْ قرينةِ التَّساوي في القُوَّةِ، فقدْ يكونُ الاختلافُ مُتباينًَا في عددِ الرُّواةِ مُتقاوِمًَا في قوَّتِهمْ، فيكونُ الحديثُ مُضْطَربًَا، وللوقوفِ على ذلكَ لا بُدَّ منْ معرفةِ مراتبِ الرُّواةِ جرحًَا وتعديلًَا، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «المُخْتَلِفِينَ إِمَّا أَنْ يَكُونُوا مُتَمَاثِلِينَ فِي الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ أَمْ لَا، فَالمُتَمَاثِلُونَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَدَدُهُمْ مِنَ الجَانِبَينِ سَوَاءٌ أَمْ لَا، فَإِنْ اسْتَوَى عَدَدُهُمْ مَعَ اسْتِوَاءِ أَوصَافِهِمْ وَجَبَ التَّوَقُّفُ» (^٣).\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح ص ٩٣.\n(^٢) إحكام الأحكام ٣/ ١٧٢.\n(^٣) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٧٧٨.","vol":"1","page":278},{"text":"ومنْ خلالِ السَّبرِ يُمكنُنَا معرفةُ الرَّاوي الذي نشأَ منهُ الاضْطِرابُ، قالَ الدكتورُ أحمدُ بازمولُ (^١): «الرَّاوِي الذِي أَخْطَأَ، أَوْ اضْطَرَبَ فِي الحَدِيثِ، لَا نَسْتَطِيعُ إِدْرَاكَهُ إِلَّا بَعْدَ جَمْعِ طُرُقِ الحَدِيثِ، وَالحُفَّاظُ يَحْكُمُونَ بِتَخْطِئَةِ رَاوٍ بَعْدَ وُقُوفِهِمْ عَلَى الرِّوَايَاتِ المُخْتَلِفَةِ» (^٢).\nوذلكَ باختلافِ الحفَّاظِ عنهُ، قالَ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ» في «عبدِ اللهِ بنِ عُميرٍ الكوفيِّ»: «مُضْطَرِبٌ جِدًَّا فِي حَدِيثِهِ، اخْتَلَفَ عَنْهُ الحُفَّاظُ» (^٣).\nوذكرَ الدَّارقُطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ» حديثًَا فيهِ اضْطِرابٌ، ثمَّ قالَ: «وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الاِضْطِرَابُ فِي هَذَا الإِسْنَادِ مِنْ عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيرٍ، لِكَثْرَةِ اخْتِلَافِ الثِّقَاتِ عَنْهُ فِي الإِسْنِادِ» (^٤). أو باجتماعِ الثِّقاتِ عنهُ على الخطأِ، فيُعلمُ أنَّهُ منهُ، ذكرَ الدَّارقُطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ» أيضًَا حديثًَا مُضْطَرِبًا، وقالَ عنهُ: «لَيسَ فِيهِ شَيءٌ أَقْطَعُ عَلَى صِحَّتِهِ، لِأَنَّ الأَعْمَشَ اضْطَرَبَ فِيهِ، وَكُلُّ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ ثِقَةٌ» (^٥).\nوإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الاضْطِرابِ في الإسنادِ منْ عدمِهِ منْ خلالِ ما يأتي:\n_________\n(^١) أحمد بن عمر بن سالم بن أحمد بن عبود بازمول، أبو عمر، المكي، أستاذ مساعد في جامعة أم القرى، حصل على الدكتوراة عام ١٤٢٧ هـ، من مؤلفاته: «المقترب في بيان المضطرب»، و«حجية الأحاديث النبوية الواردة في الطب والعلاج»، «خطورة نقد الحديث». وغيرها.\n(^٢) المقترب في بيان المضطرب «بتصرف» - ص ٩٩.\n(^٣) سؤالات أبي داود ص ٢٩٥.\n(^٤) العلل للدارقطني ٢/ ١٢٤.\n(^٥) المصدر ذاته ١١/ ٣٤٣.","vol":"1","page":279},{"text":"أَوَّلًَا: الاِضْطِرَابُ فِي الإِسْنَادِ:\nالاضْطِرابُ في الإسنادِ يتنوَّعُ بحسبِ صورِهِ، كتعارضِ الوصلِ والإرسالِ، وتعارضِ الوقفِ والرَّفعِ، وتعارضِ الاتِّصالِ والانقطاعِ، وكزيادةِ رجلٍ في أحدِ الإسنادينِ، والاضْطِرابِ في اسمِ الرَّاوي ونسبِهِ إذَا كانَ مُتردِّدًَا بينَ ثقةٍ وضعيفٍ، والاضْطِرابِ في تعيينِ الرَّاوي، هذَا كلُّهُ إذَا تعذَّرَ الجمعُ أو التَّرجيحُ، أمَّا إذَا أمكنَ الجمعُ أو التَّرجيحُ فسيأتِي الكلامُ عليهِ في مباحثَ مستقلَّةٍ حسبَ كلِّ نوعٍ:\nمثالُ المضْطَربِ سندًَا: حديثُ أبي بكرٍ -﵁- أنَّهُ قالَ: يا رسولَ اللهِ أراكَ شبتَ؟ قالَ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا».\n* فبسبرِ طرقِ هذَا الحديثِ نجدُ أنَّهُ لمْ يُروَ إلَّا منْ طريقِ أبي إسحاقَ السَّبيعيِّ، واختُلِفَ عليهِ، فأخرجَهُ التِّرمذيُّ في سننهِ «ر ٣٢٩٧»، وفي العللِ «ر ٦٦٤»، والمروزيُّ في مسندِ أبي بكرٍ «ر ٣٠»، والحاكمُ في المستدركِ «ر ٣٣١٤»، منْ طريقِ شيبانَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ (^١)، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ عكرمةَ، عنْ ابنِ عبَّاسٍ -﵁-، عنْ أبي بكرٍ -﵁-، مرفوعًا.\n* وأخرجَهُ سعيدُ بنُ منصورٍ في سننهِ «٥/ ٣٧١»، والمروزيُّ في مسندِ أبي بكرٍ «ر ٣١»، وأبو يعلى في مسندِهِ «ر ١٠٧» و«ر ١٠٨»، وابنُ أبي شيبةَ في مصنَّفِهِ «ر ٣٠٢٦٨» منْ طريقِ أبي الأحوصِ (^٢)، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ عكرمةَ، عنْ أبي بكرٍ -﵁-، مرفوعًا.\n_________\n(^١) شيبان بن عبد الرحمن، أبو معاوية المصري، «ت ١٦٤ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٨٣٣».\n(^٢) سلام بن سليم الحنفي، أبو الأحوص الكوفي، «ت ١٧٩ هـ»، ثقة متقن، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٧٠٣».","vol":"1","page":280},{"text":"* وأخرجَهُ عبدُ الرَّزَّاقِ في مصنَّفِهِ «ر ٥٩٩٧» منْ طريقِ معمرٍ (^١)، عنْ أبي إسحاقَ مرسلًا.\n* وأخرجَهُ أبو يعلى في مسندِهِ «ر ٨٨٠»، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ٣١٨»، والتِّرمذيُّ في العللِ «ر ٦٦٥»، منْ طريقِ عليِّ بنِ صالحٍ (^٢)، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ أبي جُحيفةَ -﵁-.\n* وأخرجَهُ المروزيُّ في مسندِ أبي بكرٍ «ر ٣٢»، وأبو بكرٍ في «الغَيلانيَّاتِ» «ر ١٠٨»، منْ طريقِ زكريَّا بنِ أبي زائدةَ (^٣)، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ عمرِو بنِ شُرحْبيلَ، عنْ أبي بكرٍ -﵁-.\n* وأخرجَهُ الطَّبرانيُّ في الأوسطِ «ر ٨٢٦٩»، وابن أبي حاتم في العلل «ر ١٨٩٤»، منْ طريقِ زكريَّا بنِ أبي زائدةَ، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ مسروقٍ، عنْ أبي بكرٍ -﵁-.\n* وأخرجَهُ النُّميريُّ في أخبارِ المدينةِ «ر ١٠١٥»، منْ طريقِ إسرائيلَ (^٤)، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ عكرمةَ، عنْ أبي بكرٍ -﵁-.\nقالَ الدَّارقُطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ»: «هَذَا حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرْوَ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيهِ فِيهِ عَلَى نَحْوِ عَشَرَةِ أَوجُهٍ …، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ لَا يُمْكِنُ تَرْجِيحُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَالجَمْعُ مُتَعَذِّرٌ» (^٥).\n_________\n(^١) تقدمت ترجمته ص ٢٣٢.\n(^٢) علي بن صالح الهمداني، أبو محمد الكوفي، «ت ١٥١ هـ»، ثقة، أخرج له مسلم والأربعة. انظر التقريب «ر ٤٧٤٨».\n(^٣) زكريا بن أبي زائدة، الهمداني، أبو يحيى الكوفي، «ت ١٤٩ هـ»، ثقة، وكان يدلس، وسماعه من أبي إسحاق بآخرة، أخرجه له الستة. انظر التقريب «ر ٢٠٢٢».\n(^٤) إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أبو يوسف الكوفي، «ت ١٦٠ هـ»، ثقة، تكلم فيه بلا حجة أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٠١».\n(^٥) العلل للدارقطني ١/ ١٩٣ - ٢١٠. قال السُّيوطيُّ بعد أن أورد حديث أبي إسحاق هذا: «ومثله حديث مجاهد، عن الحكم بن سفيان، عن النبي -ﷺ- في نضح الفرج بعد الوضوء. قد اختلف فيه على عشرة أقوال». انظر تدريبَ الرَّاوي ١/ ٢٦٥ و٢٦٦.","vol":"1","page":281},{"text":"ثَانِيًَا: الاِضْطِرَابُ فِي الإِسْنَادِ وَالمَتْنِ مَعًَا:\nمثالُهُ: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ- كتبَ إلى جُهينةَ قبلَ موتِهِ بشهرٍ: «أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ».\n* بسبرِ سندِ هذَا الحديثِ نجدُ أنَّ مدارَهَ على الحكمِ بنِ عتيبةَ، واختُلِفَ عليهِ فأخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ «ر ٢٥٢٧٦» منْ طريقِ منصورِ بنِ المعتمرِ (^١)، عنِ الحكمِ بنِ عتيبةَ، عنْ ابنِ أبي ليلى عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قالَ: «أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-».\nوتابعَهُ الشَّيبانيُّ (^٢) عندَ ابنِ أبي شيبةَ «ر ٢٥٢٧٧» والتِّرمذيِّ في سننهِ «ر ١٧٢٩».\nوشعبةُ (^٣) عندَ ابنِ أبي شيبةَ أيضًَا «ر ٢٥٢٧٨»، وابنُ ماجةَ «ر ٣٦١٣».\nوالأعمشُ (^٤) عندَ التِّرمذيِّ «ر ١٧٢٩».\nوحمزةُ الزَّياتِ (^٥) عندَ الطَّبرانيِّ في الصَّغيرِ «ر ١٠٥٠».\nوأبَّانُ بنُ تغلبٍ (^٦) عندَهُ في الصَّغيرِ أيضًَا «ر ٧٦٤٢».\n* وأخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ «ر ٣٣٨٨٦»، وابنُ حنبلٍ «ر ١٨٨٠٧»، والنَّسائيُّ في المجتبى «ر ٤٢٤٩»، وفي الكبرى «ر ٤٥٧٥»، والطَّبريُّ في تهذيبِ الآثارِ «ر ١٢٢٥»، وابنُ حبَّانَ\n_________\n(^١) منصور بن المعتمر بن عبد الله، أبو عتاب السلمي، «ت ١٣٢ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٩٠٨».\n(^٢) سليمان بن أبي سليمان، أبو إسحاق الشيباني، «ت ١٤٠ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٥٦٨».\n(^٣) شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، أبو بسطام، «ت ١٦٠ هـ»، ثقة حافظ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٧٩٠».\n(^٤) سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي، «ت ١٤٧ هـ»، ثقة حافظ، يدلس، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٦١٥».\n(^٥) تقدمت ترجمته ص ٢٢١.\n(^٦) أبان بن تغلب، أبو سعد الكوفي، «ت ١٤٠ هـ»، ثقة، أخرج له مسلم والأربعة. انظر التقريب «ر ١٣٦».","vol":"1","page":282},{"text":"«ر ١٢٧٨»، والبيهقيُّ «ر ٤٢» و«ر ٤٣» منْ طريقِ شعبةَ، عنِ الحكمِ، عنْ ابنِ أبي ليلى، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ قالَ: «قُرِئَ عَلَينَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-».\n* وأخرجَهُ عبدُ بنُ حميدٍ «ر ٤٨٨»، منْ طريقِ أجلحٍ (^١)، عنْ الحكمِ، عنْ ابنِ أبي ليلى، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قالَ: «كَتَبَ إِلَينَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-».\nوتابعَهُ منصورُ بنُ المعتمرِ في سننِ النَّسائيِّ «ر ٤٢٥٠» «ر ٤٥٧٦».\n* وأخرجَهُ ابنُ حبَّانَ «ر ١٢٧٩»، منْ طريقِ القاسمِ بنِ مخيمرةَ (^٢)، عنِ الحكمِ، عنْ ابنِ أبي ليلى، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قالَ: «حَدَّثَنَا مَشْيَخَةٌ لَنَا مِنْ جُهَينَةَ».\nوالاضْطِرابُ في السَّندِ هُنا بيِّنٌ، قالَ التِّرمذيُّ «ت ٢٧٩ هـ»: «كَانَ أَحْمَدُ يَذْهَبُ إِلَيهِ، وَيَقُولُ: هَذَا آَخِرُ الأَمْرِ، ثُمَّ تَرَكَهُ لَمَّا اضْطَرَبُوا فِي إِسْنَادِهِ» (^٣).\nوقالَ الخَلَّالُ (^٤) «ت ٣١١ هـ»: «لَمَّا رَأَى أَبُو عَبْدِ اللهِ تَزَلْزُلَ الرُّوَاةِ فِيهِ تَوَقَّفَ فِيهِ» (^٥).\n_________\n(^١) أجلح «يحيى» بن عبد الله، أبو حجية الكندي، «ت ١٤٥ هـ»، قال ابن معين: «صالح». ووثقه مرةً، ووثقه الدارمي، والعجلي، وقال ابن المديني: «في نفسي منه شيء». وقال ابن حنبل: «أجلح ومجالد متقاربان في الحديث، وقد روى الأجلح غير حديث منكر». وقال أبو حاتم: «ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به». وذكره العقيلي في الضعفاء، وقال النسائي: «ضعيف، ليس بذاك». وقال ابن عدي: «مستقيم الحديث صدوق». وقال ابن حجر: «صدوق، شيعي». انظر الجرح والتعديل «ر ١٣١٧»، والضعفاء للعقيلي «ر ١٤٧» وتهذيب الكمال «ر ٢٨٢»، والتقريب «ر ٢٨٥».\n(^٢) القاسم بن مخيمرة، أبو عروة الهمداني، «ت ١٠٠ هـ»، ثقة، أخرج له مسلم والأربعة. انظر التقريب «ر ٥٤٩٥».\n(^٣) سنن الترمذي ٤/ ٢٢٢.\n(^٤) أحمد بن هارون، أبو بكر الخلال، البغدادي، «… - ٣١١ هـ»، مفسر، محدث، لغوي، من كبار الحنابلة، من كتبه: «السنة»، و«العلل»، و«الاعتبار في الناسخ والمنسوخ». انظر طبقات الحنابلة ٢/ ١٢، وتذكرة الحفاظ ٣/ ٧.\n(^٥) نقله الحازمي في كتابه الاعتبار في الناسخ والمنسوخ ص ٥٧.","vol":"1","page":283},{"text":"وقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «الِاضْطِرَابُ فِي سَنَدِهِ، فَإِنَّهُ تَارَةً قَالَ: عَنْ كِتَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَتَارَةً: عَنْ مَشْيَخَةٍ مِنْ جُهَينَةَ، وَتَارَةً: عَمَّنْ قَرَأَ الْكِتَابَ» (^١).\nوأمَّا الاضْطِرابُ في متنِهِ:\n* فقدْ أخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ «ر ١٨٨٠٤»، والطَّبريُّ «ر ١٢٢٣» «ر ١٢٢٤»، والبيهقيُّ «ر ٤٤» منْ طريقِ خالدٍ الحذَّاءِ (^٢)، عنِ الحكمِ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قالَ: «كَتَبَ إِلَينَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ». وتابعَهُ أبَّانُ بنُ تغلبٍ (^٣) عندَ ابنِ حبَّانَ «ر ١٢٧٧».\n* وأخرجَهُ الطَّبرانيُّ في الصَّغيرِ «ر ٢٤٠٧» منْ طريقِ إبراهيمَ بنِ عثمانَ (^٤)، عنِ الحكمِ، عنْ ابنِ أبي ليلى، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قال: «أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرَينِ».\n* وأخرجَهُ ابنُ حنبلٍ «ر ١٨٨٠٥» مِنْ طريقِ خالدٍ الحذَّاءِ (^٥)، عنِ الحكمِ، عنْ ابنِ أبي ليلى عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قال: «أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِشَهْرٍ أَوْ شَهْرَينِ».\nقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَالِاضْطِرَابُ فِي المَتْنِ: فَرَوَاهُ الْأَكْثَرُ مِنْ غَيرِ تَقْيِيدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ بِقَيدِ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَينِ، أَوْ أَرْبَعِينَ يَومًَا، أَوْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» (^٦).\n_________\n(^١) التلخيص الحبير ١/ ٤٨.\n(^٢) خالد بن مهران، أبو المنازل الحذاء، ثقة، يرسل، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ١٦٨٠».\n(^٣) تقدمت ترجمته ص ٢٤٩.\n(^٤) إبراهيم بن عثمان العبسي، أبو شيبة الكوفي، قال الجوزجاني: «ساقط». وقال ابن معين: «ليس بثقة». وقال ابن حنبل: «منكر الحديث». وقال أبو زرعة: «ضعيف». وقال النسائي: «متروك الحديث». وقال أبو حاتم: «ضعيف الحديث، سكتوا عنه، وتركوا حديثه». وذكره ابن حبان في المجروحين، وقال ابن حجر: «متروك الحديث». انظر أحوال الرجال «ر ٦٨»، والضعفاء للنسائي «ر ١١»، والجرح والتعديل «ر ٣٤٧»، والمجروحين «ر ١٤»، والكامل لابن عدي «ر ٧١»، والتقريب «٢١٥».\n(^٥) تقدمت ترجمته ص ٢٥٠.\n(^٦) التلخيص الحبير ١/ ٤٨.","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type='title' id=toc-72>المَبْحَثُ الخَامِسُ: مَعْرِفَةُ المَقْلُوبِ فِي الإِسْنَادِ:</span> (^١)\n<span data-type='title' id=toc-73>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المَقْلُوبِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًَا:</span>\nالمقلوبُ: لغةً: اسمُ مفعولٍ مِنْ «قَلَبَ»، ومعناهُ: تحويلُ الشَّيءِ عنْ وجهِهِ، أو ردُّهِ مِنْ جهةٍ إلى جهةٍ، وكلامٌ مقلوبٌ: أي ليسَ على وجهِهِ (^٢). وحديثٌ مقلوبٌ: لأنَّ راويَهُ أخرجَهُ عنْ وجهِهِ الصَّحيحِ إلى وجهٍ آخرَ، عمدًَا كانَ فعلُهُ أو سهوًَا.\nاصطلاحًَا: الحديثُ الذي أبدلَ فيهِ راويَهُ شيئًا بآخرَ في السَّندِ أو في المتنِ عمدًَا أو سهوًَا (^٣).\nوممَّنْ ألَّفَ في المقلوبِ: الخطيبُ البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ» كتابًَا أسماهُ «رافعُ الارتيابِ في المقلوبِ منَ الأسماءِ والأنسابِ» (^٤). ولابنِ البُلقينيِّ «ت ٨٢٤ هـ» جُزءٌ مُفردٌ جمعَ فيهِ مقلوبَ المتنِ، ونظمَهَا في أبياتٍ (^٥). و«جلاءُ القلوبِ في معرفةِ المقلوبِ» (^٦) لابنِ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ».\n_________\n(^١) انظر في المقلوب مقدمة ابن الصلاح ١/ ١٠١، ورسوم التحديث ص ٩١، والمنهل الروي ص ٥٣، والنكت على ابن الصلاح ٢/ ٢٩٩، والشذا الفياح ١/ ٣٢٠، والمقنع في علوم الحديث ١/ ٢٤١، وفتح المغيث ١/ ٢٧٢، والتوضيح الأبهر ص ٥٨، والغاية في شرح الهداية ص ٢٠٩، وتدريب الراوي ١/ ٢٩١، وشرح نخبة الفكر ص ٤٧٥، وتوضيح الأفكار ٢/ ٩٨، وقواعد التحديث ص ١٣٢.\n(^٢) انظر لسان العرب - مادة «قلب»، ١/ ٤٧٩، والمحكم والمحيط الأعظم - مادة «قلب» ٦/ ٤٢٢.\n(^٣) وقد فصل الدكتور محمد بازمول تعريفات أئمة أصول الحديث للحديث المقلوب مناقشًا تعريف كل منهم، في كتابه «سلسلة الدراسات الحديثية - الأنواع والمصطلحات التي تتداخل مع الحديث المقلوب» - طبع في دار الإمام أحمد - مصر - ١٤٢٩ هـ.\n(^٤) أشار إليه الخطيب في كتابه «موضح أوهام الجمع والتفريق» ١/ ٧٨، وهو من الكتب المفقودة.\n(^٥) أشار إليه السخاوي في فتح المغيث ١/ ٢٨٠.\n(^٦) المصدر ذاته ١/ ٢٧٩.","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type='title' id=toc-74>المَطْلَبُ الثَّانِي: أَنْوَاعُ الحَدِيثِ المَقْلُوبِ:</span>\nقال ابن حجر «ت ٨٥٢ هـ»: «يَقَعُ [القَلْبُ] عَمْدًَا، إِمَّا بِقَصْدِ الإغْرَابِ، أَوْ لِقَصْدِ الاِمْتِحَانِ، وَقَدْ يَقَعُ وَهْمًَا، فَأَقْسَامُهُ ثَلَاثَةٌ: وَهِيَ كُلُّهَا فِي الإِسْنَادِ، وَقَدْ يَقَعُ نَظِيرُهَا فِي المَتْنِ، وَقَدْ يَقَعُ فِيهِمَا جَمِيعًَا» (^١). لكنَّهُ في السَّندِ أكثرُ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَقَسَّمُوا المَقْلُوبَ السَّنَدِيَّ خَاصَّةً، لِكَونِهِ الأَكْثَرَ كَاقْتِصَارِهِمْ فِي المَوضُوعِ عَلَى المَتْنِيِّ لِكَونِهِ الأَهَمَّ» (^٢). وقالَ اللَّكنويُّ «ت ١٣٠٤ هـ»: «وَلِذَا سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ مَقْلُوبِ المَتْنِ كَثِيرٌ مِنَ المُصَنِّفِينَ فِي هَذَا الفَنِّ، كَمَا أَنَّهُمْ اقْتَصَرُوا فِي بَحْثِ المَوضُوعِ المُخْتَلَقِ مَتْنًَا لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الحَدِيثُ صَحِيحًَا وَالسَّنَدُ مَوضُوعًَا» (^٣).\nوعلى هذَا فأنواعُ الحديثِ المقلوبِ تتعدَّد بالنِّسبةِ إلى المتنِ والسَّندِ، والعمدِ والخطأِ.\nونحنُ بصددِ الكلامِ على القلبِ في السَّندِ، فهوَ يتنوَّعُ إلى أنواعٍ:\nأَوَّلًَا: التَّقديمُ والتَّأخيرُ في اسمِ الرَّاوي ونسبِهِ: قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَمِنْ هَذَا القِسْمِ مَا يَقَعُ الغَلَطُ فِيهِ بِالتَّقْدِيمِ فِي الأَسْمَاءِ وَالتَّاخِيرِ، كَمُرَّةَ بنِ كَعْبٍ، فَيَجْعَلُهُ كَعْبَ بنَ مُرَّةَ\n_________\n(^١) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٨٦٤.\n(^٢) فتح المغيث ١/ ٢٧٢ و٢٧٣.\n(^٣) ظفر الأماني في مختصر الجرجاني ص ٤٠٥.","vol":"1","page":286},{"text":"وَمُسْلِمُ بنُ الوَلِيدِ فَيَجْعَلُهُ الوَلِيدَ بنَ مُسْلِمٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا أَوهَمَهُ كَونُ اسْمِ أَحَدِهِمَا اسْمُ أَبِي الآَخَرِ» (^١).\nثَانِيًَا: التَّقديمُ والتَّأخيرُ بينَ راوٍ وآخرَ: وقدِ اهتمَّ العلماءُ بروايةِ الأكابرِ عنِ الأصاغرِ، وروايةِ الآباءِ عنِ الأبناءِ لدفعِ توهُّمِ انقلابِ السَّندِ، قالَ ابنُ أبي حاتمٍ «ت ٣٢٧ هـ»: سُئِلَ أبو زُرعةَ عنْ حديثٍ رواهُ ابنُ المباركِ، عنْ عنبسةَ بنِ سعيدٍ، عنِ الشَّعبيِّ، عنْ جابرٍ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- قالَ: «لَا يُسْتَقَادُ مِنَ الجُرْحِ حَتَّى يَبْرَأَ». قالَ أبو زُرعةَ: «هُوَ مُرْسَلٌ مَقْلُوبٌ» (^٢). يعني أبو زُرعةَ أنَّ صوابَهُ: «ابنُ المباركِ، عنْ عنبسةَ بنِ سعيدٍ، عنْ جابرٍ، عنِ الشَّعبيِّ، عنْ النَّبيِّ -ﷺ-». فهذَا قلبٌ مفسدٌ جدًَّا، ليسَ في تصييرِ المرسلِ موصولًا فقطْ، إذ الشعبي تابعي. بلْ جابرٌ هذَا في حالِ الوصلِ هوَ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ الأنصاريُّ الصَّحابيُّ، وفي حالِ كونِهِ الرَّاوي عنِ الشَّعبيِّ فهوَ جابرُ بنُ يزيدَ الجُعفيُّ أحدُ المتَّهمينَ بالكذبِ في الحديثِ (^٣).\nثالثًا: إبدالُ راوٍ بآخرَ منْ طبقتِهِ: قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» في حدِّ المقلوبِ: «هُوَ نَحْو حَدِيثٍ مَشْهُورٍ عَنْ سَالِمٍ، جُعِلَ عَنْ نَافِعٍ، لِيَصِيرَ بِذَلِكَ غَرِيبًَا مَرْغُوبًَا فِيهِ» (^٤).\nرابعًا: إِبدالُ سندٍ بآخرَ وجعلِهِ لمتنٍ آخرَ: قالَ الجَعبَريُّ «ت ٧٣٢ هـ»: «المَقْلُوبُ: رِوَايَةُ حَدِيثٍ بِإِسْنَادٍ آَخَرَ وَعَكْسِهِ، لِلتَّرْغِيبِ أَوْ الاِمْتِحَانِ أَوْ التَّبْكِيتِ» (^٥). قالَ الزَّركشيُّ\n_________\n(^١) فتح المغيث ١/ ٢٧٨.\n(^٢) علل الحديث لابن أبي حاتم ١/ ٤٥٦.\n(^٣) تحرير علوم الحديث ٢/ ١٠٠٨.\n(^٤) مقدمة ابن الصلاح ص ١٠١.\n(^٥) رسوم التحديث ص ٩١.","vol":"1","page":287},{"text":"«ت ٧٩٤ هـ»: «الثَّانِي: أَنْ يُوجَدَ إِسْنَادُ مَتْنٍ فَيُجْعَلَ عَلَى مَتْنٍ آَخَرَ، أَوْ مَتْنٍ فَيُجْعَلَ بِإِسْنَادٍ آَخَرَ» (^١). ومنْ قبيلِ هذَا ما فعلَهُ أهلُ بغدادَ معَ البخاريِّ اختبارًا لهُ، حيثُ قلبُوا متونَ وأسانيدَ مئةِ حديثٍ، فجعلُوا متنَ هذَا الإسنادِ لإسنادٍ آخرَ وإسنادَ هذَا المتنِ لمتنٍ آخرَ، ثمَّ ألقُوهَا عليهِ، فلمَّا فرغُوا ردَّ كلَّ متنٍ إلى إسنادِهِ وكلَّ إسنادٍ إلى متنِهِ، فأذعنُوا لهُ بالفضلِ (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٢٩٩.\n(^٢) مقدمة ابن الصلاح ص ١٠١.","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type='title' id=toc-75>المَطْلَبُ الثَّالِثُ: حُكْمُ الحَدِيثِ المَقْلُوبِ:</span>\nتكلَّمَ العلماءُ على المقلوب في أنواعِ الحديثِ الضَّعيفِ، فإذا كانَ القلبُ في الحديثِ خطأً أو سهوًا فهوَ ضعيفٌ، فإذَا غلبَ على حديثِ الرَّاوي فحديثُهُ منكرٌ، فإنْ لمْ يكثرْ يكونُ صاحبُهُ تارةً منْ شرطِ الحسنِ وتارةً مِنْ شرطِ الصَّحيحِ.\nوهوَ بمرتبةِ الموضوعِ إنْ كانَ عمدًا بقصدِ الإغرابِ، وفاعلُهُ منَ الوضَّاعينَ، وحديثُهُ مردودٌ. قالَ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «قَدْ يَقْصِدُ بِهِ الإِغْرَابَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْوَضْعِ» (^١).\nوإنْ وقعَ القلبُ عمدًَا بقصدِ الامتحانِ فالجمهورُ على جوازِهِ، ليُعلَمَ بهِ ضبطُ الرَّاوي منْ عدمِهِ، قالَ الحافظُ العراقيُّ «ت ٨٠٤ هـ»: «وَقَدْ يُفْعَلُ اخْتِبَارًَا لِحِفْظِ المُحَدِّثِ، وَهَذَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الحَدِيثُ كَثِيرًَا، وَفِي جَوَازِهِ نَظَرٌ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا فَعَلَهُ أَهْلُ الحَدِيثِ لَا يَسْتَقِرُّ حَدِيثًَا، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ اخْتِبَارُ حِفْظِ المُحَدِّثِ بِذَلِكَ، أَوْ اخْتِبَارُهُ هَلْ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ أَوْ لَا» (^٢). قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَسْتَمِرَّ عَلِيهِ بَلْ يَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ الحَاجَةِ» (^٣).\n_________\n(^١) النكت على مقدمة ابن الصلاح ٢/ ٣٠٣.\n(^٢) انظر شرح التبصرة والتذكرة ص ٩٩.\n(^٣) نخبة الفكر وشرحها للقاري ص ٤٨٨.","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type='title' id=toc-76>المَطْلَبُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المَقْلُوبِ «سَنَدًَا»:</span>\nبيَّنَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» الطَّريقَ لمعرفةِ الحديثِ المقلوبِ، فقالَ: «كُلُّ مَقْلُوبٍ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَونِهِ مُعَلَّلًَا أَوْ شَاذًَّا لِأنَّهُ إِنَّمَا يَظْهَرُ أَمْرُهُ بِجَمْعِ الطُّرُقِ وَاعْتِبَارِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَمَعْرِفَةِ مَنْ يُوَافِقُ مِمَّنْ يُخَالِفُ» (^١). فالحديثُ قدْ يأتي مقلوبًَا عمدًَا أو سهوًَا منْ طريقٍ، ويأتي صحيحًَا منْ طريقٍ أو طُرقٍ أخرى، فإذَا تواطَأ الرُّواةُ الثِّقاتُ على روايةٍ، وخالفَهُم راوٍ بصورةٍ مِنْ صُورِ القلبِ، عُلمَ حينئذٍ صوابُهُمْ مِنْ خطئِهِ، ورُجِّحتْ رِوايتُهُمْ للكثرةِ أو القرينةِ.\nوثمَّةَ طريقةٌ أخرى اعتمدَهَا الأئمَّةُ الحفَّاظُ مِنَ المحدِّثينَ في معرفةِ المقلوبِ، بحفظِ النُّسخِ الموضوعةِ وأحاديثِ المتَّهمينَ، حتَّى إذَا جاءَ من يقلبُهَا عُرفتْ عندهُمْ، قالَ مالكُ بنُ إسماعيلَ النَّهديُّ (^٢) «ت ٢١٩ هـ»: «جَاءَنِي عَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ، فَكَتَبَ عَنِّي عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بنِ حَرْبٍ أَحَادِيثَ إِسْحَاقَ بنِ أَبِي فَرْوَةَ، فَقُلْتُ: أَيُّ شَيءٍ تَصْنَعُ بِهَا، قَالَ: أَعْرِفُهَا، لَا تُقْلَبُ» (^٣).\nومنْ جهةٍ أخرى فإنَّ معرفةَ المقلوبِ تنفي تعدُّدَ الطُّرقِ والأحاديثِ، كمَا إذَا وقعَ القلبُ في اسمِ الصَّحابيِّ فيُظنُّ حديثانِ، وهوَ على الحقيقةِ حديثٌ واحدٌ، أو وقعَ القلبُ في\n_________\n(^١) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٨٧٤.\n(^٢) مالك بن إسماعيل بن درهم، أبو غسان النهدي، الكوفي، «… - ٢١٩ هـ»، الحافظ، أخرج له الستة. انظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٨٦، وطبقات الحفاظ ١/ ١٧٤.\n(^٣) ضعفاء العقيلي ١/ ١٠٢.","vol":"1","page":290},{"text":"اسمِ راوٍ فيُظنُّ للحديثِ طريقانِ، وهوَ ليسَ إلَّا طريقٌ واحدٌ، وبمعنى آخرَ: معرفةُ المقلوبِ تَفيدُ في نفيِ المتابعِ والشَّاهدِ عنْ بعضِ الأفرادِ، نقلَ السَّخاويُّ عنِ ابنِ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» قولَهُ: «إِنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَنْ أَفْرَدَهُ - أَي: الحَدِيثَ المَقْلُوبَ - مَعَ مَسِيسِ الحَاجَةِ إِلَيهِ بِحَيثُ أَدَّى الإِخْلَالُ بِهِ إِلَى عَدِّ الحَدِيثِ الوَاحِدِ أَحَادِيثَ، إِذَا وَقَعَ القَلْبُ فِي الصَّحَابِيِّ، وَيُوجَدُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ فَضْلًَا عَمَّنْ دُونَهُ، حَيثُ يُقَالُ: وَفِي البَابِ عَنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَيَكُونُ الوَاقِعُ أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ اخْتُلِفَ عَلَى رَاوِيهِ» (^١). ومثالُ ذلكَ ما ذكرَهُ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ» في ترجمةِ «سعيدِ ابنِ أوسٍ»: «رَوَى عَنِ ابْنِ عَونٍ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: «يَا بِلَالُ أَسْفِرْ بِالصُّبْحِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ». ثَنَاهُ الحُسَينُ بْنُ إِسْحَاقَ الأَصْبَهَانِيُّ بِالْكَرْخِ، ثَنَا القَاسِمُ ابنُ عِيسَى الحَضْرَمِيُّ، ثَنَا سَعِيدُ بنُ أَوسٍ. وَلَيسَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ ابنِ عَونٍ، وَلَا ابنِ سِيرِينَ، وَلَا أَبِي هُرَيرَةَ، وَإِنَّمَا هَذَا المَتْنُ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ فَقَطْ فِيمَا يُشْبِهُ هَذَا، مِمَّا لَا يَشُكُّ عَوَامُّ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا مَقْلُوبَةٌ أَوْ مَعْمُولَةٌ» (^٢). فيُظنُّ أنَّ هذَا الحديثَ لهُ روايةٌ عنْ أبي هريرةَ -﵁- بسببِ القلبِ، وهوَ ليسَ كذلكَ (^٣).\nوإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفَةِ القلبِ في الإسنادِ بأنواعِهِ، مِنْ خلالِ الأمثلةِ الآتيةِ:\n_________\n(^١) فتح المغيث ١/ ٢٧٩.\n(^٢) المجروحين ١/ ٣٢٥.\n(^٣) ولمعرفة الحديث المقلوب فوائد غير ما ذكرنا، أوصلها الدكتور محمد بازمول إلى إحدى عشرة فائدة، اقتصرت على ذكر ما يخص السبر وطرق الحديث منها.","vol":"1","page":291},{"text":"أوَّلًا: التَّقديمُ والتَّأخيرُ في اسمِ الرَّاوي ونسبِهِ:\nمثالُهُ حديثُ عمرِو بنِ خارجةَ -﵁- أنَّ النبيَّ -ﷺ- قالَ: «إِنَّ اللهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».\nالحديثُ أخرجَهُ النَّسائيُّ «ر ٣٦٤١» و«ر ٦٤٦٨»، والتِّرمذيُّ «ر ٢١٢١»، وأحمدُ «ر ١٧٧٠١»، وأبو يعلى «ر ١٥٠٨»، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ٦١»، مِنْ طريق أَبي عَوانةَ (^١)، عنْ قتادةَ، عنْ شهرِ ابنِ حوشبٍ، عنْ عبدِ الرَّحمنِ بنِ غَنْمٍ، عنْ عمرِو بنِ خارجةَ -﵁-.\nوتابعَهُ هشامُ الدَّستُوَائيُّ (^٢)، عندَ الدَّارِمِيِّ «ر ٣٢٦٠»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٦٠».\nوابنُ أبي عَرُوبَةَ (^٣)، عندَ ابنِ ماجةَ «ر ٢٧١٢»، والدَّارقُطنيِّ «ر ١٣»، والبيهقيِّ «ر ١٢٣١٩».\nوحمَّادُ بنُ سلمةَ (^٤)، عندَ أحمدَ «ر ١٧٧٠٢»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ١٤».\nوشعبةُ بنُ الحجَّاجِ (^٥)، عندَ النَّسائيِّ «ر ٣٦٤٢».\nورواهُ الطَّبرانيُّ في المعجمِ الكبيرِ «ر ٤١٤٠» منْ طريقِ عبدِ اللهِ بنِ حمزةَ الزُّبَيريِّ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ نافعٍ، عنْ عبدِ الملكِ بنِ قُدَامةَ، عنْ أبيهِ، عنْ خارجةَ بنِ عمرٍو.\n_________\n(^١) وضاح اليشكري، أبو عوانة الواسطي، «ت ١٧٦ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٤٠٧».\n(^٢) هشام بن عروة الأسدي، «ت ١٤٦ هـ»، ثقة فقيه، ربما دلس، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٣٠٢».\n(^٣) سعيد بن أبي عروبة، أبو النضر اليشكري، «ت ١٥٧ هـ»، ثقة حافظ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٣٦٥».\n(^٤) تقدمت ترجمته ص ٢٣١.\n(^٥) تقدمت ترجمته ص ٢٤٨.","vol":"1","page":292},{"text":"قالَ الطَّبرانيُّ (^١) «ت ٣٦٠ هـ»: «عَمْرُو بنُ خَارِجَةَ الأَسْعَدِيُّ، وَيُقَالُ: خَارِجَةُ بنُ عَمْرٍو. وَالصَّوَابُ: عَمْرُو بنُ خَارِجَةَ، حَلِيفُ أَبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ بنِ أُمَيَّةَ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ» (^٢). وقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في الدِّرايةِ: «وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ، فَقَالَ: عَنْ خَارِجَةَ بنِ عَمْرٍو، وَهُوَ مَقْلُوبٌ» (^٣). وقالَ في التَّلخيصِ: «وَمِنْ حَدِيثِ خَارِجَةَ بنِ عَمْرٍو عِنْدَ الطَّبَرانيِّ فِي الكَبِيرِ، وَلَعَلَّهُ عَمْرُو بنُ خَارِجَةَ، انْقَلَبَ» (^٤).\nفبالسَّبرِ تبيَّنَ القلبُ في اسمِ عمرِو بنِ خارجةَ عندَ الطَّبرانيِّ إلى خارجةَ بنِ عمرٍو، كمَا ترجَّحَ لنَا أنَّ الصوابَ «عمرُو بنُ خارجةَ» والعكسُ مقلوبٌ، لتواطُؤِ الرُّواةِ الثِّقاتِ على ذلكَ ولانفرادِ روايةِ الطَّبرانيِّ بالقلبِ.\n* * *\nثَانِيًَا: التَّقديمُ والتَّأخيرُ بينَ راوٍ وآخرَ:\nومثالُهُ حديثُ ابنِ بُريدَةَ، عنْ أبيهِ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- قالَ: «كُنَّا نَهَينَاكُمْ عَنْ الشُّرْبِ فِي الأَوعِيَةِ، فَاشْرَبُوا فِي أَيِّ سِقَاءٍ شِئْتُمْ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًَا».\nالحديثُ أخرجَهُ أحمدُ «ر ٢٣٠٦٧»، منْ طريقِ أيُّوبَ بنِ جابرٍ (^٥)، عنْ سِمَاكِ بنِ حربٍ، عنْ القاسمِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ ابنِ بُريدةَ، عنْ أبيهِ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-.\n_________\n(^١) سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير، اللخمي، الشامي، أبو القاسم الطبراني، «٢٦٠ هـ - ٣٦٠ هـ»، من كبار المحدثين، من تصانيفه: «المعاجم الثلاثة» في الحديث، و«دلائل النبوة» وغيرها كثير. انظر تذكرة الحفاظ/ ٩١٢، وطبقات الحفاظ ١/ ٣٧٢.\n(^٢) المعجم الكبير ١٧/ ٣٢. وانظر معرفة الصحابة ٤/ ٢٠٠٨، وأسد الغابة ٢/ ١٠٨، وتهذيب الكمال ٢١/ ٥٩٩.\n(^٣) الدراية في تخرج أحاديث الهداية ٢/ ٢٩٠.\n(^٤) التلخيص الحبير ٣/ ٩٢.\n(^٥) أيوب بن جابر بن سيار السُّحيمي، أبو سليمان اليمامي، ضعيف، أخرج له «د ت». انظر التقريب «ر ٦٠٧».","vol":"1","page":293},{"text":"وتابعَهُ محمَّدُ بنُ جابرٍ (^١)، عندَ الدَّارقُطنيِّ «ر ٦٧»، والطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٢٩٦٦».\nوشريكُ بنُ عبدِ اللهِ (^٢)، عندَ النَّسائيِّ «ر ٥١٨٨»، وابنِ ماجةَ «ر ٣٤٠٥».\nوقدْ تابعَ سِمَاكَ بنَ حربٍ، والقاسمَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ رواةٌ كثُرٌ عنْ ابنِ بريدةَ، عنْ أبيهِ، اقتصرتُ على ذكرِ ما سلفَ لبيانِ موطنِ الخطأِ مِنَ الرُّواةِ، وهوَ أبو الأحوصِ (^٣)، فقدْ خالفَ الرُّواةَ عنْ سِمَاكٍ، فروى الحديثَ عنْ سِمَاكِ بنِ حربٍ، عنِ القَاسمِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ أبيهِ، عنْ أبي بُردَةَ، عندَ النَّسائيِّ «ر ٥٦٧٧»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ٢٣٩٤٠»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٥٢٢»، والطَّيالسيِّ «ر ١٣٦٩»، والدَّارقُطنيِّ «ر ٦٦»، والبيهقيِّ «ر ١٧١٨٥».\nوبالسَّبرِ تبيَّنَتْ مخالفَةُ أبي الأحوصِ لجميعِ الرُّواةِ عن سِمَاكٍ، حيثُ صحَّفَ «ابنَ بُريدةَ» إلى «أبي بُردةَ»، وقلبَ السَّندَ فقالَ «عنْ أبيهِ، عنْ أبي بُردَةَ»، والصَّوابُ «عنْ ابنِ\n_________\n(^١) محمد بن جابر بن سيار السُّحيمي، أبو عبد الله اليمامي، «ت بعد ١٧٠ هـ»، ضعفه ابن معين والنسائي ويعقوب ابن سفيان والعجلي، وقال ابن حنبل: «لا يحدث عنه إلا شر منه». وقال البخاري: «ليس بالقوي يتكلمون فيه». وقال الفلاس: «صدوق، أي: إنه كثير الوهم، متروك الحديث». وقال الرازي: «ساء حفظه وكان يلقن». وقال ابن حبان: «كان أعمى، يلحق في كتبه ما ليس من حديثه ويسرق ما ذوكر به فيحدث به». وقال ابن حجر: «صدوق، ذهبت كتبه فساء حفظه وخلط كثيرًا، وعمي فصار يلقن، ورجحه أبو حاتم على ابن لهيعة». وقال الذهلي: «لا بأس به». وقال الدارقطنيُّ: «يعتبر به». والخلاصة أنه ضعيف. انظر الضعفاء لابن الجوزي «ر ٢٩١٠»، وتهذيب الكمال «ر ٥١١٠»، والتقريب «ر ٥٧٧٧»، والتهذيب «ر ١١٦».\n(^٢) شريك بن عبد الله النخعي، أبو عبد الله الكوفي، «ت ١٧٨ هـ»، وثقه العجلي، وقال: «كان حسن الحديث». ضعفه ابن معين، وقال ابن حنبل: «كان عاقلًا صدوقًا محدثًا». وقال أبو زرعة: «صاحب وهم». وقال أبو حاتم الرازي: «له أغاليط». وقال الدارقطني: «ليس بالقوي فيما ينفرد به، وقد انفرد بالإخراج عنه مسلم»، وقال ابن حجر: «صدوق، يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء». أخرج له مسلم والأربعة. انظر معرفة الثقات «ر ٧٢٧»، والضعفاء للعقيلي «ر ٧١٨»، والكامل لابن عدي «ر ٨٨٨»، والضعفاء لابن الجوزي «ر ١٦٢٣»، والتقريب «ر ٢٧٨٧».\n(^٣) تقدمت ترجمته ص ٢٤٧.","vol":"1","page":294},{"text":"بُريدَةَ، عنْ أبيهِ» فعادَ الضَّميرُ في «أبيهِ» على عبدِ الرَّحمنِ والدِ القاسمِ، وهوَ خلافُ الصَّوابِ.\nقال ابن حنبل «ت ٢٤١ هـ» «حَدِيثُ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، خَطَأَ الإِسْنَادِ وَالكَلَامِ؛ فَأَمَّا الإِسْنَادُ فَإِنَّ شَرِيكًَا وَأَيُّوبَ وَمُحَمَّدًا - ابْنَي جَابِرٍ - رَوَوهُ عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ القَاسِمِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ ابْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِي -ﷺ-، كَمَا رَوَى النَّاسُ» (^١). وقالَ أبو زُرعةَ «ت ٢٨١ هـ»: «هَذَا حَدِيثٌ مَقْلُوبٌ، مُصَحَّفٌ، فَاحِشٌ فِي القَلْبِ لِأَنَّهُ قَالَ: عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ» (^٢). وقالَ النَّسائيُّ «ت ٣٠٣ هـ»: «غَلِطَ فيه أبو الْأَحْوَصِ - سَلَّامُ بن سُلَيمٍ - لَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا تَابَعَهُ عليه من أَصْحَابِ سِمَاكِ بن حَرْبٍ» (^٣).\n* * *\nثالثًا: إبدالُ راوٍ بآخرَ منْ طبقتِهِ:\nمثالُهُ: حديثُ أبي هُريرةَ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- قالَ: «إِذَا لَقِيتُمُ المُشْرِكِينَ فِي طَرِيقٍ، فَلَا تَبْدَؤُوهُمْ بِالسَّلَامِ، وَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهَا».\nالحديثُ أخرجَهُ مسلمٌ «ر ٢١٦٧»، والتِّرمذيُّ «ر ١٦٠٢» منْ طريقِ عبدِ العزيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ (^٤)، عنْ سُهَيلِ بنِ أبي صالحٍ، عنْ أبيهِ، عنْ أبي هُريرةَ -﵁-.\n_________\n(^١) نقله ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة، عن ابن حنبل. انظر علل الحديث لابن أبي حاتم ٢/ ٢٥.\n(^٢) علل الحديث لابن أبي حاتم ٢/ ٢٤، وللاستزادة حول خطأ متن الحديث، ينظر علل الدارقطني ٦/ ٢٥، وتنقيح أحاديث التعليق ٣/ ٤٨٢.\n(^٣) سنن النسائي ٨/ ٣١٩.\n(^٤) عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردي، أبو محمد الجهني، «ت ١٨٧ هـ»، صدوق، كان يحدث من كتب غيره فيخطئ، وقال النسائي: «حديثه عن عبيد الله العمري منكر». أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤١١٩».","vol":"1","page":295},{"text":"وتابعَهُ شعبةُ (^١)، عندَ أبي داودَ «ر ٥٢٠٥»، وابنِ حبَّانَ «ر ٥٠١»، والطَّيالسيِّ «ر ٢٤٢٤».\nوسفيانُ الثَّوريُّ (^٢)، عندَ أحمدَ «ر ٩٧٢٤»، وعبدِ الرَّزَّاقِ «ر ٩٨٣٧».\nومَعْمَرُ بنُ راشدٍ (^٣)، عندَ عبدِ الرَّزَّاقِ «ر ٩٨٣٧».\nورَوحُ بنُ القاسمِ (^٤)، عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٧٠٥».\nوزُهيرُ بنُ معاويةَ (^٥)، عندَ أحمدَ «ر ٧٥٥٧»، وابنِ الجعدِ «ر ٢٦٧٢».\nوجريرُ بنُ عبدِ الحميدِ (^٦)، عندَ البيهقيِّ «ر ١٨٥٠٦».\nوخالفَهُمْ حمَّادُ بنُ عمرٍو (^٧)، عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٦٣٥٨»، والعُقيليِّ في الضُّعفاءِ «ر ٣٧٦»، فرواهُ عنِ الأعمشِ، عنْ أبي صالحٍ، عنْ أبي هريرةَ -﵁-.\n_________\n(^١) تقدمت ترجمته ص ٢٤٨.\n(^٢) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي، «ت ١٦١ هـ»، ثقة، حافظ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٤٤٥».\n(^٣) تقدمت ترجمته ص ٢٣٢.\n(^٤) روح بن القاسم، أبو غياث العنبري، «ت ١٤١ هـ»، ثقة حافظ، أخرج له «خ م د س جه». انظر التقريب «ر ١٩٧٠».\n(^٥) زهير بن معاوية بن حديج، أبو خيثمة الجعفي، «ت ١٧٤ هـ»، ثقة ثبت إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بآخرة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٠٥١».\n(^٦) جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي، «ت ١٨٨ هـ»، ثقة، صحيح الكتاب، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٩١٦».\n(^٧) حماد بن عمرو، أبو إسماعيل النصيبي، قال الجوزجاني: «كان يكذب». وقال النسائي: «متروك الحديث». وقال البخاري: «منكر الحديث». وقال ابن معين: «يكذب ويضع الحديث». انظر أحوال الرجال «ر ٣٢١»، والضعفاء للنسائي «ر ١٣٦»، وضعفاء العقيلي «ر ٣٧٦»، والجرح والتعديل «ر ٦٣٤»، والكامل لابن عدي «ر ٤١٥»، والضعفاء لابن الجوزي «ر ١٠٠٠».","vol":"1","page":296},{"text":"فبالسَّبرِ اتَّضحَ إبدالُ حمَّادِ بنِ عمرٍو للأعمشِ بسُهيلِ بنِ أبي صالحٍ، حيثُ قلبَهُ لقصدِ الإغرابِ (^١)، كمَا تبيَّنَ رُجحانُ روايةِ ابنِ أبي صالحٍ، لتواطؤِ الرُّواةِ الثِّقاتِ على ذلكَ،\nوإغرابِ حمَّادِ بنِ عمرٍو وتفرُّدِهِ بروايةِ الأعمشِ دونَ غيرِهِ مِنَ الرُّواةِ، وحمَّادُ هذَا منكرُ الحديثِ (^٢).\nقالَ العُقيليُّ (^٣) «ت ٣٢٢ هـ»: «وَلَا يُحْفَظُ هَذَا مِنْ حَدِيثِ الأَعْمَشِ، إِنَّمَا هَذَا حَدِيثُ سُهَيلِ ابنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ» (^٤). وقالَ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «فَهَذَا مَقْلُوبٌ، قَلَبَهُ حَمَّادُ بنُ عَمْرٍو - أَحَدُ الهَالِكِينَ - فَجَعَلَهُ عَنِ الأَعْمَشِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْرُوفٌ بِسُهَيلِ بنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ» (^٥).\n* * *\nرابعًا: إِبدالُ سندٍ بآخرَ وجعلُهُ لمتنٍ آخرَ:\nمثالُهُ: حديثُ أبي قتادةَ -﵁- قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَونِي».\n_________\n(^١) قال الزركشي: «وقد يقع ذلك غلطًا من بعض الرواة الثقات، كحديث المرور بين يدي المصلي، أخرجه الشيخان من حديث بسر بن سعيد، أن زيد بن خالد. وفي سنن ابن ماجة، قال: أرسلوني إلى زيد بن خالد، والصواب الأول. قال ابن عبد البر: رواه ابن عيينة مقلوبًا، والقول عندنا قول مالك وربيعة». النكت ٢/ ٢٩٩.\n(^٢) الضعفاء الصغير للبخاري ١/ ٣٤.\n(^٣) محمد بن عمرو بن موسى بن حماد، العقيلي، المكي، أبو جعفر، «… - ٣٢٢ هـ»، الحافظ، من أشهر كتبه: «الضعفاء». انظر تذكرة الحفاظ ٣/ ٥٠، والرسالة المستطرفة ص ١٠٨.\n(^٤) الضعفاء للعقيلي ١/ ٣٠٨.\n(^٥) النكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي ٢/ ٣٠١. وانظر أيضًا تدريب الراوي ١/ ٢٩١.","vol":"1","page":297},{"text":"الحديثُ أخرجَهُ البخاريُّ «ر ٦١١»، وأحمدُ «ر ٢٢٥٨٧»، والدَّارميُّ «ر ١٢٦١»، مِنْ طريقِ هشامٍ الدَّستوائيُّ (^١)، عنْ يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ أبي قتادةَ، عنْ أبي قتادةَ -﵁-.\nوتابعَ هشامًا مَعْمَرُ بنُ راشدٍ (^٢)، عندَ التِّرمذيِّ «ر ٥٩٢»، والنَّسائيِّ في الكبرى «ر ١٦٥١»، وعبدِ الرَّزَّاقِ «ر ١٩٣٢»، والحميديِّ «ر ٤٢٧»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ٤٠٩٣»، وابنِ حبَّانَ «ر ٢٢٢٣».\nوحجَّاجُ بنُ أبي عثمانَ (^٣)، عندَ مسلمٍ «ر ٦٠٤»، والنَّسائيِّ في الكبرى «ر ٨٦٥»، وابنِ حنبلٍ «ر ٢٢٥٨٦»، وابنِ خُزيمةَ «ر ١٥٢٦»، وأبي عَوانةَ «ر ١٣٣٥»، وابنِ حبَّانَ «ر ٢٢٢٢».\nوأبَّانُ بنُ يزيدَ العطَّارُ (^٤)، عندَ أبي داودَ «ر ٥٣٩»، وابنِ حنبلٍ «ر ٢٢٦٤٩».\nوعليُّ بنُ المباركِ (^٥)، عندَ البُخاريِّ «ر ٨٦٧»، وأبي عَوانةَ «ر ١٣٤١»، وابنِ حبَّانَ «ر ١٧٥٥».\nوهمَّامُ بنُ يحيى (^٦)، عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٢٢٦٧٥»، والدَّارميِّ «ر ١٢٦٢».\n_________\n(^١) تقدمت ترجمته ص ٢٥٧.\n(^٢) تقدمت ترجمته ص ٢٣٢.\n(^٣) حجاج بن أبي عثمان، أبو الصلت الكندي، «ت ١٤٣ هـ»، ثقة حافظ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ١١٣١».\n(^٤) أبان بن يزيد العطار، أبو يزيد البصري، «ت ١٦٠ هـ»، ثقة له أفراد، أخرج له «خ م د ت س». انظر التقريب «١٤٣».\n(^٥) علي بن المبارك الهُنائي، ثقة، حديث الكوفيين عنه فيه شيء، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٧٨٧».\n(^٦) همام بن يحيى بن دينار العَوذيُّ، أبو عبد الله البصري، «ت ١٦٥ هـ»، ثقة، ربما وهم، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٣١٩».","vol":"1","page":298},{"text":"وخالفَهُمْ جريرُ بنُ حازمٍ (^١)، فروى الحديثَ عنْ ثابتٍ، عنْ أنسٍ -﵁-، عندَ الطَّيالسيِّ «ر ٢٠٢٨»، وعبدِ بنِ حُميدٍ «ر ١٢٥٩»، والطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٩٣٨٧».\nمثَّلَ ابنُ الصَّلاحِ ومنْ تبعَهُ بهذَا الحديثِ للمقلوبِ (^٢).\nوقدْ بيَّنَ حمَّادُ بنُ زيدٍ «ت ١٧٩ هـ» سببَ القلبِ هذَا، فقالَ لسائلِهِ «إسحاقَ بنِ عيسى الطَّباعِ»: «وَهِمَ جَرِيرٌ، إنَّمَا كُنَّا جَمِيعًَا فِي مَجْلِسِ ثَابِتٍ البُنَانيِّ، وَحَجَّاجُ بنُ أَبِي عُثْمَانَ مَعَنَا، فَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ الصَّوَّافُ، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ … فَظَنَّ أَبُو النَّضْرِ أنَّهُ فِيمَا حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ» (^٣).\nلقدْ ظهرَ الخلافُ جليًَّا بسبرِ طرقِ هذَا الحديثِ بينَ مَنْ أوردَهُ منْ حديثِ أبي قتادةَ -﵁-، وبينَ جريرِ بنِ حازمٍ الذي رواهُ مِنْ حديثِ أنسٍ -﵁-، وترجَّحَ لنَا طريقُ أبي قتادةَ -﵁- لتوافقِ الأثباتِ عليهِ، ومخالفةِ مَنْ هوَ أقلُّ مرتبةً منهُمْ، قالَ يحيى القطَّانُ «ت ١٩٨ هـ»: «جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ رُبَّمَا يَهِمُ فِي الشَّيءِ وَهُوَ صَدُوقٌ» (^٤). كمَا اعتمدَ الأئمَّةُ قرينةَ سماعِ جريرٍ للحديثِ في مجلسِ ثابتٍ، كسببٍ للوهمِ أدَّى إلى قلبِهِ (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) جرير بن حازم بن زيد، أبو النضر الأزدي، «ت ١٧٠ هـ»، ثقة، في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٩١١».\n(^٢) مقدمة ابن الصلاح ص ١٠١.\n(^٣) انظر العلل ومعرفة الرجال ٣/ ١٢٨، وكلام البخاري عن هذا الحديث في علل الترمذي ١/ ٨٩.\n(^٤) انظر تهذيب التهذيب ٢/ ٦٢.\n(^٥) انظر كلام البخاري في ذلك الذي نقله الترمذي في العلل ١/ ٨٩.","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type='title' id=toc-77>المَبْحَثُ السَّادِسُ: مَعْرِفَةُ الإِدْرَاجِ فِي الإِسْنَادِ:</span> (^١)\n<span data-type='title' id=toc-78>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُدْرَجِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًَا:</span>\nالمُدرَجُ: لغةً: بضمِّ الميمِ وفتحِ الرَّاءِ، اسمُ مفعولٍ مِنْ «أَدْرَجَ»، وأدرجتُ الشَّيءَ في الشَّيءِ، إذَا أدخلتُهُ فيهِ وضمَّنتُهُ إيَّاهُ (^٢).\nاصطلاحًَا: ما ضُمِّنَ في الحديثِ «متنِهِ أو سندِهِ» مُتَّصلًا بهِ منْ غيرِ فصلٍ وليسَ منهُ.\nومنْ أشهرِ المصنَّفاتِ في الحديثِ المُدرَجِ «الفصلُ للوصلِ المُدرجِ في النَّقلِ» (^٣) للخطيبِ البغداديِّ، نقَّحهُ الحافظُ ابنُ حجرٍ وزادَ عليهِ قدرَهُ مرَّتينِ أو أكثرَ في كتابٍ أسماهُ «تقريبُ المنهجِ بترتيبِ المُدرجِ» (^٤)، واستخلصَ السُّيوطيُّ منْ كتابِ ابنِ حجرٍ جُزءًا لطيفًا أسماهُ «المَدْرَجُ إلى المُدْرَجِ» (^٥) اقتصرَ فيهِ على مُدرجِ المتنِ دونَ الإسنادِ، ولهُ فيهِ زياداتٌ (^٦).\n_________\n(^١) للاستزادة حول «الحديث المدرج» انظر: معرفة علوم الحديث ص ٣٩، ومقدمة ابن الصلاح ص ٩٥، والاقتراح في بيان الاصطلاح ص ٢٣، ورسوم التحديث ص ٩٠، والمنهل الروي ص ٥٣، والنكت للزركشي ٢/ ٢٤١، والشذا الفياح ١/ ٢١٦، والمقنع في علوم الحديث ١/ ٢٢٧، والتقييد والإيضاح ص ١٢٧، والنكت لابن حجر ٢/ ٨١١، وفتح المغيث ١/ ٢٤٢، وتدريب الراوي ١/ ٢٦٨.\n(^٢) انظر لسان العرب - مادة «درج» ٢/ ٢٦٧، وتاج العروس - مادة «درج» ٥/ ٥٥٥.\n(^٣) طبع في دار ابن الجوزي - الرياض - ١٤١٨ هـ - بتحقيق: عبد السميع محمد الأنيس.\n(^٤) وهو من الكتب المفقودة، أشار إليه الحافظ ابن حجر في النكت على ابن الصلاح ٢/ ٨٢٩.\n(^٥) طبع في دار السلفية - الكويت - بتحقيق صبحي البدري - نشره ضمن «مجموعة رسائل في الحديث». وقد قام الشيخ عبد العزيز الغماري بترتيبه على المسانيد، وزاد عليه نحو «١٧» حديثًا، فبلغ مجموع أحاديثه «٨٨» حديثًا، وأسماه «تسهيل المَدْرَجِ إلى المُدرَجِ» طبعته دار البصائر - ١٤٠٣ هـ.\n(^٦) انظر تدريب الراوي ١/ ٢٧٤.","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type='title' id=toc-79>المَطْلَبُ الثَّانِي: أَنْوَاعُ الحَدِيثِ المُدْرَجِ «سَنَدًَا»:</span>\nالمُدرَجُ ينقسمُ بحسبِ موضعِهِ إلى قسمينِ: مُدرَجُ المتنِ، ومُدرَجُ الإسنادِ. قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «المُدْرَجُ يَقَعُ فِي السَّنَدِ وَالمَتْنِ، وَلِكُلٍّ مُنْهُمَا أَقْسَامٌ» (^١).\nفمُدرجُ الإسنادِ ينقسمُ إلى أربعةِ أقسامٍ رئيسةٍ كمَا عدَّهَا الحافظُ ابنُ حجرٍ (^٢):\nأولًا: أنْ يرويَ جماعةٌ الحديثَ بأسانيدَ مختلفةٍ، فيرويهِ عنهُمْ راوٍ فيجمعُ الكلَّ على إسنادٍ واحدٍ منْ تلكَ الأسانيدِ، ولا يُبيِّنُ الاختلافَ.\nثانيًا: أنْ يكونَ المتنُ عندَ راوٍ إلَّا طرفًَا منهُ، فإنَّهُ عندَهُ بإسنادٍ آخرَ، فيرويهِ راوٍ عنهُ تامًَّا بالإسنادِ الأوَّلِ.\nومنهُ - أي: منْ قبيلِ القسمِ الثَّاني - أنْ يسمعَ الحديثَ منْ شيخِهِ إلَّا طرفًَا منهُ، فيسمعُهُ عنْ شيخِهِ بواسطةٍ فيرويهِ راوٍ عنهُ تامًَّا بحذفِ الواسطةِ.\nثالثًا: أنْ يكونَ عندَ الرَّاوي متنانِ مختلفانِ بإسنادينِ مختلفينِ، فيرويهِمَا راوٍ عنهُ مُقتصرًَا على أحدِ الإسنادينِ.\n_________\n(^١) انظر فتح المغيث ١/ ٢٤٤.\n(^٢) انظر نزهة النظر ص ١١٥. وقد اختلفت كتب أصول الحديث في تعداد أقسام الحديث المدرج سندًا، فمنهم من جعله ثلاثة أقسام، ومنهم من أوصله إلى خمسة أقسام، واخترت تقسيم ابن حجر لأن بعض الأنواع هي فرع عن بعض أو تدخل في بعض، كما أن ابن حجر ممن أفرد بالتصنيف الحديث المدرج بناءً على المصنفات السابقة له، وشمل كلًا من السند والمتن، فتقسيمه عن عمق واستغراق لجميع أنواع المقلوب من خلال المرويَّات الحديثية.","vol":"1","page":301},{"text":"أو يرويَ أحدَ الحديثينِ بإسنادِهِ الخاصِّ بهِ، لكنْ يزيدُ فيهِ مِنَ المتنِ الآخرِ ما ليسَ في الأوَّلِ.\nرابعًَا: أنْ يسوقَ الإسنادَ، فيعرضُ لهُ عارضٌ، فيقولُ كلامًَا مِنْ قِبَلِ نفسِهِ، فيظُنُّ بعضُ مَنْ سمعَهُ أنَّ الكلامَ هوَ متنُ ذلكَ الإسنادِ، فيرويهِ عنهُ كذلكَ.\nقالَ القَارِيُّ «ت ١٠١٤ هـ»: «هَذِهُ الوُجُوهُ الأَرْبَعَةُ أَقْسَامُ مُدْرَجِ الإِسْنَادِ» (^١).\n_________\n(^١) شرح نخبة الفكر للقاري ص ٤٦٢.","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type='title' id=toc-80>المَطْلَبُ الثَّالثُ: حُكْمُ الحَدِيثِ المُدْرَجِ والإِدْرَاجِ:</span>\nالحديثُ المُدرجُ مِنْ أنواعِ الضَّعيفِ، ويُحكمُ عليهِ منْ حيثُ دخولُهُ في الحديثِ، فهوَ مِنْ حيثُ كونُهُ مُدرجًَا ضعيفٌ، وإنْ صحَّ أو حَسُنَ بورودِهِ منفصلًا منْ طريقٍ أخرى.\nوالإدراجُ إذَا وقعَ سهوًَا أو خطأً فلا يُؤاخذُ عليهِ صاحبُهُ، إلَّا إذَا كثُرَ منهُ وقوعُ ذلكَ، فإنَّهُ يكونُ حينئذٍ جرحًَا في ضبطِهِ (^١).\nفإذَا كانَ عنْ تعمُّدٍ فهوَ حرامٌ بإجماعِ المحدثينَ والفقهاءِ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «تَعَمُّدُ الإِدْرَاجِ لِكُلِّ الأَقْسَامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمَتْنِ وَالسَّنَدِ مَحْظُورٌ، أَي: حَرَامٌ، لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنْ عَزْوِ الشَّيءِ لِغَيرِ قَائِلِهِ، وَأَسْوَأُهُ مَا كَانَ فِي المَرْفُوعِ مِمَّا لَا دَخَلَ لَهُ فِي الغَرِيبِ المُتَسَامَحِ فِي خَلْطِهِ أَوْ الاِسْتِنْبَاطِ» (^٢). وقالَ الزركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ المَاوَرْدِيَّ وَالرَّوَيَانِيَّ وَابْنَ السَّمْعَانِيِّ قَالُوا: مَنْ تَعَمَّدَ الإِدْرَاجَ فَهُوَ سَاقِطُ العَدَالَةِ، وَمِمَّنْ يُحَرِّفُ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَهُوَ مُلْحَقٌ بِالكَذَّابِينَ» (^٣). واستثنى السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ» مِنَ العمدِ ما كانَ تفسيرًَا لغريبٍ، فقالَ: «وَعِنْدِي أَنَّ مَا أُدرِجَ لِتَفسِيرِ غَرِيبٍ لَا يُمنَعُ، وَلِذَلِكَ فَعَلَهُ الزُّهْرِيُّ وَغَيرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ» (^٤). لكنَّ الأولى أنْ ينصَّ الرَّاوي على بيانِهِ.\n_________\n(^١) انظر النكت للزركشي ٢/ ٢٥١.\n(^٢) انظر فتح المغيث ١/ ٢٥١.\n(^٣) انظر النكت على مقدمة ابن الصلاح ٢/ ٢٤١.\n(^٤) المصدر ذاته.","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type='title' id=toc-81>المَطْلَبُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المُدْرَجِ «سَنَدًَا»:</span>\nاهتمَّ العلماءُ بمعرفةِ الإدراجِ اهتمامًَا كبيرًا، حتَّى لا يلتبسَ كلامُ النَّبيِّ -ﷺ- بغيرِهِ، ويُجعلَ فيهِ ما ليسَ منهُ، والكشفُ عنِ الإدراجِ في الحديثِ أمرٌ غايةٌ في العُسْرِ، تحكمُهُ القرائنُ وتقوِّيهِ المرجِّحاتُ وتعضدُهُ أقوالُ أئمَّةِ هذَا الشَّأنِ، فهوَ يفتقرُ إلى سَعَةِ اِطِّلاعٍ على أقوالِ النُّقَّادِ وصنيعِهِمْ، ووُسعِ درايةٍ بالطُّرقِ والأسانيدِ، وتجدرُ الإشارةُ إلى أنَّهُ لا يُمكنُ إغفالُ المتنِ عندَ الكلامِ على أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الحديثِ المُدرجِ سندًَا، فثمَّةَ ترابطٌ واضحٌ بينَهُمَا (^١)، وقدْ بيَّنَتْ كتبُ أصولِ الحديثِ ومصطلحِهِ الطُّرقَ والوسائلَ التي وضعهَا العلماءُ لكشفِ الإدراجِ سواءٌ في السَّندِ أو المتنِ، نُبيُّنُهَا فيمَا يأتي ونخصُّ السَّبرَ بمزيدِ تفصيلٍ، لأنَّ مدارَ بحثِنَا عليهِ:\nأوَّلًَا: أنْ يُعرفَ الإدراجُ مِنْ ظاهرِ سياقِ الحديثِ: بأنْ يكونَ لفظُهُ ممَّا يستحيلُ إضافتُهُ إلى النَّبيِّ -ﷺ-، وهذَا مختصٌ بمُدرَجِ المتنِ (^٢). قالَ القَاريُّ «ت ١٠١٤ هـ»: «وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنَ الوُجُوهِ لِمَعْرِفَةِ الإِدْرَاجِ غَيرُ مُخْتَصٍّ بِإِدْرَاجِ المَتْنِ إِلَّا [مَا ذُكِرَ مِنْ اسْتِحَالَةِ كَونِهِ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ -ﷺ-، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى المُتَأَمِّلِ» (^٣).\n_________\n(^١) وقد رجح الشيخ أحمد شاكر أن مدرج الإسناد مرجعه في الحقيقة إلى المتن، وهذا صحيح لكن ليس على إطلاقه إذ إن بعض الأنواع لا صلة لها بالمتن مطلقًا، كالنوع الأول من أنواع مدرج الإسناد. انظر الباعث الحثيث ص ٧١ و٧٢.\n(^٢) انظر مبحث «أثر السبر في معرفة المدرج متنًا» ص ٣٩١.\n(^٣) شرح نخبة الفكر للقاري ١/ ٤٧٢، وما بين معقوفتين مدرج من كلام الباحث للتوضيح.","vol":"1","page":304},{"text":"ويقوِّي الحكمَ عليهِ بالإدراجِ ورودُهُ مِنْ طريقٍ أخرى بدونِ الزِّيادةِ المُدرجةِ مِنْ كلامِ الرَّاوي.\nثانيًا: أنْ يردَ التَّنصيصُ على ذلكَ مِنَ الرَّاوي نفسِهِ: كحديثِ ابنِ مسعودٍ -﵁-، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ -ﷺ- يقولُ: «مَنْ جَعَلَ للهِ نِدًَّا دَخَلَ النَّارَ». ثمَّ قالَ: «وَأُخْرَى أَقُولُهَا وَلَمْ أَسْمَعْهَا مِنْهُ: مَنْ مَاتَ لَا يَجْعَلُ للهِ نِدًَّا دَخَلَ الجَنَّةَ» (^١). وقدْ يكونُ تنصيصُ الرَّاوي واردًا مِنْ طريقٍ أُخرى، فلَا بُدَّ مِنْ تتبُّعِ المتونِ والأسانيدِ لمعرفةِ ذلكَ.\nثالثًا: أنْ يردَ التَّنصيصُ مِنْ أحدِ الأئمَّةِ المطَّلعينَ: وتنصيصُ المطَّلعينَ مِنَ الأئمَّةِ مُعتَمَدُهُ الطَّريقُ الرَّابعُ: بالسَّبرِ وبيانِ أوجُهِ الاختلافِ والاتِّفاقِ، ومظنَّةُ ذلكَ كتبُ «المُدرجِ» المشارِ إليهَا في مطلعِ هذَا المبحثِ، بالإضافةِ إلى كتبِ التَّخريجِ والعللِ.\nرابعًا: السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ: بأنْ يردَ مِنْ طريقٍ أو طُرقٍ أُخرَى تَفصِلُ أو تفصِّلُ (^٢) القَدْرَ المُدرجَ عنْ أصلِ الحديثِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَيُدْرَكُ الإِدْرَاجُ بِوُرُودِ رِوَايَةٍ مُفَصِّلَةٍ لِلقَدْرِ المُدْرَجِ مِمَّا أُدْرِجَ فِيهِ» (^٣). وذلكَ بأنْ يردَ التَّفصيلُ في الرِّوايةِ بذكرِ الأصلِ وبيانِ الإدراجِ والمُدرِجِ منَ الرُّواةِ في الموضعِ ذاتِهِ، أو أنْ تردَ روايةٌ منْ طريقٍ آخرَ خاليةٍ منَ الإدراجِ.\n_________\n(^١) انظر صحيح البخاري ر ٦٣٠٥، والفصل للوصل المدرج ١/ ٢١٩.\n(^٢) تَفْصِلُ: بمعنى تسقط اللفظ المدرج في الحديث، بأن تأتي الرواية خالية من الإدراج. تُفَصِّلُ: بأن تُذكرَ روايةُ الأصلِ وروايةُ الإدراجِ مُفصَّلتينِ ومبيَّنتينِ في الموضع ذاتِهِ.\n(^٣) نزهة النظر ص ١١٦.","vol":"1","page":305},{"text":"وهذِهِ الطَّريقَةُ تُضافُ إلى الطّرق السَّابقةِ كعاضدةٍ ومقوِّيةٍ لحكمِ الإدراجِ مِنْ عدمِهِ في الحديثِ، وتُعتمَدُ أيضًَا استقلالًَا، فهيَ مِنَ الأهميَّةِ بحيثُ لا يُمكنُ إغفالُهَا أو إهمالُهَا، لكنَّ ابنَ دقيقٍ العيدُ «ت ٧٠٢ هـ» بيَّنَ أنَّ هذَا الطَّريقَ في معرفةِ الحديثِ المُدرَجِ ظنِّيٌ وليسَ بقطعيٍّ ما لمْ تنضمَّ إليهِ قرائنُ تقوِّيهِ، فقالَ: «وَكَثِيرًَا مَا يَسْتَدِلُّونَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يَرِدَ الفَصْلُ بَينَ كَلَامِ الرَّسُولِ -ﷺ- وَكَلَامِ الرَّاوِي مُبَيَّنًَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَهَذَا طَرِيقٌ ظَنِّيٌّ قَدْ يَقْوَى قُوَّةً صَالِحَةً فِي بَعْضِ المَوَاضِعِ، وَقَدْ يَضْعُفُ» (^١). ثمَّ بيَّنَ ما يقوى بهِ ومَا يضعفُ، فقالَ: «فَمِمَّا يَقْوَى فِيهِ: أَنْ يَكُونَ كَلَامُ الرَّاوِي أَتَى بَعْدَ انْقِضَاءِ كَلَامِ النَّبِيِّ -ﷺ- مُتَّصِلًَا بِآخِرِهِ، وَمِمَّا قَدْ يَضْعُفُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُدْرَجًَا فِي أَثْنَاءِ لَفْظِ الرَّسُولِ -ﷺ- لَا سِيَمَا إِنْ كَانَ مُقَدَّمًَا عَلَى اللَّفْظِ المَرْوِيِّ أَوْ مَعْطُوفًَا عَلَيهِ بِوَاوِ العَطْفِ» (^٢). إلَّا أنَّ ما بيَّنهُ مختصٌّ بمُدرجِ المتنِ، لأنَّهُ قدْ يعسُرُ فصلُهُ أو يشتبهُ بزياداتِ الثِّقاتِ، وهذَا لا ينطبقُ على مُدرجِ الإسنادِ، فدلالةُ السَّبرِ فيهِ دلالةٌ قطعيَّةٌ خصوصًَا لمنْ لهُ معرفةٌ بالطُّرقِ والأسانيدِ والرِّجالِ ومراتبِهِمْ في الحفظِ والإتقانِ، فإذَا توافقَ جمعٌ منَ الرُّواةِ الثِّقاتِ على أصلِ روايةٍ، وخالفَهُمْ فيهَا مَنْ هوَ أقلُّ منهُمْ عددًَا أو رتبةً، فالحكمُ للأكثرِ وللأوثقِ، وبذلكَ يُدرَكُ الإدراجُ بالمخالفةِ، قالَ الدكتورُ حمزةُ المليباريُّ: «المُدَرَجُ نَوعٌ مِنْ أَنْوَاعِ المَعْلُولِ لِأَنَّ الإِدْرَاجَ خَطَأٌ، وَلَا يُعْرَفُ خَطَأُ الإِدْرَاجِ فِي الحَدِيثِ إِلَّا بِالجَمْعِ وَالمُقَارَنَةِ وَالحِفْظِ وَالمَعْرِفَةِ، إِضَافَةً إِلَى رَصِيدٍ مُعْتَبَرٍ مِنَ الخَلْفِيَّاتِ الحَدِيثِيَّةِ، فَإِذَا وُجِدَتِ الرِّوَايَاتُ الأُخْرَى الصَّحِيحَةُ مُتَّفِقَةً عَلَى فَصْلِ القَدْرِ المُدْرَجِ عَنْ بَقِيَّةِ الحَدِيثِ، أَوْ عَلَى تَرْكِهِ وَإِسْقَاطِهِ مِنْهُ، … فَيُحْكَمُ بِالإِدْرَاجِ وَخَطَأِ الرَّاوِي وَوَهْمِهِ فِي جَعْلِهِ طَرَفًَا مِنْهُ» (^٣).\n_________\n(^١) الاقتراح في بيان الاصطلاح ص ٢٣.\n(^٢) المصدر ذاته.\n(^٣) الحديث المعلول - قواعد وضوابط - ١/ ٣٩.","vol":"1","page":306},{"text":"وقدْ بنى الخطيبُ منهجَهَ في كتابهِ «الفصلُ للوصلِ المدرجِ في النَّقلِ» على قاعدةِ السَّبرِ، بجمعِ الرِّواياتِ الخاليةِ مِنَ الإدراجِ، ومعارضتِهَا بالرِّواياتِ المدرجةِ، إضافةً إلى القواعدِ الأخرى المذكورة آنفًا، ومنْ ثُمَّ التَّرجيحُ على وفقِ هذهِ القواعدِ، قالَ الدكتورُ عبدُ السَّميعِ الأنيسُ (^١): «وَقَدْ بَلَغَ عَدَدُ الأَحَادِيثِ التِي أَورَدَهَا فِي كِتَابِهِ «١١٣» حَدِيثًَا، بَينَمَا بَلَغَ عَدَدُ الرِّوَايَاتِ التِي سَاقَهَا لِبَيَانِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ وَفِيهَا رِوَايَاتُ مَنْ فَصَلَ وَمَنْ وَصَلَ «١٢٥٧» رِوَايَةً» (^٢). ثمَّ بيَّنَ منهجَ الخطيبِ في كتابِهِ القائمِ على السِّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ، فقالَ: «وَكَانَ مَنْهَجُهُ فِي كُلِّ الأَحَادِيثِ التِي أَورَدَهَا فِي كِتَابِهِ يَقُومُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ:\nالمَرْحَلَةُ الأُولَى: يَاتِي بِالرِّوَايَةِ أَوْ الرِّوَايَاتِ التِي فِيهَا إِدْرَاجٌ …\nالمَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ: يُبَيِّنُ مَا فِي هَذِهْ الرِّوَايَاتِ مِنْ إِدْرَاجٍ … مَعَ ذِكْرِ مَنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ وَنُقَّادِهِ، إِنْ وُجِدَ.\nالمَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ: ثُمَّ يَاتِي بِالرِّوَايَةِ أَوْ الرِّوَايَاتِ الَّتِي فَصَلَتْ، وَبَيَّنَتِ المُدْرَجَ مِنْ غَيرِهِ.\nوَقَدْ سَارَ عَلَى هَذَا المَنْهَجِ فِي جَمِيعِ أَحَادِيثِ الكِتَابِ» (^٣).\n_________\n(^١) الدكتور عبد السميع محمد الأنيس، مدرس في كلية الشريعة في إمارة الشارقة، من تحقيقاته: «نزهة النظر شرح نخبة الفكر»، و«الفصل للوصل المدرج في النقل»، ومن مؤلفاته: «بحوث في السنة المطهرة»، و«الأساليب النبوية في معالجة المشكلات الزوجية».\n(^٢) الفصل للوصل المدرج في النقل - مقدمة المحقق - ص ١٠٧ و١٠٨.\n(^٣) المصدر ذاته. مثال ذلك: حديث عبد الله بن مسعود -﵁- أن رسول الله -ﷺ- علمه التشهد في الصلاة، وفيه: «فإذا قلت ذلك فقد تمت صلاتك فإن شئت فقم، وإن شئت فاقعد».\nقال الخطيب: «كذا روى هذا الحديث أبو داود الطيالسي، عن أبي خيثمة، ووافقه …» وعد سبعًا من الرواة، ثم قال: «فرووه سبعتهم عن زهير كرواية أبي داود عنه». =\n= ثم بين الإدراج، فقال: «وقوله في المتن: «فإذا قلت ذلك …». ليس من كلام النبي -ﷺ-، وإنما قول ابن مسعود -﵁- أدرج في الحديث. وقد بينه شبابة بن سوار في روايته عن زهير بن معاوية، وفصل كلام ابن مسعود من كلام رسول الله -ﷺ-، وكذلك رواه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن الحسن بن الحر مفصلًا مبينًا … وقد روى حسين بن علي الجعفي، ومحمد بن عجلان عن الحسن بن الحر هذا الحديث، فلم يذكرا بعد الشهادتين شيئًا، بل اقتصرا على بيان اللفظ المرفوع إلى رسول الله -ﷺ- فقط». انظر الفصل للوصل المدرج في النقل ص ١٥٤ وما بعدها.","vol":"1","page":307},{"text":"وبمَا أنَّ كتابَ ابنِ حجرٍ «تقريبُ المنهجِ بترتيبِ المُدرَجِ» مفقودٌ، فيُمكنُنَا استيضاحُ منهجِهِ في الكشفِ عنِ الحديثِ المُدرجِ مِنْ كتابهِ «التَّلخيصُ الحبيرُ» فهوَ يتساوقُ معَ منهجِ الخطيبِ المذكورِ، القائمِ على السَّبرِ وجمعِ طرقِ الحديثِ ومعارضةِ مرويَّاتِ الفصلِ بمرويَّاتِ الوصلِ، والتَّرجيحُ أو البيانُ وفقًا لذلكَ (^١).\nوقدْ أوردتُ مناهجَ هؤلاءِ العلماءِ في كتبهِمْ لأبيِّنَ أنَّ الكشفَ عَنِ الإدراجِ بالسَّبرِ هوَ المنهجُ الذي اعتمدَهُ الأئمَّةُ سواءٌ في السَّندِ أو المتنِ وسواءٌ كانَ اعتمادُهُ استقلالًَا، أو بالإضافةِ إلى الطُّرقِ والقرائنِ الأخرى.\nوإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الحديثِ المُدرَجِ سندًَا مِنْ خلالِ الأمثلةِ الآتيةِ:\nأولًا: أنْ يرويَ جماعةٌ الحديثَ بأسانيدَ مختلفةٍ، فيرويهِ عنهُمْ راوٍ فيجمعُ الكلَّ على إسنادٍ واحدٍ منْ تلكَ الأسانيدِ، ولا يُبيِّنُ الاختلافَ:\n_________\n(^١) مثال ذلك: حديث: «انصرف رسول الله -ﷺ- من صلاة جهر فيها بالقراءة … فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه بالقراءة». مالك في الموطأ، والشافعي عنه، وأحمد، والأربعة، وابن حبان من حديث الزهري عن ابن أكيمة، عن أبي هريرة -﵁-، وفيه «فانتهى الناس». وقوله: «فانتهى الناس إلى آخره» مدرج في الخبر من كلام الزهري، بينه الخطيب، واتفق عليه البخاري في التاريخ، وأبو داود، ويعقوب بن سفيان، والذهلي، والخطابي، وغيرهم. انظر التلخيص الحبير ١/ ٢٣١.\nفبين أولًا من أخرجه من الأئمة برواية الوصل وطريق الحديث ومداره، ثم بين مكان الإدراج، ومن نص عليه من أئمة الحديث - الخطيب هنا - ثم من اتفق على أنه إدراج من أئمة الحديث.","vol":"1","page":308},{"text":"مثالُهُ: حديثُ ابنِ مسعودٍ -﵁-، قلتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ: أيُّ الذَّنبِ أعظمُ؟ …».\n* الحديثُ أخرجَهُ البخاريُّ «ر ٥٦٥٥» و«ر ٦٤٢٦»، وأبو داودَ «ر ٢٣١٠»، والتِّرمذيُّ «ر ٣١٨٢»، والنَّسائيُّ «ر ١١٣٦٩»، وابنُ حبَّانَ «ر ٤٤١٦». منْ طريقِ الثَّوريِّ (^١)، عنْ منصورِ بنِ المعتمرِ، عنْ أبي وائلٍ شقيقِ بنِ سلمةَ، عنْ عمرِو بنِ شُرحْبيلَ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ -﵁-.\nوتابعَهُ جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ (^٢) عندَ البخاريِّ «ر ٤٢٠٧» و«ر ٧٠٨٢»، ومسلمٍ «ر ٨٦»، والنَّسائيِّ «ر ٧١٢٤» و«ر ١٠٩٨٧»، وأبي يعلى «ر ٥١٣٠»، والشَّاشيِّ «ر ٧٧٦».\nوشعبةُ بنُ الحجَّاجِ (^٣)، عندَ أبي عوانةَ «ر ١٥٢».\n* وأخرجَهُ البخاريُّ «ر ٦٤٢٦»، والتِّرمذيُّ «ر ٣١٨٢»، والنَّسائيُّ «ر ١١٣٦٩»، منْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ، عنْ الأعمشِ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ عمرِو بنِ شُرحْبِيلَ، عنِ ابنِ مسعودٍ -﵁-.\n* وأخرجَهُ النَّسائيُّ «ر ٣٤٧٧» منْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ، عنْ واصلِ بنِ حيَّانَ، عنْ أبي وائلٍ، عنِ ابنِ مسعودٍ -﵁-.\nوتابعَهُ شعبةُ بنُ الحجَّاجِ عندَ التِّرمذيِّ «ر ٣١٨٣»، وابنِ حنبلٍ «ر ٤١٣٣» و«ر ٤١٣٢»، والطَّيالسيِّ «ر ٢٦٤».\n_________\n(^١) تقدمت ترجمته ص ٢٦١.\n(^٢) تقدمت ترجمته ص ٢٦١.\n(^٣) تقدمت ترجمته ص ٢٤٨.","vol":"1","page":309},{"text":"واختُلفَ على الثَّوريِّ، فرواهُ ابنُ مهديٍّ (^١) عنهُ، عَنْ واصلٍ ومنصورٍ والأعمشِ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ ابنِ شُرحبيلَ، عنِ ابنِ مسعودٍ. عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٤١٣١»، والبيهقيِّ «ر ١٥٦١٨» (^٢).\nوتابعَهُ مُحمَّدُ بنُ كثيرٍ (^٣) عندَ الخطيبِ في المُدرجِ «ر ٩٣».\nورواهُ يحيى بنُ سعيدٍ (^٤)، عنْ سفيانَ، عنْ واصلٍ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ ابنِ مسعودٍ -﵁-، عندَ البخاريِّ «ر ٦٤٢٦»، والنَّسائيِّ «ر ٣٤٧٧». منْ غيرِ ذكرِ ابنِ شُرحْبيلَ.\nفمِنْ خلالِ سبرِ طُرقِ هذَا الحديثِ نجدُ في الطريقينِ الأوَّلِ والثَّاني أنَّ سفيانَ روى الحديثَ عنْ منصورٍ والأعمشِ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ عمرِو بنِ شُرحبيلَ، عَنِ ابنِ مسعودٍ -﵁-.\nوفي الطَّريقِ الثَّالثِ روى سفيانُ الحديثَ، عن واصلِ بنِ حيَّانَ، عَنْ أبي وائلٍ، عَنِ ابنِ مسعودٍ -﵁-، بدونِ ذكرِ عمرٍو بنِ شُرحبيلَ بينَ أبي وائلٍ وابنِ مسعودٍ -﵁-.\nوفي الطَّريقِ الرَّابعِ يتبيَّنُ لنَا أنَّ ابنَ مهديٍّ وابنَ كثيرٍ أدرجَا، حيثُ رويَا الحديثَ عنْ سفيانَ، عَنِ الثَّلاثةِ بذكرِ عمرِو بنِ شُرحبيلَ، معَ أنَّ حقَّهُ ألَّا يُذكرَ مِنْ طريقِ واصلٍ.\n_________\n(^١) عبد الرحمن بن مهدي، أبو سعيد العنبري، «١٩٨»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٠١٨».\n(^٢) ورواه أيضًا ابن مهدي عن سفيان، عن واصل فقط، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود -﵁-، عند الترمذي «ر ٣١٨٢»، والنسائي «ر ٣٤٧٦». ورواه أيضًا ابن مهدي، عن واصل ومنصور - بجمعهما من غير الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود، عند ابن أبي شيبة «ر ٣٦٢».\n(^٣) محمد بن كثير العبدي، «ت ٢٤٣ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٢٥٢».\n(^٤) يحيى بن سعيد بن فروخ، أبو سعيد القطان، «ت ١٩٨ هـ»، ثقة متقن، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٥٥٧».","vol":"1","page":310},{"text":"وقدْ فصَلَ يحيى بنُ سعيدٍ القطَّانِ، فرواهُ عنْ سفيانَ، عنْ منصورٍ والأعمشِ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ عمرِو بنِ شُرحْبيلَ، عنْ عبدِ اللهِ -﵁-. ثمَّ قالَ - يحيى -: وحدَّثنَا سفيانُ، حدَّثني واصلُ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ عبدِ اللهِ -﵁- مثلَهُ (^١).\nقالَ الدَّارقُطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ»: «قَالَ لَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيسَابُورِيُّ: هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ وَاصِلٍ \"عَمْرَو بنَ شُرَحْبِيلَ\" وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ وَمُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ، فَجَمَعَا بَينَ وَاصِلٍ وَمَنْصَورٍ وَالأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ -﵁-، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الثَّورِيُّ جَمَعَ بَينَ الثَّلَاثَةِ لِعْبَدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ وَلِابنِ كَثِيرٍ فَجَعَلَ إِسْنَادَهُمْ وَاحِدًَا، وَلَمْ يَذْكُرْ بَينَهُمْ خِلَافًَا، وَحَمَلَ حَدِيثَ وَاصِلٍ عَلَى حَدِيثِ الأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ، وفَصَلَهُ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ فَجَعَلَ حَدِيثَ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ -﵁- وَهُوَ الصَّوَابُ-؛ لِأَنَّ شُعْبَةَ وَمَهْدِيَّ بنَ مَيمُونٍ رَوَيَاهُ عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْد اللهِ -﵁-، كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى عَنِ الثَّورِيِّ، عَنْهُ، واللهُ أعلمُ» (^٢).\n* * *\nثانيًا: أنْ يكونَ المتنُ عندَ راوٍ إلَّا طرفًَا منهُ، فإنَّهُ عندَهُ بإسنادٍ آخرَ، فيرويهِ راوٍ عنهُ تامًَّا بالإسنادِ الأوَّلِ.\nمثالُهُ: حديثُ وائلِ بنِ حُجْرٍ في صفةِ صلاةِ النَّبيِّ -ﷺ-، وفي آخرِهِ: «ثُمَّ جِئْتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي زَمَانٍ فِيهِ بَرْدٌ شَدِيدٌ، فَرَأَيتُهُمْ يُحَرِّكُونَ أَيدِيَهُمْ مِنْ تَحْتِ الثِّيَابِ».\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٦/ ٢٤٩٧. وقال البُخاريُّ «ت ٢٥٦ هـ» معقِّبًا: «قال عمرو الفلَّاس: فذكرته لعبد الرَّحمن، وكان حدَّثنا عن سفيان، عن الأعمش ومنصور وواصل، عن أبي وائل، عن ابن شُرحبيلَ. فقال: دعْهُ دعْهُ».\n(^٢) العلل للدارقطني ٥/ ٢٢٠، وانظر الفصل للوصل المدرج في النقل ٢/ ٨١٩ - ٨٤١.","vol":"1","page":311},{"text":"الحديثُ رواهُ زائدةُ بنُ قدامةَ (^١)، عنْ عاصمِ بنِ كُلَيبٍ، عنْ أبيهِ، عنْ وائلِ بنِ حُجْرٍ - وذكرَ صفةَ صلاةِ النَّبيِّ -ﷺ-، بإدراجِ الزِّيادةِ في آخرِهِ، عندَ الدَّارميِّ «ر ١٣٥٧»، وابنِ حنبلٍ «ر ١٨٨٩٠»، وابنِ الجارودِ «ر ٢٠٨»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٨٢»، والبيهقيِّ «ر ٢١٥٤»، وأبي داودَ «ر ٧٢٧»، وابنِ حبَّانَ «ر ١٨٦٠».\nوتابعَهُ سفيانُ بنُ عيينةَ بإدراجِهَا، عندَ ابنِ خُزيمةَ «ر ٤٥٧»، والبيهقيِّ «ر ٢١٥٤».\nوحقيقةُ هذهِ الزِّيادةِ أنَّها مِنْ طريقِ عاصمِ بنِ كُلَيبٍ، عنْ عبدِ الجبَّارِ بنِ وائلٍ، عنْ بعضِ أهلهِ، عنْ وائلِ بنِ حُجْرٍ، عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٨٨٩٦»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٧٦»، والخطيبِ في المُدرجِ «ر ٤٤».\nوقدْ فَصَلَ بينَ الرِّوايتينِ:\nزُهيرُ بنُ معاويةَ (^٢) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٨٨٩٦»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٨٤»، والخطيبِ في المُدرجِ «ر ٤٤».\nوشُجاعُ بنُ الوليدِ (^٣) عندَ الخطيبِ «ر ٤٤».\nفتبيَّنَ لنَا الحكمُ بالإدراجِ في سندِ هذَا الحديثِ، وممَّا يُقوِّيهِ أنَّ جمعًا مِنَ الرُّواةِ رَووا هذَا الحديثَ عنْ عاصمٍ مِنْ غيرِ هذهِ الزِّيادةِ، وهمْ:\n_________\n(^١) زائدة بن قدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، «ت ١٦٠ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ١٩٨٢».\n(^٢) تقدمت ترجمته ص ٢٦١.\n(^٣) شجاع بن الوليد، أبو بدر السكوني، «ت ٢٠٤ هـ»، صدوق، له أوهام، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٧٥٠».","vol":"1","page":312},{"text":"سفيانُ الثَّوريُّ (^١): عندَ عبدِ الرَّزاقِ «ر ٢٥٢٢»، والحميديِّ «ر ٨٨٥»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ٢٦٦٧»، وابنِ حنبلٍ «ر ١٨٨٩١»، وأبي داودَ «ر ٤١٩٠»، والنَّسائيِّ «ر ١٢٦٣».\nوشعبةُ بنُ الحجَّاجِ (^٢) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٨٨٧٥»، وابنِ خزيمةَ «ر ٦٩٨»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٨٣».\nوأبو عَوَانةَ (^٣) عندَ الطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٩٠»، والبيهقيِّ في معرفةِ السُّننِ «ر ٨٧٩».\nوجريرُ بنُ عبدِ الحميدِ (^٤) عندَ الدَّارقطنيِّ «ر ١٤»، والخطيبِ في المدرجِ «ر ٤٤».\nوصالحُ بنُ عمرَ (^٥) عندَ الدَّارقطنيِّ «ر ٢٦».\nوأبو الأحوصِ (^٦) عندَ الطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٨٠»، والدَّارقطنيِّ «ر ٢٧».\nوعبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ (^٧) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٨٨٧٠»، والبيهقيِّ «ر ٢٣٤٦».\nوبِشْرُ بنُ المفضَّلِ (^٨) عندَ أبي داودَ «ر ٧٢٦»، وابنِ ماجةَ «ر ٨١٠»، والبزَّارِ «ر ٤٤٨٥»، والنَّسائيِّ «ر ١٢٦٥».\n_________\n(^١) تقدمت ترجمته ص ٢٦١.\n(^٢) تقدمت ترجمته ص ٢٤٨.\n(^٣) تقدمت ترجمته ص ٢٥٧.\n(^٤) تقدمت ترجمته ص ٢٦١.\n(^٥) صالح بن عمر الواسطي، «ت ١٨٧ هـ»، ثقة، أخرج له «بخ م». انظر التقريب «ر ٢٨٨١».\n(^٦) تقدمت ترجمته ص ٢٤٧.\n(^٧) عبد الواحد بن زياد العبدي، «ت ١٧٦ هـ»، ثقة، في حديثه عن الأعمش وحده مقال، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٢٤٠».\n(^٨) بشر بن المفضل بن لاحق، أبو إسماعيل الرقاشي، «ت ١٨٧ هـ»، صدوق، أخرج له «ت س جه». انظر التقريب «ر ٧٠٢».","vol":"1","page":313},{"text":"وعبدُ العزيزِ بنُ مسلمٍ (^١) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٨٨٨٦» (^٢). وغيرُهُمْ.\nقالَ الحافظُ موسَى بنُ هارونَ الحمَّالُ (^٣) «ت ٢٩٤ هـ»: «وَذَلِكَ - يَعْنِي رِوَايَةُ سُفْيَانَ وَزَائِدَةَ - عِنْدَنَا وَهْمٌ، وَإِنَّمَا أُدْرِجَ عَلَيهِ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَة عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ الجَبَّارِ بنِ وَائِلٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ وَائِلٍ، هَكَذَا رَوَاهُ مُبَيِّنًَا زُهَيرُ بنُ مُعَاوِيَةَ وَأَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بنُ الوَلِيدِ، فَمَيَّزَا قِصَّةَ تَحْرِيكِ الأَيدِي مِنْ تَحْتِ الثِّيَابِ وَفَصَلَاهَا مِنَ الْحَدِيثِ، وَذَكَرَا إِسْنَادَهُمَا كَمَا ذَكَرْنَا». ثُمَّ قَالَ: «وَهَذِهِ رِوَايَةٌ مَضْبُوطَةٌ، اتَّفَقَ عَلَيهَا زُهَيرٌ وَشُجَاعُ بنُ الوَلِيدِ، وَهُمَا أَثْبَتُ لَهُ رِوَايَةً مِمَّنْ رَوَى \"رَفْعَ الأَيدِي مِنْ تَحْتِ الثِّيَابِ\" عَنْ عَاصِمِ بنِ كُلَيبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلٍ» (^٤).\nومنهُ - أي: منْ قبيلِ القسمِ الثَّاني - أنْ يسمعَ الحديثَ منْ شيخِهِ إلَّا طرفًَا منهُ، فيسمعُهُ عنْ شيخِهِ بواسطةٍ فيرويهِ راوٍ عنهُ تامًَّا بحذفِ الواسطةِ.\nمثالُهُ: حديثُ أنسٍ -﵁- في قصَّةِ العُرَنيِّينَ، قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ- لهمْ: «لَو خَرَجْتُمْ إِلَى إِبِلِنَا فَشَرِبْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا».\nالحديثُ رواهُ بالجمعِ بينَ لفظِ «أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا» إسماعيلُ بنُ جعفرٍ (^٥)، عنْ حُمَيدٍ، عنْ أنسٍ -﵁-. عندَ النَّسائيِّ «ر ٣٤٩٢»، وابنِ حبَّانَ «ر ٤٤٧١».\n_________\n(^١) عبد العزيز بن مسلم القسملي، أبو زيد المروزي، «ت ١٦٧ هـ»، ثقة، ربما وهم، أخرج له «خ م د ت س». انظر التقريب «ر ٤١٢٢».\n(^٢) الفصل للوصل المدرج في النقل ١/ ٤٢٩ - ٤٤٤.\n(^٣) موسى بن هارون بن عبد الله، أبو عمران البزَّار، الحمال، ويقال له: «ابن الحمال»، «٢١٤ هـ - ٢٩٤ هـ»، إمام وقته في حفظ الحديث، من كتبه: «الفوائد». انظر طبقات الحفاظ ص ٦٩١.\n(^٤) النكت للزركشي ٢/ ٢٤٧.\n(^٥) إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، أبو إسحاق الزرقي، القارئ، «ت ١٨٠ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٣١»","vol":"1","page":314},{"text":"وتابعَهُ عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ (^١) عندَ النَّسائيِّ «ر ٣٤٩١»، وأبي عَوَانةَ «ر ٦١٠٥».\nوعبدُ الوهابِ بنُ عبدِ المجيدِ (^٢) عندَ ابنِ ماجةَ «ر ٢٥٧٨».\nفبالسَّبرِ نجدُ أنَّ لفظَ «وَأَبْوَالِهَا» لمْ يسمعْهُ حُمَيدٌ مِنْ أنسٍ -﵁- مباشرةً، وإنَّمَا سمعَهُ منْ قتادَةَ، عنْ أنسٍ -﵁-، فأدرجَهَا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ ومَنْ تابعَهُ في المتنِ الأوَّلِ بإسنادِ الحديثِ الأوَّلِ مِنْ غيرِ تفصيلٍ.\nوممَّنْ فصَلَ روايةَ قتادةَ مِنْ أصحابِ حُمَيدٍ:\nابنُ أبي عديٍّ (^٣) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٢٠٦١»، والنَّسائيِّ «ر ٣٤٩٤».\nوخالدُ بنُ الحارثِ (^٤) عندَ النَّسائيِّ «ر ٣٤٩٣».\nويزيدُ بنُ هارونَ (^٥) عندَ أبي عَوَانةَ «ر ٦١١٣».\nوعبدُ اللهِ بنُ بكرٍ السَّهميُّ (^٦) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٢٠٦٨».\n_________\n(^١) عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري، أبو سعيد البصري، «ت ١٨٥ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له «خ م د س». انظر التقريب «ر ٤٣٢٥».\n(^٢) عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت، أبو محمد البصري، «ت ١٩٤ هـ»، ثقة، تغير قبل موته، أخرجه له الستة. انظر التقريب «ر ٤٢٦١».\n(^٣) محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، أبو عمرو البصري، «ت ١٩٤ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٥٦٩٧».\n(^٤) خالد بن الحارث بن عبيد بن سليم الهجيمي، أبو عثمان البصري، «ت ١٨٦ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ١٦١٩».\n(^٥) يزيد بن هارون بن زادان السلمي، أبو خالد الواسطي، «ت ٢٠٦ هـ»، ثقة متقن، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٧٨٩».\n(^٦) عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي، أبو وهب الباهلي، «ت ٢٠٨ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٣٢٣٤».","vol":"1","page":315},{"text":"وبِشرُ بنُ المفضَّلِ (^١)، ومعتمِرُ بنُ سليمانَ (^٢)، ومروانُ بنُ معاويةَ (^٣) عندَ الخطيبِ في المدرجِ «ر ٦٧».\nقالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «كُلُّهُمْ يَقُولُ فِيهِ: \"فَشَرِبْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا\". قَالَ حُمَيدٌ: قَالَ قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ -﵁-: \"وَأَبْوَالُهَا\" فَرِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ عَلَى هَذَا فِيهَا إِدْرَاجٌ وَتَسْوِيَةٌ» (^٤).\nثالثًا: أنْ يكونَ عندَ الرَّاوي متنانِ مختلفانِ بإسنادينِ مختلفينِ، فيرويهِمَا راوٍ عنهُ مُقتصرًَا على أحدِ الإسنادينِ.\nمثالُهُ: حديثُ أنسٍ -﵁-، أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ- قالَ: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، [وَلَا تَنَافَسُوا]، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًَا».\nالحديثُ أخرجَهُ ابنُ عبدِ البَرِّ في التَّمهيدِ «٦/ ١١٦»، والخطيبُ في المدرجِ «ر ٨١» مِنْ طريقِ سعيدِ بنِ أبي مريمَ (^٥)، عنْ مالكٍ، عنِ الزُّهريِّ، عنْ أنسٍ -﵁-، بزيادةِ «وَلَا تَنَافَسُوا».\nقالَ الحافظُ الكنانيُّ «ت ٣٥٧ هـ»: «لَا أَعْلَمُ أَحَدًَا قَالَ فِي هَذَا الحَدِيثِ: عَنْ مَالِكٍ: «وَلَا تَنَافَسُوا» غَيرَ سَعِيدِ بنِ أَبِي مَرْيَمَ» (^٦).\n_________\n(^١) تقدمت ترجمته ص ٢٩٧.\n(^٢) معتمر بن سليمان التيمي، أبو محمد البصري، «ت ١٨٧ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٧٨٥».\n(^٣) مروان بن معاوية بن الحارث، أبو عبد الله الفزاري، «ت ١٩٣ هـ»، ثقة حافظ، كان يدلس أسماء الشيوخ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٥٧٥».\n(^٤) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٨٥٣.\n(^٥) سعيد بن الحكم بن أبي مريم، أبو محمد الجمحي، «ت ٢٢٤ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٢٨٦».\n(^٦) التمهيد لابن عبد البر ٦/ ١١٦. وقد أشار الكنانيُّ «ت ٣٥٧ هـ» إلى أنَّ عبد الرحمن بن إسحاق، روى هذه الزيادة عن الزهري، عن أنس بن مالك -﵁-. وهي عند أبي يعلى «ر ٣٦١٢».","vol":"1","page":316},{"text":"وقدْ رواهُ عنْ مالكٍ مِنْ هذَه الطَّريقِ بدونِ هذهِ الزِّيادةِ:\nعبدُ اللهِ بنُ يوسفَ (^١) عندَ البخاريِّ «ر ٥٧٢٦».\nويحيى بنُ يحيى (^٢) عندَ مسلمٍ «ر ٢٥٥٩».\nوعبدُ اللهِ بنُ مسلمةَ (^٣) عندَ أبي داودَ «ر ٤٩١٠».\nوأحمدُ بنُ أبي بكرٍ (^٤) عندَ ابنِ حبَّانَ «ر ٥٦٦٠».\nوإسماعيلُ بنُ أبي أُويسٍ (^٥) عندَ البخاريِّ في الأدبِ «ر ٣٩٨». وغيرُهمْ كثيرٌ.\nوالزيادةُ صحيحةٌ مِنْ طريقِ مالكٍ، عنْ أبي الزِّنادِ، عَنِ الأعرجِ، عنْ أبي هريرةَ -﵁- مرفوعًَا، رواهَا عنهُ:\nإسحاقُ بنُ عيسى (^٦) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٠٠٠٢».\nوإسماعيلُ بنُ أبي أُويسٍ عندَ البخاريِّ في الأدبِ «ر ١٢٨٧».\n_________\n(^١) عبد الله بن يوسف التنيسي، أبو محمد الكلاعي، «ت ٢١٨ هـ»، ثقة متقن، أخرج له «خ د ت س». انظر التقريب «ر ٣٧٢١».\n(^٢) يحيى بن يحيى بن بكر بن عبد الرحمن، أبو زكريا النيسابوري، «ت ٢٢٦ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له «خ م ت س». انظر التقريب «ر ٧٦٦٨».\n(^٣) عبد الله بن مسلمة بن قعنب، أبو عبد الرحمن البصري، «ت ٢٢١ هـ»، ثقة، كان ابن معين وابن المديني لا يقدمان عليه في الموطأ أحدًا، أخرج له «خ م د ت س». انظر التقريب «ر ٣٦٢٠».\n(^٤) أحمد بن أبي بكر بن الحارث، أبو مصعب الزهري، «ت ٢٤٢ هـ»، صدوق، عابه أبو خيثمة للفتوى بالرأي، أخرج له الستة. انظر التهذيب «ر ٢١»، التقريب «ر ١٧».\n(^٥) إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس، أبو عبد الله المدني، «ت ٢٢٦ هـ»، صدوق، أخطأ في أحاديث من حفظه، أخرج له «خ م د ت جه». انظر التهذيب «ر ٥٦٨»، والتقريب «ر ٤٦٠».\n(^٦) إسحاق بن عيسى بن نجيح، أبو يعقوب، «ت ٢١٤ هـ»، صدوق، أخرج له «م ت س جه». انظر التقريب «ر ٣٧٥».","vol":"1","page":317},{"text":"ويحيى بنُ يحيى عندَ مسلمٍ «ر ٢٥٦٣» والبيهقيِّ «ر ١١٢٣٩».\nورَوحُ بنُ عبادةَ (^١) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٠٧١٢»، والبيهقيِّ «ر ٢٠٨٤٨».\nفبسبرِ هذَا الحديثِ نجدُ أنَّ الرُّواةَ عنْ مالكٍ مِنْ حديثِ أنسٍ -﵁- اتَّفقُوا على روايةِ الحديثِ مِنْ غيرِ زيادةِ «وَلَا تَنَافَسُوا»، وإنَّمَا أوردوهَا عَنْ مالكٍ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ -﵁-، إلَّا سعيدَ بنَ أبي مريمَ فقدْ أدرجَ هذِهِ الزِّيادةَ، ورواهَا عنْ مالكٍ معَ بقيَّةِ الحديثِ مِنْ الطَّريقِ الأوَّلِ. قالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «وَالأَمْرُ عَلَى مَا قَالَ حَمْزَةُ، كُلُّ أَصْحَابِ مَالِكٍ رَوَوهُ عَنْهُ، وَلَمْ يَخْتَلِفوا عَلَيهِ فِيهِ» (^٢).\nرابعًَا: أنْ يسوقَ الإسنادَ، فيعرضُ لهُ عارضٌ، فيقولُ كلامًَا مِنْ قِبَلِ نفسِهِ، فيظُنُّ بعضُ مَنْ سمعَهُ أنَّ الكلامَ هوَ متنُ ذلكَ الإسنادِ، فيرويهِ عنهُ كذلكَ.\nومثالُهُ: الحديثُ الذي رواهُ ثابتُ بنُ موسى، عنْ شريكٍ القاضي، عنْ الأعمشِ، عنْ أبي سفيانَ، عنْ جابرٍ -﵁- مرفوعًَا: «مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِالليلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ».\nقالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٤٥ هـ»: «وَهَذَا قَولُ شَرِيكٍ، قَالَهُ فِي عَقِبِ حَدِيثِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ: «يَعْقِدُ الشَّيطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَاسِ أَحَدِكُمْ ثَلَاثَ عُقَدٍ» فَأدْرَجَ ثَابِتُ بنُ مُوسَى فِي الخَبَرِ، وَجَعْلَ قَولَ شَرِيكٍ كَلَامَ النَّبِيِّ -ﷺ-، ثُمَّ سَرَقَ هَذَا مِنْ ثَابِتٍ جَمَاعَةٌ ضُعَفَاءُ، وَحَدَّثُوا بِهِ عَنْ شَرِيكٍ» (^٣).\n_________\n(^١) روح بن عبادة بن العلاء، أبو محمد البصري، «ت ٢٠٧ هـ»، ثقة فاضل، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ١٩٦٢».\n(^٢) الفصل للوصل المدرج في النقل ٢/ ٧٤٠ وما بعدها.\n(^٣) المجروحين ١/ ٢٠٧.","vol":"1","page":318},{"text":"قالَ العراقيُّ «ت ٨٠٦ هـ»: «فَعَلَى هَذَا هُوَ مِنْ أَقْسَامِ المُدْرَجِ» (^١).\nأقول: ومِنَ الموضوعيَّةِ القولُ بأنَّ مثلَ هذَا لا يُدركُ بالسَّبرِ، بلْ لا بدَّ منْ تنصيصِ مُطَّلعٍ على ما جرى، حتَّى يَحْكُمَ بالإدراجِ، لثبوتِ طريقِ ثابتِ بنِ موسى أوَّلًَا، ولعدمِ وجودِ مخالفةٍ لهُ ثانيًَا، وذلكَ يعني انتفاءَ الدَّواعي التي مِنْ خلالها تتبيَّنُ العلَّةُ في الحديثِ بالسَّبرِ.\nفالسَّبرُ يُعتمدُ استقلالًا في الكشفِ عنِ الإدراجِ في بعضِ حالاتِ الحديثِ المُدرجِ، ويُعتمدُ كقرينةٍ مقوِّيةٍ للحكمِ بالإدراجِ، وقدْ يُغفلُ ويُهملُ إذَا انتفتِ الدَّواعي لاعتمادِهِ.\n* * *\n_________\n(^١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٠.","vol":"1","page":319},{"text":"<span data-type='title' id=toc-82>المَبْحَثُ السَّابِعُ: مَعْرِفَةُ التَّدْلِيسِ فِي الإِسْنَادِ:</span> (^١)\n<span data-type='title' id=toc-83>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ التَّدْلِيسِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًَا، وَذِكْرُ أَنْوَاعِهِ:</span>\nالتَّدليسُ: لغةً: مشتقٌّ مِنَ الدَّلَسِ - بالتَّحريكِ - وهوَ اختلاطُ الظَّلامِ بالنُّورِ، وإخفاءُ العيبِ وكتمانُهُ، سُمِّيَ المدلَّسُ بذلكَ لمَا فيهِ منَ الخفاءِ والتَّغطيةِ (^٢).\nاصطلاحًَا: ينقسمُ التَّدليسُ إلى أقسامٍ عدَّةٍ، ترجعُ إلى قسمينِ رئيسينِ، وهمَا:\nأوَّلًا: تدليسُ الإسنادِ: وهوَ أنْ يرويَ الرَّاوي عمَّنْ لقيَهُ (^٣) ما لمْ يسمعْ منهُ موهمًا أنَّهُ سمعَهُ منهُ، بصيغةٍ محتمِلَةٍ، كأنْ يقولَ: عنْ فلانٍ، أو أنَّ فلانًا قالَ كذَا …، وقدْ مثَّلَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ» لذلكَ بما رواهُ أبو عوانةَ، عنِ الأعمشِ، عنْ إبراهيمَ التَّيميِّ، عنْ أبيهِ، عنْ أبي ذرٍّ أنَّ النَّبيَّ -ﷺ-، قالَ: «فُلَانٌ فِي النَّارِ يُنَادِي: يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ». قالَ أبو عوانةَ (^٤) «ت ٣١٦ هـ»: «قُلْتُ لِلأَعْمَشِ: سَمِعْتَ هَذَا مِنْ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: لَا، حَدَّثَنِي بِهِ حَكِيمُ بنُ جُبَيرٍ عَنْهُ» (^٥).\n_________\n(^١) انظر علوم الحديث للحاكم ص ١٠٣، والكفاية للخطيب ص ٣٥٥، ومقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٧٣، والاقتراح لابن دقيق العيد ص ٢٠، ورسوم التَّحديث ص ٢٠٩، والمنهل الرَّويّ ص ٧٢، والنُّكت للزَّركشيِّ ٢/ ٦٧، والمقنع في علوم الحديث ١/ ١٥٤، والتَّقييد والإيضاح ص ٩٥، والنُّكت لابن حجر ٢/ ٦١٤، وفتح المغيث ١/ ١٧٩، وتدريب الرَّاوي ١/ ٢٢٣، وشرح نخبة الفكر ص ٤١٦، وقواعد التَّحديث ص ١٣٢.\n(^٢) انظر لسان العرب - مادة «دلس» ٦/ ٨٦، ومعجم مقاييس اللغة - مادة «دلس» ٢/ ٢٩٦.\n(^٣) وثمَّة فرق مهمٌّ بين المدلَّس والمرسل الخفيّ، سيأتي الكلام عليه في المبحث الآتي إن شاء الله. انظر ص.\n(^٤) يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم النيسابوري، الاسفراييني، أبو عوانة، «… - ٣١٦ هـ»، من أكابر حفاظ الحديث، من كتبه: «الصحيح المسند المخرج على صحيح مسلم». انظر تذكرة الحفاظ ٣/ ٧٧٩.\n(^٥) معرفة علوم الحديث ص ١٠٥.","vol":"1","page":320},{"text":"ويندرجُ تحتَ تدليسِ الإسنادِ خمسةُ أنواعٍ، وهيَ:\n١ - تدليسُ التَّسويةِ: وهوَ أنْ يرويَ المدلِّسُ حديثًَا عنْ ضعيفٍ بينَ ثقتينِ لقيَ أحدُهمَا الآخرَ، فيُسقطُ الضَّعيفَ ويجعلُ بينَ الثِّقتينِ عبارةً موهمةً، فيستوي الإسنادُ كلُّهُ ثقات بحسبِ الظَّاهرِ. قالَ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «وَهَذَا شَرُّ أَقْسَامِ التَّدْلِيسِ، لِأَنَّ الثِّقَةَ الأَوَّلَ قَدْ لَا يَكُونُ مَعْرُوفًَا بِالتَّدْلِيسِ، وَيَجِدُهُ الوَاقِفُ عَلَى المُسْنَدِ كَذَلِكَ بَعْدَ التَّسْوِيَةِ قَدْ رَوَاهُ عَنْ ثِقَةٍ آَخَرَ، فَيَحْكُمَ لَهُ بِالصِّحَّةِ» (^١).\n٢ - تدليسُ العطفِ: وهوَ أنْ يُصرِّحَ الرَّاوي بالتَّحديثِ عنْ شيخٍ لهُ، ويعطفَ عليهِ شيخًا آخرَ لمْ يسمعْ منهُ ذلكَ الحديثَ، قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «وَفِيمَا حَدَّثُونَا أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ هُشَيمٍ اجْتَمَعُوا يَومًَا عَلَى أَنْ لَا يَاخُذُوا مِنْهُ التَّدْلِيسَ، فَفَطِنَ لِذَلِكَ، فَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ يَذْكُرُهُ: حَدَّثَنَا حُصَينٌ وَمُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لَهُمْ: هَلْ دَلَّسْتُ لَكُمْ اليَومَ؟ فَقَالُوا: لَا. فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مُغِيرَةَ حَرْفًَا مِمَّا ذَكَرْتُهُ، إِنَّمَا قُلْتُ: حَدَّثَنِي حُصَينٌ، وَمُغِيرَةُ غَيرُ مَسْمُوعٍ لِي» (^٢).\n٣ - تدليسُ السُّكوتِ: وهوَ أنْ يقولَ: حدَّثنَا أو سمعتُ، ثمَّ يسكتُ برهةً، ثمَّ يذكرُ اسمَ راوٍ موهمًَا أنَّهُ سمعَ منهُ، وهوَ ليسَ كذلكَ. قالَ أبو الأحوصِ (^٣) «ت ٢٧٩ هـ» ذاكرًا تدليسَ هُشيمٍ: «جَلَسْتُ إِلَى جَانِبِهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «أَخْبَرَنَا» يَرْفَعُ\n_________\n(^١) النُّكت للزَّركشيِّ ٢/ ١٠٥.\n(^٢) معرفة علوم الحديث ص ١٠٥. وانظر مثالًا آخر على ذلك في نصب الرَّاية ٣/ ٢٧٣.\n(^٣) محمد بن الهيثم بن حماد الثقفي، البغدادي، «… - ٢٧٩ هـ»، قاضي عكبراء، من ثقات الحفاظ، أخرج له ابن ماجة. انظر تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٠٥.","vol":"1","page":321},{"text":"صَوتَهُ، ثُمَّ يَسْكُتُ، فَيَقُولُ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ نَفْسِهِ: «فُلَانٌ»، ثُمَّ يَرْفَعُ صَوتَهُ: دَاوُدُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فُلَانٍ عَنْ فُلَانٍ» (^١).\n٤ - تدليسُ القطعِ: قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَهُوَ أَنْ يَحْذِفَ الصِّيغَةَ، وَيَقْتَصِرَ عَلَى قَولِهِ مَثَلًَا: الزُّهْرِيُّ عَنْ أَنَسٍ» (^٢). مثالُهُ: ما قالَهُ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، قَالَ: إِمَّا المُغِيرَةُ، وَإِمَّا الحَسَنُ بنُ عُبَيدِ اللهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ. لَمْ يَرَ بَاسًَا بِمُصَافَحَةِ المَرْأَةِ التِي قَدْ خَلَتْ مِنْ وَرَاءِ الثَّوبِ». قالَ عبدُ اللهِ: «سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لَمْ يَسْمَعْهُ هُشَيمٌ مِنْ مُغِيرَةَ وَلَا مِنَ الحَسَنِ» (^٣).\n٥ - تدليسُ الصِّيغةِ: ويُطلقُ عليهِ أيضًَا تدليسُ الإجازةِ، أو المكاتبةِ، أو المناولةِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَيَلْتَحِقُ بِالتَّدْلِيسِ: مَا يَقَعُ مِنْ بَعْضِ المُحَدِّثِينَ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالتَّحْدِيثِ أَوْ الإِخْبَارِ عَنِ الإِجَازَةِ مُوهِمًَا لِلسَّمَاعِ، وَلَا يَكُونُ سَمِعَ مِنْ ذَلِكَ الشَّيخِ شَيئًا» (^٤). وممَّنْ وُصفَ بذلكَ أبو نُعيمٍ الأَصبهانيُّ (^٥). ولمْ يرضَ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ» بتسميةِ هذَا الصَّنيعِ تدليسًَا (^٦).\n_________\n(^١) الكفاية في علوم الرِّواية ص ١٦٥. وقد جعل ابن حجر «ت ٨٥٢ هـ» تدليسي السُّكوت والقطع واحدًا، مع أنَّه عرَّف لتدليس القطع مستقلًا، والفرق بينهما واضح، فتدليس السُّكوت فيه إيهام بذكر لفظ التَّحديث أمَّا القطع فالإيهام بحذف لفظ التَّحديث كما أشار إليه ابن حجرٍ في تعريفِهِ لتدليسِ القطعِ، لكنَّهما يشتركان في نيَّة القطع. انظر تعريف أهل التقديس ص ١٦.\n(^٢) تعريف أهل التَّقديس ص ١٦.\n(^٣) العلل ومعرفة الرِّجال ٢/ ٢٧٤/ ٢٢٢٩.\n(^٤) تعريف أهل التَّقديس ص ١٨.\n(^٥) المصدر ذاته ص ١٨، وانظر لسان الميزان ١/ ٢٠١، وانظر محاماة السّيوطيِّ عنه في فتح المغيث ٢/ ١٢٧.\n(^٦) جامع التَّحصيل ص ١١٤.","vol":"1","page":322},{"text":"ثانيًا: تدليسُ الشُّيوخِ: وهوَ أنْ يأتيَ باسمِ شيخِهِ أو كنيتِهِ على خلافِ المشهورِ بهِ تعميةً لأمرِهِ وتوعيرًَا للوقوفِ على حالِهِ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «مِثَالُهُ: مَا رُوِيَ لَنَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ ابنِ مُجَاهِدٍ الإِمَامِ المُقْرِئِ أَنَّهُ رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ \"عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي دَاوُدَ السِّجستَانِيِّ\". فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ. وَرَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ \"مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ النَّقَّاشِ\" المُفَسِّرِ، المُقْرِئِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ سَنَدٍ، نَسَبَهُ إِلَى جَدٍّ لَهُ» (^١).\nثالثًا: تدليسُ البلدانِ والأماكنِ: قالَ ابنُ دقيقٍ العيدِ «ت ٧٠٢ هـ»: «أَوْ ذَكَرَ لَفْظًَا مُشْتَرَكًَا يَنْطَلِقُ فِي المَشْهُورِ عَلَى غَيرِ المَوضِع الذِي أَرَادَهُ، كَمَا إِذَا قَالَ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ بِحَلَبٍ وَيُرِيدُ مَوضِعًَا مُتَّصِلًَا بِالقَاهِرَةِ، أَوْ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَيُرِيدُ أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ أَحَدِ جَانِبَي بَغْدَادَ إِلَى الآَخَرِ، وَالنَّهْرُ دِجْلَةُ» (^٢). وكراهةُ هذا النَّوعِ لما فيهِ منْ إيهامِ الرِّحلةِ في طلبِ الحديثِ.\nرابعًا: تدليسُ المتونِ: ذكرَهُ أبو المظفَّرِ السَّمعانيُّ «ت ٤٨٩ هـ»، فقالَ: «وَأَمَّا مَنْ يُدَلِّسُ فِي المُتُونِ فَهَذَا مُطَّرِحُ الحَدِيثِ مَجْرُوحُ العَدَالَةِ، وَهُوَ مِمَّنْ يُحَرِّفُ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، فَكَانَ مُلْحَقًَا بِالكَذَّابِينَ، وَلَمْ يُقْبَلْ حَدِيثُهُ» (^٣).\n_________\n(^١) تعريف أهل التَّقديس ص ١٨.\n(^٢) الاقتراح في علوم الاصطلاح ص ٢٠.\n(^٣) قواطع الأدلَّة في الأصول ١/ ٣٤٩.","vol":"1","page":323},{"text":"<span data-type='title' id=toc-84>المَطْلَبُ الثَّاني: حُكْمُ الحَدِيثِ المُدَلَّسِ، وَمَذَاهِبُ العُلَمَاءِ فِي حُكْمِ التَّدْلِيسِ:</span>\nتبيَّنَ في تعريفِ التَّدليسِ وأقسامِهِ أنَّهُ ضربٌ منَ الإيهامِ، وإخفاءٌ للعيبِ، وليسَ بكذبٍ، وقدَ اختلفَ العلماءُ في حكمِ التَّدليسِ على أربعةِ مذاهبَ (^١)، نقتصرُ على إيرادِ مذهبِ جمهورِ أهلِ الحديثِ:\nقالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «خَبَرُ المُدَلِّسِ لَا يُقْبَلُ إِلَّا أَنْ يُورِدَهُ عَلَى وَجْهٍ مُبَيَّنٍ غَيرِ مُحْتَمِلٍ لِلإِيهَامِ، فَإِنْ أَورَدَهُ عَلَى ذَلِكَ قُبِلَ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا» (^٢). وصحَّحهُ ابنُ الصَّلاحِ (^٣)، وأخذَ بهِ جمهورُ الفقهاءِ، لا سيمَا الشَّافعيُّ، فإنَّهُ أجراهُ فيمنْ عرفناهُ دلَّسَ مرَّةً (^٤). ويدلُّ على صحَّةِ ذلكَ أنَّ في الصَّحيحينِ وغيرِهمَا مِنَ الكتبِ المعتمدةِ كثيرًَا مِنْ أصحابِ هذَا الضَّربِ ممَّا صرَّحَ فيهِ بالسَّماعِ، كقتادةَ، والأعمشِ، وغيرِهِمْ.\nوبهذَا يتبينُ حكمُ الحديثِ المدلَّسِ، فمَا وردَ بصيغةٍ مُحتملَةٍ للسَّماعِ كالعنعنةِ، فهوَ ضعيفٌ مردودٌ، لما فيهِ منْ شبهةِ انقطاعٍ بينَ المدلِّسِ ومَنْ عنعنَ عنهُ، فقدْ يكونُ السَّاقطُ شخصًَا أو أكثرَ، وقدْ يكونُ ثقةً أو ضعيفًَا (^٥).\n_________\n(^١) انظر تفصيل المذاهب في الكفاية ص ٣٦١، ومقدِّمة ابن الصَّلاح ٧٥، والنُّكت للزَّركشيِّ ٢/ ٨١ و٨٩.\n(^٢) الكفاية في علوم الرواية ص ٣٦١.\n(^٣) مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٧٣.\n(^٤) قال الشَّافعي «ت ٢٠٤ هـ»: «ومن عرفناه دلَّس مرَّة فقد أبان لنا عورته في روايته، وليست تلك العورة بالكذب فنردُّ بها حديثه، ولا النَّصيحة في الصِّدق، فنقبل منه ما قبلنا من أهل النَّصيحة في الصِّدق». الرسالة ص ٣٧٩.\n(^٥) الجمهور على أنَّ الحديث المعنعن من الحديث المتَّصل بشرطين: أن يثبت لقاء الرَّاوي لمن روى عنه بالعنعنة، وأن يكون بريئًا من وصمة التَّدليس. إلا أنَّ مسلمًا خالف في اشتراط التَّنصيص على ثبوت اللقاء = = واكتفى بشرط المعاصرة. انظر تفصيل ذلك في التَّمهيد ١/ ١٢، وابن الصَّلاح ص ٦١، وشرح علل التِّرمذي ٣٦٥ - ٣٧٣.","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type='title' id=toc-85>المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ التَّدْلِيسِ فِي الإِسْنَادِ:</span>\nالحديثُ المُدلَّسُ مِنَ الأهميَّةِ والخطورةِ بمكانٍ، لما فيهِ مِنَ الغموضِ والخفاءِ، ولأجلِ ذلكَ فقدْ سلكَ المحدِّثونَ شتَّى السُّبلِ في بيانِهِ وبيانِ الرُّواةِ الموصومينَ بهِ، حيثُ قامُوا بتعيينِ الرُّواةِ المدلِّسينَ، أعيانِهِمْ، وأماكنِهِمْ، وطبقاتِهِمْ:\nفقامُوا أوَّلًا بحصرِ أماكنِهِمْ منَ البلدانِ، قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «أَهْلُ الحِجَازِ، وَالحَرَمَينِ، ومِصْرَ، وَالعَوَالِي، وخُرَاسَانَ، وَالجِبَالِ، وَأَصْبَهَانَ، وَبِلَادِ فَارِسٍ، وَخَوزَسْتَانَ، وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًَا مِنْ أَئِمَّتِهِمْ دَلَّسُوا. وَأَكْثَرُ المُحَدِّثِينَ تَدْلِيسًَا: أَهْلُ الكُوفَةِ، وَنَفَرٌ يَسِيرٌ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ. وَأَمَّا أَهْلُ بَغْدَادَ فَلَمْ يُذْكَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا التَّدْلِيسُ، إِلَّا أَبَا بَكْرٍ البَاغَنْدِيُّ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ التَّدْلِيسَ بِهَا، وَمَنْ دَلَّسَ مِنْ أَهْلِهَا إِنَّمَا تَبِعَهُ فِي ذَلِكَ» (^١). وقالَ الشَّافعيُّ «ت ٢٠٤ هـ» نافيًَا وجودَ التَّدليسِ في أهلِ بلدِهِ «مكَّةَ المكرَّمَةَ»: «لَمْ يُعْرَفِ التَّدْلِيسُ بِبَلَدِنَا فِيمَنْ مَضَى، وَلَا مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَّا حَدِيثًَا» (^٢).\nوهذهِ مرحلةٌ مُجْمِلَةٌ لأماكنِ هؤلاءِ الرُّواةِ، وتأتي بعدهَا المرحلةُ المُفصِّلةُ ببيانِ أسمائِهِمْ وَطبقاتِهِمْ، ولهذَا الغرضِ ألَّفَ المحدِّثونَ مصنَّفاتٍ كثيرةً في ذلكَ، مِنْ أشهرِهَا:\n_________\n(^١) معرفة علوم الحديث ص ١١١.\n(^٢) الرِّسالة ص ٣٧٨.","vol":"1","page":325},{"text":"١ - التَّبيينُ لأسماءِ المدلِّسينَ - لبرهانِ الدين الحلبي (^١).\n٢ - تعريفُ أهلِ التَّقديسِ بمراتبِ الموصوفينَ بالتَّدليسِ - للحافظِ ابنِ حجرٍ (^٢): وهوَ أجمعُهَا وأوسعُهَا إحصاءً، وقدْ بلغَ مجموعُ ما احتواهُ «١٥٢» مدلِّسًَا فقطْ (^٣).\nهذَا بالنِّسبةِ للرُّواةِ المدلِّسينَ، أمَّا الحديثُ المدلَّسُ فثمَّةَ طريقتانِ لمعرفتِهِ:\nالطَّريقةُ الأولى: إخبارُ المدلِّسِ نفسِهِ عنْ التَّدليسِ وعدمِ السَّماعِ:\nفمنَ السُّبلِ التي اعتمدَهَا الأئمَّةُ لمعرفةِ الأحاديثِ المدلَّسةِ هيَ تفقُّدُ السَّماعِ مِنْ فمِ الرَّاوي نفسِهِ، وتوقيفِهِ على ما لمْ يسمعْ، ليُعلَمَ بهِ وقوعُ التَّدليسِ أو عدمُ السَّماعِ.\nوهذَا ما كانَ يفعلُهُ شعبةُ «ت ١٦٠ هـ» فيمنْ ذُكرَ بالتَّدليسِ مِنْ شيوخِهِ، كقتادةَ والسَّبيعيِّ فكانَ يقولُ: «كُنْتُ أَتَفَقَّدُ فَمَ قَتَادَةَ، فَإِذَا قَالَ: سَمِعْتُ أَوْ حَدَّثَنَا، حَفِظْتُ. وَإِذَا قَالَ: حَدَّثَ فُلَانٌ، تَرَكْتُهُ» (^٤). وقالَ ابنُ مهديٍّ «ت ١٩٨ هـ»: «كُنْتُ مَعَ سُفْيَانَ عِنْدَ عِكْرِمَةَ بنِ عَمَّارٍ، فَجَعَلَ يُوقِفُهُ عَلَى كُلِّ حَدِيثٍ عَلَى السَّمَاعِ» (^٥). وقالَ القطَّانُ «ت ١٩٨ هـ»:\n_________\n(^١) طبع في مؤسَّسة الريَّان - بيروت - ١٤١٤ هـ - بتحقيق: محمد إبراهيم الموصلي. وللخطيب البغداديِّ كتابٌ يحمل الاسم نفسه، أشار إليه في الكفاية ص ٣٦١، وصنَّف كتابين لبيان نوع من أنواع التَّدليس.\n(^٢) طبع في مكتبة المنار - عمان - ١٤٠٣ هـ - تحقيق: د. عاصم بن عبد الله القريوتي.\n(^٣) قال شيخنا نور الدِّين: «ومن هنا فإنا لا نستطيع أن نوافق الباحث الفاضل الدكتور صبحي الصالح على قوله: \"ما أقلَّ من سلم من التَّدليس\" فهذا قول مبالغ جدًّا في تضخيم أمر التَّدليس، وغلوّ لا تسنده الحقيقة العلميَّة. وهذا أوسع إحصاء للمدلِّسين يبلغ مئة واثنين وخمسين مدلِّسًا من بين آلاف الرُّواة، ممَّا يدلُّ على أنَّ الأَولى أن نقول: \"ما أكثر من سلم من التَّدليس\"». منهج النَّقد ص ١٣٩.\n(^٤) الجرح والتَّعديل ١/ ١٦١.\n(^٥) المصدر ذاته ١/ ٦٨.","vol":"1","page":326},{"text":"«شَهِدْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ لِأَبِي الأَشْهَبِ: قُلْ: سَمِعْتُ، قُلْ: سَمِعْتُ» (^١). وبذلكَ يتعرَّفونَ الأحاديثَ متَّصلةَ السَّماعِ منْ المُدلَّسَةِ، وكذلكَ يتعرَّفونَ المُسقَطَ مِنَ الرُّواةِ بالتَّدليسِ، قالَ الإمامُ مالكٌ «ت ١٧٩ هـ»: «كُنَّا نَجْلِسُ إِلَى الزُّهْرِيِّ وَإِلَى مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ، فَيَقُولُ الزُّهْرِيُّ: قَالَ ابنُ عُمَرَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسْنَا إِلَيهِ، فَقُلْنَا لَهُ: الذِي ذَكَرْتَ عَنِ ابنِ عُمَرَ، مَنْ أَخْبَرَكَ بِهِ؟ قَالَ: ابنُهُ سَالِمٌ» (^٢).\nالطَّريقةُ الثَّانيةُ: السَّبْرُ وَمُقارنةُ الأسانيدِ:\nيُشترطُ في الحديثِ حتَّى يُحمَلَ السَّقطُ فيهِ بالسَّبرِ على التَّدليسِ ثلاثةُ شروطٍ: أنْ يكونَ مِنْ راوٍ مُدلِّسٍ، وبصيغةٍ مُحتملةٍ للسَّماعِ، وإمكانُ اللقاءِ بينَ الرَّاوي ومَنْ روى عنهُ تدليسًَا، لأننَّا إذَا سبرنَا حديثًَا ما، ووجدنَا سقطًَا في الرُّواةِ، فيمكنُ حملُهُ على مُجرَّدِ الانقطاعِ، أو على العالي والنَّازلِ إذَا كانَ مُتَّصلًا على الجهتينِ، أو على المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ إنْ كانَ وهمًَا، وكذلكَ الصِّيغةُ مُحتمِلةُ السَّماعِ إذَا كانتْ مِنْ غيرِ مُدلِّسٍ يُحملُ الحديثُ على مُطلقِ الاتِّصالِ، فالسَّقطُ في غيرِ حديثِ المدلِّسِ يُحملُ على غيرِ التَّدليسِ، والصِّيغَةُ مُحتملةُ السَّماعِ في غيرِ حديثِ المدلِّسِ تُحملُ على التَّحديثِ.\nوهذَا مدخلٌ مهمٌّ لبيانِ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ التَّدليسِ، لأنَّنَا بذلكَ نكونُ قدِ استبعدْنَا منْ دائرَةِ السَّبرِ والتَّتبُّعِ الرُّواةَ غيرَ المدلِّسينَ، وكذلكِ أحاديثَهُمْ ومرويَّاتِهِمْ، وأحاديثَ ومرويَّاتِ المدلِّسينَ مُتَّصلةَ السَّماعِ، ونحصرُ عملَنَا بمرويَّاتِ منْ عرفَنْاهُ موصومًا\n_________\n(^١) المصدر ذاته ١/ ٨٢.\n(^٢) العلل ومعرفة الرِّجال ١/ ٢٩٤.","vol":"1","page":327},{"text":"بالتَّدليسِ، قالَ الإمامُ مسلمٌ «ت ٢٥٦ هـ»: «وَإِنَّمَا كَانَ تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ مِنْهُمْ سَمَاعَ رُوَاةِ الحَدِيثِ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُمْ، إِذَا كَانَ الرَّاوِي مِمَّنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ فِي الحَدِيثِ وَشُهِرَ بِهِ، فَحِينَئِذٍ يَبْحَثُونَ عَنْ سَمَاعِهِ فِي رِوَايَتِهِ وَيَتَفَقَّدُونَ ذَلِكَ مِنْهُ كَي تَنْزَاحَ عَنْهُمْ عِلَّةُ التَّدْلِيسِ» (^١).\nوالغرضُ مِنَ السَّبرِ يتحقَّقُ فيمَا يأتي:\n١ - الحُكْمُ عَلَى الحَدِيثِ بِالتَّدْلِيسِ بِشَكْلٍ قَطْعِيٍّ: بالتأكُّدِ منْ خلالِ السَّبرِ منْ عدمِ وجودِ طريقٍ مُصرِّحةٍ بالسَّماعِ، أو باتِّفاقِ المتابعاتِ على الصِّيغةِ المحتمِلَةِ (^٢)، أو باجتماعِ الرُّواةِ عنِ المدَّلسِ بصيغةِ التَّدليسِ. قالَ أبو العبَّاسِ الطَّبريُّ (^٣) «ت ٣٣٥ هـ» في بيانِهِ لفوائدِ تحفُّظِ طُرقِ الأخبارِ: «وَفِيهِ أَنَّهُمْ إِذَا اسْتَقْصَوا فِي مَعْرِفَةِ طُرُقِ الخَبَرِ عَرَفُوا بِهِ غَلَطَ الغَالِطِ إِذَا غَلَطَ، وَمَيَّزُوا كَذِبَ المُدَلِّسِ وَتَدْلِيسَ المُدَلَّسِ، وَإِذَا لَمْ يَسْتَقْصِ المَرْءُ فِي طُرُقِهِ وَاقْتَصَرَ عَلَى طَرِيقٍ وَاحِدٍ كَانَ أَقَلَّ مَا يَلْزَمُهُ إِذَا دُلِّسَ عَلَيهِ فِي الرِّوَايَةِ أَنْ يَقُولَ: لَعَلَّهُ قَدْ رُوِيَ وَلَمْ أَسْتَقْصِ فِيهِ، فَرَجَعَ بِالَّلائِمَةِ وَالتَّقْصِيرِ عَلَى نَفْسِهِ» (^٤).\n_________\n(^١) صحيح مسلم ١/ ٣٣.\n(^٢) فإذا كان المتابعون للرَّاوي غير مدلِّسين حملتِ العنعنةُ على التحديثِ، وإن كانت من مدلس.\n(^٣) أحمد بن أحمد الطبري، البغدادي، أبو العباس بن القاص، «… - ٣٣٥ هـ» - شيخ الشافعية في طبرستان، من كتبه: «أدب القاضي»، و«المواقيت»، و«فوائد حديث أبي عمير». انظر غنية الملتمس للخطيب ص ٩٢، والأعلام للزركلي ١/ ٩٠.\n(^٤) فوائد حديث أبي عمير ١/ ٣٤.","vol":"1","page":328},{"text":"وقدْ أشارَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في الفتحِ إلى كلامِ الطَّبريِّ هذَا، ثمَّ لخَّصَ بعضَ كلامِهِ، فقالَ: «ثُمَّ ذَكَرَ فَصْلًَا فِي فَائِدَةِ تَتَبُّعِ طُرُقِ الحَدِيثِ … وَفِيهَا الاِطِّلَاعُ عَلَى عِلَّةِ الخَبَرِ بِانْكِشَافِ غَلَطِ الغَالِطِ، وَبَيَانِ تَدْلِيسِ المُدَلِّسِ، وَتَوصِيلِ المُعَنْعَنِ» (^١).\n٢ - وُرُودُ الحَدِيثِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى غَيرِ مُدَلَّسَةٍ بِصِيغَةِ التَّحْدِيثِ: وكلامُ ابنِ حجرٍ السَّابقُ في فوائدِ تتبُّعِ طرقِ الحديثِ بتوصيلِ المعنعنِ جليٌّ، وقالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ» في معرضِ سردِهِ لفوائدِ المُستخرجاتِ: «وَمِنْهَا: أَنْ يُرْوَى فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُدَلِّسٍ بِالعَنْعَنَةِ، فَيَرْوِيهِ المُسْتَخْرِجُ بِالتَّصْرِيحِ بِالسَّمَاعِ» (^٢).\n٣ - فقدْ يروي المدلِّسُ الحديثَ متَّصلَ السَّماعِ بالعنعنةِ مرَّةً وبالتَّحديثِ أُخرى، ويُدركُ ذلكَ بمجيئِهِ منْ طريقٍ أُخرى، سواءٌ كانَ التَّصريحُ بالسَّماعِ مِنَ الرَّاوي نفسِهِ (^٣) أو مِنْ غَيرِهِ ممَّنْ تابعَهُ على روايتِهِ، وعلى هذَا حملَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ» أحاديثَ المدلِّسينَ في الصَّحيحينِ، فقالَ: «المُدَلِّسُ إِذَا قَالَ: «عَنْ»، لَا يُحْتَجُّ بِهِ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ سَمَاعُهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَإِنَّ مَا كَانَ فِي الصَّحِيحَينِ مِنْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى ثُبُوتِ سَمَاعِهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى» (^٤).\n_________\n(^١) فتح الباري ١٠/ ٥٨٥.\n(^٢) تدريب الرَّاوي ١/ ١١٦.\n(^٣) قال العينيُّ «ت ٨٥٥ هـ»: «المدلِّس إذا صرَّح بالتَّحديث، وكان صدوقًا، زالت تهمة التَّدليس». فيُشترط في المدلِّس حتى يُقبل تصريحه من طريق أخرى أن يكون ثقة أو صدوقًا، وكذلك يُشترط فيمن صرَّح من الرُّواة غير المدلِّس بالتَّحديث من طريق أخرى أيضًا أن يكون كذلكَ. انظر عمدة القاري ٣/ ٤٨.\n(^٤) شرح النَّوويِّ على مسلم ١/ ٧٣. وانظر نقاش الزَّركشيِّ لكلام النَّوويِّ في نكته ٢/ ٩٣. وقال القاسميُّ «ت ١٣٣٢ هـ»: «وإيثار صاحب الصَّحيح طريق العنعنة لكونها على شرطه دون تلك». قواعد التحديث ١/ ١٣٢.","vol":"1","page":329},{"text":"وقدْ أوردَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ» أمثلةً تدعمُ قولَهُ في شرحِهِ لصحيحِ مسلمٍ، فقالَ في حديثِ «وفدِ ثقيفٍ» (^١): «قَولُهُ: «وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ يَحْيَى، وَإِسْمَاعِيلُ بنُ سَالِمٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا هُشَيمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ» ثُمَّ قَالَ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا: «قَالَ ابْنُ سَالِمٍ فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ هَذَا». فِيهِ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ دَقَائِقِ هَذَا العِلْمِ وَلَطَائِفِهِ … وَهِيَ أَنَّ هُشَيمًَا مُدَلِّسٌ، وَقَدْ قَالَ فِي الرِّوَايَةِ المُتَقَدِّمَةِ: عَنْ أَبِي بِشْرٍ، … فَبَيَّنَ مُسْلِمٌ أَنَّهُ ثَبَتَ سَمَاعُهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ سَالِمٍ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا: أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ» (^٢). وهذَا مثالُ التَّصريحِ بالسَّماعِ مِنَ الرَّاوي نفسِهِ.\nوأمَّا التَّصريحِ بالسَّماعِ منْ راوٍ آخرَ، فمثالهُ حديثُ جريرٍ -﵁- في مُبايعتِهِ للنَّبيِّ -ﷺ- (^٣)، قالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «وَأَمَّا قَولُهُ - أي: مُسْلِمٌ - حَدَّثَنَا سُرَيجٌ وَيَعْقُوبُ، قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ. ثُمَّ قَالَ مُسْلِمٌ فِي آَخِرِهِ: قَالَ يَعْقُوبُ فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى لَطِيفَةٍ، وَهِيَ أَنَّ هُشَيمًَا مُدَلِّسٌ، وَقَدْ قَالَ: عَنْ سَيَّارٍ …، فَرَوَى مِسْلِمٌ ﵀ حَدِيثَهُ هَذَا عَنْ شَيخَينِ، وَهُمَا سُرَيجٌ وَيَعْقُوبُ، فَأمَّا سُرَيجٌ فَقَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ عَنْ سَيَّارٍ، وَأَمَّا يَعْقُوبُ فَقَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، فَبَيَّنَ مُسْلِمٌ ﵀ اخْتِلَافَ عِبَارَةِ الرِّوَايَتِينِ فِي نَقْلِهِمَا عِبَارَتَهُ، وَحَصَلَ مِنْهَا اِتِّصَالُ حَدِيثِهِ» (^٤).\n_________\n(^١) انظر الحديث وكلام الإمام مسلم في صحيحه ١/ ٢٥٩/ ر ٣٢٨.\n(^٢) شرح النووي على مسلم ٤/ ١٠.\n(^٣) انظر الحديث وكلام الإمام مسلم في صحيحه ١/ ٧٥/ ر ٥٦.\n(^٤) شرح النووي على مسلم ٢/ ٤٠.","vol":"1","page":330},{"text":"وقدْ بيَّنَ ابنُ حبَّانَ أنَّ ابنَ عُيينةَ لا يكادُ يوجدُ لهُ خبرٌ دلَّسَ فيهِ إلَّا وُجِدَ ذلكَ الخبرُ بعينِهِ قدْ تبيَّنَ سماعُهُ عنْ ثقةٍ (^١).\n٤ - بيانُ الرَّاوي السَّاقطِ بالعنعنةِ منْ طريقٍ أُخرى: ثقةً كانَ أو ضعيفًَا، واحدًا كانَ أو أكثرَ، قالَ الدكتورُ عبدُ اللهِ الجديعُ في ذكرِهِ للطَّريقةِ الثَّانيةِ مِنْ طُرقِ الكشفِ عنِ التَّدليسِ: «مُقَارَنَةُ الأَسَانِيدِ: فَيَكْشِفُ بِذَلِكَ مَنْ أُسْقِطَ فِي مَوضِعِ العَنْعَنَةِ لِلشَّيخِ المعَيَّنِ، مَعْ إِدْرَاك ذَلِكَ الشَّيخِ وَسَمَاعِهِ فِي الأَصْلِ مِمَّنْ عَنْعَنَ عَنْهُ» (^٢).\nوقدْ مثَّلَ الإمامُ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ» لذلكَ بحديثِ عائشةَ -﵁- مرفوعًَا: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ». فقالَ: «أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ مِنْ حَدِيثِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًَا: \"لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ\". ثُمَّ قَالَ - التِّرْمِذِيُّ -: هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ. سَمِعْتُ مُحَمَّدًَا يَقُولُ: رُوِيَ عَنْ غَيرِ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ: مُوسَى بنُ عُقْبَةَ، وَابنُ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُلَيمَانَ بنِ أَرْقَمَ، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ -﵁- مَرْفُوعًَا، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَالحَدِيثُ هُوَ هَذَا» (^٣). فبيَّنَ البُخاريُّ في هذَا الحديثِ مِنْ طريقٍ أُخرى راويينِ سقطَا مِنَ السَّندِ، وهمَا سُليمانُ بنُ أرقمَ ويحيى بنُ أبي كثيرٍ.\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان ١/ ١٦١.\n(^٢) تحرير علوم الحديث ٢/ ٩٨٤.\n(^٣) النكت للزَّركشيِّ ٢/ ٧٤.","vol":"1","page":331},{"text":"وهذَا بالنَّسبةِ لتدليسِ الإسنادِ، أمَّا تدليسُ الشُّيوخِ فبالسَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ تُعرفُ وتنحصرُ نعوتُ الرَّاوي المتعدِّدةُ، والمرجعُ في معرفةِ ذلكَ وإزالةُ اللَّبسِ الحاصلِ بهِ: كُتبُ الرِّجالِ وكُتبُ مَنْ ذُكرَ بأسماءٍ مُختلفةٍ أو نعوتٍ مُتعدِّدةٍ، قالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «وَهُوَ - أَي: عِلْمُ مَنْ ذُكِرَ بِأَسْمَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ أَوْ نُعُوتٍ مُتَعَدِّدَةٍ - فَنٌّ عَوِيصٌ تَمَسُّ الحَاجَةُ إِلَيهِ لِمَعْرِفَةِ التَّدْلِيسِ» (^١). وزادَ الأنصاريُّ «ت ٨٠٤ هـ»: «فَإِنَّ أَكْثَرَ ذَلِكَ إِنَّمَا نَشَأَ مِنْ تَدْلِيسِهِمْ» (^٢).\nوممَّنْ ألَّفَ في ذلكَ:\n١ - الحافظُ الأزديُّ «ت ٤٠٩ هـ» كتابًا أسماهُ «إيضاحُ الإشكالِ في الرِّواياتِ» (^٣).\n٢ - الخطيبُ البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ» كتابًا أسماهُ «موضعُ أوهامِ الجمعِ والتَّفريقِ» (^٤).\nقالَ أبو حاتمٍ «ت ٢٧٧ هـ» ممثِّلًا لتدليسِ الشُّيوخِ: «وَمِثْلُ مَا يَرْوِيهِ الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَيُوهِمُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الأَوزَاعِيَّ، وَإِنِّمَا أَرَادَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ يَزِيدَ بنِ تَمِيمٍ، وَهُمَا جَمِيعًَا قَدْ سَمِعَا مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَالوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ قَدْ سَمِعَ مِنْهُمَا، وَالأَوزَاعِيُّ ثِقَةٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابنُ يَزِيدٍ ضَعِيفٌ، وَقَدْ يَكُونُ الحَدِيثُ يَرْوِيهِ الثِّقَةُ عَنِ الثِّقَةِ، وَلَا يَكُونُ صَحِيحًَا لَعِلَّةٍ دَخَلَتْهُ مِنْ جِهَةِ غَلَطِ الثِّقَةِ فِيهِ» (^٥).\n_________\n(^١) التَّقريب ص ٢٣.\n(^٢) المقنع في علوم الحديث ٢/ ٥٦٢.\n(^٣) توجد نسخة منه في المكتبة الآصفيَّة - الهند - حيدر آباد - رقم الحفظ: «٣/ ٣٢٤» رقم «١٩٠».\n(^٤) تناول فيه بالتَّفصيل كلَّ راو ممَّن تعدَّدت أسماؤه ونعوته، وما وقع فيه من الأوهام بسبب ذلك. طبع الكتاب في دار المعرفة - بيروت - ١٤٠٧ هـ - في مجلَّدين - بتحقيق: د. عبد المعطي أمين قلعجي.\n(^٥) التَّعديل والتَّجريح ١/ ٢٩٧.","vol":"1","page":332},{"text":"ثمَّ قالَ مُعقِّبًا ومبيِّنًا الطَّريقَ للكشفِ عنْ ذلكَ: «وَهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّهَا لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ بِهَذَا الشَّانِ وَتَتَبُّعِ طُرُقِ الحَدِيثِ وَاخْتِلَافِ الرُّوَاةِ فِيهِ، وَعَرَفَ الأَسْمَاءَ وَالكُنَى، وَمَنْ فَاتَتْهُ الرِّوَايَةُ عَمَّنْ عَاصَرَهُ وَمَنْ لَمْ تَفُتْهُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ شَانِهِ التَّدْلِيسُ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَاكَ مِنْ شَانِهِ» (^١).\nوإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الحديثِ المدلَّسِ منْ خلالِ التَّطبيقاتِ الآتيةِ:\nسأقتصرُ على بيانِ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ تدليسِ الشُّيوخِ، وتدليسِ الإسنادِ بعمومِهِ دونَ فروعهِ، خلا تدليسَ التَّسويةِ لشيوعِهِ وخطورتِهِ.\nتدليسُ الإسنادِ: مثالُهُ: حديثُ رافعِ بنِ خَدِيجٍ -﵁-، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: «أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ».\n* الحديثُ أخرجَهُ أبو داودَ «ر ٤٢٤»، وابنُ ماجةَ «ر ٦٧٢»، وابنُ حنبلٍ «ر ١٧٢٩٦»، وابنُ حبَّانَ «ر ١٤٩١»، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ٤٢٨٣»، منْ طريقِ ابنِ عيينةَ (^٢)، عنْ محمَّدِ بنِ عجلانَ، عنْ عاصمِ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ، عنْ محمودِ بنِ لبيدٍ، عنْ رافعِ بنِ خديجٍ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-.\nوتابعَهُ سفيانُ الثَّوريُّ (^٣)، عندَ الطَّبرانيِّ في المعجمِ الكبيرِ «ر ٤٢٨٣»، والأصبهانيِّ في معرفةِ الصَّحابةِ «ر ٢٦٥٣»، وعبدِ الرَّزاقِ في مُصنَّفِهِ «ر ٢١٥٩».\n_________\n(^١) المصدر ذاته.\n(^٢) تقدمت ترجمته ص ٢٣٠.\n(^٣) تقدمت ترجمته ص ٢٦١.","vol":"1","page":333},{"text":"ويحيى بنُ سعيدٍ القطَّانُ (^١)، عندَ النَّسائيِّ في الكبرى «ر ١٥٣»، وابنِ حبَّانَ «ر ١٤٨٩».\nوسليمانُ بنُ حيَّانَ (^٢)، عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٧٣١٨»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ٣٢٤٢».\n* وأخرجَهُ التِّرمذيُّ «ر ١٥٤»، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ٤٢٨٦»، والطَّيالسيُّ «ر ٩٥٩»، والأصبهانيُّ في معرفةِ الصَّحابةِ «ر ٢٦٥٤»، والبيهقيُّ «ر ١٩٨٩»، والدَّارميُّ «ر ١٢١٧»، وابنُ أبي شيبةَ «ر ٦٥»، منْ طريقِ محمَّدِ بنِ إسحاقَ (^٣)، عنْ عاصمِ بنِ عمرَ، عنْ محمودِ بنِ لبيدٍ، عنْ رافعٍ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-.\nفخالفَ ابنُ إسحاقَ جميعَ الرُّواةِ الثِّقاتِ بإسقاطِ ابنِ عجلانَ، وقدْ رواهُ بالعنعنةِ وهوَ مُدلِّسٌ (^٤)، فاتَّضحَ تدليسُهُ في ذلكَ، إلَّا أنَّهُ وبالسبرِ فقدْ تبيَّنَ أنَّ الحديثَ أخرجَهُ ابنُ حنبلٍ «ر ١٥٨٥٧» منْ طريقِ ابنِ إسحاقَ، قالَ: أنبأنَا ابنُ عجلانَ، عنْ عاصمِ بنِ عمرَ … الخ. فذكرَ ابنَ عجلانَ وبصيغةِ الإنباءِ، فتبيَّنَ السَّاقطُ مِنَ الرُّواةِ بالتَّدليسِ مِنَ الحديثِ مِنْ طريقِ الرَّاوي نفسِهِ ومِنْ طريقِ غيرِهِ كذلكَ.\nتدليسُ التَّسويةِ: مثالُهُ: حديثُ ابنِ عمرَ -﵁- أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قالَ: «إذَا ضَنَّ النَّاسُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، وَتَبَايَعُوا بِالْعِينَةِ، وَتَبِعُوا أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَتَرَكُوا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ ذُلًّا فَلَمْ يَرْفَعْهُ عَنْهُمْ حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينَهُمْ».\n_________\n(^١) تقدمت ترجمته ص ٢٧٤.\n(^٢) سليمان بن حيان الأزدي، أبو خالد الأحمر، «ت ١٩٠ هـ»، صدوق يخطئ، أخرج له الستة. انظر التهذيب «ر ٣١٣»، والتقريب «ر ٢٥٤٧».\n(^٣) محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر المطلبي، «ت ١٥٠ هـ»، صدوق، يدلس، رمي بالتشيع والقدر، أخرج له «خت م ٤». انظر التهذيب «ر ٥١»، والتقريب «ر ٥٧٢٥».\n(^٤) انظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٤٠٥/ ٥٠٥٧، وتقريب التَّهذيب ص ٤٦٧/ ٥٧٥٢٥.","vol":"1","page":334},{"text":"* الحديثُ أخرجَهُ ابنُ حنبلٍ «ر ٤٨٢٥»، والطبرانيُّ في الكبيرِ «ر ١٣٥٨٣»، مِنْ طَريقِ الأعمشِ (^١)، عنْ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، عنِ ابنِ عمرَ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-.