{"ً":{"ٌ":11189,"ٍ":"دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب سلفية لا وهابية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب سلفية لا وهابية - الحصين - ط عالم الكتب","files":["126086.pdf"]},"ّ":"الكتاب: دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب سلفية لا وهابية\nالمؤلف: أحمد بن عبد العزيز بن عبد الله الحصين\nالناشر: -\nالطبعة: الأولى ١٤٢٠هـ/ ١٩٩٩م\nعدد الصفحات: ٤٧٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1560,"ٕ":1,"ٖ":1770155686,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"تمهيد","level":1,"page":7},{"title":"الباب الأول: المد والجزر في حياة المسلمين","level":1,"page":31},{"title":"الباب الثاني: الإسلام يتحدث عن ذاته بأبطاله في التاريخ","level":1,"page":41},{"title":"الباب الثالث: مفهوم البطولة في الإسلام","level":1,"page":44},{"title":"الباب الرابع: الإمام محمد بن عبد الوهاب والدعوة المباركة","level":1,"page":57},{"title":"الفصل الأول: حياة الإمام محمد بن عبد الوهاب ونشأته","level":2,"page":57},{"title":"الفصل الثاني: وفاة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀","level":2,"page":70},{"title":"الفصل الثالث: عقيدة الإمام وفكره","level":2,"page":87},{"title":"الباب الخامس: نماذج من منهجه في الدعوة إلى العقيدة السلفية","level":1,"page":111},{"title":"الفصل الأول: الأنموذج الأول حق الله على العباد وحق العباد على الله","level":2,"page":111},{"title":"الفصل الثاني: الأنموذج الثاني فصل التوحيد ومايكفر الذنوب","level":2,"page":114},{"title":"الفصل الثالث: الأنموذج الثالث من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب","level":2,"page":117},{"title":"الفصل الرابع: الأنموذج الرابع الخوف من الشرك","level":2,"page":120},{"title":"الفصل الخامس: الأنموذج الخامس الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله","level":2,"page":122},{"title":"الفصل السادس: الأنموذج السادس تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله","level":2,"page":125},{"title":"الباب السادس: فيما قاله أحفاد الإمام محمد بن عبد الوهاب في إعتماده على الكتاب والسنة","level":1,"page":127},{"title":"الباب السابع: مؤلفات الإمام ﵀","level":1,"page":129},{"title":"الباب الثامن: طبيعة الدعوة","level":1,"page":149},{"title":"الباب التاسع: التمهيد للدعوة","level":1,"page":152},{"title":"الباب العاشر: نور التوحيد وبأس الحديد يصنعان الأبطال","level":1,"page":164},{"title":"الباب الحادي عشر: الدرعية والتلاحم العظيم بين الإمام محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود","level":1,"page":170},{"title":"الباب الثاني عشر: تأسيس الدولة السعودية الأولى","level":1,"page":175},{"title":"الباب الثالث عشر: الحملة المصرية على نجد","level":1,"page":183},{"title":"الباب الرابع عشر: تأسيس الدولة السعودية الثانية","level":1,"page":192},{"title":"الباب الخامس عشر: الإمام تركي بن عبد الله محرر نجد ومؤسس الدولة الثانية","level":1,"page":197},{"title":"الباب السادس عشر: الدولة السعودية الثالثة الحالية","level":1,"page":208},{"title":"الباب السابع عشر: شخصية الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود وخصائصه","level":1,"page":217},{"title":"الباب الثامن عشر: افتراءات وشبهات حول دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب \"﵀\"","level":1,"page":222},{"title":"الفصل الأول: الفرية الأولى الإمام محمد بن عبد الوهاب ادعى النبوة","level":2,"page":222},{"title":"الفصل الثاني: الفرية الثانية زعموا أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب من الخوارج","level":2,"page":231},{"title":"الفصل الثالث: الفرية الثالثة زعموا أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب تكفير الناس","level":2,"page":238},{"title":"الفصل الرابع: الفرية الرابعة الإمام محمد بن عبد الوهاب وانتقاض الرسول ﷺ","level":2,"page":246},{"title":"الفصل الخامس: الفرية الخامسة زعموا أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب منع الإستشفاع بالرسول ﷺ","level":2,"page":269},{"title":"الفصل السادس: الفرية السادسة الإمام محمد بن عبد الوهاب هدم القباب على القبور ونهى عن شد الرحال لزيارتها","level":2,"page":276},{"title":"الفصل السابع: الفرية السابعة زعموا أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب إنكار كرامات الأولياء","level":2,"page":287},{"title":"الفصل الثامن: الفرية الثامنة زعمو أن حديث نجد قرن الشيطان","level":2,"page":292},{"title":"الفصل التاسع: الأدلة النبوية الصريحة على أن العراق مطلع الفتن وقرن الشيطان","level":2,"page":295},{"title":"الفصل العاشر: أقوال الصحابة على أن العراق مطلع قرن الشيطان","level":2,"page":304},{"title":"الفصل الحادي عشر: أقوال التابعين على أن العراق مطلع قرن الشيطان","level":2,"page":307},{"title":"الفصل الثاني عشر: أقوال الأئمة والمحدثين على أن العراق قرن الشيطان","level":2,"page":308},{"title":"الفصل الثالث عشر: الفرية التاسعة تسميتهم بالوهابية","level":2,"page":312},{"title":"الفصل الرابع عشر: الفرية العاشرة موقف الإمام محمد بن عبد الوهاب من دولة الخلافة العثمانية","level":2,"page":326},{"title":"الباب التاسع عشر: موقف سليمان بن عبد الوهاب من دعوة أخيه الإمام محمد بن عبد الوهاب","level":1,"page":330},{"title":"الباب العشرون: هل رجع سليمان بن عبد الوهاب عن ضلالته","level":1,"page":333},{"title":"الباب الواحد والعشرون: أثر دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في العالم الإسلامي","level":1,"page":334},{"title":"تمهيد","level":2,"page":334},{"title":"الفصل الأول: الشام","level":2,"page":337},{"title":"الفصل الثاني: العراق","level":2,"page":338},{"title":"الفصل الثالث: اليمن","level":2,"page":339},{"title":"الفصل الرابع: مصر","level":2,"page":341},{"title":"الفصل الخامس: المغرب","level":2,"page":342},{"title":"الفصل السادس: الجزائر","level":2,"page":346},{"title":"الفصل السابع: ليبيا","level":2,"page":348},{"title":"الفصل الثامن: تونس","level":2,"page":349},{"title":"الفصل التاسع: السودان","level":2,"page":350},{"title":"الفصل العاشر: دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب نبراس يقتدى بها","level":2,"page":352},{"title":"الباب الثاني والعشرون: وقفة مع أفكار المتصوفة","level":1,"page":355},{"title":"الباب الثالث والعشرون: الإمام محمد بن عبد الوهاب وثناء علماء ومفكري الشرق والغرب عليه","level":1,"page":374},{"title":"الفصل الأول: ثناء علماء ومفكري الشرق","level":2,"page":374},{"title":"الفصل الثاني: ثناء علماء ومفكري الغرب","level":2,"page":377},{"title":"الباب الرابع والعشرون: الدعوة إلى الإسلام والحياة الطيبة في الدنيا ولأخرة","level":1,"page":379}],"ٛ":{"1,7":1,"1,8":2,"1,9":3,"1,10":4,"1,11":5,"1,12":6,"1,1":7,"1,2":8,"1,3":9,"1,4":10,"1,5":11,"1,6":12,"1,13":19,"1,14":20,"1,15":21,"1,16":22,"1,17":23,"1,18":24,"1,19":25,"1,20":26,"1,21":27,"1,22":28,"1,23":29,"1,24":30,"1,27":41,"1,28":42,"1,29":43,"1,33":44,"1,34":45,"1,35":46,"1,36":47,"1,37":48,"1,38":49,"1,39":50,"1,40":51,"1,41":52,"1,42":53,"1,43":54,"1,44":55,"1,45":56,"1,50":57,"1,51":58,"1,52":59,"1,53":60,"1,54":61,"1,55":62,"1,56":63,"1,57":64,"1,58":65,"1,59":66,"1,60":67,"1,61":68,"1,62":69,"1,65":70,"1,66":71,"1,67":72,"1,68":73,"1,69":74,"1,70":75,"1,71":76,"1,72":77,"1,73":78,"1,74":79,"1,75":80,"1,76":81,"1,77":82,"1,78":83,"1,79":84,"1,80":85,"1,81":86,"1,84":87,"1,85":88,"1,86":89,"1,87":90,"1,88":91,"1,89":92,"1,90":93,"1,91":94,"1,92":95,"1,93":96,"1,94":97,"1,95":98,"1,96":99,"1,97":100,"1,98":101,"1,99":102,"1,100":103,"1,101":104,"1,102":105,"1,103":106,"1,104":107,"1,105":108,"1,106":109,"1,107":110,"1,110":111,"1,111":112,"1,112":113,"1,113":114,"1,114":115,"1,115":116,"1,116":117,"1,117":118,"1,118":119,"1,119":120,"1,120":121,"1,121":122,"1,122":123,"1,123":124,"1,124":125,"1,125":126,"1,128":127,"1,129":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,138":133,"1,139":134,"1,140":135,"1,141":136,"1,143":137,"1,144":138,"1,145":139,"1,146":140,"1,147":141,"1,148":142,"1,149":143,"1,151":144,"1,152":145,"1,153":146,"1,155":147,"1,156":148,"1,159":149,"1,160":150,"1,161":151,"1,164":152,"1,165":153,"1,166":154,"1,167":155,"1,168":156,"1,169":157,"1,170":158,"1,171":159,"1,172":160,"1,173":161,"1,174":162,"1,175":163,"1,178":164,"1,179":165,"1,180":166,"1,181":167,"1,182":168,"1,183":169,"1,186":170,"1,187":171,"1,188":172,"1,189":173,"1,190":174,"1,193":175,"1,196":176,"1,197":177,"1,198":178,"1,200":179,"1,202":180,"1,204":181,"1,206":182,"1,209":183,"1,210":184,"1,212":185,"1,213":186,"1,214":187,"1,215":188,"1,216":189,"1,217":190,"1,218":191,"1,221":192,"1,222":193,"1,223":194,"1,224":195,"1,225":196,"1,228":197,"1,229":198,"1,230":199,"1,231":200,"1,232":201,"1,233":202,"1,234":203,"1,235":204,"1,236":205,"1,237":206,"1,238":207,"1,241":208,"1,242":209,"1,243":210,"1,244":211,"1,245":212,"1,246":213,"1,247":214,"1,248":215,"1,250":216,"1,253":217,"1,254":218,"1,255":219,"1,256":220,"1,257":221,"1,262":222,"1,263":223,"1,264":224,"1,265":225,"1,266":226,"1,267":227,"1,268":228,"1,269":229,"1,270":230,"1,273":231,"1,274":232,"1,275":233,"1,276":234,"1,277":235,"1,278":236,"1,279":237,"1,282":238,"1,283":239,"1,284":240,"1,285":241,"1,286":242,"1,287":243,"1,288":244,"1,289":245,"1,292":246,"1,293":247,"1,294":248,"1,295":249,"1,296":250,"1,297":251,"1,298":252,"1,299":253,"1,300":254,"1,301":255,"1,302":256,"1,303":257,"1,304":258,"1,305":259,"1,306":260,"1,307":261,"1,308":262,"1,309":263,"1,310":264,"1,311":265,"1,312":266,"1,313":267,"1,314":268,"1,317":269,"1,318":270,"1,319":271,"1,320":272,"1,321":273,"1,322":274,"1,323":275,"1,326":276,"1,327":277,"1,328":278,"1,329":279,"1,330":280,"1,331":281,"1,332":282,"1,333":283,"1,334":284,"1,335":285,"1,336":286,"1,339":287,"1,340":288,"1,341":289,"1,342":290,"1,343":291,"1,346":292,"1,347":293,"1,348":294,"1,351":295,"1,352":296,"1,353":297,"1,354":298,"1,355":299,"1,356":300,"1,357":301,"1,358":302,"1,359":303,"1,362":304,"1,363":305,"1,364":306,"1,367":307,"1,370":308,"1,371":309,"1,372":310,"1,373":311,"1,376":312,"1,377":313,"1,378":314,"1,379":315,"1,380":316,"1,381":317,"1,382":318,"1,383":319,"1,384":320,"1,385":321,"1,386":322,"1,387":323,"1,388":324,"1,389":325,"1,392":326,"1,393":327,"1,394":328,"1,395":329,"1,398":330,"1,399":331,"1,401":332,"1,416":334,"1,417":335,"1,418":336,"1,419":337,"1,420":338,"1,421":339,"1,422":340,"1,423":341,"1,424":342,"1,425":343,"1,426":344,"1,427":345,"1,428":346,"1,429":347,"1,430":348,"1,431":349,"1,432":350,"1,433":351,"1,434":352,"1,435":353,"1,436":354,"1,439":355,"1,440":356,"1,441":357,"1,442":358,"1,443":359,"1,444":360,"1,445":361,"1,446":362,"1,447":363,"1,448":364,"1,449":365,"1,450":366,"1,451":367,"1,452":368,"1,453":369,"1,454":370,"1,455":371,"1,456":372,"1,457":373,"1,460":374,"1,461":375,"1,462":376,"1,463":377,"1,464":378,"1,467":379,"1,468":380,"1,469":381,"1,470":382,"1,471":383,"1,472":384,"1,473":385,"1,474":386,"1,475":387,"1,476":388,"1,477":389,"1,478":390},"ٜ":{"1":[7,478]},"ٝ":["1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,27","1,28","1,29","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,128","1,129","1,133","1,134","1,135","1,136","1,138","1,139","1,140","1,141","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,151","1,152","1,153","1,155","1,156","1,159","1,160","1,161","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,193","1,196","1,197","1,198","1,200","1,202","1,204","1,206","1,209","1,210","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,250","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,346","1,347","1,348","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,362","1,363","1,364","1,367","1,370","1,371","1,372","1,373","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,392","1,393","1,394","1,395","1,398","1,399","1,401",null,"1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478"],"ٞ":{"1":[1],"7":[2],"31":[3],"41":[4],"44":[5],"57":[6,7],"70":[8],"87":[9],"111":[10,11],"114":[12],"117":[13],"120":[14],"122":[15],"125":[16],"127":[17],"129":[18],"149":[19],"152":[20],"164":[21],"170":[22],"175":[23],"183":[24],"192":[25],"197":[26],"208":[27],"217":[28],"222":[29,30],"231":[31],"238":[32],"246":[33],"269":[34],"276":[35],"287":[36],"292":[37],"295":[38],"304":[39],"307":[40],"308":[41],"312":[42],"326":[43],"330":[44],"333":[45],"334":[46,47],"337":[48],"338":[49],"339":[50],"341":[51],"342":[52],"346":[53],"348":[54],"349":[55],"350":[56],"352":[57],"355":[58],"374":[59,60],"377":[61],"379":[62]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجميعن.\nتمر علينا أيام حالكة الظلام، ظلام يحجب عن معظم الناس الرؤية الواضحة في التصور: فليس هناك فرق لدى العامة بين ما يقوله الله تعالى، وبين ما يقوله الجهلاء من بني البشر، وظلام في التلقي فهذا يتلقى عن داعية القومية، وذاك ينادي بالوطنية، وثالث يرفع عقيرته مناديًا بالعدالة الاجتماعية، ورابع يعبد الرأسمالية والديمقراطية.\nوكثير ممن يزعمون أنهم من علماء الدين -وقد أضلهم الله على علم، نراهم يرقصون ويترنحون ما بين قبر البدوي ومقام الحسين، وغيره مما عرف بالعتبات المقدسة، وإذا ما أراد أحدهم أن يؤلف كتابًا عن إمام من أئمة الابتداع والتخريف ذهب إلى قبره يستشيره في تأليف هذا الكتاب.\nوآخر نراه يتحدث في كل مناسبة بأن تلامذه يصافحون رسول الله ﷺ حقيقة وليس في المنام، وإذا ما زار أحدهم المدينة النبوية دعاه رسول الله إلى حفل غذاء أو عشاء، يحضره كبار الصحابة والتابعين وأولياء الله.","vol":"1","page":7},{"text":"أما حديث التلاميذ عن شيخهم المعمم ففيه العجب العجاب، فإن الواحد منهم يقول: إنه إذا هم بمعصية يرى صورة شيخه أمامه، محذرًا متوعدًا له، فيخشاه ويتراجع عن معصيته خوفًا من شيخه، وليس خشية من الله، وهذا ليس افتراء منا على الشيخ، فهو يتحدث في دروسه العامة بهذا وبأكثر منه.\nوإذا كان هذا شأن المنسوبين إلى العلم، فماذا ننتظر من دهماء الناس؟ إن عبادة الآلة من دون الله ما زالت قائمة وإن تغيرت الأسماء وتباينت الألفاظ، \"فالقومية\" بدلًا من \"اللات\"، و\"الوطنية\" بدلًا من \"هبل\"، و\"الديموقراطية\" بدلًا من \"العزى\".\nوالعواصم العربية مزدحمة بالأصنام، فهذه الأهرامات، وهذا صنم الزعيم فلان، وهذا تمثال للعامل، وذاك وثن للجندي المجهول ... هي أصنام أشد خبثًا وشركًا من أصنام الجاهلية، إذ إن أصنام الجاهلية، بدائية ساذجة، أما هذه الأصنام فالواحد منها يكلف مليونًا أو أكثر من ذلك، لأنه قد صنع من معدن \"البرونز\" الثمين، ورحم الله حافظ إبراهيم الذي صاغ هذا الواقع المرير بأبيات رقاق من الشعر فقال:\nأحياؤنا لا يرزقون بدرهم ... وبألف ألف يرزق الأموات\nويقال: هذا القطب باب المصطفى ... ووسيلة تقضى به الحاجات","vol":"1","page":8},{"text":"وأنا أعذب في الحياة وليس لي ... يا أم دفر مابه أقتات\nفي هذا الليل الذي أرخى سدوله، وزادت ظلمته، وتباعد فجره –نفتقد أمثال شيخ الإسلام \"محمد بن عبد الوهاب\" ﵀، لقد نهض داعية الجزيرة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب في بيئة تشبه ما نحن عليه الآن، فالناس في \"نجد\" قد عادوا إلى الجاهلية الأولى، عادوا إلى حياة العزو والنهب والسلب، التي وصفها شاعر الجاهلية فقال:\nوأحيانا على بكر أخينا ... إذا لم نجد إلا أخانا\nعادوا إلى الشرك، وعبادة الأحجار والأشجار، لتقربهم إلى الله زلفى، فناس يهيمون ويشدون الرحال إلى قبر زيد بن الخطاب، وآخرون يتوجهون إلى الشجرة المقدسة يسألونها أمورًا هي من حقوق الله وحده، وناس يذبحون لغير الله.\nوالعلماء جمود على الخرافة والتقليد، قد ألفوا هذا الواقع المرير، وانصرفوا إلى الدنيا ومتاعها وزينتها، وقعدوا عن إنكار المنكر، وعن الأمر بالمعروف. وما عاد أحد ينتظر منهم أي تغيير أو تجديد. في هذا الجو الخانق صدع الإمام محمد بن عبد الوهاب بدعوته، وراح يجوب الأمصار والمدن والقرى، ويقطع الصحاري والقفار، يطلب العلم ويعلمه، وينذر الناس، ويذكر العلماء بواجبهم، ويطالبهم بأن يأدوا دورهم، فأوذي في","vol":"1","page":9},{"text":"سبيل الله وهدد بالقتل، واعتدى عليه سفهاء الناس، وتنكر له علية القوم، فخرج إلى \"الدرعية\"، خرج وحيدًا طريدًا، ولأن الله يعلم منه إخلاص القصد فقد أكرمه بالنصرة والمنعة، ويسر له من يذود عن دعوته بماله وسلاحه، وبعد سنوات قلائل كانت الجزيرة العربية بأسرها قد توحدت تحت راية التوحيد الذي أنزله الله على رسوله ﷺ.\nوأدرك أعداء الإسلام خطورة الدعوة الجديدة، بعد أن انطلقت جحافل الموحدين تقرع أبواب العراق والخليج وبلاد الشام، فسخرت فرنسا الصليبية صنيعتها محمد علي باشا، وأمدته بأحدث أنواع الأسلحة والمعدات، واستعان بضعاف النفوس وأصحاب المطامح من وجهاء الجزيرة وأشرافها، الذين فقدوا زعامتهم التي ما كان لها أن تنمو لولا الخرافة والفرقة والجاهلية، واستطاع أعداء الإسلام أن يوقفوا زحف الدعوة الإصلاحية وأن يضعوا العراقيل في مسيرتها المظفرة، فخسر العالم الإسلامي خسارة كبيرة عندما توقف زحف الدعوة.\nوأعداء الله منذ القديم يعملون على تشويه الإسلام وإيقاف مده، وإقامة مساجد الضرار التي تتظاهر بالإسلام وتبطن الخبث والإلحاد.\nثم عادت الدعوة بعد حين إلى ربوع الجزيرة، وانبثق عنها نظام حكم، وإذا كان امتدادها السياسي قد توقف في حدود شبه الجزيرة العربية، فامتدادها الفكري قد شمل العالم الإسلامي بأسره، وها نحن نجد أنصارًا لهذه الدعوة في الهند وباكستان، وبلاد الشام ومصر والسودان، وأثرهم يزداد يومًا بعد آخر، والحمد لله.","vol":"1","page":10},{"text":"ولا يزال للدعوة أعداء في كل رقعة من العالم الإسلامي، ولا يجدون أسلوبًا لمهاجمة هذه الدعوة غير الإفتراء والبهتان، فمثلًا: يقولون بأن أنصار \"محمد بن عبد الوهاب\" يكرهون الرسول ﷺ، وإذا ذكر اسمه لا يصلون عليه، وأنهم اخترعوا مذهبًا خامسًا...... إلى آخر ما في جعبهم من أباطيل وترهات، وزيادة في تنفير العامة يسمونها \"الوهابية\" بدلًا من \"السلفية\"، وحاشاه مما افتروا عليه، فكل الذي قام به الشيخ هو إصلاح للعقيدة في نفوس من حادوا عنها، بإزالة ما علق بها من أضاليل الصوفية، وأباطيل الدهريين، لتعود كما كانت ناصعة بيضاء، كما فهمها لنا رسول الله ﷺ وصحابته الغر الميامين رضوان الله عليهم، فقد دعا محمد بن عبد الوهاب إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والتوجه بالتوحيد إليه ﷾، دون وسيلة ولا واسطة من بشر أو حجر أو شجر، ثم دعا إلى إعادة تحكيم الشريعة الإسلامية، وإقامة الحدود، وستبقى هذه الدعوة العظيمة ناصعة مشرقة، وسيبقى ذكر صاحب هذه الدعوة عطرًا طيبًا. فهو -بإذن الله- ليس ملكًا لبلد، ولا وقفًا على قبيلة، ولكنه أنموذجًا إصلاحيًا للعالم الإسلامي بأسره، وعشريته هم الموحدون المؤمنون في كل بقعة من عالمنا الإسلامي الكبير، وشعورًا منا بفضل هذا الرجل، وحاجة المسلمين إلى أمثاله اليوم، قمنا بتأليف كتابنا هذا ردًا على أعداء الدعوة والحاقدين عليها، وكشف زيفهم وافترائهم على هذه الدعوة المباركة، وكلنا أمل في الله ﷿، ثم في هذا المد الزاحف من الدعاة الصالحين المصلحين، الذين يعلمون المسلمين ويرشدونهم إلى التوحيد الخالص والإسلام الصحيح، ويعيدون صورة المسلمين الأولين إلى أذهانهم، وإلى قلوبهم،","vol":"1","page":11},{"text":"ويذكرونهم بسير أبطال الإسلام وشيوخه وأخلاقهم، ويحثونهم على الالتزام بتعاليم الله ورسوله، فعلى كل مسلم أن يراجع ماضيه، ويصحح نيته، ويبحث عن الخطأ، ويحاول معالجته بنفسه، وليكن على نور من ربه وسنة نبيه، ويجدد العهد لإعادة مجد الإسلام الذي لا يمكن أن يظهر وينتشر إلا بعود المسلمين إلى سابق عهدهم –أقوياء في معنوياتهم ومادياتهم وسلاحهم، وهكذا حتى يتم الله نوره بنصره.\nوقبل أن نختم المقدمة نقول لكم: تذكروا كيف صنع الإخلاص لدعوة التوحيد في العصور الأخيرة، وأفاد الله الدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة عندما أخلص الإمام والأمير والمأمور (أو: الرعية) لله العلي الكبير.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.\nأبو عبد الله\nأحمد بن عبد العزيز الحصين","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تمهيد</span>\n...\nبسم الله الرحمن الرحيم\nتقديم الكتاب\nصاحب الفضيلة\nالشيخ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ١\nالمتشار في الديوان الملكي السعودي\nالحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين كالمبتدعة والمشركين، وصلى الله وسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، وخلفائه الراشدين وصحابته أجمعين.\nوبعد فقد تلقيت رسالة من فضيلة الشيخ أبي عبد الله أحمد بن عبد العزيز\n_________\n١ هو صاحب معالي الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام ومجدد الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى وجزاهم الله عن الإسلام خير الجزاء، فهو من بيت سلالة وشرف وعلم وفقه وقد توارثوه أبًا عن جد، فوالده المفتي العام للسعودي سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم (ت١٣٨٩هـ) .\nتولى الشيخ عبد العزيز بن محمد مناصب كثيرة منها:\n١- وبعد صدور الأمر السامي بتحويل المعاهد والكليات إلى مسمى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية صدر أمر ملكي بتعيينه مديرًا للجامعة.\n٢- الرئيس العام لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nواليوم يشغل مستشارًا في الديوان الملكي السعودي وله نشاطات أدبية وعلمية فبارك الله فيه وفي أولاده النجباء (المؤلف) .","vol":"1","page":1},{"text":"الحصين يطلب مني الاطلاع على مؤلفه (دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب –سلفية لا وهابية) وقد طلب مني كتابة مقدمة لهذا الكتاب وبالاطلاع على الكتاب ودراسته ألفيته من المؤلفات القيمة القائمة على العلم بمقاصد الشريعة، ودعوة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وهذا الكتاب جيد في أسلوبه ومضمونه وفهمه لدعوة الشيخ وأهدافها السلفية.\nومن المعلوم لكل عالم بصير بالأدلة الشرعية، وما درج عليه خلفاء رسول الله ﷺ وسائر الصحابة في سبيل الدعوة وصدق المتابعة لرسول الهدى محمد بن عبد الله ﷺ وآله وسلم، متجرد من الهوى والعصبيات والنعرات المضللة، وفهم حقيقة المذاهب الهدامة وبخاصة المبتدعة من سائر الطوائف الصوفية المنحرفة وأهل الطرق وأشباههم من الغلاة والذين لا فقه لهم في نصوص الكتاب والسنة ولا علم بما درج عليه سلف الأمة من الصحابة فمن بعدهم من التابعين وتابعيهم بإحسان.\nوالشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله حين جرد نفسه للدعوة اهتم بتوحيد العبادة وإثبات التوحيد لله ﷾، وبخاصة توحيد العبادة (الألوهية)، فقد انتشرت في العالم الإسلامي بدعة البناء على القبور حتى آل الأمر بكثير من سواد المسلمين إلى عبادة غير الله من الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة والشجر والحجر، فكانت دعوته دعوة سلفية هي مذهب أهل الحق منذ عهد النبوة حتى عصره.\nوقد كان شيخه وقدوته وإمامه في هذا رسول الهدى محمد ﷺ وخلفاؤه الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة ﵃ أجمعين.","vol":"1","page":2},{"text":"وكان من العلماء المحققين الذين فتح الله عليهم أبواب العلم النافع المستمد من الكتاب والسنة الإمام الحجة شيخ الإسلام العلامة أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني ﵁ وأرضاه.\nوتلميذه العلامة المحقق ابن قيم الجوزية تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية.\nولكي تعرف أيها القارئ الكريم عقيدة السلف الصالح التي درج عليها أئمتنا الأعلام منذ عهد النبوة فإني أنقل لك صدرًا من الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية:\nقال ﵀:\nالحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم\nأما بعد: فقد سألني من تعينت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجالس: من الكلام في (التوحيد) (والصفات) وفي (الشرع) (والقدر) لمسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الأصلين، وكثرة الاضطراب فيهما.\nفإنهما مع حاجة كل أحد إليهما، ومع أن أهل النظر والعلم والإرادة والعباد، لا بد أن يخطر لهم في ذلك من الخواطر والأقوال ما يحتاجون معه إلى بيان الهدى من الضلال لا سيما مع كثرة من خاض في ذلك بالحق تارة،","vol":"1","page":3},{"text":"وبالباطل تارات، وما يعتري القلوب في ذلك من الشبه التي توقعها في أنواع الضلالات.\nفالكلام في باب التوحيد والصفات هو من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات.\nوالكلام في الشرع والقدر هو من باب الطلب والإرادة الدائر بين الإرادة والمحبة وبين الكراهة والبغض نفيا وإثباتًا.\nوالإنسان يجد في نفسه الفرق بين النفي والإثبات والتصديق والتكذيب، وبين الحب والبغض والحض والمنع. حتى إن الفرق بين هذا النوع وبين النوع الآخر معروف عند العامة والخاصة، ومعروف عند أصناف المتكلمين في العلم، كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب الإيمان، وكما ذكره المقسمون للكلام من أهل النظر والنحو والبيان فذكروا أن الكلام نوعان: خبر وإنشاء، والخبر دائر بين النفي والإثبات، والإنشاء أمر أو نهي، أو إباحة.\nوإذا كان كذلك فلا بد للعبد أن يثبت ما يجب إثباته له من صفات الكمال، وينفي عنه ما يجب نفيه عنه مما يضاد هذه الحال، ولا بد له في أحكامه من أن يثبت خلقه وأمره فيؤمن بخلقه المتضمن كمال قدرته وعموم مشيئته ويثبت أمره المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه من القول والعمل، ويؤمن بشرعه وقدره إيمانا خاليا من الزلل.\nوهذا يتضمن (التوحيد في عبادته) وحده لا شريك له وهو التوحيد في القصد والإرادة والعمل، والأول يتضمن (التوحيد في العلم والقول) كما دل","vol":"1","page":4},{"text":"على ذلك سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ودل على الآخر سورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وهما سورتا الإخلاص، وبهما كان النبي ﷺ يقرأ بعد الفاتحة في ركعتي الفجر وركعتي الطواف وغير ذلك.\nفأما الأول وهو (التوحيد في الصفات) فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله نفيا وإثباتا فيثبت لله ما أثبته لنفسه وينفى عنه ما نفاه عن نفسه.\nوقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل.\nوكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته، فإن الله تعالى ذمّ الذين يلحدون في أسمائه وآياته كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ الآية.\nفطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتا بلا تشبيه وتنزيها بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .\nففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتمثيل، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: رد للإلحاد والتعطيل.","vol":"1","page":5},{"text":"والله سبحانه بعث رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل فأثبتوا لله الصفات على وجه التفصيل ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ قال أهل اللغة هل تعلم له سميا أي نظيرا يستحق مثل اسمه، ويقال مساميا يساميه وهذا معنى ما يروى عن ابن عباس ﵄ (هل تعلم له سميًا) مثيلا أو شبيهًا.\nوقال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّه﴾، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ. بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ؟﴾ .\nوقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ . وقال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ. أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ؟ أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ. وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ؟ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ. أَفَلا تَذَكَّرُونَ. أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ. فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ. سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .\nفسبح نفسه عما يصفه المفترون والمشركون وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من الإفك والشرك وحمد نفسه إذ هو سبحانه المتسحق","vol":"1","page":6},{"text":"للحمد بما له من الأسماء والصفات وبديع المخلوقات.\nوأما (الإثبات المفصل): فإنه ذكر من أسمائه وصفاته، ما أنزله في محكم آياته كقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ الآية بكمالها. وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ السورة، وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ. ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ. فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾، وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين﴾ الآية. وقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْأِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَة﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ .\nوقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ","vol":"1","page":7},{"text":"تَزْعُمُونَ﴾ . وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ. هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .\nإلى أمثال هذه الآيات والأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في أسماء الرب تعالى وصفاته، فإن في ذلك إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل فهذه طريقة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\nوأما من زاغ وحاد عن سبيلهم من الكفار والمشركين والذين أوتوا الكتاب ومن دخل في هؤلاء من الصابئة والمتفلسفة والجهمية والقرامطة والباطنية ونحوهم فإنهم على ضد ذلك يصفونه بالصفات السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون إلا وجودا مطلقا لا حقيقة له عند التحصيل وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان يمتنع تحققه في الأعيان.\nفقولهم يستلزم غاية التعطيل وغاية التمثيل فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلا يستلزم نفي الذات.\nفغلاتهم يسلبون عنه النقيضين فيقولون: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بداهة العقول؛ وحرفوا ما أنزل الله من الكتاب، وما جاء به","vol":"1","page":8},{"text":"الرسول فوقعوا في شر مما فروا منه فإنهم شبهوه بالممتنعات إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين كلاهما من الممتنعات.\nوقد علم بالاضطرار أن الوجود لا بد له من موجد واجب بذاته غني عما سواه قديم أزلي لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم، فوصفوه بما يمتنع وجوده فضلا عن الوجوب أو الوجود أو القدم.\nوقاربهم طائفة من الفلاسفة وأتباعهم فوصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن لا فيما خرج عنه من الموجودات وجعلوا الصفة هي الموصوف، فجعلوا العلم عين العالم، مكابرة للقضايا البديهات، وجعلوا هذه الصفة هي الأخرى، فلم يميزوا بين العلم والقدرة والمشيئة جحدا للعلوم الضروريات.\nوقاربهم طائفة ثالثة من أهل الكلام من المعتزلة ومن اتبعهم فأثبتوا لله الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات، فمنهم من جعل العليم والقدير والسميع والبصير كالأعلام المحضة المترادفات، ومنهم من قال عليم بلا علم قدير بلا قدرة سميع بصير بلا سمع ولا بصر فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفات.\nوالكلام على فساد مقالة هؤلاء وبيان تناقضها بصريح المعقول المطابق لصحيح المنقول مذكور في غير هذه الكلمات.\nوهؤلاء جميعهم يفرون من شيء فيقعون في نظيره، وفي شر منه، مع ما","vol":"1","page":9},{"text":"يلزمهم من التحريف والتعطيل ولو أمعنوا النظر لسووا بين المتماثلات وفرقوا بين المختلفات وكما تقتضيه المعقولات ولكانوا من الذين أوتوا العلم الذين يرون أنما أنزل إلى الرسول هو الحق من ربه ويهدي إلى صراط العزيز الحميد.\nولكنهم من أهل المجهولات المشبهة بالمعقولات يسفسطون في العقليات ويقرمطون في السمعيات.\nوذلك أنه قد علم بضرورة العقل أنه لا بد من وجود قديم غني عما سواه إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات كالحيوان والمعدن والنبات، والحادث ممكن ليس بواجب ولا ممتنع وقد علم بالاضطرار أن المحدث لا بد له من محدث والممكن لا بد له من موجد كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾، فإذا لم يكونوا خلقوا من غير خالق ولا هم الخالقون لأنفسهم، تعين أن لهم خالقا خلقهم.\nوإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم: فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص والتقييد ولا في غيره.\nفلا يقول عاقل إذا قيل إن العرش شيء موجود، وأن البعوض شيء موجود: إن هذا مثل هذا؛ لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود، لأنه ليس في","vol":"1","page":10},{"text":"الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه بل الذهن يأخذ معنى مشتركا كليا وهو مسمى الاسم المطلق وإذا قيل هذا موجود وهذا موجود فوجود كل منهما يخصه لا يشركه فيه غيره مع أن الاسم حقيقة في كل منهما.\nولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص واتفاقهما ولا نماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص فضلا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص.\nفقد سمى الله نفسه حيا فقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وسمى بعض عباده حيا؛ فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَي﴾، وليس هذا الحي مثل هذا الحي لأنه قوله الحي اسم لله مختص به وقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ اسم للحي المخلوق مختص به، وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج ولكن العقل يفهم من المطلق قدرا مشتركا بين المسميين، وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق.\nولا بد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته يفهم ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق وما دل عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه -﷾.\nوكذلك سمى الله نفسه عليما حليما وسمى بعض عباده عليما فقال:","vol":"1","page":11},{"text":"﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ يعني إسحاق، وسمى آخر حليما فقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ \" يعني إسماعيل، وليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم.\nوسمى نفسه سميعا بصيرا فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ . وسمى بعض عباده سميعا بصيرا فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، وليس السميع كالسميع ولا البصير كالبصير.\nوسمى نفسه بالرؤوف الرحيم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ \" وسمى بعض عباده بالرؤوف الرحيم فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وليس الرؤوف كالرؤوف ولا الرحيم كالرحيم.\nوسمى نفسه بالملك فقال: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾، وسمى بعض عباده بالملك فقال: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾، ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِه﴾، وليس الملك كالملك.\nوسمى نفسه بالمؤمن المهيمن، وسمى بعض عباده بالمؤمن فقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾، وليس المؤمن كالمؤمن.\nوسمى نفسه بالعزيز فقال: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ وسمى بعض عباده بالعزيز فقال ﴿وقالت امرأة العزيز﴾ وليس العزيز كالعزيز.\nوسمى نفسه الجبار المتكبر وسمى بعض خلقه الجبار المتكبر فقال:","vol":"1","page":12},{"text":"﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ وليس الجبار كالجبار ولا المتكبر كالمتكبر ونظائر هذا متعددة.\nوكذلك سمى صفاته بأسماء وسمى صفات عباده بنظير ذلك فقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ . وسمى صفة المخلوق علما وقوة، فقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، وقال: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْم﴾، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾، وقال: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾، وقال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أي بقوة، وقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ أي ذا القوة، وليس العلم كالعلم، ولا القوة كالقوة.\nووصف نفسه بالمشيئة ووصف عبده بالمشيئة، فقال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ. وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا. وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .\nوكذلك وصف نفسه بالإرادة وعبده بالإرادة فقال: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .\nووصف نفسه بالمحبة ووصف عبده بالمحبة فقال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ .","vol":"1","page":13},{"text":"ووصف نفسه بالرضا ووصف عبده بالرضا، فقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، ومعلوم أن مشيئة الله ليست مثل مشيئة العبد ولا إرادته مثل إرادته، ولا محبته مثل محبته، ولا رضاه مثل رضاه.\nوكذلك وصف نفسه بأنه يمقت الكفار، ووصفهم بالمقت، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْأِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾، وليس المقت مثل المقت.\nوهكذا وصف نفسه بالمكر والكيد، كما وصف عبده بذلك فقال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، وقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا. وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾، وليس المكر كالمكر، ولا الكيد كالكيد.\nووصف نفسه بالعمل فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ؟﴾ ووصف عبده بالعمل فقال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وليس العمل كالعمل.\nووصف نفسه بالمناداة والمناجاة، فقال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾، وقال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾، وقال: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾، ووصف عباده بالمناداة والمناجاة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾، وقال: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾، وقال: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَان﴾، وليس المناداة والمناجاة كمالناجاة والمناداة.\nووصف نفسه بالتكليم في قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، وقوله:","vol":"1","page":14},{"text":"﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾، وقوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾، ووصف عبده بالتكليم في قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾، وليس التكليم كالتكليم. ووصف نفسه بالتنبئة، ووصف بعض الخلق بالتنبئة فقال: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ وليس الإنباء كالإنباء.\nووصف نفسه بالتعليم، ووصف عبده بالتعليم، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْأِنْسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، قال: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّه﴾، وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، وليس التعليم كالتعليم.\nوهكذا وصف نفسه بالغضب فقال: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ووصف عبده بالغضب في قوله: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ . وليس الغضب كالغضب.\nووصف نفسه بأنه استوى على عرشه، فذكر ذلك في سبع مواضع من كتابه، أنه استوى على العرش، ووصف بعض خلقه بالاستواء على غيره في مثل قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾، وقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾، وقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيّ﴾ وليس الاستواء كالاستواء.\nووصف نفسه ببسط اليدين فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ .","vol":"1","page":15},{"text":"ووصف بعض خلقه ببسط اليد في قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ وليس اليد كاليد، ولا البسط كالبسط، وإذا كان المراد بالبسط الإعطاء والجود: فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده كجودهم، نظائر هذا كثيرة.\nفلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي مماثلته بخلقه.\nفمن قال: ليس لله علم، ولا قوة، ولا رحمة ولا كلام، ولا يحب ولا يرضى ولا نادى، ولا ناجى، ولا استوى: كان معطلًا جاحدًا، ممثلًا لله بالمعدومات والجمادات.\nومن قال له علم كعلمي أو قوة كقوتي، أو حب كحبي، أو رضاء كرضائي، أو يدان كيداي، أو استواء كاستوائي كان مشبهًا ممثلًا لله بالحيوانات؛ بل لا بد من إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل.\nويتبين هذا (بأصلين) شريفين.\n(ومثلين) مضروبين –ولله المثل الأعلى.\nو(بخاتمة جامعة) .\nوالشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب مع تعظيمه لشيخ الإسلام ابن تيمية ربما خالفه في بعض الفتاوى تجردًا عن التعصب، وميلًا إلى ما يعتقد بأنه أقرب إلى الصواب.\nوالشيخ ﵀ أكرمه الله بحماية دعوته من المعارضين والمعاندين من المبتدعة، والذين يتعلقون بالقبور ويتوسلون بالمقبور ويتحمسون للذود عنها، والدفاع عنها إغراقًا في الجهالة وإمعانًا في سبل الضلالة.","vol":"1","page":16},{"text":"فبعد أن وجد من المعارضة والمتعلقين بالأضرحة والقبور أمثال ابن عرير حاكم الأحساء، الذي كان في وقته له هيمنة ونفوذ رأي على بعض حكام نجد، والذي حرض حكام العيينة على إبعاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومعارضته فيما يدعو إليه بعد كل هذا نزح من العيينه قاصدًا الدرعية، فوصلها ونزل ضيفًا على محمد بن سعود، حاكم الدرعية وشرح له دعوته ومعارضة المعارضين فما كان من محمد بن سعود عليه رحمة الله إلا أن رحب به وعاهده على نصرة دين الله، والذب عنه، ونصرة التوحيد، وقد فوص الشيخ محمد بن عبد الوهاب في اتخاذ الطرق الإسلامية في نشر الدعوة والدعوة إليه، فانطلقت الدعوة من بلد آمنة بعد أن اطمأن الشيخ على أن الدعوة ستنطلق بقوة وثبات، مؤيده من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فانطلقت الدعوة مؤيدة من إمارة الدرعية بزعامة الإمام محمد بن سعود فواكبها النصر تلو النصر، واتسعت الدائرة بفضل من الله وتوفيقه، حتى جاوزت نجدًا ومدنها، وقراها إلى الحجاز وعسير، ومن ثم إلى بلاد العالم الإسلامي حتى أصبحت بحمد الله مثار الإعجاب والقناعة التامة في كثير من البلاد الإسلامية والعربية.\nويحسن أن أنقل لك أيها القارئ الكريم شيئًا من رسائل الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب تتعلق بتوحيد العبادة كتبها إلى أهل المغرب توضح حقيقة الدعوة وأدلتها الشرعية، والرد على من عارضها، قال قدر الله روحه ونور ضريحه:\nالحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له","vol":"1","page":17},{"text":"(وأشهد) أن لا إله إلا اله وحده لا شريك له (وأشهد) أن محمدًا ﷺ عبده ورسوله، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولن يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئًا، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا (أما بعد) فقد قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ فأخبر سبحانه أنه أكمل الدين وأتمه على لسان رسوله ﷺ، وأمرنا بلزوم ما أنزل إلينا من ربنا وترك البدع، والتفرق والاختلاف فقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . والرسول قد أخر بأنه \"أمته تأخذ مأخذ القرون قبلها شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع\"، وثبت في الصحيحين وغيرهما عنه (ﷺ) أنه قال: \"للتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه\" قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى، قال: \"فمن\"، وأخبر في الحديث الآخر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا من هي يا رسول الله، قال: \"من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي\".\nإذا عرف هذا فمعلوم ما قد عمت به البلوى من حوادث الأمور التي أعظمها الإشراك بالله والتوجه إلى الموتى وسؤالهم النصر على الأعداء وقضاء الحاجات","vol":"1","page":18},{"text":"وتفريج الكربات التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض والسموات، وكذلك التقرب إليهم بالنذور وذبح القربان، والاستغاثة بهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله. وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها، لأنه سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك ولا يقبل من العلم إلا ما كان خالصًا كمال قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ. أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ فأخبر سبحانه أنه لا يرضى من الدين إلا ما كان خالصًا لوجهه، وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى ويشفعوا لهم عنده، وأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب كفار فكذبهم في هذه الدعوى وكفرهم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فأخبر أن من جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم الشفاعة فقد عبدهم وأشرك بهم، وذلك أن الشفاعة كلها لله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ .\nفلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾، وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ. وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَه﴾، فالشفاعة حق ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ","vol":"1","page":19},{"text":"فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فإذا كان الرسول ﷺ وهو سيد الشفعاء، وصاحب المقام المحمود، وآدم فمن دونه تحت لوائه لا يشفع إلا بإذن الله لا يشفع ابتداء بل \"يأتي فيخر ساجدًا فيحمده بمحاد يعلمه إياها، ثم يقال ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، ثم يحد له حدًا فيدخلهم الجنة\". فكيف بغيره من الأنبياء والأولياء.\nوهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من علماء المسلمين، بل قد أجمع عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم ممن سلك سبيلهم ودرج على منهجهم.\nوأما ما صدر من سؤال الأنبياء والأولياء الشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها والسرج والصلاة عندها واتخاذها أعيادًا وجعل السدنة والنذور لها، فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بوقوعها النبي ﷺ وحذر منها، كما في الحديث عنه ﷺ أنه قال: \"لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان\"، وهو ﷺ حمى جنات التوحيد أعظم حماية، وسد كل طريق يوصل إلى الشرك، فنهى أن يجصص القبر وأن يبنى عليه، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر، وثبت فيه أيضًا أنه بعث علي بن أبي طالب ﵁ وأمره أن لا يدع قبرًا مشرفًا إلا سواه، ولا تمثالًا إلا طمسه، ولهذا قال غير واحد من العلماء: يجب هدم القبب المبنية على القبور لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ.\nفهذا هو الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس، حتى آل بهم الأمر إلى أن كفرونا وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا، حتى نصرنا الله عليهم وظفرنا بهم، وهو الذي ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه بعدما نقيم عليهم الحجة من كتاب","vol":"1","page":20},{"text":"الله وسنة رسوله وإجماع السلف الصالح من الأئمة ممتثلين لقوله ﷾: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه﴾، فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان، قاتلناه بالسيف والسنان، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ وندعو الناس إلى إقام الصلاة في الجماعات على الوجه المشروع، إيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان، وحج بيت الله الحرام، ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ .\nفهذا هو الذي نعتقد وندين الله به، فمن عمل بذلك فهو أخونا المسلم له مالنا وعليه ما علينا.\nونعتقد أيضًا أن أمة محمد ﷺ المتبعين لسنته لا تجتمع على ضلالة، وأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وصلى الله على محمد.\nوقد اطلع الشريف غالب حاكم مكة المكرمة وعلماؤها على ما كتبه الشيخ إلى الشريف وعلماء مكة المكرمة في بيان ما دعى إليه من توحيد الله وعبادته، وإنكار ما عليه الكثير من سواد المسلمين من تعلق بالقبور والمقبورين فأيدوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وكتبوا ما يلي:\nالحمد لله رب العالمين، نشهد -ونحن علماء مكة الواضعون خطوطنا واختامنا في هذا الرقيم- إن هذا الدين الذي قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب","vol":"1","page":21},{"text":"رحمه الله تعالى ودعا إليه أمام المسلمين سعود بن عبد العزيز من توحيد الله ونفي الشرك الذي ذكره في هذا الكتاب أنه هو الحق الذي لا شك فيه ولا ريب، وأن ما وقع في مكة والمدينة سابقًا ومصر والشام وغيرهما من البلاد إلى الآن من أنواع الشرك المذكورة في هذا الكتاب أنه الكفر المبيح للدم والمال والموجب للخلود في النار، ومن لم يدخل في هذا الدين ويعمل به ويوالي أهله، ويعادي أعداءه فهو عندنا كافر بالله واليوم الآخر، وواجب على إمام المسلمين والمسلمين جهاده وقتاله حتى يتوب إلى الله مما هو عليه ويعمل بهذا الدين.\nأشهد بذلك وكتبه الفقير إلى الله تعالى: \"عبد الملك بن عبد المنعم القلعي الحنفي مفتي مكة المكرمة\" عفى عنه وغفر له، أشهد بذلك وأنا الفقير إلى الله سبحانه \"محمد صالح بن إبراهيم مفتي الشافعية بمكة\" تاب الله عليه، أشهد بذلك وأنا الفقير إلى الله تعالى \"محمد بن محمد عربي البناني\" مفتي المالكية بمكة المشرفة عفا الله عنه وأصلح شأنه، أشهد بذلك وأنا الفقير إلى الله \"محمد بن أحمد المالكي\" عفا الله عنه، أشهد بذلك وأنا الفقير إلى الله تعالى \"محمد بن يحيى مفتي الحنابلة بمكة المكرمة\" عفى الله عنه آمين، أشهد بذلك وأنا الفقير إليه تعالى \"عبد الحفيظ بن درويش العجيمي\" عفا الله عنه، شهد بذلك \"زين العابدين بن جمل الليل\" شهد بذلك \"علي بن محمد البيتي\"، أشهد بذلك وأنا الفقير إلى الله تعالى \"عبد الرحمن جمال\" عفا الله عنه، شهد بذلك الفقير إلى الله تعالى \"بشر بن هاشم الشافعي\" عفا الله عنه.\nالحمد لله رب العالمين أشهد أن هذا الدين الذي قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعانا إليه إمام المسلمين سعود بن عبد العزيز من توحيد الله عز","vol":"1","page":22},{"text":"وجل ونفي الشرك به، هو الدين الحق الذي جاء به النبي ﷺ وإن ما وقع في مكة والمدينة سابقًا والشام ومصر وغيرها من البلدان من أنواع الشرك المذكورة في هذا الكتاب، أنه الكفر المبيح للدم والمال، وكل من لم يدخل في هذا الدين ويعمل بمقتضاه كما ذكر في هذا الكتاب فهو كافر بالله وباليوم الآخر، وكتبه \"الشريف غالب بن مساعد\" غفر الله له آمين \"الشريف غالب\".\nما حرر في هذا الجواب، من بديع النطق وفصل الخطاب، وما فيه من الأدلة الصحيحة الصريحة المستنبطة من الكتاب المبين وسنة سيد المرسلين، نشهد بذلك ونعتقده ونحن علماء المدينة المنورة، وندين الله به، ونسأله تعالى الموت عليه، ونقول الحمد لله رب العالمين نشهد بأن هذا الذي قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ودعانا إليه إمام المسلمين سعود بن عبد العزيز من توحيد الله ﷿ ونفي الشرك هو الدين الحق الذي لا شك فيه، ولا ريب وإنما وقع في مكة والمدينة سابقًا والشام ومصر وغيرها من البلدان إلى الآن من أنواع الشرك المذكورة في هذا الكتاب أنها الكفر المبيح للدم والمال، وكل من لم يدخل في هذا الدين ويعمل به ويعتقده كما ذكر الإمام في هذا الكتاب فهو كافر بالله واليوم الآخر، والواجب على إمام المسلمين، وكافة المسلمين القيام بفرض الجهاد وقتال أهل الشرك والعناد.\nوكل من خالف ما في هذا الكتاب من أهل مصر والشام والعراق، وكل من كان على دينهم الذي هم عليه الآن، فهو كافر مشرك من موقعه ويمكنه في ذلك إزالة ما عليه من الشرك والبدع وأن يجعل رايته بالنصر خافقة إنه سميع مجيب، وصلى الله على محمد وآله وصحبه.","vol":"1","page":23},{"text":"أشهد بذلك، وأنا الفقير بن حسين بالروضة الشريفة.\nوكتبه الفقير إليه عز شأنه \"محمد صالح رضوان\" شهد بذلك وكتبه \"محمد بن إسماعيل\" كتبه الفقير إلى الله عز شأنه حسن وعليه ختمهم.\nوقد وجدت هذا الكتاب القيم (دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب –سلفية لا وهابية) مؤلفًا ينبغي الاهتمام به والمشاركة في نشره وتعميم الفائدة منه، كما وجدته حافلًا بالبطولات والمواقف الإسلامية لأئمة الإسلام والمجاهدين، أولئك الأعلام الذين سجل التاريخ عقيدتهم الإسلامية التي تلقوها من كتاب الله العزيز، وسنة رسوله المصطفى محمد ﷺ.\nوبالجملة فإن من أفضل القرب والجهاد في سبيل نصرة الإسلام طبع هذا الكتاب الجليل ومد يد العون لمؤلفه -جزاه الله أفضل الجزاء- وجعله من الدعاة المصلحين وصلى الله وبارك على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحابته أجمعين.\nعبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ\nالمستشار في الديوان الملكي\nالمملكة العربية السعودية -الرياض","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الباب الأول: المد والجزر في حياة المسلمين</span>\n...\nالمد والجزر في حياة المسلمين\nإن ديننا الإسلامي الذي أعلن عن كماله رسول الله ﷺ، حيث قرأ على الناس يوم عرفة قول الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣) .\nهذا الدين يجمع بين الحيوية التي لا نهاية لها، والنشاط الذي لا يدرك آخره، وقد استطاع أن يبني الإنسان الذي يترقى في الاستقامة والصلاح، ويقوى على مقاومة الانحراف والزيغ، ولما كان هذا الدين الإلهي العالمي خاتم، وكانت أمته هي آخر الأمم التي اختيرت لتبليغه للناس كافة، كان طبيعيًا أن تمر في سيرها الطويل بمراحل عصيبة، وتواجه صراعات لم تواجهها أمة من الأمم، كل هذا لتمتحن في ذكائها وثباتها، وصلاحيتها للحياة، وبالفعل فقد ثبت نقلًا وعقلًا -والناس يشهدون- كيف استطاعت أمة الإسلام أن تخرج من جميع المعارك ظافرة منتصرة، وتغلب أبناؤها على جميع المشاكل والمؤثرات، والتقلبات التي لا تكاد تنتهي، ولا عجب في ذلك لأن الله -﵎- جعل في كتابه الكريم وسنة نبيه العظيم ﷺ رجالًا ينقلون تعالميه إلى الحياة، ويعيدون للمسلمين الشباب والنشاط، ويثيرون فيهم كوامن القوة للقضاء على الأوضاع الفاسدة الطارئة، وهؤلاء الرجال لا يخلو منهم عصر من عصور الإسلام، ولا يوجد مثلهم في أمة من الأمم، وهذا من حفظ الله تعالى لدينه الذي قدر له أن يواكب الدنيا حتى نهايتها، وهو القائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:٩) .","vol":"1","page":15},{"text":"ولو استعرضنا تاريخ الإسلام بشكل سريع من أول عهده حتى اليوم لوجدناه هدفًا لهجمات عنيفة، ومؤامرات خبيثة، لا تعرف الرفق، ولا ترضى إلا هدم بنيانه، ونسف أركانه، منها على سبيل المثال، الباطنية ومذاهبها، وهجوم التتار والصليبيين مرورًا بتحرف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، وظهور البدع، وتسرب الأعمال الشركية، وتفشي أعمال الجاهلية، وفتن الإلحاد والزندقة، ولكن الإسلام طوى هذه المحن وأهلها تحت جناحيه، فكانت كأمس الذاهب، وسحق إلى المعالي، وقام رجاله الأقناء بفضح المحرفين والمنحرفين، والمتآمرين، ونفضوا الغبار والخرافات بالدعوة، وصدعوا بالحق الذي أنزل على محمد ﷺ فشق الإسلام طريقه من جديد إلى أسماع القلوب، وفتح عقولًا في ميادين العلم والحكمة والحياة.\nوقد ملك رجال الإسلام النوابغ الإيمان بالقوي، والسمو الروحي، والنزاهة عن الأغراض، والتفاني في خدمة الدعوة إلى الخير، فكانوا بهذه الصفات أشبال هذه الليوث التي قام الإسلام في عهده الأول على أكتافهم، والدارس لتاريخ المسلمين عامة، يرى أن حياتهم بين المد والجزر، فإذا أهملوا واجبهم الشرعي ضعف الإيمان في قلوبهم، ودب الوهن في أوصالهم، فتفرقًا طرائق قددًا، وذهبت ريحهم، ولم يستطيعوا مقاومة الفتنة، وأصبحوا كغثاء السيل، فإذا قيض الله تعالى لدينه مجددًا يدعو العباد إلى الخير، ويوقظهم من غفلتهم ويوجههم إلى الدين والعلم، وضح لهم الطريق، واستنار السبيل، وقامت الحجة، وراجت سوق الجنة، كل ذلك بتأثير العاملين المخلصين، وصدقهم وحسن تمثيلهم للإسلام،","vol":"1","page":16},{"text":"ومعرفتهم بالأخطار الجارفة المحيطة بالأمة، وغيرتهم على إنقاذها من الأدواء الخلقية والاجتماعية ... ويعلم الله ﷿ أن الأمة الإسلامية رأت أيامًا حالكة السواد، ورياحًا هوجًا ربما لم ترها أمة من قبل ولا من بعد.، ولكن الله سلم.\nلقد ظهرت المحن في حياة المسلمين، واختفت بفضل الله ﷿، ثم بجهد الدعاة المصلحين، وقد تحطمت جميع الحركات الهدامة، والموجات العارمة من الشرور والمفاسد، ثم بقي الإسلام هو الإسلام كما أنزله الله ﷿، ولقد رد أبناء الإسلام على مؤامرات الخوارج والمعتزلة والباطنية، وتصدوا لموجات الشر يوم أن \"رمانا الشرق بدواهيه، وساق إلينا جيوش التتر تحط على بلدان الإسلام العامرة، كما تحط الجرد على الحقل الزاهر، فلا تدع من مظاهر العمران إلا ما يدع الجراد من البوار والخراب\".\nأبادت الممالك، وهدمت العروش، حتى بلغ هولاكو عرش الخليفة في بغداد، فذبح الخليفة وهدم العرش، وترك بغداد العظيمة حاضرة الدنيا خرائب وأطلالًا، ثم ساح في الأرض لا يرده شيء، وحسب الضعفاء أنها نهاية الإسلام، فإذا الإسلام يطوي أعداءه.. ويدخلهم في رحابه ويظللهم برايته، ويجعلهم جندًا له وأعوانا، وتنسى المصيبة حتى لا يدري اليوم أكثر الناس ما خبر التتار؟\nويوم القرامطة الذين هزموا جيوش بغداد، وعدوا على الحجاج فذبحوهم ذبح النعاج، واستلو الحجر الأسود، فمن يعرف اليوم ما قصة القرامطة؟ ومن يذكر القتلة الحشاشين من الباطنية، والوحوش السود من","vol":"1","page":17},{"text":"أتباع صاحب الزنج؟ والمئات من أعداء الإسلام الكبار الذين كانوا أشد قوة وأعظم نكالًا، فلم يعد يدري خبرهم أحد؟ ١.\nولقد واجه عالمنا الإسلامي هجمات كثيرة، ما أن يشعر المسلمون بواحدة منها حتى يلجأوا إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ فيستمدوا من روح الإسلام قوة تقاوم هذا الزحف، وتجرفه إلى سلة المهملات في زاوية التاريخ، ولا ننسى أوربا يوم رمتنا بجيوشها الصليبية، فتصدى لها المسلمون، وانتهت الحروب الصليبية بهزيمة منكرة للكافرين، ونصر ساحق للمسلمين الذين انتزعوا معاقل الصليبيين، وقامت بعد ذلك قوة إسلامية ممثلة في الخلافة العثمانية٢ التي ذبت عن حياض الإسلام قرونًا كثيرة، وتوالت خطواتها من نصر إلى نصر حتى في قلب أوربا، كل ذلك بسبب اتباع دين الحق بإيمان وصدق، ثم دب في النفوس حب الدنيا وكراهية الموت، وأخلد الناس إلى الترف والدعة٣، وتناسى أكثرهم واجبهم الديني، عندما جمع أعداء الإسلام فلولهم لتحقيق رغبتهم في تمزيق عالم الإسلام، واحتوائه، واستخدموا لهذا الغرض جميع الدسائس والمؤامرات، وعملوا بين صفوف المسلمين بالوقيعة، وإثارة\n_________\n١ هتاف المجد –الشيخ علي الطنطاوي- الطبعة الأولى ١٣٧٩هـ، صفحة ص ١٤٥، الناشر دار الدعوة –دمشق.\n٢ ظهرت دولة بني عثمان عام ٦٩٩ هـ، ١٣٠٠م، أشبة ما تكون بالدولة الأموية في جهادها وفتوحها وذلك في أول عهدها.\n٣ لقد دب في الأتراك داء الأمم من قبلهم: الحسد والبغضاء واستبداد الملوك وجورهم، وخيانة الأمراء وغشهم للأمة، وأصيبوا كذلك بداء الجمود في العلم والصناعة وتنظيم الجيوش.","vol":"1","page":18},{"text":"الاختلافات من خلال الجمعيات والإرساليات، وأذكوا القوميات، وزرعوا الأحقاد بين العناصر في الدولة الإسلامية الواحدة، كل ذلك للوصول إلى هدفهم في ضرب معاقل الإسلام، وتمزيق أمته، وبدأ العد التنازلي لدولة الخلافة بعد أن وصلت إلى ذروة مجدها، ودب الضعف في أوصالها، وتنفس الشيطان من جديد في ربوع العالم الإسلامي بغياب العلم النافع والوعي السياسي، فتفشى الاستبداد لدى الوزراء، ورؤساء الجيش الإنكشاري الذين لا يعرفون عن السياسة شيئًا، وفوق ذلك فقد انشغل السلاطين بالملذات، وأهملوا شؤون العامة، واهتموا بأمورهم الشخصية، وأساء ولات الأمور في أقاليم الخلافة الواسعة إداراتهم، ولم يهتموا بواجبهم تجاه الشعوب الإسلامية.\nومما زاد الحال سوءًا التدهور العسكري، وتألب الدول الأوربية على دولة الخلافة الإسلامية، والتخطيط للاستيلاء على بلاد المسلمين، وتيقن الصليبيون أن عوامل الضعف دبت في صفوف المسلمين في الداخل وعلى الحدود، ومن هنا فقد عم الانحراف السياسي والاقتصادي والاجتماعي بسبب الانحراف، عن تعاليم الدين الحق، والعقيدة الصحيحة يقول العالم الأمريكي \"لوثروب ستودارد\" عن الحالة التي وصل إليها الدين عند أهل ذلك الزمان:\n\"وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء، فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة \"ﷺ\" الناس أستارًا من الخرافات وقشور الصوفية، وخلت (أكثر) المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عدد الأدعاء","vol":"1","page":19},{"text":"الجهلاء ... يوهمون الناس بالباطل والشبهات ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من أصحاب القبور١\".\nوبما أن (نجد) بقعة من العالم الإسلامي فقد أصابها ما أصابه، وجرفها تيار الانحراف عن الدين الإسلامي الصحيح، من شرك وبدع وخرافات.\nوبالرغم من هذا التدهور، فإن الشعوب الإسلامية لا تعدم من توجد عنده الرغبة الصادقة في إصلاح هذا الفساد، تحقيقًا لقول رسولنا الكريم ﷺ: \"إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها\" ٢، عند ذلك طلعت شمس الهدى والرشد من واد غير ذي زرع، ورمال الأرض العربية التي كانت قد اشتهرت بطيب العرار والخزامي قد فاح فيها طيب التوحيد من جديد، وعلت كلمة الحق حتى عطرت العالم بأسره، تنادي بالعودة إلى الإسلام ويسره، والاستمداد من نبعه الصافي، فتدلى الثمر وطاب بدعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ابن نجد من جزيرة العرب، هذه البقعة الواسعة التي تغنى بها الشعراء وذكرها المحدثون، لما لها من مكانة خلدتها في نفوس البشر الأدباء والمؤرخين أحداث وأحداث ... ولم يذكر الشعراء موضعًا\n_________\n١ رشيد رضا ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب –تأليف محمد بن عبد الله السلمان ص ٣١. مطابع دار طيبة –الرياض.\nوانظر أيضًا: حاضر العالم الإسلامي (ترجمة عجاج نويهض) ٤-ص٣٤.\n٢ حديث صحيح رواه أبو داود والحاكم.","vol":"1","page":20},{"text":"أكثر مما ذكروا نجدًا١ وتشرقوا إليها، وقالوا فيها أعذب وأمتع المعاني التي تزكى الأحاسيس وتطرب النفس.\nوإليك ما قاله أحد الأعراب:\nأكرر طرفي نحو نجد وإنني ... إليها وإن لم يدرك الطرف أنظر\nحنينًا إلى أرض كان ترابها ... إذا أمطرت عود ومسك وعنبر\nبلاد كأن الأقحوان بروضه ... ونور الأقاحيس وشيء برد محبر\nأحن إلى أرض الحجاز وحاجتي ... خيام بنجد دونها الطرف يقصر\nوما نظري من نحو نجد بنافع ... أجل ولكني إلى ذاك أنظر\n_________\n١ ليس من السهل فهم جغرافية العرب وخاصة نجد، لأنه لا يوجد هناك تقسيم قبل هذا العصر للولايات والإمارات، وبالإجمال فإن نجد منقسمة إلى ثلاث نواح كبيرة:\n١- الناحية الشمالية الغربية وتسمى شجرون، مدنها الشهيرة: حائل-والقصر.\n٢- الناحية الشمالية الشرقية وتسمى القصيم، ومن مدنها الشهيرة: عنيزة –بردية.\n٣- الناحية الجنوبية وتسمى العارض، ومن أشهر بلادها الرياض، وتسمى ناحية العارض (بجبل اليمامة) أيضًا، وهذا في الأصل اسم للجبل والناحية التي تقع حولها تسمى (وادي حنيفة) أو \"اليمامة\" وتقع مدينة العينية مسقط رأس الشيخ محمد، والدرعية مركز دعوته في هذا الوادي، وهي كالقلب في نجد: للمزيد من التفاصيل راجع دائرة المعارف الإسلامية ج٣ ص٨٩٣-٩٦..","vol":"1","page":21},{"text":"أفي كل يوم نظرة ثم عبرة ... لعينيك مجرى مائها يتحدر\nمتى يستريح القلب إما مجاور ... بحرب وإما نازح يتذكر١\nوقال أعرابي آخر:\nرأيت بروقًا داعيات إلى الهوى ... فبشرت نفسي أن نجدًا أشيمها\nألا حبذا نجد ومجرى جنوبه ... إذا طاب من برد العشي نسيمها\nوقال أعرابي آخر:\nألا يا أيها البرق الذي بات يرتقي ... ويجلو ذرى الظلماء ذكرتني نجدا\nألم تر أن الليل يقصر طوله ... بنجد وتزداد الرياح به بردا\nوقال نوح بن جرير بن الخطفي:\nألا قد أرى أن المنايا تصيبني ... فمالي عنهن انصراف ولا بد\n_________\n١ معجم البلدان –ياقوت الحموي ج٥ ص٢٦٢.","vol":"1","page":22},{"text":"فذا العرش لا تجعل ببغداد منيتي ... ولكن بنجد حبذا بلدًا نجد\nبلاد نأت عنها البراغيت والتقى ... بها العين والآرام والعفر والربد\nوقدم بعض أهل هجر إلى بغداد فاستوبأها وقال:\nأرى الريف يدنو كل يوم وليلة ... وازداد من نجد وصاحبه بعدا\nألا أن بغداد بلاد بغيضة ... إلي وإن كانت معيشتها رغد\nبلاد تهب الريح فيها مريضة ... وتزداد خبثًا حين تمطر أو تندى١\nوقال آخر:\nفيا حبذا نجد وطيب ترابه ... إذا هضبته بالعشي هواضبه\nوريح صبا نجد إذا تنسمت ... ضحى أو سرت جنح الظلام جنائبه\n_________\n١ جريدة أم القرى العدد (٨) ٥/٧/١٣٤٣هـ الموافق ٣٠/١/١٩٢٤م.","vol":"1","page":23},{"text":"وأشهد لا أنساه ما عشت ساعة ... وما إنجاب ليل عن نهار يعاقبه\nولا زال هذا القلب مسكن لوعة ... يذكراه حتى يترك الماء شاربه١\n_________\n١ حلم في نجد.. علي الطنطاوي ص ٢٤.