{"ً":{"ٌ":11191,"ٍ":"أصول علم العربية في المدينة","َ":2,"ُ":1,"ِ":{"root":"الجوامع والمجلات ونحوها/مجلة الجامعة الإسلامية/028_105-106","files":["028_105-106_mgi.pdf"]},"ّ":"الكتاب: أصول علم العربية في المدينة\nالمؤلف: عبد الرزاق بن فراج الصاعدي\nالناشر: مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\nالطبعة: السنة الثامنة والعشرون، العددان ١٠٥ -١٠٦، ١٤١٧هـ - ١٤١٨هـ /١٩٨٧-١٩٨٨م\nعدد الصفحات: ٣٨٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1476,"ٕ":29,"ٖ":1770155665,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الفصل الأول","level":1,"page":5},{"title":"عوامل نشأة الدرس اللغوي","level":2,"page":5},{"title":"أولا: ظهور اللحن وانتشاره","level":2,"page":7},{"title":"ثانيا: حماية القرآن من اللحن","level":2,"page":14},{"title":"ثالثا: فهم القرآن ودرسه","level":2,"page":17},{"title":"الفصل الثاني","level":1,"page":22},{"title":"منشيء علم العربية","level":2,"page":22},{"title":"أولا: علي بن أبي طالب","level":2,"page":25},{"title":"ثانيا: أبو الأسود الدؤلي (ت٦٩هـ)","level":2,"page":30},{"title":"ثالثا: ابن عباس (ت ٦٨ هـ)","level":2,"page":36},{"title":"رابعا: نصر بن عاصم الليثي (ت٨٩هـ)","level":2,"page":39},{"title":"خامسا: عبد الرحمن بن هرمز (ت١١٧هـ)","level":2,"page":41},{"title":"الفصل الثالث","level":1,"page":43},{"title":"من أعلام الدرس اللغوي في المدينة","level":2,"page":43},{"title":"الفصل الرابع","level":1,"page":72},{"title":"من مظاهر الدرس اللغوي في المدينة","level":2,"page":72},{"title":"من مؤلفات المدنيين في علوم اللغة","level":2,"page":74},{"title":"من المسائل النحوية","level":2,"page":78},{"title":"النحو في قراءتهم وتعليقاتهم التفسيرية","level":2,"page":87},{"title":"المصطلح النحوي","level":2,"page":94},{"title":"المجالس اللغوية","level":2,"page":102},{"title":"من مسائل اللغة","level":2,"page":106},{"title":"لغات القبائل","level":2,"page":110},{"title":"مسائل لغوية متقرقة","level":2,"page":114},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":119}],"ٛ":{"1,275":1,"1,276":2,"1,277":3,"1,278":4,"1,279":5,"1,280":6,"1,281":8,"1,282":9,"1,283":10,"1,284":11,"1,285":12,"1,286":13,"1,287":15,"1,288":16,"1,289":18,"1,290":19,"1,291":20,"1,292":21,"1,293":22,"1,294":23,"1,295":24,"1,296":26,"1,297":27,"1,298":28,"1,299":29,"1,300":30,"1,301":31,"1,302":32,"1,303":33,"1,304":34,"1,305":35,"1,306":37,"1,307":38,"1,308":40,"1,309":41,"1,310":42,"1,311":43,"1,312":44,"1,313":45,"1,314":46,"1,315":47,"1,316":48,"1,317":49,"1,318":50,"1,319":51,"1,320":52,"1,321":53,"1,322":54,"1,323":55,"1,324":56,"1,325":57,"1,326":58,"1,327":59,"1,328":60,"1,329":61,"1,330":62,"1,331":63,"1,332":64,"1,333":65,"1,334":66,"1,335":67,"1,336":68,"1,337":69,"1,338":70,"1,339":71,"1,340":72,"1,341":73,"1,342":75,"1,343":76,"1,344":77,"1,345":79,"1,346":80,"1,347":81,"1,348":82,"1,349":83,"1,350":84,"1,351":85,"1,352":86,"1,353":88,"1,354":89,"1,355":90,"1,356":91,"1,357":92,"1,358":93,"1,359":94,"1,360":95,"1,361":96,"1,362":97,"1,363":98,"1,364":99,"1,365":100,"1,366":101,"1,367":103,"1,368":104,"1,369":105,"1,370":106,"1,371":107,"1,372":108,"1,373":109,"1,374":111,"1,375":112,"1,376":113,"1,377":115,"1,378":116,"1,379":117,"1,380":118,"1,381":119,"1,382":120,"1,383":121},"ٜ":{"1":[275,383]},"ٝ":["1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,286","1,287","1,288","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,305","1,306","1,307","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,341","1,342","1,343","1,344","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,373","1,374","1,375","1,376","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383"],"ٞ":{"1":[1],"5":[2,3],"7":[4],"14":[5],"17":[6],"22":[7,8],"25":[9],"30":[10],"36":[11],"39":[12],"41":[13],"43":[14,15],"72":[16,17],"74":[18],"78":[19],"87":[20],"94":[21],"102":[22],"106":[23],"110":[24],"114":[25],"119":[26]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ال<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدّمة</span>\nالحمد لله الذي خلق الإنسان، واختصه بنطق اللسان، وفضيلة البيان، وجعل له من العقل الصَّحيح والكلام الفصيح منبئًا عن نفسه، ومختبرًا عَمّا وراء شخصه، وصلى الله على خاتم أنبيائه وعلى آله وأصحابه أجمعين.\nوبعد؛ فقد صُنِّف في نشأة علوم العربيَّة الشَّيء الكثير، وأفردت الكتب لرجالاتِها، وجمعت أخبارهُم، وصُنِّفوا بحسب طبقاتهم، أو بيئاتهم، أو أسمائهم، فمنهم البصريون ومنهم الكوفيون ومنهم البغداديون.\nولم يشر أصحاب التَّراجم والطّبقات إلى بيئة المدينة اللغوية أو النّحويَّة، أو إلى نشأة النّحو فيها، وانطلاقه منها إلى سائر الأمصار كالبصرة ثم الكوفة ثم بغداد.\nولم يكتفوا بإهمالهم دور المدينة في هذا الشأن، بل نفى بعضهم عن المدينة أيَّ صلة بالنّحو أو اللّغة، ووصفها بالخلوّ من علماء ذلك العلم الَّذي يطلق عليه عند القدماء: العربيَّة.\nيقول صاحب \"المراتب\" بعد حديثه عن البصرة والكوفة: \"ولا علم للعرب إلا في هاتين المدينتين، فأمَّا مدينة الرَّسول - ﷺ - فلا نعلم بها إمامًا في العربية\"١.\nونقل عنه ذلك جماعة من علماء التَّراجم المشهورين، كياقوت٢ والسُّيوطي٣.\nويقول ابن يعيش: \"لا أدري لأهل المدينة مقالة في النَّحو\"٤.\n_________\n١ مراتب النّحويين ٥٥.\n٢ ينظر: معجم الأدباء٥/٢١٥٠.\n٣ ينظر: المزهر ٢/٤١٤.\n٤ إنباه الرُواة ٢/١٧٢.","vol":"1","page":275},{"text":"ويقول الجاحظ من قبلهم: إنَّ اللَّحن في أهل المدينة فاشٍ وفي عوامّهم غالب١.\nوُيروى عنِ الأصمعي أنَه كان ينفي عن أهل المدينة وعلمائها العلم بالشِّعر- أيضا- ويصف حالهم في زمانه في القرن الثاني ويقول: \"أقمت بالمدينة زمانًا ما رأيت بها قصيدة واحدة صحيحة إلا مصحّفة أو مصنوعة\"٢.\nثم نجد من المعاصرين من أصحاب المناهج العلميَّة من يقول: \"وفي غير العراق كان الاشتغال بالعربية حقا جدّ ضئيل، فبينما كانت في البصرة والكوفة مدرستان خاصتان بالنَّحو، وحذت حذوهما بعد ذلك بغداد بمدرستها الَّتي نزعت إلى الجمع والتّوفيق بين المدرستين لم تقم بالمدينة- مثلًا- علوم اللُّغة على أساس وطيد\"٣.\nويقول: \"ويجوز لنا بما تقدم أن نفترض أنّ اللغة العربية في المدينة لم تحظ بعناية خاصة\"٤.\nويقول: \"إنَّ النَّحو وعلم اللَّغة لم يجدا بالمدينة تربة خصيبة\"٥.\nويقوله آخر: \"فالبصرة أوّل مدينة عنيت بالنَّحو واللُّغة\"٦.\nوبعد هذه الأحكام التي تصفى أهل المدينة بالضعف في العربية والبعد عن الاشتغال بفنونها، كاللًّغة والنَّحو ورواية الشِّعر نجد من يخالف هذه الآراء من القدماء، وهو ابن برهان النَّحوي (٤٥٦ هـ) إذ يقول: \"النَّحويون جنس تحته ثلاثة أنواع: مدنيّون وكوفيّون وبصريّون\"٧.\n_________\n١ ينظر: البيان والتّبيين ١/١٤٦.\n٢ مراتب النّحويين ١٥٦.\n٣ العربية ليوهان فك٧٥، ٧٦.\n٤ نفسه ٧٧.\n٥ نفسه ٧٨.\n٦ ضحى الإسلام ٢/٢٨٤.\n٧ شرح اللمع ١/١، وينظر: إنباه الرواة ٢/١٧٢.","vol":"1","page":276},{"text":"ويقول أحد المعاصرين: \"لو أنَّ منصفًا تتبع أصول النّحو الأولى لوجد أنّها نبتت في المدينة وظلت تنمو شيئا فشيئًا\"١.\nفيتبيّن بعد هذا أنّ نشأة العربية لغة ونحوًا لم تزل يكتنفها شيء من الغموض، وأنّ ثمة حاجة للكشف عن رجالات هذا العلم في المدينة.\nومن هنا جاءت فكرة هذا البحث الَّذي رجوت أن أكشف من خلاله عن نشأة الدراسات اللُّغويَّة في المدينة، وأتعرف على أعلامه في هذه المدينة المباركة في القرنين الأول والثاني، وجعلته بعنوان \"أصول علم العربية في المدينة\" فجاء في أربعة فصول:\nالأول: عوامل نشأة الدَّرس اللًّغوي.\nوالثاني: منشئ علم العربيَّة.\nوالثالث: من أعلام الدَّرس اللغوي في المدينة في القرنين الأول والثاني.\nوالرابع: من مظاهر الدّرس اللُّغوي في المدينة.\nولم أشَأ التَّفريق بين النَّحو واللُّغة، أو بين النَّحويين واللُغويين، فذاك متعذّر، لأنّ علوم العربيَّة متداخلة في القرنين الأول والثاني، قبل أن تنفصل فيما بعد.\nوقد شغلني هذا البحث زمنا ليس بالقصير، وأنفقت فيه جهدا في البحث في المصادر، واستقصاء الأقوال، والتَّنقيب في تراجم الرِّجال من اللُّغويين والنّحاة والقرَّاء والمحدِّثين والأدباء، وكنت كمن يجمع اللآلئ من أعماق المحيط في صبر وأناة، حتَّى منَّ الله عليه بما تقرُّ به العين، ولذلك كانت سعادتي بإنجازه كبيرة، مع أني لا أدَّعي الإحاطة والاستيعاب.\n_________\n١مجلة المنهل، العدد ٤٩٩ ص ١٢٦.","vol":"1","page":277},{"text":"فأرجو من الله أن ينفع به وألا يحرمني ثوابه، وآمل من زملائي الباحثين والمحققين أن يرقعوا ثقوبه ويستروا عيوبه، بإصلاح ما طغى به القلم، وزاغ عنه البصر، وقصّر عنه الفهم، فالإِنسان محل النِّسيان، وعلى الله التكلان، ومنه العون والتَّوفيق.\nوكتب\nعبد الرَّزّاق بن فرّاج الصَّاعديّ\nالمدينة النَّبويَّة في: ٢٠/١٢/ ١٤١٦هـ","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الفصل الأول</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>عوامل نشأة الدرس اللغوي</span>\n...\nعوامل نشأة الدَّرس اللُّغويّ\nكانت العربية في العصر الجاهلي نقية صافية بفضل الطّبيعة الجغرافية لأرض العرب؛ فالبحر يحيط بجزيرتهم من ثلاث جهات فيحجزهم عن الأمم المجاورة، وتحدّ حياتهم القبليَّة وطبائعهم الاجتماعية من انسياحهم في الأرض باتِّجاه الشَّمال.\nلقد هيَّأهم الله - ﷿ - بذلك لأمر عظيم، وهيَّأ لغتهم لأن تكون أداة لذلك الأمر، فكانت لغتهم نقية من الشَّوائب صافية حين نزل القرآن الكريم على نبي الرَّحمة والهدى محمد - ﷺ -.\nكانت العربية في ذلك الوقت نقية تنساب على ألسنة أبنائها بيسر وسهولة في أصواتها وأبنيتها وتراكيبها دون حاجة إلى إعمال فكر أو تكلُّف، وهم يفهمون دلالتها بالفطرة الَّتي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، ولم تكن ثمة حاجة لما يعضد السَّليقة وُيقوِّيها كاللُّجوء إلى ضوابط أو قواعد تأتي من خارج الفطرة، فقد كانت السَّليقة اللُّغويَّة هي المهيمنة، وهي الحامية من الخطأ.\nثم جدَّت أمور، وتبدلت أحوال، فتكدَّر صفو اللُّغة، وضعفت السَّلائق واختلَّت، فنشأت الحاجة إلى ضوابط للغة من خارج السليقة يلجأ إليها المتكلِّم، وتساعد السَّامع على فهم اللُّغة على الوجه الأكمل.\nوكان ظهور ذلك على وجه التَّحديد في الصدر الأول للإسلام إبَّان الخلافة الرَّاشدة في المدينة، ثم تفاقم الأمر وازدادت الحاجة - فيما بعد - فتهيأت العوامل لنشأة الدَّرس اللّغوي ابتداءً في المدينة، كظهور اللحن، وتهديده لغة الدِّين الإِسلامي، وزحفه إلى النَّص القرآني الكريم.","vol":"1","page":279},{"text":"ويمكن أن نوجز هذه العوامل الّتي أدَّت إلى نشأة الدَّرس اللُّغوي والنَّحوي على وجه الخصوص في ثلاثة عوامل، وهي:\n١- ظهور اللحن وانتشاره.\n٢- حماية القرآن من اللحن.\n٣- فهم القرآن ودرسه.\nوفيما يلي تفصيل لهذه العوامل الثلاثة:","vol":"1","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>أولًا: ظهور اللحن وانتشاره</span>\nللحن معان، منها ما اصطلح عليه النُّحاة، وهو مخالفة العرب في سنن كلامهم، أو كما يقول ابن فارس: \"إمالة الكلام عن جهته الصَّحيحة في العربية\"١. وهو الذي يعنينا من معانيه في هذا البحث.\nويميل كثير من الباحثين إلى أنَّ اللحن بهذا المعنى لم يكن معروفًا في العصر الجاهلي، وإنّما شاع في العصر الإسلامي في المدينة ابتداءً، بسبب اختلاط العرب بغيرهم، ودخول الأعاجم في دين الله أفواجًا، واتّصال العرب بالأمم المجاورة٢.\nيقول أبو بكر الزُبيديّ: \"ولم تزل العرب تنطق على سجيتها في صدر إسلامها وماضي جاهليتها، حتَّى أظهر الله الإسلام على سائر الأديان، فدخل النَّاس فيه أفواجًا، وأقبلوا إليه أرسالًا، واجتمعت فيه الألسنة المتفرقة، والُّلغات المختلفة، ففشا الفساد في اللُّغة العربيَّة، واستبان منه الإعراب الَّذي هو حليها، والموضح لمعانيها، فتفطّن لذلك من نافر بطباعه سوء أفهام النّاطقين من دخلاء الأمم بغير المتعارف من كلام العرب، فعظم الإشفاق من فشوّ ذلك\n_________\n١ مقاييس اللّغة (لحن) ٥/٢٣٩.\n٢ ينظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ٩/١٥، وتاريخ آداب العرب ١/٢٣٤، وأثر القرآن في أصول مدرسة البصرة النحوية ١٢٤.","vol":"1","page":280},{"text":"وغلبته حتَّى دعاهم الحذر من ذهاب لغتهم وفساد كلامهم إلى أن سبَّبوا الأسباب في تقييدها لمن ضاعت عليه، وتثقيفها لمن زاغت عنه\"١.\nومن المؤكّد أن البوادر الأولى للحنِ ظهرت في المدينة على مسمع من النَّبيﷺ - فقد روت المصادر أنَّ رجلا لحن بحضرته فقال - ﵊ -: \"أرشدوا أخاكم فقد ظل\" ٢. أو \"أرشدوا أخاكم فإنَّه قد ظلَّ\" ٣.\nوتكاد تنطق عبارة الحديث بأنّ هذا اللحن هو أوَّل لحن سمعه الرًّسول - ﷺ - ومن ثم دعا إلى ضرورة التّصدِّي له٤، ولو كان اللحن معروفا عند العرب قبل ذلك العهد لجاءت عبارة الحديث على غير هذا الوجه٥.\nويبدو أن اللحن أخذ في التفشِّي والانتشار فأصبح أمره معروفًا، فقال النّبي - ﷺ - بعد ذلك بحين: \"أنا من قريش، ونشأت في بني سعد فأنَّى لي اللحن؟ \" ٦.\nوروي عن أبي بكر الصديق - ﵁ - أنّه كان يقول: \"لأن أقرأ فأسقط أحبّ إليّ من أن أقرأ فألحن\"٧.\nوفي هذا النص - أيضًا - دلالة على أنَّ اللحن كان معروفًا زمن أبي بكر الصِّديق، متفشِّيا بين عامة النّاس، ومنه ما يقع في القرآن، وهو أشنع ما يكون من اللحن.\n_________\n١ طبقات النحويين واللغويين ١١.\n٢ مراتب النحويين ٢٣.\n٣ ينظر: الجامع الصغير ١/٣٦٣، وكنز العمال ١/١٥١، والخصائص ٢/٨.\n٤ ينظر: أثر القرآن في أصول مدرسة البصرة ١٣٥.\n٥ ينظر: تاريخ آداب العرب ا /٢٣٧.\n٦ مراتب النحويين ٢٣.\n٧ ينظر: مراتب النحويين ٢٣، والإيضاح في علل النحو ٩٦، والمزهر ٢/٣٩٧.","vol":"1","page":281},{"text":"وازدادت المرويات من اللَّحن في عهد عمر بن الخطاب - ﵁ - فمن ذلك أنّه مرَّ بقوم يرمون ويسيئون الرمي، فغضب منهم وقال لهم: \"بئس ما رميتم، فقالوا: إنّا قوم متعلمين [أو نحن قوم رامين] فقال: والله لخطؤكم في كلامكم أشد من خطئكم في رميكم، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"رحم الله امرأ أصلح من لسانه\" ١.\nوكتب كاتب لأبي موسى الأشعري إلى عمر: \"من أبو موسى\" فكتب عمر إلى عامله: \"سلام عليك، أما بعد، فاضرب كاتبك سوطًا واحدا، وأخّر عطاءه سنة\"٢ أو \"إذا أتاك كتابي هذا، فاجلده سوطًا واعزله عن عمله\"٣.\nوُيروى أنَّ أعرابيًَّا دخل السُّوق فوجدهم يلحنون فقال: \"العجب، يلحنون ويربحون\"٤.\nوقد فشا اللَّحن زمن الأمويين، وانتشر بين العامة والخاصة، ولم يسلم منه الأمراء والوزراء وأهل الرِّياسة، فقد قيل: إنّ الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك كان لُحَنَةً٥. رووا أنّه خطب النَّاس يوم عيد، فقرأ في خطبته: \" ياليتُها كانت القاضية\" بضم التَّاء، فقال عمر بن عبد العزيز: عليك وأراحنا منك٦.\nوروى الجاحظ أنّ كُتُب الوليد كانت تخرج ملحونة، فسأل إسحاقُ بن قبيصة أحد موالي الوليد: \"ما بال كتبكم تأتينا ملحونة، وأنتم أهل الخلافة؟ \"٧.\n_________\n١ الإيضاح في علل النحو ٩٦، وينظر: معجم الأدباء١/١٦، ١٧\n٢ مراتب النحويين ٢٣.\n٣ كنز العمال ٥/٢٢٤.\n٤ معجم الأدباء١/٢٣.\n٥ ينظر: البيان والتبيين ٢/٢٠٥.\n٦ المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ٩/٢٤.\n٧ البيان والتبيين ٢/ ٢٠٥.","vol":"1","page":282},{"text":"وخطب الوليد في أهل المدينة، وقال: \"يا أهلُ المدينة\" بضم اللام.\nوأحصوا اللّحّانين من البلغاء، فعدّوا منهم خالد بن عبد الله القسري، وخالد بن صفوان، وعيسى بن المدور، وكان الحجَّاج بن يوسف يلحن أحيانًا١.\nوهكذا انتشرت جرثومة اللحن مع مرور الأيام، فأعدت العامةُ الخاصةَ، وقد أثر عن إمام دار الهجرة أنّه كان يقول: \"أي مطرًا\" بدل \"أي مطرٌ\" وكان شيخه ربيعة بن عبد الرَّحمن فقيه أهل المدينة المشهور بربيعة الرَّأي يلحن في الإِعراب - أيضًا - ويقول: بخيرًا٢.\nوبلغ من أمر اللحن - فيما بعد - أن تسرب إلى ألسنة أكثر العلماء، فتساهلوا في أمره، قال ابن فارس: \"فأما الآن فقد تجوَّزوا، حتَّى إنَّ المحدث يحدث فيلحن، والفقيه يؤلف فيلحن، فإذا نُبِّها قالا: ما ندري ما الإعراب، وإنَّما نحن محدّثون وفقهاء\"٣.\nوصار من لا يلحن في زمن الأصمعي خارجًا عن المألوف، قالت الأصمعي: \"أربعة لم يلحنوا في جد ولا هزل: الشعبي، وعبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف، وابن القرية، والحجاج أفصحهم\"٤.\nوقد كان النَّاس في صدر الإِسلام يجتنبون اللحن فيما يقولونه أو يقرأونه أو يكتبونه اجتنابهم بعض الذنوب٥، وكان دافعهم لاجتناب اللحن شعورهم بوراثتهم لغتهم معربة، وهي لغة القرآن والدين.\n_________\n١ ينظر: تاريخ آداب العرب١/٢٤٠.\n٢ ينظر: اللغة والنحو ١٨٨.\n٣ الصاحبي ٥٦.\n٤ المفصل في تاريخ العرب قبل الإِسلام ٩/٢٤.\n٥ينظر: الصاحبي ٥٦.","vol":"1","page":283},{"text":"وكان بعض السَّلف يقول: \"ربما دعوت فلحنت فأخاف ألا يستجاب لي \"١.