\n* وأخرجَهُ البيهقيُّ «ر ١٠٤٨٤»، والطبرانيُّ في مسندِ الشَّاميينَ «ر ٢٤١٧»، والأصبهانيُّ في حليةِ الأولياءِ «١/ ٣١٤»، مِنْ طريقِ إسحاقَ بنِ أُسيدٍ الخراسانيِّ (^٢)، أنَّ عطاءً الخراسانيَّ حدَّثهُ، أنَّ نافعًا حدَّثهُ، عنِ ابنِ عمرَ -﵁- … الحديث.\nفبسبرِ طرقِ هذَا الحديثِ يتبيَّنُ لنَا في الطَّريقِ الأوَّلِ أنَّ نافعًَا سقطَ منْ بينِ عطاءٍ وابنِ عمرَ -﵁-، وقدْ بيَّنَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» تدليسَ التَّسويةِ في طريقِ الأعمشِ بردِّهِ لتصحيحِ ابنِ القطَّانِ لهذَا الطَّريقِ، فقالَ: «قُلْت: وَعِنْدِي أَنَّ إسْنَادَ الْحَدِيثِ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ مَعْلُولٌ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَونِ رِجَالِهِ ثِقَاتٍ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، لِأَنَّ الْأَعْمَشَ مُدَلِّسٌ، وَلَمْ يُنْكِرْ سَمَاعَهُ مِنْ عَطَاءٍ، وَعَطَاءٌ يُحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، فَيَكُونُ فِيهِ تَدْلِيسُ التَّسْوِيَةِ بِإِسْقَاطِ نَافِعٍ بَينَ عَطَاءٍ وَابْنِ عُمَرَ، فَرَجَعَ الْحَدِيثُ إلَى الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ» (^٣).\nتَدْلِيسُ الشُّيُوخِ: مثالُهُ: حديثُ عائشةَ -﵁-: «اكْتَحَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- وَهُوَ صَائِمٌ».\n_________\n(^١) تقدمت ترجمته ص ٢٤٩.\n(^٢) إسحاق بن أسيد الخراساني، أبو عبد الرحمن، قال أبو حاتم: «شيخ، ليس بالمشهور، ولا يشغل به». وقال ابن عدي والحاكم: «مجهول». وقال ابن حبان: «يخطئ». وقال الأزدي: «منكر الحديث، تركوه». وقال ابن حجر: «فيه ضعف». أخرج له «د جه». انظر الجرح والتعديل «ر ٧٢٨»، والثقات «ر ٦٦٧٧»، والضعفاء لابن الجوزي «ر ٣٠٦»، والتهذيب «ر ٤١٩»، والتقريب «ر ٣٤٢».\n(^٣) التَّلخيص الحبير ٣/ ١٩.","vol":"1","page":335},{"text":"* الحديثُ أخرجَهُ ابنُ ماجةَ «ر ١٦٧٨»، منْ طريقِ بقيَّةَ بنِ الوليدِ (^١)، عنِ الزُّبيديِّ، عنْ هشامِ بنِ عروةَ، عنْ أبيهِ، عنْ عائشةَ -﵁-.\n* وأخرجَهُ الطَّبرانيُّ في المعجمِ الصَّغيرِ «ر ٤٠١»، مِنَ الطَّريقِ ذاتِهِ إلَّا أنَّهُ سمَّى الزُّبيديَّ ب «محمَّدِ بنِ الوليدِ».\n* وأخرجَهُ الطَّبرانيُّ في مسندِ الشَّاميِّينَ «ر ١٨٣٠»، وأبو يعلى في مسندِهِ «ر ٤٧٩٢»، والبيهقيُّ في السُّننِ «ر ٨٤٧»، وابنُ عديٍّ في الكاملِ «٣/ ٤٠٥»، مِنَ الطَّريقِ ذاتِهِ أيضًا إلَّا أَّنَّهمْ سمَّوا الزُّبيديَّ ب «سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ».\nفبالسَّبرِ تبيَّنَ لنَا تدليسُ «بقيَّةَ» عندَ ابنِ ماجةَ، حيثُ ذكرَ «الزُّبيديَّ» مُجرَّدًا، وتبيَّنَ لنَا توهُّمُ البعضِ كمَا عندَ الطَّبرانيِّ بجعلِهِ «محمَّدَ بنِ الوليدِ»، حيثُ نَصَّ الأكثرونَ على كونِهِ «سعيدُ ابنُ جابرٍ الزُّبيديُّ»، كمَا بيَّنهُ ابنُ عبدِ الهادي الحنبليُّ (^٢) «ت ٧٤٤ هـ»، فقالَ: «وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ العُلَمَاءِ أَنَّ الزُّبَيدِيَّ فِي هَذَا الحَدِيثِ هُوَ مُحَمَّدُ بنُ الوَلِيدِ الثَّقَةُ الثَّبتُ، وَذَلِكَ وَهْمٌ، وَإِنَّمَا هُوَ سَعِيدُ بنُ أَبِي سَعِيدٍ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ البَيهَقِيُّ، وَغَيرُهُ. وَلَيسَ هُوَ بِمَجْهُولٍ كَمَا قَالَهُ أَيضًَا ابنُ عَدِيٍّ، بَلْ هُوَ سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الجَبَّارِ الزُّبَيدِيُّ الحِمْصِيُّ، وَهُوَ مَشْهُورٌ،\n_________\n(^١) بقية بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي، أبو يحمد، «ت ١٩٧ هـ»، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء، أخرج له «خت م ٤». انظر التقريب «ر ٧٣٤».\n(^٢) محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي، شمس الدين، أبو عبد الله، ابن قدامة المقدسي، المشهور ب «ابن عبد الهادي»، «٧٠٥ هـ - ٧٤٤ هـ»، من حفاظ الحديث، فقيه حنبلي، له ما يزيد على سبعين كتابًا، منها: «المحرر في اختصار الإلمام» في الحديث، و«الصارم المنكي في الرد على ابن السبكي»، و«تراجم الحفاظ»، و«العلل» رتبه على ترتيب كتب الفقه، و«تنقيح تحقيق أحاديث التعليق». انظر معجم المحدثين ١/ ٢١٥، وذيل تذكرة الحفاظ ١/ ١٦، وطبقات الحفاظ ص ٥٢٤.","vol":"1","page":336},{"text":"لَكِنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ، وَأَبُو أَحْمَدَ بنُ عَدِيٍّ فَرَّقَ فِي كِتَابِهِ بَينَ سَعِيدِ بنِ أَبِي سَعِيدٍ، وَبَينَ سَعِيدِ بنِ عَبْدِ الجَبَّارِ، وَهُمَا وَاحِدٌ» (^١).\nفالسَّبرُ هوَ أحدُ الطُّرقِ الرئيسةِ التي اعتمدَهَا الأئمَّةُ المحدِّثونَ لمعرفةِ حديثِ المدلِّسينَ، ببيانِ التَّدليسِ في الإسنادِ منْ عدمِهِ، ومعرفةِ السَّاقطِ منَ الرُّواةِ بالتَّدليسِ، اعتمادًَا على المصنَّفاتِ في أسماءِ وطبقاتِ المدلِّسينَ، وكذلكَ تدليسِ المدلِّسينَ في شيوخهِمِ، فبِهِ تنحصرُ نعوتُهُمْ، ويُزالُ اللَّبسُ عنهمْ، اعتمادًَا على المصنَّفاتِ في الرِّجالِ والمشتبِهِ مِنَ النُّعوتِ والأسماءِ قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «فَحُكْمُ مَنْ ذُكِرَ مِنْ رِجَالِهِ بِتَدْلِيسٍ أَوْ إِرْسَالٍ أَنْ تُسْبَرَ أَحَادِيثُهُمْ المَوجُودَةُ عِنْدَهُ بِالعَنْعَنَةِ، فَإِنْ وُجِدَ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ فِيهَا انْدَفَعَ الاِعْتِرَاضُ، وَإِلَّا فَلَا» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) تنقيح تحقيق أحاديث التَّعليق ٢/ ٣١٧.\n(^٢) مقدمة فتح الباري ١/ ٣٨٥.","vol":"1","page":337},{"text":"<span data-type='title' id=toc-86>المَبْحَثُ الثَّامِنُ: مَعْرِفَةُ المُرْسَلِ الخَفِيِّ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-87>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُرْسَلِ الخَفِيِّ لُغَةً وَاصْطِلَاحًَا:</span>\nالمُرسلُ الخفيُّ: لغةً: جمعُ مراسيلَ، وهوَ الإطلاقُ، والتَّركُ، والتَّخليةُ (^١).\nالخفيُّ: الخفاءُ ضدُّ الظُّهورِ. سُمِّي بذلكَ، لأنَّ فيهِ انقطاعًا غيرَ ظاهرٍ في الإسنادِ (^٢).\nاِصطلاحًَا: اختلفتْ آراءُ العلماءِ في تعريفِهِ اختلافًَا قويًَّا مُتشابكًَا، والمعتمدُ أنَّهُ:\nالحديثُ الذي رواهُ الرَّاوي عمَّنْ عاصرَهُ ولمْ يسمعْ منهُ، ولمْ يلقَهُ (^٣).\n_________\n(^١) وقد فصَّل العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ» إطلاقات المعنى اللغويِّ للمرسل، فلتنظر جامع التحصيل ص ٢٣.\n(^٢) انظر لسان العرب - مادة «خفي» - ١٤/ ٢٣٧، ومختار الصحاح - مادة «خ ف ي».\n(^٣) وهو اختيار ابن حجر، كما في النُّكت له ٢/ ٦١٤، ونخبة الفكر ص ٢٢٩، وشرحها للقاريّ ص ٤٢٣ وانظر في المرسل الخفيّ: اليواقيت والدُّرر ٢/ ٢١، وتوجيه النَّظر ٢/ ٥٦٩، والمرسل الخفيُّ وعلاقته بالتَّدليس - دراسة نظريَّة تطبيقيَّة على مرويَّات الحسن البصريِّ - الشَّريف حاتم العونيّ - دار الهجرة - الرياض- ١٤١٨ هـ. لكن يتنبَّه إلى أنَّ العونيَّ نفى أن يكون ثمَّة مصطلح باسم الإرسال الخفي، كنتيجة لما قدَّمه من دراسة. ذكرته هنا لوجود دراسة نظريَّة مستفيضة عن المرسل الخفي عند أئمَّة الحديث.","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-88>المَطْلَبُ الثَّاني: الفَرْقُ بَينَ المُدَلَّسِ والمُرْسَلِ الخَفِيِّ وَالإِرْسَالِ:</span>\nالفرقُ بينَ المدلَّسِ والمرسلِ الخفيِّ دقيقٌ، فقدْ مزجَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» (^١) في تعريفِهِ للتَّدليسِ بينَهُ وبينَ المرسلِ الخفيِّ، واعترضَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» على ذلكَ، فقالَ: «وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ التَّفْصِيلُ: وَهُوَ أَنَّ مَنْ ذُكِرَ بِالتَّدْلِيسِ أَوْ الإِرْسَالِ إِذَا ذُكِرَ بِالصِّيغَةِ المُوهِمَةِ عَمَّنْ لَقِيَهُ فَهُوَ تَدْلِيسٌ، أَوْ عَمَّنْ أَدْرَكَهُ وَلَمْ يَلْقَهُ فَهُوَ المُرْسَلُ الخَفِيُّ، أَوْ عَمَّنْ لَمْ يُدْرِكْهُ فَهُوَ مُطْلَقُ الإِرْسَالِ» (^٢).\nقالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «وَحَاصِلُ التَّفْرِيقِ بَينَهُمَا مِنْ وَجْهَينِ:\nالأَوَّلُ: المُدَلِّسُ يَرْوِي عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ أَوْ لَقِيَهُ مَا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ بِصِيغَةٍ مُوهِمَةٍ لِلسَّمَاعِ، وَأَمَّا المُرْسَلُ فَإِنَّهُ يَرْوِي عَمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ وَلَمْ يَلْقَهُ إِنَّمَا عَاصَرَهُ فَقَطْ.\nالثَّانِي: التَّدْلِيسُ إِيهَامُ سَمَاعِ مَا لَمْ يَسْمَعْ، وَلَيسَ فِي الإِرْسَالِ إِيهَامٌ، فَلَو بَيَّنَ المُدَلِّسُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ الحَدِيثَ مِنَ الذِي دَلَّسَهُ عَنْهُ لَصَارَ الحَدِيثُ مُرْسَلًَا لَا مُدَلَّسًَا، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ النُّقَّادُ المُحَقِّقُونَ كَالخِطِيبِ البَغْدَادِيِّ وَابْنِ عَبْدِ البَّرِّ» (^٣).\nكمَا تجدرُ الإشارةُ إلى أنَّ المُرسَلَ الخفيَّ والمرْسَلَ يشتركانِ في الانقطاعِ، ويفترقانِ منْ وجهينِ:\n_________\n(^١) مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٧٣، وقد وجدت شيخنا محمد عجاج - حفظه الله وأمتع به - جرى على تعريف ابن الصَّلاح للتَّدليس فمزج معه تعريف المرسل الخفي، انظر أصول الحديث - د. محمَّد عجاج الخطيب ص ٢٢٤.\n(^٢) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٢٣.\n(^٣) منهج النقد ص ٣٨٨، وانظر الكفاية ص ٣٥٧، والتمهيد ١/ ١٧ وما بعدها.","vol":"1","page":339},{"text":"الأوَّلُ: الانقطاعُ في المُرسَلِ الخفيِّ في أيِّ موضعٍ مِنَ الإسنادِ، أمَّا في المرسلِ فهوَ - كمَا سيأتي - في طبقةِ الصَّحابةِ.\nالثَّاني: الانقطاعُ في الأوَّلِ خفيٌّ لوجودِ المعاصرةِ بينَ الرَّاويينِ، أمَّا الثَّاني فإنَّ انقطاعَهُ بيِّنٌ وظاهرٌ، لكونِ التَّابعيِّ لمْ يعاصرِ النَّبيَّ -ﷺ-.\nولذَا فقدْ أفردتُ المُرسَلَ الخفيَّ بمبحثٍ خاصٍّ، وجعلتُهُ بينَ التَّدليسِ والإرسالِ.\n* * *","vol":"1","page":340},{"text":"<span data-type='title' id=toc-89>المَطْلَبُ الثَّالِثُ: حُكْمُ المُرْسَلِ الخَفِيِّ:</span>\nحكمُ المرسلِ الخفيِّ كحكمِ الإرسالِ، للانقطاعِ الحاصلِ بهِ، إلَّا أنَّ خطرَ هذَا أشدُّ لخفائِهِ، قالَ الحافظُ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «الإِرْسَالُ فِي الحَدِيثِ عِلَّةٌ يُتْرَكُ بِهَا، وَيُتَوَقَّفُ عَنِ الاِحْتِجَاجِ بِهِ بَسَبَبِهِ، لِمَا فِي إِبْهَامِ المَرْوِيِّ عَنْهُ مِنَ الغَرَرِ، وَالاحْتِجَاجِ المَبْنِيِّ عَلَى الخَطَرِ» (^١). إلَّا أنْ يصحَّ مخرجُهُ بمجيئِهِ منْ وجهٍ آخرَ (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) جامع التحصيل ١/ ٢٢.\n(^٢) انظر مقدمة ابن الصلاح ص ٥٣.","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type='title' id=toc-90>المَطْلَبُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المُرْسَلِ الخَفِيِّ:</span>\nعنيَ العلماءُ بمعرفةِ المرسلِ الخفيِّ، لأهميَّتِهِ ودقَّتِهِ وخفائِهِ، وقدْ سُمِّيَ بذلكَ احترازًا عنِ الظَّاهرِ لكونِهِ لا يُدركُ إلَّا بكشفٍ وبحثٍ واتِّساعِ علمٍ مِنَ الحافظِ الجهبذِ (^١).\nقالَ الحافظُ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «وَهُوَ نَوعٌ بَدِيعٌ مِنَ أَهَمِّ أَنْوَاعِ عُلُومِ الحَدِيثِ، وَأَكْثَرِهَا فَائِدَةً، وَأَعْمَقِهَا مَسْلَكًَا، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ بِالبَيَانِ إِلَّا حُذَّاقُ الأَئِمَّةِ الكِبَارِ، وُيُدْرَكُ بِالاِتِّسَاعِ فِي الرِّوَايَةِ، وَالجَمْعِ لِطُرُقِ الحَدِيثِ، مَعَ المَعْرِفَةِ التَّامَّةِ، وَالإِدْرَاكِ الدَّقِيقِ» (^٢). ثمَّ بيَّنَ أنَّ لمعرفتِهِ طرقًا فصَّلهَا في جامعِ التَّحصيلِ، نجملُهَا فيمَا يأتي، معَ مزيدِ تفصيلٍ في مسألةِ السَّبرِ:\nأوَّلًا: عدمُ اللقاءِ أو السَّماعِ بينَ الرَّاوي والمرويِّ عنهُ: إمَّا بتنصيصِ بعضِ الأئمَّةِ على\nذلكَ، كقولِ المزِّيِّ (^٣) «ت ٧٤٢ هـ»: «إِنَّ عُمَرَ بنَ عَبْدِ العَزِيزِ لَمْ يَلْقَ عُقْبَةَ بنَ عَامِرٍ» (^٤). في\n_________\n(^١) الغاية في شرح الهداية ص ١٦٨.\n(^٢) جامع التحصيل ص ١٢٥.\n(^٣) يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، أبو الحجاج، المزي، «٦٥٤ هـ - ٧٤٢ هـ»، محدث الديار الشامية، له تصانيف كثيرة، من أهمها: «تهذيب الكمال في أسماء الرجال»، و«تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف»، و«المنتقى من الأحاديث». انظر تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٩٨، وطبقات الحفاظ ص ٥٢١.\n(^٤) انظر تحفة الأشراف ٧/ ٣١٤. الحديث ورد من طريق صحيح عن ابن عمر مرفوعًا، قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، وقد أوقفه وكيع بن الجراح عن ثور، وفي يحيى بن سعيد قدوة». المستدرك ٢/ ٩٠.","vol":"1","page":342},{"text":"معرضِ كلامِهِ على حديثٍ رواهُ عمرُ، عنْ عقبةَ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-: «رَحِمَ اللهُ حَارِسَ الحَرَسِ» (^١).\nأو بمعرفةِ تواريخِ الرُّواةِ بأنَّ هذَا الرَّاوي لمْ يُدركِ المرويَّ عنهُ بالسِّنِّ، أو بتصريحِ الرَّاوي نفسِهِ بذلكَ، كروايةِ أبي عُبيدةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، عنْ أبيهِ -﵁-، فإنَّهُ لمْ يسمعْهُ (^٢).\nثانيًا: السَّبْرُ وَجَمْعُ الطُّرُقِ: وقدْ تقدَّمَ كلامُ ابنِ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في مبحثِ التَّدليسِ السَّابقِ، حيثُ قالَ: «فَحُكْمُ مَنْ ذُكِرَ مِنْ رِجَالِهِ بِتَدْلِيسٍ أَوْ إِرْسَالٍ أَنْ تُسْبَرَ أَحَادِيثُهُمْ المَوجُودَةُ عِنْدَهُ بِالعَنْعَنَةِ، فَإِنْ وُجِدَ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ فِيهَا انْدَفَعَ الاِعْتِرَاضُ، وَإِلَّا فَلَا» (^٣).\nوالتَّصريحُ بالسَّماعِ أو نفيِهِ، بأنْ يُخبِرَ الرَّاوي عنْ نفسِهِ بذلكَ في بعضِ الطُّرقِ، كأنْ يقولَ: نُبِّئتُ أو أُخبرتُ عنهُ، أو يُصرِّحَ بذكرِ الواسطةِ بينَهُ وبينَ مَنْ أرسلَ عنهُ، مثالُ ذلكَ ما رواهُ عبدُ الرَّزَّاقِ، عنِ الثَّوريِّ، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ زيدِ بنِ يُثَيعٍ، عنْ حُذيفةَ مرفوعًَا: «إِنْ وَلَّيتُمُوهَا أَبَا بَكْرٍ فَقَوِيٌّ أَمِينٌ». قالَ العُقيليُّ «ت ٣٢٢ هـ»: «فَقِيلَ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ: سَمِعْتَ هَذَا مِنَ الثَّورِيِّ؟ قَالَ: لَا، حَدَّثَنَا النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَيَحْيَى بنُ العَلَاءِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّورِيِّ» (^٤).\n_________\n(^١) سنن ابن ماجة «ر ٢٧٦٩»، وسنن الدرامي «ر ٢٤٠١».\n(^٢) انظر خلاصة الأحكام للنووي ١/ ٤٣٦.\n(^٣) مقدمة فتح الباري ١/ ٣٨٥.\n(^٤) الضعفاء للعقيلي ٣/ ١١٠.","vol":"1","page":343},{"text":"أو أنْ يردَ منْ طريقٍ أخرى بزيادةِ راوٍ بينهُمَا، قالَ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «فَيُحْكَمُ عَلَى الأَوَّلِ بِالإِرْسَالِ، إِذْ لَو كَانَ سَمِعَهُ مِنْهُ لَما قَالَ: «أُخْبِرْتُ عَنْهُ»، وَلَا رَوَاهُ بِوَاسِطَةٍ بَينَهُمَا، وَفَائِدَةُ جَعْلِهِ مُرْسَلًَا فِي هَذَا الطَّرِيقِ الثَّالِثِ أَنَّهُ مَتَى كَانَ الوَاسِطَةُ الذِي زِيدَ فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى ضَعِيفًَا لَمْ يُحْتَجَّ بِالحَدِيثِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ ثِقَةً» (^١).\nإلَّا أنَّ معرفةَ المرسلِ منْ هذهِ الطَّريقِ تُشكِلُ بالتَّعارضِ معَ المزيدِ في متَّصلِ الأسانيدِ ومعَ العالي والنَّازلِ، لأنَّنَا لمْ نكتشفْ عدمَ السَّماعِ بقرينةٍ أو دليلٍ خارجيٍّ، وإنَّما بورودِ الواسطةِ بينَ الرَّجلينِ، وحلُّ هذَا الإشكالِ إنَّمَا يكونُ منْ وجهينِ:\nأوَّلًا: معرفةُ السَّماعِ تاريخيًَّا بينَ الرَّاويينِ المتوالِيَينِ منْ عدمِهِ: قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «أَنْ نُلَاحِظَ فِي المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ ثُبُوتَ السَّمَاعِ تَارِيخِيًَّا بَينَ الرَّاوِيَينِ المُتَوَالِيَينِ فِي الإِسْنَادِ المَحْذُوفِ، أَمَّا المُرْسَلُ الخَفِيُّ فَلَيسَ لَدَينَا مَا يَثْبُتُ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ السَّمَاعُ بَينَ الرَّاوِيَينِ اللَّذَينِ حَكَمْنَا عَلَى رِوَايَةِ أَحَدِهِمَا عَنِ الآَخَرِ بِالإِرْسَالِ» (^٢).\nثانيًا: دلالةُ صيغةِ السَّماعِ أو الصِّيغةِ المحتمِلَةِ: قالَ الحافظُ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَوضِعُ الإِرْسَالِ قَدْ جَاءَ فِيهِ الرَّاوِي بِلَفْظِ «عَنْ» وَنَحْوِهَا، فَأَمَّا مَتَى كَانَ بِلَفْظِ «حَدَّثَنَا» وَنَحْوِهِ، ثُمَّ جَاءَ الحَدِيثُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ بِزِيَادَةِ رَجُلٍ بَينَهُمَا، فَهَذَا هُوَ المَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ، وَيَكُونُ الحُكْمُ لِلْأَوَّلِ» (^٣).\n_________\n(^١) جامع التحصيل ص ١٢٦.\n(^٢) منهج النقد ص ٣٩٠.\n(^٣) جامع التحصيل ص ١٢٥.","vol":"1","page":344},{"text":"هذَا إذَا دلَّتْ قرينةٌ على كونِ الزَّائدِ وهمًَا، أمَّا إنْ لمْ تقمِ القرينةُ على ذلكَ فيُعتبرُ مِنَ العالي والنَّازلِ، ويُحكمُ بصحَّةِ السَّماعِ مِنَ الطَّريقينِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «الإِسْنَادُ الخَالِي عَنِ الرَّاوِي الزَّائِدِ إِنْ كَانَ بِلَفْظِهِ «عَنْ» فِي ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِإِرْسَالِهِ، وَيُجْعَلَ مُعَلَّلًَا بِالإِسْنَادِ الذِي ذُكِرَ فِيهِ الزَّائِدُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالسَّمَاعِ أَوْ بِالإِخْبَارِ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ عَنْهُ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْهُ نَفْسَهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُوجَدَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى كَونِهِ وَهْمًَا» (^١).\nوإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ المرسلِ الخفيِّ منْ خلالِ التَّطبيقِ الآتي:\nمثالُهُ: حديثُ أنسٍ -﵁-، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: «مَنْ تَوَضَّأَ يَومَ الجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالغُسْلُ أَفْضَلُ».\n* الحديثُ أخرجَهُ ابنُ الجعدِ «ر ١٧٥٠»، وأبو يعلى «ر ٤٠٨٦»، منْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ (^٢) عنْ يزيدَ بنِ أبَّانَ الرَّقَاشيِّ (^٣)، عنْ أنسِ بنِ مالكٍ -﵁-.\n* وأخرجَهُ ابنُ الجعدِ أيضًَا «ر ١٧٥٠» منْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ، عنِ الرَّبيعِ بنِ صُبيحٍ (^٤) عنْ يزيدَ بنِ أبَّانَ الرَّقَاشيِّ، عنْ أنسٍ -﵁-.\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح أيضًا في مقدمته ص ٢٨٦.\n(^٢) تقدمت ترجمته ص ٢٦١.\n(^٣) يزيد بن أبان الرَّقَاشي، «ت ٢٢٠ هـ»، أبو عمرو البصري، أخرج له «بخ ت جه»، قال النسائي: «متروك». وذكره العقيلي في الضعفاء، وضعفه ابن معين، وشعبة، وابن حبان، والدارقطني، وابن حجر. انظر الضعفاء للنسائي «ر ٦٤٢»، والضعفاء للعقيلي «ر ١٩٨٣»، والجرح والتعديل «ر ١٠٥٣»، والمجروحين «ر ١١٧٥»، والضعفاء لابن الجوزي «ر ١٢»، وتهذيب الكمال «ر ٦٩٥٨»، والتقريب «ر ٧٦٨٣».\n(^٤) الربيع بن صبيح السعدي، البصري، «ت ٢٦٠ هـ»، صدوق سيء الحفظ، وكان عابدًا مجاهدًا، من السابعة، أخرج له «خت ت جه». انظر الضعفاء لابن الجوزي «ر ١٢١٨»، التقريب «ر ١٨٩٥».","vol":"1","page":345},{"text":"وتابعَ سفيانَ الطَّيالسيُّ في مسندِهِ «ر ٢١١٠».\n* وأخرجَهُ أيضًَا عبدُ الرَّزَّاقِ في مصنَّفِهِ «ر ٥٣١٢»، منْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ، لكنْ عنْ عكرمةَ بنِ عمَّارٍ (^١)، عنْ يزيدَ بنِ أبَّانَ الرَّقَاشيِّ، عنْ أنسٍ -﵁-.\nفبسبرِ هذَا الحديثِ تبيَّنَ لنَا زيادةُ راوٍ بينَ الثَّوريِّ وَالرَّقَاشيِّ، وروايةُ السَّقطِ بصيغةٍ محتملةِ السَّماعِ، وسفيانُ ممَّنْ عاصرَ الرَّقَاشِيَّ، إلَّا أنَّهُ لمْ يسمعْ منهُ شيئًَا، فهوَ مِنَ المرسلِ الخفيِّ. قالَ ابنُ الجعدِ «ت ٢٣٠ هـ»: «وَهُوَ مُرْسَلٌ، لَمْ يَسْمَعِ الثَّورِيُّ مِنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ شَيئًَا، وَبَينَهُمَا الرَّبِيعُ بنُ صُبَيحٍ» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) عكرمة بن عمار العجلي، أبو عمار اليمامي، «ت. ق ٢٦٠ هـ»، صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب، انظر «خت م ٤». انظر التقريب «ر ٤٦٧٢».\n(^٢) مسند ابن الجعد ١/ ٢٦٥، وانظر العلل للدارقطني ١٢/ ٦٨.","vol":"1","page":346},{"text":"<span data-type='title' id=toc-91>المَبْحَثُ التَّاسِعُ: مَعْرِفَةُ الإِرْسَالِ فِي الإِسْنَادِ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-92>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ الإِرْسَالِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًَا:</span>\nالإرسالُ لغةً: تقدَّمَ في المبحثِ السَّابقِ معنى الإرسالِ لغةً، فليُنظرْ (^١).\nاِصطلاحًَا: اختلفَ المحدِّثونَ في تعريفِ الحديثِ المرسلِ، لاختلافِ موقعِهِ عندَهُمْ.\nوالذي عليهِ جمهورُهُمْ أنَّ الحديثَ المرسلَ عندَ الإطلاقِ يُرادُ بهِ: ما رفعَهُ التَّابعيُّ، بأنْ يقولَ: «قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-»، سواءٌ كانَ التَّابعيُّ كبيرًا أو صغيرًا (^٢).\nومنْ أشهرِ المصنَّفاتِ في الحديثِ المرسلِ والمُرْسِلِينَ منَ الرُّواةِ:\n_________\n(^١) انظر ص ٢٩٩.\n(^٢) وهذا التَّعريف هو المشهور، وعليه العمل عند المحدثين، نقل الإجماع على ذلك الحاكم في علوم الحديث ص ٢٥، وتبعه ابن الصَّلاح ص ٥١، والنوويُّ في التَّقريب ص ٣، وابنُ دقيق في الاقتراح ص ١٦، والجعبريُّ في رسوم التَّحديث ص ٦٨، وابن جماعة في المنهل ص ٤٢، والأبناسيُّ في الشَّذا الفيَّاح ١/ ١٤٧، والعراقيُّ في التَّقييد ص ٧٠، وابن حجر في النُّكت ٢/ ٥٤٠، والسَّخاويُّ في فتح المغيث ١/ ١٣٤.\nوتوسَّع الفقهاء والأصوليُّون في مفهوم الإرسال فشمل المنقطع أيًَّا كان، وعلى ذلك جرى الخطيب وابن الأثير. انظر الكفاية ص ٢١، وجامع الأصول ١/ ١١٥. مما يُوجب التَّيقُّظ عند النَّظر في عباراتهم.\nومنهم من قيَّده بما رفعه التَّابعيُّ الكبير فقط، لأنَّ معظم روايته عن الصَّحابة، وعدُّوا ما أرسله صغار التَّابعين منقطعًا، لأنَّ أكثر روايتهم عن التَّابعين.","vol":"1","page":347},{"text":"١ - المراسيلُ لأبي داودَ (^١).\n٢ - المراسيلُ لأبي حاتمٍ الرازيِّ (^٢).\n٣ - جامعُ التَّحصيلِ لأحكامِ المراسيلِ، للحافظِ العلائيِّ (^٣).\n٤ - تحفةُ التَّحصيلِ في ذكرِ رواةِ المراسيلِ - للحافظِ أبي زرعةَ العراقيِّ (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) طبع في مؤسَّسة الرِّسالة - بيروت «١٤٠٨ هـ» - تحقيق: شعيب الأرناؤوط.\n(^٢) بيَّن فيه ما ليس متَّصلًا من الأسانيد. طُبع في مؤسَّسة الرِّسالة - بيروت «١٣٩٧ هـ» - تحقيق: شكر الله قوجاني.\n(^٣) تكلَّم فيه على أنواع الحديث المنقطع، ثم أورد أسماء المرسِلِين، ثمَّ الأسانيد المنقطعة. طبع في دار عالم الكتب - بيروت «١٤٠٧ هـ» - بتحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي.\n(^٤) جمع فيه كتابي المراسيل لأبي حاتم، وجامع التَّحصيل للعلائيِّ، مع زيادات ضمَّها إليه. طبع في مكتبة الرشيد - الرِّياض «١٩٩٩ م» - تحقيق: عبد الله نوَّارة.","vol":"1","page":348},{"text":"<span data-type='title' id=toc-93>المَطْلَبُ الثَّاني: حُكْمُ الحَدِيثِ المُرْسَلِ:</span>\nاختلفَ العلماءُ في حكمِ الحديثِ المرسلِ والاحتجاجِ بهِ اختلافًا كثيرًا، أوصلَهَا ابنُ حجرٍ إلى ثلاثةَ عشرَ قولًا (^١)، يرجعُ حاصلُهَا إلى ثلاثةِ أقوالٍ رئيسةٍ (^٢):\nالأوَّلُ: الحديثُ المرسلُ ضعيفٌ لا تقومُ الحجَّةُ بهِ، وهوَ مذهبُ جمهورِ المحدِّثينَ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي قِسْمِ المَرْدُودِ لِلْجَهْلِ بِحَالِ المَحْذُوفِ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَحَابِيًَّا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَابِعِيًَّا، وَعَلَى الثَّانِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ثِقَةً، وَعَلَى الثَّانِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَمَلَ عَنْ صَحَابِيٍّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَمَلَ عَنْ تَابِعِيٍّ» (^٣).\nالثَّاني: قبولُ المرسلِ منْ كبارِ التَّابعينَ بشرطِ الاعتبارِ في الحديثِ المُرسَلِ والرَّاوي المُرسِلِ، وهوَ مذهبُ الإمامِ الشَّافعيِّ رحمهُ اللهُ تعالى (^٤).\nالثَّالثُ: المرسلُ مِنَ الثِّقةِ صحيحٌ يُحتجُّ بهِ، وهوَ مذهبُ أبي حنيفةَ ومالكٍ وأصحابِهِمَا (^٥).\nقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «حُكْمُ المُرْسَلِ حُكْمُ الحَدِيثِ الضَّعِيفِ، إِلَّا أَنْ يَصِحَّ مَخْرَجُهُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي نَوعِ الحَسَنِ، وَلِهَذَا احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ -﵁- بِمُرْسَلَاتِ سَعِيدِ بنِ الُمَسَيَّبِ» (^٦).\n_________\n(^١) النُّكت على ابن الصلاح ٢/ ٥٤٧.\n(^٢) جامع التَّحصيل ص ٣٣ وما بعدها.\n(^٣) نزهة النَّظر ص ١٠١.\n(^٤) وللشافعي ﵀ كلامٌ مفصَّلٌ في الرِّسالة ص ٤٦١.\n(^٥) انظر الكفاية ص ٣٨٤.\n(^٦) مقدِّمة ابن الصَّلاح ١/ ٣٥","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type='title' id=toc-94>المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الإِرْسَالِ فِي الإِسْنَادِ:</span>\nالحديثُ المرسَلُ يُعرفُ بمجرَّدِ أنْ يُعلمَ أنَّ الذي حدَّثَ بهِ عنِ النَّبيِّ -ﷺ- تابعيٌّ، لكنْ لا بدَّ منْ تمييزِ التَّابعينَ منَ الصَّحابةِ منْ غيرِهِمْ، ومظنَّةُ ذلكَ الكتبُ المصنَّفةُ في الصَّحابةِ خصوصًَا، وفي الطَّبقاتِ والرِّجالِ عُمومًَا (^١).\nوالسَّبرُ إنَّمَا يكونُ للبحثِ عنْ طرقٍ أخرى للمرسلِ حتَّى يصلحَ أنْ يُحتجَّ بهِ، أو للتَّرجيحِ بينَ روايتي الوصلِ أو الإرسالِ في حالِ التَّعارضِ، نُبيِّنُ ذلكَ فيمَا يأتي:\nأوَّلًَا: تقويةُ الحديثِ المرسَلِ بغيرِهِ:\nخلصنَا في حكمِ المرسلِ إلى أنَّه ضعيفٌ ما لمْ يصحَّ مخرجُهُ بمجيئِهِ منْ وجهٍ آخرَ، وهوَ\nما ذهبَ إليهِ الإمامُ الشَّافعيُّ حيثُ اشترطَ الاعتبارَ للاحتجاجِ بالمرسَلِ، والاعتبارُ: هوَ أنْ يعتضدَ المرسَلُ بواحدٍ منْ أربعةِ أمورٍ، سبيلُ الكشفِ عنهَا هوَ السَّبرُ وتتبُّعُ الطُّرقِ، وهيَ:\n١ - أنْ يُروى مُسندًَا مِنْ وجهٍ آخرَ: مثالُ ذلكَ ما ذكرَهُ ابنُ عبدِ البَّرِّ «ت ٤٦٣ هـ»، في حديثٍ رواهُ داودُ بنُ الحُصينِ مرسلًا منْ وجهٍ، مُتَّصلًا منْ وجهٍ صحيحٍ، فقالَ: «مَالِكُ، عَنْ\n_________\n(^١) ينبغي التَّنبُّه إلى أنَّ بعض الرُّواة عُدَّ من التَّابعين ولم يسمع من الصَّحابة، كإبراهيم النَّخعيِّ، وطبقة عدادهم في أتباع التَّابعين وقد لقوا الصَّحابة، كأبي الزِّناد، وقوم عُدُّوا من التَّابعين وهم من الصَّحابة كالنُّعمان وسويد ابني مقرِّن. انظر مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٣٠٦.","vol":"1","page":350},{"text":"دَاوُدَ بنِ الحُصَينِ، عَنِ الأَعْرَجِ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ يَجْمَعُ بَينَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي سَفَرِهِ إِلَى تَبُوكٍ». هَذَا الحَدِيثُ هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ مُرْسَلًَا، إِلَّا أَبَا المُصْعَبِ فِي غَيرِ المُوَطَّأِ، وَمُحَمَّدَ بنَ المُبَارَكِ الصُّورِيِّ، وَمُحَمَّدَ بنَ خَالِدٍ بنِ عَثَمَةَ، وُمُطَرِّفًا، وَالحُنَينِيَّ، وَإِسْمَاعِيلَ بنَ دَاوُدَ المِخْرَاقِيَّ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: عَنْ مَالِكٍ، عَنْ دَاوُدَ بنِ الحُصَينِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -﵁-، مُسْنَدًَا» (^١).\nونَفِيدُ بالسَّبرِ وصلَ الحديثِ، ومعرفةَ السَّاقطِ منَ الرُّواةِ بينَ المُرسِلِ والنَّبيِّ -ﷺ-، هلْ هوَ تابعيٌّ أو صحابيٌّ، فإذَا كانَ تابعيًَّا هلْ هوَ واحدٌ أو أكثرُ، وهلْ هوَ ثقةٌ أو ضعيفٌ، وقدْ تقدَّمَ كلامُ ابنِ حجرٍ في ذلكَ (^٢).\n٢ - أنْ يُروى مُرسَلًا بمعناهُ عنْ راوٍ آخرَ لمْ يأخذْ عنْ شيوخِ الأوَّلِ، فيدلُّ على تعدُّدِ مخرجِ الحديثِ: مثالُ ذلكَ حديثُ إياسِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي ذُبابٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللهِ» … الحديثُ.\nقالَ البيهقيُّ (^٣) «ت ٤٥٨ هـ»: «بَلَغَنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُعْرَفُ لإِيَاسٍ صُحْبَةٌ». ثمَّ قالَ: «وَقَدْ رُوِىَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلًا» (^٤).\n_________\n(^١) التَّمهيد لابن عبد البرِّ ٢/ ٣٣٧.\n(^٢) انظر ص ٣٠٧.\n(^٣) أحمد بن الحسين بن علي، أبو بكر البيهقي، «٣٨٤ هـ - ٤٥٨ هـ»، صنف زهاء ألف جزء، منها: «السنن الكبرى»، و«السنن الصغرى»، و«دلائل النبوة»، و«شعب الإيمان»، و«معرفة السنن والآثار». انظر طبقات الشافعية ٣/ ٣، وتذكرة الحفاظ ٣/ ١١٣٢.\n(^٤) انظر الحديث بتمامه والكلام عليه في سنن البيهقيِّ ٧/ ٣٠٤ وما بعدها.","vol":"1","page":351},{"text":"ثمَّ ساقَهُ بسندِهِ منْ طريقِ أمِّ كُلثومٍ بنتِ أبي بكرٍ بمعناهُ. وأمُّ كلثومٍ هذهِ وُلدتِ بعدَ وفاةِ النَّبيِّ -ﷺ-، فليستْ لهَا صحبةٌ (^١)، وحديثُهَا مرسلٌ عضدَ مرسلًَا آخرَ فقوَّاهُ.\n٣ - أو يوافقُهُ قولُ بعضِ الصَّحابةِ: مثالُ ذلكَ حديثُ الحسنِ -﵁-، قالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ تُنْكَحَ الأَمَةُ عَلَى الحُرَّةِ». قالَ البيهقيُّ «ت ٤٥٨ هـ»: «هَذَا مُرْسَلٌ، إِلَّا أَنَّهُ فِي مَعْنَى الكِتَابِ، وَمَعَهُ قَولُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ». ثمَّ ساقَ بإسنادِهِ ما يعضدُهُ منْ قولِ عليٍّ -﵁-، وجابرِ ابنِ عبدِ اللهِ -﵁-، وابنِ عبَّاسٍ -﵁- وابنِ عمرَ -﵁- (^٢).\n٤ - أو يكونُ قدْ قالَ بهِ أكثرُ أهلِ العلمِ.\nفهذِهِ المذكوراتُ إنَّمَا هيَ دلائلُ على صحَّةِ مخرجِ الحديثِ، بلْ وقوَّتهِ في البندِ الأوَّلِ، قالَ شيخُنَا محمَّدُ عجاجٌ: «وَإِذَا صَحَّ مَجِيءُ المُرْسَلِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ مُسْنَدًَا عَنْ غَيرِ رِجَالِ الأَوَّلِ فَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ العُلَمَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ، لِأَنَّ المُسْنَدَ كَشَفَ عَنْ صِحَّةِ المُرْسَلِ، حَتَّى لَو عَارَضَهُمَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ قُدِّمَا عَلَيهِ إِذَا تَعَذَّرَ الجَمْعُ، وَذَلِكَ لِتَعَدُّدِ الطُّرُقِ» (^٣).\nثانيًا: التَّرْجِيحُ عِنْدَ تَعَارُضِ الوَصْلِ وَالإِرْسَالِ:\nالحديثُ إذا رُويَ مُرسلًَا مرَّةً، وموصولًَا أخرى، فللعلماءِ أقوالٌ نفصِّلُهَا فيمَا يأتي:\n_________\n(^١) أسد الغابة ٧/ ٤٢٠/ ر ٧٥٦٦.\n(^٢) سنن البيهقيِّ ٧/ ١٧٥ وما بعدها.\n(^٣) أصول الحديث ص ٢٢٣.","vol":"1","page":352},{"text":"القولُ الأوَّلُ: ترجيحُ الرِّوايةِ الموصولةِ (^١).\nالقولُ الثَّاني: ترجيحُ الرِّوَايَةِ المُرسلةِ (^٢).\nالقولُ الثَّالثُ: التَّرجيحُ للأحفظِ (^٣).\nالقولُ الرَّابعُ: الاعتبارُ لأكثرِ الرُّواةِ عددًَا (^٤).\nالقولُ الخامسُ: التَّساوي بينَ الرِّوايتينِ والتَّوقُّفُ (^٥).\nوبالنَّظرِ في صنيعِ المحدِّثينَ، نجدُ أنَّهُ لمْ يكنْ ثمَّةَ قاعدةٌ مُطَّردةٌ يحكمونَ منْ خلالِهَا على المرويَّاتِ حالَ التَّعارضِ، والعمدةُ في ذلكَ القرائنُ والمرجِّحاتُ، التي تنجلي وتستبينُ بالسَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ الأَقْوَالِ فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ تَرْجِيحٌ … وَالحَقُّ حَسَبَ الاِسْتِقْرَاءِ مِنْ صَنِيعِ مُتَقَدِّمِي الفَنِّ، كَابْنِ مَهْدِيٍّ وَالقَطَّانِ وَأَحْمَدَ وَالبُخَارِيِّ عَدَمُ المُرَادِ حُكْمٌ كُلِّيٌّ، بَلْ ذَلِكَ دَائِرٌ مَعَ التَّرْجِيحِ، فَتَارَةً يَتَرَجَّحُ الوَصْلُ، وَتَارَةً الإِرْسَالُ، وَتَارَةً يَتَرَجَّحُ عَدَدُ الذَّوَاتِ عَلَى الصِّفَاتِ، وَتَارَةً العَكْسُ» (^٦).\n_________\n(^١) صحَّحه الخطيب البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ»، وابن الصَّلاح «ت ٦٤٣ هـ»، والحافظ العراقيُّ «ت ٦٤٣ هـ». انظر الكفاية ص ٤١١، ومقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٧١، وشرح التَّبصرة والتَّذكرة ١/ ٢٢٧. وانظر شرح النَّوويِّ ١/ ٢٢٢، وشرح علل التِّرمذيِّ ١/ ٤٢٦ وما بعدها.\n(^٢) عزاه الخطيب لأكثر أهل الحديث. الكفاية ص ٤١١.\n(^٣) قال ابن رجب «ت ٧٩٥ هـ»: «وكلام أحمد وغيره من الحفَّاظ يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك والأحفظ أيضًَا». شرح علل الترمذي ١/ ٤٢٧.\n(^٤) قال الحاكم «ت ٤٠٥ هـ»: «فأمَّا أئمَّة الحديث، فإنَّ القول فيها عندهم قول الجمهور الذي أرسلوه، لما يخشى من الوهم على هذا الواحد، لقوله -ﷺ-: \"الشَّيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد\"». المدخل إلى الإكليل ص ٤٧.\n(^٥) ذكره السُّبكي في جمع الجوامع ٢/ ١٢٤، انظر النُّكت لابن حجر ٢/ ٧١٥، وفتح المغيث ١/ ١٧٥.\n(^٦) فتح المغيث ١/ ١٧٥. وقد سبقه بذلك ابن دقيق العيد «ت ٧٠٢ هـ» في شرح الإلمام ١/ ٦٠، والعلائيُّ «ت ٧٦١ هـ» في نظم الفرائد ص ٢٠٩، وابن رجب «ت ٧٩٥ هـ» في شرح العلل ٢/ ٥٨٢، وابن حجر «ت ٨٥٢ هـ» في نزهة النَّظر ص ٩٦، وقد اقتصرت على كلامِ السَّخاويِّ لملائمة صياغته لسياق مبحثنا هذا.","vol":"1","page":353},{"text":"وتارةً يصحُّ الوجهانِ، بأنْ يكونَ الرَّاوي رواهُ مرَّةً مرسلًَا ومرَّةً موصولًَا (^١)، بحسبِ نشاطِهِ وفتورِهِ.\nوقدْ أفاضَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في بيانِ وجوهِ التَّرجيحِ وكيفيَّتِهِا في هذهِ المسألةِ، فقالَ: «المُخْتَلِفُونَ إِمَّا أَنْ يَكُونُوا مُتَمَاثِلِينَ فِي الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ أَمْ لَا، فَالمُتَمَاثِلُونَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَدَدُهُمْ مِنَ الجَانِبَينِ سَوَاءً أَمْ لَا، فَإِنْ اسْتَوَى عَدَدُهُمْ مَعَ اسْتِوَاءِ أَوصَافِهِمْ وَجَبَ التَّوَقُّفُ، حَتَّى يَتَرَجَّحَ أَحَدُ الطَّرِيقَينِ بِقَرِينَةٍ مِنَ القَرَائِنِ، فَمَتَى اعْتَضَدَتْ إِحْدَى الطَّرِيقَينِ بِشَيءٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ حُكِمَ لَهَا، وَوُجُوهُ التَّرْجِيحِ كَثِيرَةٌ لَا تَنْحَصِرُ وَلَا ضَابِطَ لَهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ الأَحَادِيثِ، بَلْ كُلُّ حَدِيثٍ يَقُومُ بِهِ تَرْجِيحٌ خَاصٌّ لَا يَخْفَى عَلَى المُمَارِسِ الفَطِنِ الذِي أَكْثَرَ مِنْ جَمْعِ الطُّرُقِ.\nوَإِنْ كَانَ أَحَدُ المُتَمَاثِلَينِ أَكْثَرَ عَدَدًَا، فَالحُكْمُ لَهُمْ عَلَى قَولِ الأَكْثَرِ …\nوَأَمَّا غَيرُ المُتَمَاثِلَينِ، فَإِمَّا أَنْ يَتَسَاوَوا فِي الثِّقَةِ أَوْ لَا، فَإِنْ تَسَاوَوا فِي الثِّقَةِ، فَإِنْ كَانَ مَنْ وَصَلَ أَوْ رَفَعَ أَحْفَظُ فَالحُكْمُ لَهُ … أَيضًَا إِنْ كَانَ العَكْسُ فَالحُكْمُ لِلمُرسِلِ وَالوَاقِفِ، وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَوا فِي الثِّقَةِ فَالحُكْمُ لِلثِّقَةِ …\nوَبَقِيَ إِذَا كَانَ رِجَالُ أَحَدِ الإِسْنَادَينِ أَحْفَظَ وَرِجَالُ الآَخَرِ أَكْثَرُ … لَا شَكَّ أَنَّ الاِحْتِمَالَ مِنَ الجِهَتَينِ مُنْقَدِحٌ قَوِيٌّ، لَكِنَّ ذَاكَ إِذَا لَمْ يَنْتَهِ عَدَدُ الأَكْثَرِ إِلَى دَرَجَةٍ قَوِيَّةٍ جِدًَّا، بِحَيثُ يَبْعُدُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الغَلَطِ أَوْ يَنْدُرُ أَوْ يَمْتَنِعُ عَادَةً، فَإِنَّ نِسْبَةَ الغَلَطِ إِلَى الوَاحِدِ - وَإِنْ كَانَ أَرْجَحَ مِنْ أُولَئِكَ فِي الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ - أَقْرَبُ مِنْ نِسْبَتِهِ إِلَى الجَمْعِ الكَثِيرِ» (^٢).\n_________\n(^١) انظر أمثلة ترجيح الوجهين في العلل للدارقطنيِّ ١٠/ ١٧٩، والعلل لابن أبي حاتم ٢/ ٣٤١/ ر ٢٥٤٨، و٢/ ٢١٦/ ر ٢١٣٨، و١/ ١١٤/ ر ٣٠٨، و١/ ٣٢٩/ ر ٩٨٠.\n(^٢) النُّكت على ابن الصَّلاح ٢/ ٧٧٨.","vol":"1","page":354},{"text":"وإليكَ بيانُ ذلكَ منْ خلالِ التَّطبيقَينِ الآتيينِ:\nأولًا: ترجيحُ روايةِ الوصلِ على الإرسالِ:\nحديثُ عطاءٍ، أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ- قالَ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلَاثًَا أَمْ أَرْبَعًَا؟ فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَينِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَإِنْ كَانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِي صَلَّى خَامِسَةً شَفَعَهَا بِهَاتَينِ السَّجْدَتَينِ، وَإِنْ كَانَتْ رَابِعَةً فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمٌ لِلشَّيطَانِ».\nالحديثُ أخرجَهُ أبو داودَ «ر ١٠٢٧»، والبيهقيُّ في معرفةِ السُّننِ والآثارِ «ر ١١٢٨»، منْ طريقِ عبدِ اللهِ بنِ وَهْبٍ (^١)، عنْ مالكٍ، عنْ زيدِ بنِ أسلمَ، عنْ عطاءِ بنِ يسارٍ مرسلًَا.\nوتابعَهُ القعنبيُّ (^٢) عندَ أبي داودَ «ر ١٠٢٦»، والبيهقيِّ «ر ٣٦٤١».\nوعبدُ الرَّزَّاقِ في مصنَّفِهِ «ر ٣٤٦٦».\nويحيى بنُ يحيى (^٣) في الموطأِ «ر ٢١٤».\nوتابعَ مالكًَا على إرسالِهِ:\nيعقوبُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ (^٤)، عندَ أبي داودَ «ر ١٠٢٧».\n_________\n(^١) عبد الله بن وهب بن مسلم، أبو محمد القرشي، «ت ١٩٧ هـ»، ثقة حافظ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٣٦٩٤».\n(^٢) تقدمت ترجمته ص ٢٨١.\n(^٣) تقدمت ترجمته ص ٢٨٠.\n(^٤) يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري، المدني، «ت ١٨١ هـ»، ثقة، أخرج له «خ م د ت س». انظر التقريب «ر ٧٨٢٤».","vol":"1","page":355},{"text":"وقدْ رواهُ الوليدُ بنُ مسلمٍ (^١) عنْ مالكٍ موصولًا، عندَ ابنِ حبَّانَ «ر ٢٦٦٣». وتابعَ مالكًَا على روايةِ الوصلِ جمعٌ مِنَ الرُّواةِ، منهُمْ:\nداودُ بنُ قيسٍ (^٢)، عندَ مسلمٍ «ر ٥٧١».\nوسليمانُ بنُ بلالٍ (^٣)، عندَ مسلمٍ «ر ٥٧١»، وابنِ حنبلٍ «ر ١١٧٩٩»، وابنِ حبَّانَ «ر ٢٦٦٩»، والبيهقيِّ «ر ٣٦١٩»، وأبي عَوَانةَ «ر ١٩٠٤».\nوعبدُ العزيزِ الماجشونَ (^٤)، عندَ النَّسائيِّ «ر ١٢٣٩»، والدَّارِمِيِّ «ر ١٤٩٥».\nوفُليحُ بنُ سليمانَ (^٥)، عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١١٧٠٧».\nومحمَّدُ بنُ مُطرِّفٍ (^٦) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١١٨٤٨». وغيرُهُمْ.\nفمنْ خلالِ السَّبرِ رُجِّحتَ روايةُ الوصلِ على روايةِ الإرسالِ، بقرينةِ كثرةِ العددِ وشدَّةِ الحفظِ، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ «ت ٤٦٣ هـ»: «وَالحَدِيثُ مُتَّصِلٌ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ، لَا يَضُرُّهُ تَقْصِيرُ مَنْ قَصَّرَ بِهِ فِي اتِّصَالِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ وَصَلُوهُ حُفَّاظٌ مَقْبُولَةٌ زِيَادَتُهُمْ» (^٧).\n_________\n(^١) تقدمت ترجمته ص ٢٣٩.\n(^٢) داود بن قيس الفراء، أبو سليمان الدباغ، القرشي، ثقة، أخرج له «خت م ٤». انظر التقريب «ر ١٨٠٨».\n(^٣) سليمان بن بلال التيمي، أبو محمد، أو أبو أيوب المدني، «ت ١٧٧ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٥٣٩».\n(^٤) تقدمت ترجمته ص ٢٤١.\n(^٥) فليح بن سليمان بن أبي المغيرة، أبو يحيى الأسلمي، «ت ١٦٨ هـ»، صدوق، كثير الخطأ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٥٤٤٣».\n(^٦) محمد بن مطرف بن داود، أبو غسان المدني، «ت بعد ١٦٠ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٣٠٥».\n(^٧) التَّمهيد ٥/ ١٩. وانظر الكلام عليه في العلل للدَّارقطنيِّ ١١/ ٣٦٠/ ر ٢٢٧٤. والأمثلة في كتب العلل مستفيضة على ترجيح الوصل على الإرسال، أو الإرسال على الوصل، انظر في ترجيح الإرسال على الوصل علل الترمذي «ر ٧٢» و«ر ٣٩٠» و«ر ٤٨٣»، وعلل الدَّارقطنيِّ «ر ٣٤٣٤» و«ر ٣١٧٠» و«ر ٣٠١».","vol":"1","page":356},{"text":"ثانيًا: ترجيحُ روايةِ الإرسالِ على الوصلِ:\nمثالُهُ: حديثُ الحسنِ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-، في قولهِ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، قالَ: قيلَ: يا رسولَ اللهِ: ما السَّبيلُ؟ قالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ».\n* الحديثُ أخرجَهُ الدَّارقطنيُّ «٢/ ٢١٦»، والحاكمُ في المستدركِ «ر ١٦١٣» منْ طريقِ سعيدِ بنِ أبي عروبةَ (^١)، عنْ قتادةَ، عنْ أنسٍ -﵁-. موصولًَا.\nوتابعَهُ حمَّادُ بنُ أبي سلمةَ، عندَ الدَّارقطنيِّ «٢/ ٢١٦»، والحاكمِ «ر ١٦١٤»، وصحَّحهُ على شرطِ مسلمٍ (^٢).\n* وأخرجَهُ البيهقيُّ «ر ٨٤٢٢»، منْ طريقِ ابنِ أبي عروبةَ، عنْ قتادةَ، عنِ الحسنِ مرسلًَا.\nقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ إِلَى الحَسَنِ، وَقَدْ رَوَاهُ الحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَيضًَا، إِلَّا أَنَّ الرَّاوِي عَنْ حَمَّادٍ، وَهُوَ أَبُو قَتَادَةَ: عَبْدُ اللهِ ابنُ وَاقِدٍ الحَرَّانِيُّ: مَتْرُوكٌ، وَقَدْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ» (^٣).\nثمَّ بيَّنَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» للحديثِ طرقًَا أخرى موصولةً، منْ حديثِ ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وجابرٍ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وعائشةَ -﵃-، وقالَ: «طُرُقُهَا\n_________\n(^١) تقدمت ترجمته ص ٢٥٧.\n(^٢) المستدرك ١/ ٦٠٩.\n(^٣) التَّلخيص الحبير ٢/ ٢٢١.","vol":"1","page":357},{"text":"كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ الْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ مُسْنَدًا، وَالصَّحِيحُ مِنَ الرِّوَايَاتِ رِوَايَةُ الْحَسَنِ الْمُرْسَلَةُ» (^١).\nفبالسَّبرِ رُجِّحتْ روايةُ الأحفظِ المرسَلَةُ، على روايةِ الضَّعيفِ الموصولةِ، وإنْ كانُوا أكثرَ عددًَا، قالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: «مَعْرِفَةُ مَرَاتِبِ الثِّقَاتِ، وَتَرْجِيحُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ الاِخْتِلَافِ إِمَّا فِي الإِسْنَادِ، وَإِمَّا فِي الوَصْلِ وَالإِرْسَالِ، وَإِمَّا فِي الوَقْفِ وَالرَّفْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الذِي يَحْصُلُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَإِتْقَانِهِ وَكَثْرَةِ مُمَارَسَتِهِ الوُقُوفَ عَلَى دَقَائِقِ عِلَلِ الحَدِيثِ» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٦٣.","vol":"1","page":358},{"text":"<span data-type='title' id=toc-95>المَبْحَثُ العَاشِرُ: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ المُتَّصِلِ من المُنْقَطِعِ وَالمُعْضَلِ وَالمُعَلَّقِ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-96>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُتَّصِلِ وَالمُنْقَطِعِ وَالمُعْضَلِ وَالمُعَلَّقِ </span>(^١):\n* المتَّصلُ: لغةً: ضدُّ المنقطعِ، وهوَ الملتئمُ والمتجمِّعُ بعضُهُ إلى بعضٍ (^٢).\nاصطلاحًَا: الذي سمعَهُ كلُّ واحدٍ منْ رواتِهِ ممَّنْ فوقَهُ حتَّى ينتهي إلى منتهاهُ، سواءٌ كانَ مرفوعًَا أو موقوفًَا.\nقالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «فَخَرَجَ بِقَيدِ الاِتِّصَالِ: المُرْسَلُ وَالمُنْقَطِعُ وَالمُعْضَلُ وَالمُعَلَّقُ، وَكَذَا مُعَنْعَنُ المُدَلِّسِ قَبْلَ تَبَيُّنِ سَمَاعِهِ» (^٣). وقدَ تقدَّمَ الكلامُ على المرسَلِ والمدلَّسِ.\n* المنقطِعُ: هوَ الحديثُ الذي سقطَ منْ رواتِهِ راوٍ واحدٌ قبلَ الصَّحابيِّ في موضعٍ واحدٍ أو مواضعَ متعدِّدةٍ غيرِ متواليةٍ، بحيثُ لا يزيدُ السَّاقطُ في كلٍّ منهَا على واحدٍ، وألَّا يكونَ السَّاقطُ في أوَّلِ السَّندِ (^٤).\n_________\n(^١) انظر في المتصل: الكفاية ص ٢٠، ومقدمة ابن الصلاح ص ٤٤، والمنهل الروي ص ٤٠، والنكت للزركشي ١/ ٤١٠، والشذا الفياح ١/ ١٣٨، والمقنع للأنصاري ١/ ١١٢، والنكت لابن حجر ١/ ٥١٠، وفتح المغيث ١/ ١٠٧، وتدريب الراوي ١/ ١٨٣، وشرح نخبة الفكر للقاري ص ٢٥٠.\n(^٢) انظر لسان العرب - مادة «وصل» - ١١/ ٧٢٦، ومختار الصحاح - مادة «وص ل».\n(^٣) انظر فتح المغيث ١/ ١٠٧.\n(^٤) وهذا هو تعريف المتأخرين، أما المتقدمون فقد عرفوه: بأنه الحديث الذي سقط منه راو أو أكثر من أي موضع من السند. قال النووي «ت ٦٧٦ هـ»: «إنه الصحيح الذي ذهب إليه الفقهاء والخطيب وابن عبد البر وغيرهم من المحدثين». وعليه يكون المنقطع أصلًا عامًا تندرج تحته أنواع الانقطاع. انظر في المنقطع: علوم الحديث للحاكم ص ٢٧، ومقدمة ابن الصلاح ص ٥٦، والتقريب ص ٣، والمنهل الروي ص ٤٦، والنكت للزركشي ٢/ ٥، والشذا الفياح ١/ ١٥٧، والمقنع للأنصاري ١/ ١٤١، والنكت لابن حجر ٢/ ٥٧٢، وفتح المغيث ١/ ١٥٦، وتدريب الراوي ص ٢٠٧، وشرح نخبة الفكر للقاري ص ٤١٢.","vol":"1","page":359},{"text":"* المُعْضَلُ: لغةً: أعضلَهُ، أي: أعياهُ (^١).\nاصطلاحًا: ما سقطَ مِنْ إسنادِهِ اثنانِ أو أكثرُ في موضعٍ واحدٍ، سواءٌ كانَ في أوَّلِ السَّندِ أو وسطِهِ أو منتهاهُ (^٢). ويدخلُ فيهِ المعلَّقُ إذَا كانَ المحذوفُ اثنينَ مِنْ أوَّلِ السَّندِ.\n* المعلَّقُ: لغةً: قالَ ابنُ فارسٍ «ت ٣٩٥ هـ»: «العَينُ وَاللَّامُ وَالقَافُ أَصْلٌ كَبِيرٌ صَحِيحٌ، يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَىً وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنْ يُنَاطَ الشَّيءُ بِالشَّيءِ العَالِي» (^٣).\nاصطلاحًَا: هوَ ما حُذِفَ مُبتدأُ سندِهِ، سواءٌ كانَ المحذوفُ واحدًا أو أكثرَ على سبيلِ التَّوالي ولو إلى آخرِ السَّندِ (^٤).\n_________\n(^١) انظر لسان العرب - مادة «عضل» ١١/ ٤٥٢، ومختار الصحاح - مادة «ع ض ل».\n(^٢) انظر في المعضل: معرفة علوم الحديث ص ٣٦، ومقدمة ابن الصلاح ص ٥٩، والمنهل الروي ص ٤٧، والنكت للزركشي ٢/ ١٤، والشذا الفياح ١/ ١٥٩، والمقنع للأنصاري ١/ ١٤٥، والتقييد والإيضاح ص ٨١، والنكت لابن حجر ٢/ ٥٧٥، وفتح المغيث ١/ ١٥٦، وتدريب الراوي ١/ ٢١١.\n(^٣) معجم مقاييس اللغة ٤/ ١٢٥.\n(^٤) انظر في المعلق: مقدمة ابن الصلاح ص ٢٤، والمنهل الروي ص ٤٩، والنكت لابن حجر ١/ ٣٢٥، وفتح المغيث ١/ ٥٣، وتدريب الراوي ١/ ١١٧، وشرح نخبة الفكر للقاري ص ٣٩١.","vol":"1","page":360},{"text":"<span data-type='title' id=toc-97>المَطْلَبُ الثَّاني: حُكْمُ الُمتَّصِلِ وَالمُنْقَطِعِ وَالمُعْضَلِ وَالمُعَلَّقِ:</span>\nالاتِّصالُ شرطٌ منْ شروطِ الحديثِ الصَّحيحِ، والمتَّصلُ إمَّا أنْ يكونَ صحيحًَا أو حسنًا أو ضعيفًا بحسبِ استيفائِهِ شروطَ الصَّحيحِ الأخرى أو اختلالِهَا فيهِ.\nوالمنقطعُ والمعضلُ والمعلَّقُ مِنْ أنواعِ الحديثِ الضَّعيفِ، وحكمُ كلٍّ منهَا الرَّدُّ للجهلِ بحالِ المحذوفِ، وبعضُ هذهِ الأنواعِ أشدُّ ضعفًَا مِنْ بعضٍ لتعدُّدِ المحذوفِ، قالَ شيخُنَا محمَّدُ عجاجٌ: «وَالمُنْقَطِعُ مَرْدُودٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ لِلْجَهْلِ بِحَالِ المَحْذُوفِ مِنْهُ، فَإِذَا جَاءَ المُنْقَطِعُ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ مُتَّصِلًَا، وَتَبَيَّنَتْ ثِقَةُ الرَّاوِي المَحْذُوفِ أَوْ المُبْهَمِ قُبِلَ» (^١).\nوالمعلَّقُ إذَا وردَ في كتابٍ التُزمَتْ صحَّتُهُ، كصحيحِ البخاريِّ وصحيحِ مسلمٍ، فإنَّ العلماءَ درسُوا معلَّقاتِهِمَا، وتوصَّلُوا إلى نتيجةٍ علميَّةٍ خاصَّةٍ بهمَا (^٢).\n_________\n(^١) أصول الحديث ص ٢٢٤.\n(^٢) ألف الحافظ ابن حجر كتاب «تغليق التعليق على صحيح البخاري» - طبع في المكتب الإسلامي - بيروت - ١٤٠٥ هـ - تحقيق: سعيد عبد الرحمن موسى القزقي.","vol":"1","page":361},{"text":"<span data-type='title' id=toc-98>المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الُمتَّصِلِ وَالمُنْقَطِعِ وَالمُعْضَلِ وَالمُعَلَّقِ:</span>\nالمنقطعُ والمعضلُ والمعلَّقُ يشتركانِ في الانقطاعِ، والانقطاعُ ضدُّ الاتِّصالِ، والاتِّصالُ شرطٌ في الإسنادِ مِنْ أوَّلِهِ إلى آخرِهِ، فإذَا اختلَّ الاتِّصالُ في موضعٍ مِنَ المواضعِ سُمِّيَ السَّندُ منقطعًَا، وتحديدُ نوعِ الانقطاعِ بالمنقطعِ أو المعضلِ أو المعلَّقِ يكونُ بمعرفةِ عددِ السَّاقطِ منَ الرُّواةِ وموضعِهِ منْ الإسنادِ.\nويُعرفُ الاتِّصالُ بتصريحِ الرَّاوي بإحدى صيغِ السَّماعِ الصَّريحةِ، لكنْ ربَّمَا يحصلُ التَّصريحُ بالسَّماعِ، ويحكمُ أئمَّةُ الحديثِ بالانقطاعِ، قالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: «وَكَانَ أَحْمَدُ يَسْتَنْكِرُ دُخُولَ التَّحْدِيثِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَسَانِيدِ، وَيَقُولُ: هُوَ خَطَأٌ، يَعْنِي: ذِكْرَ السَّمَاعِ» (^١). وقالَ أيضًَا: «وَيَنْبَغِي التَّفَطُّنُ، وَلَا يُغْتَرُّ بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ السَّمَاعِ وَالتَّحْدِيثِ فِي الأَسَانِيدِ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ المَدِينِيِّ: أَنَّ شُعْبَةَ وَجَدُوا لَهُ غَيرَ شَيءٍ يَذْكُرُ فِيهِ الإِخْبَارَ عَنْ شُيُوخِهِ، وَيَكُونُ مُنْقَطِعًَا» (^٢).\nولمعرفةِ المتَّصلِ مِنَ المنقطعِ مِنَ الأحاديثِ طُرقٌ نُبيِّنُهَا فيمَا يأتي، وهيَ:\nأوَّلًَا: التَّنصيصُ على عدمِ السَّماعِ (^٣): سواءٌ مِنَ الرَّاوي نفسِهِ، كقولِ عمرِو بنِ مُرَّةَ «ت ١١٨ هـ»: «قُلْتُ لِأَبِي عُبَيدَةَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ: تَذْكُرُ مِنْ أَبِيكَ شَيئًَا؟ قَالَ: لَا» (^٤).\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩٣.\n(^٢) المصدر ذاته ٢/ ٥٩٤.\n(^٣) انظر تحرير علوم الحديث ٢/ ٩١٣ و٩١٤.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال ١/ ٢٨٤.","vol":"1","page":362},{"text":"أو ممَّنْ روى عنهُ مِنَ الثِّقاتِ، كقولِ عبدِ الملكِ بنِ ميسرةَ «ت ٢٢٠ هـ»: «الضَّحَّاكُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ابنِ عَبَّاسٍ -﵁-» (^١).\nأو مِنَ النَّاقدِ العارفِ - وهذَا مبنيٌّ على السَّبرِ والاستقراءِ وعلى التَّاريخِ أيضًَا - بأنْ يُبيِّنَ عدمَ إدراكِ الرَّاوي لمنْ روى عنهُ، أو عدمَ سماعِهِ، أو عدمَ لُقِيِّهِ. كقولِ ابنِ المدينيِّ «ت ٢٣٤ هـ»: «لَمْ يَسْمَعْ أَبُو قِلَابَةَ مِنْ هِشَامِ بنِ عَامِرٍ، وَرَوَى عَنْهُ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ» (^٢).\nثانيًَا: معرفةُ تواريخِ الرُّواةِ: وهذا مِنْ أهمِّ الطُّرقِ التي سلكَهَا النُّقادُ واستدلُّوا بهَا على معرفةِ الاتِّصالِ والانقطاعِ في الأسانيدِ، قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «وَقَدِ احْتَلَّ التَّارِيخُ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ مَكَانَةً هَامَّةً جِدًَّا لِمَعْرِفَةِ اتِّصَالِ الأَسَانِيدِ وَانْقِطَاعِهَا، وَفِي الكَشْفِ عَنْ أَحْوَالِ الرُّوَاةِ وَفَضْحِ الكَذَّابِينَ» (^٣).\nقالَ سفيانُ الثَّوريُّ «ت ١٦١ هـ»: «لمَّا اسْتَعْمَلَ الرُّوَاةُ الكَذِبَ اسْتَعْمَلنَا لَهُمُ التَّارِيخَ» (^٤). وقالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «لمَّا قَدِمَ عَلَينَا مُحَمَّدُ بنُ حَاتِمٍ الكَشِّيُّ، وَحَدَّثَ عَنْ عَبْدِ بنِ حُمَيدٍ، سَأَلْتُهُ عَنْ مَولِدِهِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ سِتِّينَ وَمِئَتَينِ. فَقُلْتُ لِأَصْحَابِنَا: سَمِعَ هَذَا الشَّيخُ مِنْ عَبْدِ بنِ حُمَيدٍ بَعْدَ مَوتِهِ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةٍ» (^٥).\n_________\n(^١) المراسيل لابن أبي حاتم ص ٩٥.\n(^٢) المصدر ذاته ص ١٠٩.\n(^٣) منهج النَّقد ص ١٤٣.\n(^٤) الكامل لابن عديٍّ ١/ ٨٤.\n(^٥) انظر مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٣٨٠. وتجدر الإشارة إلى أنَّ الحاكم في المستدرك «ر ٤١٩٨» روى حديثًا من طريق الكشِّيِّ هذا عن عبد بن حميد، وقال: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه». وهذا تناقض بيِّن.","vol":"1","page":363},{"text":"وقدْ صنَّفَ المحدِّثونَ في تواريخِ الرُّواةِ (^١)، مِنْ أهمِّهَا:\n١ - التَّاريخُ الكبيرُ للإمامِ البخاريِّ «ت ٢٥٦ هـ» (^٢).\n٢ - المعرفةُ والتَّاريخُ - ليعقوبَ بنِ سفيانَ الفسويِّ «ت ٢٧٧ هـ» (^٣).\n٣ - التَّاريخُ الكبيرُ - لابنِ أبي خيثمةَ (^٤).\n٤ - مشاهيرُ علماءِ الأمصارِ لمحمَّدِ بنِ حبَّانَ البُستيِّ «ت ٣٥٤ هـ» (^٥).\n٥ - تَاريخُ مولدِ العلماءِ ووفيَّاتِهِمْ - لمحمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ الرَّبعيِّ «ت ٣٩٧ هـ» (^٦).\nومعرفةُ المنقطعِ بالتَّاريخِ يجري أيضًَا على المعضلِ والمعلَّقِ، إلَّا أنَّهُ فيهِمَا أظهرُ وأجلى لبُعدِ طبقةِ الرَّاوي عنْ طبقَةِ مَنْ روى عنهُ في المعضلِ، وقدْ تكونُ في المعلَّقِ أبعدُ وأبينُ.\nثالثًَا: معرفةُ شيوخِ وتلاميذِ الرُّواةِ: فبهَا يُعرفُ السَّندُ المُتَّصلُ مِنَ المُنقطِعِ، وكتبُ الرِّجالِ حافلةٌ بإيرادِ ذلكَ لأجلِ هذَا الغرضِ.\nرابعًَا: السَّبرُ وتتبُّعُ الطُّرقِ: فالسَّبرُ يُشيرُ إلى خللٍ ما في الإسنادِ، بأنْ يردَ الحديثُ مِنْ طريقِ الرَّاوي نفسِهِ أو مِنْ طريقٍ أُخرى فيهِ زيادةُ راوٍ أو أكثرَ، في أكثرَ مِنْ موضعٍ،\n_________\n(^١) للاستزادة انظر الرسالة المستطرفة ص ١٢٨ وما بعدها.\n(^٢) طبع في دار الفكر - دمشق - ١٩٨٦ م - تحقيق: السيد هاشم الندوي.\n(^٣) طبع في دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤١٩ هـ - تحقيق: خليل المنصور.\n(^٤) طبع في دار الفاروق الحديثة للطباعة والنشر - القاهرة - ١٤٢٤ هـ - تحقيق: صلاح بن فتحي هلل.\n(^٥) طبع في دار الكتب العلمية - بيروت - ١٩٥٩ هـ - تحقيق: م. فلايشهمر.\n(^٦) ذيله الكتاني «ت ٤٦٦ هـ»، وذيله أيضًا الأكفاني «ت ٥٢٤ هـ» - طبعت الثلاثة في دار العاصمة - الرياض - ١٤٠٩ هـ - تحقيق: د. عبد الله أحمد سليمان الحمد.","vol":"1","page":364},{"text":"يتَّضحُ مِنْ خلالِ القرائنِ أنَّ الحديثَ الناقصَ منقطعٌ والزَّائدَ متصلٌ. فبهِ يُعرفُ الانقطاعُ ويُحدَّدُ نوعُهُ، قالَ ابنُ جماعةَ «ت ٧٣٣ هـ»: «وَقَدْ يُعْرَفُ الاِنْقِطَاعُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ بِزِيَادَةِ رَجُلٍ أَوْ أَكْثَرَ» (^١). ويُحكمُ بصحَّتِهِ بورودِهِ متَّصلًا مِنْ طريقٍ أُخرى إذَا عُرفَ السَّاقطُ وكانَ ثقةً، قالَ المُناويُّ «ت ١٠٣١ هـ»: «وَقَدْ يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ إِنْ عُرِفَ، بِأَنْ يَجِيءَ السَّاقِطُ مُسَمَّىً مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى» (^٢).\nمثالُ الحديثِ المنقطعِ، المتَّصلِ مِنْ وجهٍ آخرَ:\nحديثُ أمِّ سلمةَ -﵁-: أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ-: «إِذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ».\n* الحديثُ أخرجَهُ البخاريُّ «ر ١٥٤٦»، والنَّسائيُّ «ر ٣٩٠٤»، وابنُ أبي شيبةَ «ر ١٣١٣٨»، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ٥٧١» منْ طريقِ هشامِ بنِ عروةَ (^٣)، عنْ أبيهِ، عنْ أمِّ سلمةَ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-.\n* وأخرجَهُ البخاريُّ «ر ١٥٤٦»، ومسلمٌ «ر ١٢٧٦»، وأبو داودَ «ر ١٨٨٢»، ومالكٌ «ر ٨٢٦» وابنُ خزيمةَ «ر ٢٧٧٦»، وابنُ حبَّانَ «ر ٣٨٣٠»، وأبو عوانةَ «ر ٣٤٢٢»، والبيهقيُّ «ر ٩٠٢٩»، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ٨٠٤»، منْ طريقِ محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ (^٤)، عنْ عروةَ بنِ الزُّبيرِ، عنْ زينبَ بنتِ أبي سلمةَ، عنْ أمِّ سلمةَ ﵂.\n_________\n(^١) المنهل الروي ص ٤٦.\n(^٢) اليواقيت والدرر ١/ ٤٨٩.\n(^٣) تقدمت ترجمته ص ٢٥٧.\n(^٤) محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان العامري، عامر قريش المدني، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٠٦٨».","vol":"1","page":365},{"text":"فبيَّنتِ الطَّريقُ الأُخرى زيادةَ راوٍ، وهيَ زينبُ بنتُ أبي سلمةَ، ممَّا دلَّ على انقطاعٍ في الطَّريقِ الأُولى، لأنَّ عروةَ كمَا قالَ الطَّحاويُّ (^١) «ت ٣٢١ هـ»: «لَا نَعْلَمُ لَهُ سَمَاعًَا مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ» (^٢).\nقالَ الدَّارقطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ»: «هَذَا مُنْقَطِعٌ، وَقَدْ وَصَلَهُ حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَينَبَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَوَصَلَهُ مَالِكُ فِي المُوَطَّأِ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ» (^٣).\nوإذا أتتْ زيادةُ راويينِ متتاليينِ في موضعِ الحذفِ منْ طريقِ الرَّاوي نفسِهِ أو طريقٍ أُخرى في غير أوَّلِهِ، فيكونُ مُعضلًا، وقدْ قسَّمَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ» المعضلَ إلى قسمينِ، وجعلَ القسمَ الأوَّلَ: ما كانَ معضَلًا ولمْ يردْ مُتَّصلًا مِنْ طريقٍ أُخرى، والقسمَ الآخرَ: ما كانَ مُعضَلًا مِنْ وجهٍ، ثمَّ يُوجدُ مُتَّصلًا مِنْ طريقٍ أُخرى، ثمَّ قالَ: «فَيَنْبَغِي لِلعَالِمِ بِهَذِهِ الصَّنْعَةِ أَنْ يُمَيِّزَ بَينَ المُعْضَلِ الذِي لَا يُوصَلُ، وَبَينَ مَا أَعْضَلَهُ الرَّاوِي فِي وَقْتٍ ثُمَّ وَصَلَهُ فِي وَقْتٍ» (^٤).\nقالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَقَدْ يَكُونُ الحَدِيثُ مُعْضَلًَا، وَيَجِيءُ مِنْ غَيرِ طَرِيقِ مَنْ أَعْضَلَهُ مُتَّصَلًَا، كَحَدِيثِ خُلَيدِ بنِ دَعْلَجٍ، عَنِ الحَسَنِ: «أَخَذَ المُؤْمِنُ عَنِ اللهِ أَدَبًَا حَسَنًَا، إِذَا وَسَّعَ عَلَيهِ وَسَّعَ، وَإِذَا قَتَرَ عَلَيهِ قَتَرَ». فَهُوَ مَرْوِيٌّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بنِ عَبْدِ\n_________\n(^١) أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي، أبو جعفر الطحاوي، «٢٣٩ هـ - ٣٢١ هـ»، كان شافعيًا ثم انتقل إلى المذهب الحنفي، من تصانيفه: «شرح معاني الآثار»، و«مشكل الآثار»، و«بيان السنة»، و«الاختلاف بين الفقهاء». انظر طبقات الحفاظ ص ٣٣٩.