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الباب الثاني: الإسلام يتحدث عن ذاته بأبطاله في التاريخ</span>\n...\nالإسلام يتحدث عن ذاته بأبطاله في التاريخ\nإن الإسلام العظيم قدم لأمته المنهاج الذي رسمه الله تعالى، ولخص تكاليفها التي نيطت بها، وقرر مكانتها، وبين الوسائل التي تمكنها من الثبات والنصر في الماضي والحاضر والمستقبل متى نهضت بها، واستقامت على الدين الذي أراده الله تعالى لها، حيث خاطبها بقوله:\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الحج) .\nبهذه العدة تسد الأمة، وتملك النهوض بتكاليف الوصاية على البشرية التي اجتباها لها الله تعالى، ولما كان القرآن الكريم هو أساس الإسلام ودستوره، فقد حدثنا أن الصدق مع الله تعالى والإخلاص له يصنعان المعجزات، والأخيار من عباد الله موصوفون بالصدق، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة)، فما أجمل الصدق بداية وغاية لأنه صنع الإيمان، وأعاد بناء الإنسان، فكان محمد ﷺ وصحبه خير قدوة تحتذى.\nوإننا اليوم أشد احتياجًا إلى أن نصدق في نياتنا وأعمالنا، لعلنا ندرك الصفة التي وصف بها رب العزة والجلال صفوة خلقه فقال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا","vol":"1","page":27},{"text":"عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب) .\nهؤلاء الرجال حثهم القرآن الكريم على البذل والعطاء في سبيل الله تعالى، ووعد بقبول الفداء الصادق المستقيم الخاص، وضمن لأصحابه عاجل الثواب وآجله، وزاد المعنى وضوحًا فوجه إلى مضاعفة الجهود فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت)، وأرشدهم إلى أن طريق الجهاد ليس مفروشًا بالورود والرياحين، وإنما هو طريق شاق له متاعبه وتبعاته، ولكنه طريق المجد والشرف، وبه تنال سلعة الله ﵎ في النهاية، قال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء) .\nوأكد لهم القرآن الكريم أن صدقهم وإقدامهم وتضحيتهم في سبيل الله تعالى ما هو إلى صفة مباركة يعقدها الله سبحانه مع عباده الصادقين فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة) .\nثم يعود القرآن فيرسم للمؤمنين طريق هذه الصفقة، ويصورها بصورة أخرى رائعة، ويوضح لهم فيها الثمن، ويبين ثمارها القريبة والبعيدة، فيقول:\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصف) .","vol":"1","page":28},{"text":"ويجزم القرآن بتأكيد الوعيد الإلهي الصادق المحقق للعالمين الصادقين والمجاهدين الباذلين فيقول: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ. وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ (محمد) .\nوأعطاهم نماذج باهرة للذين سبقوا في تاريخ الإسلام قبل رسول الله ﷺ فعرض عليهم من هذه النماذج ما قام به إبراهيم الخليل ﵇ حين وقف بمفرده في وجه الطغيان الاعتقادي والسفه الوثني، فكان الله تعالى معه لأنه آثر أن يكون مع الله جل وعلا: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ. وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ (الأنبياء) .\nولم يكن هو النموذج الوحيد، وإنما النماذج كثيرة جدًا، فهناك الأنبياء ﵈ مع أممهم، وهناك السحرة الذين آمنوا بموسى ﵇، وأصحاب الأخدود، ومؤمن آل فرعون، ولن تقف مسيرة الصادقين من عباد الله على طريقة الإسلام والمسلمين حتى يبلغ الكتاب أجله ويقضي الله أمرًا كان مفعولًا، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الباب الثالث: مفهوم البطولة في الإسلام</span>\n...\nمفهوم البطولة في الإسلام\nإن تاريخ الإسلام زاخر بأحداث البطولة التي امتدت عبر مراحله المتصلة دون توقف، وهي في صورها القريبة لا تنفصل في مفهومها عن صورتها الأولى، وكلها تستمد وجودها من مفهوم أساسي واضح، هو القيام بدور يدفع الأمة الإسلامية نحو تحقيق أهداف الإسلام الكبرى.\nوتتسم البطولة في الإسلام بطابع علمي إيجابي، ومن هنا كان البطل في الإسلام دائمًا خادمًا لمجتمعه وفكرته وأمته، يؤمن حق الإيمان بأن عمله مقدور في ميزان العمل الصالح عند الله تعالى ثم عند المؤمنين، على تعاقب الأجيال. ومن هنا فهو لا يتطلع إلى الجزاء المادي أو المغنم أو الشهوة.\nفتحقيق العبودية الصادقة جعل من القلة المؤمنة في غزوة بدر قوة رهيبة قهرت عظائم الأحداث، وأصبحت قانونًا خالدًا ينظم حياة المسلمين على أصول الرسالة الخاتمة، ويضيء أرواح وعقول الرجال المسلمين على مر العصور بالعبر المنهجية، فالصدق والإخلاص في العمل لله وحده لا شريك له يفتح بصيرة المجاهدين حتى يروا ما أعد الله تعالى للشهداء في سبيله، وهم بعد أحياء يمشون على الأرض.\nوجاءت غزوة أحد، فكانت إصابات المسلمين في أنفسهم، وفي جراحات النبي ﷺ أعظم درس تربوي ممحص للمسلمين، ليعرفوا وخيم عاقبة مخالفة","vol":"1","page":33},{"text":"الرسول ﷺ ومخالفة أمره عمومًا، وخاصة إذا علموا أنهم مختارون ليكونوا حملة الإسلام إلى الناس في أقطار الأرض، لذلك بين لهم خطورة الاختلاف وحب الدنيا وإرادتها، وأن ذلك هو السبب فيما حل ويحل بالمسلمين، والله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران) .\nنعم، لقد نصرهم الله ﵎ على عدوهم إلى أن كان منهم الفشل والتنازع وعصيان بعضهم لأمر القائد ﷺ، عند ذلك تبدل النصر إلى هزيمة، لأن الله تعالى إنما وعد المؤمنين النصر بشرط التقوى والصبر على الطاعة، وفي هذا إيماء إلى سنة من سنن الله ﷿ في أخلاق البشر وأعمالهم على المستوى الفردي أو الجماعي، وهي أن المصائب التي تعرض للمسلمين في خاصة أنفسهم أو في شؤونهم العامة إنما هي آثار طبيعية لبعض أعمالهم، ولكن الله تعالى قد يعفو عن بعض الأعمال التي لا أثر لها في النفس، وليست ملكة ولا عادة لها، بل صدرت هفوة غير متكررة، وهي التي عناها ﷾ بقوله: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (المائدة: ١٥) .\nفينبغي أن نأخذ من أحداث غزوة أحد وابتلاءاتها عبرًا تنفعنا إلى آخر الدهر، خاصة إذا استعرضنا التجربة التي مر بها أصحاب الرسول ﷺ، ورأيناهم يخرجون من محنة أحد بإيمان قوي، وعقيدة راسخة وشجاعة فذة، وعزيمة حازمة، وثقة بالله لا يوازنها شيء، وكانت سراجًا أضاء الطريق أمامهم في سيرهم برسالتهم، وجعلتهم يضربون المثل الطيب والأسوة الحسنة في مواقفهم الكثيرة، وحرصهم","vol":"1","page":34},{"text":"على طاعة نبيهم ﷺ والتزامهم أمره ﷺ حتى آخر رمق في حياتهم ابتغاء مرضاة الله تعالى والشوق إلى جنته.\nوقد خلد لنا الإسلام سلاسل مضيئة من أعلام رجالنا الكرام، كان لهم النصيب الأوفى من البطولة والفداء والصدق والوفاء، ونزداد إعجابًا بأولئك السابقين من أصحاب نبينا ﵊، حيث نجد أحدهم يذوب خشية وعبادة لربه سبحانه في محرابه كأنه لا شغل له سوى التعبد والتهجد، فإذا نادى المنادي: حي على الجهاد، نقل محرابه إلى الميدان وجاهد في سبيل ربه خير جهاد، ثم بذل جهوده هنا وهناك في مسالك الحياة وشعابها صالحًا مصلحًا، راغبًا في أن يكون عند الله من المقبولين، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (الواقعة) .\nوقد عرف تاريخ الإسلام أبطالًا قاموا بأدوار على قدر عظيم من الأهمية دون أن يكشفوا عن شخصياتهم، أو يبوحوا بأسمائهم، وقد سجل التاريخ هذه المواقف تحت أسماء مجهولة، ومن هؤلاء صاحب النقب، هذا البطل الذي استطاع أن يفتح ثغرة في سور دمشق بعد أن حاصرها المسلمون طويلًا وحاولوا مرات، غير أن هذا البطل الذي لم يعرف التاريخ اسمه، ولم يكشف هو عن شخصيته، اندفع على رأس فرسه وسهام العدو تنوشه من كل مكان دون أن يتوقف أو يرتد، حتى بلغ الجدار فأحدث فيه ثقبًا، ثم اخترقه إلى داخل السور وكبر، فكبر المسلمون وعبروا إليه، فلما انتهت الموقعة ظن قائد الجيش محمد بن مسلمة أن صاحب النقب سوف يتقدم إلية دون جدوى، هنالك نادى في الجيش أن يتقدم، فلم يتقدم أحد، ووعد ثم هدد، وبينما هو جالس في خيمته تقدم منه رجل فقال له: أيها القائد، هل تريد","vol":"1","page":35},{"text":"أن تعرف صاحب النقب. قال: نعم، قال: أنا أدلك عليه إذا أعطيتني العهد على أن لا تسألني عن اسمي، فقال القائد محمد بن مسلمة: لك عهد الله على أن لا أسألك عن اسمك، قال: أنا هو، وانطلق خارجًا من خيمة القائد ينتظر حسن الثواب من الله تعالى يوم يقوم الحساب، ولم يتطلع إلى الحظ العاجل وإذاعة أخباره واسمه، وهذا الصنف الكريم يجلي لنا العبر، ويعطينا الموعظة الحسنة، لنعتبر بأن الله تعالى وحده هو الذي يجزي على العمل، وقد وضح لنا هذا المعنى عندما أقبل وباء المرتدين المجرمين بقيادة مسيلمة الكذاب، وخرج جيش الإسلام ليرد ذلك الطوفان، وكان فيه البراء بن مالك الأنصاري١ ﵁ ولم تكن المعركة يومها سهلة ولا ميسرة، واشتد القتال بين المؤمنين والباغين، وهناك رفع البراء بن مالك صوته ينادي في المجاهدين: \"يا أهل المدينة، لا مدينة لكم بعد اليوم، إنما هو الله والجنة\"، أي لا تذكروا في هذا الموطن أنفسكم ولا أهليكم ولا بلدكم، بل اجعلوا كل همكم أن تنصروا الله ربكم ﷻ، وأن تأخذوا الطريق إلى جنته عن طريق الجهاد في سبيل دينه ودعوته. فالبطولة الإسلامية لم تكن الإعلان والشهرة، وإنما هي التماس رضا الله ﷿، وتحرير العمل لوجه الله تعالى وإخلاصه للحق وحده.\nيذكر لنا التاريخ هذه البطولة التي صنعها الإسلام إخلاصًا لله ﷿ وهي: أن رومانوس أمبراطور الدولة البيزنطية، أقبل بجيش يضم مائتي ألف مقاتل، وقيل ستمائة ألف مقاتل، يقوده بنفسه، ومعه البطارقة، يريد أن يقضي على\n_________\n١ هو البراء بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر الأنصاري النجاري المدني، البطل الكرار صاحب رسول الله ﷺ، وأخو خادم النبي ﷺ أنس بن مالك ﵁.","vol":"1","page":36},{"text":"المسلمين -بزعمه- ويزيل ملكهم وينفي جمعهم ويدوس رايتهم، وسرعان ما علم \"ألب أرسلان\" قائد المسلمين آنذاك بالخطر الزاحف على المسلمين، وأدرك أن لا مفر من الجهاد، فجمع أهل مشورته وقال لهم: تعلمون من أنباء زحف رومانوس وجيشه اللجب، ولقد حاولت أن أثنيه عن عزمه بكل المغريات من مال وممتلكات، أحب أن أضعها بين يدي رومانوس على أن لا يظفر بنا فيهلك جمعنا على القتال، وسأخرج لتوي بكفني وحنوطي، فمن رغب عن الجهاد فدونه المسالك فليسلك أيها أقرب إلى نجاته، ومن رغب في لقاء الله ﷿، فليتحنط وليلبس كفنه وليلحق بي لملاقاة رومانوس١.\nوما هي إلا ساعة حتى كان ألب أرسلان يمتطي جواده ووراءه خمسة عشر ألف جندي، قد تكفنوا جميعًا بقماش أبيض، وقد فاحت منهم رائحة الحنوط، ينتظرون وصول جيش رومانوس أرض المعركة٢، وتمر سويعات ثقيلة متباطئه لم يلبث أن يتطاير عن بعد غبار ينبئ بوصول رومانوس، فتتعالى أصوات المسلمين الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله صدق وعده ونصره عبده وهزم الأحزاب وحده، ويفاجأ رومانوس وقادة جيشه بالذي رأوه وسمعوه، ويلقي الله الرعب في قلوبهم، إذ لا يرون أمامهم إلا كتلة واحدة بيضاء، يتعالى تكبيرها إلى عنان السماء.\nوتحتدم المعركة بين الجيش المكفن المؤمن، وبين الجيش اليبزنطي اللجب\n_________\n١ يقول ابن كثير ﵀ عند ذكر الواقعة: أقبل ملك الروم رمانوس في جحافل أمثال الجبال من الروم والكرخ والفرنج وعدد عظيم وعدد، ومعه خمسة وثلاثون ألفًا من البطارقة، مع كل بطريق مائتا ألف من فارس. (راجع بتوسع، البداية والنهاية/ ١٠٠-١-١٠-١٠٦-١٠٧) .\n٢ كان ذلك سنة ٤٦٥هـ الموافق ١٠٧٢م.","vol":"1","page":37},{"text":"الجرار، ويتدافع المسلمون بأكفانهم يطرقون أبواب الجنة بجماجم الكفارين من جنود بيزنطة، وسالت الدماء أنهارًا، وتطايرت الرؤوس بلا حساب، وشرعت أبواب الجنة تستقبل المؤمنين، وشرعت أبواب جهنم تستقبل الكافرين، وتطلب المزيد ... وما كاد النهار أن يستكمل دورته حتى هدأ ضجيج المعركة، وارتفع في الأجواء صوت المنادي ينادي:\nأبشروا يا جند الإسلام لقد أسر رومانوس.\nفتعالت إذ ذاك أصوات المسلمين الله أكبر الله أكبر، وإذ فرغ ألب أرسلان وجنده من أداء ركعات شكر لله ﷿، على نصره وتأييده، التفت إلى بعض جنده، وقال لهم: إلي برومانوس، وجيء برومانوس مشدود الوثاق مكبلًا بالأصفاد، فقال له ألب أرسلان:\nيا رومانوس، ألم أعرض عليك المال والأرض والممتلكات لتكف عن أذى الإسلام وحرمات المسلمين ...؟\nقال رومانوس: بلى.\nقال القائد المؤمن: فلم لم تقبل؟\nقال رومانوس: ظننت أني سأقضي على جيشك، وأسحق دولتك.\nقال القائد المؤمن: أما وقد أخزاك الله يا رومانوس، ما تظن أني فاعل بك ...؟\nقال رومانوس: إن شئت فاقتلني، وإن شئت جرني بالسلاسل، وإن شئت تقبل فديتي وتعفو عني.","vol":"1","page":38},{"text":"وأطرق القائد المسلم قليلًا ثم قال: يا رومانوس، أتعاهدني إن عفوت عنك ألا تقاتل بعد اليوم مسلمًا أبدًا. قال رومانوس وقد دمعت عيناه بعد أن أدرك أنه نجا من موت محقق: لك عهدي يا قائد المسلمين.\nوقام ألب أرسلان ففك قيود أسيره بيديه، وقال له: ستوصلك جنودي إلى مأمنك يا رومانوس، ولقد أمرت لك بخمسة عشر ألف دينار تستعين بها على وصولك، وحقق الله عز شأنه للمجاهدين المخلصين ما وعدهم بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (التوبة) .\nوهكذا نرى البطولة والانتصار يخدمان قضية الإسلام وهدف الدعوة إليه، ولا يقل عمل المصلحين الذين يصححون المفاهيم المنحرفة عن المجاهدين الذين يردون كيد الأعداء، ويحمون بيضة الدين، ويتساوى في الإسلام مداد العلماء ودم الشهداء، ولقد كان تاريخ الإسلام قائمًا دائمًا على القدرة المتجددة في أن يبعث البطل الذي يقود المعركة، ويواجه الأزمة، وكلما تجمعت التحديات في وجه المسلمين برز القائد العالم المجاهد الذي يحمل اللواء، ويقود الجماعة في معركة مقاومة، سلاحها المصحف والسيف، وكانت الأحداث والأزمات دائمًا قادرة على أن تدفع المسلمين إلى الوحدة والتجمع تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله حتى يحقق الله عز شأنه لهم النصر.\nولقد عرف التاريخ الإسلامي عددًا من النكسات، ولكنها كانت كلها مقدمات لنصر كبير ظافر، وقد كانت جماعة الموحدين المخلصين دائمًا","vol":"1","page":39},{"text":"قادرة على مواجهة الخطر مهما بلغ من الشراسة والعنف بالاعتصام بحبل الله ﷿ والتضحية.\nولقد رسم القرآن الكريم صورة البطولة وجعلها في مواجهة المسلمين، لتكون العبرة قريبة منهم.\nوكل الأبطال الذين عرضهم القرآن أبطال مقاومة لا يستسلمون ولا يحنون الرؤوس للظلم والانحراف والطغيان، ومن هنا عجزت قوى الكفر عن أن تقتلعهم أو تنتصر عليهم، وكانت المقاومة عند هؤلاء المسلمين إيمانًا في أعماق القلب، وسلاحًا في اليد، يعملان معًا في يقين راسخ بأنهم أصحاب أمانة إلهية ودعوة ربانية، ولقد كان نبينا محمد ﷺ هو المثل الكامل للبطل الإسلامي، وكانت حياته ﷺ موضع القدوة لكل الأجيال الإسلامية المتلاحقة، والرجال الذين تربوا على يديه كتبوا صفحات بارعة من المجد التليد، وظلوا ﵃ موضع إعجاب الأجيال الإسلامية المتوالية، وكانوا قدوة حسنة تقتدي بها الأجيال اللاحقة، ومن ثم اتصلت في تاريخ الإسلام روح البطولة والتضحية والموت من أجل الحياة الإيمانية، وكانت مقاومة الظلم والانحراف هي أبرز صفحات الجهاد في مواجهة كل باغ وظالم ومعتد على الإسلام وأهله، ولقد استمد المجاهدون الأبطال من الرسول ﷺ أبرز مفاهيم البطولة حيث جمعوا بين بطولة الفكر، وبطولة الجهاد، فقد كان العلماء العاملون كلهم قادة معارك يحملون السلاح في مواقف الجهاد، ولو لم يعيشوا في عهد النبي ﷺ، ولا في عصر خلفائه الراشدين، ولا في عصر الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، ولم يكن عجيبًا أن نرى في تاريخ أمتنا الإسلامية أناسًا تجردوا لله ﷿ فتألق نجمهم في مجتمعهم بعد","vol":"1","page":40},{"text":"عصر النبوة بنحو مائة وخمسين عامًا، وكان موضع تألقه بعيدًا عن منزل الوحي ومهبط الرسالة، كان هناك في شمال أفريقيا، ومع ذلك بقي الإسلام يمده بالإيمان المشرق، ويرشده إلى منهاج رسول الله ﷺ، ولم يصده تأخر الزمان ولا بعد المكان عن الإسهام الرائع في بناء مجتمعه على أساس الدين والعلم، والإعداد والربط بين الدرس وجهاد النفس، ذلكم هو الإمام العالم أسد بن الفرات١ الذي جمع الله تعالى له الإمارة والقضاء، وكان يقال له من أجل ذلك: القاضي الأمير، الذي جمع بين العلم والعمل، وبين الفقه والجهاد، وسعى في الدنيا ليربح الآخرة.\nولقد أكرم الله تعالى أمتنا الإسلامية بعلماء كثيرين جاهدوا بلسانهما وسنانهم وإيمانهم وقلمهم، منهم الإمام ابن تيمية الحراني ﵀ الذي ولد في حران٢، وهي مدينة مشهورة على طريق الموصل والشام والروم، من أسرة ذات علم ودين، فأبوه وجده كانا من كبار علماء الإسلام، وقد ارتحل به والده في طفولته إلى دمشق بسبب غارات التتار المخربة على بلاد الإسلام، وهناك نشأ نشأته الإسلامية العلمية القرآنية الحديثية الفقهية العربية، القائمة على أسس من طهارة الأنساب وتقوى الآباء وصفاء البيئة الشامية والاستعداد الطيب لخدمة الإسلام\n_________\n١ الإمام العلامة القاضي الأمير مقدم المجاهدين أبو عبد الله الحراني ثم المغربي، مولده بحران سنة أربع وأربعين ومائة، ودخل القيروان مع أبيه في الجهاد، وكان أبوه فرات بن سنان من أعيان الجند. وكان أسد ﵀ مع توسعه في العلم فارسًا بطلًا شجاعًا مقدامًا ... سير أعلام النبلاء الجزء العاشر ٢٢٥١ بتصرف شديد.\n٢ هي اليوم من مدن تركيا، فتحت في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على يد عياض بن غنم ﵁ وإليها ينسب جماعة كثيرة من أهل العلم.","vol":"1","page":41},{"text":"وعلومه، وكان ذكيًا حاضر الذهن قوي الذاكرة بصورة باهرة، وكان يجادل ويحاور وهو صغير، وبدأ الإفتاء قبل أن يبلغ العشرين من عمره، وكان خبيرًا بعلوم الحديث والتفسير والفقه واللغة١، والغوص في دقائق المعاني، وأتقن دراسة المذاهب الفقهية، يقول عنه ابن فضل الله العمري: \"كان أمة وحده، وفردًا حتى نزل لحده\"، وقد ازداد ابن تيمية رحمه الله تعالى على مر الأيام صلابة في دينه، وقوة في يقينه، ولا عجب فهو أشهر الأتباع للإمام المجاهد المحتسب الجليل أحمد بن حنبل ﵀ الذي احتمل ما لا يحتمله سواه من الأذى في سبيل الاستمساك بعقيدته في كلام الله العزيز وقرآنه المجيد، وكان ابن تيمية ﵀ متيقظًا شهمًا شجاعًا لا يفتر عن الأعداء ليلًا ولا نهارًا، بل هو مناجز لأعداء الإسلام وأهله، ولم شعثه واجتماع شمله، أقامه الله في هذا الوقت المتأخر عونًا ونصرًا للإسلام وأهله، وشوكة في حلوق المارقين من الفرنج والتتار والمشركين، فأبطل الخمور، ونفى الفساق من البلاد، وكان لا يرى شيئًا من الفساد والمفاسد إلا سعى في إزالته بجهده وطاقته، وتصدى لمقاومة الفتن، وخاطب عقول الجماهير، وتبنى مهمة الرد على الفرق والملل غير الإسلامية، وقاوم عقائدها وتقاليدها وتأثيرها، وبعث الفكر الإسلامي الصحيح، وجدد العلوم الشرعية المستمدة من الكتاب والسنة، وما صح عن أصحاب النبي ﷺ، ونقد بشدة الفلسفة والمنطق وعلم الكلام، وفضح البدع والمنكرات وعبادة القبور السافرة المؤيدة من بعض المشايخ، والاستخفاف بشعائر الله ﷿، وتصدى لأصحاب المشاهد ووقاحة جرأتهم وشركهم، ورفع رحمه الله تعالى لواء تجديد التوحيد، ومنع الاستغاثة\n_________\n١ البداية والنهاية ١٤/١٣٧.","vol":"1","page":42},{"text":"بغير الله ﷿، وشرح عقيدة الإسلام الصحيحة، وقام بمسؤولية ورثة الأنبياء ﵈ في عصره، وعمل بمصداق قوله جل وعلا ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الحجر) . فكان عمله ﵀ وجهاده دليلًا على ما خصه الله به من مكانة عالية في مجال الإصلاح والتربية والدعوة والتجديد، وقد وجد بتأثير كتاباته ومؤلفاته رجالًا من أهل الدعوة والتربية بين حين وآخر ممن رفعوا راية الجهاد ضد تقاليد الوثنية الجاهلية بكل صدع وإعلان، وارتفع صوت القرآن مدويًا عاليًا:\n﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (الزمر: ٣)\nفارتجع العالم الإسلامي وتجاوبه السهل والجبل، وعاش هذا الإمام أكثر سنوات حياته متاعب في سبيل الله ﷿، وترك لأجيال المسلمين دائرة معارف أو مكتبة تضمنتها مجموعة فتاويه التي تحتوي على (٣٧) مجلدًا، نشرتها المملكة العربية السعودية، فترى في كتبه حقائق علمية وبحوثًا نقدية، ومباحث أصولية، تشق طريقًا جديدًا لفهم الكتاب والسنة، وتفتح بابًا فريدًا إلى إدراك مقاصد الشريعة الربانية.\nوكانت في الإمام ابن تيمية ﵀ صفة بارزة رفعت من شأنه وأعزت من مكانته، وهي صفة الثبات على العقيدة الاستمساك بما يثق فيه، والجهر بكلمة الحق، والرائع في موقفه أنه حينما أغلقوا عليه باب السجن، قال مستشهدًا من القرآن الكريم: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ (الحديد: ١٣) .\nوكان يقول ﵀: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني صدري، أينما","vol":"1","page":43},{"text":"رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة١.\nإن السجن في نظر ابن تيمية رحمه الله تعالى فرصة يخلو فيها إلى العبادة والذكر والمطالعة والبحث والمعرفة والعلم، بعيدًا عن الشهوات والملذات.\nويعتبر القتل شهادة في سبيل الله تعالى لأنه يسير على منهج رسول الله ﷺ الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وابن تيمية رحمه الله تعالى واحد من محبيه ومتبعيه، فليمض إلى ربه مجاهدًا لينال أجر المجاهدين الصابرين.\nويؤمن بأن إخراجه من بلده رحلة هجرة في سبيل الله تعالى، أليس هو القائل: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء) . إذن فلا بد من السياحة وكسب الخير والتعرف على الناس، وبث الدعوة، وهكذا امتلأت قلوب المؤمنين بالإسلام شجاعة واندفاعًا، وعلموا أن إنكار الذات في سبيل الله تعالى تصنع البطولات، وفق القيم الأخلاقية لهذا الدين العظيم، لأن المنتصر فيه لا يموت، وهذا نموذج بسيط موجز عن الأبطال العلماء العالمين، أما أمراء العادلين الذين أسهموا بكل إيمان وقوة وهمة وحيوية في بناء دولة الإسلام، وتطبيق أحكام الله تعالى، وصنعوا حياة مليئة بالعمل الصالح والعلم النافع، والبناء الرائع في كل المجالات، فالحديث عنهم يطول ويخرجنا عن\n_________\n١ الوابل الصيب، لابن القيم ص ٦٦-٦٧.","vol":"1","page":44},{"text":"مقصدنا الذي نبتغيه، ويكفينا أن نعلم أن بطولات المسلمين من العلماء العاملين والأمراء المخلصين، كانت تسير جنبًا إلى جنب في بناء الحياة الإسلامية ببذل الجهود في تحصين المسلمين، وتأمين الحدود، مع إثارة روح العمل الصالح والتنافس في مجالات العلم والعمل والجهاد، وقد ظل الإسلام حافلًا بالمسلمين وقادتهم من العلماء والأمراء الذين يحملون اللواء، ويحمون معاقل هذا الدين، وهكذا يتوالى ظهروهم فترة بعد فترة، ويخرجون من قبل مجتمعهم ليصدوا عنه فنتة جديدة، ويظهروا الإسلام في صورته البيضاء الجامعة الحقيقية، ويعدوا العدة لصون العقيدة الإسلامية والمفاهيم الإيمانية، ولولا الله جل شأنه ثم هؤلاء الرجال الأوفياء الذي أعدهم الله تعالى لخدمة دينه، ووفقهم للقيام في وجه المنكر بأي لو كان، لما عاش المسلمون مبيضي الوجوه، ولما ورثوا الدين نقيًا طاهرًا من رواسب الجاهليات والأنانيات، ولذلك فإن كل مسلم موحد مدين لهم في إيمانه وعقيدته، وفي صفاء أفكاره، وإن لهم علينا منة كبيرة فيما نعيش فيه من طاعة وسعادة، وما نتمتع به من تاريخ زاهر للمآثر والبطولات والجهاد.\nومن ثم فإن لهؤلاء الأئمة الأعلام وشيوخ الإسلام حقًا كبيرًا على كل مسلم معاصر، وعلى الأجيال المتلاحقة التي حظيت بنعمة الدين الخالص والعقيدة الصافية، وإن أداء هذا الحق والوفاء بواجب الشكر لا يتم إلا بالمحافظة على الإسلام الذي جاهدوا من أجله بإحياء سنة نبينا محمد ﷺ، والتركيز على بناء أنفسنا وأجيالنا على هدي من الكتاب والسنة، لنقدم للعالم نموذجًا حيًا للمسلم الذي يتمثل فيه الإسلام كاملًا، وعندها تعود أمتنا كما أراد الله تعالى.\n﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: ١١٠) .","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الباب الرابع: الإمام محمد بن عبد الوهاب والدعوة المباركة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>الفصل الأول: حياة الإمام محمد بن عبد الوهاب ونشأته</span>\n...\nالإمام محمد بن عبد الوهاب والدعوة المباركة\nحياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب \"﵀\"\nاسمه ونسبه:\nهو الشيخ محمد بن عبد الوهاب١ بن سليمان بن علي٢ بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف، التميمي٣.\nوقد ذكر ابن بشر نسبه فقال:\n\"هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن حمد بن أحمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب\"٤.\n_________\n١ كان عبد الوهاب والد الشيخ، من أعلم أهل زمانه، وكان شيخًا وقورًا جليلًا متواضعًا، ولي القضاء في العيينية في إمارة عبد الله بن محمد بن معمر، وألف في الفقه والتفسير، وألقى فيهما وفي الحديث دروسًا، وحدث في منزله وفي المسجد، وكان الناس يقبلون عليه إقبالًا شديدًا. وقد رزق بوليدن، وهما محمد الذي هو مجدد الإسلام في القرن الثاني عشر، والثاني سليمان، وكان عالمًا فقيهًا، تولى القضاء في حريملاء، وكل رجال هذه الأسرة تولى القضاء أو رياسته حتى زماننا هذا، لأنهم أشد الناس صيانة لهذا الدين في عصرنا.\n٢ سليمان، جد الشيخ محمد، من أكبر علماء نجد، كان محبوبًا وبحرًا في العلوم، تولى منصب الفتيا، وأخذ على يديه كثير من العلماء: التفسير والحديث والفقه والتوحيد. وله رسائل علمية وتصانيف عامة. قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵀ في ترجمته للإمام محمد بن عبد الوهاب: ووالده هو مفتي تلك البلاد، وجده مفتي البلاد.\nوآثاره وتصانيفه وفتاواه تدل على علمه وفقهه، وكان جده إليه المرجع في الفقه والفتوى.\nوكان معاصرًا للشيخ منصور البهوتي الحنبلي خادم المذاهب، اجتمع به في مكة.\n٣ تاريخ نجد المسمى روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات الإسلام: تأليف حسين بن غنام ١/٧٥.\n٤ عنوان المجد في تاريخ نجد لابن بشر ج (١) ص ٨٩.","vol":"1","page":50},{"text":"يقول الدكتور العثيمين:\nوكانت أسرة آل مشرف ذات شهرة ومكانة في العلم، أنجبت عدة علماء، كان لهم اليد العليا في العلم والتحقيق والديانة منذ القرن الهجري، منهم القاضي عبد القادر بن بريد بن مشرف، وأحمد بن محمد بن مشرف، وسليمان بن علي مرجع علماء نجد بالكثير من المسائل، وكذلك ابنه عبد الوهاب، وإبراهيم وأحمد، والقصير١.\nولادته ونشأته:\nولد الشيخ محمد في بلدة العيينة٢ عام ١١١٥هـ، الموافق ١٧٠٣م في بيت كالواحة الخضراء في صحراء الجهل، وهجير الفتن، حيث يعيش العالم الإسلامي ومنه الجزيرة العربية حالة من التخلف والفوضى والانحطاط، والبعد عن روح الإسلام.\nنشأ الشيخ وترعرع، يفيض عليه حب والده وحنان والدته غدقًا من العطف الأبوي، وبتعهده وتربيته بما يغرس فيه روح الإيمان، ويغمر نفسه الغضة بالطمأنينة والرضى، وتهيئته لطلب العلم بقلب متفتح وعقل متقبل.\nوكلما شب تألف على محياه الذكاء اللماح، وشعت في أساريره المخائل النجيبة، يميزه عن أترابه فوق تلك السمات النبيلة، والخلق الجاد، والعزيمة المصممة، والنضوج المبكر، والنبوغ المرتقب، يصرف جل وقته في تلك السن\n_________\n١ الشيخ محمد بن عبد الوهاب: للدكتور ابن عثيمين.\n٢ العيينة: بتصغير العين تقع في وادي حنيفة، وتسمى الآن \"آبار الشيخ\"، وتقع شمال غرب الرياض، وتبعد عن الرياض (٤٠) كليو مترًا تقريبًا.","vol":"1","page":51},{"text":"للمطالعة العميقة في كتب التفسير والحديث، وقبل بلوغه العاشرة أتقن كثيرًا من العلوم والمعارف، فكبر عقله وازداد توقد ذهنه، وتأمل قومه فوجدهم جهلاء زائفين عن طريق الحق والصواب، فآلمه ذلك حتى قال فيه أحدهم:\nبلغت لعشر مضت من سنيك ... ما يبلغ السيد الأشيب\nفهمك فيها جسام الأمور ... وهم لداتك أن يلعبوا\nولما بلغ الثانية عشرة من عمره، وقد بلغ الحلم، وأدرك ما يدرك الرجال، قدمه أبوه في إمامة الصلاة، وكان والده شديد التعجب من قوة حافظته وسرعة حفظه، لكل ما يطالعه ولو لمرة واحدة، ويعترف علنا بالاستفادة منه في بعض الأحكام، حتى قال: استفدت من ولدي محمد فوائد من الأحكام قبل بلوغه.\nوفي رسالة لأحد أصدقائه قال عنه: إن له فهمًا جيدًا، ولو يلازم الدرس سنة على الولاية لظهر في الحفظ والإتقان آية.\n\"وقد تحققت أنه بلغ الاحتلام قبل إكمال اثنتي عشرة سنة على الإتمام. ورأيته أهلًا للصلاة بالجماعة والإتمام، فقدمته لمعرفته بالأحكام، وزوجته بعد البلوع في ذلك العام. ثم طلب مني الحج إلى بيت الله الحرام، فأجبته بالإسعاف لذلك المرام، فحج وقضى ركن الإسلام\".\nولا عجب في ذلك فبعد مشيئة الله ﷾ قد تضافرت في الفتى مقومات التفوق ومؤهلات النجاح أسباب ومسببات –هيأها الله ﷿ للفتى","vol":"1","page":52},{"text":"وراثية وفطرية وبيئية، تجمعت في شخصيته الفذة من الذكاء المتقد، والشغف العلمي الملتهب، والطموح الخلقي الملحق لاستيعاب أكبر قدر من المعارف الدينية والعلوم الإسلامية، في أقصر وقت.\nومع كل ذلك فالفتى عملي الطبع، ديني الخلق والعلم، لديه معلومات، يستوعب في سرعة، وتركيز، وفهم مدارك عظام، ثم تتحول إلى عمل يطبق في التوحيد والعبادة والأخلاق والمعاملات والتوجيه، وإرشاد وتعليم إسلامي يسير على ضوء العقيدة الصحيحة والنهج القويم المستمد من الكتاب والسنة، في تلك السن المبكرة من عمره الغض جلي في دروسه وتفوق في معلوماته.\nأبناء الإمام\nتزوج الإمام محمد بن عبد الوهاب \"جوهرة بنت عبد الله بن معمر\" وهو صغير لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره. ونقل عن أبيه عبد الرحمن قوله: \"رأيته أهلًا للصلاة بالجماعة وزوجته في ذاك العام\"١. وقد رزقه الله ﵎ بأولاد بارك فيهم وجعلهم علماء يقتدى بهم، ويؤخذ العلم عنهم، ومنهم:\nأولًا: حسين بن محمد بن عبد الوهاب٢:\nآلت إليه القيادة بعد والده، وكان ضريرًا لا يرى، إلا أنه على جانب كبير من العلم والفضل.\n_________\n١ الشيخ محمد بن عبد الوهاب: أحمد بن حجر بن محمد آل طامي ط٤ ص ١٧.\n٢ هو أكبر أولاد الشيخ، وكان قاضيًا في الدرعية، وإمامًا في جامعها، توفي سنة ١٢٢٤هـ، وله عدة أولاد نبغوا في العلم والعمل، وهم: علي –حسن –حمد –عبد الرحمن –عبد الملك. انظر: عنوان المجد ج١ ص ٢/١٤٣.","vol":"1","page":53},{"text":"ثانيًا: عبد الله١ بن محمد بن عبد الوهاب:\nولد في الدرعية سنة ١١٦٥، فنشر العلم واضطلع بالدعوة إلى جانب عمله في القضاء، وشارك في قتال إبراهيم باشا وجنده حين طوق الدرعية، وبعد أن سقطت في يد الباشا نقل الشيخ عبد الله إلى مصر سنة ١٢٣٣هـ، وظل بها كالمعتقل حتى وافته المنية سنة ١٢٤٢هـ، ﵀.\nقال ابن بشر:\nواجتمع عليه أهل البحيرة ونهضوا على الترك من كل جانب كأنهم الأسود، وقاتلوا قتالًا يشيب لهوله المولود، فأظلمت البحيرة كأنها الليل، وصريخ السيوف في الرؤس كأنه صهيل الخيل، فأخرجوهم منها صاغرين، وقتلوا من الترك عدة مئات حتى قال لي بعض من حضر ذلك: لو حلفت بالطلاق أني من الموضع الفلاني إلى الموضع الفلاني لم أطأ إلا على رجل مقتول لم أحنث، فدخل الترك بعد هذا الفشل، وصار في قلوبهم منهم وجل، ثم أرسلوا إلى الباشا وطلبوا الصلح، فأجابهم إليه بعد ما كان أبيًا، ولان لهم بعدما كان قاسيًا.\nوحين سلمت الدرعية سنة ١٢٣٣هـ نقل الإمام عبد الله وابنه عبد الرحمن إلى مصر ومعه بعض آل الشيخ، وأما ابنه سليمان فقتله هذا الطاغية في الدرعية. وأما عبد الرحمن فتوفي بمصر سنة ١٢٧٣ مع أخيه علي، رحمهما الله رحمة واسعة٢.\n_________\n١ هو عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ولد في الدرعية سنة ١١٦٥هـ، ونشأ في بيت والده، وتلقى العلم من والده أيضًا، ولما توفي والده خلفه في أعماله، فصارت له الزعامة الدينية، واستمر في منصبه إلى أن سقطت الدرعية سنة ١٢٣٣هـ/١٨١٨م على يد إبراهيم باشا، الذي حمل معه الشيخ عبد الله إلى مصر، فبقي السيخ عبد الله في مصر إلى أن توفي سنة ١٢٤٤هـ -١٨٢٩م.\n٢ عنوان المجد في تاريخ نجد. عثمان بن بشر.","vol":"1","page":54},{"text":"مؤلفات الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب\n١- جواب أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والزيدية\n٢- منسك في الحج.\n٣- الكلمات النافعة في المكفرات الواقعة.\n٤- التوضيح عن توحيد الخلاق.\n٥- مختصر سيرة ابن هشام.\n٦- وله فتاوى ورسائل ضم بعضها لمجموعة الرسائل النجدية.\nوقد دافع دفاعًا مريرًا ضد الطاغية إبراهيم باشا حين هاجم الدرعية سنة ١٢٢٢هـ، وحين رأى قتل الأبرياء وتدمير الدرعية من قبل الجيش المصري شهر سيفه ضد هؤلاء الطواغيت عند باب البحيرة بالدرعية.\nثالثًا: علي بن محمد بن عبد الوهاب:\nكان عالمًا نابغًا يضرب به المثل في الزهد والورع، وكان ذا ملكة عظيمة في الفقه.\nرابعًا: إبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب\nولد بالدرعية. وقرأ على والده المجدد محمد بن عبد الوهاب، وقرأ على علماء الدرعية، ومنهم الشيخ العالم الجليل عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب. نفي ﵀ إلى مصر سنة ١٢٣٣هـ عند الاستيلاء على الدرعية من قبل الطاغية إبراهيم باشا، وفي سنة ١٢٤١هـ رجع إلى نجد بعد استقرار الأمور، وله حلقة علم.","vol":"1","page":55},{"text":"قال ابن بشر:\n\"وأما إبراهيم بن شيخ الإسلام، فرأيت عنده حلقة في التدريس، وله معرفة في العلم، ولكنه لم يتول القضاء، قرأت عليه في صغري كتاب التوحيد سنة أربع وعشرين ومائتين وألف\". قال الشيخ هم من ذرية هؤلاء الأربعة١.\nخامسًا: حسن بن محمد بن عبد الوهاب:\nمات شابًا ولم يكن ممن اشتغل بالعلم، بل بالتجارة والأعمال الأخرى٢.\nيقول ابن بشر: \"لقد رأيت لهؤلاء العلماء الأجلاء مجالس ومحافل في التدريس في الدرعية، عندهم من طلبة العلم من أهل الدرعية والغرباء المقيمين فيها ما يفضي لمن حكاه إلى التكذيب، ولهؤلاء الأربعة المذكورين من المعرفة ما فاقوا به أقرانهم، وكل واحد منهم جعل بيته مدرسة فيها طلبة العلم من الغرباء ونفقتهم من بيت المال. ويأخذون منهم العلم في كل وقت\"٣.\nوآل الشيخ إلى يومنا هذا هم القائمون في جزيرة العرب بالوظائف الدينية والدفاع عن حوزة الدين، ونصرة شريعة سيد المرسلين، فجزى الله العاملين أحسن الجزاء ووفقنا وإياهم لما يحبه ويرضاه.\n_________\n١ عنوان المجد في تاريخ نجد. عثمان بن بشر.\n٢ نفس المصدر.\n٣ نفس المصدر.","vol":"1","page":56},{"text":"طلبه للعلم\nلقد كانت البيئة التي نشأ فيها الفتى محمد بن عبد الوهاب بيئة علمية دينية صالحة، وقد تلقى علمه في البداية على يد والده عبد الوهاب حيث درس عليه كتب الفقه الحنبلي.\nقال الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن حسن:\n\"وأخذ محمد بن عبد الوهاب الفقه عن أبيه عن جده مفتي الديار النجدية في وقته، وسنده المتصل بأئمة المذهب إلى الإمام أحمد معروف مقرر عندهم\"١.\nثم أخذ يزيد في معلوماته بالقراءة الخاصة، حيث أخذ يقرأ في كتاب التفسير والحديث والأصول، وقد ساعده حبه للقراءة وشغفه بها على الاطلاع على كل ما يقع في يده من كتب الدين، وخاصة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، فاهتم الشيخ بقراءة كتبهما بعناية خاصة، واعتد بأقوالهما، وتأثر بأفكارهما، واستنار بآرائهما، فكان لذلك أثر كبير في تصحيح عقيدته وتوجيه حياته، ومنهج دعوته.\nولقد وهب الله ابن عبد الوهاب قلبًا واعيًا، وأذنًا سمعية، وعقلًا نيرًا، وكان رحمه الله تعالى مرهف الحس، شديد التأثر، يتألم جدًا لما يرى حوله من الحالة السيئة للقرى والمدن في نجد على وجه الخصوص، وكان أكثر العلماء في عالم الإسلام في حالة لا ترضى، فضلًا عن العوام.\nلقد أخذ الشيخ عن والده كل ما كان يستطيع، وبعد ذلك عزم على الارتحال\n_________\n١ مجموعة الرسائل النجدية ج ٢ ص ٣٧٩ مطبعة المنار –مصر.","vol":"1","page":57},{"text":"إلى البلدان المجاورة طلبًا للعلم والزيادة فيه، كعادة السلف الصالح، فبدأ بحج بيت الله الحرام للمرة الثانية، ثم توجه من مكة إلى المدينة -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- وأقام فيها حينًا آخذ فيها العلم عن الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي١، أحد العلماء المشهورين من \"المجمعة\"، ولازمه في \"المدينة\" تعرف على الشيخ محمد حياة السندي٢، وكان من أساتذة الحديث المعتمدين في مدينة رسول الله ﷺ، فأخذ عنه الحديث وعلومه.\nوكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب وافقًا عند حجرة النبي ﷺ ينظر إلى أناس يدعون ويستغيثون عند قبره ﷺ، إذ مر به الشيخ السندي، فسأله عن رأيه فيهم، فقال: إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون٣.\nوقد ذكر ابن بشر: أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب [قال]: كنت عنده يومًا فقال لي: أتريد أن أريك سلاحًا أعددته للمجمعة؟ قلت: نعم، فأدخلني منزلًا فيه كتب كثيرة، فقال: هذا الذي أعددنا لها٤.\n_________\n١ هو الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف بن عبد الله الشمري نسبة إلى قبيلة شمر، انتقل مع والده من بلدة المجمعة المعروفة بناحية سدير بنجد، إلى المدينة المنورة، وقرأ على علمائها، ثم جلس في المدينة لطلاب العلم، فأخذ عنه العلم في المدينة خلق كثير من ضمنهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبقي الشيخ عبد الله في المدينة حتى توفي بها. وقد ولد له في المدينة ابنه الفردي الشهير إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم بن سيف مؤلف كتاب \"العذب الفائض في علم الفرائض\". (انظر: عثمان بن بشر –ج١ ص٣٥) .\n٢ هو الشيخ العلامة المحدث محمد حياة بن إبراهيم السندي، الحنفي، محدث فقهي، أصولي، مفسر ولد بالسند، ونشأ بها، وتوفي بالمدينة سنة ١١٦٣هـ/١٧٥٠م. من تصانيفه: شرح الترغيب والترهيب للمنذري في مجلدين، شرح الأربعين النووية، مختصر الزواجر لابن حجر المكي، تحفة الأنام في العمل بحديث النبي ﷺ، إرشاد النقاد إلى تيسيير الاجتهاد. (انظر: الأعلام خير الدين الزركلي/ ج٦ ص١١١، ومعجم المؤلفين لرضا كحالة –ج٩ ص٢٧٥ –دار إحياء التراث العربي.\n٣ انظر: ابن بشر ج١ ص ٣٥.\n٤ انظر: نفس المصدر.","vol":"1","page":58},{"text":"ومنها توجه الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى \"البصرة\"، وهناك درس على الشيخ محمد المجموعي الفقه والحديث واللغة، ولازم صحبته، وبعد ذلك قفل راجعًا بعد أن فتحت هذه الرحلات تفكيره، ووسعت مداركه وعلومه، وزادته اطلاعًا على الفساد السياسي والديني الذي يعيشه العالم الإسلامي، حينذاك عاد إلى بلاده وكله عزيمة وأمل بأن يميط هذا الفساد بقدر ما يسعه جهده، عملًا بقول الرسول ﷺ: \"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان\" ١.\nوآب الشيخ من رحلته الطويلة وراء العلم والتحصيل متوجهًا إلى \"حريملاء\" التي انتقل إليها والده عبد الوهاب رحمه الله تعالى من العيينة في سنة ١١٣٩هـ، الموافقة ١٧٣٦م. بعد عزله عن قضاء العيينة.\nقال ابن بشر:\n\"فلما وصلها جلس يقرأ فيها عند عالم جليل من أهل \"المجموعة\"٢ في مدرسة فيها، ذكر لي أن اسمه: \"محمد المجموعي\" فأقام مدة يقرأ عليه وينكر أشياء من الشركيات والبدع، وأعلن بالإنكار واستحسن شيخه قوله، وقرر له التوحيد، وانتفع به٣.\nفلما أنكر الشيخ لهذه الشركيات والعادات السيئة: آذاه أهل \"البصرة\" هو وشيخه \"المجموعي\" وأخرجوه من البصرة.\n_________\n١ رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والدارمي ومالك.\n٢ المجموعة قرية من قرى البصرة التابعة للعراق.\n٣ عنوان المجد في تاريخ نجد ج١ ص١٦.","vol":"1","page":59},{"text":"وقرر الشيخ السفر إلى الشام، إلا أن ضياع نفقته في الطريق قد حالت بينه وبين السفر إلى الشام، فانثنى عزمه عنها، وعاد إلى نجد١.\nولما جاء من \"البصرة\" وهو في طريقه مر على \"الإحساء\"، فنزل فيها عند الشيخ \"عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف\"٢ فأخذ عنه العلم، وناقش بعض علمائها في التوحيد والعقيدة، ثم رحل منها إلى \"حريملاء\"٣.\nتلاميذ الإمام\nمنذ أن وصل الإمام محمد بن عبد الوهاب إلى الدرعية والناس يلتهمون العلم من الإمام، وخاصة في العقيدة.\nويقول ابن بشر، ﵀:\nإن الناس يطلبون العلم على الشيخ محمد وتلاميذه في أطراف النهار والليل، ويحترفون في النهار لكسب قوتهم والاستعانة على مطالب الحياة٤.\nويقول أيضًا: وكان سعود بن عبد العزيز قدوة في ذلك، فقد زلام الشيخ أكثر من سنتين ملازمة تامة، فبرع في كثير من العلوم، واستفاد فائدة كبيرة.\n_________\n١ حسين بن غنام ج١ ص٧٧. تاريخ نجد –حسين بن أبي بن غنام.\n٢ هو عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف، أحد علماء الأحساء، \"ينتسب إلى مذهب الإمام مالك\"، وقد وقف أمام دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد ظهورها موقف العداء، فأرسل إليه الشيخ رسالة يبين له فيها حقيقة دعوته، ويلومه لموقفه المعادي له، ويطلب منه ألا يحكم عليه إلا بعد أن يقف على حقيقة دعوته.\n(انظر: محمد بن عبد الوهاب –الرسائل الشخصية ص ٢٦٧-٣٥٠.\n٣ انظر تاريخ نجد المسمى روضة الأفكار والأفهام ١/٧٧ حسين بن أبي بكر بن غنام وعنوان المجد في تاريخ نجد لابن بشر ١/٣٧.\n٤ عنوان المجد في تاريخ نجد: ١/٣٧.","vol":"1","page":60},{"text":"ويقول الدكتور عبد الله بن صالح العثيمين:\nومن ناحية أخرى فإن الشيخ ما أن استقر في بلده الجديد حتى بدأ أنصاره في البلدان الأخرى يفدون إليه، ومنهم من يستقر عنده، وقد ترك بعض هؤلاء بلدانهم لما كانوا يحسونه من ضغوط على أيدي زعمائهم الذين لم يكونوا نتيجة لذلك متعاطفين مع دعوة الشيخ آنذاك، أو لخوفهم من حدوث ضغوط عليهم، وربما كان السبب في مجيء البعض الآخر إلى الدرعية رغبة منهم في أن يكونوا قرب الشيخ ليستفيدوا من علمه، ويساعدوه في أموره، ومن الملاحظ أن هؤلاء المنتقلين إلى الدرعية من طبقات مختلفة، فبعض هؤلاء كانوا من أسر حاكمة١.\nويقول الشيخ عبد الله بن بسام:\nفالدرعية بعد أن صارت مقر الدعوة وقاعدة الحكم الجديد، وفد عليها العلماء من كل حدب وصوب، وعمرت حلقات الدرس على الشيخ محمد وعلى أبنائه وكبار تلاميذه رحمهم الله تعالى، ووفد إليهم طلاب العلم والمعرفة من الجزيرة العربية وخارجها، وصاروا يجدون فيها العلم وكفاية المؤمنة كما يجد العلماء منهم المناصب الرفيعة، والرتب العالية في النواحي التابعة للعاصمة الفتية.\nفراجت فيها سوق العلم، ونشطوا في تحصليه، وتنافسوا في نيله، حتى كان من ذلك حركة علمية كبيرة ربما لم تعرفها البلاد العربية من قبل٢.\nومن أشهر تلاميذ الشيخ وأنبههم، وقد صاروا قضاة ومفتين، وأوسعهم إدراكًا وفهما هؤلاء:\n_________\n١ الشيخ محمد بن عبد الوهاب حياته وفكره –دار العلوم –الرياض.\n٢ انظر مقدمة الكتاب: علماء نجد خلال ستة قرون.","vol":"1","page":61},{"text":"١- الشيخ العالم الجليل، حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر، والد الشيخ عبد العزيز مؤلف منحة القريب.\n٢- الشيخ الزاهد الورع، عبد العزيز بن عبد الله الحصين١ الناصري، تولى القضاء إذ ذاك في ناحية الدشم.\n٣- الشيخ الفاضل العالم العامل، سعيد بن حجي، قاضي حوطة بني تميم.\n٤- العالم الجليل الشيخ عبد الرحمن بن ناجي تولى القضاء ببلدة \"العيينة\" و\"الإحساء\".\n٥- الشيخ الجليل حمد بن راشد العريني، قاضي في ناحية سدير.\n٦- محمد بن سلطان العوسجي.\n٧- عبد الرحمن بن خميس.\n٨- حسن بن عبد الله بن عيدان، وكان قاضيًا في بلاد حريملاء.\n٩- عبد العزيز بن سويلم، وكان قاضيًا في بلد القصيم.\n١٠- عبد الرحمن بن عبد المحسن أبا حسين.\n١١- عبد الرحمن بن ناجي٢.\n_________\n١ لم يعقب من الأولاد شيئًا.\n٢ انظر: كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عقيدته السلفية ودعوته الاصلاحية: أحمد بن حجر آل بوطامي ص ٣٨.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الفصل الثاني: وفاة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀</span>\n...\nوفاة الإمام محمد بن عبد الوهاب\"﵀\"\nتوفي الإمام يوم الإثنين من شهر شوال عام ١٢٠٦هـ-١٧٩١م عن عمر يناهز الواحد والتسعين عامًا١.\nويروي ابن بشر في تاريخه أنه توفي آخر ذي القعدة من السنة المذكورة ١٢٠٦هـ٢.\nوقال حسين خلف الشيخ خزعل٣:\nوفي أول شهر شوال ١٢٠٦هـ ١٥ آذار ١٧٩٢م، أصيب الشيخ محمد بن عبد الوهب بالمرض، الذي لم يمهله طويلًا حتى انتقل إلى رحمة ربه في يوم الجمعة، آخر شهر ذي القعدة، من هذه السنة ٢٢ حزيران سنة ١٧٩٢٤.\n_________\n١ الحلقة المفقودة في تاريخ العرب –محمد جميل ص ٨٧ ط (١)، مطبعة مصطفى الحلبي ١٣٦٩هـ.\n٢ عنوان المجد، نشرة وزراة المعارف- ط (١) ص ٨٩ الرياض.\n٣ هو ابن أمير المحمرة التي سقطت فضمها رضا شاه إلى إيران، فلجأ خزعل إلى صديقه أمير الكويت مبارك الصباح، فجعل الكويت مسكنًا له ولأسرته وهم شيعة، ولكن حسين بن خزعل أثنى على الشيخ في كتابه (حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب) .\nيقول خالد السعدون: المحمرة إمارة عربية تقع على الضفة اليسرى لشط العرب، وتحتل المساحة من جنوب البصرة إلى رأس الخليج العربي. ضمتها إيران إليها قبل أكثر من نصف قرن بتواطئ السلطات البريطانبية التي كانت ترتبط بعلاقات تعاهدية مع تلك الإمارة. انظر: العلاقات بين نجد والكويت.\n٤ تاريخ الجزيرة العربية في عصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب، تأليف حسين خلف الشيخ خزعل ط بدون، دار الكتب –بيروت، بدون تاريخ.","vol":"1","page":65},{"text":"انتقل الشيخ إلى ربه بعد كفاح طويل، حافل بجلائل الأعمال، مملوء بكل فخر ومجد، تاركًا تراثًا فكريًا ضخمًا.\nوقد رثي بمراث كثيرة، منها مرثية حسين بن غنام١ الذي قال فيها:\nإلى الله في كشف الشدائد نفزع ... وليس إلى غير المهيمن مفزع\nلقد كسفت شمس المعارف والهدى ... فسالت دماء في الخدود وأدمع\nإمام أصيب الناس طرأ بفقده ... وطاف بهم خطب من البين موجع\nوأظلم أرجاء البلاد لموته ... وجل بهم كرب من الحزن مفظع\nشهاب هوى من أفقه وسمائه ... ونجم ثوى واراه في التراب واراه بلقع\nوكوكب سعد مستنير سناؤه ... وبدر له في منزل اليمن مطلع\n_________\n١ حسين بن أبي بكر بن غنام، ولد في المبرز بالإحساء، وانتقل إلى الدرعية ودرس بها، وله مؤلفات –منها العقد الثمين وتاريخ نجد ... وله قصائد شعرية في الدفاع عن الدعوة السلفية، توفي سنة ١٢٢٥هـ في الدرعية انظر مشاهير علماء نجد ص ١٨٥.","vol":"1","page":66},{"text":"وصبح تبدى للأنام ضياؤه ... فداجى الدياجي بعده متقشع\nلقد غاص بحر العلم والفهم والندى ... وقد كان فيه للبدية مرتع\nفقوم جلا عنهم صدا الدين فاهتدوا ... فأسماعهم للحق تصغى وتسمع\nوقوم ذوو فقر وجهد وفاقة ... حووا واقتنوا ما فيه للعيش مطمع\nلقد رفع المولى به رتبة الهدى ... بوقت به يعلى الضلال ويدفع\nأبان له من لمعة الحق لمعة ... أزبل بها عنه حجاب وبرقع\nسقاه غير الفهم مولاه فارتوى ... وعام بتيار المعارف يقطع\nفأحيا به التوحيد بعد اندراسه ... وأقوى به من مظلم الشرك مهيع\nفأنوار صبح الحق باد سناؤه ... ومصباحه عال ورياه صنيع","vol":"1","page":67},{"text":"سما ذروة المجد التي ما ارتقى لها ... سواه ولا حاذى قناها سميدع\nوشمر في منهاج سنة أحمد ... يشيد ويحيي ما تعفى ويرفع\nوينفي الأعادي عن حماه وسوحه ... ويدمغ أرباب الضلال ويدفع\nيناظر بالآيات والسنة التي ... أمرنا إليها في التنازع نرجع\nفأضحت به السماء يبسم ثغرها ... وأمسى محياها يضيء ويلمع\nوعاد به نهج الغواية طامسًا ... وقد كان مسلوكًا به الناس تربع\nوجرت به نجد ذيول افتاخرها ... وحق لها بالألمعي ترفع\nفآثاره فيها سواح سوافر ... وأنواء فيها إذ تضيء وتسطح\nلقد وجد الإسلام يوم فراقه ... مصابًا خشناه بعده يتصدع","vol":"1","page":68},{"text":"وطاشت ألو الأحلام والفضل والنهى ... وكادت له الأرواح تترى وتتبع\nوطارت قلوب المسلمين بيومه ... وظنوا به أن القيامة تقرع\nفضجوا جميعًا بالبكاء تأسفًا\n... وكادت قلوب بعده تتفجع\nوفاضت عيون واستهلت مدامع ... يخالطها مزج من الدم بهجع\nبكته ذوو الحاجات يوم فراقه ... وأهل الهدى والحق والدين أجمع١\nإلى أن قال، ﵀:\nلئن كان في القبر موضعًا ... فيوم الجزا يرجى له الخلد موضع\nسقى قبره من هاطل العفو ديمة ... وباكره سحب من البر همع\n_________\n١ روضة الأفكار ٢/١٥٥-١٥٦.","vol":"1","page":69},{"text":"وأسكنه بحبوبة الفوز والرضا ... ولا زال بالرضوان فيها يمتع١\nويقول الإمام الشوكاني٢ ﵀:\nمصاب دهى قلبي فأذكى غلائلي ... وأحمى بسهم الافتجاع مقاتلي\nوخطب به أعشار أحشاي صدعت ... فأمست بفرط الوجد أي ثواكلي\nورزء تقاضى صفاء معيشتي ... وأنهلن قسرًا أمر المناهل\nغدوت به رهن التياع ولاعج ... حليف أسى للقلب غير مزائل\nأسير جوى أفنى فؤادي رسيه ... وقلب من الحزن المبرح ذاهل\n_________\n١ انظر المصدر السابق.\n٢ محمد بن علي الشوكاني (١٧١٣-١٢٥٢) أفتى في العشرين من عمره، وولي القضاء بصنعاء باليمن، حيث الأئمة الحكام شيعة والشعب قسمان، فسكان المرتفعات شيعة، وسكان تهامة شافعية. وانضافت إليه الوزارة بعد سنوات فتحرس بمسؤولية الحكم، وخلع ربقة التقليد، فلم يحصر نفسه في دائرة المذهب الزيدي، بل بلغ مرتبة الاجتهاد المطلق، وانتشر علمه في الهند والباكستان وسائر ديار المسلمين، ومن كبار تلاميذه محمد صديق خان.","vol":"1","page":70},{"text":"مصاب به قامت على قيامة ... ومن كرب ما لاقيت أعظم هائل\nمصاب به ذابت حشاشة مهجتي ... وعن حمله قد كل متني وكاهلي\nمصاب به قد أظلم الكون كله ... وكان على حال من الحزن هائل\nرميت به عن قوس أبرح لوعة ... بها نجم روحي كان أسرع آفل\nبه هد ركن الدين وانبنب حبله ... وشد بناء الغي مع كل باطل\nوقام على الإسلام جهرًا وأهله ... نعيق غراب بالمذلة هائل\nوسيم منار الاتباع لأحمد ... هوان انهدام جاء من كل جاهل\nوهبت لنار الابتداع سمائم ... بسم لنفس الدين صرد وقاتل\nفيا مهجتي ذوبي أسى وتأسفًا ... ويا كبدي انقشى بحزن مواصل","vol":"1","page":71},{"text":"ويا لوعتي دومي وزيدي ولازمي ... ويافجعتي للقلب ما عشت نازلي\nويا مقلتي غنى الكرى عنك جانبًا ... وجودي بدمع دائم السكب هاطل\nويا جزعي لاغبت كن متجددًا ... ويا سلوتي ولى وللقلب زائلي\nفقد مات طود العلم قطب رحى العلا ... ومركز أدوار الفحول الأفاضل\nوماتت علوم الدين طرًا بموته ... وغيب وجه الحق تحت الجنادل\nإمام الهدى، ماحي الردى، قامع العدى ... ومروى العدى من فيض علم ونائل\nوجمال الورى، رحب الذرى شامخ الذرى ... وجم القرى صدر الصدور الأوائل\nعظيم الوفا كنز الشفا معدن الصفا ... جلى الخفا عن مشكلات المسائل\nبهى السنا عذب طيب الثنا ... منيل المنى من سيبه كل آمل","vol":"1","page":72},{"text":"إمام الورى علامة العصر قدوتي ... وشيخ الشيوخ الحبر فرد الفضائل\nمحمد ذو المجد الذي عز دركه ... وحل مقامًا من لحوق المطاول\nإلى عابد الوهاب يعزى وإنه ... سلالة أنجاب زكي الخصائل\nعليه من الرحمن أعظم رحمة ... تبل قراه بالضمى والأحائل\nلقد أشرقت نجد بنور ضيائه ... وقام مقامات الهدى بالدلائل\nإمام له شأن كبير ورتبة ... من الفضل تثنى عزة المتطاول\nفريد كمال في العلوج، فهل ترى ... له في تقادير لها من مماثل\nوقلب سليم للمهيمن خاشع ... ضبيب وعن مولاه ليس بغافل\nوجنب تجافيه المضاجع في الدجى ... وجفن بهتان المدامع هامل","vol":"1","page":73},{"text":"وعن ذكر رب العرش في السر دائحًا ... وفي الجهر طول الدهر ليس بغافل\nعفو عن الجاني، صفوح حلمه ... إلى الشيخ يعزي ليس يهفو لعاجل\nيقابل من يلقى ببشر ومبسم ... ضحوك ووجه للبشاشة باذل\nويأمر بالمعروف في كل حالة ... وعن منكر ينهى وليس بقابل\nولم يأل جهدًا في نصيحة مسلم ... برأي وتدبير وحسن تعامل\nيجازي بإحسان إساءة غيره ... وبالجاه من مستوجه غير باخل\nتقمص بالتقوى وبالخشية ارتدى ... ولم يمض منه العمر في غير طائل\nومن شأنه قمع الضلال ونصره ... لمن كان مظلومًا وليس بخاذل\nوكم كان في الدين الحنيفي مجاهدًا ... بماضى سنان دافع للأباطل","vol":"1","page":74},{"text":"وكم ذب عن سامي حماه وذاد من ... مضل وبدعى ومغو وفائل\nففيم استباح أهل الضلال لعرضه ... وما نكست أعلامه بالأراذل\nوليس له شيء عن الله شاغل ... ولا عن وصال الاعتبار بغافل\nفلولاه لم تحرز رحى الدين مركزا ... ولا اشتد للإسلام ركن المعاقل\nولا كان للتوحيد واضح لاحب ... يقيم اعوجاج السير من كل عادل\nفما هو إلا قائم في زمانه ... مقام نبي في إماتة باطل\nستبكيه أجفاني حياتي وإن أمت ... سيبكيه عنى جفن طل ووابل\nوتبكيه أقلامي أسى ومحابري ... ويبكيه طرسى، دائمًا وأناملي\nعجبت لقبر ضمه كيف لم يكن ... يميد ببر فائض العلم سائل","vol":"1","page":75},{"text":"ومن نعش كان حامل جسمه ... هنيئًا له إذ كان أشرف حامل\nولا غرو أن يبكي الزمان لفقده ... فقد كان غيث الجود كهف الأرامل\nفآها على ذاك المحيا وحسنه ... وآها على تلك العلوم الجلائل\nوآها على تحقيقه في دروسه ... وتوضيحه للمعضلات المشاكل\nفمن للبخاري بعده ولمسلم ... يبين المخبأ منهما للمحاول\nومن ذا لتفسير الكتاب ومن ترى ... لأحكام فقه الدين من للرسائل\nومن لمسانيد سمت ومعاجم ... وكشف لثام الحكم عند النوازل\nألم تر أن الدهر نصف كآبة ... عليه، وذو جسم من الحسن ناحل\nومن للمعاني والبيان ومنطق ... وردع أخى الجهل الغوي المجادل","vol":"1","page":76},{"text":"ومن لك بالأصلين واللغة التي ... بها أنزل القرآن أشرف نازل\nومن بعده للصدع بالحق قائم ... يجد ولا يخشى ملامة عازل\nأفق يا معيب الشيخ من ذا تعيبه ... لقد عبت حقًا وارتحلت بباطل\nنعم ذنبه التقليد قد جذ حبله ... وثل التعصب بالسيوف الصياقل\nولما دعا الله في الخلق صارخًا ... صرختم له بالقذف مثل الزواجل\nدعا لكتاب الله والسنة التي ... أتانا بها طه النبي خير قائل\nفوا أسفى والهف قلبي وحسرتي ... عليه ويا حزني لأكرم راحل\nويا ندمي لو كان يجدى من القضا ... ولكن قضاء الله أغلب حائل","vol":"1","page":77},{"text":"ولو كان من ريب المنية مخلص ... لكنت له بالجهد أي محاول١\nوقال ﵀ وهو يعزي آل سعود بهذا الجلل المصاب:\nوأضعافها للمقرنين وكلهم ... هداة الورى من محتدى فرع وائل\nهم الناس أهل الباس يعرف فضلهم ... جميع بنى الدنيا فنحن للمجادل\nلقد جاهدوا في الله حق جهاده ... إلى أن أقاموا بالظبا كل مائل\nفناديهم في كل ناد مبجل ... فحقهم التبجيل بين القبائل\nسعود مضى والسعد حالف نجله ... كما حالف الآباء ليس براحل\nلقد نصروا دين الإله وحزبه ... كما دفعوا داعى الهوى بالقنابل\n_________\n١ الدرر السنية، عبد الرحمن قاسم النجدي ﵀ ص ١٨.","vol":"1","page":78},{"text":"عليهم سلام الله ماذر شارق ... وما اهتزت الأزهار في صبح عاطل\nوأزكى صلاة الله ثم سلامه ... على المصطفى الهادي كريم الشمائل\nمحمد المختار من فرع هاشم ... وآل وأصحاب كرام أفاضل١\nوقال ﵀ وهو يعزي آل الشيخ بفقيد الأمة الإسلامية:\nفما جزع يومًا بنافع جازع ... وما حزن رد القضاء بفاعل\nومثلكم لا يعتريه تزلزل ... ولا وهن في فادحات النوازل\nفإن كان للجنات والدكم مضى ... فقد كان فينا معقبًا كل كامل\nوأنتم بحمد الله عنه خلائف ... بعلم وفضل شامخ القدر شامل\n_________\n١ نفس المصدر ص ١٩.","vol":"1","page":79},{"text":"وإنا لنرجو أن تكونوا أئمة ... بكم يقتدي في دينه كل فاضل\nوللخير والإحسان من كل جهة ... تحث إليكم مضمرات الرواحل\nونسأل رب العرش يعظم أجوركم ... ويحميكم من طارقات الغوائل\nويجبر صدع القلب والكسر منكم ... ويعقبكم طرا جمال المحافل\nولا زلتم غيظ القلوب لكل من ... يعاديكم من كل حاف وناعل\nولا فجعت في الدهر ساحة سوحكم ... برزء لموصول المسرة فاضل\nعليكم سلام الله ما هب نائم ... وجمل زاكى ذكركم كل عاطل\nوأوفى الثنا منى عليكم مكررًا ... وأزكى تحيات سواح كوامل","vol":"1","page":80},{"text":"فيا سائر الأولاد للشيخ إنني ... أعزيكم مع ذي انتساب لوائل\nوأوصيكم بالصير طرا وبالرضا ... بجارى القضا في عاجل ثم آجل\nبتسليم أمر الله ثم احتساب ما ... لديه تعالى من أجور جزائل١\n_________\n١ الدرر السنة في الأجوبة النجدية -جمع عبد الرحمن بن محمد بن قاسم- ص ٢٠-٢١.","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الفصل الثالث: عقيدة الإمام وفكره</span>\n...\nعقيدة الإمام وفكره\nعقيدة الشيخ هي عقيدة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، عقيدة الرسول ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، عقيدة أئمة الهدى، أبي حنيفة، والشافعي ومالك وأحمد وسفيان الثوري وابن عيينة وابن المبارك والبخاري ومسلم وأبي داود، وسائر أهل السنن وأهل الفقه والأثر كالأشعري وابن خزيمة وابن تيمية وابن القيم والذهبي وابن كثير رحمهم الله تعالى يقول ﵀:\nولست ولله الحمد أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم، أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم والذهبي وابن كثير وغيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله ﷺ التي أوصى بها أول أمته وآخرهم، وأرجو أني لا أرد الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خلافها من أقوال أئمتي، حاشا رسول الله ﷺ، فإنه لا يقول إلا الحق١.\nولقد أسس فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب على تصحيح العقيدة الإسلامية وتطهيرها مما علق بها، بهدف تنظيم العلاقة بين الله ﵎ وبين الإنسان، بحيث يعترف هذا الإنسان الضعيف الفاني بسلطان الله ﷿ في جميع الأمور، فلا يلتفت إلا إليه، ولا يتعلق إلا به، ولا يرجو سواه ﵎، وبهذا يعود بالإسلام إلى ما كان عليه أيام النبي ﷺ وأصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم، وذلك من طريق تركيز النشاط الإنساني للقيام بتطبيق أحكام الإسلام\n_________\n١ محمد بن عبد الوهاب –القسم الخامس في الرسائل الشخصية: الرسالة الخامسة والثلاثون ص ٢٥٢، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب –الرياض- بدون تاريخ.","vol":"1","page":84},{"text":"وحدوده وشعائره الظاهرة والباطنة، وإقامة مجتمع متكامل يؤمن بالإسلام الحق عقيدة وعبادة ومنهج حياة، ويعتمد في كل ما يأتي أو يدع على القرآن الكريم الذي هو كلام الله ﷿ والسنة النبوية التي فيها أحوال الرسول ﷺ وأقواله وأفعاله، ثم الآثار الصحيحة للصحابة والتابعين، ﵃ أجمعين.\nيقول، ﵀:\n\"إذا بانت لنا سنة صحيحة من رسول الله ﷺ عملنا بها، ولا نقدم عليها قول أحد كائنا من كان، بل نتلقاها بالقبول والتسليم، لأن رسول الله ﷺ في صدرونا أجل وأعظم من أن نقدم عليه قول أحد، فهذا الذي نعتقد وندين الله به\"١.\n\"وقد عمل رحمه الله تعالى جاهدًا طوال حياته أن تصرف جميع أنواع العبادات لله وحده لا شريك له، وإثبات الكمال المطلق لله ﷿، وإفراده بالعبادة، ونفي التشبيه والمثال عنه جل وعلا ومنع التوسل٢ والاستغاثة٣ بغيره، ﷾\".\nومجمل القول، فقد اتسم فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالشمول والعمق\n_________\n١ المصدر السابق ص ٢٥٢.\n٢ التوسل المقر لدى أهل السنة والجماعة هو مراعاة سبيل الله بالعلم والعبادة وتحري مكارم الشريعة، وأما التوسل بالنبي ﷺ فهو الاستسقاء به حال حياته وثبت بغيره من الصالحين الأحياء.\n٣ يجوز الاستغاثة بالمخلوق في الأمور الداخلية في عدد الأعمال البشرية التي يطيقها الإنسان، والذي يسمع نداءك إذا دعوته لحاجتك.\nوللشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀ بحث حول منع طلب الشفاعة من محمد ﷺ بعد موته في الدرر السنية الجزء التاسع ص ٣٠١.","vol":"1","page":85},{"text":"في مجال التطبيق العملي، والممارسة السلوكية في شؤون الحياة والاجتماع، بالإضافة إلى كشف كل زيغ وانحراف، ونفض الغبار الذي علق على المفاهيم الصحيحة لتعاليم الإسلام، ولقد كان رحمه الله تعالى إلى جانب شخصيته الوعظية المضيئة يتلهف لإقامة دولة إسلامية قادرة على تحمل مسؤوليات الوازع والراد، فكان للشيخ محمد رحمه الله تعالى فضل الإنجاز والإخراج والريادة للدولة الإسلامية المباركة في جزيرة العرب.\nولقد جمع الله ﵎ لعبده محمد بن عبد الوهاب موهبة القيادة وصفات الزعامة الدينية لدعوة جددت حياة المسلمين، وتجازوت حدودها إلى آفاق وأبعاد واسعة، تم ذلك بفضل الله تعالى، ثم جهاد الشيخ رحمه الله تعالى، ومن معه من المخلصين ضد الشرك بجميع أشكاله وألوانه، وضد البدع والخرافات والانحطاط، ثم أقام وفي فترة وجيزة كيانًا إسلاميًا استوعب نظريات الدولة الحديثة، وأجمع فيها النشاذ وأرسى فيها القواعد الثابتة، لتكون أقدر على المواجهة وتحمل العبء الثقيل والأمانة الكبرى لما يستقبل من الأيام.\nولقد غيرت حركة الشيخ وفق المنهج الإلهي وجه الجزيرة العربية تغييرًا أساسيًا مذهلًا. وكان الشيخ رحمه الله تعالى رائدها الأمين وواضع خطط الإصلاح العملي الذي تمثل في جلسات وندوات للحديث حول العقيدة وأحوال المجتمع، يصحب ذلك أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ودعوة إلى الله ﵎ بالحسنى والموعظة الحسنة بأسلوب وقور، وأخلاق رفيعة، وكلمات وادعة تنبض بالحياة والحياء والوضوح والأصالة، ولاعتماده رحمه الله تعالى على أساسين كبيرين هما: التوحيد الخالص، والدعوة إلى الاجتهاد المشروع، وبهذين","vol":"1","page":86},{"text":"الأساسيين أسبغ على أتباعه من بعده روحًا متألفة جديدة، ورأيًا سديدًا فرض احترامه على الموالين والمجافين.\nيقول محمد جميل:\n\"دعا محمد بن عبد الوهاب معتمدًا على القرآن، إلى شريعة بيضاء نقية، كما تركها محمد ﷺ، ونهى عن الغلو في تقديس الأنبياء والأولياء\"١.\nويكفيك أخي القارئ أن تفتح على سبيل المثال \"كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد\"، لترى كيف أن هذا الكتاب الصغير في حجمه اشتمل على أمهات المسائل، وتفوق على أكبر الموسوعات التي جمعت فيها كل النصوص، وقد نسج الشيخ رحمه الله تعالى في جميع رسائله على هذا المنوال، وكلها تنادي المسلمين بالعودة إلى يسر الإسلام ونبعه الصافي، كما تدعوهم إلى تطهير شامل للفكر الإسلامي العام الذي أدخل عليه ما ليس منه إحقاقًا للحق وإزهاقًا للباطل -والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون- فقد حرر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى العقل الإسلام من قيوده الثقيلة، وأطلقه من معتقلاته الموروثة عن الجاهلية، وانتشله من أعمال الهوان الوثني والجمود والتقليد، وأيقظ \"﵀\" أحساسيس ومشاعر المسلمين من سباتهم الثقيل، وكان \"وجوده ﵀\" لا يقدر بثمن على جميع المسلمين في العالم حيث بعثت هذه الدعوة المباركة في كثير من المسلمين روح التحرر من لوثات الوثنية وضرورة إقامة المعركة بين الإيمان والشيطان، وألهمت هذه الدعوة عددًا لا يستهان به في أنحاء المعمورة من المفكرين المسلمين مواقف إيجابية كان لها أطيب الأثر في إيقاظ\n_________\n١ الحلقة المفقودة في تاريخ العرب، تحت عنوان \"آل سعود في حكم آل عثمان\".","vol":"1","page":87},{"text":"الهمم، حتى انبعثت صيحات الحق من هنا وهناك تهتف: شعارنا الوحيد إلى الإسلام من جديد، وهكذا كانت أفكار الشيخ رحمه الله تعالى، والتي تأسست على التقوى من أول يوم قائمة على التوحيد والدين الخالص، وهذا أقوى عوامل المقاومة الجهادية التي أرغمت النفوذ المنحرف والدعوات الهدامة والتقليد الأعمى.\nوهذه رسالة موجهة إلى أهل القصيم١ يشرح فيها عقيدته السلفية المباركة قال ﵀:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nأشهد الله ومن حضرني من الملائكة وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقده أهل السنة والجماعة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث والموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى)، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ولا أصرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف، ولا أمثل صفاته بصفات خلقه لأنه تعالى لا سمي له ولا كيف، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه فإنه ﷾ أعلم بنفسه وبغيره وأصدق من أهل التحريف والتعطيل فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الصافات)، فالفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى بين\n_________\n١ تاريخ نجد المسمى روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعدد غزوات ذوي الإسلام، ط ٣-شركة الصفحات الذهبية –الرياض ١٤٠٣هـ- تحقيق ناصر الدين الأمد، ص١٧٠-١٧٨.","vol":"1","page":88},{"text":"القدرية والجبرية، وهم وسط في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية؛ وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وهم وسط في باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج. وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود: وأنه تكلم به حقيقة وأنزله على صفيه ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عبده نبينا محمد ﷺ؛ وأومن بأن الله فعال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره ولا تحيد لأحد عن القدر المحدود ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور، واعتقد لكل ما أخبر به ﷺ ما يكون بعد الموت، وأؤمن بفتنة القبر ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا تدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين وتوزن بها أعمال العباد ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ (المؤمنون)، وتنشر الدواوين فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله، وأؤمن بحوض نبينا محمد ﷺ وأنه أول شافع وأول مشفع، ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضا كما قال الله تعالى:\n﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (الانبياء)، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه﴾ (البقرة) .\nوهو لا يرضى إلا التوحيد ولا يأذن إلا لأهله. وأما المشركون فليس لهم في الشفاعة نصيب، كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (المدثر) .\nوأؤمن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا يفنيان؛ وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، وأؤمن بأن نبينا محمدًا ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد","vol":"1","page":89},{"text":"حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته وأفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضي، ثم بقية العشرة المشهود لهم بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة رضوان الله عليهم. وأتولى أصحاب رسول الله ﷺ وأذكر محاسنهم وأستغفر لهم وأكف عن مساويهم وأسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم عملا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحشر) .