\nوقد يحدث بعضهم بحديث فيلحن فيه، فيقول: \"استغفر الله\" يعني أنَّه عدَّ اللحن ذنبًا، فيقال له فيه فيقول: \"من أخطأ فيها فقد كذب على العرب، ومن كذب فقد عمل سوءًا\"٢.\nوروي عن عمر بن الخطاب أنَّه جعل اللحن من الافتراء.٣\nوكان عمر بن الخطاب يضرب أولاده على اللحن ولا يضربهم على الخطأ في غير اللغة٤.\nوأثر مثل هذا عن ابنه عبد الله٥ - ﵄ -.\nوبعد هذا الفيض من الرِّوايات فإنَّه لا سبيل إلى إنكار ظهور اللحن في المدينة منذ الصدر الأول، واستفحال أمره فيما بعد في سائر الأمصار، لاختلاط العرب بغيرهم.\nومن الطبيعي أن يصحب ذلك إحساس بالحاجة إلى ضبط قواعد اللّغة الفصحى، ومن المؤكد أنَّ ذلك الإحساس نشأ منذ الصَّدر الأول في المدينة في عهد الخلفاء الراشدين، وربما كان ذلك منذ عهد النَّبي - ﷺ.\nوتدلًّ الرِّوايات الَّتي أوردنا شيئًا منها على إلمام النّبي - ﷺوصحابته في المدينة إلماما فطريًا بالتَّراكيب النَّحويَّة، والإعراب بخاصة، وقد كانوا على قدر من الإدراك بأصول الكلمات واشتقاق الألفاظ، هدتهم إليه سلائقهم اللُّغويَّة النَّقيَّة، وسماعُهم ما يخالفها من لحن.\n_________\n١ الإيضاح في علل النحو ٩٦.\n٢معجم الأدباء١/١٧.\n٣ ينظر: الإيضاح في علل النحو ٩٦.\n٤ ينظر: معجم الأدباء ا/٢٣.\n٥ ينظر: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ٢٤، وجامع بيان العلم وفضله ٤٦٥.","vol":"1","page":284},{"text":"روى ابن جني ما حُكي عن النّبي - ﷺ - وقد جاءه قومٌ من العرب،. فسألهم ﵇، فقال: من أنتم؟ فقالوا: بنو غيَّان، فقال: بل أنتم بنو رشدان، قال ابن جني معقّبًا: \"أولا تراه - ﷺ - كيف تلقّى (غيان) بأنّه من الغيّ، فحكم بزيادة ألفه ونونه، وترك ﵇ أن يتلقَّاه من باب (الغين) وهو إلباس الغيم من قوله:\nكَأنّي بَيْنَ خَافِيتَي عُقَابٍ ... تُرِيدُ حَمَامَةً فِي يَوْمِ غَيْنِ\nيدلُّك على أنَّه - ﷺ - تلقَّاه بما ذكرنا أنّه قابله بضده، فقال: بل أنتم بنو رشدان، فقابل الغي بالرُّشد، فصار هذا عيارًا على كل ما ورد في معناه١.\nوتدلُّ الرِّوايات على إلمام عمر بن الخطَّاب - ﵁ - بأساليب اللًّغة ودقائقها التّعبيريَّة، وكان من أشد النَّاس حرصًا على نقائها، وسلامة أساليبها، وكان يحثُّ على تعلُّمها، فقد روي عنه قوله: \"تعلموا العربية، فإنَّها تثبت العقل، وتزيد في المروءة\"٢.\nوروي عنه - أيضًا - أنّه كتب إلى أبي موسى الأشعري: \"أن مُرْ من قِبَلَكَ بتعلم العربية، فإنَّها تدلُّ على صواب الكلام\"٣.\nوالعربية هذه هي عربية المصطلح القديم الَّتي تقابل في مدلولها كلمة النَّحو، لأنَّها تدلُّ - كما يفهم من قول عمر - على صواب الكلام، أي يهتدي بها إلى صواب الكلام.\nومهما يكن من أمر فإنَّ ثمة ما يشبه الإِجماع على أنَّ ظهور اللحن وتفشيه في الكلام وزحفه إلى القرآن والحديث هو الباعث الأول على تدوين اللُّغة.\n_________\n١ المبهج الأدباء١/٢٢، وينظر: الإِيضاح في علل النحو، ونور القبس ٢.\n٢ معجم الأدباء ١/٢٢، وينظر: الإيضاح في علل النحو ٩٦، ونور القبس ٢.\n٣ إيضاح الوقف والابتداء١/٣٠.","vol":"1","page":285},{"text":"واستنباط النَّحو، لأنَّ علم العربيَّة ككل العلوم في نشأتها تتطلبه الحوادث وتقتضيه الحاجات١.\nولهذا قال الدُّكتور محمد خير الحلواني: \"والحقّ أنَّ نشأة النَّحو ترتبط بجذور الحياة الإسلاميَّة في ذلك الزَّمن\"٢.\nوقال الدُّكتور أحمد إبراهيم سيد أحمد: \"لو أنَّ منصفًا تتبع أصول النّحو الأولى لوجد أنّها نبتت في المدينة وظلت تنمو شيئا فشيئًا\"٣.\nوتلك نتيجة حتمية؛لأنَّ ضوابط اللُّغة وقوانين الإعراب هي العاصمة من الزَّلل، والمُعَوِّضة عن السَّليقة بعد أن شاع اللحن واضطربت الألسن، وتأثر العرب بالعجم في المدينة أولا، ثم في باقي الأمصار الإسلاميَّة ثانيًا.","vol":"1","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>ثانيًا: حماية القرآن من اللَّحن</span>\nأخذ اللَّحن يتهدَّد النَّص القرآني ويزحف إليه منذ أن ذرَّ بقرنه في المدينة في عهد الخليفة أبي بكر الصديق - ﵁ - الَّذي كان يختار أن يسقط في قراءته القرآن على أن يقع في اللحن كما تقدَّم.\nوالخطأ في القرآن عند عمر بن الخطَّاب - ﵁ - خير من اللَّحن، يقول: \"لأنِّي إذا أخطأت رجعت، وإذا لحنت افتريت\"٤.\nوهذا دليل واضح على وقوع اللحن في القرآن من بعض المسلمين، وبخاصة العوامّ.\n_________\n١ ينظر: طبقات النحويين واللغويين ١١، ونزهة الألباء٢١، وتاريخ آداب العرب ١/٢٣٩، واللغة والنحو ٢٠٩، ونشأة النحو ١٢، وفىِ أصول النحو ٦، ٧، والمفصل في تاريخ النحو العربي ١١ء والدراسات اللغوية عند العرب ٥٧، وأثر القرآن في أصول مدرسة البصرة ١١٧.\n٢ المفصل في تاريخ النحو العربي ١٧.\n٣ مجلة المنهل، العدد ٤٩٩، ص١٢٦.\n٤الإيضاح في علل النحو ٩٦.","vol":"1","page":286},{"text":"وتذكر بعض المصادر في حديثها عن أسباب وضع النَّحو لحنة مشهورة وقعت في القرآن أيام عمر بن الخطاب، فأمر عمر ألا يقرأ القرآن إلا عالم باللُّغة، فقد روى القرطبي عن ابن أبي مليكة ما نصه: \"قدم أعرابي في زمان عمر بن الخطَّاب - ﵁ - فقال: من يقرئني ممَّا أُنزل على محمد - ﷺ -؟ قال: فأقرأه رجل (براءة) فقال: ﴿إنَّ الله بَرِيءٌ منَ الْمُشْركِينَ وَرَسُولِهِ﴾ وهو بالجرّ، فقال الأعرابي: أوقد برئ الله من رسوله؟ فإن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه، فبلغ عمر مقالة الأعرابي، فدعاه، فقال: يا أعرابي؛ أتبرأ من رسول الله - ﷺ -؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي قدمت المدينة، ولا علم لي بالقرآن، فسألت من يقرئني، فأقرأني هذا سورة براءة، فقال: ﴿إنَّ الله بَريءٌ منَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولِهِ﴾ فقلت: أوقد برئ الله من رسوله، إن يكنَ الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه. فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابي، قال: فكيف هي يا أمير المؤمنين؟ قال: ﴿إنَّ الله بَريءٌ منَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ فقال الأعرابي: وأنا أبرأ ممن برئ الله ورسوله منه. فأمر عمر بن الخطّاب - ﵁ - ألا يُقرئ النَّاس إلا عالم باللُّغة، وأمر أبا الأسود فوضع النّحو\"١.\nومثل هذه الرِّواية في \"نزهة الألباء\"٢ لأبي البركات الأنباري، وفي غيره.\nوقيل: إنَّ هذه الحادثة كانت زمن الخليفة علي بن أبي طالب - ﵁ - وإنَّه هو الَّذي أمر أبا الأسود بوضع النَّحو.\nوروي أنَّ أبا الأسود هو الَّذي سمع اللحن في تلك الآية، فقال: \"ما ظننت أمر النَّاس آل إلى هذا٣\" أو قال: \"لا أظن يسعني إلا أن أضع شيئًا أصلح به نحو هذا، أو كلامًا هذا معناه، فوضع النَّحو\"٤.\n_________\n١ الجامع لأحكام القرآن ١/ ٢٤.\n٢ ٢٠،١٩.\n٣ إنباه الرواة ١/٤٠.\n٤ مراتب النحويين ٢٦.","vol":"1","page":287},{"text":"وروي أنَّ عليَّا سمع أعرابيًَّا يقرأ: ﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الْخَاطِئِينَ﴾ فوضع النَّحو١.\nوربما لحن في القرآن من هم في المقام الرَّفيع من اللُّغة، كالحجَّاج؛فقد روي أنّه قال ليحي بن يعمر: \"أتسمعني ألحن على المنبر؟ قال: الأمير أفصح من ذلك. فألحَّ عليه، فقال: حرفًا، قال: أيّا؟ قال: في القرآن. قال الحجَّاج: ذلك أشنع له، فما هو؟ قال: تقول: ﴿قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكْمْ﴾ إلى قوله ﷿: ﴿أَحَبَّ﴾ فتقرؤها ﴿أَحَبُّ﴾ بالرَّفع، والوجه أن تقرأ بالنَّصب، قال: لا جرم، لا تسمع لي لحنا أبدًا، فألحقه بخراسان \"٢.\nوبهذا يمكن القول: إنَّ الخطوة الأولى في وضع النَّحو العربي كانت بمثابة ردّ فعل مباشر لتسرُّب اللحن إلى العربيَّة بعامة وإلى القرآن بخاصة، وقد كان الوسط العام في المدينة مفعمًا بمقاومة اللحن في القرآن، وكانت صدور خاصة مهيئة لظهور علم جديد يتصدى لزحف اللحن إلى النَّص القرآني، ولابدَّ أن يكون قد صاحب ذلك جهود تمثلت في تأمل اللّغة، والنّظر في مفرداتها وتراكيبها، فكانت تلك التأمُّلات وما نتج عنها من ملحوظات لغوية في الصَّدر الأول من الإسلام هي النواة الأولى للنَّحو العربي، وممَّا يؤكد ذلك أنُّ جُلَّ النُّحاة القدماء كانوا من القراء أو ممَّن اشتغل بالدِّراسات القرآنيَّة.","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>ثالثًا: فْهم القرآن ودرسه</span>\nاستأثر القرآن الكريم منذ نزوله بانتباه المسلمين وعنايتهم، فنشأ إلى جانب الرغبة في تلاوته، وفهم نصوصه الحرص على إدراك أسراره، والوقوف على أغراضه ومراميه، وفجّر بذلك الطَّاقات الكامنة في عقولهم، وأزال عنها\n_________\n١ ينظر: نزهة الألباء ١٩.\n٢ طبقات النحويين واللغويين ٢٨.","vol":"1","page":288},{"text":"الكثير من الغبش؛ الذي كان يحجبها عن الرؤية الصَّحيحة للكون والحياة والُّلغة - أيضا.\nوقد شيَّد المسلمون بنيانهم العلمي الأصيل على القرآن، فنشأت في كنفه علوم شتَّى١، كالتَّفسير والقراءات والرِّواية والفقه، وظهر العلماء في هذه العلوم، وبرز كثير منهم في المدينة، فاختص علي بن أبي طالب بالقضاء والتّفسير، وزيد بالفرائض ومعاذ بالفقه وأُبيّ بالقراءة٢.\nومن العلوم الَّتي نشأت في كنف القرآن العربيَّةُ ومن فروعها الأصوات والنَّحو والدّلالة والمعجم، وكان النَّحو العربي في نشأته من أشد العلوم التصاقا بالقرآن.\nوقد أدرك الباحثون المعاصرون الارتباط الوثيق بين القرآن الكريم والعلوم في نشأتها بعامة، والنّحو بخاصة، وفي هذا يقول الدكتور مهدي المخزومي: \"وراحت كل طائفة منهم تتَّجه اتِّجاهًا خاصًا في دراسته، فنشأت:\nطائفة اتَجه نشاطُها إلى تصحيح متن القرآن عن طريق الرِّواية، وهي طائفة القُرَّاء.\nوطائفة راحت تدرس القرآن لتفهم الأحكام الّتي تتضمنها، ممَّا هو لازم لبناء المجتمع، وهي طائفة الفقهاء.\nوطائفة اتَّجهت اتّجاهًا لغويًّا، فأخذت تعني بإعراب نصوص القرآن مستعينة برواية اللُّغة، ثم توسَّعت في ذلك، فتناولت بالدِّراسة علل التأليف، أو علل الإعراب، وهي طائفة النُّحاة.\nفالنَحو - إذن - وليد التَّفكير في قراءة القرآن\"٣.\n_________\n١ينظر: البرهان في علوم القرآن ١/٨، والإتقان ١/٣.\n٢ينظر: البرهان في علوم القرآن ١/٨.\n٣مدرسة الكوفة ٢٠.","vol":"1","page":289},{"text":"ويقول الدُّكتور محمد خير الحلواني: \"والحق أنَّ نشأة النّحو ترتبط بجذور الحياة الإسلاميَّة في ذلك الزَّمن، وترتدّ إلى ما ترتدّ إليه نشأة العلوم الأخرى من لغوية ودينية وفلسفية، وكان القرآن الكريم محور هذه الجذور، وهو الركيزة الأساسية فيها.\nإذن فإن نشأة العربية - بمعناها الاصطلاحي - انطلقت من قراءة القرآن؛ لأنّ القراءة القرآنية هي التي دعت إلى ظهور علم الأصوات الذي نضج عند العرب، فالمقرئ كان مضطرًا إلى إخراج الحروف مخرجًا فصيحا وكان مضطرًا - أيضًا - إلى معرفة المدّ وقوانينه؛وإلى أحكام الهمز ومعرفة لهجات العرب فيه، كما كان عليه أن يعرف ضوابط الإدغام والإظهار والإقلاب والغنّة.\nوإلى جانب هذا كلّه كان القرآن الكريم سبب ظهور علم الغريب، وما جرّ إليه من جمع الشعر والنوادر والرحلات العلمية إلى البوادي ... لأن في كلمات القرآن ما في كلمات الشعر من غرابة أحيانًا، تحتاج إلى شرح وتوضيح باعتماد العرف اللغوي السائد يومئذٍ\"١.\nثم يقول: \"ومن الطبيعي أن يكون القرآن - أيضًا - سبب ظهور علم النحو، لأن النحو دراسة للتركيب اللغوي، ورصد للظواهر الإعرابية الناجمة عن القرائن اللفظية، التي سميت فيما بعد بالعوامل النحوية، وقراءة القرآن تعتمد اعتمادا بارزًا على تغير أواخر الكلمات؛ أي: الإعراب\"٢.\nوإلى مثل هذا يذهب كثير من الباحثين المعاصرين٣.\nنعم؛ لقد بدأت العلاقة بين العربية بمفهومها العام والقرآن مبكرة في المدينة على يد الرسول - ﷺ - في تفسيره بعض الآيات المشكلة، والألفاظ\n_________\n١المفصل في تاريخ النحو العربي ١٧.\n٢نفسه ١٨.\n٣ينظر: اللغة والنحو ٢٠١، وفي أصول النحو ١٠١، وأثر القرآن في أصول مدرسة البصرة ٤٣، ونحو القراء الكوفيين ٦٧،٦٦، وفي التفكير النحوي عند العرب ١٣.","vol":"1","page":290},{"text":"الغريبة، وفي حثه على تدبر ألفاظ القرآن ومعانيه والتماس غرائبه.\nروى أبو هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ - أنه قال: \"أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه \" ١.\nوالمراد بالإعراب - هنا - معرفة معاني ألفاظه، وليس المراد به الإِعراب المصطلح عليه عند النحاة، وهو ما يقابل اللحن٢.\nوقد تزايدت الحاجة إلى تفسير غريبي القرآن والحديث مع مرور الأيام، وأكثر الصَّحابة ثم التَّابعون من الاحتجاج لغريب القرآن ومشكله بالشِّعر كابن عباس٣، الَّذي يُعد صنيعه نواة للمعجم العربي، كما سيأتي بيانه.\nواقتضى ذلك من الصَّحابة التَّزوُّد باللّغة، وتأمل دقائقها، والإلمام بلغات القبائل، ليتمكَّنوا من تفسير غريب القرآن، وكان بعضهم يتحرَّج من الخوض في تفسير غرائب القرآن وَرَعًا، أو لعدم التَمكُّن في اللُّغة، وكان عمر بن الخطَّاب - ﵁ - يأمر بألا يقرئ القرآن إلا عالم باللُّغة - كما تقدم.\nوإذا كان أمر القراءة يقتضي العلم باللُّغة فإنَّ أمر تفسير الغريب وكشف المشكل أدعى إلى ذلك، ولهذا أثر عن مجاهد قوله: \"لا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلَّم في كتاب الله إذا لم يكن عالمًا بلغات العرب\"٤.\nوهكذا أصبحت العربية من الدِّين، وغدا تعلمها لفهم مقاصد الكتاب والسنة قربة من أجلّ القربات إلى الله، ونظر بعض العلماء إلى تعلمها على أنَّه فرض واجب٥.\n_________\n١ إيضاح الوقف والابتداء١/١٥، والإتقان ١/١٤٩.\n٢ ينظر: الإتقان ١/١٤٩.\n٣ ينظر: الإتقان ١/١٤٩.\n٤ البرهان في علوم القرآن ١/٢٩٢.\n٥ اقتضاء الصراط المستقيم ٢٠٧.","vol":"1","page":291},{"text":"وفي هذه البيئة العلمية نمت المعارف في المدينة واهتدى القراء إلى ملحوظات متناثرة في الأصوات والغريب والنَّحو، وكانت ملحوظاتهم في النَّحو نواة العمل النَّحوي فيما بعد.\nوعلى هذا يمكن القول: إنَّ النَّحو العربي الَّذي اكتمل بنيانه في البصرة والكوفة فيما بعد هو ثمرة من ثمار الدِّراسة القرآنية الَّتي نبتت وترعرعت في المدينة.\nوثمة أسباب ودوافع أخرى أسرعت بعلم النَّحو إلى الظُّهور، ثم النَّضج؛ذكرها بعض الباحثين المعاصرين١، وهي لا تكاد تخرج عمَّا ذكرناه في هذا البحث، فيطيب لبعضهم أن يذكروا إلى جانب الدَّافع الديني دوافع بعضها قوميّ عربي، وبعضها الآخر اجتماعي.\nفأمَّا الدَّافع القومي٢ فيرجع إلى اعتزاز العرب بلغتهم وخشيتهم عليها من الفساد أو الفناء أو الذوبان في اللّغات الأعجمية.\nويتمثل الدَّافع الاجتماعي٣ في بعد العرب عن البادية، مهد لغتهم الأوَّل، وفساد سلائقهم، بعد اختلاطهم بالأعاجم، في الأمصار، والبيوت، والأسواق، والجيوش، وسائر المرافق العامة والخاصة، إضافة إلى انتشار التَّسرِّي بالأعجميات أو التَّزوُّج بهنَّ، فنتج عن ذلك أمور منها نشوء أجيال من العرب من أمهات غير عربيات، وتأثرهم بهنَّ ففشا اللحن على ألسنتهم وانتشر نتيجة لذلك.\nوهذا الَّذي ذكروه يعود في جملته إلى ما ذكرناه - فيما تقدَّم - كاللحن في اللُّغة، وزحفه إلى القرآن، والرَّغبة في درس نصه المقدس، والكشف عن أسراره.\n_________\n١ ينظر: المفصل في تاريخ النحو العربي ١٨ وما بعدها، وتجديد النحو العربي ٥٩-٦٩، وفي التفكير النحوي عند العرب ٣٧.\n٢ينظر: تجديد النحو ٥٨، والمدارس النحوية ١٢.\n٣ينطر: المفصل في تاريخ النحو العربي ٢٧، وتجديد النحو ٥٩.","vol":"1","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الفصل الثاني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>منشيء علم العربية</span>\n...\nمُنشئ علم العربيّة\nتبيَّن ممَّا سبق أنَّ العقليَّة العربيَّة في المدينة في القرن الأول الهجري كانت مهيَّأة تمامًا لظهور علم العربية بعامة والنَّحو على وجه الخصوص، وأنَّ هذا العلم ككل قانون تتطلبه الحوادث وتقتضيه الحاجات١، ولم يكن قبل الإسلام ما يحمل العقول على التَّفكير فيه.\nفمن أنشأ هذا العلم؟\nلقد اختلف علماء العربيَّة قديمًا وحديثًا في أمر واضع النَّحو العربي، وتضاربت آراؤهم، وتباينت توجيهاتهم، وردّ بعضهم على بعض، فبعضهم يقول: إنّه عليّ بن أبي طالب - ﵁ - ويقول بعضهم: إنَّه أبو الأسود الدؤلي، ويراه بعضهم الآخر نصر بن عاصم، في حين يرى فريق منهم أنّه عبد الرَّحمن بن هرمز المدني.\nوأنكر بعض الباحثين المعاصرين ذلك كلّه، وذهب إلى أنَّ معرفة واضع النَّحو في العربية يكاد يكون معضلة٢، وأنَّه غامض في منشئه كل الغموض٣؛فلا سبيل إلى تحقيقه البتة٤.\nوفي هذا الشَّأن يقول بروكلمان: \"يبدو أنَّ أوائل علم اللغة العربية ستبقى\n_________\n١ ينظر: نشأة النحو ١٢.\n٢ ينظر: اللغة والنحو ٥٤ا.\n٣ ينظر: ضحى الإسلام ٢/٢٨٥.\n٤ ينظر: اللُغة والنحو ١٥٤، وهمزة (البتة) همزة وصل، وبعضهم يجعلها همزة قطع، وكلاهما صحيح.","vol":"1","page":293},{"text":"دائما محوطة بالغموض والظلام\"١. ويقول: \"أمَّا تعيين أوّل من وجه العرب إلى الاشتغال بالبحوث اللُغوية فهذا أمر لا يزال غامضا بعد٢.\nوسبب الغموض عند بعض هؤلاء أنَّه ليس ثمة ما يقطع بالحقيقة في هذا الشأن، لضياع كثير ممَّا أُلّف في المراحل الأولى لنشأة هذا العلم، أو لاضطراب بعض المصادر التَّاريخيَّة الَّتي تعرَّضت لنشأة النَحو العربي، إضافة إلى هيمنة روح التَّشكيك عند بعض المستشرقين في قدرة العرب على ابتداع علم لم يكن لهم سابقة فيه، فانساق أكثر هؤلاء وراء عواطفهم، وزعموا أنّ علوم العربيَّة في نحوها ومعجمها ما هي إلا تقليد ومحاكاة أو ترجمة أجنبية يونانيَّة أو سريانيَّة أو هنديَّة أو فارسيَّة.