\n(^٢) شرح مشكل الآثار ٩/ ١٤١.\n(^٣) نقله الحافظ في الفتح، وقال «ت ٨٥٢ هـ» معقِّبًا: «اعتمد البخاريُّ فيه رواية مالك التي أثبت فيها ذكر زينب، ثم ساق معها رواية هشام التي سقطت منها حاكيًا للخلاف فيه على عروة كعادته، مع أنَّ سماع عروة من أمِّ سلمة ليس بمستبعد، والله أعلم». فتح الباري ١/ ٣٥٨.\n(^٤) معرفة علوم الحديث ص ٣٧.","vol":"1","page":366},{"text":"الكَرِيمِ الضَّالِّ، عَنْ أَبِي عَمْرَةَ، عَنِ ابنِ عُمَرَ -﵁-، رَفَعَهُ بِهِ. ذَكَرَهُ الحَاكِمُ» (^١).\nمثالُ الحديثِ المعضلِ، المتَّصلِ منْ وجهٍ آخرَ:\n* ما أخرجَهُ مالكٌ في الموطَّأِ «ر ١٧٦٩»، عنْ أبي هُريرةَ -﵁-: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ».\nوقدْ وصلَهُ مالكٌ، عنْ محمَّدِ بنِ عجلانَ، عنْ أبيهِ، عنْ أبي هريرةَ -﵁-، عندَ أبي عَوَانةَ «ر ٦٠٧٤»، والطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ١٦٨٥»، والبزَّارِ «ر ٨٣٨٤».\n* ورُويَ أيضًَا موصلًا مِنْ طريقِ عمرِو بنِ الحارثِ (^٢)، عنْ بُكيرِ بنِ عبدِ اللهِ، عنْ عجلانَ، عنْ أبي هريرةَ، عندَ مسلمٍ «ر ١٦٦٢»، وابنِ حنبلٍ «ر ٧٣٥٩».\nوتابعَهُ محمَّدُ بنُ عجلانَ (^٣)، عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٨٤٩١»، والبزَّارِ «ر ٨٣٤١»، وابنِ حبَّانَ «ر ٤٣١٢»، والحميديِّ «ر ١١٥٥» (^٤).\nفهذَا الحديثُ رُويَ مُعضَلًا وموصولًَا مِنْ طريقِ المُعضِلِ نفسِهِ، ومِنْ طريقِ غيرِهِ أيضًا.\n_________\n(^١) فتح المغيث ١/ ١٦١.\n(^٢) عمرو بن الحارث بن يعقوب، أبو أيوب الأنصاري، «ت ١٥٠ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٥٠٠٤».\n(^٣) محمد بن عجلان المدني، «ت ١٤٨ هـ»، صدوق، اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، أخرج له «خت م ٤». انظر التقريب «ر ٦١٣٦».\n(^٤) وقد فصَّل الدَّارقطنيُّ الكلام على هذا الحديث وطرقه في كتابه العلل، فليُنظر ١١/ ١٣٣.","vol":"1","page":367},{"text":"وإذَا كانتِ الزِّيادةُ مِنْ طريقِ الرَّاوي نفسِهِ أو طريقٍ أُخرى براويينِ أو أكثرَ مِنْ أوَّلِ السَّندِ، كانَ مُعلَّقًا، وبذلكَ فقدْ حكمَ العلماءُ بصحَّةِ المعلَّقاتِ في صحيحي البخاريِّ ومسلمٍ بإيجادِ طُرقٍ أُخرى للحديثِ موصولةٍ، وهوَ المنهجُ الذي اتَّبعَهُ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في تغليقِهِ لمعلَّقاتِ البُخاريِّ، فقالَ: «إِذَا وُجِدَ الحَدِيثُ المُعَلَّقُ مِنْ رِوَايَةِ بَعْضِ الحُفَّاظِ مَوصُولًَا إِلَى مَنْ عَلَّقَهُ بِشَرْطِ الصِّحَّةِ أَزَالَ الإِشْكَالَ، وَلِهَذَا عَنِيتُ فِي ابْتِدَاءِ الأَمْرِ بِهَذَا النَّوعِ، وَصَنَّفْتُ كِتَابَ «تَغْلِيقِ التَّعْلِيقِ»» (^١).\nمثالُ الحديثِ المعلَّقِ، المتَّصلِ مِنْ وجهٍ آخرَ:\nقالَ البُخاريُّ «ت ٢٥٦ هـ»: «وَقَالَ صِلَةُ عَنْ عَمَّارٍ: مَنْ صَامَ يَومَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ -ﷺ-».\n* هكذَا أخرجَهُ البخاريُّ معلَّقًَا (^٢)، وجاءَ موصولًَا مِنْ طريقِ أبي خالدٍ الأحمرِ (^٣)، عنْ عمرِو بنِ قيسٍ، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ صلةَ بنِ زُفَرٍ، عنْ عمَّارِ بنِ ياسرٍ -﵁-، عندَ أبي داودَ «ر ٢٣٣٤»، والتِّرمذيِّ «ر ٦٨٦»، والنَّسائيِّ «ر ٢٤٩٨»، وابنِ ماجةَ «ر ١٦٤٥»، والدَّارميِّ «ر ١٦٨٢»، والبيهقيِّ «ر ٧٧٤١»، وابنِ حبَّانَ «ر ٣٥٨٥»، وأبي يعلى «ر ١٦٤٤» (^٤).\n_________\n(^١) فتح الباري ١٠/ ٥٣.\n(^٢) صحيح البخاري ٢/ ٦٧٤.\n(^٣) تقدمت ترجمته ص ٢٩٥.\n(^٤) تغليق التعليق ٣/ ١٣٩، والتلخيص الحبير ٢/ ١٩٧.","vol":"1","page":368},{"text":"وقدْ نجدُ حديثًَا ظاهرُهُ الاتِّصالُ، ويُروى بسندٍ آخرَ ظاهرُهُ الانقطاعُ، فيتعارضُ الانقطاعُ والاتِّصالُ، والكلامُ عليهِ كالكلامِ السَّابقِ في تعارضِ الوصلِ والإرسالِ (^١)، بأنَّهُ عندَ التَّعارضِ ليسَ للمحدِّثينَ قاعدةٌ كلِّيَّةٌ مُضطردةٌ، وإنَّمَا العمدةُ في ذلكَ القرائنُ والمرجِّحاتُ، ككثرةِ العددِ، وقوَّةِ الحفظِ، وما إلى ذلكَ مِنَ المرجِّحاتِ التي تستبينُ بالسَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ، قالَ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «إِنَّ الجَمَاعَةَ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي إِسْنَادِ حَدِيثٍ، كَانَ القَولُ فِيهِمْ لِلْأَكْثَرِ عَدَدًَا أَوْ لِلْأَحْفَظِ وَالأَتْقَنِ … وَعِنْدَ الاِخْتِلَافِ فِيمَا هُوَ مُقْتَضَىً لِصِحَّةِ الحَدِيثِ أَوْ لِتَعْلِيلِهِ، يَرْجُعُ إِلَى قَولِ الأَكْثَرِ عَدَدًَا لِبُعْدِهِمْ عَنِ الغَلَطِ وَالسَّهْوِ، وَذَلِكَ عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ. فَإِنْ تَفَارَقُوا وَاسْتَوَى العَدَدُ فَإِلَى قَولِ الأَحْفَظِ وَالأَكْثَرِ إِتْقَانًَا، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَى العَمَلِ بِهَا عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ» (^٢).\nمثالُ ذلكَ: حديثُ عائشةَ -﵁-، قالتْ: كنتُ أنا وحفصةُ صائمتينِ، فعُرِضَ لنَا طعامٌ اشتهيناهُ فأكلنَا منهُ، فجاءَ -ﷺ- فبدرتنِي إليهِ حفصةُ، وكانتْ ابنةُ أبيهَا، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّا كنَّا صائمتينِ فعُرضَ لنَا طعامٌ اشتهيناهُ فأكلنَا منهُ، فقالَ -ﷺ-: «اِقْضِيَا يَومًَا آَخَرَ مَكَانَهُ».\n* الحديثُ أخرجَهُ التِّرمذيُّ «ر ٧٣٥»، والنَّسائيُّ «ر ٣٢٩١»، وابنُ حنبلٍ «ر ٢٦٣١٠»، والبيهقيُّ «ر ٨١٤٨»، وأبو يعلى «ر ٤٦٣٩»، وابنُ راهويهِ «ر ٦٥٨» منْ طريقِ جعفرِ بنِ بُرْقانَ (^٣)، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ -﵁- هكذَا موصولًَا.\n_________\n(^١) انظر ص ٣١١.\n(^٢) نظم الفرائد ص ٣٦٧.\n(^٣) جعفر بن برقان، أبو عبد الله الرقي، «ت ١٥٠ هـ»، صدوق، يهم في حديث الزهري، أخرج له «بخ م ٤». انظر التقريب «ر ٩٣٢».","vol":"1","page":369},{"text":"وتابعَهُ حجَّاجُ بنُ أرطأةَ (^١) عندَ ابنِ عبدِ البرِّ في التَّمهيدِ «ر ١٢/ ٦٨».\nومحمَّدُ بنُ أبي حفصةَ (^٢) عندَ التِّرمذيِّ «ر ٧٣٥».\nوصالحُ بنُ كيسانَ (^٣) عندَ النَّسائيِّ «ر ٣٢٩٥».\nوصالحُ بنُ أبي الأخضرِ (^٤) عندَ النَّسائيِّ «ر ٣٢٩٣»، وابنِ حنبلٍ في العللِ «ر ٥١٠٣»، والبيهقيِّ «ر ٨١٥٠»، وابنِ راهويهِ «ر ٦٦٠».\nوسفيانُ بنُ حسينٍ (^٥) عندَ النَّسائيِّ «ر ٣٢٩٣»، وابنِ حنبلٍ في العللِ «ر ٥١٠٠».\nوهؤلاءِ منهُمْ منْ يصلُحُ حديثُهُ للمتابعةِ، ومنهُمُ الضَّعيفُ، ومنهُمُ الثِّقةُ، روَوا الحديثَ عنِ الزُّهْريِّ، عنْ عروةَ، عنْ عائشةَ -﵁- مُتَّصلًَا.\n* وأخرجَهُ مالكُ بنُ أنسٍ في الموطَّأِ «ر ٦٧٦»، عنِ الزُّهريِّ، عنْ عائشةَ -﵁-، هكذَا مُنقطعًَا مِنْ غيرِ ذكرِ عروةَ بينَ الزُّهريِّ وعائشةَ -﵁-.\nوتابعَهُ جمعٌ مِنَ الأثباتِ منهُمْ:\n_________\n(^١) حجاج بن أرطأة بن ثور بن هبيرة النخعي، أبو أرطأة الكوفي، «ت ١٤٥ هـ»، صدوق، كثير الخطأ والتدليس، أخرج له «بخ م ٤». انظر التقريب «ر ١١١٩».\n(^٢) محمد بن أبي حفصة، أبو سلمة البصري، صدوق، يخطئ، أخرج له «رخ م مد س». انظر التقريب «ر ٥٨٢٦».\n(^٣) صالح بن كيسان، أبو محمد الحارث، «ت بعد ١٣٠ هـ»، ثقة ثبت، فقيه، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٨٨٤».\n(^٤) صالح بن أبي الأخضر اليمامي، «ت بعد ١٤٠ هـ»، ضعيف يعتبر به، أخرج له الأربعة. انظر التقريب «ر ٢٨٤٤».\n(^٥) سفيان بن حسين، أبو محمد الواسطي، ثقة في غير الزهري، أخرج له «خت م ٤». انظر التقريب «ر ٢٤٣٧».","vol":"1","page":370},{"text":"معمرُ بنُ راشدٍ (^١) عندَ النَّسائيِّ «ر ٣٢٩٦»، وابنِ حنبلٍ في العللِ «ر ٥١٠٥».\nوابنُ عيينةَ (^٢) عندَ أحمدَ في العللِ «ر ٥١٠٤»، والبيهقيِّ «ر ٨١٥١».\nوابنُ جُريجٍ (^٣) عندَ عبدِ الرَّزَّاقِ «ر ٧٧٩١»، وابنِ راهويهِ «ر ٨٨٥».\nومحمَّدُ بنُ الوليدِ (^٤) عندَ البيهقيِّ «ر ٨١٤٧».\nويونسُ بنُ يزيدَ (^٥) عندَ البيهقيِّ «ر ٨١٤٧».\nفالذينَ روَوهُ مُنقطعًَا مِنَ الثِّقاتِ الأثباتِ، وهمْ أشدُّ حفظًَا، وأكثرُ عددًَا، قالَ البيهقيُّ «ت ٤٥٨ هـ»: «رَوَاهُ ثِقَاتُ الحُفَّاظِ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ مُنْقَطِعًَا» (^٦).\nوقالَ البُخاريُّ «ت ٢٥٦ هـ»: «لَا يَصِحُّ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ -﵁-» (^٧).\n_________\n(^١) تقدمت ترجمته ص ٢٣٢.\n(^٢) تقدمت ترجمته ص ٢٣٠.\n(^٣) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي، المكي، «ت ١٥٠ هـ»، ثقة، فقيه، كان يدلس ويرسل، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤١٩٣».\n(^٤) محمد بن الوليد، أبو الهذيل الزبيدي، «ت ١٤٩ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له «خ م س جه». انظر التقريب «ر ٦٣٧٢».\n(^٥) تقدمت ترجمته ص ٢٤٠.\n(^٦) سنن البيهقي ٤/ ٢٧٩.\n(^٧) علل الترمذي ص ١١٩.","vol":"1","page":371},{"text":"ويُؤيِّدُ الانقطاعَ: ما رواهُ ابنُ جُريجٍ «ت ١٥٠ هـ»، قالَ: «سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ: أَحَدَّثَكَ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ؟، قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ عَنْ عُرْوَةَ فِي هَذَا شَيئًَا، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ فِي خِلَافَةِ سُلَيمَانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ مِنْ نَاسٍ عَنْ بَعْضِ مَنْ سَأَلَ عَائِشَةَ -﵁- عَنْ هَذَا الحَدِيثِ» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) جزء ابن جريج ص ٥٠.","vol":"1","page":372},{"text":"<span data-type='title' id=toc-99>المَبْحَثُ الحاديْ عشرَ: مَعْرِفَةُ الحَدِيْثِ المَرْفُوْعِ مِنَ المَوْقُوْفِ وَالمَقْطُوْعِ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-100>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيْفُ المَرْفُوْعِ والمَوْقُوْفِ وَالمَقْطُوْعِ </span>(^١):\nالمرفوعُ: لغةً: اسمُ مفعولٍ، وهوَ ضِدُّ الوضعِ والخفضِ (^٢).\nاصطلاحًَا: هوَ ماْ أُضيفَ إلىْ النَّبيِّ -ﷺ- خاصَّةً منْ قولٍ أوْ فعلٍ أوْ تقريرٍ أوْ وصفٍ.\nالموقوفُ: لغةً: اسمُ مفعولٍ، مِنْ وقفَ الشَّيءَ إذَا حبسَهُ (^٣).\nاصطلاحًَا: وهوَ ماْ أُضيفَ إلىْ الصَّحابةِ -﵃-، ولمْ يتجاوزْ بهِ إلىْ رسولِ اللهِ -ﷺ-.\nوقدْ سُمِّيَ موقوفًا لأنَّهُ وُقِفَ بهِ عندَ الصَّحابيِّ، ولمْ يرتفعْ إلىْ النَّبيِّ -ﷺ-.\nالمقطوعُ: لغةً: مِنْ قَطَعَ الشَّيءَ، إذَا انفصَلَ، وهوَ غيرُ المنقطعِ، والفرقُ بينَهُمَا: أنَّ المقطوعَ مِنْ مباحثِ المتنِ، والمنقطعَ منْ مباحثِ الإسنادِ (^٤).\nاصطلاحًَا: هوَ ماْ أُضيفَ إلىْ التَّابعيِّ.\n_________\n(^١) انظر في المرفوع والموقوف والمقطوع: مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٤٥ - ٤٧، والتَّقريب ص ٢، ورسوم التَّحديث ص ٦٤ - ٦٨، والمنهل الرَّويِّ ص ٤٠ - ٤٢، والنُّكت للزَّركشيِّ ١/ ٤١١ - ٤١٢ و٤٢٠، والشَّذا الفيَّاح ١/ ١٣٩ - ١٤١، والمقنع ١/ ١١٣ - ١١٦، والنُّكت لابن حجر ١/ ٥١١ - ٥١٤، وفتح المغيث ١/ ١٠٢ - ١١٠، وتدريب الرَّاوي ١/ ١٨٣ - ١٨٤ و١٩٤.\n(^٢) انظر لسان العرب ٨/ ١٣٠ - مادة «رفع».\n(^٣) المصدر ذاته ٩/ ٣٦٠ - مادة «وقف». وقد يستعمل مقيَّدًا في غير الصَّحابيِّ، فيقال: حديث كذا وكذا وقفه فلان على عطاء أو على طاووس أو نحو هذا.\n(^٤) المصدر ذاته ٨/ ٢٧٨ - مادة «قطع».","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type='title' id=toc-101>المَطْلَبُ الثَّانيْ: حُكْمُ المَرْفُوْعِ والمَوْقُوْفِ وَالمَقْطُوْعِ:</span>\nالوصفُ بالرَّفعِ أوْ الوقفِ أوْ القطعِ خاصٌ بالمتنِ دونَ الإسنادِ، فعلىْ ذلكَ فإنَّ الحديثَ المرفوعَ والموقوفَ والمقطوعَ، منهُ الصَّحيحُ ومنهُ الحسنُ ومنهُ الضَّعيفُ، بحسبِ توفُّرِ شروطِ القبولِ مِنْ عدمِهَا (^١).\nإلَّا أنَّهُ ينبغيْ التَّنبُّهُ إلىْ أنَّهم أخرجُوا المقطوعَ مِنْ دائرةِ الموصولِ، قالَ الحافظُ العراقيُّ فيْ ألفيَّتهِ:\nوَإنْ تَصِلْ بِسَنَدٍ مَنْقُوْلَا … فَسَمِّهِ مُتَّصِلًا مَوْصُوْلا\nسَوَاءٌ المَوْقُوْفُ وَالمَرْفُوْعُ … وَلَمْ يَرَوْا أنْ يَدْخُلَ المَقْطُوْعُ\nقال السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَمُطْلَقُهُ، أَيْ: المُتَّصِلُ يَقَعُ عَلَىْ المَرْفُوْعِ وَالمَوْقُوْفِ، أَمَّا مَعَ التَّقْيِيْدِ فَهُوَ جَائِزٌ، بَلْ أَيْضًَا فِيْ كَلَاْمِهِمْ، يَقُوْلُوْنَ: هَذَا مُتَّصِلٌ إِلَىْ سَعِيْدِ بنِ المُسَيَّبِ، أَوْ إِلَىْ الزُّهْرِيِّ، أَوْ إِلَىْ مَالِكٍ» (^٢).\nوهذَا منْ حيثُ اتِّصالُ الإسنادِ إليهِ، أمَّا مِنْ حيثُ الاحتجاجُ بهِ فيْ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ فقدْ اختلفَ العلماءُ فيْ الحديثِ الموقوفِ والمقطوعِ، بمَا يأتيْ:\nالحديثُ الموقوفُ مِنْ حيثُ الاحتجاجُ بهِ فيْ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ، محطُّ خلافٍ بينَ الفقهاءِ ليسَ محلُّ بسطِهِ هُنَا (^٣)، لكنَّ الموقوفَ إذَا احتَفَّ بقرائنَ كانَ لهُ حكمُ الرَّفعِ، كأنْ\n_________\n(^١) انظر منهج النَّقد - د. نور الدِّين - ص ٣٢٧.\n(^٢) فتح المغيث ١/ ١٠٧.\n(^٣) انظر منهج النَّقد - د. نور الدِّين - ص ٣٢٨.","vol":"1","page":374},{"text":"يكونَ ممَّا لاْ مجالَ فيهِ للرَّأيِ والقياسِ، وماْ أضافَهُ الصَّحابيُّ إلىْ العهدِ الماضيْ، أوْ أنْ يُصدِّرَ الصَّحابيُّ حديثَهُ بمَا يُفيدُ الرَّفعَ، ك «أُمرْنَا أوْ نهينَا، أوْ منَ السُّنَّةِ كذَا»، أوْ أنْ يذكرَ فيْ الحديثِ عندَ ذكرِ الصَّحابيِّ ماْ يُفيدُ الرَّفعَ، كقولِهِمْ «يرفعُهُ، أوْ ينمِّيهِ».\nوالحديثُ المقطوعُ لاْ يُحتجُّ بِهِ فيْ شيءٍ مِنَ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ، ولوْ صحَّتْ نسبتُهُ إلىْ قائلِهِ، لأنَّهُ كلامُ أوْ فعلُ أحدٍ مِنَ المسلمينَ، إلَّا إذَا احتفَّ بقرينةٍ تُفيدُ رفعَهُ، فقدَ قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَإِذَا قَاْلَ الرَّاوِيْ عَنِ التَّابِعِيِّ: يَرْفَعُ الحَدِيْثَ أَوْ يَبْلُغُ بِهِ، فَذَلِكَ أَيْضًَا مَرْفُوْعٌ، وَلَكِنَّهُ مَرْفُوْعٌ مُرْسَلٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ» (^١).\n_________\n(^١) مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٥٠.","vol":"1","page":375},{"text":"<span data-type='title' id=toc-102>المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِيْ مَعْرِفَةِ المَرْفُوْعِ والمَوْقُوْفِ وَالمَقْطُوْعِ:</span>\nتبرزُ أهميَّةُ تمييزِ المرفوعِ مِنَ الموقوفِ مِنَ المقطوعِ فيْ أنَّ بعضَ كتبِ الحديثِ - كالجوامعِ وبعضِ السُّننِ والمصنَّفاتِ والموطَّآتِ (^١) - ضمَّتْ فيهَا الأنواعَ الثَّلاثةَ، وغرضُهُم مِنْ ذلكَ جمعُ الحديثِ للمحافظةِ عليهِ، فتوسَّعُوا بذكرِ كلِّ ماْ وردَ فيْ المسألةِ مِنْ أقوالِ التَّابعينَ والصَّحابةِ والأحاديثِ المرفوعةِ، ونقلوهُ بأسانيدِهِمْ.\nوالمرفوعُ والموقوفُ والمقطوعُ، هيَ ألقابٌ للحديثِ مِنْ جهةِ مَنْ يُضافُ إليهِ، تُعرفُ بمجرَّدِ معرفةِ مَنْ أُضيفتْ إليهِ، فإذَا أضيفتْ للنبيِّ -ﷺ- كانَ الحديثُ مرفوعًَا، أوْ إلىْ الصَّحابيِّ كانَ موقوفًَا، أوْ إلىْ التَّابعيِّ كانَ مقطوعًَا.\nلكنَّهُ قدْ يحصلُ اختلافٌ بينَ الموقوفِ والمقطوعِ تبعًَا للاختلافِ فيْ تحديدِ الرَّاويْ، هلْ هوَ تابعيٌّ أوْ صحابيٌّ؟ فلاْ بدَّ منْ تمييزِ التَّابعيِّ مِنَ الصَّحابيِّ، ومظنَّةُ ذلكَ الكتبُ المصنَّفةُ فيْ الصَّحابةِ خصوصًَا، وفيْ الطَّبقاتِ والرِّجالِ عُمومًَا (^٢).\nوأثرُ السَّبرُ فيْ هذهِ الأنواعِ الثَّلاثةِ، يتجلَّىْ فيْ نواحٍ عدَّةٍ:\n_________\n(^١) من أهمِّها: جامع معمر بن راشد «ت ١٥٤ هـ»، وجامع سفيان الثَّوريِّ «ت ١٦١ هـ»، وجامع سفيان بن عيينة «ت ١٩٨ هـ»، وسنن سعيد بن منصور «ت ٢٢٧ هـ»، وسنن البيهقي «ت ٤٥٨ هـ»، ومصنَّف عبد الرَّزَّاق «ت ٢١١ هـ»، ومصنَّف ابن أبي شيبة «ت ٢٣٥ هـ»، والموطَّأ للإمام مالك «ت ١٧٩ هـ».\n(^٢) ينبغي التَّنبُّه إلى أنَّ بعض الرُّواة عُدَّ من التَّابعين ولم يسمع من الصَّحابة، كإبراهيم النَّخعيِّ، وطبقة عدادهم في أتباع التَّابعين وقد لقوا الصَّحابة، كأبي الزِّناد، وقوم عُدُّوا من التَّابعين وهم من الصَّحابة كالنُّعمان وسويد ابني مقرِّن. انظر مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٣٠٦.","vol":"1","page":376},{"text":"أوَّلًا: البحثُ عنْ أصلٍ مرفوعٍ للموقوفِ أوْ المقطوعِ: فقدْ يرويْ الصَّحابيُّ الحديثَ يرفعُهُ مرَّةً، ويوقفُهُ علىْ نفسِهِ مرَّةً أُخرىْ، قالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «اِخْتِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ فِيْ الرَّفْعِ وَالوَقْفِ لَاْ يُؤَثِّرُ فِيْ الحَدِيْثِ ضَعْفًَا، لِجَوَازِ أَنْ يَكُوْنَ الصَّحَابِيُّ يُسْنِدُ الحَدِيْثَ مَرَّةً وَيَرْفَعُهُ إِلَىْ النَّبِيِّ -ﷺ- وَيَذْكُرُهُ مَرَّةً أُخْرَىْ عَلَىْ سَبِيْلِ الفَتْوَىْ وَلَاْ يَرْفَعُهُ، فَيُحْفَظُ الحَدِيْثُ عَنْهُ عَلَىْ الوَجْهَيْنِ جَمِيْعًَا» (^١).\nوقدْ يُقصِّرُ أو يتعمَّدُ (^٢) أحدُ الرُّواةِ فيُوقفُ المرفوعَ، أوْ يقطعُ المرفوعَ أوْ الموقوفَ، ويُدركُ بمجيئِهِ مرفوعًَا مِنْ طريقٍ أُخرىْ أقوىْ.\nقالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «وَمِمَّا يَلْزَمُ طَالِبَ الحَدِيْثِ مَعْرِفَتُهُ نَوْعًا آَخَرَ مِنَ المَوْقُوْفَاتِ، وَهِيَ مُسْنَدَةٌ فِيْ الأَصْلِ، يُقَصِّرُ بِهِ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَلَاْ يُسْنِدُهُ، مِثَالُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا يَحْيَىْ بنُ مُحَمَّدٍ العَنْبَرِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ العَبْدِيُّ، ثَنَا أُمَيَّةُ بنُ بَسْطَامٍ، ثَنَا يَزِيْدُ بنُ زُرَيْعٍ، ثَنَا رَوْحُ بنُ القَاسِمِ، ثَنَا مَنْصُوْرٌ، عَنْ رَبْعِيِّ بنِ حِرَاشٍ، عَنْ أَبِيْ مَسْعُوْدٍ -﵁- قَاْلَ: «إِنَّمَا حَفِظَ النَّاسُ مِنْ آَخِرِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَاْ شِئْتَ». هَذَاْ حَدِيْثٌ أَسْنَدَهُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَغَيْرُهُمَا، عَنْ مَنْصُوْرٍ، وَقَدْ قَصَّرَ بِهِ رَوْحُ بنُ القَاسِمِ فَوَقَفَهُ. وَمِثَالُ هَذَا فِيْ الحَدِيْثِ كَثِيْرٌ، وَلَاْ يَعْلَمُ سَنَدَهَا إِلَّاْ الفُرْسَانُ مِنْ نُقَّادِ الحَدِيْثِ، وَلَاْ تُعَدُّ فِيْ المَوْقُوْفَاتِ» (^٣).\n_________\n(^١) الكفاية ص ٤١٧.\n(^٢) وقد أُلِّف مؤخرًا كتاب بعنوان «الثقات الذين تعمدوا وقف المرفوع أو إرسال الموصول» للدكتور علي الصياح - دار ابن الجوزي - السعودية - الدمام - ١٤٣٠ هـ.\n(^٣) معرفة علوم الحديث ص ٢٠.","vol":"1","page":377},{"text":"وقالَ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «ثَنَا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيْ صَالِحٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ -﵁-، «أَنَّ رَجُلًا رَفَعَ غُصْنَ شَوْكٍ من طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَغُفِرَ له»، قال عبد اللَّهِ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مَرْفُوعٌ، وَلَكِنَّ سُفْيَانَ قَصَّرَ في رَفْعِهِ» (^١).\nوقالَ ابنُ أبيْ حاتمٍ «ت ٣٢٧ هـ»: «سَأَلْتُ أَبِيْ عَنْ حَدِيْثٍ رَوَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُوْسَىْ وَغَيْرُهُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِيْ وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: «لَاْ يَتَنَاجَىْ اثْنَانِ دُوْنَ الثَّالِثِ». وَرَوَاهُ جَرِيْرُ بنُ حَازِمٍ، عَنْ عَاصِمِ بنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِيْ وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ مَوْقُوْفًَا، أَيُّهُمَا أَصَحُّ؟ قَالَ: جَمِيْعًَا صَحِيْحَيْنِ، وَلَكِنَّ عَاصِمًَا قَصَّرَ بِهِ» (^٢).\nوقدْ يرفعُ الرَّاويْ الموقوفَ أوْ يرفعُ أوْ يُوقفُ المقطوعَ وهمًَا أو عمدًَا، وقدْ ذكرَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ» مثالًَا علىْ ذلكَ حديثَ المغيرةِ بنِ شعبةَ، قالَ: كانَ أصحابُ رسولَ اللهِ -ﷺ- يقرعونُ بابَهُ بالأظافيرِ، فقالَ: «هَذَاْ حَدِيْثٌ يَتَوَهَّمُهُ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الصَّنْعَةِ مُسْنَدًَا لِذِكْرِ رَسُوْلِ اللهِ -ﷺ-، وَلَيْسَ بِمُسْنَدٍ، فَإِنَّهُ مَوْقُوْفٌ عَلَىْ صَحَابِيٍّ حَكَىْ عَنْ أَقْرَانِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِعْلًَا، وَلَيْسَ يُسْنِدُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا المَوْقُوْفَ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَىْ جُمْلَةٍ مِنَ الأَحَادِيْثِ التِيْ تُشْبِهُهُ» (^٣).\nقالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٤٥ هـ» فيْ ترجمةِ محمَّدِ بنِ الحسنِ المُزَنِيِّ: «يَرْفَعُ المَوْقُوْفَ، وَيُسْنِدُ المَرَاسِيْلَ، رَوَىْ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: قَالَ: \"ذَكَاةُ الجَنِيْنِ ذَكَاةُ أُمِّهِ …، أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ قَحْطَبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبٌ، عَنْ بَقِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ المُزَنِيُّ: إِنَّمَا هُوَ مَوْقُوْفٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ» (^٤).\n_________\n(^١) مسند ابن حنبل ٢/ ٢٨٦.\n(^٢) علل الحديث لابن أبي حاتم ٢/ ٢٧٢.\n(^٣) معرفة علوم الحديث ص ١٩.\n(^٤) المجروحين لابن حبَّان ٢/ ٢٧٥.","vol":"1","page":378},{"text":"وقالَ العُقَيليُّ «ت ٣٢٢ هـ»: «عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -ﷺ-: \"شَرَفُ المُؤْمِنِ صَلَاْتُهُ فِيْ اللَّيْلِ، وَعِزُّهُ فِيْ النَّهَارِ اسْتِغْنَاؤُهُ عَمَّا فِيْ أَيْدِيْ النَّاسِ\". هَذَاْ يُرْوَىْ عَنِ الحَسَنِ وَغَيْرِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ مُسْنَدٌ» (^١).\nثانيًا: تَقويةُ الحديثِ بتعدُّدِ طُرقِهِ: الموقوفُ والمقطوعُ كمَا المرفوعُ مِنْ أنواعِ الحديثِ، وهيَ ألقابٌ تختصُّ بالمتنِ دونَ الإسنادِ - كمَا مرَّ بيانُهُ - فلاْ بدَّ للإسنادِ فيْ هذهِ الأنواعِ أنْ يخضعَ لشروطِ الرَّدِّ والقبولِ التيْ يجبُ توافرُهَا فيْ الحديثِ حتَّىْ يُعملَ بِهِ، وأثرُ السَّبرِ فيْ ذلكَ هوَ وجودُ طريقٍ للحديثِ المقطوعِ أوْ الموقوفِ أوْ المرفوعِ تُقوِّيهِ أوْ تُرقِّيهِ، ومرجعُ هذَا مبحثُ الاعتبارِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «ثُمَّ إِنَّ مِنْهُ - أَيْ: المَوْقُوْفُ - مَاْ يَتَّصِلُ الإِسْنَادُ فِيْهِ إِلَىْ الصَّحَابِيِّ فَيَكُوْنُ مِنَ المَوْقُوْفِ المَوْصُوْلِ، وَمِنْهُ مَاْ لَاْ يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ فَيَكُوْنُ مِنَ المَوْقُوْفِ غَيْرِ المَوْصُوْلِ عَلَىْ حَسَبِ مَاْ عُرِفَ مِثْلُهُ فِيْ المَرْفُوْعِ» (^٢).\nفإذَا وُجِدَ طريقٌ آخرُ للموقوفِ مشتملٌ علىْ شروطِ القبولِ، ارتقىْ الحديثُ إلىْ الحسنِ أوْ الصَّحيحِ أوْ تقوَّى بتعدُّدِ طرقِهِ إنْ كانتِ الطُّرقُ صالحةً لذلكَ، وكذلكَ المقطوعُ - وإنْ كانَ خارجَ دائرةِ الموصولِ كمَا ذكرناهُ آنفًَا - لكنْ معَ التَّقييدِ بوصلِهِ إلىْ قائلِهِ مِنَ التَّابعينَ (^٣).\n_________\n(^١) الضُّعفاء للعقيليِّ ٢/ ٣٧.\n(^٢) مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٤٦.\n(^٣) والغرض من تقوية المقطوع وصحَّة نسبته لقائله - وإن لم يحتجّ به في الأحكام الشَّرعية - الاعتمادُ عليهِ كمرجِّحٍ وقرينةٍ حال الاختلاف، وليبقى مرجع هذا العلم القرون الثلاثة الأولى التي خصَّها النَّبيُّ -ﷺ- بالخيريَّة، وقد دافع السَّخاويُّ عن إدخال الموقوف والمقطوع في أنواع الحديث، واستشهد بقول الخطيب: «إنَّه يلزم كتبها - أي الموقوف والمقطوع - والنَّظر فيها ليتخيَّر من أقوالهم، ولا يشذَّ عن مذاهبهم». ثمَّ قال السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «لا سيما وهي أحد ما يعتضد به المرسل، وربَّما يتَّضح بها المعنى المحتمل من المرفوع». فتح المغيث ١/ ١١٠.","vol":"1","page":379},{"text":"ثالثًا: التَّرجيحُ عندَ تعارضِ الرَّفعِ والوقفِ أوْ القطعِ: إذَا كانَ للحديثِ طريقانِ أوْ أكثرُ، بعضُهَا مرفوعٌ، وبعضهَا موقوفٌ، أو مقطوعٌ، فللنقادِ مذاهبُ فيْ ترجيحِ روايةِ الوقفِ أوْ الرَّفعِ أوْ القطعِ، إذْ إنَّ الرَّفعَ علَّةٌ للموقوفِ، والوقفَ علَّةٌ للمرفوعِ، وكذلكَ القطعَ علَّةٌ للمرفوعِ والموقوفِ، والعكسُ صحيحٌ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «ثُمَّ إِنَّ تَعْلِيْلَهُمُ المَوْصُوْلَ بِالمُرْسَلِ أَوْ المُنْقَطِعِ، وَالمَرْفُوْعَ بِالمَوْقُوْفِ أَوْ المَقْطُوْعِ لَيْسَ عَلَىْ إِطْلَاْقِهِ، بَلْ ذَلِكَ دَائِرٌ عَلَىْ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِتَرْجِيْحِ أَحَدِهِمَا عَلَىْ الآَخَرِ بِالقَرَائِنِ التِيْ تَحُفُّهُ كَمَا قَرَّرْنَاهُ قَبْلُ» (^١).\nوقولُ ابنُ حجرٍ إشارةٌ بيِّنةٌ إلىْ تعليلِ المرفوعِ بالموقوفِ والمقطوعِ، وأوردتهُ هنَا لأنَّ كتبَ الحديثِ تكلَّمتْ عنْ تعارضِ الوقفِ والرَّفعِ دونَ القطعِ، وللعلماءِ فيْ التَّرجيحِ حالَ التَّعارضِ مذاهبُ، كمَا يأتيْ:\nالأوَّلُ: الحكمُ بالرَّفعِ (^٢): وهذَا ماْ رجَّحهُ الإمامُ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»، فقالَ: «الثِّقَةُ إِذَا انْفَرَدَ بِرَفْعِ مَاْ وَقَفَهُ الأَكْثَرُوْنَ، كَانَ الحُكْمُ لِرِوَايَتِهِ، وَحُكِمَ بِأَنَّهُ مَرْفُوْعٌ عَلَىْ الصَّحِيْحِ الذِيْ عَلَيْهِ الفُقَهَاءُ وَالأُصُوْلِيُّوْنَ وَمُحَقِّقُوْ المُحَدِّثِيْنَ» (^٣). ودرجَ عليهِ فيْ كُتُبِهِ (^٤).\n_________\n(^١) النُّكت لابن حجر ٢/ ٧٤٦.\n(^٢) وهو قول كثير من المحدِّثين، وأكثر أهل الفقه والأصول، قال الحافظ العراقيُّ «ت ٨٠٦ هـ»: «الصَّحيح الذي عليه الجمهور أنَّ الرَّاوي إذا روى الحديث مرفوعًا وموقوفًا فالحكم للرَّفع، لأنَّ معه في حالة الرَّفع زيادة، هذا هو المرجَّح عند أهل الحديث». نقله السَّخاويُّ في فتح المغيث ١/ ١٧٧.\n(^٣) شرح النَّوويِّ على صحيح مسلم ١٤/ ٤٨.\n(^٤) والحكم بالرَّفع على إطلاقه مشكلُّ جدًا؛ بل وخطيرٌ، لأن بعض أشكال الوضع يخترعه الواضع، وبعضها يأخذه من كلام السَّلف الذين يُشبه كلامهم كلام الأنبياء، هذا فضلًا عن كلام الصَّحابة رضوان الله عليهم الذين أشبه ما يكون كلامهم بكلام الأنبياء، كما بيَّنه ابن حجر في النُّخبة - انظر شرحها للقاري ص ٤٤٤.","vol":"1","page":380},{"text":"الثاني: الحكم بالوقف (^١).\nالثَّالثُ: اعتدادُ الأكثرِ منْ أحوالِ الراويْ: قالَ الصَّنعانيُّ «ت ١١٨٢ هـ»: «هَذَا القَوْلُ نَسَبَهُ الزَّيْنُ إِلَىْ الأُصُوْلِيِّيْنَ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ أَحْوَالِ الرَّاوِيْ الرَّفَعُ، وَالوَقْفُ مِنْهُ نَادِرٌ فَالحُكْمُ لِلرَّفْعِ، وَكَذَلِكَ العَكْسُ: هُوَ أَنْ يَكُوْنَ الوَقْفُ أَكْثَرَ أَحْوَالِ الرَّاوِيْ، وَالرَّفْعُ مِنْهُ نَادِرٌ فَيَكُوْنُ الحُكْمُ لِلْوَقْفِ» (^٢).\nالرَّابعُ: التَّرجيحُ للقرائنِ: وهوَ الذيْ عليهِ جمهورُ المحدِّثينَ والمستفادُ منْ صنيعِهِمْ، كمَا مرَّ فيْ تعارضِ الوصلِ والإرسالِ، والاتِّصالِ والانقطاعِ، قالَ الصَّنعانيُّ «ت ١١٨٢ هـ»: «وَعِنْدِيْ أَنَّ الحُكْمَ فِيْ هَذَاْ لَاْ يَسْتَمِرُّ، بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَاْفِ قَرَائِنِ الأَحْوَالِ» (^٣). وأغلبُ القرائنِ إنَّمَا تُعلمُ بسبرِ الطُّرقِ وجمعِهَا، ومِنَ القرائنِ التيْ يُعتمدُ عليهَا فيْ الترجيحِ:\nأولًا: شِدَّةُ الحفظِ: قالَ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «فَإِنْ كَانَ الوَاقِفُوْنَ لَهُ ثِقَاتًا حُفَّاظًَا، أَوْثَقَ وَأَحْفَظَ مِمَّنْ رَفَعَهُ فَالحُكْمُ لِلْوَقْفِ» (^٤).\nثانيًا: كثرةُ العددِ: قالَ الحافظُ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «إِنَّ الجَمَاعَةَ إِذَا اخْتَلَفُوْا فِيْ إِسْنَادِ حَدِيْثٍ، كَاْنَ القَوْلُ فِيْهِمْ لِلْأَكْثَرِ عَدَدًَا أَوْ لِلْأَحْفَظِ وَالأَتْقَنِ … وَعِنْدَ الاِخْتِلَاْفِ فِيْمَا هُوَ مُقْتَضَىً لِصِحَّةِ الحَدِيْثِ أَوْ لِتَعْلِيْلِهِ، يُرْجَعُ إِلَىْ قَوْلِ الأَكْثَرِ عَدَدًَا لِبُعْدِهِمْ عَنِ الغَلَطِ\n_________\n(^١) انظر جامع الأصول ١/ ١٧٠، وفتح المغيث ١/ ١٩٤، وشرح ألفيَّة السُّيوطيِّ ص ٢٩.\n(^٢) توضيح الأفكار ١/ ٣٤٣.\n(^٣) المصدر ذاته.\n(^٤) النكت للزركشي ٢/ ٦٠ و٦١.","vol":"1","page":381},{"text":"وَالسَّهْوِ، وَذَلِكَ عِنْدَ التَّسَاوِيْ فِيْ الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ. فَإِنْ تَفَارَقُوْا وَاسْتَوَىْ العَدَدُ فَإِلَىْ قَوْلِ الأَحْفَظِ وَالأَكْثَرِ إِتْقَانًَا، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَىْ العَمَلِ بِهَا عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيْثِ» (^١).\nثالثًا: الرِّوايةُ عنْ أهلِ البلدِ، وكثرةُ الملازمةِ للشَّيخِ: ولاْ بدَّ فيْ هذَا مِنْ معرفةِ مواطنِ ومراتبِ الرُّواةِ، قالَ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «وَكَذَا إِذَا كَانُوْا عَنْ شَيْخٍ لَهُمْ وَأَهْلِ بَلَدٍ، فَهُمْ أَحَقُّ بِهِ مِمَّنْ لَيْسَ هُوَ شَيْخُهُ وَلَاْ كَثُرَتْ مُلَاْزَمَتُهُ لَهُ وَلَاْ هُوَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ، وَإِنْ كَانَ الرَّافِعُ لَهُ كَثِيْرِيْنَ ثِقَاتٍ حُفَّاظًَا» (^٢).\nرابعًا: سلوكُ الجادَّةِ: قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «يَتَرَجَّحُ الوَقْفُ بِتَجْوِيْزِ أَنْ يَكُوْنَ الرَّافِعُ تَبِعَ العَادَةَ وَسَلَكَ الجَادَّةَ، وَمِثَالُ ذَلِكَ مَاْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيْ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: إِنَّ رَسُوْلَ اللهِ -ﷺ- قَالَ، وَهُوَ بِالحَزْوَرَةِ: «وَاللهِ إِنِّيْ لَأَعْلَمُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللهِ …»، وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِيْ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَدِيٍّ بنِ الحَمْرَاءِ -﵁- عَنْهُ، وَهُوَ المَحْفُوْظُ، وَالحَدِيْثُ حَدِيْثُهُ، وَهُوَ مَشْهُوْرٌ بِهِ، وَقَدْ سَمِعَهُ الزُّهْرِيُّ أَيْضًَا مِنْ مُحَمَّدِ بنِ جُبَيْرٍ بنِ مُطْعَمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَدِيٍّ -﵁- وَسَلَكَ مُحَمَّدُ بنُ عَمْرٍو الجَادَّةَ، فَقَالَ: عَنْ أَبِيْ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ -﵁-» (^٣).\nخامسًَا: قوَّةُ الطَّريقِ: فإذَا كانَ طريقُ الرَّفعِ أقوىْ رُجِّحَ علىْ الوقفِ، والعكسُ صحيحٌ، وإنْ تقاومَا فالحكمُ للرَّفعِ علىْ المختارِ (^٤).\n_________\n(^١) نظم الفرائد ص ٣٦٧.\n(^٢) النكت للزركشي ٢/ ٦٠ و٦١.\n(^٣) النكت لابن حجر ٢/ ٦١٠ و٦١١.\n(^٤) وهذَا بخلافِ ما مرَّ في تعارض الوصل والإرسال، والاتِّصال والانقطاع، فإذا تقاوم المتعارضان صحةً تُوقِّف في التَّرجيح حيث لا مرجِّح، وأُعلَّ الحديث بالاضطراب، والسَّبب في التَّوقُّف أنَّ الوصل والإرسال والانقطاع يختصُّ بالإسناد الذي لا يصحُّ المتن إلا به، كما أنَّهما ضدَّان لا يمكن الجمع بينهما، فإمَّا يكون الحديث متَّصلًا أو مرسلًا أو منقطعًا، ولا يمكن الجمع بين متناقضين، أما الوقف والرَّفع والقطع فهي تختصُّ بالمتن، ويمكن الجمع بينها حيث لا تعارض، فمن الممكن أن يصحَّ الحديث مقطوعًا وموقوفًا ومرفوعًا في آن واحد، وفي حالة التَّقاوم حيث لا مرجِّح يُؤخذ بالمرفوع لأنَّه الأولى، ولا تضرُّه رواية القطع أو الوقف لأنّ كلًَّا من هذه الأنواع حديث مستقلٌّ بذاته، والله أعلم.","vol":"1","page":382},{"text":"قالَ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «وَإِنْ تَعَارَضَ الحَالُ تُوُقِّفَ فِيْ التَّرْجِيْحِ، وَالتَّحْقِيْقُ: أَنَّ جِهَتَيْ طُرُقِ الحَدِيْثِ إِمَّاْ ضَعِيْفٌ أَوْ صَحِيْحٌ، فَالأَخْذُ بِالصَّحِيْحِ مُتَعَيِّنٌ. وَإِمَّاْ صَحِيْحَانِ، فَإِنْ تَفَاوَتَا فَالأَخْذُ بِالأَصَحِّ أَوْلَىْ وَأَحْوَطُ، وَإِنْ اسْتَوَيَا فِيْ الصِّحَّةِ فَهَلِ الأَخْذُ بِالمُتَيَقَّنِ الأَقَلِّ، أَوْ بِالزَّائِدِ … المُخْتَارُ تَقْدِيْمُ الرَّفْعِ» (^١).\nسادسًا: أنْ يكونَ الرَّاويْ ممَّنْ يرفعُ الموقوفَ والمقطوعَ، أوْ العكسُ: فإذَا خالفَهُ راوٍ أوْ أكثرُ رفعًَا أو وقفًَا أو قطعًَا فالقولُ قولهمْ على قولِهِ، لاختلالِ ضبطِهِ، وقدْ جُرِحَ بذلكَ جملةٌ مِنَ الرُّواةِ، منهُمْ:\nمحمَّدُ بنُ عمرٍو، قالَ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «رُبَّمَا رَفَعَ بَعْضَ الحَدِيْثِ، وَرُبَّمَا قَصَّرَ بِهِ» (^٢).\nوأسامةُ بنُ زيدٍ بنِ أسلمَ: قالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٤٥ هـ»: «كَاْنَ يَهِمُ فِيْ الأَخْبَارِ، وَيُخْطِئُ فِيْ الآَثَارِ، حَتَّىْ كَانَ يَرْفَعُ المَوْقُوْفَ، وَيُوْصِلُ المَقْطُوْعَ، وَيُسْنِدُ المُرْسَلَ» (^٣).\nهذهِ مجموعةُ القرائنِ التيْ تُعتمدُ فيْ التَّرجيحِ حالَ التَّعارضِ، وقدْ تظهرُ للنَّاقدِ قرائنُ أُخرىْ بالسَّبرِ، فللنُّقَّادَ فيْ كلِّ حديثٍ فهمٌ خاصٌّ يُرجِّحونَ مِنْ خلالِهِ بينَ المتعارضاتِ (^٤).\n_________\n(^١) النُّكت للزَّركشيِّ ٢/ ٦١.\n(^٢) العلل لابن حنبل ١/ ١٨٥.\n(^٣) المجروحين ١/ ١٧٩، وانظر ترجمة خالد بن القاسم المدائنيِّ ١/ ٢٨٢، وفرقد بن يعقوب السَّبخيِّ ٢/ ٢٠٤.\n(^٤) انظر شرح علل التِّرمذيِّ ٢/ ٨٦١.","vol":"1","page":383},{"text":"ومنْ أمثلةِ اختيارِ المرفوعِ علىْ الموقوفِ:\nحديثُ عليِّ - كرَّمَ اللهُ وجهَهُ -: «يُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الغُلَاْمِ، وَيُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الجَارِيَةِ».\n* الحديثُ أخرجَهُ أبوْ داودَ «ر ٣٧٧»، وعبدُ الرَّزَّاقِ «ر ١٤٨٨»، والبيهقيُّ «ر ٣٩٦٢»، منْ طريقِ سعيدِ بنِ أبيْ عَروبةَ (^١)، عنْ قتادةَ، عنْ أبيْ حربٍ الدُّؤليِّ، عنْ أبيهِ، عنْ عليٍّ، موقوفًَا.\n* وأخرجَهُ أبوْ داودَ «ر ٣٧٨»، والتِّرمذيُّ «ر ٦١٠»، وابنُ ماجةَ «ر ٥٢٥»، وابنُ خُزيمةَ «ر ٢٨٤»، وابنُ حبَّانَ «ر ١٣٧٥»، وأبوْ يعلىْ «ر ٣٠٧»، والدَّارقطنيُّ «ر ١/ ١٢٩»، والمستدركُ «ر ٥٨٧»، منْ طريقِ هشامٍ الدَّستوائيِّ (^٢)، عنْ قتادةَ، عنْ أبيْ حربِ بنِ أبيْ الأسودِ الدُّؤليِّ، عنْ أبيهِ، عنْ عليٍّ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- مرفوعًَا.\nوتابعَهُ عبدُ الصَّمدِ بنُ عبدِ الوارثِ (^٣) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١١٤٨».\nوقدْ صحَّحَ روايةَ الرَّفعِ البُخاريُّ، والتِّرمذيُّ، وابنُ حبَّانَ، والحاكمُ، ولمْ يتعقَّبْهُ الذَّهبيُّ، معَ أنَّهُ قدْ صحَّ موقوفًا أيضًا؛ وهذَا يدلُّ علىْ أنَّ الحديثَ إذَا صحَّ رفعُهُ ووقفُهُ، فإنَّ الحكمَ للرَّفعِ ولاْ تضرُّهُ روايةُ الوقفِ إلاْ إذاْ دلَّتِ القرائنُ علىْ خطأِ روايةِ الرَّفعِ، كما بيناه آنفًا.\n_________\n(^١) تقدمت ترجمته ص ٢٥٧.\n(^٢) تقدمت ترجمته ص ٢٥٧.\n(^٣) عبد الصمد بن عبد الوراث بن سعيد العنبري، أبو سهل البصري، «ت ٢٠٧ هـ»، صدوق، ثبت في شعبة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٠٨٠».","vol":"1","page":384},{"text":"قالَ التِّرمذيُّ «ت ٢٧٩ هـ»: «سَأَلْتُ مُحَمَّدًَا عَنْ هَذَا الحَدِيْثِ، فَقَالَ: شُعْبَةُ لَاْ يَرْفَعُهُ، وَهِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ حَافِظٌ، وَرَوَاهُ يَحْيَىْ القَطَّانُ، عَنْ ابنِ أَبِيْ عَرُوْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، فَلَمْ يَرْفَعْهُ» (^١). وعقَّبَ علىْ روايةِ الرَّفعِ بقولِهِ: «هَذَاْ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ» (^٢).\nومنْ أمثلةِ ترجيحِ الموقوفِ علىْ المرفوعِ:\nما رواهُ عائذُ بنُ حبيبٍ، قالَ: حدَّثنيْ عامرُ بنُ السَّمطِ، عنْ أبيْ الغَريفِ، قالَ: أُتيَ عليٌّ بوَضوءٍ، فمضمضَ واستنشقَ ثلاثًا، وغسلَ وجهَهُ ثلاثًا، وغسلَ يديهِ وذراعيهِ ثلاثًَا ثلاثًا، ثمَّ مسحَ برأسِهِ، ثمَّ غسلَ رجليهِ، ثمَّ قالَ: هكذَا رأيتُ رسولَ اللهِ -ﷺ- توضَّأَ، ثمَّ قرأَ شيئًا مِنَ\nالقرآنِ، ثمَّ قالَ: «هَذَاْ لِمَنْ لَيْسَ بِجُنُبٍ، فَأَمَّا الجُنُبُ فَلَاْ، وَلَاْ آَيَةً».\n* الحديثُ أخرجهُ ابنُ حنبلٍ «ر ٨٧٢»، وأبوْ يعلىْ «ر ٣٦٥»، مِنْ طريقِ عائذٍ مرفوعًَا.\n* وأخرجَهُ ابنُ أبيْ شيبةَ «ر ١٠٨٦» مِنْ طريقِ شريكِ بنِ عبدِ اللهِ (^٣)، عنْ عامرِ بنِ السَّمطِ، عَنْ أبيْ الغَريفِ، عنْ عليٍّ موقوفًَا.\nوتابعَهُ يزيدُ بنُ هارونَ (^٤) عندَ الدَّارقطنيِّ «١/ ١١٨».\nوالحسنُ بنُ حيٍّ (^٥) عندَ البيهقيِّ «ر ٤٢١» و«ر ٤٢٧».\n_________\n(^١) انظر علل التِّرمذيِّ ١/ ٤٢، وانظر أيضًا العلل للدَّارقطنيِّ ٤/ ١٨٥.\n(^٢) انظر سنن التِّرمذيِّ ٢/ ٥٠٩.\n(^٣) تقدمت ترجمته ص ٢٥٩.\n(^٤) تقدمت ترجمته ص ٢٧٩.\n(^٥) الحسن بن صالح بن حيِّ بن شُفَيٍّ، الثوري، «ت ١٦٩ هـ»، ثقة فقيه، رمي بالتشيع، أخرج له «بخ م ٤». انظر التقريب «ر ١٢٥٠».","vol":"1","page":385},{"text":"فالروايةُ الموقوفةُ راجحةٌ، لأنَّها روايةُ الحفَّاظِ الأكثرِ عددًَا، قالَ الدَّارقطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ»: «هُوَ صَحِيْحٌ عَنْ عَلِيٍّ» (^١). ويؤيِّدُ روايةَ الجمعِ، أنَّ عبدَ الرَّزَّاقِ أخرجَ الحديثَ فيْ مصنَّفِهِ «ر ١٣٠٦» عَنْ سفيانَ الثَّوريِّ، عنْ عامرٍ الشَّعبيِّ، عنْ أبيْ الغَريفِ، عنْ عليِّ موقوفًَا.\nومنْ أمثلةِ ترجيحِ المقطوعِ علىْ المرفوعِ:\nحديثُ أبيْ بكرٍ بنِ عيَّاشٍ (^٢)، عَنِ الأعمشِ، عَنْ أبيْ صالحٍ، عنْ أبيْ هُريرةَ -﵁-، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: «إِذَاْ كَاْنَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِيْنُ وَمَرَدَةُ الجِنِّ …».\n* الحديثُ أخرجَهُ مِنْ هذَا الطَّريقِ مرفوعًا: التِّرمذيُّ «ر ٦٨٢»، وابنُ ماجةَ «ر ١٦٤٢»، وابنُ خزيمةَ «ر ١٨٨٣»، وابنُ حبَّانَ «ر ٣٤٣٥»، والبيهقيُّ «ر ٨٢٨٤».\n* وأخرجَهُ التِّرمذيُّ فيْ العللِ «ر ١٩١» مِنْ طريقِ البخاريِّ، عنِ الحسنِ بنِ الرَّبيعِ، عنْ أبيْ الأحوصِ، عَنِ الأعمشِ، عنْ مجاهدٍ مقطوعًَا.\nقال التِّرمذيُّ «ت ٢٧٩ هـ»: «حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- الَّذِي رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ. وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًَا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ؟\n_________\n(^١) سنن الدَّارقطنيِّ ١/ ١١٨.\n(^٢) أبو بكر بن عيَّاش بن سالم الأسدي، الحنَّاط، «ت ١٩٤ هـ»، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٩٨٥».","vol":"1","page":386},{"text":"فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ابْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدِي مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ» (^١).\nوقرينةُ ترجيحِ روايةِ القطعِ علىْ الرَّفعِ، هوَ سلوكُ الجادَّةِ، لأنَّ روايةَ الأعمشِ، عنْ أبيْ صالحٍ، عنْ أبيْ هريرةَ -﵁- ممَّا تسبقُ إليهِ الأذهانُ.\n* * *\n_________\n(^١) سنن التِّرمذيِّ ٣/ ٦٧، والعلل له أيضًا ١/ ١١١.","vol":"1","page":387},{"text":"<span data-type='title' id=toc-103>المَبْحَثُ الثَّانِي عَشَرَ: مَعْرِفَةُ العَالِي وَالنَّازِلِ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-104>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ العَالِي وَالنَّازِلِ </span>(^١):\n* العَالِي: لغةً: اسمُ فاعلٍ، مِنَ العلوِّ. ضدُّ النُّزولِ (^٢).\nاصطلاحًَا: هوَ الذي قلَّ عددُ رجالِهِ معَ الاتِّصالِ (^٣).\n* النَّازلُ: لغةً: اسمُ فاعلٍ مِنَ النُّزولِ. وهوَ ضدُّ العلوِّ (^٤).\nاصطلاحًَا: هوَ الذي كثرَ عددُ رجالِهِ.\n_________\n(^١) انظر في العالي والنازل: معرفة علوم الحديث ص ٧، والجامع لأخلاق الراوي ١/ ١١٦، ومقدمة ابن الصلاح ص ٢٥٥، والاقتراح ص ٤٦، والمنهل الروي ص ٦٩، والغاية في شرح الهداية ص ١٨٤، وتدريب الراوي ٢/ ١٥٩، وتوضيح الأفكار ٢/ ٣٩٥. وانظر \"العلو والنزول\" للحافظ محمد بن طاهر المقدسي «ت ٥٠٧ هـ» - مكتبة ابن تيمية - الكويت - ١٤٠١ هـ - تحقيق: صلاح الدين مقبول أحمد.\n(^٢) انظر لسان العرب - مادة «علا» - ١٥/ ٩٠، ومختار الصحاح مادة «ع ل ي».\n(^٣) قل عدد رجاله بالنسبة لذات الحديث من طريق آخر، رجاله أكثر عددًا.\n(^٤) انظر لسان العرب - مادة «نزل» - ١١/ ٦٥٦، ومختار الصحاح - مادة «ن ز ل».","vol":"1","page":388},{"text":"<span data-type='title' id=toc-105>المَطْلَبُ الثَّاني: أَقْسَامُ العَالِي وَالنَّازِلِ:</span>\nقسَّمَ ابنُ حجرٍ العالي والنَّازلَ إلى قسمينِ رئيسينِ: مطلقٍ ونسبيٍّ، وقسَّمهُمَا تلميذُهُ السَّخاويُّ إلى: مسافةٍ وصفةٍ. وقدْ اخترتُ تقسيمَ السَّخاويِّ لمتعلَّقِهِ بالسَّبرِ، إذْ إنَّ علوَّ المسافةِ يُدركُ بالسَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ، بتباينِ عددِ الرُّواةِ بينَ الأسانيدِ بعضِهَا ببعضٍ، وعلوُّ الصِّفةِ لا بدَّ فيهِ مِنْ معرفةِ وَفَيَاتِ ومراتبِ الرُّواةِ (^١).\nويندرجُ تحتَ هذينِ القسمينِ خمسةُ أنواعٍ، وما مِنْ قسمٍ مِنْ أقسامِ العلوِّ إلَّا وضدُّهُ قسمٌ مِنْ أقسامِ النُّزولِ، وهيَ كمَا يأتي:\nأوَّلًا: علوُّ المسافةِ: وينقسمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ، وهيَ:\n١ - القربُ مِنْ رسولِ اللهِ -ﷺ-: ويُطلقُ عليهِ العلوُّ المطلقُ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «أَوَّلُهَا القُرْبُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِإِسْنَادٍ نَظِيفٍ غَيرِ ضَعِيفٍ، وَذَلِكَ مِنْ أَجَلِّ أَنْوَاعِ العُلُوِّ» (^٢).\n٢ - القربُ مِنْ إمامٍ مِنْ أئمَّةِ الحديثِ: وهوَ علوٌّ نسبيٌّ، كالعلوِّ إلى مالكٍ، والأوزاعيِّ وسفيانَ، وشعبةَ، وإنَّمَا يُوصفُ بالعلوِّ إذَا صحَّ الإسنادُ إلى ذلكَ الإمامِ بالعددِ اليسيرِ مِنَ الرِّجالِ. قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «وَوَجْهُ اعْتِبَارِ هَذَا عُلُوًَّا -فِيمَا يَبْدُو\n_________\n(^١) انظر نخبة الفكر ص ٢٣١، وفتح المغيث ٣/ ٩.\n(^٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٥٥.","vol":"1","page":389},{"text":"لَنَا- أَنَّ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةَ قَدْ انْتَهَى إِلَيهِمْ عِلْمُ الحَدِيثِ وَحِفْظُهُ، فَأَصْبَحَ خَوفُ الخَلَلِ فِي رِوَايَاتِهِمْ مَامُونًَا، فَرَغِبُوا فِي العُلُوِّ إِلَيهِمْ، لِمَا فِيهِ مِنْ قُوَّةِ السَّنَدِ» (^١).\n٣ - العلوُّ بالنِّسبةِ إلى الكتبِ الحديثيَّةِ المشهورةِ: وهوَ أنْ يعلوَ إسنادُ المحدِّثِ بالنِّسبةِ إلى روايتِهِ عَنْ طريقِ الصَّحيحينِ وبقيَّةِ السِّتَّةِ، وقدْ اعتنى المتأخِّرونَ بهذَا القسمِ اعتناءً كثيرًا، ففرَّعُوهُ إلى عدَّةِ فروعٍ، هيَ: الموافقةُ، والبدلُ، والمساواةُ، والمصافحةُ (^٢).\nثانيًَا: علوُّ الصفة: وينقسمُ إلى قسمينِ، همَا:\n١ - العلوُّ بتقدُّمِ وفاةِ الرَّاوي: بأنْ يتقدَّمَ موتُ الرَّاوي في هذَا السَّندِ على موتِ الرَّاوي الذي في السَّندِ الآخرِ، وإنْ كانَا مُتساويينِ في العددِ.\n٢ - العلُوُّ بتقدُّمِ السَّماعِ مِنَ الشَّيخِ: بأنْ يسمعَ أحدُ الرُّواةِ مِنْ شيخِهِ قبلَ غيرِهِ.\nوهذانِ القسمانِ لمْ يذكرهُمَا ابنُ حجرٍ، لأنَّ فائدةَ العلوِّ لا تظهرُ فيهِمَا إلَّا في بعضِ أنواع علومِ الحديثِ، ك «معرفةِ مَنْ اختلطَ في آخرِ عمرِهِ».\n_________\n(^١) منهج النقد ص ٣٦٠.\n(^٢) انظر تفصيل ذلك في فتح المغيث ٣/ ٣.","vol":"1","page":390},{"text":"<span data-type='title' id=toc-106>المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَهَمِّيَّةُ العَالِي مِنَ الأَسَانِيدِ:</span>\nتقدَّمَ الكلامُ على أهميَّةِ الإسنادِ عندَ المحدِّثينَ (^١)، ولعلوِّ الإسنادِ أهميَّةٌ بالغةٌ عندَهُم تبرزُ مِنْ جوانبَ عدَّةٍ، وهيَ:\nأوَّلًا: القربُ مِنْ اللهِ ورسوله -ﷺ-: قالَ ابنُ معينٍ «ت ٢٣٢ هـ»: «الإِسْنَادُ النَّازِلُ قُرْحَةٌ فِي الوَجْهِ، وَالإِسْنَادُ العَالِي قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ» (^٢). وقالَ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «طَلَبُ إِسْنَادِ الْعُلُوِّ مِنَ السُّنَّةِ» (^٣).\nثانيًا: قلَّةُ الخطأِ في الإسنادِ، وقوَّةُ الحديثِ: قالَ ابنُ دقيقٍ العيدُ «ت ٧٠٢ هـ»: «وَلَا أَعْلَمُ وَجْهًَا جَيِّدًَا لِتَرْجِيحِ العُلُوِّ إِلَّا أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الصِحَّةِ وَقِلَّةِ الخَطَأِ» (^٤).\nوما جاءَ مِنْ ذمِّ الأئمَّةِ للنَّازلِ (^٥) فليسَ على إطلاقِهِ، فقدْ يفضُلُ النَّازلُ على العالي، إذَا كانَ معَهُ ما يجبرُهُ ويجعلُ لهُ مزيَّةً على الإسنادِ العالي، كأنْ يوجدَ في النَّازلِ زيادةٌ يرويهَا ثقةٌ، أو يكونَ رجالُ الإسنادِ النَّازلِ أحفظَ أو أفقهَ، قالَ عبدُ اللهِ بنُ المباركِ «ت ١٨١ هـ»: «بُعْدُ الإِسْنَادِ أَحَبُّ إِلَيَّ إِذَا كَانُوا ثِقَاتٍ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ تَرَبَّصُوا بِهِ، وَحَدِيثٌ بَعِيدُ الإِسْنَادِ صَحِيحٌ، خَيرٌ مِنْ قَرِيبِ الإِسْنَادِ سَقِيمٌ» (^٦).\n_________\n(^١) انظر ص ٨١.\n(^٢) نقله ابن عساكر في «الأربعون البلدانية» ص ٣٨.\n(^٣) الجامع لأخلاق الراوي ١/ ١٢٣.\n(^٤) الاقتراح ص ٤٦.\n(^٥) انظر قولي ابن معين وابن المديني في «العلو والنزول» للمقدسي ص ٥٥.\n(^٦) انظر الجرح والتعديل ٢/ ٢٥.","vol":"1","page":391},{"text":"<span data-type='title' id=toc-107>المَطْلَبُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ العَالِي وَالنَّازِلِ:</span>\nانطلاقًَا مِنْ أهميَّةِ الإسنادِ العالي، فقدَ رحلَ الأئمَّة في تطلُّبِهِ، وقدْ بيَّنَّا سابقًَا أنَّ الرِّحلةَ كانتْ غرضًَا مِنْ أغراضِ جمعِ الحديثِ وسبرِهِ (^١)، ومِنْ أغراضِ السَّبرِ تطلُّبُ العالي مِنَ الأسانيدِ وتمييزُهُ مِنَ النَّازلِ، قالَ الحافظُ المقدسيُّ «ت ٥٠٧ هـ»: «أَجْمَعَ أَهْلُ النَّقْلِ عَلَى طَلَبِهِمْ العُلُوَّ وَمَدْحِهِ، إِذْ لَو اقْتَصَرُوا عَلَى سَمَاعِهِ بِنُزُولٍ لَمْ يَرْحَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ» (^٢).\nوقدْ بيَّنتُ في مطلبِ «أقسامُ العالي والنَّازلِ» أنَّ علوَّ ونزولَ المسافةِ يُدركُ بالسَّبرِ، بتباينِ عددِ الرُّواةِ بينَ كِلَا الإسنادينِ، إلى جانبِ صحَّتِهِمَا وثقةِ رُواةِ كلٍّ منهُمَا، فذلكَ شرطٌ مهمٌّ في اعتمادِ العالي والنَّازلِ، إذ العددُ وحدُهُ غيرُ كافٍ، وهوَ المقصودُ مِنْ كلامِ الحاكمِ، حيثُ قالَ: «فَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْعَالِيَةِ مِنَ الْأَسَانِيدِ فَلَيسَ عَلَى مَا يَتَوَهَّمُهُ عَوَامُ النَّاسِ يَعُدُّونَ الْأَسَانِيدَ، فَمَا وَجَدُوا مِنْهَا أَقْرَبَ عَدَدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَتَوَهَّمُونَهُ أَعْلَى» (^٣).\nوقدْ كانَ جُلُّ غرضِ المستخرجينَ تطلُّبَ علوِّ الأسانيدِ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «فَالمُسْتَخْرِجُونَ لَيسَ جُلُّ قَصْدِهِمْ إِلَّا العُلُوَّ، يَجْتَهِدُونَ أَنْ يَكُونُوا هُمْ وَالمُخَرَّجُ عَلَيهِ سَوَاءٌ» (^٤).\n_________\n(^١) انظر ص ٨٤.\n(^٢) العلو والنزول ص ٥٤.\n(^٣) معرفة علوم الحديث ١/ ٩.\n(^٤) فتح المغيث ١/ ٣٩.","vol":"1","page":392},{"text":"وبيَّنَ المقدسيُّ «ت ٥٠٧ هـ» غرضَ البخاريِّ منْ إيرادِ طرقٍ متعدِّدةٍ للحديثِ في أكثرِ منِ موضعٍ، فقالَ: «وَمِنْهَا أَحَادِيثُ زَادَ فِيهَا بَعْضُ الرُّوَاةِ رَجُلًَا فِي الإِسْنَادِ وَنَقَصَهُ بَعْضُهُمْ، فَيُورِدُهَا عَلَى الوَجْهَينِ، حَيثُ يَصِحُّ عِنْدَهُ أَنَّ الرَّاوِي سَمِعَهُ مِنْ شَيخٍ حَدَّثَهُ بِهِ عَنْ آَخَرَ، ثُمَّ لَقِيَ الآَخَرَ فَحَدَّثَهُ بِهِ، فَكَانَ يَرْوِيهِ عَلَى الوَجْهَينِ» (^١).\nوينبغي التَّنبُّهُ عندَ السَّبرِ إلى أنَّ العاليَ والنَّازلَ قدْ يشتبهانِ بغيرِهِمَا، فقدْ يُعدُّ العالي مُنقطعًا والنَّازلُ متَّصلًا، وقدْ تكونُ الزِّيادةُ في النَّازلِ وهمًا، أي: مِنْ قبيلِ المزيدِ في مُتَّصِلِ الأسانيدِ، وقدْ يكونُ في العالي سَقْطٌ بفعلِ المدلِّسينَ، فلا بُدَّ منْ قرائنَ تُؤكِّدُ صحَّةَ الإسنادِ على الوجهينِ، منهَا:\nأوَّلًَا: خُلُوُّ السَّنَدِ مِنْ عَنْعَنَةِ المُدَلِّسِ: فإذَا كانَ في الإسنادِ الذي يُظنُّ عاليًا مُدَلِّسٌ وروى الحديثَ بالعنعنةِ، فمنَ الممكنِ أنْ يكونَ المدلِّسُ قدْ أسقطَ الرَّاوي المزيدَ في النَّازلِ، فيُشكلُ بِعَدِّ النَّاقصِ عاليًَا. فإذَا خلَا الحديثُ مِنْ عنعنةِ المدلِّسِ، أو جاءَ مِنْ طريقٍ أُخرى بالتَّحديثِ انتفَى التَّدليسُ (^٢) وعُلِمَ أنَّهُ مرويٌّ على الوجهينِ، ما لمْ تقُم قرينةٌ على غيرِ ذلكَ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «الإِسْنَادُ الخَالِي عَنِ الرَّاوِي الزَّائِدِ إِنْ كَانَ بِلَفْظَةِ «عَنْ» فِي ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِإِرْسَالِهِ، وَيُجْعَلَ مُعَلَّلًَا بِالإِسْنَادِ الذِي ذُكِرَ فِيهِ الزَّائِدُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالسَّمَاعِ أَوْ بِالإِخْبَارِ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ عَنْهُ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْهُ نَفْسَهُ» (^٣).\n_________\n(^١) مقدمة فتح الباري ١/ ١٥.\n(^٢) كما سيأتي بيانه في التطبيق الآتي آخر المبحث ص ٣٤٨، الممثَّل به على أثر السبر في معرفة العالي والنازل.\n(^٣) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٨٦.","vol":"1","page":393},{"text":"ثَانِيًَا: إِمْكَانِيَّةُ اللِّقَاءِ وَالمُعَاصَرَةِ بَينَ الرَّاوِيَينِ فِي العَالِي: حيثُ إنَّ اللقاءَ والمعاصرةَ بينَ الرُّواةِ همَا الفيصلُ بينَ الاتِّصالِ والانقطاعِ، فإنْ لمْ يكنْ ثمَّةَ لقاءٌ أو معاصرةٌ بينَهُمَا، كانَ النَّاقصُ مُنقطِعًَا والزَّائدُ متَّصِلًا، وأُعلَّ النَّاقصُ بالزَّائدِ، فإذَا أمكنَ اللقاءُ والمعاصرةُ تبيَّنَ صحَّةُ الحديثِ على الوجهينِ، وعُدَّ مِنَ العالي والنازل، ولأجلِ هذَا فإنَّ أئمَّةَ الحديثِ قيَّدُوا تعريفَ العالي بالاتِّصالِ.\nثَالِثًَا: رِوَايَةُ الرَّاوِي نَفْسِهِ لِلحَدِيثِ عَلَى الوَجْهَينِ بِالتَّحْدِيثِ: مِمَّا يُؤكِّدُ سماعَهُ للحديثِ على الوجهينِ عاليًَا ونازِلًا، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» في معرضِ كلامِهِ عنِ اشتباهِ العَالي والنَّازلِ بغيرِهِ: «فَالظَّاهِرُ مِمَّنْ وَقَعَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ أَنْ يَذْكُرَ السَّمَاعَينِ، فَإِذَا لَمْ يَجِيءَ عَنْهُ ذِكْرُ ذَلِكَ حَمَلْنَاهُ عَلَى الزِّيَادَةِ المَذْكُورَةِ» (^١).\nوقالَ الفِهريُّ (^٢) «ت ٧٢١ هـ»: «وَإِذَا كَانَ الزَّائِدُ بِلَفْظِ \"عَنْ\" أَيضًَا، فَلَعَلَّهُ نَقَصَ رَجُلٌ آَخَرُ غَيرَ ذَلِكَ المَزِيدِ، وَإِنَّمَا يَرْتَفِعُ هَذَا الاِحْتِمَالُ إِذَا قَالَ الرَّاوِي الزَّائِدُ \"حَدَّثَنَا\" وَيَبْقَى احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ الحَدِيثُ عِنْدَهُ عَنْهُمَا مَعًَا» (^٣).\nرَابِعًَا: عَدَمُ وُجُودِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى وَهْمِ الزِّيَادَةِ في النَّازِلِ: مِمَّا ينفي كونَهُ مِنَ المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالسَّمَاعِ أَوْ بِالإِخْبَارِ،\n_________\n(^١) التقريب ١/ ٢٠.\n(^٢) محمد بن عمر بن محمد، أبو عبد الله، محب الدين الفهري، «٦٥٧ هـ - ٧٢١ هـ»، رحالة، عالم بالأدب، عارف بالتفسير، من تصانيفه: «السن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين البخاري ومسلم في السند المعنعن»، و«إفادة النصيح بالتعريف بإسناد الجامع الصحيح». انظر طبقات الحفاظ ص ٥٢٨.\n(^٣) السنن الأبين ١/ ٩٣.","vol":"1","page":394},{"text":"فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ عَنْهُ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْهُ نَفْسَهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُوجَدَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى كَونِهِ وَهْمًَا» (^١).\nوقالَ الأبناسيُّ «ت ٨٠٢ هـ»: «رُبَّمَا كَانَ الحُكْمُ لِلنَّاقِصِ، وَالزَّائِدُ وَهْمٌ، فَيَكُونُ مِنْ نَوعِ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ» (^٢).\nخَامِسًَا: كَثْرَةُ الرُّوَاةِ للعَالِي أو ثِقَتُهُمْ: مقابلَ ثقةِ أو كثرةِ الرُّواةِ للنَّازلِ، فإذَا كانَ كِلَا الإسنادينِ مُتَّصِلًا، وانتفتِ القرائنُ التي تخرجُهُمَا عَنِ العالي والنَّازلِ المذكورةِ آنفًَا، فتقاوُمُ كِلَا الإسنادينِ مِنَ المُرجِّحاتِ لصحَّتِهِمَا على الوجهينِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» تعليقًَا على حديثِ: «إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيِجْلِدْهَا الحَدَّ …». - بعدَ أنْ أوردَ الاختلافَ عليهِ -: «اقْتَصَرَ البُخَارِيُّ عَلَى حَدِيثِ اللَّيثِ. قُلْتُ: اللَّيثُ إِمَامٌ، وَقَدْ زَادَ فِيهِ: \"عَنْ أَبِيهِ\" فَلَا يَضُرُّهُ مَنْ نَقَصَهُ، عَلَى أَنَّهُ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الحَدِيثُ عِنْدَ سَعِيدٍ عَلَى الوَجْهَينِ، لِكَثْرَةِ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ دُونَ ذِكْرِ \"أَبِيهِ\"» (^٣).\nوإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ العالي والنَّازلِ مِنْ خلالِ التَّطبيقِ الآتي:\nحديثُ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ -﵁-، قالَ: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَينَا».\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح ١/ ٢٨٦.\n(^٢) الشذا الفياح ٢/ ٤٨١.\n(^٣) مقدمة فتح الباري ١/ ٣٥٩.","vol":"1","page":395},{"text":"* الحديثُ أخرجَهُ البخاريُّ «ر ٦٨»، والتِّرمذيُّ «ر ٢٨٥٥»، والشَّاشيُّ «ر ٦٠٠»، مِنْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ (^١)، عنِ الأعمشِ، عنْ شقيقِ بنِ سلمةَ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ -﵁-.\nوتابعَهُ أبو معاويةَ (^٢) عندَ مسلمٍ «ر ٢٨٢١»، وابنِ حنبلٍ «ر ٤٠٤١»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ٢٦٥١٥»، والبزَّارِ «ر ١٦٩٥».\nوشعبةُ (^٣) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٤١٨٨».\nوابنُ نُميرٍ (^٤) عندَ مسلمٍ «ر ٢٨٢١»، وابنِ حنبلٍ «ر ٤٠٤١»، والشَّاشيِّ «ر ٥٩٩».\nووكيعٌ (^٥) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٤٢٢٨».\nوعبدُ اللهِ بنُ إدريسَ (^٦) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٣٥٨٧».\nوابنُ مُسْهِرٍ (^٧) عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٥٨٨١».\n_________\n(^١) تقدمت ترجمته ص ٢٦١.\n(^٢) محمد بن خازم، أبو معاوية الضرير، «ت ١٩٥ هـ»، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في غيره، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٥٨٤١».\n(^٣) تقدمت ترجمته ص ٢٤٨.\n(^٤) عبد الله بن نمير، أبو هشام الهمداني، «ت ١٩٩ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٣٦٦٨».\n(^٥) وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي، أبو سفيان الكوفي، «ت ١٩٧ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٤١٤».\n(^٦) عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن، أبو محمد الأودي، «ت ١٩٢ هـ»، ثقة، فقيه، عابد، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٣٢٠٧».\n(^٧) علي بن مُسهر القرشي، «ت ١٨٩ هـ»، ثقة، له غرائب بعد أن أضر، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٨٠٠».","vol":"1","page":396},{"text":"* وأخرجَهُ التِّرمذيُّ «ر ٢٨٥٥»، وابنُ حنبلٍ «ر ٣٥٨١»، مِنْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ، عنِ الأعمشِ، قالَ: حدَّثني «سمعتُ» أبو وائلٍ، عَنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ -﵁-.\nوتابعَهُ شعبةُ عندَ الطَّيالسيِّ «ر ٢٥٥».\n* وأخرجَهُ مسلمٌ «ر ٢٨٢١»، والطَّبرانيُّ في الأوسطِ «ر ٥٨٨١»، منْ طريقِ عليِّ بنِ مُسْهِرٍ، عنِ الأعمشِ، عنْ عمرِو بنِ مُرَّةَ، عنْ شقيقِ بنِ سلمةَ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ -﵁-.\n* وأخرجَهُ أبو يعلى «ر ٥٠٣٢» منْ طريقِ أبي عَوَانةَ، عنِ الأعمشِ، عنْ مالكِ بنِ الحارثِ، عنْ شقيقِ بنِ سلمةَ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ -﵁-.\nمِنْ خلالِ سبرِ طرقِ الحديث نجدُ أنَّ مدارَهُ على الأعمشِ، وبيَّنتِ الطَّريقُ الأولى روايةَ الأعمشِ - وهوَ مُدلِّسٌ - للحديثِ بالعنعنةِ، ثمَّ بيَّنتِ الطَّريقُ الثَّانيةُ روايتَهُ بصيغةِ التَّحديثِ والسَّماعِ ممَّا ينفي تدليسَهُ، ويُبيِّنُ صحَّةَ روايةِ الأعمشِ للحديثِ عنْ أبي وائلٍ.\nوقدْ جاءَ في الطَّريقينِ الثَّالثِ والرَّابعِ زيادةُ راوٍ بينَ الأعمشِ وأبي وائلٍ، وراويَا الزِّيادةِ أبُو عَوَانةَ وعليُّ بنُ مُسْهِرٍ مِنَ الثِّقاتِ، فتُقبلُ زيادتُهُمَا، حيثُ لا يوجدُ ما تُردُّ بهِ، فتكونُ الرِّوايةُ المزيدةُ نازلةً، والنَّاقصةُ عاليةً.