\nوأن أترض عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء وأقر بكرامات الأولياء إلا أنهم لا يستحقون من حق الله شيئًا، ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهد له الرسول ﷺ، ولكني أرجو للمحسن وأخاف على المسيء، ولا أكفر أحدًا من المسلمين بذنبه، ولا أخرجه من دائرة الإسلام، وأرى الجهاد مع كل إمام برًا كان أو فاجرًا وصلاة الجماعة خلفهم جائزة، والجهاد ماض منذ بعث محمدًا ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة وجبت طاعته؛ وحرم الخروج عليه، وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتولوا، وأحكم عليهم بالظاهر وأكل أسرارهم إلى الله، وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة، وأعتقد أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان ويزيد بالطاعة وينقص بالعصيان هو بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن طريق، وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الظاهرة، فهذه عقيدة وجيزة حررتها لتطلعوا على ما عندي والله على ما أقول شهيد.","vol":"1","page":90},{"text":"وسئل ﵀ عن معنى \"لا إله إلا الله\"، فأجاب يقول:\n(اعلم رحمك الله أن هذه الكلمة هي الفارقة بين الكفر والإسلام، وهي كلمة التقوى، وهي العروة الوثقى، وهي التي جعلها إبراهيم باقية في عقبه لعلهم يرجعون، وليس المراد بقولها باللسان مع الجهل بمعناها، فإن المنافقين يقولونها وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار، مع كونهم يصلون ويتصدقون، ولكن المراد بقولها مع معرفتها بالقلب ومحبتها ومحبة أهلها، وبغض ما خالفها ومعاداته، كما قال النبي ﷺ: \"من قال لا إله إلا الله مخلصًا ... \" وفي رواية: \"صادقًا من قلبه\" وفي حديث آخر: \"من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله\" ... إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على جهالة أكثر الناس بهذه الشهادة. فاعلم أن هذه الكلمة نفي وإثبات، نفي الألوهية عما سوى الله تعالى من المخلوقات حتى محمد ﷺ حتى جبريل، فضلًا عن غيرهما من الأولياء الصالحين، إذا فهمت ذلك فتأمل هذه الألوهية التي أثبتها الله ونفيتها عن محمد ﷺ وجبريل وغيرهما أن يكون لهم منها مثقال حبة خردل، فاعلم أن هذه الألوهية هي التي يسميها العامة في زماننا السر والولاية، والإله معناه الولي الذي فيه السر وهو الذي يسمونه الفقراء الشيخ، ويسميه العامة السيد، وأشباه هذا، وذلك أنهم يظنون أن الله جعل لخواص الخلق منزلة يرضى أن الإنسان يلتجئ إليهم ويرجوهم ويستغيث بهم، ويجعلهم واسطة بينه وبين الله، فالذي يزعمه أهل الشرك في زماننا أنهم وسائطهم الذين يسمونهم الأولون الإله، والواسطة هو الإله، فقول الرجل: لا إله إلا الله، إبطال للوسائط، وإذا أردت أن تعرف هذا معرفة تامة فذلك بأمرين:\nالأول: أن تعرف أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ وقتلهم وغنم أموالهم","vol":"1","page":91},{"text":"واستحل نساءهم، كانوا يقرون لله سبحانه بتوحيد الربوبية، وهو أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت ولا يدبر الأمر إلا الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ وهذه مسأله عظيمة مهمة، وهي أن تعرف أن الكفار شاهدون بهذا كله ومقرون به، ومع هذا لم يدخلهم ذلك في الإسلام، ولم يحرم دماءهم وأموالهم، وكانوا يتصدقون ويحجون ويعتمرون، ويتعبدون ويتركون أشياء من المحرمات.\nولكن الأمر الثاني: هو الذي كفرهم وأحل دماءهم وأموالهم، وهو أنهم لم يشهدوا لله بتوحيد الألوهية، وهو أنه لا يدعى ولا يرجى إلا الله وحده لا شريك له، ولا يستغاث بغيره، ولا يذبح لغيره، ولا ينذر لغيره، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فمن استعان بغيره فقد كفر، ومن نذر لغيره فقد كفر، وأشباه ذلك، وتمام هذا أن تعرف أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يدعون الصالحين مثل الملائكة وعيسى وعزير وغيرهم من الأولياء، وكفروا بهذا مع إقرارهم بأن الله هو الخالق الرازق المدبر.\nإذا عرفت هذا عرفت معنى لا إله إلا الله، وعرفت أن من ناجى نبيًا أو ملكًا أو ندبه أو استغاث به فقد خرج من الإسلام، وهذا هو الكفر الذي قاتلهم عليه رسول الله ﷺ، فإن قال قائل من المشركين نحن نعرف أن الله هو الخالق الرازق المدبر لكن هؤلاء الصالحين مقربون ونحن ندعوهم وننذر لهم، وندخل عليهم ونستغيث بهم بتلك الوجاهة والشفاعة، وإلا فنحن نفهم أن الله هو المدبر، فكل كلامك هذا مذهب أبي جهل وأمثاله، فإنهم يدعون عيسى وعزيرًا والملائكة والأولياء يريدون ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ","vol":"1","page":92},{"text":"زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣)، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (يونس:١٨) . فإذا تأملت هذا تأملًا جيدًا عرفت أن الكفار يشهدون بتوحيد الربوبية، وهو التفرد بالخلق والرزق والتدبير، فهم يناجون عيسى والملائكة والأولياء، يقصدون أنهم يقربونهم إلى الله.\nويشفعون لهم عند الله، وعرفت أن الكفار خصوصًا النصارى من يعبد الله الليل والنهار، ويزهد في الدنيا ويتصدق بما دخل عليه منها معتزلًا في صومعة عن الناس، ومع هذا هو كافر عدو الله مخلد في النار بسبب اعتقاده في عيسى أو غيره من الأولياء، يدعوه ويذبح له وينذر له، فقد تبين لك صفة الإسلام الذي دعا إليه نبيك ﷺ: \"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ\"، فالله الله يا إخواني، تمسكوا بأصل دينكم وأوله وآخره، ورأسه وشهادة أن لا إله إلا الله واعرفوا معناها وأحبوها وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم ولو كانوا بعيدين، واكفروا بالطواغيت، وعادوهم وأبغضوهم وأبغضوا من أحبهم وجادل عنهم ومن لم يكفرهم، وقال ما على منهم أو قال ما كلفني بهم فقد كذب على الله وافترى، فقد كلفه الله بهم وفرض عليه الكفر بهم والبراءة منهم ولو كانوا إخوانهم وأولادهم، فالله الله، تمسكوا بذلك لعلكم تلقون ربكم ولا تشركون به شيئًا، اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين.. ولنختتم كلامنا بآية ذكرها الله في كتابه تبين أن كفر المشركين من أهل زماننا أعظم كفرًا من الذين قاتلهم الرسول ﷺ، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُورًا﴾ (الإسراء) .\nفقد سمعتم أن الله سبحانه ذكر عن الكفار أنهم إذا مسهم الضر تركوا السادة","vol":"1","page":93},{"text":"والمشائخ فلم يدعوا أحدًا منهم، ولم يستغيثوا به بل أخلصوا لله وحده لا شريك له، واستعانوا به وحده، فإذا جاء الرخاء أشركوا، وأنت ترى المشركين من أهل زماننا، ولعل بعضهم يدعي أنه من أهل العلم وفيه زهد واجتهاد وعبادة إذا مسه الشر قام يستغيث بغير الله، مثل معروف أو عبد القادر الجيلاني، وأجل من هؤلاء زيد بن الخطاب والزبير، وأجل من هؤلاء مثل رسول الله ﷺ، فالله المستعان، وأعظم من ذلك وأطم أنهم يستغيثون بالطواغيت والكفرة والمردة مثل شمسان وإدريس ويوسف وأمثالهم. والله ﷾ أعلم.\nوهذه رسالة أخرى إلى أهل المغرب يقول فيها:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولن يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئًا وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.\nأما بعد فقد قال الله تعالى:\nفقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف:١٠٨) .\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (آل عمران: ٣١) .","vol":"1","page":94},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) .\nوقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣) .\nفأخبر ﷾ أنه أكمل الدين وأتمه على لسان رسوله ﷺ وأمرنا بلزوم ما أنزل إلينا من ربنا، وترك البدع والتفرق والاختلاف فقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف:٣)، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام:١٥٣) .\nوالرسول ﷺ قد أخبر بأن أمته تأخذ ما أخذت الأمم قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع وثبت في الصحيحين وغيرهما أنه ﷺ قال: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه\"، قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: \"فمن؟ \" وأخبر في الحديث الآخر أنه ستفترق أمته على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي\".\nوإذا عرف هذا فمعلوم ما جئتم به من حوادث الأمور التي أعظمت الإشراك بالله والتوجه إلى الموتى وسؤالهم النصر على الأعداء وقضاء الحاجات وتفريج الكربات التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض والسموات وكذلك التقرب إليهم بالزيارة وذبح القربات، والاستغانة بهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد إلى غير ذلك من أنواع العبادات التي لا تصح إلا لله. وصرف شيء من أنواع العبادات لغير الله كصرف جميعها لأنه ﷾ أغنى الأغنياء عن الشرك ولا يقبل","vol":"1","page":95},{"text":"من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه. وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣)، ويشفعوا لهم عنده، وأخبر أنه: ﴿لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر: ٣) . وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (يونس:١٨) .\nوأخيرًا أن من جعل بينه وبين الله وسائط برسم الشفاعة فقد عبدهم وأشرك به وإذا كانت الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ .\nفلا يشفع عنده إلا بإذنه، من ذا الذي يشفع عنده إلا بأذنه، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ (طه:١٠٩)، وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (الجن:١٨) .\nوقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (يونس:١٠٦) .\nفإذا كان رسول الله ﷺ وهو سيد الشفعاء، وصاحب المقام المحمود، وآدم فمن دونه تحت لوائه لا يشفع إلا بإذنه ولا يشفع إبتداء بل يأتي فيخر لله ساجدًا فيحمد إنعامه بمحامد نعمه إيامًا، فيقول له: ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع ثم يحد له حدائد يدخلهم الجنة، فكيف بغيره من الأنبياء والأولياء.\nوهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من المسلمين، قد أجمع عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم ممن سلك سبيلهم ودرج على منهجهم.","vol":"1","page":96},{"text":"وما صدر من سؤال الأنبياء والأولياء من الشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها وإسراجها والصلاة عندها واتخاذها أعيادًا وجعل الصدقة والنذر لها فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بوقوعها ﷺ وحذر أمته منها وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: \"لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد أقوام من أمتي الأوثان\"، وهو ﷺ حمى حماية الدين وحمى جانب التوحيد أعظم حماية ووسم كل طريق موصل إلى الشرك فنهى أن يجصص القبر، ويبنى عليه كما ثبت في صحيح مسلم من طريق جابر، وثبت فيه لفظًا أنه بعث عليًا بن أبي طالب ﵁ وأمره أن لا يدع قبرًا مشرفًا إلا سواه ولا عاليًا إلا طمسه ولذا قال غير واحد من العلماء يجب هدم القباب المبنية على القبور لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ.\nفهذا الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس حتى آل الأمر إلى أن قاتلونا وكفرونا واستحلوا دماءنا وأموالنا حتى نصرنا الله عليهم وظفرنا بهم، وهو الذي ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه بعد ما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع السلف الصالح من الأئمة ممتثلين قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (الأنفال: ٣٩)، فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان دعوناه بالسيف والسنان كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (الحديد:٢٥)، إلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان وحج بيت الله الحرام ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج:٤١) .","vol":"1","page":97},{"text":"فهذا الذي نعتقد وندين لله به، فمن عمل ذلك فهو أخونا المسلم له مالنا وعليه ما علينا.\nونعتقد أيضًا أن أمة محمد ﷺ المتبعين للسنة لا تجتمع على ضلالة وأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهو على ذلك، وصلى الله على محمد.\nويقول عن حقيقة دعوته في رسالة \"لعبد الرحمن بن عبد الله السويدي\"، أحد علماء العراق:\nأخبرك أني ولله الحمد متبع، ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة، لكني بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يعبد الله به، من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق لله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة١.\nويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ﵀: إن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ إنما دعا الناس إلى أن يعبدوا الله لا شريك له، ولا يشركوا به شيئًا، وهذا لا يرتاب فيه مسلم أنه دين الله الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه٢.\n_________\n١ مجموعة مؤلفات الشيخ \"الرسائل الشخصية\" ج٥ ص ٣٦.\n٢ انظر مجموعة رسائل المسائل النجدية ج١ ص ١٣٤٤ مصر، ج٣ ص٣٦٧.","vol":"1","page":98},{"text":"ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن١ [٢٨٢هـ-١٣٦٧] في رسالة أرسلها إلى أهل الحجاز وعسير واليمن يبين ما قام به الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه:\n\"اعلموا أن الذي نعتقده، وندين الله به، وندعو الناس إليه، ونجاهدهم عليهم هو دين الإسلام الذي أوجبه الله تعالى على عباده، وهو حقه عليهم الذي خلقهم لأجله، فإن الله خلقهم ليعبدوه ولا يشركوا به في عبادته أحدًا من المخلوقين، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فضلًا عن غيرهم ... ونأمر بهدم القباب ونهدم ما بني على القبور، ولا يزاد القبر على شبر من التراب وغيره، ونأمر بإقام الصلاة جماعة في المساجد، ونؤدب من تخلف أو تكاسل عن حضورها وترك الحضور في المسجد، ونلزم ببقية شرائع الإسلام كالزكاة والصوم والحج للقادر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وننهى عن الربا والزنا وشرب الخمر، وعن لبس الحرير للرجال، وننهي عن عقوق الوالدين، وعن قطيعة الأرحام. وبالجملة فإنا نأمر بما أمر الله به في كتابه، وأمر به رسوله ﷺ، وننهى عما نهى الله [عنه] ونهى عنه رسوله، ولا نحرم إلا ما حرم الله، ولا نحل إلا ما أحل الله، فهذا الذي ندعوا إليه، ومن كان قصده الحق ومراده الخير والدخول فيه، التزم ما ذكرنا وعمل بما قررنا، فيكون له ما لنا وعليه ما علينا٢.\n_________\n١ ولد في الرياض سنة ١٢٨٢هـ تولى القضاء، ورحل إلى عسير داعيًا إلى الله، توفي ١٣٦٧ هـ، من مشاهير علماء نجد ص ١٤٦.\n٢ انظر الدرر السنية في الأجوبة النجدية. ط (٢) المكتب الهلالي –لبنان- ١٣٨٥هـ ص٢٩٠.","vol":"1","page":99},{"text":"وهذه رسالة موجهة إلى كافة المسلمين، يشرح فيها عقيدته:\nمن محمد بن عبد الوهاب إلى من تصل إليه من المسلمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:\nوبعد، أخبركم أني -ولله الحمد- عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة، لكني بينت للناس إخلاص الدين ونهيتهم عن دعوة الأنبياء والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يعبد الله به من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق الله الذي يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة، وأنا صاحب منصب في قريتي مسموع الكلمة، فأنكر هذا بعض الرؤساء لكونه خلاف عادة نشأوا عليها.\nوأيضًا ألزمت نفسي ومن تحت يدي بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وغير ذلك من فرائض الله. ونهيتهم عن الربا وشرب المسكر وأنواع من المنكرات، فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا وعيبه لكونه مستحسنًا عند العوام، فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما آمر به من التوحيد، وما نهيتهم عنه من الشرك، ولبسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه الناس، وكبرت الفتنة جدًا، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله، فنقول:\nالتوحيد نوعان: توحيد الربوبية، وهو أن الله سبحانه متفرد بالخلق والتدبير عن الملائكة والأنبياء وغيرهم، وهذا حق لا بد منه، لكن لا يدخل الرجل في الإسلام، بل أكثر الناس مقرون به، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ","vol":"1","page":100},{"text":"وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾، وأن الذي يدخل الرجل في الإسلام هو توحيد الألوهية، وهو أن لا يعبد إلا الله لا ملكًا مقربًا ولا نبيا مرسلًا، وذلك أن النبي ﷺ بعث والجاهلية يعبدون أشياء مع الله، فمنهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يدعو عيسى، ومنهم من يدعو الملائكة، فنهاهم عن هذا وأخبرهم أن الله أرسله ليوحد ولا يدعي أحد لا الملائكة ولا الأنبياء، فمن اتبعه ووحد الله فهو الذي شهد أن لا إله إلا الله، ومن عصاه ودعا عيسى أو الملائكة واستنصرهم والتجأ إليهم فهو الذي جحد لا إله إلا الله مع إقراره أنه لا يخلق ولا يرزق إلا هو.\nوهذه جملة لها بسط طويل، ولكن الحاصل أن هذا مجمع عليه بين العلماء، فلما جرى في هذه الأمة ما أخبر به نبيها ﷺ حيث قال: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه\"، وكان من قبلهم كما ذكر الله عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، وصار ناس من الضالين يدعون أناسًا من الصالحين في الشدة والرخاء، مثل عبد القادر الجيلاني وأحمد البدوي، وعدي بن مسافر، وأمثالهم من أهل العبادة والصلاح، صاح عليهم أهل العلم من جميع الطوائف، أعني على الداعين.\nوأما الصالحون الذين يكرهون ذلك فحاشاهم، وبين أهل العلم في أمثال هذا أنه هو الشرك الأكبر وعبادة الأصنام، فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده ولا يدعى معه إله آخر.\nوالذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل الشمس والقمر والصالحين والتماثيل المصورة على صورهم لم يكونوا يعتقدون أنها تنزل المطر أو تنبت النبات، وإنما كانوا","vol":"1","page":101},{"text":"يعبدون الملائكة والصالحين، ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فبعث الله الرسل وأنزل الكتب تنهى عن أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة.\nواعلم أن المشركين في زماننا قد زادوا على الكفار في زمن النبي ﷺ بأنهم يدعون الملائكة والأولياء والصالحين، ويريدون شفاعتهم والتقرب إليهم، وإلا فهم مقرون بأن الأمر لله، فهم لا يدعونهم إلا في الرخاء، فإذا جاءت الشدائد أخلصوا لله. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ الآية.\nواعلم أن التوحيد هو إفراد الله سبحانه بالعبادة، وهو دين الرسل الذين أرسلهم الله به إلى عباده، فأولهم نوح ﵇ أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين ودًا وسواع ويغوث ويعوق ونسرًا. وآخرهم محمد ﷺ وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين، أرسله الله إلى أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرًا، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله تعالى، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة وعيسى ومريم وأناس غيرهم من الصالحين، فبعث الله محمدًا ﷺ يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله تعالى لا يصلح منه شيء لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل، فضلًا عن غيرهما، وإلا فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يخلق ولا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، وأن جميع السموات السبع ومن فيهن، والأراضين السبع ومن فيهن كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره.\nفإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ","vol":"1","page":102},{"text":"يشهدون بهذا فاقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ. قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ وغير ذلك من الآيات الدالات على تحقق أنهم يقرون بهذا كله، وأنه لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ، وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه وهو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد، كما كانوا يدعون الله ﷾ ليلًا ونهارًا خوفًا وطمعًا، ثم منهم من يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين لأجل صلاحهم وقربهم من الله ﷿ ليشفعوا لهم، ويدعوا رجلًا صالحًا مثل اللات، أو نبيا مثل عيسى -وعرفت أن رسول الله ﷺ قاتلهم على ذلك ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾، الآية. وعرفت أن رسول الله ﷺ قاتلهم ليكون الدين كله لله، والدعاء كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادات كلها لله- وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة والأنبياء والأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب لله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم -عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون.\nوهذا التوحيد هو معنى قولك: لا إله إلا الله، فإن الإله عندهم هو الذي يقصد","vol":"1","page":103},{"text":"لأجل هذه الأمور سواء كان ملكًا أو نبيا، أو وليًا أو شجرة، أو قبرًا أو جنيًا، لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر، فإنهم يقرون أن ذلك لله وحده، كما قدمت لك، وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد، فأتاهم النبي ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله. والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها، والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو إفراد الله بالتعلق والكفر بما يعبد من دونه والبراءة منه، فإنه لما قال لهم قولوا: لا إله إلا الله، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ .\nفإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من معنى هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب بشيء من المعاني، والحاذق منهم يظن أن معناها لا يخلق ولا يرزق، ولا يحيي ولا يميت، ولا يدبر الأمر إلا الله، فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله.\nفإذا عرفت ما قلت لك معرفة قلب، وعرفت الشرك بالله الذي قال فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية، وعرفت دين الله الذي بعث به الرسل من أولهم إلى آخرهم، الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه، وعرفت ما أصبح غالب الناس اليوم فيه من الجهل بهذا، أفادك فائدتين: الأولى الفرح بفضل الله ورحمته، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ وأفادك أيضًا الخوف العظيم، فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه وقد يقولها وهو جاهل، فلا يعذر بالجهل، وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله، كما ظن المشركون خصوصًا إن ألهمك الله ما قص","vol":"1","page":104},{"text":"عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم أنهم طلبوا منه قائلين: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَة﴾، فحينئذ يعظم خوفط وحرصك على ما يخلصك من هذا وأمثاله.\nواعلم أن الله سبحانه من حكمته لم يبعث نبيًا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة، وكتب وحجج، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ .\nفإذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه، أهل فصاحة وعلم وحجج، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، فالواجب عليك أن تعلم من دين الله ما يصير لك سلاحًا تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك ﷿: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾، ولكن إن أقبلت على الله وأصغيت إلى حجج الله وبيناته، فلا تخف ولا تحزن: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾، والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء المشركين، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، فجنده هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان. وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح، وقد من الله علينا بكتابه الذي جعله تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين. فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ","vol":"1","page":105},{"text":"تَفْسِيرًا﴾، قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة.\nوالحاصل أن كل ما ذكر عنا من الأسباب غير دعوة الناس إلى التوحيد والنهي عن الشرك فكله من البهتان، وما أعجب ما جرى من الرؤساء المخالفين، فإني لم بينت لهم كلام الله وما ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّه﴾، وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وما ذكر الله من إقرار الكفار في قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ الآية، وغير ذلك قالوا: لا يجوز العمل لنا ولا لمثلنا بكلام الله ولا بكلام الرسول ولا بكلام المتكلمين، ولا نطيع إلا ما ذكره المتأخرون.\nولما قلت لهم: أنا أخاصم الحنفي بكلام المتأخرين من الحنفية، والمالكي والشافعي والحنبلي كل أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم الذين يعتمدون عليهم، فلما أبو ذلك نقلت كلام العلماء من كل مذهب لأهله. وذكر كل ما قالوا بعدم تصريح الدعوة عند القبور والنذر لها، فعرفوا ذلك وتحققوه، فلم يزدهم إلا نفورًا.\nأما التكفير: فإني أكفر من عرف دين الرسول ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله، فهذا هو الذي أكفره، وأكثر الأئمة ولله الحمد ليسوا كذلك، وأما القتال فلم نقاتل أحدًا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة، وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنًا، ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة وجزاء سيئة سيئة مثلها، وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعد ما عرفه.","vol":"1","page":106},{"text":"فإن تبين لكم أن هذا هو الحق الذي لا ريب فيه، وأن الواجب إشاعته في الناس وتعليمه النساء والرجال، فرحم الله من أدى الواجب عليه، وتاب إلى الله، وأقر على نفسه، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ونسأل الله أن يهدينا وإياكم لما يحب ويرضى، والله اعلم١.\n_________\n١ مجموعة الرسائل والمسائل النجدية لبعض علماء نجد، ط٥، مكتبة الإمام الشافعي –الرياض ١٤٠٨هـ ص٢-٨.","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الباب الخامس: نماذج من منهجه في الدعوة إلى العقيدة السلفية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>الفصل الأول: الأنموذج الأول حق الله على العباد وحق العباد على الله</span>\n...\nنماذج من منهجه في الدعوة إلى العقيدة السلفية\nالأنموذج الأول باب (حق الله على العباد وحق العباد على الله)\nوقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذريات:٥٦)، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الآية (النحل: ٣٦)، وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية (الإسراء: ٢٣)، وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الآية (النساء: ٣٦) . وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الآيات (الأنعام: ١٥١-١٥٣) .\nقال ابن مسعود ﵁: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ التي عليها خاتمه، فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيما ...﴾ الآية (الأنعام: ١٥١-١٥٣) .\nوعن معاذ بن جبل ﵁ قال: كنت رديف النبي ﷺ على حمار فقال لي: \"يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ \" فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا\"، فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ قال: \"لا تبشرهم فيتكلوا\" أخرجاه في \"الصحيحين\".\nفيه مسائل:\nالأولى: الحكمة في خلق الجن والإنس.","vol":"1","page":110},{"text":"الثانية: أن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه.\nالثالثة: أن من لم يأت به لم يعبد الله، ففيه معنى قوله: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ (الكافرون:٣ و٥) .\nالرابعة: الحكمة في إرسال الرسل.\nالخامسة: أن الرسالة عمَّت كل أمة.\nالسادسة: أن دين الأنبياء واحد.\nالسابعة: المسألة الكبيرة أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت؛ ففيه معنى قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ٠٠٠﴾ الآية (البقرة ٢٥٦) .\nالثامنة: أن الطاغوت عام في كل ما عُبِد من دون الله.\nالتاسعة: عظم شأن ثلاث الآيات المحكمات في [الأنعام ١٥١-١٥٣] عند السلف. وفيها عشر مسائل، أولها النهي عن الشرك.\nالعاشرة: الآيات المحكمات في سورة الإسراء، وفيها ثماني عشرة مسألة، بدأها الله بقوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ (الإسراء:٢٢) . وختمها بقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ (الإسراء: ٣٩)، ونبهنا الله سبحانه على عظم شأن هذه المسائل بقوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ (الإسراء: ٣٩) .\nالحادية عشرة: آية سورة النساء التي تسمى آية الحقوق العشرة، بدأها الله تعالى بقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (النساء: ٣٦) .","vol":"1","page":111},{"text":"الثانية عشرة: التنبيه على وصية رسول الله ﷺ عند موته.\nالثالثة عشرة: معرفة حق الله تعالى علينا.\nالرابعة عشرة: معرفة حق العباد عليه إذا أدوا حقه.\nالخامسة عشرة: أن هذه المسألة لا يعرفها أكثر الصحابة.\nالسادسة عشرة: جواز كتمان العلم للمصلحة.\nالسابعة عشرة: استحباب بشارة المسلم بما يسره.\nالثامنة عشرة: الخوف من الاتكال على سعة رحمة الله.\nالتاسعة عشرة: قول المسؤول عما لا يعلم: الله ورسوله أعلم.\nالعشرون: جواز تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض.\nالحادية والعشرون: تواضعه ﷺ لركوب الحمار مع الإرداف عليه.\nالثانية والعشرون: جواز الإرداف على الدابة.\nالثالثة والعشرون: فضيلة معاذ بن جبل.\nالرابعة والعشرون: عظم شأن هذه المسألة.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الفصل الثاني: الأنموذج الثاني فصل التوحيد ومايكفر الذنوب</span>\n...\nالأنموذج الثاني باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب\nوقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ الآية (الأنعام: ٨٢) .\nعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل\". أخرجاه.\nولهما في حديث عتبان: \"فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله\".\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: \"قال موسى: يا رب، علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى، لو أن السموات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله الله في كفة، مالت بهن لا إله الله\"، رواه ابن حبان، والحاكم وصححه.\nوللترمذي وحسنه عن أنس ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"قال الله تعالى: يا ابن آدم؛ لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة\".","vol":"1","page":113},{"text":"فيه مسائل:\nالأولى: سعة فضل الله.\nالثانية: كثرة ثواب التوحيد عند الله.\nالثالثة: تكفيره مع ذلك للذنوب.\nالرابعة: تفسير الآية \"٨٢\" التي في سورة الأنعام.\nالخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة.\nالسادسة: أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان وما بعده تبين لك معنى قول: \"لا إله إلا الله\" وتبين لك خطأ المغرورين.\nالسابعة: التنبيه للشرط الذي في حديث عتبان.\nالثامنة: كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله.\nالتاسعة: التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، مع أن كثيرًا ممن يقولها يخف ميزانه.\nالعاشرة: النص على أن الأرضين سبع كالسموات.\nالحادية عشرة: أن لهم أعمارًا.\nالثانية عشرة: إثبات الصفات، خلافًا للأشعرية.\nالثالثة عشرة: أنك إذا عرفت حديث أنس، عرفت أن قوله في حديث عتبان: \"فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله\" أنه ترك الشرك، ليس قولها باللسان.","vol":"1","page":114},{"text":"الرابعة عشرة: تأمل الجمع بين كون عيسى ومحمد عبدي الله ورسوليه.\nالخامسة عشرة: معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله.\nالسادسة عشرة: معرفة كونه روحًا منه.\nالسابعة عشرة: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار.\nالثامنة عشرة: معرفة قوله: \"على ما كان من العمل\".\nالتاسعة عشرة: معرفة أن الميزان له كفتان.\nالعشرون: معرفة ذكر الوجه.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الفصل الثالث: الأنموذج الثالث من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب</span>\n...\nالأنموذج الثالث باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب\nوقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل:١٢٠)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ (المؤمنون:٥٩) .\nعن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لُدِغت، قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي، قال وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة. قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع. ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: \"عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب\". ثم نهض فدخل منزله. فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ. وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئًا، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه. فقال: \"ما الذي تخوضون فيه؟ \" فأخبروه، فقال: \"هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون\" فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: \"أنت منهم\"، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: \"سبقك بها عكاشة\".","vol":"1","page":116},{"text":"فيه مسائل:\nالأولى: معرفة مراتب الناس في التوحيد.\nالثانية: ما معنى تحقيقه.\nالثالثة: ثناؤه سبحانه على إبراهيم بكونه لم يك من المشركين.\nالرابعة: ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك.\nالخامسة: كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد.\nالسادسة: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل.\nالسابعة: عمق علم الصحابة لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل.\nالثامنة: حرصهم على الخير.\nالتاسعة: فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية.\nالعاشرة: فضيلة أصحاب موسى.\nالحادية عشرة: عرض الأمم عليه، ﵊.\nالثانية عشرة: أن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها.\nالثالثة عشرة: قلة من استجاب للأنبياء.\nالرابعة عشرة: أن من لم يجبه أحد يأتي وحده.\nالخامسة عشرة: ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة، وعدم الزهد في القلة.","vol":"1","page":117},{"text":"السادسة عشرة: الرخصة في الرقية من العين والحمة.\nالسابعة عشرة: عمق علم السلف لقوله: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا. فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني.\nالثامنة عشرة: بعد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه.\nالتاسعة عشرة: قوله: \"أنت منهم\" علم من أعلام النبوة.\nالعشرون: فضيلة عكاشة ... .\nالحادية والعشرون: استعمال المعاريض.\nالثانية والعشرون: حسن خلقه ﷺ.","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الفصل الرابع: الأنموذج الرابع الخوف من الشرك</span>\n...\nالأنموذج الرابع باب الخوف من الشرك\nوقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ (النساء: ٤٨ و١١٦) . وقال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ (إبراهيم: ٣٥) .\nوفي الحديث: \"أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر\"، فسئل عنه؟ فقال: \"الرياء\".\nوعن ابن مسعود ﵁ أن الرسول ﷺ قال: \"من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار\"، رواه البخاري.\nولمسلم عن جابر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار\".\nفيه مسائل:\nالأولى: الخوف من الشرك.\nالثانية: أن الرياء من الشرك.\nالثالثة: أنه من الشرك الأصغر.\nالرابعة: أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين.\nالخامسة: قرب الجنة والنار.","vol":"1","page":119},{"text":"السادسة: الجمع بين قربهما في حديث واحد.\nالسابعة: أنه من لقيه لا يشرك به شيئًا دخل الجنة. ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار ولو كان من أعبد الناس.\nالثامنة: المسألة العظيمة: سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عبادة الأصنام.\nالتاسعة: اعتباره بحال الأكثر، لقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ (ابراهيم: ٣٦) .\nالعاشرة: فيه تفسير \"لا إله إلا الله\" كما ذكره البخاري.\nالحادية عشرة: فضيلة من سلم من الشرك.","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>الفصل الخامس: الأنموذج الخامس الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله</span>\n...\nالأنموذج الخامس باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله الله\nوقوله الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف:١٠٨) .\nعن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ، لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: \"إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله -وفي رواية: إلى أن يوحدوا الله- فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك: فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب\" أخرجاه.\nو\"لهما\" عن سهل بن سعد ﵁، أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: \"لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه\". فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها. فلما أصبحوا غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها. فقال: \"أين علي بن أبي طالب؟ \" فقيل: هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه، فأتي به فبصق في عينيه، ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية فقال: \"انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا، خير لك من حمر النعم\".","vol":"1","page":121},{"text":"يدوكون: أي يخوضون.\nفيه مسائل:\nالأولى: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبعه ﷺ.\nالثانية: التنبيه على الإخلاص، لأن كثيرًا لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه.\nالثالثة: أن البصيرة من الفرائض.\nالرابعة: من دلائل حسن التوحيد: كونه تنزيهًا لله تعالى عن المسبة.\nالخامسة: أن من قبح الشرك كونه مسبة لله.\nالسادسة: وهي من أهمها – إبعاد المسلم عن المشركين لئلا يصير منهم ولو لم يشرك.\nالسابعة: كون التوحيد أول واجب.\nالثامنة: أن يبدأ به قبل كل شيء، حتى الصلاة.\nالتاسعة: أن معنى: \"أن يوحدوا الله\"، معنى شهادة: أن لا إله إلا الله.\nالعاشرة: أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب، وهو لا يعرفها، أو يعرفها ولا يعمل بها.\nالحادية عشرة: التنبيه على التعليم بالتدريج.\nالثانية عشرة: البداءة بالأهم فالأهم.\nالثالثة عشرة: مصرف الزكاة.","vol":"1","page":122},{"text":"الرابعة عشرة: كشف العالم الشبهة عن المتعلم.\nالخامسة عشرة: النهي عن كرائم الأموال.\nالسادسة عشرة: اتقاء دعوة المظلوم.\nالسابعة عشرة: الإخبار بأنها لا تحجب.\nالثامنة عشرة: من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء.\nالتاسعة عشرة: قوله: \"لأعطين الراية\" إلخ. علم من أعلام النبوة.\nالعشرون: تفله في عينيه علم من أعلامها أيضًا.\nالحادية والعشرون: فضيلة علي ﵁.\nالثانية والعشرون: فضل الصحابة في دوكهم وشغلهم تلك الليلة عن بشارة الفتح.\nالثالثة والعشرون: الإيمان بالقدر، لحصولها لمن لم يسع لها ومنعها عمن سعى.\nالرابعة والعشرون: الأدب في قوله: \"على رسلك\".\nالخامسة والعشرون: الدعوة إلى الإسلام قبل القتال.\nالسادسة والعشرون: أنه مشروع لمن دعوا قبل ذلك وقوتلوا.\nالسابعة والعشرون: الدعوة بالحكمة، لقوله: \"أخبرهم بما يجب عليهم\".\nالثامنة والعشرون: المعرفة بحق الله تعالى في الإسلام.\nالتاسعة والعشرون: ثواب من اهتدى على يده رجل واحد.\nالثلاثون: الحلف على الفتيا.","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الفصل السادس: الأنموذج السادس تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله</span>\n...\nالأنموذج السادس باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله\nوقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَب﴾ الآية (الإسراء: ٥٧) .\nوقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآية (الزخرف: ٢٦-٢٧) .\nوقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه﴾ الآية (التوبة: ٣١) .\nوقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ الآية (البقرة: ١٦٥)، وفي \"الصحيح\" عن النبي ﷺ قال: \"من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله ﷿\"، وشرح هذا الترجمة: ما بعدها من الأبواب.\nفيه أكبر المسائل وأهمها: وهي تفسير التوحيد، وتفسير الشهادة، وبيَّنَها بأمور واضحة.\nمنها: آية الإسراء، بيَّن فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين، ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر.\nومنها: آية براءة، بيَّن فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، وبين أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلهًا واحدًا، مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعائهم إياهم.","vol":"1","page":124},{"text":"ومنها قول الخليل ﵇ للكفار: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ (الزخرف: ٢٦-٢٧) . فاستثنى من المعبودين ربه، وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة: هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله. فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الزخرف:٢٨) .\nومنها: آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (البقرة: ١٦٧)، ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حبًا عظيمًا، ولم يدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحب الند حبًا أكثر من حب الله؟! فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده، ولم يحب الله؟!.\nومنها قوله ﷺ: \"من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله\"، وهذا من أعظم ما يبيِّن معنى \"لا إله إلا الله\"، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصمًا للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه. فيالها من مسألة ما أعظمها وأجلها، وياله من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع.","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>الباب السادس: فيما قاله أحفاد الإمام محمد بن عبد الوهاب في إعتماده على الكتاب والسنة</span>\n...\nفيما قاله أحفاد الإمام محمد بن عبد الوهاب\nفي اعتماده على الكتاب والسنة\nويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵏:\nإن شيخنا ﵀ (يقصد الإمام محمد بن عبد الوهاب) كان يدعو الناس إلى الصلوات الخمس، والمحافظة عليها، حيث ينادى لها، وهذا من سنن الهدى ومعالم الدين، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، ويأمر بالزكاة والصيام والحج، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويتركه، ويأمر الناس بتركه والنهي عنه، وقد تتبع العلماء مصنفاته ﵀ من أهل زمانه وغيرهم فأعجزهم أن يجدوا فيها ما يغلب.\nوأقواله في أصول الدين مما أجمع عليه أهل السنة والجماعة، وأما في الفروع والأحكام فهو حنبلي المذهب، لا يوجد له قول مخالف لما ذهب إليه الأئمة الأربعة١.\nوقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب: إن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ إنما دعا الناس إلى أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، ولا يشركوا به شيئًا، وهذا لا يرتاب فيه مسلم أنه دين الله الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه٢.\n_________\n١ مجموعة الرسائل النجدية ط (١) ٣/٣٦٧. مطبعة المنار مصر –١٣٤٤هـ.\n٢ مجموعة الرسائل النجدية ط (١) ٣/٣٦٧. مطبعة المنار مصر –١٣٤٤هـ.","vol":"1","page":128},{"text":"وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن:\nاعلموا أن الذي نعتقده، وندين الله به، وندعو الناس إليه ونجاهدهم عليه هو دين الإسلام الذي أوجبه الله على عباده، وهو حقه عليهم الذي خلقهم لأجله، فإن الله خلقهم ليعبدوه ولا يشركوا به في عبادته أحدًا من المخلوقين، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فضلًا عن غيرهما، ونأمر بهدم القباب، ونهدم ما بني على القبور، ولا يزاد القبر على شبر من التراب وغيره، ونأمر بإقام الصلاة جماعة في المساجد، ونؤدب من تخلف أو تكاسل عن حضورها، وترك الحضور في المسجد، ونلزم ببقية شرائع الإسلام كالزكاة والصوم والحج للقادر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وننهى عن الربا والزنا وشرب الخمر والتتنى، وعن لبس الحرير للرجال، وننهى عن عقوق الوالدين وعن قطيعة الأرحام.\nوبالجملة، فإننا نأمر بما أمر الله به في كتابه، وأمر به رسوله ﷺ، وننهى عما نهى الله عنه ونهى رسوله ﷺ، ولا نحرم إلا ما حرم الله، ولا نحل إلا ما أحل الله، فهذا الذي ندعو إليه، ومن كان قصده الحق ومراده الخير والدخول فيه، التزم ما ذكرنا وعمل بما قررنا، فيكون له ما لنا وعليه ما علينا١.\nولا شك أن صدق الإمام ومن معه رحمهم الله تعالى، وعمق إيمانهم وصلابتهم، كلها عوامل أساسية في النتائج التي حققتها دعوة الإسلام على يد أبنائها في القرن الثاني عشر الهجري، فرحمة الله عليهم أجمعين.\n_________\n١ الدرر السنية في الأجوبة النجدية عبد الرحمن بن قاسم ط (٢) ج١ ص٢٩٠-٢٩١. ١٣٨٥هـ-بيروت.","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>الباب السابع: مؤلفات الإمام ﵀</span>\n...\nمن مؤلفات الإمام \"﵀\"\nلقد علمنا أن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ كان مجاهدًا بلسانه وسنانه، يقضي وقته في الدعوة إلى الإسلام بالتدريس والإفتاء، والرد على شبهات المشبهين، وجل رسائله وكتبه وأقواله في بيان توحيد العبادة، وتفنيد ما وقع فيه أكثر الناس من خرافات ووثنيات وبدع، ما أنزل الله بها من سلطان، وكان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، وكان يجهز الجيوش، ويبعث السرايا، ويكاتب أهل البلدان في عالمنا الإسلامي، ويكاتبونه، كان كما قال الشيخ حسين بن غنام:\nوجرت به نجد ذيول افتخارها ... وحق لها بالألمعي ترفع\nوله ﵀ مؤلفات، منها:\n١-كتاب التوحيد\nويحتوي على (٦٦) بابًا، وهو مختصر على الأبواب التالية:\nباب (١) فضل التوحيد، وما يكفر من الذنوب\nباب (٢) من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب\nباب (٣) الخوف من الشرك.\nباب (٤) الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله.\nباب (٥) تفسير التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله.","vol":"1","page":133},{"text":"باب (٦) من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه.\nباب (٧) ما جاء في الرقي والتمائم.\nباب (٨) من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما.\nباب (٩) ما جاء في الذبح لغير الله.\nباب (١٠) لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله.\nباب (١١) من الشرك النذر لغير الله.\nباب (١٢) من الشرك الاستعاذة بغير الله.\nباب (١٣) من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره.\nباب (١٤) قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾؟.\nباب (١٥) قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ .\nباب (١٦) الشفاعة.\nباب (١٧) قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ .\nباب (١٨) ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين.\nباب (١٩) ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟","vol":"1","page":134},{"text":"باب (٢٠) ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله.\nباب (٢١) ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جانب التوحيد، وسده كل طريق يوصل إلى الشرك.\nباب (٢٢) ما جاء أن بعض هذه الأمة تعبد الأوثان.\nباب (٢٣) ما جاء في السحر.\nباب (٢٤) بيان شيء من أنواع السحر.\nباب (٢٥) ما جاء في الكهان ونحوهم.\nباب (٢٦) ما جاء في النشرة.\nباب (٢٧) ما جاء في التطير.\nباب (٢٨) ما جاء في التنجيم.\nيقول عبد المجيد الخطيب -وهو عالم من علماء الحجاز، شرح الله صدره لهذا التوحيد فساق أبياتًا للثناء على الكتاب– فقال ﵀:\nولقد أطال البحث في هذا وعدد ... مما له من وافر الثمرات\nوأجاد حتى لم يدع لسواه أي ... زيادة في القول والحاجات","vol":"1","page":135},{"text":"من قد دعا لله أعظم دعوة ... والناس في جهد وفي غفلات\nفأتي وبين ما يضر وما يفيد ... وما جرى الناس من هلكات\nودعا لإخلاص العبادة للمهيمن ... عالم الحركات والسكنات\nبكتابه \"التوحيد\" في حق الإله ... على العبيد وأفضل الطاعات\nأعني به فخر الأئمة ناشر الدين ... الصحيح مقوض البدعات\nمن أيقظ الأفكار في نجد ... حفزهم لدعوة ساير النسمات\n٢- كشف الشبهات:\nوهي رسالة طويلة وجهها الإمام إلى الناس كافة لمعرفة التوحيد.\nقال ﵀:\n\"اعلم رحمك الله أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وهو دين الرسل الذين أرسلهم إلى عباده. فأولهم نوح ﵇، أرسله الله إلى قومه لما غلوا في","vol":"1","page":136},{"text":"الصالحين ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر وآخر الرسل: محمد ﷺ، وهو الذي كسر صور الصالحين، أرسله الله إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون وذكرون الله، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، ويقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل: الملائكة، وعيسى وأمه مريم، وأناس غيرهم من الصالحين، فبعث الله محمدًا ﷺ يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد هو محض حق الله، لا يصلح منه شيء لغيره. وعدد صفحات الكتاب ٣٩ صفحة.\nقال محمد الطيب الأنصاري:\nهذا وكشف الشبهات ألفه ... إمام وقته صحيح المعرفة\nمحمد بن عابد الوهاب ... مجدد الدين بلا ارتياع١\nوقال ضياء الدين رجب:\nما ابن عبد الوهاب إلا إمام ... حمل اليوم راية التجديد\nقد أنار القلوب من شبهات ... كان في كشفها انتصار البنود٢\n_________\n١ البراهين الموضحات –محمد طيب الأنصاري.\n٢ نفس المصدر السابق.","vol":"1","page":138},{"text":"٣- رسائل الثلاث الأصول وأدلتها\nويشير ﵀ فيه إلى:\nأولًا: العلم\nأ- معرفة الله.\nب- معرفة نبيه\nج- معرفة دين الإسلام بالأدلة\nالثانية: العمل به\nالثالثة: الدعوة إليه\nالرابعة: الصبر على الأذى فيه\n٤- القواعد الأربع:\nويشير الإمام ﵀ بالقواعد الأربع تلك التي ذكرها الله في كتابه وهي:\nالقاعدة الأولى:\nأن تعلم أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مقرون بأن الله تعالى هو الخالق الدبر، وأن ذلك لم يدخلهم في الإسلام.\nالقاعدة الثانية:\nأنهم يقولون: ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة والشفاعة.","vol":"1","page":139},{"text":"القاعدة الثالثة:\nإن النبي ﷺ ظهر على أناس متفرقين في عبادتهم، منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد الشمس والقمر، وقاتلهم رسول الله ﷺ ولم يفرق بينهم.\nوالدليل قوله تعالى:\n﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (سورة الأنفال: ٣٩) .\nالقاعدة الرابعة:\nأن مشركي زماننا أغلظ شركًا من الأولين، لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركو زماننا شركهم دائمًا في الرخاء والشدة، والدليل قال تعالى:\n﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (العنكبوت:٦٥) .\n٥- فضل الإسلام:\nويشتمل على الأبواب التالية:\nباب \"فضل الإسلام\".\nباب \"وجوب الإسلام\".\nباب \"تفسير الإسلام\".","vol":"1","page":140},{"text":"باب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْه﴾ .\nباب وجوب الاستغناء بمتابعته \"يعني القرآن\".\nباب ما جاء في الخروج عن دعوى الإسلام.\nباب وجوب الدخول في الإسلام كله وترك ما سواه.\nباب ما جاء أن البدعة أشد من الكبائر.\nباب أن الله احتجز التوبة على صاحب البدعة.\nباب قول الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ .\nباب قول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ .\nباب ما جاء في غربة الإسلام، وفضل الغرباء.\nباب التحذير من البدع.\nكتاب أصول الإيمان.\nباب معرفة الله والإيمان به.\nباب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ .\nباب الإيمان بالقدر.\nباب ذكر الملائكة ﵈ والإيمان بهم.\nباب الوصية بكتاب الله ﷿.","vol":"1","page":141},{"text":"باب حقوق النبي ﷺ.\nباب تحريضه ﷺ على لزوم السنة والترغيب في ذلك، وترك البدع والتفرع والاختلاف، والتحذير من ذلك.\nباب التحريض على طلب العلم، وكيفية الطلب.\nباب قبض العلم.\nباب التشديد في طلب العلم للمراء والجدال.\nباب التجوز في القول وترك التكلف والتنطع.\n٦-كتاب الكبائر\nويشتمل على عدة أبواب، منها:\nباب أكبر الكبائر\nباب كبائر القلب\nباب ذكر الكبر\nباب ذكر العجب\nباب ذكر الرياء والسمعة\nباب الفرح\nباب اليأس من روح الله\nباب ذكر سوء الظن بالله","vol":"1","page":143},{"text":"باب ذكر إرادة العلو والفساد\nباب العداوة والبغضاء\nباب الفحش\nباب ذكر مودة أعداء الله\nباب ذكر قسوة القلب\nباب ذكر ضعف القلب\nأبواب كبائر اللسان\nباب التحذير من شر اللسان\nباب ما جاء في كثرة الكلام\nباب التشدق وتكلف الفصاحة\nباب شدة الجدال\nباب من هابه الناس خوفًا من لسانه\nباب البذاء والفحش\nباب ما جاء في الكذب\nباب ما جاء في إخلاف الوعد\n٧- مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان\nوهي رسائل الأمور التي خالف فيها رسول الله ﷺ ما عليه","vol":"1","page":144},{"text":"أهل الجاهلية، الكتابيين والأميين، مما لا يخفى للمسلم معرفتها:\nوهي تشتمل على ما يلي:\nالرسالة الأولى \"مسائل الجاهلية\".\nالرسالة الثانية \"شرح ستة مواضيع السيرة\".\nالرسالة الثالثة \"تفسير كلمة التوحيد\".\nالرسالة الرابعة \"تلقين أصول العقيدة للعامة\".\nالرسالة الخامسة \"ثلاث مسائل\" ما هي مسمياتها؟\nالرسالة السادسة \"معنى الطاغوت، ورؤوس أنواعه\".\nالرسالة السابعة \"الأصل الجامع لعبادة الله وحده\".\nالرسالة الثامنة \"بعض فوائد سورة الفاتحة\".\nالرسالة التاسعة \"نواقص الإسلام\".\nالرسالة العاشرة \"مسائل مستنبطة من قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ .\nالرسالة الحادية عشرة \"ثمان حالات استنبطها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب من قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه﴾ الآية.\nالرسالة الثانية عشرة \"ستة أصول عظيمة\".","vol":"1","page":145},{"text":"الرسالة الثالثة عشرة \"رسالة في توحيد العبادة\".\n٨-كتاب الصلاة (أحكام الصلاة) .\nوتشتمل الرسالة على شروط الصلاة، وهي ما يلي:\nباب شروط الصلاة تسعة:\nالإسلام، والعقل، والتمييز، والطهارة، وستر العورة، واجتناب النجاسة، والعلم بدخول الوقت، واستقبال القبلة، والنية بالقصد.\nباب نواقض الوضوء ثمانية:\nالخارج من السبيلين، والخارج الفاحش من البدن، وزوال العقل بنوم أو غيره، ولمس المرأة بشهوة، ومس الفرجين لآدمي، وغسل الميت، وأكل لحم الجزور، والردة عن الله، أعاذنا الله منها.\nباب شروط الوضوء خمسة:\nماء طهور، وكون الرجل مسلمًا مميزًا، وعدم المانع، ووصول الماء إلى البشرة، ودخول الوقت في دائم الحدث.\nباب فراض الوضوء ستة أشياء:\nغسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح جميع الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، والترتيب، والموالاة.\nباب أركان الصلاة أربعة عشر ركنًا:\nالقيام مع القدرة، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع والرفع منه،","vol":"1","page":146},{"text":"والاعتدال، والسجود والرفع مه، والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة في الجميع، والتشهد الأخير، والجلوس له، والتسليمة الأولى، وترتيب الأركان.\nباب موجبات الصلاة ثمانية:\nالتكبيرات غير تكبيرة الإحرام. الثاني: قول: سمع الله لمن حمده، لإمام ومنفرد. الثالث: قول: ربنا ولك الحمد. الرابع: تسبيح الركوع. الخامس: تسبيح السجود. السادس: قول: رب اغفر لي، بين السجدتين، والواجب مرة. السابع: التشهد الأول، لأنه -﵇- فعله وداوم على فعله وأمر به، وسجد للسهو حين نسيه. الثامن: الجلوس له.\nباب مبطلات الصلاة ثمانية:\nالكلام العمد، والضحك، والأكل، والشرب، وكشف العورة، والانحراف عن جهة القبلة، والعبث الكثير، وحدوث النجاسة.\n٩- كتاب مفيد المستفيد في تارك التوحيد\nويشتمل على الأبواب التالية:\nباب يتغير الزمان حتى تعبد الأوثان.\nباب في وجوب عداوة أعداء الله من الكفار والمرتدين والمنافقين.\n١٠- مختصر سيرة الرسول ﷺ.\nوهو اختصار لسيرة الرسول ﷺ من كتاب السيرة النبوية لأبي محمد عبد الملك بن هشام، وقد ضمنه بعض الاستنباطات المفيدة مع ما أضاف إلى تلك المقدمة","vol":"1","page":147},{"text":"النافعة التي بين ﵀ بها واقع أهل الجاهلية اعتقادًا وسلوكًا، واستعرض التاريخ الإسلامي حتى دخول دولة بني العباس وخلافة المأمون.\n١١- مختصر الهدي النبوي\nوهو مختصر \"زاد المعاد\"، ويقع في ٣٥٠ صفحة.\n١٢- مختصر الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف\nعلى مذهب الإمام \"أحمد بن حنبل\" ومؤلفه الفقيه \"علاء الدين علي بن سليمان المرداوي الحنبلي\" [٨١٧هـ-٨٨٥هـ] وهو شرح لكتاب \"المقنع\" لموفق الدين عبد الله بن قدامة المقدسي [٤٥١هـ-٦٢٠هـ] .\n١٣- مختصر الشرح الكبير:\nومؤلفه شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي [٥٩٧هـ-٦٨٢]، وهو شرح لكتاب \"المقنع\" لموفق الدين عبد الله بن قدامة الحنبلي (ت٦٢٠) ومؤلف الشرح الكبير هو ابن مؤلف المقنع.\n١٤- تفسير سورة الفاتحة\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾\nقال الشيخ رحمه الله تعالى: تضمنت الثلاث آيات ثلاث مسائل: الآية الأولى فيها المحبة، فإن الله منعم، والمنعم يحب على قدر إنعامه.\nوالمحبة تنقسم إلى أربعة أنواع:\nمحبة شركية، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ","vol":"1","page":148},{"text":"أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ. إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ. وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (البقرة: ١٦٥-١٦٧) .\nالمحبة الثانية:\nحب الباطل وأهله، وبغض الحق وأهله، وهذه صفة المنافقين.\nالمحبة الثالثة:\nطبيعية، وهي محبة المال والولد، إذا لك تشغل عن طاعة الله ولا تعين على محارم الله، فهي مباحة.\nوالمحبة الرابعة:\nحب أهل التوحيد، وبغض أهل الشرك، وهي أوثق عرى الإيمان، وأعظم ما يعبد به العبد ربه.\nالآية الثانية: فيها الرجاء.\nوالآية الثالثة: فيها الخوف.\n﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة:٥) .\n﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي أعبدك يا رب بما مضى بهذه الثلاث: بمحبتك، ورجائك، وخوفك، فهذه أركان العبادة الثلاثة، وصرفها لغير الله شرك، وفي هذه","vol":"1","page":149},{"text":"الثلاثة الرد على من تعلق بواحدة منهم، كمن تعلق بالمحبة وحدها، أو تعلق بالرجاء وحده، أو تعلق بالخوف وحده. فمن صرف واحدة منها لغير الله فقد أشرك. وفيها من الفوائد الرد على الطوائف الثلاث التي كل طائفة تتعلق بواحدة منها، كمن عبد الله بالمحبة وحدها. وكذلك من عبد الله بالرجاء وحده كالمرجئة، وكذلك من عبد الله بالخوف وحده، كالخوارج.\n﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيها توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية.\n﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فيها توحيد الألوهية، و﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيها توحيد الربوبية.\n﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة:٦)، فيها الرد على المبتدعين.\nوأما الآيتان الأخيرتان: ففيهما من الفوائد ذكر أحوال الناس، قسمهم الله ثلاثة أصناف: منعم عليهم، ومغضوب عليه، وضالون.\nفـ ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: أهل علم ليس معهم عمل. و﴿الضَّالِّينَ﴾: أهل عبادة ليس معهم علم، وإن كان سبب النزول في اليهود والنصارى، فهي لكل من اتصف بذلك.\nالثالث: من اتصف بالعلم والعمل، وهو المنعم عليهم، وفيها من الفوائد التبري من الحول والقوة، لأنه منعم عليه. وكذلك فيها معرفة الله على التمام، ونفي النقائص عنه ﵎، وفيها معرفة الإنسان ربه، ومعرفة نفسه، فإنه إذا كان رب، فلا بد من مربوب، وإذا كان هنا راحم، فلا بد من مرحوم، وإذا كان هنا","vol":"1","page":151},{"text":"مالك، فلا بد من مملوك، وإذا كان هنا عبد فى بد من معبود، وإذا كان هنا هاد، فلا بد من مهدي، وإذا كان هنا منعم عليه فلا بد من منعم، وإذا كان هنا مغضوب عليه، فلا بد من غاضب.\nفهذه السورة تضمنت الألوهية والربوبية، ونفي النقائص عن الله ﷿، وتضمنت معرفة العبادة وأركانها، والله أعلم.\n١٥- هدية طيبة:\nسئل الشيخ رحمه الله تعالى عن معنى: لا إله إلا الله.\nفأجاب بقوله: اعلم رحمك الله أن هذه الكلمة هي الفارقة بين الكفر والإسلام، وهي كلمة التقوى، وهي العروة الوثقى، وهي التي جعلها إبراهيم ﵇ كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون، وليس المراد بقولها باللسان مع الجهل بمعناها، فإن المنافقين يقولونها وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار، مع كونهم يصلون ويتصدقون، ولكن المراد بقولها مع معرفتها بالقلب، ومحبتها ومحبة أهلها، وبغض من خالفها، ومعاداته، كما قال النبي ﷺ: \"من قال: لا إله إلا الله مخلصًا\"، وفي رواية: \"خالصًا من قلبه\"، وفي رواية: \"صادقًا من قلبه\".\n١٦- الاستنباط\n١٧- مختصر منهاج السنة:\nوهو اختصار كتاب منهاج السنة للإمام المجدد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.","vol":"1","page":152},{"text":"١٨-رسالة في الرد على الرافضة:\nوتتلخص في الرد على الرافضة الذين رفضوا سنة الرسول ﷺ، واتبعوا خطوات الشيطان، فضلوا وأضلوا عن كثير من موجبات الإيمان بالله.\n١٩- أحكام تمني الموت.\n٢٠- آداب المشي إلى الصلاة.\n٢١- كتاب الطهارة.\n٢٢- مبحث الاجتهاد والخلاف.\nوهو عبارة عن رسالة مبحث الاجتهاد والخلاف، منقولة باختصار من كتاب \"أعلام الموقعين\" لمحققه ابن القيم، ﵀.\n٢٣- مختصر فتح الباري.\nوهو اختصار كتاب فتح الباري للإمام ابن حجر العسقلاني، ﵀.\n٢٤- مجموعة الحديث:\nوهي مجموعة الحديث على أبواب الفقه، ويحتوي على (٢٤٨٦) صفحة، وتضمنته أجزاء أربعة:\n٢٥- كتاب فضل القرآن.\nولقد أورد ابن غنام في كتابه تاريخ نجد، تسعة من المؤلفات هي: كتاب التوحيد فيما يجب من حق الله على العبيد، وكتاب الكبائر، وكتاب كشف","vol":"1","page":153},{"text":"الشبهات، والسيرة المطولة، ومختصر الهدى النبوي، ومجموع الحديث على أبواب الفقه، ومختصر الشرح الكبير، ومختصر الإنصاف١.\nكما أورد ابن بشر في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد ثمانية من المؤلفات وهي: كتاب التوحيد، وكشف الشبهات، وكتاب الكبائر، والمسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية، ومختصر الشرح الكبير، والإنصاف، وآداب المشي إلى الصلاة، ومختصر الهدي النبوي لابن القيم٢.\nكما كتب كثيرًا من الرسائل –سواء منها الموجز والمختصر، والمفصل التي تتناول مسألة العقيدة، وأنواع التوحيد، كما تناول في رسائله التوجيهات العامة للمسلمين –التي وجهها إلى العامة والخاصة، سواء في الداخل أو الخارج، وللأشخاص الذي يسألونه عن عقيدته.\nوتدور حول خمسة موضوعات هي:\n١- عقيدته، وبيان حقيقة دعوته.\n٢- بيان أنواع التوحيد.\n٣- بيان معنى لا إله إلا الله وما يناقضها من الشرك.\n٤- بيان الأشياء التي يكفر مرتكبها.\n٥- توجيهات عامة للمسلمين في الاعتقاد.\n_________\n١ انظر تاريخ نجد لابن غنام ١/٨٤-٨٥.\n٢ انظر عنوان المجد: لعثمان بن بشر ١/١٨٥.","vol":"1","page":155},{"text":"وتعني هذه الكتب في مجموعها بتوضيح التوحيد، وإزاله الشبهات، والرجوع بالناس إلى الدين الصحيح، نقيًا مما ألصقه به المخرفون والملبسون. ومن رسائله المفيدة جدًا \"رسالة نواقض الإسلام\"،١ فهي على اختصارها جليلة المعنى غزيرة العلم.\nوهي مثل لأسلوب المؤلف رحمه الله تعالى وطريقته في قرن المسألة بالدليل والبرهان على ما حباه الله ﷿ به من فهم عميق، وإدراك واستنباط.\n_________\n١ وقد قامت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية –جزي الله القائمين عليها خير الجزاء- بجمع مؤلفات شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وطبعتها في اثنى عشر مجلدًا، عدا الكشافات التي اشتملت على ثلاثة مجلدات.","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>الباب الثامن: طبيعة الدعوة</span>\n...\nطبيعة الدعوة\nما من أحد يقلب صفحات التاريخ ويدرسها بعمق وروية إلا ويرى منذ اللحظة الأولى أنه لا يمكن الفصل بين العقيدة والحركة، والدليل على ذلك أن الرسول ﷺ منذ أن تلقى آيات القرآن الأولى طولب بالحركة باتجاه دلالئلها، وتكوين نفسه الشريف على أساسها، واستمر ﵊ ثلاثة عشر عامًا في مكة يبني الإنسان المسلم ويعده إعدادًا يتناسب مع الدور الذي سيقوم به في هذه الحياة، فلما تم بناء القواعد الصلبة التي أخذت على عاتقها مهمة الدعوة الإسلامية إلى أوسع مساحة مقدرة. جاء الأمر الإلهي بالحركة في اتجاه تكوية دولة الإسلام على الأرض بعد أن كونتها معاني لا إله إلا الله محمد رسول الله في أعماق السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واستمر التدفق الحركي والعطاء المتميز لدولة القرآن الكريم في مدينة الرسول ﷺ، وكانت الفترة المدنية حركة دؤوبة من أجل ترسيخ دولة الحق والدفاع عن مقدراتها، وضرب قوى الباطل التي تشكل خطرًا عليها، والسعي من أجل تنفيذ عالمية الإسلام، وإيقاف البغي عند حده، وإزالة الطواغيت من مراكز السلطة، وإلغاء التشريعات التي صممها ونفذها المتألهون في الأرض، تحقيقًا لقوله تعالى:\n﴿حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾\nوقد رسم رسول الله ﷺ لأصحابه عمليًا مؤشرات الدعوة العالمية وتحرير الناس من كافة الضغوط والجاهلية.\nوعبر الجهاد المضني الطويل، ومنذ الخطوات الأولى للإسلام كانت عقيدة التوحيد هي الدافع والمحرك والهدف، فهي تحرك صاحبها من الداخل بعطائها","vol":"1","page":159},{"text":"السخي ومطالبها الخيرة، وتناديه من خارجه كي ينهض إلى الأهداف الكبيرة، ويرقى إلى القمم الساحقة، ليحظى بالتكريم من الرب الرحيم القائل: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء:٧٠) .