\nوالحق أن نشأة علوم العربيَّة وعلى رأسها النّحو ليست بهذه الدَّرجة من الغموض، ومن الممكن أن يصل الباحث إلى نقطة البداية، أو ما يقرب منها مستعينًا بالقرائن العلميّة والرِّوايات التَّاريخيَّة الكثيرة بعد تخليصها من بعض الشوائب.\nومن خلال ذلك يمكن التّعرُّف على الشَّخصيَّة أو الشٌخصيَّات الّتي كان لها دور بارز في المراحل الأولى لنشأة العربية، والنّحو خاصة.\nعلى أنّي أرى أنَّ الخطأ الّذي وقع فيه المؤرخون لهذا العلم من القدامى والمعاصرين هو سعيهم الحثيث وانشغالهم بالبحث عن ذلك الشَّخص الفريد الَّذي أنشأ هذا العلم العظيم، وأخرجه من العدم إلى الوجود، وهذا - في زعمي - جهد ضائع؛ لأنه ليس لتلك الشخصيَّة الوهمية وجودا أصلا! .\nفالعربيَّة بعامة والنَّحو بخاصة ثمرة لحشد من التَّراكمات والأنظار والإشارات والملحوظات اللُّغوَّية الَّتي أثارها عدد من النَّابهين من أصحاب\n_________\n١ تاريخ الأدب العربي ٢/١٢٣.\n٢ نفسه ١/١٢٨.","vol":"1","page":294},{"text":"الذّائقة اللُّغويَّة الرَّفيعة من الصَّحابة والتَّابعين وغيرهم، الذين اشتركوا بدرجات متفاوتة في العناية باللغة، وأسهموا في إرساء الأسس النَّحويَّة الأولى، وتطوير العديد من المفاهيم اللُّغويَّة، ونقلها إلى مرحلة علمية جديدة.\nوبرز من هؤلاء جماعة كان لهم النَّصيب الأوفر في نشأة علم النَّحو قياسًا بمعاصريهم، وعلى تفاوت بينهم، وهم: عليّ بن أبي طالب وأبو الأسود الدُّؤلي في النصف الأول من القرن الأول، ونصر ابن عاصم وعبد الرَّحمن بن هرمز في النَّصف الثاني من القرن الأول.\nولبروز هؤلاء في هذا العلم وتفوقهم على غيرهم من معاصريهم نسب ابتداع علم النّحو في العربيَّة إليهم، واثنان من هؤلاء الأربعة كانوا في المدينة وهما: علي ﵁ وعبد الرَّحمن بن هرمز الأعرج.\nويلحق بهؤلاء الأربعة عبد الله بن عباس - ﵄ - الّذي برع في اللُّغة وتفسير الغريب، وأسهم في ظهور علم الدِّلالة والمعجم، وقيل: إنّه أمر بوضع النحو كما سيأتي.\nولا بأس في أن أذكر فيما يلي شيئًا ممَّا أثر عن هؤلاء من غير بسط ولا استقصاء لشهرته وكثرة ما كتب فيه؛ولأن بعضه يحقق ما ذهبتُ إليه، وهو أنَّ نشأة الدَّرس اللُّغوي، بعامة والنَّحوي بخاصّة كانت في المدينة.","vol":"1","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>أولا: عليّ بن أبي طالب </span>(ت ٤٠هـ)\nتذكر كثير من الرِّوايات القديمة أنَّ أوَّل من وضع علم العربيَّة وأسَّس قواعده، وحدَّ حدوده أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب - ﵁ - وأخذ عنه أبو الأسود الدُّؤلي١، وأخذ عن أبي الأسود نصر بن عاصم وعبد الرَّحمن بن هرمز، فقد ذكر أبو بكر الأنباريّ أنَّ أبا الأسود أخذ النَّحو عن عليّ بن أبي طالب - ﵁ - \"٢.\n_________\n١ الفهرست ٤٥، ونزهة الألباء١٧.\n٢ إيضاح الوقف والابتداء١/٤٣.","vol":"1","page":295},{"text":"وقال أبو عبيدة معمر بن المثنّى وغيره: \"أخذ أبو الأسود الدُّؤلي النَّحو عن علي بن أبي طالب \"١.\nوروى أبو الطَّيب اللُغوي بسنده أنَّ \"أول من رسم النَّحو أبو الأسود الدؤلي ... وكان أبو الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين عليّ - ﵇ - لأنَّه سمع لحنًا، فقال لأبي الأسود: اجعل للنَّاس حروفًا - وأشار إلى الرَّفع والنصب والجرّ - فكان أبو الأسود ضنينًا بما أخذه من ذلك عن أمير المؤمنين ﵇\"٢.\nوروى أبو بكر الزُّبيدي عن المبرّد قوله: \"سُئل أبو الأسود عمَّن فتح له الطريق إلى الوضع في النَّحو، وأرشده إليه، فقال: تلقيته من علي بن أبي طالب\"٣.\nوقال في رواية أخرى عن المبرد: \"ألقى إليّ عليّ أصولا احتذيت عليها\"٤.\nوذكر أبو حيان التوحيدي أنَّ \"علىّ بن أبي طالب - رضوان الله عليه - سمع قارئًا يقرأ على غير وجه الصواب فساءه ذلك، فتقدَّم إلى أبي الأسود الدّؤلي حتّى وضع للنَّاس أصلا ومثالا وبابًا وقياسًا، بعد أن فتق له حاشيته، ومهّد له مهاده، وضرب له قواعده\"٥.\nومن الرِّوايات الّتي تعزو نشأة النَّحو إلى الإِمام عليّ بن أبي طالب ما نقله القفطي في قوله: \"وروي – أيضًا - عن أبي الأسود قال: دخلت على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب - ﵇ - فأخرج لي رقعة فيها: الكلام كله اسم وفعل وحرف جاء لمعنى\"٦.\n_________\n١ نزهة الألباء٢٠.\n٢ مراتب النحويين ٢٤.\n٣ طبقات النحويين واللغويين ٢١.\n٤ نفسه ٢١.\n٥ البصائر والذخائر ١/٨٣.\n٦ إنباه الرواة ١/٤٠.","vol":"1","page":296},{"text":"ثم يقول القفطي: \"وأهل مصر قاطبة يرون بعد النَّقل والتَّصحيح أنَّ أوَّل من وضع النَّحو عليّ بن أبى طالب - كرَّم الله وجهه - وأخذ عنه أبو الأسود الدُؤلي\"١.\nوساق الأنباري جملة من الرِّوايات، وفيها ما يعزو النَّحو إلى أبي الأسود أو عبد الرًّحمنِ بن هرمز أو نصر بن عاصم، ثم ختمها برأيه الخاص، فقال: \"والصَّحيح أنَ أوّل من وضع النَّحو عليّ بن أبى طالب - ﵁ - لأنَّ الرِّوايات كلها٢ تسند إلى أبي الأسود، وأبو الأسود يسنده إلى عليّ\"٣.\nوتفصّل بعض الروايات في طبيعة النحو الذي وضعه الإمام عليّ، وتذكر الأبواب التي وضعها، ولا يخفى ما في ذلك من أثر التزيد والمبالغات، وإن كان له دلالته - أيضا - وهو شبه الإجماع على أن لعليّ - ﵁ - نصيبًا في ظهور النَّحو.\nيقول السيوطي فيما رواه عن أبي الأسود أنّه قال: \"دخلت على أمير المؤمنين علىّ بن أبي طالب - ﵁ - رأيته مطرقًا متفكرًا، فقلت: فبم تفكّر يا أمير المؤمنين؟ قال: إنّي سمعت ببلدكم هذا لحنًا، فأردت أن أصنع كتابًا في أصول العربيَّة. فقلت: إن فعلت هذا أحييتنا وبقَّيت فينا هذه الُّلغة، ثم أتيته بعد ثلاث، فألقى إليّ صحيفة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. الكلام كله: اسم وفعل وحرف. فالاسم: ما أنبأ عن المسمَّى، والفعل: ما أنبأ عن حركة المسمَّى، والحرف: ما أنبأ عن معنىً ليس باسم ولا فعل، ثم قال لي: تتبعه، وزد فيه ما وقع لك، واعلم يا أبا الأسود أن الأسماء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنما تتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر.\n_________\n١ إنباه الرواة ١/٤١.\n٢ يريد الروايات التي يُطمأن إليها.\n٣ نزهة الألباء٢٢،٢١.","vol":"1","page":297},{"text":"قال أبو الأسود: \"فجمعت منه أشياء، وعرضتها عليه فكان من ذلك حروف النَّصب فذكرت منها: إنَّ، وأنَّ، وليت، ولعلّ، وكأنَّ، ولم أذكر لكنَّ، فقال لي: لِمَ تركتها؟ فقلت: لم أحسبها منها. فقال: بل هي منها، فزدها فيها\"١.\nولا يخفى ما في هذه الرِّواية من آثار التَّزيُّد والمبالغات، ممّا يجعل النَّفس ترتاب منها لورود مثل تلك المصطلحات والتَّفصيلات التي يبعد أن تكون عرفت في زمن عليّ - ﵁ -.\nوعلى الرَّغم من كثرة الرِّوايات الّتي تسند هذا العلم إلى الإمام عليّ، وتلميذه أبي الأسود من بعده، وتسليم أكثر القدماء بمضمونها ردّها بعض المعاصرين، وجعلوها من الأساطير٢، أو الخرافات٣، أو عبث الرّواة الوضَّاعين٤.\nوأنكر بِعضهم أن يكون للخليفة عليّ بن أبي طالب أي دور في نشأة علم النَّحو، لأنَّ \"وضع النَّحو أمر خطير يتقاضى من القائم به عناية مبذولة إليه خاصة، وصدوفًا عن مشاغل الحياة عامة، ووقتًا طويلا، يُستنزف في التَّقصي للكلام العربي، وإعمال الفكر واستخراج القواعد في حياة كلها هدوء واستقرار، يرفرف عليها جناح الأمن والسَّلام، وحياة الإِمام عليّ - كرم الله وجهه - تقضَّت في النّضال العنيف والشجار المستحرّ، ملأتها الحوادث المروعة، واكتنفتها أمواج الاضطرابات الشاملة، فبعيد أنَّ الإمام عليّ يواتيه الوقت الكافي للنهوض بأعباء هذا العمل الجلل\"٥.\n_________\n١ الأخبار المروية ٣٥،٣٤.\n٢ ينظر: تاريخ الأدب العربي لبروكلمان ٢/١٢٣.\n٣ ينظر: ضحى الإسلام ٢/٢٨٥.\n٤ ينظر: المدارس النحوية ١٤.\n٥ نشأة النحو ١٩، وينظر: المدارس النحوية ١٤.","vol":"1","page":298},{"text":"ونحن نقول لهؤلاء المنكرين: إنَّنا لا نتصوَّر أن يتواطأ جمع من علمائنا القدامى على الكذب، ولا نستكثر على الإِمام عليّ - ﵁ - أن يكون له دور بارز في نشأة هذا العلم، كإرشاد أبي الأسود وتلقينه بعض المبادئ الُّلغوية.\nوأية غرابة في أنَّ تدور بين عليّ وصديقه أبي الأسود أحاديث تتّصل باللغة، وهما بها عالمان، وعلى سلامتها حريصان، في زمن استشرت فيه العجمة، وشاع فيه اللحن، وأخذ يتهدد القرآن؟.\nوليس ما صنعاه نحوًا بالمعنى الَّذي نعرفه اليوم، إنما هي إشارات، وتنبيهات، وملحوظات؛ كانت تدور تحت سماء المدينة وغيرها، منذ عهد الخليفة عمر بن الخطَّاب، فأضاف علي وصاحبه إضافات مهمة، جعلت النَّاس ينسون ما كان قبلهما، ويعزون هذا العلم لهما، أو لأحدهما.\nولو أخذنا بحجَّة انشغال الخليفة علي بتصريف أمور الدَّولة، لأنكرنا كثيرًا ممَّا أثر عنه من فنون القول والحكمة، ممّا فاضت به كتب التَّراجم والطَّبقات، وجُمع بعضه في كتاب نهج البلاغة، وذلك أو أكثره يحتاج في صياغته إلى التَّأمُّل والوقت.\nوكيف نستكثر على عليّ أن يضيع شيئًا من مبادئ النَّحو أو يرشد إليها، وهو من أكثر الصَّحابة علمًا وأشدّهم ذكاء، فقد روي عن النَّبي - ﷺ - قوله: \"أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد العلم فليأته من بابه \"١.\nفعليّ رجل القضاء والفقه والرِّواية والخطابة، وما روي عن ريادته في النَّحو ليس تأليفا مكتملا يستغرق الوقت، ولكنَّه لفتة من بداهة السليقة٢.\n_________\n١ الاستيعاب ٢/١١.\n٢ ينظر: ملاعبة الصيد ١٥٧.","vol":"1","page":299},{"text":"ثانيًا: أبو الأسود الدُّؤليّ (ت ٦٩هـ)\nذهب بعض الرُّواة إلى أنَّ أبا الأسود هو أوَّل من استنبط النَّحو، وأخرجه من العدم إلى الوجود.\nقال ابن سلام: \"وكان أول من أسَّس العربيَّة، وفتح بابها، وأنهج سبيلها، ووضع قياسها: أبو الأسود الدُّؤلي ... فوضع باب الفاعل والمفعول به، والمضاف، وحروف الرَّفع والنَّصب والجرّ والجزم\"١.\nوقال ابن قتيبة: \"إنَّ أبا الأسود هو: \"أول من عمل في النَّحو كتابًا\"٢.\nوُيقوي ما ذهب إليه ابن قتيبة في أنَّ لأبي الأسود كتابًا في النَّحو ما حكاه ابن النَّديم في قصَّة الأوراق العتيقة الَّتي وقف عليها، فهي تدلّ على أنَّ واضع النَّحو هو أبو الأسود الدؤلي، قال ابن النَّديم: \"كان بمدينة الحديثة رجل يقال له محمد بن الحسين، ويعرف بابن أبي بَعْرَة، جمَّاعة للكتب، له خزانة لم أر لأحد مثلها كثرة، تحتوي على قطعة من الكتب الغريبة في النَّحو واللغة والأدب والكتب القديمة، فلقيت هذا الرجل دفعات فأنس بي، وكان نفورًا ضنينًا بما عنده وخائفًا من بني حمدان، فأخرج إليّ قِمطرًا فيه ثلاث مئة رطل جلود فلجان، وصِكاك، وقرطاس مصر، وورق صيني، وورق تهامي، جلود آدم، وورق خرساني، فيها تعليقات لغة عن العرب، وقصائد مفردات من أشعارهم، وشيء من النَّحو والحكايات والأخبار والأسمار والأنساب، وغير ذلك من علوم العرب، وغيرهم. وذكَر أنَّ رجلًا من أهل الكوفة - ذهب عني اسمه - كان مستهتَرًا بجمع الخطوط القديمة، وأنّه لما حضرته الوفاة خصَّه بذلك لصداقة كانت بينهما، وأفضال من محمد بن الحسين عليه، ومجانسة بالمذهب، فإنَّه كان شيعيًَّا، فرأيتها وقلَّبتها فرأيت عجبًا، إلا أنَّ الزَّمان قد أخلقها، وعمل فيها\n_________\n١ طبقات فحول الشعراء ١/١٢.\n٢ الشعر والشعراء ٢/٧٢٩.","vol":"1","page":300},{"text":"عملًا أدرسها وأحرفها، وكان على كل جزء أو ورقة أو مدرج توقيع بخطوط العلماء واحدًا إثر واحد، يذكر فيه خط من هو، وتحت كلِّ توقيع آخر وخمسة أو ستة من شهادات العلماء على خطوط بعضِ لبعض، ورأيت في جملتها مصحفًا بخط خالد بن أبي الهياج صاحب عليّ ﵇، ثم وصل هذا المصحف إلى أبي عبد الله بن حاني - ﵀ - ورأيت فيها بخطوط الأئمَّة من الحسن وإلى الحسين ﵈، ورأيت عدَّة أمانات وعهود بخط أمير المؤمنين عليّ ﵇، وبخط غيره من كتاب النّبي ﵇، ومن خطوط العلماء في النَّحو والّلغة، مثل أبي عمرو بن العلاء، وأبي عمرو الشَّيبانيّ، والأصمعيِّ، وابن الأعرابيّ، وسيبويه، والفراء، والكسائي، ومن خطوط أصحاب الحديث مثل سفيان بن عُيينة، وسفيان الثوريّ، والأوزاعيّ وغيرهم، ورأيت ما يدلُّ على أنَّ النَّحو عن أبي الأسود ما هذه حكَايته، وهي أَربع أوراق أحسبها من ورق الصيني، ترجمتها: هذه فيها كلام في الفاعل والمفعول من أبي الأسود - رحمة الله عليه - بخط يحي بن يعمر. وتحت هذا الخط بخط عتيق: هذا خط علاّن النَّحويّ، وتحته: هذا خط النَّضر بن شميل\"١.\nوتؤكد رواية ابن النَّديم هذه اشتغال أبي الأسود بالنَّحو، ووضعه شيئًا من حدوده، مع أنَّها لا تنفي أن يكون قد تلقى ذلك أو بعضه عن عليّ بن أبي طالب.\nومن الصَّعب الشك في صحَّة هذه الرِّواية لأنَّ ما أورده ابن النَّديم من مقوّيات الخبر يؤكد صدقه؛ ولأنَّ الرجل ثقة عرف بدقته في النَّقل والرِّواية، فهو إذا رأى بنفسه قال: رأيت، وإذا سمع قال سمعت، وإذا لم يطمئنّ إلى شيء، قال: لم أر، أو ذكر ما يدل على شكّه. على أنَّ اختفاء هذه الأوراق ثلاثة قرون\n_________\n١ الفهرست ٤٦.","vol":"1","page":301},{"text":"وظهورها في القرن الرابع على يد ابن النَّديم المتوفى سنة ٣٨٠هـ وسكوت العلماء عنها قد يثير الشَّكّ والارتياب في أمرها، وإن كان ذلك لا يكفي لردها؛ لأنَّ كثيرا من مؤلفات القدامى من القرن الثاني والثالث قد ضاعت، ثم وجد بعضها بعد عدة قرون.\nوالذي عليه أكثر العلماء١ أنَّ النَحو أخذ عن أبي الأسود وأنَّ أبا الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب٢ - كما تقدَّم -، وأنَّه كان مدفوعًا برغبته الجامحة لصدّ ما سمعه من الَّلحن، قال المبرد: إنّ \"ابنة أبي الأسود قالت: ما أشدُّ الحرِّ، فقال لها: الحصباء بالرمضاء، قالت: إنَّما تعجّبت من شدّته، قال: أو قد لحن النّاس؟ فأخبر بذلك عليًا - رحمة الله عليه - فأعطاه أصولا بنى منها، وعمل بعده عليها٣.\nأو أنَّه سمع لحنًا في القرآن فقال: \"لا أظن يسعني إلا أن أضع شيئًا أصلح به نحو هذا، أو كلام هذا معناه، فوضع النَّحو\"٤.\nقال أبو الطيب الُّلغويّ: \"وكان أول من رسمه، فوضع منه شيئًا جليلًا، حتَّى تعمق النَّظر بعد ذلك، وطوَّلوا الأبواب\"٥.\nوقيل بل كان وضعه ليتعلمه بنو زياد؛ لأنَّهم كانوا يلحنون، فكلَّمه زياد في ذلك، وكان أعلم الناس بكلام العرب٦.\nوذهب بعض الرواة إلى أنَّ أبا الأسود وضع النَّحو بأمر من عمر بن الخطَّاب - ﵁ -.\n_________\n١ ينظر: الفهرست ٤٥،ونزهة الألباء١/١٧، وإنباه الرواة ١/٣٩، والأخبار المروية ٣١.\n٢ ينظر: مراتب النحويين ٢٤.\n٣ الفاضل ٩٥.\n٤ مراتب النحويين ٢٦.\n٥ نفسه ٢٦.\n٦ نفسه ٢٧.","vol":"1","page":302},{"text":"ذكر أبو البركات الأنباري أنَّ عمر بن الخطَّاب سمع لحنًا في القرآن الكريم فأمر \"أن لا يقرئ القرآن إلا عالم باللّغة، وأمر أبا الأسود الدًّؤليّ أن يضع النّحو\"١.\nوأخرجه الحافظ بن عساكر٢ والسُّيوطيّ٣.\nوحدَّث أبو الحسن المدائنيّ عن عبّاد بن مسلم عن الشَّعبي، قال: \"كتب عمر بن الخطَّاب - ﵁ - إلى أبي موسى: أما بعد، فتفقَّهوا في الدِّين؛ وتعلَّموا السُّنّة، وتفهَّموا العربيَّة، وتعلَّموا طعن الدَّرية٤، وأحسنوا عبارة الرُّؤيا، وليعلّم أبو الأسود أهل البصرة الإِعراب\"٥.\nوأنكر بعض الباحثين المعاصرين أن يكون عمر بن الخطَّاب هو الَّذي أمر أبا الأسود بوضع النَّحو، لتقدم عصر عمر وانشغاله بأمر الدَّولة وبعده عن أبي الأسود الذي كان يسكن البصرة٦، ولتعارض ذلك مع ما روي، وهو أنَّ الآمر بذلك هو عليّ بن أبي طالب.\nويمكن الجمع بين الرِّوايات الَّتي عزت ذلك إلى عمر بن الخطَّاب، والَّتي عزته إلى عليّ، بأنّ عمر أشار إلى شيء من ذلك، ولكنَّ أبا الأسود تأخَّر في الاستجابة، وتردّد، ثم جدّد الخليفة عليّ الطَّلب، فأمر أبا الأسود فاستجاب بعد أن رأى شيوع اللحن في زمن عليّ.\nومن الثَّابت اهتمام عمر بن الخطاب بسلامة اللغة، ودعوته إلى مرعاة الصَّواب في النُّطق بالمفردات والتَّراكيب.\n_________\n١ نزهة الألباء١/٢٠.\n٢ ينظر: مختصر تاريخ دمشق ٧/١١٣.\n٣ ينظر: الأخبار المروية ٣٠، ٣١.\n٤ الدّريّة: ما يُتعلم عليه الطعن. ينظر: القاموس (درى) ١٦٥٥.\n٥ إنباه الرواة ١/٥١.\n٦ ينظر: تجديد النحو العربي ١٠١.","vol":"1","page":303},{"text":"وتذكر بعض الرِّوايات أنَّ أبا الأسود تلقى الأمر بوضع النَّحو من زياد بن أبيه، لحوادث من الَّلحن ذكروها١.\nومن الثَّابت أن أبا الأسود صنع النَّقط الإعرابيّ في المصحف ضمًّا ورفعًا وكسرًا وغُنَّة؛ لرعاية النَّصّ القرآني من اللَّحن، وقد روت المصادر أنَّ زيادًا بعث إلى أبي الأسود، فقال له: \"يا أبا الأسود؛ إنَّ هذه الحمراء قد كثرت، وأفسدت من ألسن العرب، فلو وضعت شيئًا يَصْلُحُ به النَّاس، ويعْرب به كتاب الله ...\nفقال: يا هذا قد أجبتك إلى ما سألت، ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن، فابعث إليَّ ثلاثين رجلا.\nفأحضره زياد، فاختار منهم أبو الأسود عشرة، ثم مازال يختارهم، حتَّى اختار منهم رجلًا من عبد القيس، فقال له: خذ المصحف وصبغًا يخالف لون المداد، فإذا فتحت شفتي فانقط واحدة فوق الحرف، وإذا ضممتها فاجعل النقطة إلى جانب الحرف، وإذا كسرتها فاجعل النُّقطة في أسفله، فإن اتبعت شيئًا من الحركات غنَّة فانقط نقطتين.\nفابتدأ بالمصحف حتَّى أتى على آخره، ثم وضع المختصر المنسوب إليه بعد ذلك\"٢.\nويُعدُّ النَّقط الإعرابي الَّذي وضعه أبو الأسود، ثم طُوِّر فيما بعد واستقرَّ على صورة الحركات الَّتي نعرفها اليوم من أعظم الخطوات في علم العربية بعامة والنَّحو بخاصة.\nولا جدال في أنَّ ما قام به أبو الأسود في هذا الشَّأن يُعدُّ عملًا منطقيًَّا، تتطلبه الحوادث، وتقتضيه الحاجات في ظروف ومناسبات خاصة، ولا يقدم\n_________\n١ ينظر: إنباه الرواة ١/٥٠، ٥١.