\nوقدْ فصَّلَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» طُرقَ الحديثِ، وبيَّنَ العلوَّ والنُّزولَ فيهِ، فقالَ: «قَولُهُ: \"عَنْ أَبِي وَائِلٍ\". وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ المَذْكُورَةِ: \"سَمِعْت شَقِيقًَا\" وَهُوَ أَبُو وَائِلٍ. أَفَادَ هَذَا","vol":"1","page":397},{"text":"التَّصْرِيحُ رَفْعَ مَا يُتَوَهَّمُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ التِي أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيقِ عَلَيِّ بنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ -﵁-، فَذَكَرَ الحَدِيثَ. قَالَ عَلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ: قَالَ الأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بنُ مُرَّةَ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ مِثْلَهُ. فَقَدْ يُوهِمُ هَذَا أَنَّ الأَعْمَشَ دَلَّسَهُ أَوَّلًَا عَنْ شَقِيقٍ، ثُمَّ سَمَّى الوَاسِطَةَ بَينَهُمَا، وَلَيسَ كَذَلِكَ، بَلْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي وَائِلٍ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَسَمِعَهُ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ، وَأَرَادَ بِذِكْرِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ - وَإِنْ كَانَتْ نَازِلَةً - تَاكِيدَهُ، أَوْ لِيُنَبِّهَ عَلَى عِنَايَتِهِ بِالرِّوَايَةِ مِنْ حَيثُ أَنَّهُ سَمِعَهُ نَازِلًَا، فَلَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ حَتَّى سَمِعَهُ عَالِيًَا» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) فتح الباري ١/ ١٦٢، وانظر عمدة القاري ٢/ ٤٤، في بيانه للطائف إسناد هذا الحديث.","vol":"1","page":398},{"text":"<span data-type='title' id=toc-108>المَبْحَثُ الثَّالِثَ عَشَرَ: مَعْرِفَةُ المُتَوَاتِرِ وَالآَحَادِ وَالمَشْهُورِ وَالعَزِيزِ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-109>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُتَوَاتِرِ وَالآَحَادِ وَالمَشْهُورِ وَالعَزِيزِ:</span>\n* المُتَوَاتِرُ (^١): لغةً: التَّواترُ: التَّتابعُ، تواتَرَ المطرُ، أي: تتابعَ نزولُهُ (^٢).\nاصطلاحًَا: هوَ الذي رواهُ جمعٌ كثيرٌ يُؤمَنُ تواطُؤُهُمْ على الكذبِ عَنْ مثلِهِمْ، إلى انتهاءِ السَّندِ، وكانَ مُستندُهُمْ الحسَّ.\n* الآحادُ (^٣): لغةً: جمعُ أَحدٍ (^٤).\nاصطلاحًَا: ما قَصُرَ عنْ صفةِ التَّواترِ، ولمْ يقطعْ بهِ العلمُ، وإنْ روتْهُ الجماعةُ.\nويدخلُ فيهِ كلٌّ مِنَ العزيزِ والمشهورِ والغريبِ، وقدْ تقدَّمَ الكلامُ على الغريبِ.\n_________\n(^١) انظر في المتواتر: الكفاية ص ١٦، ومقدمة ابن الصلاح ص ٢٦٧، واليواقيت والدرر ١/ ٢٣٧، ونظم المتناثر ص ٩، ونخبة الفكر ص ١، وشرحها للقاري ص ١٦١.\n(^٢) انظر لسان العرب - مادة «وتر» - ٥/ ٢٧٥.\n(^٣) انظر في الآحاد: الكفاية ص ١٦، والمنهل الروي ص ٣٢، والأنجم الزاهرات ص ٢١٣، وشرح نخبة الفكر للقاري ص ١٩١، واليواقيت والدرر ١/ ٢٧٠، وتوضيح الأفكار ص ٢٦ وما بعدها، وقواعد التحديث ص ١٤٦، وتوجيه النظر ١/ ١٠٨.\n(^٤) انظر تاج العروس - مادة «أحد» - ٧/ ٣٧٦.","vol":"1","page":399},{"text":"* المشهور (^١): لغةً: الشُّهرةُ هيَ: الانتشارُ والشُّيوعُ (^٢).\nاصطلاحًَا: مالَهُ طرقٌ محصورةٌ بأكثرَ من اثنينِ، ولمْ يبلغْ حدَّ التَّواترِ.\nالعزيزُ (^٣): لغةً: مِنْ «عزَّ يعُزُّ»، إذَا قويَ. أو منْ «عزَّ، يعِزُّ» إذَا قلَّ وندَرَ (^٤).\nاصطلاحًَا: ما لمْ يروِهِ أقلُّ من اثنينِ في جميعِ طبقاتِ السَّندِ.\n_________\n(^١) انظر في المشهور: معرفة علوم الحديث ص ٩٢، والمنهل الروي ص ٥٥، والشذا الفياح ٢/ ٤٣٤، والتقييد والإيضاح ١/ ٢٣٦، وفتح المغيث ٣/ ٢٨، والغاية في شرح الهداية ص ١٤١، وتدريب الراوي ٢/ ١٧٣، وشرح نخبة الفكر ص ١٩٢، واليواقيت والدرر ص ٢٥٠، وقواعد التحديث ص ١٢٤.\n(^٢) انظر لسان العرب - مادة «شهر» - ٤/ ٤٣١.\n(^٣) انظر في العزيز: مقدمة ابن الصلاح ١/ ٢٧٠، والاقتراح ص ٤٩، والمنهل الروي ص ٥٥، والنكت للزركشي ص ٥٧، والشذا الفياح ٢/ ٤٤٦، والتقييد والإيضاح ص ٢٧٣، وفتح المغيث ٣/ ٢٨، وتدريب الراوي ٢/ ١٨٠، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٠١.\n(^٤) انظر مختار الصحاح - مادة «ع ز ز».","vol":"1","page":400},{"text":"<span data-type='title' id=toc-110>المَطْلَبُ الثَّاني: حُكْمُ المُتَوَاتِرِ وَالمَشْهُورِ وَالعَزِيزِ وَالآَحَادِ:</span>\nالحديثُ المتواترُ لا يُشترطُ في رواتِهِ ما يُشترطُ في رجالِ الصَّحيحِ أو الحسنِ مِنَ العدالةِ والضَّبطِ، بلْ العبرةُ بكثرتِهِمْ كثرةً تجعلُ العقلَ يحكمُ باستحالةِ تواطئِهِمْ على الكذبِ.\nوأمَّا حديثُ الآحادِ - بمَا فيهِ العزيزُ والمشهورُ - فإنَّهُ يتبعُ حالَ المتنِ والإسنادِ مِنْ حيثُ القوَّةُ والضَّعفُ، فهوَ ينقسمُ مِنْ حيثُ القبولُ والرَّدُّ، إلى صحيحٍ وحسنٍ وضعيفٍ.\nحيثُ إنَّ تعدُّدَ الطُّرُقِ ليسَ دليلَ قوَّةٍ وصحَّةٍ، بلْ لا بُدَّ مِنْ وجودِ صفاتٍ تجعلُ هذهِ الأسانيدَ صحيحةً، أو صالحةً للتَّقوِّي ببعضِهَا، والاحتجاجِ بهَا.\nأمَّا منْ حيثُ الحجيَّةُ فالذي عليهِ جماهيرُ المسلمينَ مِنَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ فمنْ بعدَهُمْ مِنَ المحدِّثينَ والفقهاءِ وأصحابِ الأصولِ، أنَّ خبرَ الواحدِ الثقةِ حجَّةٌ، يجبُ العملُ بهِ (^١).\n_________\n(^١) وقد أفرد كثير من الأئمة أبوابًا في حجية الآحاد، وصنفت كتب في ذلك، منها: «الدلائل والشواهد على صحة العمل بخبر الواحد» للخطيب البغدادي. أشار إليه في الكفاية ص ٦٦، ومن الكتب المعاصرة: = = «خبر الواحد في التشريع الإسلامي وحجيته». تأليف: القاضي برهون - مكتبة أضواء السلف - الرياض - ط ٢ - ١٤١٩ هـ.","vol":"1","page":401},{"text":"<span data-type='title' id=toc-111>المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المُتَوَاتِرِ وَالآَحَادِ وَالمَشْهُورِ وَالعَزِيزِ:</span>\nذكرَ بعضُ أئمَّةِ الحديثِ بأنَّ المتواترَ لا يدخلُ في مصطلحِ الحديثِ، وليسَ منْ صناعةِ هذَا العلمِ، وعلَّلوا ذلكَ بأنَّ علمَ أصولِ الحديثِ يُبْحَثُ فيهِ عمَّا يُوصِلُ إلى صحَّةِ الحديثِ أو حُسنِهِ أو ضَعفِهِ، والمتواترُ لا يُحتَاجُ فيهِ إلى البحثِ، فالقوَّةُ فيهِ حاصلةٌ ضرورةً بالكثرةِ، وعلى ذلكَ فالعلمُ بهِ يشتركُ فيهِ العالمُ وغيرُهُ، والآحادُ لا يحصلُ إلَّا للعالمِ المتبحِّرِ فيهِ.\nإلَّا أنَّهُ ينبغي التَّنبُّهُ إلى أنَّ آليَّةَ التَّوصُّلِ لمعرفةِ المتواترِ مِنْ مهامِّ علماءِ الحديثِ، وسبيلُ ذلكَ السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ، فالمتواترُ مِنْ حيثُ إفادةُ القوَّةِ لا يدخلُ في هذَا العلمِ، وإنَّمَا يدخلُ فيهِ مِنْ جهةِ طُرقِ معرفتِهِ وهيئةِ التَّوصُّلِ إليهِ، لذَا فإنَّ ابنَ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» بيَّنَ عدمَ دخولِ المتواترِ في علمِ الإسنادِ في معرضِ كلامِهِ عنْ الفرقِ بينَ العلمِ الضَّروريِّ والعلمِ النَّظريِّ - وهذَا مبحثٌ منْ مباحثِ أصولِ الفقهِ - فقالَ: «وَإِنَّمَا أُبْهِمَتْ شُرُوطُ المُتَوَاتِرِ فِي الأَصْلِ، لِأَنَّهُ عَلَى هَذِهِ الكَيفِيَّةِ لَيسَ مِنْ مَبَاحِثِ عِلْمِ الإِسْنَادِ، إِذْ عِلْمُ الإِسْنَادِ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ صِحَّةِ الحَدِيثِ أَوْ ضَعْفِهِ؛ لِيُعْمَلَ بِهِ أَوْ يُتْرَكَ، مِنْ حَيثُ صِفَاتِ الرِّجَالِ وَصِيَغِ الأَدَاءِ. وَالمُتَوَاتِرُ لَا يُبْحَثُ عَنْ رِجَالِهِ، بَلْ يَجِبُ العَمَلُ بِهِ مِنْ غَيرِ بَحْثٍ» (^١).\nوأمَّا دخولُهُ في علمِ أصولِ الحديثِ مِنْ جهةِ الإسنادِ فقدْ بيَّنَ القاريُّ «ت ١٠١٤ هـ» في شرحِهِ لعبارةِ ابنِ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «الإِسْنَادُ: حِكَايَةُ طَرِيقِ المَتْنِ». رادًَّا شبهةَ لزومِ\n_________\n(^١) نزهة النظر ص ١٩٧.","vol":"1","page":402},{"text":"الدَّورِ (^١) مِنْ هذَا التَّعريفِ: «وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَنَّ الإِسْنَادَ تَبْيِينُ طَرِيقِ المَتْنِ أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ أَوْ آَحَادٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَالإِسْنَادُ حِكَايَةٌ عَنْ طَرِيقِ المَتْنِ» (^٢).\nوالآحادُ يدخلُ في هذَا العلمِ مِنَ الجهتينِ، فمعرفتُهُ تتمُّ بالسَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ، وقوَّتُهُ لا بدَّ فيهَا معَ السَّبرِ مِنْ تطبيقِ قواعدِ المحدِّثينَ لبيانِ صحَّتِهِ مِنْ ضعفِهِ.\nفالمتواترُ والآحادُ بأقسامِهِ: أنواعٌ للحديثِ مِنْ جهةِ تعدُّدِ الرُّواةِ معَ اتِّفاقِهِمْ، وكلُّ مَا كانَ مُستندُهُ العددَ، فالسَّبرُ هوَ الطَّريقُ الرَّئيسُ والأساسُ لكشفِهِ، قالَ أبو العبَّاسِ الطَّبريُّ «ت ٣٣٥ هـ»: «فَكَانَ فِي تَحَفُّظِ طُرُقِ الأَخْبَارِ مَا يَخْرُجُ بِهِ الخَبَرُ عَنْ حَدِّ الوَاحِدِ إِلَى حَدِّ الاِثْنَينِ، وَخَبَرِ الثَّلَاثَةِ وَالأَرْبَعَةِ، وَلَعَلَّهُ يَدْخُلُ فِي خَبَرِ الشَّائِعِ المُسْتَفِيضِ» (^٣).\nوقالَ الصَّنعانيُّ «ت ١١٨٢ هـ»: «وَتُعْرَفُ صِحَّةُ دَعْوَى التَّوَاتُرِ بِالبَحْثِ عَنْ طُرُقِ الأَحَادِيثِ، وَقَدْ يَحْصُلُ التَّوَاتُرُ لِبَاحِثٍ دُونَ بَاحِثٍ، لِأَنَّ المَدَارَ عَلَى كَثْرَةِ الاِطِّلَاعِ، وَلَيسَ النَّاسُ فِيهِ سَوَاءً» (^٤). فإذَا خلَا الحديثُ بعدَ السَّبِر مِنَ التَّعدُّدِ كانَ فردًَا أو غريبًَا، فإذَا عثرْنَا على طريقٍ أُخرى لهُ فهوَ العزيزُ، فإذَا تجاوزتِ الطُّرُقُ الاثنينِ فأكثرَ فهوَ المشهورُ، وإذَا بلغتِ الطرقُ كثرةً يستحيلُ معهَا التَّواطؤُ على الكذبِ عُدَّ الحديثُ متواترًَا، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «الحَدِيثُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ طُرُقُ أَسَانِيدَ بِلَا عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ مَعَ حَصْرٍ بِمَا فَوقَ الاِثْنَينِ أَوْ بِهِمَا، أَوْ بِوَاحِدٍ، فَالأَوَّلُ: المُتَوَاتِرُ … وَهوَ: عَدَدٌ كَثِيرٌ أَحَالَتِ العَادَةُ\n_________\n(^١) المقصود بالدور هنا: أن الحاصل من تعريف ابن حجر للإسناد يصير: الطريق حكاية الطريق.\n(^٢) شرح نخبة الفكر للقاري ١/ ١٦٠.\n(^٣) جزء في حديث أبي عمير ١/ ص ٣٤. وانظر تعليق ابن حجر على كلامه في فتح الباري ١٠/ ٥٨٥.\n(^٤) توضيح الأفكار ٢/ ٤١١.","vol":"1","page":403},{"text":"تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الكَذِبِ، وَالثَّانِي: المَشْهُورُ، وَالثَّالِثُ: العَزِيزُ، وَالرَّابِعُ: الغَرِيبُ. وَسِوَى الأَوَّلِ: آَحَادٌ …» (^١).\nوقدْ دلَّلَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» على كثرةِ التَّواترِ بتعدُّدِ طرقِ الأحاديثِ في المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ، وهيَ إشارةٌ منهُ للبحثِ عنِ المتواترِ في بطونِ هذهِ الكتبِ، فقالَ: «وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يُقَرَّرُ بِهِ كَونُ المُتَوَاتِرِ مَوجُودًَا وُجُودَ كَثْرَةٍ فِي الأَحَادِيثِ: أَنَّ الكُتُبَ الَمشْهُورَةَ المُتَدَاوَلَةَ بَينَ أَهْلِ العِلْمِ، المَقْطُوعَ بِصِحَّةِ نِسْبَتِهَا إِلَى مُصَنِّفِيهَا، إِذَا اجْتَمَعَتْ عَلَى إِخْرَاجِ حَدِيثٍ وَتَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ تَعَدُّدًَا تُحِيلُ العَادَةُ تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الكَذِبِ، أَفَادَ العُلْمُ اليَقِينِيُّ بِصِحَّةِ نِسْبَتِهِ إِلَى قَائِلِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الكُتُبِ المَشْهُورَةِ كَثِيرٌ» (^٢).\nوهوَ المنهجُ الذي اعتمدَهُ السُّيوطيُّ بتصنيفِهِ في الحديثِ المتواترِ، بيَّنَ ذلكَ في مقدِّمةِ كتابِهِ، فقالَ: «فَإِنِّي جَمَعْتُ كِتَابًَا، وَسَمَّيتُهُ: «الفَوَائِدُ المُتَكَاثِرَةُ فِي الأَخْبَارِ المُتَوَاتِرَةِ» أَورَدْتُ فِيهِ مَا رَوَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَشَرَةٌ فَصَاعِدًَا، مُسْتَوعِبًَا طُرُقَ كُلِّ حَدِيثٍ وَأَلْفَاظَهُ فِي كِتَابٍ حَافِلٍ» (^٣).\nوممَّا يُؤخذُ بعينِ الاعتبارِ عندَ السَّبرِ شرطُ العلماءِ بوجودِ عدَّةِ التَّواترِ في جميعِ طبقاتِ الحديثِ، فإذَا فُقِدَ هذَا الشَّرطُ في بعضِ طبقاتِهِ لا يُعدُّ متواترًَا، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «حَدِيثُ: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» لَيسَ مِنْ ذَلِكَ السَّبِيلِ، وَإِنْ نَقَلَهُ عَدَدُ المُتَوَاتِرِ وَزِيَادَةٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ طَرَأَ عَلَيهِ فِي وَسَطِ إِسْنَادِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي أَوَائِلِهِ» (^٤).\n_________\n(^١) نخبة الفكر ص ١.\n(^٢) نخبة الفكر وشرحها للقاري ص ١٨٨.\n(^٣) مخطوط في مكتبة الأزهر الشريف، وفيه ذكر أن اسم الكتاب «الفوائد المتكاثرة» واسم المختصر: «قطف الأزهار المتناثرة». وقد بين الشيخ أحمد شاكر أنه خطأ من السيوطي نفسه. انظر شرح ألفية السيوطي ص ٢٦ و٢٧.\n(^٤) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٦٧.","vol":"1","page":404},{"text":"وقالَ العراقيُّ «ت ٨٠٦ هـ»: «أَطْلَقَ بَعْضُهُمْ عَلَى الحَدِيثِ اسْمَ الشُّهْرَةِ، وَبَعْضُهُمْ اسْمَ التَّوَاتُرِ، وَلَا كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَرْدٌ، وَمَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ أَرَادَ الاِشْتِهَارَ وَالتَّوَاتُرَ فِي آَخِرِ السَّنَدِ،\nفَقَدْ قَالَ ابنُ المَدِينِيِّ: رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ سَبْعُمِائَةِ رَجُلٍ» (^١).\nومنْ أمثلةِ المتواترِ حديثُ: «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، فَأَدَّاهَا إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلُ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ».\nالحديثُ رواهُ عددٌ مِنَ الصَّحابةِ، منهمْ:\nعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ -﵁- عندَ التِّرمذيِّ «ر ٢٦٥٨» و«٢٦٥٧»، وابنِ ماجةَ «ر ٢٣٢»، وابنِ حبَّانَ «ر ٦٦»، والحميديِّ «ر ٨٨»، وأبي يعلى «ر ٢١٩»، والشَّاشيِّ «ر ٢٧٧» و«ر ٢٧٨».\nوابنُ عمرَ -﵁- في مسندِ الشَّاميِّينَ «ر ٥٠٨».\nوأبو سعيدٍ الخدريُّ -﵁- في مسندِ الشَّاميينَ أيضًَا «ر ١٣٠٢».\nوالنُّعمانُ بنُ بشيرٍ -﵁- في المستدركِ «ر ٢٩٧».\nوأنسُ بنُ مالكٍ -﵁- عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٣٣٧٤»، وابنِ ماجةَ «ر ٢٣٦».\nوجابرُ بنُ عبدِ اللهِ -﵁- عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٥٢٩٢».\nوجبيرُ بنُ مُطْعِمٍ -﵁- عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٦٧٨٤»، وابنِ ماجةَ «ر ٢٣١»، والدَّارِمِيِّ «ر ٢٧٧».\n_________\n(^١) طرح التثريب ٢/ ٥.","vol":"1","page":405},{"text":"وجَنْدَرَةُ بنُ خَيشَنَةَ -﵁- عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٣٠٧٢»، والصَّغيرِ «ر ٣٠٠».\nوربيعةُ بنُ عثمانَ التَّيميُّ -﵁- في معرفةِ الصَّحابةِ «ر ٢٧٧٧».\nوزيدُ بنُ ثابتٍ -﵁- عندَ ابنِ ماجةَ «ر ٢٣٠»، والدَّارِمِيِّ «ر ٢٢٩»، وابنِ حبَّانَ «ر ٦٨٠».\nوسعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ -﵁- عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٧٠٢٠».\nوعُميرُ بنُ قتادةَ اللَّيثيُّ -﵁- عندَ الطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ١٠٦».\nومعاذُ بنُ جبلٍ -﵁- عندَ أبي نُعيمٍ في المستخرجِ «ر ١٣»، والطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٦٧٨١».\nوعبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ -﵁- في المحدِّثِ الفاصلِ «ر ٩»، والحاكمِ في علومِ الحديثِ «ص ٢٦».\nوبشيرُ بنُ سعدٍ -﵁- عندَ الطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ١٢٢٤»، وتاريخِ أصبهانَ «ر ١٦٧١».\nوأبُو الدَّرداءِ -﵁- عندَ الدَّارِمِيِّ «ر ٢٣٠».\nوزيدُ بنُ خالدٍ الجُهنيُّ -﵁- في تاريخِ دمشقَ «ر ٢٥٢٢».\nهؤلاءِ هُمْ جملةُ الصَّحابةِ الذينَ تمخَّضَ عنهُمْ بحثِي، وهُمْ سبعةَ عشرَ صحابيًَّا -﵃-، وزادَ الكتَّانيُّ (^١) «ت ١٣٤٥ هـ» بقولِهِ: «وَرَدَ أَيضًَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيرَةَ، وَشَيبَةَ بْنِ عُثْمَانَ -﵃-.\n_________\n(^١) محمد بن جعفر بن إدريس، الكتاني، الحسني، الفاسي، أبو عبد الله، «١٢٧٤ هـ - ١٣٤٥ هـ»، محدث، مؤرخ، من تصانيفه: «نظم المتناثر في الحديث المتواتر»، و«الرسالة المستطرفة». الأعلام للزركلي ٦/ ٧٢.","vol":"1","page":406},{"text":"وَذَكَرَ ابْنُ مَنْدَةَ فِي تَذْكِرَتِهِ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ صَحَابِيًَّا، ثُمَّ سَرَدَ أَسْمَاءَهُمْ. نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي أَمَالِيهِ المُخَرَّجَةِ عَلَى مُخْتَصَرِ ابْنِ الحَاجِبِ الأَصْلِيِّ، وَفِي شَرْحِ المَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ، قَالَ الحَافِظُ: أَنَّهُ مَشْهُورٌ، وَعَدَّهُ بَعْضُهُمْ مِنَ المُتَوَاتِرِ، لِأَنَّهُ وَرَدَ عَنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ صَحَابِيًَّا، وَسَرَدَهُمْ. وَفِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ لِلسِّيُوطِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ أَنَّهُ وَارِدٌ عَنْ نَحْوِ ثَلَاثِينَ مِنْهُمْ» (^١).\nوبيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ المشهورِ، يكونُ منْ جهتينِ، بحسبِ ما ينقسمُ إليهِ:\nفالأوَّلُ: ما تقدَّمَ تعريفُهُ بناءً على تعدُّدِ طرقِهِ بأكثرَ منَ اثنينِ ولمْ يبلغْ حدَّ التَّواترِ، فمنهُ ما يستوي في معرفتِهِ الخاصُّ والعامُّ، ومنهُ ما معرفتُهُ خاصَّةٌ بأهلِ الصَّنعةِ مِنَ المحدِّثينَ، بالسَّبرِ والتَّتبعِ، قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ» في معرضِ كلامِهِ عنْ حديثِ أنسٍ -﵁-، في قنوتِ النَّبيِّ -ﷺ- ودعائِهِ على رِعْلٍ وَذَكْوَانَ: «وَأَمْثَالُ هذَا الحَدِيثِ أُلُوفٌ مِنَ الأَحَادِيثِ التِي لَا يَقِفُ عَلَى شُهْرَتِهَا غَيرُ أَهْلِ الحَدِيثِ وَالمُجْتَهِدِينَ فِي جَمْعِهِ وَمَعْرِفَتِهِ» (^٢).\nومنْ أمثلةِ المشهورِ حديثُ رِعْلٍ وَذَكْوَانَ آنفِ الذِّكرِ، نُبيِّنُ شُهرتَهُ مِنْ خلالِ السَّبرِ:\n* الحديثُ رواهُ عدَّةٌ مِنَ الصَّحابةِ منهُمْ:\nأنسٌ -﵁- عندَ البخاريِّ «ر ٩٥٨»، ومسلمٍ «ر ٦٧٧»، والنَّسائيِّ «ر ٦٥٧».\nوابنُ عبَّاسٍ -﵁- عندَ أبي داودَ «ر ١٤٤٣»، وابنِ حنبلٍ «ر ٢٧٤٦»، وابنِ خُزيمةَ «ر ٦١٨».\n_________\n(^١) نظم المتناثر ص ٣٣.\n(^٢) معرفة علوم الحديث ص ٩٢.","vol":"1","page":407},{"text":"وابنُ عمرَ -﵁- عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٦٠٩٢».\nوخُفَافُ بنُ إِيمَاءَ الغِفَاريُّ عندَ البيهقيِّ «ر ٢٩٢٠».\n* فإذَا عمدْنَا إلى حديثِ أنسٍ -﵁-، نجدُ أنَّهُ قدْ رواهُ عنه جمعٌ، منهُمْ:\nأبو مِجْلَزٍ (^١) عندَ البخاريِّ «ر ٩٥٨»، والنَّسائيِّ «ر ٦٥٧»، وابنِ حنبلٍ «ر ١٢١٧٢» وغيرِهِمْ.\nوَإسحاقُ بنُ عبدِ اللهِ بنُ أبي طلحةَ (^٢) عندَ البخاريِّ «ر ٢٦٥٩»، ومسلمٍ «ر ٦٧٧».\nوقتادةُ بنُ دعامةَ (^٣) عندَ البخاريِّ «ر ٢٨٩٩»، وابنِ حنبلٍ «ر ١٢٠٨٣»، والبيهقيِّ «ر ٢٩١٥».\nوعاصمُ بنُ سليمانَ (^٤) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٣٠٥٠»، والبيهقيِّ «ر ٢٩١٦».\n* وإذَا نظرْنَا إلى طريقِ قتادَةَ بنِ دِعامةَ السَّدوسيِّ، نجدُ أنَّهُ قدْ رواهُ عنهُ:\nشعبةُ بنُ الحجَّاجِ (^٥) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٣٩٨٤»، وأبي عوانةَ «ر ٢١٧٠».\nوسعيدُ بنُ أبي عروبة (^٦) عندَ البخاريِّ «ر ٢٨٩٩»، وابنِ حنبلٍ «ر ١٢٠٨٣».\nوهشامُ الدَّستوائيُّ (^٧) عندَ البخاريِّ «ر ٣٨٦١»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ٦٩٧٩».\n_________\n(^١) لاحق بن حميد بن سعيد السدوسي، أبو مِجلَز، «ت ١٠٩ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٤٩٠».\n(^٢) إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، أبو يحيى المدني، «ت ١٣٢ هـ»، ثقة حجة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٣٦٧».\n(^٣) قتادة بن دعامة بن قتادة، أبو الخطاب السدوسي، «ت ١١٠ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر القريب «ر ٥٥١٨».\n(^٤) عاصم بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصري، «ت ١٤٠ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٣٠٦٠».\n(^٥) تقدمت ترجمته ص ٢٤٨.\n(^٦) تقدمت ترجمته ص ٢٥٧.\n(^٧) تقدمت ترجمته ص ٢٥٧.","vol":"1","page":408},{"text":"* وقدْ رواهُ عنْ سعيدِ بنِ أبي عروبةَ:\nيزيدُ بنُ زُرَيعٍ (^١) عندَ البخاريِّ «ر ٣٨٦٣»، والبيهقيِّ «ر ٢٩١٥».\nوسهلُ بنُ يوسفَ (^٢) عندَ البخاريِّ «ر ٢٨٩٩».\nومحمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أبي عَديٍّ (^٣) عندَ البخاريِّ «ر ٢٨٩٩»، وابنِ حنبلٍ «ر ١٢٠٨٣».\nقالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «هَذَا حَدِيثٌ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحِ، وَلَهُ رُوَاةٌ عَنْ أَنَسٍ غَيرُ أَبِي مِجْلَزٍ وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ غَيرُ التَّيمِيِّ، وَرَوَاهُ عَنِ التَّيمِيِّ غَيرُ الأَنْصَارِيِّ، وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ غَيرُ أَهْلِ الصَّنْعَةِ، فَإِنَّ الغَيرَ إِذَا تَأَمَّلَهُ يَقُولُ: سُلَيمَانُ التَّيمِيُّ هُوَ صَاحِبُ أَنَسٍ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَنَسٍ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ الحَدِيثَ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ، وَلَهُ عَنْ قَتَادَةَ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ، وَلَا يَعْلَمُ أَيضًَا أَنَّ الحَدِيثَ بِطُولِهِ فِي ذِكْرِ العُرَنِيِّينَ يُجْمَعُ وَيُذَاكَرُ بِطُرُقِهِ» (^٤).\nوالثَّاني: ما اشتهرَ بالنَّظرِ إلى الأوساطِ التي يذيعُ فيهَا وينتشرُ، فقدْ يُطلقُ المشهورُ على ما ذاعَ بينَ أهلِ الحديثِ وغيرِهِمْ مِنَ العُلمَاءِ، وقدْ يُطلقُ على ما اشتهرَ على ألسنةِ النَّاسِ، وأهميَّةُ السَّبرِ في ذلكَ هوَ تمييزُ مالَهُ أصلٌ ممَّا لا أصلَ لهُ، وبيانُ درجتِهِ إنْ كانَ لهُ أصلٌ مِنْ صحَّةٍ أو حسنٍ أو ضعفٍ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» مبيِّنًَا منهجَهُ في مقدِّمةِ المقاصدِ:\n_________\n(^١) يزيد بن زريع البصري، أبو معاوية، «ت ١٨٢ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٧١٣».\n(^٢) سهل بن يوسف الأنماطي، البصري، «ت ١٩٠ هـ»، ثقة، رمي بالقدر، أخرج له «بخ ٤». انظر التقريب «ر ٢٦٦٩».\n(^٣) تقدمت ترجمته ص ٢٧٩.\n(^٤) معرفة علوم الحديث ص ٩٣.","vol":"1","page":409},{"text":"«فَهَذَا كِتَابٌ … أُبَيِّنُ فِيهِ بِالعَزْوِ وَالحُكْمِ المُعْتَبَرِ، مَا عَلَى الأَلْسِنَةِ اشْتَهَرَ، مِمَّا يُظَنُّ إِجْمَالًَا أَنَّهُ مِنَ الخَبَرِ وَلَا يَهْتَدِي لِمَعْرِفَتِهِ إِلَّا جَهَابِذَةُ الأَثَرِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ فِيهِ شَيءٌ مَرْفُوعٌ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي المَوقُوفِ أَوِ المَقْطُوعِ، وَرُبَّمَا لَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى أَصْلٍ أَصْلًَا» (^١).\nوقالَ العجلونيُّ (^٢) في مقدِّمةِ كشفِ الخفاءِ «ت ١١٦٢ هـ»: «وَأَنُصُّ فِي هَذَا المَجْمُوعِ عَلَى بَيَانِ الحَدِيثِ مِنْ غَيرِهِ، وَتَمْيِيزِ المَقْبُولِ مِنْهُ السَّالِمِ مِنْ غَيرِهِ» (^٣).\nوكتبُ الأحاديثِ المشتهرةِ على ألسنةِ النَّاسِ حافلةٌ بأمثلةٍ مستفيضةٍ عَنِ المشهورِ على ألسنةِ النَّاسِ، إلَّا أنَّ كتابَ السَّخاويِّ أوسعُ، لإيرادِهِ طرقَ الأحاديثِ، واكتفى العجلونيُّ بإيرادِ المخرِّجينَ للحديثِ معَ الحكمِ عليهِ.\nوالعزيزُ - كمَا بيَّنَا سابقًَا - في تعريفِهِ أَنَّهُ سُمِّيَ عزيزًَا لكونِهِ عزَّ، أي: قويَ بمجيئِهِ مِنْ طريقٍ أُخرى، فالسَّبرُ يُمكِّنُنَا مِنْ معرفةِ العزيزِ، وإخراجِهِ عَنْ حدِّ التَّفرُّدِ أو الغرابةِ، وتقويتِهِ مِنْ طريقٍ أُخرى إِنْ كانتْ صالحةً لذلكَ، ومثالُ ذلكَ حديثُ أنسٍ -﵁- وأبي هريرةَ -﵁-، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».\n* الحديثُ رواهُ أبو هريرةَ -﵁- عندَ البخاريِّ «ر ١٤»، وابنِ حنبلٍ «ر ١١٧٤٦».\n_________\n(^١) المقاصد الحسنة ص ٢، وقد طبع في دار الكتاب العربي - بيروت - ١٤٢٥ هـ - بتحقيق: عثمان الخشت.\n(^٢) إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي الجراحي، العجلوني، الدمشقي، أبو الفداء، «١٠٨٧ هـ - ١١٦٢ هـ»، محدث الشام، من تصانيفه: «كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس»، و«عقد الجوهر الثمين»، و«شرح الحديث المسلسل بالشاميين». انظر الأعلام للزركلي ١/ ٣٢٥.\n(^٣) كشف الخفاء ١/ ٦. طبع الكتاب في مؤسسة الرسالة - بيروت - ١٤٠٥ هـ - ط ٤ - تحقيق: أحمد القلاش.","vol":"1","page":410},{"text":"وأنسُ بنُ مالكٍ -﵁- عندَ البخاريِّ «ر ١٥»، ومسلمٍ «ر ٤٤»، والنَّسائيِّ «ر ١١٧٤٤».\n* وروى الحديثَ عنْ أنسٍ -﵁-:\nقتادةُ بنُ دِعامةَ السَّدوسيُّ عندَ البخاريِّ «ر ١٥»، ومسلمٍ «ر ٤٤»، والنَّسائيِّ «ر ١١٧٤٤».\nوعبدُ العزيزِ بنِ صُهيبٍ (^١) عندَ البخاريِّ «ر ١٥»، ومسلمٍ «ر ٤٤»، والنَّسائيِّ «ر ١١٧٤٥».\n* وروى الحديثَ عنْ عبدِ العزيزِ بنِ صهيبٍ كُلٌّ مِنْ:\nإسماعيلُ بنِ عُلَيَّةَ (^٢) عندَ البخاريِّ «ر ١٥»، ومسلمٍ «ر ٤٤».\nوعبدُ الوارثِ بنِ سعيدٍ (^٣) عندَ مسلمٍ «ر ٤٤»، والنَّسائيِّ «ر ١١٧٤٥».\n* ورواهُ عَنْ عبدِ الوارثِ بنِ سعيدٍ كُلٌّ مِنْ:\nشيبانُ بنِ أبي شيبةَ (^٤) عندَ مسلمٍ «ر ٤٤».\nوعمرانُ بنِ موسى (^٥) عندَ النَّسائيِّ «ر ١١٧٤٥».\nوكلُّ مَا بيَّنتُهُ مِنْ سبرٍ في الأمثلةِ السَّابقةِ إِنَّمَا هوَ على سبيلِ البيانِ لا على سبيلِ الاستيعابِ، فاستيعابُ طرقِ كلِّ حديثٍ يحتاجُ لأجزاءٍ مستقلَّةٍ.\n* * *\n_________\n(^١) عبد العزيز بن صهيب البناني، البصري، «ت ١٣٠ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤١٠٢».\n(^٢) إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، أبو بشر المصري، المشهور ب «ابن علية»، «ت ١٩٣ هـ»، ثقة حافظ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤١٦».\n(^٣) عبد الوارث بن سعيد العنبري، أبو عبيدة، «ت ١٨٠ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٢٥١».\n(^٤) شيبان بن فروخ «أبي شيبة» الحبطي، أبو محمد الأبلي، «ت ٢٣٥ هـ»، وثقه ابن حنبل ومسلمة، وقال أبو زرعة والسَّاجي: «صدوق». وقال ابن حجر: «صدوق يهم». أخرج له «م د س». انظر التهذيب «ر ٦٣٩»، والتقريب «ر ٢٨٣٤».\n(^٥) عمران بن موسى القزاز، أبو عمرو البصري، «ت ٢٤٠ هـ»، وثقه النسائي ومسلمة بن قاسم والدارقطني، وقال النسائي في موضع آخر: «لا بأس به». وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر: «صدوق». أخرج له «ت س جه». انظر الجرح والتعديل «ر ١٦٩٦»، والثقات «ر ١٤٦٥٣»، وتهذيب الكمال «ر ٤٥٠٦»، والتهذيب «ر ٢٤٥»، والتقريب «ر ٥١٧٢».","vol":"1","page":411},{"text":"<span data-type='title' id=toc-112>المَبْحَثُ الرَّابِعَ عَشَرَ: تَعْيِينُ المُبْهَمِ وَتَمْيِيزُ المُهْمَلِ فِي الإِسْنَادِ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-113>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُبْهَمِ والمُهْمَلِ، وَالفَرْقُ بَينَهُمَا:</span>\nالمُبْهَمُ (^١): لغةً: اسمُ مفعولٍ مِنَ الإبهامِ: هوَ الإخفاءُ وعدمُ البيانِ (^٢).\nاصطلاحًَا: معرفةُ اسمِ مَنْ أُغفِلَ ذكرُ اسمِهِ في الحديثِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ.\nالمُهْمَلُ (^٣): لغةً: المتروك (^٤).\nاصطلاحًَا: أنْ يرويَ الرَّاوي عَنْ شخصينِ مُتَّفقينِ في الاسمِ فقطْ، أو معَ اسمِ الأبِ، أو نحوِ ذلكَ، ولمْ يتميَّزَا بمَا يَخُصُّ كلَّ واحدٍ منهُمَا (^٥).\nوالفرقُ بينَ المبهمِ والمُهملِ ذكرَهُ القاريُّ «ت ١٠١٤ هـ»، فقالَ: «الرَّاوِي إِذَا لَمْ يُسَمَّ ك «رَجُلٍ» يُسَمَّىْ مُبْهَمًَا، وَإِنْ ذُكِر مَعَ عَدَمِ تَمْيِيزٍ فَهُوَ المُهْمَلُ» (^٦).\n_________\n(^١) انظر في المبهم: مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٣٧٥، ورسوم التَّحديث ص ١٥٥، والشَّذا الفيَّاح ٢/ ٧٠٣، والمقنع في علوم الحديث ٢/ ٦٣٢، والتقييد والإيضاح ص ٤٢٧، وشرح التَّبصرة والتَّذكرة ص ٢٧٠، وفتح المغيث ٣/ ٣٠١، والتَّوضيح الأبهر ص ١٠٤، والغاية في شرح الهداية ص ٢٥٧، وتدريب الرَّاوي ٢/ ٣٤٢، وشرح نخبة الفكر للقاري ص ٥١١، واليواقيت والدُّرر ٢/ ١٣٦. ومن الكتب المهمة والمصنفة في المبهمات: كتاب المستفاد من مبهمات المتن والإسناد - للحافظ العراقي «ت ٨٢٦ هـ» - تحقيق: الدكتور عبد الرحمن عبد الرحيم البر - دار الوفاء - مصر - المنصورة - ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n(^٢) انظر مختار الصحاح - مادة «ب هـ م»، والقاموس المحيط - مادة «بهم».\n(^٣) انظر في المهمل: فتح المغيث ٣/ ٢٨٠ وما بعده، وقفو الأثر في صفوة علوم الأثر ص ١٠٤، واليواقيت والدرر ٢/ ٢٦٧، ومقال «البيان والتبيين لضوابط ووسائل تمييز الرواة المهملين» - مجلة جامعة أم القرى - العدد ٢٠ - ١٤٢١ هـ - د. محمد بن تركي التركي.\n(^٤) انظر لسان العرب - مادة «همل» ١١/ ٧١٠.\n(^٥) تيسير مصطلح الحديث - د. محمود الطحان - ص ١١٤.\n(^٦) شرح نخبة الفكر للقاري ص ٢٩٣.","vol":"1","page":412},{"text":"<span data-type='title' id=toc-114>المَطْلَبُ الثَّاني: أَقْسَامُ المُبْهَمَاتِ:</span>\nقسَّمَهُ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» أقسامًَا بحسبِ نوعِ الإبهامِ، وهيَ كمَا يأتي:\n١ - ما قيلَ فيهِ: «رجلٌ» أو «امرأةٌ»، وهوَ مِنْ أبهمِهَا.\n٢ - ما أُبهمَ بأنْ قيلَ: «ابنٌ أو ابنةُ فلانٍ» أو «ابنُ الفلانيُّ».\n٣ - عمُّ فلانٍ أو عمَّتُهُ.\n٤ - زوجُ فلانةٍ، أو زوجةُ فلانٍ (^١).\nويمكنُنَا تقسيمُ الإبهامِ بحسبِ موضعِهِ إلىْ قسمينِ:\n١ - الإبهامُ في السَّندِ.\n٢ - الإبهامُ في المتنِ (^٢).\n_________\n(^١) مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٣٧٥.\n(^٢) وسيأتي الحديث عليه في مبحث «أثرُ السَّبرِ في المتنِ». انظر ص","vol":"1","page":413},{"text":"<span data-type='title' id=toc-115>المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي تَعْيِينِ المُبْهَمِ وَتَمْيِيزِ المُهْمَلِ فِي الإِسْنَادِ:</span>\nقبلَ أنْ نبدأَ الكلامَ علىْ أثرِ السَّبرِ في تعيينِ المبهمِ وتمييزِ المهملِ، لا بُدَّ مِنْ بيانِ أهميَّةِ ذلكَ في الإسنادِ، أمَّا تعيينُ المبهمِ فقدْ قالَ أبو زُرعةَ العراقيُّ «ت ٨٢٦ هـ»: «وَأَمَّا مُبْهَمَاتُ الإِسْنَادِ فَلَا يَخْفَىْ شِدَّةُ الاِحْتِيَاجِ إِلَىْ مَعْرِفَتِهَا، لِتَوَقُّفِ الاِحْتِجَاجِ بِالحَدِيثِ عَلَىْ مَعْرِفَةِ أَعْيَانِ رُوَاتِهِ [وَأَحْوَالِهِمْ]» (^١). هذَا إذَا كانَ المبهمُ مِنْ غيرِ الصَّحابةِ، لأنَّ الصَّحابةَ عدولٌ كلُّهُمْ، ولا تقدحُ بهِمُ الجهالةُ، إلَّا أنَّ معرفةَ المبهمِ إذَا كانَ صحابيًَّا مِنَ الأهميَّةِ بمكانٍ، بيَّنَ ذلكَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» فقالَ: «مِنْ فَوَائِدِهِ: أَنْ يَكُونَ المُبْهَمُ سَائِلًَا عَنْ حُكْمٍ عَارَضَهُ حَدِيثٌ آَخَرُ، فَيُسْتَفَادُ بِمَعْرِفَتِهِ النَّسْخُ وَعَدَمُهُ، إِنْ عُرِفَ زَمَانُ إِسْلَامِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ، وَكَانَ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ قِصَّةٍ شَاهَدَهَا وَهُوَ مُسْلِمٌ» (^٢).\nوأمَّا تمييزُ المهملِ: فتظهرُ فائدتُهُ فيمَا إذَا كانَ أحدُهُمَا ثقةً والآخرُ ضعيفًَا، فتعيينُ الرَّاوي وتمييزُهُ عَنْ غيرِهِ أساسٌ لبيانِ حالِهِ، وفي حالِ كونِهِمَا ثقتينِ فلا يضرُّ الإهمالُ بصحَّةِ الحديثِ، لأنَّهُ صحيحٌ عنهُمَا، وكذلكَ للأمنِ مِنَ اللَّبسِ بجعلِ الواحدِ اثنينِ.\nوتعيينُ المبهمِ وتمييزُ المهملِ يحصلُ بمَا يأتي:\n_________\n(^١) المستفاد من مبهمات المتن والإسناد ١/ ٩٢. وما بين معقوفتين من إدراج الكاتب لأن الاحتجاج يتوقف على معرفة عين وحال الراوي، ولا يكتفى بمجرد معرفة عينه. انظر كلام ابن كثير في علوم الحديث ٢/ ٦٥٢.\n(^٢) فتح المغيث ٣/ ٣٠١.","vol":"1","page":414},{"text":"أوَّلًَا: السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ:\nقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِوُرُودِهِ مُسَمَّىً فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ» (^١). وهوَ العمدةُ في معرفتِهِ (^٢)، وقالَ ابنُ كثيرٍ (^٣) «ت ٧٧٤ هـ»: «وَأَهَمُّ مَا فِيهِ مَا رَفَعَ إِبهَامًَا فِي إِسْنَادٍ، كَمَا إِذَا وَرَدَ فِي سَنَدٍ: عَنْ فُلَانِ بنِ فُلَانٍ، أَوْ عَنْ أَبِيهِ، أَوْ عَمِّهِ، أَوْ أُمِّهِ، فَوَرَدَتْ تَسْمِيَةُ هَذَا المُبْهَمِ مِنْ طَرِيقٍ أُخرَىْ، فَإِذَا هُوَ ثِقَةٌ أَوْ ضَعِيفٌ أَوْ مِمَّنْ يُنْظَرُ فِي أَمْرِهِ، فَهَذَا أَنْفَعُ مَا فِي هَذَا النَّوعِ» (^٤).\nلذَا قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «لَا يَنْبَغِي الحُكْمُ بِالاِنْقِطَاعِ وَلَا بِجَهَالَةِ الرَّاوِي المُبْهَمِ بِمُجَرَّدِ الوُقُوفِ عَلَىْ طَرِيقٍ كَذَلِكَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الإِمْعَانِ فِي التَّفْتِيشِ لِئَلَّا يَكُونَ مُتَّصِلًَا وَمُعَيَّنًَا فِي طَرِيقٍ آَخَرَ» (^٥).\nمثالُ ذلكَ حديثُ: «إِنَّمَا جُعِلَ الاِسْتِئْذَانُ لِأَجْلِ النَّظَرِ».\n* الحديثُ أخرجَهُ أبو داودَ «ر ٥١٧٥» مِنْ طريقِ الأعمشِ (^٦)، عنْ طلحةَ بنِ مُصَرِّفٍ، عنْ رجلٍ، عنْ سعدِ بنِ عبادةَ -﵁-.\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح ص ٣٧٥.\n(^٢) ذكره الجعبريُّ في رسوم التحديث ص ١٥٥.\n(^٣) إسماعيل بن عمر بن كثير، القرشي، البصري، الدمشقي، أبو الفداء، عماد الدين، «٧٠١ هـ - ٧٧٤ هـ» المحدث، المفسر، والمؤرخ، من كتبه: «البداية والنهاية»، و«اختصار علوم الحديث»، و«التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل». انظر معجم المحدثين ص ٧٤، وذيل تذكرة الحفاظ ص ٧٥، وطبقات الحفاظ ص ٥٣٤.\n(^٤) علوم الحديث ٢/ ٦٥٢.\n(^٥) فتح المغيث ١/ ١٨.\n(^٦) تقدمت ترجمته ص ٢٤٩.","vol":"1","page":415},{"text":"* وأخرجَهُ أبو داودَ أيضًَا «ر ٥١٧٤»، وابنُ أبي شيبةَ «ر ٢٦٢٣٤» مِنْ طريقِ الأعمشِ، عنْ طلحةَ بنِ مُصرِّفٍ، عنْ هُزيلِ بنِ شُرحبيلَ، أنَّ رجلًَا.\n* وأخرجَهُ البيهقيُّ «ر ١٧٤٣٩» مِنْ طريقِ الأعمشِ نفسِهِ، لكنَّهُ ذكرَ أنَّ الرَّجلَ الذي روىْ عنهُ هُزَيلٌ، هوَ سعدُ بنُ عبادةَ.\nوتابعَهُ علىْ ذلكَ منصورُ بنُ المعتمرِ (^١)، عندَ البخاريِّ في الأدبِ «ر ٢٣»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٥٣٨٦»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ٢٦٢٣٢».\nفبمجموعِ هذِهِ الطُّرقِ تعيَّنَ الرَّجلُ المبهمُ الذي روىْ عنهُ طلحةُ بنُ مُصرِّفٍ، وهوَ هُزيلُ بنُ شُرحبيلَ، وتعيَّنَ الرَّجلُ المبهمُ الذي روىْ عنهُ هزيلٌ، وهوَ سعدُ بنُ عبادةَ -﵁-.\nقالَ ابنُ دقيقِ العيدُ «ت ٧٠٢ هـ»: «فَيَظْهَرُ مِنَ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّ الرَّجُلَ المُبْهَمَ فِيهَا هُوَ هُزَيلُ المُبَيَّنُ فِي الأُولَىْ، وَأَنَّهُ يَرْوِيهِ عَنْ سَعْدٍ» (^٢).\nوقالَ أبو زرعةَ العراقيُّ «ت ٨٢٦ هـ»: «هُوَ هُزَيلُ ابْنُ شُرَحْبِيلَ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُبْهَمًَا وَمُبَيَّنًَا» (^٣).\n* وأمَّا المهملُ، فقدْ قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَيَتَبَيَّنُ المُهْمَلُ وَيَزُولُ الإِشْكَالُ عِنْدَ أَهْلِ المَعْرِفَةِ بِالنَّظَرِ فِي الرِّوَايَاتِ، فَكَثِيرًَا مَا يَاتِي مُمَيَّزًَا فِي بَعْضِهَا» (^٤).\n_________\n(^١) تقدمت ترجمته ص ٢٤٨.\n(^٢) الاقتراح ص ١٠٩.\n(^٣) المستفاد من مبهمات المتن والإسناد ٣/ ١٤٢٨/ ر ٥٦٦.\n(^٤) فتح المغيث ٣/ ٢٨١.","vol":"1","page":416},{"text":"إلا أنَّ تمييزَ المهملِ مِنْ هذَا الطَّريقِ ليسَ هوَ العمدةُ، بلْ لا بدَّ منْ قرائنَ أخرىْ تُقوِّي الظَّنَّ بتمييزِهِ وتقييدِهِ.\nومثالُ ذلكَ الرِّوايةُ الآنفةُ: «إِنَّمَا جُعِلَ الاِسْتِئْذَانُ لِأَجْلِ النَّظَرِ»، فقدْ وردَ سعدٌ مهملًا في روايةِ أبي داودَ، ممَّا أشكلَ بينَ سعدِ بنِ عبادةَ -﵁- وسعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ -﵁-، لكنَّ الرِّواياتِ تواطأتْ علىْ أنَّهُ سعدُ بنُ عبادةَ -﵁-، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَسَعْدُ هَذَا لَمْ يُنْسَبْ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَنُسِبَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، فَوَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ: جَاءَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ -﵁-، وَأَورَدَ ابنُ عَسَاكِرٍ هَذَا الحَدِيثَ فِي الأَطْرَافِ فِي تَرْجَمَةِ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁-، واللهُ أعلمُ» (^١).\nومنْ ذلكَ أيضًَا، ما رواهُ البخاريُّ، قالَ: حدَّثنَا إبراهيمُ، أخبرنَا الوليدُ، حدَّثنَا الأوزاعيُّ، سمعَ عطاءً يُحدِّثُ عنْ جابرٍ -﵁-: «أَنَّ إِهْلَالَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مِنْ ذِي الحُلَيفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ».\nقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَإِبْرَاهِيمُ شَيخُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَقَعَ مُهْمَلًَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَىْ الرَّازِيُّ، وَهُوَ الحَافِظُ المَعْرُوفُ بِالفَرَّاءِ الصَّغِيرِ» (^٢).\n_________\n(^١) فتح الباري ١/ ٣٣١.\n(^٢) المصدر ذاته ٣/ ٣٨٠. وانظر البخاري «ر ١٤٤٤».","vol":"1","page":417},{"text":"ثانيًَا: تنصيصُ أهلِ العلمِ علىْ تعيينهِ:\nقالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَيُعْرَفُ تَعْيِينُ المُبْهَمِ بِالتَّنْصِيصِ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَنَحْوِهِمْ إِنْ اتَّفَقَتِ الطُّرُقُ عَلَىْ الإِبْهَامِ» (^١). ومظانُّ ذلكَ فصولُ المبهماتِ مِنْ كتبِ الرِّجالِ، والشُّروحُ الحديثيَّةُ، والمُصنَّفاتُ المفردةُ في المبهماتِ، مِنْ أهمِّهَا وأجمعِهَا: «المستفادُ منْ مبهماتِ المتنِ والإسنادِ» (^٢) للحافظِ وليِّ الدِّينِ أحمدِ العراقيِّ «ت ٨٢٦ هـ»، جمعَ فيهِ بينَ تصانيفِ مَنْ قبلهُ في ذلكَ مع زيادات جمة (^٣).\n* وكذلكَ تمييزُ المهملِ يُعلمُ بتنصيصِ الأئمَّةِ علىْ تمييزِهِ، فقدْ يذكرُ المصنِّفُ الرَّاويَ باسمِهِ، ثمَّ يُميِّزُهُ عنْ غيرِهِ بكنيةٍ أو لقبٍ أو غيرِ ذلكَ، ومثالُهُ في صحيحِ البخاريِّ كثيرٌ، فنجدُهُ يذكرُ إبراهيمَ في عدَّةِ مواطنَ، ثمَّ يقولُ: «إبراهيمُ: هوَ ابنُ طَهمَانَ» وفي موضعٍ آخرَ «إبراهيمُ: هوَ ابنُ سعدٍ» وفي موضعٍ ثالثٍ «إبراهيمُ: هوَ التَّيميُّ» (^٤).\nومنَ المصنَّفاتِ في المهملِ: «تقييدُ المهملِ وتمييزُ المشكِلِ»، لأبي عليٍّ الجيانيِّ «ت ٤٩٨ هـ» (^٥).\n_________\n(^١) فتح المغيث ٣/ ٣٠١ «بتصرف يسير».\n(^٢) طبع في دار الوفاء - القاهرة - ط ١ - ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م - تحقيق: د. عبد الرحمن عبد الحميد البر.\n(^٣) جمع فيه الكتب الآتية: «الأسماء المبهمة» للخطيب، و«الإشارات» للنووي، و«غوامض الأسماء المبهمة» لابن بشكوال، و«إيضاح الإشكال» لابن طاهر المقدسي.\n(^٤) انظر المواضع في البخاري - طبعة دار طوق النجاة - على الترتيب «ر ٤٣٧١» - «ر ٤٤٠٩» - «ر ٧٤٢٤».\n(^٥) طبع في دار عالم الفوائد - مكة المكرمة - ١٤٢١ هـ - ط ١ - اعتناء: علي محمد العمران، ومحمد عزيز شمس.","vol":"1","page":418},{"text":"وثمَّةَ طرقٌ أُخرىْ لتمييزِ المهملِ، بيَّنَهَا السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»، بعدَ أنْ ذكرَ طريقَ السَّبرِ وجمعِ الطُّرُقِ، فقالَ: «أَوْ بِاخْتِصَاصِ الرَّاوِي بِأَحَدِهِمَا، إِمَّا بِأَنْ لَمْ يَرْوِ إِلَّا عَنْهُ فَقَطْ، أَوْ بِأَنْ يَكُونَ مِنَ المُكْثِرِينَ عَنْهُ المُلَازِمِينَ لَهُ دُونَ الآَخَرِ، أَوْ بِكَونِهِ كَمَا أُشِيرِ إِلَيهِ فِي مَعْرِفَةِ أَوطَانِ الرُّوَاةِ: بَلَدِيُّ شَيخِهِ أَوْ الرَّاوِي عَنْهُ إِنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالرِّحْلَةِ، فَإِنَّ بِذَلِكَ وَبِالذِي قَبْلَهُ يَغْلِبُ عَلَىْ الظَّنِّ تَبَيُّنُ المُهْمَلِ، وَمَتَىْ لَمْ يَتَبَيَّنْ ذَلِكَ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، أَوْ كَانَ مُخْتَصًَّا بِهِمَا مَعًَا فَإِشْكَالُهُ شَدِيدٌ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَىْ القَرَائِنِ وَالظَّنِّ الغَالِبِ، قَالَ ابنُ الصَّلَاحِ: \"وَقَدْ يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ فِي حَالِ الرَّاوِي وَالمَرْوِيِّ عَنْهُ، وَرُبَّمَا قَالُوا فِي ذَلِكَ بِظَنٍّ لَا يَقْوَىْ\"» (^١).\nوبذلكَ نخلصُ إلىْ أنَّ العمدةَ في تعيينِ المبهمِ هوَ السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ، ويُميَّزُ المهملُ بالسَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ، لكنْ لا بدَّ فيهِ مِنْ قرائنَ تُقوِّي الظَّنَّ بتمييزِهِ وتقييدِهِ.\n* * *\n_________\n(^١) فتح المغيث ٣/ ٢٨١.","vol":"1","page":419},{"text":"<span data-type='title' id=toc-116>المَبْحَثُ الخَامِسَ عَشَرَ: مَعْرِفَةُ التَّصْحِيفِ وَالتَّحْرِيفِ فِي الإِسْنَادِ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-117>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ التَّصْحِيفِ وَالتَّحْرِيفِ فِي الإِسْنَادِ:</span>\n* المصحَّفُ (^١): لغةً: تغييرُ اللَّفظِ، صحَّفَهُ فتصحَّفَ، أي: غيَّرهُ فتغيَّرَ. ومأخوذٌ مِنَ الخطأِ في الصَّحيفةِ (^٢).\nاصطلاحًَا: التَّصحيفُ: هوَ تغييرٌ في نَقْطِ الحروفِ أو حركاتِهَا معَ بقاءِ صورةِ الخطِّ.\n* وأمَّا المحرَّفُ: فلمْ يفرِّقِ المتقدِّمونَ بينَهُ وبينَ المصحَّفِ، إلَّا أنَّ الحافظَ ابنَ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» فرَّقَ بينَهُمَا، حيثُ قالَ: «إِنْ كَانَتِ المُخَالَفَةُ بِتَغْيِيرِ حَرفٍ أَوْ حُرُوفٍ مَعَ بَقَاءِ صُورَةِ الخَطِّ فِي السِّيَاقِ، فَالمُصَحَّفُ فِي النَّقْطِ، وَالمُحَرَّفُ فِي الشَّكْلِ» (^٣).\nويحصلُ التَّصحيفُ والتَّحريفُ بسببِ الوهمِ والخطأِ، والخلطِ بينَ المتشابِهِ، وبينَ ما هوَ مؤتلفٌ ومختلفٌ، وما كانَ مِنَ المتَّفقِ والمفترقِ، قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ» في ذكرِهِ للمتشابهِ: «وَمَنْ لَمْ يَاخُذْ هَذَا العِلْمَ مِنْ أَفْوَاهِ الحُفَّاظِ المُبَرِّزِينَ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيهِ التَّصْحِيفُ فِيهَا» (^٤).\n_________\n(^١) انظر في المصحَّف والمحرَّف: مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٢٧٩، واليواقيت والدُّرر ٢/ ١٠٤، وتوجيه النَّظر ٢/ ٥٩٢، وشرح نخبة الفكَر للقاري ١/ ٤٤٨، والشَّذا الفيَّاح ٢/ ٤٦٧.\n(^٢) انظر لسان العرب - مادة «صحف» - ٩/ ١٨٧، وقواعد التحديث ص ١٢٦.\n(^٣) نخبة الفكر ص ٢٣٠ «بتصرف يسير».\n(^٤) معرفة علوم الحديث ص ٢٢١.","vol":"1","page":420},{"text":"لذَا وعندَ الكلامِ على التَّصحيفِ والتَّحريفِ لا بُدَّ منْ الإشارةِ إلى هذهِ الأنواعِ بالتَّعريفِ والبيانِ.\nأولًا: المتشابهُ: لغةً: مِنَ التَّشابُهِ، بمعنى: التَّماثُلِ، ويُرادُ بهِ هنَا: الملتبِسُ.\nاصطلاحًا: أنْ يتَّفقَ اسمُ شخصينِ أو كنيتُهُمَا التي عُرفَا بهَا، ويوجدُ في نسبِهِمَا أو نسبتِهِمَا الاختلافُ والائتلافُ الآتي بيانُهُ، أو على العكسِ، بأنْ تختلفَ وتأتلفَ أسماؤُهُمَا، وتتَّفقَ نسبتُهُمَا أو نسبُهُمَا اسمًا أو كنيةً.\nفهوَ يتركَّبُ منَ المؤتلفِ والمختلفِ، والمتَّفقِ والمفترقِ.\nثانيًا: المؤتلفُ والمختلفُ: لغةً: الائتلافُ: بمعنى الاجتماعِ والتَّلاقي.\nالاختلافُ: ضدُّ الاتِّفاقِ (^١).\nاصطلاحًَا: ما تتَّفقُ في الخطِّ صورتُهُ، وتختلفُ في النُّطقِ والتَّلفُّظِ صيغتُهُ.\nثالثًا: المتَّفقُ والمفترقُ: أمَّا معناهُ اللغويُّ فبيِّنٌ.\nوفي اصطلاحِ المحدِّثينَ: وهوَ مَا يتَّفقُ لفظًَا وخطًَّا، ويفترقُ عينًَا.\nوقدْ يكونُ الاتِّفاقُ بينَهُم بالاسمِ واسمِ الأبِ والجدِّ، وغيرِ ذلكَ (^٢).\n_________\n(^١) انظر لسان العرب مادتي «ألف - خلف» ٩/ ١٠ و٩/ ٩١.\n(^٢) انظر في المتفق والمفترق مقدمة ابن الصلاح ص ٣٥٨، وتقسيمه له.","vol":"1","page":421},{"text":"<span data-type='title' id=toc-118>المَطْلَبُ الثَّانِي: أَقْسَامُ التَّصحِيفِ:</span>\nقسَّمَ العلماءُ التَّصحيفَ عدَّةَ أقسامٍ بحسبِ كيفيَّةِ حصولِهِ، بالسَّمعِ أو بالبصرِ، أو اللَّفظِ، أو بالمعنى، والحقيقةُ أنَّ مرجعَ هذَا كلِّهِ إلى قسمينِ رئيسينِ بحسبِ موضعِهِ، وهمَا:\nالتَّصحيفُ في الإسنادِ: وهوَ ما حصلَ فيهِ تغييرٌ في ضبطِ رجلٍ أو أكثرَ منْ رجالِ السَّندِ مثلَ: «جوابٌ التَّيميُّ»، قرأَهُ بعضُهُم: «جِرابٌ». و«أبو حرَّةَ»، قرأَهُ بعضُهُم: «أبو جرَّةَ».\nالتَّصحيفُ في المتنِ: وسيأتي الكلامُ عليهِ في مباحثِهِ (^١).\n_________\n(^١) انظر ص ٤٠٩.","vol":"1","page":422},{"text":"<span data-type='title' id=toc-119>المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ التَّصحيفِ والتَّحريفِ فِي الإِسْنَادِ:</span>\nمعرفةُ المصحَّفِ والمحرَّفِ في الأسانيدِ ذو أهميَّةٍ بالغةٍ عندَ المحدِّثينَ، لأنَّ التَّصحيفَ والتَّحريفَ يُعمِّيَانِ عينَ الرَّاوي، وبالتَّالي حالَهُ الذي يتوقَّفُ عليهِ معرفةُ صحَّةِ الحديثِ مِنْ ضعفِهِ، ولأجلِ هذَا قالَ ابنُ المدينيِّ «ت ٢٣٤ هـ»: «أَشَدُّ التَّصْحِيفِ: التَّصْحِيفُ فِي الأَسْمَاءِ» (^١). وهوَ فنٌّ يحتاجُ إلى الدِّقَّةِ والفهمِ واليقظةِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «هَذَا فَنٌّ جَلِيلٌ، إِنَّمَا يَنْهَضُ بِأَعْبَائِهِ الحُذَّاقُ مِنَ الحُفَّاظِ» (^٢).\nوالتَّصحيفُ في الإسنادِ يُعرفُ بمَا يأتي:\nأوَّلًا: السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ: فمَا يردُ مُصحَّفًا أو مُحرَّفًا في طريقٍ، قدْ يردُ صحيحًَا ومضبوطًا في طريقٍ أُخرى، قالَ الدُّكتورُ حمزةُ المليباريُّ: «فَالمُصَحَّفُ نَوعٌ مِنَ المَعلُولِ، لِأَنَّ الذِي صَحَّفَهُ الرَّاوِي لَا يَكُونُ إِلَّا خَطَأً، وَبِذَلِكَ أَصْبَحَ مُخَالِفًَا لِلوَاقِعِ، أَوْ مُتَفَرِّدًَا بِمَا لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَا يَظْهَرُ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ خِلَالِ الجَمْعِ وَالمُقَارَنَةِ» (^٣).\nقالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» ممثِّلًا: «وَمِنْهُ مَا رَوَينَاهُ عَنْ أَحْمَدَ بنِ حَنبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَالِكِ بنِ عَرْفَطَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيرٍ، عَنْ عَائِشَةَ\n_________\n(^١) تصحيفات المحدثين ١/ ١٢.\n(^٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٧٩.\n(^٣) الحديث المعلول قواعد وضوابط ص ٨٨.","vol":"1","page":423},{"text":"﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-: «نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالمُزَفَّتِ». قَالَ أَحمَدُ: \"صَحَّفَ شُعْبَةُ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَالِدُ بنُ عَلقَمَةَ\"» (^١). فبيَّنَ تصويبَ ابنِ حنبلٍ للتَّصحيفِ، وأيَّدهُ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ» مِنْ طُرقٍ أُخرى، فقالَ: «وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَولِ أَحْمَدَ: أَنَّ زَائِدَةَ بنَ قُدَامَةَ وَأَبَا عَوَانَةَ وَشَرِيكَ بنَ عَبْدِ اللهِ، رَوَوا عَنْ خَالِدِ بنِ عَلقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيرٍ بِنَحْوِهِ» (^٢). أمَّا حديثُ أبي عَوانةَ فقدْ أخرجَهُ البغداديُّ في تاريخِهِ «ر ٣٩٤١»، ووردَ في حديثِ أبي الفضلِ الزُّهريِّ «ت ٣٨١ هـ» (^٣). وقدْ بحثتُ مليًَّا عَنْ طريقي زائدةَ وشريكٍ في المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ والأجزاءِ فلمْ أجدْهُمَا.\nومِنَ قرائنِ التَّرجيحِ في معرفةِ المصحَّفِ، ما يأتي:\n١ - كثرةُ العددِ: كمَا في المثالِ آنفِ الذِّكرِ، فإنَّ الطُّرقَ اتَّفقتْ على أنَّ الرَّاويَ هوَ خالدُ ابنُ علقمةَ، وليسَ مالكَ بنَ عرفطةَ، فاتَّضحَ الشُّذوذُ بمخالفةِ الجمعِ.\n٢ - موافقةُ المنصوصِ عليهِ لدى الأئمَّةِ المحققينَ: وسيأتي بيانُهُ قريبًا.\n٣ - كونُ الرَّاوي ممَّنْ عُلمَ بضَبطِ الأسماءِ، ومخالفُهُ ممَّنْ عُرِفَ بالتَّصحيفِ: والأمثلةُ كثيرةٌ في كتبِ الرِّجالِ، قالَ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «ابْنُ مَهْدِيٍّ أَكْثَرُ تَصْحِيفًَا مِنْ وَكِيعٍ، وَوَكِيعٌ أَكْثَرُ خَطَأً مِنْ ابنِ مَهْدِيٍّ، وَكِيعٌ قَلِيلُ التَّصحِيفِ» (^٤).\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٧٩. وانظر حديث شعبة عن مالك بن عرفطة، في مسند الطيالسي «ر ١٥٣٨» ومسند ابن حنبل «ر ١١٧٨» و«ر ٢٥٤٣٦» و«ر ٢٦١١٤»، ومسند ابن راهويه «ر ١٧٧١».\n(^٢) معرفة علوم الحديث ص ١٤٩.\n(^٣) / ٤٦. طبع في مكتبة أضواء السلف - الرياض - ١٤١٨ هـ - تحقيق: د. حسن بن محمد البلوط.\n(^٤) العلل لابن حنبل ١/ ٣٩٤.","vol":"1","page":424},{"text":"وقالَ أبو حاتمٍ «ت ٢٧٧ هـ» في ترجمةِ «إبراهيمَ بنِ الفضلِ بنِ أبي سُويدٍ»: «سَمِعْتُ يَحيَى بنَ مَعِينٍ- وَذَكَرَ ابنَ أَبِي سُوَيدٍ - فَقَالَ: يُقَالُ: إِنَّهُ كَثِيرُ التَّصحِيفِ، لَا يُقِيمُهَا» (^١).\nومنهُمْ مَنْ كانَ يُخطئُ في أسماءِ الرِّجالِ خاصَّةً، كشعبةَ - وإنْ كانَ لا يضرُّهُ - لكنَّ معرفةَ ذلكَ تُفيدُ عندَ التَّرجيحِ (^٢).\n٤ - ضبطُ الكتابِ: إنْ كانَ صاحبُهُ مِنْ أهلِ الضَّبطِ، لا مِنَ النُّسَّاخِ، فإذَا اختلفَ راويانِ عنْ شيخٍ في ضبطِ اسمٍ، فالعمدةُ للكتابِ، بأنْ يكونَ ما في كتابِ الرَّاوي مُخالفًَا لمَا سمعَهُ منْ تصحيفٍ، فتلكَ قرينةٌ قويَّةٌ، قالَ الخطيبُ البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ»: «بَلَغَنِي عَنْ أَبِي دَاوُدَ السِّجِستَانِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَوَانَةَ يَومًَا: حَدَّثَنَا مَالِكُ بنُ عَرفَطَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيرٍ. فَقَالَ لَهُ عَمْرُو الأَعْصَفُ: رَحِمَكَ اللهُ يَا أَبَا عَوَانَةَ، هَذَا خَالِدُ بنُ عَلقَمَةَ، وَإِنَّ شُعْبَةَ يُخْطِئُ فِيهِ، فَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ: هُوَ فِي كِتَابِي: خَالِدُ بنُ عَلقَمَةَ، وَلَكِنْ قَالَ لِي شُعْبَةُ: هَوَ مَالِكُ بنُ عَرفَطَةَ» (^٣). وتقوى هذِهِ القرينةُ إذَا كانَ صاحبُ الكتابِ منْ أضبطِ النَّاسِ لحديثِ شيخِهِ، قالَ ابنُ المباركِ «ت ١٨١ هـ»: «إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ، فَكِتَابُ غُنْدَرٍ حَكَمٌ بَينَهُمْ» (^٤).\n* والتَّحريفُ بمعنى المخالفةِ في الشَّكْلِ، فهذَا ممَّا لا يُمكنُ معرفتُهُ بالسَّبرِ، لأنَّ أغلبَ الكتبِ خاليةٌ مِنَ التَّشكيلِ.\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٢/ ١٢٢.\n(^٢) انظر تهذيب الكمال ١٢/ ٤٩٤.\n(^٣) موضِّح أوهام الجميع والتفريق ٢/ ٦١.\n(^٤) ميزان الاعتدال ٦/ ٩٤.","vol":"1","page":425},{"text":"وكذلكَ المُتشابِهُ فقدْ يردُ مُهملًَا في طريقٍ، ومُقيَّدًا ومبيَّنًَا في طريقٍ أُخرى، قالَ السِّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ» في مطلعِ بحثِ المتشابهِ: «ثُمَّ مَا وُجِدَ مِنْ هَذَا البَابِ فِي الأَقْسَامِ كُلِّهَا غَيرَ مُبَيَّنٍ، فَيُعْرَفُ بِالرَّاوِي عَنْهُ أَوْ المَرْوِيِّ عَنْهُ، أَوْ بَيَانُهُ فِي طَرِيقٍ آَخَرَ، فَإِنْ لَمْ يُبَيَّنْ وَاشْتَرَكَتِ الرُّوَاةُ فَمُشْكِلٌ جِدًَّا، يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى غَالِبِ الظُّنُونِ وَالقَرَائِنِ أَوْ يُتَوَقَّفْ» (^١).\nوالمتَّفقُ والمفترقُ يُعرفُ كذلكَ بورودِهِ مِنْ طريقٍ أُخرى مُميَّزًَا، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «ثُمَّ إِنَّ مَا يُوجَدُ مِنَ المُتَّفِقِ وَالمُفْتَرِقِ غَيرَ مَقْرُونٍ بِبَيَانٍ، فَالمُرَادُ بِهِ قَدْ يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ فِي رِوَايَاتِهِ، فَكَثِيرًَا مَا يَاتِي مُمَيَّزًَا فِي بَعْضِهِمَا» (^٢).\nمثالُ ذلكَ ما رواهُ ابنُ حنبلٍ، قالَ: حدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارونَ، قالَ: أنبأنَا محمَّدُ بنُ إسحاقَ، عنْ يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ راشدٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ أبي مُرَّةَ، عنْ خارجةَ ابنِ حُذافةَ -﵁-، قالَ: خرجَ علينَا رسولُ اللهِ -ﷺ- ذاتَ غداةٍ، فقالَ: «لَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ». قالَ ابنُ الجوزيِّ «ت ٥٩٧ هـ»: «وَأَمَّا حَدِيثُ خَارِجَةَ فَفِيهِ ابنُ إِسحَاقَ، وَقَدْ كَذَّبَهُ مَالِكٌ، وَفِيهِ عَبدُ اللهِ بنُ رَاشِدٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ» (^٣). وتعقَّبَهُ ابنُ عبدِ الهادي «ت ٧٤٤ هـ»، فقالَ: «وَتَضْعِيفُ المُؤَلِّفِ لِابنِ إِسْحَاقَ لَيسَ بِشَيءٍ، وَقَدْ تَابَعَهُ اللَّيثُ ابنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بنِ أَبِي حَبِيبٍ. وَقَولُهُ في عَبْدِ اللهِ بنِ رَاشِدٍ: \"ضعَّفَهَ الدَّارَقُطْنِيُّ\" وَهْمٌ بَيِّن، فَإِنَّهُ إِنَّمَا ضَعَّفَ عَبدَ اللهِ بنَ رَاشِدٍ البَصرِيُّ مَولَى عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ الرَّاوِي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ.\n_________\n(^١) تدريب الراوي ٢/ ٣٢٩.\n(^٢) مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٣٦٤.\n(^٣) التحقيق في أحاديث الخلاف ١/ ٤٥٤.","vol":"1","page":426},{"text":"وَأَمَّا رَاوِي حَدِيثِ خَارِجَةَ فَهُوَ الزَّوفِيُّ، أَبُو الضَّحَّاكِ المَصْرِيُّ، قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: \"الزَّوفِيُّ مِنْ حِمْيَرَ، وَلَيسَ لَهُ إِلَّا حَدِيثُهُ فِي الوِتْرِ، وَلَا يُعرَفُ سَمَاعُهُ مِنْ ابنِ أَبِي مُرَّةَ\". وَكَذَلِكَ قَالَ البُخَارِيُّ: \"لَا يُعْرَفُ سَمَاعُهُ مِنهُ\". وَذَكَرَهُ أَبُو حَاتِمِ بنِ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ» (^١).\nويُؤيِّدُ ذلكَ أنَّ الحديثَ أخرجَهُ الدَّارِميُّ «ر ١٥٧٦»، وأبو داودَ «ر ١٤١٨»، وابنُ ماجةَ «ر ١١٦٨»، والتِّرمذيُّ «ر ٤٥٢»، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ٤١٣٦»، والدَّارقطنيُّ «٢/ ٣٠»، والبيهقيُّ «ر ٤٢٥٠»، وغيرُهُمْ، كلُّهُمْ أوردَ عبدَ اللهِ بنَ راشدٍ مُقيَّدًا بالزَّوفيِّ.\nثانيًَا: تنصيصُ أهلِ العلمِ على بيانِهِ: وهذَا هوَ العمدةُ في معرفةِ التَّصحيفِ، لأنَّ التَّصحيفَ إنَّمَا يحصلُ بسببِ تلقِّي العلمِ مِنَ الصُّحفِ لَا مِنْ أفواهِ الأئمَّةِ الأعلامِ، قالَ التَّنوخيُّ (^٢) «ت ١٦٧ هـ»: «لَا تَحْمِلُوا العِلمَ عَنْ صَحَفِيٍّ، وَلَا تَأخُذُوا القُرآَنَ مِنْ مُصْحَفِيٍّ» (^٣). وكثرةُ التَّصحيفِ مِنَ المحدِّثِ طعنٌ فيهِ، إلَّا أنْ يكونَ نادرًَا، لأجلِ هذَا صنَّفَ الأئمَّةُ المحقِّقونَ مِنَ أهلِ الحديثِ كتبَ «التَّصحيفِ والتَّحريفِ» و«المؤتلِفِ والمختلفِ».\nمنْ أشهرِهَا في التَّصحيفِ: «إصلاحُ خطأِ المحدِّثينَ»، لأبي سليمانَ الخطَّابيِّ «ت ٣٨٨ هـ» (^٤).\n_________\n(^١) تنقيح تحقيق أحاديث التعليق ١/ ٥٠٧.\n(^٢) سعيد بن عبد العزيز التنوخي، الدمشقي، أبو محمد، «٩٠ هـ - ١٦٧ هـ»، الحافظ الحجة، فقيه دمشق في عصره، قال الإمام ابن حنبل: «ليس بالشام أصح حديثًا منه». انظر تذكرة الحفاظ ١/ ٢١٩، وطبقات الحفاظ ص ٩٩.\n(^٣) الجرح والتعديل ٢/ ٣١.\n(^٤) طبع في مؤسسة الرسالة - بيروت - ط ٢ - ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م - تحقيق: د. حاتم صالح الضامن.","vol":"1","page":427},{"text":"ومنْ أشهرِهَا في المؤتلفِ: «تبصيرُ المنتبهِ بتحريرِ المشتبهِ»، لابنِ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» (^١).\nومنْ أهمِّهَا في المتَّفقِ والمفترقِ: «المتَّفقُ والمفترقُ»، للخطيبِ البغداديِّ «ت ٤٦٣ هـ» (^٢).\nومنْ أحسنِهَا في المتشابِهِ «تلخيصُ المتشابِهِ في الرَّسمِ، وحمايةُ ما أشكلَ منهُ عنْ بوادرِ التَّصحيفِ والوهمِ» للخطيبِ البغداديِّ «ت ٤٦٣ هـ»، «ثُمَّ ذَيَّلَ عَلَيهِ بِمَا يَتَّفِقُ مِنْ أَسْمَاءِ الرُّوَاةِ وَأَنْسَابِهِمْ، غَيرَ أَنَّ فِي بَعْضِهِ زِيَادَةَ حَرْفٍ، وَسَمَّاهُ \"تَالِي التَّلخِيصِ\"» (^٣).\nوبذلكَ نُدركُ أنَّ المعوَّلَ عليهِ في تلقِّي هذَا العلمِ هوَ الأخذُ مِنْ أفواهِ الأئمَّةِ المحقِّقينَ.\nوتنصيصُهُمْ وضبطُهُمْ لأسماءِ الرِّجالِ هوَ العمدةُ في تمييزِ المشتبِهِ مِنَ الأسماءِ، كمَا أنَّ السَّبرَ وجمعَ الطُّرقِ بالإضافةِ إلى القرائنِ المرجِّحةِ مِنَ الطُّرقِ الرئيسةِ في بيانِ ذلكَ وتقييدِهِ.\n* * *\n_________\n(^١) ويعد هذا الكتاب من أفضل الكتب في موضوعه، حيث استدرك ما فات الذهبي في كتابه «المشتبه» الذي جمع فيه كتاب «الإكمال» لابن ماكولا، والكتب التي استدركت عليه وغيرها، ويتميز أيضًا بضبطه للشكل ضبطًا مبينًا بالكتابة. طبع في دار الكتب العلمية - بيروت - ١٩٦٤ م - تحقيق: محمد علي النجار وعلي محمد البجاوي.\n(^٢) طبع في دار القاري - دمشق - ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٧ م - تحقيق الدكتور محمد صادق آيدن الحامدي.\nوقد فصَّل الدكتور حسن فتحي طرق تمييز المتَّفق والمفترق، في بحث «المتَّفق والمفترق - طرق تمييزه - وخطورة إغفاله»، مجلة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية - قسنطينة - العدد ٢٧، فلينظر.\n(^٣) انظر الرسالة المستطرفة ص ١١٩، وقد طبع كتاب «تلخيص المتشابه» في دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر - دمشق - ١٩٨٥ م - تحقيق: سكينة الشهابي. وكتاب «تالي التلخيص» طبع في دار الصميعي - الرياض- ١٤١٧ هـ - تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، وأحمد الشقيرات.","vol":"1","page":428},{"text":"<span data-type='title' id=toc-120>الفَصْلُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي المتنِ </span>(^١):\n<span data-type='title' id=toc-121>المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَعْرِفَةُ زِيَادَةِ الثِّقَةِ فِي المَتْنِ </span>(^٢):\nتحدَّثتُ عنْ الزِّيادةِ في السَّندِ في عدَّةِ مواضعَ مِنْ مباحثِ أثرِ السَّبرِ في السَّندِ، وهيَ تشملُ اختلافَ الرُّواةِ في وصلِ الحديثِ وإرسالِهِ، وكذَا في رفعِهِ ووقفِهِ، أو بزيادةِ راوٍ (^٣).\nوما أتكلَّمُ عنهُ هنَا هوَ زيادةُ الثِّقةِ في المتنِ، وهيَ المتبادَرُ إلى الذِّهنِ عندَ الإطلاقِ، وأكثرُ العلماءِ إنَّمَا بحثُوا زيادةَ المتنِ في مبحثِ زيادةِ الثِّقاتِ، وعرَّجُوا على زيادةِ السَّندِ إلحاقًا، وهذَا ظاهرٌ في مصنَّفاتِ أصولِ الحديثِ.\n_________\n(^١) انظر الكلام على أثر السبر في المتن في مبحث «أهمية السبر وأقوال العلماء فيه» ص ٤٩ وما بعدها.