\nولقد كان الإيمان الصحيح الذي أودعه الله تعالى في قلوب عباده وعقولهم بمثابة أساس مبدئي ودافع حضاري يشد القيم المبعثرة والإرادات المؤثرة والطاقات الفاعلة إلى هدف محدد وهو توحيد الواحد الأحد، وهذا التوحيد هو الذي دفع المسلمين إلى الخيرات والمكرمات والتقدم، وفتح لهم آفاق الغنى المادي والمعنوي عن طريق استغلال إمكانات المؤمنين وترغيبهم في تقديم مزيد من الأعمال الصالحة لإنقاذ الحياة والأحياء من مفاسد الشرك وشؤم الوثنية، وعبر مسيرة المسلمين الطويلة جابهوا تحديات سياسية وعسكرية ودولية انتصرت عليهم حينًا وهزموها أحيانًا، وكان الدين الخالص والتوجه الصادق لله الواحد الأحد والعقيدة الراسخة هي التي ترد كيد الأعداء إلى نحورهم، وتوقف زحف القوى المضادة، ولا توجد أمة على وجه الأرض تعرضت لهجمات عنيفة متلاحقة مثل أمتنا الكريمة هذه، ويكمن سر قوتها في عقيدتها، فإذا تهاونت فيها ضعفت وطمع بها الأعداء، وما تاريخ هجمات الوثنية العربية ... والفارسية والبيزنطية والصليبيية والمغول والإسبان وقوى الاستعمار القديم عنا ببعيد، وكل هذه الهجمات اتدحرت وخرج عالم الإسلام منتصرًا بسبب الإيمان الذي لمّ شتات المسلمين وحقق لهم انتصارات جديدة في جبهات جديدة كانت التعويضات فيها أكبر حجمًا من الخسارة، وهذه سمة التوحيد الأصلية وفعله بأبنائه المخلصين. ونظرة واحدة إلى امتداد الإسلام في آسيا وأفريقيا وأوربا تكفي دليلًا على عظمة المسلم الصادق إذا","vol":"1","page":160},{"text":"تحرك بإيمانه أما إذا تهاون في طاعة ربه وأخلد إلى الدعوة، وترك العلم النافع والعمل الصالح، فإن الله تعالى يبتليه بضغوط لا ترحم واحتلال يفترس كثيرًا من أرضه، وركام الأحداث التاريخية عبر القرون يشهد على تسيب المسليمن والتزامهم، وما هذا التسيب والإهمال في حياة المسلمين إلا بقعًا سوداء محدودة في ثوبهم الأبيض الواسع الجميل.\nوالتاريخ يحدثنا عن الجهود الكبيرة التي بذلها مصلحون مسلمون، توفرت فيهم النية لمخلصة والإيمان الصادق والالتزام المسؤول والذكاء الواعي، أعادوا بناء الأمة على ضوء معطيات الإسلام كتابًا وسنة واجتهادًا ورصيدًا تشريعيًا، وذكروها بمصدر شرفها وكرامتها وقوتها، والتي لن تجد في أيّ بديل عنه إلا التمزق والتغرب والانقطاع. ومن هنا فقد كانت أمتنا تحمل في قلبها وعقلها ووجدانها الاستعداد للعودة إلى الله جل وعلا كلما ظهرت قيادة واعية مؤمنة تخرجها من عبادة العباد على عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها.","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>الباب التاسع: التمهيد للدعوة</span>\n...\nالتمهيد للدعوة\nبدأت دعوة الشيخ الإمام هامسة تمشي على إشفاق بين ظلام البدع والمنكرات ووسط معاقل المشعوذين في نجد، فكانت أشبه بخيوط الفجر تندس في أحشاء الليل لتطارد بين يديها جحافل الظلام الكثيف من تصورات الأوهام التي لا يكاد يشعر بها أحد ممن لفهم الليل البهيم بردائه إلا قليل من أولئك الذين لمحوا على الأفق البعيد بشريات الصباح، فأزعجوا طائر النوم من عيونهم، وانتظموا في موكبها يستقبلون يومًا من أيام الله المباركة، وتكونت الخميرة الأولى للدعوة المباركة في المدينة المنورة يوم كان ابن عبد الوهاب ﵀ طالبًا فيها، حيث رفع بصره ورأى أعمال الجهالة عند قبر رسول الله ﷺ، فاقلقته هذه البدع وأقضت مضجعه، ولما سافر إلى البصرة ازداد شعوره بأداء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد عانى أنواعًا من المحن حيث اضطر إلى مغادرة البصرة والعودة إلى حريملاء، وزاد تصميمه على منازعة الشرك ورفع راية التوحيد والتركيز على إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له إعلاء لكلمة الله ﷿، فنهض رحمه الله تعالى ينكر بشدة على الدجاجلة والرؤساء وغيرهم ما ألصقوا بدين الله تعالى من منكرات البدع والأهواء.\nوأخذ الشيخ يجهر بدعوته قولًا وعملًا، ولكن والده منعه من ذلك خوفًا على ابنه من ثورة العوام، فاتجه الشيخ للبحث والتحصيل والتفكير في أنجح الوسائل، وأصح الأساليب لدعوة الناس، فألف كتاب التوحيد الذي يعتبر قاعدة الانطلاق، فلما مات أبوه عبد الوهاب ﵀ أعلن دعوته وأعاد نشاطه، وعلى ضوء المستجدات يومها قرر الشيخ محمد أن \"حريملاء\" لا تصلح لنشر الدعوة بسبب","vol":"1","page":164},{"text":"عدم استتباب الأمن فيها، وانقسام أهلها، وكذلك انقسام الحكم فيها، مما جعل الشيخ يتعرض لخطر عبيدها الذي ضاقوا ذرعًا بزجر الشيخ لهم وحده من تماديهم وفسقهم، حتى أنهم قرروا قتل الشيخ١، فعاد الشيخ ﵀ إلى مسقط رأسه \"العيينة\"٢، فهو يعرف أهلها ويعرفونه، والحكم فيها مستقر نوعا ما، وكان حاكم العيينة في ذلك الوقت \"عثمان بن أحمد بن معمر\"٣، الذي تفهم دعوة الشيخ ﵀، وقبل عرضه الذي تلقاه بكل احترام وتقدير، ووعد بالمساعدة والنصرة بعد أن سمع من الشيخ قوله: \"إني لأرجو إن أنت قمت بنصر لا إله إلا الله أن يظهرك الله تعالى وتملك نجدًا وأعرابها\"٤.\nوبدأ الشيخ الإمام يصدع بدعوته ويهتف بالشاردين عن الحق، ولا يكترث بأمر ليس له من دين الله ﵎ سند، وهو يعلم أنه في جرأته على أعراف الجاهلية وتقاليدها سوف يلاقي العنت، بيد أنه لا ينبغي أن يخشى في الله\n_________\n١ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: تأليف محمد بن عبد الله سليمان السلمان ص ١٣١.\n٢ العيينة: تقع شمال غرب الرياض على بعد خمسة وأربعين كيلو مترًا، أنشأها آل معمر في منتصف القرن التاسع الهجري.\n٣ هو عثمان بن حمد بن عبد الله بن معمر، تولى إمارة بلدة العيينة بعد ما قتل أخوه محمد سنة ١١٤٢هـ، وقد ناصره الشيخ محمد بن عبد الوهاب عندما انتقل إليه بعد وفاة والده (١١٥٣هـ)، ولكنه لم يستمر طويلًا، طرده في سنة ١١٥٧هـ تلبية لطلب حاكم الإحساء، ولكنه ندم فيما بعد فلحق به في الدرعية، وطلب منه العودة معه، فلم يجبه الشيخ إلى طلبه فعاد إلى العيينة، ثم رأى أنه لا بد له من مناصرة الشيخ والأمير محمد بن سعود، فأيدهما وناصرهما في مواطن =عدة، وقاتل معهما أعداءها، إلا أن بعض رجاله من أنصار الشيخ ذكروا أنهم تحققوا منه نقض العهد سرًا، وموالاة الأعداء، فقتلوه في مسجد العيينة بعد انتهائه من الجمعة سنة ١١٦٣هـ، ١٧٥٠م. انظر الإعلام: خير الدين الزركلي ٤/٢٠٤-٢٠٥.\n٤ عنوان المجد ج٤ ص ٩.","vol":"1","page":165},{"text":"﷿ لومة لائم، وعليه أن يمضي إلى غايته لا تثنيه قوة النقد ولا جراحات الألسنة.\nوالباطل الذي يروج حينًا ثم يثور المصلحون عليه فيسقطون مكانته ويزهقونه لا يبقى على كثرة الأشياع أمدًا طويلًا، ورب مخاصم اليوم من أجل باطل انخدع به أمسى نصيرًا لمن خاصمهم مستريحًا إلى ما علم منهم مؤيدًا لهم بعد شقاق، ولهذا كان الشيخ شاعرًا بقوة اليقين في شخصه وروعة الإيمان في نفسه بأنه على حق، وواجبه الشرعي أن يثبت كالطود الأشم لم تجفه التيارات السائدة ولا تؤثر في مواقفه الآراء الفاسدة، وماذا يفعل الناس مع امرئ اعتز بإسلامه، واستشعر القوة والشجاعة لصلته بربه واستقامته على منهجه، إنه واثق من أنهم لو تألبوا عليه جميعًا ما نالوا منه قليلًا ولا كثيرًا، فهو الآمن لا يخاف، والقوي لا يضعف، والمنتصر لا يهزم، فقد علمه الإسلام أن البقاء للأصلح مهما علا الزبد وربى، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ. إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء:١٠٥-١٠٦) .\nوأن انحرافات الجاهلية وتصوراتها لا قيمة لها، وللشيخ رحمه الله تعالى قدوة وأسوة في إبراهيم الخليل ﵇ بعد اهتدائه إلى ربه ﷿، واطمئنانه إلى ما وجده في قلبه منه، وحاجة قومه، قال: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ. وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام) .","vol":"1","page":166},{"text":"إن أحداث التاريخ تتشابه، وقد رأى الشيخ المجدد ﵀ من الانحرافات والضلال مثلما رأى إبراهيم ﵇ من عبادة الأصنام والكواكب والنجوم، ومثلما كانت عليه قريش قبل بعثة رسول الله ﷺ، فقد رأى الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ألوانًا من الشرك والمظالم، فالسواد الأعظم في نجد لا يفهم الإسلام، وهناك الهمجية، وقتل النفس التي حرمها الله ﷿ وذبح الخراف على الأشجار والأحجار، اعتقادًا من العامة أنها تنفع وتضر، وأصبحت أكثر عادات الناس وتقاليدهم لا تختلف كثيرًا عن عادات أهل مكة قبل الإسلام.\nفالنجدي تراه يتفاءل ويتشاءم بالسوانح والبوارح، ويذهب إلى العرافين والكهان والمشعوذين، وقد ارتدت الخرافات والأباطيل مسوح العبادة وشملت أكثر الحواضر والبوادي \"فعدلوا عن عبادة الله وحده إلى عبادة الصالحين والأولياء، وجدوا في الاستغاثة بهم في النوازل والخطوب، وأقبلوا عليهم يطلبون قضاء الحاجات والمطالب، واستغلق طبعهم وفقدوا إدراكهم وتمييزهم حتى اعتقدوا في الأحجار والأشجار أنها تضر وتنفع، ووهبوها أعمالًا يعجز أن يقوم بها الآدميون بل يعجز الأنبياء والمرسلون، كما اعتقدوا فيها التصرف التام والقداسة، فكانوا يأتونها في كل حين يتبركون بها ويتمسحون ويطلبون منها حاجياتهم.\nوكان في بليدة الفداء١ ذكر النخل المعروف بالفحال، يأتي إليه الرجال\n_________\n١ راجع بتوسع الحياة في نجد من كتاب محمد بن عبد الوهاب، تأليف أحمد عبد الغفور عطار، الطبعة الثالثة، الناشر مكتبة العرفان –بيروت ١٣٩٢هـ-١٩٧٢م، ص ٢٥.","vol":"1","page":167},{"text":"والنساء زرافات ووحدانا ويفعلون عنده من الأفعال المنكرة ما لا يقبله الإنسان ذو الضمير الحي والذوق السليم، يرتكبون عنده المنكرات ويصلون له ويتبركون به، وتأتيه المرأة التي لا يتقدم إليها الخطاب فتعانقه وتقول في بكاء ولوعة واحتراق: يا فحل الفحوا ارزقني زوجًا قبل الحول، ثم تأخذ في إغواء بعض الشبان حتى إذا اصطادت واحدًا منهم وتزوجت به خيل إليه أن ذلك من عمل فحل الفحول.\nوهناك قبر \"ضرار بن مالك\" الذي يزعمون أنه شعيب غبيراء١، وكذلك قدسوا شجرة الطرفية تقديسًا كبيرًا، فإذا ولدت المرأة ذكرًا علقت عليها حبلًا أو قطعة من قماش طلبًا من الطرفية أن تطيل عمره، فكان الرائي إذا أبصرها لا يكاد بيصر الأغصان والأوراق والساق لكثرة الحبال، وقطع الأقمشة، بل يظن الرائي أول وهلة أن ما يرى ليس إلا كومة من الحبال، وقطع الأقمشة لكثرتها.\nوفي الدرعية٢ جبل بسفحة غار كبير، يزعم الجهلاء أنه لفتاة حسناء تدعى بنت الأمير، يحجون إليها، ويستغيثون بها، اعتقادًا منهم أن الفتاة من أولياء الله الصالحين، وسبب هذا الاعتقاد الزائغ –كما يقول ابن غنام- أن بنت الأمير أراد بعض الفسقة أن يظلمها فصاحت ودعت الله فانفلق لها الغار بإذن العلي الكبير،\n_________\n١ هو ضرار بن مالك \"الأزور\" ابن أوس بن خزيمة الأسدي، أحد الأبطال في الجاهلية، والإسلام، قاتل يوم اليمامة أشد قتال حتى قطعت ساقاه، فجعل يحبو على ركبتيه ويقاتل والخيل تطأه، ومات بعد أيام في اليمامة سنة ١١هـ ٦٣٣م.\n٢ الدرعية: مدينة بناها في وادي حنيفة \"مانع المريدي\" الجد الأعلى لآل سعود حوالي سنة ٨٥٠هـ، ١٤٤٦م، وظلت عاصمة حكمهم حتى دمرها إبراهيم باشا بن محمد بن علي سنة ١٢٣٣هـ -١٨١٨م. وما زالت أطلالها قائمة حتى الآن قرب الرياض. انظر: العلاقات بين نجد والكويت ص ٢٢.","vol":"1","page":168},{"text":"فأنقذها من ذلك السوء، فكانوا يرسلون إلى ذلك الغار اللحم والخبز، ويبعثون بصنوف الهدايا، ونسوا قوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات:٩٥-٩٦) .\nويزعم المبطلون أن رجلًا بالخرج أعمى كان يقطع البراري سيرًا على الأقدام من بلده الدرعية.\nيقول ابن غنام:\nوكان عندهم رجل من الأولياء اسمه (تاج)، سلكوا فيه سبيل الطواغيت، فصرفوا إليه النذور، وتوجهوا إليه بالدعاء، واعتقدوا فيه النفع والضر، وكانوا يأتونه لقضاء شؤونهم أفواجًا، وكان هو يأتي إليهم من بلده الخرج إلى الدرعية لتحصيل ما تجمع من النذور والخراج، وكان أهل البلاد المجاورة جميعهم يعتقدون فيه اعتقادًا عظيمًا، فخافه الحكام وهاب الناس أعوانه وحاشيته، فلا يتعرضون لهم بما يكرهون، ويدعون فيهم دعاوي فظيعة، وينسبون إليهم حكايات قبيحة، وكانوا لكثرة ما تناقلوه وأذاعوها يصدقون ما فيها من كذب وزور، فزعموا أنه أعمى، وأنه يأتي من بلده الخرج من غير قائد يقوده، وغير ذلك من الحكايات والاعتقادات التي ضلوا بسببها عن الصراط المستقيم١.\nيقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الله في كتاب منهاج التأسيس: فصار هذا الأمر طبق ما أخبر به هذه الأمة نبيها، وظهر وجه الشبه بينهم وبينها، وانتهى الحال إلى أن\n_________\n١ روضة الأفكار والأفهام ٧/ ج٧ ط٢.","vol":"1","page":169},{"text":"قيل بالاتحاد والحلول، وكثرت في ذلك إشارات القوم والتقول، وصار هو مذهب الخاصة عند الأكثرين، ومن أنكره فهو عندهم ليس على شيء من العلم والدين، وعبدت الكواكب والنجوم، وصنف في ذلك مثل أبي معشر وصاحب السر المكتوم، وعظمت القبور، وبنيت عليها المساجد، وعبدت تلك الأضرحة والمشاهد، وجعلت لها الأعياد الزمانية والمكانية، وصرفت لها العبادات المالية والبدنية، ونحرت لها النحائر والقرابين، وطاف بها الفوج بعد الفوج من الزائرين والسائلين، وحلقت لأربابها رؤس الوافدين، واستبيح فيها ما اتفقت على تحريمه جميع الشرائع والنبوات، وكثر المكاء والتصدية بتلك الفجاج والعرصات، وبارزوا بتلك القبائح العظام رب الأرض والسموات، وصنف في استحبابه بعض شيوخهم، كابن المفيد، وظنه الأكثر من دين الإسلام والتوحيد١.\nوأصبح الناس في كل البلاد الإسلامية فضلًا عن نجد أمكنه خاصة يقدسونها ويحجون إليها، ويطلبون منها ويستغيثون بها ويذبحون لها، ويعكفون عليها، كما في مصر والشام والعراق، ودول المغرب العربي، وآسيا وأفريقيا، وقد أدرك الشيخ المجاهد والإمام المجدد أن إيمانه يفرض عليه أن لا يستكين، وقد أنس من قلبه قوة الاستجابة لدواعي الهدى، ودين الحق، وعليه أن يحيا بالإسلام وللإسلام، ويعري تجار الأباطيل والدجل والاستغلال، وليخط لنفسه نهجًا يلتمس به مثوبة الله ﷿، ولئن كانت الأوهام والخرافات تغري البعض، فإن الإيمان الصادق بالله ﷿ يجعل أهله راسخين أقوياء، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا\n_________\n١ منهاج التأسيس عبد اللطيف عبد الله، نقلًا من غاية الأماني في الرد على النبهاني –الألوسي.","vol":"1","page":170},{"text":"هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا. إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (الفرقان:٤١-٤٢) .\nفلا بد إذن من البراءة الحاسمة الجازمة من جميع المعبودات الباطلة، ففي تجربة إبراهيم الخليل مع قومه درس كبير وأسوة حسنة لكل مسلم إلى يوم الدين، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (الممتحنة:٤) .\nوقام الشيخ رحمه الله تعالى يدعوا إلى الله وحده، ودخلت الدعوة المباركة مرحلة جديدة بمساعدة أمير العيينة عثمان بن حمد بن معمر، ونجح الشيخ في القضاء على بعض مراكز البدع، \"تمثل ذلك في أمور ثلاثة\":\n١- هدم القباب المقامة على القبور، مثل قبر \"زيد بن الخطاب\"١، وفي الجبيلة٢، وقد بدأ الشيخ بنفسه في هدم القبة، ثم تبعه أصحابه فهدموها.\n٢- قطع الأشجار التي يتبرك بها العامة، مثل شجرة \"الذيب\" في العيينة، قطعها الشيخ بنفسه، وشجرة \"قريوه\" في الدرعية.\n_________\n١ هو زيد بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي، صحابي جليل من شجعان العرب في الجاهلية والإسلام، أسلم في مكة قبل الهجرة، وشهد المشاهد كلها، ثم كانت راية المسلمين في يده يوم اليمامة فثبت إلى أن استشهد، وكان ذلك سنة ١٢هـ ٦٣٣م. انظر: الأعلام للزركلي ٣/٥٨.\n٢ قرية دارت في المعركة الكبرى بين المسلمين والمرتدين من أهل اليمامة، وذلك سنة ١٣هـ، =واستشهد فيها عدد من الصحابة ودفنوا في ثراها، وقيل بنيت قبة على قبر زيد بن الخطاب ﵁ فكان العامة يتبركون بها ويطوفون حولها حتى هدمها الشيخ محمد بن عبد الوهاب.","vol":"1","page":171},{"text":"٣- رجم الزانية التي جاءت إلى الشيخ وأقرت بالزنا، وطلبت إقامة حد الله عليها، وأقرت عند الشيخ أربع مرات في أربعة أيام، فلما تيقن الشيخ من توفر شروط إقامة الحد عليها أمر بها، فرجمت لأنها محصنة، وكان \"عثمان بن معمر\" أول من بدأ برجمها.\nلقد بهرت الأعمال كلها الناس، لأنها أشياء جديدة لم يعتادوها، مما جعلهم أما ذلك قسمين:\nقسم آمن بذلك وأقر به.\nوقسم أنكره وحاربه.\nوكان من ضمن هؤلاء -المنكرين- حاكم الإحساء من بني خالد، وهو سليمان بن محمد بن غرير، الذي كان له ما يشبه النفوذ السياسي على حاكم العيينة، لذلك أرسل \"ابن غرير\" إلى معمر حاكم العيينة برسالة يتوعده ويتهدد بقطع راتبه السنوي إن لم يخرج الشيخ من بلده، ولما لم تكن دعوة الشيخ قوية في تلك الفترة، بحيث يعرض ابن معمر بهذه القوة ما يفقده من كسب مادي١ من حاكم\n_________\n١ لا يخفى على العاقل البصير أن القوة المادية لها أهمية عظيمة في نشر الدعوات والأفكار مع القوة المعنوية والحجج والبراهين. فإن أي دعوة إذ لم يكن لديها من القوة ما يحميها ويذود عنها سرعان ما تتكالب عليها قوى الشر والطغيان حتى تستأصل خضراءها، وتظهر هذه الأهمية من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ سورة الحديد، وكذلك قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ الإسراء:٨١. قال قتادة: فيها أن نبي الله ﷺ لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانًا نصيرًا لكتاب الله ولحدود الله ولفرائض الله، ولإقامة دين الله، فإن السلطان رحمة من الله جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض فأكل شديدهم ضعيفهم. قال ابن كثير: وهو الأرجح: لأنه لا بد من الحق من قهر ممن عاداه، وناوأه ... وفي الحديث: \"إن الله ليذع بالسلطان ما لا يذع بالقرآن\"، تفسير ابن كثير ٣/٦٤.","vol":"1","page":172},{"text":"الإحساء، فقد أذعن ابن معمر لتهديده، وأمر الشيخ بالخروج١ إلى أي بلد يشاء، فاختار الدرعية لقربها من ناحية، ولما يعرفه من سيرة حسنة لحاكمها إضافة إلى استقلال صاحبها وعدم خضوعه لسيطرة خارجية ولقد أحسن الشيخ الاختيار، فكان انتقاله موفقًا٢، ولا ننسى أن الابتلاء على طريق الدعوة سنة الله ﷿ في صنع الدعاة إلى دينه ونهجه، قال تعالى:\n﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت:٣) .\nولا يعرف المسلم قيمة دعوته، ولا يذوق حلاوة توحيده إلا بعد أن تتعرض نفسه ومشاعره وجوارحه وأحاسيسه وغرائزه للامتحان والابتلاء، فيثبت أو ينهزم، ينجح أو يرسب.\nإن هذا الدين صلب في مقاومة الباطل وأهله، ومواجهة زيفهم ومبادئهم بالهدى الناصع، والحجة البينة، ولذا احتاج هذا الدين إلى نوع من الناس يستطيع\n_________\n١ الهجرة سنة الرسل ﵈ وسبيل الدعوات، وقد ذكر الأستاذ: مسعود الندوي في كتابه \"محمد بن عبد الوهاب\" ص ٤٩ ما نصه: فوقع عثمان في حيرة وغلب وطمع الدنيا على حماية دعوة التوحيد، ولعل الدعوة لم تكن قد رسخت في قلبه بعد، ولعله ما كان يعرف تلك النعم التي تنزل على من يقوم بنصرة الحق.\n٢ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأثرها في العالم الإسلامي، تأليف محمد بن عبد الله بن سلمان السلمان الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ-الناشر مكتبة دار البخاري بريدة ص٣١-٣٢.","vol":"1","page":173},{"text":"أن يحمل ذلك الهدى الناصع، ويدلي بالحجة البينة، فيأخذ هذا الكتاب الإلهي بقوة بعد أن تتشربه نفسه وتعيشه جوارحه فيتحرك به وينطلق به طمعًا بالصفقة الرابحة التي ضمنها الله ﷿، ولوح لطالبها بمغفرة الذنوب والرحمة في الحساب، فقال:\n﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء:١٠٠) .\nفمن يتحول من أرض إلى أرض في سبيل الله ﷿ يكرمه الله ﷿، ويفسح له في صدره، ويوسع عليه رزقه، ويمكن له في الأرض، ويذكر له في السماء، والرسول ﷺ يقول: \" ... فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله\"، فتحول الداعية إلى مكان يطمئن فيه على دعوته، وصبره وثباته أمام الفتن هو الذي يجعل الدين عزيزًا في نفسه، وبقدر عزته يكون تمسكه به، وهذا الدين من يطلبه يطلب الجنة، وينجو بنفسه من عذاب الله.. فهل لهذا المطلب أثمان يقدر بها في هذه الدنيا؟!\nفالداعية الصادق يتخطى المصالح والرغائب الفانية، وإن جهده وبذله وعطاءه وبلاءه لله ﷿، لا ينتظر من ورائه مغنمًا عاجلًا، أو مصلحة وقتية، وإنما أجره مدخر مؤجل عند الله تعالى وهو الجنة، فإن عجل الله تعالى له المغنم مادة أو رياسة أو سيادة فإنما ذلك بتفضل من الله تعالى، وليس داخلًا في بيعته ﷿.","vol":"1","page":174},{"text":"ومن هنا فقد أخلص الشيخ نيته ووطن نفسه على طريق الابتلاء دون تمني ذلك، وقد وضع نصب عينيه قول نبي الإسلام محمد ﷺ: \"عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له\" ١.\n_________\n١ روضة الأفكار والأفهام ج ٧، ظ٢.","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>الباب العاشر: نور التوحيد وبأس الحديد يصنعان الأبطال</span>\n...\nنور التوحيد وبأس الحديد يصنعان الأبطال\nليس للجهاد الإسلامي هدف سوى إزالة العقبات من طريق الإسلام كي يتاح تبليغه للناس في جو خال من الضغط والفتنة، فكان لا بد من أجل مصلحة الإسلام، بل مصلحة شعوب الأرض، أن يزاح هؤلاء الذين يعترضون على دعوة الله ﷿ الهادي بحد السيف حين لا يكون بد من ذلك. لأن المسلمين ما كانوا ليستطيعوا بحسب تعاليم دينهم التضحية بمصلحة الحياة والأحياء من أجل حفنة من المنحرفين والدجالين والطواغيت. وليس من المعقول أن توصف الحرب في الإسلام بدفاع أو هجوم كما نسمع من بعض الكتاب الإسلاميين اليوم، فهذا الوصف غير وارد، ويتضح لنا ذلك من خلال الظروف التي واجهها الرسول ﷺ في مكة والمدينة، والمعاهدات التي عقدها الرسول ﷺ مع اليهود، وكيف أنه ﷺ ترك لنا منهاجًا كاملًا نواجه به أية عقبة تبدو في طريق الإسلام العزيز، مواجهة مكافئة لطبائع الأمور، وحسب مصلحة الإسلام وحده، فلا داعي إذن لتسمية الحرب في الإسلام دفاعًا أو هجومًا، إنما هي مصلحة الدين، أو مصلحة الدنيا بأسرها.\nوجميع الغزوات التي قادها رسول الله ﷺ والسرايا التي أرسلها تكمن وراءها مصلحة الدعوة الإسلامية، والتمكين لها، وتهيئة الأسباب الموضوعية لتسهيل وصولها إلى الناس كي يعتنقوها ويحققوا باعتناقها مصلحة الدنيا والآخرة، وبما أن أمة الإسلام هي أمة عقيدة ودعوة، وأن دعوتها هي سبب صلتها بشعوب الأرض، هذه الصلة القائمة على عقيدة التوحيد اتخذت شكل منهج متكامل متكاملًا يواجه","vol":"1","page":178},{"text":"مختلف الاحتمالات بما يناسبها، وأن الجهاد عنصر أصيل١ في هذا المنهج الذي تخطى بسموه وشموله وتوازنه كل الحدود والحواجز التي تنتهي إليه أو تتهاوى عنده المبادئ الأخرى، سواء كانت هذه الحدود لغوية أو سياسية أو عرقية أو جغرافية أو نحوها، وهو بذلك يفتح أبواب رحمة الله ﷿ لأهل الأرض أجمعين، فلا يعقل بعد هذا الفيض الغامر من الخير أن نسمي الجهاد فيه بأنه حرب دفاعية أو هجومية، وإنما الصحيح أن الجهاد في الإسلام عنصر من عناصر المنهج الذي يواجه مختلف الاحتمالات والظروف، وما هو إلا إزالة للحوائل والعقبات التي تعترض مسار دعوة الله الواحد القهار، وأن التحرك لبدء الآخرين بالدعوة إلى الإسلام هو من خصائص هذا الدين، لأنه من السذاجة بمكان أن يتصور الإنسان بقوة عازمة على إخراج البرية من الظلمات إلى النور، ثم يقف أما عقبات الأعداء ليجاهد باللسان والبيان فحسب، وهذا لم يقل به أحد من سلف هذه الأمة الكريمة على ربها ﷾، لأن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية توجب على المسلمين الجهاد كعنصر من عناصر منهج المواجهة لإخراج الناس من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى، وإبلاغ الناس مصلحتهم الحقيقية في العاجلة والآجلة، وشعار المسلمين في ذلك قول الله ﷿:\n_________\n١ لقد تجنب الإسلام لفظة الحرب لأنها كانت ولا تزال تطلق على القتال الذي يشب لهيبه وتستعر ناره بين الراجل والأحزاب والشعوب لمآرب شخصية وأغراض ذاتية، والغايات التي ترمي إليها لا تعدو أن تكون كذلك، وبما أن القتال المشروع في الإسلام ليس من قبل هذه الحروب، لم يكن بد من ترك هذه اللفظة (الحرب) البتة، واستعمال لفظة \"الجهاد\" لأداء مهمته وتبين تفاصيل دعوته، لأنها أبلغ منها تأثيرًا وأكثر منها -يعني لفظة الحرب- إحاطة بالمعنى المقصود، والجهاد المستطاع للوصل إلى الغاية العظمي، وهي أن تكون الأرض ومن عليها لله وحده لا شريك له، والكلمة العليا فيها لله ﷿، والدين كله فيها لقيوم السموات والأرض، ﷾.","vol":"1","page":179},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات:١٣) .\nولا بد من الجهاد لإماطة العقبات عن الطريق، وهذه سنة الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:٤٠) .\nولن تتم مصلحة الناس قاطبة إلا عندما يهيمن الإسلام على سلوكهم ومعاملاتهم، ويلتقون على العقيدة الصحيحة والدعوة الربانية، ولما كانت جزيرة العرب هذه الجزيرة التي انبعث منها أعظم رسالة عرفتها البشرية، وأخلد أمانة تقوم عليها خلافة الإنسان في الأرض، وتعتصم بها الإنسانية كلما دهمها طوفات الفتن، وزلزلت كيانها أحداث الحياة، هذه الجزيرة مهد العرب ومنجم الفضائل البشرية التي أمد العالم بأكرم عناصر الحرية والكرامة والحق والعدل والإصلاح ... هذه الجزيرة كانت ولا تزال تدخر تلك العناصر التي تتوثب بين الفينة والفينة لتؤدي رسالتها الخالدة وتستأنف دورها التاريخي المتجدد على مر العصور، ولقد جعل الله ﷿ أول بيت وضع للناس بمكة المكرمة تهوي إليه القلوب وتشخص الأبصار، وتتمثل فيه وحدة العبادة، وتتجمع حوله وحدة المشاعر والغايات، وتتفاعل على أرضه الطيبة حياة الملايين بالأخذ والعطاء، تأخذ من هذه الأرض الملهمة ما تفيض به من معاني القوة والتحرر، وتعطي بعض ما في أعناقهم من دين هيهات أن تبلغ منه أدنى مراتب الوفاء.\nجعل الله تعالى هذا البلد قبلة ومثابة للناس ليظل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها على صلة موصولة بمنابع الهداية والنور، والقوة والحرية التي تفيض","vol":"1","page":180},{"text":"بها هذه الجزيرة المباركة، وتظل أرض القبلة بما تعطي وما تأخذ موطن المعجزات التي تجدد على مر العصور.\nهذه الجزيرة التي تربطها بالعالم الإسلامي وشائج الأبوة والعقيدة الممتدة إلى أعماق التاريخ، وروابط الجهاد المشترك في سبيل دعم وتأمين مستقبل المسلمين، واستئناف الرسالة الخالدة لخير الإنسانية جمعاء. هكذا تحرك الشيخ وانطلقت الحياة على أرض المعجزات بقيادة المحمدين: \"محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود\"، اللذين انتفضا لله ﷿ فحققا بدعوتها المباركة أروع وأسرع إنجاز خير فتحت له القلوب واستنارت به العقول، وقامت به دولة بعد جهاد بذل فيه كل الجهد.\nوقد كان الإمام محمد بن عبد الوهاب وهو ينهض بالدعوة إلى الله ﷿ ليعلم أن الأساس هو أهم وأشق مراحل الطريق، فبقدر ضحامة البناء وارتفاعه بقدر ما تحتاج قاعدته إلى وقت وجهد كبير، وكلما كان الأساس صليًا ومتينًا ظل في صمود وقوة دون أن تنال منه معاول الباطل، وكان أدعى إلى استقرار البناء عليه مهما علا وارتفع، ولذلك أقام الشيخ ﵀ حلقات العلم في الدرعية، \"وبدأ يعلم القادمين إليه الكتاب والسنة من الصباح إلى المساء، وكان يجعل جل اهتمامه الأمور اللازمة المهمة في دعوته -دعوة التوحيد وإخلاص العبادة لله- ويرسخها في قرارة النفوس، وقد أظهر شخصه الجذاب ودعوته الصادقة أثرها العاجل، وكان من فوائد مجالس الوعظ والتذكير أن تقشعت سحائب ما ألفوا عليه آباءهم، وصار الناس ينظرون إلى خرافات التقاليد والعادات بمنظار الكتاب والسنة فقط، وإن جاذبية هذه المجالس بدأت العطاش إلى العلم من البلدان النائية إلى","vol":"1","page":181},{"text":"الدرعية،١ واجتمع للرجل الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في اتصاله بحياة المسلمين في كثير من الأقطار، وفي فقهه لأسرار الشريعة ما ملأ قلبه غيرة على حال المسلمين، وحسرة على ما وصلوا إليه من جهالة وضعف وانحلال، وحفزه ذلك إلى الجهاد في سبيل الله لتجديد إيمان هذه الأمة، وتسديد عزائمها إلى مواطن العزة والقوة والاتحاد، وتضافرت الجهود المشتركة بين مؤسس الدعوة وبين حامليها والمشاركين في تأسيسها على إقامة كيان إسلامي يستوعب نظريات الدولة الإسلامية، ويحمي أنظمتها، ويؤجج نشاطها، لتكون أقدر على المواجهة وتحمل العبء بما اعتبر بحق البند الأول في بدء تاريخ الجزيرة العربية، وفق المنهج الإسلامي، بل تاريخ الشرق الأوسط بعد انقراض حكم الخلفاء الراشدين، ذلك بأن تلك الحركة قد غيرت وجه الأحداث في الجزيرة العربية تغييرًا أساسيًا مذهلًا، لذل يقول: \"فيليب حتى\" في كتابه تاريخ العرب: إن تاريخ الجزيرة العربية، الحديث يبدأ منذ منتصف القرن الثاني عشر الهجري حين ظهور حركة الموحدين في الجزيرة العربية، وحين شاركت قوة الدين سلطة الحكم٢، وهكذا ارتبطت دعوة الشيخ بالدرعية وأميرها وجندها، وأمست دعوة ابن عبد الوهاب ودولة ابن سعود وحدة لا تقبل التجزئة، وأصحبت الدعوة للدين الحق الدولة وسبب وجودها تموت إذا لم تعمل به، وتحيا وتقوى قدر ما تعمل له، وغدت الحروب ضرورة للدفاع، ومن الهجوم وسائل دفاع تحقيقًا لمصلحة الإسلام، ومن هنا كان الأمير محمد بن سعود رحمه الله تعالى كفؤًا للشيخ\n_________\n١ محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه –مسعود الندوي الطبعة الأولى ص ٥٥.\n٢ الوهابية حركة الفكر والدولة الإسلامية، عبد الرحمن سليمان الرويشد ص ٧.","vol":"1","page":182},{"text":"محمد بن عبد الوهاب ﵀ وإذا اجتمع نور التوحيد وبأس الحديد تكافأ الشريكان وبلغت الدعوة غرضها، وارتفعت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله.\nوهبت ريح الإيمان وراجت سوق الجنة، وقامت الجماعة التي تعبد الله تعالى على بصيرة تجاهد في سبيل الله تعالى، وهي تعلم أن مواقع المعارك كمجالس الدروس، كلها طرق توصل إلى رحمة الله ﵎.","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>الباب الحادي عشر: الدرعية والتلاحم العظيم بين الإمام محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود</span>\n...\nالدرعية ١ والتلاحم العظيم بين\nالإمام محمد بن عبد الوهاب\nوالأمير محمد بن سعود\nوسار رجل التوحيد محمد بن عبد الوهاب ﵀ من العيينة إلى الدرعية تطوعًا لدعوته التي لا يجد طمأنينة حيالها، ولا راحة إلا حيث تستقر وتلقى الرحب والسعة.\nومن عجائب نقائض الحياة واختلاف الناس أن العيينة قالت للشيخ على لسان أميرها المأمور: إن سليمان أمرنا بقتلك، ولا نقدر على غضبه، ولا مخالفة أمره، لأنه لا طاقة لنا بحربه، وليس من الشيم والمروءة أن نقتلك في بلادنا، فشأنك ونفسك، وعلى العكس من العيينة التي شهرت سلاحها لقتل الشيخ استقبلته الدرعية وهي جذلانة طروب يتنافس رجالها على إكرامه، ووصل هناك وقت العصر.\nيقول ابن بشر:\n\"إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد قدومه إلى \"الدرعية\" نزل عند عبد الله بن عبد الرحمن بن سويلم، وابن عمه حمد بن سويلم، فلما دخل على ابن سويلم ضاقت عليه داره خوفًا على نفسه من محمد بن سعود، فوعظه الشيخ وسكن جأشه، وقال: \"سيجعل الله لنا ولكم فرجًا ومخرجًا، فعلم به الخاصة من أهل\n_________\n١ الدرعية تقع شمال الرياض على بعد (١٠) كم.","vol":"1","page":186},{"text":"الدرعية فزاروه خفية، فقرر لهم التوحيد، فراودوه أن يخبروا محمد بن سعود١ ويشيروا عليه بنزوله عنده ونصرته فهابوه، وأتوا إلى زوجته وأخيه ثنيان الضرير، وكانت المرأة ذات عقل ودين ومعرفة، فأخبروهما بمكان الشيخ وصفة ما يأمر به وينهى عنه، فوقر في قلبيهما معرفة التوحيد، وقذف الله في قلبيهما محبة الشيخ، فلما دخل محمد بن سعود على زوجته أخبرته بمكان الشيخ، وقالت له: إن هذا الرجل ساقه الله إليك، وهو غنيمة فاغتنم ما خصك الله به، فقبل قولها، ثم دخل عليه أخوه ثنيان وأخوه مشاري وأشارا عليه مساعدته ونصرته، فقذف الله في قلب محمد محبة الشيخ ومحبة ما دعا إليه، فأراد أن يرسل إليه، فقالوا لو: لو تسير إليه برجلك وتظهر تعظيمه وتوقيره ليسلم من أذى الناس ويعلموا أنه عندك مكرم. فسار إليه محمد بن سعود ودخل عليه في بيت ابن سويلم فرحب به وقال: أبشر ببلاد خير من بلادك وبالعز والمنعة، فقال له الشيخ: وأنا أبشرك بالعز والتمكين والنصر المبين، وهذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم فمن تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد، وأنت ترى نجدًا كلها وأقطارها أطبقت على الشرك والجهل والفرقة والاختلاف والقتال لبعضهم البعض، فأرجو أن تكون إمامًا يجتمع عليه المسلمون، وذريتك من بعدك٢.٣\n_________\n١ آل سعود: من عشيرة عنزة من قبائل ربيعة، من حفدة بكر بن وائل، ولربيعة فروعها في نجد والعراق والشام، وكان جدهم مانع بن السب المريدي يقطن بلدة القطيف، وتربطه لحمة نسب بابن درع صاحب حجر اليمامة.\n٢ انظر ابن بشر ج١ ص٤١-٥٠.\n٣ يذكر الدكتور عبد الله العثيمين أن الدكتور منير العجلاني قد ضعف من هذه الرواية، ورجح أن يكون انتقال الشيخ إلى الدرعية بدعوة من الأمير محمد بن سعود، مؤيدًا كلامه بما نقله عن المؤرخ الفرنسي مانجان من أن الأمير محمد بن سعود قد دعا الشيخ إلى الدرعية، ويذكر ابن عثيمين أنه قد عثر على أوراق بخط المؤرخ النجدي ابن لعيون ذكر فيها أن الشيخ محمد قد انتقل إلى الدرعية بدعوة من الأمير محمد بن سعود.. انظر تاريخ المملكة العربية السعودية ج١ ص٨٣-٨٤.","vol":"1","page":187},{"text":"فلما شرح الله صدر محمد بن سعود لذلك وتقرر عنده، طلب من الشيخ المبايعة على ذلك، فبايع الشيخ على ذلك، وأن الدم بالدم والهدم بالهدم، وعلى أن الشيخ لا يرغب عنه إن أظهره الله، إلا أن محمد بن سعود شرط مبايعته للشيخ ألا يتعرض له فيما يأخذه من أهل الدرعية مثل الذي كان يأخذه أمراء البلدان على رعاياهم، فأجابه الشيخ على ذلك، رجاء أن يخلف الله عليه من الغنيمة أكثر من ذلك فيتركه رغبة فيما عند الله سبحانه، فكان الأمر كذلك، ووسع الله عليهم بأسرع ما يكون١.\nوكان الإمام محمد بن عبد الوهاب هو المرجع في مدينة الدرعية.\nيقول ابن بشر:\n\"إن الشيخ كان له الرأي الأول في الدولة الفتية، فلم يكن الأمير محمد بن سعود ولا ابنه عبد العزيز يصدران أمرًا دون موافقته.\nوكان يرجع إليه في كل أمور الدين التي تنظم كافة جوانب الحياة في الدولة٢.\nويقول أيضًا:\n\"كانت الأخماس والزكاة وما يجبى إلى الدرعية من دقيق الأشياء وجليلها كلها تدفع إليه يضعها حيث يشاء، ولا يأخذ عبد العزيز ولا غيره من ذلك شيئًا إلا عن أمره، فبيده الحل والقصد والأخذ والإعطاء والتقديم والتأخير، ولا يركب جيش ولا يصدر رأي من محمد بن عبد العزيز إلا عن قوله ورأيه\".\n_________\n١ انظر ابن بشر ج١ ص٤٢-٤٣.\n٢ انظر ابن بشر ج١ ص٤٦.","vol":"1","page":188},{"text":"وهكذا تمت البيعة١ بين الإمام والأمير رحمهما الله تعالى، وأينع الصبر وبدأ الجهد يثمر، واستغلظ زرع الدعوة، وأخذ يستوي على سوقه ليعطي الغلال الطيبة، ويبنشئ مدًا إسلاميًا زاخرًا عظيمًا ينتشر في العالم، وتتساقط أمامه معاقل البدع، وتتهاوى بين يديه الأنصاب والأزلام، وتذوب من حوله القيم الزائفة المصطنعة. جاءت هذه الثمار من خارج العيينة، وهذا في الواقع من الدلائل التي تكشف للمتأمل أن يد العناية الإلهية تحوط حياة الدعوة وظروفها من كل جانب، كي لا توجد في أي جانب منها ثغرة لمطعن يقوم به مشكك أو محترف غزو فكري، لأن الدعوة إلى الإسلام جزء لا يتجزأ من حقيقة الإسلام نفسه، وقد أخذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب نفسه بهدى النبي ﷺ وصنع ما صنعه الرسول ﷺ وأنصاره في بيعة العقبة، واستعمل الصيغة النبوية نفسها، وهذا يدل على شدة العناية بسنة النبي ﷺ.\nوهكذا كانت البيعة بين الإمام والأمير نقطة تحول هامة في تاريخ الدعوة، وفي حياة نجد الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل وفي تاريخ الصحوة الإسلامية الحديثة.\nوبقي الشيخ ﵀ في الدرعية سنتين يدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، فكان يرسل برسائله ومناظراته إلى أهل البلدان المجاورة ورؤسائهم\n_________\n١ يذكرنا القول ببيعة العقبة الكبرى كما جاء في الصحيح عن ابن إسحاق وابن هشام وأحمد وابن جرير وفيه: \"أن أبو هيثم بن الثنيان قال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال -يعني اليهود في المدينة- حبالًا وإنا قاطعوها فهل عسيت إن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا. قال: فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: \" بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم، وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم\".","vol":"1","page":189},{"text":"وعلمائهم، فمنهم من قبل واتبع الحق، ومنهم من أبى وعارض، ولكن لم يستمر الحال على ذلك طويلًا، فقد قام أولئك المعارضون على الشيخ ودعوته بالعدوان، وأعلنوا تكفير الشيخ وأتباعه، وإباحة دمائهم، فأمر الشيخ حينئذ أتباعه بالجهاد دفاعًا عن النفس أمام أولئك المعارضين من ناحية، وكسر الطوق وإزاحة الحجر العثرة أمام نشر هذه الدعوة من ناحية أخرى، فانتقلت الدعوة بذلك إلى مرحلة جديدة ثالثة، هي (مرحلة الجهاد لحمل الناس على الحق)، وتهيئة الجو الصالح لنشر الدعوة والعودة بالمسلمين إلى منهج الله وشرعه، واتباعه عقيدة ومنهج حياة١ لأن الله ﵎ قرر في كتابه العزيز أن المبادئ لا تعيش بغير قوة تساندها، والإسلام ذلك الوحي الإلهي جاء ليكون هو النظام القائم على الأرض كلها، فلا بد من قوة ينطلق بها في آفاق الأرض لتحرير الإنسان من عبوديته لغير الله ﷿.\nفكرامة هذا الإنسان مقصورة على الإيمان بالله وحده لا شريك له. ومن هنا جاء قول الله ﷿: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال:٦٠) .\nفوظيفة القوة تأمين الذين اختاروا الإسلام على دمائهم وأموالهم حتى لا يفتنوا في دينهم، ثم حماية طريق الدعوة وسبيلها حتى لا يتوقف المد الإسلامي، وكذلك تأديب الجبارين الذين يتخذون لأنفسهم صفة الإلوهية فيذلون البشر بما يزرعونه فيهم من ضغائن وأحقاد.\n_________\n١ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها على العالم الإسلامي، تأليف محمد بن عبد الله بن سليمان بن السيحان ص ٣٢.","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>الباب الثاني عشر: تأسيس الدولة السعودية الأولى</span>\n...\nتأسيس الدولة السعودية الأولى (٩٧سنة من ١٧٤٤-١٨٤٣)\nمكث الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى سنتين في مرحلة الدعوة السلمية، ثم انتقل إلى مرحلة الجهاد دفاعًا عن الدعوة وأتباعها من أعدائها المتربصين بها من ناحية، ولحمل الناس على الحق وتهيئة الجو الصالح لنشر الدعوة وتطبيقها من ناحية أخرى، ولذلك كانت رسائل الشيخ رحمه الله تعالى التي تبين حقيقة دعوته تسبق جيشه، خاصة بعد أن بسط الأمير محمد بن سعود يده، وبايع الشيخ على دين الله ورسوله، والجهاد في سبيل الله وإقامة شرائع الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتم التحالف على نصرة الحق ومحاربة الشرك والمشركين عام ١١٥٨هـ ١٧٤٥م بين الأمير والشيخ، وأصبح هذا الاتفاق بمثابة النواة الأولى في بناء صرح الدولة السعودية الأولى، وتحولت الدرعية منذ ذلك اليوم إلى عاصمة دينية وسياسية وحربية، وهاجر إليها أنصار الشيخ من العيينة وغيرها من بلدان نجد، فازدحمت بهم الدرعية، ورأى الشيخ في البداية تأسيًا بما فعله النبي ﷺ حين هاجر من مكة إلى المدينة حلًا لمشاكل المهاجرين أن يؤاخي بينهم وبين أهل الدرعية١.\nوما كان يستتب أمر الدعوة حتى أرسل الإمام رسائله إلى علماء نجد وشيوخها يدعوهم إلى الدخول فيها، فرد عليه بعض الشيوخ مثيرًا خلافات، فرد مبينًا وجه\n_________\n١ حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: تأليف حسين بن خلف الشيخ مزعل بتصرف ص ١٦٤.","vol":"1","page":193},{"text":"الصواب، ويعدد ابن غنام أسماء عشرة رسل. وكان من بين الذين استنكروا الدعوة \"دهام بن دواس\" الذي كان رئيسًا على الرياض، وما كاد دهام يعلم سنة ١١٥٩هـ،١٧٤٦م بتلبية المنفوحة لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودخولها في طاعة آل سعود حتى هجم عليها يريد إجبارها على إعلان العصيان، ولكنه فشل أمامها، وظل دهام١ بن دواس يمثل الخصم العنيد العدو القوي للدولة السعودية، الذي يعمل على عدم تمكينها من نشر الدعوة.\nوهكذا وجب الجهاد على أصحاب الدعوة بعد أن كانوا قد سلكوا مع أولئك سبل التبصير والنصح٢، وامتزج حسن العهد بصدق الوعد والفكر الرشيد بالعزم الأكيد، والتقى المصحف والسيف لقاء دعوة وبيعة، فكان العمل والإخلاص والتفاني، ثم بدأ الجهاد، وانتقل مجتمع الدرعية الذي كان بالأمس القريب خاملًا مستكينًا إلى جماعة مجاهدة متطورة يقودها هدى الإسلام بإرشادات الشيخ وعزم الأمير، ولا ننسى -أيها الأخ- مدى التأثير الفاعل للدعوة الإسلامية، إذ قيض الله -﵎- لها علماء صالحين وأمراء عادلين مقسطين، فإنها تؤتي ثمرتها وتعيد البناء بنفس السرعة التي بنت فيها دولتها الأولى.\n_________\n١ دهام بن دواس بن عبد الله بن شعلان، من قبيلة مطير، وكان والده رئيسًا لمنفوحة، عندما توفي تولى بعده ابنه محمد، ثم ثار عليه ابن عمه زامل وعاونه بعض أهل منفوحة فقتلوه، وأخلوا إخوانه عنها، فاستوطن دهام الرياض، وتمكن من الوصول إلى الرياسة بعد أن هرب رئيسها سنة ١١٥١هـ، واستمر في رياسته إلى أن سقطت الرياض في حوزة الدرعية سنة ١١٨٩هـ، فهرب دهام إلى الدلم، وتوفي بها.\nانظر: ابن بشر ١-٨٠-٨١. وانظر أيضًا: روضة الأفكار لحسين بن غنام، وفيه: أن دهام كان عبدًا لأمير الرياض، وتسلط بحيلة على الحكم.\n٢ انتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب خارج الجزيرة العربية –محمد كمال جمعة- ص ٤٥-٤٦ من مطبوعات دار المعرفة ط١٤٠١هـ.","vol":"1","page":196},{"text":"ولم يمض إلا وقت قصير حتى تنبه الأعداء لخطورة الدعوة فناصبوها العداء، وقاوموها بكل ما يملكون من قوة، وقد دامت الحروب بين الرياض والدرعية –فقط سبع وعشرين سنة، ولم تمر سنة إلا وتقع فيها غزوة بين البلدين وكانت الحروب سجالًا، واستشهد كثير من المسلمين في تلك المعارك، منهم ولدا الأمير محمد بن سعود١، وهما فيصل وسعود اللذان قتلا في الغارة التي قام بها ابن دواس على أطراف الدرعية سنة ١١٦٠هـ، وظل دهام يناوئ الحق والشيخ والأمير يوجهان إليه الحشود تلو الحشود، وتقوم بينه وبين الحق الوقائع –كوقعة الشباب، ووقعة العبيد \"أبو غيبة\"، ووقعة \"دلقة\"، والجنوبية٢، وغيرها إلى أن فتح الله ﷿ عليهم الرياض، وتخلصوا من شر دهام ونفاقه ومعاداته لأهل الحق، وبسقوط الرياض في أيدي آل سعود انفتح للدعوة الطريق، ولم يبق أمام أساطين الأعداء إلا الاستسلام والانقياد للدرعية. وبعد وفاة الأمير محمد ابن سعود الذي احتضن الدعوة الصافية وعمل على التمكين لها في الأرض، ونجح في نقلها من مرحلة الفكر إلى مرحلة التحقيق مدافعًا عنها بكل ما ملكت يداه، واهبًا نفسه في سبيلها، وثبت على أساسها حكمًا صالحًا، وانتصر تحت رايتها، ثم أفضى إلى ما قدم،\n_________\n١ هو محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن فرحان، وهو مؤسس الدولة السعودية في دورها الأول، ولد في الدرعية سنة ١١٠٠هـ/١٦٨٩م. وتولى إمارة الدرعية ١١٣٩هـ-١٧٢٦- وهو الذي تبنى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وآمن به، واحتضن صاحبها، وحماه. وفي عهده امتد نفوذ الدعوة حتى وصل إلى كل من سدير والوشم والمحمل والشعيب والحاير، إضافة إلى بلدان العارض، وقد ظل وفيًا للدعوة مخلصًا لها، ويجاهد في سبيل نشرها حتى توفي بالدرعية سنة ١١٧٨هـ-١٧٦٥م.\nانظر: الدرعية العاصمة الأولى –تأليف عبد الله بن حمد بن خميس ص ١٦١-١٧٤، ط ١، مطابع الفرزدق –الرياض.\n٢ تاريخ نجد.","vol":"1","page":197},{"text":"وتولى ابنه عبد العزيز١، وقد زاد المعارضون للدعوة من نشاطهم ضدها، والتحريض على قتالها، ودارت المعارك بين أنصار الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبين أهل الباطل، وتابع الأمير عبد العزيز أعماله الجهادية على رأس جيش الدعوة الإسلامية، إما بنفسه أو بقايدة ابنه سعود، وتعاقبت أيام المجد على ربى نجد، وتقدم الجيش سنة ١١٨٨ لغزو الدلم، ونازل قبائل وادي بني حنيفة قريبًا من الخرج في قتال مرير، وانتقل من ضرمي إلى سدير والخرج والمجمعة، حتى إذا كانت سنة ١١٩٥ دخل قرية اليمامة، وفي سنة ١١٩٦ دخل القصيم، وفي سنة ١١٩٨ غزا جيش الدعوة إقليم الإحساء، وفي سنة ١١٩٩ عاد يغزو الخرج، ثم انطلق في سنة ١٢٠٢ إلى إقليم قطر في مقابل البحرين٢، وهكذا سيطرت جيوش التوحيد على نواح كثيرة من نجد، وكذلك عزا عبد العزيز جنوبي العراق، ودخل كربلاء (مدينة مقدسة عند الشيعة في البداية) وهدم قبر الحسين، وأخذ الكنور التي كانت عند الضريح، وهذا ما دعا إلى قدوم أحد المتعصبين من الشيعة٣ إلى الدرعية، وطعن عبد العزيز وهو يؤدي صلاة العصر عام ١٢١٨هـ، مما أدى إلى موته في مسجد الطريف في الدرعية وهو ساجد، وهذه وثيقة باللغة التركية عن مؤامرة والي بغداد بقتل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود.\n_________\n١ هو عبد العزيز بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن، ولد بالدرعية سنة ١١٣٢هـ/١٧٢٠م، وتولى بعد وفاة والده سنة١١٧٩هـ، وفي عهده اتسع نطاق دولته، وامتد ملكه من شواطئ الفرات ووداي السرحان إلى رأس الخيمة وعمان، ومن الخليج العربي إلى أطراف الحجاز وعسير، اغتيل في جامع الدرعية على يد أحد الشيعة القادمين من العراق سنة ١٢١٨هـ-١٨٠٣م. انظر الأعلام للزركلي ٤/٢٧.\n٢ راجع بتوسع محاضرات في تاريخ الدولة السعودية الأولى ص ١٦-٢٥.\n٣ شبة جزيرة العرب –محمود شاكر ط (٣) ١٤٠١هـ ص ٢٠١-٢٠٢.","vol":"1","page":198},{"text":"قبل أن يقتل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود وحين بلغ سبعين عامًا ثقل جسمه وآثر الراحة فأخذ البيعة بولاية العهد لابنه سعود١ وسلمه مهام الدولة الناشئة عام ١٧٨٨م، فواصل الامتداد بنور الله ﷿، واحتضن الدعوة ورنا إلى المستقبل، وكانت غزواته على نوعين، بعضها يستهدف ضم الأراضي تحت سلطته لتحصيل الضرائب ونشر العقيدة، كما حصل في نجد والإحساء وسواحل البحر الأحمر والحجاز، وبعضها الآخر كانت غارات لتأديب الخصوم فقط، كغزوات العراق والشام، ونريد أن نقف وقفة قصيرة في بلاد الحجاز، ونسأل لماذا تم الاستيلاء على الحجاز؟.\nإن الاستيلاء على الحجاز من قبل جنود التوحيد لم يأت إلا بعد مباحثات ومناظرات، بل عملوا علاقات الود بين الأشراف ولكنهم لم يلمسوا عطفًا، بل شوهوا دعوة الإمام.\nفكانوا يرسلون ضعاف العقول فيندسون بين الحجاج وبيكون وينوحون ويشقون الجيوب ويلطمون الخدود على الأضرحة والقباب التي هدمتها دعوة المجدد محمد بن عبد الوهاب، فهذه أكبر دعاية لتشويه هذه الدعوة المباركة.\nقال ابن غنام٢:\nأرسل أبناء سعود بعض علمائهم إلى مكة مرارًا لإقناع علمائهم بالدعوة السلفية التي أرسى أصولها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ولكن رغم اقتناع علماء\n_________\n١ تولى سعود الإمامة بعد وفاة والده ودامت ولايته أحد عشر عامًا، حتى وفاته ١٨١٤- آل سعود ص ٦٢.\n٢ حسين بن غنام، تلميذ الإمام ابن عبد الوهاب، وقد كلفه الشيخ بكتابه، توفي عام ١٢٢٣هـ (تاريخ نجد ٢/١٣١-١٤٥) .","vol":"1","page":200},{"text":"مكة بدعوة علماء نجد، إلا أن موقف الأشراف ظل صلبًا ومعاديًا واستفزازيًا، فقد اصطنعوا الحجج على أهل نجد، تحديًا من الأشراف، بل اعتقلوا العلماء الدين أرسلهم الإمام وتركوهم في السجن، فبعضهم مات وبعضهم هرب.\nفالأشراف وأتباعهم من العثمانيين رفضوا الدعوة السلفية المباركة، ولكن دخلها الأمير سعود وهو محرم ملب دون قتال أو إراقة دم.\nقال أمين الريحاني في كتابه \"تاريخ نجد\":\nبعث سعود رسالة إلى السلطان سليم الثالث في الآستانة:\nأما بعد:\nدخلت مكة في اليوم الرابع من محرم ١٢١٨هـ، وأمنت أهلها على أرواحهم وأحوالهم بعد ما هدمت ما هناك من أشياء وثنية، وألغيت الضرائب إلا ما كان منها حقًا، وثبت القاضي الذي وليته أنت طبقًا للشرع، فعليك أن تمنع والي دمشق ووالي القاهرة من المجيء بالمحلمل والطبول والزمور إلى البلد المقدس، فإن ذلك ليس من الدين في شيء، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.\nالتوقيع\nالواثق بالله المعبود\nسعود بن عبد العزيز","vol":"1","page":202},{"text":"فانتشر الأمن والأمان في الحجاز.\nقال ابن بشر١:\n\"وفشا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مكة، فلا يشرب التنباك في أسواقها، وأمر سعود أن يجعل في أسواقها من يأمرهم بالصلاة إذا دخل الوقت، فكان إذا أذن، دار الرجال في الأسواق: الصلاة ... الصلاة٢.\nونظفت الحجاز من الخرافات والبدع، وهدمت القباب والأضرحة، ونشر التوحيد، وجعل إمام واحد للصلاة عكس السائد في عهد الأشراف الذي جعلوا أربعة أئمة يصلون بالناس، وكل واحد على مذهبه كالحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي.\nفقام الإمام سعود بن عبد العزير بواجب الدعوة فواصل جهاده حتى امتدت الفتوحات من عمان ووادي حضر موت ونجران وعسير إلى شواطئ الفرات والبادية السورية، ومن الخليج إلى البحر الأحمر، وهكذا شهد الإمام محمد بن عبد الوهاب ثمار الدعوة المباركة نتيجة جهاد متواصل حمل لواءه الآباء والأبناء، وتوحدت نجد، وأسست فيها دولة جديدة قائمة على شريعة الله ﷿، وأصبحت مصدر إشعاع لا ينفذ زيته، واستقرت الدعوة وتأمنت سبلها، عند ذلك اعتزل الشيخ الحكم تاركًا إدارة الدولة للأمير، وأخذ في تأليف الكتب الدينة وإذاعتها في بلده، ثم في البلدان النجدية، ثم في جزيرة العرب عن طريق طلبته\n_________\n١ عنوان المجد تاريخ نجد ص ١٤٢.\n٢ وهذا موجود إلى يومنا الحاضر، وهو الأمر بالصلاة وإغلاق المحلات للصلاة.","vol":"1","page":204},{"text":"البررة، وطفق يلقي محاضرات في علوم التشريع والديانة وأصولها، ويلقن الناس حقيقة الإسلام، واجتمع في حلقات دروسه آلاف الناس من كثير من الأقطار يأخذون منه العلم١.\nوأخذت الدولة تستقر، والدعوة تنتشر، والأمير سعود يتابع الحج عامًا بعد عام، وعمت الدعوة جزيرة العرب بما فيها الحجاز، وانقطعت الموبقات، وزالت البدع، وعم نقاء الاعتقاد وإخلاص الدين، وأرسل الأمير سعود سراياه إلى الأماكن البعيدة لكي يعلم الناس التوحيد، وبلغ جيشه النظامي خمسين ألفًا، مما كان لهذه القوة أثرها الكبير في التمكين للدعوة التي بذل أنصارها من التضحية بأنفسهم وأموالهم ما سجلها لهم التاريخ بأحرف من نور.\n_________\n١ محمد بن عبد الوهاب، أحمد عبد الغفور عطار ص ١٠٦.","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>الباب الثالث عشر: الحملة المصرية على نجد</span>\n...\nالحملة المصرية على نجد\nوقد رأى الخصوم في هذه الدعوة خطرًا على أغراضهم السياسية، (الأتراك- حكم محمد علي في مصر- الأشراف في مكة) .\nوأخذ الوالي التركي في تأليب القبائل العراقية لمناجزة أهل نجد، وأصدر الوالي العثماني أمره إلى والي البصرة ليغزو الدرعية، لكن الدرعية ردت الهجوم بهجوم الأمير سعود على القبائل بوادي شمر وغيرها، فوصل إلى منطقة السماوة، وتتابعت هزائم والي العراق، وعجز والي الشام، فرأت الأمبراطورية العثمانية أن تستعمل واليًا تركيًا أشد طموحًا من والي الشام والعراق، وأكثر توقًا لمرضاة السلطان، فأوكلت مهمة قتال الدعوة وأهلها إلى محمد علي والي مصر يومها، فسير محمد علي باشا جيشًا قوامه أربعة عشر ألفًا من المقاتلين إلى الحجاز في سنة ١٢٢٦هـ بقيادة ابنه أحمد طوسن١، وتلاقى بجيش النجديين وعدته ثمانية عشر ألفًا بقيادة عبد الله بن سعود الذي نصره الله على طوسن وجيشه الذي لا يعرف شيئًا عن غاية الحرب، كما نقل الجبرتي عن المنهزمين الذين كانوا يقولون: أين النصر وأكثر عساكرنا على غير ملة، ومنهم من لا يدين بدين ولا ينتحل مذهبًا وصحبتنا صناديق المسكرات ولا يسمع في عرصتنا أذان ولا تقام فريضة الصلاة، ولا يخطر في بالهم شعائر الدين، والقوم إذا داخل الوقت أذن المؤذنون وانتظموا صفوفًا خلف إمام واحد بخشوع وخضوع، وإذا حان وقت الصلاة والحرب قائمة أذن المؤذنون\n_________\n(١ تولى طوسن محمد علي الحملة المصرية الأولى على المسلمين في الجزيرة العربية عام ١٨١١م، وكان عمره يومها سبعة عشر عامًا ومعه ضباط أوربيون. اهـ. انظر: آل سعود ص ٦٧.","vol":"1","page":209},{"text":"وصلوا صلاة الخوف فتتقدم طائفة للحرب وتتأخر أخرى للصلاة، وعسكرنا يتعجبون من ذلك، لأنهم لم يسمعوا به فضلًا عن رؤيته.\nوعاد طوسن بجيشه بعد الهزيمة إلى ينبع، وعسكر هناك انتظارًا للنجدة المصرية، وعندما وصلت النجدات المصرية عام ١٨١٤م-١٢٢٩هـ التقى الفريقان من (القنقذة) وانهزم المصريون مرة أخرى١، وبينما المعارك تجتاز هذه المرحلة الحاسمة والمسلمون النجديون يعدون العدة لخوض معركة شاملة، إذ بالمنية تحضر الأمير سعود٢ بن عبد العزيز بن محمد، فينتقل إلى جوار ربه في الدرعية. وخلف ابنه الإمام عبد الله بن سعود٣ بن عبد العزيز، لكن عمه عبد الله بن محمد نازعه الحكم. وانقسم آل سعود على بعضهم مما سهل مهمة الجيش المصري الذي أخذ استعداده لاكتساح نجد. فأصدر محمد علي الألباني أمره إلى ولد أحمد طوسن بسرعة العودة إلى مصر، ثم جهزه مرة ثانية بحملة وسيره إلى الجزيرة العربية، فتمكن طوسن في هذه المرة من فتح المدينة المنورة والاستيلاء عليها، ثم قصد مكة المكرمة واستولى عليها أيضًا، وبذلك عاد الحرمان الشريفان إلى الدولة\n_________\n١ عنوان المجد ١/١٩٤.\n٢ توفي الإمام سعود ليلة الإثنين ١١ جمادى الأولى سنة ١٢٢٩هـ وهو في الثامنة والستين من عمره، وكانت ولايته إحدى عشرة سنة، وكان ﵀ أميرًا وحاكمًا قلما يوجد له مثال، وبموته خلا الجو لمحمد علي ومعاركه. راجع بتوسع مناقبه وصفاته في كتاب: محمد بن عبد الوهاب مصلح مفترى عليه –مسعود الندوي ص١٢٩-١٣٢.\n٣ هو: عبد الله بن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود، تولى إمامة الدرعية بعد وفاة والده سنة ١٢٢٩هـ، وحاربته جيوش العثمانيين القادمة من مصر بقيادة إبراهيم باشا، وسقطت الدرعية في عهده ١٢٣٣هـ-١٨١٨م، وحمله إبراهيم باشا معه إلى مصر، ثم إلى الأستانة فقتل فيها سنة ١٢٣٤هـ-١٨١٨م. (انظر: الإعلام جـ٤ ص ٨٩: للزركلي) .","vol":"1","page":210},{"text":"العثمانية، وعادت بدع الحج، وأراد طوسن مطارة المسلمين النجديين، ولكن الله تعالى ألحق به هزيمة منكرة قرب مكة، وفي هذه الأثناء قدم الوالي المصري محمد علي الألباني إلى الحجاز، واستطاع أن يهزم الأمير عبد الله بن سعود، واحتل تربة ثم بيشة، واستولى على عسير. ثم عاد إلى مكة المكرمة ومنها إلى القاهرة.\nوبقي أحمد طوسن في الحجاز بعد حملته على نجد١ ثم زحف على الرس في نجد فاستسلم أهلها، وجاء عبد الله بن سعود ليخرجه منها فلم يتمكن، وما لبث أن اتفق الفريقان على الصلح، فتعهد طوسن بالخروج من نجد وتعهد الأمير عبد الله بتأمين سبل الحج، ثم عاد أحمد طوسن إلى القاهرة حيث توفي هناك ... إلا أن أباه لم يوافق على هذا الصلح فجهز ابنه إبراهيم محمد علي الألباني بحملة جديدة على نجد مجهزة بمدافع ضخمة، وعسكر بالحناكية شرق المدينة، وبدأ بإغراء البدو، فوقفت القبائل بقوة إلى جانبه، وقد كانت قبل ذلك مع الإمام سعود –فسبحان مقلب القلوب- وسار إبراهيم باشا بجيشه من الحناكية إلى الرس فقاومه أهلها، ثم استسلموا، ثم احتل عنيزة ويريدة والمذنب، ودخل الوشم وشقرا، وقامه أهل ضرمى فأباحها لجنوده، وساروا إلى الدرعية فحاصروها٢ خمسة أشهر، كانت النجدات خلال هذه المدة تتوالى على إبراهيم باشا من مصر والبصرة والمدينة والقصيم، إلا أن هذه المسيرة لم تكن نزهة سهلة، وإنما كلفته غاليًا من العدة والعتاد، وبقيت الدرعية التي انبثقت منها رسالة التوحيد كالطود الأشم٣،\n_________\n١ أمين الريحاني –تاريخ نجد الحديث ص ١٦٠.\n٢ راجع بتوسع: الكتاب القيم –الدرعية العاصمة الأولى تأليف عبد الله بن محمد بن خميس ص ٣٤٩-٤٥٩.\n٣ المرجع السابق.","vol":"1","page":212},{"text":"إلا أن ضعاف النفوس أخبروا إبراهيم باشا بعورات المجاهدين مما كشف المدينة أمامه فحمل بجنوده ومدافعه. وبعد معارك طاحنة طارت فيها الرؤس وهدمت فيها القلاع والحصون واشتعلت الحرائق، وعلى الرغم من هول الموقف لم يفر رجال الدرعية رغم محاصرتهم، لعلمهم بقوله ﷺ: \"إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وأن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم\" ١.\nوصدق جلاد الرجال الأوفياء وشاء الله تعالى، وعقد الصلح مع سقوط آخر موقع ضرب فيه الموحدون أروع الأمثلة في التضحية والفداء، واستسلمت الدرعية للقضاء المقدر.\nقال ابن بشر: ثم أمر العساكر أن يهدموا دورها وقصورها، وأن يقطعوا نخيلها وأشجارها، ولا يرحموا صغيرها ولا كبيرها. فابتدر العساكر مسرعين وهدموها وبعض أهلها فيها مقيمون. وقطعوا الحدائق، وهدموا الدور والقصور، ونفذ فيها القدر المقدور، وأشعلوا في بيوتها النيران، وأخرجوا جميع من كان فيها من السكان، فتركوها خالية من المساكن كأن لم يكن بها من قديم ساكن، وتفرق أهلها في النواحي والبلدان، وذلك بتقدير الذي كل يوم هو في شأن٢.\nوصدق الشيخ عبد العزيز بن حمد بن ناصر٣ وهو أحد تلاميذ شيخ الإسلام\n_________\n١ أخرجه الترمذي وابن ماجه، وسنده حسن.\n٢ عنوان المجد في تاريخ نجد ج١ ص٢١٣.\n٣ هو: العالم الجليل عبد العزيز بن حمد بن ناصر بن معمر، ولد في الدرعية ١٢٠٣هـ -تتلمذ- على والده العالم حمد بن ناصر، وعلى شيخ الإسلام عبد الله بن عبد الوهاب، وعلى الشيخ أبي بن غنام.","vol":"1","page":213},{"text":"عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب برثاء الدرعية بقصيدة رائعة تسمى عند علماء الدرعية \"الطنانة\"، والتي أبكت الناس وهي تصور بطش إبراهيم باشا وجنوده:\nيقول ﵀:\nوكم قتلوا من عصبة الخير فتية ... هداة \"وضاء\" ساجدين وركعا؟\nوكم دمروا من مربع كان آهلًا؟ ... فقد تركوا الدار الأنيسة بلقعا\nفأصبحت الأموال فيهم نهائبًا ... وأصبحت الأيتام غرثى وجوعا\nوفرق الإخوان من كان قاطنا ... وفرق ألف كان مجتمعا معا١\nثم دعا الناس إلى الصبر على قضاء الله، ونبذ اليأس وانتظار الفرج، يقول:\nألا أيها الإخوان صبرًا فإنني ... أرى الصبر للمقدور خيرًا وأنفعا\nولا تيأسوا من كشف ما ناب أنه ... إذا شاء ربي كشف ذاك تمزعا\n_________\n١ عنوان المجد ج ٢ ص ٢٧.","vol":"1","page":214},{"text":"عسى وعسى أن ينصر الله ديننا ... ويجبر منا اليوم ما قد تصدعا\nويعمر للسمحا ربوعًا تهدمت ... ويفتح سبلًا للهداية مهيعا١\nوإبراهيم باشا الطاغية الذي لا يحترم كبيرًا ولا صغيرًا ولا عالمًا، فقد أحضر في مجلسه العالم الجليل سليمان بن عبد الله ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب٢، وأظهر بين يديه آلات اللهو والطرب، وقال له:\nما تقول بهذه؟ فقال ﵀: إنها حرام، ولا يجوز الاستماع إليها. فقام هذا الطاغية وأخرجه إلى المقبرة وأطلق عليه خمس رصاصات، فسقط شهيدًا وقد مثل بجثته، فقطعت إربًا إربًا، ومزقت عضوا عضوا وصدق الله العظيم: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (آل عمران: ١٦٩-١٧٠) .\n_________\n١ عنوان المجد ج٢ ص٣٧-٣٨.\n٢ هو سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ولد سنة (١٢٠٠هـ) في بلدة الدرعية وكانت في أوج قوتها تعج بكثير من العلماء والأعلام، فنشأ بها وقرأ القرآن حتى حفظه، وقرأ على عدد من علمائها، وكان نادرة في العلم والحفظ، فكان فقيها ومتكلمًا، ومفسرا ومحدثًا، من تصانيفه أوثق عرى الإيمان، والتوضيح عن توحيد الخلاف في جواب أهل العراق في مجلد واحد، وله تيسير العزيز الحميد في شرح التوحيد، وله تذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتوفي مجاهدًا حيث استولى إبراهيم باشا على بلدة الردعية سنة (١٢٣٣هـ)، فغدر بالشيخ رغم العهود المبرمة بينه وبين الشيخ وأهل الدرعية، فأخرج الشيخ إلى المقبرة، ثم أمر جنده أن يطلقوا عليه النار، وفاضت روحه إلى بارئها وليس له عقبل. انظر مشاهير علماء نجد/ عبد الرحمن بن عبد اللطيف ص ٢٩-٣١، وانظر معجم المؤلفين، عمر كحاله ٤/٢٦٨.","vol":"1","page":215},{"text":"قال الشيخ إبراهيم محمد بن إبراهيم آل الشيخ في مقدمة كتاب الشيخ سليمان بن عبد الله بن عبد الوهاب \"تيسير العزيز الحميد\".\n\"وكان ﵀ آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، فلا يتعاظم رئيسًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتصاغر ضعيفًا أتى إليه بطلب فائدة، وقد أكرمه الله تعالى بالشهادة سنة ١٢٣٣هـ، وذلك عندما وشى به بعض المنافقين إلى إبراهيم باشا بن محمد علي باشا بعد دخوله الدرعية، واستيلائه عليها، فأحضره إبراهيم باشا وأظهر بين يديه آلات اللهو والمنكر إغاظة له، ثم أخرجه إلى المقبرة، وأمر الجند أن يطلقوا عليه الرصاص جميعًا فخرقوا جسمه، وفاضت روحه إلى ربه، ﵀، وأجزل مثوبته، وأسكنه فسيح جناته\".\nيقول المؤرخون١:\nإن إبراهيم لم يحترم شروط الاستسلام، رغم توقيعه عليها، ذلك أنه ذبح رؤساء العشائر التي وقفت إلى جانب الإمام في الدفاع عن عاصمة الدولة العربية السعودية الأولى، وتفنن في تعذيب الزعماء والعلماء على السواء، فطرح بعضهم مقيدًا تحت سنابك الخيل، ووضع البعض الآخر أمام أفواه المدافع لتمزقهم القذائف شر ممزق.\nكما أمر بتعذيب القاضي العلامة أحمد رشيد الحنبلي أمامه، وخلع أسنانه في مجلسه، وكان أفظع من ذلك كله أنه أمر بعد عدة أشهر من استسلام الدرعية بطرد\n_________\n١ معجزة فوق الرمال –أحمد عسه- بيروت ١٩٦٩م.","vol":"1","page":216},{"text":"أهلها منها، بما في ذلك النساء والأطفال والشيوخ، ليأمر بعدها بدك المدينة جميعها بالمدفعية، ويشعل النيران في كل أحيائها، ويقطع أشجار النخيل من البساتين المحيطة بها، متوهما أنه بفعلته هذه سيقضي على الفكرة العربية الإسلامية التي كانت تمثلها الدولة العربية السعودية إلى الأبد.\nثم أمر إبراهيم باشا الألباني بعد المصالحة أن يتجهز الإمام عبد الله ابن سعود للمسير إلى السلطان، فخرج من الدرعية إلى القاهرة، ومنها إلى الأستانة، حيث طوفوه في الأسواق، ثم أعدموه.\nيقول الزركلي: عبد الله بن سعود من أمراء نجد، وليها بعد وفاة أبيه سنة ١٢٢٩هـ ونازعه أخوه فيصل بن سعود فضعفت شوكته، وحاربته جيوش العثمانيين القادمة من مصر، وتغلب عليه قائدها إبراهيم باشا، طلب الصلح وأجابه إليه إبراهيم فتم الصلح، وأرسله إبراهيم إلى مصر فأكرمه واليها محمد علي باشا، ووعده بالتوسط له عند حكومة الأستانة. فقال عبد الله (المقدر يكون)، وحمل إلى الأستانة هو من معه فطيف بهم في شوارعها ثلاثة أيام متتابعات، وأعدموا في ميدان مسجد أيا صوفيا، وقطعت رؤسهم، وظلت جثثهم معروضة بضعة أيام. وكان عبد الله شجاعًا تقيًا، في رأيه ضعف١.\nفرحم الله الإمام عبد الله بن سعود وجزاه عن جهاده خير الجزاء، فقد كان كما يقول ابن بشر: \"مقيمًا للشرائع، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، كثير الصمت، حسن السمت، باذل العطاء، موقرًا للعلماء، وكان صالح التدبير في مغازيه. وفي\n_________\n١ شبه الجزيرة العربية في عهد عبد العزيز: خير الدين الزركلي.","vol":"1","page":217},{"text":"الدرعية ومجالس الدروس، وفي قضاء حوائج الناس، وغير ذلك على سيرة أبيه سعود، وقد علمه الإسلام والتوحيد أن الحياة في خضوع العبيد ليست هي الحياة، وعلمته العقيدة أن الله بالغ أمره ومنفذ قدره، فتلك هي الخصوصية الأولى للمسلمين، ومن سار على آثارهم. وبوفاة الإمام عبد الله انتهت الدولة السعودية الأولى التي عمرها الرجال بفكر ابن تيمية وابن القيم وتلميذهما النجيب محمد بن عبد الوهاب، فرحمهم الله في الخالدين، بعد أن دامت ست وسبعين سنة\".\nقد قال الجبرتي في وصف القسوة البالغة التي لازمت عزوات جيوش محمد علي الألباني، والفظائع التي ارتكبها ابنه طوسن، وابن زوجته إبراهيم، وولاة الترك، في حوادث (١٢٢٨-١٢٢٩هـ-١٢٣٠هـ-١٢٣٤هـ-١٢٣٦هـ) لا بد أن يتوقع العنف في ردود الأفعال عند اتباع دعوة الإمام ابن عبد الوهاب، فمن هذه الفظائع رمي جثث القتلى للوحوش والكلاب، وحمل الأسرى من أشراف القوم إلى مصر والأستانة في رقابهم الحديد، يطاف بهم في البلاد على هذه الحالة المهينة، ثم يقتلون، ومنها تخريب الدرعية مرتين، وقتل من طالته أيديهم من آل سعود وآل الشيخ، والتنكيل بالعلماء وقتلهم بعد تعذيبهم، فمنهم من كان يربط بأفواه المدافع ثم تطلق فتتناثر لحوم جثثهم في الفضاء، ومنهم من كانت تخلع جميع أسنانه قبل قتله، ومن هذه الفظائع التي تجاوزت حدود ما رواه الجبرتي في حوادث سنة ١٢٢٧ من أعمال النهب والسلب وهتك الأعراض، وذلك كله مع ما عرفت به جيوش محمد علي الألباني من المجاهرة في ارتكاب المعاصي والاستخفاف بالدين وإشاعة الفاحشة جهارًا في رمضان ولياليه، مما وصفه الجبرتي عفى الله عنه في حوادث سنتي ١٢٢٧و١٢٢٩.","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>الباب الرابع عشر: تأسيس الدولة السعودية الثانية</span>\n...\nتأسيس الدول السعودية الثانية (١٢٣٨هـ - ١٣٠٩هـ - ١٨١٩م – ١٨٩٠م)\nعلمنا أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى نهض بدعوته الإسلامية التي قيض الله ﷾ لها تلك الخامات العربية التي انطوت على عناصر الحرية والكرامة، واستوت على أقطار الحياة، فردها إلى الفطرة السمحة، وغذاها بوحي الكتاب والسنة، وانطلق بها مؤمنة صابرة تحمل أعباء الدعوة الهادية، وتنشر الهدي المحمدي، وتقر الأمن المضطرب، وتحمي البيت الذي يتخطف الناس فيه ومن حوله، ثم تمضي برسالتها إلى أبعد الآفاق.\nونجح هذا الإمام في المرحلة الأولى للدعوة مرحلة الانتصار على الأهواء، وقطع حبال الجاهلية، ثم سار بالدعوة جنبًا إلى جنب مع مراحل تكوين الدولة التي تحمي هذه الدعوة التي زلزلت قلوب كثير من السلاطين، وعلماء السوء والفتنة، وأهل البدع والضلالات، الذين رأوا فيها خطرًا مروعًا إن امتد يقضي على أوضاعهم الظالمة وعقائدهم الفاسدة.\nوكان إحساس تركيا بخطر الدعوة الإسلامية الجديدة مزدوجًا، لأنها كانت تحس في الوقت نفسه بخطر محمد علي باشا الألباني في مصر، فأرادت أن تضرب الضربة لتصيب بها الاثنين معًا، وطلبت إلى محمد علي الألباني١ أن يغزو نجدًا،\n_________\n١ ولد في مقدونيا في بلاد اليونان سنة ١١٨٢هـ واستغل في شبابه بعدة أعمال منها الجندية والتجارة، ثم تطوع في الحملة العثمانية التي أرسلت لإخراج نابليون من مصر سنة ١٢١٥هـ-١٨٠١م، واستطاع هناك بذكائه أن يستغل تناقضات القوى الثلاث الكبرى في مصر آنذاك وهي الأتراك والمماليك والإنجليز لصالحه، فاستقطب ولاء الشعب المصري حتى عين واليًا على مصر سنة ١٢٢٠هـ-١٨٩٥م من قبل الدولة العثمانية بعد أن كانت الجماهير قد رفعته لذلك المنصب أثر هياج شعبي.\nانظر: تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر –تأليف عبد الرحمن الرافعي- ط٣ سنة النشر ١٣٧٨- القاهرة ج٢ ص٣٥٥-٣٥٧.","vol":"1","page":221},{"text":"وأن يقضي على المسلمين الداعين إلى الله فيها. ورآها محمد علي فرصة يضرب بها ضربته باسم خليفة المسلمين ظل الله في أرضه، ثم كانت الغزوات والحروب التي يطول ذكرها، والتي ذهب وقودها مئات الألوف من أبناء مصر، وعشرات الأولوف من أبناء جزيرة الإسلام، وظنوا أنهم قضوا على الدولة التي أقامت حركة التوحيد من جديد بكبوة جوادها، وفاتهم أن حركة التوحيد قد توسع مداها، وأوقدت شعلة قوية في كل أعماق الدعوات الإصلاحية الحديثة، وألهمتها فهمًا جديدًا متكاملًا قائمًا على أن الإسلام دين ونظام واجتماع في نظام موحد، ومن العسير جدًا فصل هذه العناصر بعضها عن بعض في تفكير المسلم الواعي، والمعروف أن النفوذ الغربي قد قاوم هذه الدعوة لأنه لا يريد أن يسمع في هذه المنطقة صوت يقظة حتى يتم تمزيقها وسلخها عن الدولة العثمانية وإدخالها في مناطق نفوذه، وكانت منطقة الخليج والجزيرة في تلك الفترة هي أخطر هذه المناطق التي تطمع فيها بريطانيا، وقد كان الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ قد أكد دعوة التوحيد بضرورة التماس مفهوم الأساس من القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وأن وسيلة الإصلاح والنهضة لن تتحقق إلا بحملة ضخمة قوامها القوة والإقناع معًا للقضاء على البدع١ والمفاسد التي دخلت الإسلام ظلمًا، والعودة إلى نقاوته الأولى، وعدم الاعتراف بما تركه المفسدون مما يتعارض مع أصول\n_________\n١ مقدمات العلوم والمناهج ٣/٢١١.","vol":"1","page":222},{"text":"الإسلام في بساطته وسماحته، وترك الطقوس وأنواع الاحتفالات والبدع الخاصة بتقديس الأولياء، وقصر العبادة على توحيد الله وحده، وفق ما دعا إليه محمد ﷺ وأتباعه، ووفق تعاليم القرآن الكريم.