\n٢ نزهة الألباء٢٠، وينظر: الفهرست ٤٥، ومجالس ثعلب ١/٦٦، وأمالي القالي ١/٥، وإيضاح الوقف والابتداء ١/٤١.","vol":"1","page":304},{"text":"عليه أحد من دون موافقة ولاة الأمر في عصره، ورعايتهم١؛ لأنَّ الأعمال الفردية في أمر عظيم يتصل برسم المصحف لا يقدم عليها فردٌ بغير إجماع من علماء المسلمين، وتعضيد من وليّ الأمر.\nويبدو أنَّ فكرة ضبط القرآن ضبطًا إعرابيًا قد راودت الخلفاء الرَّاشدين منذ عهد الخليفة عثمان بن عفان، بعد أن جمع المصحف، ولا نستبعد أن تكون أصولها في زمن الخليفة عمر بن الخطاب الّذي كان حريصا على لغة العرب، ولاشكَّ في أنَّ حرصه على النَّص القرآني أكبر، ولكن حداثة الإِسلام، وانشغال الأئمَّة بالفتوحات في زمنه، وانشغالهم بجمع القرآن في زمن عثمان أدَّى إلى تأخير هذا الصنيع الَّذي قام به أبو الأسود فيما بعد، حين تهيَّأت له الأسباب.","vol":"1","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>ثالثًا: ابن عبّاس (ت ٦٨ ه</span>ـ)\nكان ابن عبّاس - ﵄ - يسمّى البحر، لسعة علمه٢، وكان أعلم النّاس في زمانه بعلم العربية والشعر وتفاسير القرآن٣.\nوحسبك في علم ابن عباس في مجال العربية قول ابن جني: \"ينبغي أن يحسن الظن بابن عباس، فيقال: إنه أعلم بلغة القوم من كثير من علمائهم٤\" أي: علمائهم الذين تخصصوا في علم العربية بعد أن نضجت.\nونستطيع القول: إن لابن عباس الحظ الوافر في تأسيس علوم العربية لغة ونحوا: ودفع عجلتها بقوة، لما أثر عنه من نشاط مشهور في هذا الشأن.\n_________\n١ ينظر: أثر القرآن في أصول مدرسة البصرة ٣٩.\n٢ ينظر: أسد الغابة ٣/١٨٧، وتحفة الأحوذي ١٠/٣٢٧.\n٣ ينظر: أسد الغابة ٣/١٨٧، ١٨٨.\n٤ المحتسب ٢/٣٤٢.","vol":"1","page":305},{"text":"وصلة ابن عباس برجالات الُّلغة والمعنيين بأمرها ثابتة، ومن هؤلاء عمر ابن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبو الأسود الدؤلي.\nوصلة ابن عباس بأبي الأسود بخاصة، وعلمه بالعربية تجعلاننا نقبل بعض الروايات المأثورة عن تعاون الرجلين في مجال اللغة؛ فقد روي فيما يتصل بالنحو أن ابن عباس كان يعرف شيئًا منه، وكان يأمر أبا الأسود بالمضيّ في إظهاره.\nقال القفطي: \"أتى أبو الأسود عبد الله بن عباس، فقال: إني أرى ألسنة العرب قد فسدت، فأردت أن أضع شيئًا لهم يقومون به ألسنتهم قال: لعلك تريد النحو، أما إنه حق، واستعن بسورة يوسف\"١.\nولا ندري مراد ابن عباس بحضّه أبا الأسود على الاستعانة بسورة يوسف، ولعله أراد أن يتخذ أبو الأسود من بعض آياتها الكريمة رائدًا له٢، مثل: ﴿وَلِنُعلِّمهُ مِن تَأوِيل الأحَاديث﴾ ٣ أو ﴿وَلا نُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ٤ أو ﴿وَعَليْهِ فَلْيَتَوَكَّل المُتَوَكِّلُون﴾ ٥ أو ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ٦ أو أنه أراد أنّ في هذه السورة وحدها ما يكفيه لوضع الأسس للنحو.\nولابن عباس معرفة مؤكدة بالنحو، فقد كان ينبه الناس على اللحن، فمن ذلك أنه لقي ابن أخي عبيد بن عمير فقال: إنّ ابن عمّك لعربي، فماله يلحن في قوله: ﴿إذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصدُّوْن﴾ إنما هي يَصِدون٧ \"\n_________\n١ إنباه الرواة ١/٥١.\n٢ ينظر: تجديد النحو العربي ١٠٠.\n٣ سورة يوسف: الآية ٢١.\n٤ سورة يوسف: الآية ٥٦.\n٥ سورة يوسف: الآية ٦٧.\n٦ سورة يوسف: الآية ٧٦.\n٧ معاني القرآن للفراء ٣/٣٦،٣٧.","vol":"1","page":306},{"text":"وهذا خلل في حركة عين الفعل المضارع، وهو خلل صرفي، وقد عدّه لحنا، ولاشك في أن الخلل النحوي في حركات الإعراب عنده أوضح وأكبر١.\nوروى ابن جرير الطبري أن ابن عباس قرأ الآية: ﴿يَأيُّها الَّذينءَامَنُوا إِذَا قُمْتُم إِلَى الصَّلوةِ فَاغسِلُوا وُجوهَكُم وأيدِيَكُم إِلَى الَمرَافِقِ وامْسَحوا بِرُءُوسِكُم وَأرْجُلَكُم﴾ ٢ بنصب أرجلكم، فقال: \"عاد الأمر إلى الغسل٣\".\nوفي هذا دلالة قوية على معرفة ابن عباس بالإعراب؛ لأنه ربط بين معنى الآية وحركات الإعراب، إذ عطف (أرجلكم) على (وجوهَكم) وهي في موضع نصب، ولم يعطفها على (برؤسكم) رغم قربها؛ لأنها مجرورة بالحرف.\nومهما يكن من أمر، فقد برع ابن عباس في اللغة، وتفسير الغريب في المفردات، وشرح بعض الأساليب العربية في التراكيب، وشق الطريق أمام اللغويين في مقام الاستفادة من الشعر في بناء مناهج العربية فيما عرف عنه في إجاباته عن سؤالات نافع بن الأزرق، وملحوظاته في التفسير، فكان ذلك نواة علم الدلالة والصنعة المعجمية عند العرب.","vol":"1","page":307},{"text":"رابعًا: نصر بن عاصم الليثيّ (ت ٨٩ هـ)\nكان نصر بن عاصم فقيها فصيحًا عالمًا بالعربية، من تلامذة أبي الأسود.\nقال عمر بن دينار: \"اجتمعت أنا والزهري ونصر بن عاصم، فتكلم نصر، فقال الزهري: إنه ليفلّق بالعربية تفليقًا\"٤.\n_________\n١ ينظر: المفصل في تاريخ النحو العربي ٧٨.\n٢ سورة المائدة: الآية ٦.\n٣ جامع البيان للطبري ٤/ ٤٦٨.\n٤ نزهة الألباء، ٢٣.","vol":"1","page":307},{"text":"ويعدّ نصر بن عاصم من علماء النحو المبرزين في زمانه، وقال بعض الرواة: إن نصر ابن عاصم \"أول من وضع النحو وسببه\"١.\nوقال السيرافيّ: إنه \"أوّل من وضع العربية\"٢.\nوقال ابن النديم: \"وقال آخرون: رسم النحو نصر بن عاصم\"٣.\nوقال أبو البركات الأنباري: \"وزعم قوم أن أول من وضع النحو نصر بن عاصم\"٤.\nوالحق أنه ليس أول من وضع النحو، كما زعم بعض الرواة، فقد برز قبله جماعة - كما تقدم - منهم عليّ بن أبي طالب وأبو الأسود، والصواب أنه من أول من أخذ النحو عن أبي الأسود، وفتق فيه القياس، وكان أنبل الجماعة الذين أخذوه عن أبي الأسود فنسب إليه - كما يقول القفطي٥.\nولعل من نسب إليه أوليّة النحو قصد نقط المصاحف الإِعجاميّ، وهو إكمال لصنيع شيخه أبي الأسود، أو أنه وضع شيئًا من النحو في كتاب، فقد روى ياقوت أنّ له كتابًا في النحو٦.\nولنصر بن عاصم تلامذة مشهورون في النحو كعبد الله بن أبي إسحاق الحضرميّ وأبي عمرو بن العلاء.\nوقد يكون لتلمذة هؤلاء الأعلام عليه وأخذهم النحو عنه دور مباشر أو غير مباشر في نسبة وضع النحو إليه، فالمعتاد أن يعلي التلميذ من قدر شيخه.\n_________\n١ إنباه الرواة ٣/٣٤٣.\n٢ أخبار النحويين البصريين ٣٨، والأخبار المروية ٥٥.\n٣ الفهرست ٤٥.\n٤ نزهة الألباء٢١.\n٥ ينظر: إنباه الرواة ٣/ ٣٤٣.\n٦ ينظر: معجم الأدباء٦/٢٧٤٩.","vol":"1","page":308},{"text":"خامسًا: عبد الرّحمن بن هرمز (ت ١١٧ هـ)\nيعد عبد الرحمن بن هرمز الملقّب بالأعرج من أشهر علماء الُّلغة والنحو في زمانه، وكان رأسًا في هذا العلم، أخذ النحو عن أبي الأسود، واتصل بأكثر الصحابة علمًا بالقرآن والحديث.\nوإليه نسبت بعض الروايات وضع النحو في المدينة، قال أبو سعيد السيرافيّ: \"اختلف الناس في أول من رسم النحو، فقال قائلون: أبو الأسود الدؤلي، وقال آخرون: نصر بن عاصم الدؤليّ ... وقال آخرون: عبد الرّحمن بن هرمز\"١.\nوروى السيرافيّ ٢ وأبو بكر الزبيديّ عن ابن لهيعة عن أبي النضر أنه قال: \"كان عبد الرحمن بن هرمز أول من وضع العربية ٣\".\nورواه ابن النديم من طريق آخر، قال: \"قرأت بخط عبد الله بن مقلة عن ثعلب أنه قال: روى ابن لهيعة عن أبي النضر قال: كان عبد الرحمن بن هرمز من أول من وضع العربية، وكان أعلم الناس بأنساب قريش وأخبارها\"٤.\nوقال القفطي في أثناء ترجمته لابن هرمز: \"قال أهل العلم: إنه أول من وضع علم العربية\"٥.\nوالحقّ أن ابن هرمز مسبوق في هذا الشأن كنصر بن عاصم، ولهذا قال أبو البركات الأنباري: \"فأما زعم من زعم أن أول من وضع النحو عبد الرحمن\n_________\n١ أخبار النحويين البصريين ٣٣.\n٢ نفسه ٤٠.\n٣ طبقات النحويين واللغويين ٢٦.\n٤ الفهرست ٤٥.\n٥ إنباه الرواة ٢/١٧٢.","vol":"1","page":309},{"text":"ابن هرمز الأعرج ونصر بن عاصم فليس بصحيح؛لأن عبد الرحمن أخذ عن أبي الأسود، وكذلك – أيضًا - نصر بن عاصم\"١.\nوسيأتي الحديث موسعًا عن ابن هرمز في الفصل الثالث.\nويتبين لنا في ختام هذا الفصل أن أولية وضع النحو محصورة - على رأي علمائنا - بين أربعة، وهم: عليّ بن أبي طالب، وأبو الأسود الدؤليّ، ونصر بن عاصم، وعبد الرحمن بن هرمز.\nوأما ابن عباس فله الفضل في وضع حجر الأساس لبعض العلوم في العربية كعلم الدلالة.\nوالذي أراه أن النحو لا يعزي في وضعه لعالم بعينه، إنما هو جملة من الأنظار والملحوظات والإشارات اللغوية التي أثارها طائفة من النابهين وأصحاب الذائقة اللغوية الرفيعة من الصحابة والتابعين، ومن جاء بعدهم، فأسهموا جميعًا - بدرجات متفاوتة - في إرساء الأسس النحوية الأولى في المدينة، ثم انتشرت هذه الملحوظات والأنظار، وتداولها المهتمون بالعربية، في الأمصار، كالبصرة في بادئ الأمر، ثم الكوفة، فكانت النواة للنحو العربي، الذي نضج في أواخر القرن الثاني، وكانت النواة لعلم العربية بعامة.\nوكان لهؤلاء الأربعة قدم راسخة في إرساء الأسس لهذا البنيان الشامخ، وكان اشتهارهم في هذا الفن مع تقدم زمانهم مدعاة لأن يرفع الرواة والمؤرخون من شأنهم، وينسبوا إليهم وضع النحو.\n_________\n١ نزهة الألباء٢١.","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الفصل الثالث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>من أعلام الدرس اللغوي في المدينة</span>\n...\nمن أعلام الدّرس الّلغويّ في المدينة\n(في القرنين الأوّل والثاني)\nقسّم علماء الطبقات والتراجم البيئات التي نشأ فيها النحو واشتهرت فيها مقالته إلى ثلاثٍ، وهي: البصرة والكوفة وبغداد، فقالوا تبعًا لذلك: إن النحويين ثلاث فئات: بصريون، وكوفيون، وبغداديون؛وهم من خلطوا المذهبين البصريّ والكوفيّ.\nولم يشيروا إلى بيئة المدينة النحوية، أو نشأة النحو فيها، وانطلاقه منها إلى سائر الأمصار كالبصرة ثم الكوفة ثم بغداد.\nولم يكتفوا بإهمالهم دور المدينة في هذا الشأن فنفى بعضهم عن المدينة أي صلة بالنحو، أو وصفوها بالخلو من علماء ذلك العلم.\nيقول أبو الطيب اللغوي بعد حديثه عن البصرة والكوفة: \"ولا علم للعرب إلا في هاتين المدينتين، فأما مدينة الرسول - ﷺ - فلا نعلم بها إمامًا في العربية\"١.\nونقل ذلك عنه جماعة من العلماء، كياقوت الحمويّ٢ والسيوطي٣ّ.\nويقول ابن يعيش: \"لا أدري لأهل المدينة مقالة في النحو\"٤.\n_________\n١ مراتب النحويين ٥٥.\n٢ ينظر: معجم الأدباء٥/٢١٥٠.\n٣ ينظر: المزهر ٢/٤١٤.\n٤ إنباه الرواة ٢/١٧٢.","vol":"1","page":311},{"text":"ونفى الأصمعيّ عن أهل المدينة وعلمائها العلم بالشعر - أيضا، وهو يصف حالهم في زمانه في القرن الثاني بقوله: \"أقمت بالمدينة زمانًا ما رأيت بها قصيدة واحدة صحيحة إلا مصحّفة أو مصنوعة\"١.\nويذكر الجاحظ أن اللحن في أهل المدينة فاشٍ، وفي عوامهم غالب٢.\nوتدلّ هذه التهم والأحكام - إن صحّت - على ضعف أهل المدينة في العربية، وبعدهم عن الاشتغال بفنونها كالنحو والإعراب والغريب رواية الشعر.\nوظاهرٌ ما في هذه النصوص من مبالغات، وهي لا تخلو من الظلم والحيف لهذه المدينة المباركة، وفيها غمط لما قدمه أبناؤها لعلوم العربية نحوا ومعجمًا ورواية، وقد تبيّن لنا من خلال هذا البحث أنّ نواة العربية بذرت في المدينة منذ زمن الخلفاء الراشدين، وأن النحو العربي، كان ثمرة لجهود طائفة من المعنيين باللغة في تلك المدينة تمثلت في تأملهم اللُّغة والنظر في مفرداتها وفي تراكيبها ودقائقها، فلعلي بن أبي طالب ومن قبله عمر بن الخطاب إسهامات لا تنكر في تنقية اللغة ودفع آفة اللحن عنها وتوجيه عناية النابهين لضبطها، واستخلاص مسائلها، ووضع اللبنات الأولى لتقعيدها، ولابن عباس الفضل في وضع الأساس المتين لعلم الدلالة والمعجم العربيّ، وما يتصل بذلك من العناية بالغريب في القرآن بخاصة.\nويأتي من بعد هؤلاء الأعلام طائفة من اللغويين والنحاة المتميزين من أهل المدينة في القرنين، الأول والثاني، كعبد الرحمن بن هرمز الذي عزت إليه بعض الروايات نشأة النحو العربيّ، ومحمد بن كعب القرظيّ، ومسلم بن جندب الهذليّ، وأبان بن تغلب الجُريريّ، وعبد العزيز القارئ الملقب\n_________\n١ مراتب النحويين ١٥٦.\n٢ ينظر: البيان والتبيين ١/١٤٦.","vol":"1","page":312},{"text":"ببَشْكُسْت، وعلى الجمل، وعيسى بن يزيد بن دأب اللّيثيّ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدويّ، ومروان بن سعيد المهلبيّ، وغيرهم.\nويبدو أن ابن برهان النحوي (٤٥٦ هـ) بلغه خبر لغوي المدينة ونحوييها، أو خبر بعضهم، وعرف قدرهم، فكان أكثر إنصافًا؛إذ قال: \"النحويون جنس تحته ثلاثة أنواع: مدنيون، كوفيون، بصريون \"١.\nفانظر كيف بدأ بالمدنيين لسبقهم الزمنيّ.\nونقل القفطيّ كلام ابن برهان وعلق عليه ووجهه بقوله: \"أراد أن أصل النحو نتج من أول علماء هذه المدن\"٢.\nوقد يطلق على نحاة المدينة ومكة معًا في بعض المصادر مسمّى: نحويوا الحجاز، لاشتراكهم في بعض الآراء أو المصطلحات النحوية، ومن الثابت أن لهم نظرات خاصة تفردوا بها بعد طول تأمل، ومن ذلك ما أورده الفراء بعد أن عرض مسألة نحوية: \"وهذا مما كان يقوله نحويوا أهل الحجاز، ولم نجد مثله في العربية٣\".\nوتبرز - هنا - عدة أسئلة، وهي:\nلماذا أهمل أمر النحاة واللغويين في المدينة؟\nهل كانت بضاعتهم مزجاة، لا تستحق الذكر؟\nأو كان نحوهم يختلف عما بين أيدينا من النحو، فسقط؟\nأو أن هناك أسباباَّ أخرى نجهلها؟\nيبدو أن السبب المباشر للإهمال أو التجاهل - إن صح التعبير - يكمن في انشغال المسلمين في صدر الإسلام بأخبار الحرب وأنباء الفتوح، التي كانت\n_________\n١ شرح اللمع لابن برهان ١/١، ينظر: إنباه الرواة ٢/١٧٢.\n٢ إنباه الرواة ٢/١٧٢.\n٣ معاني القرآن ١/٣٥٨.","vol":"1","page":313},{"text":"تتوالى على المدينة صباح مساء، ثمّ أدّى انتقال مركز الخلافة إلى دمشق أيام الأمويين، ثم إلى بغداد أيام العباسيين إلى صرف الأنظار عن المدينة وتركزها على مراكز الخلافة الجديدة، فأهمل المؤرخون وأصحاب الطبقات كثيرًا من نواحي الحياة في المدينة، ومنها أخبار العلم والعلماء.\nولم تزل المدينة تبتعد شيئًا فشيئًا عن دوائر الضوء وتنزوي بين جبال الحجاز ورمال الصحراء في جزيرة العرب، حتى خرجت ومعها جزيرة العرب بكاملها من اهتمامات المؤرخين والكتّاب وأصحاب الطبقات، فليس ثمة ما يغري المؤرخين أو يجبرهم على الخوض في شؤون تلك البقاع سوى ما يتصل بالحج، وأخبار بعض الخوارج والقرامطة.\nوأصبحت أخبار تلك البلاد في القرنين الثالث والرابع مما يعزّ وجوده في كتب التُّراث العربيّ، يدلّ على ذلك أننا لا نكاد نعلم شيئا عن بعض العلماء المشهورين؛ كأبي عليّ الهجَريّ، وهو من علماء الأدب واللغة والتاريخ في المدينة في القرنين الثالث والرابع، فلم تصلنا أخباره إلا عن طريق علماء الأندلس الذين نقلوا كثيرًا من أخباره في أثناء رحلاتهم للحج.\nوفي هذا الشأن يقول الشيخ حمد الجاسر: \"أليس من الغريب حقا أن يقال: إننا لولا الأندلس لجهلنا كثيرا من أحوال البلاد التي نعيش فيها، وخاصة ما يتعلق بجزيرة العرب، هذه الجزيرة التي [كانت] صلتها بعواصم الخلافة الإسلامية في دمشق والقاهرة وبغداد أقوى وأوثق، وهي إليها أقرب، وبشؤونها لم تكن يومًا مرتبطة إلا بهذه العواصم، ولم يكن للأندلس ولا للدولة الإسلامية فيه ... أية نفوذ على هذه الجزيرة، ولكن العلم وحده والرابطة الروحية الإسلامية هي أقوى من كل الصلات وأوثق من جميع الروابط.\nلقد كان علماء الأندلس يغدون إلى مكة المكرمة لا للحج وحده","vol":"1","page":314},{"text":"ولكن لينشروا علمًا وليستزيدوا منه، وليكونوا صلة بين شرق البلاد وغربها بالعلم والثقافة\"١.\nويضيف الشيخ الجاسر قائلا: \"ونشير إلى ما هو أغرب من هذا، وهو أن علامة العرب الهمداني صاحب (الإكليل) و(صفة جزيرة العرب) وغيرهما من المؤلفات القيمة، والذي كان يعيش في أقصى جنوب جزيرة العرب دخلت كتبه الأندلس واستفاد منها علماؤه قبل أن يعرف علماء الشرق عنها شيئًا، بل إن هذا العالم وصلت إلينا كثير من أخباره عن طريق علماء الأندلس مثل صاعد الأندلسي في كتابه (طبقات الأمم) وغيره، ولم يعرف علماء المشارقة عن كتب الهمدانيّ إلا اليسير بعد الأندلسيين بمئات السنين.\nأما الهَجَريّ فإن أمره بقي مجهولا بين علماء الشرق إلى هذا العهد إلا ما عرفوه بواسطة الأندلسيين، وهو قليل بل أقل من القليل، بينما انتشرت كتبه في الأندلس واستفاد منها علماؤنا في وقت مبكر جدًا يرقى إلى عصر الهجريّ نفسه.\nولما رأى المشارقة الاستفادة من تلك الكتب لم يجدوا أمامهم سوى ما في مؤلفات علماء الأندلس منها٢.\nويمكن القول إن الكلمات اللغوية المعزوة لأبي عليّ الهجريّ في معجم \"لسان العرب\" لابن منظور وصلت إليه عن طريق \"المحكم\" لابن سيدة الأندلسيّ (٤٥٨ هـ) .\nوعرف المشارقة باقي تراث الهجريّ اللغويّ مما يتصل بغريب الحديث٣ عن طريق كتاب \"الدلائل في شرح غريب الحديث\" لثابت بن حزم السرقسطيّ (٣١٣ هـ) .\n_________\n١ أبو علي الهجري ١١.\n٢ نفسه ١٢.\n٣ ينظر: التعليقات والنوادر ١/١٨١.","vol":"1","page":315},{"text":"وعرفوا تراثه في المواضع والبلدان عن طريق \"معجم ما استعجم\" لأبي عبيد البكريّ (٤٨٧ هـ) .\nنعم؛ وإن كنا نعرف جماعة كبيرة من الأعراب١ممن أُخذتْ عنهم اللًّغة في البصرة والكوفة، فإننا نجهل نظراءهم من الأعراب المجاورين للمدينة ممن أسهموا في رواية اللغة، وأخذ عنهم بعض النوادر واللهجات في القرنين الأول والثاني.\nولولا أبو عليّ الهجريّ لجهلنا أمثال هؤلاء في القرنين الثالث والرابع ممن روى عنهم الهجري اللُّغة وبعض النوادر واللغات في كتابه القيم \"التعليقات والنوادر\".