\n(^٢) انظر في زيادة الثقة: الكفاية ص ٤٢٤، ومقدمة ابن الصلاح ص ٨٥، والتقريب ص ٥، ورسوم التحديث ص ٨٢، والمنهل الروي ص ٥٨، والنكت للزركشي ٢/ ١٧٤، والشذا الفياح ١/ ١٩٢، والمقنع في علوم الحديث ١/ ١٩١، والتقييد والإيضاح ص ١١١، والنكت لابن حجر ٢/ ٦٨٦، وفتح المغيث ١/ ٢١٢، والغاية في شرح الهداية ص ١٨٠، وتدريب الراوي ص ٢٤٥، وشرح نخبة الفكر للقاري ص ٣١٥، واليواقيت والدرر ١/ ٤١٠. ومن الكتب المفردة في زيادة الثقة: زيادة الثقة وما يتصل بها من أنواع الحديث للدكتور حمزة المليباري - طبعه ملتقى أهل الحديث - ط ١ - ١٤٢٥ هـ، وكتاب: الشاذ والمنكر وزيادة الثقة موازنة بين المتقدمين والمتأخرين - للدكتور: عبد القادر مصطفى عبد الرزاق المحمدي - دار الكتب العلمية - بيروت - ٢٠٠٥ م، وهناك رسالة ماجستير بعنوان: زيادة الثقة بين القبول والرد - للباحثة أسماء الحميضي - جامعة الملك سعود - كلية التربية - الثقافة الإسلامية - الرياض - ١٩٩٧ م.\n(^٣) هذا إذا كانت زيادة الراوي راجحة وراويها ثقة، فهو من العالي والنازل، أما إذا كانت الزيادة وهمًا فهو المزيد في متصل الأسانيد، ويدخل في زيادة الثقة لكونه زيادة، ويفترق عنه بأن الزيادة فيه غير معتبرة.","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type='title' id=toc-122>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ زِيَادَةِ الثِّقَةِ في المتنِ:</span>\nزيادةُ الثِّقةِ: لغةً: الزِّيادةُ هيَ النُّموُّ، وهوَ خلافُ النُّقصانِ (^١).\nاصطلاحًا: وهيَ أنْ يرويَ أحدُ الرُّواةِ زيادةَ لفظةٍ أو جملةٍ في متنِ الحديثِ لا يرويهَا غيرُهُ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «كَزِيَادَةِ لَفْظَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ لَمْ يَذْكُرْهَا سَائِرُ رُوَاتِهِ، فَيُخَالِفُ الزَّائِدُ إِطْلَاقَ الحَدِيثِ، أَوْ شَيئًَا مِنْ وَصْفِهِ» (^٢). وهذَا هوَ المعنى الذي نحنُ بصددِ بحثِهِ هُنَا.\n_________\n(^١) انظر لسان العرب - مادة «زيد» - ٣/ ١٩٨.\n(^٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٨٥ «بتصرف». وانظر منهج النقد ص ٤٢٥ و٤٢٦.","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type='title' id=toc-123>المَطْلَبُ الثَّانِي: حُكْمُ زِيَادَةِ الثِّقَةِ فِي المَتْنِ:</span>\nاختلفَ العلماءُ اختلافًَا متباينًَا وواسعًَا في حكمِ زيادةِ الثِّقةِ، وذلكَ حسبَ موافقةِ الزِّيادةِ أو مخالفتِهَا للأصلِ المزيدِ عليهِ، وحسنِ مكانةِ الرَّاوي الذي جاءَ بهذِهِ الزِّيادةِ، والرَّأيُ المختارُ هوَ المستفادُ مِنْ صنيعِ المتقدِّمينَ منَ الأئمَّةِ المحدِّثينَ، وهوَ الرَّأيُ الوسطُ ما بينَ القبولِ والرَّدِّ، باعتمادِ القرائنِ والمرجِّحاتِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَالمَنْقُولُ عَنْ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِينَ - كَعَبْدِ الرَّحمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ، وَيَحْيَى القَطَّانِ، وَأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بنِ مَعِينٍ، وَعَلِيِّ ابنِ المَدِينِيِّ، وَالبُخَارِيِّ، وَأَبِي زُرْعَةَ، وَأَبِي حَاتِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ، وَغَيرِهُمْ- اِعْتِبَارُ التَّرْجِيحِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالزِّيَادَةِ وَغَيرِهَا، وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ قَبُولُ إِطْلَاقِ الزِّيَادَةِ» (^١).\n_________\n(^١) انظر نخبة الفكر وشرحها للقاري ص ٣٢٣. وانظر كلام الزيلعي في نصب الراية ١/ ٣٣٦ و٣٣٧. ففيه تفصيل مهم بالنسبة لقبول زيادة الثقة.","vol":"1","page":431},{"text":"<span data-type='title' id=toc-124>الَمطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ زِيَادَةِ الثِّقَةِ فِي المَتْنِ:</span>\nمعرفةُ الزِّياداتِ في المتونِ لهُ أهميَّةٌ عظيمةٌ عندَ المحدِّثينَ والفقهاءِ على حدٍّ سواءٍ، لما يترتَّبُ على ذلكَ منْ فوائدَ مهمَّةٍ في علمِ الحديثِ والفقهِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَذَلِكَ فَنٌّ لَطِيفٌ، تُسْتَحْسَنُ العِنَايَةُ بِهِ» (^١). وقدْ عُرفَ مُحدِّثُو الفقهاءِ بالعنايةِ بزياداتِ المتونِ، ومنْ أكثرِهِمْ عنايةً بهِ أبو داودَ في كتابِهِ السُّننِ، قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «هَذَا مِمَّا يَعِزُّ وُجُودُهُ، وَيَقِلُّ فِي أَهْلِ الصَّنْعَةِ مَنْ يَحْفَظُهُ، وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرِ بنُ زِيَادٍ النَّيسَابُورِيُّ الفَقِيهُ بِبَغْدَادَ يُذْكَرُ بِذَلِكَ، وَأَبُو نُعَيمٍ عَبْدُ المَلِكِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَدِيٍّ الجُرْجَانِيُّ بِخُرَاسَانَ، وَبَعْدَهُمَا شَيخُنَا أَبُو الوَلِيدِ - يَعْنِي حَسَّانَ بنَ مُحَمَّدٍ القُرَشِيَّ -» (^٢).\nوالجمعُ والمقارنةُ بينَ المرويَّاتِ هوَ السَّبيلُ لمعرفةِ الزَّائدِ في المرويَّاتِ، قالَ ابنُ دقيقٍ\nالعيدُ «ت ٧٠٢ هـ»: «عَلَى طَالِبِ التَّحْقِيقِ أَنْ يَجْمَعَ طُرُقَ الحَدِيثِ، وَيُحْصِيَ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ فِيهِ، وَيَاخُذَ بِالزَّائِدِ فَالزَّائِدَ، فَإِنَّ الأَخْذَ بِالزَّائِدِ وَاجِبٌ» (^٣). وقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «المُتَعَيِّنُ عَلَى مَنْ يَتَكَلَّمُ عَلَى الأَحَادِيثِ أَنْ يَجْمَعَ طُرُقَهَا، ثُمَّ يَجْمَعَ أَلْفَاظَ المُتُونِ إِذَا صَحَّتِ الطُّرُقُ، وَيَشْرَحَهَا عَلَى أَنَّهَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّ الحَدِيثَ أَولَى مَا فُسِّرَ بِالحَدِيثِ» (^٤).\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح ص ٨٥.\n(^٢) معرفة علوم الحديث ص ١٣٠.\n(^٣) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ٢/ ٤.\n(^٤) فتح الباري ٦/ ٤٧٥.","vol":"1","page":432},{"text":"وبمَا أنَّ العمدةَ في قبولِ الزِّيادةِ منْ عدمِهِ للقرائنِ والمرجِّحاتِ، فالسَّبرَ هوَ الطَّريقُ لمعرفةِ كثيرٍ منَ القرائنِ والمرجِّحاتِ التي تُقوِّي ثبوتَ أو ردَّ الزِّيادةِ في الحديثِ، قالَ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «وَوُجُوهُ التَّرجِيحِ كَثِيرَةٌ لَا تَنحَصِرُ وَلَا ضَابِطَ لَهَا بِالنِّسبَةِ إِلَى جَمِيعِ الأَحَادِيثِ، بَلْ كُلُّ حَدِيثٍ يَقُومُ بِهِ تَرجِيحٌ خَاصٌّ، وَإِنَّمَا يَنهَضُ بِذَلِكَ المُمَارِسُ الفَطِنُ الذِي أَكثَرَ مِنَ الطُّرُقِ وَالرِّوَايَاتِ» (^١).\nومنَ القرائنِ المرجِّحةِ لقبولِ زيادةِ الثِّقةِ:\nأولًا: المتابعةُ: بحيثُ يُتابَعُ صاحبُ الزِّيادةِ على زيادتِهِ، ممَّا يؤكِّدُ ثبوتَهَا، ويدفعُ عنهَا شبهةَ الانفرادِ، ومنْ بابِ أولى إذَا كانَ الرُّواةُ لهَا أكثرَ، وكذلكَ إذَا كانُوا متساويينَ، قالَ الصَّنعانيُّ «ت ١١٨٢ هـ»: «المُلَاحَظُ القَرَائِنُ، وَالكَثْرَةُ أَحَدُ القَرَائِنِ» (^٢). مثالُ ذلكَ زيادةُ محمَّدِ بنِ عجلانَ «وإذَا قَرأَ فأنصتُوا» في حديثِ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ»، قالَ أبو حاتمٍ «ت ٢٧٧ هـ»: «لَيسَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ بِمَحْفُوظَةٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنْ تَخَالِيطِ ابْنِ عَجْلَانَ» (^٣).\nفردَّ عليهِ العينيُّ (^٤) «ت ٨٥٥ هـ» بكلامٍ طويلٍ، وأدلَّةٍ كثيرةٍ نقتصرُ منهَا على ما يأتي: «أَمَّا ابْنُ عَجْلَانَ فَإِنَّهُ وَثَّقَهُ العِجْلِيُّ، وَفِي «الكَمَالِ»: ثِقَةٌ كَثِيرُ الحَدِيثِ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ الجَمَاعَةُ\n_________\n(^١) نظم الفرائد ص ٢١٥.\n(^٢) توضيح الأفكار ١/ ٣٤٤.\n(^٣) علل الحديث ١/ ١٦٤.\n(^٤) محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد، أبو محمد، بدر الدين العيني، «ت ٧٦٢ هـ - ٨٥٥ هـ»، من كبار المحدثين، مؤرخ، فقيه حنفي، من كتبه: «عمدة القاري في شرح صحيح البخاري»، و«مغاني الأخيار في رجال معاني الآثار»، وغيرها كثير. انظر الضوء اللامع ١٠/ ١٣١، وسير أعلام النبلاء ٥/ ٢٥٥.","vol":"1","page":433},{"text":"وَالبُخَارِيُّ مُسْتَشْهِدًَا، فَهَذَا زِيَادَةُ ثِقَةٍ فَتُقْبَلُ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيهِمَا خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ وَيَحْيَى بنُ العَلَاءِ. وَأَمَّا أَبُو خَالِدٍ فَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ الجَمَاعَةُ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ هَذَا الحَدِيثَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ ابنِ سَعْدٍ الأَنْصَارِيِّ، وَهُوَ ثِقَةٌ، وَقَدْ تَابَعَ ابْنَ سَعْدٍ هَذَا أَبُو خَالِدٍ، وَتَابَعَهُ أَيضًَا إِسْمَاعِيلُ بنُ أَبَّانَ …، وَقَدْ صَحَّحَ مُسْلِمٌ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -﵁-، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ -﵁-» (^١).\nوكذلكَ إذَا كانَ الرُّواةُ الذينَ لمْ يأتُوا بالزِّيادةِ منَ الكثرةِ بحيثُ يبعدُ على مثلِهِمْ احتمالُ نسيانِهِمْ أو عدمُ تنبُّهِهِمْ جميعًا لهذهِ الزِّيادةِ، فإنَّ ذلكَ يُشكِّلُ قرينةً يترجَّحُ معهَا ردُّ الزِّيادةِ أو التَّوقفُ عنْ قبولِهَا. قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «الزِّيَادَةُ مَتَى تَضَمَّنَتْ مُخَالَفَةَ الأَحْفَظِ أَوْ الأَكْثَرِ عَدَدًَا، كَانَتْ مَرْدُودَةً» (^٢).\nثانيًَا: الحفظُ: فإذَا كانتِ الزِّيادةُ من ثقةٍ تفرَّدَ بهَا تُقبلُ منهُ إذَا كانَ مِنَ الحفَّاظِ المبرِّزينَ (^٣) قالَ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ»: «وَالزِّيَادَةُ فِي الأَخْبَارِ لَا تُلْزَمُ إِلَّا عَنِ الحُفَّاظِ الذِينَ لَمْ يُعْثُرْ عَلَيهِمُ الوَهْمُ فِي حِفْظِهِمْ» (^٤). منْ ذلكَ: حديثُ سهلِ بنِ سعدٍ -﵁-، أنَّ النبيَّ -ﷺ- قالَ لبلالٍ -﵁-: «إِذَا حَضَرَتْ صَلَاةُ العَصْرِ وَلَمْ آَتِكَ، فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ».\n_________\n(^١) عمدة القاري ٦/ ١٥.\n(^٢) النكت لابن حجر ٢/ ٦٨٨، وسيأتي الكلام عليه في مبحث أثر السبر في معرفة الشاذ في المتن الآتي.\n(^٣) وهذا هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل في قبول الزيادة، خلافًا لمن قال بأن الإمام أحمد يقبل الزيادة مطلقًا، معتمدين على كلام أحمد بن حنبل في حديث فوات الحج، حيث جاء في الرواية الأولى: القضاء فقط، وفي الثانية: زيادة الدم، فقال ابن حنبل: «والزائد أولى أن يؤخذ». وانظر كلام ابن رجب ورده على هذا الاستدلال في شرحه لعلل الترمذي ١/ ٢١٢.\n(^٤) التمييز ص ١٨٩.","vol":"1","page":434},{"text":"قالَ البيهقيُّ «ت ٤٥٨ هـ»: «قَولُهُ «لِبَلَالٍ» فِي هَذَا الحَدِيثِ زِيَادَةٌ حَفِظَهَا حَمَّادُ بنُ زَيدٍ، وَالزِّيَادَةُ فِي مِثْلِهِ مَقْبُولَةٌ» (^١).\nوقالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: «وَإِنَّمَا تَصِحُّ إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى حِفْظِهِ، مِثْلُ مَا رَوَى مَالِكُ بنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵁-، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ زَكَاةَ الفِطْرِ فِي رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ المُسْلِمِينَ، صَاعًَا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًَا مِنْ شَعِيرٍ». فَزَادَ مَالِكٌ فِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ المُسْلِمِينَ» (^٢).\nثالثًا: الاختصاصُ: أنْ يكونَ الرَّاوي منْ أوثقِ النَّاسِ في المرويِّ عنهُ، ولا بُدَّ في هذَا مِنْ معرفةِ مراتبِ الرُّواةِ في الحفظِ والإتقانِ، وأيُّهُمَا يُقبلُ ويُرجَّحُ على غيرِهِ عندَ الاختلافِ، قالَ الدَّارقطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ»: «مَا جَاءَ بِلَفْظَةٍ زَائِدَةٍ، فَتُقْبَلُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ مِنْ مُتْقِنٍ، وَيُحْكَمُ لِأَكْثَرِهِمْ حِفْظًَا وَثَبْتًَا عَلَى مَنْ دُونَهُ» (^٣).\nقالَ الدُّكتورُ هُمامُ سعيد (^٤): «فَحَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ أَوثَقُ النَّاسِ فِي ثَابِتٍ البُنَانِيِّ، فَالزِّيَادَةُ التِي يَنْفَرِدُ بِهَا فِي حَدِيثِ ثَابِتٍ مَقْبُولَةٌ، وَأَمَّا حَمَّادٌ فِي غَيرِ ثَابِتٍ فَفِي حِفْظِهِ نَظَرٌ، فَزِيَادَتُهُ فِي\n_________\n(^١) سنن البيهقي ٣/ ١٢٣.\n(^٢) شرح علل الترمذي ١/ ٦٣.\n(^٣) نقله ابن حجر في النكت ٢/ ٦٨٩، وعزاه لسؤالات السهمي للدارقطني، ولم أجده فيه.\n(^٤) الدكتور همام عبد الرحيم سعيد، ولد في فلسطين «١٩٤٤ م»، حصل على الدكتوراة من جامعة الأزهر «١٩٧٧ م»، يعمل مديرًا لمركز دراسات السنة النبوية الشريفة في الأردن، من مصنفاته: «العلل في الحديث»، و«شرح علل الترمذي لابن رجب - دراسة وتحقيقًا»، و«المعين في طبقات المحدثين - تحقيق ودراسة»، وغيرها. نقلًا عن الموسوعة الحرة على شبكة الانترنت، المعروفة ب «ويكبيديا».","vol":"1","page":435},{"text":"غَيرِ ثَابِتٍ فِيهَا نَظَرٌ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ رَاوٍ مِنَ الرُّوَاةِ فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِرَجُلٍ يَرْوِي عَنْهُ فَيَضْبِطُ أَحَادِيثَهُ أَكْثَرَ مِنْ غَيرِهِ، فَزِيَادَةُ هَذَا الرَّاوِي مَقْبُولَةٌ» (^١).\nوثمَّةُ قرائنُ أُخرى لقبولِ أو ردِّ الزِّيادةِ تخصُّ كلَّ حديثٍ بعينِهِ، ومدارُ معرفتِهَا على السَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ، كمَا تقدَّمَ كلامُ العلائيِّ في ذلكَ (^٢).\nوإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ زيادةِ الثِّقةِ في المتنِ منْ خلالِ التَّطبيقِ الآتي:\nحديثُ أبي هريرةَ -﵁-، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: «إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ».\n* الحديثُ أخرجَهُ مسلمٌ «ر ٢٧٩»، والنَّسائيُّ «ر ٦٦»، والبيهقيُّ «ر ٦١»، منْ طريقِ عليِّ ابنِ مُسهِرٍ، عنِ الأعمشِ، عنْ أبي رَزِينٍ وأبي صالحٍ، عنْ أبي هريرةَ -﵁-، وفيهِ زيادةُ: «فَلْيُرِقْهُ».\n* وكذَا أخرجَهُ ابنُ خزيمةَ «ر ٩٨»، وأبو عوانةَ «ر ٥٣٧»، وابنُ حبَّانَ «ر ١٢٩٦»، والدَّارقطنيُّ «١/ ٦٤»، والبيهقيُّ «ر ٦١»، بالزِّيادةِ، لكنْ بلفظِ «فَلْيُهْرِقْهُ».\n* وأخرجَهُ منْ غيرِ هذهِ الزِّيادةِ: مسلمٌ «ر ٢٧٩» منْ طريقِ إسماعيلَ بنِ زكريَّا (^٣)، عنِ الأعمشِ، عنْ أبي صالحٍ وأبي رزينٍ، عنْ أبي هريرةَ -﵁-.\n_________\n(^١) مقدمة شرح علل الترمذي ١/ ٢١٢.\n(^٢) انظر ص ٣٧٩، وانظر مقدمة الدكتور همام سعيد في شرحه لعلل الترمذي ١/ ٢٠٦ وما بعدها.\n(^٣) إسماعيل بن زكريا، أبو زياد الخلقاني، «ت ١٩٤ هـ»، صدوق يخطئ قليلًا، أخرج له الستة. انظر التقريب «٤٤٥».","vol":"1","page":436},{"text":"وتابعَهُ محمَّدُ بنُ خازمٍ (^١) عندَ النَّسائيِّ «ر ٩٧٩٧»، وابنِ ماجةَ «ر ٣٦٣»، وابنِ حنبلٍ «ر ٩٤٧٩»، «ر ٧٤٤٠»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ١٨٢٩»، وابنِ راهويهِ «ر ٢٥٧».\nوشعبةُ (^٢) عندَ الطَّيالسيِّ «ر ٢٤١٧».\nوجريرُ بنُ عبدِ الحميدِ الضَّبيُّ (^٣) عندَ ابنِ راهويهِ «ر ٢٥٦».\nوعبدُ الرَّحمنِ بنُ حميدٍ الرُّؤاسيُّ (^٤) عندَ الطَّبرانيِّ في الصَّغيرِ «ر ٢٥٦».\nوعبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ (^٥) عندَ الدَّارقطنيِّ «١/ ٦٣».\nقالَ النَّسائيُّ «ت ٣٠٣ هـ»: «لَا أَعْلَمُ أَحَدًَا تَابَعَ عَلِيَّ بنَ مُسْهِرٍ عَلَى قَولِهِ: «فَلْيُرْقِهِ»» (^٦).\nوقالَ ابنُ مندةَ (^٧) «ت ٣٩٥ هـ»: «وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَفَرَّدَ بِهَا عَلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ، وَلَا تُعْرَفُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ» (^٨).\n_________\n(^١) تقدمت ترجمته ص ٣٤٨.\n(^٢) تقدمت ترجمته ص ٢٤٨.\n(^٣) تقدمت ترجمته ص ٢٦١.\n(^٤) عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، الكوفي، ثقة، أخرج له «م د س». انظر التقريب «ر ٣٨٤٨».\n(^٥) تقدمت ترجمته ص ٢٧٧.\n(^٦) سنن النسائي ١/ ٥٣.\n(^٧) محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى، ابن منده، أبو عبد الله العبدي، الأصبهاني، «٣١٠ هـ - ٣٩٥ هـ»، من كبار حفاظ الحديث، رحالة، من تصانيفه: «فتح الباب في الكنى والألقاب»، و«معرفة الصحابة»، و«الرد على الجهمية». انظر تاريخ مدينة دمشق ٥٢/ ٢٩، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٧٤١.\n(^٨) نقله ابن الملقن في البدر المنير ١/ ٥٤٥.","vol":"1","page":437},{"text":"وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ «ت ٤٦٣ هـ»: «لَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُ الأَعْمَشِ الثِّقَاتُ الحُفَّاظُ، مِثْلُ شُعْبَةَ وَغَيرِهِ» (^١).\nقالَ ابنُ الملقِّنِ «ت ٨٠٤ هـ» مُعقِّبًَا على كلامِ ابنِ مندةَ: «وَلَا يَضُرُّ تَفَرُّدُهُ لَهَا، فَإِنَّ عَلِيَّ بنَ مُسْهِرٍ إِمَامٌ حَافِظٌ، مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَالَتِهِ وَالاِحْتِجَاجِ بِهِ» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) التمهيد ١٨/ ٢٧٣.\n(^٢) البدر المنير ١/ ٥٤٥. وانظر تفصيله في التلخيص الحبير ١/ ٢٣.","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type='title' id=toc-125>المَبْحَثُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ فِي المَتْنِ:</span>\nتقدَّمَ الكلامُ في تعريفِ الحديثِ الشَّاذِّ والمنكرِ، وأثرِ السَّبرِ في معرفتِهِمَا سندًا (^١)، وسآتي على معرفةِ الشَّاذِّ والمنكرِ في المتنِ، وتمييزِهِمَا عنِ المحفوظِ والمعروفِ متنًا منْ خلالِ السَّبرِ، فقدْ يصحُّ السَّندُ، لكنْ يشذُّ المتنُ أو يُوصفُ بالنَّكارةِ، أو العكسُ، وقدْ يشذَّانِ أو يُوصفانِ بالنَّكارةِ معًَا.\nوإنَّمَا يُوصفُ المتنُ بالشُّذوذِ حينمَا يُخالفُ الثقةُ أو المقبولُ مَنْ هوَ أولى منهُ، قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ «ت ٢٠٤ هـ»: «لَيسَ الشَّاذُّ مِنَ الحَدِيثِ أَنْ يَرْوِيَ الثَّقَةُ مَا لَا يَرْوِي غَيرُهُ، إِنَّمَا الشَّاذُّ: أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَةُ حَدِيثًَا يُخَالِفُ مَا رَوَى النَّاسُ» (^٢). ويكونُ ما رواهُ النَّاسُ محفوظًَا.\nوَبالنَّكارةِ حينمَا يُخالفُ الضَّعيفُ مَنْ هوَ أولى منهُ حفظًَا أو كثرةً، قالَ الإمامُ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ»: «وَعَلَامَةُ المُنْكَرِ فِي حَدِيثِ المُحَدِّثِ إِذَا مَا عُرِضَتْ رِوَايَتُهُ لِلحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ غَيرِهِ مِنْ أَهْلِ الحِفْظِ وَالرِّضَا خَالَفَتْ رِوَايَتُهُ رِوَايَتَهُمْ أَوْ لَمْ تَكَدْ تُوَافِقُهَا» (^٣). ويكونُ ما رواهُ أهلُ الحفظِ والرِّضَا معروفًَا.\nوأمَّا أثرُ السَّبرِ في معرفةِ الشَّاذِّ والمنكرِ متنًَا، فمَا ذكرناهُ في مبحثِ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الشَّاذِّ والمنكرِ سندًَا ينطبقُ على المتنِ، وهوَ أنَّ نفيَ المتابعِ والشَّاهدِ في الشَّاذِّ والمنكرِ،\n_________\n(^١) انظر ص ٢٢٦.\n(^٢) نقله الحاكم بسنده عن الشافعي - معرفة علوم الحديث - ص ١١٩.\n(^٣) صحيح مسلم ١/ ٧.","vol":"1","page":439},{"text":"وزيادةَ الضَّبطِ أو كثرةَ العددِ في المحفوظِ والمعروفِ، وكذلكَ بيانَ المخالفةِ المرجوحةِ للشَّاذِّ والمنكرِ، والرَّاجحةِ للمحفوظِ والمعروفِ، تتمُّ منْ خلالِ السَّبرِ ومعارضةِ المرويَّاتِ بعضِهَا ببعضٍ.\nوتجدرُ الإشارةُ إلى أنَّ الشَّاذَّ كثيرًا ما يشتبهُ بزياداتِ الثِّقاتِ، لأنَّهمَا يجتمعانِ في ثقةِ راويهِمَا، قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «وَهَذَا النَّوعُ - أَي: الشَّاذُّ - دَقِيقٌ جِدًَّا، لِأَنَّهُ يَشْتَبِهُ كَثِيرًَا بِزَيَادَةِ الثِّقَةِ فِي السَّنَدِ أَوْ المَتْنِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى نَظَرٍ دَقِيقٍ لِلْفَصْلِ بَينَهُمَا» (^١). فالزِّيادةُ مِنَ الثِّقةِ إنْ كانتْ راجحةً بأنْ لمْ تكنْ مخالفةً ولا منافيةً لمَا رواهُ الثِّقاتُ، ولمْ يكنْ مَنْ لمْ يروِهَا أوثقَ أو أكثرَ عددًَا ممَّنْ رواهَا، كانتْ زيادةَ ثقةٍ، وإلَّا فزيادةً شاذةً مرجوحةً، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» في تقسيمِهِ لزياداتِ الثِّقاتِ: «أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُخَالِفٌ مُنَافٍ لِمَا رَوَاهُ سَائِرُ الثِّقَاتِ، فَهَذَا حُكْمُهُ الرَّدُّ كَمَا سَبَقَ فِي نَوعِ الشَّاذِّ» (^٢). والفيصلُ بينَهُمَا للقرائنِ بعدَ السَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ، ولا بدَّ مِنَ النَّظرِ في صنيعِ وأقوالِ المتقدِّمينَ مِنْ أئمَّةِ الحديثِ، فهمْ أهلُ هذِهِ الصَّنعةِ وصيارفتُهَا.\nوإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الشَّاذِّ والمنكرِ متنًَا مِنْ خلالِ التَّطبيقينِ الآتيينِ:\nأَوَّلًَا: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ الشَّاذِّ مَتْنًَا مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:\nمثالُ ذلكَ: حديثُ أبي قتادةَ الأنصاريِّ -﵁-، قالَ: «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ الله -ﷺ- زَمَنَ الْحُدَيبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابِي وَلَمْ أُحْرِمْ، فَرَأَيتُ حِمَارًا فَحَمَلْتُ عَلَيهِ، فَاصْطَدْتُهُ،\n_________\n(^١) منهج النقد ص ٤٢٩.\n(^٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٨٥.","vol":"1","page":440},{"text":"فَذَكَرْتُ شَانَهُ لِرَسُولِ الله -ﷺ-، وَذَكَرْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَحْرَمْتُ، وَإِنِّي إِنَّمَا اصْطَدْتُهُ لَكَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا، وَلَمْ يَاكُلْ مِنْه حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَهُ».\nمِنْ خلالِ السَّبرِ نجدُ أنَّ الحديثَ بهذَا اللفظِ أخرجَهُ ابنُ حنبلٍ «ر ٢٢٦٤٣»، وابنُ ماجةَ «ر ٣٠٩٣»، وابنُ خزيمةَ «ر ٢٦٤٢»، والدَّارقطنيُّ «ر ٢٤٨»، وعبدُ الرَّزَّاقِ «ر ٨٣٣٧»، والبيهقيُّ «ر ٩٧٠٠»، كلُّهُمْ مِنْ طريقِ مَعْمَرِ بنِ راشدٍ (^١)، عنْ يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ أبي قتادةَ عنْ أبيهِ -﵁-، وقدْ تفرَّدَ مَعمرٌ عنْ يحيى بزيادتَي «إِنَّمَا اصْطَدْتُهُ لَكَ» و«وَلَمْ يَاكُلْ مِنْه حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَهُ».\n* وروى الحديثَ مِنْ غيرِ هاتينِ الزِّيادتينِ عَنْ يحيى بنِ أبي كثيرٍ ثقاتٌ، منهمْ:\nهشامٌ الدَّستوائيُّ (^٢) كمَا في البخاريِّ «ر ١٧٢٥» ومسلمٍ «ر ١١٩٦» والنَّسائيِّ «ر ٢٨٢٤».\nوعليُّ بنُ المباركِ (^٣) كمَا في البُخاريِّ «ر ٣٩١٨».\nومعاويةُ بنُ سلامٍ (^٤) كمَا في مسلمٍ «ر ١١٩٦» والنَّسائيِّ «ر ٢٨٢٥».\nوشيبانُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ (^٥) كمَا في مسندِ أبي عَوانةَ «ر ٣٦٠٢».\n* كمَا تابعَ يحيى بنَ أبي كثيرٍ في روايتِهِ عنْ عبدِ اللهِ بنِ أبي قتادةَ جمعٌ مِنَ الرُّواةِ الثِّقاتِ منْ غيرِ ذكرِ هاتينِ الزِّيادتينِ، منهمْ:\n_________\n(^١) تقدمت ترجمته ص ٢٣٢.\n(^٢) تقدمت ترجمته ص ٢٥٧.\n(^٣) تقدمت ترجمته ص ٢٦٣.\n(^٤) معاوية بن سلَّام بن أبي سلام، أبو سلام الدمشقي، «ت ١٧٠ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٧٦١».\n(^٥) تقدمت ترجمته ص ٢٤٧.","vol":"1","page":441},{"text":"عثمانُ بنُ مَوهَبٍ (^١) كمَا في البخاريِّ «ر ١٧٢٨» ومسلمٍ «ر ١١٩٦».\nوسلمةُ بنُ دينارٍ (^٢) كمَا في البخاريِّ «ر ٢٤٣١» والنَّسائيِّ «ر ٤٣٤٥».\nوعبدُ العزيزِ بنُ رُفيعٍ (^٣) كمَا في صحيحِ ابنِ حبَّانَ «ر ٣٩٧٤» وسننِ البيهقيِّ «ر ٩٦٩٩».\n* ورُويَ الحديثُ مِنْ طرقٍ أُخرى عَنْ أبي قتادةَ، مِنْ غيرِ ذكرِ هاتينِ اللفظتينِ:\nفرواهُ نافعٌ مولى أبي قتادةَ (^٤) كمَا في البخاريِّ «ر ١٧٢٧» ومسلمٍ «ر ١١٩٦».\nوأبو صالحٍ مولى التَّوأمةِ (^٥) كمَا في البخاريِّ «ر ٥١٧٣».\nوعطاءُ بنُ يسارٍ (^٦) كمَا في موطأِ مالكٍ «ر ٧٨٠» ومسندِ ابنِ حنبلٍ «ر ٢٢٦٢١». وغيرُهُمْ، مِنْ غيرِ ذكرِ هاتينِ الزِّيادتينِ، ممَّا يُؤكِّدُ شُذوذَ رِوايةِ مَعْمَرِ بنِ راشدٍ في هذَا الحديثِ.\nقالَ ابنُ خُزيمةَ (^٧) «ت ٣١١ هـ»: «هَذِهِ الزِّيَادَةُ: «إِنَّمَا اصْطَدْتُهُ لَكَ»، وقولُهُ: «وَلمْ يَاكُلْ مِنْهُ حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَكَ»، لَا أَعْلَمُ أَحَدًَا ذَكَرَهُ فِي خَبَرِ أَبِي قَتَادَةَ غَيرَ مَعْمَرٍ فِي هَذَا الإِسْنَادِ» (^٨).\n_________\n(^١) عثمان بن عبد الله بن موهب، الأعرج، «ت ١٦٠ هـ»، ثقة، أخرج له «خ م ت س جه». انظر التقريب «ر ٤٤٩١».\n(^٢) سلمة بن دينار، أبو حازم الأعرج، التمَّار، ثقة، عابد، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٤٨٩».\n(^٣) عبد العزيز بن رفيع، أبو عبد الله الأسدي، «ت ١٣٠ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٠٩٥».\n(^٤) نافع بن عباس، أبو محمد الأقرع، مولى أبي قتادة، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٠٧٤».\n(^٥) نبهان الجمحي، والد صالح مولى التوأمة، مقبول، أخرج له البخاري. انظر التقريب «ر ٧٠٩١».\n(^٦) عطاء بن يسار الهلالي، أبو محمد المدني، «ت ٩٤ هـ»، ثقة، فاضل، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٦٠٥».\n(^٧) محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي، أبو بكر، «٢٢٣ هـ - ٣١١ هـ»، الفقيه المجتهد، عالم بالحديث، تزيد مصنفاته على مئة وأربعين مصنفًا، منها: «مختصر المختصر» المعروف ب «صحيح ابن خزيمة»، و«التوحيد وإثبات صفة الرب». انظر تاريخ جرجان ٤٥٦، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٧٢٠، وطبقات الحفاظ ص ٣١٣.\n(^٨) صحيح ابن خزيمة ٤/ ١٨٠.","vol":"1","page":442},{"text":"وقالَ البيهقيُّ «ت ٤٥٨ هـ»: «هَذِهِ لَفْظَةٌ غَرِيبَةُ لَمْ نَكْتُبْهَا إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَقَدْ رَوَينَا عَنْ أَبِي حَازِمٍ بنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ فِي هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَكَلَ مِنْهَا، وَتِلْكَ الرِّوَايَةُ أَودَعَهَا صَاحِبَا الصَّحِيحِ كِتَابَيهِمَا دُونَ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، وَإِنْ كَانَ الإِسْنَادَانِ صَحِيحَينِ» (^١).\nثَانِيًَا: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ المُنْكَرِ مَتْنًَا مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:\nمثالُ ذلكَ: حديثُ ابنِ عبَّاسٍ -﵁-: «نَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ صَلَّى، وَرُبَّمَا قَالَ: اضْطَجَعَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى».\nفمنْ خلالِ السَّبرِ نجدُ أنَّ الحديثَ أخرجَهُ البُخاريُّ «ر ١٣٨»، ومُسلمٌ «ر ٧٦٣»، والنَّسائيُّ «ر ١١٢١»، وابنُ حنبلٍ «ر ٢٠٨٤»، وابنُ ماجةَ «ر ٤٧٥»، بهذَا اللفظِ أو قريبٍ منهُ.\nورُويَ مِنْ طريقِ أبي خالدٍ الدَّالانيِّ (^٢) عَنْ قتادةَ، بزيادَةِ: «إِنَّمَا الوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًَا» (^٣). كمَا في سننِ أبي داودَ «ر ٢٠٢»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ١٢٧٤٨»، والبيهقيِّ «ر ٥٩٢».\n_________\n(^١) سنن البيهقي ٥/ ١٩٠.\n(^٢) قال ابن حبان في المجروحين ٣/ ١٠٥: «كان كثير الخطأ فاحش الوهم، يخالف الثقات في الروايات حتى إذا سمعها المبتدئ في هذه الصناعة علم أنها معمولة أو مقلوبة، لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق الثقات فكيف إذا انفرد عنهم بالمعضلات». وقال ابن حجر في التقريب ص ٦٣٦: «صدوق، يخطئ كثيرًا، وكان يدلس».\n(^٣) وتمام حديث ابن عباس -﵁-: «أن رسول الله -ﷺ- كان يسجد وينام وينفخ، ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ. قال: فقلت له: صليت ولم تتوضأ وقد نمت؟ فقال: إنما الوضوء على من نام مضطجعًا».","vol":"1","page":443},{"text":"قالَ أبو داودَ «ت ٢٧٥ هـ»: «قَولُهُ: «الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا» هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا يَزِيدُ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ عَنْ قَتَادَةَ، وَرَوَى أَوَّلَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَذْكُرُوا شَيئًَا مِنْ هَذَا» (^١).\nوقالَ التِّرمذيُّ «ت ٢٧٩ هـ»: «سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بنَ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: هَذَا لَا شَيء» (^٢).\nوقالَ البيهقيُّ «ت ٤٥٨ هـ»: «تَفَرَّدَ بِهَذَا الحَدِيثِ عَلَى هَذَا الوَجْهِ يَزِيدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ، أَنْكَرَهُ عَلَيهِ جَمِيعُ الحُفَّاظِ، وَهُوَ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ الثَّورِيِّ دُونَ الزِّيَادَةِ التِي تَفَرَّدَ بِهَا أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ» (^٣).\nوقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ «ت ٤٦٣ هـ»: «وَهُوَ عِنْدَهُمْ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ قَتَادَةَ الثِّقَاتِ، وَإِنَّمَا انْفَرَدَ بِهِ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ، وَأَنْكَرَهُ عَلَيهِ، وَلَيسَ بِحُجَّةٍ فِيمَا نَقَلَ» (^٤).\nوهذهِ الزِّيادةُ بالإضافةِ إلى تفرُّدِ يزيدَ، فإنَّهَا تُعارضُ قولَ ابنِ عباسٍ -﵁-: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- مَحْفُوظًَا» (^٥). وحديثَ عائشةَ -﵁-: «تَنَامُ عَينَايَ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» (^٦).\n* * *\n_________\n(^١) سنن أبي داود ١/ ٥٢.\n(^٢) علل الترمذي ص ٤٥.\n(^٣) سنن البيهقي ١/ ١٢١ و١٢٢، ومعرفة السنن والآثار ١/ ٢١٠.\n(^٤) التمهيد ١٨/ ٢٤٣، ولينظر تفصيل ذلك في نصب الراية ١/ ٤٤، والتلخيص الحبير ١/ ١١٩ و١٢٠.\n(^٥) سنن أبي داود ر ٢٠٢.\n(^٦) البخاري «ر ١٠٩٦»، ومسلم «ر ٧٣٨».","vol":"1","page":444},{"text":"<span data-type='title' id=toc-126>المَبْحَثُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الإِدْرَاجِ فِي المَتْنِ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-127>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُدْرَجِ مَتْنًَا:</span>\nمرَّ معنَا تعريفُ المدرجِ لغةً، والمدرجِ في السَّندِ اصطلاحًَا، وقدْ عرَّفَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» المدرجَ في المتنِ، فقالَ: «وَأَمَّا مُدْرَجُ المَتْنِ: فَهُوَ أَنْ يَقَعَ فِي المَتْنِ كَلَامٌ لَيسَ مِنْهُ، مِنْ غَيرِ فَصْلٍ» (^١).\n_________\n(^١) نخبة الفكر وشرحها للقاري ص ٤٦٧.","vol":"1","page":445},{"text":"<span data-type='title' id=toc-128>المَطْلَبُ الثَّاني: أَسْبَابُ وُقُوعِ الإِدْرَاجِ فِي المَتْنِ:</span>\nتتعدَّدُ أسبابُ وقوعِ الإدراجِ وتختلفُ مِنْ شخصٍ لآخرَ، ومِنْ حديثٍ إلى حديثٍ، يمكنُ أنْ نُجملَهَا فيمَا يأتي (^١):\nأولًا: تفسيرُ بعضِ الألفاظِ الغريبةِ الواردةِ في متنِ الحديثِ: مثالُهُ: ما وردَ مِنْ قولِ الزُّهريِّ مُفسِّرًا لقولِ عائشةَ -﵁- في حديثِ بدءِ الوحيِ: «وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءَ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ». حيثُ قالَ الزُّهريُّ: «وَهُوَ التَّعَبُّدُ» (^٢). مُدرِجًَا هذهِ اللفظةَ منْ غيرِ فصلٍ أو تمييزٍ.\nثانيًا: الاستدلالُ بحديثٍ مرفوعٍ لإثباتِ حكمٍ ما: مثالُهُ: حديثُ أبي هريرةَ -﵁-: «أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، وَيلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» (^٣). فقولُهُ: «أَسْبِغُوا الوُضُوءَ» مُدرَجٌ مِنْ قولِ أبي هريرةَ -﵁-، وقولُهُ: «وَيلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» منْ كلامِ النبيِّ -ﷺ-، استدلَّ بهَا أبو هريرةَ على قولِهِ.\nثالثًا: استنباطُ حكمٍ مِنْ كلامِ النَّبيِّ -ﷺ-: مثالُهُ: حديثُ بُسرَةَ بنتِ صفوانَ -﵁-: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ أَوْ رِفْغَهُ أَوْ أُنْثَيَيهِ فَلْيَتَوَضَّا» (^٤).\n_________\n(^١) انظر الفصل للوصل المدرج في النقل ص ٧٤، وأثر اختلاف المتون والأسانيد في اختلاف الفقهاء ٢/ ٩٠.\n(^٢) البخاري «ر ٣»، ومسلم «ر ١٦٠».\n(^٣) البخاري «ر ١٦٥»، ومسلم «ر ٢٤١».\n(^٤) سنن الطبراني «ر ٥٠٧».","vol":"1","page":446},{"text":"قالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «فَعُرْوَةُ لَمَّا فَهِمَ مِنْ لَفْظِ الخَبَرِ أَنَّ سَبَبَ نَقْضِ الوُضُوءِ مِظَنَّةُ الشَّهْوَةِ جَعَلَ حُكْمَ مَا قَرُبَ مِنَ الذَّكَرِ كَذَلِكَ، فَقَالَ ذَلِكَ فَظَنَّ بَعْضُ الرُّوَاةِ أَنَّهُ مِنْ صُلْبِ الخَبَرِ فَنَقَلَهُ مُدْرَجًَا فِيهِ، وَفَهِمَ الآَخَرُونَ الحَالَ فَفَصَّلُوا» (^١).\nرابعًا: الخطأُ وقلَّةُ الضَّبطِ: وأمثلةُ هذَا النَّوعِ كثيرةٌ، فقلَّةُ الضَّبطِ مدعاةٌ لخلطِ الأحاديثِ ببعضِهَا، وإدراجِ ما ليسَ منهَا فيهَا، مِنْ غيرِ فصلٍ أو تمييزٍ.\n_________\n(^١) تدريب السيوطي ١/ ٢٧١.","vol":"1","page":447},{"text":"<span data-type='title' id=toc-129>المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَقْسَامُ الإِدْرَاجِ فِي المَتْنِ:</span>\nينقسمُ الإدراجُ في المتنِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ، بحسبِ موضعِهِ:\n١ - في أوَّلِ المتنِ: وهوَ نادرٌ جدًَّا، مثالُهُ: حديثُ أبي هُريرةَ -﵁- المتقدِّمُ: «أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، وَيلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» (^١).\n٢ - في وسطِ المتنِ: وهوَ قليلٌ. مثالُهُ: حديثُ بُسرَةَ بنتِ صفوانَ -﵁-، آنفِ الذِّكرِ.\n٣ - في آخرِ المتنِ: وهوَ الأكثرُ. مثالُهُ: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ -﵁-، أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ- علَّمَهُ التَّشهُّدَ في الصَّلاةِ … وفي آخرِهِ: «فَإِذَا قُلْتَ هَذَا فَقَدْ قَضَيتَ صَلَاتَكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ قُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ» (^٢). فهذَا القولُ مُدرجٌ منْ كلامِ ابنِ مسعودٍ -﵁- (^٣).\n_________\n(^١) انظر ص ٣٩١.\n(^٢) سنن أبي داود «ر ٩٧٢»، وسنن النسائي «ر ١٠٥٣».\n(^٣) انظر تسهيل المدرج إلى المدرج ص ٣٧ وما بعدها.","vol":"1","page":448},{"text":"<span data-type='title' id=toc-130>المَطْلَبُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الإِدْرَاجِ فِي المَتْنِ:</span>\nتقدَّمَ في مبحثِ «أثرُ السَّبرِ في معرفةِ المدرجِ سندًَا» أنَّهُ ثمَّةَ ترابطٌ قويٌّ بينَ المدرجِ متنًَا وسندًَا، بلْ قدْ رجَّحَ بعضُ العلماءِ أنَّ مُدرجَ السَّندِ مرجعُهُ في الحقيقةِ إلى مُدرجِ المتنِ، كمَا بيَّنَّا الطُّرقَ التي اعتمدَهَا العلماءُ لكشفِ الإدراجِ سواءٌ في السَّندِ أو المتنِ، ومنْ أخصِّهَا السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ فهوَ السَّبيلُ الذي يُفَصِّلُ أو يفصِلُ الزّيادةَ المدرجةَ، وما ذكرناهُ في ما يخصُّ السَّندَ ينطبقُ على المتنِ أيضًَا، ونفيدُ بشيءٍ ممَّا ذكرناهُ سابقًَا، معَ زيادةِ تفصيلٍ في معرفةِ المدرجِ متنًَا.\nوقدْ صنَّفَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ» كتابَهُ «المَدرجُ إلى المُدرجِ» مبيِّنًَا فيهِ الزِّياداتِ المدرجةَ في المتونِ، فقالَ في مقدِّمتِهِ: «اِقْتَصَرْتُ فِيهِ عَلَى مُدْرَجِ المَتْنِ دُونَ مُدْرَجِ الإِسْنَادِ، لِأَنَّ العِنَايَةَ بِتَمْيِيزِ كَلَامِ الرُّوَاةِ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ أَهَمُّ» (^١). وقدْ اتَّبعَ السِّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ» في كتابِهِ هذا المنهجَ الذي اعتمدَهُ الخطيبُ وابنُ حجرٍ في الكشفِ عَنِ الإدراجِ، بإيرادِ رواياتِ الفصلِ ومعارضتِهَا برواياتِ الوصلِ، والتَّرجيحِ وفقًَا للقرائنِ والمقوِّياتِ، إلَّا أنَّهُ اعتمدَ الاختصارَ بالإشارةِ إلى مَنْ وصلَ ومنْ فصلَ فحسبُ مِنْ غيرِ تفصيلٍ.\nويبقى أنْ نُبيِّنَ أنَّهُ منْ لوازمِ السَّبرِ للكشفِ عنِ الإدراجِ في المتنِ: التَّنبُّهُ إلى أنَّ الإدراجَ قدْ يشتبهُ بزاياداتِ الثِّقاتِ، لأنَّهُمَا يجتمعانِ في كونِهِمَا زيادةً في المتنِ إذا كان المُدْرِجُ ثقةً (^٢)،\n_________\n(^١) مجموعة رسائل في الحديث «المدرج إلى المدرج» صبحي السامرائي ص ٥.\n(^٢) والفرق بينهما: أن زيادة الثقة: تكون فيما يعزوه الثقة إلى الرسول.\nوأما الإدراج: فهو كلام أحد الرواة من تفسير أو تعليق أو نحوها.","vol":"1","page":449},{"text":"والعمدةُ في التَّفريقِ بينَهُمَا للدَّلائلِ والقرائنِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَفِي الجُمْلَةِ إِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى إِدْرَاجِ جُمْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بِحَيثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ فَسَوَاءٌ كَانَ فِي الأَوَّلِ أَوْ الوَسَطِ أَوْ الآَخِرِ، فَإِنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الاِخْتِصَارُ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ بِحَذْفِ أَدَاةِ التَّفْسِيرِ، أَوْ التَّفْصِيلُ، فَيَجِيءُ مَنْ بَعْدَهُ فَيَرْوِيهِ مُدْمَجًَا مِنْ غَيرِ تَفْصِيلٍ، فَيَقَعُ ذَلِكَ» (^١).\nومِنَ الدَّلائلِ التي تَفْرِقُ زيادةَ الثِّقةِ عنْ الزِّيادةِ المدرجةِ ما يأتي (^٢):\nأولًا: تصريحُ الرَّاوي بالإدراجِ: بأنْ تتواردَ طُرقُ الحديثِ على بيانِ أنَّ الزِّيادةَ المدرجَةَ مِنْ كلامِ الرَّاوي، وليستْ مِنْ كلامِ النَّبيِّ -ﷺ-، مخالفينَ بذلكَ مَنْ رواهُ مُتَّصلًا مِنْ غيرِ فصلٍ للزِّيادةِ المُدرجةِ، كمَا في حديثِ أبي هُريرةَ -﵁- المتقدِّمِ: «أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، وَيلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ». قالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَةَ، وَهِمَ فِيهِ شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ وَأَبُو قَطَنٍ، وَالمَرْفُوعُ مِنْهُ «وَيلٌ … إِلَى آَخِرِهِ» وَصَدْرُهُ مُدْرَجٌ، كَذَا مَيَّزَهُ سَائِرُ الرُّوَاةِ، مِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ: \"كَانَ أَبُو هُرَيرَةَ -﵁- يَاتِي عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يَتَوَضَّؤُونَ، فَيَقُولُ لَهُمْ: أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا القَاسِمِ -ﷺ- يَقُولُ: «وَيلٌ لِلْاعَقَابِ مِنَ النَّارِ»» (^٣).\nأو أنْ يُصرِّحَ الرَّاوي بأنَّ الزِّيادةَ مِنْ كلامِهِ لا مِنْ حديثِ رسولِ اللهِ -ﷺ-، كحديثِ ابنِ مسعودٍ -﵁-، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ -ﷺ- يقولُ: «مَنْ جَعَلَ للهِ نِدًَّا\n_________\n(^١) النكت لابن حجر ٢/ ٨٢٩.\n(^٢) انظر اليواقيت والدرر ٢/ ٨٣.\n(^٣) تسهيل المدرج إلى المدرج ص ٥٢. وأخرجه البخاري «ر ٦٠»، ومسلم «ر ٢٤٠».","vol":"1","page":450},{"text":"جَعَلَهُ اللهُ فِي النَّارِ». ثمَّ قالَ ابنُ مسعودٍ -﵁-: «وَأُخْرَى أَقُولُهَا لَمْ أَسْمَعْهَا مِنْهُ: مَنْ مَاتَ لَا يَجْعَلُ للهِ نِدًَّا أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ». وقدْ روى أحمدُ بنُ عبدِ الجبَّارِ العُطارديُّ الحديثَ كلِّهِ مِنْ غيرِ فصلٍ بينَ كلامِ النَّبيِّ -ﷺ- وقولِ ابنِ مسعودٍ -﵁- (^١). وقدْ رُويَ مُفصَّلًا منْ طرقٍ أخرى.\nثانيًا: تنصيصُ الأئمَّةِ على ذلكَ: مثالُهُ: حديثُ البراءِ -﵁-: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ -ﷺ- حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيهِ حَتَّى حَاذَى بِهِمَا إِلَى أُذُنَيهِ، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ إِلَى شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ». قالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «قَولُهُ: \"ثُمَّ لَمْ يَعُدْ\" مُدْرَجٌ مِنْ زِيَادَةِ يَزِيدِ بنِ أَبِي زِيَادٍ، نَبَّهَ عَلَيهِ ابنُ عُيَينَةَ» (^٢).\nثَالِثًَا: أنْ يمتنعَ صُدورُ ذلكَ الكلامِ منَ النَّبيِّ -ﷺ-: فيدلُّ السِّياقُ على أنَّ اللَّفظةَ لا يُمكنُ أنْ تكونَ مِنْ قولِهِ -ﷺ-، فغالبًَا ما تكونُ الزِّيادةُ المدرجةُ تفسيرًَا لغريبٍ، أو بيانًَا لحكمٍ شرعيٍّ، أو تعليلًَا لحكمٍ ضمنَ الحديثِ، والفيصلُ الرَّئيسُ ما بينَ زيادةِ الثِّقةِ والزِّيادةِ المدرجةِ هوَ أنَّ زيادةَ الثِّقةِ تكونُ يقينًَا مِنْ كلامِ النَّبيِّ -ﷺ-، والزِّيادةُ المدرجةُ يترجَّحُ يقينًَا أنَّها مِنْ كلامِ الرُّواةِ. قالَ ابنُ القيِّمِ (^٣) «ت ٧٥١ هـ»: «وَأَمَّا قَولُهُ: \"فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ\" فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مُدْرَجَةٌ فِي الحَدِيثِ مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيرَةَ لَا مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ -ﷺ- … قَالَ شَيخُنَا\n_________\n(^١) انظر تفصيل ذلك في المصدر السابق ص ٣٧.\n(^٢) المصدر ذاته ص ١٩ و٢٠.\n(^٣) محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي، الدمشقي، أبو عبد الله، شمس الدين، ابن قيم الجوزية، «٦٩١ هـ - ٧٥١ هـ»، له تصانيف كثيرة، منها: «إعلام الموقعين»، و«الطرق الحكمية في السياسة الشرعية»، وغيرها كثير جدًا. انظر معجم المحدثين ص ٢٦٩، والمقصد الأرشد لابن مفلح ٢/ ٣٨٤.","vol":"1","page":451},{"text":"- ابْنُ تَيمِيَّةَ -: \"هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَإِنَّ الغُرَّةَ لَا تَكُونُ فِي اليَدِ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا فِي الوَجْهِ، وَإِطَالَتُهَا غَيرُ مُمْكِنَةٍ، إِذْ تَدْخُلُ فِي الرَّاسِ فَلَا تُسَمَّى تِلْكَ غُرَّةٌ\"» (^١).\nوكحديثِ أبي هُريرةَ -﵁-، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: «لِلْعَبْدِ المَمْلُوكِ أَجْرَانِ، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَولَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالحَجُّ، وَبِرُّ أُمِّي، لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ». فقولُهُ: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ …». ممَّا تستحيلُ نسبتُهُ إلى النَّبيِّ -ﷺ-، إِذْ لا يجوزُ في حقِّهِ أنْ يتمنَّى الرِّقَّ، ولَمْ تكنْ لَهُ أمٌّ يبرُّهَا، ومنْ خلالِ السَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ تبينَ أنَّهُ منْ كلامِ أبي هُريرةَ -﵁- (^٢).\nرابعًا: أنْ يُصرِّحَ بعضُ الرُّواةِ بتفصيلِ الزِّيادةِ المدرجةِ: مثالُهُ: حديثُ شعبةَ، عنْ أنسِ بنِ سيرينَ، أنَّهُ سمعَ ابنَ عمرَ -﵁- يقولُ: طلَّقتُ امرأتي وهيَ حائضٌ، فذكرَ عمرُ -﵁- ذلكَ للنَّبيِّ -ﷺ-، فقالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا». قالَ: فتُحتسبُ بالتَّطليقةِ؟ قالَ: فَمَهْ. قالَ الخطيبُ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَالصَّوَابُ: أَنَّ الاِسْتِفْهَامَ مِنْ قَولِ أَنَسِ بنِ سِيرِينَ، وَأَنَّ جَوَابَهُ مِنْ قَولِ ابنِ عُمَرَ -﵁-» (^٣).\nومنْ خلالِ السَّبرِ فقدْ رواهُ جماعةٌ عنْ شعبةَ بنسبةِ السُّؤالِ إلى ابنِ سيرينَ، والجوابِ إلى ابنِ عمرَ -﵁- (^٤). وسيأتي تفصيلُهُ في آخرِ هذَا المبحثِ.\n_________\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص ١٣٨.\n(^٢) انظر تفصيل ذلك في كتاب تسهيل المدرج إلى المدرج ص ٥٦. وقد رجح ابن حجر القول بالإدراج بوروده من طرق أخرى تفصل الزيادة المدرجة. انظر فتح الباري ٥/ ١٧٦.\n(^٣) الفصل للوصل المدرج في النقل ١/ ١٥٥.\n(^٤) انظر تفصيل ذلك في تسهيل المدرج إلى المدرج ص ٣٣.","vol":"1","page":452},{"text":"فالسَّبرُ طريقٌ قويٌّ لبيانِ الإدراجِ في المتنِ، لكنْ لا بُدَّ معهُ مِنْ قرائنَ ودلائلَ تُقوِّي الظَّنَّ بكونِ الزِّيادةِ مُدرجَةً مِنْ كلامِ الرَّاوي، إذْ لا يعني خُلوُّ متنٍ مِنْ زيادةٍ ووجودُهَا في متنٍ آخرَ، كونَهَا مُدرجةً منْ كلامِ الرُّواةِ، بلْ قدْ تكونُ زيادةَ ثقةٍ، أو زيادةً شاذَّةً، أو منكرةً إذَا كانَ راويهَا ضعيفًَا.\nوكمَا أنَّ بيانَ الإدراجِ في الحديثِ يتمُّ منْ خلالِ الجمعِ والمقارنةِ بينَ المرويَّاتِ، كذلكَ نفيَ الإدراجِ عَنْ حديثٍ يكونُ أيضًَا مِنْ خلالِ السَّبرِ، بورودِهِ مِنْ طريقٍ أقوى تُبيِّنُ أنَّ الزِّيادةَ زيادةُ ثقةٍ، وليستْ مُدرجةً مِنْ كلامِ الرُّواةِ، مثالُهُ: حديثُ أمِّ قيسٍ بنتِ مِحْصَنٍ أنَّهَا أتتْ بابنٍ لهَا لمْ يبلغْ أنْ يأكلَ الطَّعامَ إلى رسولِ اللهِ -ﷺ-، فبالَ في حجرِهِ فدعَا بماءٍ فنضحَهُ على بولِهِ ولمْ يغسلْهُ غَسْلًا. قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «فَائِدَةٌ: ادَّعَى الأَصِيلِيُّ أَنَّ قَولَهُ «وَلَمْ يَغْسِلْهُ» مُدْرَجٌ مِنْ قَولِ ابْنِ شِهَابٍ، وَفِي البَابِ: عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ -﵁- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ، فَيَدْعُو لَهُمْ، فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَى ثَوبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَاهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، زَادَ مُسْلِمٌ: «وَلَمْ يَغْسِلْهُ»» (^١).\nأو بورودِهِ منْ طريقٍ أُخرى تُبيِّنُ أنَّ اللَّفظةَ المدرجةَ لهَا أصلٌ ثابتٌ عنْ رسولِ اللهِ -ﷺ-، فهيَ مُدرجَةٌ بالنِّسبةِ للطِّريقِ الأولى، ومُثبتَةٌ بالنِّسبةِ للطِّريقِ الثَّانيةِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى -﵁-: «إِنَّ بَينَ يَدَي السَّاعَةِ أَيَّامًَا يُرْفَعُ فِيهَا العِلْمُ، وَيَظْهَرُ فِيهَا الهَرْجُ، وَالهَرْجُ: القَتْلُ». فَصَّلَهُ بَعْضُ الحُفَّاظِ مِنَ الرُّوَاةِ، وَبَيَّنَ أَنَّ\n_________\n(^١) التلخيص الحبير ١/ ٣٩، وقد فصل الزرقاني في شرحه على الموطأ القول بنفي إدراج هذه الزيادة ١/ ١٨٧.","vol":"1","page":453},{"text":"قَولَهُ: «وَالهَرْجُ: القَتْلُ»: مِنْ كَلَامِ أَبِي مُوسَى -﵁-. وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ تَفْسِيرُهُ بِذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ مَرْفُوعًَا فِي حَدِيث سَالِمِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ -﵃-، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -﵁-» (^١). وفائدةُ هذَا حتَّى لا تُردَّ الزِّيادةُ بالجملةِ.\nوإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ المدرجِ في المتنِ مِنْ خلالِ التَّطبيقِ الآتي:\nحديثُ ابنِ عمرَ -﵁-، أنَّهُ قالَ: طلَّقتُ امرأتي وهيَ حائضٌ، فذكرَ عمرُ -﵁- ذلكَ للنَّبيِّ -ﷺ-، فقالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا». قالَ: فتُحتسبُ بالتَّطليقةِ؟ قالَ: فَمَهْ.\nأخرجَهُ هكذَا الخطيبُ في الفصلِ «ر ٧»، منْ طريقِ أحمدِ بنِ عبدِ الجبَّارِ العُطارديِّ (^٢)، عنْ أبي بكرِ بنِ عيَّاشٍ، عنْ عاصمِ بنِ أبي النُّجودِ، عنْ زرِّ بنِ حُبيشٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-.\nقالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «وَالصَّوَابُ: أَنَّ الاِسْتِفْهَامَ مِنْ قَولِ أَنَسِ بنِ سِيرِينَ، وَأَنَّ جَوَابَهُ مِنْ قَولِ ابنِ عُمَرَ».\nوقدْ بيَّنَ ذلكَ جماعةٌ مِنَ الرُّواةِ عنْ شعبةَ، منهُمْ:\n_________\n(^١) النكت لابن حجر ٢/ ٨١٩.\n(^٢) أحمد بن عبد الجبار بن محمد العطاردي، أبو عمر الكوفي، «ت ٢٧٢ هـ»، ضعيف، وسماعه للسيرة صحيح، لم يثبت أن أبا داود أخرج له. انظر التقريب «ر ٦٤».","vol":"1","page":454},{"text":"سليمانُ بنُ حربٍ (^١) عندَ البخاريِّ «ر ٤٩٤٥».\nومُحمَّدُ بنُ جعفرٍ (^٢) عندَ مسلمٍ «ر ١٤٧١»، والنَّسائيِّ «ر ٣٥٥٥»، وأبي عَوانةَ «ر ٤٥١٦».\nوخالدُ بنُ الحارثِ (^٣) عندَ مسلمٍ «ر ١٤٧١».\nوبَهْزُ بنُ أسدٍ (^٤) عندَ مسلمٍ «ر ١٤٧١»، وابنِ حنبلٍ «ر ٢٥٦٨».\nوعبدُ الرَّحمنِ بنُ مهديٍّ (^٥) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٥٢٦٨».\nويزيدُ بنُ هارونَ (^٦) في المنتقى لابنِ الجارودِ «ر ٧٣٥».\nوبشرُ بنُ عمرَ (^٧) عندَ الدَّارقطنيِّ «٤/ ٥»، والتَّمهيدُ لابنِ عبدِ البرِّ «١٥/ ٦١».\nوحجَّاجُ بنُ منهالٍ (^٨) عندَ البيهقيِّ «ر ١٤٦٩٨». وغيرُهُمْ.\n_________\n(^١) سليمان بن حرب الأزدي، الواشحي، «ت ٢٢٤ هـ»، ثقة، حافظ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٥٤٥».\n(^٢) محمد بن جعفر الهذلي، المعروف ب «بندر»، «ت ٢٩٤ هـ»، ثقة، صحيح الكتاب، إلا أن فيه غفلة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٥٧٨٧».\n(^٣) تقدمت ترجمته ص ٢٧٨.\n(^٤) بهز بن أسد العمي، أبو الأسود البصري، «ت بعد ٢٠٠ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٧١».\n(^٥) تقدمت ترجمته ص ٢٧٣.\n(^٦) تقدمت ترجمته ص ٢٧٩.\n(^٧) بشر بن عمر بن الحكم الزهراني، أبو محمد البصري، «ت ٢٠٩ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٩٨».\n(^٨) حجاج بن المنهال الأنماطي، أبو محمد السلمي، «ت ٢١٧ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ١١٣٧».","vol":"1","page":455},{"text":"كلُّ هؤلاءِ بيَّنُوا أنَّ الاستفهامَ منْ ابنِ سيرينَ، والجوابَ منْ ابنِ عمرَ -﵁-، لا مِنْ كلامِ النَّبيِّ -ﷺ- (^١).\nوفي خاتمةِ هذَا المبحثِ أُشيرُ إلى أنَّهُ قدْ يُلحظُ بعضُ التَّداخلِ والتَّكرارِ بينَ هذَا المبحثِ ومبحثِ «أثرُ السَّبرِ في معرفةِ المُدرجِ سندًَا» وهذَا عائدٌ إلى طبيعةِ ما ذكرناهُ منْ أنَّهُ لا يُمكنُ الكلامُ على مُدرجِ المتنِ بمعزلٍ عنْ مُدرجِ السَّندِ لتداخلُهِمَا وترابطُهِمَا.\n* * *\n_________\n(^١) النكت لابن حجر ٢/ ٨١٥. والأمثلة كثيرة في كتاب الخطيب البغدادي «الفصل للوصل المدرج في النقل»، والمَدرجُ إلى المُدرجِ للسيوطي.","vol":"1","page":456},{"text":"<span data-type='title' id=toc-131>المَبْحَثُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الاِضْطِرَابِ فِي المَتْنِ:</span>\nتقدَّمَ تعريفُ المضْطَربِ لغةً واصطلاحًَا، وحكمُهُ، وشروطُهُ، وأنَّهُ ينقسمُ إلى مضْطَربٍ سندًَا وهوَ الأغلبُ، ومُضْطَربٍ سندًَا ومتنًَا (^١)، وبقيَ النَّوعُ الثَّالثُ: وهوَ المضْطَربُ متنًَا فقطْ - وهوَ نادرٌ - وهوَ ما جاءَ عنْ راوٍ واحدٍ أو عنْ عددٍ مِنَ الرُّواةِ بألفاظٍ يُعارضُ بعضُهَا بعضًَا، وتعذَّرَ الجمعُ أو التَّرجيحُ بينَهَا، أمَّا إذَا أمكنَ الجمعُ أو التَّرجيحُ فَلَا اضْطِرابَ حينئذٍ، وتكونُ الرِّوايةُ الرَّاجحةُ محفوظةً أو معروفةً، والمرجوحةُ شاذَّةً أو مُنكرةً، ويدخلُ في بابِ مُختلفِ الحديثِ أو مشكلِهِ.\nوقدْ تبيَّنَ أثرُ السَّبرِ في معرفةِ المضْطربِ سندًَا، وسندًَا ومتنًَا، وهوَ ينطبقُ على المضْطَربِ متنًَا، وقلَّ أنْ يُوجدَ مثالٌ مستقلٌّ للمضْطَربِ متنًَا إلَّا ويكونَ مُحتمِلًَا يزولُ بالجمعِ أو التَّرجيحِ أو يكونَ معَهُ اضْطرابٌ في السَّندِ، أو مُضعَّفٌ سندُهُ بغيرِ الاضطرابِ، ومثالُهُ:\nحديثُ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-، قالَ: «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَينِ وَهُوَ جَالِسٌ».\n* الحديثُ أخرجَهُ بهذَا اللَّفظِ: ابنُ حنبلٍ «ر ١٧٤٧»، والنَّسائيُّ «ر ١٢٥١»، والطَّبريُّ في تهذيبِ الآثارِ «ر ٧٨»، وغيرُهُمْ منْ طريقِ رَوحِ بنِ عُبادةَ (^٢)، عنِ ابنِ جُريجٍ، عنْ عبدِ اللهِ\n_________\n(^١) انظر ص ٢٤٢.\n(^٢) تقدمت ترجمته ص ٢٨١.","vol":"1","page":457},{"text":"ابنِ مُسافعٍ، عنْ مُصعبِ بنِ شيبةَ، عنْ عُقبةَ بنِ محمَّدِ بنِ الحرثِ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- (^١).\n* وأخرجَهُ أبو داودَ «ر ١٠٣٣»، وابنُ حنبلٍ «ر ١٧٥٢»، والنَّسائيُّ «ر ١٢٥٠»، والبيهقيُّ «ر ٣٦٣٧»، منْ طريقِ حجَّاجِ بنِ محمَّدٍ الأعورِ (^٢)، عنْ ابنِ جُريجٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مُسافعٍ، عنْ مُصعبِ بنِ شيبةَ، عنْ عقبةَ بنِ محمَّدٍ بنِ الحرثِ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-.\n* والنَّسائيُّ «ر ١٢٤٩» إنَّمَا أخرجَهُ منْ طريقِ حجَّاجٍ ورَوحٍ مقرونينَ، عنِ ابنِ جُريجٍ … ثمَّ قالَ النَّسائيُّ «ت ٢٧٩ هـ»: «قالَ حجَّاجٌ: «بَعْدَمَا يُسَلِّمْ»، وقالَ رَوحٌ: «وَهُوَ جَالِسٌ»».\nوقولُهُ: «وَهُوَ جَالِسٌ». يُفيدُ أنَّهُ قَبْلَ التَّسليمِ، والأُخرى «بَعْدَمَا يُسَلِّمُ». تُبيِّنُ أنَّهُ بعدَ التَّسليمِ، وهوَ تعارضٌ بيِّنٌ، لا يُمكنُ الجمعُ بينَهُمَا لتضَادِّهمَا، ولا التَّرجيحُ لثقةِ راويهِمَا.\nوبمَا أنَّ شرطَ الاضْطِرابِ التَّساوي، فإنَّ أحدَ القرائنِ المرجِّحةِ لنفيِ الاضْطرابِ كثرةُ العددِ وتواردُ الرُّواةِ على روايةٍ، وكذلكَ إمكانيةُ الجمعِ بينَهُمَا، فقدْ ردَّ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» دعوى بعضِ الحنفيَّةِ اضْطرابَ حديثِ «تحريمِ المدينةِ»، بقرينةِ إمكانِ الجمعِ وتواردِ الرُّواةِ على روايةِ «ما بينَ لابتَيهَا».\n_________\n(^١) انظر أثر اختلاف المتون والأسانيد في اختلاف الفقهاء ص ٤٢٧.\n(^٢) حجاج بن محمد، الأعور، أبو محمد المصيصي، «ت ٢٠٦ هـ»، ثقة ثبت، اختلط آخر عمره لما قدم بغداد أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ١١٣٥».","vol":"1","page":458},{"text":"فقالَ: «اِدَّعَى بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ أَنَّ الحَدِيثَ مُضْطَرِبٌ، لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ: «مَا بَينَ جَبَلَيهَا» وَفِي رِوَايَةٍ: «مَا بَينَ لَابَتَيهَا» وَفِي رِوَايَةٍ: «مَازِمَيهَا» وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الجَمَعَ بَينَهُمَا وَاضِحٌ، وَبِمِثْلِ هَذَا لَا تُرَدُّ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، فَإِنَّ الجَمْعَ لَو تَعَذَّرَ أَمْكَنَ التَّرْجِيحُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ رِوَايَةَ «مَا بَينَ لَابَتَيهَا» أَرْجَحُ لِتَوَارُدِ الرُّوَاةِ عَلَيهَا، وَرِوَايَةُ «جَبَلَيهَا» لَا تُنَافِيهَا» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) فتح الباري ٤/ ٨٣.","vol":"1","page":459},{"text":"<span data-type='title' id=toc-132>المَبْحَثُ الخَامِسُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ القَلْبِ فِي المَتْنِ:</span>\nتقدَّمَ الكلامُ على تعريفِ القلبِ وأقسامِهِ سندًَا (^١)، ونتكلَّمُ هنَا على النَّوعِ الثَّاني منْ أنواعِ القلبِ بحسبِ موضعِهِ:\nالقلبُ في المتنَ: وهوَ أنْ تُوضعَ لفظةٌ أو جملةٌ موضعَ لفظةٍ أو جملةٍ منْ متنِ الحديثِ.\nوقدْ ذكرَ اللَّكنويُّ «ت ١٣٠٤ هـ» طُرقَ الكشفِ عنِ القلبِ في المتنِ، فقالَ: «القَلْبُ قَدْ يَشْهَدُ لَهُ نَفْسُ عِبَارَةِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ لَا يَشْهَدُ لَهُ نَفْسُ المَتْنِ، بَلْ يُعْرَفُ ذَلِكَ لِمُخَالَفِتِهِ لِلْمُعْتَادِ وَالمَعْقُولِ وَالأَمْرِ الوَاقِعِيِّ المَنْقُولِ، وَمُخَالَفَتِهِ لِأَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ مِنَ الثِّقَاتِ الأَثْبَاتِ» (^٢).\nوفي بيانِهِ ثلاثةُ طُرقٍ لمعرفتِهِ:\nالأوَّلُ: دلالةُ السِّياقِ على أنَّ الحديثَ مقلوبٌ: كحديثِ أبي هُريرةَ -﵁- قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكُ كَمَا يَبْرُكُ البَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيهِ قَبْلَ رُكْبَتَيهِ» (^٣).\nقالَ ابنُ القيِّمِ «ت ٧٥١ هـ»: «وَهُوَ مِمَّا انْقَلَبَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ مَتْنُهُ وَأَصْلُهُ، وَلَعَلَّهُ: «وَلْيَضَعْ رُكْبَتَيهِ قَبْلَ يَدَيهِ»» (^٤).\n_________\n(^١) انظر ص ٢٥٢.\n(^٢) ظفر الأماني في مختصر الجرجاني ص ٤٠٩.\n(^٣) ورد بهذا اللفظ في سنن أبي داود «ر ٨٤٠»، والنسائي «ر ١٠٩١»، وغيرهم …\n(^٤) زاد المعاد ١/ ٢٢٦.","vol":"1","page":460},{"text":"وقالَ أيضًَا: «فَإِنَّ أَوَّلَهُ يُخَالِفُ آَخِرَهُ، فَإِنَّهُ إِذَا وَضَعَ يَدَيهِ قَبْلَ رُكْبَتَيهِ فَقَدْ بَرَكَ كَمَا يَبْرُكُ البَعِيرُ، فَإِنَّ البَعِيرَ إِنَّمَا يَضَعُ يَدَيهِ أَوَّلًَا» (^١).\nوقدْ وردَ مِنْ طرقٍ كثيرةٍ تُؤيِّدُ ذلكَ (^٢).\nالثَّاني: مُخالفةُ النَّصِّ للمعتادِ والأمرِ الواقعيِّ والمنقولِ: كحديثِ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ». فقدْ جاءَ في روايةِ مسلمٍ: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ» (^٣). والسُّنَّةُ والمعلومُ والواقعُ أنَّ الإنفاقَ يُضافُ لليمينِ لا للشِّمالِ، وقدْ جاءَتِ الرِّواياتُ تعضدُ ذلكَ، فالحديثُ مرويٌّ في البخاريِّ وغيرِهِ منْ طُرقٍ بلفظِ: «حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» (^٤).\nالثَّالثُ: السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ: وهوَ القاعدةُ الرَّئيسةُ التي ترتكزُ عليهَا معرفةُ المقلوبِ في المتنِ، وذلكَ بمخالفةِ الرِّوايةِ لأكثرِ الرِّواياتِ منَ الثِّقاتِ، والطريقانِ الأوَّلانِ - بالإضافةِ إلى كونِهِمَا مِنَ الطُّرقِ المعتمدةِ في معرفةِ القلبِ في المتنِ - همَا مِنَ القرائنِ التي تُقوِّي نتيجةَ السَّبرِ، قالَ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «تَقُومُ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ قَرَائِنُ وَظُنُونٌ يَحْكُمُونَ بِهَا عَلَى الحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَقْلُوبٌ» (^٥). وصنيعُ المحدِّثينَ في كُتبِ العللِ والشُّروحِ وغيرِهَا مِنْ كتبِ الحديثِ قائمٌ على ذلكَ إذْ يسوقونَ الرِّوايةَ المقلوبةَ، ثمَّ يُبيِّنونَ وجهَ القلبِ بإيرادِ الرِّواياتِ الصَّحيحةِ، ويدعمونَ قولهمْ بمثلِ هذهِ القرائنِ والدَّلالاتِ، ومثالُ ذلكَ:\n_________\n(^١) المصدر ذاته ١/ ٢٢٤. وانظر سبل السلام ١/ ١٨٧، ونيل الأوطار ٢/ ٢٨٣.\n(^٢) انظر أبي داود «ر ٨٣٨»، والترمذي «ر ٢٦٨»، وابن ماجة «ر ٨٨٢»، والنسائي «ر ١٠٨٩»، وغيرهم …\n(^٣) مسلم «ر ١٠٣١».\n(^٤) البخاري «ر ٦٢٩». وانظر نخبة الفكر وشرحها للقاري ص ٤٧٧.\n(^٥) النكت على مقدمة ابن الصلاح ٢/ ٢٩٩.","vol":"1","page":461},{"text":"حديثُ ابنِ عمرَ -﵁-، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ».\n* الحديثُ أخرجَهُ بهذَا اللفظِ: الطَّيالسيُّ «ر ١٦٦١»، والبيهقيُّ «ر ١٦٦٦»، منْ طريقِ شعبةَ (^١)، عنْ خُبيبِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ أُنَيسةَ، مرفوعًا.\n* وأخرجَهُ ابنُ حنبلٍ «ر ٢٧٤٨٠»، والنَّسائيُّ «ر ٦٤٠»، وابنُ حبَّانَ «ر ٣٤٧٤»، منْ طريقِ منصورِ بنِ زادانَ (^٢)، عنْ خُبيبِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ أُنيسةَ، بلفظِ: «إِذَا أَذَّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا، وَإِذَا أَذَّنَ بِلَالٌ فَلَا تَاكُلُوا وَلَا تَشْرَبُوا».\nوتابعَهُ شعبةُ عندَ البيهقيِّ «ر ١٦٦٧».\n* وأخرجَهُ ابنُ خُزيمةَ «ر ٤٠٥»، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ٤٨١»، على الشَّكِّ، بلفظِ: «حَتَّى يُؤَذِّنَ بِلَالٌ أَوْ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ». منْ طريقِ شعبةَ، عنْ خُبيبِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ أُنيسةَ.\nوالصَّحيحُ هوَ اللفظُ الأوَّلُ، واللفظُ الثَّاني انقلبَ على بعضِ رُواتِهِ.\nيُؤيِّدُ ذلكَ روايةُ شعبةَ للحديثِ على الوجهينِ، ومرَّةً على الشَّكِّ، كمَا رُويَ باللَّفظِ الأوَّلِ منْ حديثِ ابنِ عمرَ -﵁- عندَ البخاريِّ «ر ٥٩٢»، ومسلمٍ «ر ١٠٩٢»، وغيرِهِمْ …، ومنْ حديثِ عائشةَ -﵁- ا عندَ البُخاريِّ «ر ٥٩٧»، ومسلمٍ «ر ١٠٩٢».\n_________\n(^١) تقدمت ترجمته ص ٢٤٨.\n(^٢) منصور بن زادان الواسطي، أبو المغيرة الثقفي، «ت ٢٢٩ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٨٩٨».","vol":"1","page":462},{"text":"قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «فَهُوَ مَقْلُوبٌ، إِذِ الصَّحِيحُ فِي لَفْظِهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيلٍ … الحَدِيثُ. وَكَذَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵁-، وَلَمْ يَرْتَضِ البَلْقِينِيُّ جَمْعَ ابْنِ خُزَيمَةَ بَينَهُمَا بِتَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ آَذَانَ اللَّيلِ نَوبًَا بَينَهُمَا، فَجَاءَ الخَبَرَانِ عَلَى حَسَبِ الحَالَينِ، وَإِنْ تَابَعَهُ ابْنُ حِبَّانَ عَلَيهِ، بَلْ بَالَغَ فَجَزَمَ بِهِ. وَقَالَ البَلْقِينِيُّ: إِنَّهُ بَعِيدٌ، وَلَو فَتَحْنَا بَابَ التَّاوِيلِ لَانْدَفَعَ كَثِيرٌ مِنْ عِلَلِ المُحَدِّثِينَ، وَأَمَّا شَيخُنَا فَمَالَ إِلَى ضَعْفِ رِوَايَةِ القَلْبِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: المَحْفُوظُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ الصَّوَابُ» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) فتح المغيث ١/ ٢٨٠، ونقل ذلك ابن حجر في النكت «٢/ ٨٧٩» عن شيخه أبي الفضل بن الحسين، ثم رجع عن ذلك في الفتح، وكأنه صحح قول من جمع بين الحديثين بأدلة، فلتنظر ٢/ ١٠٢ و١٠٣.","vol":"1","page":463},{"text":"<span data-type='title' id=toc-133>المَبْحَثُ السَّادِسُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المبهمِ فِي المَتْنِ:</span>\nتقدَّمَ الكلامُ على تعريفِ المبهمِ، وأنَّهُ ينقسمُ إلى قسمينِ (^١):\nمبهمٌ في الإسنادِ، ومبهمٌ في المتنِ، والأصلُ في معرفتِهِ: قولُ ابنِ عبَّاسٍ -﵁-: «طَلَبْتُ اسْمَ رَجُلٍ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، حَتَّى وَقَفْتُ عَلَيهِ، وَهُوَ اسْمُ الذِي خَرَجَ مِنْ بَيتِهِ مُهَاجِرًَا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، يُقَالُ: إِنَّهُ ضَمْرَةُ بنُ العِيصِ» (^٢).\n_________\n(^١) انظر ص ٣٦٢.\n(^٢) غوامض الأسماء المبهمة ٧/ ٤٨٤.","vol":"1","page":464},{"text":"<span data-type='title' id=toc-134>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: فَوَائِدُ مَعْرِفَةِ المُبْهَمِ فِي المَتْنِ:</span>\nبيَّنَ ابنُ كثيرٍ «ت ٧٧٤ هـ» أنَّ الفائدةَ منْ مُبهمِ المتنِ قليلةٌ بالنِّسبةِ للفائدةِ المترتِّبةِ على معرفةِ مُبهمِ الإسنادِ، فقالَ: «هُوَ فَنٌّ قَلِيلُ الجَدْوَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَعْرِفَةِ الحُكْمِ مِنَ الحَدِيثِ، وَلَكِنَّهُ شَيءٌ يَتَحَلَّى بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ وَغَيرِهِمْ» (^١).\nوتعقَّبهُ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»، فقالَ: «بَلْ مِنْ فَوَائِدِهِ: أَنْ يَكُونَ المُبْهَمُ سَائِلًَا عَنْ حُكْمٍ عَارَضَهُ حَدِيثٌ آَخَرُ، فَيُسْتَفَادُ بِمَعْرِفَتِهِ النَّسْخُ وَعَدَمُهُ، إِنْ عُرِفَ زَمَنُ إِسْلَامِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ، وَكَانَ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ قِصَّةٍ شَاهَدَهَا وَهُوَ مُسْلِمٌ» (^٢).\nوزادَ أبو زرعةَ العراقيُّ (^٣) «ت ٨٢٦ هـ» منْ فوائدِهِ، فقالَ: «تَحْقِيقُ الشَّيءِ عَلَى مَا هُوَ عَلِيهِ،\nفَإِنَّ النَّفْسَ مُتَشَوِّفَةٌ إِلَيهِ.\nوَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ فِي الحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ لِذَلِكَ المُبْهَمِ، فَيُسْتَفَادُ بِمَعْرِفَتِهِ فَضِيلَتُهُ، فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ، وَيَحْصُلُ الاِمْتِثَالُ لِقَولِهِ -ﷺ-: «أَنْزِلُوا النّاسَ مَنَازِلَهُمْ»\nوَمِنْهَا: أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى نِسْبَةِ فِعْلٍ غَيرِ مُنَاسِبٍ إِلَيهِ، فَيحْصُلُ بِتَعْيِينِهِ السَّلَامَةُ مِنْ جَوَلَانِ الظَّنِّ فِي غَيرِهِ مِنْ أَفَاضِلِ الصَّحَابَةِ» (^٤).\n_________\n(^١) علوم الحديث ٢/ ٦٥٢.\n(^٢) فتح المغيث ٣/ ٣٠١.\n(^٣) أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الكردي، الرازياني، المصري، أبو زرعة، ولي الدين، ابن العراقي، «٧٦٢ هـ - ٨٢٦ هـ»، قاضي الديار المصرية، من كتبه: «البيان والتوضيح لمن أخرج له في الصحيح وقد مس= = بضرب من التجريح»، و«المستفاد من مبهمات المتن والإسناد»، و«أخبار المدلسين». انظر طبقات الحفاظ ص ٥٤٨.\n(^٤) المستفاد من مبهمات المتن والإسناد ١/ ٩١.","vol":"1","page":465},{"text":"<span data-type='title' id=toc-135>المَطْلَبُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المُبْهَمِ فِي المَتْنِ:</span>\nيعرفُ المبهمُ في المتنِ منْ طريقينِ، نصَّ عليهِمَا العلماءُ، وهمَا:\nأَوَّلًَا: السَّبرُ: قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِوُرُودِهِ مُسَمَّىً فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ» (^١). مثالُ ذلكَ ما وردَ في سننِ ابنِ ماجةَ «ر ٢٨٨٥» منْ حديثِ أنسٍ -﵁-، قالَ: قالُوا: يا رسولَ اللهِ، الحجُّ في كلِّ عامٍ؟ قالَ: «لَو قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ». ثمَّ أوردَ ابنُ ماجةَ روايةً أُخرى «ر ٢٨٨٦» منْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ -﵁-، أنَّ الأقرعَ سألَ النبيَّ -ﷺ- … الحديثُ. فتعيَّنَ المبهمُ بهَا.\nوقدْ بنى ابنُ العراقيِّ «ت ٨٢٦ هـ» كتابَهُ «المستفادُ (^٢)» على السَّبرِ، سواءٌ في المتنِ أو في الإسنادِ، حيثُ يسوقُ الرِّوايةَ المشتملةَ على مبهمٍ، ثمَّ يُعيِّنُهُ، ويستدلُّ لقولِهِ بإيرادِ مَنْ أخرجَهُ مِنْ أصحابِ السُّننِ مُعيَّنًَا، مُكتفيًَا بالإشارةِ لذلكَ فحسبُ، وكذلكَ يُوردُ مَنْ نصَّ مِنَ الأئمَّةِ على تعيينِهِ، مثالُ ذلكَ: حديثُ جابرٍ -﵁-: جاءَ رجلٌ إلى\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح ص ٣٧٥.\n(^٢) كتاب المستفاد من مبهمات المتن والإسناد - للحافظ العراقي «ت ٨٢٦ هـ» - قال مصنفه «١/ ٩٣»: «أوردت فيه جميع ما ذكره ابن بشكُوال والخطيب والنووي، مع زيادات عليهم». - حققه: الدكتور = = عبد الرحمن عبد الحميد البر - ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م - دار الوفاء - مصر - المنصورة. واسم كتاب ابن بشكوال: (غوامض الأسماء المبهمة الواقعة في متون الأحاديث المسندة» طبع في دار عالم الكتب - بيروت - ١٤٠٧ هـ - تحقيق: د. عز الدين علي السيد، ومحمد كمال الدين عز الدين. واسم كتاب الخطيب: «الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة» طبع في دار مكتبة الخانجي - القاهرة - ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م -ط ٣ - تحقيق: د. عز الدين علي السيد. واسم كتاب النووي: «الإشارات إلى بيان الأسماء المبهمات» طبع في دار البيان - دمشق - ٢٠٠٧ م - تحقيق: الدكتور طه الحمداني.","vol":"1","page":466},{"text":"النَّبيِّ -ﷺ-، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ المسلمينَ أفضلُ؟ فقالَ -ﷺ-: «مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ». قالَ ابنُ العراقيِّ «ت ٨٢٦ هـ»: «السَّائِلُ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ -﵁-، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ» (^١).\nكمَا ويُستدلُّ عليهِ مِنْ خلالِ السَّبرِ بمَا أشارَ إليهِ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» بقولِهِ: «وَرُبَّمَا اسْتُدِلَّ لَهُ بِوُرُودِ تِلْكَ القِصَّةِ المُبْهَمِ صَاحِبُهَا لِمُعَيَّنٍ، مَعَ احْتِمَالِ تَعَدُّدِهَا» (^٢). وكذَا نبَّهَ ابنُ العراقيِّ «ت ٨٢٦ هـ» إلى ذلكَ، فقالَ: «وَفِيهِ نَظَرٌ، لِجَوَازِ وُقُوعِ تِلْكَ الوَاقِعَةِ لِاثْنَينِ» (^٣).\nويبقى نفيُ التَّعدُّدِ أو إثباتُهُ للقرائنِ التي تُفهمُ مِنْ النَّصِّ وتدلُّ عليهَا سياقاتُ المتونِ، كمَا في حديثِ طلحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ: أنَّ رجلًا منْ أهلِ نجدٍ، ثائرَ الرَّأسِ، جاءَ إلى النَّبيِّ -ﷺ- … الحديثُ. في سؤالِهِ عنِ الإسلامِ، وقولِهِ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ». ذكرَ ابنُ العراقيِّ «ت ٨٢٦ هـ» أنَّ السَّائلَ هوَ «ضِمامُ بنُ ثعلبةَ السَّعديُّ»، وقالَ: «ذَكَرَهُ ابْنُ إِسَحَاقَ، وَالبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيرُهُمْ». ثمَّ قالَ مُعقِّبًَا: «قُلْتُ: ضِمَامُ بنُ ثَعْلَبَةَ هُوَ السَّائِلُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ -﵁-، لَا فِي حَدِيثِ طَلْحَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ، نَبَّهَ عَلَيهِ شَيخُنَا أَبُو حَفْصٍ البُلْقِينِيُّ» (^٤).\nقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «جَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ وَآَخَرُونَ بِأَنَّهُ ضِمَامُ بنُ ثَعْلَبَةَ وَافِدُ بَنِي سَعْدٍ ابنِ بَكْرِ، وَالحَامِلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إِيرَادُ مُسْلِمٍ لِقِصَّتِهِ عَقِبَ حَدِيثِ طَلْحَةَ، وَلِأَنَّ فِي كُلٍّ\n_________\n(^١) المستفاد من مبهمات المتن والإسناد ١/ ١١٠.\n(^٢) فتح المغيث ٣/ ٣٠٢.\n(^٣) نقله السيوطي في تدريب الراوي ٢/ ٣٤٣.\n(^٤) المستفاد من مبهمات المتن والإسناد ١/ ٩٧.","vol":"1","page":467},{"text":"مِنْهُمَا أَنَّهُ بَدَوِيٌّ، وَأَنَّ كُلًَّا مِنْهُمَا قَالَ فِي آَخِرِ حَدِيثِهِ: لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. لَكِنْ تَعَقَّبَهُ القُرْطُبِيُّ بِأَنَّ سِيَاقَهُمَا مُخْتَلِفٌ وَأَسْئِلَتَهُمَا مُتَبَايِنَةٌ» (^١).\nالثَّاني: التَّنصيصُ: قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «أَوْ بِالتَّنْصِيصِ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَنَحْوِهِمْ إِنِ اتَّفَقَتِ الطُّرُقُ عَلَى الإِبْهَامِ» (^٢). ومظانُّ ذلكَ كتبُ السِّيرِ والحديثِ والشُّروحِ، والكتبُ المفردةُ في المبهماتِ.\n* * *\n_________\n(^١) فتح الباري ١/ ١٠٦. ووافق القرطبيَّ البلقينيُّ كما مرَّ، وكذلك ابنُ حجرٍ في هدي الساري ص ٢٤٥.\n(^٢) فتح المغيث ٣/ ٣٠٣.","vol":"1","page":468},{"text":"<span data-type='title' id=toc-136>المَبْحَثُ السَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ التَّصْحِيفِ فِي المَتْنِ:</span>\nلمعرفةِ التَّصحيفِ في المتنِ أهميَّةٌ كبيرةٌ، لا تقلُّ عنْ أهميَّةِ معرفتِهِ في الإسنادِ، لأنَّ سلامةَ مبنى الحديثِ هيَ سلامةٌ لمعناهُ، والتَّصحيفُ يُحيلُ اللَّفظَ عنِ المعنى المرادِ منهُ، ويزيدُ مِنَ الاختلافاتِ المرجوحةِ في الحديثِ الواحدِ التي تنبني عليهَا الأحكامُ الفقهيَّةُ، قالَ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ»: «وَكَنَحْوِ مَا وَصَفْتُ مِنْ هَذِهِ الجِهَةِ مِنْ خَطَأِ الأَسَانِيدِ فَمَوجُودٌ فِي مُتُونِ الأَحَادِيثِ مِمَّا يَعْرِفُ خَطَأَهُ السَّامِعُ الفَهِمُ حِينَ يَرِدُ عَلَى سَمْعِهِ، نَحْوُ رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ حَيثُ صَحَّفَ، فَقَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ -ﷺ- عَنِ التَّحَيُّرِ» أَرَادَ: النَّجَشَ. وَكَمَا رَوَى آَخَرُ، فَقَالَ: «إِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللهِ ﷿ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الحِرْفَةِ، وَكَذَا وَكَذَا …» أَرَادَ: مُلْحِدًَا فِي الحَرَمِ. وَكَرِوَايَةِ الآَخَرِ إِذْ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ تُتَّخَذَ الرُّوحُ عَرَضًَا» أَرَادَ: الرُّوحَ غَرَضًَا» (^١).\nوقدْ يكونُ سببُ التَّصحيفِ في المتنِ - بالإضافةِ إلى الخطأِ والوهمِ - روايةَ الحديثِ بالمعنى، لذَا اشترطَ العلماءُ لمنْ يروي الحديثَ بالمعنى أنْ يكونَ عالمًَا بمَا يُحيلُ المعاني، قالَ جريرُ ابنُ حازِمٍ (^٢) «ت ١٧٠ هـ»: «كَانَ الحَسَنُ يُحَدِّثُ بِالحَدِيثِ، الأَصْلُ وَاحِدٌ وَالكَلَامُ مُخْتَلِفٌ» (^٣).\nويُدركُ التَّصحيفُ في المتونِ أحيانًَا بداهةً حينمَا يكونُ سياقُ الحديثِ مُختلًَّا، غيرَ مفهومٍ بدايةً، ومعرفةُ الصَّوابِ فيهِ تكونُ بالطُّرقِ ذاتِهَا التي يُعرفُ بهَا التَّصحيفُ في الأسانيدِ (^٤)، وذلكَ: بتنصيصِ الأئمَّةِ المشتهرينَ بضبطِ المتونِ وألفاظِهَا، وهوَ العمدةُ في ذلكَ.\n_________\n(^١) التمييز ص ١٧١.\n(^٢) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله بن شجاع، الأزدي، العتكي، أبو النضر البصري، «٨٥ هـ- ١٧٠ هـ» ثقة، من الحفاظ. انظر طبقات الحفاظ ص ٩٢.\n(^٣) الدارمي في السنن ١/ ١٠٥/ ٣١٧.\n(^٤) انظر ص ٣٧١ وما بعدها.","vol":"1","page":469},{"text":"قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «يَنْبَغِي لِلْمُحَدِّثِ أَلَّا يَرْوِيَ حَدِيثَهُ بِقِرَاءَةِ لَحَّانٍ أَوْ مُصَحِّفٍ … وَأَمَّا التَّصْحِيفُ فَسَبِيلُ السَّلَامَةِ مِنْهُ الأَخْذُ مِنْ أَفْوَاهِ أَهْلِ العِلْمِ وَالضَّبْطِ، فَإِنَّ مَنْ حُرِمَ ذَلِكَ وَكَانَ أَخْذُهُ وَتَعَلُّمُهُ مِنْ بُطُونِ الكُتُبِ كَانَ مِنْ شَانِهِ التَّحْرِيفُ، وَلَمْ يَفْلَتْ مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّصْحِيفِ» (^١).\nوكذلكَ فللسَّبرِ أثرٌ كبيرٌ في معرفةِ التَّصحيفِ في المتونِ، إذْ إِنَّ التَّباينَ في الألفاظِ يُشيرُ إلى وُجودِ الخطأِ، ومَا يَرِدُ مُصحَّفًَا أو مُحرَّفًَا في متنٍ يأتي مُحرَّرًَا ومُصوَّبًَا مِنْ طريقٍ أُخْرَى، وبدلالةِ قرائنِ اللُّغةِ والسِّياقِ والقُوَّةِ - وغيرِ ذلكَ - يتميَّزُ الصَّوابُ مِنَ التَّصحيفِ.\nمثالُ ذلكَ: حديثُ زيدِ بنِ ثابتٍ -﵁-، أنَّ النَّبيَّ -ﷺ-: «احْتَجَمَ فِي المَسْجِدِ بِخُوصَةٍ …».\nالحديثُ رواهُ بهذَا اللَّفظِ ابنُ حنبلٍ في مسندِهِ «ر ٢١٦٤٨» منْ طريقِ ابنِ لهيعةَ (^٢).\nوقدْ روى الحديثَ بلفظِ: «اِحْتَجَرَ». بدلَ: «احْتَجَمَ». البخاريُّ «ر ٥٧٦٢»، ومسلمٌ «ر ٧٨١»، وأبو داودَ «ر ١٤٤٧»، وابنُ حنبلٍ «ر ٢١٦٧٥»، وغيرُهمْ منْ حديثِ زيدٍ -﵁-.\nقالَ الإمامُ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ»: «وَهَذِهِ رِوَايَةٌ فَاسِدَةٌ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، فَاحِشٌ خَطَؤُهَا فِي المَتْنِ وَالإِسْنَادِ جَمِيعًَا، وابنُ لَهِيعَةَ المُصَحِّفُ فِي مَتْنِهِ، المُغَفَّلُ فِي إِسْنَادِهِ، وَإِنَّمَا الحَدِيثُ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- احْتَجَرَ فِي المَسْجِدِ بِخُوصَةٍ …» (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح ص ٢١٨.\n(^٢) عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي، أبو عبد الرحمن المصري، «ت ١٧٤ هـ»، صدوق، خلط بعدما احترقت كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، أخرج له «م د ت جه». انظر التقريب «ر ٣٥٦٣».\n(^٣) التمييز ص ١٨٧. «خوصة»: المنسوج من روق النخل. انظر النهاية في غريب الحديث ٢/ ٨٧.","vol":"1","page":470},{"text":"<span data-type='title' id=toc-137>المَبْحَثُ الثَّامِنُ: ضَبْطُ الحَدِيثِ «الرِّوَايَةُ بِاللَّفْظِ وَالمَعْنَى»</span> (^١):\nتصدَّرتْ مسألةُ الرِّوايةِ بالمعنى الأهميَّةَ بالنِّسبةِ لعلمِ الحديثِ روايةً، لمَا لهَا مِنْ أثرٍ بالغٍ في فهمِ المرادِ منَ الحديثِ، ولمَا يترتَّبُ عليهَا منْ اختلافٍ والتباسٍ في الألفاظِ، يُؤدِّي إلى اختلافٍ في الدَّلائلِ والأحكامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-138>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ الرِّوَايَةِ بِالمَعْنَى، وَالفَرْقُ بَينَهَا وَبَينَ التَّصْحِيفِ:</span>\nالرِّوايةُ بالمعنى: هيَ تغييرُ اللَّفظِ معَ بقاءِ المعنى واحدًَا. قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «شَرْطُ الرِّوَايَةِ بِالمَعْنَى أَنْ يَتَّفِقَ المَعْنَى فِي اللَّفْظَينِ» (^٢).\nوقدْ تبيَّنَ في مبحثِ «التَّصحيفِ في المتنِ» السَّابقِ (^٣)، أنَّ أحدَ أسبابِ التَّصحيفِ: الرِّوايةُ بالمعنى، إذَا رواهَا غيرُ عالمٍ بمَا يُحيلُ الألفاظَ.\nوالفرقُ بينَهُمَا أنَّ التَّصحيفَ: تغييرٌ في اللَّفظِ يُؤدِّي إلى تغييرٍ في المعنى.\n_________\n(^١) انظر العلل للترمذي ص ٧٤٦، والكفاية ص ١٩٨، ومقدمة ابن الصلاح، واختصار علوم الحديث ٢/ ٤١٩، والمنهل الروي ص ٩٩، وجامع الأصول ١/ ٩٧، والتقريب ص ١٥، والشذا الفياح ١/ ٣٦٧، والمقنع في علوم الحديث ١/ ٣٧٥، وفتح المغيث ٢/ ٢٤١. ومن المؤلفات المفردة: «الرواية بالمعنى وأثرها في الفقه الإسلامي» - د. عبد المجيد بيرم - طبع في مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة.\n(^٢) فتح الباري ٨/ ١٩٨.\n(^٣) انظر ص ٤٠٩.","vol":"1","page":471},{"text":"<span data-type='title' id=toc-139>المَطْلَبُ الثَّانِي: حُكْمُ الرِّوَايَةِ بِالمَعْنَى:</span>\nاختلفَ العلماءُ في جوازِ الرِّوايةِ بالمعنى اختلافًا كثيرًا، والمعتمدُ في ذلكَ هوَ قولُ جمهورِ العلماءِ مِنَ الفقهاءِ والمحدِّثينَ: بجوازِ الرِّوايةِ بالمعنى مِنْ مشتغلٍ بالعلمِ ناقدٍ لوجوهِ تصرُّفِ الألفاظِ، على ألَّا يكونَ الحديثُ مُتعبَّدًا بلفظِهِ، وألَّا يكونَ مِنْ جوامعِ كلمِ النَّبيِّ -ﷺ- (^١). قالَ التِّرمذيُّ «ت ٢٧٩ هـ»: «فَأَمَّا مَنْ أَقَامَ الإِسْنَادَ وَحَفِظَهُ وَغَيَّرَ اللَّفْظَ، فَإِنَّ هَذَا وَاسِعٌ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرِ المَعْنَى» (^٢).\n_________\n(^١) الإلماع للقاضي عياض ص ١٧٨.\n(^٢) العلل الصغير للترمذي ص ٧٤٦.","vol":"1","page":472},{"text":"<span data-type='title' id=toc-140>المَطْلَبُ الثَّالثُ: أثرُ السَّبرِ في ضبطِ الحديثِ:</span>\nضبطُ الحديثِ وإيرادُهُ باللَّفظِ أولى مِنْ روايتِهِ بالمعنى - وإنْ كانتْ جائزةً كمَا تقدَّمَ - لأنَّهُ أداءٌ للحديثِ بحروفِهِ كمَا سُمِعَ منهُ -ﷺ-، قالَ ابنُ الأثيرِ «ت ٥٤٤ هـ»: «فَالنَّقْلُ بِاللَّفْظِ عَزِيمَةٌ وَبِالمَعْنَى رُخْصَةٌ فِي بَعْضِ الأَخْبَارِ» (^١).\nفإذَا كانَ تغييرُ اللَّفظِ يُؤدِّي إلى تغييرِ المعنى فهوَ التَّصحيفُ، وقدْ مرَّ بيانُهُ في المبحثِ السَّابقِ.\nوإذَا كانَ تغييرُ اللَّفظِ بمعنىً مُرادفٍ يُفسِّرُ اللفظَ الأوَّلَ، فهوَ يدخلُ في تفسيرِ غريبِ الحديثِ - ما لمْ يكنْ مُدرجًَا مِنْ كلامِ الرُّواةِ - وسيأتي الكلامُ عليهِ في المبحثِ الآتي، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.\nوإذَا كانتِ الرِّوايةُ بالمعنى بلفظٍ مُرادفٍ يحملُ المعنى ذاتَهُ، فلا يترتَّبُ على ذلكَ شيءٌ، سوى التَّباينِ في الألفاظِ فحسبُ، مثالُ ذلكَ: حديثُ ابنِ عمرَ -﵁- أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ- قالَ: «الحُمَّى مِنْ فَيحِ جَهَنَّمَ، فَأَطْفِئُوهَا بِالمَاءِ».\nقالَ ابنُ عبدِ البرِّ «ت ٤٦٣ هـ»: «وَلَفْظُ حَدِيثِ عَائِشَةَ -﵁-: «فَأَبْرِدُوهَا»، وَهَذَا عَلَى نَقْلِ الحَدِيثِ بِالمَعْنَى» (^٢).\n_________\n(^١) جامع الأصول ١/ ٩٩.\n(^٢) التمهيد لابن عبد البر ٢٢/ ٢٩٣، والحديث مخرج باللفظين في البخاري «ر ٥٣٩١»، و«ر ٥٣٩٢» وما بعدهما، ومسلم «ر ٢٢٠٩»، وما بعده.","vol":"1","page":473},{"text":"وقدْ يروي بعضُ الرُّواةِ الحديثَ بالمعنى على وجهٍ يَظنُّ أنَّهُ أدَّى المطلوبَ منهُ، ولكنْ بمقارنةِ روايتِهِ برواياتِ غيرِهِ يظهرُ قُصُورُهُ في تأديةِ المعنى الصَّحيحِ (^١)، ممَّا يترتَّبُ عليهِ اختلافٌ في الأحكامِ والدَّلائلِ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «أَلَا تَرَى إِلَى إِسْمَاعِيلَ بنِ عُلَيَّةَ كَيفَ أَنْكَرَ عَلَى شُعْبَةَ - مَعَ جَلَالَتِهِ وَإِتْقَانِهِ - رِوَايَتَهُ بِالمَعْنَى عَنْهُ بِحَدِيثِ النَّهْيِ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ، بِلَفْظِ: «نَهَى عَنِ التَّزَعْفُرِ» الدَّالِّ عَلَى العُمُومِ. حَيثُ لَمْ يَفْطَنْ لِمَا فَطِنَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ الذِي رِوَايَةُ شُعْبَةَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ الأَكَابِرِ عَنِ الأَصَاغِرِ مِنْ اخْتِصَاصِ النَّهْيِ بِالرِّجَالِ» (^٢).\nوهنَا تظهرُ فائدةُ السَّبرِ والمقارنةِ وإيرادِ المتونِ المختلفةِ، وممَّنِ اعتنى بذلكَ الإمامُ مسلمٌ ﵀، حيثُ ميَّزَ في صحيحِهِ اختلافَ الرُّواةِ حتَّى في حرفٍ مِنَ المتنِ، وربَّمَا كانَ لا يتغيَّرُ بهِ معنىً، وربَّمَا كانَ في بعضِهِ اختلافٌ في المعنى، ولكنَّهُ خفاءٌ لا يتفطَّنُ لهُ إلَّا مَنْ هوَ في العلمِ بمكانٍ (^٣). ويكونُ إبرازُ الصَّوابِ منْ غيرِهِ منْ خلالِ القرائنِ والمرجِّحاتِ، مِنْ ذلكَ:\nأولًا: الأكثرُ عددًَا: مثالُ ذلكَ حديثُ أبي هريرةَ -﵁-، أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ-، قالَ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا وَعَلَيكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «قَولُهُ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»، أَي: فَأَكْمِلُوا: هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ، وَرَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ عُيَينَةَ بِلَفْظِ «فَاقْضُوا»» (^٤).\n_________\n(^١) ولأجل هذا قال القاضي عياضٌ: «ينبغي سد باب الرواية بالمعنى، لئلا يتسلط من لا يحسن، ظنا منه أنه يحسن، كما وقع لكثير من الرواة قديمًا وحديثًا». انظر الغاية في شرح الهداية ص ١١٤.\n(^٢) فتح المغيث ٢/ ٢٤١.\n(^٣) المصدر ذاته ٢/ ٢٤٤.\n(^٤) فتح الباري ٢/ ١١٨.","vol":"1","page":474},{"text":"قالَ البيهقيُّ «ت ٤٥٨ هـ»: «وَالذِينَ قَالُوا: «فَأَتِمُّوا» أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ وَأَلْزَمُ لِأَبِي هُرَيرَةَ -﵁- فَهُوَ أَولَى» (^١).\nثانيًا: الأضبطُ أو أنْ يكونَ الرَّاوي ممَّنْ لا يرى الرِّوايةَ بالمعنى: فتُرجَّحُ روايتُهُمَا على روايةِ مَنْ هوَ أقلُّ ضبطًَا، أو كانَ ممَّنْ يرى الرِّوايةَ بالمعنى، قالَ ابنُ عونٍ (^٢) «ت ١٥١ هـ»: «كَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ يَاتُونَ بِالحَدِيثِ عَلَى المَعَانِي، وَكَانَ القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ ابنُ سِيرِينَ وَرَجَاءُ بنُ حَيَوَةَ يُقَيِّدُونَ الحَدِيثَ عَلَى حُرُوفِهِ» (^٣)، وقدْ نقلَ الأبناسيُّ «ت ٨٠٢ هـ» عَنِ الحازميِّ في كتابِهِ «الاعتبارُ في النَّاسخِ والمنسوخِ» هذَا الوجهَ مِنْ وجوهِ التَّرجيحِ، فقالَ: «العِشْرُونَ: كَونُ رَاوِيهِ لَا يُجِيزُ الرِّوَايَةَ بِالمَعْنَى» (^٤). وقالَ الصَّنعانيُّ «ت ١١٨٢ هـ» في بيانِ وجوهِ التَّرجيحِ: «أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَينِ لَا يُجِيزُ الرِّوَايَةَ بِالمَعْنَى، فَإِنَّ رِوَايَتَهُ أَرْجَحُ» (^٥).\nمثالُ ذلكَ حديثُ أبي هُريرةَ -﵁- في كفَّارةِ الإفطارِ في رمضانَ، فقدِ اختُلِفَ على الزُّهريِّ في روايتِهِ، فروى بعضُ الرُّواةِ الكفَّاراتِ «العتقَ أو الصِّيامَ أو الإطعامَ» على التَّخييرِ، ورواهَا غيرُهُمْ على التَّرتيبِ، قالَ البيهقيُّ «ت ٤٥٨ هـ»: «وَرِوَايَةُ الجَمَاعَةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُقَيَّدَةٌ بِالوَطْءِ، نَاقِلَةٌ لِلَفْظِ صَاحِبِ الشَّرْعِ، أَولَى بِالقَبُولِ لِزِيَادَةِ حِفْظِهِمْ،\n_________\n(^١) سنن البيهقي ٢/ ٢٩٨.\n(^٢) عبد الله بن عون بن أرطبان، المزني، البصري، «… - ١٥١ هـ»، من حفاظ الحديث. تذكرة الحفاظ ١/ ١٥٦.\n(^٣) انظر العلل للترمذي ص ٧٤٦.\n(^٤) الشذا الفياح ٢/ ٤٧٣.\n(^٥) توضيح الأفكار ٢/ ٢٣١.","vol":"1","page":475},{"text":"وَأَدَائِهِمُ الحَدِيثَ عَلَى وَجْهِهِ، كَيفَ وَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بنُ مَسْعَدَةَ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَ رِوَايَةِ الجَمَاعَةِ» (^١).\nوإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في ضبطِ الحديثِ وترجيحِ روايةِ الألفاظِ على الرِّوايةِ بالمعنى منْ خلالِ حديثِ أبي هريرةَ -﵁-، أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ-، قالَ: «فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». السَّابقِ، نُبيِّنُهُ بمزيدِ تفصيلٍ:\n* روى هذَا الحديثَ الزُّهريُّ، عنْ سعيدِ بنِ المسيَّبِ وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ أبي هُريرةَ -﵁-، مرفوعًَا (^٢)، بلفظِ: \"فَأَتِمُّوا\" جمعٌ منَ الرُّواةِ، منهُمْ:\nابنُ أبي ذئبٍ (^٣) عندَ البخاريِّ «ر ٦١٠».\nوإبراهيمُ بنُ سعدٍ (^٤) عندَ مسلمٍ «ر ٦٠٢»، وابنِ ماجةَ «ر ٧٥٥».\nوشعيبُ بنُ أبي حمزةَ (^٥) عندَ البخاريِّ «ر ٨٦٦».\nوعُقيلُ بنُ خالدٍ الأيليُّ (^٦) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٩٨٣٤».\n_________\n(^١) سنن البيهقي ٤/ ٢٢٥.\n(^٢) انظر تفصيل طرق الحديث في العلل للدارقطنيِّ ٩/ ٣٢٩.\n(^٣) تقدمت ترجمته ص ٢٤٠.\n(^٤) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، أبو إسحاق المدني، «ت ١٨٥ هـ»، ثقة حجة، تكلم فيه بلا قادح، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ١٧٧».\n(^٥) شعيب بن أبي حمزة الأموي، أبو بشر الحمصي، «ت ١٦٢ هـ»، ثقة، من أثبت الناس في الزهري، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٧٩٨».\n(^٦) عُقيل بن خالد بن عَقيل الأيلي، أبو خالد الأموي، «ت ١٤٤ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٦٦٥».","vol":"1","page":476},{"text":"وسفيانُ بنُ عيينةَ (^١) عندَ مسلمٍ «ر ٦٠٢»، والدَّارِميِّ «ر ١٢٨٢».\nومحمَّدُ بنُ أبي حفصةَ (^٢) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٧٢٥١».\nومعمرُ بنُ راشدٍ (^٣) عندَ التِّرمذيِّ «ر ٣٢٧»، وابنِ حنبلٍ «ر ٧٦٤٩».\nويونسُ بنُ يزيدٍ الأيليُّ (^٤) عندَ أبي داودَ «ر ٥٧٢».\nوعبدُ الرَّزَّاقِ الصَّنعانيُّ (^٥) في مصنَّفِهِ «ر ٣١٠٢».\n* ورواهُ عنِ الزُّهريِّ بلفظِ \"فَاقْضُوا\":\nسفيانُ بنُ عيينةَ (^٦) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٧٢٤٩»، والنَّسائيِّ «ر ٨٦١»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ٧٤٠٠»، والحُميديِّ «ر ٩٣٥».\nومعمرُ بنُ راشدٍ عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٧٦٥١»، وعبدِ الرَّزَّاقِ «ر ٣٣٩٩».\nقالَ أبو دَاوُدَ «ت ٢٧٥ هـ»: «كَذَا قَالَ الزُّبَيدِيُّ، وابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ، وَمَعْمَرٌ، وَشُعَيبُ بنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».\n_________\n(^١) تقدمت ترجمته ص ٢٣٠.\n(^٢) تقدمت ترجمته ص ٣٢٦.\n(^٣) تقدمت ترجمته ص ٢٣٢.\n(^٤) تقدمت ترجمته ص ٢٤٠.\n(^٥) عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، أبو بكر الصنعاني، «ت ٢١١ هـ»، ثقة حافظ، مصنف، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٠٦٤».\n(^٦) تقدمت ترجمته ص ٢٣٠.","vol":"1","page":477},{"text":"وَقَالَ ابْنُ عُيَينَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَحْدَهُ: «فَاقْضُوا» (^١).\nوَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -﵁-. وَجَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -﵁-: «فَأَتِمُّوا». وابْنُ مَسْعُودٍ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-. وَأَبُو قَتَادَةَ -﵁-، وَأَنَسٌ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- كُلُّهُمْ قَالُوا: «فَأَتِمُّوا»» (^٢).\nوعلى هذَا فضبطُ الحديثِ يقومُ على مقارنةِ المتونِ بعضِهَا ببعضٍ، فقدْ يُروى الحديثُ على المعنى، وبالسَّبرِ والمقارنةِ يتَّضحُ اللَّفظُ الأصليُّ لهُ، ويكونُ التَّرجيحُ للقرائنِ واستنادًَا على قوَّةِ الإسنادِ وضعفِهِ.\n* * *\n_________\n(^١) مرَّ أنَّ معمرًا تابع ابن عيينة على هذا اللفظ، كما إنَّ ابن عيينة ومعمرًا رويا الحديث على اللفظ تارة، وعلى المعنى أخرى.\n(^٢) سنن أبي داود ١/ ١٥٦.","vol":"1","page":478},{"text":"<span data-type='title' id=toc-141>المَبْحَثُ التَّاسِعُ: مَعْرِفَةُ غَرِيبِ الحَدِيثِ:</span> (^١)\n<span data-type='title' id=toc-142>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ غَرِيبِ الحَدِيثِ:</span>\nلغةً: الغريبُ: الغامضُ والخفيُّ منَ الكلامِ (^٢).\nاصطلاحًا: ما وقعَ في متونِ الأحاديثِ منَ الألفاظِ الغامضةِ، البعيدةِ منَ الفهمِ (^٣).\n_________\n(^١) انظر مقدمة ابن الصلاح ص ٢٧٢، ورسوم التحديث ص ٩٤، والشذا الفياح ٢/ ٤٥١، وفتح المغيث ٣/ ٤٧، تدريب الراوي ٢/ ١٨٤، وشرح نخبة الفكر للقاري ص ٥٠٢، واليواقيت والدرر ٢/ ١٢٥.\n(^٢) انظر لسان العرب - مادة «غرب» ١/ ٦٤٠.\n(^٣) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٧٢.","vol":"1","page":479},{"text":"<span data-type='title' id=toc-143>المَطْلَبُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ غَرِيبِ الحَدِيثِ:</span>\nعنيَ العلماءُ بشرحِ غريبِ الحديثِ عنايةً فائقةً، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «هَذَا فَنٌّ مُهِمٌّ، يَقْبُحُ جَهْلُهُ بِأَهْلِ الحَدِيثِ خَاصَّةً، ثُمَّ بِأَهْلِ العِلْمِ عَامَّةً» (^١).\nولأجلِ هذَا فلمْ يخلُ عصرٌ ممَّنْ أفردَ غريبَ الألفاظِ بالتَّصنيفِ، حتَّى جاءَ الإمامُ ابنُ الأثيرِ «ت ٦٠٦ هـ» فصنَّفَ كتابَ «النِّهايةِ في غريبِ الحديثِ» جمعَ فيهِ ما تفرَّقَ في غيرِهِ (^٢).\nوقدْ بيَّنَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» أنَّهُ لا ينبغي أنْ يُقلَّدَ مِنْ كتبِ غريبِ الحديثِ إلَّا مَا كانَ مُصنِّفوهَا مِنَ الأئمَّةِ الأجلَّاءِ (^٣).\nوقدْ أجمعتْ كُتبُ أُصولِ الحديثِ على أنَّ أقوى ما يُعتمدُ عليهِ في تفسيرِ غريبِ الحديثِ أنْ يُظفرَ بِهِ مُفسَّرًَا في بعضِ رواياتِ الحديثِ، قالَهُ ابنُ الصَّلَاحِ «ت ٦٤٣ هـ» (^٤).\nوقالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «إِنَّ أَصَحَّهُ مَا جَاءَ مُفَسَّرًَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِنْ كَانَ» (^٥).\n_________\n(^١) المصدر ذاته.\n(^٢) قال شيخنا محمد عجاج - حفظه الله -: «وهذا الكتاب من أجمع وأشهر ما صنف في غريب الحديث، وهو ثمار جهود العلماء قبل ابن الأثير». لمحات في المكتبة والبحث والمصادر ص ٢٠٥. والكتاب طبع في المكتبة العلمية - بيروت - ١٩٧٩ م - في خمس مجلدات - بتحقيق: طاهر أحمد الزاوي، ومحمود محمد الطناحي.\n(^٣) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٧٢.\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) التقريب ص ١٩.","vol":"1","page":480},{"text":"وقالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «وَأَجْوَدُ تَفْسِيرِهِ مَا جَاءَ مُفَسَّرًَا بِهِ فِي رِوَايَةٍ» (^١).\nوبذلكَ تبرزُ أهميَّةُ السَّبرِ وتتبُّعُ طُرقِ الحديثِ والمقارنةُ بينَ متونِهِ في تفسيرِ غريبِ الحديثِ، وأنَّهُ العمدةُ في ذلكَ، وقدْ تقدَّمَ كلامُ الإمامِ ابنِ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «الحَدِيثُ إِذَا لَمْ تُجْمَعْ طُرُقُهُ لَمْ تَفْهَمْهُ، وَالحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًَا» (^٢).\nومنْ أشهرِ أمثلةِ ذلكَ: حديثُ ابنِ صيَّادٍ، أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قالَ لهُ: «قَدْ خَبَاتُ لَكَ خَبِيئًَا. قَالَ: الدُّخُ. قَالَ: اِخْسَا، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ».\nقالَ ابنُ الصَّلاحُ «ت ٦٤٣ هـ»: «فَهَذَا خَفِيَ مَعْنَاهُ وَأُعْضِلَ، وَفَسَّرَهُ قَومٌ بِمَا لَا يَصِحُّ، وَفِي مَعْرِفَةِ عُلُومِ الحَدِيثِ لِلْحَاكِمِ: «أَنَّهُ الدَّخُ»، بِمَعْنَي الزَّخُ الذِي هُوَ الجِمَاعُ، وَهَذَا تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ يَغِيظُ العَالِمَ وَالمُؤْمِنَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الحَدِيثِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ-، قَالَ لَهُ: قَدْ أَضْمَرْتُ لَكَ ضَمِيرًَا، فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: الدُّخُ، بِضَمِّ الدَّالِ، يَعْنِي الدُّخَانَ، وَالدُّخُ: هُوَ الدُّخَانُ فِي لُغَةٍ. إِذْ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الحَدِيثِ مَا نَصُّهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِنِّي قَدْ خَبَأتُ لَكَ خَبِيئًَا، وَخَبَأَ لَهُ يَومَ تَاتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ … وَهَذَا ثَابِتٌ صَحِيحٌ، خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيرُهُ» (^٣).\nوإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ غريبِ الحديثِ، وتفسيرِ الرِّواياتِ بعضِهَا ببعضٍ، منْ خلالِ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ -﵁-، أنّ رسولَ اللهِ -ﷺ-، قالَ: «الأَيِّمُ أَحَقُّ\n_________\n(^١) تدريب الراوي ص ١٨٦.\n(^٢) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢١٢.\n(^٣) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٧٤.","vol":"1","page":481},{"text":"بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالبِكْرُ تُسْتَاذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صِمَاتُهَا». مدارُ هذَا الحديثِ على عبدِ اللهِ بنِ الفَضلِ (^١)، عنْ نافعِ بنِ جُبيرٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-.\n* وقدْ رواهُ بلفظِ «الأَيِّمِ» الإمامُ مالكٌ في الموطَّأِ «ر ١٠٩٢»، وعندَ مسلمٍ «ر ١٤٢١»، وأبي داودَ «ر ٢٠٩٨»، والتِّرمذيِّ «ر ١١٠٨»، والنَّسائيِّ «ر ٣٢٦٠»، وغيرِهِمْ.\nوتابعَهُ الثَّوريُّ (^٢) عندَ عبدِ الرَّزَّاقِ في مصنَّفِهِ «ر ١٠٢٨٢».\nومحمَّدُ بنُ إسحاقَ (^٣) عندَ ابنِ أبي شيبةَ «ر ١٥٩٦٩».\nقالَ الدَّارقطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ»: «وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ الفَضْلِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا» مِنْهُمْ شُعْبَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ دَاوُدَ الخُرَيبِيُّ، وَسُفْيَانُ بنُ عُيَينَةَ، وَيَحْيَى بنُ أَيُّوبَ المِصْرِيُّ، وَغَيرُهُمْ» (^٤). وساقَ الدَّارقطنيُّ الأسانيدَ للذينِ ذكرَهُمْ في سننهِ «ر ٧١»، وروايةُ شعبةَ عندَ أبي عَوَانةَ «ر ٤٢٥٣» أيضًا.\nقالَ ابنُ بطَّالٍ (^٥) «ت ٤٤٩ هـ»: «المُرَادُ بِالأَيِّمِ فِي هَذَا الحَدِيثِ: الثَّيِّبُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ رَوَى جَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا» مَكَانَ قَولِهِ: «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا»» (^٦).\n_________\n(^١) عبد الله بن الفضل بن العباس الهاشمي، المدني، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٣٥٣٣».\n(^٢) تقدمت ترجمته ص ٢٣٢.\n(^٣) تقدمت ترجمته ص ٢٩٥.\n(^٤) سنن الدارقطني ٣/ ٢٤٠.\n(^٥) علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال، أبو الحسن، «… - ٤٤٩ هـ»، من علماء الحديث، من تصانيفه: «شرح البخاري». انظر الأعلام للزركلي ٤/ ٢٨٥.\n(^٦) شرح صحيح البخاري ٧/ ٢٥٣.","vol":"1","page":482},{"text":"* كمَا رُويَ مِنْ طريقِ زيادِ بنِ سعدٍ (^١) بالإسنادِ ذاتِهِ، بلفظِ «الثَّيِّبُ» بدلَ «الأَيِّمُ»، عندَ الإمامِ مسلمٍ «ر ١٤٢١»، وأبي داودَ «ر ٢٠٩٩»، والنَّسائيِّ «ر ٣٢٦٤»، والحميديِّ «ر ٥١٧».\nوبذلكَ تبرزُ أهميَّةُ اعتمادِ السَّبرِ والمقارنةِ بينَ الرِّواياتِ في تفسيرِ غريبِ ألفاظِ الحديثِ لأنَّهُ قدْ يكونُ مرادُ الألفاظِ في الحديثِ شرعيًّا لا لُغويًّا، كمَا بينَ ذلكَ السَّخاويُّ (^٢).\nوكذلكَ فأهميَّةُ بيانِ الغريبِ تكمنُ في التَّرجيحِ بينَ اختلافاتِ الفقهاءِ في الأحكامِ الذي تُسبِّبهُ الاختلافاتُ في تفسيرِ معاني الغريبِ، فالخلافُ بينَ «الثَّيِّبِ» و«الأَيِّمِ» يترتَّبُ عليهِ الاختلافُ في اشتراطِ الوليِّ في صحَّةِ نكاحِ البكرِ البالغةِ (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) زياد بن سعد الخراساني، ثقة ثبت، من أثبت أصحاب الزهري، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٠٨٠».\n(^٢) انظر فتح المغيث ٣/ ٤٥.\n(^٣) لتفصيل الخلاف بين المذاهب والترجيح، انظر الاجتهاد في علم الحديث وأثره في الفقه الإسلامي - د. علي البقاعي ص ٣٢٥.","vol":"1","page":483},{"text":"<span data-type='title' id=toc-144>المَبْحَثُ العَاشِرُ: مَعْرِفَةُ أَسْبَابِ وُرُودِ الحَدِيثِ:</span> (^١)\n<span data-type='title' id=toc-145>المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ أَسْبَابِ وُرُودِ الحَدِيثِ:</span>\nلغةً: أسبابٌ: جمعُ سببٍ، والسَّببُ: الحبلُ، وما يُتوصَّلُ بِهِ إلى غيرِهِ (^٢).\nوالورودُ: الموافاةُ إلى الشَّيءِ (^٣).\nاصطلاحًَا: معرفةُ ما جرى الحديثُ في سياقِ بيانِ حكمِهِ وقتَ وقوعِهِ (^٤).\n_________\n(^١) انظر في أسباب ورود الحديث: محاسن الاصطلاح للبلقيني ٦٩٨ وما بعدها، ونخبة الفكر وشرحها للقاري ص ٨١٤، وتوجيه النظر ٢/ ٦٠٩، ومن الكتب المفردة في هذا الفن: «اللُّمع في أسباب الحديث» للسيوطي - طبع في دار المكتبة العلمية - بيروت - ١٩٨٤ م - تحقيق: يحيى إسماعيل أحمد. وكتاب: «البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث» لإبراهيم بن محمد الحسيني - المعروف: بابن حمزة «ت ١١٢٠ هـ» - طبع في دار الكتاب العربي - بيروت - ١٤٠١ هـ - تحقيق: سيف الدين الكاتب. وهذا الأخير هو أوسع ما صنِّف في هذا الفن. وقد ألف الدكتور طارق الأسعد كتابًا أسماه «علم أسباب ورود الحديث - وتطبيقاته عند المحدثين والأصوليين» - وأصله رسالة دكتوراة - طبع في دار ابن حزم - بيروت - ١٤٢٢ هـ/ ٢٠٠١ م.\n(^٢) انظر القاموس المحيط - مادة «سبب» ١/ ٨٣.\n(^٣) انظر معجم مقاييس اللغة ٦/ ١٠٥.\n(^٤) علم أسباب ورود الحديث ص ١٩.","vol":"1","page":484},{"text":"<span data-type='title' id=toc-146>المَطْلَبُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ أَسْبَابِ وُرُودِ الحَدِيثِ:</span>\nلمعرفةِ أسبابِ ورودِ الأحاديثِ أهميَّةٌ عظيمةٌ عندَ المحدِّثينَ والفقهاءِ على حدٍّ سواءٍ، لأنَّهُ بمثابةِ معرفةِ أسبابِ النُّزولِ مِنَ القرآنِ الكريمِ، وبِهِ يُفهمُ الحديثُ (^١).\nوقدْ يأتي سببُ الورودِ في سياقِ الحديثِ ذاتِهِ، أو في بعضِ طرقِهِ، وقدْ يكونُ منْ طريقِ الصَّحابيِّ نفسِهِ، بأنْ يرويهِ بعضُ الرُّواةِ مُختصرًَا، ثمَّ يرويهِ غيرُهُ مُطوَّلًا أو بتمامِهِ، وقدْ يكونُ الحديثُ بتمامِهِ - معَ سببِ ورودِهِ - منْ طريقِ صحابيٍّ آخرَ.\nوهنَا تظهرُ فائدةُ السَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ في الكشفِ عنْ سببِ ورودِ الحديثِ، قالَ البَلقينيُّ «ت ٨٠٥ هـ»: «وَاعْلَمْ أَنَّ السَّبَبَ قَدْ يُنْقَلُ فِي الحَدِيثِ، كَمَا فِي حَدِيثِ سُؤَالِ \"جِبْرِيلَ\" عَنِ الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ وَالإِحْسَانِ وَغَيرِهَا … وَقَدْ لَا يُنْقَلُ السَّبَبُ فِي الحَدِيثِ، أَوْ يُنْقَلُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، فَهُوَ الذِي يَنْبَغِي الاِعْتِنَاءُ بِهِ» (^٢).\n_________\n(^١) وقد عدد الدكتور طارق الأسعد ستة فروع في فوائد معرفة سبب ورود الحديث، وهي: =\n١ - معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.\n٢ - تخصيص الحكم به إذا ورد النص بصيغة العموم.\n٣ - تقييد الحكم به إذا ورد النص بصيغة الإطلاق.\n٤ - تعيين المجمل فيما يقع به البيان في النصوص.\n٥ - تعليل المتن به إذا أُدِّي بألفاظ تحيل الحديث عن معناه المراد منه.\n٦ - تحديد النسخ في الأخبار، ومعرفة المتقدم على المتأخر من الأحاديث.\nانظر علم أسباب ورود الحديث ص ٣٢ - ٨٧.\n(^٢) محاسن الاصطلاح ص ٦٩٨.","vol":"1","page":485},{"text":"ومنهجُ السَّبرِ والتَّتبعُ في الكشفِ عنْ أسبابِ ورودِ الحديثِ هوَ منهجُ كلٍّ مِنَ السُّيوطيِّ في كتابِهِ «اللُّمعُ في أسبابِ ورودِ الحديثِ»، وابنِ حمزةَ في كتابِهِ «البيانُ والتَّعريفُ في أسبابِ ورودِ الحديثِ الشَّريفِ»، حيثُ يُوردانِ الحديثَ مُختصرًَا، ثمَّ مَنْ أخرجَهُ مِنَ أصحابِ الكتبِ الحديثيَّةِ مُطوَّلًا بسياقِ سببِ ورودِهِ، قالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «حَدِيثٌ: أَخْرَجَهُ الأَئِمَّةُ السِّتَّةُ (^١)، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -﵁-، قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأتُوهَا وَأَنتُمْ تَسْعَونَ، وَلَكِنْ ائْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ، وَعَلَيكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» …\nسَبَبٌ: أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (^٢)، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَينَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ، فَلَمَّا صَلَّى دَعَاهُمْ، فَقَالَ: مَا شَانُكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! اِسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: فَلَا تَفْعَلُوا، إِذَا أَتَيتُمُ الصَّلَاةَ فَعَلَيكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا سَبَقَكُمْ فَأَتِمُّوا» (^٣).\nوقالَ ابنُ حمزةَ (^٤) «ت ١١٢٠ هـ»: «- «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيئًَا دَخَلَ الجَنَّةَ، فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ. قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ». أَخْرَجَهُ الشَّيخَانُ (^٥) عَنْ أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ -﵁-».\n_________\n(^١) البخاري «ر ٨٦٦»، ومسلم «ر ٦٠٢»، وأبو داود «ر ٥٧٢»، والترمذي «ر ٣٢٧»، والنسائي «ر ٨٦١»، وابن ماجة «ر ٧٧٥».\n(^٢) مسند أحمد «ر ٢٢٦٦١»، والبخاري «ر ٦٠٩»، ومسلم «ر ٦٠٣».\n(^٣) اللمع في أسباب ورود الحديث ص ٤٠.\n(^٤) إبراهيم بن محمد بن محمد بن كمال الدين، برهان الدين بن حمزة، الحسيني، الدمشقي، «١٠٥٤ هـ - ١١٢٠ هـ»، محدث، نحوي، من تصانيفيه: «البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث». انظر الأعلام ١/ ٦٨.\n(^٥) البخاري «ر ١١٨٠»، ومسلم «ر ٩٤».","vol":"1","page":486},{"text":"ثمَّ قالَ: «سَبَبُهُ كَمَا فِي البُخَارِيِّ (^١)، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مَرَّةً فِي المَدِينَةِ، فَاسْتَقْبَلْنَا أُحُدًَا … ثُمَّ قَالَ: مَكَانَكَ. لَا تَبْرَحْ حَتَّى آَتِيكَ، ثُمَّ انْطَلَقَ فِي سَوَادِ اللَّيلِ حَتَّى تَوَارَى، فَسَمِعْتُ صَوتًَا قَدِ ارْتَفَعَ، فَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ عَرَضَ لَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَّبِعَهُ، فَذَكَرْتُ قَولَهُ: لَا تَبْرَحُ، فَلَمْ أَبْرَحْ حَتَّى أَتَانِي. فَقُلْتُ: سَمِعْتُ صَوتًَا تَخَوَّفْتُ مِنْهُ. قَالَ: وَهَلْ سَمِعْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَانِي فَبَشَّرَنِي». فَذَكَرَهُ» (^٢).\nوالنَّاظرُ في صحيحي البخاريِّ ومسلمٍ يجدُ أنَّ مِنْ فوائدِ تكرارِهِمَا للأحاديثِ، إيرادُها على الاختصارِ تارةً، وعلى التَّمامِ أُخرى بسياقِ سببِ الوُرودِ، كمَا ظهرَ جليًَّا في المثالينِ السَّابقينِ، وفي هذينِ المثالينِ اكتفاءٌ ببيانِ أثرِ السَّبرِ وتتبُّعِ الأحاديثِ في معرفةِ سببِ ورودِ الحديثِ والكشفِ عنهُ، وأمَّا ما يترتَّبُ عليه منْ فوائدَ فقهيةٍ فمحلُّهُ كتبُ الفقهِ والأحكامِ.\nوبتمامِ هذَا المبحثِ أكونُ - بتوفيقٍ منَ اللهِ وكرمِهِ ﷻ - قدْ انتهيتُ منْ مباحثِ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ أنواعِ علومِ الحديثِ المتعلِّقةِ بالمتنِ، وكذلكَ أثرُهُ في معرفةِ أنواعِ علومِ الحديثِ المتعلِّقةِ بالسَّندِ، نخلصُ مِنْ كلُّ ذلكَ إلى أنَّ السَّبرَ وجمعَ الطُّرقِ هوَ الآليَّةُ الرَّئيسةُ للكشفِ عنْ عللِ الحديثِ وإبرازِ فوائدِهِ في المتنِ والإسنادِ، وهوَ العمودُ الفقريُّ الذي عليهِ مدارُ علمِ الحديثِ درايةً كمَا جسَّدَهُ صنيعُ المحدِّثينَ.\nوآخرُ دعوانَا إنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ\nوالصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدنَا محمَّدٍ\nوعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ\n* * *\n_________\n(^١) البخاري «ر ٦٠٧٩».\n(^٢) البيان والتعريف ١/ ١٥.","vol":"1","page":487},{"text":"<span data-type='title' id=toc-147>ثبت المصادر والمراجع</span>\n<span data-type='title' id=toc-148>حرف الألف</span>\n١. القرآن الكريم.\n٢. ابن عدي ومنهجه في كتاب الكامل في ضعفاء الرجال - د. زهير عثمان علي نور - مكتبة الرشد - الرياض - ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٧ م.\n٣. إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - تحقيق: مركز خدمة السنة والسيرة، بإشراف د زهير بن ناصر الناصر - مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة المنورة - ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٤ م.\n٤. الاتصال والانقطاع - إبراهيم بن عبد الله اللاحم - مكتبة الرشد ناشرون - ١٤٢٦ هـ/ ٢٠٠٥ م - الرياض.\n٥. أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء - د. ماهر ياسين الفحل - دار عمار - الأردن - ٢٠٠٠ م.\n٦. أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء - د. ماهر ياسين الفحل - دار عمار - الأردن - ٢٠٠٠ م.\n٧. الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة - بدر الدين الزركشي - المكتب الإسلامي - بيروت -٣٩٠ هـ/ ١٩٧٠ م - تحقيق: سعيد الأفغاني.\n٨. الاجتهاد في علم الحديث وأثره في الفقه الإسلامي - د. علي نايف البقاعي - دار البشائر الإسلامية - بيروت - ١٩٩٧ م.\n٩. الأجزاء الحديثية - بكر بن عبد الله أبو زيد - دار العاصمة للنشر والتوزيع - المدينة المنورة - ١٤١٥ هـ.\n١٠. أجوبة الحافظ ابن حجر العسقلاني على أسئلة بعض تلامذته - الحافظ ابن حجر العسقلاني - أضواء السلف - ١٤٢٤ هـ/ ٢٠٠٣ م - تحقيق: أ. د. عبد الرحيم بن محمد أحمد الشقري.\n١١. الآحاد والمثاني - أحمد بن عمرو بن الضحاك - أبو بكر الشيباني - دار الراية - الرياض - ١٤١١ هـ/ ١٩٩١ م - تحقيق: د. باسم فيصل أحمد الجوابرة.","vol":"1","page":489},{"text":"١٢. إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام - تقي الدين أبي الفتح - دار الكتب العلمية - بيروت.\n١٣. أحوال الرجال - إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني - مؤسسة الرسالة - بيروت - ١٤٠٥ هـ - تحقيق: صبحي البدري السامرائي.\n١٤. أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار - محمد بن عبد الله بن أحمد الأزرقي - دار الأندلس للنشر - بيروت - ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٦ م - تحقيق: رشدي الصالح ملحس.\n١٥. الأدب المفرد - محمد بن إسماعيل البخاري - دار البشائر الإسلامية - بيروت - ١٤٠٩ هـ/ ١٩٨٩ م - تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.\n١٦. الأربعون البلدانية - علي بن الحسن بن هبة الله - المعروف ب «ابن عساكر» - المكتب الإسلامي للنشر - بيروت - ١٩٩٣ هـ - تحقيق: عبدو الحاج محمد الحريري.\n١٧. إرشاد الساري إلى شرح صحيح البخاري - أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني - المطبعة الكبرى الأميرية - بولاق - مصر - ١٣٢٣ هـ.\n١٨. إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول - محمد بن علي بن محمد الشوكاني - دار الفكر - بيروت - ١٤١٢ هـ/ ١٩٩٢ م - تحقيق: محمد سعيد البدري.\n١٩. إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق - دار اليمامة - ٢٠٠٢ - تحقيق: نور الدين عتر.\n٢٠. الإرشاد في معرفة علماء الحديث - الخليل بن عبد الله بن أحمد الخليلي، أبو يعلى القزويني - مكتبة الرشد - الرياض - ١٤٠٩ هـ - تحقيق: د. محمد سعيد عمر إدريس.\n٢١. الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات - طارق بن عوض الله بن محمد - طبع في القاهرة - مكتبة ابن تيمية - ١٩٩٨ م.\n٢٢. أسد الغابة في معرفة الصحابة - عز الدين بن الأثير أبي الحسن علي بن محمد الجزري - دار إحياء التراث العربي - بيروت - لبنان - ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م - ط ١ - تحقيق عادل أحمد الرفاعي.\n٢٣. الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة - أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي - مكتبة الخانجي - القاهرة/ مصر - ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م - ط ٣ - تحقيق د. عز الدين علي السيد.\n٢٤. الإشارات إلى بيان الأسماء المبهمات - طبع في دار البيان - دمشق - ٢٠٠٧ م - تحقيق: الدكتور طه الحمداني.","vol":"1","page":490},{"text":"٢٥. الإصابة في تمييز الصحابة - أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي - دار الجيل - بيروت - ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م - ط ١ - تحقيق علي محمد البجاوي.\n٢٦. إصلاح خطأ المحدثين - لأبي سليمان الخطابي - مؤسسة الرسالة - بيروت - ط ٢ - ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م - تحقيق: د. حاتم صالح الضامن.\n٢٧. أصول الحديث - علومه ومصطلحه - د. محمد عجاج الخطيب - دار الفكر - بيروت - ١٩٧١ م.\n٢٨. أضواء على السنة المحمدية أو دفاع عن الحديث - محمود أبو رية - دار المعارف - القاهرة - ١٩٥٧ م.\n٢٩. أطراف الغرائب والأفراد من حديث رسول الله -ﷺ- للإمام الدارقطني - الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م - ط ١ - تحقيق محمود محمد محمود حسن نصار/ السيد يوسف.\n٣٠. الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار - محمد بن موسى بن عثمان الحازمي الهمداني - دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد «الدكن» - ١٣٥٩ هـ.\n٣١. الأعلام - خير الدين بن محمود الزركلي الدمشقي - دار العلم للملايين - ٢٠٠٢ م.\n٣٢. الاقتراح في بيان الاصطلاح - تقي الدين ابن دقيق العيد - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦ م.\n٣٣. إكرام الضيف - إبراهيم بن إسحاق الحربي - مكتبة الصحابة - طنطا - ١٤٠٧ هـ - تحقيق: عبد الله عائض الغرازي.\n٣٤. إكمال المعلم بفوائد مسلم - عياض بن موسى بن عياض اليحصبي - دار الوفاء - المنصورة - ١٤١٩ هـ/ ١٩٩٨ م - تحقيق: الدكتور يحيى إسماعيل.\n٣٥. الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى - علي بن هبة الله بن أبي نصر ابن ماكولا دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤١١ - ط ١.\n٣٦. الألباني شذوذه وأخطاؤه - حبيب الرحمن الأعظمي - جمعية عمال المطابع التعاونية - الأردن - ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م.\n٣٧. الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع - القاضي عياض بن موسى اليحصبي - دار التراث - القاهرة - ١٣٧٩ هـ/ ١٩٧٠ م - تحقيق: السيد أحمد صقر.\n٣٨. الإمام محمد بن يحيى الذهلي محدثًا، مع تحقيق الجزء المنتقى من زهرياته - سليمان بن سعيد بن مريزن","vol":"1","page":491},{"text":"العسيري - جامعة أم القرى - ١٤١٩ هـ/ ١٩٩٩ م.\n٣٩. إنباء الغمر بأبناء العمر في التاريخ - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦ م - تحقيق: د. محمد عبد المعيد خان.\n٤٠. الأنجم الزاهرات على حل ألفاظ الورقات في أصول الفقه - محمد بن عثمان بن علي المارديني الشافعي - مكتبة الرشد - الرياض - ١٩٩٩ م - تحقيق: عبد الكريم بن علي محمد بن النملة.\n٤١. الأنساب - عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني - دار الفكر - بيروت - ١٩٩٨ م - تحقيق: عبد الله عمر البارودي.\n٤٢. الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة - عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني - المطبعة السلفية - ومكتبتها - بيروت - ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م.\n٤٣. اهتمام المحدثين بنقد الحديث سندًا ومتنًا، ودحض مزاعم المستشرقين وأتباعهم - د. محمد لقمان السلفي - دار الداعي للنشر والتوزيع - ١٤٢٠ هـ.\n٤٤. إيضاح الإشكال في الروايات - الحافظ الأزدي - المكتبة الآصفية - الهند - حيدر آباد - رقم الحفظ «٣/ ٣٢٤»، رقم «١٩٠».\n٤٥. إيضاح الإشكال في الروايات - محمد بن طاهر بن علي المقدسي أبو الفضل - الناشر: مكتبة المعلا - ١٤٠٨ هـ - مكان النشر الكويت - تحقيق د. باسم الجوابرة.\n٤٦. إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون - إسماعيل باشا بن محمد أمين - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤١٣ هـ/ ١٩٩٢ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-149>حرف الباء</span>\n٤٧. الباعث الحثيث شرح «اختصار علوم الحديث لابن كثير» - أحمد شاكر، وناصر الدين الألباني - دار العاصمة للنشر والتوزيع - الرياض - ١٤١٥ هـ.\n٤٨. البحر الزخار مسند البزار - أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار - مؤسسة علوم القرآن - مكتبة العلوم والحكم - بيروت - المدينة - ١٤٠٩ هـ - د. محفوظ الرحمن زين الله.\n٤٩. البداية والنهاية - إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي أبو الفداء - مكتبة المعارف - بيروت.","vol":"1","page":492},{"text":"٥٠. البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع - محمد بن علي الشوكاني - دار المعرفة - بيروت.\n٥١. البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري - المعروف ب «ابن الملقن» - دار الهجرة للنشر والتوزيع - الرياض - ١٤٢٥ هـ/ ٢٠٠٤ م - تحقيق: مصطفى أبو الغيط - وعبد الله بن سليمان - وياسر بن كمال.\n٥٢. بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام - للحافظ ابن القطان الفاسي أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك - دار طيبة - الرياض - ١٤١٨ هـ -١٩٩٧ م - ط ١ - تحقيق د. الحسين آيت سعيد.\n٥٣. البيان والتبيين لضوابط ووسائل تمييز الرواة المهملين» - مجلة جامعة أم القرى - العدد ٢٠ - ١٤٢١ هـ - د. محمد بن تركي التركي.\n٥٤. البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث - إبراهيم بن محمد الحسيني - المعروف: بابن حمزة «ت ١١٢٠ هـ» - طبع في دار الكتاب العربي - بيروت - ١٤٠١ هـ - تحقيق: سيف الدين الكاتب.\n\n<span data-type='title' id=toc-150>حرف التاء</span>\n٥٥. تاج العروس من جواهر القاموس - محمد مرتضى الحسيني الزبيدي - دار الهداية - تحقيق: مجموعة من المحققين.\n٥٦. تاريخ ابن معين - يحيى بن معين أبو زكريا - مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي - مكة المكرمة - ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م - ط ١ - تحقيق د. أحمد محمد نور سيف.\n٥٧. تاريخ أسماء الثقات - عمر بن أحمد أبو حفص الواعظ - الدار السلفية - الكويت - ١٤٠٤ - ١٩٨٤ - ط ١ - تحقيق صبحي السامرائي.\n٥٨. تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام - محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي - دار الكتاب العربي - لبنان - ١٤٠٧ هـ/ ١٩٨٧ م - تحقيق: د. عمر عبد السلام تدمري.\n٥٩. التاريخ الصغير (الأوسط) - محمد بن إبراهيم بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي - دار الوعي - مكتبة دار التراث - حلب - القاهرة - ١٣٩٧ - ١٩٧٧ - ط ١ - تحقيق محمود إبراهيم زايد.\n٦٠. التاريخ الكبير - المعروف ب «تاريخ ابن أبي خيثمة» - تأليف: أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب - الفاروق الحديثة للطباعة والنشر -١٤٢٤ هـ/ ٢٠٠٤ م - تحقيق: صلاح بن فتحي هلل.\n٦١.","vol":"1","page":493},{"text":"التاريخ الكبير - محمد بن إسماعيل بن إبراهيم أبو عبد الله البخاري الجعفي - دار الفكر - تحقيق السيد هاشم الندوي.\n٦٢. تاريخ المدينة المنورة - عمر بن شبة النميري - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٦ م - تحقيق: علي محمد دندل، وياسين سعد الدين بيان.\n٦٣. تاريخ بغداد - أحمد بن علي الخطيب البغدادي - دار الكتب العلمية - بيروت.\n٦٤. تاريخ جرجان - حمزة بن يوسف أبو القاسم الجرجاني - عالم الكتب - بيروت - ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م - ط ٣ - تحقيق د. محمد عبد المعيد خان.\n٦٥. تاريخ مدينة دمشق وذكر فضلها - علي بن الحسن المعروف ب «ابن عساكر» - دار الفكر - بيروت - ١٩٩٥ م - تحقيق محب الدين أبي سعيد عمر بن غرامة العمري.\n٦٦. تاريخ مولد العلماء ووفياتهم - محمد بن عبد الله بن أحمد بن سليمان بن زبر الربعي - دار العاصمة - الرياض - ١٤١٠ - ط ١ - تحقيق د. عبد الله أحمد سليمان الحمد.\n٦٧. تالي تلخيص المتشابه - أحمد بن علي الخطيب البغدادي - دار الصميعي - الرياض- ١٤١٧ هـ - تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، وأحمد الشقيرات.\n٦٨. التبر المسبوك في ذيل السلوك - محمد بن عبد الرحمن السخاوي - مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة.\n٦٩. تبصير المنتبه بتحرير المشتبه - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - المكتبة العلمية - بيروت - تحقيق: د. علي محمد البجاوي - ومحمد علي النجار.