\nولا شك أن صدق الإمام والأمير، وعمق أيمانهما وصلابتهما، كانت كلها عوامل أساسية في النتائج التي حققتها الدعوة، حيث تسلمت قيادة الحركة الإسلامية، وكان أبرز معطايتها أنها فتحت باب الاجتهاد في الفروع، والقيام بواجب الجهاد في سبيل الله، وإحياء هذه الفريضة التي أصابها الوهن، وكشف الظالمين، وهزت مراكزهم ونفوذهم، ولهذا اعتبرها الاستعمار الخطر الأول، ولكن هذه الدعوة المباركة سجلت أمرًا خطيرًا وبعيد الأثر في حركة اليقظة المعاصرة كلها، ذلك أنها أيقظت عالم الإسلام وأمة العرب قبل قدوم حملة نابليون بأكثر من ستين عامًا، وهدته إلى وسائل النهضة وأسبابها.\nمن أجل ذلك كان التركيز الشديد من قبل النفوذ الاستعماري على الدعوة الإسلامية في الجزيرة العربية، فقد أحس أنها تمثل مفهوم الإسلام في اليقظة والمقاومة والعودة إلى عوامل القوة، وكان أبناء الدعوة الإسلامية في الجزيرة قد وضعوا أمامهم خطًا أساسيًا هو الدفاع عن حوزة الإسلام ضد الأخطار المحدقة به، بعد أن حسبوا مدى الوهن والتراخي الذي طرأ على الوحدة الإسلامية في استنبول، وإذا كانت الدولة الأولى التي أقامتها الدعوة الإسلامية قد انتهت بالقضاء على إمامها عبد الله بن سعود ﵀ فإن الذين تربوا في مدرسة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ من أهل نجد، لا يمكن أن يضعفوا أو يستكينوا لأنهم يعملون لنصر الله ﷿ وما داموا يعتقدون أن النصر بيد الله يؤتيه من يشاء، وأن الله","vol":"1","page":223},{"text":"قد أكد لهم النصر بشرطه في كتابه العزيز فقال: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (القتال: ٧)، وقد علم المسلمون الأولون أنه لا جهاد ولا شهادة ولا جنة إلا حين يكون الجهاد في سبيل الله وحده، والموت في سبيله وحده، والنصر له وحده في ذات النفس وفي منهج الحياة. لا جهاد ولا شهادة ولا جنة إلا حين يكون الهدف هو أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن تهيمن شريعته ومنهاجه في ضمائر الناس وأخلاقهم وسلوكهم١.\nوعلى هذا الأساس حمل تلاميذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب راية التوحيد، وبنوا بها دولة حققت للمسلمين السيادة والعزة، وبالرغم من سقوط الدولة السعودية الأولى من المفهوم السياسي، إلا أنها تركت في البلاد النجدية مقومات الدولة السعودية الثانية، ومداولة الأيام بين الناس سنة من سنن الله ﷿ في الأرض، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ (آل عمران: ١٤٠) .\nفالشدة بعد الرخاء، والرخاء بعد الشدة يكشفان المعادن والدخائل، وفوق ذلك هو أجل مقدر لحكم أخرى يتحقق مع تحقق النصر.\nوشاء الله تعالى أن يبتلي أهل نجد بفترة أخرى من الفتن والضياع يصفها ابن بشر، فيقول: ... فلما حل القضاء، وانتهى الأمد المكتوب، وانقضى، وانحل نظام الجماعة، والسمع والطاعة، وتطايرت شرار الفتن في تلك الأوطان، وتعذرت الأسفار بين البلدان، وعاثت فيها العساكر المصرية فسادًا، فقتلوا صناديد الرجال،\n_________\n١ في ظلال القرآن ٦/٢٢٨٨.","vol":"1","page":224},{"text":"وصادروا أهلها، فأخذوا ما بأيديهم من الأموال، وقطعوا الحدائق الظليلات، وهدموا القصور العاليات، وصار أهل نجد بينهم أذل من العبيد، وتفرق علماؤهم وخيارهم ما بين طريد وشريد، وثارت في غالب البلدان الفتن والقتل والقتال والمحن، وظهر المنكر، وعدم الأمر بالمعروف والنهي حتى أن الرجل في جوف بيته وجل مخوف، وتذكروا ما بين أسلافهم من الضغائن الخبيثة القديمة، وتطالبوا بالدماء، فكل منهم يطلب أولًا ... أولاد غريمه، فتقاتلوا على سنن ما أنزل الله بها من سلطان، وهجر كثير منهم الصلاة، وأفطر في رمضان، وجرى الرباب والغناء في المجالس، وسبت الذراري على المجامع والمدارس، وعمرت المجالس بعد النداء للصلوات، واندرس السؤال عن أصول الإسلام وأنواع العبادات، وظهرت دعوى الجاهلية في كل البلاد، وتنادوا بها على رؤوس الأشهاد، وتتابعت هذه المحن في تلك الجزيرة نحو أربع سنوات، والشر فيها في زيادة، وظهور وتمكين، وبقيت الفتنة مستمرة حتى أنعش الله أهل نجد بشبل من أشبال ملوكها وسلاطينها، فبذل نفسه، وجرد سيفه لاجتماعها، وتمكين دينها١، فقضى على الفوضى، ووطد الأمن، وأعاد للإسلام مكانته.\n_________\n١ المجلة العربية –السنة الأولى- العدد الثاني- ص ٩٨ السعودية.","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>الباب الخامس عشر: الإمام تركي بن عبد الله محرر نجد ومؤسس الدولة الثانية</span>\n...\nالإمام تركي بن عبد الله١ محرر نجد ومؤسس الدولة الثانية\nلقد كان لعبد العزيز بن محمد بن سعود أخ اسمه عبد الله، أنجب ولدًا اسمه تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود، من أبناء عمومة أمير الدرعية، عبد الله بن سعود بن عبد العزيز، فر من وجه إبراهيم باشا الألباني، وظل متنقلًا في صحراء نجد ينشد السلامة في دينه ودنياه، وذكر هذا الفتى –تركي- ذلك العهد الذي قطعه جده محمد بن سعود للشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب من العمل على نشر الدعوة إلى الله، ومحاربة الشرك والبدع والخرافات، فأخذ من عام ١٢٣٥هـ يؤلف القلوب ويجمع الكلمة، ويدعو إلى ما كان يدعو إليه آباؤه، على يقين من أن الدعوة إلى الله ﵎ شرف وتضحية، وأن طريقها ليس مفروشًا بالورود والرياحين، بل هو مملوء في أكثر الأحيان بالأشواك والعقبات والتضحيات، إلا أن التماس الأجر من الله تعالى يدفعه وهو مطمئن إلى وعد ربه ﵎،\n_________\n١ هو تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود، توارى عن الأنظار بعد احتلال إبراهيم باشا الدرعية في سنة ١٢٣٣هـ-١٨٧٨م، استولى على حكم نجد سنة ١٢٣٦هـ-١٨٢٠م لفترة قصيرة انتهت سريعًا، ولكنه استعاد الحكم مرة ثانية سنة ١٢٤٠هـ-١٨٢٤م، نوط حكمه الذي شمل نجد والإحساء إلى أن قتل على يد ابن أخته مشاري ابن عبد الرحمن ١٢٤٩هـ-١٨٣٤م. انظر: العلاقات بين نجد والكويت تأليف خالد بن محمد السعد ط ١ الناشر جامعة الملك عبد العزيز ص ٣٧.","vol":"1","page":228},{"text":"وقول نبيه ﷺ: \"من دعا إلى هدى فله من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقض ذلك من أجورهم شيئًا\" ١.\nوقد كانت سير الرجال وتراجم الأبطال الذي صهرتهم المحن وصقلتهم الشدائد ماثلة أمام ناظريه، يستلهم منها ويقتدي بها، فأحس بالمسؤولية الثقيلة، والتمس التوفيق من الله ﷿ في استمرار العون، ووضع كلمة نبي الله شعيب ﵇ نبراسًا: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: ٨٨)، ومهما كانت الشدائد فلا تزيده إلا إصرارًا وعزمًا، فإيمانه يهون عليه المصاعب والأهوال، كهؤلاء الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب:٢٢)، وعمل رحمه الله تعالى على استنهاض الهمم وتعميق اليقين بالله ﷿، والثقة بنصره لاستعادة الدولة الإسلامية التي تكالب عليها الأعداء فأسقطوها، وشوق رجاله إلى التضحية بالنفس والمال، حتى أتت جهوده بأطيب الثمرات، وتمكن من غزو الإحساء والاستيلاء عليها، ومضى إلى الرياض ١٢٣٦هـ فاسترداها من الأتراك، وطرد الحامية المصرية، وأسس فيها إمارته فكان الإمام الخامس.\nوظل الإمام تركي بن عبد الله يعمل على نشر الدعوة، وبه انتقلت الإمارة من سلالة عبد العزيز بن محمد إلى سلالة أخيه عبد الله بن محمد، وما زالت فيها إلى هذا اليوم.\nولقد كبر على آل سعود الكبير أن تخرج الإمارة منهم إلى أبناء عمومتهم، فدبر\n_________\n١ رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن.","vol":"1","page":229},{"text":"مشاري بن عبد الرحمن بن مشاري بن سعود، أخو محمد بن سعود الكبير، فكرة اغيال الإمام تركي، والاستئثار بالإمارة من دونه، فعهد إلى أحد الخدم بذلك، فجاء إليه وهو خارج من المسجد عقب صلاة الجمعة عام ١٢٤٩هـ وهو منشغل بقراءة عريضة رفعت إليه من أحد الرعايا، فأرداه قتيلًا، ومن الحق أن نقول: \"بأنه لولا صبر الإمام تركي وجهاده وجهوده المتواصلة في سبيل إصلاح التركة التي تسلمها مثقلة بالخراب والدمار لما قامت الدولة العربية الإسلامية في جزيرة الإسلام، ولم يكتف تركي ﵀ بتحرير البلدان من سيطرة الألباني محمد علي، وإنما أنقذها أيضًا من سيطرة الزعماء الإقليميين، \"المتنافسين والمتقاتلين\"، وفي ذلك يقول ابن بشر: \"كان تركي ﵀ شجاعًا مقدامًا، مجاهدًا في سبيل الله، افتتح قرى نجد واستولى عليها بالحرب والصلح بعد أن كان بعضهم يضرب رقاب بعض، وكان أمير كل بلد شاهرًا سيفه لمحاربة البلد التي تليه، فجاهد حق الجهاد حتى أطاعت له البلاد والعباد، وصاروا كلهم جماعة، وبايعوه على السمع والطاعة١. ثم انتهت حياة هذا الإمام على يد ابن عمه مشاري الذي تقدم ونادى بنفسه أميرًا على البلدة فخضع الناس له، وكان فيصل بن الإمام تركي -القتيل- غائبًا في أطراف القطيف على رأس جيش عظيم لإقرار السلام في تلك الجهات، فما أن بلغه الخبر حتى قفل راجعًا إلى الرياض فبلغها في الحادي عشر من شهر صفر سنة ١٢٥٠هـ، ودخلها عنوة فاحتمى مشاري بقصره، فاقتحمه أحد رجال فيصل، ودخل عليه فقتله بعد حكم دام أربعين يومًا فقط٢، وبعد قتله تربع\n_________\n١ المجلة العربية: العدد الثاني ص ٩٩.\n٢ آل سعود –ماضيهم وحاضرهم: تأليف جبران شامية ص ٧٠.","vol":"1","page":230},{"text":"فيصل بن تركي على كرسي حكم البلاد، وكان فيصل من ضمن من نقل إلى مصر وتربى فيها، ثم رجع إلى أبيه وتولى قيادة جيشه ومعاونته على تدبير شؤون الإمارة، والبر بوالده إلى أن قتل، فأخذ بثأره ممن دبر قتله وتولى الحكم محله، وما أن قبض على أزمة الأمور وأصبح أميرًا على نجد والإحساء والقطيف، وبعض قرى الحجاز حتى قام يعمل على نشر الدعوة التي أخذ آل سعود على أنفسهم حمايتها ونصرتها، لتكون كلمة الله هي العليا.\nفلما سمع والي مصر محمد علي باشا الألباني بتجدد الدعوة الإسلامية في نجد على يد فيصل بن تركي أيقن أنه لا سبيل إلى القضاء على هذه الدعوة إلا عن طريق قادتها، فاختار من بين المبعدين في مصر من آل سعود شابًا استصفاه ورباه في قصره على النعيم والترف، وملأت قلبه مباهج الحضارة الغربية الزائفة، حتى نسى ما في البداوة من معان سامية، وشمائل عالية توحي إلى النفوس معنى العزة والكرامة، وتذيقها لذة الحرية والاستقلال، وتشعرها بفوائد الإيمان والثقة بالله ﷿، ذلك هو الأمير خالد أصغر أبناء سعود الكبير، وأخو الإمام عبد الله الذي استسلم لإبراهيم باشا في الحملة المصرية الأولى، وأعدم في استانبول.\nوكان لخالد أنصاره الذين لم يرضوا عن انتقال الإمامة من أولاد سعود الكبير إلى أولاد عبد الله بن محمد، وكان له –أيضًا- مؤيده الذي أعده ليتولى الحكم في الجزيرة نيابة عنه، وهو محمد علي باشا الألباني الذي وثق بأنه لن يدعو بدعوة آبائه، عند ذلك أرسله إلى نجد ومعه جيش بقيادة إسماعيل، ثم تبعهما بعد ذلك عام ١٢٥٤هـ القائد العام خورشيد باشا، لانتزاع الحكم من يد فيضل بن تركي وتنصيبه بدلًا عنه. فسار الجيش –المذكور- حتى أشرف على الرياض، فلما سمع","vol":"1","page":231},{"text":"به الإمام فيصل لم يشأ منازلته في الرياض، بل تنحى بجيشه إلى مكان يقال له \"الدلم\" في أنحاء الخرج، فتبعه هنالك الجيش المصري، وحصلت بينهما معركة لم يستطع معها الجيش المصري دحر قوة خصمه، لكنه ظل مرابطًا حوله والمناوشات دائرة بينهما عدة أيام حتى سئم الفريقان الحرب.\nفما كان من الإمام فيصل إلا أن يعرض على القائد المصري استعداده للتسليم إليه على شرط إعطائه الأمان لكل من كان يحارب معه، فقبل القائد المصري ذلك، وبادر الإمام فيصل بتسليم نفسه إليه في اليوم الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة ١٢٥٥هـ- (١٨٣٨م)، فبعث به إلى مصر مع أخيه جلوي بن تركي وابنى أخيه عبد الله ومحمد، وأجلس خالدا على كرسي الحكم، وسلمه مقاليد الإمارة في نجد ليوجه الشعب إلى غير الاتجاه الذي كان عليه، ويسير به على النظم والتعاليم العصرية المتبعة في مصر، فقام خالد بما عهد إليه به، فنفر منه الناس، وأنكروا عليه أعماله، وقامت الثورات ضده، حتى توحدت القرى النجدية بزعامة عبد الله بن ثنيان بن إبراهيم بن ثنيان بن سعود١، تريد التحرر من حكم الأتراك والمصريين، وتبغي المحافظة على الدين الإسلامي الصحيح على طريقة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀، وقررت خلع الأمير المذكور، فما وسعه إلا أن ينجو بنفسه، ففر إلى الإحساء فالقطيف ثم الكويت، ومنها إلى الحجاز حيث مات بها في عام ١٢٥٧هـ (١٨٦١م)، وخلا الجو لعبد الله بن ثنيان فاستبد بالحكم وعمل على وضع الضرائب الباهظة على الشعب ليستعين بذلك\n_________\n١ عبد الله بن ثنيان، هو من فرع ثالث من العائلة السعودية، ويعتبر الإمام التاسع، وقد دام حكمه سنتين (١٨٤٣م) .","vol":"1","page":232},{"text":"على توطيد إمارته، ولكن الإمام فيصل بن تركي لم يمهله كثيرًا، ففر من مصر ثانية، أو ربما سهلت له مصر في عهد واليها عباس باشا الأول طريق الفرار لمناوأة خصمها الذي تزعم الثورة ضد عاملها الأمير خالد، لعجزها في هذه المرة عن مقاتلة نجد، وتوطيد حكمها فيها١.\nوما أن جاء إلى نجد البشير بمقدم إمامها المحبوب فيصل حتى التفت حوله القبائل، فزحف بها إلى عنيزة، فاستولى عليها بعد أن أخلاها ابن ثنيان، ولجأ إلى الرياض، فتعقبه بها وحاصره بقصره فاستسلم له فعفا عنه، ولكنه مات بعد مرض ألزمه الفراش أيامًا، وظل الإمام فيصل يعمل على استرجاع ما أخذ منه من البلاد حتى خضعت له الإحساء والقطيف، والعارض والقصيم وجبل شمر، ووادي الدواسر وعسير وجانب من أرض الحجاز، ودان له بالطاعة أمراء البحرين ومسقط وسواحل عمان وعنيزة، ولم يكن يهمه كل ذلك إلا أن يعمل على محاربة كل ما يؤيد إلى الشك والضلال مما يسبب غضب الله تعالى٢، وقد أرك أن الزمن يتقدم بالإسلام وأمته إلى الأمام بين مد وجزر، يذهب الجزر كالزبد جفاء ويبقى من المد ما يمكث في الأرض وينفع الناس، فواجه الواقع بحكمة ماضية وعزم أبي مقدام حر، وهو يعلم أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأن أقدار الله ﵎ مرتبطة بنواصيه، فلا بد من عظيم العمل لتحقيق عظيم الأمل، وقد نفح الإسلام العظيم دعوته من خصائصه الفذة بمزايا البقاء والنماء والارقتاء، ولذا كانت فعاليتها مستمرة الزمان ممدودة المكان، وثمارها أكبر من أن يجحدها جاحد\n_________\n١ راجع تاريخ نجد الحديث –أمين الريحاني.\n٢ راجع كتاب الإمام العادل –تأليف عبد الحميد الخطيب ص ١١-١٤.","vol":"1","page":233},{"text":"أو يختقها ظاغوت، إن في ديننا العظيم من الجدارات والقدرات والطاقات ما ليس في سواه، وهو وحده قادر على أن يمد الرجال الصالحين بنظام يتطلع لإنقاذ البشر ويستر وجودهم في ذاتهم، ويقيمهم في المقام الذي شرعه الله تعالى لهم، والسعيد السعيد هو الذي يضع نفسه من ربه ودينه وأمته وبلده في الاتجاه السديد الرشيد بكل قناعة وطاعة، وعلم وعزم وثقة وإخلاص مهما كانت العواثر، ومهما كثرت المخاطر، وهكذا كان الأئمة المسلمون في مختلف العهود أعلام دين وسياسة.\nاتخذوا من دعوة الحق منهاجًا صالحًا، وسبيلًا واضحًا، استمدوه من القرآن الكريم، والسنة النبوية، ومن روح التشريع الإسلامي، وقاموا بتنفيذه بحكمة وسداد وصبر وعزم حتى انتشرت الدعوة الإسلامية، واستظل برايتها خلق كثير.\nوالمسلم الحق هو الذي يعمل للدين والدنيا معًا، وهكذا كانت حياة الإمام فيصل ﵀ الذي مات في شهر رجب سنة ١٢٨٢هـ (١٨٦٥م)، وخلف من الأبناء أربعة:\nالأول: وأكبرهم، عبد الله، الذي بويع بالإمامة بعد موت والده وأصبح الإمام الحادي عشر.\nوالثاني: محمد، أمير المنطقة الشمالية في نجد.\nوالثالث: سعود بن سعود، أمير الخرج والأفلاح، الذي اعترض على ولاية أخيه عبد الله، وادعاها لنفسه، ودب الخلاف بينهما من جديد فراح سعود يؤلب على أخيه القبائل، وقد نشأت عن ذلك الفتن والقلاقل، وظل الأخوان عبد الله وسعود أولاد فيصل يتقاتلان، والبلاد في حالة فوضى مستحكمة، والحرب الأهلية","vol":"1","page":234},{"text":"تستعر في جميع الأنحاء، حتى تدخل في شؤونها الخاصة أمير حائل محمد بن الرشيد١، وشجع الفتنة للتخلص من نفوذ آل سعود، ومن الضريبة السنوية، كما شجعها الأتراك لاستعادة السيطرة على الإحساء، وتم استيلاء سعود على الإحساء، وساعده شيخ البحرين وسلطان مسقط، وقبائل بني خالد، والعجمان، وبني مرة، وبات الطريق مفتوحًا إلى الرياض، فدخلها سعود بن فيصل سنة ١٢٨٨هـ (١٨٧١م) عندما أرسل عبد الله رسائل إلى مدحت باشا والي بغداد يطلب مساعدته، فكانت المناسبة المرجوة عند الأتراك لاستعادة الإحساء، فجهز مدحت باشا حملة من خمسة آلاف جندي، واستعان بناصر السعدون شيخ قبائل المنتفق، وبعبد الله الصباح شيخ الكويت، وأن سعودًا ثائر ضد الدولة العثمانية، وأنه يتعاون مع الإنكليز، وتطورت الأمور وزادت المحن، واتجهت الحملة من البصرة عام ١٨٧١م، وساعدتها الكويت بالمال والرجال فسارت بحرًا إلى القصير، وبرًا إلى القطيف، ثم احتل الإحساء وقطر فقطع مدحت باشا بذلك الصلة بين نجد وعمان، وأصدر مدحت باشا منشورًا على السلطان جاء فيه:\nإن نجدا وملحقاتها جزءًا من الممتلكات العثمانية أسوة بالعراق واليمن ومصر وغيرها، وبما أن سعودًا أسقط سلطة عبد الله القائم مقام الذي عينه السلطان تابعًا لولاية العراق، فقد أرسلنا قوة لمساعدة عبد الله، وإخضاع القبائل لسلطته، وقد وعدنا سعودًا بالعفو إذا تقدم واعتذر عن تصرفه وإلا فسندمره مع القبائل التي تناصره٢.\n_________\n١ الإمام العادل –عبد الحميد الخطيب ص ١٤.\n٢ آل سعود ماضيهم وحاضرهم –تأليف: جبران شامية ص ٨١.","vol":"1","page":235},{"text":"واستمرت السيطرة العثمانية على المنطقة الشرقية إلى قبيل الحرب العالمية الأولى، وشهدت نجد خلال ولاية الإمام سعود كثيرًا من المحن، فقد اجتاحتها مجاعة عامي ١٨٧١و ١٨٧٢م، فمن لم يمت بالسيف مات جوعًا، وكان الناس يأكلون جيف الحمير، ويحرقون جلود الماعز ويدقونها، بل كانوا يدقون حتى العظام، ويأكلون مسحوقها، وانفصل في تلك الأثناء جبل شمر والقصيم والإحساء عن سلطة آل سعود، وتعقدت الأحداث، ومات خلال ذلك الإمام الثاني عشر، سعود بن فيصل في الرياض سنة ١٨٧٥م، وكان أخوه ومنافسه عبد الله بن فيصل في الصحراء مع أخيه محمد، وبعض رؤساء القبائل، وكان في الرياض عبد الرحمن الابن الرابع لفيصل الذي أخذ الأمر بيده، وأعلن نفسه إمامًا خلفًا لأخيه سعود، فأصبح الإمام الثالث عشر وآزره أولاد أخيه سعود ضد أخيه وعمهم عبد الله بن فيصل، ولم يطل الوقت حتى اختلف عبد الرحمن مع أولاد أخيه سعود، فترك الرياض وأصلح شأنه مع أخيه عبد الله بن فيصل، وأقر له بالإمامة فشكل الأخوة الثلاثة عبد الله ومحمد وعبد الرحمن أولاد الإمام فيصل جبهة موحدة ضد أولاد أخيهم سعود بن فيصل، وعاد عبد الله بن فيصل إمامًا وهو الرابع عشر والأخير قبل سقوط الدولة السعودية الثانية١.\nزخف الأخوة الثلاثة –عبد الله ومحمد وعبد الرحمن- على الرياض فتركها أولاد أخيهم سعود، واعتصموا بمنطقة الخرج، وبعد ثلاث سنوات زحفوا من الخرج على الرياض، وأسروا عمهم الإمام عبد الله، وكان هذا قد استنجد بمحمد بن رشيد شيخ شمر ضد أولاد أخيه، فهاجم ابن رشيد الرياض وداخل الدعوة\n_________\n١ تاريخ نجد الحديث –أمين الريحاني ص ٩٩.","vol":"1","page":236},{"text":"الإسلامية التي أسسها (الإمام والأمير) شيء من حب الانتصار للذات، أو تطلب الاحتفاظ في الحكم والسلطان مما هو خارج عن أساس الغاية التي كان يعمل لها الإمام محمد بن عبد الوهاب، والإمام محمد بن سعود الأول رحمهما الله تعالى، وبهجوم ابن رشيد على الرياض استطاع فك أسر الإمام عبد الله بن فيصل وأخذه معه إلى الحائل كضيف دائم سنة ١٨٨٩م، وسارعت القبائل النجدية بتقديم الطاعة لمحمد بن رشيد مع أنه لم يكن من رجال الدعوة الإسلامية في الجزيرة العربية، وإنما كان حليفًا للدولة العثمانية، ويستمد منها المال والسلاح، والجدير بالملاحظة أن آل رشيد استولوا على نجد، وقضوا على حكم آل سعود من دون معركة١، وكان من أهم أسباب نجاحهم النزاعات الداخلية والحروب الدامية بين أفراد العائلة الواحدة الطامعين بالإمامة، مما أضعف ولاء السكان للدعوة ورجالها.\nوهكذا انتهت الدولة السعودية الثانية بعد وفاة الإمام عبد الله الفيصل في حائل، وانتقلت جذوتها إلى أخيه عبد الرحمن بن فيصل الذي عرف بالتقوى، والصلاح، ورأى أنه ليس من الصواب أن تراق دماء المسلمين في غير طاعة، فآثر الانزواء والهجرة بدينه في سبيل الله، فأخذ أسرته وأقاربه من الرياض وأرسلهم إلى البحرين، وظل منتقلًا في بعض المدن والأمصار يبحث عن مكان يصلح لأن يعد فيه العدة للعمل لما يرضي الله تعالى، حتى وقع اختياره على مدينة الكويت، فرحب به الأمير محمد بن صباح حاكم الكويت في ذلك الوقت، وأذن له بالإقامة عنده، وعين له مرتبًا من الأرزاق، وبذلك خمدت الدعوة الإسلامية في جزيرة العرب، والتي رسم سبيلها الإمام محمد بن عبد الوهاب، ولكنها لم تخمد في\n_________\n١ آل سعود ماضيهم وحاضرهم –جبران شامية ص ٨٢.","vol":"1","page":237},{"text":"نفس ابنها البار، وناصرهم الإمام عبد الرحمن، لأنها استولت على مشاعره، وأصبحت همه الوحيد في هذه الحياة، وأخذ يلقنها لابنه البار عبد العزيز١.\nويوصيه بالتمسك بها، والدأب عليها، وعدم التفريط فيها، فإنها سبيل السعادة ورأس النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة.\nوثابر على ذلك إلى أن بلغه الله ﷿ أمنيته، فجعل من ولده عبد العزيز بن عبد الرحمن خير نصير لتلك الدعوة الحبيبة، وأعظم مجاهد في سبيلها بالنفس والمال، ومات الإمام عبد الرحمن قرير العين ناعم البال في الرياض سنة ١٣٤٦، وترك ولده عبد العزيز ليقوم بالدور الذهبي الثالث لدولة الدعوة الإسلامية في الجزيرة الإسلامية العربية.\n_________\n١ أمراء الدولة السعودية الثانية:\n(١) مشاري بن سعود (١٢٣٤-١٢٣٦هـ) (١٨١٨-١٨٢٠م) .\n(٢) الإمام تركي بن عبد الله بن سعود (١٢٣٦-١٢٤٩هـ) .\n(٣) الإمام فيصل بن تركي وقد حكم مرتين:\n- المرة الأولى من ١٢٥٠-١٢٥٥هـ.\n- المرة الثانية من ١٢٥٨-١٢٨٢هـ.","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>الباب السادس عشر: الدولة السعودية الثالثة الحالية</span>\n...\nالدولة السعودية الثالثة الحالية١\nلقد أدرك المستعمر في مجيئه للمنطقة العربية متسلطًا وطامعًا دور العقيدة الإسلامية الصحيحة في التصدي لأعداء الإسلام، فكان من مهمته حجب كل دعوة إسلامية صحيحة، وكل حركة تجديد، تعيد المسلمين إلى منهج السلف الصالح، أو تعويقها ومشاغلتها حتى لا يتسع تأثيرها فتوقظ المسلمين وتردهم إلى صوابهم وأصالتهم، ويعيدوا بناء كيانهم على أساس الإسلام الخالص، وهذا في نظر الاستعمار كارثة رهيبة له، ولا يمكنه الحياة في العالم الإسلامي إلا في ظل التجزئة والضعف والتمزيق والتشتيت والفرقة وإثارة المشاكل وتقوية الاتجاهات الفرقة لوحدة المسلمين وتضامنهم، فالغرب الكافر والشرق الملحد ينظران إلى العالم الإسلامي على أنه عملاق نائم، ويعتبران يقظة المسلمين خطرًا يهددهما، ولقد صرح البرومشادور في حديث عن المسلمين قائلًا: \"إن المسلم الذكي الشجاع قد ترك لنا حيث حل آثار علمه وفنه، وآثار مجده وفخاره\".\n_________\n١ حكام الدولة السعودية الثالثة:\n١- الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل مؤسس الدولة الثالثة، توفي ١٩٥٢م ﵀.\n٢- سعود بن عبد العزيز تولى الحكم في ٢ ربيع الأول ١٣٧٣هـ ٩ نوفنمبر ١٩٥٣م حتى ٢٧ جمادى الثانية عام ١٣٨٤هـ -١نوفنمر ١٩٦٤. توفي عام ١٣٨٩هـ-١٩٦٩م في أثينا عاصمة اليونان، وصلي عليه في مكة ثم نقل إلى الرياض، ودفن في مقبرة العود.\n٣- فيصل بن عبد العزيز –تولى الحكم من ٢٧ جمادى الثانية عام ١٣٨٤هـ -٢ نوفمبر عام ١٩٦٤م حتى مقتله ١٣ من ربيع الأول ١٣٩٥هـ -٢٥ مارس ١٩٧٥م، ودفن في مقبرة العود.\n٤- خالد بن عبد العزيز: تولى الحكم ١٤ ربيع الأول ١٣٩٥هـ -٢٥مارس ١٩٧٥م حتى وفاته في ٢١ شعبان ١٤٠٢هـ-١٣يونيو ١٩٨٢م، ﵏.\n٥- فهد بن عبد العزيز- الحاكم الحالي (خادم الحرمين) .","vol":"1","page":241},{"text":"إن هذا المسلم الذي نام نومًا عميقًا مئات السنين قد استيقظ وأخذ ينادي هأنذا لم أمت، أني أعود إلى الحياة لا لأكون أداة طيعة أو إمعة من البشر تسيرها العواصم الكبرى١ ثم يقول: \"ومن يدري؟ قد يعود اليوم التي تصبح فيه بلاد الفرنج مهددة من المسلمين فيهبوطون من السماء لغزو العالم مرة ثانية في الوقت المناسب أو الزمن الموقوت لست أدعي النبوة، ولكن الأمارات الدالة على هذه الاحتمالات كثيرة لا تقوى الذرة، ولا الصواريخ على وقف تيارها٢، ولهذا عندما قامت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب التجديدية تصحح ما دخل على الدين والعقيدة من شوائب سببها الجهل والبعد عن الإسلام والتقليد، وتجديد ما اندرس من وضوح الإسلام وبساطته ونقاوته، وإعادة المسلمين إلى بساط الإسلام في علاقتهم مع الله ﷿ والالتزام بما جاء به رسوله الأمين ﷺ، عندها أدرك الأعداء أن عودة المسلمين لمنهج السلف الصالح تتعارض مع بقائهم معششين في ديار الإسلام مستثمرين لخيراتها، فكان لمفكريهم دور واضح في التصدي لها، واستطاعوا بوسائلهم المعروفة أن يوقعوا الفتن بين أبناء الأمير الذي احتضن الدعوة وصاحبها بالتأييد والنصرة، وحصل الانقسام بين الأخوة أبناء الإمام فيصل بن تركي، وسلبت الإمارة منهم طبقًا لما أخبر الله عباده بقوله:\n﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ .\nثم صار الأمر في نجد لابن الرشيد بعد أن زالت دولة آل سعود لتنازعهم فيما\n_________\n١ انظر لما هذا الرعب كله من الإسلام: جمع سعيد جودة –الناشر: لجنة مسجد جامعة دمشق –بدون تاريخ النشر- ص ١٦.\n٢ المصدر السابق.","vol":"1","page":242},{"text":"بينهم، وكان يقع بين الأخوة منهم من تنافس على الإمارة ما سالت فيه الدماء، ومع أفول نجم الدولة السعودية الثانية خبا وهج الدعوة الإسلامية، وضعف أثرها بضعف أهلها وتخاذلهم وإهمالهم لتعاليم الإسلام، وإذا أراد الله تعالى أمرًا هيأ أسبابه، فقد رزق الإمام عبد الرحمن الفيصل بمولود فرح به كثيرًا، أسماه عبد العزيز١، أملًا أن يقر الله تعالى به ويعلي كلمته، فلكل امرئ من اسمه نصيب٢، وأخذ يمرنه من طفولته على الفروسية وقيادة الجند من الأطفال، ويعوده على التقشف وخشونة البادية، وتحمل آلام الجوع والعطش والصبر على المكاره، ويشجعه على ارتياد الصحراء لتعلم الفروسية والرماية، وتعرف أحوال القبائل، وما أن بلغ الخامسة من عمره حتى عهد به والده إلى فقيه من فقهاء الخرج اسمه عبد الله الخرجي فعلمه القرآن الكريم، ليحكم بذلك الصلة بينه وبين مولاه، فلم يمض على ذلك أربع سنوات حتى ختم القرآن الكريم. ثم عهد به إلى فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف من آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فعلمه علوم الدين، ليتفقه فيها، [من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين]، وفي هذه الأثناء كان والده يحرص على مرافقته له في مجالس الرجال، ويشركه معهم في الرأي، ليتعود على الصراحة في القول والجرأة على الكلام، بل ويصحبه معه في أكثر الغزوات، ويزجه معه للقتال في الساحات، وما أن اشتدت به الأيام واعتزل الإمام عبد الرحمن الحكم أرسله مع أسرته إلى البحرين فالإحساء فالكويت، وظل بها إلى أن التحق به فيها، ومن ذلك التاريخ أخذ الإمام عبد الرحمن يبث في نفس ابنه\n_________\n١ ولد عبد العزيز بن عبد الرحمن ليلة عيد الأضحى، ١٠ من ذي الحجة سنة ١٢٩٩هـ، الموافق ٢١ أكتوبر سنة ١٨٨٠م.\n٢ الإمام العادل –عبد الحميد الخطيب ص ١٨.","vol":"1","page":243},{"text":"عبد العزيز الروح الدينية، ويغرس في قلبه حب التضحية والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله ﷿، ويذكره بالعهد الذي تم بين جده محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب من العمل على نشر الإسلام الصحيح وجذب الناس إلى توحيد الله ﷿، ويقيم له الأدلة والبراهين على ثمرة التمسك بكتاب الله وسنة رسوله، وما يجنيه المرء من وراء ذلك من سعادة الدنيا والآخرة، حتى اشتعلت في قلب الفتى عبد العزيز نار الغيرة على دين الله ﷿، وعاهد ربه على العمل لما يقربه إليه ويرفع من شأن دينه الحق، وهكذا يتضح لنا أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ تسير جنبًا إلى جنب مع مراحل الدولة السعودية، وكان عبد العزيز بن عبد الرحمن الذي لم يشهد من تاريخ أسرته التي امتد سلطانها على الجزيرة العربية المسلمة إلا أطلالًا من الذكريات ينطوي عليها قلبه المفئود وهو يربض إلى جوار أبيه في منفاه بأرض الكويت.\nوظلت ذكريات المجد الذاهب تلهب عاطفته وهو في منفاه حتى إذا استوى عوده فصار شابًا جلدًا كانت فكرة الثأر قد استولت على جميع مشاعره، وأقسم ليستردن ملك آبائه وأجداده، وليعودن بأبيه وأهله إلى عاصمة ملكهم مظفرًا منصورًا بعون الله ﷿.\nوأطلع أباه الشيخ على ما نوى من أمره فحذره العاقبة، وأشفق عليه من المصير ... ولكنه أصر على رأيه ولسان حاله يقول:\nلأستسلهن الصعب أو أبلغ المنى ... فما انقادت الآمال إلا لصابر\nوألح على على أبيه في أن يأذن له فأذن ... وانطلق تحت جنح الظلام في أربعين","vol":"1","page":244},{"text":"رجلًا من أهله وأصحابه، يضرب بهم في مضارب الصحراء ويجتاز بهم دروبًا موحشة غير مطروقة حتى لا يلقاه أحد من الرعاة أو السابلة فينكشف أمره وتحبط خطته، وما زال يدلج بالليل ويتخفي بالنهار حتى بلغ مشارف الرياض في مكان يقال له ضلع الشعب، وهناك أناخوا ركابهم وتركوا متاعهم، وسار في منتصف الليل أربعون رجلًا مشيًا على الأقدام بقيادة زعيمهم الفتى عبد العزيز، وما أن بلغوا سور المدينة حتى ترك الفتى عبد العزيز١ من جماعته ثلاثين رجلًا تحت امرة أخيه محمد بن عبد الرحمن، ثم تقدم بالباقين فتسلق سور البلد وخف إلى دار مجاورة لقصر الأمير عجلان –عامل ابن رشيد- فطرق الباب. وأجابت امرأة من داخل الدار: من الطارق؟\nقال: رجل من خدم الأمير عجلان يريد زوجك لغرض.\nقالت: اذهب لا بارك الله فيك. ما جئت تبغي إلا النساء. وهل يطرق باب الناس في الليل إلا فاسد ...\nقال: لا والله يا خاله، ما جئت لهذا، ولكن أخشى على زوجك من القتل غدًا إذا لم يلب نداء الأمير حالًا، وكان زوجها قد استيقظ ففتح الباب ليرى جلية الأمر، وكان الفتى عبد العزيز يعرف الرجل وأهل بيته، فمنهن من كن في خدمة بيوت آل سعود، فما خرج الرجل حتى قبض عليه عبد العزيز وهدده بالقتل إن هو تكلم، ثم دخل البيت فلما رأته النسوة صحن: عمنا عبد العزيز! قال: اسكن ولا بأس عليكن، ثم أغلق عليهن الباب وتسلق الجدار ثم ذهب إلى القصر، وكان قد بعث\n_________\n١ الإمام العادل –عبد الحميد الخطيب ص ٢٢.","vol":"1","page":245},{"text":"إلى بقية رجاله فلحقوا به، ودخل إحدى الغرف فإذا بها زوجة الأمير، فصاحت به: أأنت عبد العزيز؟ قال: نعم، أنا هو....\nقالت: من تبغي، وما مأربك هنا؟\nقال: أريد عجلان لا سواه.\nقالت: يا بني لا تغرر بنفسك، انج بنفسك في هذا الليل وإلا قتلوك.\nقال: ما جئنا لنسمع منك النصيحة، ولكن لنعرف متى يخرج عجلان من القصر الداخلي ... ولم تستطع المرأة وقد رأت الموت يطل من عينيه ويهتز في يمينه إلا أن تقول: بعد شروق الشمس بساعة..\nقال: هذا كل ما نريد. وإنكن إذا لزمتن السكوت والسكون فلا بأس عليكن، وإلا فالموت لا محالة.\nثم أغلق على المرأة وصواحبها بابا...... وظل ينتظر شروق الشمس ...\nوانفتح باب القصر الداخلي مع الصباح، وعبد العزيز ورجاله قد كمنوا على مقربة منه يتربصون.. ثم أهل الأمير فباغتوه وهو يحاول الفرار، فعاجله عبد العزيز بطلقة لم تدرك منه مقتلًا فتتبعه يعدو وراءه حتى أدركه، ونشب بين الرجلين صراع عنيف اشترك فيه رجال الأمير فانطلق وراءه عبد الله بن جلوي ابن عم عبد العزيز فأرداه قتيلًا١ ... ونشبت معركة بين حرس الأمير ورجال عبد العزيز ولم تلبث أن انتهت باستسلام الحرس، وسقطت القلعة في يد عبد العزيز، ودانت له العاصمة.\n_________\n١ كان مقتل ابن عجلان في ٣ شوال ١٣١٩هـ الموافق ١٥ يناير ١٩٠٢م.","vol":"1","page":246},{"text":"ثم عاد الشيخ وأهله من منفاه في أرض الكويت، واستقبله الفارس الشاب المظفر مترجلًا عن جواده خارج الرياض، وقد بر بقسمه: ليستردن ملك آبائه وأجداده، وليعودن بأبيه وأهله إلى عاصمة ملكهم مظفرًا منصورًا، وأقبل أهل الرياض على القصر يهنئون الأمير عبد العزيز بفوزه ونصره ويقدمون الطاعة، ويعربون له عن خالص الحب وعظيم الولاء، وترامى الخبر في البادية فهرع شيوخها إلى الرياض يؤيدون آل سعود، ويؤكدون للأمير الإخلاص، ويعاهدونه على الانضمام تحت رايته ومحاربة أعدائه، فقام بإصلاح ما هو مهدم من سور المدينة والحصن، وكان أول عمل أتاه عبد العزيز هو إرسال ناصر بن سعود إلى الشيخ مبارك مبشرًا وطالبًا المدد١، كما أعلم حاكم البصرة بأنه سيحكم الرياض باسم السلطان العثماني٢ ليحول دون مساعدة الدولة العثمانية لابن رشيد.\nلبى الشيخ مبارك طلب المعونة، يقول عبد العزيز رشيد في ذلك الوقت: كان الشيخ مبارك ركن عبد العزيز الأعظم الذي يعتمد عليه فتراه يبعث إليه الإمدادات بسخاء وكرم، ويخرج إليه الحملات الواحدة تلو الأخرى، والقافلة إثر أختها، تحمل الأطعمة والذخيرة، والحقيقة أن مساعدات مبارك –حاكم الكويت- كانت حيوية لعبد العزيز في ذلك الوقت، لأن الكويت كان صلته الوحيدة بالعالم الخارجي٣، على أن الأمر لم يستتب بعد للأمير عبد العزيز بعد دخوله الرياض، فما زال في صراع دائم، وجلاد مرير مدة عشرين عامًا تارة مع ابن الرشيد الذي لم\n_________\n١ البلاد العربية –فؤاد حمزة ص ٢٤.\n٢ العلاقات بين نجد والكويت –خالد السعدون ص ٧٥.\n٣ تاريخ الكويت –عبد العزيز رشيد ص ١٧٥.","vol":"1","page":247},{"text":"يقف مكتوف اليدين أما الحليفين مبارك وعبد العزيز، وأخرى مع الأشراف والأتراك حتى انتصر عليهم، وطورًا مع \"الإخوان\" الثائرين حتى قضى على ثورتهم١، ثم دانت له الجزيرة العربية نجدها وحجازها.\nيقول هـ. س. أرمسترونغ:\n\"كان توحيد شبه الجزيرة العربية على يدي الملك عبد العزيز آل سعود في فترة زمنية تقل عن عشرين عامًا نموذجًا رائعا لعملية بناء أمة\".\nبعد ذلك الصراع للإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الدامي والمرير، تمت وحدة البلاد باسم المملكة العربية السعودية في ٢٢ سبتمبر ١٩٣٢م، وأخذ يعمل لتحقيق الغاية الأساسية التي يسعى إليه هو وآباؤه، وهي نشر الدعوة الصحيحة في الرجوع إلى حقيقة الدين والعمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، والاقتداء بسيرة السلف الصالح رضوان الله عليهم عن طريق العلماء الثقاة، والكتاب من أنصار الإمام محمد بن عبد الوهاب، فسيرهم إلى المدن والقرى في جميع الأمصار، فجذبوا القلوب وهيأوا الأفكار لتقبل الدعوة الإسلامية المجددة، حتى أصبح لها في جميع الأقطار أنصار وأعوان.\nوهذه رسالة \"انظر الوثيقة\" من توقيع العلماء بتاريخ ١٣٤٥ هـ يفتون الإمام\n_________\n١ لمزيد من التفاصيل يمكن مراجعة الكتب التالية:\n-شبه الجزيرة في عهد عبد العزيز –خير الدين الزركلي.\n-تاريخ نجد الحديث: أمين الريحاني.\n-العلاقات بين نجد والكويت –خالد السعدون.\n-الإمام العادل صاحب الجلالة –عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود- عبد الحميد الخطيب.","vol":"1","page":248},{"text":"عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود عن بعض الأمور العقدية التي سأل عنها قبل القدوم على فعله، \"وهذه هي الشورى\"، مثل هدم مسجد حمزة المزار، ودخول الحاج المصري بالسلاح، وغيرهم، وكان الموقعون من العلماء هم:\n١- محمد بن عبد اللطيف\n٢- سعد بن حمد بن عتيق\n٣- سليمان بن سحمان\n٤- عبد العزيز بن عبد الله\n٥- عمر بن محمد بن سليم\n٦- صالح بن عبد العزيز\n٧- عبد الله بن حسن\n٨- عبد العزيز بن عبد اللطيف\n٩- عمر بن عبد اللطيف\n١٠- محمد بن إبراهيم\n١١- محمد بن عبد الله\n١٢- عبد الله بن زاحم\n١٣- محمد بن عثمان الشاوي\n١٤- عبد العزيز بن محمد الشتري","vol":"1","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>الباب السابع عشر: شخصية الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود وخصائصه</span>\n...\nشخصية الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن وخصائصه\nلا بد من حديث موجز عن الخصائص التي تتكون منها شخصية الملك عبد العزيز، والتي مكنته بتوفيق الله ﷿ من أن يحقق هذه البطولة على أرض الجزيرة العربية الإسلامية، إن هذا العبقري الذي سبق عصره بأجيال لم تكن مواهب عسكرية فحسب، تتمثل في مغامراته التي استرد بها عاصمة الإمارة، وحروبه التي أخضع بها القبائل ووحد بها الأقاليم، ولكنها كانت إلى جانب ذلك مواهب سياسية وإدارية واجتماعية جعلته طرازًا فريدًا من قيادة شعب، وبناء دولة وتطوير مجتمع، وتحقيق معجزة في تاريخ الدول والشعوب١.\nإن الانتصار في مغامرة أو وقائع عسكرية قد يلحق صاحبه بعباقرة الحرب وأبطال الفتوحات، ولكن هناك ما هو أعظم من ذلك في حياة الملك عبد العزيز. إنها العبقرية المتعددة الجوانب التي قاد بها البادية إلى طريق الحضارة، وحول المجتمعات القبلية إلى شعب، والأقاليم الممزقة إلى دولة، وأمسك بزمام العلاقات مع جيرانه ومع الدول الأجنبية، وصان للبلاد حريتها واستقلالها وثروتها المخبوءة في أعماق الرمال ... ولم تفتنه الانتصارات التي حققها في حروبه مع القبائل، ولم يترك الأحقاد وعوامل الثأر تغلي بها صدور أعدائه، ولكنه حرص على أن يمحو آثار الهزيمة في نفوسهم فحفظ لهم أقدارهم، وارتبط مع خصومه بالمصاهرة، فكان له منهم الأبناء والبنات، وكان لهم من\n_________\n١ في ظلال الحرمين ص ٦٢.","vol":"1","page":253},{"text":"جاه الملك نصيب، وبذلك تبدلت دماء الثأر بدماء النسب، ومشاعر الحقد بالمودة والولاء، فقد ضرب عبد العزيز حتى أوجع، وأعطى حتى أغنى، وعاهد وفجر موارد الثورة في بلاده وعاش ومات في قصر من الطين، يقول عبد الحميد الخطيب عن عبد العزيز: هو ذلك الرجل الطيب النفس، الكريم الخلق، الذي يكره الكبرياء ويمقت العظمة، ويتمثل دائما بقول القائل: يا ابن آدم: أصلك من نطفة قذرة وتحمل العذرة وستغدو جيفة نتنة، فكيف تبتغي العظمة؟ ويذكر قول الله ﷾ في الحديث القدسي: \"الكبريائي ردائي، والعظمة أزاري، فمن نازعني فيهما قصمته ولا أبالي\" ١، لقد عرف ربه فاحتقر نفسه وتجرد من كل حول وطول، وأسلم لله جميع أموره، فلا يرتجي من غيره العون، ولا ينفك لسانه من قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (الأنفال: ١٧) .\nمنحه الله من الخصال أحسنها، ومن الفضائل محاسنها وأوفاها، وأعطاه الله الملك، وخلق في مؤهلاته فزاده بسطة في العلم والجسم ... تواضع لله فرفعه الله، وجاهد في الله فتولاه الله، وخاف الله في سره فخاف منه أعداؤه، وراقب الله في عمله فمهدت سبيله، وأحب الله فأحبه الناس، وعامل الله فحسنت معاملته، وصفت أيامه، وأغدق عليه الخير الجزيل، واعتمد على الله فأناله الله ما يريد، ووثق بالله فلم يخيبه الله قط، وكان له نعم المعين، فأصبح مثلًا قائمًا حيًا ملموسًا لرجال الله الصالحين المتقين٢. حارب الخرافة والجهل، وقلم أظافر الجريمة، ونشر الأمن والعدل في البلاد، وسلك في تحضير البادية منهجًا فريدًا حيث أنشأ نظام الهجرات ليستقر البدو\n_________\n١ أخرجه أحمد ٢/٢٤٨، ٣٧٦، ٤١٤، ٤٢٧، ٤٤٢، وأبو داود وابن ماجه.\n٢ الإمام العادل: ص ١٦.","vol":"1","page":254},{"text":"الرحل في مجتمعات زراعية مستقرة لكل قبيلة هجرة تقوم على بئر أو نبع ماء، وتقام بها البيوت بدلًا من الخيام، وبها مسجد ومدرسة يتولاها معلم من علماء الدين المطاوعة، وبهذا المنهج الفريد وضع الملك عبد العزيز الأساس السليم لتحضير البادية، لا عن طريق تفريغها١ من سكانها البدو، ولكن بتعميرها وتحضير أهلها وإيجاد مجتمعات متطورة تعمر الصحاري والوديان، وكان نظام الهجرة فريدًا في تركيبه الاجتماعي وأهدافه، فهو فضلًا عن تحقيق نوع من الاستقرار وتطوير المجتمع البدوي وصرف سكان الهجرات عن الغزو والسلب في سبيل كسب العيش، أبقى على الروح العسكرية حيث قسمت كل هجرة إلى ثلاث فئات:\nفئة تكون مستعدة دائمًا للجهاد، ومع كل فرد من أفرادها سلاحه وذخيرته وناقته. وفئة تدعى عندما يعلن الإمام أن الجهاد \"مثنى\"، ويكون كل فرد فيها مكلفًا بإحضار مجاهد آخر يردفه على جمله.\nوفئة تلبي دعوة الجهاد، وعندما يعلن الإمام النفير العام، ويشترك فيها كل الذكور البالغين ولا يبقى للزراعة والتجارة إلا المسنون الأولاد والنساء.\nويقول أمين الريحاني٢: إن عبد العزيز كان يتحدث عن النظام العسكري في الهجرة وأثره في القتال: فيقول: يجيئوننا في السلم لنعطيهم ما يحتاجون إليه من كسوة ورزق ومال، ولكنهم في أيام الحرب لا يطلبون منا شيئًا. في أيام الحرب يتمنطق الواحد منهم ببيت من الخرطوش ويبادر إلى البندقية ثم يركب الذلول إلى الحرب ومعه شيء من\n_________\n١ كما فعل أصحاب الاشتراكية والثورية حيث فرغوا الريف من سكانه، وخلقوا أزمات في المدن، فأماتوا الزراعة، وعطلوا الأراضي، فتفشت البطالة، ودمر الاقتصاد بسبب الجهل والعشوائية.\n٢ سيرة عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود.","vol":"1","page":255},{"text":"المال والثمر.. القليل عندنا يقوم مقام الكثير عند غيرنا ... كنا نمشي ثلاثة أيام بلا طعام. يأخذ الواحد منا ثرة من حين إلى حين يرطب بها فمه. نعم كانت الحاضرة أثبت قدمًا وأشد بأسًا من البادية ... أما بعد الهجرة فالبادية المتحضرون من أهل الهجرة هم في القتال أثبت من الحاضرة وأسبق إلى الاستشهاد، وكان عدد الهجرات التي أنشأها عبد العزيز أكثر من ١٢٢ هجرة، تضم ٧٦٥٠٠ مجاهد من مختلف القبائل. وهؤلاء الإخوان المجاهدون كانوا نواة الجيش الذي اعتمد عليه فيما بعد لإقامة المملكة العربية السعودية.\nوفي بناء الدولة من خلال رؤية ذكية، استعان الملك عبد العزيز بنخبة من طلائع الحركات التحررية في البلاد العربية، فأكرم وفادتهم وجعلهم وزراء ومستشارين إلى جانب النخبة من أهل نجد والحجاز.\nجوانب كثيرة من عبقرية الملك عبد العزيز ... قلما تحتمع في فرد، قامت عليها دعائم هذه الدولة الإسلامية، وانطلقت جهودها في البناء وتوفير الحياة الحرة الكريمة لأبناء الإسلام في الجزيرة العربية، وتوثيق الصلات الأخوية بالشعوب الإسلامية، وتأكيد دور هذه الجزيرة المباركة في حمل رسالة الإسلام، كل ذلك تم بفضل الله ﷿، ثم ببركة الدعوة الإسلامية التي أسسها الإمام محمد بن عبد الوهاب، وثبت دعائهما الإمام محمد بن سعود، وانطلق الأحفاد من بعدهم يدعون إلى الله على بصيرة ويتفهمون أمور الإسلام برؤية وعلم.\nفرحم الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لقد كان مخلصًا وصادقًا، ولذا كانت دعوته التي استقاها من منهج السلف الصالح المستمد من كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ تلقى قبولًا في النفوس السليمة، وترسخ مع الأيام، رغم أن أعداءها من المنحرفين","vol":"1","page":256},{"text":"والضالين يقفون ضدها لكي يثبتوا الفرقة بين المسلمين، وتختلف كلمتهم ليسودوا ويستأثروا بالخيرات، ويطمئنوا إلى أن دولة الإسلام العالمية بعيدة الوقوع كلما ازداد الخلاف بين المسلمين، ولكن الله ﷿ ناصر عباده ما داموا مستمسكين بحبله معتصمين بكتابه وسنة نبيه ﷺ، نسأل الله أن يجمع كلمة المسلمين حول الدعوة السليمة والعقيدة الصحيحة ليكونوا يدًا واحدة على من سواهم، وهو القادر على ذلك ﷾.","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>الباب الثامن عشر: افتراءات وشبهات حول دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب \"﵀</span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>الفصل الأول: الفرية الأولى الإمام محمد بن عبد الوهاب ادعى النبوة</span>\n...\nافتراءات وشبهات حول دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب \"﵀\"\nالفرية الأولى الإمام محمد بن عبد الوهاب ادعى النبوة\nادعى الحاقدون على هذه الدعوة السلفية أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ادعى النبوة، كما ادعاها مسيلمة الكذاب وسجاح والعنسي وغيرهم.\nوهذا ابن عفالق وهو يفتري على الإمام فرية ستكون عليه يوم القيامة في عنقه، حيث يقول هذا الأثيم:\nوالله، لقد ادعا النبوة بلسان حاله لا بلسان مقاله، بل زاد على دعوى النبوة، وأقمتموه مقام الرسول ﷺ، وأخذتم بأموامره ونواهيه١.\nويقول علوي بن أحمد الحداد:\n\"وكان يضمر دعوى النبوة، ويظهر عليه قرائنها بلسان الحال، لا بلسان المقال، لئلا ينفر عنه الناس، ويشهد بذلك ما ذكره العلماء من أن (ابن) عبد الوهاب كان في أول أمره مولعًا بمطالعة أخبار من ادعى النبوة كاذبًا كمسيلمة الكذاب وسجاح والأسود العنسي، وطليحة الأسدي وأضرابهم\"٢.\nويقول: \"من ذلك أنه يدعي باطنًا أنه أتى بدين جديد، كما يظهر من قرائن أحواله وأقواله، ولذلك لم يقبل من دين نبينا محمد ﷺ إلا القرآن، فإنه قبله ظاهرًا\n_________\n١ الدرر السنية في الأجوبة النجدية –عبد الرحمن بن قاسم ١/٩٩.\n٢ مصباح الأنام: لعلوي الحداد ص ٧.","vol":"1","page":262},{"text":"فقط لئلا يعلم الناس حقيقة أمره، فينكشوا عنه، بدليل أنه هو وأتباعه إنما يؤولون بحسب ما يوافق هواهم، لا بحسب ما فسره النبي ﷺ وأصحابه والسلف الصالح وأئمة التفسير، فإنه لا يقول بذلك، كما أنه لا يقول بما عدا القرآن من أحاديث النبي ﷺ ... الخ\"١.\nويقول: \"وكان يقول أي محمد بن عبد الوهاب\": إن الربابة في بيت الخاطئة أقل إثمًا ممن يناجي ويذكر بالصلاة على النبي ﷺ على المنابر\"٢.\nيقول الشاعر الغاوي محمد جميل الزهاوي العراقي، الذي هاجم الإسلام بعامة، وهاجم دعوته الممثلة في حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب على وجه الخصوص، وألف لهذا الغرض كتابًا أسماه: \"الفجر الصادق في الرد على منكر التوسل والكرامات والخوارق\"، يقول فيه: وكان محمد هذا بادئ بدأته كما ذكره بعض المؤلفين، مولعًا بمطالعة أخبار من ادعى النبوة كاذبًا كمسيلمة الكذاب، وسجاح، والأسود العنسي، وطليحة الأسدي، وأضرابهم، فكان يضمر في نفسه دعوى النبوة، إلا أنه لم يتمكن من إظهارها ... ٣\nويقول أيضًا: \"لقد كان الرجل -يعني محمد بن عبد الوهاب- في الحقيقة يريد أن يدعي النبوة إلا أنه تستر ... \"٤.\n_________\n١ الأسنة الحداد في رد شبهات علوي الحداد، تأليف سلمان بن سحمان ص ٢٠.\n٢ فصل الخطاب ص ٦٧ تأليف أحمد بن علي القباني.\n٣ الضياء الشارق ص ٢٥.\n٤ نفس المصدر –وكذا زعم أحمد زيني دحلان في الدرر السنية ص ٤٦.\nولد الزهاوي سنة ١٢٧٩هـ في مدينة بغداد، توفي بها، تقلب في عدة مناصب، له عدة كتب ومقالات. انظر: الأعلام ج ٢ ص ١٣٧.","vol":"1","page":263},{"text":"ولا نعلم كيف عرف هذا المنافق أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ادعى النبوة، إلا أن الإلحاد والزندقة والضلال زينوا له هذه الأقاويل، فكان يهرف بما لا يعرف، ويدور حول عبادة الأضرحة والأوثان البشرية، نلمح هذا في كتابه الذي نطلق عليه بدورنا \"الفجر الكاذب\"، وعاجله الشيخ سليمان بن سحمان بالرد عليه في كتابه\" الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق\"، و\"عقود الجواهر الحسان\".\nيقول الشيخ ابن سحمان ﵀ وهو يفند قول الزهاوي:\n\"وأما قوله: وكان محمد هذا بادئ بدأته: فالجواب أن تقول: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا، فإن هذا معلوم كذبه بالاضطرار، لا يعتري فهي من له أدنى معرفة بمقادير الأئمة الأخيار، ومن طالع كتب الشيخ ومصنفاته ورسائله، وتأمل حال شأنه ودعوته إلى الله، تبين له أن هذا من الكذب والافتراء، وأنه من صنع أعداء الله ورسوله ﷺ الذي يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا، ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب الفساد، يريدون ليطفؤوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون\"١.\nويوسف النبهاني:\n\"الذي جعل أهل نجد بسبب اتباعهم للكتاب والسنة من أتباع سجاح، التي ادعت النبوة واعتبرها جدتهم، كما كان مسيلمة الكذاب جدهم.\nيقول:\n_________\n١ انظر الضياء الشارق في الرد على شبهات الماذق المارق للشيخ سليمان بن سحمان ﵀ ص ٢٥.","vol":"1","page":264},{"text":"أولئك وهابية ضل سعيهم ... فظنوا الردى خيرًا وظنوا الهدى رشدا\nضعاف النهى أعراب نجد جدودهم ... وقد أورثوهم عنهم الزور والوزرا\nمسيلمة الجد الكبير وعرسه ... سجاح لكل منهم الجدة الكبرى\nفقد ورثوا الكذاب إذا كان يدعي ... بأن له شطرًا وللمصطفى شطرًا١\nفرد عليه الشيخ سليمان بن سحمان ﵀ بقصيدة طويلة سماها: \"الداهية الكبرى\"، وتحتوي على أربعمائة بيت.\nقال ﵀:\nوقد ورثوا مجدًا أصيلًا مؤثلًا ... لأهل الهدى منهم فنالوا الفخرا\nمسيلمة الكذاب ليس بجدهم ... وليس له نسل يغرر أو يدرى\nولا لسجاح ويل أمك فاتئد ... فما الفشر إلا ما هذوت به نشرا\n_________\n١ مصباح الأنام: للحداد ص ٥٣.","vol":"1","page":265},{"text":"وقد أسلمت والشام كان مقرها ... فلو كان لؤم لكنت به أحرى\nوعلمك بالأنساب أعظم آية ... على جهلك المردي بما قلته جهرا\nأتحسب أنا ويل أمك غفلًا ... كأنباط من بالشام ما حققوا الأمرا١\nويقول ﵀:\nفمن أنت منسوب إليه حقيقة ... فنحن على شك ودعواك لا تجرى\nودعى بني نبهان يحتاج أن يرى ... بذلك ثبت ثابت عن بني الزهرا٢\nومن المجافين للدعوة التي قامت على منهج السلف الصالح: أحمد ابن زين دحلان. الذي بسط نفوذه على أهل مكة، ووصل إلى الإفتاء فيها فنشر المقالات اللاذعة ضد الدعوة والقائمين عليها بين الناس، وخاصة في مواسم الحج إمعانًا في الخصومة واللدد بلا رقيب ولا حسيب، وألف رسالته التي أسماها \"الدرر السنية في الرد على الوهابية\"، وهذه الرسالة قد ملأها بالترهات والخزعبلات والأباطيل إرضاء للراوفض والباطنية، وصنائعهما المتصوفة الجهلة.\n_________\n١ ديوان ابن سحمان (عقود الجواهر الحسان) ط ١، المطبعة الهندية ١٣٣٧هـ، ص٢٣-٢٤.\n٢ نفس المصدر.","vol":"1","page":266},{"text":"يقول:\n\"والظاهر من حال محمد بن عبد الوهاب أنه يدعي النبوة إلا أنه ما قدر على إظهار التصريح بذلك\"١.\nكيف عرف دحلان أنه يدعي النبوة، أهو يعلم الغيب حتى يقول هذه الفرية الشيطانية!!\nأم أنه تطاول على الله في الأمور الغيبية، والله يقول:\n﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ (الجن:٢٦)\nإنه افترى وكذب علينا وصدق الشيخ المجاهد سليمان بن سحمان وهو يرد على دحلان:\nفويحك كم هذا التجاوز والهذا ... وكم ذا التجرئ والتجاوز للحد\nفجوزيت من مولاك شر جزائه ... وحل عليك الخزي في القرب والبعد\nألفقوا بلا علم أكاذيب مفتر ... أوضاع أفاك حسود وذي٢ حقد\n_________\n١ انظر الدرر السنية ص ٤٦.\n٢ انظر ديوان ابن سحمان. عقود الجواهر المنضدة الحسان: ط ١٣٣١هـ-الجند ص ٢٤.","vol":"1","page":267},{"text":"يقول الشيخ فوزان السابق:\n\"إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ قد اشتهر مذهبه ودعوته التي يدعو الناس إليها في مصنفاته المطولة ورسائله المختصرة، فلم يترك لمعارضيه شبهة إلا كشفها، ولا طريقًا توصل إلى الله وإلى اتباع رسوله ﷺ إلا بينها وأوضحها. فأي شيء يخفيه في نفسه بعد ذلك أيها الضالون؟ فلو كان لهذه الفرية أدنى قيمة لأوردت من كلام الشيخ ﵀ ما يكفي ويشفي في ردها. ولكنها فرية تمثل الزور والفجور، فلا تستحق ردًا أكثر من احتقار صاحبها، وكشف عورته١.\n_________\n١ انظر: البيان والإشهار في دحض فرية ادعاء النبوة: فوزان السابق للشيخ ﵀.","vol":"1","page":268},{"text":"أقوال الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀\nعن هذه الفرية الشيطانية\nيقول الإمام:\n\"فرسول الله ﷺ هو سيد الشفعاء، وصاحب المقام المحمود، وآدم ممن دونه تحت لوائه\"١.\nويقول ﵀:\n\"فلا يتحقق شهادة أن محمدًا رسول الله إلا بتمام الاتباع، وكمال الاقتداء، بهدي النبي ﷺ\"٢.\nويقول عليه الرحمة:\nالأمر بطاعته \"سبحانه\" وطاعة رسوله، وأن الهدى في طاعته، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ .\nويقول عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب٣.\n\"وقد قرر (أي محمد بن عبد الوهاب) ﵀ على شهادة أن محمدًا\n_________\n١ مجموعة مؤلفات الشيخ ج١ ص ١٩٠.\n٢ المصدر السابق ج٥ ص ١١٣.\n٣ مجموعة مؤلفات الشيخ ج١ ص٢٧٩.","vol":"1","page":269},{"text":"رسول الله من بيان ما تستلزم هذه الشهادة وتستدعيه وتقتضيه من تجريد المتابعة، والقيام بالحقوق النبوية من الحب والتوقير والنصر والمتابعة، والطاعة وتقديم سنته ﷺ على كل سنة وقول، والوقوف معها حيث ما وقفت، والانتهاء حيث انتهت في أصول الدين وفروعه باطنه وظاهره، كليه وجزئيه، ما يظهر به فضله وتأكد علمه ونبله\"١.\nويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ﵏:\n\"وأما متابعة الرسول ﷺ فواجب على أمته متابعته في الاعتقادات، والأقوال والأفعال، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية، وقال ﷺ: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\"، رواه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\"، فتوزن الأقوال والأفعال بأقواله وأفعاله، فما وافق منها قبله، وما خالف رد على فاعله كائنًا من كان\"٢.\nويقول الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن، ﵏:\n\"فقد علمت كلام الصادق المصدوق، فلا يكون قول الغير في نفسك أعظم من كلام نبيك\"٣.\n_________\n١ انظر منهاج التأسيس ص ٤١، وانظر الدرر السنية ج ١ ص٢٦٤.\n٢ انظر الدرر السنية ج١ ص ٢٣٥-٢٣٦.\n٣ المصدر السابق ج١ ص٢٦٩.","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>الفصل الثاني: الفرية الثانية زعموا أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب من الخوارج</span>\n...\nالفرية الثانية زعموا أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب من الخوارج١\nزعم بعض علماء السوء والتضليل أن محمدًا بن عبد الوهاب وجماعته من الخوارج، وأن سيماهم التحليق. وهذه عادة علماء السوء والتضليل الذين ابتلى الإسلام فيهم. ومن المعلوم أن الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من الموحدين، ينأون عن الخوارج، بل هم على الكتاب والسنة النبوية:\nيقول الشيخ المجاهد سليمان بن سحمان، ﵀:\nنبرأ من دين الخوارج إذ غلوا ... بتكفيرهم بالذنب كل موحد\nوظنوه دينًا من سفاهة رأيهم ... وتشديدهم في الدين أي تشديد\nومن كل دين خالف الحق والهدى ... وليس على نهج النبي محمد٢\n_________\n١ انظر كتابنا ماذا تعرف عن (الخوارج)، الجزء الأول.\n٢ انظر الهدية السنية ص ١١٦.","vol":"1","page":273},{"text":"يقول علوي الحداد:\n\"وأهم من ذلك كله ما ذكره النبي ﷺ من الأحاديث الكثيرة المبينة لعلامات الخوارج، مما يبين أن ابن عبد الوهاب وأتباعه منهم، كونهم من نجد، وكونهم من المشرق، ومعلوم أن نجدًا شرقي المدينة، وكون سيماهم التحليق، مع كونهم من المشرق\"١.\nويقول محمد أبو زهرة:\n\"كانوا (يقصد اتباع محمد بن عبد والوهاب) يشبهون الخوارج الذين كانوا يكفرون مرتكب الذنب\"٢.\nويفسر الصاوي قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ .\nيقول في تفسير هذه الآية:\n\"نزلت في الخوارج الذين يحرفون تأويل الكتاب والسنة، ويستحلون بذلك دماء المسلمين وأموالهم كما هو مشاهد في نظائرهم، وهم فرقة يقال لهم الوهابية\"٣.\nيقصد بالوهابية جماعة الإمام محمد بن عبد الوهاب.\nويقول الشيعي الرافضي الخبيث الكنهوري:\n\"وإن لهم أسوة في سلف من الخوارج الحرورية، لعنهم الله، حيث كفروا أمير\n_________\n١ انظر الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية ص ٥.\n٢ انظر تاريخ المذاهب الإسلامية ج١ ص٢٣٦، ومحمد أبو زهرة –هذا- وضع دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب من المذاهب الخارجة.\n٣ حاشية الصاوي على الجلالين ج٣ ص٣٠٧.","vol":"1","page":274},{"text":"المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇، وجميع المسلمين من أصحابه وأنصاره بتلفيقات تشبهها أقوال هؤلاء الوهابية، واستحلوا بذلك دماءهم وأموالهم\".\n\"ولو تأملت بصائب النظر في تاريخهم لوجدت الوهابية ممن يحذو حذوهم في العقائد ... ثم إنك لو أمعنت النظر لوجدت شيوخ أولئك الخوارج من أهل نجد\"١.\nويقول شاعر العراق محمد جميل الزهاوي، ذلك الشاعر المنافق:\n\"إن من أعلام نبوة محمد ﷺ إخباره عن هؤلاء الخوارج (يقصد بالخوارج أتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀)، فهذا الرجل يهرف بما لا يعرف، ويدور حول عبادة الأضرحة والأوثان البشرية، نلمح هذا في كتابه الذي نطلق عليه بدورنا \"الفجر الكاذب\"، الذي حمل حملة شرسة على دعوة الإمام\"٢.\nوقد عاجله الشيخ سليمان بن سحمان رحمه بالرد عليه في كتابه \"الضياء الشارق في رد الشبهات الماذق المارق\"، و\"عقود الجواهر الحسان\".\nألا بلغا عني جميلًا رسالة ... فقد جاءنا بالترهات اللواذب\nوفاه بقول لا حقيقة تحته ... وليس مقال القدم يومًا بصائب\nوجميل الزهاوي -هذا- لا يعرف إلا النفاق والتملق، عاش حياته نفاقا في نفاق مع\n_________\n١ انظر كشف النقاب عن عقائد ابن عبد الوهاب ص ٧٨.\n٢ انظر الفخر الصادق ص ٢٥.","vol":"1","page":275},{"text":"الدولة العثمانية، فلما رأى الضعف ينخر بها في آخر أيامها اتجه إلى الإنجليز يمدحهم ويمجدهم ويصب النقد اللاذع واللعنات على الدولة العثمانية، وينشد في حب الإنجليز، ويحببهم إلى أبناء جلدته، فيقول:\nتبصر أيها العربي واترك ... ولاء الترك من قوم لئام١\nووال الإنجليز رجال عدل ... وصدق في الفعال وفي الكلام\nوقال في حبهم:\nأحب الإنجليز وأصطفيهم ... لمرض الاخائ من الأنام٢\nجلوا في الملك ظلمة كل ظلم ... بعدل ضاء كالبدر الثمام\nهذه نظرته إلى الإنجليز ذلك المستعمر الذي قتل وعبث في بلاد المسلمين٣، وغير وبدل، ونكتفي بما وصفهم به صاحب كتاب \"بريطانيا العظمى\" وقد جاء فيه:\nإن جنودنا لم يكونوا يبالون بأرواح الناس ولا بأموالهم ولا يقيمون وزنًا للكرامة\n_________\n١ ديوان الزهاوي –طبع بيروت.\n٢ الزهاوي دراسات ونصوص –عبد الحميد رشود ص ٣١٠.\n٣ الزهاوي دراسات ونصوص –عبد الحميد رشود ص ٣١٠.","vol":"1","page":276},{"text":"والشرف، وإن ما كانت تذكره البلاغات الرسمية عن قتل الثوار لم يكن في الواقع غير قتل الفلاحين المسلمين الذين كانوا يؤخذون من حقولهم وهم عزل فيقتلون..\n\"إن ما ارتكبه جنودنا من ظلم ووحشية وحرف وتقتيل لا نجد له مثالا في أي عصر أو مكان\" اهـ١.\nهذا هو الاستعمار الإنجليزي وأدواته من الماسونيين الذين كانوا جسورًا عبرت عليها خطط الإنجليز للقضاء على المسلمين، وكان منهم زهاوي الذي أخلص لهم وعلق على صدره وسام خدمتهم، فتصدى لدعوة الإسلام التي قام بتجديدها أبناء العروبة في الجزيرة، وشن عليها حربًا شعواء، مما يدل على أنه كان مبغضًا للإسلام وأهله، محبًا للكفر وأهله، متسترًا بثياب الوطنية الزائفة التي يتبجح بها المنافقون في العصور الأخيرة.\nيقول محمد رشيد رضا:\nسمعت من كثير من الذين عرفوا الزهاوي في الأستانة أنه ملحد لا يدين بدين، وقد تهجم الزهاوي على الشريعة الإسلامية وطعن فيها ...\nويقول الشيخ عبد الله ابن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵏ عن \"التحليق\":\n\"وأما البحث عن حلق شعر الرأس، وأن بعض البوادي الذي دخلوا في ديننا قاتلوا\n_________\n١ ومما يؤكد تحمس الإنجليز للقضاء على الدولة السعودية ودعوة التوحيد تلك الرسالة التي أرسلوها لتهنئة إبراهيم باشا من قبل الحكومة الإنجليزية بتدمير الدرعية. انظر: هو غارت: جولة في بلاد العرب ص ١٠٤-١١١.","vol":"1","page":277},{"text":"من لم يحلق رأسه، وقتلوا بسبب الحلق خاصة، وإن من لم يحلق رأسه صار مرتدًا، والردة لا تكون إلا بإنكار ما علم بالضرورة من دين الإسلام، وأنواع الكفر والردة من الأقوال والأفعال معلومة عند أهل العلم، وليس عدم الحلق منها، بل ولم نقل أن الحلق مسنون، فضلًا عن أن يكون واجبًا، فضلًا عن أن يكون تركه ردة عن الإسلام.\nونحن لم نأمر أحدًا من الأمراء بقتال من لم يحلق رأسه، بل نأمرهم بقتال من أشرك بالله وأبى عن توحيد الله١.\nيقول الإمام عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ﵀:\n\"وأما أهل هذه الدعوة الإسلامية التي أظهرها الله بنجد، وانتشرت واعترف بصحتها كثير من العلماء والعقلاء، وأدحض الله حجة من نازعهم بالشهادة، فهم بحمد الله، يدعون إلى ما بعث الله به رسله من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له\"٢.\nويقول عبد الكريم بن فخر الدين الهندي ﵀ وهو يرد على ابن دحلان:\n\"وأما ما ورد في الخوارج: سمياهم التحليق، فلا ينطبق على ما ادعاه، فإن ترك الشعر واللحية سنة عند محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، فإن كان صحيحا يحمل أمره ذلك فيمن كان جديد الإسلام كما قال رسول الله ﷺ: \"ألق عنك شعر الكفر\" ٣.\nويقول عبد الله القصيمي:\n\"وهذا القول فاسد مردود، وبيان ذلك أن حجته في هذا القول، هي أن النجديين\n_________\n١ انظر الدرر السنية ج ٨ ص ٢٠٤.\n٢ المصدر السابق ج٩ ص ١٩٥.\n٣ انظر الحق المبين في الرد على الوهابية المبتدعين ص ٤٥.","vol":"1","page":278},{"text":"فيهم من يحلقون رؤسهم، وفاتهم أن معنى سيمى القول، أي علامتهم التي بها يتميزون عن غيرهم، وما به يعرفون ويختصون، وإذا كان الأمر مشتركًا بين الناس مشاعًا بين أصنافهم، فليس سيمى الطائفه ولا علاقة، وكذلك التحليق لا يمكن أن يكون سيمى لأحد اليوم، لأن التحليق أمر تفعله أمم كثيرة في أقطار كثيرة من الأقطار الإسلامية، فلا يمكن أن يكون سميى النجديين يقينًا\"١.\n_________\n١ انظر الصراع بين الإسلام والوثنية تأليف عبد الله بن علي الغصيمي ط (١) القاهرة ١٤٠٢هـ ج١ ص٤٤٣.","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>الفصل الثالث: الفرية الثالثة زعموا أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب تكفير الناس</span>\n...\nالفرية الثالثة زعموا أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب تكفير الناس\nومن الافتراء على هذه الدعوة السلفية أن محمدًا بن عبد الوهاب وجماعته يكفرون أهل القبلة. ويستبيحون دماءهم وحل أموالهم لأنهم مشركون، وهذا ليس غريبًا على هؤلاء المضللين عباد القبور.\nيقول عدو الدعوة السلفية ابن عفالق:\n\"بل والله وكذب الرسل، وحكم عليهم وعلى أممهم بالشرك\"١.\nويقول: وهو يشير بأن الإمام محمد بن عبد الوهاب \"حلف يمينًا بالله فاجرة اليهود والمشركون أحسن حالًا من هذه الإمة\"٢.\nوقال ابن عابدين الشامي في حاشيته:\n\"كما وقع في زماننا في أتباع عبد الوهاب الذين خرجوا من نجد، وتغلبوا على الحرمين، وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة، لكنهم اعتقدوا أنهم المسلمون، وأن من خالف اعتقادهم مشركين، استباحوا قتل أهل السنة وقتل علمائهم..الخ\"٣.\n_________\n١ جواب ابن عفالق في رسالة ابن معمر ص ٥٨.\n٢ انظر جواب ابن عفالق على رسالة ابن معمر ق ٦٥.\n٣ انظر رد المختار ج٣ ص ٣٠٩.","vol":"1","page":282},{"text":"ويقول القباني: \"كفر هذه الأمة بأسرها، وكفر كل من لم يقل بضلالتها وكفرها\"١.\nويقول قبحه الله بما قال: \"وجاء كل واحد من الأنبياء والمرسلين مع الألوف من أمته، وجاء النبي الكريم وليس معه من أمته إلا النفر اليسير من أهل العيينة٢، وأما الباقون فكلهم مخلدون في النار مع الكفار، مع ما لهم من كثرة الطاعات وأنواع العبادات\"٣.\nويقول علوي الحداد:\n\"إذا أراد الرجل أن يدخل في دينه، يقول له: أشهد على نفسك أنك كنت كافرًا، واشهد على والديك أنهما ماتا كافرين، واشهد على العالم الفلاني والفلاني أنهم كفار وهكذا، فإن شهد بذلك قبله، وإلا قتله٤.\nويقول ابن دحلان في كتاب المشؤوم وفتنة الوهابية: \"وسعى بتكفير للأمة خاصها وعامها، وقاتلها على ذلك جملة إلا من وافقه على قوله.\nويقول أيضًا: \"وكانت شوكتهم وقوتهم في بلادهم أولا، ثم كثر شرهم وتزايد ضررهم واتسع ملكهم، وقتلوا من الخلائق ما لا يحصون واستباحوا أموالهم وسبوا نساءهم\"٥.\n_________\n١ انظر فصل الخطاب في رد ضلالات ابن عبد الوهاب.\n٢ العيينة التي ولد بها الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وحين كان فيها قبل أن يخرج منها.\n٣ انظر فصل الخطاب ص ١٠٤.\n٤ انظر مصباح الأنام ص ٥.\n٥ انظر فتنة الوهابية ص ٦٦.","vol":"1","page":283},{"text":"ويقول الزهاوي العراقي:\n\"لو سأل سائل عما تمذهبت به الوهابية، ما هو وعن غايته ما هي، فقلنا في جواب كلا السؤالين هو تكفير كافة المسلمين، لكان جوابا على اختصاره تعريقًا كافيًا لمذهبها\"١.\nوكثير من الأقوال الكاذبة على دعوة الإمام ابن عبد الوهاب في مسألة التكفير وغيرها، وحتى تكون الرؤية واضحة في مسألة التكفير وهي مسألة خطيرة، وخاصة أن أقوال هؤلاء المرتزقة الزنادقة مدونة منشورة، نسوق أقوال الإمام محمد بن عبد الوهاب وجماعة أهل التوحيد لتكون الصورة واضحة جلية، ويكشف زيغ هؤلاء وغيرهم من الذين ملأ قلوبهم الحق والحسد والكراهية لهذه الدعوة المباركة، وهذه الأدلة هي.\nبعث الإمام محمد بن عبد الوهاب رسالة إلى حمد التويجري يقول فيها:\n\"وكذلك تمويه على الطغام بأن (ابن) عبد الوهاب يقول: الذي ما يدخل تحت طاعتي كافر، ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا بأن من عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله، فهذا المسلم في أي زمان وأي مكان، وإنما نكفر من أشرك بالله في ألوهيته بعدما تبين له الحجة على بطلان الشرك\"٢.\nويقول -أيضًا- في رسائله: \"وأما الكذب والبهتان، فمثل قولهم: إنا نكفر\n_________\n١ انظر الفجر الصادق ص ١٩.\n٢ مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ج٥ ص ١٨٩.","vol":"1","page":284},{"text":"بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وإنا نكفر من لم يكفر ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذين يصدون به الناس عن دين الله ورسوله\"١.\nوهذه رسالة بعثها إلى إسماعيل الجراعي من اليمن يقول فيها ﵀:\n\"وأما القول بأننا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء والذين يصدون به عن هذا الدين، ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم\"٢.\nوهذه رسالة بعثها ﵀ لأحد العلماء في المدينة النبوية على ساكنها أشرف الصلوات والسلام يقول الإمام:\n\"فإن قال قائلهم إنهم يكفرون بالعموم، فنقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، نكفر الذي يشهد أن التوحيد دين الله ودين رسوله، وأن دعوة غير الله باطلة ثم بعد هذا يكفر أهل التوحيد\"٣.\nويقول ﵀:\n\"وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم على قبر عبد القادر، والصنم على قبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جلهلهم وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله أو لم يهاجر إلينا ولم يكفر..؟\n_________\n١ انظر المصدر السابق ج ٣ ص١١.