\nفمن منا يعرف أبا الغَطَمَّش المَعْرضيّ من بني عُقيل، ومُكْرَمة بنت الكُحيل الفراسية من قُشَير، وابن علكم المأربيّ، وأبا بُرَيهٍ العُذَمِيّ الأسديّ، والجبهيّ، وأبا عَنْدَل الأوسيّ، وجَميل بن دغيم المِنقَريّ، وحِرْمزة التميميّ، وأبا البَسَّام الثُماليّ، والرُّدَينيّ الحارثيّ، والمُسلَّم بن أحمد بن يزيد الحربيّ، وأبا المعضاد الحرشي؟ ٢.\nويضاف إلى كل ما تقدم ذكره أن التاريخ لنشأة علوم العربية وبخاصة النحو لم يتم إلا بعد أن نضج هذا العلم، وتكوّنت أطره العامة، واستوت مصطلحاته الفنية على سوقها، تلك المصطلحات التي لم يكن النحاة في القرن الأول ومنتصف الثاني على شيء من الدراية بمدلولات أكثرها، فانشغل علماء الطبقات بمرحلة النضج والكمال قي القرنين الثالث والرابع، وما خلفه علماؤها من نتاج علمي.\n_________\n١ ينظر: إنباه الرواة ٤/١٢٠- ١٢٣.\n٢ ينظر: التعليقات والنوادر ١/٥٨- ٧١.","vol":"1","page":316},{"text":"وهكذا نستطيع القول: إن اللُّغة والنحو وأربابها في المدينة مما طوي عنا أمره أو أكثره فلا نعرف اليوم من أعلام هذا الفن أو عنهم إلا القليل، مما يمكن أن يجمع في قبضة يد واحدة من تراث لغويّ مفقود.\nوقد وقفت - بعد طول بحث في المظان المختلفة - على جملة من أولئك الأعلام في المدينة، وتعرفت على شيء من تراثهم اللغوي الضائع، ولسان حالي يقول: ما لا يدرك كله لا يترك جله.\nفمن أعلام اللُّغة والنحو في مدينة الرسول -ﷺ - في القرنين الأول والثاني، أو ممن كان لهم أثر محمود في وضع بذرة النحو بتوجيهاتهم وملحوظاتهم:\n١- عمر بن الخطّاب (٢٣ هـ)\nلم يكن عمر بن الخطاب - ﵁ - من اللغويين أو النحاة بمفهوم المصطلح العلمي، وإنما هو ممن لهم أثر محمود في وضع بذرة النحو وعلوم اللُّغة في المدينة فاستحق بذلك أن نفتتح به؛ فقد كان حريصًا على نقاء اللغة، يأمر ألا يقرأ القرآن إلا عالم بها١.\nوقد أثر عنه فيما يتصل بالعربية والنحو الشيء الكثير، وتدل بعض الروايات على إلمامه بأساليب اللّغة ودقائقها التعبيرية، وحرصه على سلامتها وحثه على تعلّمها، فقد روي عنه قوله: \"تعلموا العربية: فإنها تَثبت العقل، وتزيد في المروءة\"٢.\nوقال: \"تفقهوا في العربية\"٣.\n_________\n١ ينظر: نزهة الألباء٢٠، وإنباه الرواة ١/٥١، والجامع لأحكام القرآن ١/٢٤.\n٢ معجم الأدباء١/٢٢، وينظر: الإيضاح في علل النحو ٩٦، ونور القبس ٢.\n٣ كنز العمال ٥/٢٢٨.","vol":"1","page":317},{"text":"وقال في كتاب له موجه لبعض الولاة: \"أما بعد؛ فإني آمركم بما أمركم به القرآن، وأنهاكم عما نهاكم عنه محمد، وآمركم باتباع الفقه والسنة والتفهّم في العربية\"١.\nوروى عنه قوله: \"تعلموا إعراب القرآن كما تعلّمون حفظه\"٢.\nوقوله:\" تعلموا النحو كما تعلّمون السنن والفرائض\"٣.\nوروي عنه - أيضًا - أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: \"أن مُرْ من قِبَلَكَ بتعلم العربية، فإنها تدل على صواب الكلام٤\".\nوالعربية في هذا النص هي عربية المصطلح العلمي القديم التي تقابل في مدلولها كلمة النحو، لأنها تدلّ - كما يفهم من قول عمر - على صواب الكلاَم، أي يهتدي بها إلى صواب الكلام.\nوقد وردت بعض المصادر - كما تقدم - أن عمر هو الذي أمر أبا الأسود بأن يضع النحو إذ قال: \"وليُعَلِّم أبو الأسود أهل البصرة الإعراب\"٥.\nولم يكن ذلك - فيما نرى - عن بصر حقيقي بالنحو ودقائقه، وإنما هو إحساس فطري متميّز باللغة والإعراب، ربما دفعه إلى تدبّر اللُّغة وتراكيبها، فلم يجد من الوقت ما يكفي للغوص في لجتها، فاكتفى بالتوجيه والإرشاد ودفع اللحن عن لغة القرآن.\nوليس ذلك بمستغرب من شخصية فذّة كعمر بن الخطاب، فأثره جليّ في كثير من مستجدات الأمور عند المسلمين، كالعلوم والإدارة والسياسة، فقد\n_________\n١ ينظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ٩/٩.\n٢ إيضاح الوقف والابتداء١/١٩، ٢٠.\n٣ البيان والتبيين ٢/٢١٩.\n٤ إيضاح الوقف والابتداء١/٣٠.\n٥ المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ٩/١٨.","vol":"1","page":318},{"text":"وضع - ﵁ - تقويمًا ثابتًا، وهو التاريخ الهجري، فأصبح عنصرًا حيويا في نشأة الفكرة التاريخية، ومنذ ذلك الوقت أصبح توقيت الحوادث أو تاريخها العمود الفقري للدراسات التاريخية١.\nوقام - ﵁ - بتأسيس الديوان أو سجل المحاربين وأهليهم حسب قبائلهم، فأعطى هذا الأنساب أهمية جديدة، وكان حافزًا إضافيا للاهتمام بدراسة الأنساب.\nوعلى نحو ذلك كان شأن عمر مع العربية، فلا أظننا نبالغ إن جعلناه أحد الشخصيات المؤثرة تأثيرًا طيبًا في ظهور علم النحو العربي فيما بعد، لإسهامه في وضع بذرة النحو في المدينة، فمن الثابت اهتمامه بسلامة اللغة، ودعوته إلى مراعاة الصواب في النطق بالمفردات والتراكيب والإعراب.\n٢- علي بن أبي طالب (٤٠ هـ)\nتقدم في الفصل الثاني أن عليًّا - ﵁ - كان أحد الشخصيات الرئيسة التي عزي إليها وضع النحو، وأنه يكوّن مع أبي الأسود قطب الرحى في جملة تراثنا المروي في مسألة نشأة النحو العربي، وأن أكثر الروايات وأوثقها وأقدمها تصبّ فيهما، وقد كانت صلته بأبي الأسود صلة الأستاذ بالتلميذ النجيب.\nومن الثابت أن عليًا أسهم إسهامًا فاعلا مع غيره في وضع شيءٍ من أسس النحو بتوجيهاته وملحوظاته وأفكاره النيّرة، وهو ممن حاول تأصيل النحو وتقعيد مسائله في المدينة والكوفة فيما بعد.\nوقد ذكرت بعض الروايات أن عليا أرشد أبا الأسود بعد طول تأمل في كلام العرب إلى أصول النحو وحدوده، وأمره بأن يحذو حذوها، ومن ذلك أنه دفع\n_________\n١ ينظر: نشأة علم التاريخ عند العرب ١٩.","vol":"1","page":319},{"text":"إليه بصحيفة جاء فيها: \"الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمّى والفعل ما أنبئ به، والحرف ما أفاد معنى\"١.\nثم قال لأبي الأسود: \"انح هذا النحو، وأضف إليه ما وقع إليك، واعلم يا أبا الأسود أن الأسماء ثلاثة: ظاهر ومضمر واسم لا ظاهر ولا مضمر\"٢\nومن تلك الروايات إشارة الإمام علي إلى الرفع والنصب والجر٣.\nوأن أبا الأسود كان كلما وضع بابا من أبواب النحو عرضه عليه إلى أن حصل ما فيه الكفاية، فقال له علي: ما أحسن هذا النحو الذي قد نحوت، فلذلك سمّي النحو٤.\nوعلى الرغم من أن الشك يحوم حول هذه الروايات إلا أن دلالتها مع غيرها قوية، فهي تدل على أن لعلي مشاركة طيبة في نشأة النحو، ونصيبًا نقدره بميزان الظن والتخمين؛ لأن ما وصل إلينا من أخبار نشأة العربية ومنها النحو لا يكفي الرسم الصورة الحقيقية لذلك العلم.\n٣- ابن عباس (٦٨ هـ)\nقضى ابن عباس جزءًا مهما من حياته في المدينة قبل أن يستقر في آخر أيامه في الطائف، وهو من علماء اللُّغة المرموقين، يعد عند بعض المحققين القدامى أعلم بلغة العرب من كثير من علمائهم٥.\nوقد أشارت بعض المصادر إلى صلته بأبي الأسود، وأنه كان يحثه على وضع علم النحو٦.\n_________\n١ نزهة الألباء ١٨، وينظر: الأخبار المروية ٣٤.\n٢ نزهة الألباء ١٨.\n٣ ينظر: مراتب النحويين ٢٤.\n٤ نزهة الألباء ١٩.\n٥ ينظر: المحتسب ٢/٣٤٢.\n٦ ينظر: إنباه الرواة ١/٥١.","vol":"1","page":320},{"text":"ولا غرابة في ذلك فقد أحيط ابن عباس منذ حداثته بجو علمي غني مؤثر، إذ لازم رسول الله - ﷺ - وروى عنه الأحاديث الصحيحة، وقرأ القرآن على زيد ابن ثابت، وأبيّ بن كعب، وعلي بن أبي طالب١، وأكبّ على لغة العرب شعرا ونثرًا حتى غدا بحرا في العلوم٢.\nومن الثابت أنّ لابن عباس اليد الطولى في تأسيس علم الدلالة والمعجم العربي، وكان - ﵁ - حجة في اللغة، يؤمه طلبة العلم في المدينة ثم في مكة والطائف بعد انتقاله إليهما في أواخر حياته، وتعد جهوده في شرح الغريب من القرآن أو الحديث أساسًا قويًا لبعض علوم العربية.\nوقد شقّ ابن عباس الطريق أمام اللغويين في مقام الاستفادة من الشعر في بناء مناهج العربية بصورة عامة وفي مجال الشرح المعجمي بصورة خاصة - كما يقول الدكتور عبد الكريم بكّار٣.\nعلى أن جهود ابن عباس الُّلغوية توفرت على التفسير \"ويغلب على الظنّ أنّ علم العربية بفروعه المختلفة كان يعرض في مجال تفسير غريب القرآن، كما يغلب على الظن أن ما ألفه أبو عمرو ويونس والكسائي وأمثالهم من كتب في معاني القرآن إنما هو تطوير لمجالس ابن عباس وحلقاته، مع الاستفادة مما استنبط من قوانين اللغة، وما فسر به الحالات الإِعرابية في قراءته\"٤.\nوبهذا يمكن أن يقال: إن علوم الدلالة والشعر واكبت النحو في نشأتها في المدينة.\nوسنعرض - في الفصل الرابع - لشيء من تراث ابن عباس في العربية.\n_________\n١ ينظر: غاية النهاية ١/٤٢٦.\n٢ ينظر: النهاية في غريب الحديث ١/٩٩.\n٣ ينظر: ابن عباس مؤسس علوم العربية ١٢٧.\n٤ المفصل في تاريخ النحو العربي ٧٨.","vol":"1","page":321},{"text":"٤- مسلم بن جندب الهذليّ (١٠٦ هـ)\nوهو قارئ مُجيد وقاص مشهور من أهل المدينة.\nقال الجزيريّ: \"وكان من فصحاء أهل زمانه، وقال عمر بن عبد العزيز: من سرّه أن يقرأ القرآن غضًا فليقرأه على قراءة مسلم بن جندب\"١.\nولمسلم عناية باللغة والنحو جعلت بعض علماء الطبقات يصفه بأنه نحويّ، ومن هؤلاء القفطيّ الذي ذكر أن مسلم بن جندب يعدّ من النحويين٢.\nوكان علماء المدينة يرجعون إليه في مشكلات اللُّغة وتفسير الغريب، ولاسيما القرآن، قال الجزيريّ: \"وقال ابن وهب: حدثني نافع، قال: سألت مسلم بن جندب عن قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ ٣ قال: إلى غاية، فسألته عن ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ ٤ فقال: الردء: \"الزيادة\"٥.\nوكان لمسلم بن جندب أثر بالغ في قراء المدينة بعامة، فهو قدوتهم في اللغة، فقد روى الإمام الذهبي ما نصه: \"قال الحلواني عن قالون، قال: كان أهل المدينة لا يهمزون، حتى همز ابن جندب فهمزوا ﴿مُسْتَهْزِءون﴾ ٦ و﴿يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ٧.\nوهذا يدل على ما بلغه ابن جندب من مكانة رفيعة في اللُّغة والقراءة.\n_________\n١ غاية النهاية ٢/٢٩٧.\n٢ ينظر: إنباه الرواة ٣/٢٦١.\n٣ سورة المعارج: الآية ٤٣.\n٤ سورة القصص: الآية ٣٤.\n٥ غاية النهاية ٢/٢٩٧، وينظر: معرفة القراء الكبار ٦٦.\n٦ سورة البقرة: الآية ١٤.\n٧ معرفة القراء الكبار ٦٦، والآية في سورة البقرة: الآية ١٥.","vol":"1","page":322},{"text":"٥- عبد الرحمن بن هرمز الأعرج (١١٧هـ)\nيعدّ ابن هرمز من قراء المدينة المشهورين، أخذ القراءة عن ابن عباس وأبي هريرة - ﵃ - وأخذ عنه نافع بن أبي نعيم القراءة في جماعة من أهل المدينة.\nوهو من علماء اللُّغة المتقدمين، وقد عزت بعض الروايات وضع النحو إليه كما تقدم.\nقال القفطي في أثناء كلامه عنه: \"قال أهل العلم: إنه أول من وضع علم العربية، والسبب في هذا القول أنه أخذ عن أبي الأسود الدؤلي، وأظهر هذا العلم بالمدينة، وهو أول من أظهره وتكلم فيه بالمدينة، وكان من أعلم الناس بالنحو، وأنساب قريش، وما أخذ أهل المدينة النحو إلا منه، ولا نقلوه إلا عنه\"١.\nويبدو أن ابن هرمز كان متعمقًا في مسائل النحو وأصوله، فقد اجتمع حوله نفر من طلبة العلم في المدينة، وأخذوا يدرسون عليه النحو، ومن أشهر تلامذته مالك بن أنس، ونافع بن أبي نعيم.\nقال القفطي: \"إن مالك بن أنس إمام دار الهجرة - ﵁ - اختلف إلى عبد الرحمن ابن هرمز عدة سنين في علم لم يبثه في الناس، فمنهم من قال: تردد إليه لطلب النحو واللغة قبل إظهارهما، وقيل: كان ذلك من علم أصول الدين، وما يرد به مقالة أهل الزيغ والضلالة\"٢.\nومما يدل على علم ابن هرمز بالعربية وإلمامه بالنحو أن الإِمام ابن مجاهد شيخ القراء كان يستدل بقوله في مجال النحو والعربية، كما نص ابن جني في\n_________\n١ إنباه الرواة ١/٣٩.\n٢ إنباه الرواة ٢ /١٧٢، وينظر: طبقات النحويين واللغويين ٢٦.","vol":"1","page":323},{"text":"قوله: \"ومن ذلك قراءة يحي وإبراهيم السُّلميَّ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ١ بالياء ورفع الميم؛ قال مجاهد: وهو خطأ قال: وقال الأعرج: لا أعرف في العربية: أفحكم، وقرأ ﴿أَفَحُكْمَ﴾ نصبًا\"٢.\nويظهر من قول ابن هرمز أنه كان ذا استقراء واسع في مثل هذه المسألة مكنه من القول: إنه لا يعرف في العربية كذا٣.\nوعلى ضوء هذا يمكن أن يقال: إن لابن هرمز نصيبًا وافرًا من الملحوظات النحوية الأولى في العربية التي كانت تلقى مشافهة، وأنه على قدر من العلم بالمفردات والتراكيب والقرائن اللفظية وما يصاحبها من ظواهر الإِعراب التي سميت فيما بعد بالعوامل، ولهذا نسبت إليه بعض الروايات وضع النحو العربي.\n٦- عبد الله بن ذكوان (١٣٠هـ)\nوهو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني المعروف بأبي الزناد، تابعي مدني ثقة، قال ابن المديني، لم يكن بعد كبار التابعين أعلم منه٤.\nنعتوه بالنحوي، وذكروا أنه كان فصيحًا بصيرًا بالعربية يرجع إليه الناس في فهم الشعر وبعض العلوم.\nقال الحافظ المزّي: \"قال الليث بن سعد: رأيت أبا الزناد دخل مسجد النبيّ - ﷺ - ومعه من الأتباع مثل ما مع السلطان، فمن سائل عن فريضة، ومن\n_________\n١ سورة المائدة: الآية ٥٠.\n٢ المحتسب ١/٢١٠، ٢١١.\n٣ ينظر: المفصل في تاريخ النحو العربي ١٢٥.\n٤ ينظر: تهذيب التهذيب ٥/٢٠٤.","vol":"1","page":324},{"text":"سائل عن الحساب، ومن سائل عن الشعر، ومن سائل عن الحديث، ومن سائل عن معضلة\"١.\nوروى يحيى بن بكير عن الليث بن سعد قوله: \"رأيت أبا الزناد وخلفه ثلاثمائة تابع من طالب فقه وعلم وشعر وصنوف\"٢.\nويبدو أنه كان ذا شهرة في علوم العربية يرجع إليه طلبة العلم في مسائلها، فقد روى أبو بكر الأنباري أن ابن أبي إسحاق قال: \"لقيت أبا الزناد، فسألته عن الهمز، فكأنما يقرؤه من كتاب\"٣.\nويدل هذا الخبر على بصر أبي الزناد في علوم العربية ولهجاتها \"ذلك أن ابن أبي إسحاق كان متفوقًا في الهمز، حتى ذكروا أن ما جمع عنه فيه يؤلف كتابًا، كما ذكروا أنه غلب أبا عمرو بن العلاء فيه، ومع هذا كله نراه معجبًا بإحاطة أبي الزناد به، حتى كأنه كان يقرأ من كتاب، فإذا كان على هذه الغزارة في علم الهمز أفلا يرجح أن يكون أوفر علمًا في ظواهر العربية الأخرى، كالإعراب وأبنية الكلام؟ \"٤.\nومن هذا - أيضًا - أنّ الكسائي إمام اللُّغة في زمانه كان يسأل ابن ذكوان عن مسائل لغوية وحروف في قراءات أهل المدينة ويستحسن ما يسمعه من إجاباته ويعجب بها، كما روى السمين الحلبي٥.\n٧- عبد العزيز القارىء الملقب ببَشْكُسْت (١٣٠هـ)\nيعد بَشْكُسْت من علماء المدينة، ومن نحاتها الشعراء، وكان ذا مكانة\n_________\n١ تهذيب الكمال ١٤/٤٨٠.\n٢ نفسه ١٤/٤٨٠.\n٣ إيضاح الوقف والابتداء١/٤٩-٥٠.\n٤ المفصل في تاريخ النحو العربي ٨٦.\n٥ ينظر: الدر المصون ٥/ ١٦٨.","vol":"1","page":325},{"text":"مرموقة في النحو جعلت أهل المدينة - حينئذ - يقبلون عليه لتلقي هذا العلم على يديه.\nترجم له القفطي وجعله من نحاة المدينة، وقال: \"أخذ عنه أهل المدينة النحو\"١.\nوقال ابن عساكر: \"وكان نحويًا أخذ عنه أهل المدينة، وكان يذهب مذهب الشراة٢، ويكتم ذلك، فلما ظهر أبو حمزة الشاري بالمدينة سنة ١٣٠ هـ خرج معه، فقتل فيمن قتل بخلافة مروان بن محمد\"٣.\nفقيل في مقتله:\nلَقَدْ كَانَ بَشْكُسْتُ عبد العَزيز ... مِنَ أهل٤ القِرَاءَةِ والمَسْجِدِ\nفَبُعْدًا لبَشْكُسْت عبد ِالعزيز ... وأمّا القران٥ فلايَبْعد٦\nوكان بَشْكُسْت نحويا بارعًا يكره اللحن في الكلام ويأنف منه، وقد عرف عنه ذلك، وله فيه حكايات منها ما رواه ابن عساكر في قوله: \"وفد بشكست النحوي على هشام بن عبد الملك، فلما حضر الغداء دعاه هشام، وقال لفتيان بني أمية: تلاحنوا عليه، فجعل بعضهم يقول يا أمير المؤمنين: رأيت أبي فلان، ويقول آخر: مربي أبي فلان، ونحو هذا، فلما ضجّوا أدخل [بَشْكْست] يده في صحفة فغمسها ثم طلى لحيته، وقال لنفسه: ذوقي، هذا جزاؤك في مجالسة الأنذال\"٧.\nولا نعلم من تراث هذا النحوي شيئًا، فقد ذهب نحوه فيما ذهب من تراث المدنيين.\n_________\n١ إنباه الرواة ٢/١٨٣.\n٢ الشراة هم الخوارج، سمو بذلك لقولهم: شرينا أنفسنا في طاعة الله.\n٣ تاريخ دمشق ١٠/ ١٤٢.\n٤ وصل الهمزة ضرورة.\n٥ خفف الهمزة ضرورة.\n٦ ينظر: الأغاني ٢٣/١٤٦.\n٧ تاريخ دمشق ج٥ الورقة ٤٥٤/١.","vol":"1","page":326},{"text":"٨- زيد بن أسلم العدويّ المدنيّ (١٣٦ هـ)\nمن علماء المدينة في زمانه، وكان عالمًا بتفسير القرآن١، ولم تمدّنا كتب التراجم عنه بشيء ذي بال في شأن علوم اللغة، ولكن من يتأمل النقول الكثيرة عنه في مطولات التفسير، كـ\"جامع البيان\" للطبري، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان الأندلسي، و\"الدر المصون\" للسمين الحلبي يدرك أن ابن أسلم هذا كان ذا عناية باللغة وإلمام بغريبها، لا سيما ما يتصل بالقرآن الكريم.\nومن تفسيراته اللغوية:\nقوله: العالمون: هم المرتزقون٢\nوقوله: الشقاق: المنازعة ٣\nوقوله: لغو اليمين: دعاء الرجل على نفسه٤.\nوقوله: العافِين عن الناس: عن ظلمهم وإساءتهم٥.\n٩- عليّ الجمل (؟)\nمن علماء المدينة، وهو شخصية يكتنفها الغموض، إذ لا نعرف عن حياته شيئًا غير ما ذكره أبو حاتم السجستانيّ في كتابه في القراءات، ونقله عنه أبو الطيب اللغويّ والزبيديّ والقفطيّ.\nقال أبو الطيب اللغويّ: \"وممن كان بالمدينة - أيضًا - على الملقّب بالجمل، وكان وضع في النحو كتابًا لم يكن شيئا٦.\n_________\n١ ينظر:التهذيب التهذيب ٣/٣٩٦.\n٢ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١/١٣٨.\n٣ نفسه ٢/١٤٣.\n٤ نفسه ٣/١٠٠.\n٥ نفسه ٤/٢٠٧.\n٦ مراتب النحويين ١٥٨.","vol":"1","page":327},{"text":"ونقله الزبيديّ وزاد بعد عبارة \"لم يكن شيئا\": \"فذهب\"١.\nأما القفطي فيخالف أبا الطيب في حكمه على هذا الكتاب الذي يعد من أوائل الكتب المصنفة في النحو، إذ يصفه بالشمول في قوله: \"وكان وضع كتابا في النحو لم يخلّ شيئًا\"٢.