\n٧٠. التبيين لأسماء المدلسين - إبراهيم بن محمد بن سبط ابن العجمي أبو الوفا الحلبي الطرابلسي - مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت - ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م - ط ١ - تحقيق محمد إبراهيم داود الموصلي.\n٧١. تحرير علوم الحديث - عبد الله بن يوسف الجديع - مركز البحوث الإسلامية - ليدز - ١٤٢٤ هـ.\n٧٢. تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي - محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري - دار الكتب العلمية - بيروت.\n٧٣. تحفة الأشراف «النكت الظراف على الأطراف» - أحمد بن علي بن محمد العسقلاني - المكتب","vol":"1","page":494},{"text":"الإسلامي - بيروت - ١٤٠٣ هـ/ ١٩٨٣ م - تحقيق: عبد الصمد شرف الدين - وزهير الشاويش.\n٧٤. تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل - ولي الدين أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين أبي زرعة العراقي - مكتبة الرشد - الرياض - ١٩٩٩ م - تحقيق عبد الله نوارة.\n٧٥. التحقيق في أحاديث الخلاف - عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤١٥ هـ - تحقيق: مسعد عبد الحميد محمد السعدني.\n٧٦. تخريج الأحاديث والآثار الواردة في كتاب الكشاف للزمخشري - المسمى «الإسعاف بأحاديث الكشاف» - عبد الله بن يوسف الزيلعي - تحقيق: محمد بن أحمد بن علي با جابر - ١٤١٩ هـ - جامعة أم القرى.\n٧٧. تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي - مكتبة الرياض الحديثة - الرياض - تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف.\n٧٨. تذكرة الحفاظ - أبو عبد الله شمس الدين محمد الذهبي - دار الكتب العلمية - بيروت - ط ١.\n٧٩. الترغيب والترهيب من الحديث الشريف - عبد العظيم بن عبد القوي المنذري - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤١٧ هـ - تحقيق: إبراهيم شمس الدين.\n٨٠. تسهيل المَدْرَجِ إلى المُدرَجِ - تأليف السيد عبد العزيز بن محمد بن الصديق الغماري - دار البصائر - دمشق- ١٤٠٣ هـ/ ١٩٨٢ م.\n٨١. تصحيح الحديث عند الإمام ابن الصلاح - د. حمزة المليباري - دار ابن حزم - بيروت - ١٤١٧ هـ.\n٨٢. تصحيفات المحدثين - الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري أبو أحمد - المطبعة العربية الحديثة - القاهرة - ١٤٠٢ هـ - ط ١ - تحقيق محمود أحمد ميرة.\n٨٣. التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح - سليمان بن خلف بن سعد أبو الوليد الباجي - دار اللواء للنشر والتوزيع - الرياض - ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م - ط ١ - تحقيق د. أبو لبابة حسين.\n٨٤. تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - دار الكتب العلمية - تحقيق: الدكتور عبد الغفار سليمان البغدادي، والأستاذ محمد أحمد عبد العزيز.\n٨٥. التعريف بما أفرد من الأحاديث بالتصنيف - يوسف بن محمد بن إبراهيم العتيق - دار الصميعي","vol":"1","page":495},{"text":"- الرياض - ١٤١٨ هـ.\n٨٦. تغليق التعليق على صحيح البخاري - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - المكتب الإسلامي/ دار عمار - بيروت/ عمان - ١٤٠٥ هـ - تحقيق: د. سعيد بن عبد الرحمن موسى القزي.\n٨٧. تقريب التهذيب - أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي - دار الرشيد - سوريا - ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م - ط ١ - تحقيق محمد عوامة.\n٨٨. التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - يحيى بن شرف الدين النووي - دار الكتاب العربي - ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م - تحقيق: محمد عثمان الخشت.\n٨٩. تقييد المهمل وتمييز المشكل (شيوخ البخاري المهملون) - أبو علي الحسين بن محمد أحمد الغساني الجياني - وزارة الأوقاف - المملكة المغربية - ١٤١٨ هـ-١٩٩٧ م - تحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل.\n٩٠. التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح - الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي - دار الفكر للنشر والتوزيع - بيروت - لبنان - ١٣٨٩ هـ- ١٩٧٠ م - ط ١ - تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان.\n٩١. تكملة الإكمال - محمد بن عبد الغني البغدادي أبو بكر - جامعة أم القرى - مكة المكرمة - ١٤١٠ هـ - ط ١ تحقيق د. عبد القيوم عبد ريب النبي.\n٩٢. تلبيس إبليس - عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي - دار الكتب العربي - بيروت - ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م - تحقيق: السيد الجميلي.\n٩٣. التلخيص الحبير في أحاديث الرافعي الكبير - أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني - المدينة المنورة - ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م - تحقيق السيد عبد الله هاشم اليماني المدني.\n٩٤. تلخيص المتشابه في الرسم - دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر - دمشق - ١٩٨٥ م - تحقيق: سكينة الشهابي.\n٩٥. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد - يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري - وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب - ١٣٨٧ هـ - تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي - ومحمد عبد الكبير البكري.","vol":"1","page":496},{"text":"٩٦. التمييز - مسلم بن الحجاج القشيري - مكتبة الكوثر - المربع - السعودية - ١٤١٠ هـ - د. محمد مصطفى الأعظمي.\n٩٧. تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة - علي بن محمد بن علي بن عراق الكناني - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٣٩٩ هـ - تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف - وعبد الله محمد الصديق الغماري.\n٩٨. تنقيح تحقيق أحاديث التعليق - محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٩٩٨ م - تحقيق: أيمن صالح شعبان.\n٩٩. التنقيح لمسألة التصحيح - جلال الدين السيوطي - دار البخاري - المدينة المنورة - ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٥ م - تحقيق: بدر بن محمد العماش.\n١٠٠. التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - عبد الرحمن بن يحيى المعلمي - المكتب الإسلامي - بيروت - تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني - زهير الشاويش - عبد الرزاق حمزة.\n١٠١. تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار - محمد بن جرير بن يزيد الطبري - مطبعة المدني - القاهرة - تحقيق: محمود محمد شاكر.\n١٠٢. تهذيب التهذيب - أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي - دار الفكر - بيروت - ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م - ط ١.\n١٠٣. تهذيب الكمال - يوسف بن الزكي عبد الرحمن أبو الحجاج المزي - مؤسسة الرسالة - بيروت - ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م - ط ١ - تحقيق د. بشار عواد معروف.\n١٠٤. توجيه النظر إلى أصول الأثر - طاهر الجزائري الدمشقي - مكتبة المطبوعات الإسلامية - حلب - ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٥ م - تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة.\n١٠٥. التوضيح الأبهر لتذكرة ابن الملقن في علم الأثر - محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان السخاوي - مكتبة أصول السلف - السعودية - ١٤١٨ هـ - تحقيق: عبد الله بن محمد عبد الرحيم البخاري.\n١٠٦. توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار - محمد بن إسماعيل الأمير الحسني الصنعاني - المكتبة السلفية - المدينة المنورة - تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.","vol":"1","page":497},{"text":"١٠٧. التوقيف على مهمات التعاريف - محمد عبد الرؤوف المناوي - دار الفكر - بيروت/ دمشق - ١٤١٠ هـ - تحقيق: د. محمد رضوان الداية.\n١٠٨. تيسير مصطلح الحديث - د. محمود الطحان - مركز العدي للدراسات - الإسكندرية - ١٤١٥ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-151>حرف الثاء</span>\n١٠٩. الثقات - محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي - دار الفكر - ١٣٩٥ - ١٩٧٥ - ط ١ - تحقيق السيد شرف الدين أحمد.\n١١٠. الثقات الذين تعمدوا وقف المرفوع أو إرسال الموصول - للدكتور علي الصياح - دار ابن الجوزي - السعودية - الدمام - ١٤٣٠ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-152>حرف الجيم</span>\n١١١. جامع الأصول من أحاديث الرسول - ابن الأثير الجزري - - دار الحلواني - مطبعة الملاح - مكتبة دار البيان - ١٣٨٩ هـ/ ١٩٦٩ م - تحقيق شعيب الأرناؤوط.\n١١٢. جامع التحصيل في أحكام المراسيل - أبو سعيد بن خليل بن كيكلدي أبو سعيد العلائي - عالم الكتب - بيروت - ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م - ط ٢ - تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي.\n١١٣. الجامع الصحيح المختصر - محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي - دار ابن كثير - اليمامة - بيروت - ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م - ط ٣ - تحقيق د. مصطفى ديب البغا.\n١١٤. الجامع الصحيح سنن الترمذي - محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي - دار إحياء التراث العربي - بيروت - تحقيق أحمد محمد شاكر وآخرون.\n١١٥. جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم - عبد الرحمن بن شهاب الدين البغدادي - مؤسسة الرسالة - بيروت - ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٧ م - تحقيق: شعيب الأرناؤوط - وإبراهيم باجس.\n١١٦. جامع بيان العلم وفضله - يوسف بن عبد البر النمري - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٣٩٨ هـ.","vol":"1","page":498},{"text":"١١٧. الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع - أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي أبو بكر - مكتبة المعارف - الرياض - ١٤٠٣ هـ - تحقيق د. محمود الطحان.\n١١٨. الجرح والتعديل - عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس أبو محمد الرازي التميمي - دار إحياء التراث العربي - بيروت - ١٢٧١ - ١٩٥٢ - ط ١.\n١١٩. جزء ابن الغطريف - محمد بن أحمد بن الغطريف الجرجاني - دار البشائر الإسلامية - بيروت - ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٧ م - د. عامر حسن صبري.\n١٢٠. جزء ابن جريج - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج القرشي الأموي المكي - دار الكوثر - الرياض - ١٤١٢ هـ - بعناية: عبد الله بن إبراهيم الرشيد.\n١٢١. جزء فيه طرق حديث من كذب علي متعمدًا - سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني - المكتب الإسلامي/ دار عمار - عمان - ١٤١٠ هـ - تحقيق: علي حسن علي عبد الحميد - وهشام إسماعيل السقا.\n١٢٢. جمع الجوامع في أصول الفقه - عبد الوهاب بن علي السبكي - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤٢٤ هـ/ ٢٠٠٣ م - تحقيق: عبد المنعم خليل إبراهيم.\n١٢٣. جمهرة الأجزاء الحديثية - مجموعة مؤلفين - مكتبة العبيكان - الرياض - ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠١ م.\n١٢٤. جهود المحدثين في بيان علل الحديث - علي بن عبد الله الصياح - دار المحدث - الرياض - ١٤٢٥ هـ.\n١٢٥. جهود المحدثين في نقد متن الحديث النبوي الشريف - محمد طاهر الجوابي - مؤسسات عبد الكريم بن عبد الله - تونس - ١٩٨٦ م.\n١٢٦. الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر - شمس الدين السخاوي - دار ابن حزم - ١٣١٩ هـ/ ١٩٩٩ م - إبراهيم باجس عبد المجيد.\n١٢٧. الجوهر النقي على سنن البيهقي - علاء الدين علي بن عثمان المارديني، الشهير ب «ابن التركماني» - دائرة المعارف النظامية - طبعة حيدر آباد - الهند - ١٣٤٤ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-153>حرف الحاء</span>\n١٢٨. حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي - دار الكتب العلمية - بيروت.","vol":"1","page":499},{"text":"١٢٩. حديث أبي الفضل الزهري - عبيد الله بن عبد الرحمن - أضواء السلف - ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٨ م - الرياض - تحقيق: د. حسن بن محمد بن علي شبالة البلوط.\n١٣٠. حديث أبي الفضيل الزهري - أبو محمد الحسن الجوهري - دار الكتب العلمية - بيروت - ٢٠٠٤ م.\n١٣١. الحديث المضطرب - دراسة وتطبيقًا - د. أحمد بازمول - وقد طبعه بعنوان «المقترب في بيان المضطرب» - دار الخراز - السعودية - جدة - ١٤٢٢ هـ.\n١٣٢. الحديث المعلول - قواعد وضوابط - د. حمزة عبد الله المليباري - دار ابن حزم - بيروت - ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٦ م.\n١٣٣. الحديث للمنكر عند نقاد الحديث - دراسة نظرية تطبيقية - عبد الرحمن بن نويفع السلمي - جامعة أم القرى - كلية الدعوة وأصول الدين - ١٤٣١ هـ.\n١٣٤. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء - أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني - دار الكتاب العربي - بيروت - ١٤٠٥.\n\n<span data-type='title' id=toc-154>حرف الخاء</span>\n١٣٥. خبر الواحد في التشريع الإسلامي وحجيته - تأليف: القاضي برهون - مكتبة أضواء السلف - الرياض - ط ٢ - ١٤١٩ هـ.\n١٣٦. خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر - المحبي - دار صادر - بيروت.\n١٣٧. خلاصة الأحكام في مهمات السنن وقواعد الإسلام - يحيى بن مري بن حسن الحوراني - أبو زكريا - محيي الدين النووي - مؤسسة الرسالة - لبنان - بيروت - ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٧ م تحقيق: حسين إسماعيل الجمل.\n١٣٨. خلاصة البدر المنير في تخريج كتاب الشرح الكبير للرافعي - عمر بن علي بن الملقن الأنصاري - مكتبة الرشد - الرياض - ١٤١٠ هـ - ط ١ - تحقيق حمدي عبد المجيد إسماعيل السلفي.\n١٣٩. خلاصة التأصيل لعلم الجرح والتعديل - الشريف حاتم بن عارف العوني - دار عالم الفوائد - مكة المكرمة - ١٤٢١ هـ.","vol":"1","page":500},{"text":"<span data-type='title' id=toc-155>حرف الدال</span>\n١٤٠. دراسات محمدية - جولدتسيهر إجناتس - ترجمة: الصديق بشير نصر - في فصول من كتاب دراسات محمدية من مجلة كلية الدعوة الإسلامية - العدد ١٠ - طرابلس الغرب - ١٩٩٣ م.\n١٤١. الدراية في تخريج أحاديث الهداية - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني أبو الفضل - دار المعرفة - بيروت - تحقيق: السيد عبد الله هاشم اليماني المدني.\n١٤٢. الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة - الحافظ شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن محمد العسقلاني - مجلس دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد - الهند - ١٣٩٢ هـ/ ١٩٧٢ م - تحقيق: محمد عبد المعيد ضان.\n١٤٣. دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين - محمد أبو شهبة - مكتبة السنة - القاهرة - ١٤٠٩ هـ/ ١٩٨٩ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-156>حرف الذال</span>\n١٤٤. ذخيرة الحفاظ - محمد بن طاهر المقدسي - دار السلف - الرياض - ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٦ م - تحقيق: د. عبد الرحمن الفربوائي.\n١٤٥. ذيل «تذكرة الحفاظ للذهبي» لتلميذه أبي المحاسن الحسيني الدمشقي - محمد بن علي بن الحسن الحسيني الدمشقي الشافعي - دار الكتب العلمية - بيروت.\n١٤٦. ذيل تاريخ مولد العلماء ووفياتهم - عبد العزيز بن أحمد بن محمد الكتاني - دار العاصمة - الرياض - ١٤٠٩ هـ - تحقيق: د. عبد الله أحمد سليمان الحمد.\n١٤٧. ذيل ذيل تاريخ مولد العلماء ووفياتهم - هبة الله بن أحمد الأكفاني - دار العاصمة - الرياض - ١٤٠٩ هـ - تحقيق: د. عبد الله بن أحمد بن سلمان الحمد.\n\n<span data-type='title' id=toc-157>حرف الراء</span>\n١٤٨. الرؤية - علي بن عمر الدارقطني - مكتبة المنار - الأردن - ١٤١١ هـ - تحقيق: إبراهيم محمد العلي، وأحمد فخري الرفاعي.","vol":"1","page":501},{"text":"١٤٩. الرحلة في طلب الحديث - أحمد بن علي بن ثابت البغدادي أبو بكر - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٣٩٥ هـ - ط ١ - تحقيق نور الدين عتر.\n١٥٠. الرد على مزاعم المستشرقَين إجناتس جولدتسيهر ويوسف شاخت ومن أيدهما من المستغربين - د. عبد الله عبد الرحمن الخطيب - بحث مقدم لندوة عناية المملكة العربية السعودية بالسنة والسيرة.\n١٥١. الرسالة - محمد بن إدريس الشافعي - القاهرة - ١٣٥٨ هـ/ ١٩٣٩ م - تحقيق: أحمد محمد شاكر.\n١٥٢. رسالة أبي داود إلى أهل مكة وغيرهم في وصف سننه - سليمان بن الأشعث أبو داود - دار العربية - بيروت - تحقيق: محمد الصباغ.\n١٥٣. الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المصنفة - محمد بن جعفر الكتاني - دار البشائر الإسلامية - بيروت - ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦ م - تحقيق: محمد المنتصر محمد الزمزمي الكتاني.\n١٥٤. رسوم التحديث في علوم الحديث - برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن عمر - الشهير ب: «الجعبري» - دار ابن حزم - بيروت - ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠٠ م - تحقيق: إبراهيم بن شريف الميلي.\n١٥٥. الرفع والتكميل في الجرح والتعديل - أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي - مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب - ١٤٠٧ هـ - ط ٣ - تحقيق عبد الفتاح أبو غدة.\n١٥٦. الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم - الحافظ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي - دار البشائر الإسلامية - بيروت - لبنان - ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م - ط ١ - تحقيق محمد إبراهيم الموصلي.\n١٥٧. الرواية بالمعنى وأثرها في الفقه الإسلامي - د. عبد المجيد بيرم - طبع في مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة.\n١٥٨. الروض الداني (المعجم الصغير) - سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني - المكتب الإسلامي - دار عمار - بيروت - عمان - ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م - ط ١ - تحقيق محمد شكور محمود الحاج أمرير.\n١٥٩. رياض الصالحين - يحيى بن شرف النووي - دار الفكر- بيروت - ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠٠ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-158>حرف الزاي</span>\n١٦٠. الزهر النضر في أخبار الخضر - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - مجمع البحوث الإسلامية -","vol":"1","page":502},{"text":"جوغابائي - نيودلهي - الهند - ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م - تحقيق: صلاح مقبول أحمد.\n١٦١. زيادة الثقة بين القبول والرد - للباحثة أسماء محمد سليمان الحميضي - جامعة الملك سعود - كلية التربية - الثقافة الإسلامية - الرياض - ١٩٩٧ م.\n١٦٢. زيادة الثقة في كتب مصطلح الحديث - دراسة موضوعية نقدية - د. حمزة المليباري - طبعه ملتقى أهل الحديث -١٤٢٥ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-159>حرف السين</span>\n١٦٣. سؤالات ابن محرز «معرفة الرجال ليحيى بن معين» - رواية أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز - مجمع اللغة العربية - دمشق - ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م - تحقيق: محمد كامل القصَّار.\n١٦٤. سؤالات أبي داود للإمام ابن حنبل في جرح الرواة وتعديلهم - أحمد بن حنبل - مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة - ١٤١٤ هـ - تحقيق: زياد محمد منصور.\n١٦٥. سؤالات أبي داود للإمام أحمد بن حنبل في جرح الرواة وتعديلهم - أحمد بن حنبل - مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة - ١٤١٤ هـ - ط ١ - تحقيق د. زياد محمد منصور.\n١٦٦. سؤالات حمزة بن يوسف السهمي للدارقطني وغي ره من المشايخ في الجرح والتعديل - مكتبة المعارف - الرياض - ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م - تحقيق: موفق بن عبد الله بن عبد القادر.\n١٦٧. سؤالات مسعود بن علي السجزي - محمد بن عبد الله الحاكم - دار الغرب الإسلامي - بيروت - ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م - تحقيق: د. موفق بن عبد الله بن عبد القادر.\n١٦٨. السبر عند المحدثين وإمكانية تطبيقه عند المعاصرين - د. أحمد العزي - بحث مقدم لندوة علوم الحديث: واقع وآفاق - ٢٠٠٣ م -كلية الدراسات الإسلامية - دبي.\n١٦٩. سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام - محمد بن إسماعيل الصنعاني الأمير - دار إحياء التراث - بيروت - ١٣٧٩ هـ - تحقيق: محمد عبد العزيز الخولي.\n١٧٠. سلسلة الدراسات الحديثية - الأنواع والمصطلحات التي تتداخل مع الحديث المقلوب» - الدكتور محمد بازمول - طبع في دار الإمام أحمد - مصر - ١٤٢٩ هـ.\n١٧١. السنة قبل التدوين - د. محمد عجاج الخطيب - أم القرى للطباعة والنشر - القاهرة -","vol":"1","page":503},{"text":"١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م.\n١٧٢. السنة ومكانتها في التشريع - د. مصطفى السباعي - دار الوراق - المكتب الإسلامي - ٢٠٠٠ م.\n١٧٣. سنن ابن ماجة - محمد بن يزيد القزويني - دار الفكر - بيروت - تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.\n١٧٤. سنن أبي داود - سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني الأزدي - دار الفكر - تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.\n١٧٥. السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السنن - محمد بن عمر الفهري - مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة - ١٤١٧ هـ - تحقيق: صلاح بن سالم المصراتي.\n١٧٦. سنن البيهقي الكبرى - أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقي - مكتبة دار الباز - مكة المكرمة - ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م - تحقيق محمد عبد القادر عطا.\n١٧٧. سنن الدارقطني - علي بن عمر أبو الحسن الدارقطني البغدادي - دار المعرفة - بيروت - ١٣٨٦ هـ - ١٩٦٦ م تحقيق السيد عبد الله هاشم يماني المدني.\n١٧٨. سنن الدارمي - عبد الله بن عبد الرحمن أبو محمد الدارمي - دار الكتاب العربي - بيروت - ١٤٠٧ هـ - ط ١ - تحقيق فواز أحمد زمرلي - خالد السبع العلمي.\n١٧٩. السنن الصغرى - أحمد بن الحسين بن علي البيهقي أبو بكر - مكتبة الدار - المدينة المنورة - ١٤١٠ هـ - ١٩٨٩ م - ط ١ - تحقيق د. محمد ضياء الرحمن الأعظمي.\n١٨٠. السنن الكبرى - أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م - ط ١ - تحقيق د. عبد الغفار سليمان البنداري - سيد كسروي حسن.\n١٨١. السنن الواردة في الفتن وغوائلها والساعة وأشراطها - أبو عمرو عثمان بن سعيد المقرئ الداني - دار العاصمة - الرياض - ١٤١٦ هـ - تحقيق: د. ضياء الله بن محمد إدريس المباركفوري.\n١٨٢. سنن سعيد ابن منصور - سعيد بن منصور الخراساني - الدار السلفية - الهند - ١٤٠٣ هـ/ ١٩٨٢ م - تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي.\n١٨٣. سير أعلام النبلاء - محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي أبو عبد الله - مؤسسة الرسالة - بيروت - ١٤١٣ هـ - ط ٩ - تحقيق شعيب الأرناؤوط - محمد نعيم العرقسوسي.","vol":"1","page":504},{"text":"<span data-type='title' id=toc-160>حرف الشين</span>\n١٨٤. شاخت والسنة النبوية - مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية - محمد مصطفى الأعظمي - المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم - ١٩٨٥ م.\n١٨٥. الشاذ والمنكر وزيادة الثقة موازنة بين المتقدمين والمتأخرين - د. عبد القادر مصطفى عبد الرزاق المحمدي - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤٢٦ هـ/ ٢٠٠٥ م.\n١٨٦. الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - إبراهيم بن موسى بن أيوب البرهان الأبناسي - مكتبة الرشد - الرياض - ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٨ م - تحقيق: صلاح فتحي هلل.\n١٨٧. شذرات الذهب في أخبار من ذهب - عبد الحي بن أحمد بن محمد العكري الحنبلي - دار ابن كثير - دمشق - ١٤٠٦ هـ - تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط ومحمود الأرناؤوط.\n١٨٨. شرح التبصرة والتذكرة - عبد الرحيم بن الحسين العراقي - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤٢٣ هـ/ ٢٠٠٢ م - تحقيق: عبد اللطيف الهميم، والدكتور ماهر ياسين الفحل.\n١٨٩. شرح علل الترمذي - الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي - مكتبة المنار - الزرقاء - الأردن - ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م - ط ١ - تحقيق الدكتور همام عبد الرحيم سعيد.\n١٩٠. شرح مشكل الآثار - أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي - مؤسسة الرسالة - لبنان/ بيروت - ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٧ م - ط ١ - تحقيق شعيب الأرناؤوط.\n١٩١. شرح نخبة الفكر في مصطلحات أهل الأثر - علي بن سلطان محمد - المعروف ب «ملا علي القاري» - دار الأرقم - لبنان - تحقيق: محمد نزار تميم، وهيثم نزار تميم.\n١٩٢. شرف أصحاب الحديث - أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي - دار إحياء السنة النبوية - أنقرة - تحقيق: د. محمد سعيد خطي أوغلي.\n١٩٣. شعب الإيمان - أحمد بن الحسين البيهقي - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤١٠ هـ - تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول.\n١٩٤. الشيخ عبد الفتاح أبو غدة كما عرفته - د. محمد علي الهاشمي - دار البشائر الإسلامية - ٢٠٠٤ م - بيروت.","vol":"1","page":505},{"text":"<span data-type='title' id=toc-161>حرف الصاد</span>\n١٩٥. الصبح السافر في حياة العلامة أحمد شاكر - رجب بن عبد المقصود - مكتبة ابن كثير - ١٤١٤ هـ/ ١٩٩٤ م - الكويت.\n١٩٦. صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان - محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي - مؤسسة الرسالة - بيروت - ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م - ط ٢ - تحقيق شعيب الأرناؤوط.\n١٩٧. صحيح ابن خزيمة - محمد بن إسحاق بن خزيمة أبو بكر السلمي النيسابوري - المكتب الإسلامي - بيروت - ١٣٩٠ هـ - ١٩٧٠ م - تحقيق د. محمد مصطفى الأعظمي.\n١٩٨. صحيح مسلم - مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري - دار إحياء التراث العربي - بيروت - تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.\n١٩٩. صحيح مسلم بشرح النووي - يحيى بن شرف بن مري النووي - دار إحياء التراث العربي - بيروت - ١٣٩٢ هـ.\n٢٠٠. صفة الصفوة - عبد الرحمن بن علي بن محمد أبو الفرج - دار المعرفة - بيروت - ١٣٩٩ هـ/ ١٩٧٩ م - تحقيق: محمود فاخوري، ود. محمد رواس قلعه جي.\n٢٠١. صلة الخلف بموصول السلف - محمد بن سليمان الراوندي - دار الغرب الإسلامي - ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م - تحقيق: د. محمد حجي.\n٢٠٢. صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط - عثمان بن عبد الرحمن أبو عمرو بن الصلاح - دار الغرب الإسلامي - بيروت - ١٤٠٨ هـ - تحقيق: موفق عبد الله عبد القادر.\n\n<span data-type='title' id=toc-162>حرف الضاد</span>\n٢٠٣. ضحى الإسلام - أحمد أمين - مكتبة الأسرة - مصر - ١٩٩٧ م.\n٢٠٤. الضعفاء الصغير - محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي - دار الوعي - حلب - ١٣٩٦ هـ - ط ١ - تحقيق محمود إبراهيم زايد.\n٢٠٥. الضعفاء الكبير - أبو جعفر محمد بن عمر بن موسى العقيلي - دار المكتبة العلمية - بيروت - ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م - ط ١ - تحقيق عبد المعطي أمين قلعجي.","vol":"1","page":506},{"text":"٢٠٦. الضعفاء والمتروكين - أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي - دار الوعي - حلب - ١٣٩٦ هـ - ط ١ - تحقيق محمود إبراهيم زايد.\n٢٠٧. الضعفاء والمتروكين - عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي أبو الفرج - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤٠٦ - ط ١ - تحقيق عبد الله القاضي.\n٢٠٨. الضوء اللامع لأهل القرن التاسع - محمد بن عبد الرحمن السخاوي - دار الجيل - بيروت - ١٤١٢ هـ/ ١٩٩٢ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-163>حرف الطاء والظاء</span>\n٢٠٩. طبقات الحفاظ - عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي أبو الفضل - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤٠٣ - ط ١.\n٢١٠. طبقات الحنابلة - محمد بن أبي يعلى - دار المعرفة - بيروت - تحقيق: محمد حامد الفقي.\n٢١١. طبقات الشافعية - أحمد بن محمد بن عمر بن قاضي شهبة - عالم الكتب - بيروت - ١٤٠٧ هـ - تحقيق: د. الحافظ عبد العليم خان.\n٢١٢. الطبقات الكبرى - محمد بن سعد بن منيع أبو عبد الله البصري الزهري - دار صادر - بيروت.\n٢١٣. طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها - عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان - أبو محمد الأنصاري - مؤسسة الرسالة - بيروت - ١٤١٢ هـ/ ١٩٩٢ م - تحقيق: عبد الغفور عبد الحق حسين البلوشي.\n٢١٤. طرح التثريب في شرح التقريب - عبد الرحيم بن الحسيني العراقي - دار الكتب العلمية - بيروت - ٢٠٠٠ م - تحقيق: عبد القادر محمد علي.\n٢١٥. ظفر الأماني بشرح مختصر السيد الشريف الجرجاني في مصطلح الحديث - محمد عبد الحي اللكنوي الهندي - مكتبة المطبوعات الإسلامية - سوريا - حلب - ١٤١٦ هـ- تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة.\n\n<span data-type='title' id=toc-164>حرف العين</span>\n٢١٦. عبقرية الإمام مسلم في ترتيب أحاديث مسنده الصحيح دراسة تحليلية - حمزة بن عبد الله المليباري -","vol":"1","page":507},{"text":"دار ابن حزم - ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٧ م.\n٢١٧. العلة وأجناسها عند المحدثين - أبو سفيان مصطفى باجو - دار الضياء - طنطا - ١٤٢٦ هـ/ ٢٠٠٥ م.\n٢١٨. العلل - علي بن عبد الله بن جعفر السعدي المديني - المكتب الإسلامي - بيروت - ١٩٨٠ م - تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي.\n٢١٩. علل الترمذي الكبير - أبو طالب القاضي - عالم الكتب - مكتبة النهضة العربية - بيروت - ١٤٠٩ هـ - تحقيق: صبحي السامرائي وأبو المعاطي النوري ومحمود محمد الصعيدي.\n٢٢٠. علل الحديث - عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن مهران الرازي أبو محمد - دار المعرفة - بيروت - ١٤٠٥ هـ - تحقيق محب الدين الخطيب.\n٢٢١. العلل الصغير - الترمذي - دار إحياء التراث العربي - بيروت - أحمد محمد شاكر وآخرون.\n٢٢٢. العلل الواردة في الأحاديث النبوية - علي بن عمر بن أحمد بن مهدي أبو الحسن الدارقطني البغدادي - دار طيبة - الرياض - ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م - ط ١ - تحقيق د. محفوظ الرحمن زين الله السلفي.\n٢٢٣. العلل ومعرفة الرجال - أحمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني - المكتب الإسلامي - دار الخاني - بيروت - الرياض - ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م - ط ١ - تحقيق وصي الله بن محمد عباس.\n٢٢٤. علم أسباب ورود الحديث - وتطبيقاته عند المحدثين والأصوليين - الدكتور طارق الأسعد - وأصله رسالة دكتوراه - طبع في دار ابن حزم - بيروت - ١٤٢٢ هـ/ ٢٠٠١ م.\n٢٢٥. علم أسباب ورود الحديث وتطبيقاته عند المحدثين والأصوليين وجمع طائفة مما لم يصنف من أسباب الحديث - الدكتور طارق أسعد حلمي الأسعد - دار ابن حزم - بيروت - ١٤٢٢ هـ/ ٢٠٠١ م.\n٢٢٦. العلو والنزول - الحافظ محمد بن طاهر المقدسي - مكتبة ابن تيمية - الكويت - ١٤٠١ هـ - تحقيق: صلاح الدين مقبول أحمد.\n٢٢٧. علوم الحديث - أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري - دار الفكر المعاصر - بيروت - ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م - تحقيق نور الدين عتر.\n٢٢٨. علوم الحديث ومصطلحه - عرض ودراسة - د. صبحي الصالح - دار العلم للملايين -","vol":"1","page":508},{"text":"بيروت - ١٩٩٦ م.\n٢٢٩. عمدة القاري شرح صحيح البخاري - بدر الدين محمود بن أحمد العيني - دار إحياء التراث - بيروت.\n٢٣٠. العين - الخليل بن أحمد الفراهيدي - دار ومكتبة الهلال - تحقيق: د. مهدي المخزومي - ود. إبراهيم السامرائي.\n٢٣١. عين الإصابة في استدراك عائشة على الصحابة - عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي - دار الإيمان - ١٤٠٣ هـ -تحقيق: عبد الله بن محمد الدرويش.\n\n<span data-type='title' id=toc-165>حرف الغين</span>\n٢٣٢. غاية المقصود في شرح سنن أبي داود - محمد شمس الحق العظيم آبادي - دار الطحاوي - الرياض - ١٤١٤ هـ.\n٢٣٣. غاية النهاية في طبقات القراء - محمد بن علي بن الجزري - دار الكتب العلمية - ١٤٢٧ هـ/ ٢٠٠٦ م - تحقيق: ج برجستراسر.\n٢٣٤. الغاية في شرح الهداية في علم الرواية - ابن الجزري والسخاوي - مكتبة أولاد الشيخ للتراث - ٢٠٠١ م - تحقيق: عبد المنعم إبراهيم، أبو عائش.\n٢٣٥. غرائب حديث الإمام مالك بن أنس - محمد بن المظفر البزاز - دار السلف - ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٧ م - الرياض - تحقيق: رضا بن خالد الجزائري.\n٢٣٦. غنية الملتمس إيضاح الملتبس - أحمد بن علي بن ثابت الخطيب - مكتبة الرشد - الرياض - ١٤٢٢ هـ/ ٢٠٠١ م - تحقيق: د. يحيى بن عبد الله البكري الشهري.\n٢٣٧. غوامض الأسماء المبهمة الواقعة في متون الأحاديث المسندة - خلف بن عبد الملك بن بشكوال أبو القاسم - عالم الكتب - بيروت - ١٤٠٧ - ط ١ - تحقيق د. عز الدين علي السيد - محمد كمال الدين عز الدين.","vol":"1","page":509},{"text":"<span data-type='title' id=toc-166>حرف الفاء</span>\n٢٣٨. فتح الباري شرح صحيح البخاري - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - دار المعرفة - بيروت - تحقيق: محب الدين الخطيب.\n٢٣٩. فتح الباري في شرح صحيح البخاري - عبد الرحمن بن شهاب الدين - الشهير ب «ابن رجب الحنبلي» - دار ابن الجوزي - السعودية - الدمام - ١٤٢٢ هـ - تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد.\n٢٤٠. فتح المغيث شرح ألفية الحديث - شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي - دار الكتب العلمية - لبنان - ١٤٠٣ هـ - ط ١.\n٢٤١. فجر الإسلام - أحمد أمين - دار الكتاب العربي - بيروت - ١٩٦٩ م.\n٢٤٢. الفروسية - محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي - دار الأندلس - السعودية - حائل - ١٤١٤ هـ/ ١٩٩٣ م - تحقيق: مشهور بن حسن بن محمود بن سلمان.\n٢٤٣. الفصل للوصل المدرج في النقل - أحمد بن علي بن ثابت - الخطيب البغدادي - دار الهجرة - الرياض - ١٤١٨ هـ - تحقيق: محمد مطر الزهراني.\n٢٤٤. فضائل الصحابة - أحمد بن حنبل الشيباني - مؤسسة الرسالة - بيروت - ١٤٠٣ هـ/ ١٩٨٣ م - تحقيق: د. وصي الله محمد عباس.\n٢٤٥. فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات - عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني - دار العربي الإسلامي - بيروت - ١٤٠٢ هـ/ ١٩٨٢ م - تحقيق: إحسان عباس.\n٢٤٦. فهرسة ابن خير الاشبيلي - محمد بن خير بن عمر بن خليفة الأموي - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤١٩ هـ/ ١٩٩٨ م - تحقيق: محمد فؤاد منصور.\n٢٤٧. الفوائد «الغيلانيات» - محمد بن عبد الله بن إبراهيم - دار ابن الجوزي - الرياض - ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٧ م - تحقيق: حلمي كامل أسعد عبد الهادي.\n٢٤٨. فوائد العراقيين - محمد بن علي بن عمرو النقاش - مكتبة القرآن - القاهرة - تحقيق: مجدي السيد إبراهيم.\n٢٤٩. الفوائد المنتخبة «الصحاح والغرائب» «المهروانيات» - يوسف بن محمد المهرواني - دار الراية للنشر والتوزيع - السعودية - رياض - ١٤١٩ هـ/ ١٩٩٨ م - تحقيق: خليل بن محمد العربي.\n٢٥٠. فوائد حديث أبي عمير - أحمد بن أحمد الطبري - مكتبة السنة - القاهرة - ١٤١٣ هـ/ ١٩٩٢ م -","vol":"1","page":510},{"text":"تحقيق: صابر أحمد البطاوي.\n\n<span data-type='title' id=toc-167>حرف القاف</span>\n٢٥١. قفو الأثر في صفوة علوم الأثر - محمد بن إبراهيم الحلبي الحنفي - مكتبة المطبوعات الإسلامية - حلب - ١٤٠٨ هـ - تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة.\n٢٥٢. قواطع الأدلة في الأصول - منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٧ م - تحقيق: محمد حسن إسماعيل الشافعي.\n٢٥٣. قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - محمد جمال الدين القاسمي - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م - ط ١.\n٢٥٤. قواعد العلل وقرائن الترجيح - عادل بن عبد الشكور الزرقي - دار المحدث - الرياض - ١٤٢٥ هـ.\n٢٥٥. قوة الحجاج في عموم المغفرة للحاج - علي بن حجر العسقلاني - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م - تحقيق: سمير حسن حلبي.\n\n<span data-type='title' id=toc-168>حرف الكاف</span>\n٢٥٦. الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة - حمد بن أحمد أبو عبد الله الذهبي الدمشقي - دار القبلة للثقافة الإسلامية - مؤسسة علو - جدة - ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م - ط ١ - تحقيق محمد عوامة.\n٢٥٧. الكامل في ضعفاء الرجال - عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد أبو أحمد الجرجاني - دار الفكر - بيروت - ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م - ط ٣ - تحقيق يحيى مختار غزاوي.\n٢٥٨. كتاب العلم - زهير بن حرب النسائي - أبو خيثمة - مكتبة المعارف - الرياض - ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠١ م - تحقيق: ناصر الدين الألباني.\n٢٥٩. الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار - أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي - مكتبة الرشد - الرياض - ١٤٠٩ هـ - ط ١ - تحقيق كمال يوسف الحوت.\n٢٦٠. كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة - نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي - مؤسسة الرسالة - ١٣٩٩ هـ/ ١٩٧٩ م - تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي.","vol":"1","page":511},{"text":"٢٦١. كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس - إسماعيل بن محمد العجلوني - مؤسسة الرسالة - بيروت - ١٤٠٥ هـ - تحقيق: أحمد القلاش.\n٢٦٢. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون - مصطفى بن عبد الله القسطنطيني الرومي - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤١٣ هـ/ ١٩٩٢ م.\n٢٦٣. الكفاية في علم الرواية - أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي - المكتبة العلمية - المدينة المنورة - تحقيق أبو عبد الله السورقي - إبراهيم حمدي المدني.\n٢٦٤. كلمات في كشف أباطيل وافتراءات - عبد الفتاح أبو غدة - مكتبة المطبوعات الإسلامية - حلب - ١٤١١ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-169>حرف اللام</span>\n٢٦٥. لسان العرب - محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري - دار صادر - بيروت - ط ١.\n٢٦٦. لسان الميزان - أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي - مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت - ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م - ط ٣ - تحقيق دائرة المعرف النظامية - الهند.\n٢٦٧. لمحات في المكتبة والبحث والمصادر - الدكتور محمد عجاج الخطيب - بيروت - دمشق - ١٣٩١ هـ/ ١٩٧١ م.\n٢٦٨. لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث - عبد الفتاح أبو غدة - مكتبة المطبوعات الإسلامية - بيروت - ٢٠٠٨ م.\n٢٦٩. اللمع في أسباب الحديث - جلال الدين السيوطي - دار المكتبة العلمية - بيروت - ١٩٨٤ م - تحقيق: يحيى إسماعيل أحمد.\n\n<span data-type='title' id=toc-170>حرف الميم</span>\n٢٧٠. المؤتلف والمختلف (الأنساب المتفقة في الخط المتماثلة في النقط) - محمد بن طاهر بن علي بن القيسراني - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤١١ - ط ١ - تحقيق كمال يوسف الحوت.\n٢٧١. المتفق والمفترق - الخطيب البغدادي - دار القادري - دمشق - ١٩٨٨ م - تحقيق: د. محمد صادق الحامدي.\n٢٧٢. المتَّفق والمفترق - طرق تمييزه - وخطورة إغفاله» - مجلة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية","vol":"1","page":512},{"text":"- قسنطينة - العدد ٢٧\n٢٧٣. المجتبى من السنن - أحمد بن شعيب النسائي - مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب - ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦ م - تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة.\n٢٧٤. المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين - الإمام محمد بن حيان بن أحمد بن أبي حاتم التميمي البستي - دار الوعي - حلب - ١٣٩٦ هـ - ط ١ - تحقيق محمود إبراهيم زايد.\n٢٧٥. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد - علي بن أبي بكر الهيثمي - دار الريان للتراث ودار الكتاب العربي - القاهرة وبيروت - ١٤٠٧ هـ.\n٢٧٦. المجموع - يحيى بن شرف النووي - دار الفكر - بيروت - ١٩٩٧ م.\n٢٧٧. محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح - سراج الدين البلقيني - دار الكتب العلمية - ١٩٩٩ م - بيروت - تحقيق: خليل المنصور.\n٢٧٨. المحدث الفاصل بين الراوي والواعي - الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي - دار الفكر - بيروت - ١٤٠٤ هـ ط ٣ - تحقيق د. محمد عجاج الخطيب.\n٢٧٩. المحكم والمحيط الأعظم - علي بن إسماعيل بن سيده المرسي - دار الكتب العلمية - بيروت - ٢٠٠٠ م - تحقيق: عبد الحميد هنداوي.\n٢٨٠. مختار الصحاح - محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي - مكتبة لبنان ناشرون - بيروت - ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٥ م - تحقيق: محمود خاطر.\n٢٨١. مختصر الكامل في ضعفاء الرجال - تقي الدين أحمد بن علي المقريزي - مكتبة السنة - القاهرة - ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٤ م - تحقيق: أيمن بن عارف الدمشقي.\n٢٨٢. المدخل إلى كتاب الإكليل - محمد بن عبد الله بن حمدويه الحاكم - دار الدعوة - الإسكندرية - تحقيق: د. فؤاد عبد المنعم أحمد.\n٢٨٣. المدرج إلى المدرج - جلال الدين السيوطي - دار السلفية - الكويت - حققه: د. صبحي السامرائي ضمن «مجموعة رسائل في الحديث».\n٢٨٤. المراسيل - سليمان بن الأشعث السجستاني أبو داود - مؤسسة الرسالة - بيروت - ١٤٠٨ هـ - ط ١ - تحقيق شعيب الأرناؤوط.","vol":"1","page":513},{"text":"٢٨٥. المراسيل - عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي - مؤسسة الرسالة - بيروت - ١٣٩٧ هـ - ط ١ - تحقيق شكر الله نعمة الله قوجاني.\n٢٨٦. المرسل الخفيُّ وعلاقته بالتَّدليس - دراسة نظريَّة تطبيقيَّة على مرويَّات الحسن البصريِّ - الشَّريف حاتم العونيّ - دار الهجرة - الرياض- ١٤١٨ هـ.\n٢٨٧. المزيد في متصل الأسانيد - دراسة نظرية تطبيقية - سميرة محمد سلامة - طبعتها مكتبة الرشد ناشرون - الرياض - ١٤٢٦ هـ.\n٢٨٨. مسألة التصحيح والتحسين في الأعصار المتأخرة في علوم الحديث - د. عبد الرزاق الشايجي - دار ابن حزم - ١٤٢٠ هـ/ ١٩٩٩ م - بيروت.\n٢٨٩. المستدرك على الصحيحين - محمد بن عبد الله أبو عبد الله الحاكم النيسابوري - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م - ط ١ - تحقيق مصطفى عبد القادر عطا.\n٢٩٠. المستشرقون والحديث النبوي - د. محمد بهاء الدين - دار النفائس - ١٤٢٠ هـ/ ١٩٩٩ م - عمان «الأردن».\n٢٩١. المستفاد من مبهمات المتن والإسناد - للحافظ العراقي «ت ٨٢٦ هـ» - تحقيق: الدكتور عبد الرحمن عبد الرحيم البر - دار الوفاء - مصر - المنصورة - ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n٢٩٢. مسند ابن أبي شيبة - عبد الله بن محمد بن أبي شيبة - دار الوطن - الرياض - ١٩٩٧ م - تحقيق: عادل يوسف العزازي وأحمد بن فريد المزيدي.\n٢٩٣. مسند ابن الجعد - علي بن الجعد بن عبيد أبو الحسن الجوهري البغدادي - مؤسسة نادر - بيروت - ١٤١٠ هـ/ ١٩٩٠ م - تحقيق: عامر أحمد حيدر.\n٢٩٤. مسند أبي بكر الصديق - أحمد بن علي بن سعيد الأموي المروزي - المكتب الإسلامي - بيروت - تحقيق: شعيب الأرناؤوط.\n٢٩٥. مسند أبي عوانة - الإمام أبي عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني - دار المعرفة - بيروت.\n٢٩٦. مسند أبي يعلى - أحمد بن علي بن المثنى «أبو يعلى الموصلي» - دار المأمون للتراث - دمشق - ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م - تحقيق: حسين سليم أسد.\n٢٩٧. مسند إسحاق بن راهويه - إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي - مكتبة الإيمان -","vol":"1","page":514},{"text":"المدينة المنورة - ١٤١٢ هـ/ ١٩٩١ م - تحقيق: عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي.\n٢٩٨. مسند الإمام أحمد بن حنبل - أحمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني - مؤسسة قرطبة - مصر.\n٢٩٩. مسند الحميدي - عبد الله بن الزبير أبو بكر الحميدي - دار الكتب العلمية - بيروت - تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي.\n٣٠٠. مسند الشاشي - الهيثم بن كليب الشاشي - مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة - ١٤١٠ هـ - تحقيق: د. محفوظ الرحمن زين الله.\n٣٠١. مسند الشاميين - سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني - مؤسسة الرسالة - بيروت - ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٤ م - تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي.\n٣٠٢. مسند الطيالسي - سليمان بن داود الفارسي الطيالسي - دار المعرفة - بيروت.\n٣٠٣. المسند المستخرج على صحيح مسلم - أحمد بن عبد الله بن أحمد بن مهران الهراني - أبو نعيم الأصبهاني - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٦ م - تحقيق: محمد حسن إسماعيل الشافعي.\n٣٠٤. مسند عبد الله بن عمر - محمد بن إبراهيم الطرسوسي - دار النفائس - بيروت - ١٣٩٣ هـ - تحقيق: أحمد راتب عرموش.\n٣٠٥. مسند عمر بن الخطاب - يعقوب بن شيبة بن الصلت السدوسي - مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت - ١٤٠٥ هـ - تحقيق: كمال يوسف الحوت.\n٣٠٦. مشاهير علماء الأمصار - محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٩٥٩ - تحقيق م. فلايشهمر.\n٣٠٧. مصابيح السنة - الحسين بن مسعود البغوي - دار المعرفة - ١٤٠٧ هـ - تحقيق: جمال حمدي الذهبي، ويوسف المرعشلي، ومحمد سليم سمارة.\n٣٠٨. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير - أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي - المكتبة العلمية - بيروت.\n٣٠٩. المصنف - أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني - المكتب الإسلامي - بيروت - ١٤٠٣ هـ - ط ٢ - تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي.\n٣١٠. المصنفات في السنة النبوية - المكتبة الشاملة - ملتقى أهل الحديث - نسخة الكترونية غير","vol":"1","page":515},{"text":"مطبوعة.\n٣١١. المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - دار العاصمة - السعودية - ١٤١٩ هـ - تحقيق: د. سعد بن ناصر الشتري.\n٣١٢. معالم السنن - شرح سنن أبي داود - حمد بن محمد الخطابي البستي - طبعه: محمد راغب الطباخ - مطبعته العلمية - حلب - ١٣٥٢ هـ/ ١٩٣٣ م.\n٣١٣. المعجم الأوسط - أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني - دار الحرمين - القاهرة - ١٤١٥ هـ - تحقيق طارق بن عوض الله بن محمد - عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني.\n٣١٤. المعجم الكبير - سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني - مكتبة الزهراء - الموصل - ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٣ م - ط ٢ - تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي.\n٣١٥. المعجم المختص بالمحدثين - محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي - مكتبة الصديق - الطائف - ١٤٠٨ هـ - تحقيق: د. محمد الحبيب الهيلة.\n٣١٦. المعجم المختص بالمحدثين - محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي أبو عبد الله - مكتبة الصديق - الطائف - ١٤٠٨ هـ - ط ١ - تحقيق د. محمد الحبيب الهيلة.\n٣١٧. معجم المصطلحات الحديثية - د. محمود أحمد الطحان، وعبد الرزاق خليفة الشايجي، ود. نهاد عبد الحليم عبيد.\n٣١٨. المعجم المفهرس - تجريد أسانيد الكتب المشهورة والأجزاء المنثورة - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - مؤسسة الرسالة - بيروت - ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٨ م - تحقيق: محمد شكور المياديني.\n٣١٩. المعجم الوسيط - إبراهيم مصطفى - أحمد الزيات - حامد عبد القادر - محمد النجار - دار الدعوة - مجمع اللغة العربية.\n٣٢٠. معجم مقاييس اللغة - أحمد بن فارس بن زكريا - دار الجيل - بيروت - لبنان - ١٤٢٠ هـ/ ١٩٩٩ م - تحقيق: عبد السلام محمد هارون.\n٣٢١. معرفة الثقات من رجال أهل العلم والحديث ومن الضعفاء وذكر مذاهبهم وأخبارهم - أبي الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي - مكتبة الدار - المدينة المنورة - السعودية - ١٤٠٥ - ١٩٨٥ - ط ١ - تحقيق عبد العليم عبد العظيم البستوي.","vol":"1","page":516},{"text":"٣٢٢. معرفة السنن والآثار عن الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي - الحافظ الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين ابن علي بن موسى أبو أحمد - البيهقي - الخسروجردي - دار الكتب العلمية - لبنان - بيروت - تحقيق سيد كسروي حسن.\n٣٢٣. معرفة الصحابة - أحمد بن عبد الله بن مهران، أبو نعيم الأصبهاني - دار الوطن للنشر - الرياض - ١٤١٩ هـ/ ١٩٩٨ م - تحقيق: عادل بن يوسف العزازي.\n٣٢٤. معرفة علوم الحديث - محمد بن عبد الله الحاكم - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٣٩٧ هـ/ ١٩٧٧ م - تحقيق: السيد معظم حسين.\n٣٢٥. المعرفة والتاريخ - أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤١٩ هـ- ١٩٩٩ م - تحقيق خليل المنصور.\n٣٢٦. مغاني الأخيار في شرح أسامي رجال معاني الآثار - أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابي الحنفي (بدر الدين العيني) - تحقيق أبو عبد الله محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي.\n٣٢٧. المغني عن حمل الأسفار - أبو الفضل العراقي - مكتبة طبرية - الرياض - ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٥ م - تحقيق: أشرف عبد المقصود.\n٣٢٨. المغني في الضعفاء - الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي - تحقيق الدكتور نور الدين عتر.\n٣٢٩. المفاريد عن رسول الله -ﷺ- أحمد بن علي بن المثنى - أبو يعلى - مكتبة دار الأقصى - الكويت - ١٤٠٥ هـ - تحقيق: عبد الله بن يوسف الجديع.\n٣٣٠. المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة - أبو الخير محمد بن عبد الرحمن ابن محمد السخاوي - دار الكتاب العربي - بيروت - ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م - ط ١ - تحقيق محمد عثمان الخشت.\n٣٣١. مقدمة في أصول الحديث - عبد الحق بن سيف الدين الدهلوي - دار البشائر الإسلامية - بيروت - ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦ م - تحقيق: سلمان الحسيني الندوي.\n٣٣٢. المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد - الإمام برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله ابن محمد بن مفلح - مكتبة الرشد - الرياض - السعودية - ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م - ط ١ - تحقيق د. عبد الرحمن بن سليمان العثيمين.","vol":"1","page":517},{"text":"٣٣٣. المقنع في علوم الحديث - سراج الدين عمر بن علي بن أحمد الأنصاري - دار فواز للنشر - السعودية - ١٤١٣ هـ - تحقيق: عبد الله بن يوسف الجديع.\n٣٣٤. المنار المنيف في الصحيح والضعيف - محمد بن أبي بكر الحنبلي الدمشقي - مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب - ١٤٠٣ هـ - تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة.\n٣٣٥. مناهج المحدثين في تقوية الأحاديث بالمتابعات والشواهد - د. المرتضى الزين أحمد - وهي عبارة عن رسالة دكتوراه - طبعت في مكتبة الرشد الرياض ١٩٩٤ م.\n٣٣٦. المنتخب من مسند عبد بن حميد - عبد بن حميد بن نصر - مكتبة السنة - القاهرة - ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م - تحقيق: صبحي البدري السامرائي، ومحمود محمد خليل الصعيدي.\n٣٣٧. المنتقى من السنن المسندة - عبد الله بن علي بن الجارود - مؤسسة الكتاب الثقافية - بيروت - ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م - تحقيق: عبد الله عمر البارودي.\n٣٣٨. منزلة مدار الإسناد في علم علل الحديث الشريف - محمد مجير الحسني - دار الميمان - الرياض - ١٩٩٩ م.\n٣٣٩. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - يحي بن شرف النووي - دار إحياء التراث العربي - بيروت - ١٣٩٢ هـ.\n٣٤٠. منهج النقد عند المحدثين - نشأته وتاريخه - الدكتور محمد مصطفى الأعظمي - مكتبة الكوثر - ١٤١٠ هـ/ ١٩٩٠ م - الرياض.\n٣٤١. منهج النقد في علوم الحديث - د. نور الدين عتر - دار الفكر - دمشق - ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٧ م.\n٣٤٢. المنهل الروي في مختصر علوم الحديث النبوي - محمد بن إبراهيم بن جماعة - دار الفكر - دمشق - ١٤٠٦ هـ - تحقيق: د. محيي الدين عبد الرحمن رمضان.\n٣٤٣. الموافقات في أصول الفقه - إبراهيم بن موسى اللخمي- دار المعرفة - بيروت - تحقيق: عبد الله دراز.\n٣٤٤. موضح أوهام الجمع والتفريق - أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي - دار المعرفة - بيروت - ١٤٠٧ هـ - تحقيق: د. عبد المعطي أمين قلعجي.\n٣٤٥. الموضوعات - عبد الرحمن بن علي بن محمد - أبو الفرج الجوزي - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٥ م - تحقيق: توفيق حمدان.\n٣٤٦. الموطأ - مالك بن أنس أبو عبد الله الأصبحي - دار إحياء التراث العربي - مصر - تحقيق محمد","vol":"1","page":518},{"text":"فؤاد عبد الباقي.\n٣٤٧. الموقظة في علم مصطلح الحديث - محمد بن أحمد الذهبي - دار البشائر الإسلامية - بيروت - ١٤٠٥ هـ - اعتنى به: عبد الفتاح أبو غدة.\n٣٤٨. ميزان الاعتدال في نقد الرجال - شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٩٩٥ م ط ١ - تحقيق الشيخ علي محمد معوض والشيخ عادل أحمد عبد الموجود.\n\n<span data-type='title' id=toc-171>حرف النون والهاء</span>\n٣٤٩. ناسخ الحديث ومنسوخه - عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين - مكتبة المنار - الزرقاء - ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م - تحقيق: سمير بن أمين الزهيري.\n٣٥٠. النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة - يوسف بن تغري الأتابكي - وزارة الثقافة والإرشاد القومي - مصر.\n٣٥١. نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - تأليف أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - دار إحياء التراث العرب - بيروت - تحقيق ضمن كتاب سبل السلام.\n٣٥٢. نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - مطبعة سفير - الرياض - ١٤٢٢ هـ - تحقيق: عبد الله بن ضيف الله الرحيلي.\n٣٥٣. نصب الراية لأحاديث الهداية - عبد الله بن يوسف الزيلعي - دار الحديث - مصر - ١٣٥٧ هـ - تحقيق: محمد يوسف البنوري.\n٣٥٤. نظرية الاعتبار عند المحدثين - منصور محمود الشرايري - الدار الأثرية - عمان - ١٤٣٠ هـ.\n٣٥٥. نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد - خليل بن كيكلدي العلائي - دار ابن الجوزي - السعودية - ١٤١٦ هـ - تحقيق: بدر البدر.\n٣٥٦. نظم المتناثر من الحديث المتواتر - محمد بن جعفر الكتاني - دار الكتب السلفية - مصر - تحقيق: شرف حجازي.\n٣٥٧. نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول - أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي - دار القادري - بيروت - ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م - ط ١ - تحقيق حسن","vol":"1","page":519},{"text":"السماحي سويدان.\n٣٥٨. النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد - عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني - أضواء السلف - ١٩٩٩ م - تحقيق: إبراهيم بن سعيد الصبيحي.\n٣٥٩. النكت على كتاب ابن الصلاح - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - دار الراية - الرياض - ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م - تحقيق: ربيع بن هادي عمير المدخلي.\n٣٦٠. النكت على مقدمة ابن الصلاح - بدر الدين أبي عبد الله محمد بن جمال الدين عبد الله بن بهادر - أضواء السلف - الرياض - ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م - ط ١ - تحقيق د. زين العابدين بن محمد بلا فريج.\n٣٦١. النهاية في غريب الحديث والأثر - المبارك بن محمد الجزري - المكتبة العلمية - بيروت - ١٣٩٩ هـ/ ١٩٧٩ م - تحقيق: طاهر أحمد الزاوي - ومحمود محمد الطناحي.\n٣٦٢. نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار - محمد بن علي بن محمد الشوكاني - دار الجيل - بيروت ١٩٧٣ م.\n٣٦٣. هدي الساري مقدمة فتح الباري شرح صحيح البخاري - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - دار المعرفة - ١٣٧٩ هـ - بيروت - تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، محب الدين الخطيب.\n\n<span data-type='title' id=toc-172>حرف الواو والياء</span>\n٣٦٤. الوافي بالوفيات - صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي - دار إحياء التراث - بيروت - ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م - تحقيق: أحمد الأرناؤوط - وتركي مصطفى.\n٣٦٥. الوفيات - أحمد بن حسن بن علي بن الخطيب - دار الإقامة الجديدة - بيروت - ١٩٧٨ م - تحقيق: عادل نويهض.\n٣٦٦. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان - أحمد بن خلكان - دار الثقافة - لبنان - تحقيق: إحسان عباس.\n٣٦٧. اليواقيت والدرر في شرح نخبة الفكر - عبد الرؤوف المناوي - مكتبة الرشد - الرياض - ١٩٩٩ م - تحقيق: المرتضى الزين.\n* * *","vol":"1","page":520}]}