\n٢ مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ج٥ ص١٠٠.\n٣ المصدر السابق ج٥ ص٤٨.","vol":"1","page":285},{"text":"﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ..﴾ ١\nوهذا عالم من علماء العراق عبد الرحمن السويدي حين سمع من بعض أعداء الدعوة السلفية من سنة ورافضة الافتراء على الإمام بأنه يكفر الناس بعث رسالة يسأله عن تكفير الناس إلا من تبعه، فكان الجواب من الإمام هو صاعقة محرقة لأعداء الدعوة وأهل التكفير والزيغ والافتراء، فيقول ﵀:\n\"وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله، منها: إشاعة البهتان بما يستحى العاقل أن يحكيه، فضلًا عن أن يفتريه، ومنها ما ذكرتم أني أكفر جميع الناس إلا من تبعني، وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة، ويا عجبا كيف يدخل هذا في عقل عاقل، هل يقول: هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون\"٢.\nويوضح الشيخ عبد الله ابن الإمام محمد بن عبد الوهاب هذا البهتان والكذب، فيقول ﵀:\n\"وأما ما يكذب علينا سترًا للحق، وتلبيسًا على الخلق، بأننا نكفر الناس على الإطلاق، أهل زماننا، ومن بعد الستمائة، إلا من هو على ما نحن فيه، ومن فروع ذلك أن لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرير عليه بأنه كان مشركًا، وأن أبويه ماتا على الشرك بالله ... فلا وجه لذلك، فجميع هذه الخرافات وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولًا، كان جوابنا في كل مسألة من ذلك: \"سبحانك هذا بهتان عظيم\"، فمن روى عنا شيئًاَ من ذلك أو نسبه إلينا، فقد كذب علينا وافترى، ومن شاهد حالنا، وحضر مجالسنا، وتحقق ما عندنا علم قطعيًا أن جميع ذلك وضعه\n_________\n١ انظر روضة الأفكار حسين بن غنام.\n٢ انظر مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ج٥ ص٣٦.","vol":"1","page":286},{"text":"علينا وافتراه أعداء الدين وإخوان الشياطين، تنفيرًا للناس من الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة، وترك أنواع الشرك الذي نص عليه بأن الله لا يغفره، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فإنا نعتقد أن من فعل أنواعًا من الكبائر كقتل المسلم بغير حق، والزنا، والربا، وشرب الخمر، وتكرر منه ذلك، أنه لا يخرج بفعله ذلك من دائرة الإسلام ولا يخلد به في دار الانتقام، إذا مات موحدًا بجميع أنواع العبادة\"١.\nويقول ﵀: \"إن صاحب البردة٢ وغيره ممن يوجد الشرك في كلامه والغلو في الدين، وماتوا لا يحكم بكفرهم، وإنما الواجب إنكار هذا الكلام، وبيان من اعتقد هذا على الظاهر فهو مشرك كافر، وأما القائل فيرد أمره إلى الله ﷾، ولا ينبغي التعرض للأموات، لأنه لا يعلم هل تاب أم لا\"٣.\nويشير الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب وهو يرد على هذا الاتهام ويدافع عن جده الإمام محمد بن عبد الوهاب:\n\"والشيخ محمد ﵀ من أعظم الناس توقفًا وإحجامًا عن إطلاق الكفر، حتى أنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور، أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر مرتكبها\"٤.\n_________\n١ انظر الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية –تأليف سليمان بن محمد بن سحمان ط (٢) مطبع المنار- مصر ١٣٤٤هـ ص٤٠.\n٢ يقصد البوصيري صاحب القصيدة المشهورة البردة التي تحتوي على كثير من الشرك.\n٣ مجموعة الرسائل والمسائل النجدية ج١ ص٤٧.\n٤ انظر منهاج التأسيس ص ٦٥.","vol":"1","page":287},{"text":"ويقول ﵀:\n\"فإنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله ورسله، أو بشيء منها بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر كتكفير من عبد الصالحين ودعاهم مع الله، وجعلهم أندادًا فيما يستحقه على خلقه من العبادات الإلهية\"١.\nويقول ﵀ ويرد على داود بن جرجيس:\n\"وأما القول بأنا نكفر الناس عمومًا ونوجب الهجرة إلينا على قدر على إظهار دينه، وإنا نكفر من لم يكفر ولم يقاتل، ومثل هذا أضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله، سبحانك هذا بهتان عظيم\"٢.\nالإمام ﵀ كفر كل من اعتقد في مخلوق أو شجر أو حجر، وتجوه إليه بنوع العبادة، فهو كافر بلا شك.\nيقول ﵀:\n\"إن الشيخ كان يكفر من أهل اليمامة هؤلاء الذين كانوا يعتقدون في النخلة القائمة عندهم أن لها قدرة عجيبة من قصدها من العرائس تزوجت لعامها.\nويكفر هؤلاء الذين كانوا يعتقدون في الغار القائم في الدرعية، ويحجون إليه للتبرك كما يحج المسلمون للكعبة المكرمة.\n_________\n١ انظر مجموعة الرسائل ج ٣ ص٥.\n٢ المصدر السابق ج٣ ص ٤٤٩.","vol":"1","page":288},{"text":"ويكفر من أهل مصر هؤلاء الذين يعتقدون في شجرة الحنفي، ونعل الكلشني، وبوابة المتولي، ويكفر كل من اعتقد في شجر أو حجر، وتوجه إليه بنوع من أنواع العبادة.\nوأمثال هؤلاء الذين كفرهم الشيخ كفرهم القرآن وأحاديث الرسول ﷺ ونقول: من ينكر أن هؤلاء بالتجائهم لغير الله تعالى خرجوا عن الإسلام؟ وانسلخوا من الدين باتباعهم الجبت والطاغوت وسؤالهما النفع والضر..؟\nويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب:\n\"وهي كلمة التوحيد، وحق الله على العبيد، فمن أشرك مخلوقًا فيها من ملك مقرب، أو نبي مرسل أو ولي، أو صحابي وغيره أو صاحب قبر أو جني أو غيره، أو استغاث به أو استعان به فيما لا يطلب إلا من الله، أو نذر له أو ذبح له، أو توكل عليه، أو رجاه، أو دعاه دعاء استغاثة أو استعانة، أو جعله واسطة بينه وبين الله لقضاء حاجته، أو لجلب نفع أو كشف ضر -فقد كفر كفر عباد الأصنام القائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ .\nومنهم من يقول: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ .\nكما ذكر الله عنهم في كتابه، وهم مخلدون في النار وإن صلوا وصاموا وعملوا بطاعة الله الليل والنهار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ ١.\n_________\n١ الشبهات التي أثيرت حول دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب للدكتور عبد الرحمن عميرة، بحوث أسبوع، الشيخ محمد بن عبد الوهاب ج٢ ص٦٧-٦٨.","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>الفصل الرابع: الفرية الرابعة الإمام محمد بن عبد الوهاب وانتقاض الرسول ﷺ</span>\n...\nالفرية الرابعة الإمام محمد بن عبد الوهاب وانتقاص الرسول ﷺ أدعى عباد القبور وما أكثرهم بأن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأتباعه كانوا ينتقصون مقام الرسول ﷺ وأنه إذا ذكر الرسول ﷺ لا يصلون عليه، وبذلك وضعوا خنجرًا مسمومًا على صدر الأمة الإسلامية ليوغروا قلوب المسلمين، ويكرهوا هذه الدعوة، ومن أبزر العلماء:\nسليمان بن محمد بن سحيم١، قاضي \"منفوحة\"، كان أول من استجاب لهذه الدعوة الإسلامية المباركة، ولكن الحسد الشيطاني ساقة إلى عداوة الموحدين، فصار يكذب ويفتري على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، مما اضطر الشيخ إلى أن يقول له: \"أنت رجل جاهل مشرك، مبغض لدين الله\"٢، فاستشاط سليمان غضبًا، وأخذ يؤلب على الشيخ وعلى دعوته، وراسل علماء أهل البصرة والإحساء يحذرهم من الشيخ ودعوته ويكيل التهم والافتراءات.\n_________\n١ هو سليمان بن أحمد بن سحيم العنزي، وهو خصم شديد للدعوة السلفية، وبذل وسائل عديدة في التشنيع بها وتحريض العلماء في الرد عليها، ولد سنة ١١٣٠هـ، توفي في الزبير سنة ١١٨١هـ، انظر تحفة المستفيد ص ١٢٤.\n٢ روضة الأفهام ج١ ص١٣٨.","vol":"1","page":292},{"text":"وكمثال على ذلك، فقد قال في إحدى رسائله: \"إن الشيخ ينتقص الرسول ﷺ\".\nوهذا نص الرسالة:\nمن الفقير إلى الله تعالى سليمان بن محمد بن سحيم، إلى من يصل إليه من علماء المسلمين، وخدام شريعة سيد ولد آدم من الأولين والآخيرن.\nسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..\nأما بعد:\nفالذي يحيط به علمكم أنه قد خرج في قطرنا رجل مبتدع جاهل، مضل ضال، من بضاعة العلم والتقوى عاطل، جرت من أمور فظيعة، وأحوال شنيعة، منها: شيء شاع وذاع، وملأ الأسماع، وشيء لم يتعد أماكننا بعد، فأحببنا نشر ذلك لعلماء المسلمين، وورثة سيد المرسلين، ليصيدوا هذا المبتدع صيد أحرار الصقور لصغار بغاث الطيور، ويردوا بدعه وضلالاته وجهله وهفواته.\nوالقصد من ذلك: القيام لله ورسوله، ونصرة الدين، جعلنا الله وإياكم من الذين يتعاونون على البر والتقوى.\nفمن بدعه وضلالته أنه عمد إلى شهداء أصحاب رسول الله ﷺ الكائنين في الجبيلة: زيد بن الخطاب وأصحابه، وهدم قبورهم وبعثرها لأجل أنهم في حجارة ولا يقدرون أن يحفروا لهم، فطووا على أضرحتهم قدر ذراع ليمنعوا الرائحة والسباع، والدافن لهم خالد، وأصحاب رسول الله ﷺ.\nوعمد -أيضًا- إلى المسجد في ذلك المكان وهدمه، وليس داع شرعي في","vol":"1","page":293},{"text":"ذلك إلا اتباع الهوى. ومنها: أنه أحرق \"دلائل الخيرات\"١ لأجل قول صاحبها: سيدنا ومولانا، وحرق أيضًا \"روض الرياحين\"٢، وقال: هذا روض الشياطين.\nومنها: أنه صح عنه أنه يقول: لو أقدر على حجرة الرسول ﷺ هدمتها، ولو أقدر على البيت الشريف أخذت ميزابه، وجعلت بدله ميزاب خشب.\nأما سمع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج) .\nومنها: أنه ثبت أن يقول: \"الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، وتصديق ذلك أنه بعث إلي كتابا يقول فيه: \"أقروا أنكم قبلي جهال ضلال\".\nومن أعظمهما: أن من لم يوافقه في كل ما قال ويشهد أن ذلك حق يقطع بكفره، ومن وافقه وصدقه في كل ما قال، قال: أنت موحد، ولو كان فاسقًا محضًا أو مكاسا، وبهذا ظهر أنه يدعو إلى توحيد نفسه لا إلى توحيد الله.\nومنها: أنه بعث إلى بلداننا كتابًا مع بعض دعاته بخط يده، وحلف فيه بالله: أن علمه هذا لم يعرفه مشايخه الذين ينتسب إلى أخذ العلم منهم -في زعمه، وإلا فليس له مشايخ-، ولا عرفه أبوه، ولا أهل \"العارض\".\nفيا عجبا إذا لم يتعلمه من المشائخ ولا عرفه أبوه، ولا أهل قطره، فمن أين علمه..؟\nوعن من أخذه.؟\n_________\n١ دلائل الخيرات: كتاب ألفه محمد بن سليمان المغربي الشاذلي طريقة، ت (٨٥٤) هـ.\n٢ روض الرياحين- كتاب ألفه عبد الله بن أسعد بن سليمان اليافعي، ت (٧٦٨) هـ.","vol":"1","page":294},{"text":"هل أوحي إليه..؟\nأو رآه منامًا..؟ أو أعلمه به الشيطان..؟\nوحلفه هذا أشرف عليه جميع أهل العارض.\nومنها: أنه يقطع بتكفير ابن الفارض وابن عربي.\nومنها: أنه قاطع بكفر سادة عندنا من آل الرسول، لأجل أنهم يأخذون النذور، ومن لم يشهد بكفرهم فهو كافر.\nومنها: أنه ثبت عنه لما قيل له: اختلاف الأئمة رحمة، قال: اختلافهم نقمة.\nومنها: أنه يقطع بفساد الوقف، ويكذب المروي عن رسول الله ﷺ وأصحابه أنهم وقفوا.\nومنها: إبطال الحج.\nومنها: أنه قال: الصلاة على رسول الله ﷺ يوم الجمعة وليلتها هي بدعة وضلالة، تهوي بصاحبها إلى النار.\nومنها: أنه يقول: \"الذي يأخذه القضاء قديمًا وحديثًا -إذا قضوا بالحق بين الخصمين، ولم يكن بيت مال لهم ولا نفقة –إن ذلك رشوة- هذا القول بخلاف النصوص عند جميع الأمة: أن الرشوة ما أخذ لإبطال حق أو لإحقاق باطل، وأن للقاضي أن يقول للخصمين: لا أقضي بينكم إلا بجعل. ومنها: أنه يقطع بكفر","vol":"1","page":295},{"text":"الذي يذبح الذبيحة ويسمي عليها ويجعلها لله تعالى. ويدخل مع ذلك دفن شر الجن، ويقول: ذلك كفر. واللحم حرام، فالذي ذكره العلماء بذلك أنه منهي عنه فقط، وذكره في حاشية (المنتهى) ١.\nولو تأملنا هذه الرسالة لوجدناها ألمت بأكثر التشنيعات التي أثارها خصوم الدعوة الإسلامية في مراحلها اللاحقة ...\nفلما علم الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالرسالة التي بعث بها سليمان محرضًا على الدعوة وأهلها، رد عليه برسالة بعثها إليه يقول له فيها:\nمن محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الله بن سحيم\"، وبعد:\nألفينا مكتوبك وما ذكرت وما بلغك، ولا يخفاك أن المسائل التي ذكرت أنها بلغتكم في كتاب العارض جملتها أربعة وعشرون مسألة بعضها حق. وبعضها بهتان وكذب.\nوقبل الكلام فيها. لا بد من تقديم أصل، وذلك أن أهل العلم إذا اختلفوا، والجهال إذا تنازعوا ومثلي ومثلكم إذا اختلفنا في مسألة -هي الواجب اتباع أمر الله ورسوله وأهل العلم؟ أو الواجب اتباع عادة الزمان التي أدركنا الناس عليها، ولو خالفت ما ذكره العلماء في جميع كتبهم..\nوإنما ذكرت هذا -ولو كان واضحًا- لأن بعض المسائل التي ذكرت أنا قلتها لكن هي موافقة لما ذكره العلماء في كتبهم: الحنابلة وغيرهم.\nولكن هي مخالفة لعادة الناس التي نشأوا عليها، فأنكرها علي من أنكرها\n_________\n١ انظر روضة الأفكار ص ٢٩٥.","vol":"1","page":296},{"text":"لأجل مخالفة العادة، وإلا فقد رأوا تلك في كتبهم عيانًا، وأقروا بها وشهدوا أن كلامي هو الحق لكن أصابهم ما أصاب الذين قال الله فيهم:\n﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٨٩) .\nوهذا هو ما نحن فيه بعينه، فإن الذي راسلكم هو عدو الله ابن سحيم، وقد بينت ذلك له فأقر به، وعندنا كتب يده في رسائل متعددة أن هذا هو الحق، وأقام على ذلك سنين، لكن أنكر آخر الأمر لأسباب أعظمها البغي:\n﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (البقرة: ٩٠) .\nوذلك أن العامة قالوا له ولأمثاله: إذا كان هذا هو الحق، فلأي شيء لم تنهونا عن عبادة \"شمسان\" وأمثاله، فتعذروا: \"أنكم ما سألتمونا..؟ \"\nقالوا: \"وإن لم نسألكم كيف نشرك بالله عندكم ولا تنصحونا، وظنوا أن يأتيهم في هذا غضاضة، وأن شرفًا لغيره.\nوأيضًا: لما أنكرنا عليهم أكل السحت والرشا إلى غير ذلك من الأمور، فقام يدخل عندكم وعند غيركم بالبهتان.\nوالله ناصر دينه ولو كره المشركون.\nوأنت لا تستهون مخالفة العادة على العلماء فضلا عن العوام، وأنا أضرب لك مثلا بمسألة واحدة وهي مسئلة الاستجمار ثلاثًا فصاعدا من غير عظم ولا روث، وهو كاف مع وجود الماء عند الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو إجماع الأمة ولا خلاف في ذلك -ومع هذا- لو يفعله أحد- لصار هذا عند الناس أمرًا عظيمًا ولنهوا عن الصلاة خلفه، ويدعوه مع إقرارهم بذلك ولكن لأجل العادة.","vol":"1","page":297},{"text":"إذا تبين هذا فالمسائل التي شنع بها –منها ما هو من البهتان الظاهر وهي قوله: إني مبطل كتب المذاهب، وقوله: إني أقول: إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء.\nوقوله: إني أدعى الاجتهاد.\nوقوله: إني خارج عن التقليد.\nوقوله إني أقول: إن اختلاف العلماء نقمة.\nوقوله: إني أكفر من توسل بالصالحين.\nوقوله: إني أكفر البوصيري، لقوله يا أكرم الخلق.\nوقوله: إني أقول لو: أقدر على هدم حجرة الرسول لهدمتها، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزابًا من خشب.\nوقوله: إني أنكر زيارة قبر النبي ﷺ.\nوقوله: إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم، وإني أكفر من يحلف بغير الله.\nفهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول:\n﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (النور: ١٦) .\nولكن قبله من بهت النبي محمدًا ﷺ أنه يسب عيسى ابن مريم، ويسب الصالحين ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (البقرة) .\nوبهتوه بأنه يزعم أن الملائكة، وعيسى، وعزيرًا في النار، فأنزل الله في ذلك:","vol":"1","page":298},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (الأنبياء:١٠١) .\nوأما المسائل الأخرى وهي أني أقول: لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى \"لا إله إلا الله\".\nومنها: أني أعرف من يأتيني بمعناها.\nومنها: أني أقول: الإله هو الذي فيه السر.\nومنها: تكفير الناذر إذا أراد به التقرب لغير الله وأخذ النذر كذلك.\nومنها: أن الذبح للجن كفر، والذبيحة حرام ولو سمى الله عليها إذا ذبحها للجن.\nفهذه خمس مسائل كلها حق وأنا قائلها.\nونبدأ بالكلام عليها لأنها أم المسائل، وقبل ذلك أذكر معنى \"لا إله إلا الله\" فنقول: التوحيد نوعان:\nتوحيد الربوبية: وهو أن الله سبحانه متفرد بالخلق والتدبير عن الملائكة والأنبياء وغيرهم، وهذا حق لابد منه، لكن لا يدخل الرجل في الإسلام لأن أكثر الناس مقرون به.\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ إلى قوله ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (يونس:٣١) .\nوأن الذي يدخل الرجل في الإسلام هو توحيد الألوهية، وهو: أن لا يعبد إلا الله لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلا، وذلك أن النبي ﷺ بعث وأهل الجاهلية يعبدون","vol":"1","page":299},{"text":"أشياء مع الله، فمنهم من يدعو الأصنام، ومنهم من يدعو عيسى، ومنهم من يدعو الملائكة فنهاهم عن هذا، وأخبرهم أن الله أرسله ليوحد ولا يدعى أحد من دونه لا الملائكة ولا الأنبياء، فمن تبعه ووحد الله فهو الذي شهد أن لا إله إلا الله، ومن عصاه ودعا عيسى والملائكة واستنصرهم، والتجأ إليهم فهو الذي جحد لا إله إلا الله مع إقراره أنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله، وهذه جملة لها بسط طويل، ولكن الحاصل أن هذا مجمع عليه بين العلماء.\n..وما جرى في هذه الأمة ما أخبر به نبيها ﷺ حيث قال: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه\".\nوكان من قلبهم كما ذكر الله عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٣١) .\nفصار ناس من الضالين يدعون أناسًا من الصالحين في الشدة والرخاء، مثل: عبد القادر الجيلاني، وأحمد البدوي وعدي بن مسافر، وأمثالهم من أهل العبادة والصلاح، فأنكر عليهم أهل العلم غاية الإنكار، وزجروهم عن ذلك، وحذروهم غاية التحذير والإنذار- من جميع المذاهب في سائر الأقطار والأمصار فلم يحصل منهم انزجار؛ بل استمروا على ذلك غاية الاستمرار. وأما الصالحون الذين يكرهون ذلك فحاشاهم من ذلك.\nوبين أهل العلم أن أمثال هذا هو الشرك الأكبر، وأنت ذكرت في كتابك تقول: يا أخي مالنا والله دليل إلا من كلام أهل العلم.\nوأنا أقول: كلام أهل العلم رضي، وأنا أنقله لك، وأنبهك عليه، فتفكر","vol":"1","page":300},{"text":"فيه وقم لله ساعة ناظرًا ومناظرًا مع نفسك ومع غيرك، فإن عرفت أن الصواب معي، وأن دين الإسلام اليوم من أغرب الأشياء -أعني دين الإسلام الصرف الذي لا يمزج بالشرك والبدع.\nثم يقول: قال الشيخ تقي الدين: وقد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر، ومن أهل العبادة حتى قلبوا حقيقته، فطائفة ظنت أن التوحيد هو نفي الصفات، وطائفة ظنوا أنه الإقرار بتوحيد الربوبية، ومنهم من أطال في تقرير هذا الموضع وظن أنه بذلك قرر الوحدانية، وأن الألوهية هي القدرة على الاختراع ونحو ذلك، ولم يعلم أن مشركي العرب كانوا مقرين بهذا التوحيد.\nقال تعالى:\n﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (المؤمنون) .\nوهذا حق لكن لا يخلص به عن الإشراك بالله الذي لا يغفره الله، بل لا بد أن يخلص الدين لله فلا يعبد إلا الله فيكون دينه لله والإله هو المألوه الذي تألهه القلوب، وأطال ﵀ الكلام.\nوقال -أيضًا- في الرسالة \"السنية\" التي أرسلها إلى طائفة من أهل العبادة ينتسبون إلى بعض الصالحين، ويغلون فيهم، فذكر حديث الخوارج ثم قال: فإذا كان في زمن النبي ﷺ، وخلفائه الراشدين ممن ينتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة -فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام قد يمرق من الدين وذلك بأمور:\nمنها: الغلو الذي ذمه الله تعالى، مثل: الغلو في عدي بن مسافر أو غيره، بل: الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه فكل من غلا في نبي أو","vol":"1","page":301},{"text":"صحابي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعًا من الألوهية مثل أن يقول يا سيدي فلان أغثني أو أنا في حسبك ونحو هذا فهذا كافر يستتاب، فإن تاب وإلاقتل فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليعبد، ولا يدعى معه إله آخر.\nوالذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل: الشمس والقمر والصالحين، والتماثيل المصورة على صورهم -لم يكونوا يعتقدون أنها تنزل المطر، أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدون الملائكة والصالحين ويقولون: \"هؤلاء شفعاؤنا عند الله\".\nفبعث الله الرسل، وأنزل الكتب تنهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة.\nوقال –أيضًا- في أثناء الباب: ومن اعتقد أن لأحد طريقًا إلى الله غير متابعة محمد ﷺ، أولا يجب عليه اتباعه، أو أن لغيره خروجًا عن اتباعه، أو قال:\n\"أنا محتاج إليه في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة أو قال: إن من العلماء من يسعه الخروج عن شريعته كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى -كفر في هذا كله\".\nوقال –أيضًا- في الباب: ومن سب الصحابة، واقترن بسبه دعوى أن عليًا إله أو نبي أو أن جبريل غلط -فلا شك في كفر من توقف في تكفيره. فتأمل إذا كان كلامه هذا في \"علي\". فكيف بمن ادعى أن \"ابن عربي أو عبد القادر\" إلهان؟\nوتأمل كلام الشيخ في معنى الإله الذي تألهه القلوب، واعلم أن المشركين في زماننا قد زادوا على الكفار في زمن النبي ﷺ بأنهم يدعون الأولياء والصالحين في الرخاء والشدة، ويطلبون منهم تفريج الكربات وقضاء الحاجات، (والكفار زمن النبي) مع كونهم يدعون الملائكة والصالحين، ويريدون شفاعتهم والتقرب بهم؛","vol":"1","page":302},{"text":"وإلا فهم مقرون بأن الأمر لله فهم لا يدعونهم إلا في الرخاء فإذا جاءتهم الشدائد أخلصوا لله.\n﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ (الإسراء: ٦٧)\nوقال أيضًا في \"الإقناع\": ويحرم تعلم السحر، وتعليمه وفعله، وهو عقد، ورقي، وكلام يتكلم به، أو يكتبه، أو يعمل شيئًا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله، ومنه ما يقتل، ومنه ما يمرض، ومنه ما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها ومنه ما يبعض أحدهما للآخر ويحبب بين اثنين، ويكفر بتعلمه وفعله سواء اعتقد تحريمه أو إباحته.\nوأما (الحنفية) فقال الشيخ قاسم في شرح \"درر البحار\": النذر الذي يقع من أكثر العوام، وهو أن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلا: يا سيدي فلان إن رد غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي فلك كذا وكذا باطل اجماعأً لوجوه:\nمنها: أن النذر للمخلوق لا يجوز.\nومنها: ظن أن الميت يتصرف في الأمر واعتقاد هذا كفر.. إلى أن قال: إذا عرف هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ونحوها وينقل إلى ضرائح الأولياء -فحرام بإجماع المسلمين، وقد ابتلي الناس بهذا لا سيما في مولد أحمد البدوي.\nفتأمل قول صاحب النهر مع أنه في مصر مقر العلماء كيف شاع بين أهل مصر ما لا قدرة للعلماء على دفعه!! فتأمل قوله (من أكثر العوام)، أتظن أن الزمان صلح بعده..؟","vol":"1","page":303},{"text":"وأما (المالكية)، فقال الطرطوشي في كتاب \"الحوادث والبدع\": روى البخاري عن أبي واقد الليثي قال: \"خرجنا مع رسول الله ﷺ إلي حنين ونحن حديث عهد بالكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها \"ذات أنواط\" فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا \"ذات أنواط\" كما لهم \"ذات أنواط\" فقال: \"الله أكبر ... لتركبن سنن من كان قبلكم\".\nفانظر -رحمكم الله- أينما وجدتم سدرة يقصدها الناس، وينوطون بها الخرق فهي ذات أنواط فاقطعوها.\nوقال ﷺ: \"بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ\".\nومعنى هذا أن الله لما جاء بالإسلام فكان الرجل ... إذا أسلم في قبيلته كان غريبًا مستخفيًا بإسلامه، قد جفته العشيرة فهو بينهم ذليل خائف، ثم يعود غريبًا لكثرة الأهواء المضلة والمذاهب المختلفة حتى يبقى أهل الحق غرباء في الناس لقلتهم وخوفهم على أنفسهم.\nوروى البخاري عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: \"والله ما أعرف من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعًا\".\nوذلك أنه أنكر أكثر أفعال أهل عصره.\nانتهى كلام الطرطوشي.\nفليتأمل اللبيب هذه الأحاديث، وفي أي زمان قيلت، وفي أي مكان، وهل أنكرها أحد من أهل العلم؟ والفوائد فيها كثيرة، ولكن مرادي منها ما وقع من الصحابة، وقول الصادق المصدوق، إنه مثل كلام الذين اختارهم الله على","vol":"1","page":304},{"text":"العالمين لنبيهم: اجعل لنا إلهًا: يا عجبًا إذا جرى هذا من أولئك السادة كيف ينكر علينا أن رجلا من المتأخرين غلط في قوله يا أكرم الخلق، كيف تعجبون من كلامي فيه وتظنونه خيرًا وأعلم منهم.\nولكن هذه الأمور لا علم لكم بها، وتظنون أن من وصف شركًا أو كفرًا أنه الكفر الأكبر المخرج عن الملة، ولكن أين كلامك هذا من كتابك الذي أرسلت إلي قبل أن يغريك الله بصاحب الشام، وتذكر وتشهد أن هذا هو الحق وتعتذر أنك لا تقدر على الإنكار..؟\nومرادي أن أبين لك كلام الطرطوشي وما وقع في زمانه من الشرك بالشجر، مع كونه في زمن القاضي \"أبي يعلي\" أتظن الزمان صلح بعده..؟..\nوأما كلام (الشافعية) فقال الإمام محدث الشام أبو شامة في كتاب \"الباعث على إنكار البدع والحوادث\"، وقد وقع من جماعة من النابذين لشريعة الإسلام المنتمين إلى الفقر الذي حقيقته الافتقار من الإيمان، ومن اعتقادهم في مشايخ لهم ضالين مضلين فهم داخلون تحت قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (الشورى: ٢١) .\nوبهذه الطرق وأمثالها كان بدادية ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها، ومن هذا القسم ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وإسراج مواضع في كل بلد يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدًا ممن شهر بالصلاح فيفعلون ذلك، ويظنون أنهم يتقربون إلى الله، ثم يجاوزون ذلك إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، ويرجوا الشفاعة لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لهم، وهي بين عيون وشجر وحائط وحجر، وفي \"دمشق\" -صانها الله-","vol":"1","page":305},{"text":"من ذلك مواضع متعددة كعوينة الحمى، والشجرة الملعونة خارج باب النصر سهل الله قطعها فما أشبهها بذات أنواط، ... ثم ذكر كلامًا طويلا إلى أن قال:\n\"أسال الله الكريم معافاته من كل ما يخالف رضاه ولا يجعلنا ممن أضله فاتخذ إلهه هواه\".\nفتأمل ذكره في النوع أنه نبذ لشريعة الإسلام، وأنه خروج عن الإيمان، ثم ذكر أنه عم الابتلاء به في الشام.\nفأنت قل لصاحبكم: هؤلاء العلماء من الأئمة الأربعة ذكروا أن الشرك عم الابتلاء به وغيره، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض، وذكروا أن الدين عاد غريبًا، فهو أمام اثنتين:\nإما أن يقول: كل هؤلاء العلماء جاهلون ضالون مضلون خارجون.\nوإما أن يدعي: أن زمانه وزمان مشايخه صلح بعد ذلك ...\nإذا تقرر هذا فخمس المسائل التي قدمت جوابها في كلام العلماء، وأضيف إليها مسألة سادسة، وهى: إفتائي بكفر شمسان وأولاده ومن شابههم، وسميتهم طواغيت، وذلك أنهم يدعون الناس إلى عبادتهم من دون الله عبادة أعظم من عبادة اللات والعزى يعبدونها في الرخاء، ويخلصون لله في الشدة وعبادة هؤلاء أعظم من عبادتهم إياه في شدائد البر والبحر، فإن كان الله أوقع في قلبك معرفة الحق والانقياد له والكفر بالطاغوت والتبري ممن خالف هذه الأصول ولو كان أباك أو أخاك -فاكتب لي وبشرني لأن هذا ليس مثل الخطأ في الفروع، بل ليس الجهل","vol":"1","page":306},{"text":"بهذا -فضلا عن إنكاره- مثل الزنا والسرقة، بل والله، ثم والله، إن الأمر أعظم.. وإن وقع في قلبك إشكال فاطلب إلى مقلب القلوب أن يهديك لدينه ودين نبيه.\nوأما بقيه المسائل: فالجواب عنها ممكن إذا خلصنا من شهادة لا إله إلا الله وبيننا وبينكم كلام أهل العلم، لكن العجب من قولك: أنا هادم قبور الصحابة. وعبارة \"الإقناع\" في الجنائز: يجب هدم القباب التي على القبور لأنها أسست على معصية الرسول. والنبي ﷺ صح عنه أنه بعث عليًا لهدم القبور\"١.\nوهكذا أجاب الإمام وأقام الحجة على ما كان عليه السلف الصالح والأئمة المهتدون، ومن الهدى ودين الحق، منارًا يضيء طريق الحيارى العابثين، والمخالفين الناقصين، الذين انقلبت لديهم الحقائق والتبست عليهم المعارف بالشقاق والتشكيك: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (الكهف: ١٧) .\nويقول علوي الحداد: \"الأفاك: كان ينقص النبي ﷺ كثيرًا بعبارات مختلفة، منها قوله: \"إنه طارش بمعنى أن غاية أمره أنه كالطارش الذي يرسل إلى أناس في أمر فيبلغهم ثم ينصرف، وكان بعضهم يقول عصايا خير من محمد، لأنها ينتفع بها بقتل الحية ونحوها، ومحمد قد مات، ولم يبق فيه نفع أصلًا، وإنما هو الطارش ومضى، وبهذا يكفر عند المذاهب الأربعة، ومن ذلك أنه كان يكره الصلاة على النبي ﷺ، ويتأذى من سماعها، وينهى عن الجهر بها على المنابر، ويؤذي من\n_________\n١ انظر روضة الأفكار ص ٢١٠.","vol":"1","page":307},{"text":"يفعله، ومنع من الإتيان بها على المنابر ليلة الجمعة، ولذلك أحرق دلائل الخيرات، وغيره من كتب الصلاة على النبي ﷺ وتستر بدعوى أن ذلك بدعة\".\nويقول ابن دحلان، الأفاك الأثيم، وهو يكذب على الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: \"وكانوا -أي محمد بن عبد الوهاب وأشياعه\" يمنعون من الصلاة عليه ﷺ على المنابر بعد الأذان، حتى أن رجلًا صالحًا كان أعمى وكان مؤذنًا وصلى على النبي ﷺ بعد الأذان بعد أن كان المنع، فأتوا به إلى ابن عبد الوهاب فأمر به أن يقتل، فقتل١.\nأرأيتم يا معشر المسلمين هذا المجرم لا يكتفي بالكذب بل يفتري على الدعوة المباركة.\nونسوق الأدلة من أئمة الدعوة في حق الرسول ﷺ التي تبين وتفضح هؤلاء الأفاكين الذين زوروا وكذبوا:\nيقول الشيخ عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب في الرد على ذلك:\n\"جوابنا في كل مسألة من ذلك\"..... ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ .\nفمن روى عنا شيئًا من ذلك أو نسبه إلينا فقد كذب علينا وافترى، ومن شاهد حالنا وحضر مجالسنا وتحقق ما عندنا، علم قطعيًا أن جميع ذلك وضعه علينا وافتراه أعداء الدين وإخوان الشياطين، تنفيرًا للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة وترك أنوع الشرك الذي نص عليه بأن الله لا يغفره، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.\n_________\n١ انظر فتنة الوهابية.","vol":"1","page":308},{"text":"ثم يقول:\n\"والذي نعتقده أن رتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء، للنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم عليه وتسن زيارته، إلا أنه لا يشد الرحال إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس. ومن أنفق نفيس أوقاته بالاشتغال بالصلاة ﵊ الواردة عنه، فقد فاز بسعادة الدارين، وكفى همه وغمه كما جاء في الحديث عنه\"١.\nويقول الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في حق الرسول ﷺ:\n\"ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع\".\nويقول عليه الرحمة والسلوان:\n\"فرسول الله محمد ﷺ هو سيد الشفعاء، وصاحب المقام المحمود، وآدم فمن دونه تحت لوائه\"٢.\nويقول ﵀:\n\"الأمر بطاعته \"سبحانه\" وطاعة رسوله، وأن الهدى في طاعته، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ .\n_________\n١ انظر الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية ص ٤١.\n٢ مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ج١ ص١٩٠، ج٥ ص١١٣.","vol":"1","page":309},{"text":"ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، ﵏:\n\"وقد قرر (محمد بن عبد الوهاب) ﵀ على شهادة أن محمدًا رسول الله من بيان ما تستلزمه هذه الشهادة وتستدعيه وتقتضيه من تجريد المتابعة، والقيام بالحقوق النبوية من الحب والتوقير والنصر والمتابعة والطاعة، وتقديم سنته ﷺ على كل سنة وقول، والوقوف معها حيث ما وقفت، والانتهاء حيث انتهت في أصول الدين وفروعه، وباطنه وظاهره، كليه وجزئيه، ما ظهر به فضله وتأكد علمه ونبله\"١.\nويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب (﵏):\n\"وإذا بانت لنا سنة صحيحة عن رسول الله ﷺ عملنا بها، ولا نقدم عليها قول أحد كائنا من كان، بل نتلقاها بالقبول والتسليم، لأن سنة رسول الله ﷺ في صدورنا أجل وأعظم من أن نقدم عيلها قول أحد\"٢.\nويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، حيث دخل في سنة ١٢١٨هـ:\nوأما ما يكذب علينا سترًا للحق، وتلبيسًا علىالخلق بأنا نضع من رتبة نبينا محمد ﷺ بقولنا: النبي رمة في قبرة، وعصا أحدنا أنفع له منه، وليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله حتى أنزل عليه:\n_________\n١ منهاج التأسيس ص ٤١، وانظر الدرر السنية وفتاوى علماء نجد ج١ ص٢٦٤.\n٢ انظر الدرر السنية ج١ ص٢٨٩.","vol":"1","page":310},{"text":"﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، مع كون الآية مدنية ... وأننا ننهى عن الصلاة على النبي ﷺ، فلا وجه لذلك، فجميع هذه الخرافات وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولا كان جوابنا في كل مسألة من ذلك\" سبحانك هذا بهتان عظيك\"، فمن روى عنا شيئًا من ذلك أو نسبه إلينا فقد كذب علينا وافترى.\nومن شاهد حالنا وحضر مجالسنا وتحقق معنا علم قطعًا أن جميع ذلك وضعه وافتراه علينا أعداء الدين وإخوان الشياطين، تنفيرًا للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة، وترك أنواع الشرك.\nوالذي نعتقده أن مرتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم علي وتسن زيارته.. فلا بأس، ومن أنفق أوقاته بالاستغال بالصلاة عليه ﵊ الواردة عنه فقد فاز بسعادة الدارين، وكفر همه وغمه كما جاء الحديث عنه\"١.\nويقول الشيخ سلمان بن سحمان ﵀: \"وأما قوله: ولا يتحاشون من الطعن بالرسول ﵊ بكل بذاءة\".\nفالجواب: أن نقول: \"سبحانك هذا بهتان عظيم\"، ومن افترى علينا هذا ونسبه إلينا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجميعن، لا قبل الله منه صرفًا ولا عدلًا وفضحه على رؤس الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار\"٢.\n_________\n١ انظر الدرر السنية ج١ ص١٢٧-١٢٨.\n٢ انظر كشف غياهب الظلام في مجموعة الرسائل والمسائل النجدية ج٤ ص٨٣٣.","vol":"1","page":311},{"text":"ويقول الشيخ فوزان السابق ﵀ وهو يرد على مختار بن الحاج المؤيد، الذي ألف رسالة فيها الإلحاد وسماها \"جلاء الأوهام على مذاهب الأئمة العظام\": \" قال الملحد: واعلم يا أخي أن للوهابين وإخوانهم أعداء الله ورسوله مطاعن كثيرة بالرسول ﷺ كلها من المكفرات، وإن كانت بحد ذاتها من المضحكات، تجل عقول الصبيان عن التمسك بها\".\nويقول:\n\"أقول على زعم هذا المفتري بأننا أعداء لله ورسوله ﷺ، سبحانك هذا بهتان عظيم ... فزعم أننا أعداء لله ولرسوله ﷺ بغير برهان من الله تعالى، وما حمله على ما رمانا به من الافتراء علينا إلا أننا قد جردنا أتباعنا لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وحققنا ما جاء بهما قولًا وعملًا، مقتفين أثر السلف الصالح\"١.\nومختار بن الحاج أحمد باشا المؤيد العظمى -هذا- الذي ألف كتابًا أسماه \"جلاء الأوهام عن مذاهب الأئمة العظام، وهذه الرسالة فيها من الزيغ والتخبط الفكري الشيء الكثير، حيث يقول فيها: إن أحكام الدين لا يمكن أخذها من الكتاب والسنة، لأن فيها الناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمطلق والمقيد ...\nهذه العبارة التي كتبها لم يجرؤ أحد من المنصرين والمستشرقين واليهود وغيرهم من أعداء الإسلام إلى الآن على التصريح بها، ويقول مثل قوله: وزاد الطين بلة حينما قال أيضًا: وأن كتب الحديث لا يوجد فيها بيان ولا إشارة تهدى إلى\n_________\n١ انظر البيان والإشهار لكشف زيغ الملحد الحاج مختار تأليف فوزان السابق الفوزان ط ١ ١٣٧٢هـ ص٢٩٢.","vol":"1","page":312},{"text":"الصواب، وأن من رجح حكمًا على حكم مستندًا فيه إلىكتب الحديث فإن ذلك لا يفيد اليقين، بل يعد الأخذ به زندقة لا إسلامية..\"، وهذا يعني إلغاء السنة النبوية بأكملها، لأنها كما يزعم ليس فيها بيان يهدي إلى الرشد، هذا الشيخ الهمام نفسه يتطاول على أهل التوحيد. ونراه في مكان آخر يخفف من غلوائه ويريد أن يتلطف شيئًا ما، فيقول: نحن وأنتم متفقون بالشهادتين مقرون بالأركان لا نختلف بأصول الإيمان، ولا ننكر أركان الإسلام، غير أننا نقول بالمحكم ونرجع إليه، وأنتم بالمتشابه وتعولون عليه، نحن نحتاط بما لا نرتاب وأنتم لا تتحرجون مما يريب، نحن نعتمد الإجماع وأنتم تترخصون بالإنفراد والتأويل بالرأي ... وهكذا تبدو المراوغة والمخادعة التي يضحك بها على الكثيرين.\nوتراه في موضع آخر من كتابه يقول: إني أراكم تدعون الناس لبدعة الاجتهاد في الدين وغيرها من البدع١.\nوإذا أردت الاطلاع على المزيد من هذا الهراء فيمكنك مراجعة كتاب البيان والإشهار لكشف زيغ الملحد الحاج المختار٢..\nوصدق الشيخ سليمان بن سحمان في رده على هذا الملحد داحضًا افتراءاته الكاذبة:\nفليس اتباع المصطفى يا ذوي الردى ... يكون معاداة وبغضًا لذي المجد\n_________\n١ جلاء الأوهام عن مذاهب الأئمة العظماء: تأليف مختار بن أحمد باشا المؤيد العظمى ط١، مطبعة الضيماء –دمشق سوريا- ١٣٣٠هـ.\n٢ كتاب البيان والإشهار لكشف زيغ الملحد الحاج مختار: تأليف فوزان السابق، سنة الطبع ١٣٧٢هـ.","vol":"1","page":313},{"text":"ولكنه عين الكمال لأنه ... على وقف ما قد قال في كل ما يردي\nوتعظيم أمر المصطفى باتباعه ... وترك الذي يأباه من كل ما يبدي\nفيأتي الذي يرضاه من كل مطلب ... ويجتنب النهي الذي كان لا يجدي١\nولو ذهبنا نستقصي المجافين لهذه الدعوة المباركة وفحص اختلافاتهم٢ وأكاذيبهم وافتراءاتهم، وما نسبوه إلى الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ ورجال الدعوة من زور وإشاعات باطلة لطال بنا المقام، علمًا بأن أيادي المبشرين كانت تروج مثل هذه الأفكار بين المسلمين.\n_________\n١ ديوان ابن سحمان ص ٥٣.\n٢ بسبب هذه الدعايات والإشاعات اتخذ بعض العلماء مواقف غير طيبة من الدعوة منهم: ابن عابدين الشامي (سنة ١٢٥٨هـ/١٨٤٢م) في حاشيته المشهورة (رد المختار ٣: ٣٠٩)، يقول: اعتقدوا أنهم المسلمون وأن من خالف اعتقادهم مشركين، استباحوا قتل أهل السنة وقتل علمائهم\".\nومنه الشيخ أنور شاه كشميري (م، ١٣٥٢هـ/ ١٩٣٣م) يقول في: فيض الباري ١ ص١٧١ \"أما محمد بن عبد الوهاب النجدي، فإنه كان رجلًا بليدًا قليل العلم، فكان يتسارع إلى الحكم بالكفر\". حسبنا الله ونعم والوكيل، وإلى الله المشتكى، فكم ظلموا الشيخ!!!","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>الفصل الخامس: الفرية الخامسة زعموا أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب منع الإستشفاع بالرسول ﷺ</span>\n...\nالفرية الخامسة زعموا أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب\nمنع الاستشفاع بالرسول ﷺ\nافترى أهل الباطل على الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من الموحدين بأن الإمام ينكر شفاعة الرسول ﷺ وهؤلاء القوم ينطبق عليهم القول المأثور\n\"إذا لم تستح فاصنع ما شئت\".\nفإنكار شفاعة الرسول ﷺ هو الكفر والعياذ بالله، وحاشا لله أن ينكر هذا الإمام العظيم هذا الأمر. فهذه كتبه ورسائله وكتب أحفاده وتلاميذه إلى يومنا الحاضر لم ينكروا شفاعة الرسول ﷺ.\nيقول الطباطبائي:\n\"قالت الوهابية: إن الشفاعة والأولياء منقطعة في الدنيا، وإنما هي ثابتة لهم في الآخرة، فلو جعل العبد بينه وبين الله وسائط من عباده يسألهم الشفاعة، كان ذلك شرك وعبادة لغير الله، فاللازم أن يوجه العبد دعاءه إلى ربه، ويقول: \"اللهم اجعلنا ممن تناله شفاعة محمد ﷺ\"، ولا يجوز له أن يقول: \"يا محمد اشفع لي عند الله\"١.\n_________\n١ انظر البراهين الجلية ص ٧.","vol":"1","page":317},{"text":"ويقول الرافضي العاملي المجرم الأثيم:\n\"أما قولهم فالشفاعة حق، ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله، فإذا كانت حقًا فما المانع من طلبها؟ أفيجعل الله طلب الحق باطلًا وشركًا؟ تعالى الله عن ذلك فطلب الحق لا يكون إلا حقًا وطلب الباطل لا يكون إلا باطلًا، والتقيد بقولهم في دار الدنيا دال على جواز طلبها في الآخرة، كما يدل عليه حديث تشفع الناس بالأنبياء، واعتذار كل منهم ثم تشفعهم بمحمد ﷺ ...\nوهل منع الناس من الشرك في الدنيا، وأبيح لهم الشرك في الآخرة\"١.\nويقول القباني، بكل وقاحة وسوء أدب، وهو يخاطب الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀:\n\"أما أنهم كفروا بمجرد قولهم يا رسول الله اشفع لي، أو أغثني، وأنها مساواة لقول المشرك واعتقاده أن المسيح هو الله، ولعبادة تمثاله من السجود والذبح كما ادعيت ذلك، وجزت به، فما أقمت على ذلك الدليل والبرهان يا طويل الآذان\"٢.\nويقول ابن داوود وهو يرد على الإمام محمد بن عبد الوهاب ويسميه الزنديق الحجازي، وقول الزنديق الحجازي: \"إن الله أعطاه الشفاعة، ونهاك عن طلبها منه كما قال: \"وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدًا\" غلط، فإن الدعاء المنهي عنه هنا بمعنى العبادة، وطالب الشفاعة لا يعبد الشفيع بل يطلب منه أن يشفعه عند\n_________\n١ انظر كشف الارتياب للعاملي ص ٢٦٠.\n٢ انظر فصل الخطاب ص ٤١.","vol":"1","page":318},{"text":"الله، كما أن يوسف بدعائه لأحد صاحبي السجن لم يكن عابدًا له ولا كافرًا، وقوله [أي محمد بن عبد الوهاب]: فإن الشفاعة التي أعطاها غير النبي، فصح أن الملائكة يشفعون والأولياء يشفعون، أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة، فاطلبها منهم، فإن قلت هذا، فقد عبدتم، غلط أيضًا، لما قلنا من أن طلب الشفاعة ممن أعطيها سواء كان نبيًا أو كان وليًا أو وصيًا أو ملكًا، أو مؤمنًا ليس عبادة له، فيصح لنا أن نطلب الشفاعة من الأوصياء ... والأولياء والملائكة، والصلحاء، وليس في ذلك شرك١.\n_________\n١ انظر إزهاق الباطل ص ٣٥.","vol":"1","page":319},{"text":"أقوال أئمة التوحيد\nبالشفاعة، والرد على الخصوم\nرد أئمة التوحيد على الخصوم الذين يقولون بأن الوهابية وعلى رأسهم الإمام محمد بن عبد الوهاب ينكرون الشفاعة، وأوردوا البراهين عليهم.\nيقول الإمام محمد بن عبد الوهاب، ﵀:\n\"فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله ﷺ وتبرأ منها؟ فقال: لا أنكرها ولا أتبرأ منها، بل هو ﷺ الشافع المشفع، وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى:\n﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ (الزمر: ٤٤)، ولا تكون إلا من بعد إذن الله كما قال ﷿: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: ٢٥٥)، ولا يشفع في أحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه، كما قال ﷿: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل عمران: ٨٥) .\nفإن كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﷺ ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيها، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد، تبين لك أن الشفاعة كلها فأطلبها منه.\nوقل: \"اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه في وأمثال هذا\".\nفإن النبي ﷺ أعطى الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه الله.\nالجواب: أن أعطاه الشفاعة، ونهاك عن هذا فقال: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾","vol":"1","page":320},{"text":"(الجن: ١٨) . فإن كنت تدعو الله أن يشفع نبيه فيك، فأطعه في قوله: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، وأيضًا فإن الشفاغعة أعطيها غير النبي ﷺ فصح أن الملائكة يشفعون، والأولياء يشفعون، والصالحين يشفعون، أتقول أن الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم، فإن قلت هذا، رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه، وإن قلت: لا، بطل قولك: أعطاه الله الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه١.\nثم يرد على الخصوم الذين افتروا على الدعوة بإنكار شفاعة الرسول ﷺ، فيقول:\nيزعمون أننا ننكر شفاعة الرسول ﷺ، فنقول سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ الشافع المشفع، صاحب المقام المحمود، نسأل الله رب العرش العظيم أن يشفعه فينا، وأن يحشرنا تحت لوائه. هذا اعتقادنا وهذا الذي مشى عليه السلف الصالح، وهم أحب الناس لنبيهم، وأعظمهم في اتباع شرعه\"٢.\nويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب:\n\"ونثبت الشفاعة لنبينا محمد يوم القيامة حسب ما ورد، وكذا نثبتها لسائر الأنبياء والملائكة، والأولياء والأطفال حسب ما ورد أيضًا، ونسألها من المالك لها، والإذن فيها لمن يشاء من الموحدين الذين هم أسعد الناس بها كما ورد، بأن يقول أحد متضرعًا إلى الله تعالى: \"اللهم شفع نبينا محمدًا ﷺ فينا يوم القيامة، أو\n_________\n١ مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ج١ ص١٦٥-١٦٦.\n٢ نفس المرجع ج٥ ص٤٨.","vol":"1","page":321},{"text":"اللهم شفع فينا عبادك الصالحين، أو ملائكتك، أو نحو ذلك مما يطلب من الله لا منهم، فلا يقال يا رسول الله، أو يا ولي الله، أسألك الشفاعة، أو غيرها، كأدركني، أو أغثني، أو انصرني على عدوي، ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى\"١.\nويقول \"﵀\":\n\"وجملة القول أن طلب الشفاعة منه ﷺ في حياته ثابت بلا شك، وكذلك طلب الشفاعة منه ﷺ يوم القيامة، وهذا لا ينكره أحد\"٢.\nوسؤل شيخنا ووالدنا سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي الديار السعودية:\nهل الوهابية ينكرون شفاعة الرسول ﷺ؟\nفأجاب:\nلا يخفى على كل عاقل درس سيرة الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه أنهم برآء من هذا القول، لأن الإمام ﵀ قد أثبت في مؤلفاته، ولا سيما في كتابه \"التوحيد\" و\"كشف الشبهات\" شفاعة الرسول ﷺ لأمته يوم القيامة، ومن هنا يعلم أن الشيخ ﵀ وأتباعه لا ينكرون شفاعته ﵊. وشفاعة غيره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين، بل يثبتونها كما أثبتها الله ورسوله، ودرج على ذلك سلفنا الصالح عملًا بالأدلة من الكتاب، وبهذا يتضح أن ما نقل عن\n_________\n١ الهدية السنية ص ٤٢.\n٢ صيانة الإنسان في وسوسة دحلان ص٣٦٣.","vol":"1","page":322},{"text":"الشيخ وأتباعه من إنكار شفاعة النبي ﷺ من أبطل الباطل، ومن الصد عن سبيل الله، والكذب على الدعاة إليه، وإنما أنكر الشيخ ﵀ وأتباعه طلبها من الأموات ونحوهم\"١.\nهذه عقيدة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من الموحدين في الشفاعة، وأنها لا تطلب من الأموات والأولياء والمشعوذين والدجالين، فالشفاعة كلها لله وحده: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ .\nوأن الأنبياء والصالحين لا يشفعون إلا بإذن الله.\nقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ .\nأما أن يقول القائل:\n\"اللهم إني أسألك بجاه محمد أو بحقه، أو حرمته، فهذا القول بدعة محرمة لا يجوز\".\n_________\n١ مجلة البحوث العلمية -العدد (٩) ص ٣٢٣- تصدر عن دار الإفتاء والدعوة والإرشاد –الرياض.","vol":"1","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>الفصل السادس: الفرية السادسة الإمام محمد بن عبد الوهاب هدم القباب على القبور ونهى عن شد الرحال لزيارتها</span>\n...\nالفرية السادسة الإمام محمد بن عبد الوهاب\nهدم القباب على القبور ونهى عن شد الرحال لزيارتها\nاعترض أعداء الدعوة السلفية بأن الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه يهدمون الأبينة على القبور، ويمنعون شد الرحال لزيارة القبور وخاصة قبر الرسول ﵊.\nيقول سليمان بن سحيم: فمن بدعه وضلالاته أنه عمد إلى شهداء أصحاب رسول الله ﷺ الكائنين في الجبيلة، زيد بن الخطاب والصحابة، وهدم قبورهم وبعثرها، لأجل أنهم في حجارة، ولا يقدرون أن يحفروا لهم، فطووا على أضرحتهم قدر ذراع ليمنعوا الرائحة والسباع، والدافن لهم خالد بن الوليد وأصحاب رسول الله ﷺ، وعمد -أيضًا- إلى مسجد فيه ذلك وهدمه١.\nوهذا الكنهوري الشيعي الذي استفاد هو وأتباعه من هذه الخصومة فأخذ يشهر خنجره على الموحدين، يقول: إن الوهابين سنة ١٢٢٣هـ هدموا القباب، فهدموا قبة سيدتنا خديجة ﵂ ... وهدموا قبة مولد النبي ﷺ، ومولد أبي بكر٢.\n_________\n١ انظر روضة الأفكار لابن غنام ج١ ص١١٢.\n٢ كشف النقاب ص ١٢٥.","vol":"1","page":326},{"text":"يقول زين بن دحلان:\nوأما قوله: \"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى\".. فمعناه أن لا تشد الرحال إلى مسجد لأجل تعظيمه والصلاة فيه إلا إلى المساجد الثلاثة، فإنها تشد الرحال إليها لتعظيمها والصلاة فيها، وهذا التقدير لا بد منه، ولو لم يكن التقدير هكذا، لاقتضى منع شد الرحال للحج، والهجرة من دار الكفر، ولطلب العلم، وتجارة الدنيا، وغير ذلك، ولا يقول بذلك أحد١.\nثم ساق الأحاديث في وجوب زيارة قبر الرسول ﷺ، فيقول:\n١- \"من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني\".\n٢- \"من زار قبري وجبت له شفاعتي\".\n٣- \"من حج فزارني في مسجدي بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي\".\n٤- \"من زارني بعد موتي، فكأنما زارني في حياتي\".\nوبعد ما ذكر هذه الأحاديث المكذوبة المفتراة على رسول الله ﷺ، يقول: فتلك الأحاديث كلها في تأكيد زيارته ﷺ حيًا وميتًا، والزيارة شاملة للسفر، لأنها تستدعي الانتقال من مكان الزائر إلى مكان المزور، وإذا كانت كل زيارة قربة، كان كل سفر إليها قربة٢.\n_________\n١ انظر الدرر السنية ص ٥.\n٢ انظر الدرر السنية ص ٤.","vol":"1","page":327},{"text":"ويقول رافضي آخر، وهو العاملي:\nهدم الوهابية المسجد الذي عند قبر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ﵁ بأحد، بعدما هدموا القبة التي على القبر، وأزالوا تلك الآثار الجليلة، ومحوا ذلك المسجد العظيم الواسع، فلا يرى الزائر لقبر حمزة اليوم إلا أثرًا على تل من التراب١.\nويقول: ومنع الوهابية تعظيم القبور، وأصحابها والتبرك بها من لمس، وتقبيل لها، ولأعتاب مشاهدها، وتسمح بها، وطواف حولها، ونحو ذلك٢.\nويقول أيضًا:\nلما دخل الوهابيون إلى الطائف هدموا قبة ابن عباس كما فعلوا في المرة الأولى، ولما دخلوا مكة المكرمة هدموا قبة عبد المطلب جد النبي ﷺ وأبي طالب عمه، وخديجة أم المؤمنين، وخربوا مولد النبي ﷺ، ومولد فاطمة الزهراء، ولما دخلوا جدة هدموا قبة حواء، وخربوا قبرها، كما خربوا قبور من ذكر أيضًا، وهدموا جميع ما بمكة ونواحيها والطائف ونواحيها من القباب، والمزارات والأمكنة التي يتبرك بها٣.\nويقول الطباطبائي الرافضي:\nقالت الوهابية: لا يجوز بناء القبور وتشييدها٤.\n_________\n١ الدرر السنية ص ٤.\n٢ انظر كشف النقاب ص ٤١٤.\n٣ كشف النقاب ص ٥٩.\n٤ البراهين الجلية ص ٤١.","vol":"1","page":328},{"text":"ويقول علوي الحداد:\nيهدمون القبب المبنية عليهم –أي على القبور١.\nويقول الشيعي الرافضي الكهنوري:\nاعلم رحمك الله أن مذهبه \"أي محمد بن عبد الوهاب\" في القبور أنه يحرم عمارتها والبناء حولها، وتعاهدها، والدعاء والصلاة عندها، بل يجب هدمها وطمس آثارها٢.\nويقول هذا الرافضي: إن تقبيل القبر بعد الموت كتقبيل اليد في الحياة، لوجود الملاك، وهو التعظيم فيهما على السواء٣.\nويقول الرافضي العاملي:\nهدم الوهابية المسجد الذي عند قبر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ﵁ بأحد، بعدما هدموا القبة التي على القبر، وأزالوا تلك الآثار الجلية، ومحوا ذلك المسجد العظيم الواسع فلا يرى الزائر لقبر حمزة اليوم إلا أثر قبر على تل من التراب٤.\nويقول هذا المجرم الرافضي:\nومنع الوهابية تعظيم القبور وأصحابها، والتبرك بها من لمس، وتقبيل لها، ولأعتاب مشاهدها، وتمسح بها وطواف حولها، ونحو ذلك٥.\n_________\n١ مصباح الأنام لعلوي الحداد ص ٤٢.\n٢ كشف النقاب ص ٨٢.\n٣ المصدر السابق ص ١١٨.\n٤ كشف الارتياب ص ٤١٤.\n٥ المصدر السابق ص ٤٢٩.","vol":"1","page":329},{"text":"والعجيب أن الرافضة وأتباعهم وجدوا ضالتهم بدعوة الإمام فأخذوا يغذونها مستغلين كتب الضالين أهل الخصوم وحقدهم الدفين على أهل السنة والجماعة، وخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.\nوبهذا يقول العاملي الرافضي:\nوقد منع الوهابية من شد الرحال إلى زيارة النبي ﷺ وآله وسلم، فضلًا عن غيره، وقد عرفت أن ابن تيمية في مقام تشنيع على الإمامية قال: إنهم يحجون إلى المشاهد كما يحج الحاج إلى البيت العتيق، وما حجهم إلا قصدهم زيارتها، فسماه حجًا لزيادة التهويل والتشنيع١.\nوقد تصدى للحملة المسعورة هؤلاء الضالين المضللين أصاحب البدع أئمة الدعوة من نجد وخارجها.\nيقول الشيخ حسين بن غنام ﵀، وهو يرد على رسالة ابن سحيم:\nفهذا الكلام ذكر فيه ما هو حق وصدق، وذكره فيه ما هو كذب وزور وبهتان، فالذي جرى من الشيخ ﵀ وأتباعه أنه هدم البناء الذي على القبور والمسجد المجعول في المقبرة على القبر الذي يزعمون أنه قبر زيد بن الخطاب ﵁، وذلك كذب ظاهر، فإن قبر زيد ﵁ ومن معه من الشهداء لا يعرف أين موضعه، بل المعروف أن الشهداء من أصحاب الرسول ﷺ قتلوا في أيام مسيلمة في هذا الوادي، ولا يعرف أين موضع قبورهم من قبور غيرهم، ولا يعرفون قبر زيد من قبر غيره، وإنما كذب ذلك بعض الشاطين.\n_________\n١ المصدر السابق ص ٤٢٩.","vol":"1","page":330},{"text":"وقال الناس، هذا قبر زيد فافتتنوا به، وصاروا يأتون إليه من جميع البلاد بالزيارة، ويجتمع عنده جمع كثير ويسألونه قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، فلأجل ذلك هدم الشيخ ذلك البناء الذي على قبره، وذلك المسجد المبني على المقبرة اتباعًا لما أمر الله به ورسوله من تسوية القبور، والنهي الغليظ الشديد في بناء المساجد عليها، كما يعرف ذلك من له أدنى ملكة من المعرفة والعلم.\nوقوله (أي سليمان سحيم) وبعثرها لأجل أنهم في حجارة ولا يقدرون أن يحفروا لهم فطووا على أضرحتهم قدر ذراع، ليمنعوا الرائحة والسباع، فكل هذا كذب وزور وتشنيع على الشيخ عند الناس بالباطل والفجور، وكلامه تكذبه المشاهدة، فإن الموضع الذي فيه تلك القبور موضع سهل لين الحفر، وأهل العيينة والجبيلة وغيرهما من بلدان العارض يدفنون موتاهم في تلك المقبرة، وهي أرض سهلة لا حجارة فيها١.\nوأشار ابن غنام بأن الإمام محمد بن عبد الوهاب حين كان في العيينة هدم القباب وأبنية القبور، يقول:\nفخرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومعه عثمان بن معمر \"أمير العيينة\" وكثير من جماعتهم، إلى الأماكن التي فيها الأشجار التي يعظمها عامة الناس، والقباب وأبنية القبور، فقطعوا الأشجار، وهدموا المشاهد والقبور، وعدلوها على السنة، وكان الشيخ الذي هدم قبر زيد بن الخطاب بيده، وكذلك قطع شجرة الذيب مع أصحابه، وقطع شجرة قريوة، ثنيان بن سعود ومشاري بن سعود، وأحمد بن سويلم وجماعة سواهم٢.\n_________\n١ انظر روضة الأفكار ج ١ ص١٢٣.\n٢ المصدر السابق ج١ ص ٧٨.","vol":"1","page":331},{"text":"ويوضح الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ما فعلوه أثناء دخلوهم مكة المكرمة سنة ١٢١٨هـ، قال ﵀:\nفبعد ذلك أزلنا جميع ما كان يعبد بالتعظيم والاعتقاد فيه، ورجاء النفع، ودفع الضر بسببه من جميع البناء على القبور وغيرها، حتى لم يبق في البقعة المطهرة طاغوت يعبد، فالحمد لله على ذلك١.\nويقول -أيضًا﵀ وأسكنه فسيح جناته: وإنما هدمنا بيت السيدة خديجة، وقبة المولد، وبعض الزوايا المنسوبة لبعض الأولياء حسمًا لذرائع الشرك، وتنفيرًا من الإشراك بالله ما أمكن لعظم شأنه، فإنه لا يغفر٢.\nويقول الشيخ المجاهد سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب:\nفإن عباد القبور لا يقتصرون على بعض ما يعتقدون فيه الضر والنفع، بل كل من ظنوا فيه ذلك بالغوا في مدحه، وأنزلوه منزلة الربوبية، وصرفوا له خالص العبودية، حتى أنهم إذا جاءهم رجل وادعى أنه رأى رؤيا مضمونها أنه دفن في المحل الفلاني رجل صالح، بادروا إلى المحل وبنوا عليه قبة وزخرفوها بأنواع الزخارف، وعبدوها بأنواع من العبادة، وأما القبور المعروفة أو المتوهمة بأفعالهم معها، وعندها لا يمكن حصره، فكثير منهم إذا رأوا القباب التي يقصدونها كشفوا الرؤوس، فنزلوا عن الأكوار، فإذا أتوها طافوا بها، واستلموا أركانها، وتمسحوا بها، وصلوا عندها ركعتين٣.\n_________\n١ انظر روضة الأفكار ص ٣٧.\n٢ المصدر السابق ص ٤٣.\n٣ انظر الكتاب القيم: \"تيسير العزيز الحميد: تأليف سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ص ٢٢١.","vol":"1","page":332},{"text":"ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ عن شد الرحال إلى قبور الأنبياء والأولياء:\nفالجواب: لا ريب أن هذا مما نهى عنه رسول الله ﷺ بقوله: \"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد\"، فإذا كان تبركًا للمحل المزور فهو من الشرك، لأنهم قصدوا بذلك تعظيم المزور كقصد النبي ﷺ، أو الولي لتعود بركته بزعمهم، وهذه حال عباد الأصنام سواء كما فعله المشركون باللات والعزى ومناة، فإنهم يقصدونها لحصول البركة بزياتهم لها وإتيانهم إليها١.\nويقول العلامة حمد بن ناصر بن معمر ﵀ في مناظرته لعلماء مكة سنة ١٢١١هـ:\nومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور، وما أمر به وما نهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما أنتم عليه من فعلكم مع قبر أبي طالب، والمحجوب وغيرهما، وجد أحدهما مضادًا للآخر مناقصًا له، بحيث لا يجتمعان أبدًا، فنهى رسول الله ﷺ عن البناء على القبور، وأنتم تبنون عليها القباب العظيمة، والذي رأيته في المعلاة أكثر من عشرين قبة، ونهى رسول الله ﷺ أن يزاد عليها غير ترابها، وأنتم تزيدون عليها غير التراب، التابوت الذي عليه، ولبس الجوخ، ومن فوق ذلك القبة العظيمة المبنية بالأحجار والجص٢.\n_________\n١ انظر مجموعة الرسائل والمسائل ج٢ ص٤١.\n٢ الهدية السنية ص ٨٥.","vol":"1","page":333},{"text":"ويوضح الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵏ معتقد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في مسألة البناء على القبور:\nفنحن ننكر الغلو في أهل القبور والإطراء والتعظيم، ونهدم البنايات التي على قبور الأموات، لما فيها من الغلو والتعظيم الذي هو أعظم وسائل الشرك بالله١.\nيقول الشيخ المجاهد \"سليمان بن سحمان\" ﵀ في الرد على علوي الحداد:\nوأما هدم القباب فنعم، فإن الشيخ فعل ذلك، وقد اتبع في ذلك أئمة الإسلام من سادات الحنابلة وغيرهم من العلماء، فبناء القبور إنما أحدثه الرافضة، فهم سلف الحداد وأشباهه من عباد القبور٢.\nويقول ﵀ وهو يرد على الطباطبائي الرافضي:\nوأما ما ذكره من منع الوهابية لزيارة قبور الأئمة، فنعم، منعوا زيارة المشاهد التي تعبد من دون الله، وشرعوا فيها من الأمور التي لم يأذن بها الله، ولا كان عليه هدي رسول الله ﷺ، ولا هدي أصحابه، ولا من بعدهم من الأئمة المهتدين٣.\nويوضح ابن سحمان ﵀ الحكم الشرعي في هذه المسألة، قائلًا:\nنعم امتثلت الوهابية أمر رسول الله ﷺ، لأن ذلك سنة رسول الله ﷺ وسنة أصحابه، ومن بعدهم من الأئمة المهتدين، ولا يعيب على الوهابية بهدمهم القباب التي بنيت على ضرائح الأموات إلا من أعمى الله بصيرة قلبه٤.\n_________\n١ المصدر السابق ص ١٠٥.\n٢ انظر الأسنة الحداد ص ٢٠٤.\n٣ انظر الحجج الواضحة الإسلامية ق٣٥.\n٤ المصدر السابق ص ٤٤.","vol":"1","page":334},{"text":"ويقول الشيخ فوزان السابق:\nإنهم يتعلقون بالأسماء، ويغيرون الحقائق من نصوص الكتاب والسنة، ويحرفونها عن مواضعها، ويعارضونها بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، محتجون بها على فتح أبواب شركهم وضلالهم، الذي أضلوا به كثيرًا من جهلة هذه الأمة، مقتضون في ذلك أثر من حذرهم نبيهم ﷺ عن سلوك سبيلهم، وذلك فيما جاء عنه ﷺ من الأحاديث الصحيحة في لعن متخذي القبور مساجد، لأنه من الغلو الذي نهى الله تعالى عنه، وهو أصل عبادة الأصنام، ولذلك قالت عائشة ﵂: \"ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا\"١.\nونختتم هذا الفصل بأبيات الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن [١٣١٥هـ-١٣٨٦هـ]، وهي أبيات يعتز بها كل موحد يسير على النهج الصحيح والعقيدة السليمة، يقول ﵀:\nوقولنا إننا قد هدمنا مشاهدًا ... نهدم قباب الشرك من كل جانب\nونكسر أوثانًا ونهدم ما بني ... على أثر أو بقعة للأطايب٢\nهذه هي عقيدتنا في مسألة القبور، وهي عقيدة الصحابة والتابعين ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فرضي الله عنهم أجمعين.\n_________\n١ انظر البيان والإشهار: تأليف فوزان السابق ص ٣٢١.\n٢ انظر القول الآسن ص ٢٠.","vol":"1","page":335},{"text":"والجدير ذكره أن الذي فعله الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من الموحدين هو الصواب، وهو الذي أمر الله به ورسوله ﷺ، فالإمام لم يصنع شيئًا من لدنه، فهو مجدد وليس نبيًا يشرع.\nوقد ثبت في الصحيحين والسنن عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن البناء على القبور وأمر بهدمه، كما رواه مسلم لنا في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي، قال علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته.\nكما أخرج مسلم عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه.\nفالإمام ﵀ قام بهدم القباب وأبنية القبور لتحقيق وصيته ﷺ.\nوينبغي على كل مسلم غيور على دينه أن يسعى لهدم وإزالة القباب التي نصبت فوق الأضرحة، ومحاربة الشرك والبدع بشتى أنواعها حتى يكون من الموحدين المخلصين الذي يعمرون الأرض بتحقيق لا إله إلا الله محمد رسول الله.","vol":"1","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>الفصل السابع: الفرية السابعة زعموا أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب إنكار كرامات الأولياء</span>\n...\nالفرية السابعة زعموا أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب\nإنكار كرامات الأولياء\nجاء علماء السوء بفرية اتهام الإمام محمد بن عبد الوهاب بأنه ينكر كرامات الأولياء:\nوقد ألفت الكتب المشؤومة التي تسوق البلاء والشؤم، وقد نبذ هؤلاء العلماء دعوة التوحيد، وبذلك نبذوا عهد الله بدلًا من أن يكونوا من أنصارها، فراحوا يقذفونها بالكذب والبهتان.\nيقول علوي الحداد وهو يرمي الإمام محمد بن عبد الوهاب:\nومن جملة هذيانه -أيضًا- إنكاره كرامات الأولياء وما خصهم الله به من الخصوصيات والأسرار١.\nويقول عثمان بن يحيى العلوي: وإنه أنكر كرامات الأولياء٢.\nويقول: وكذا كفر -يقصد الإمام محمد بن عبد الوهاب- من اعتقد كرامات الأولياء٣.\n_________\n١ مصباح الأنام ص ١٨.\n٢ فصل الخطاب في بيان الصواب ص ٢٢.\n٣ المصدر السابق ص ٤٢.","vol":"1","page":339},{"text":"ويقول عمر المحجوب:\nكما أنه يلوح من كتابك إنكار كرامات الأولياء وعدم نفع الدعاء، وكلها عقائد عن السنة زائفة، وعن الطريق المستقيم زائغة١.\nويقول سوقية:\nولما كانت الوهابية لا إمام لها في كل شيء تدين به سوى اختراع دين جديد حبًا في الظهور، قالت بإنكار الكرامات٢.\nهذه مؤلفاتهم الشيطانية، وحتى تكون الصورة واضحة جلية فهذه الردود من أئمة الدعوة وأنصارها.\nيقول الإمام محمد بن عبد الوهاب ردًا على هذه الفرية:\nوأقر بكرامات الأولياء، وما لهم من المكاشفات، إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئًا، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله٣.\nويقول ﵀:\nالواجب عليهم حبهم واتباعهم والإقرار بكرامتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالين، وحق بين باطلين٤.\n_________\n١ رسالة في الرد على الوهابية تأليف عمر المحجوب ج١ المطبعة التونسية ص ٧.\n٢ فصل الخطاب في بيان الصواب ص ٢٥.\n٣ مجموعة مؤلفات الشيخ ج٥ ص ١٠.\n٤ نفس المصدر ج٤ ص٢٨٢.","vol":"1","page":340},{"text":"ويقول الشيخ عبد الله ابن الإمام محمد بن عبد الوهاب:\nولا ننكر كرامات الأولياؤ، ونعترف لهم بالحق، وأنهم على هدى من ربهم، مهما ساروا على الطريقة الشرعية والقوانين المرعية، إلا انهم لا يستحقون شيئًا من أنواع العبادات لا حال الحياة، ولا بعد الممات، بل يطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته، بل ومن كل مسلم١.\nويقول الإمام عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب:\nكرامات الأولياء حق عند أهل السنة والجماعة، والولي أعطي الكرامة ببركة اتباعة للنبي ﷺ، فلا تظهر حقيقة الكرامة عليه، إلا إذا كان داعيًا لاتباع النبي ﷺ بريئًا من كل بدعة وانحراف عن شريعته ﷺ، فببركة اتباعه يؤيده الله تعالى بملائكته وبروح منه٢.\nويقول المجاهد الشيخ سليمان بن سحمان:\nإن الشيخ \"أي محمد بن عبد الوهاب\" ﵀ لا ينكر كرامات الأولياء بل يثبتها، ولا ينكر إلا خوارق الشياطين، فإن أولياء الرحمن لهم علامات يعرفون بها، فمن علامات أولياء الله محبة الله، ومحبة رسوله، والتزام ما أمر الله به ورسوله، وتقديم ما دل عليه الكتاب والسنة على ما يخطر ببال أحدهم أنه كرامة٣.\nأما خوارق السحرة والدجالين والمشعوذين التي تتخذ صورة كرامات\n_________\n١ مجموعة الرسائل والمسائل ج٢ ص ٨٣.\n٢ الأسنة الحداد في الرد على علوي حداد: تأليف سليمان بن سحمان ص ١٢٨.\n٣ الدرر السنية ج١ ص١٢٨.","vol":"1","page":341},{"text":"الصالحين والأولياء فهذه خوارق شيطانية، نحاربها أشد المحاربة، وهي سورة شيطانية تسيء إلى الإسلام والمسلمين.\nفالإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من الموحدين يحاربون أولياء الشياطين من الخرافيين والمشغوذين من الصوفية وغيرهم، الذي أدخلوا كثيرًا من أقوال شيطانية باسم الكرامة والأولياء، وجعلوها لدجالين ومشعوذين، أمثال أحمد البدوي، والدسوقي، وابن سبعين، وابن الفارض، والشعراني.. الخ.\nيقول عبد الظاهر، أبو السمح، إمام الحرم المكي، ﵀:\nالكرامات لا يملكها أحد لنفسه بل الله يكرم من يشاء من عباده بالإيمان والتقوى، ومن يهن الله فما له من مكرم١.\nوأخيرًا نختتم هذه الفرية بعطر من صاحب الدعوة المباركة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وهو يبين الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، قائلًا:\nبيان الله ﷾ وتفريقه بينهم وبين المتشبهين بهم من أعداء الله المنافقين والفجار، ويكفي في هذا آية في سورة آل عمران، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، وآية في سورة المائدة، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ الآية، وآية في سورة يونس، قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ .\n_________\n١ الرسالة المكية ص ٢٥.","vol":"1","page":342},{"text":"ثم صار عند أكثر من يدعي العلم، وأنه من هداة الخلق وحفاظ الشرع إلى أن الأولياء لا بد فيهم من ترك اتباع الرسل، ومن تبعهم فليس منهم١.\nوفي وقتنا هذا –وللأسف الشديد- عمت البلاد الإسلامية إلا من رحم، الخزعبلات والخرافات والشعوذة، حيث إن الكثيرين من السحرة والدجالين يتسترون تحت مسمى \"الكرامة الربانية\"، ويقومون بأعمالهم الشيطانية مستغلين في ذلك الناس البسطاء، ومما يزيد في الصدر المرارة أنهم يفعلون ذلك تحت سمع وبصر العلماء، ولكن القلة منهم الذين يتصدون لهم.\n_________\n١ مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ج١ ص٣٩٥.","vol":"1","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>الفصل الثامن: الفرية الثامنة زعمو أن حديث نجد قرن الشيطان</span>\n...