\nوالفرق شاسع بين عبارتي \"لم يكن شيئًا\" في نص أبي الطيب والزبيديّ، و\"لم يخلّ شيئًا\" في نص القفطيّ، ويبدو أن مصدر النصين واحد، وغير بعيد أن يكون أحدهما محرفًا.\nوقد امتدّ أثر هذا الكتاب المتقدم إلى علم من أعلام النحو في البصرة، وهو الأخفش (٢١٥ هـ) يقوك تلميذه أبو حاتم السجستانيّ (٢٥٥ هـ) في كتابه في القراءات حيث ذكر القراء والعلماء: \"وأظن الأخفش سعيد بن مسعدة وضع كتابه في النحو من كتاب الجمل، ولذلك قال: الزيت رطلان بدرهم. والزيت لا يذكر عندنا؛ لأنه ليس بإدام لأهل البصرة\"٣.\nوما قاله السجستانيّ يدل على أن الكتاب كان ذا مكانة رفيعة، وأنه أثار انتباه العلماء وأن أثره امتدّ إلى خارج المدينة؛ لما كان يحويه من أصول النحو ومسائله، وإحسانه الظن به شهادة عالية القيمة من عالم مشهور لعالم مغمور، لعلمه بخاصة ولعلماء المدينة بعامة.\n١٠- الأصبغ بن عبد العزيز الليثيّ (١٦٠ هـ تقريبًا)\nوهو الإصبغ بن عبد العزيز بن مروان بن إياس بن مالك، ترجم له الجزيري في طبقات القراء٤، ونعته بأنه \"نحويّ\" وقال: \"معدود في شيوخ نافع، لا أعرف على من قرأ، ذكر ذلك سبط الخياط\"٥.\n_________\n١ طبقات النحويين واللغويين ٧٣.\n٢ إنباه الرواة ٢/٣٨.\n٣ طبقات النحويين واللغويين ٧٣، ومراتب النحويين ١٥٨، وإنباه الرواة٢/٣٨، ١٧٢.\n٤ ينظر: غاية النهابة ١/١٧١.\n٥ نفسه ١/١٧١.","vol":"1","page":328},{"text":"وأورد له ابن حجر في \"لسان الميزان\"١ ترجمة مقتضبة ذكر فيها أن الإِصبغ هذا مجهول، أخذ عن أبيه عبد العزيز بن مروان.\nولما كان من شيوخ نافع فإننا نقدر أنه من أهل المدينة، وأن وفاته كانت في حدود ١٦٠هـ.\n١١- نافع المدنيّ (١٦٩ هـ)\nوهو قارئ المدينة المشهور نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثيّ، أخذ القراءة والعربية عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وأبي جعفر القارىء، ومسلم بن جندب، والإِصبغ بن عبد العزيز النحويّ وغيرهم٢.\nوقد أقرأ الناس سبعين سنة ونيفًا، وانتهت إليه رئاسة القراءة في المدينة، وتمسك أهلها بقراءته، وهي أحب القراءات إلى الإمام أحمد بن حنبل٣.\nوكان نافع عالمًا بوجوه القراءات والعربية، وكان الأصمعي يسأله عن همز الذيب والبير٤.\nولصلته الوثيقة بعلم النحو أورده أبو المحاسن التنوخيّ في كتابه \"تاريخ العلماء النحويين\"٥.\n١٣- عيسى بن يزيد بن دأب الليثيّ (١٧١ هـ)\nمن أدباء المدينة، ويعد من رواة الشعر واللغة والأخبار. قال ياقوت: \"كان من رواة الأخبار والأشعار والحفاظ، وكان معلمًا من علماء الحجاز\"٦.\n_________\n١ ١/٤٦٠.\n٢ ينظر: غاية النهاية ٢/٣٣٠.\n٣ نفسه ٢/٣٣٢.\n٤ ينظر: معرفة القراء الكبار ٩١.\n٥ ص: ٢٣٠.\n٦ معجم الأدباء٣/٢١٤٤.","vol":"1","page":329},{"text":"وروى السخاويّ عن الخطيب البغداديّْ أن ابن دأب \"كان راوية عن العرب وافر الأدب عالمًا بالنسب، عارفًا بأيام الناس، حافظًا للسير\"١.\nوروى السخاويِّ - أيضًا - عن إبراهيم بن عرفة أنه \"كان أكثر أهل الحجاز أدبًا، وأعذبهم ألفاظًا٢.\nلقي الأصمعيّ في أثناء رحلته إلى المدينة ابن دأب، فحمل عليه وعلى أهلها بعامة، يقول أبو الطيب اللغويّ: \"قال الأصمعيّ: أقمت بالمدينة زمانا ما رأيت بها قصيدة واحدة صحيحة إلا مصحفة أو مصنوعة\"٣.\nويضيف أبو الطيب: \"وكان ابن دأب يضع الشعر وأحاديث السمر، وكلامًا ينسبه إلى العرب، فسقط وذهب علمه وخفيت روايته ... قال الأصمعيّ: العجب من ابن دأب حين يزعم أن أعشى همدان قال:\nمَن دَعَا لي غزيِّلي ... أَربحَ اللهْ تجَارَتُهْ\nوخِضابٌ بِكَفّهِ ... أَسْود الّلونِ قارتُهْ\nثم قال الأصمعيّ: يا سبحان الله، يحذف الألف التي قبل الهاء في (الله) ويسكن الهاء ويرفع (تجارته) وهو منصوب، وُيجَوَّز هذا عنه، ويروي الناس عن مثله\"٤.\nوأنا أخشى أن يكون الأصمعيّ قد بالغ فيما رواه، لأن ابن دأب من منافسيه في رواية الشعر واللغة والأخبار، وهو من أقرانه تقريبًا، وطعن الأقران لا يعتد به كما هو معلوم، ولأن ابن دأب من ناحية أخرى كان يحظى عند الخليفة الهادي بالمكانة الرفيعة لما اتصل به، وكان الخليفة يدعو له بتكاء، ولم يكن أحد من الخلق يطمع في هذا في مجلسه، وكان الهادي لا يستطيل\n_________\n١ التحفة اللطيفة ٣/٣٩٠.\n٢ نفسه ٣/٣٩٠.\n٣ مراتب النحويين ١٥٦.\n٤ نفسه ١٥٦، ١٥٧، وينظر: الأغاني ٦/٥٦.","vol":"1","page":330},{"text":"به يوما ولا ليلة، لكثرة نوادره وجيد شعره\nوحسن: الانتزاع له١، ولا يخفى بعد هذا أن داعي الحسد بينه وبين أقرانه وارد.\nويحسب لابن دأب إثراؤه المجالس العلمية في المدينة برواياته من الشعر واللغة، ونقدر تقديرًا استفادة معاصريه من علماء العربية من تلك الروايات وما يدور فيها من نقد أو توجيه أو اقتناص شاهد.\n١٣- مالك بن أنس (١٧٩ هـ)\nإمام أهل المدينة في الفقه، وأحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة.\nلم يقتصر علمه على الفقه الذي ذاع صيته فيه وعرف به، بل امتدّ إلى علم العربية لغة ونحوًا؛ فترجم له أبو المحاسن التنوخيّ المعري في كتابه \"تاريخ العلماء النحويين من البصريين والكوفيين وغيرهم\" واقتصر على ذكر سنة وفاته٢.\nوذكره القفطيّ في \"إنباه الرواة\" في ترجمة ابن هرمز، وقال: \"يروى أن مالك بن أنس إمام دار الهجرة - ﵁ - اختلف إلى عبد الرحمن بن هرمز عدة سنين في علم لم يبثه في الناس، فمنهم من قال: تردّد إليه لطلب النحو واللغة قبل إظهارهما، وقيل كان ذلك من علم أصول الدين وما يُرَد به مقالة أهل الزيغ والضلالة\"٣.\nوالراجح عندي أنه تردد عليه لطلب اللُّغة والنحو كما قيل، لأسباب منها:\nأولا: أن شهرة ابن هرمز كانت في العربية.\nثانيًا: أنّ حذق العربية لغة ونحوًا يحتاج إلى سنوات، كما ورد في الخبر.\n_________\n١ ينظر: معجم الأدباء ٥/٢١٤٦.\n٢ ينظر: تاريخ العلماء النحويين ٢٣٠.\n٣ إنباه الرواة ٢/١٧٢، ١٧٣.","vol":"1","page":331},{"text":"ثالثًا: أن إمامًا في الفقه كمالك يحتاج إلى إجادة العربية لغة ونحوًا؛ لأن العربية هي مفتاح نصوص التشريع من قرآن وسنة، ولذلك اشترطوا في المجتهد في الفقه أن يكون عالمًا باللغة والنحو.\nرابعًا: أنه لو كان علمًا جديدًا غير العربية تُرد به مقالة أهل الزيغ والضلالة – كما قيل - لظهر وعرفناه، لحاجة المسلمين إليه.\nخامسًا: أننا لا نقدّر أن يكتم أحد علمائنا علمًا نافعًا كهذا الذي يرد به على أهل الضلال.\nولهذا اختار التنوخيّ القول الأول، أي أنه اختلف إلى ابن هرمز لطلب العربية، وأهمل غيره، قال: \"يقال: إن مالك بن أنس كان يختلف إليه يتعلّم منه العربية\"١.\nويبدو أنَّ مالكًا قد أجاد اللًّغة وبرع فيها حتّى تفرد عن غيره بأشياء منها ما رواه السيوطيّ عن ابن خالويه، قال: \"لم يسمع جمع الدَّجال من واحد إلا من مالك بن أنس فقيه المدينة، فإنَّه قال: هؤلاء الدجاجلة\"٢.\nوهذا يذكرنا بالإمام الشافعي وما انفرد به من ألفاظ وتراكيب لغوية رويت عنه أو ذكرها في كتابيه \"الأم \" و\" الرسالة\".\n١٤- عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدويّ (١٨٢ هـ) .\nمن علماء المدينة ولغوييها، تتلمذ على جماعة، وأخذ اللغة عن والده٣. له كتاب في التفسير، ذكره الداوديّ في \"الطبقات المفسرين\"٤ وذكر أن له - أيضًا - كتابا آخر، وهو \"الناسخ والمنسوخ\".\n_________\n١ تاريخ العلماء النحويين ١٦٣.\n٢ المزهر ١/٣٠٣.\n٣ ينظر: تهذيب التهذيب ٦/ ١٧٧.\n٤ ١/٢٧١.","vol":"1","page":332},{"text":"ويعد كتابه في التفسير من مصادر الطبري الرئيسة في تفسيره؛ إذ نقل عنه بكثرة.\nويبدو من النقول التي وصلتنا عن طريق الطبري أن معظم تفسير ابن زيد يشتمل على شرح الغريب، وحل التراكيب المشكلة أو غير المألوفة، وهو ينحو فيه منحى ابن عباس وابن مجاهد في تفسيرهما.\nويمكن القول إن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم كان واحدًا من أعلام اللُّغة في المدينة، وأنه خلّف تفسيرًا يشبه إلى حدٍّ ما تفسير ابن عباس وتفسير ابن مجاهد غير أن عنايته بالشعر كانت ضعيفة.\nويقول عنه باحث معاصر وهو فؤاد سزكين: \"أما تفسيره فأكثره شروح لغوية، ويبدو أن هذا التفسير كان أحد المصادر الهامة لتفسير الطبريّ\"١.\nوذكر سزكين أن الطبري أفاد من تفسيرِ ابن أسلم هذا في نحو ثمانمائة وألف موضع، وذكر أن الثعلبي أفاد منه - أيضا - في تفسيره \"الكشف والبيان\".\nومن نماذج تفسير ابن أسلم اللغوية:\nقوله: طغيانهم: كفرهم وضلالهم٢.\nوالأنداد: الآلهة التي جعلوها معه٣.\nوالمطهّرة: التي لا تحيض٤.\nومن نماذج تفسيره اللغويّ في الأساليب:\nقوله في قول الله ﷿: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾: أوفوا بأمري أوفِ بالذي وعدتكم٥.\n_________\n١ تاريخ التراث العربي ا/٨٨.\n٢ ينظر: جامع البيان ١/١٦٩.\n٣ نفسيه ١/١٩٩.\n٤ نفسه ١/٢١٢.\n٥ نفسه ١/٢٨٩.","vol":"1","page":333},{"text":"وفي ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: قلبي في غلاف فلا يخلص إليه مما تقول شيء١ وفي ﴿إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: إلا من أخطأ حظه٢.\n١٥- مروان بن سعيد المهلبيّ (١٩٥ هـ تقريبا)\nمن أحفاد المهلب بن أبي صفرة، واسمه: مروان بن سعيد بن عباد بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة المهلبيّ، أخذ عن الخليل بن أحمد، وكانت له صلات وثيقة بالبصرة والكوفة في العراق.\nوفي \"طبقات النحويين\"٣ للزبيديّ، و\"إنباه الرواة\"٤ للقفطيّ ما يفيد أن المهلبيّ من أهل المدينة، أو أقام بها زمنا، وتصدَّر للتدريس.\nوذكر ياقوت أن المهلبيّ هذا من \"المتقدمين في النحو المبرزين فيه\"٥.\nوذكر القفطيّ حكاية في أثناء ترجمة الوليد بن محمد التميميّ المصريّ المعروف بـ \"ولاّد\" تدل على أن مروان بن سعيد المهلبي كان من رجال النحو في المدينة، غير أنه لم يكن من حذاقه، قال القفطيّ في كلامه عن ولاّد: \"وقيل: إنه خرج في أول أمره إلى مكة، فحجّ، وجاء إلى المدينة، فزار قبر رسول الله - ﷺ - ورأى بالمدينة نحويًا متصدرًا لإفادة النحو، وهو المهلبي تلميذ الخليل، وهو الذي كان يهاجي عبد الله بن أبي عُيينة، ولم يكن من الحذاق بالعربية، فأخذ عنه ولاّد ما عنده، وكان يسمعه يذكر الخليل شيخه، فراح ولاد إلى البصرة، وأدرك الخليل بن أحمد، ولقيه وأخذ عنه وأكثر بالبصرة، وسمع منه الكثير، ولازمه، ثم انصرف إلى الحجاز، ودخل مدينة رسول الله - ﷺ - ولقيه معلمه المهلبي فناظره، فلما رأى منه المدني تدقيق ولاد للمعاني\n_________\n١ نفسه ١/٤٥٢.\n٢ نفسه ١/٦٠٩.\n٣ ص ٢١٣.\n٤ ٣/٣٥٤.\n٥ معجم الأدباء٦/٢٦٩٨، وينظر: بغية الوعاة ٢/٢٨٤.","vol":"1","page":334},{"text":"وتعليله في النحو، قال: لقد ثقبت يا هذا بعدنا الخردل\"١.\nوأورد الزبيديّ القصة ملخّصة، وعقّب عليها بقوله: \"وقد بلغني أن صاحب هذه القصة هو المهلبيّ تلميذ الخليل، وهو الذي كان يهاجي عبد الله بن أبي عيينة\"٢.\nوأورد المرزبانيّ طرفًا من أشعاره في هجاء صاحبه هذا٣.\nوتدل هذه الرواية على إقبال طلبة العلم - حينئذ - على تلقي النحو، وأخذه عن أساتذته الذين يتصدّرون لإفادة الناس، كما يتصدر غيرهم لإِفادة باقي العلوم كالتفسير والحديث والفقه، وهذا دليل على عراقة علوم العربية في المدينة.\nوللمهلبيّ مناظرات عديدة في النحو مع بعض معاصريه كالكسائيّ والأخفش، سيأتي ذكرها، في الحديث عن نحو أهل المدينة، وهي تدل دلالة قوية على مكانته المرموقة في النحو، وبراعته فيه، مما دفع بعض العلماء إلى إظهار إعجابهم به، وعلى رأسهم الحريري الذي وصفه في إحدى مناظراته مع الأخفش بالبراعة والإبداع٤.\nومن هنا يتبين لنا أن من قال في حقّ هذا الرجل إنه لم يكن من حذاق النحو٥ فقد ظلمه، ويظهر لنا في مقابل ذلك إنصاف ياقوت ودقّته في أحكامه على العلماء حين وصف المهلبي هذا بأنه من المبرزين في النحو٦، ووافقه على ذلك السيوطيّ٧.\n_________\n١ إنباه الرواة ٣/٣٥٤.\n٢ طبقات النحويين واللغويين ٢١٣.\n٣ ينظر: معجم الشعراء٣٩٨.\n٤ ينظر: درة الغواص ٣٧.\n٥ ينظر: طبقات النحويين واللغويين ٢١٣، وإنباه الرواة ٣/٣٥٤.\n٦ ينظر: معجم الأدباء ٦/٢٦٩٨.\n٧ ينظر: بغية الوعاة ٢/٢٨٤.","vol":"1","page":335},{"text":"١٦- محمد بن مروان المدنيّ (١٩٥هـ تقريبًا)\nابن مروان من علماء القراءات والعربية في المدينة، ذكره الجزريّ في طبقات القراء، فقال في ترجمته: \"محمد بن مروان المدنيّ القاريء، ذكره الداني، وقال: وردت عنه الروايات في حروف القرآن، وذكر عن أبي حاتم السجستانيّ أنه قال: ابن مروان قارئ أهل المدينة ...\nوقد روى الداني عن الأصمعيّ أنه قال: قلت لأبي عمرو بن العلاء: إن عيسى بن عمر حدثنا قال: قرأ ابن مروان ﴿هُنَّ أَطْهَرَ لَكُمْ﴾ ١قال: احتبى في لحنه \"٢.\nورويت هذه القراءة في بعض المصادر معزوة لمحمد بن مروان السِّديّ الكوفيّ٣.\nولم يبق من تراث محمد بن مروان المدنيّ في اللُّغة سوى مسائل قليلة، عرفنا منها اثنتين، إحداهما نحوية ورد ذكرها في \"الكتاب\" لسيبويه في قوله: \"أما أهل المدينة فينزلون هو هاهنا بمنزلته بين المعرفتين، ويجعلونها فصلًا في هذا الموضع، فزعم يونس أن أبا عمرو رآه لحنًا وقال: احتبى ابن مروان في ذِه٤ في اللحن؛ يقول: لحن، وهو رجل من أهل المدينة، كما تقول: اشتمل بالخطأ، وذلك أنه قرأ: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرَ لَكُمْ﴾ فنصب\"٥ أي نصب (أطهر) .\nوالمسألة الأخرى لغوية في دلالة كلمةْ \"السامد\" ذكرها أبو الطيب اللغوي\n_________\n١ سورة هود: الآية ٧٨.\n٢ غاية النهاية ٢/٢٦١، وفيه: قال: \"احسى من الجنة\" وهو تصحيف وتحريف وكلمة \"احسى\" هكذا غير منقوطة: والتصويب من الكتاب ٢/٣٩٦، ٣٩٧، والفريد في إعراب القرآن ٢/٦٥٤.\n٣ ينظر: البحر المحيط ٥/٢٤٧، والدر المصون ٦/٣٦٢.\n٤ أي: هذه.\n٥ الكتاب ٢/٣٩٦،٣٩٧.","vol":"1","page":336},{"text":"في كتابه \"الأضداد\" واستهلها بقوله: \"ويحكي عن ابن مروان نحويّ أهل المدينة من خزاعة الغبشان أنه قال ... \"١.\nوفي هذا النص إشارة صريحة وهي أنه ينحدر من قبيلة خزاعة وهي قبيلة قحطانية نزلت مكة وحالفت قريشًا، وكانت مواطنها بين مكة والمدينة، ومنهم بطن يقال له: الغَبشان٢.\n١٧- عيسى بن مينا بن وردان (٢٠٥ أو ٢٢٠ هـ)\nويلقب بـ \"قالون\" وهو قارئ المدينة ونحويُّها، كما يقول الجزري٣، يقال إنه ربيب نافع، وقد اختص به كثيرًا، وهو الذي سماه \"قالون\" لجودة قراءته.\nقال الجزريّ: \"قال ابن أبي حاتم: كان أصم يقرئ القرآن، ويفهم خطأهم ولحنهم بالشفة، وقال: وسمعت علي بن الحسن يقول: كان عيسى بن مينا قالون أصم شديد الصمم، وكان يُقرأ عليه القرآن، وكان ينظر إلى شفتي القارئ ويرد عليه اللحن والخطأ\"٤.\nولما برع قالون في العربية تصدر لتعليمها، يقول ابن الباذش الأنصاريّ: إنه \"كان يعلِّم العربية\"٥ وقال الذهبيّ: \"تبتل لإقراء القرآن والعربية\"٦.\nوهكذا يمكن القول: إن عيسى بن مينا لم يُعلّم طلابه قراءات القرآن فحسب \"بل كان يعلمهم النحو - أيضًا -، وهم يجدون في دراستهم إشباعًا\n_________\n١ الأضداد ١/٣٧١.\n٢ ينظر: جمهرة أنساب العرب ١/٢٤٢.\n٣ ينظر: غاية النهاية ١/٦١٥.\n٤ نفسه ١/٦١٦.\n٥ الإقناع ١/ ٥٩.\n٦ معرفة القراء الكبار ١٢٩.","vol":"1","page":337},{"text":"لميولهم واستجابة لما تعجّ به نفوسهم من حبٍّ للقرآن وقراءاته، وحرصٍ على بقاء اللُّغة بعيدة عن اللحن\"١.\nهؤلاء من توصلت إلى معرفتهم من أعلام العربية في المدينة في ذلك العصر المتقدم، ممن نص علماؤنا على اشتغالهم بالعربية أو فرع من فروعها، أو وُجد ما يدل على ذلك.\nوقد برز بعضهم في النحو دون سواه مثل عليّ الجمل ومروان بن سعيد المهلبيّ.\nوبرز بعضهم في القراءات والنحو مثل ابن هرمز ونافع وعيسى بن مينا.\nوبرز بعضهم في التفسير واللغة مثل ابن عباس وعبد الرحمن بن أسلم.\nوبرز بعضهم في الأدب ورواية اللُّغة مثل ابن دأب الليثيّ.\nويمكن أن يضاف إلى هؤلاء جماعة أخرى من قراء المدينة المشهورين كأبي جعفر يزيد بن القعقاع المخزوميّ المدنيّ (١٣٠ هـ) وابن جماز المدنيّ (١٧٠ هـ) وإسماعيل بن جعفر الأنصاريّ المدنيّ (١٨٠ هـ) .\nولا شك في أن هناك كثيرًا من علماء العربية في المدينة لم يصلنا خبرهم، واندثر علمهم مع ما اندثر من التراث العربيّ، للأسباب التي صدّرت بها هذا الفصل.\nوأختتم هذا الفصل برواية غريبة رواها السيوطيّ عن شيخه الكافيجيّ تفيد أن أول من وضع علم التصريف العربي أو بذرته الصحابيّ الجليل معاذ بن جبل الأنصاريّ (١٨ هـ) .\nقال السيوطيّ: \"وأما التصريف فقد ذكر شيخنا العلامة محي [الدين]\n_________\n١ مجلة المنهل، العدد ٤٩٩ المجلد ٥٤، الربيعان ١٤١٣ هـ ص: ١٢٥.","vol":"1","page":338},{"text":"الكافيجيّ١ - ﵀ - في أول كتابه شرح القواعد أنّ أوّل من وضعه معاذ ابن جبل - ﵁ -\"٢.\nوليس لهذه الرواية ما يعضدها فيما جاء في كتب التراث، ولم يؤثر عن معاذ بن جبل شيء في العربية، ليحمل على هذا أو يحمل هذا عليه، ولم يكن علم التصريف قد نشأ في ذلك الزمن المبكر، وإنما هو سهو محض من الكافيجيّ، ولعله أراد معاذ بن مسلم الهراء فذهل عنه، ولهذا قال السِيوطيّ في حديثه: \"ولم تطمئن النفس إلى ذلك، وسألته عنه لما قرأته عليه، وما مستنده في ذلك، فلم يجبني بشيءٍ ولم أقف على سند لشيخنا في ذلك\"٣.\nثم رجّح السيوطيّ أن معاذًا هو معاذ بن مسلم الهراء (١٨٧هـ) وأشار إلى ما يفيد أن شيخه الكافيجيّ خلط بين المعاذين، وهو الراجح عندي.\n_________\n١ هو محمد بن سليمان بن سعد بن مسعود الرومي الحنفي، محي الدين، أبو عبد الله الكافيجي، لكثرة اشتغاله بالكافية في النحو، توفي سنة (٨٧٩ هـ) من مصادر ترجمته، الضوء اللامع ٧/٢٥٩ والشقائق النعمانية ٠ ٤، ٤١، وشذرات الذهب ٧/٣٢٦.\n٢ الأخبار المروية ٥٨، ٥٩.