\nالفرية الثامنة زعموا أن حديث نجد قرن الشيطان\nادعى الخصوم أن نجدًا المذكورة في الأحاديث النبوية الشريفة هي نجد موقع ظهور الإمام محمد بن عبد الوهاب وجماعته، موقع مسيلمة الكذاب، وهي موطن الزلازل والفتن، إلى آخره من الترهات والكذب والبهتان.\nيقول ابن عفالق الحاقد على هذه الدعوة، وهو من الآوائل الذين افتروا على الموحدين بأنهم قرن الشيطان:\n\"وفي فضل أهل الشام واليمن والحرمين وفارس ما يعرفه من له أدنى معرفة بالأحاديث، وأما أنتم يا أهل اليمامة ففي الحديث الصحيح عندكم يطلع قرن الشيطان، وأنتم لا تزالون في شر إلى يوم القيامة، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار\"١.\nويقول علوي الحداد: \"وقد استنبط العلماء من مفهوم قول النبي ﷺ: \"يطلع منها –أي نجد- قرن الشيطان\" من معجزاته، لأنه أتى بالياء للاستقبال، لأن مسيلمة لعنه الله في حياته ﵇ طلع، وادعى النبوة، وهناك في خلافة الصديق، ولم يطلع قرن الشيطان إلا بعد الألف والمائة والخمسين، وهو محمد بن عبد الوهاب، رأس هذه البدعة وأسها\"٢.\n_________\n١ انظر رسالة ابن عفالق لابن معمر ص ٤٩ من هذه الرسالة.\n٢ الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية ص ٧.","vol":"1","page":346},{"text":"ويقول عثمان بن منصور: أن نجد اليمامة هي قرن الشيطان:\n\"وقد امتنع الرسول ﷺ عن الدعاء لها لما علم للشام واليمن والمدينة، لما علم بعلم الله ما يحدث فيها ومنها، وقال فيها: \"أولئك منها الزلازل والفتن، ومنها ما يظهر قرن الشيطان\"١.\nوهذا القاضي الفلسطيني يوسف النبهاني الذي تصدى للتوحيد في كتابه \"شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق\".\nويدعي هذا الحاقد أن نجد اليمامة هي قرن الشيطان،٢ وأنها من بلاد المشرق التي ذمها الرسول ﷺ، يقول:\nأشار رسول الله للشرق ذمة ... وهم أهله لا غرو أن يطلع الشرا\nبه يطلع الشيطان ينطح قرنه ... رؤوس الهدى والله يكسره كسرا\nمؤية حزب الضلال وثيقة ... إلى درك النيران أعمالها تسرى\nبها من صريح الإفك أخبث مورد ... وإن ظنها الجهال من خالص الثبر\n_________\n١ انظر مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام ص ٢٣٤.\n٢ الرائية الصغرى في ذم البدعة ومدح السنة الغراء –يوسف بن إسماعيل النبهاني ج١ ص٢٧.","vol":"1","page":347},{"text":"إلى أن قال:\nأولئك وهابية ضل سعيهم ... فظنوا الردى خيرًا وظنوا الهدى رشدا١\nيقول أحمد بن محمد الغماري:\n\"ولما طلع قرن الشيطان بنجد في أواخر القرن الحادي عشر، وانتشرت فتنته، كانوا يحملون الأحادثي عليه وعلى أصحابه٢، وقد حشد هؤلاء عقول العوام بتشويه دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بالكذب والبهتان حتى يصدوا الناس عن الدعوة السلفية المباركة، ويكون لهم الصدارة في الخرافة والبدع، وأكل أموال الناس بالباطل\".\nوإليك يا أخي القارئ الكريم الأدلة على أن العراق هي المقصودة بهذه الأحاديث، وليس نجد كما زعم أعداء الدعوة السلفية.\n_________\n١ مصباح الأنام: للحداد ص ٥٣.\n٢ انظر إيضاح الحجة في الرد على صاحب طنجة –حمود التويجري ﵀ ص ١٣٢.","vol":"1","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>الفصل التاسع: الأدلة النبوية الصريحة على أن العراق مطلع الفتن وقرن الشيطان</span>\n...\nالأدلة النبوية الصريحة على أن العراق مطلع الفتن وقرن الشيطان\nعن ابن عباس، وابن عمر ﵃ قالا: دعا النبي ﷺ فقال: \"اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وبارك لنا في مكتنا ومدينتنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا\"، فقال رجل من القوم: يا نبي الله، وعراقنا، قال: \"إن فيها قرن الشيطان، وتهيج الفتن، وأن الجفا بالمشرق\" ١، وفي رواية أخرى لابن عمر:\nقال رجل: فالعراق، فيها ميرتنا وفيها حاجتنا، فسكت، ثم قال: \"مطلع قرن الشيطان، وهناك الزلازل والفتن\" ٢.\nوعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: \"دخل إبليس العراق فقضى حاجته فيها، ثم دخل الشام فطردوه\" ٣.\nوأخرج البخاري في صحيحه من حديث: \"يخرج أناس من قبل المشرق ويقرأون القرآن لا يتجاوز تراقيهم\" ٤.\nوأخرج الإمام مسلم في صحيحه أن سالم بن عبد الله بن عمر ﵃\n_________\n١ أورده في كنز العمال ١٣٥/ ١٤، وعزاه إلى ابن عساكر.\n٢ المصدر السابق: ٣١٠/١٢ وقال أخرجه الطبراني، قلت: أورده الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات.\n٣ المصدر السابق.\n٤ أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد، انظر الفتح ٥٣٥/ ١٣.","vol":"1","page":351},{"text":"قال: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة! سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أن الفتنة تجيء من ههنا\" –وأومأ بيده نحو المشرق- \"من حيث يطلع قرن الشيطان\" ١.\nوعن ابن عمر ﵄ أنه سمع النبي ﷺ وهو مستقبل المشرق يقول: \"ألا إن الفتنة ها هنا، ألا إن الفتنة ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان\" ٢.\nوعن ابن عمر ﵄ قال سمعت النبي ﷺ يقول: \"بارك الله في شامنا ويمننا\"، قالوا: وفي نجدنا يا رسول الله، قال في الثالثة: \"هناك الزلازل والفتن، وبهما يطلع الشيطان\" ٣.\nقال العلامة الكرماني في شرح الحديث:\n\"نجد يطلع منها قرن الشيطان، هو الأرض المرتفعة، من تهامة إلى العراق\"، ثم قال أيضًا: \"هي كل ما ارتفع من تهامة إلى العراق، فهو نجد\"، وقال في موضع آخر: \"ومن كان بالمدينة الطيبة \"صلى الله على ساكنها وسلم\"، كان نجده بادية العراق، وهي مشرق أهلها\"٤.\nوبمثله قال العيني في شرحه لصحيح البخاري٥، وقال الخطابي ﵀:\n_________\n١ أخرجه مسلم في كتاب الفتن، باب الفتنة من المشرق حديث (٢٩٠٥) .\n٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن: باب الفتنة من المشرق، ومسلم في صحيحه كتاب الفتن حديث ٢٩٠٥.\n٣ صحيح البخاري، كتاب الفتن: باب الفتنة من قبل المشرق.\n٤ شرح الكرماني لصحيح البخاري، الطبعة المصرية ١٦٨/٢٤.\n٥ كتاب الفتن ٣٥٣/١١.","vol":"1","page":352},{"text":"\"نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهلها\"، إلى قوله: \"وأما نجد فهي الناحية بين الحجاز والعراق\"١.\nونقله الحافظان: ابن حجر والقسطلاني في شرحهما لصحيح البخاري. ونقلا عن الخطابي قوله في معنى \"قرن الشيطان\": \"القرن الأمة من الناس، يحدثون بعد فناء آخرين، وقرن الحية أن يضرب المثل به فيما لا يحمد من الأمور\"٢.\nوفي الصحيحين: وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: \"رأس الكفر نحو المشرق\"، وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: \"رأس الكفر قبل المشرق\" ٣.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا\" ٤.\nوفي رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ بمثله إلا أنه قال: \"يحسر عن جبل من ذهب\" ٥، وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:\n_________\n١ فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر ٤٧/١٣.\n٢ المصدر السابق أيضًا.\n٣ البخاري بدء الخلق ٣٥٠/٦، ومسلم باب تفاضيل أهل الإيمان ٣٠/٢.\n٤ أخرجه البخاري، كتاب الفتن، باب أشراط الساعة ١٠١/٨، ومسلم في الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يحسر عن الفرات، حديث ٢٨٩٤.\n٥ المصدر السابق.","vol":"1","page":353},{"text":"\"لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو\" ١.\nوعن أبي بن كعب قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب، فإذا سمع به الناس ساروا إليه، فيقول من عنده: لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبن به كله، قال: فيقتتلون عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون\" ٢.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: \"منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم\"، قالها ثلاثًا٣.\nوعن ابن عمر ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ يشير بيده نحو العراق: \"ههنا، أن الفتنة ههنا، أن الفتنة ههنا، ثلاثا\" ٤.\nقال النووي ﵀ في شرح هذا الحديث بعد أن ذكر أقوالا لمن سبقه من العلماء، قال: \"وقوله \" منعت العراق درهمها وقفيرها\" قال: \"قيل: لأنهم يرتدون آخر الزمان فيمنعون ما لزمهم من الزكاة وغيرها\".\n_________\n١ مسلم في صحيحه، الفتن حديث ٢٨٩٤.\n٢ المصدر السابق الحديث رقم ٢٨٩٥.\n٣ المصدر السابق الحديث رقم ٢٨٩٦.\n٤ الإمام أحمد في مسنده ٤٣/٢ وسنده صحيح.","vol":"1","page":354},{"text":"أخي المسلم:\nلقد تبين لك مما ذكرنا من الأدلة النبوية أن العراق بلد الفتن والشرور، والشيطان، والفرقة والاختلاف، ومنشأ الكفر والنفاق والطغيان، مما ثبت عن النبي ﷺ، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وإليك ما ورد في ذلك عن الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام والمسليمن، ممن لهم علم ودراية فيما دونوا من علوم ورواية١.\nثم أتي ببيان أشهر الفتن التي نشأت من العراق فإذا عرفت أن العراق مطلع كل شر وخراب ودمار، فهيا إلى بيان الفتن التي ظهرت منه وفرقت الإسلام والمسلمين، بعد عصر النبوة.\nالأولى: أكبرها وأشنعها وهي اغتيال فاروق الأمة، الخليفة الثاني لرسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، الذي أعز الله به الإسلام، ومناقبه لا تعد ولا تحصى، وليس هنا بيانها فانظرها في مصادرها.\nفكما هو معلوم فإن قاتله هو أبو لؤلؤة المجوسي -عليه لعنة الله-، وقد أتى من الكوفة، وأصله أعجمي.\nالثانية: فتنة ذي النورين الخليفة الثالث: عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، وقد ابتدأت من البصرة والكوفة بالعراق، وانتشرت حتى وصلت مصر.\nالثالثة: وقعات الجمل وصفين والنهروان، بين الخليفة الرابع علي بن أبي طالب ﵁ وبين معاوية بن أبي سفيان ﵁، وكان منشأ الفتنة من العراق، وعلى أرض العراق.\n_________\n١ انظر: رسالة الدليل البراق على حوادث الكويث والعراق: تأليف عمر العمروي.","vol":"1","page":355},{"text":"الرابعة: فتنة الخوارج وتآمرهم ضد الصحابة، وتكليفهم ابن ملجم: بقتل الخليفة الرابع: علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، وكان ذلك في أكبر مدنها، مطلع قرن الشيطان، (مدينة الكوفة)، وقد قتله سنة ٤٠هـ، الموافقة لـ ٦٦١م، وتكليفهم البرك: بقتل معاوية، وقد ضربه في خاصرته وسلم، ومثلهما: ابن بكر على عمرو في مصر.\nالخامسة: ظهور الفرق الضالة المضلة، التي بددت الإسلام وأحدثت فيه الفرق والاختلاف، والاقتتال، وهي:\n؟ طائفة الخوارج: الذين خرجوا على الخليفة، ومرقوا من الإسلام، وهم الذين يعتقدون أن عليًا وأصحابه وجميع المسلمين سواهم قد ارتدوا عن الإسلام وكفروا بالله، وهم اشتهروا بـ\"المفرطة المكفرة\"، وهم عشرون فرقة.\n؟ المعتزلة: القائلون بأن العباد خالقوا أفعالهم، وينفون الرؤية ويوجبون الثواب والعقاب، وهم عشرون فرق.\n؟ الشيعة: المفرطون في محبة علي ﵁ وهم اثنتان وعشرون فرقة.\n؟ البخارية: الموافقة لأهل السنة في خلق الأفعال، والمعتزلة في نفي الصفات، وحدوث الكلام، وهم ثلاث فرق.\n؟ الجبرية: القائلة بسلب الاخيار عن العباد، وهم فرقة واحدة.\n؟ المشبهة: الذين يشبهون الحق بالخلق في الجسمية، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وهم خمس فرق.\n؟ الحلولية: وهم فرق أخرى.","vol":"1","page":356},{"text":"وقد ظهرت كلها وظهر أئمتها، من الكوفة منشأ كل فتنة، ومن البصرة وما جاورهما١.\nالسادسة: مقتل الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب ﵃ وأرضاهم.\nوالسابعة: ادعاء المختار النبوة الكاذبة.\nالثامنة: سفك الحجاج الثقفي دماء المسلمين المعصومين، وقهره وامتحانه للعلماء، ومنهم: سيد التابعين سعيد بن جبير ﵁.\nقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قال المهلب: إنما ترك الدعاء ﷺ لأهل المشرق ليضعفوا عن الشر الذي هو موضوع في جهتهم لاستيلاء الشيطان بالفتن\"، ثم قال الحافظ: \"وقال غيره: إن الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أخبر ﷺ، وأول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سببًا للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، كذلك البدع نشأت في تلك الجهة\"٢.\nوقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: \"المراد بذلك اختصاص المشرق بتسلط الشيطان ومن الكفر، كما قال في الحديث الآخر \"رأس الكفر نحو المشرق\" إلى قوله: \"وهو فيما بين ذلك منشأ الفتن العظيمة، ومنشأ الكفرة\"٣.\n_________\n١ انظر المرقاة شرح المشكاة: الملا علي القاري ٢٠٤/١، وفيها تفصيل كل هذه الفرق وبيانها، وانظر الملل والنحل وغيرهما من كتب الفرق.\n٢ انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري ٤٦/١٣.\n٣ انظر النووي شرح مسلم ٣٤/٢.","vol":"1","page":357},{"text":"وقال العلامة سليمان الندوي ﵀:\n\"إن الفرق الضالة كلها، والفتن والمفاسد العظام، جميعها ظهرت من بلاد العراق، وهي المراد من طلوع قرن الشيطان من نجد\"١.\nوحاصل ما تقدم بيانه من أدلة نبوية، وأقوال للصحابة والتابعين، وأهل العلم أن العراق مطلع الأمور المحدثة، والفتن والبدع في الدين، ومنشأ الفرق الضالة المبتدعة التي كان من الكوفة منطلقها ومأواها، بها الداء العضال، ومنها كل داعية ضال، ولقد ثبت باتفاق أئمة الحديث، وعلماء الجغرافيا والتاريخ وشهادة الحوادث أن العراق مطلع الفتن والفساد وموضع كل رذيلة، وغمط كل فضيلة، ولقد جاءت الفتن كما أخبر عنها النبي ﷺ من العراق تترا، كل فتنة أقل ما يتحقق منها الفرقة بين المسلمين.\nتاسعًا: فتنة الدولة التركية والدولة الصفوية التي نتج عنها تقسيم العراق إلى ثلاثة أقسام:\n١-العراق التركي.\n٢-العراق الصفوي.\n٣-العراق الفارسي.\nوقد أبيد العلماء فيها، ومزقت أسرهم، وشتت عبر الأمصار.\nالعاشرة: فتنة بيع عربستان للفرس، وقتل علمائهم وأمرائهم.\nالحادية عشرة: فتنة حرب صدام مع الخميني ثمانية أعوام، وهدر الطاقات البشرية من أبناء الرافدين، وإيران ومن ساعدهم من الدول العربية.\n_________\n١ الكامل الجامع –سيرة النبي ﷺ ٣٨٥/٣.","vol":"1","page":358},{"text":"الثانية عشرة: فتنة قتل المهيب الركن: للمسلمين الأكراد وضربهم بغاز الأعصاب والخردل حتى أبادهم وأباد ممتلكاتهم لردهم عن الإسلام.\nالثالثة عشرة: فتنة غزو المهيب الركن صدام حسين للكويت، وهدمه لها ولشعبها ومقدراتها، وما أحدث فيها من أعمال لم يسبقه بها أحد من العالمين.\nالرابعة عشرة: حشده قواته على حدود دولة الإسلام والمسلمين –المملكة العربية السعودية- وإعلان الجهاد المزيف للقضاء على الإسلام والمسلمين.\nهذه الفتن الكبرى التي ظهرت من العراق قرن الشيطان، ومن أراد الزيادة والبيان، فعليه بكتب التاريخ الكبرى، ففيها بيان ذلك وغيره من الفتن التي ليس هنا مجال حصرها١.\nويعلق علامة الشام ناصر الدين الألباني على هذا الحديث بقوله: يستفاد من مجموع طرق الحديث أن المراد من \"نجد\" في رواية البخاري ليس هو الإقليم المعروف اليوم بهذا الاسم، وإنما هو العراق، وبذلك فسره الإمام الخطابي والحافظ ابن حجر العسقلاني، ونجد كلامهما في ذلك في \"شرح كتاب الفتن الكبرى\"، من صحيح البخاري للحافظ، وقد تحقق ما أنبأ به ﵇، فإن كثيرًا من الفتن الكبرى كان مصدرها العراق. كقتال بين سيدنا علي ومعاوية، وبين علي والخوارج، وبين علي وعائشة، وغيرها مما هو مذكور في كتاب التاريخ، فالحديث من معجزاته ﷺ وأعلام نبوته٢.\n_________\n١ رسالة الدليل والبراق على حوادث الكويت والعراق. تأليف عمر غرامة العمروي.\n٢ انظر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مرآة علماء الشرق والغرب –محمد مهدي الاستانبولي ص ٩٠ ط (١) ١٤٠٠هـ ١٩٨٠م.","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>الفصل العاشر: أقوال الصحابة على أن العراق مطلع قرن الشيطان</span>\n...\nأقوال الصحابة على أن العراق مطلع قرن الشيطان قال سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁: \"يا أهل العراق أسة لكم عن الصغيرة، وأركبكم الكبيرة، سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أتجيء من ههنا\"، وأومأ بيده نحوه المشرق، \"حيث يطلع قرن الشيطان، وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض\"١.\nوأخرج الترمذي في سننه عن عبد الرحمن بن أبي نعيم:\n\"أن رجلًا من أهل العراق سأل ابن عمر، دم البعوض يصيب الثوب؟ فقال ابن عمر ﵁: \"انظروا إلى هذا يسأل عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ\"٢.\nوأخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ قال: \"أنه سأله رجل عن المحرم، قال شعبة: أحسن يقتل الذباب، قال: أهل العراق يسألوني عن الذباب وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ، قال: \"هما ريحانتاي من الدنيا\" ٣.\nوعن عمر بن خطاب ﵁ أنه قال حيث بعث رهطا من الأنصار إلى الكوفة:\n_________\n١ أخرجه مسلم، انظر شرح النووي ٣٢/١٨.\n٢ أخرجه في المناقب، حديث ٣٧٧٣، وقال: هذا حديث صحيح.\n٣ البخاري في صحيحه –كتاب المناقب ٢٢/٧، والترمذي في المناقب حديث ٣٧٧٣.","vol":"1","page":362},{"text":"\"أنكم تأتون الكوفة فتأتون قومًا لهم أزيز بالقرآن، فيأتونكم فيقولون: قدم أصحاب محمد فيسألونكم عن الحديث، فأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ\"١.\nوروي عن عمر بن الخطاب ﵁ إنه أراد الخروج إلى العراق، فقال له كعب: \"لا تخرج إليها يا أمير المؤمنين، فإن بها تسعة أعشار السحر، وبها فسقة الجن، وبها الداء العضال\"٢، وزاد في الكنز: \"وبها باض إبليس وفرخ\"٣.\nوروي أن الحسن بن علي ﵄ استخلف حين قتل علي ﵁ فبينما هو يصلي إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجر، وحسن ﵁ ساجد يصلي والطعنة وقعت في وركه، فمرض منها أشهرًا، ثم برأ فقعد على المنبر فقال:\n\"يا أهل العراق، اتقوا الله فينا فإنا أمراءكم، وضيفانكم، ونحن أهل البيت الذي قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ . قال: فما زال يقولها حتى ما بقي أحد من أهل المسجد إلا وهو يحن بكاء\"٤.\nوروي أنه لما سقي الحسن ﵁ سمًا أوصى لأخيه الحسين وقد حضره الموت، فقال:\n_________\n١ انظر حجة الله البالغة ٣١٣/١.\n٢ سير النعمان ٢٧/٢، وهو العلامة الشبلي النعماني، وأخرجه مالك في الموطأ ٦٩١/١.\n٣ كنز العمال ١٨٣/١٤.\n٤ انظر تفسير ابن كثير ٤٨٦/٣، سورة الأحزاب آية ٣٣.","vol":"1","page":363},{"text":"\"أن الحوادث والأحوال تشهد أن سفهاء الكوفة يخرجونك منها، ويذلونك، فعزمت عليك أن تغادرها وتخرج منها\"١.\nوروى الإمام أحمد عن أبي نصرة، قال: كنا عند جابر ﵁ فقال: \"يوشك أهل العراق أن لا يجيء إليهم دينار ولا مدى\"٢.\n_________\n١ انظر تاريخ الخلفاء للسيوطي ١٨١.\n٢ النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير ٦٦/١.","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>الفصل الحادي عشر: أقوال التابعين على أن العراق مطلع قرن الشيطان</span>\n...\nأقوال التابعين على أن العراق قرن الشيطان\nروى أن هشام بن عروة ﵀ كان يقول:\n\"إذا حدثك عراقي بألف حديث، فالق تسعمائة وتسعين، وكن من الباقي في شك\"١.\nوروى عن ربيعة بن عبد الرحمن ﵀ أنه قال:\n\"ما رأيت عراقيًا تام العقل\"٢.\nوروي عن الزهري ﵀ أنه قال:\n\"إذا سمعت بالحديث العراقي فاردد به، ثم اردد به، ثم قال: إن في حديث أهل الكوفة دغلا كثيرًا\"٣.\nوروي عن الإمام طاووس اليمني ﵀ أنه قال:\n\"إذا حدثك العراقي مائة حديث فاطرح تسعًا وتسعين\"٤.\n_________\n١ انظر تدريب الراوي للسيوطي ص ٣٨.\n٢ تذكرة الحفاظ للذهبي ترجمة مالك بن أنس ٢١٠/١.\n٣ المصدر السابق ٢١٠/١.\n٤ المصدر نفسه ٢١٠/١.","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>الفصل الثاني عشر: أقوال الأئمة والمحدثين على أن العراق قرن الشيطان</span>\n...\nأقوال الأئمة والمحدثين على أن العراق قرن الشيطان\nقال الإمام مالك ﵀:\n\"إذا خرج الحديث عن الحجاز إلى العراق، انقطع نخاعه\"١.\nوقال الإمام الشافعي ﵀: \"كل حديث جاء من العراق فليس له أصل في الحجاز فلا تقبله\"٢.\nوقال أيضًا: \"إياكم والأخذ بالحديث الذي جاءكم من بلاد أهل الرأي إلا بعد التفتيش\"٣.\nوقال الإمام أحمد ﵀: \"ليس لحديث أهل الكوفة نور\"٤.\nقلت: وهذا لا ينطبق على السواد الأعظم من شعب العراق٥.\nيقول الشيخ عبد اللطيف بن الإمام عبد الرحمن بن حسن ﵏:\n\"إن المراد بالمشرق ونجد في هذا الحديث وأمثاله هو العراق، لأنه يحاذي المدينة من جهة الشرق، يوضحه أن في بعض طرق هذا الحديث: \"أشار إلى العراق\".\n_________\n١ تدريب الراوي للسيوطي ص ٣٧، ٣٨.\n٢ المصدر السابق.\n٣ انظر: ميزان الشعراني ٤٩/١.\n٤ سنن أبي داود.\n٥ نفس المصدر.","vol":"1","page":370},{"text":"قال الخطابي: \"نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية الشام ونواحيها فهي مشرق أهل المدينة، وأصل نجد ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور فإنه ما انخفض منها، وقال الراوي: \"إن نجدًا من ناحية العراق، ذكر هذا الحافظ ابن حجر، ويشهد له ما في مسلم عن ابن عمر، قال: \"يا أهل العراق، ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم الكبيرة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أن الفتنة تجيء من ههنا\"، وأومأ بيده إلى المشرق، فظهر أن الحديث خاص لأهل العراق، لأن النبي ﷺ فسر المراد بالإشارة الحسية، وقد جاء صريحًا في \"المعجم الكبير\" للطبراني النص على أنها العراق، ويقول ابن عمر وأهل اللغة وشهادة الحال كل هذا يعين المراد\".\nويقول الإمام عبد الرحمن بن حسن ﵀:\n\"الذم إنما يقع في الحقيقة على الحال لا على المحل، والأحاديث التي وردت في ذم نجد كقوله ﷺ: \"اللهم بارك لنا في يمننا، واللهم بارك لنا في شامنا\" الحديث، قيل إنه أراد نجد العراق، لأن في بعض ألفاظه: ذكر المشرق، والعراق شرقي المدينة، والواقع يشهد له، لا نجد الحجاز، ذكره العلماء في شرح هذا الحديث، فقد جرى على العراق من الملاحم والفتن، ما لم يجر في نجد الحجاز، يعرف ذلك من له اطلاع على السير والتاريخ، كخروج الخوارج بها، وكمقتل الحسين، وفتنة ابن الأشعث، وفتنة المختار –وقد ادعى النبوة- وما جرى في ولاية الحجاج بن يوسف من القتال، وسفك الدماء وغير ذلك مما يطول عده.\n\"وعلى كل حال فالذم إنما يكون في حال دون حال، ووقت دون وقت، بحسب حال الساكن؛ لأن الذم إنما يكون للحال دون المحل، وإن كانت الأماكن","vol":"1","page":371},{"text":"تتفاضل وقد تقع المداولة فيها، فإن الله يداول بين خلقه، حتى في البقاع، فمحل المعصية في زمن قد يكون محل طاعة في زمن آخر، وبالعكس\"١.\nثم قال ﵀ رحمة واسعة:\n\"فلو ذم نجد بمسيلمة بعد زواله، وزوال من يصدقه، لذم اليمن بخروج الأسود العنسي ودعواه النبوة ...، وما ضر المدينة سكنى اليهود بها، وقد صارت مهاجر رسول الله ﷺ وأصحابه، ومعقل الإسلام، وما ذمت مكة بتكذيب أهلها لرسول الله ﷺ وشدة عداوتهم له، بل هي أحب أرض الله إليه\".\nويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن عن فضل نجد كبني تميم:\nفيقول ﵀:\n\"وقد جاء في فضل بعض أهل نجد كتميم، ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: أحب تميمًا لثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ، قوله لما جاءت صدقاتهم: \"هذه صدقات قومي\"، وقوله في الجارية التميمية: \"اعتقها فإنها من ولد إسماعيل\"، وقوله: \"هم أشد أمتي على الدجال\" ... هذا في المناقب الخاصة، وأما العامة للعرب، فلا شك في عمومها لأهل نجد؛ لأنهم من صميم العرب، وما ورد في تفضيل القبائل، والشعوب أدل وأصرح في الفضيلة مما ورد في البقاع والأماكن في الدلالة على فضل الساكن والقاطن.\nومعلوم أن رؤساء عباد القبور الداعين إلى دعائهم وعبادتهم لهم حظ وافر مما\n_________\n١ انظر مجموعة الرسائل والمسائل ج٤ ص٢٦٤.","vol":"1","page":372},{"text":"يأتي به الدجال، وقد تصدى رجال من تميم، وأهل نجد للرد على دجاجلة عباد القبور الدعاة إلى تعظيمها مع الله، وهذا من أعلام نبوته ﷺ، إن قلنا أن \"ال\" في الدجال للجنس لا للعهد، وإن قلنا للعهد هو الظاهر، فالرد على جنس الدجال توطئة وتمهيد لجهاده، ورد باطله، فتأمله فإنه نفيس جدًا\"١.\nويقول الشيخ حكيم محمد أشرف:\n\"سند هو مقصود الأحاديث، أن البلاد الواقعة في جهة المشرق من المدينة المنورة، هي مبدأ الفتنة والفساد، ومركز الكفر والإلحاد، ومصدر الابتداع والضلال، فانظروا في خريطة العرب بنظر الإمعان، يظهر لكم أن الأرض الواقعة في شرق المدينة إنما هي أرض العراق –فقط- موضع الكوفة والبصرة وبغداد٢.\nيقول الشيخ سليمان بن سحمان ﵀:\n\"وقد كان بلد الشيخ اليمامة، ولم تكن اليمامة مشرق المدينة، بل مشرق المدينة العراق ونواحيه، فاليمامة ليست مشرق المدينة، ولا هي وسط المشرق بين المدينة والعراق، بل اليمامة شرق مكة المشرفة\"٣.\n_________\n١ انظر منهاج التأسيس والتقديس في الرد على ابن جرجيس ص ٦٢.\n٢ انظر أكمل البيان في شرح نجد قرن الشيطان: تحقيق عبد القادر حبيب الله السندي ط١٤٠٢ باكستان.\n٣ انظر الأسنة الحداد في الرد على علوي الحداد ص ٨٧.","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>الفصل الثالث عشر: الفرية التاسعة تسميتهم بالوهابية</span>\n...\nالفرية التاسعة تسميتهم بالوهابية\nاطلقوا على دعوة الإمام اسم \"الوهابية\"، وأحاطوا بكل شر، وجعلوها علمًا على الجمود والهمجية، واخترعوا لها الأكاذيب وألصقوا بها التهم، فلو قالوا للناس: إن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب هي دعوة الإسلام الخالص، وأنه متبع للإمام أحمد بن حنبل في الفروع، ومتأسي بالإمام ابن تيمية وابن القيم والذهبي وابن كثير وغيرهم، لما استغرب الناس الدعوة ونفروا منها، ولكنهم أطلقوا عليها اسم \"الوهابية\"، وصوروها بأقبح الصور، حتى أصبح الكثير من المسلمين في البلاد الإسلامية ينفرون من كلمة الوهابية أو المذهب الوهابي.\nوبلغ حقدهم الدفين على هذه الدعوة المباركة حتى وصل الإمر إلى قتل المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي –وهو ممن يتحمسون لهذه الدعوة- بإيعان من محمد علي –حاكم مصر- الذي حارب هو وأبناؤه الدعوة انتقامًا من أبيه لتعاطفه مع هؤلاء١.\nوقد بلغ الأمر في بعض البلاد الإسلامية أن تصادر وتحرق الكتب التي للشيخ محمد بن عبد الوهاب وأنصاره، وبل وتطارد الأشخاص الذي يعتبرون \"وهابيين\"، ويسجنون، وتثور عليهم الجماهير، وقد يضربونهم، فأكثر الناس لا يعرفون من الوهابية إلا أنها مذهب آخر لا يقره الإسلام.\n_________\n١ الشبهات التي أثيرت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ج٢ للدكتور عبد الرحمن عميرة –أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص ٦.","vol":"1","page":376},{"text":"قال الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ ﵀:\n\"إن لقب الوهابية لقب لم يختاره أتباع الدعوة لأنفسهم، ولم يقبلوا إطلاقه عليهم، لكنه أطلق من قبل خصومهم تنفيرًا للناس منهم، وإيهامًا للسامع أنهم جاءوا بمذهب خاص يخالف المذاهب الإسلامية الأربعة الكبرى، واللقب الذي يرضونه ويتسمون به هو: (السلفيون)، ودعوتهم: الدعوة السلفية\"١.\nوقال الأستاذ أحمد علي:\n\"إن تلقيبهم بالوهابية جناية على الواقع والحقيقة لهذه الدعوة، فهي جناية على التاريخ نفسه، فقد أوقع ذلك كثيرًا من المؤرخين والمستشرقين في غلطة، وهي تسمية هذه الحركة الإصلاحية المباركة نسبة إلى والد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجعلوه مؤسسًا لهذه الدعوة والحركة الإصلاحية\"٢.\nوقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز:\n\"نسبة للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهي نسبة على القياس العربي، فلقد كان الصحيح أن يقال المحمدية، أي أن صاحب هذه الدعوة والقائم بها هو الشيح محمد لا أبوه عبد الوهاب، ومن أعجب العجب أنك لا تجد لهذا اللقب أثرًا بنجد، بل يستنكر النجديون هذا اللقب لمن يخاطبهم به أو ينسبهم إليه، وهذا يدلك على أن التسمية جاءت من الخارج من خصوم الدعوة، وأكبرهم إذ ذاك الأشراف والأتراك، وأكثر علمائها\"٣.\n_________\n١ انظر الوهابية وزعيمها محمد بن عبد الوهاب: بقلم حسن بن عبد الله آل الشيخ ﵀ مجلة العربي العدد ١٤٧ فبراير ١٩٧١.\n٢ آل سعود ص ٢١٢.\n٣ الشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية أحمد بن حجر.","vol":"1","page":377},{"text":"وهذا الملك عبد العزيز يخطب بالحجيج سنة ١٣٤٧هـ الموافق ١١/٥/١٩٢٩، قائلًا:\n\"يسموننا بالوهابيين، ويسمون مذهبنا الوهابي، باعتبار أنه مذهب خاص، وهذا خطأ فاحش نشأ عن الدعايات الكاذبة التي كان يبثها أهل الأغراض.\nنحن لسنا أصحاب مذهب جديد أو عقيدة جديدة، ولم يأت محمد بن عبد الوهاب بالجديد، فعقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله، وما كان عليه السلف الصالح.\nنحن نحترم الأئمة الأربعة، ولا فرق عندنا بين مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة، كلهم محترمون في نظرنا.\nهذه هي العقيدة التي قام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب يدعو بها، وهذه هي عقيدتنا، وهي عقيدة مبنية على توحيد الله ﷿، خالصة من كل شائبة، منزهة من كل بدعة، فعقيدة التوحيد هذه هي التي ندعو إليها، وهي التي تنجينا مما نحن فيه من محن وأوصاب.\nأما (التجديد) الذي يحاول البعض إغراء الناس به بدعوة أنه ينجينا من آلامنا فلا يوصل إلى غاية، ولا يدنينا من السعادة الأخروية، إن المسلمين في خير ما داموا على كتاب الله وسنة رسوله، وما هم ببالغين سعادة الدارين إلا بكلمة التوحيد الخالصة.\nإننا لا نبغي (التجديد) الذي يفقدنا ديننا وعقيدتنا.. إننا نبغي مرضاة الله ﷿، ومن عمل ابتغاء مرضاة الله فهو حسبه، وهو ناصره، فالمسلمون لا","vol":"1","page":378},{"text":"يعوزهم التجديد، وإنما تعوزهم العودة إلى ما كان عليه السلف الصالح، ولقد ابتعدوا عن العلم بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله، فانغمسوا في حمأة الشرور والآثام فخذلهم الله جل شأنه، ووصلوا إلى ما هم عليه من ذل وهوان، ولو كانوا متمسكين بكتاب الله وسنة رسوله لما أصابهم من محن وآثام، ولما أضاعوا عزهم وفخارهم.\nلقد كنت لا شيء ... وأصبحت اليوم وقد استوليت على بلاد شاسعة يحدها شمالًا العراق وبر الشام، وجنوبًا اليمن، وغربًا البحر الأحمر، وشرقًا الخليج.. لقد فتحت هذه البلاد ولم يكن عندي من الأعتاد سوى قوة الإيمان وقوة التوحيد، ومن العدد غير التمسك بكتاب الله وسنة رسوله، فنصرني الله نصرًا عزيزًا١.\nإن تسميتهم بالوهابية مجرد ذكر التسمية لا حرج فيه، ولكن أن يجعلوها مذهبًا خارجًا عن الإسلام ويغذوها بالتضليل والكذب والافتراء فهذا شيء نحاربه أشد المحاربة.\nيقول عبد الرحمن بن سليمان الرويشد:\n\"لم يكن إطلاق كلمة \"الوهابية\" التي يراد بها التعريف بأصحاب الفكرة السلفية شائع الاستعمال في وسط السلفيين أنفسهم، بل كان أكثرهم يتهيب إطلاقه على الفكرة السلفية. وقد يتورع الكثيرون من نعت القائمين بها بذلك الوصف، باعتباره وصفًا عدوانيًا كان يقصد به بلبلة الأفكار والتشويه، وإطلاق المزيد من الضباب لعرقلة مسيرة الدعوة، وحجب الرؤية عن حقائق أهدافها وبمرور الزمن،\n_________\n١ جريدة أم القرى –ذي الحجة ١٣٤٧هـ- مايو ١٩٢٩م.","vol":"1","page":379},{"text":"وإصابة محاولات التضليل بالعجز عن أداء دورها الهدام، تحول هذا اللقب بصورة تدريجية إلى مجرد لقب لا يحمل أي طابع للإحساس باستقرار المشاعر، أو أي معنى من معاني الإساءة، وصار مجرد تعريف مميز لأصحاب الفكرة السلفية، ماهية الدعوة التي بشر بها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، وأصبح هذا اللقب شائعًا ورائجًا بين الكتاب والمؤرخين الشرقيين والغربيين على حد سواء.\nوبالتالي فليس هناك ما يبرر هجر استعمال تلك الكلمة كتعريف شائع أو تعبير يستخدم في إطاره الصحيح للرمز إلى المضمون الفكري المقصود: وهو التمسك بالكتاب والسنة ومحاربة مظاهر الشرك والبدع، وما زج به في العقيدة السلفية وأدخل عليها من انحراف، مع ضرورة العيش في قيادة إسلامية عادلة تحكم الشريعة، وتلتزم تطبيق منهجه عملًا وتحمل الرعية على امتثال ذلك بأسلوبي الترغيب والترهيب، وإن أصروا على هذه التسمية نقول لهم قد أجاب العلامة الشيخ \"ملا عمران بن رضوان\" ﵀ صاحب مدينة لنجة بهذه الأبيات وهي فخر وشرف ووسام يفتخر بها كل نجدي وغير نجدي من الموحدين، وهو يرد على الخصوم قائلًا:\nإن كان تابع أحمد متوهبًا ... فأنا المقر بأنني وهابي\nأنفي الشريك عن الإله فليس لي ... رب سوى المتفرد الوهاب\nلا رقية ترجى ولا وثن ولا ... قبر له سبب من الأسباب","vol":"1","page":380},{"text":"أيضًا ولست معلقًا لتميمة ... أو حلقة أو دعة أو ناب\nلرجاء نفع أو لدفع بلية ... الله ينفعني وينفع ما بي١\nويقول الشيخ العلامة سليمان بن سحمان ﵀ في الرد على بعض الخصوم الحاقدين على هذه الدعوة والذين لقبوها بهذا اللقب:\nنعم نحن وهابية حنفية ... حنيفية نسقي لمن غاصنا السرا\nبمحكم آيات وسنة أحمد ... نصول على الأعداء فنأظرهم أطرا\nحنابلة كنا على نهج أحمد ... إمام الهدى من كان من كفركم يبرا\nعلى السنة الغراء قد كان قدوة ... لنا في الهدى لم يغد ما قاله شبر٢\nيقول أبو الهدي الصعيدي المصري ﵀:\n\"إذا كانت الوهابية كما سمعنا وطالعنا، فنحن أيضًا وهابيون\"٣.\n_________\n١ الهدية السنية ص ٤٢.\n٢ ديوان ابن سحمان ص ٥١-٩٨.\n٣ بين الديانات والحضارات –طه المولي ص ١٤٢.","vol":"1","page":381},{"text":"يقول الشيخ أحمد بن حجر آل أبو طامي:\n\"من معاملة الله لهم –أي خصوم الدعوة بنقيض قصدهم هو أنهم قصدوا بلقب الوهابية ذمهم، وأنهم مبتدعة، ولا يحبون الرسول كما زعموا، صار الآن لقبًا لكل من يدعو إلى الكتاب والسنة، وإلى الأخذ بالدليل، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاربة البدع والخرافات، والتمسك بمذهب السلف١.\nويقول مسعود النووي ﵀:\n\"وعلى كل حال، فنظرًا إلى تلك المحاولات التي بذلت لإظهار الوهابية في صورة مذهب مستقل وطائفة ضالة، هذا الاسم منتقد أشد الانتقاد، ولكن بغض النظر عن هذه الأكذوبة والافتراء، فلا أرى حرجًا في هذه التسمية\"٢.\nإن اجتماع المسلمين على الكتاب والسنة أشد على أعدائهم من السلاح والعتاد، وأفتك بهم من الموت، وتوالت العصور وكانت شعلة النور الإسلامي موقدة تنير العالم، ذلك عندما كان المسلمون على صدق مع الله ورسوله، مستمسكيم بعقيدة التوحيد، وتوالت الأيمام وتسللت الأفكار الخبيثة إلى صفوف المسلمين، وارتدت الجموع الفارسية واليهودية والجاهلية لتتأهب وتتاح لها فرصة العمر فتنقض بانحرافاتها داخل المعاقل الإسلامية تحاول الإجهاز على المسلمين ودينهم، ولم تساهم في هذه المعارك جيوش ضاربة، وإنما كانت عقائد باطلة تحاول طمس منهاج الله تعالى وتشويه حقائقه وإنهاء دولته وتقليص نفوذه،\n_________\n١ محمد بن عبد الوهاب ص ٥١.\n٢ محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ص ١٦٥.","vol":"1","page":382},{"text":"فتسللت الفلسفات اليونانية والإغريقية والفارسية، وظهرت التكايا والزوايا تربي الناس على الخمول والكسل والانحراف عن دين الله ﷿، ولكن ... هل انتهى الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ؟ ... هل انتهت أمة الإسلام؟ .. لا ... وألف لا ... فالإسلام يحفظه الله:\n﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:٩) .\nفبحفظ الكتاب والسنة لا تنتهي أمة الإسلام في الأرض، وبعلماء الإسلام العاملين وقادته المصلحين سيستمر العلم والتعليم لكشف الزيغ والحركات الضالة، وسوف تتربى الأجيال على الإسلام الصحيح وتتلقى القرآن فتفهم أحكامه وتحل حلاله وتحرم حرامه، وتفهم سياسته واقتصاده في شخوص رجال ونساء، إذا رأيتهم رأيت قرآنًا يجري حركة حياة ونبضات قلوب تحتضن الوجود لتغمسه في بحر الإسلام ليغدو عطاء ورحمة، وهكذا كانت الدعوات الصحيحة والدعاة الصالحون في كل عصر وجدوا فيه، ولما قام الإمام محمد بن عبد الوهاب بدعوته الإسلامية كان يسلك مسلك السلف الصالح ويعيد الناس إلى الإسلام الذي كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم، ويزيل عن الناس كثيرًا مما كان قد جلبه عليهم ابتعادهم عن الدين الخالص، وقد كانت هذه الدعوة الإسلامية منطلقًا صحيحًا للمسلمين في الإصلاح والتصحيح في العقيدة والعبادة والعمل والسلوك، لأن دين الإسلام هو طب البشرية كلها من كافة أدوائها، وأن التماس الهدى في غير ضلال وضياع، فكان الإمام محمد داعية إسلاميًا ظهر في زمان سيطرت على المسلمين فيه أسباب الضعف السياسي، وأنواع الضلال الفكري، وصنوف الانحراف عن الصراط المستقيم، فكان رحمه الله تعالى رائدًا في دعوته إلى منابع الإسلام الأولى، واتباع ما كان عليه السلف١ الصالح، ولذلك نسبت إلى\n_________\n١ السلف: بالفتح في اللغة: المتقدمون: والراحلون من الآباء الأولون السابقون، وبيع السلم، وفي الشرع: اسم لكل من يقلد مذهبه في الدين ويتبع أثره، كأبي حنيفة وأصحابه، فإنهم سلف لنا، والصحابة والتابعون فإنهم سلفهم، وقد يطلق السلف شاملًا للمجتهدين كلهم.\nوقال بعضهم: السلف شرعًا: كل من يقلد ويقتفي أثره في الدين ... والصدر الأول يسمون: \"السلف الصالح\"، ومنه حديث مذجح: نحن عباب سلفها، انظر السلفية ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، د. علي عبد الحليم محمود ص ٩.","vol":"1","page":383},{"text":"السلفية فالاتجاه السلفي في أساسه يعمل على نقاوة العقيدة الإسلامية وتخليضها من الشوائب التي تفسدها وتميعها، والرد على الانحرافات التي ظهرت في المجتمع الإسلامي، والصمود في وجه الفرق الضالة، وبهذا تكون الدعوة الإسلامية السلفية هي دعوة الكتاب والسنة والدين الصحيح، هي دعوة البر والبركة، ودعوة التوحيد الحق، والاتباع السليم، والتزكية والطهارة، أي أنها باختصار دعوة الإسلام الصحيح التي بعث بها النبي محمد ﷺ، واتفق العلماء على أن السلف يراد بهم:\nأولًا: الصحابة، رضوان الله عليهم.\nثانيًا: التابعون لهم بإحسان، رحمهم الله تعالى.\nثالثًا: تابعو التابعين.\nوهذا ما بينه الرسول ﷺ بقول: \"خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\". قال عمران: \"فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة. \"ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن\" ١.\n_________\n١ رواه البخاري في فضائل الصحابة، ورواه مسلم وأبو داود.","vol":"1","page":384},{"text":"ومذهب السلف هو –كما قلنا- ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وما كان عليه أعيان التابعين لهم بإحسان، وما كان عليه أتباعهم وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة وعرف عظيم شأنه بالدين وتلقى الناس كلامهم خلفًا عن سلف، كالأئمة الأربعة والسفيانيين والليث بن سعد وابن المبارك والنخعي والبخاري ومسلم وسائر أصحاب السنن دون من رمي ببدعة أو اشتهر بلقب غير مرضي، مثل: الخوارج والروافض والمرجئة والجبرية والجهمية والمعتزلة وسائر الفرق الضالة، والسلفية إذن تتمثل في توحيد الله ﷾ وإفراده بالربوبية والألوهية، وإخلاص القول والعمل، والاتجاه به إليه ﷾ وفق ما جاءت به الحنفية السمحاء والتي لا يقبل الله تعالى من أحد من عباده دينًا سواها، وهي العبودية الخالصة والتعبد لله وحده لا شريك له وفق ما جاء به نبينا محمد رسول الله ﷺ، وقد لازم الدعوة الإسلامية التي قام بها الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ ما يلازم الدعوات الكبرى من نشاط فكري وحركي على الجانبين الإيجابي والسلبي١، ومن المؤشرات التي توزن بها ضخامة الدعوات الجديدة عنف حركة التأييد والمعارضة على السواء. ذلك لأن الدعوات الكبرى تفاجئ الناس عادة بغير ما عهدوا من مألوف المعتقدات والعادات فيتهيبها الناس في أول الأمر، ويستعظمون ما جاءت به، فإذا تدبرها بعض العقلاء واكتشفوا ما تنطوي عليه من الحق والخير تعصبوا لها تعصبًا شديدًا، ثم تجيء ردود الأفعال عن الذين يأكل قلوبهم الحسد على المكانة التي يحظى بها صاحب الدعوة بين أنصاره ومؤيديه، والزعماء الذين يتمسكون بالأمر الواقع الذي سودهم ولا يرحبون\n_________\n١ من مقال للدكتور محمد محمد حسين أستاذ ورئيس قسم الأدب العربي بجامعة الإسكندرية رحمه الله تعالى.","vol":"1","page":385},{"text":"بالجديد الذي لا يأمنون عواقبه، لأن أي خلخلة للاستقرار القائم ستجلب معها زعامات جديدة تلائم الواقع الجديد، وبين هاتين الطائفتين من المتعصبين للتأييد والمعارضة ينشأ التطرف الذي يسيء إلى الدعوة في تطبيقها وتفسيرها من ناحية، وفي سوء فهمها والادعاء عليها بما ليس فيها من ناحية أخرى، وسمة أخرى من سمات الدعوات الكبرى لازمت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب وهي تتمثل في تعرضها على أيدي أعدائها ومعارضيها للمحن، وثبات صاحبها على المكاره، ذلك لأن اتساع نفوذ الدعوة على مر الأيام يدفع أعداءها إلى الشعور بالخطر على أنفسهم وعلى مصالحهم فيبذلون كل ما يسعهم من جهد للقضاء على الدعوة وعلى صاحبها، وقد يذهبون في ذلك إلى حد تدبير المكائد والتخلص من صاحب الدعوة نفسه بقتله، ثم إن هذا الأذى والاضطهاد هو الاختبار الأكبر الذي يمتحن به صدق الدعوة وإخلاص صاحبها فإذا ثبت على دعوته وصبر على ما يلقى من اضطهاد زاد صبره صلابة وثباتا على مر الأيام، لأنه يزكي ويمكن لإيمانه، ويقوي توكله على الله ﷿، ولكي توزن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب بميزان عادل يجب أن توضع في الاعتبار حالة المجتمع الذي نشأت فيه الدعوة قبل ظهورها لتقارن بحالتها بعد انتشارها، كما ينبغي أن توضع في الاعتبار ردود الأفعال التي لا بد أن تتسرب إليها وتشوبها في مقاومتها للوضع السائد الذي تعارضعه وتندد به، لأنها في دعوتها إلى نبذ الأوضاع القائمة والإنحرافات السائدة تشنع بها وتقدمها في أبغض الصور لكي تصرف الناس عنها وتبين لهم شناعة ما هم عليه من فساد الحال، ثم إن ذلك لا يزيد خصومها إلا لددًا في خصومتهم فيبالغون في التشنيع بها، ونشر قالة السوء عنها، وتصيد الأخطاء التي ربما وقعت من أتباعها، وحمل أفعالهم وتأويلها على أسوأ محمل، وربما فعلوا في ذلك أن يدعوا عليهم ما ليس","vol":"1","page":386},{"text":"فيهم، وذلك كله مما يملأ قلوب أصحاب الدعوة وأتباعهم حنقًا فيكيلون لهم بمثل كيلهم، وهكذا فإن التفاعل لا بد أن يجر إلى شيء من هذه المبالغة التي يجب أن تكون موضع الاعتبار والتقدير عند الباحث، والذي يقرأ ما كتبه مؤرخو الدعوة عن عنف معارضيها١.\n_________\n١ الدرعية العاصمة الأولى: عبد الله خميس ط (١) ١٤٠٢ –الرياض.","vol":"1","page":387},{"text":"قصة عجيبة\nكان أحد العلماء الفضلاء في الهند يستقبل أبناءه الطلاب ويلقي عليهم دروس التفسير والحديث، وكان هذا الشيخ يبدأ درسه بعد الحمد لله والصلاة والتسليم على رسوله بالدعاء على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجماعته، يطلب من الله أن يطهر الأرض من شرورهم وآثامهم.\nوكان أحد أبناء نجد تلميذًا لهذا الشيخ، وكان من المستحيل عليه أن يرد الشيخ إلى الصواب، وسط هذه الأجواء من الادعاءات والافتراءات التي يشنها الأعداء وتحرص دولة كبرى كدولة الخلافة العثمانية، ومن ورائها الاستعمار وأذنابه، وكل أصحاب المذاهب والنحل الباطلة على النيل من هذه الجماعة وصاحبها.\nوفي يوم من الأيام ... فكر الطالب في أمر يرد به الشيخ إلى جادة الصواب، ويعرفه بحقيقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته السلفية. فما أن كان منه إلا أن نزع غلاف كتاب \"التوحيد\" للشيخ وقدمه لأستاذه طالبًا منه قراءته وإبداء حكمه عليه.\nواستجاب الأستاذ لأمر الطالب وقرأ الكتاب فأثنى عليه ثناء منقطع النظير، بل وأضاف أنه من أحسن الكتب التي قرأها في هذا الباب، ومن أكثرها فائدة، وهنا كشف الطالب لأستاذه عن مؤلفه الذي يتقرب الشيخ إلى ربه بالنيل منه كل صباح.","vol":"1","page":388},{"text":"فاستغفر الشيخ عما بدر منه في حق هذه الجماعة وصاحبها –وصار من أكثر المدافعين عنها الداعين لها\"١.\nفكشف الله تعالى لهؤلاء زيف المفترين وعرفوا صحة الدعوة وحقيقتها، وأصبحت تلك التسمية لا ذكر لها إلا عند بعض الجهلة والدجاجلة والحاقدين، ومضت الدعوة الإسلامية على نهج السلف الصالح، وقامت الصحوة الإسلامية، ونرى اليوم جل علماء الإسلام يتبنونها، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.\n_________\n١ انظر: بحوث أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الأول، بحث الشبهات التي أثيرت حول دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب. دكتور أبو عميرة ص ٩٣-٩٤.","vol":"1","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>الفصل الرابع عشر: الفرية العاشرة موقف الإمام محمد بن عبد الوهاب من دولة الخلافة العثمانية</span>\n...\nالفرية العاشرة موقف الإمام محمد بن عبد الوهاب من دولة الخلافة العثمانية\nافترى الأعداء على الإمام وجماعته من الموحدين بأنهم خرجوا عن دولة الخلافة العثمانية، وأنهم خالفوا بذلك الجماعة، وشقوا عصا السمع والطاعة.\nوبهذا يقول دحلان: إن أتباع محمد بن عبد الوهاب \"فارقوا الجماعة والسواد الأعظم\"١.\nويقول ابن عفالق: \"أما توحيدكم الذي مضمونه الخروج على المسلمين ... فهذا إلحاد لا توحيد\"٢.\nويقول الزهاوي العراقي: \"إنهم عرفوا بالمروق عن طاعة أمير المؤمنين\"٣.\nويقول الرافضي محسن الأمين العاملي:\n\"الخوارج استحلوا قتال ملوك المسملين والخروج عليهم ... وكذلك الوهابيون٤.\n_________\n١ انظر الدرر السنية في الرد على الوهابية لزين بن دحلان ص ٣٢.\n٢ انظر جواب ابن عفالق على رسالة ابن معمر ص ٥٧ من هذه الرسالة.\n٣ انظر الفجر الصادق ص ٧٣.\n٤ انظر كشف الارتياب عن أتباع محمد بن عبد الوهاب ط (١) مطبعة ابن زيدون، دمشق.","vol":"1","page":392},{"text":"وهذا قليل من كثير مما قاله الذين ادعوا على الإمام محمد وأتباعه بأنهم خرجوا عن الخلافة وألفوا من الكتب والرسائل لحرب هذه الدعوة السلفية وتشويهها أمام العالم الإسلامي، حتى يوقفوا مسيرة هذه الدعوة المباركة التي أثارت القلوب والعقول ضد الخرافات والشرك والبدع.\nأما أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأتباعه خرجوا عن الخلافة فإليكم الأدلة الواضحة التي تهدم أقوال هؤلاء المبتدعة.\nيقول الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ حين بعث رسالة١ لأهل القصيم: وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه\"٢.\nويقول ﵀:\n\"والأصل الثالث: أن من تمام الاجتماع السمع لمن تأمر علينا، ولو كان عبدًا حبيشيًا، فبين الله له هذا بيانًا شائعًا كافيًا بوجوه من أنواع البيان شرعًا وقدرًا، ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند كثير ممن يدعي العلم فكيف العمل به٣.\nويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، عليهم الرحمة:\n\"ونرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية\"٤.\n_________\n١ انظر الرسالة الكاملة في صفحة.\n٢ انظر مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ج٥ ص١١.\n٣ نفس المرجع السابق ج١ ص٣٩٤.\n٤ انظر الهدية السنية في فتاوى علماء نجد ص ١٠٩.","vol":"1","page":393},{"text":"يقول الدكتور عبد الله العثيمين:\n\"مهما يكن، فإن نجدًا لم تشهد نفوذًا مباشرًا للعثمانيين عليها قبل ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كما أنها لم تشهد نفوذًا قويًا يفرض وجوده على سير الحوادث داخلها لأية جهة كانت، فلا نفوذ بني جبر، أو بني خالد في بعض جهاتها، ولا نفوذ الأشراف في بعض جهاتها الأخرى أحدث نوعًا من الاستقرار السياسي، فالحروب بين البلدان النجدية ظلت قائمة، والصراع بين قبائلها المختلفة استمر حادًا عنيفًا\"١.\nويقول الدكتور عجيل النشمي:\n\"نستطيع القول باطمئنان بأن كتابات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليس فيها تصريح بموقف عدائي ضد الخلافة\"٢.\nويقول:\n\"لم نعثر على أي فتوى له تكفر الدولة العثمانية، بل حصر إفتاءاته في البوادي القريبة منه، التي كان على علم بأنها على شرك\"٣.\nيقول الشيخ محمود مهدي الاستانبولي:\nوالغريب المضحك والمبكي معًا أن يتهم هذا الأستاذ (يقصد عبد القديم زلوم)، يقول:\n_________\n١ انظر محمد بن عبد الوهاب، حياته وفكره ص ١١.\n٢ مقالات الدكتور عجيل النشمي بمناسبة أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب والتي نشرتها مجلة المجتمع عدد (٥٠٦) ١٧ محرم ١٤٠١هـ.\n٣ مقالات الدكتور عجيل النشمي بمناسبة أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب والتي نشرتها مجلة المجتمع عدد (٥٠٦) ١٧ محرم ١٤٠١هـ.","vol":"1","page":394},{"text":"وصف حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بأنها من عوامل هدم الخلافة العثمانية، مع العلم بأن هذه الحركة قامت حوالي عام ١٨١١م، والخلافة هدمت حوالي عام ١٩٢٢م!! ١.\nولكن الخلافة العثمانية في استانبول لم يصلها عن هذه الدعوة المباركة إلا الافتراءات والكذب والبهتان.\nيقول الدكتور عجيل النشمي:\n\"لقد كانت صورة حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لدى دولة الخلافة على صورة قد بلغت من التشويه والتشويش مداه، فلم تطلع دولة الخلافة إلا على الوجه المعادي لحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، سواء عن طريق التقارير التي يرسلها ولاتها في الحجاز، أو بغداد، أو غيرها ... أو عن طريق بعض الأفراد الذي يصلون إلى الأستانة يحملون الأخبار٢.\nولا ننسى دور الإنجليز وفرنسا في تشويه هذه الحركة المباركة، كما شوهت الحركة السنوسية وحركة عثمان بن فودي.\nمع العلم بأن التاريخ يذكر أن هؤلاء الإنجليز وقفوا ضد هذه الحركة منذا قيامها خشية يقظة العالم الإسلامي٣.\n_________\n١ الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مرآة علماء الشرق محمد الإستانبولي ط١٤٠٠هـ.\n٢ انظر مجلة المجتمع الكويتية عدد (٥٠٤) ٣ محرم ١٤٠١هـ.\n٣ الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مرآة الشرق والغرب ص ٦٣.","vol":"1","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>الباب التاسع عشر: موقف سليمان بن عبد الوهاب من دعوة أخيه الإمام محمد بن عبد الوهاب</span>\n...\nموقف سليمان بن عبد الوهاب١\nمن دعوة أخيه الإمام محمد بن عبد الوهاب\nهو الأخ الأكبر للشيخ محمد، ويظهر أنه منذ عهد الصغر رأى سليمان ما يحظى به أخوه من إيثار ورعاية وعطف من والديه، لما يتسم به من الذكاء، والفطنة، والمكانة، فنفس على أخيه ذلك، وشب حب التنافس بينهما، وإن كان يلطفه عند محمد روح الدين الذي عرف به مبكرًا ونزعة التسامي إلى معالي الأمور وصلة الرحم، ومع المدى وبروز محمد وتفوقه، تحول الأمر عند سليمان إلى حسد لاهب، مما جعل سليمان لا يتورع عن العمل ضد أخيه بكل الوسائل ومختلف الأساليب حتى غير المشرفة٢.\nالحسد هو الداء الذي أخرج آدم ﵇ من قبل الشيطان، فسليمان بن عبد الوهاب حسد أخاه، بل تآمر عليه مع المتآمرين، ودبر مع العلماء المعارضين \"ثورة حريملاء\"، ومن ثم اتصل بأهل العيينة وأغراهم على الثورة ضد الإمام محمد بن عبد الوهاب ودعوته، والخروج عن السمع والطاعة.\nيقول الأستاذ محمد بن أحمد العقيلي:\n\"لم يكتف بالتدابير والتحريضات حتى تفرد بكتابة رسالة مطولة إلى أهل\n_________\n١ ولد الشيخ سليمان في العيينة، وتولى قضاء حريملاء، وأقام في سدير، توفي بالدرعية [انظر علماء نجد ج١ ص٣٠٢] .\n٢ حياة محمد بن عبد الوهاب وآثاره العلمية –محمد بن أحمد العقيلي ص ٩١ ط١٤٠٤هـ من منشورات النادي الأدبي –الرياض.","vol":"1","page":398},{"text":"العيينة، هاجم فيها العقيدة السلفية وناقض آراء آخيه، وفند أقواله وركز على تكفير المخالفين وقتال المرتدين، وبعث بالرسالة مع شخص يعرف \"بالخويطر\"١.\nوألف رسالة سماها: [فصل الخطاب في الرد على محمد بن عبد الوهاب] ٢، كان من آثارها نكوص أهل حريملاء محمد أتباع الدعوة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزت آثار الكتاب إلى العيينة، فارتاب وشك بعض من يدعي العلم -في العيينة- من صدق هذه الدعوة وصحتها٣.\nقال الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف:\n\"كان سليمان في بادئ الأمر مناوئًا لأخيه الشيخ محمد، معارضًا لدعوة التوحيد –حسدًا وظلمًا- وقد ألف رسالة يعارض فيها دعوة التوحيد ويرد فيها على أخيه الشيخ محمد، وقد وضع أعداء التوحيد لهذه الرسالة عنوانًا وسموها (الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية)، وطبعت بهذا العنوان سنة ١٣٢٨هـ٤.\nويقول ابن العثيمين:\n\"لم يقتصر نشاط سليمان على بلدته –حريملاء- وإنما بذل جهدًا لإقناع أهل\n_________\n١ نفس المصدر.\n٢ هذا الكتاب له أسماء أخرى منها:\nأ-حجة فصل الخطاب من كتاب رب الأرباب وحديث رسول الملك الوهاب وكلام أولي الألباب في إبطال مذهب ابن عبد الوهاب.\nب- الرد على من كفر المسلمين بسبب النذر لغير الله.\nج- فصل الخطاب في الرد على محمد بن عبد الوهاب.\n٣ مجموع الشيخ ج١ ص٢٨١، وابن غنام ج٢ ٢٥٢.\n٤ عنوان المجد في تاريخ نجد –تحقيق عبد الرحمن بن عبد اللطيف ص ٥٤.","vol":"1","page":399},{"text":"العيينة بالخروج على الدعوة ودولتها، وكانت وسيلته في ذلك أن أرسل إليهم كتابًا ضمنه آراء تناقض آراء أخيه محمد في مسائل العقيدة\"١.\nوقد حمل أعداء الدعوة المباركة مخالفة سليمان بن عبد الوهاب فطبلوا وزمروا، وفتحوا كل الأبواب، ومهدوا السبل لدعوة سليمان، وأشعلوا النار بين الطرفين، وطبع كتابه (الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية) مرات كثيرة.\nوقد ألفت الكثير من الرسائل التي تناوئ الدعوة مثل، رسالة في حكم التوسل: لمحمد حسنين مخلوف، ورسالة (النقول الشرعية في الرد على الوهابية) لحسن الشطي، و(المشكاة المضيئة في الرد على الوهابية) لابن السويد، وزينوا هذا الكتاب بالكذب والافتراء.\n_________\n١ الشيخ محمد بن عبد الوهب ص ٦١.","vol":"1","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>الباب العشرون: هل رجع سليمان بن عبد الوهاب عن ضلالته</span>\n...\nNo pages","vol":"1","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>الباب الواحد والعشرون: أثر دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في العالم الإسلامي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>تمهيد</span>\n...\nأثر دعوة الإمام\nمحمد بن عبد الوهاب\nفي العالم الإسلامي\nمضت سنة الله ﵎ منذ فجر البشرية البعيد في التفريق بين المصلحين والمفسدين، وبين المحقين والمبطلين، وأن أصحاب الباطل مهما تساندوا فيما بينهم ضد الحق، ومهما تألبوا عليه، ووالي بعضهم بعضًا ضده، فإنهم مهزومون، وأصحاب الحق هم المنصورون، لأن الحق أصيل في تصميم هذا الوجود، وما على المسلمين الموحدين إلا أن يمضوا بيقين جازم، وثقة قوية بوعد الله تعالى ونصره، لا يخامرهم شك، ولا يخالطهم قلق، ولا تتسرب إليهم ريبة، وحين يتيقن القلب المؤمن ويستوثق يعرف طريقه فلا يتلجلج ولا يتلعثم ولا يحيد، وعندئذ يبدو له الطريق واضحًا، والأفق منيرًا، والغاية محددة، والنهج مستقيمًا، ويردد في كل ما يأتي أو يدعو: وجهت وجي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين.\nوصاحب الدعوة لا يمكن أن يستمد سلطانه إلا من الله ﷿، ولا يمكن أن يهاب إلا سلطان الله ﵎، فإذا أخلص لربه ولدعوته أيده الله ﷾، وجعل قلوب المخالفين والمعاندين تتوجه إليه بالمودة والرحمة والنصرة، وربما أصبحوا جنودًا للدعوة وخدمًا، وبهذا يعلن الحق قوته وصدقه وثباته وحياته، فيندحر الباطل ويزهق ويتوارى، ومتى استقرت حقيقة الإسلام في دعاته وتمثلت في واقع حياتهم تجردًا لله ومنهجًا للحياة فلن يجعل الله للظالمين","vol":"1","page":416},{"text":"على الصالحين سبيلًا، وهذه حقيقة لا يحفظ التاريخ الإسلامي كله واقعة واحدة تخالفها، ونحن نقرر في ثقة بوعد الله ﷿ لا يخالجها شك، أن الهزيمة لا تلحق بالمؤمنين، ولم تلحق بهم في تاريخهم كله إلا وهناك ثغرة في حقيقة الإيمان، إما في الشعور وإما في العمل، وبقدر هذه الثغرة تكون الهزيمة الوقتية ثم يعود النصر، ولو ذهبنا نتتبع كل مرة تخلف فيها النصر عن المسلمين في تاريخهم لوجدنا شيئًا من هذا، فلا بد أن يدافع الموحدون عن التوحيد، وأن يلقوا في سبيله العنت والألم والشدة والضر، وأن يتراوحوا بين النصر حينًا والهزيمة حينًا آخر، حتى إذا ثبتوا على الحق لم تزعزعهم شدة، ولم ترهبهم قوة، ولم يهنوا تحت مطارق الفتن، استحقوا نصر الله ﷿، لأنهم يومئذ أمناء على دين الله ﷿، صالحون لصيانة الهدى الحق والذود عنه.\nإن النصر مدخر لمن يستحقونه، ولن يستحقه إلا الذين يصمدون للزلزلة، ولا يحنون رؤسهم إلا لله رب العالمين، فيهبهم قوة ويصفيهم، ويكسب دعوتهم عمقًا وحيوية وإشراقًا يتلألأ حتى في أعين أعدائها وخصومها، وعندئذ ينحازون إليها بعدما كانوا يحاربونها، ويناصرونها بعد مناوءة وعداء، وهذا حصل للدعوة الإسلامية التي قام بها الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، فاستأسد عليها الثعالب، واستنسر عليها البغاتة، وتربص بها وبأصحابها المتربصون، ونكل بالمخلصين من أبنائها ونالهم كل مكروه باللسان واليد، والدعاة يعلمون أنها ليست أولى المحن التي مرت على المسلمين، وأنتم تعلمون أنه مرت على الجزيرة العربية أيام كانت منزوية، تمر مواكب الحياة من أمامها فلا تحس بها ولا تراها، لم يكن لها كلمة، ولم يخرج منها دعاة، ولا تملك جامعات، فانظروا مكانتها اليوم بحمد الله ﷿، وتأملوا المسلمين اليوم في جزيرة العروبة، وموطن الإسلام الأول.","vol":"1","page":417},{"text":"إن هذا من بركة دعوة الإمام المجدد والأمير المسدد، اللذين أخلصا لله ﷿، وزهدا في الحياة، فصنع الله تعالى بهما ذلك كله، وبارك الله بتلك الجهود الخيرة، فظهر شباب ناشؤون في طاعة الله تعالى، مجاهدون في سبيله تركوا هواهم لطاعة ربهم، وشهواتهم لمرضاته، يؤمون المساجد ولا تردهم مشاغل الحياة عن طلب العلم ودعوة الناس إلى الخير، حتى انتشرت الدعوة الإسلامية الصحيحية في كل مكان، وصار لها دعاة موحدون مخلصون متحمسون، وإن النهار لهم، فلقد أذن مؤذن الصحوة الإسلامية متأثرًا بدعوة الإمام، وامتد تأثيرها إلى جميع الأمصار، وقامت على أساس مبادئها حركات دينية إصلاحية لا حصر لها، ووجهوا ولاءهم الديني والسياسي شطر أمير الدرعية عبد العزيز بن محمد بن سعود، كما يقول عثمان بن بشر عن ولاء أهل الشام للدعوة الإسلامية: \"ظهر مع عمال من حلب الشام قاصدين الدرعية، وهم ست نجائب محملات زكوات بوادي أهل الشام\"١.\nوزاد الله ﷿ الدعوة نفوذًا وقوة وانتشارًا حتى وصلت إلى \"أندونيسيا\" شرقًا، وقد نقلها الحجاج الذين تلقوا العلم في المسجد الحرام، وتأثروا تأثرًا عميقًا بالدعوة الإسلامية الصحيحة، فلما عادوا إلى بلادهم أخذوا يعلمون الناس التعاليم الإسلامية الصحيحة من الكتاب والسنة، وتخليص الإسلام مما خالطه من الشوائب، وكان له أياد بيضاء في مكافحة الاستعمار، وظهور ثمارها في البلاد العربية والإسلامية منه.\n_________\n١ عنوان المجد في تاريخ نجد ٨١٢٦.","vol":"1","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>الفصل الأول: الشام</span>\n...\nأولًا: الشام\nيقول ابن بشر عن ولاء أهل الشام للدعوة الإسلامية:\nظهر عمال من حلب الشام قاصدين الدرعية، وهم ست نجائب محملات زكوات بوادي أهل الشام،١ وقد قامت حركات إصلاحية سلفية تحارب البدع والخرافات أمثال:\nالشيخ طاهر الجزائري ﵀ الذي قام بدور عظيم، وكان تلميذ جمال الدين القاسمي ﵀ إمام زمانه وعصره، وكان سلفي العقيدة، وله من المصنفات حوالي ٧٢ مصنفًا، وكذلك الشيخ محمد بهجت البيطار، والشيخ عبد القادر المغربي، والشيخ المجاهد كامل القصاب.\nوفي يومنا الحاضر الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني، والشيخ محمد مهدي استانبولي، الشيخ نسيب الرفاعي وغيرهم، الذين يجاهدون ضد الشركيات والخرافات والبدع.\nوبرز الشيخ محمد رشيد رضا: (١٢٨٢-١٢٥٤هـ) (١٨٦٥-١٩٣٥م)، الذي أخذ يحارب البدع والخرافات في مصر، وأنشأ مجلة المنار التي رفعت راية التوحيد، وهي أول مجلة سلفية لهذا الشيخ وهو التلميذ المخلص لشخيه الأستاذ \"محمد عبده\"، وأصدر منها حوالي ٣٤ مجلدًا. وله الكثير من المؤلفات التي يشرح فيها مبادئ الدعوة السلفية المباركة، ومن أبرز تلك المؤلفات: كتابه (الوهابيون والحجاز)، وكتابه (الوهابية والرافضة)، وكتاب (المنار والأزهر) .\n_________\n١ انظر عنوان المجد في تاريخ نجد ص ١٢٦.","vol":"1","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>الفصل الثاني: العراق</span>\n...\nثانيًا: العراق\nفي العراق بلاد الفتن والقلاقل، ومواضع الرافضة في كربلاء والنجف، وأهل السنة في العراق الذين تأثروا بهؤلاء يشدون الرحال إلى قبور الصالحين وينشرون البدع والخرافات. ووسط هذا المستنقع الهائل من الشركيات والبدع والخزعبلات والشعوذة، ظهر بريق أمل يتمثل في بعض الصالحين المخلصين لرسالة الإسلام النقية البيضاء التي لا تشوبها شائبة، فوسط هذه الموجة الحمقاء، قامت أسرة عراقية كريمة مجيدة بتصحيح وتنقية الإسلام من الشركيات وعبدة الموتى والقبور والأعتاب، ومن أبرز هؤلاء الذي خاضوا غمار التصحيح:\nأ-محمود شكري الألوسي١:\n(١٢٧٣-١٣٢٤هـ) (١٨٥٧م-١٩٢٤م) .\nصاحب تفسير عظيم جليل هو [روح المعاني] في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني. وله [فتح المنان في الرد على أهل البدع في الدين] ٢.\nب-محمود الألوسي (ت١٨٣٥م) .\nوله تفسير للقرآن الكريم.\nح-نعمان الألوسي (ت١٨٩٩م) .\n_________\n١ كان شريفًا مفتيًا حنفيًا للعراق، وكان يستنسخ تلاميذه كتب ابن تيمية ليتدارسوا مبادئه، ويؤلف الكتب في ذم الذين يستغيثون بغير الله والمعطلين والمشبهين من المتصوفة، وشرح عقيدة السلف وتحدث عن أمراء آل سعود وجهادهم، وخص الإمام محمد بن عبد الوهاب بذكر عاطر.\n٢ انظر الأعلام للزركلي ج٨ ص٤٩.","vol":"1","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>الفصل الثالث: اليمن</span>\n...\nثالثًا: اليمن\nفي اليمن السعيد المجاور ظهر عالمان لهما مكانتهما في ديار اليمن، وهما:\n١-الإمام محمد بن علي الشوكاني (١١٧٢هـ - ١٢٥٥هـ)، (١٧٥٩م-١٨٣٤م)، فتأثر هذا الإمام الجليل بدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية، فقام ﵀ بنبذ البدع والخرافات، ودعى إلى التوحيد الخالص. وألف كتابه الشهير [نيل الأوطار في منتقى الأخبار] لأبي البركات، مجدد الدين بن عبد السلام بن تيمية، جد شيخ الإسلام، ومجدد الدين أحمد بن عبد السلام بن تيمية (٦٦١هـ-٧٢٨هـ) . كما ألف رسالة في الاجتهاد سماها: (القول المفيد في حكم التقليد) .\nوحينما علم وفاة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رثاه بقصيدة مطلعها:\nمصاب دهى قلبي فأذكى غلائلي ... وأصمى بهم الافتجاع مقاتلي\n٢- والشيخ الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني (١٠٩٩هـ-١١٨٢هـ) الذي تأثر بدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، ودعا أهل اليمن إلى التوحيد وترك التوسل بقبور الصالحين، ونزع الخرافات والبدع.","vol":"1","page":421},{"text":"وقد بعث الأمير الصنعاني بقصيدة١ رائعة إلى الإمام محمد بن عبد الوهاب يمدح فيها دعوته السلفية، يقول فيها:\nسلامي على نجد ومن حل في نجد ... وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي\nولكن أهل الخصوم يقولون بأن الأمير الصنعاني رجع عن تأييده لهذه الدعوة المباركة ونقض قصيدته بقصيدة أخرى شرحها حفيده يوسف بن إبراهيم الأمير، بعنوان (محو الحوبة في شرح أبيات التوبة) ٢.\nوقد قام المجاهد الشيخ سليمان بن سحمان وألف كتابًا سماه (تبرئة الشيخين الإمامين عن تزوير أهل الكذب والبهتان)، دافع فيها عن الشيخين الجليلين محمد بن عبد الوهاب والصنعاني، وأكد الشيخ سليمان بن سحمان عدم صحة أدلة القصيدة التي نقض بها المدح: إنما هي موضوعة ومكذوبة على الصنعاني، لأنها تخالف ما كان عليه الصنعاني من اتباع السنة وذم البدع وأهلها، كما هو ظاهر في كتبه، وقد ورد صريحه لما قرره الصنعاني في كتبه مثل \"تطهير الاعتقاد\"، فمن ذلك أن القصيدة وشرحها قد تضمنتا الزعم بأن دعاء الموتى والاستغاثة بهم كفر عملي، والإمام الصنعاني قد عرف عنه أن الاستغاثة بالموتى ودعاءهم من الكفر الاعتقادي المخرج عن دين الإسلام٣.\n_________\n١ هو محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسيني المعروف بالأمير، ولد سنة ١٠٩٩هـ، توفي سنة ١١٨٢هـ، من كتبه: توضيح الأفكار شرح تنقيح الأنظار في مصطلح الحديث، وسبل السلام. انظر الأعلام ٦/٣٨.\n٢ انظر كشف النقاب ص ٧٥.\n٣ انظر تبرئة الشيخين للشيخ سلمان بن سحمان ط (١) مطبعة المنار –مصر ١٣٤٣هـ ص٩٨٢-١٩٥.","vol":"1","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>الفصل الرابع: مصر</span>\n...\nرابعًا: مصر\nكثير من المصريين تأثروا بدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب وساهموا في نشر العقيدة السلفية بين المصريين، وتعتبر مدرسة الإمام محمد عبده (١٣٢٣هـ) المدرسة السلفية التي تأثرت بدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وكان محمد عبده أكبر أمله أن يقدم في حياته للمسلمين عملًا صالحًا، فقاده اجتهاده وبحثه إلى هذين الأساسيين اللذين بنى عليهما الشيخ محمد بن عبد الوهاب تعاليمه وهما:\n١- محاربة البدع، وما دخل على العقيدة الإسلامية من فساد بإشراك الأولياء والقبور والأضرحة مع الله تعالى.\n٢- وفتح باب الاجتهاد الذي أغلقه ضعاف العقول من المقلدين، وجرد نفسه لخدمة هذين الغرضين١.\nمحمد حامد الفقي: من أبرز أنصار هذه الدعوة في مصر، والذي أسس (جمعية أنصار السنة المحمدية)، وهذه الجمعية إلى يومنا الحاضر تقوم بالذود عن التوحيد وتصدر مجلة أسبوعية تسمى: (التوحيد) . وقد ألف محمد حامد الدين ﵀ الكثير من الكتب، منها كتاب (أثر الدعوة الوهابية في الإصلاح الديني والعمران في جزيرة العرب)، وكذلك عبد الرحمن الوكيل: مؤلف كتاب هذه هي الصوفية، خليل الهراسي، عبد الرزاق عفيقي: عضو هيئة كبار العلماء بالرياض.\nويوجد اليوم ولله الحمد كثير من إخواننا المصريين السلفين الذي ينشرون العقيدة السلفية ويحاربون البدع والخرافات والوثنيات الصوفية.\n_________\n١ انظر زعماء الإصلاح في العصر الحديث –أحمد أمين ص ٢٣.","vol":"1","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>الفصل الخامس: المغرب</span>\n...\nخامسًا: المغرب\nأما في المغرب العربي، فقد استقبل أهله دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقناعة، وتأثروا بها في العمل، بعد أن أدركوا منها انتهاج الدرب السليم الذي دعا إليه نبينا محمد بن عبد الله ﷺ، وسار عليها أصحابه من بعده، ثم من بعدهم في عصور ازدهار دولة الإسلام، وأن الشيخ ما هو إلا مجدد لدرب اندرست معالمه ومقتف آثار السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بعد أن أدرك كما أدرك غيره من المجددين، أن سعادة الأمة لا تتم إلا في نبذ كل أمر محدث يتناقض مع المحجة البيضاء التي ترك الرسول ﷺ أمته عليها.\nويتضح استقبال أهل المغرب لهذه الدعوة في أمور تاريخية ثابتة، هي من الحقائق التي تجعلها واضحة للبيان، ضمن مقال لأحد المستشرقين يقول فيه: \"إن الإمام سعود بن عبد العزيز، والشيخ محمد ابن عبد الوهاب بعثا رسالة مطولة إلى أهل تونس، لشرح عقيدة التوحيد، وأصول الدين، وما تنطوي عليه دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتقع هذه الرسالة في ثلاث صفحات\"١. وقد كان لهذه الرسالة صدى لدى حكام المغرب العلويين الذين قامت دولتهم لمحاربة النصارى، والنهوض بالمغرب من عام ١٦٣١م في المغرب الأقصى٢ الإسلامي.\nوكان من أقوى سلاطين الدولة العلوية سيدي محمد بن عبد الله العلوي:\n_________\n١ انظر صحيفة إسلاميكا الألمانية –العدد الأول- المجلد السابع- الصادر عام ١٩٣٥.\n٢ راجع كتاب المغرب الكبير د. جلال يحيى ٣/٦٥-٦٦.","vol":"1","page":424},{"text":"(١٧٥٧م-١٧٩٠م) الذي اهتم بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بعد أن درسها وأدرك ما تدعو إليه من التجديد الصحيح للعقيدة، وتنقيتها من الخرافات والبدع، فتأثر بهذه الدعوة واستجاب لها بعد أن أدرك ما تنطوي عليه، ولذا قام بمحاربة البدع والانحراف، كما كان ﵀ يحارب تشعب الطرق الصوفية التي تسيء إلى عقيدة المسلمين، ودعا إلى الاجتهاد والسنة١، وقد وصلت إليه معلومات كثيرة عن هذه الدعوة الإسلامية بواسطة الحجاج المغاربة الذين عرفوها أثناء زيارتهم للحجاز في مواسم الحج، ودرسها كثير من المؤرخين والباحثين الفرنسيين، فأثنوا على دروها في تنقية الإسلام من البدع والخرافات الداخلة عليه. وكان السلطان سيدي محمد بن عبد الله العلوي معاصرًا للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقد كتب بدوره إلى العلماء يدعوهم إلى انتهاج منهج السلف الصالح، ومؤازرة دعوة الشيخ محمد التي انتشرت في الجزيرة العربية.\nوقد وصفه المؤرخ الفرنسي شارلي جوليان بقوله: \"كان سيدي محمد بن عبد الله العلوي، وهو التقي الورع على علم –بواسطة الحجاج- بانتشار الحركة الوهابية في الجزيرة العربية، وتأييد عائلة آل سعود لها، وقد أعجب بعبارتها، وكان يؤثر عنه قوله: \"أنا مالكي المذهب، وهابي العقيدة، وقد ذهبت به حماسته الدينية إلى الإذن بإتلاف الكتب المتساهلة في الدين والمحللة لمذهب الأشعرية، وتهديم بعض الزوايا\"٢.\nوقد تعرض خير الدين الزركلي لترجمة المولى سليمان، وذكر مصادر تلك\n_________\n١ انتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب –محمد كمال جمعة ص٢٣٥.\n٢ تاريخ أفريقيا الشمالية –شارلي جوليان: تعريب محمد المزالي، والبشير بن سلامة ج٢ ص٣١١.","vol":"1","page":425},{"text":"الترجمة التي أثبتت حياته واهتمامه الإسلامي، وحرصه على عقيدة السلف الصالح، وهي: الاستقصاء. والدرر الفاخرة، وفهرس الفهارس، وشجرة الدر١، وأكدت دائرة المعارف الإسلامية على تأثر المولى سليمان بحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد عام ١٨١٠م، الموافق لعام ١٢٢٥هـ، مما جعله يتخذ موقفًا صارمًا ضد المربوطية، وهو اللقب الذي كان يطلق في المغرب٢ على الصوفيين، وفي نفس الوقت الذي كانت فيه الطرق الحديثة النشأة تحظى بانتشار كبير في المغرب، وجاءت بعد ذلك الحركة السنوسية٣ التي ابتدأها في الجزائر محمد بن علي السنوسي في أواسط القرن التاسع عشر الميلادي، وقد تأثر السنوسي بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عندما كان في مكة، حيث كان يطلب العلم، ولقد تزعم الدعوة إلى منهج السلف الصالح الشيخ أبو شعيب\n_________\n١ الأعلام –خير الدين الزركلي ٣/١٩٧-١٩٨.\n٢ الشيخ محمد عبد الوهاب عقيدته السلفية –أحمد بن حجر بن محمد آل بو طابي ص ١٠٦-١٠٧.\n٣ من أولى الحركات التي انبعثت من دعوة التوحيد قد صيغت على نحو جامع محرر لمفهوم الإسلام المتكامل بين الزهد والفقه والعبادة بتشكيل تربوي على نمط الصوفية، متحررًا من أخطاء الصوفية وانحرافاتهم، واستطاعت أن تكون جيلًا قادرًا على نشر الإسلام في أنحاء أفريقيا، وكان رد فعل ضخم للتحدي الذي واجه العالم الإسلامي باحتلال الفرنسيين للجزائر وعودة الحروب الصليبية، وإذا كان الإمام محمد بن عبد الوهاب قد انطلق من الدرعية فإن السنوسي ﵀ انطلق من زاوية \"البيضاء\" بالجبل الأخضر، والتي كانت تضم مسجدًا ومدرسة لتحفيظ القرآن، وتدريس العلوم الشرعية.\nوكان الكتاب المستعمرون الأوروبيون يحذرون منها كما كانوا يحذرون من خطر الدعوة الإسلامية في نجد، حتى قال: \"مسيو ردوفرير جن\": إن السنوسية هي المسؤولة عن جميع أعمال المقاومة التي قامة ضد فرنسا في الجزائر، وإن السنوسية هي المدبرة لجميع نكبات فرنسا في الشمال الإفريقي والسنغال، وإنها أيدت ثورة محمد بن عبد الله في تلمسان، وصحراء الجزائر (١٨٤٨-١٨٦١)، وثورة الصادق في جبال الأوراس (١٨٧٩)، وثورات أولاد سيدي الشيخ (١٨٧٩-٨١٨١)، عالم الإسلام المعاصر ٣/٢١٦.","vol":"1","page":426},{"text":"الدكالي، أحد كبار المحدثين، والذي أقام في مكة مدة تزيد على عشر سنوات، قام خلالها بتدريس الحديث في الحرم المكي، ثم عاد إلى المغرب حيث أصبح زعيمًا للحركة السلفية لمدة تزيد على ربع قرن، ونشر بالفكرة السلفية، وحارب البدع والضلالات١.\nمن هذه النقول الوثائقية، ندرك اهتمام المغاربة٢ بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وحرصهم عليها، لأنهم وجدوا فيها نقاوة الإسلام واتباع هدى المصطفى ﷺ ودعوتهم إلى الكتاب والسنة في كل أمر يعترض، سواء كان تعبديًا أو عقديًا، أو في شوون الحياة، وأن كثيرًا من علماء المغرب قد تأثروا بعد دراسة وتمحيص، وبعد اكتشافهم للأكاذيب التي حبكها المخرفون، والجاهلون حول الشيخ ودعوته، فبعثوا العلماء للمناظرة، وللوقوف أمام الحقيقة التي ظهرت لهم، وهذا منهج العلماء في البحث والتدقيق والتمحيص والتحقيق، ونبذ الدعايات والمقالات التي لا تستند إلى علم موثق بفهم حقيقي لكتاب الله جل وعلا، وصحيح السنة النبوية.\nمن أجل ذلك صارت دعوة الإمام في كل مكان، واستقرت في كل قلب يرجو الله، والدار الآخرة، ويدعو إلى الله على بصيرة، ويتفهم تعاليم الدين بروية وعلم، وما زالت منذ انبلاج صبحها تلقى القبول في النفوس، وتزداد رسوخًا مع الأيام، وتتوسع بين الجماهير الظامئة، رغم محاولات الأعداء اليائسة التي تقف ضدها، وتبث الفرقة بين المسلمين بالأكاذيب والمفتريات.\n_________\n١ انتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب –محمد كمال جمعة ص ٢٣٧-٢٣٨.\n٢ برز من أصحاب المنهج السلفي في المغرب بالإضافة إلى أبي شعيب الدمالي: محمد بن العربي العلوي، وعبد العزيز الثعالبي، والطاهر بن عاشور.","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>الفصل السادس: الجزائر</span>\n...\nسادسًا: الجزائز\nكان أول من حمل الدعوة إلى الجزائر المؤرخ الجزائري \"أبو رواس الناصري\"، الذي قدر له أن يجتمع بتلامذة الإمام محمد بن عبد الوهاب في موسم الحج، ويذاكرهم في أمور انتهى بعدها إلى الاقتناع باتجاه حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.\nوكان ذلك بحضور وفد الحجيج المغربي الذي كان يرأسه ولي عهد المغرب آنذاك، وقد أشاد المؤرخ \"أبو رواس\" بآراء ابن عبد الوهاب عندما دون تفاصيل رحلته للحج بعد عودته إلى الجزائر١.\nوالبطل المجاهد الشيخ محمد بن علي السنوسي الخطابي الذي ولد في الجزائر سنة (١٢٠٢هـ١٧٨٧م)، والذي جدد الإسلام في ليبيا حين ترك الجزائر وقاوم الاستعمار الإيطالي في ليبيا.\nوقد تأثر الإمام محمد بن علي السنوسي بدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب حين ذهب لأداء الحج. حيث بقي مدة يأخذ من أساتذتها السلفيين٢، فدعوة الإمام محمد بن علي السنوسي في ليبيا تشابه دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب.\nيقول العقاد:\n\"تشابهتا في حماسة الدعوات وفي نبذ البدع والخرافات والرجوع بالإسلام إلى الكتاب والسنة، ولكنهما تختلفان بعد ذلك في أمور كثيرة\"٣.\n_________\n١ أثر دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في الجزائر/ عبد الحليم عويس ص ١٧ ط١٤٠٥.\n٢ الإسلام بين النظرية والتطبيق، ص ١٠٦.\n٣ الإسلام في القرن العشرين: طبع مكتبة نهضة مصر ص ٨١.","vol":"1","page":428},{"text":"والشيخ المجاهد محمد البشير الإبراهيمي: الذي كان له دور لا ينسى في محاربة الاستعمار الفرنسي وصد جيوش حلف الأطلسي، وكان ﵀ مع أنه يحارب الاستعمار محاربًا للبدع والخرافات.\nوالشيخ المجاهد: عبد الحميد بن باديس (١٣٠٥هـ-١٣٥٩هـ -١٨٨٧م-١٩٤٠م) فقد تأثر بدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب عندما أدى فريضة الحج إلى مكة المكرمة، واجتمع مع علماء الدعوة السلفية.\nوأسس ابن باديس جمعية على أساس من المبادئ السلفية، فدعا إلى إصلاح عقيدة المسليمن في الجزائر من أنواع البدع والخرافات، كما دعا إلى الاجتهاد ومحاربة التقليد الأعمى والجمود الفكري، وذلك بالتعمق في دراسة القرآن الكريم والسنة النبوية، ولقد كان لجمعيته دور كبير في محاربة الاستعمار الفرنسي في الجزائر. حتى نال استقلاله عام (١٣٨٢هـ - ١٩٦٢م) .","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>الفصل السابع: ليبيا</span>\n...\nسابعًا: ليبيا\nتأثر الإمام محمد بن علي السنوسي الخطابي الذي ولد في الجزائر بوهران سنة (١٢٠٢هـ-١٢٧٦هـ/١٧٨٧م-١٨٥٩م) . والذي تنسب إليه الدعوة السنوسية١.\nيقول الأمير شكيب أرسلان:\n\"من أعظم أبطال المسليمن، وهو خاتمة مجاهدي الإسلام، ولولاه لاحتلت إيطاليا قطرى طرابلس وبرقة من الشهر الأول من غارتها الغادرة عليهما٢.\nوقد حج، وفي الحج مكث في مكة يطلب العلم، وقد كانت مكة تحت حكم آل سعود سنة ١٨٢٩م، فتأثر بالعقيدة السلفية، وبعد أن تتلمذ على علمائها، عاد إلى الجزائر يباشر دعوته. وقد حققت هذه الدعوة النتائج الآتية:\nأولًا: النهضة الشاملة.\nثانيًا: معاداة الاستعمار.\nثالثًا: نشر الإسلام ومقاومة التبشير.\nرابعًا: تخريج العلماء والأدباء٣.\n_________\n١ انظر: كتابنا\" ماذا تعرف عن السنوسية، الجزء الثاني\".\n٢ حاضر العالم الإسلامي، لشكيب أرسلان ج٣ ص٣٩٩.\n٣ انظر تأثر الدعوات الإصلاحية الإسلامية بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: للدكتور وهبة الزحيلي ج٢ ص٣٢٨ نشر في أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب –مركز البحوث.","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>الفصل الثامن: تونس</span>\n...\nثامنًا: تونس\nفي تونس الخضراء تأثر كثير من العلماء، ولكن لم يشتهروا كما اشتهر خير الدين باشا التونسي (١٢٢٥-١٣٠٧هـ) (١٨١٠م-١٨٧٩م)، الذي تأثر بالشيخ محمد بن عبد الوهاب في دراسته، وتكوينه الفكري، وإدراكه مشكلات المسلمين، وقضايا العالم الإسلامي، وهو شركسي الأصل، كان وزيرًا للحربية سنة (١٢٧٣هـ-١٢٧٩هـ)، في عهد باي تونس محمد باشا، كما عين في الأستانة في عهد السلطان عبد الحميد وزير دولة، ثم رئيسًا للوزارة في شهر كانون الأول سنة (١٨٧٨م/١٢٩٥هـ) . ووضع كتابًا سماه (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) .\nوأوضح خير الدين أن الأمم الإسلامية لا تصلح إلا بالنظام القائم على الشورى الذي يفيد الحاكم، وأن العدل والحرية هما ركنا الدولة، وأن أعداء الإصلاح الذين يرون أن الإصلاح بدعة من بدع آخر الزمان هم جهلة١.\n_________\n١ زعماء الإصلاح ص ١٤٦-١٥٨.","vol":"1","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>الفصل التاسع: السودان</span>\n...\nتاسعًا: السودان\nفقد تأثر محمد بن عبد الله المهدي١ بالدعوة الإسلامية الصحيحة التي قامت في الحجاز، وأسس على غرارها دولته المهدية عام (١٨٨١-١٨٨٤)، وامتدت حتى سقوط السودان عام (١٨٩٨)، وقد لاحظ المؤرخون وجود شبه بين الحركة المهدية والحركة الإصلاحية السلفية التي قام بها الإمام محمد بن عبد الوهاب، هذا التشابة واضح في تشديد المهدي في مبادئ التوحيد وجعل التعبد لله وحده، وتحريم التطلع للأولياء وزيارة قبورهم، والامتناع عن شرب \"التنباك\" ...، والمهدي أراد أن يزيل الفروق المذهبية بجميع السوادن على دين واحد، ومذهب واحد، وطريقة واحدة، فألغى المذاهب الأربعة، وألغى الطرق الصوفية، وروض الناس على الزهد في الدنيا، ومحاسبة النفس٢ ... \".\nوفي غرب إفريقيا قام عثمان بن فودي٣، الذي استطاع أن يكون دولة واسعة هناك على أنقاض إمارات الهوسا أو الحوصا، قائدًا للجهاد، حارب فيه البدع التي وقع فيها المسلمون، كما حارب الوثنية المتفشية، وحاول نشر الإسلام مكانها\"٤.\n_________\n١ انظر كتابنا: \"ماذا تعرف عن المهدية\"، الجزء الثالث.\n٢ انتشار الدعوة السلفية: الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص ٢٢٣، نقلًا عن الدكتور حسن أحمد محمود.\n٣ راجع بتوسع انتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب –تأليف محمد جمال جمعة ص١٠٣.\n٤ راجع كتاب حاضر العالم الإسلامي ٣/٢٣، وموسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ٦/٢٢٥-٢٢٩، والموسوعة العربية الميسرة ص١١٨٨، وكتاب الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في التاريخ ١/٢٠٧.","vol":"1","page":432},{"text":"يقول لوثروب ستودارد:\n\"أما في السودان فقد كان الداعية الوهابي هو الشيخ عثمان دانفوديو\"، أحد أفراد قبيلة الفولاني، وهي من قبائل الرعاة السودانية، فإنه بعد التقائه بالوهابيين في موسم الحج، وبعد اعتناقه للمبادئ الوهابية، عاد إلى بلاده، وأخذ يحارب البدع الشائعة بين عشيرته وقومه، ويعمل للقضاء على بقايا الوثنية، وعبادة الأموات، التي كانت لا تزال مختلطة بالعقيدة الإسلامية في نفوس السودانيين، ثم أخذ ينشر تعاليم الدين الإسلامي الصحيحة، ويذيع مبادئ ابن عبد الوهاب، فاستطاع أولًا أن يجمع قبيلته في وحدة متماسكة\"١، أما في الهند فقد كان لدعوة أحمد عرفان علاقة كبيرة ووثيقة بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حيث قام يدعو هناك إلى إحياء معالم الدين وتخليصه مما علق به من البدع والمحرمات، ورده إلى صفائه ونقائه، ودعوة المسلمين إلى عقيدة التوحيد، وإلى عزة الإيمان، وأخلاق الإسلام وآدابه، وألا يقبلوا الدنية في دينهم، وألا يرضوا بسلطان إلا سلطان الإسلام، وأن يكون الحكم اليوم صورة كاملة لما كان عليه الحكم في صدر الإسلام.\n_________\n١ المصدر السابق نفسه.","vol":"1","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>الفصل العاشر: دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب نبراس يقتدى بها</span>\n...\nدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب\nنبراس يقتدى بها\nومن خلال هذه الدعوة قامت حركات مقاومة عسكرية كثيرة في العالم الإسلامي، لمواجهة الاستعمار، وأبرز هذه الحركات حركة الأمير عبد القادر (١٨٣٠-١٨٤٦)، وحركة أحمد عرابي (١٨٨٢)، وثورة الهند ضد الإنجليز (١٨٥٢)، وحركة الشيخ شامل في القوقاز، وحركة الشيخ عبد الكريم الخطابي في المغرب (١٩٢٦)، ودعوة أحمد خان١ في الهند، وجمعيات الإصلاح في أرجاء أندونيسيا والبنغال وباكستان كل هذه الحركات كانت ببركة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، والتي بارك الله تعالى فيها، فامتدت لتمثل الطليعة الأولى ليقظة المسلمين بعد سبات عميق، وظهرت في أنحاء العالم الإسلامي حركات تستمد مفهومها وتستقي تعاليمها من الدعوة الإصلاحية التوحيدية الخالصة التي قام بها الإمام محمد بن عبد الوهاب ومن آزره.\nوهكذا على الرغم من وجود العوائق الكثيرة في وجه الدعوة الإسلامية المجددة، فقد قيض الله تعالى لها عوامل مهمة دفعت بها إلى سماء الانتشار في أقطار مختلفة ومتفرقة من العالم الإسلامي، وقد استطاع القائمون عليها بفضل الله تعالى ثم بفضل إخلاصهم العظيم، وعلمهم\n_________\n١ حج إلى مكة وتأثر بالدعوة الإسلامية الصحيحة، ثم عاد إلى البنجاب لينشرها بين الناس فكثر أتباعه، واستعمل القوة لمقاومة البدع، وقد جعله الله تعالى سببًا في نهضة المسلمين بالهند وباكستان.","vol":"1","page":434},{"text":"الصحيح، وإيمانهم العميق، وثباتهم على الحق أن ينتصروا على جميع الخصوم والمناوئين، فيحملوا أكثر المجافين على الاعتراف بقوة الحق، وسيطرة النور على الظلمات، وعلى هذا فإن واجب علماء الدعوة وأنصارها أن يستمروا في إعلان الحقائق التي كان الجهل بها سببًا لتشويه سمعة المسلمين الموحدين عن طريق أعداء الإسلام والمسلمين، ولا بأس أن نذكر ما قاله رئيس الوفد الأوروبي في الندوة العلمية التي عقدت في المملكة العربية السعودية ابتداء من ٢٢مارس ١٩٧٢ الموافق ٧ صفر ١٣٩٢.\nوكان الوفد الأوروبي مكونًا من وزير خارجية إيرلندا رئيس المجلس الأوروبي والرئيس السابق للجنة التشريعية الدولية، وعضوية أستاذ القانون بكلية بوايزانسون، ومدير المجلة الدولية لحقوق الإنسان، ومدير قسم حقوق الإنسان في المجلس الأوروبي، وأستاذ الدراسات المدنية الإسلامية المستشرق لادوست، ولفيف من رجال الفكر والقانون في أوربا.\nوفي نهاية الندوة العلمية وبعد أن شاهدوا واقع المجتمع الإسلامي في جزيرة العرب، بفضل الله ﷿، ودينه العظيم أعلن المستر ماك برايد رئيس الوفد تهنئته للدولة التي قامت على أساس الإسلام والتوحيد، وعلى ما حققته من مفاخر بفضل العقيدة الصحيحة ... إلى أن قال: \"وإنني بصفتي مسيحيًا أعلن هنا أن هذا البلد الإسلامي يعبد الله حقيقة.\nنورد هذه العبارة لأولئك الذين ما زال الحقد والحسد يغشي أبصارهم عن رؤية الحق، ولم يسلكوا مسلك المسلمين الموحدين، ويقتدوا بهدى رسول العالمين ﷺ، ولكن لله تعالى في خلقه شؤون.","vol":"1","page":435},{"text":"وقديمًا قال أبو الحسن التهامي:\nومن الرجال معالم ومجاهل ... ومن النجوم غوامض ودراري\nوالناس مشتبهون في إيرادهم ... وتباين الأقوام في الإصدار\nعمري لقد أوطأتهم العلى ... فعما ولم يقضوا على آثاري\nلو أبصروا بقلوبهم لتبصروا ... وعمى البصائر عن عمى الأبصار\nولا بد أن يأتي اليوم إن شاء الله الذي يرفع فيه جميع الحواجز التي وضعها المرجفون الجاهلون والكافرون الجاحدون لقمع انتشار الإسلام دين الهدى والحق، وسيعلم الناس أن شفاءهم من جميع أدوائهم لا يوجد إلا في الإسلام، وقيمه الأصيلة، وعقيدته الصافية، وشريعته العادلة. وما زالت الدنيا مفتوحة بقدر للعلماء العاملين، والدعاة المخلصين، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون","vol":"1","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>الباب الثاني والعشرون: وقفة مع أفكار المتصوفة</span>\n...\nوقفة مع أفكار المتصوفة١\nلقد قامت الدعوة إلى الله ﷿ نقية صافية، متمحصة عن سلامة العقيدة، وصفاء الطوية، والاقتداء بالسلف الصالح من القرون الثلاثة المفضلة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ومن تبعهم بإحسان. إلا أن المتصوفة الجهال الذين قامت بدعهم على التذوق، لا على النصوص الصحيحة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، نراهم قد تعلقوا بأوهام ما أنزل الله بها من سلطان، وقد أبدى المسلمون الصالحون استياءهم، وتمرغت وجوهم من هؤلاء الجهلة، ومكابرتهم، وسوء معتقدهم، وخروجهم عن ربقة الإسلام بما ينشرون من شركيات وضلالات ومنكرات، فلما لاحظوا استغراب الناس لها منذ زمن بعيد، ودهشتهم منها، قالوا: \"بأن علومهم علوم ذوقية، لا يكاد النظر يصل إليها إلا بذوق ووجدان، كالعلم بكيفية حلاوة السكر، لا يحصل بالوصف، فمن ذاقه عرفه٢، ولذلك استعملوا طريقة الكشف، والأحلام والخواطر في تفسير القرآن الكريم، محتجين بحديث يسندونه إلى رسول الله ﷺ جاء فيه: \"أن القرآن ما من آية إلا ولها ظاهر وباطن، وحد ومطلع، ولكل مرتبة من هذه المراتب رجال، ولكل طائفة من هذه الطوائف قطب، وعلى ذلك القطب يدور فلك ذلك الكشف٣، ولا نستغرب إذا علمنا أن المصادر التي يستقي منها المتصوفة الجهال\n_________\n١ انظر كتابنا: \"ماذا تعرف عن الصوفية\" الجزء الأول.\n٢ عوارف المعارف على هامش إحياء علوم الدين ١/٢٤٦.\n٣ روي هذا الحديث الموضوع ابن عربي في الفتوحات المكية ١/٢٤٢، وقال فيه: \"وقد أجمع أصحابنا أهل الكشف على صحته\" ... !","vol":"1","page":439},{"text":"هي علم الكلام١، والأفلاطونية٢، والزهد الأعجمي٣، والرهبنة النصرانية٤ تبين لنا فساد عقائدهم، وهي التي أخذ عنها الحلاج عقيدة الحلول، حيث يقول:\nوحلت روحك في روحي كما ... تمزج الخمرة بالماء الزلال\nفإذا مسك شيء مسني ... فإذا أنت أنا في كل حال٥\nوقد سموا أوهامهم إلهامًا وعلمًا إلهيًا، وغالوا في الرسول ﷺ، وظهرت منهم فيه عبارات خطيرة، وهو الذي حاطه الله ﷿ حياطة شديدة في سورة الإسراء٦، حتى لا يدع مجالًا لمتخابث في حبه، أو مغال ذي نزعة فارسية، حاقدة على الإسلام الصافي –أن يعبث في مقامه ﷺ ويربطه\n_________\n١ راجع كتاب اللمع للسراج، والتعرف للكلاباذي، والرسالة للقشيري.\n٢ صاحب فكرة الكشف والشهود –راجع كتاب- الإيضاح في الخبر المحض.\n٣ يظهر هذا من خلال طقوسهم، ورياضتهم، وأساليب مجاهداتهم، وضربهم للشيش.. الخ.\n٤ واعتقادها اللاهوتي والناسوتي، يقول الحلاج:\nسبحان من أظهر ناسوته ... سر سنا لاهوته الثاقب\nحتى بدا لخلقه في ... صورة الآكل والشارب\n٥ الطواسين ص ١٣٤.\n٦ أعني الآيات: ١١-٩٠-٩٣ من السورة ذاتها.","vol":"1","page":440},{"text":"بالدواوين الباطنية المزعومة١، التي كونت لها في عالمنا الإسلامي المغلوب على أمره جيوشًا من المجانين، والمجاذيب، والدراويش، الذي اصطنعوا لهم كرامات مزعومة، وأساطير خرافية استمع لها الزنادقة، وخطبوا بها على المنابر والمحافل تمجيدًا لأهلها، ودون أفكارها، وشنعوا على المسلمين الموحدين، وحملوا على العلماء الصالحين حملة قاسية، وشبهوهم بالفراعنة، حتى قال قائلهم: \"وما خلق الله أشق ولا أشد من علماء الرسول على أهل الله المختصين بخدمته العارفين به من طريق الوهب الإلهي، الذي منحهم أسراره في خلقه، وفهمهم معاني كتابه، وإشارات خطابه، فهم لهذه الطائفة مثل الفراعنة للرسل ... \"٢.\nويشكك أبو يزيد البسطامي في المصادر الشرعية لعلماء المسلمين فيقول: \"أخذتم علمكم ميتًا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، يقول أمثالنا حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون حدثنا فلان، وأين هو؟ قالوا: مات عن فلان، قال: وأين هو؟ قالوا: مات\"٣.\nوقد اعتمد المتصوفة الجهال طريق التأويل، ومصطلحات الشيعة مما يثبت الصلة الوثيقة بين المتصوفة والباطنية، ولقد سمعت \"هادي المدرسي\"٤ يؤكد هذا ويقول: \"إن جميع الطرق الصوفية على الإطلاق تنتسب إلى آل البيت؟\n_________\n١ انظر كتاب الإبريز ٢/٢.\n٢ راجع الفتوحات المكية ١/٣٦٣-٦٤-٦٥.\n٣ لمحات عن التصوف ص ٤٢.\n٤ هادي المدرسي: من علماء الشيعة، وهو لبناني الجنسية.","vol":"1","page":441},{"text":"وتأويلاتهم واضحة في كتبهم، ومن هنا فلا غرابة إذا حمل علماء الشرع الشريف على المتصوفة، واتهموهم بالحمق والجنون، أو بالكفر والإلحاد، ولم يتقولوا عليهم أو يفتروا، وإنما أدانوهم من أقوالهم، كهذه التي يقول بها ابن عربي أنه هضم ما درس من الفلسفة اليونانية، ومن أصول الديانة اليهودية، والديانة النصرانية، والديانة الإسلامية، ثم أحال ذلك إلى مزاج من الفكر الفلسفي الدقيق يعز على من رامه ويطول\"١ وعلى أثر ذلك كثر المرتزقة، والدجالون والمحتالون والمشعوذون، ونصبت فوق القبور القباب، وأقميت الأعياد، وكثر التكلم بالكرامات والأولياء.\nويقول عبد الوهاب الشعراني:\n\"إن سبب حضوري مولد أحمد البدوي كل سنة، أن شيخي العارف بالله تعالى محمد الشناوي ﵁ أحد أعيان بيته ﵀ قد كان أخذ علي العهد في القبة تجاه وجه سيدي أحمد ﵁ وسلمني إليه بيده، فخرجت اليد الشريفة من الضريح (!!) وقبضت على يدي، وقال: يا سيدي، يكون خاطرك عليه، واجعله تحت نظرك، فسمعت سيدي أحمد ﵁ من القبر. يقول: نعم.\nوأضاف: \"لما دخلت بزوجتي فاطمة، أم عبد الرحمن، وهي بكر مكثت خمسة شهور لم أقرب منها، فجاءني وأخذني وهي معي، وفرش لي فرشًا فوق ركن القبة التي على يسار الداخل، وطبخ لي حلوى، ودعا الأحياء والأموات (!!)\n_________\n١ التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق ١/٢٠١.","vol":"1","page":442},{"text":"إليه، وقال: أزل بكارتها هنا، فكان الأمر تلك الليلة، وتخلفت عن ميعاد حضوري للمولد سنة ثمان وأربعين وتسعمائة، وكان هناك بعض الأولياء فأخبرني أن سيدي أحمد ﵁ كان ذلك اليوم يكشف الستر عن الضريح ويقول: \"أبطأ عبد الوهاب ما جاء\"١، هكذا نحيت حقائق الإسلام وظهرت الخرافات، والبدع، وأخذت تتنامى في أرجاء العالم الإسلامي، وفي أطراف الجامع الأزهر باسم التصوف، وتحت حماية الطرق الصوفية التي لا أصل لها في الدين، ولا تدخل إلا في باب الشعوذة والعته آنًا، واللهو واللعب والإباحية آنًا آخر. وتحولت أنشطة الأزهر إلى رسوم شكلية جامدة باهتة في ذلك العصر، وغدت علومه مجرد محاكاة لسانيه، وصيغ وعبارات متوارثة لا علاقة لها بواضع الحياة التي رسمها الإسلام العظيم، وكانت الزوايا والتكايا الغاصة بالدراويش والمعتوهين مبعث اشمئزاز وكراهية المؤمنين الصالحين لتلك الأوضاع المخالفة لتعاليم الكتاب والسنة، وعقيدة التوحيد النقية التي راح يفهمها هؤلاء المتصوفة فهما بعيدًا عن دين الله ﷿، حتى قائل قائلهم في الرسالة القشيرية٢: من أجاب عن التوحيد بالعبارة فهو ملحد، ومن أشار إليه فهوى ثنوي، ومن أومأ إليه فهو عابد وثن، ومن نطق به فهو غافل، ومن سكت عنه فهو جاهل٣، ومن خلال دعوة الحب الإلهي،\n_________\n١ الطبقات الكبرى ١/١٦١-١٦٢.\n٢ نقلًا التصوف بين الحق والخلق ص ٥٤.\n٣ من المؤسف أن يصدر هؤلاء المبتدعة صحيفة شهرية، وهي أقرب إلى النشرة، وتحت اسم \"الإسلام وطن\"، تصدرها مشيخة ما يسمى بالطريقة العزمية، ويتصدر افتتاحيتها هذه العبارات: ابن عبد الوهاب مجدد فكر الخوارج للقرن الثاني عشر الهجري –ابن عبد الوهاب تشد إليه الرحال، ويقام له مولد سنوي، ويمنع ذلك بالنسبة لسيدنا رسول الله ﷺ فإلى هذا الحد وصل الافتراء والله المستعان –العدد (٣١) السنة الثالث ربيع أول ١٤١٠هـ القاهرة.","vol":"1","page":443},{"text":"بزعمهم راحوا يتغنون بالعشق ومغامراته، والخمرة وكؤوسها، وخرجوا على الناس بدعوى الحلول، ووحدة الوجود، وكان من أشهرهم في ذلك \"الحلاج\" الذي شرح عقيدته بقوله: \"من هذب نفسه في الطاعة، وصبر على اللذات والشهوات ارتقى إلى مقام المقربين، ثم لا يزال يصفو ويرتقي في درجات المصافاه حتى يصفو عن البشرية، فإذا لم يعد فيه من البشرية حظ حل فيه روح الإله الذي حل في عيسى ابن مريم، ولم يرد حينئذ شيئًا إلا كان كما أراد، وكان جميع فعله فعل الله تعالى١، أما داعية مذهب وحدة الوجود \"ابن الفارض\" فقد كان ينشد وهو على فراش الموت\nقوله:\nإن كان منزلتي في الحب عندكم ... ما قد رأيت فقد ضيعت أيامي٢\nأمنية ظفرت روحي بها زمنا ... واليوم أحسبها أضغاث أحلام\nفإنه كان يظن أنه هو الله، فلما حضرت ملائكة الله لقبض روحة تبين له بطلان ما كان يظنه٣.... أما دعواهم عن الحقيقة المحمدية فقد جاءوا بها لتشكيك المسلمين في أصول دينهم، ودعائمه الأساسية، وهي نظرية\n_________\n١ دائرة معارف القرن العشرين –مجلد ١/٣٥٤.\n٢ ديوان عمر بن الفارض ص١٠٥.\n٣ فتاوى ابن تيمية ١١/٢٤٧، ٢٤٨.","vol":"1","page":444},{"text":"مأخوذة عن النصرانية١ التي تقول: \"لولا عيسى لامتنعت الصلة بين الله وبين الوجود، وها نحن نرى الغلو الذي يقضي بأنه لولا محمد ما ظهر شمس ولا قمر، ولا نجوم، ولا أنهار ولا بحار ولا شجر ولا مدر ولا جبال، نراه في شعر \"ابن نباته المصري\"، حيث يقول:\nلولاه ما كان أرض ولا أفق ... ولا زمان ولا خلق ولا جيل\nولا مناسك فيها للهدى شهب ... ولا ديار بها للوحي تنزيل\nويقول البوصيري في البردة:\nوكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدنيا من العدم\nوقوله:\nولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذ الكريم تجلى باسم منتقم\nفإن من وجودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم\n_________\n١ التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق ١/٢٠١-٢٧٩.","vol":"1","page":445},{"text":"وقال غيره:\nلولاه ما خلقت شمس ولا قمر ... ولا نجوم ولا لوح ولا قلم\nوهكذا جعلوا محمدًا ﷺ أصل الوجود، وضربوا بكلام الله وسنة نبيه ﷺ عرض الحائط.\nومما يؤسف له أن لهم ولعًا بإمدادات الشياطين، وحيل فقراء الهنود، والخوارق التي يسمونها كرامات، وقد شاهدنا منها الكثير المضحك، ونحن مع إيماننا بكرامات الأولياء الصالحين ننكر هذه الشعوذة١ والحيل، وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: \"إذا رأيت أحدًا سار على الماء أو طار في السماء فلا تغتر به، حتى تزن عمله بميزان الكتاب والسنة\"٢، هذا هو الميزان الذي يجب على كل مسلم أن يزن نفسه وقوله وعمله به، فإن رجح وإلا فلا، لأن مداخل الشيطان كثيرة ومزالقه خطيرة، وهو يحاول جاهدًا زحزحة الإنسان عن الصراط المستقيم ليوقعه في الهلكة، وفي هذه المناسبة نسوق ما ذكره الإمام ابن تيمية ﵀ حكاية عن الشيخ عبد القادر الجيلاني ﵀ أنه قال: \"كنت مرة في العبادة، فرأيت عرشًا عظيمًا وعليه نور، فقال لي: يا عبد القادر أنا ربك، وقد حللت لك ما حرمت على غيرك، فقلت له: اخسأ يا عدو الله. فتمزق ذلك النور وصار ظلمة، وقال: يا عبد القادر نجوت مني بفقهك في دينك وعلمك ... لقد فتنت بهذه\n_________\n١ راجع الكرامة والخرافة في الفكر العربي –د. محمد سليم العواد.\n٢ التصوف بين الحق والخلق –محمد فهر الشفقة ص ١٠٥.","vol":"1","page":446},{"text":"القضية سبعين رجلًا. فقيل للجيلاني: كيف علمت أنه الشطان؟ قال بقوله لي: حللت لك ما حرمت على غيرك، وقد علمت أن شريعة محمد ﷺ لا تنسخ ولا تبدل١..\".\nوهذه الحقيقة لم يفهمها المتصوفة الجهال فراحوا يحملون المفاهيم الدخيلة المتمثلة كما قلنا في نظريات وحدة الوجود٢ والحلول٣ والاتحاد والفناء٤ والتناسخ والإشراق٥ لزلزلة مفهوم التوحيد الخالص عند المسلمين، وخلق جو من الشكوك والريب والاستسلام للجبرية، وبذلك يعزلون المسلمين عن إسلامهم خدمة لأعداء الإسلام من اليهود والنصارى واليونان والمجوس واليهود، وتحقيق رغبتهم في تحريف الإسلام وتدميره وإخراجه من حقيقته الأصلية انتصارًا للوثنيات التي هدمها القرآن الكريم، وكشف زيفها وأبرز فسادها، ولهذا كان المتصوفة الجهال يسيرون في ركاب أعداء الإسلام ويتعاونون معهم، ومن الأمور المشهورة عن احتلال فرنسا للقيروان في تونس أن رجلًا فرنسيًا\n_________\n١ قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص ٢٨.\n٢ هو مذهب هندي برهمي، ويعني تأليه المخلوقات واعتبار الكون هو الله تعالى، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وهذا المذهب الفلسفي يتعارض مع الإسلام جملة وتفصيلًا، ويمثله في المتصوفة: محيي الدين ابن عربي، وتلميذه ابن سبعين، وعمر بن الفارض.\n٣ ويزعمون أن الله يحل في الإنسان، وهي عقيدة نصرانية مارقة، ويمثلها الحلاج.\n٤ وهي فكرة هندوسية، والتناسخ وهو فكرة فيثاغورثية انتقلت إلى الشيعة، ومنهم إلى المتصوفة، يقول الدباغ في \"الإبريز\":إن روح الولي تقدر على أن تتصور بصورة غير صورته ص ٢٠٤.\n٥ الإشراق مذهب يوناني وثني ممزوج بالفلسفة الفارسية والمجوسية، وينسب إلى أفلاطون الذي يعبر عن الله بالنور، ويصف العالم بأنه أنوار مستمدة، وهو ما لم يقل به القرآن والرسول ﷺ. انظر كتابنا \"ماذا تعرف عن الاستشراق\"، الجزء الأول.","vol":"1","page":447},{"text":"دخل في الإسلام وسمى نفسه سيدي أحمد الهادي، واجتهد في تحصيل الشريعة حتى وصل إلى درجة عالية، وعين إماما لمسجد كبير في القيروان، فلما اقترب الجنود الفرنسيون من المدينة استعد أهلها للدفاع عنها، وجاءوا يسألونه أن يستشير لهم ضريح شيخ في المسجد يعتقدون فيه، فدخل سيدي أحمد الضريح ثم خرج مهولًا لهم بما سينالهم من المصائب، وقال لهم بأن الشيخ ينصحكم بالتسليم، لأن وقوع البلاد صار محتمًا، فاتبع القوم البسطاء قوله، ولم يدافعوا عن مدينة القيروان أقل دفاع، بل دخلها الفرنسيون آمنين في ٢٦ أكتوبر سنة ١٨٨١ ... \"١، ولا شك أن المتصوفة الجهال يعارضون مفاهيم الإسلام الصحيحة وسماحتها الربانية إلى مفهوم الوثنيات والنحل والتعقيدات الباطنية، وذلك من نشأتهم إلى يومنا هذا، فتراهم يرقصون ويترنحون عند القبور، وفي الزوايا، وينسجون الأكاذيب من أخيلتهم الفاسدة، وفاتهم أن دين الله ﷿ لم يعرف الطلاسم والألغاز، ودولة الإسلام قامت على الوضوح والصراحة، والعجب أشد العجب أن الدول الظالمة كلما شنت حملات الإبادة على المسلمين الصالحين تقرب المتصوفين والجهال وتحتفل معهم بأنصابهم الوثنية، والتاريخ القريب خير شاهد، فلما ضرب المسلمون في مصر نشطت الطرق الصوفية كالرفاعية٢ والقادية والنقشبندية والسعدية والبيومية والخلوتية والبراهامية والختمية والأحمدية والشعيبة والشاذلية\n_________\n١ التصوف في الإسلام د. عمر فروخ ص ١٠٩ نقلًا عن كتاب المسألة الشرقية –مصطفى كامل المصري.\n٢ الرفاعية: ينتسبون إلى أحمد الرفاعي المدفون في العراق، والرفاعيون كثير منهم من ينتسب إلى أحمد الرفاعي المدفون في مصر، ومنهم من ينتسب إلى أحمد الرفاعي المدفون في العراق في مقاطعة الرفاعية، وينسب إليها حفيده يوسف سيد هاشم الرفاعي، وله حلقات ذكر في مجلسه، وهو الذي رد على ابن منيع وابن باز.","vol":"1","page":448},{"text":"والعنانية والميرغنية والسمانية والغنيمية والتسقيانية، وشكلت الدولة المصرية مجلسًا أعلى للطرق الصوفية، وعينت له شيخ مشايخ١، وكان مقربًا لجمال عبد الناصر وخلفه السادات، أما في سوريا٢ فقد صار على قارعة كل طريق زاوية صوفية وخمارة نصرانية، وشيدت القباب في كل من مصر والشام في هذا العصر بالذات، وعادت الجاهلية من جديد تحمل الأفكار السامة وتعمل بأسلوبين:\n١- أسلوب المتصوفة الجهال، وتحريفهم لتشوية جمال الإسلام أمام العالم.\n٢- أسلوب الشيوعيين الذين يتخذون من سخافات المتصوفة ذريعة للتهجم على الإسلام وضرب القائمين عليه. وبخاصة وهم يشاهدون أفواج المعتوهين البلهاء يقفون بذل وخضوع أما المقبورين يطلبون منهم أشياء لا يقدر عليها إلا رب العالمين.\n_________\n١ تقول جريدة الأخبار المصرية في عددها ١١٢٥٩ بتاريخ ١٥/٦/١٩٨٨م مفوض الدولة: إلغاء قرار حظر نشاط الشيخ الفاسي بمصر –انتهى تقرير مفوض الدولة إلى إلغاء قرار حظر النشاط الصوفي للشيخ الفاسي في مصر، قال التقرير الذي قدمه للمحكمة المستشار محمد البهنساوي: أن القرار خالف القانون والعرف الصوفي، وكان المجلس الأعلى للطرق الصوفية بريئاسة الدكتور أبو الوفا التفتازاني قرر في ٧ يناير من العام الماضي حظر نشاط الشيخ عبد الله الفاسي في مصر وعدم الاعتراف به شيخًا للطريقة الفاسية الشاذلية، جاء بتقرير المفوض أن المجلس الصوفي أقحم نفسه في مسألة لا ولاية له فيها، وهي الخلاف القائم بين الشيخ عبد الله الفاسي للطريقة الفاسية الشاذلية باعتباره أكبر أبناء والده الشيخ الحقيقي للطريقة.\n٢ نكتفي بما قاله إمام المنحرفين وشيخ المنافقين أحمد كفتارو، وهو يتحدث به في كل مناسبة: \"أن تلاميذه يصافحون رسول الله ﷺ حقيقة، وليس منامًا، وإذا ما زار أحدهم المدينة المنورة دعاه الرسول ﷺ إلى حفل غداء أو عشاء يحضره كبار الصحابة والتابعين وأولياء الله. أما حديث التلاميذ عن شيخهم ففيه العجب العجاب ... ودروسه في مسجد الصالحية أكبر شاهد.","vol":"1","page":449},{"text":"يقول الكاتب الأميريكي استودارد: stoddard:\nأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء، فألبسوا الوحدانية التي عملها صاحب الرسالة سخفًا من الخرافات، وقشورًا من الصوفية، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عدد الأدعياء الجهلاء، وطوائف الفقراء والمساكين، يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، ويوهمون الناس بالباطل ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور.\nوغابت عن الناس فضائل القرآن، فصار يشرب الخمر والأفيون في كل مكان، وانتشرت الرذائل وهتك ستر المحرمات على غير خشية ولا استحياء، إلى أن قال: فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر، ورأى من كان يدعي الإسلام لغضب، وأطلق اللعنة على من استحقها من المسلمين كما يلعن المرتدون عبدة الأوثان.\nأما في اليمن: فهناك قبور ينسبونها إلى الأولياء، ويحجون إليها، مثل قبر الحاوي والبرعي، وابن علوان والأهدل وغيرهم.\nوفي العراق: أمرّ وأدهى، حيث تجد الشرك عند القبور: الإمام أبي حنيفة، والكرخي وعتبات كربلاء (؟) والقبر المزعوم لعلي بن أبي طالب ﵁ فتراهم يتوجهون إليهم بالعبادة والدعاء والذبح والاستغاثة، وطلب الحاجات ولطم الخدود وشق الجيوب.\nتقول جريد السياسة الكويتية في عددها (٦٧١٤) ١٩ شعبان ١٤٠٧هـ بمناسية اليوم الخامس عشر من شعبان، الذي هو يوم النسخة، حيث يحتفل","vol":"1","page":450},{"text":"بضريح مولاي عبد السلام بن مشيش، رأس الصوفية، وشيخ الإمام الشاذلي، الذي تنتشر طريقته من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق، حيث تقام حفلات دينية تستمر ثلاثة أيام، يقصد المغاربة خلالها الضريخ من كافة البلاد، ويرتلون القرآن الكريم والصلاة المشيشية المشهورة، وبهذه المناسبة كلف الملك الحسن الثاني كعادته في كل سنة، وفدًا مكونًا من مستشاره الأستاذ أحمد بن سودة وزير الدولة مولاي أحمد العلوي.\nولا يوجد بلد في عالمنا الإسلامي إلا وتشاهد فيه الأوثان السياسية والأصنام البشرية، والأنصاب الوثنية، والهياكل الجاهلية، وترى سدنتها من الزنادقة والمشعوذين يزينون للدهماء من الناس عبادتها ويبتزون عن طريقها أموالهم، حتى وصف الشاعر المصري حافظ إبراهيم الواقع المرير بأبيات من الشعر، قال فيها:\nأحياؤنا لا يرزقون بدرهم ... وبألف ألف ترزق الأموات\nمن لي بحظ النائمين بحفرة ... قامت على أحجارها الصلوات\nيسعى الأنام لها ويجري حولها ... بحر النذور وتقرأ الآيات\nويقال هذا القطب باب المصطفى ... ووسيلة تقضي بها الحاجات","vol":"1","page":451},{"text":"ونراه يتوجه من الحالة التي وصل إليها الناس في البدع والشركيات، فيقول:\nإمام الهدى إني أرى القوم أبدعوا ... لهم بدعًا عنها الشريعة تعزف\nرأوا في قبور الميتين حياتهم ... فقاموا إلى تلك القبور وطوفوا\nوباتوا عليها جاثمين كأنهم ... على صنم للجاهلية عكف١\n_________\n١ ديوان حافظ إبراهيم –دار العودة بيروت ١/٣١٨.","vol":"1","page":452},{"text":"ولو أردنا أن نسرد حديث الأغاليط وترهات المتصوفة الجهال لأحوجنا ذلك إلى مجلدات، ولكننا نختم هذه النبذة بقصة أوردها الشيخ محمد جميل زينو١ يوم كان نقشبنديًا في مدينة حلب، فيقول: \"كنت شابًا صغيرًا، وآتي شيخ الطريقة النقشبندية الصوفية في المسجد. فأمر أحد المشايخ الحاضرين أن يعطيني ورد الطريقة النقشبندية، فأعاطني بعض الأوراد في الصباح والمساء، وكنت أحضر مع خالي حلقة الذكر التي يسمونها \"ختمًا\"، وكان قريبي يطلب مني قراءة عشر من القرآن الكريم في آخر الختم، لأنني أحفظ القرآن غيبًا، وكان الذكر في الحلقة خفيًا، وكان واحد من الجالسين يعيطه مدير الختم حصيات صغيره يقرأ بعددها تسبيحات أو شيئًا من القرآن الكريم، وكنت ألاحظ في الختم ما يلي:\n١- كنت أسمع آخر الذكر رجلًا يقول: \"الرابطة الشريفة، وسرعان ما تنطق الأصوات العالية من بعض الجالسين: هو. هو\" وتهتز الأجسام، ويحصل البكاء، فسألت عن معنى كلمة \"الرابطة الشريفة\" فقالوا لي: أن تتصور صورة\n_________\n١ هو الشيخ الفاضل محمد جميل زينو، سوري المولد، مدرس في التوحيد في الحرم المكي، مدرسة التوحيد، وله مؤلفات منها:\n١- توجيهات إسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع.\n٢- أركان الإسلام والإيمان.\n٣- منهاج الفرقة الناجية والطائفة المنصورة.\n٤- العقيدة الإسلامية من الكتاب والسنة الصحيحة.\n٥- قطوف من الشمائل المحمدية، والأخلاق النبوية، والآداب الإسلامية.\n٦- حكم الإسلام في التدخين.\n٧- تنبيهات على مؤلفات محمد علي الصابوني.\nوهو من دعائم الدعوة الصحيحة، يدافع عنها بلسانه وقلمه، أطال الله عمره \"المؤلف\".","vol":"1","page":453},{"text":"الشيخ أمامك وقت الذكر، لذلك تجدهم لا يخشعون عند التسبيح وتلاوة القرآن بل يخشعون عند ذكر الشيخ، فيبدأ الصراخ والبكاء.\n٢- سألت قريبي مرة عن الوسائل التي تجلب للمصلي الخشوع وتطرد الوساوس، فقال لي: تصور الشيخ في صلاتك، فقلت له: كيف أتصور الشيخ في الصلاة؟ فهل أنا أصلي للشيخ؟ أم أصلي لله؟\n٣- ورد في الحديث الصحيح قوله ﷺ: \"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك\"، روها مسلم. فهذه المرتبة الكبيرة أن تعبد الله كأنك تنظر إليه. ولما كان الله لا يمكن لأحد أن يراه في الدنيا، فقال ﷺ: \"اعبد الله وصل له وأنت تعتقد أنه يراك\"، هذه مرتبة الإحسان التي هي مراقبة الله ﷿ أعطاها -المتصوفة الجهال- لمشايخهم، فبدلًا من أن يراقبوا الله الذي يراهم راحوا يراقبون شيخهم بدلًا من الله تعالى، وهذا هو الشرك والضلال.\n٤- تعرفت على شاب موحد كان متصوفًا فحكى لي سبب تركه للتصوف قائلًا: بعد أن أعطانا وكيل الشيخ أوراد الطريقة وانصرفنا وإذا به ينادينا جميعًا فيقول لنا: نسيت أن أقول لكم: عليكم أن تتصوروا الشيخ عند قراءتكم الورد في الذكر، فلما سمع الشاب هذا الكلام ترك الصوفية، وأصبح موحدًا –على منهج السلف الصالح.\nإن طريقة هذا الشاب ليست طريقتي التي اتخذتها على الشيخ الذي رآني في المسجد، ولكن طرق التصوف رغم كثرة عددها واختلافها فإنها متفقة على تصور الشيخ أثناء الذكر.\n٥- دعاني قريبي إلى حفل مولد في بيته، فلما دخلت الدار سمعت الحاضرين","vol":"1","page":454},{"text":"ينشدون:\nدلوني بالله دلوني ... على الشيخ النصر دلوني\nيبري العليل ... ويشفي المجنون\nوقفت على الباب وقلت لقريبي هل يستطيع شيخكم أن يشفي المريض والمجنون؟ فقال لي: نعم بإذن الله. فقلت له: ولماذا تقولون بإذن الله كما قال عيسى ﵇، وهي معجزة له ذكرها الله في القرآن، ولا يستطيع أحد أن يفعلها مثله؟ ثم رجعت ولم أدخل إلى البيت يعلن فيه الشرك جهارًا، لأن إبراهيم ﵇ حكى عن عقيدته في القرآن، فقال على لسانه: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أكدت الجملة بالضمير المنفصل، فهو ليعلم المسلم أن الشافي هو الله وحده لا غير.\n٦- زرت قريبي في أيام العيد، فرأيت صورة شيخه معلقة فوق جدار القبلة، وقلت له: \"نهى رسول الله ﷺ عن الصور في البيت، ونهى الرجل أن يصنع ذلك\"١، وكيف تجوز صلاتك وصورة شيخك أمامك؟ فهل تصلي لله؟ أم تصلي للشيخ؟ فلم يقتنع، وبعد جدال طويل طلبت منه أن يحول صورة شيخه من جدار القبلة إلى جدار آخر فرفض لاعتقاده أنه يستمد من صورة شيخه الذي أمامه الخشوع.\n_________\n١ رواه الترمذي وقال حسن صحيح.","vol":"1","page":455},{"text":"٧- ثم أتى عيد آخر: فترددت في زيارته وهو من الأرحام، فقلت أذهب إليه لنصحه حتى لا أكون آثمًا عند الله بزيارته، فجلست أنظر إلى الصورة كي أنزعها من جدار القبلة، فقلت لولدي الشاب هل تستطيع رفعها من الجدار فلم يفعل، ثم أمسكتها بيدي وألقيتها خلف الطاولة، وقلت لولده: يا أحمد أنت شاب مثقف متخرج من كلية الشريعة خذ الصورة وأخفها ولا تعلقها امتثالًا لأمر رسول الله ﷺ، فوعدني بذلك ولم يعلقها.\n٨- كان قريبي يستيقظ كل يوم قبل الفجر ليذكر الله عدة آلاف، وصورة الشيخ وشعره في جيبه يستمد منه المدد والخشوع.\n٩- لقد جالست المتصوفة –وحضرت أذكارهم، وتعرفت على طرقهم المختلفة فلم أر طريقة تسير وفق منهاج الإسلام الصحيح، فقصائدهم وأناشيدهم في الزوايا والمساجد لا تخلو من دعاء غير الله تعالى، وهو سبب بلاء الشعوب في الدنيا وخلودهم في العذاب يوم القيامة، فقد سمعت أحد الصوفية ينشد في حلقة ذكر في المسجد قائلًا:\n\"رجال الغيب، المدد ساعدونا، أنقذونا، انصرونا\". فقلت بعد انتهاء الذكر لشيخهم. كيف تسموا هذا ذكرًا وهذا المنشد لم يذكر الله جل وعلا ولم يدعه، بل سأل غيره من رجال الغيب، ومن هم رجال الغيب؟؟ أهؤلاء الذي يزعمون علم الغيب وقد ماتوا وانقرضوا، ثم يسألهم النصر على الأعداء؟ القرآن يقول لمثل هؤلاء: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ (فاطر: ١٤) .\n١٠- كنت أحضر دروس شيخ مسجد قريب لي، وكان هذا الشيخ عالمًا بالتفسير واللغة العربية والبلاغة، واستفدت من دروسه، وكنت أشترك معه في","vol":"1","page":456},{"text":"تأليف كتب صغيرة لطلاب المدارس، وأغلبها توزع مجانًا على نفقة أهل الخير، كنت أقرأ عليه حديث ابن عباس: \"إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله\".\nوشرح النووي له وتأكيده على دعاء الله وحده لا شريك له –في الشفاء والرزق والهداية، ولكن الشيخ لم يعجبه هذا التفسير، وذهبت أناقشه بأن هذا الحديث الصحيح صريح في طلب الاستعانة بالله، فقال لي: إن عمتي تقول الشيخ سعد ولي مدفون في مسجده على زعمهم، فأقول لها: يا عمتي هل ينفعك الشيخ سعد؟ فتقول له: يتدخل على الله فيستعين. فقلت له: عجبًا لك أيها الشيخ، أنت رجل عالم تدرس الطلاب، وتقرأ الكتب الكبيرة، ثم تأخذ عقيدتك من عمتك الجاهلة الأمية!! فقال لي: أنت عندك أفكار وهابية، ثم تركني وتركته، وبدأت أقرأ كتب الموحدين مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من الذين ينكرون دعاء غير الله ﷿ ويعتبرونه شركًا.\nلقد بدأت أشعر بلذة التوحيد ومرارة الشرك، وأدعو غيري من المسلمين أن يكونوا على عقيدة التوحيد التي دعا إليه قرآننا العظيم ورسولنا الكريم ﷺ.\nوهكذا اطلعنا في هذه العجالة على جناية الزوايا، ونسأل الله أن يجعلنا من المسلمين الموحدين، أتباع سيد المرسلين، محمد ﵌، وأن يهدي ضلال المسلمين، إنه سميع مجيب.","vol":"1","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>الباب الثالث والعشرون: الإمام محمد بن عبد الوهاب وثناء علماء ومفكري الشرق والغرب عليه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>الفصل الأول: ثناء علماء ومفكري الشرق</span>\n...\nالإمام محمد بن عبد الوهاب وثناء علماء ومفكري الشرق والغرب عليه\nالإمام محمد بن عبد الوهاب وثناء علماء ومفكري الشرق\n١- قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀:\n\"لم يخل قرن من القرون التي كثرت فيها البدع من علماء ربانيين، يجددون لهذه الأمة أمر دينها بالدعوة والتعليم وحسن القدرة، وعدول ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. كما ورد في الأحاديث. ولقد كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب \"النجدي\"، من هؤلاء العدول المجددين، قام يدعو إلى تجريد التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، بما شرعه في كتابه وعلى لسان رسوله خاتم النبيين ﷺ، وترك البدع والمعاصي، وإقامة شعائر الإسلام المتروكة وتعظيم حرماته المنتهكة، فهبت لمناهضته واضطهاده القوى الثلاث: قوة الدولة والحكام، وقوة أنصارها من علماء النفاق، وقوة العوام الطغام. وكان أقوى أسلحتهم في الرد عليه، أنه خالف جمهور المسلمين.\nمن هؤلاء المسلمون الذين خالفهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب في دعوته؟\nهم أعراب في البوادي، شر من أهل الجاهلية، يعيشون بالسلب والنهب، ويستحلون قتل المسلم وغيره لأجل الكسب، ويتحاكمون إلى طواغيتهم في كل أمر، ويجحدون كثيرًا من أمور الإسلام المجمع عليها، والتي لا يسع مسلمًا جهلها١.\n_________\n١ انظر: التعريف بكتاب صيانة الإنسان من وسوسة دحلان.","vol":"1","page":460},{"text":"٢- محمد كرد علي:\nوما ابن عبد الوهاب إلا داعية، هدى الناس من الضلال وساقهم إلى الدين السمح، وإذا بدت شدة من بعضهم، فهي ناشئة من نشأة البادية، وقلما رأينا شعبًا من أهل الإسلام يغلب عليه التدين والصدق والإخلاص، مثل هؤلاء القوم، وقد اختبرنا عامتهم وخاصتهم، سنين طويلة، فلم نرهم حادوا عن الإسلام قيد أنملة، وما يتهمهم به أعداؤهم، فزور لا أصل له١.\n٣- عباس محمود العقاد:\nوظاهر من سيرة محمد بن عبد الوهاب أنه لقى في رسالته عنتًا، فاشتد كما يشتد من يدعو غير سميع، ومن العنت إطباق الناس على الجهل والتوسل بما لا يضر ولا ينفع، والتماس المصالح بغير أسبابها، وإتيان المسالك من غير أبوابها، وقد عبر على البادية زمان يتكلمون فيه على التعاويذ والتمائم وأضاليل المشعوذين والمنجمين، ويدعون السعي من وجوهه توسلًا بأباطيل السحرة والدجالين حتى في الاستسقاء ودفع الوباء، فكان حقًا على الدعاة أن يصرفوهم عن هذه الجهالة، وكان من أثر الدعوة الوهابية صرفهم عن ألوان البدع والخرافات٢.\n٤- أحمد بن عبد الغفور عطار، (﵀):\nرأى ابن عبد الوهاب ما حل بالمسلمين، ورأى ما بنجد من الشرك والوثنية، ولم تكن نجد خالية من العلماء، بل كان فيها منهم عدد غير قليل في مدنها وقراها،\n_________\n١ انظر الكتاب: القديم والحديث.\n٢ انظر كتاب الإسلام في القرن العشرين: تأليف عباس محمود العقاد.","vol":"1","page":461},{"text":"ولكنهم كانوا ضعفاء، ومنهم من لم يفضلوا العامة في معتقداتهم الخرافية، ومنهم من كان على بصيرة من أمرهم، ولكنهم لم يكونوا شجعانًا ودعاة، بل كانوا وعاظًا محدودي الأثر، ولكن ابن عبد الوهاب لم يكن مثلهم، فقد كان عالمًا حقًا، وكان سلفيًا صادقًا في عقيدته ومنهجه، وكان شجاعًا وداعية، ولكن العلماء ليسوا ورثة الأنبياء في العلم وحده، ولكن ميراث النبيين يتجلى في القيام بأعباء الدعوة والتبشير برسالاتهم، واستقبال الأذى بعناد وإصرار في سبيل هداية البشر١.\n_________\n١ انظر كتاب أثر الدعوة الوهابية في العالم الإسلامي: أحمد عبد الغفور عطار.","vol":"1","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>الفصل الثاني: ثناء علماء ومفكري الغرب</span>\n...\nالإمام محمد بن عبد الوهاب وثناء علماء ومفكري الغرب\n١- قال المستشرق جولد سيهر:\nإذا أردنا البحث في علاقة الإسلام السني بالحركة الوهابية نجد أنه مما يسترعي انتباهنا خاصة من وجهة النظر الخاصة بالتاريخ الديني الحقيقة الآتية:\nيجب على من ينصب نفسه للحكم على الحوادث الإسلامية أن يعتبر الوهابيين أنصارًا للديانة الإسلامية على الصورة التي وضعها النبي والصحابة، فغاية الوهابية هي إعادة الإسلام كما كان١.\n٢- قال المستشرق سيديو في سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب:\nفرأى الشيخ أنه إذا ما حمل المسلمين على مراعاة أحكام القرآن بأحكام رجعت إليهم تلك الحماسة التي تعود بها عظمة الماضي، ولم يكن للشيخ هدف من الإصلاح الذي بدأه سوى إعادة شريعة الرسول الخاصة إلى سابق عهدها ... ا. هـ.\n٣- ويسرد في كتابه \"العربية السعودية في القرن التاسع عشر ما ملخصه\":\nنحن لا نعرف إن كانت الوهابية تستطيع مواجهة عصر الذرة والفضاء، ولكن أحد لا ينكر قيمتها، وأثرها في الفكر الإسلامي الحديث.\n_________\n١ انظر العقيدة والشريعة: تأليف المستشرق جولد سيهر.","vol":"1","page":463},{"text":"إن الوهابية كانت في الحقيقة نعمة على المسلمين بمساهمتها الواسعة في تنبيه المسلمين إلى مظاهر الوثنية وتحذيرهم منها، ولا شك أنها حققت فكرة ابن خلدون القائل: \"أن العرب البدو يستطيعون أن يؤلفوا قوة لها شأن متى انقادوا إلى الدين\".\n٤- قالت دائرة المعارف البريطانية:\nالحركة الوهابية اسم لحركة التطهير في الإسلام، والوهابيون يتبعون تعاليم الرسول وحده، ويهملون كل ما سواها، وأعداء الوهابية هم أعداء الإسلام الصحيح.\n٥- قال المستشرق لوتروب ستوداره في كتابه \"العرب\":\nبلغ العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري أعظم مبلغ من التضعضع الثقافي، ومن الانحطاط. فأربد جوه، وطبقت الظلمة كل صقع كم أصقاعه، وجاء من أرجائه، وانتشر فيه فساد الأخلاق والآداب، وساد الجهل، وانطفأت قبسات العلم الضئيلة، وانقلبت الحكومات الإسلامية إلى مطايا استبداد وفوضى واغتيال.\nأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء. فألبست الوحدانية التي حملها صاحب الرسالة ﷺ سحيقًا من الخرافات، وقشورًا من الصوفية.\n٦- قال المستشرق الأسباني \"أرمانو\":\nإن كل ما ألصق بالوهابية من سفاسف وأكاذيب لا صحة له على الإطلاق.\nفالوهابيون قوم يريدون الرجوع بالإسلام إلى عصر صحابة محمد ﷺ وإنما ينقصهم للوصول إلى أهدافهم المقدسة رجال متنورون مثقفون، وهم ويا للأسف قلائل في هذه الديار١.\n_________\n١ انظر كتاب بين الديانات والحضارات ص ١٤٢.","vol":"1","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>الباب الرابع والعشرون: الدعوة إلى الإسلام والحياة الطيبة في الدنيا ولأخرة</span>\n...\nالدعوة إلى الإسلام ولحياة\nالطيبة في الدنيا والآخرة\nإن الإسلام هو الدين الأزلي الجامع الذي تواترت رسالات الأنبياء على إظهاره، فكانوا دعاة دين واحد. وشرائع متعددة تعاقبت، فكان لكل قوم هاد، ولكن قوم شرعه ومنهاج حتى ختم الله ﵎ بالرسالة المحمدية المصدقة لدعوات الأنبياء الأولين، ﵈. هذه الرسالة السمحة تخاطب الناس كافة، وهي صالحة لكل زمان ومكان، رسالة جمعت فأوعت، واتسعت فأرشدت كل جنبات الحياة، إن نشرها والدعوة إليها واجب على أبناء الإسلام، حتى يخرج الناس من الظلمات إلى النور وينعموا بمنهج الله تعالى الذي ينظم الحياة ويوجهها ويصونها ويأخذ الناس بحكم رب الناس ملك الناس إله الناس، كي يوفر لهم الحياة الطيبة المبنية على قاعدة الإيمان الخالص، والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل:٩٧)، ولا يمكن أن يكون عمل صالح إلا بإيمان خالص، وبغير القاعدة التوحيدية الصحيحة، لا يمكن أن يقوم بناء إسلامي سليم، لذلك لا بد من حمل لواء الدعوة الإسلامية الصحيحة، وعلى جميع المسلمين أن يستشعروا عبوديتهم لله وحده لا شريك له، فينسوا أنفسهم في سبيله، ويتذكروا أخوتهم الإسلامية التي جمعت المهاجرين والأنصار، ووحدت قلوب المسلمين الأولين بعروة الله الوثقى، وهي: القرآن الكريم الذي عصمه الله من التحريف والتزييف، وجعله مصدقًا لما بين يديه من الكتب الإلهية ومهيمنًا عليها، وخاتمًا لها، هذا الكتاب الفاصل بين الحق والباطل، وبين المعروف والمنكر وبين الأثرة والأنانية.","vol":"1","page":467},{"text":"جاء الوعد الحق بأن الباطل زهوق، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين، وفيه تبيان الصراط المستقيم والشعائر الإلهية التي تدعو الفرد للفضيلة، وتوجهه نحو الحياة التي تقوم على العدالة والإخاء.\nفالصلاة:\nتجديد للصلة بالله ﷿، وترسيخ لمعاني الالتزام بالحق، ونهي عن الفحشاء والمنكر.\nوالصوم: زيادة على ما فيه من أسرار، تحمل للصبر على الشدائد، والمشاق، وتطويع للرغبات والشهوات.\nوالزكاة:\nعبادة مالية توظف الأموال الوثروات في سبيل التكافل الذي أمر به الإسلام، ومشاركة المعسري في ثروة الميسور، بجزء معلوم للسائل والمحروم.\nوالحج:\nعبادة كبرى تجمع بين المادة والروح احتفاء بتوحيد الله ﷿، ورمزًا لوحدة أمة الإسلام، والتقائهم حول رب واحد، ودين واحد وقبلة واحدة.\nوالإسلام الصحيح وحده هو القادر على رفع الإنسان إلى القمة الشاهقة بغرس التوحيد الخالص والإيمان الصادق في قلبه، ليتمكن من تأدية واجب الأمانة التي كلفه الله تعالى به بلا وساطة ولا وسيط.","vol":"1","page":468},{"text":"ومن هنا كان لهداية الإسلام أسلوب قويم، وأن مفتاح الإصلاح في الإسلام هو التوحيد، فالدعوة الإسلامية تبدأ بغرس الإيمان في قلب الإنسان، وتجعل المؤمنين مراقبين لله ﷿، في أقوالهم وأفعالهم وحركاتهم وسكناتهم، وهؤلاء الأفراد الذي تزودوا بصحوة التوحيد والعقيدة هم اللبنات التي تعمر الحياة، وتنظم المجتمع، فتجربة الإنسان عبر التاريخ الإسلامي للأهواء والبدع قد باءت بالفشل، سواء كانت صوفية أو عقلانية١، بعيدة عن الكتاب والسنة.\nوما على أبناء الإسلام وخصوصًا بعد أن مرت الأمة بتجارب مريرة -إلا أن يكرسوا جهودهم من أجل العودة بالمسليمن إلى الإسلام الصحيح، والسير خلف العلماء الصالحين القادرين على قيادة الناس بالكتاب والسنة بما وهبهم الله تعالى من قوة روحية ومعنوية، هؤلاء العلماء الملتزمون قولًا وعملًا بمبادئ الإسلام- يعتبرون مسؤولين مسؤولية كاملة أمام الله ﷿ والأمة جميعًا، عن تبصير الناس بدين الحق، وتحت قيادتهم، يمكن للمسلمين في أنحاء الأرض أن يقيموا المجتمع الإسلامي المتحد القادر على تطيبق رسالة الله الشاملة، والقضاء على كل نظام لا تتفق أسسه مع مضمون \"لا إله إلا الله محمد رسول الله\"، وشريعتها الإسلامية التي يجب على كل دولة إسلامية تطبيق مبادئها، وجعلها منارًا يهتدي بنوره الحاكم والمحكوم على السواء، في المجال التربوي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، والعسكري، واتخاذ الخطوات العملية لتضامن المسلمين، وإزالة التناقضات بينهم، تحقيقًا لقوله تعالى:\n_________\n١ يقصد بها القوانين والأنظمة الغريبة عن الإسلام وأحكام الشريعة الغراء التي تم فرضها على الأمة في زمن الهزيمة والضعف مثل القانون الفرنسي والسويسري وما يسمى بالاشتراكية. راجع كتابنا \"المسلمون بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية\" للمؤلف.","vol":"1","page":469},{"text":"﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون:٥٢) .\nولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فأولها صلح بالاعتماد في شؤونهم كلها على الكتاب والسنة، وعلينا نحن إذا أردنا حياة العزة الإسلامية سابغة، أن نتعاون على البر والتقوى فيما بيننا، ونجتمع على تعاليم ربنا، وهدى نبينا ﷺ، ونتحاب في الله ﷿، ونرجع عند الاختلاف إلى الله والرسول، تنفيذًا لقوله ﷿:\n﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: ٥٩) .\nوحينئذ تمتد أمواج الحق لتبدد ظلام الباطل، فينبلج نور الفجر معلنًا عن يوم جديد تشرق فيه أشعة الإسلام، لتكشف زيف جيوش الظلام، ويهتف هادي التوحيد \"شعارنا الوحيد: إلى الإسلام من جديد\"، فتجدد الآمال وتمتلئ المساجد بالركع السجود كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساء، مثلما كانت عليه أيام رسول الله ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم، وتعج قاعات المحاضرات في الجامعات والمدارس والجمعيات بمن يستمع الذكر والحكمة بآذان صاغية، وقلوب واعية متيقنًا بأن المستقبل للإسلام، وأن دولة الخلافة على منهاج النبوة لا بد آتية لا ريب فيها، وترتفع الهامات والرؤوس وتتطهر النفوس مستعلية بالإيمان على الدنيا، وأصحابها وعلى الباطل وأعوانه، وتنحني رؤوس الموحدين لله رب العالمين إيذانًا بأن جيلًا قرآنيًا سلفيًا صالحًا قد ولد من جديد بعاطفة إيمانية تأبى إلا أن تفرض نفسها، ً وتبرز وجودها، وتبرهن على حياتها وحيويتها، لأنها ليس من صنع البشر، ولكنها من صنع الله ﷿، الذي ألف بها بين عباده الصالحين:","vol":"1","page":470},{"text":"﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: ٦٩) .\nوبهذه الوحدة الإيمانية لن تغلب هذه الأمة، ولم تقهر، ولن تهتز حتى ولو تألبت عليها الأمم، واجتمع عليها أهل الأرض جميعًا، وقد حقق الله تعالى لهذه الأمة في ماضيها المجيد، وسيحقق لها في مستقبلها السعيد شريطة أن يرفض كل مسلم كل مظاهر الجاهلية، وجميع أشكال العقائد الأرضية، والنظم البشرية في سائر مناحي الحياة، ويعتقد أنه لا خلاص إلا بالانخراط تحت لواء التوحيد، وتسليم الأمة وجهها لله ﷿ امتثالًا لأمره.\n﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (البقرة: ٢٠٨) .\nعند ذلك تقوم دولة الإسلام العالمية وتعلو كلمة الله ﷿، فتغشى وجوه المنافقين والمشركين قترة سوداء، لأنهم ربطوا مصيرهم بغير الإسلام، وأعطوا ولاءهم لغير الله، وسلموا قيادهم لأعوان \"ماركس، ولينين وسارتر وفرويد\"، ومن دعاء الإلحاد والإباحية، ولدعاة المهاترات والسخافات، والقيل والقال من الشيوعيين واليساريين والقوميين والعلمانيين، وعند ذلك تكون الساحة للإسلام وأبنائه، تملؤها أفواج العابدين المخلصين، وجموع المزكين المجاهدين، وأحفاد \"أبي بكر\" و\"عمر\" و\"عثمان\" و\"علي\"، ولا يبقى للباطل وجود بيننا بارتفاع صوت الحق مدويًا:\n﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء:٨١) .\nوتولي أذناب الصليبية والإباحية الأدبار من عمالنا الإسلامي: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ. فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ (المدثر:٥١)، وتضيق بهم الأرض بما رحبت، وتلفظهم","vol":"1","page":471},{"text":"البشرية جزاء عبثهم بها قرونًا كثيرة، فلا يجديهم شرق ولا غرب، وتلعنهم الجن والإنس بما نقضوا من عهود الله تعالى ومواثيقه، عند ذلك تتفجر شرايين اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين غيظًا على ما يعاينونه من عزة الإسلام وقوة أتباعه، وخذلان الباطل، وتنكيس أعلامه خاصة وهم يشاهدون راية التوحيد والإيمان ترفرف فوق \"رومية\" عاصمة أهل الصلبان، والتي هي اليوم مقرًا لباب الفاتيكان، وتأمل معي هذا الأثر الصحيح: عن أبي قبيل: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص وسئل أي المدينتين تفتح أولًا القسطنيطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتابًا، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب إذ سئل رسول الله ﷺ أي المدينتين تفتح أولًا أقسطنطينية أم رومية؟ فقال رسول الله ﷺ: مدينة هرقل تفتح أولًا يعني القسطنطينية١.\nوستكون رايات الجهاد ضد المشركين والكفرة وأصحاب البدع ترفرف في أنحاء العالم الإسلامي.\nوستكون دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ناصعة مهما عبث العابثون والمضللون والخرافيون وأذنابهم، وقد خيب الله أمل كبير القساوسة المجرم \"الزويمر\" الذي يقول وهو يتبجح: \"لقد انتهت هذه الحركة كاملة، ولقد ثبت الآن أن وجودها السياسي كان مجرد تمثيلية رائعة\"٢، ولكن الله غالب على أمره،\n_________\n١ أخرجه أحمد وصححه الحاكم ووثق الذهبي.\n٢ انظر: الجزيرة العربية مهد الإسلام –تأليف زويمر ص ١٩١.\nويعلق سانت جون فلبي في كتابه الجزيرة العربية ص ١٦٠: والعجيب أن هذا التعليق ما زال باقيًا –رغم أنه قيل بمناسبة تدمير الدرعية- في طبعة ١٩٠٢ لكتاب زويمر مع أنها السنة التي استرد فيها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الرياض.","vol":"1","page":472},{"text":"فهذه المملكة العربية السعودية وترى السلفية قائمة دينيًا وسياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا، ومشرفة على البيتين، ومحاربة الدخلاء والمنافقين، وستظل السعودية بإذن الله الدولة الإسلامية الرائدة مهما حقد عليها الأعداء.\nوإن ترابط الأسرتين الكريمتين. (آل سعود وآل الشيخ) دليل على صلة وثيقة منذ مائتين وثلاثين عامًا١.\nوصدق الشاعر ابن عثيمين:\nوأبناء شيخ المسلمين محمد ... لهم فضل سبق طبق الأفق شائعة\nهموا آزروكم حين لم يك ناصر ... سوى ربكم والمرهق الحد قاطعه\nعلى جدث ضم الإمام محمد ... سحاب من الغفران ثج هوامعه\nفإن رمت أن تأتي الهدى بدليله ... فطالع بعين القلب ما ضم جامعه\nعلى من مضى منكم ومنهم تحية ... يجود بها جزل العطاء وواسعه\n_________\n١ انظر: الدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة والملوك الذين حكموها منذ ظهور الإمام محمد بن عبد الوهاب إلى يومنا الحاضر.","vol":"1","page":473},{"text":"فأنتم وهم من رحمة الله للورى ... فلا زلتمو ما صاحب النسر واقعه\nدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ليست ملكًا لبلد ولا وقفًا على أسرة أو قبيلة، بل للعالم الإسلامي بأسره، وعشيرته هم الموحدون المؤمنون في كل بقعة من عالمنا الإسلامي الكبير.\nأما الحاسدون لهذه الدعوة وصاحبها وأتباعهم، فإننا نقول لهم كما قال الشاعر:\nحسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم\nوقال أبو تمام:\nوإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود\nلولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف فضل طيب العود\nوكما قال الشاعر:\nكناطح صخرة يومًا ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل","vol":"1","page":474},{"text":"ويقول آخر:\nإذا أراد الله حتفًا بنملة ... أتاها الله جناحين لها فأطارها\nرحم الله سليمان بن سحمان إذا يقول:\nولو كل من يعوي يلقم صخرة ... لأصبح صخر الأرض أغلى من الدر\nوالمثل العربي يقول: نبح الكلاب لا يضر السحاب.\nوقبل أن نختم هذا الفصل أضع أمام الأخوة الردود النافعة على المعارضين لدعوة التوحيد لتكون نبراسًا لطلبة العلم، الذين يريدون الحق وكشف الحقائق.\n١- تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود ابن جرجيس عبد الله بن عبد الرحمن البابطين (ت١٢٨٢هـ) .\n٢- النبذة الشريفة النفسية في الرد على القبوريين، وكتاب الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب، تأليف محمد ابن ناصر بن معمر.\n٣- الصيب الهطال في كشف شبه ابن كمال: تأليف أحمد بن محمد الكثلاني.\n٤- إيقاظ الوسنان على بيان الخلل الذي في صلح الإخوان: تأليف محمد بن ناصر الشريف التهامي اليمني (ت١٢٨٣هـ) .\n٥- القول الفصل النفيس في الرد على داود جرجيس: للشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الرحيم (١٢٨٥هـ) .","vol":"1","page":475},{"text":"٦- تأييد الملك المنان في نقض ضلالات دحلان: تأليف صالح بن محمد الشهري.\n٧- صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان: تأليف الشيخ محمد بن بشير السهسواني (ت١٣٢٦هـ) .\n٨- غاية الأماني في الرد على النبهاني: تأليف علامة العراق محمود شكري الألوسي (ت١٣٤٢هـ) .\n٩- الأسنة الحداد في الرد على علوي الحداد، وكشف غياهب الظلام عن جلاء الأوهام والرد على علي مختار أحمد المؤيد، والصواعق المرسلة الشهابية في الرد على الشبه الشامية، والرد على محمد عطا الكسم، والضياء الشارق في رد الشبهات المارد الحاذق، وتبرئة الشيخين الإمامين من تزوير أهل الكذب، والبيان المجدي لشناعة القول المجدي، وكل هذه الكتب من تأليف علامة نجد سليمان بن سحمان (ت١٣٤٩هـ) .\n١٠- البيان والإشهار لكشف زيغ الملحد الحاج المختار: تأليف فوزان بن سابق السابق (ت١٣٧٣هـ) .\n١١- الصراع بين الإسلام والوثنية، وهو رد على محسن الأمين العاملي صاحب كشف الارتياب، وكتاب البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية، وكتاب الفصل الحاصم بين الوهابيين، ومخالفيهم، وكتاب الثورة الوهابية. كل هذه الكتب من تأليف عبد الله بن علي القصيمي.\n١٢- الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكتاب نقض كلام المفترين على الحنابلة السلفيين، تأليف أحمد بن حجر آل علي آل بو طامي.","vol":"1","page":476},{"text":"١٣- دعايات مكثفة ضد الشيخ محمد بن عبد الوهاب: تأليف محمد منظور النعماني وهو من علماء الهند.\n١٤- الرسالة المكية في الرد على رسالة الرملية: تأليف الشيخ عبد الظاهر أبو السمح (ت١٣٧٠هـ) .\n١٥- محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه: تأليف مسعود الندوي الهندي (ت١٣٧٣هـ) .\nكل هذه المؤلفات التي تدافع عن عقيدة السلف الصالح، وتكشف زيغ أعداء الدعوة المباركة، وتدمر الباطل: وصدق رب العزة والجلال إذ يقول:\n﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ .\nأسأل رب العزة والجلال، رب العرش الكريم، أن يجعل هذا الكتاب خالصًا لوجهه الكريم، وأن يرحم الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب بما قام به من جهد عظيم في محاربة الشرك والبدع والخرافات التي لصقت بالدين، والدين منها براء، فجزاه الله عنا رحمة واسعة، وأن يدخله فسيح جنانه، إنه نعم المولى ونعم النصير، كما أسأله ﷾ أن يعمنا برحمته ويشملنا بفضله وإحسانه، فيا أخي القارئ: إن هذا الكتاب قد أخذ مني من الجهد ما لا يخفى عليك، فأرجو من الله ﷾ أن ينتفع به شعوب العالم الإسلامي شرقه وغربه، وأن يكون نبراسًا يهتدي به كل ضال يبحث عن الهدى، وأن يكون نجمًا يهتدي به كل باحث عن حقيقة التوحيد الخالص النقي، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعه وصار على نهجه إلى يوم الدين.","vol":"1","page":477},{"text":"أموت ويبقى كل ما قد كتبته ... فيا ليت من يقرأ كتابي دعا ليا\nلعل الإله يمن بلطفه ... ويرحم تقصيري وسوء فعاليا\nبقلم\nأبي عبد الله\nأحمد بن عبد العزيز بن عبد الله الحصين\nالقصيم –بريدة","vol":"1","page":478}]}