\n٣ نفسه ٥٩.","vol":"1","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الفصل الرابع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>من مظاهر الدرس اللغوي في المدينة</span>\n...\nمن مظاهر الدّرس اللّغويّ في المدينة\nوضعت البذرة الأولى للدرس اللغويّ بعامة والنحويّ بخاصة في المدينة - كما تقدم - أيام الصحابة - رضوان الله عليهم - وظهرت بوادر هذا الدرس في الإشارات والتنبيهات والأنظار اللغوية المتفرقة المعزوة لبعض المهتمين بأمر اللغة، فأصبحت المدينة فيما بعد أحد المراكز اللغوية المهمة، فشارك لغويوها ونحاتها في القرنين الأول والثاني في تحديد مفاهيم النحو ووضع أسسه.\nوقد وقفنا في الفصل الثالث على جملة من أعلام الدرس اللغويّ في المدينة، ونحاول في هذا الفصل أن نقف على ما يتاح لنا من مظاهر ذلك الدرس في تلك البيئة.\nومع إيماننا بأنه يتعذر الوقوف على حقيقة الحركة اللغوية في المدينة لضياع كثير مما أثر عن علمائها بالإضافة إلى ضياع كل ما ألفوه في تلك الحقبة المتقدمة، للأسباب السالف ذكرها، ولأن النحاة المشهورين الذين عرفناهم في القرنين الثاني والثالث \"لا يحفلون بنسبة الآراء النحوية إلى أصحابها في كل موضع، وهذا يجعلك تجزم بأن كثيرًا من الآراء النحوية التي يمكن أن تظنها للفراء وسيبويه والكسائي ليست لهم بل نقلوها عن غيرهم، ولكنها في كتبهم مغفلة أو معزوة إلى شيوخهم الأدنين، ولعل في هذا شيئا غير قليل من تراث تلامذة أبي الأسود نقله إليهم الحضرميّ وعيسى وأبو عمرو\"١ ومن تراث نحاة المدينة، وهم أصحاب فضل لا ينكر في وضع نواة النحو، وتأسيس بعض قواعده، والمشاركة في بعض مسائله.\n_________\n١ المفصل في تاريخ النحو العربي ١٢٤.","vol":"1","page":340},{"text":"وعلى الرغم من ذلك فإنه من الممكن جمع بعض الشذرات اللغوية المتفرقة مما تجود به بعض المصادر، أو مما يستنبط من قراءات بعضهم وتوجيهاتها.\nوقد تبين لنا بعد البحث والتنقيب أن لنحاة المدينة مؤلفات في اللغة والنحو، وأن لهم آراءهم النحوية الخاصة، ومصطلحاتهم التي كانت تدور في بيئتهم، وأن لهم مجالسهم اللغوية الخاصة.","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>من مؤلفات المدنيين في علوم اللغة</span>\nكانت الملحوظات النحوية والإِرشادات والتنبيهات والأنظار تصدر مدّة من الزمن عن جماعة من المهتمين بالعربية في المدينة مشافهة، وتنتقل عن طريق الرواية والسماع، ولم تكن فكرة تأليف الكتب قد تبلورت في أذهانهم.\nولما تطورت العلوم في نهاية القرن الأوّل وبداية القرن الثاني، وأخذت تتكوّن معالمها كالتفسير والحديث والعربية بدأت فكرة تدوين ملحوظاتهم أو معارفهم في أوراق لحفظها، ولم تلبث أن تحولت هذه الفكرة إلى نوع من التأليف عند بعض العلماء.\nوكان نحاة المدينة ولغويوها من السابقين إلى تأليف الكتب النحوية، وهي إن ضاعت من يد الزمن فليس ذلك لها وحدها، بل ضاعت كتب عيسى بن عمر ويونس بن حبيب والرؤاسيّ وغيرهم.\nولا نكاد نعرف عن مؤلفاتهم في اللغة والنحو إلا الشيء القليل، ومن هذا القليل ما وصل إلينا، ومنه ما فُقِد ولا نكاد نعرف عنه شيء، ومما وصل إلينا رسالة صغيرة في لغات القرآن، برواية ابن حسنون بإسناده إلى ابن عباس، وقد نشرها الدكتور صلاح الدين المنجد.","vol":"1","page":341},{"text":"والرسالة طريقة في بابها مرتبة على سور القرآن، يورد فيها مؤلفها ما في كل سورة من لغات عربية أو ألفاظ معربة لأمم مجاورة كالفرس والروم والأنباط السريان والعبرانيين.\nوهو من هذه الناحية - كما يقول المحقق - يبين لنا مصادر القرآن اللغوية، ويلقي الضوء على لغات القبائل قبيل الإسلام، ويحدد نسبة ما أخذ القرآن من ألفاظ كل قبيلة من تلك القبائل، ثم من كل أمة إن صح أن بعض الألفاظ فيه أعجمية١.\nوقد شك بعض الباحثين في نسبة هذا الكتاب إلى ابن عباس، وبسط القول فيه٢.\nولابن عباس صحيفة في تفسير القرآن الكريم رواها عنه علي بن أبي طلحة، فيها من اللغة الشيء الكثير يتمثل في تفسير الغريب.\nوقد كانت هذه الصحيفة موضع تقدير العلماء وعنايتهم، إذ قال عنها أحمد ابن حنبل: \"بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدًا ما كان كثيرًا\"٣.\nوذكر السيوطي أن هذه الصحيفة ثابتة عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة، وقد اعتمد عليها البخاري في صحيحه مرتبًا على السور٤.\nومن الواضح أنّ ابن عباس لم يكتب هذه الصحيفة في كتاب، وإنما نقلت عنه مشافهة، ثم دُوّنت فيما بعد، ومنها نسخة كانت بحوزة أبي طلحة كاتب الليث رواها عن معاوية بن أبي طلحة، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن\n_________\n١ ينظر: اللغات في القرآن ٥، ٦ (مقدمة المحقق) .\n٢ ينظر: ابن عباس مؤسس علوم العربية ٩٠- ٩٢.\n٣ الإتقان ٢/٢٢٣.\n٤ نفسه ١/١٥٠.","vol":"1","page":342},{"text":"عباس، وهي عند الإمام البخاري عن أبي صالح، وقد اعتمد عليها كثيرًا في صحيحه كما أسلفت، وهي عند الطبري وابن أبى حاتم وابن المنذر بوسائط بينهم وبين أبي صالح١.\nواهتم بأمر هذه الصحيفة بعض المعاصرين كالدكتور محمد حسين هيكل، والشيخ محمد فؤاد عبد الباقي، فكتب عنها الأول كلمة ضافية٢، وأخرجها الثاني في كتاب سماه: \"معجم غريب القرآن مستخرجًا من صحيح البخاريّ\" وأكثر ما فيه من هذه الصحيفة.\nويلحق بذلك ما روي عن ابن عباس مما دوّن بعده في مسائل عرفت بمسائل نافع بن الأزرقّ، وهي مسائل في تفسيرِ غريب القرآن بشواهد من شعر العرب، وهي أسئلة مشهورة أخرج الأئمة أفرادا منها بأسانيد مختلفة إلى ابن عباس، وأخرج أبو بكر الأنباري قطعة منها في كتابه \"إيضاح الوقف والابتداء\".\nوأخرج الطبراني في معجمه الكبير جزءًا منها من طريق جويبر عن الضحّاك بن مزاحم، ورواها السيوطي كاملة في كتابه \"الإتقان\".\nأما ما فقد من تلك المؤلفات فلا نكاد نعرف عنه شيئًا، إلا ما ورد في إشارتين أحدهما في النحو لعليّ الجمل، الذي ذكره أبو الطيب اللغوي ووصفه بأنه \"لم يكن شيئًا\"٣ ووصفه القفطي بأنه \"لم يخلّ شيئا\"٤وقد ذكرت فيما مضى أن التحريف في هذين النصين وارد.\nومهما يكن من أمر هذا الكتاب فقد امتد أثره إلى الأخفش وهو من أعلام النحو في البصرة، إذ قال تلميذه أبو حاتم السجستاني في كتابه القراءات حيث\n_________\n١ ينظر: فتح الباري ٨/٣٣٢.\n٢ ينظر: معجم غريب القرآن مستخرجًا من صحيح البخاري (المقدمة) .\n٣ مراتب النحويين ١٥٨.\n٤ إنباه الرواة ٢/٣٨.","vol":"1","page":343},{"text":"ذكر القراء والعلماء: \"وأظن الأخفش سعيد بن مسعدة وضع كتابه في النحو من كتاب الجمل\"١.\nوما قاله السجستاني يدل على أن الكتاب له مكانة رفيعة، وأنه أثار انتباه العلماء، وأن أثره امتدّ إلى خارج المدينة، لما كان يحويه من أصول النحو ومسائله، وإحسان أبي حاتم الظن بهذا الكتاب شهادة عالية القيمة من عالم مشهور لعالم مغمور.\nوالكتاب الآخر في اللغة، أشار إليه أبو الطّيّب اللغويِّ - أيضًا - في ترجمته لأبي عبيد القاسم بن سلام (٢٢٤ هـ) قال: \"وأما كتَابه المترجم بالغريب المصنف فإنه اعتمد فيه على كتاب عمله رجل من بني هاشم جمعه بنفسه\"٢.\nوالراجح أن هذا الرجل كان من أهل المدينة أو مكة مقر سكنى بني هاشم كما يقول الدكتور هادي عطية٣.\nوإن ثبت هذا فإنه يدل على اهتمام أهل الحجاز بالتأليف في غريب اللغة، ذلك العلم الذي فتح بابه لهم ابن عباس.","vol":"1","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>من المسائل النِّحويّة</span>\nضاع الكثير من نحو المدنيين، ولم يصل إلينا منه إلا الشيء اليسير جدًا، ومنه ما أشارت إليه بعض المصادر النحوية ك \"الكتاب\" لسيبويه، و\"معاني القرآن\" للفراء، و\"الارتشاف\" لأبي حيان، فمما يسّر الله جمعه:\n١- تابع المنادى:\nيُعطى تابع المنادي ما يستحق من الإعراب إذا كان منادى مستقلا، أي\n_________\n١ طبقات النحويين واللغويين ٧٣، ومراتب النحويين ٥٨ ا، وإنباه الرواة ٢/٣٨، ١٧٢.\n٢ مراتب النحويين ١٤٨.\n٣ نشأة الدراسات النحوية واللغوية في اليمن ٢٦.","vol":"1","page":344},{"text":"البناء أو النصب، وذلك في التوكيد والبدل وعطف البيان وعطف النسق المجرد من أل، لأن البدل في نية تكرار العامل، والعطف كالنائب عن العامل، تقول في التوكيد: يا بكر نفسَه، ويا تميمُ كلَّهم، ويا خالدُ أبا الوليد، بنصب التابع؛ لأنه مضاف.\nوتقول: يا زيد بشرُ، بالضم للبناء، ويا صالحُ وعليُّ بالضم أيضا١.\nوإذا وصف المضاف المنادى بمضاف مثله أو بمفرد فالوجه النصب، قال ابن السراج: \"اعلم أن المضاف إذا وصفته بمفرد ومضاف مثله لم يكن نعته إلا نصبًا؛ لأنك إن حملته على اللفظ فهو نصب والموضع موضع نصب، فلا يزال ما كان على أصله إلى غيره، وذلك نحو قولك: يا عبدَ الله العاقلَ، ويا غلامنا الطويلَ، والبدل يقوم مقام المبدل منه، تقول: يا أخانا زيد أقبل، فإن لم ترد البدل وأردت البيان، قلت: يا أخانا زيدًا أقبل، لأن البيان يجري مجرى النعت\"٢.\nوالرفع في قولك: يا أخانا زيدٌ هو قول أهل المدينة فيما حكاه سيبويه عن الخليل في قوله: \"قلتَ: أرأيت قول العرب: يا أخانا زيدا أقبل، قال: عطفوه على هذا المنصوب فصار نصبًا مثله، وهو الأصل؛ لأنه منصوب في موضع نصب، وقال قوم: يا أخانا زيدٌ.\nوقد زعم يونس أن أبا عمرو كان يقوله، وهو قول أهل المدينة، قال: هذا بمنزلة قولنا يا زيد، كما كان قوله يا زيد أخانا بمنزلة يا أخانا، فيحمل وصف المضاف إذا كان مفردًا بمنزلته إذا كان منادى\"٣.\nوما عزاه سيبويه للمدنيين مثال نحوي، وليس قراءة قرآنية حتى يظن أن سيبويه كان يشير إلى قراءةٍ لنافع أو غيره من قراء المدينة.\n_________\n١ ينظر: الكتاب ٣/١٨٤، ١٨٥، ٢٠٥، والأصول ١/ ٣٤٢، ٣٤٣.\n٢ الأصول ١/٣٤٣.\n٣ الكتاب ٢/ ١٨٥.","vol":"1","page":345},{"text":"٢- الفصل بين المضاف والمضاف إليه:\nلا يجوز الفصل بين المتضايفين عند كثير من النحويين إلا في الشعر، وأجاز بعضهم الفصل بينهما في مواضع منها أن يكون المضاف مصدرًا والمضاف إليه فاعله والفاصل مفعول به أو ظرف.\nفالأول كقراءة ابن عامر: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ ١.\nوالثاني كقولك: تَرْكُ يومًا نفسِك وهواها، سعي لها في رداها.\nوللمدنيين رأي في هذه المسألة أورده شيخ نحاة الكوفة الفراء في قوله: \"وليس قول من قال ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ ٢ ولا ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ بشيءٍ، وقد فُسّر ذلك.\nونحويوا أهل المدينة ينشدون قوله:\nفَزَجَجْتُهَا مُتَمَكِّنا ... زَجَّ القَلُوصَ أَبي مَزادَة٣\nقال الفراء: باطل، والصواب:\nزَجَّ القَلُوصِ أَبُو مَزادَة \"٤\nوقال الفراء في موضع آخر في توجيه قراءة ابن عامر: \"وليس قول من قال: إنما أرادوا مثل قول الشاعر:\nفَزَجَجْتُهَا مُتَمَكِّنا ... زَجَّ القَلُوصَ أَبي مَزادَة\nبشيء، وهذا مما كان يقوله نحويوا أهل الحجاز، ولم نجد مثله في العربية\"٥.\n_________\n١ سورة الأنعام: الآية ١٣٧.\n٢ سورة إبراهيم: الآية ٤٧.\n٣ معاني القرآن ٢/٨١.\n٤ البيت من مجزوء الكامل، وهو بلا نسبة في مجالس ثعلب ١٢٥، والخصائص ٢/٤٠٦، والإنصاف ٢/٤٢٧، وشرح المفصل لابن يعيش ٣/١٨٩، والمقرب ١/٥٤، والخزانة ٤/٤١٥.\n٥ معاني القرآن ١/٣٥٨.","vol":"1","page":346},{"text":"وتدل عبارة الفرّاء \"وهذا مما كان يقوله نحويوا أهل الحجاز\" على أمور، منها: قِدَم هؤلاء النحاة، وأنهم جماعة، وأنهم يتفقون في المذهب النحويّ.\nوذكر ابن يعيش١ أن الأخفش أنشد هذا الشاهد، وقيل: إنه زاده في حواشي الكتاب لسيبويه فأدخله الناسخ في بعض النسخ حتى شرحه الأعلم٢، فهل أخذه الأخفش من كتاب أحد هؤلاء المدنيين، وهو عليّ الجمل، كما أخذ عنه: الزيت رطلان بدرهم؟ إن صح ذلك.\nوذكر ابن يعيش - أيضًا - أن \"ابن كيسان قد نقل عن بعض النحويين أنه يجوز أن نفرق بين المضاف والمضاف إليه إذا جاز أن يسكت عن الأول منهما\"٣ فمن هؤلاء النحاة، هل هم المدنيون أم الكوفيون؟ ليس في المصادر التي بين أيدينا ما يعين على الإِجابة عن هذا السؤال.\nوقد احتج بعض الكوفيين - فيما بعد - بهذا البيت وجعلوه من شواهدهم في جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه، فيما أورده أبو البركات الأنباريّ في مسائل الخلاف٤ على الرغم من اعتراض الفراء على هذا الشاهد.\nويبدو أن البغدادي أراد أن ينتصر للبصريين بالطعن في قائل هذا البيت فعزاه \"لبعض المدنيين المولدين، فلا يكون فيه حجة\"٥.\nوبالعودة إلى عبارتي الفراء التي قال فيها: \"ونحويوا أهل المدينة ينشدون ... \"، و\"وهذا مما كان يقوله نحويوا أهل الحجاز\" يتبين - كما أسلفنا - قدم هؤلاء النحاة، وإجماعهم على هذا الشاهد، وشهرته عندهم، ويمكن أن يستنبط من عبارة الفراء \"وهذا مما كان يقوله..\" التي قالها في أواخر القرن\n_________\n١ ينظر: شرح المفصل ٣/٢٢.\n٢ ينظر: تحصيل عين الذهب ١٤٥، والخزانة ٤/٤١٦.\n٣ شرح المفصل ٣/٢٣.\n٤ ينظر: الإِنصاف ٢/٤٢٧.\n٥ الخزانة ٤/٤١٥.","vol":"1","page":347},{"text":"الثاني - كما نعلم - أن هؤلاء النحاة كانوا يقولون ذلك منذ زمن مضى نقدره بنحو خمسين سنة أو يزيد، وهو ما يوافق زمن الفصاحة الذي حدد بمنتصف القرن الثاني في الحواضر ونهاية القرن الرابع في البوادي، فهل يجوز للبغدادي أن يطعن في حُجِّيّة البيت؟.\nويقوي مذهب المدنيين قراءة ابن عامر في آية المائدة المتقدمة، وهي قراءة سبعية متواترة، لا يجوز الطعن فيها، وقد قرأ بعض السلف ﴿مُخْلِفَ وَعْدَه رُسُلِه﴾ ١، بالإِضافة إلى جملة من الشواهد الشعرية٢.\nولورود ذلك في القرآن اقترح الدكتور مكي الأنصاريّ أن تعدل القاعدة التي ذكرها البصريون، فقال: يجوز الفصل بين المتضايفين في النثر بالمفعول به٣.\nوهذا دليل على سلامة ما ذهب إليه نحاة المدينة في هذه المسألة.\n٣- ضمير الفصل:\nقد يقع الضمير المنفصل المرفوع بين المبتدأ والخبر أو ما في حكمهما من النواسخ إذا كانا معرفتين أو مقاربين للمعرفة٤، وذلك في نحو ﴿إنْ كَانَ هَذا هُوَ الحَقَّ﴾ ٥ و﴿كُنّا نَحْنُ الوَارِثِين﴾ ٦.\nويسمى هذا الضمير عند البصريين ضمير الفصل، ويسميه الكوفيون عمادا.\n_________\n١ سورة إبراهيم: الآية ٤٧، وينظر: الكشاف ٢/٣٨٤، والمحرر الوجيز ٨/٢٦٦، والبحر المحيط ٥/٢٤٤، والدر المصون ٧/١٢٩.\n٢ ينظر: الإنصاف ٢/ ٤٢٧- ٤٣١.\n٣ ينظر: نظرية النحو القرآني ٧٨.\n٤ ينظر: شرح جمل الزجاجي لابن عصفور ٢/٦٥.\n٥ سورة الأنفال: الآية ٣٢.\n٦ سورة المائدة: الآية ١٢٠.","vol":"1","page":348},{"text":"وللمدنيين مذهب فيه وفي تسميته، قال أبو حيان: \"والفصل هو صيغة ضمير منفصل، ويسميه الفراء وأكثر الكوفيين عمادًا، وبعض الكوفيين يسميه دعامة، ويسميه المدنيون صفة.\nوأكثر النحاة يذهب إلى أنه حرف، وصححه ابن عصفور. وذهب الخليل إلى أنه ضمير باق على اسميته، ومحل هذا الفصل المبتدأ والخبر ونواسخه، واختلفوا في وقوعه بين الحال وصاحبها، فمنعه الجمهور، وحكى الأخفش في الأوسط مجيء ذلك عن العرب، ومن قرأ ﴿هَؤلاءِ بَنَاتي هُن أَطْهَرَ لَكُمْ﴾ ١ بنصب أطهر لاحِنٌ عند أبي عمرو.\nوقال الخليل: والله إنه لعظيم جعل أهل المدينة هذا فصلًا، وشرط الفصل أن يتقدمه معرفة٢.\nوبهذا ندرك انفراد نحاة المدينة في هذه المسألة بأمرين:\nأحدهما: تسميتهم هذا الضمير: صفة.\nوالآخر: أنهم أجازوا وقوعه بين الحال وصاحبها كما في القراءة السابقة، وندرك - أيضًا - أن الأخفش أجاز ذلك، فهل هو متأثر بما وقع له من مصنفات أهل المدينة في النحو، ككتاب عليّ الجمل؟.\nلا يستبعد ذلك.\nوأجاز المدنيون وقوع ضمير الفصل بين النكرة والمعرفة، قال سيبويه في باب \"هذا باب لا تكون هو وأخواتها فيه فصلا\" بعد أن مثل له بقوله: ما أظن أحدًا هو خير منك، قال: \"وأما أهل المدينة فينزلون هو هاهنا بمنزلته بين المعرفة، ويجعلونها فصلًا في هذا الموضع\"٣.\n_________\n١سورة هود: الآية ٧٨.\n٢ الارتشاف ١/٤٨٩.\n٣ الكتاب ٢/٣٩٥، ٣٩٦.","vol":"1","page":349},{"text":"وأضاف سيبويه قائلا: \"فزعم يونس أن أبا عمرو رآه لحنا وقال احتبى ابن مروان١ في ذِه في اللحن. يقول: لحن، وهو رجل من أهل المدينة، كما تقول اشتمل بالخطأ، وذلك أنه قرأ: ﴿هَؤلاءِ بَنَاتي هُنَّ أَطْهَرَ لَكُمْ﴾ فنصب.\nوكان الخليل يقول: \"والله إنه لعظيم جعلهم [أي المدنيين] هو فصلا في المعرفة وتصيرهم إياها بمنزلة (ما) إذا كانت ما لغوا؛ لأن هو بمنزلة أبُوهُ، ولكنهم جعلوها في ذلك الموضع لغوًا كما جعلوا ما في بعض المواضع بمنزلة ليس، وإنما قياسها أن تكون بمنزلة كأنما وإنما\"٢.\nواعترض السيرافيّ على سيبويه في بعض ما جاء في هذه المسألة، ووجه مذهب المدنيين، فقال: \"لم يجز الفصل إذا كان الاسم قبله نكرة، لأن الفصل يجري مجرى صفة المضمر، وهو، وأخواتها معارف، فلا يجوز أن يكون فصلا للنكرة، كما لا يجوز أن تكون المعارف صفات للنكرة، فإن هذا الكلام إذا حمل على ظاهره فهو غلط وسهو؛ لأن أهل المدينة لم يحك عنهم إنزال هو في النكرة منزلتها في المعرفة، والذي يحكى عنهم: هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم، لأنه من باب هو خيرًا منكم، والذي أنكره سيبويه أن يجعل ما أظن أحدا هو خيرًا منك بمنزلة ما أظن زيدًا هو خيرًا منك، فليس هذا مما حُكِيَ عن أهلِ المدينة في شيء، وقد شهد بما ذكرته ما ذكره يونس أن أبا عمرو رآه لحنا\"٣.\nوفي كتاب سيبويه إشارات أخرى متفرقة إلى نحويين يفهم من سياق كلامه أنهم قدماء٤، فهل هم أو بعضهم من نحاة المدينة؟.\n_________\n١ هو محمد بن مروان المدني المقرئ، كما تقدم في ترجمته في الفصل الثالث.\n٢ الكتاب ٢/٣٩٦، ٣٩٧.\n٣ شرح كتاب سيبويه للسيرافي، الجزء الثاني، اللوحة ١٦٦ ب (عارف حكمت) .\n٤ ينظر: الكتاب ١/٣٣٤، ٢/١٨٥.","vol":"1","page":350},{"text":"٤- إعراب حتّى وما بعدها:\nثمة شاهد نحويّ مشهور يتناقله النحاة منذ عهد سيبويه، ويروونه عن بعض نحاة المدينة، وهو مروان بن سعيد المهلبيّ، وهو قوله:\nأَلْقَى الصَّحِيفَةَ كَي يُخَفِّفَ رَحْلَهُ ... والزَّاد َحَتَّى نَعْلَهُ أَلْقَاهَا١\nوفيه روايات، وهي \"حتى نعلِه\" و\"حتى نعلَه\" و\"حتى نعلُه\"٢ ولا ندري كيف أنشده مروان بن سعيد المهلبيّ، ولا نعرف رأيه في توجيهه، كما لا نعرف رأي معاصريه من نحاة المدينة في توجيه هذا البيت، الذي نقدّر أنه استأثر بعنايتهم، فهو من شواهدهم، كما استأثر بعناية النحاة في البصرة والكوفة وغيرها من الأمصار.\nوالشاهد فيه \"حتى نعله\" إذ يجوز في حتى وما بعدها ثلاثة أوجه، وقد أنشده سيبويه٣ على أن حتى فيه حرف جر بمعنى إلى، وأن مجرورها غاية لما قبلها، كأنه قال ألقى الصحيفة والزاد وما معه من المتاع حتى انتهى الإِلقاء إلى النعل، ويكون \"ألقاها\" توكيد٤، وهي بمنزلة قوله ﷿ ﴿سَلامٌ هِي حَتى مَطْلَع الفَجْر﴾ ٥.\nأما النصب فمن وجهين:\nأحدهما: نصبه بإضمار فعل يفسره (ألقاها) كأنه قال: حتى ألقى نعله ألقاها، كما يقال في الواو وغيرها من حروف العطف.\nثانيها: أن يكون نصبه بالعطف على الصحيفة، وحتى بمعنى الواو، كأنه\n_________\n١ ينظر: الكتاب ١/٩٧، وأسرار العربية ٢٦٩، وشرح المفصل لابن يعيش ٨/١٩، ورصف المباني ٢٥٨، وشرح الأشموني ٢/٢١٤، والهمع ٢/٢٤، والخزانة ٣/٢١.\n٢ ينظر: أسرار العربية ٢٦٩.\n٣ ينظر: الكتاب ١/٩٧.\n٤ ينظر: التصريح ٢/١٤١.\n٥ سورة القدر: الآية ٥.","vol":"1","page":351},{"text":"قال: ألقى الصحيفة حتى نعله، يريد: ونعله، كما تقول: أكلت السمكة حتى رأسَها، بنصب رأسها، فعلى هذا الهاءُ عائدة على النعل أو الصحيفة، وألقاها تكرير وتوكيد\"١وقد جاز عطف نعله مع أنه ليس واحدًا مما ذكر؛ لأن الصحيفة والزاد في معنى ألقى ما يثقله؛ فالنعل بعض ما يُثقل.\nوأما الرفع \"فعلى الابتداء، وجملة ألقاها هي الخبر؛ فحتى - على هذا وعلى الوجه الأول من وجهي النصب - حرف ابتداء، والجملة بعدها مستأنفه\"٢.\nهذا ما وقفت عليه مما عزي للمدنيين من آراء في النحو وهو من القلة بحيث لا يمكّن الباحث من استخلاص خصائص معينة، وإن كنت أرى - من خلال ما سمحت به المصادر - أن نحوهم يأخذ طابع النحو الكوفيّ الذي يعتدّ بالسماع ولا يحفل كثيرًا بالقياس.","vol":"1","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>النحو في قراءتهم وتعليقاتهم التفسيرية</span>\n...\nالنّحو في قراءاتهم وتعليقاتهم التفسيرية\nأسهمت قراءات المدنيين وتعليقاتهم التفسيرية في خصوبة النحو العربيّ على مدى القرون، ويمكن لنا أن نستعرض بعض الملاحظات والآراء أو الأصول النحوية المستنبطة من قراءات بعضهم أو تعليقاتهم، كابن عباس وابن هرمز، من غير استقراء، فإن ما أثر عنهما في هذا الشأن شيء غير قليل، يحتاج إلى مؤلف خاص يلم شتاته، ويكفي في هذا البحوث ذكر بعض الأمثلة مما يمثل بدايات النحو عند المدنيين.\nأولا: ابن عباس\nأثر عن ابن عباس كثير من الملاحظات اللغوية التي كان يفسر بها القرآن، تدل على حسه اللغويّ العام السليم، وإلمامه بالنحو.\n_________\n١ الخزانة ٣/٢١.\n٢ نفسه ٣/٢٢.","vol":"1","page":352},{"text":"١- قدر ابن عباس التقديم والتأخير في قوله ﷿: ﴿أم لَهُمءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِن دونِنا لا يَسْتطيعُونَ نَصْرَ أنفسهم ولاهُم مِنّا يُصْحَبون﴾ ١.\nقال أبو حيان: \" قال ابن عباس: في الكلام تقديم وتأخير تقديره: أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم٢\".\n٢- وروي عن ابن عباس في قوله عزّوجل: ﴿وَجَعَلنَا مِنْهُم أئِمَّةً يَهْدُون بأمْرنا لَمَّا صَبَرُوا﴾ ٣ أنه يرى أن الباء في ﴿بأمرنا﴾ بمعنى (إلى) أي يهدون الخَلق إلى أمرنا٤.\nوقد ذكر النحاة - فيما بعد - أن الباء تأتي بمعنى الغاية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أحْسَنَ بِي﴾ ٥ أي: إلي٦.\n٣- وروي عنه في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَان للرحمن وَلَدٌ فَأنَا أوَّلُ العَبدِين﴾ ٧ أنه يرى أن (إنْ) هنا نافية بمعنى ما، وكان يقول: لم يكن للرحمن ولد٨.\n٤- وروي عنه في قوله تعالى: ﴿هَلْ أتَى عَلَى الإنْسَان حِينٌ مِنَ الدَّهْر لم يَكُن شَيْئًا مَذكُورا﴾ ٩ أنه ذهب إلى أن (هل) هنا بمعنى (قد) ١٠.\n_________\n١ سورة الأنبياء: الآية ٤٣.\n٢ البحر المحيط ٦/٣١٤.\n٣ سورة السجدة: الآية ٢٤.\n٤ ينظر: تنوير المقياس ٢٥٨.\n٥ سورة يوسف: الآية ١٠٠.\n٦ ينظر: الجنى الداني ٤٥، ومغني اللبيب ١٤٣.\n٧ سورة الزخرف: الآية ٨١.\n٨ ينظر: إعراب القرآن للنحاس ٤/١٢٢.\n٩ سورة الإنسان: الآية١.\n١٠.ينظر: البحر المحيط ٨/٣٩٣.","vol":"1","page":353},{"text":"٥- واختلف المفسرون في تفسير قوله ﷿: ﴿إلَيهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصالحُ يَرْفعُهُ﴾ ١.\nقال أبو حيان: \"وعن ابن عباس: \"والعمل الصالح يرفعه، عامله ويشرّفه، فجعله على حذف مضاف\"٢ أي: العمل الصالح يرفع الكلم الطّيب.\n٦- واختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ ٣.\nوروي عن ابن عباس - في هذه الآية - أنه قدر حذف الحال، إذ قال: \"في الكلام محذوف تقديره: فأصابتكم مصيبة الموت وقد استشهدتموهما على الإيصاء\"٤ والحال هي جملة: \"وقد استشهدتموهما\" التي قدرها ابن عباس محذوفة.\n٧- وروي عن ابن عباس في تفسيره في قول الله ﷿: ﴿وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الّتي كُنْتَ عَلَيها إلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقْبَيْهِ﴾ ٥ أنه قال: \"القبلة في الآية الكعبة، وكنت أنت، كقوله تعالى ﴿كُنْتُم خَيْرَ أمةٍ﴾ بمعنى: أنتم\"٦.\nقال أبو حيان: \"وهذا من ابن عباس - إن صح - تفسير معنى لا تفسير إعراب، لأنه يؤول إلى زيادة كان الرافعة للاسم والناصبة للخبر، وهذا لم يذهب إليه أحد، وإنما تفسير الإِعراب على هذا التقدير ما نقله النحويون أنّ كان تكون بمعنى صار\"٧.\n_________\n١ سورة الفاطر: الآية ١٠.\n٢ ينظر: البحر المحيط ٧/٣٠٤.\n٣ سورة المائدة: الآية ١٠٦.\n٤ البحر المحيط ٤/٤٣.\n٥ سورة البقرة: الآية ١٤٣.\n٦ البحر المحيط ١/٤٢٣، ٤٢٤.\n٧ نفسه ١/٤٢٣، ٤٢٤.","vol":"1","page":354},{"text":"ومقتضى تفسير ابن عباس أنّ كان هنا زائدة \"والذي صار بأبي حيان إلى هذا هو البناء النحوي العام القائم على العامل والمعمول، وهذا ما لم يكن يعرفه ابن عباس، ولا أهل زمانه\"١.\nونلاحظ في هذه الأمثلة التي أوردناها بروز الحس اللغوي والنحوي عند ابن عباس في تعليقاته وتفسيره على نحو فطريّ بعيد عن تصنع النحاة وتعليقاتهم، وهو ما يناسب تلك المرحلة التي نشأ فيها النحو في المدينة والحجاز.\nثانيا: ابن هرمز\nرأينا في الفصل الثالث أن بعض المؤرخين ذكر أنّ ابن هرمز أول من وضع علم النحو وأظهره في المدينة، وأنه كان أعلم الناس بالنحو وأن أهل المدينة أخذوا النحو عنه٢.\nوجعله بعضهم أحد مؤسسي النحو الذين وضعوا \"للنحو أبوابا، وأصلوا له أصولا، فذكروا عوامل الرفع والنصب والخفض والجزم، ووضعوا باب الفاعل والمفعول والتعجب والمضاف\"٣.\nفأين هذه الأصول والأبواب؟ لقد ضاعت فيما ضاع من تراث العربية المتقدم، ولم يبق لنا من نحو ابن هرمز سوى قراءاته واختياراته الكثيرة التي أسهمت في خصوبة النحو العربي، ودلّت على إلمامه به، ومشاركته فيه، وإدراكه لبعض أصوله، فمن قراءاته واختياراته تلك:\n١- قرأ يحيى بن يعمر: ﴿أفَحكمُ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ٤ برفع (أفحكم) على الابتداء، وبإضمار مفعول في الفعل يبغون، والجملة خبر المبتدأ.\n_________\n١ ابن عباس مؤسس علم العربية ٥٦.\n٢ ينظر: إنباه الرواة ١/٣٩.\n٣ طبقات النحويين واللغويين ١١، ١٢.\n٤ سورة المائدة: الآية ٥٠.","vol":"1","page":355},{"text":"وقرأ ابن هرمز الآية بنصب (أفحكمَ) وهي قراءة الجمهور١، وقال: \"لا أعرف في العربية: أفحكمُ\"٢ فدل هذا على سعة إطلاعه، وعلمه بتراكيب اللغة وقرائنها اللفظية، وما يصاحبها من ظواهر الإعراب٣.\n٢- قرأ ابن كثير وغيره: ﴿فَتَلَقّى آدَمَ مِن رَبِّه كَلِمَاتٌ﴾ ٤ بنصب (آدم) ورفع (كلمات) .\nوقرأها ابن هرمز الأعرج وغيره برفع آدم ونصب (كلمات) وعللها مكيّ بقوله: \"وعلة من قرأ برفع (آدم) ونصب (كلمات) أنه جعل (آدم) هو الذي تلقى الكلمات؛ لأنه هو الذي قَبِلها ودعا بها، وعمل بها فتاب الله عليه. فهو الفاعل لقبوله الكلمات فالمعنى عَلى ذلك، وهو الخطاب، وفي تقديم (آدم) على الكلمات تقويه أنه الفاعل.\nوقد قال أبو عبيد في معنى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ معناه قَبلها، فإذا كان آدم قابلا فالكلام مقبول، فهو المفعول وآدم الفاعل٥\".\nوقرأ الأعرج وآخرون: ﴿وَيَتُوبَ الله عَلَى مَن يَّشَاءُ﴾ ٦وقرأ الجماعة ﴿وَيَتُوبُ الله﴾ بالرفع، وعلى قراءة الأعرج فإنّ التوبة داخلة في جواب الشرط معنى، وعلى قراءة الرفع تكون استئنافًا، وذلك أن قوله: ﴿قَاتِلُوهُم يُعَذّبْهُمُ الله بأَيْدِيكُم ويُخْزِهِم ويَنصُركُمْ عَلَيهِم ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِين ويُذْهِبْ غَيْظ قُلُوبِهِم وَيَتُوبُ الله عَلَى من يشَاءُ﴾ ٧ فهو كقولك: إن تزرني أحسن إليك\n_________\n١ البحر المحيط ٣/٥٠٥.\n٢ المحتسب ١/٢١١.\n٣ ينظر: المفصل في تاريخ النحو ١٢٥.\n٤ سورة البقرة: الآية ٣٧.\n٥ الكشف ١/٢٣٧.\n٦ سورة التوبة: الآية ١٥.\n٧ سورة التوبة: الآية ١٤،١٥.","vol":"1","page":356},{"text":"وأعطي زيدًا درهما، فتنصبه على إضمار (أنْ) أي: إن تزرني أجمع بين الإحسان إليك والإعطاء لزيد١.\nوإن كان ابن هرمز في كثير من قراءاته يتوخى بحسه النحويّ ما وافق العربية وفق الأقيسة النحوية المشهورة، إلا أنه قد يغرب في بعض قراءاته وينحط في بعض اختياراته، فيوافق أوجه ضعيفة في اللغة أو شاذة لا يقبلها أكثر النحاة، فمن ذلك:\n١- قرأ ابن هرمز وغيره: ﴿ولا تَتبعُوا خُطُؤات الشَّيْطَانِ﴾ ٢ بضمتين وهمزة، وهي شاذة، أنكرها بعض العلمَاء، قال ابن جني: \"وهي مرفوضة وغلط٣\".\nوتحتمل هذه القراءة تأويلين في العربية:\nأحدهما: أن خُطُؤات جمع خُطأة، بمعنى الخطأ٤، فالهمزة أصلية، وهي لام الكلمة.\nوالآخر: أنه قلب الواو في خُطُوات همزة؛ لمجاورتها الضمة قبلها، فكأنها عليها؛ لأن حركة الحرف بين يديه على الأرجح لا عليه٥.\n٢- قرأ ابن هرمز٦: ﴿وإِذ أَخَذَ الله مِيْثَاقَ النَّبيّينَ لَمَّا آتَيْنَاكم مِن كِتَاب وحِكْمَة﴾ ٧ بفتح اللام وتشديد الميم في (لمّا) وقَد أنكرها بعض العلماء، وهي تحتمل أوجه:\n_________\n١ ينظر: المحتسب ١/٢٨٥.\n٢ سورة البقرة: الآية ٦٨ا.\n٣ المحتسب ١/١١٧.\n٤ نفسه ١/٢٣٣.\n٥ ينظر: الدر المصون ٢/٢٢٤.\n٦ ينظر: المحتسب ١/١٦٤.\n٧ سورة آل عمران: الآية ٨١.","vol":"1","page":357},{"text":"قال أبو الفتح: \"في هذه القراءة إعراب، وليست (لما) هاهنا بمعروفة في اللغة، وذلك أنها على أوجه:\nتكون حرفًا جازما\nوتكون ظرفًا\nوتكون بمعنى إلا\nوأقرب ما فيه أن يكون أراد: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لَمِن ما آتيناكم، وهو يريد القراءة العامة: لما آتيناكم١ فزاد من ... فصارت (لَمِما) فلما التقت ثلاث ميمات فثقلت حذفت الأولى منهن، فبقي لَمَّا مشددًا كما ترى، ولو فكت لصارت: لنما، غير أن النون أدغمت في الميم كما يجب في ذلك، فصارت: لَمّا\"٢.\n٣- وقرأ ابن هرمز وغيره٣ ﴿قلْ هَلْ أنبئُكُم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثْوبَةٍ عِند اللهِ﴾ ٤ بسكون الثّاء في (مَثْوبة) وفتح الواو على زنة مفعلة، هذا مما خرج عن أصله، وهو شاذ في بابه، وحال نظائره كما يقول ابن جني٥، وقياسها (مثوبة) كما قرأها الجمهور.\n_________\n١ أي في لَمَا خاصة كما لا يخفى.\n٢ المحتسب ١/١٦٤.\n٣ ينظر: مختصر في شواذ القرآن من كتاب البديع ٣٣\n٤ سورة المائدة: الآية ٦٠.\n٥ ينظر: المحتسب ١/٢١٣.","vol":"1","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المصطلح النّحويّ</span>\nمرت مصطلحات اللغة والنحو بمراحل زمنية متباينة واشترك في تطويرها مجموعة من النحاة على مختلف العصور.\nوقد ظهرت بعض المصطلحات النحوية في ظهور النشأة لهذا العلم في المدينة، ثم أشاد البصريون بناء المصطلح اللغوي بعامة والنحويّ بخاصّة، وجاء بعدهم الكوفيون، وتبعهم البغداديون والأندلسيون والمصريون، فدرس من مصطلحات المدنيين ما درس، وبقي منها ما بقي وهو قليل، ولا نعلم مقدار ما ضاع منها.\nونقدر أن بعضًا من مصطلحات المدنيين النحوية شاع على ألسنة الدارسين وتبنته المدارس النحوية المشهورة، فنسب إليها، ونسي مورده الأصلي.\nومن مصطلحات المدنيين النحوية التي أنشؤوها أو كان لهم إسهام مع غيرهم في نشأتها ورسوخها: العربية، والإعراب، والنحو، واللحن، والرفع، والنصب، والجر، والاسم، والفعل، والحرف، والنداء، والترخيم، والتقديم، والتأخير، والصفة، وهي على النحو التالي:\n١- العربية:\nلعل \"العربية\" من أقدم مصطلحات العلم اللغوي والنحوي عند العرب، وهو عام المدلول، لا يحمل - في أول أمره - سمة المصطلح العلمي الدقيق، وكان ظهوره - فيما نعلم - في عهد الخليفة عمر بن الخطاب ﵁، وقد جرى على لسانه كثيرًا، واستخدمه بعض الصحابة، وكان معناه في بادئ","vol":"1","page":359},{"text":"الأمر:لغة العرب النقية من الشوائب، لاسيما لغة البوادي، قال عمر: \"تعلموا العربية، فإنها تشبب العقل وتزيد في المروءة\"١.\nوكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: \"أنْ مُرْ من قِبَلَك بتعلم العربية، فإنها تدل على صواب الكلام\"٢.\nثم ارتقى مصطلح العربية قليلًا وأصبح يعني اللغة وأسرارها، فقد روي عن كعب الأحبار أنه حكم بين ابن عباس ومعاوية ﵃ حين اختلفا في قوله تعالى ﴿عَيْنٍ حَمِئةٍ﴾ فقال: \"أما العربية فأنتم أَعلم بها، وأما أنا فأجد الشمس في التوراة تغرب في ماء وطين\"٣.\nولم يزل هذا المصطلح يرتقي حتى أصبح يطلق على دراسة اللغة وما تحويه من ظواهر صوتية، كالهمز والإِمالة والإِبدال والإدغام، أو ظواهر إعرابية كالرفع والنصب والجر، وازداد رسوخًا وانتشارًا في القرن الأول٤، فظهر أول مصطلح لهذا العلم اللغوي.\nوقد ورد هذا المصطلح في استخدامات بعض القدماء، كابن سلام، في قوله: \"وكان أبو الأسود أول من استنّ العربية، وفتح بابها، وأنهج سبيلها ووضع القياس\"٥.\nوالسيرافي في كلامه عن نصر بن عاصم، إذ قال: إنه \"أول من وضع العربية\"٦.\nوالزهري في قوله: \"إن نصر بن عاصم ليفلق بالعربية تفليقا\"٧.\n_________\n١ طبقات النحويين واللغويين ١٣،وينظر:١/٢٢.\n٢ إيضاح الوقف والابتداء ١/٣٠.\n٣ غاية النهاية ٢/٣٠٣.\n٤ ابن عباس مؤسس علم العربية ٤٤.\n٥ طبقات فحول الشعراء١/١٢.\n٦ أخبار النحويين البصريين ٣٨.\n٧ نزهة الألباء٢٣.","vol":"1","page":360},{"text":"والحسن البصري الذي قال له البتّي: ما تقول في رجل رُعِفَ في الصلاة؟ فقال: إنّ هذا يعرّب الناس \"أي يعلم العربية\" وهو يقول رُعِف، إنما هو رَعُفَ١.\n٢- الإعراب:\nوهو - أيضًا - من المصطلحات العربية القديمة، تمتد جذوره إلى عهد النبي - ﷺ - فقد روي أبو هريرة عن النبي ﵇ أنه قال: \"أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه\"٢.\nوروي عن أبي بكر وعمر﵄-: \"تعلم إعراب القرآن أحبّ إلينا من تعلم حروفه٣\"\nولم يكن مصطلح \"الإعراب\" في بداية نشأته كما يتضح من هذين النصين يتجاوز معنى الإبانة في الكلام والتجويد في القرآن ونحو ذلك، فمدلوله أقرب إلى معناه اللغوي المجرد.\nثم تطور مصطلح \"الإعراب\" وأصبح يدل على الصواب في الكلام، قال ابن شُبرمة (١٤٤هـ): \"إن الرجل ليلحن وعليه الخز الأدكن فكأن عليه أخلاقًا، ويعرب وعليه أخلاق فكأن عليه الخز الأدكن\"٤.\nثم لم يلبث هذا المصطلح أن أخذ مفهومًا مقاربًا لما نعرفه اليوم، وهو تحريك أواخر الكلم بما يقتضيه التركيب، وقد روي عن مالك بن أنس إمام دار الهجرة قوله: \"الإعراب حلي اللسان؛ فلا تمنعوا ألسنتكم حليها\"٥.\n_________\n١ ينظر: اللسان (عرب) ١/٥٨٩.\n٢ إيضاح الوقف والابتداء١/٣٠.\n٣ الإيضاح في علل النحو ٩٦.\n٤ طبقات النحويين واللغويين ١٣.\n٥ نفسه ١٣.","vol":"1","page":361},{"text":"٣-النحو:\nليس من اليسير الاهتداء إلى الزمن الذي ظهر فيه هذا المصطلح، الذي عرف ناضجًا في أواخر القرن الثاني، إلا أن الروايات المنقولة تشير إلى مرحلة مبكرة ترجع إلى زمن علي بن أبي طالب إذ رُويَ أنه - ﵁ - ألقى إلى أبي الأسود رقعة فيها كلام في أصول النحو فقال له: \"انح هذا النحو، وأضف إليه ما وقع لك\"١ ثم عرض عليه أبو الأسود ما وقع له فاستحسنه علي وقال: \"ما أحسن هذا النحو الذي نحوته\"٢ قال ياقوت معلقًا على قول علي: \"فلذلك سمي نحوا\"٣.\nوقال الخليل بن أحمد: \"وبلغنا أن أبا الأسود وضع وجوه العربية، فقال للناس انحوا نحو هذا فسمّى نحوا\"٤.\nوروى القفطي أن أبا الأسود أتى عبد الله بن عباس فقال: \"إني أرى ألسنة العرب قد فسدت، فأردت أن أضع شيئا لهم يقوِّمون به ألسنتهم قال: لعلك تريد النحو، أما إنه حق\"٥.\nفإن صحّ ما ورد في هذه الروايات فإنّ مصطلح النحو قديم تعود جذوره الأولى إلى علماء المدينة، تم تطور مع الأيام، ولكن ثمة من يشك فيما جاء في هذه الروايات، ويرى أن ذلك من تفسير الرواة وتزيدهم \"لأن المصطلح اللغوي لا يسلك سبيله إلى الأذهان بهذه الطريقة، بل يكون له أساس من الاستخدام، ثم يتطور معناه ويطلق على شيء ما\"٦.\n_________\n١ معجم الأدباء ٤/١٤٦٧.\n٢ نفسه ٤/١٤٦٧.\n٣ نفسه ٤/١٤٦٧.\n٤ العين ٣/٣٠٢.\n٥ إنباه الرواة ١/٥١.\n٦ المفصل في تاريخ النحو العربي ١٥.","vol":"1","page":362},{"text":"٤- اللحن:\nللحن معان عدة في اللغة ذكرها أصحاب المعاجم، وهو من المصطلحات التي أطلقت قديمًا على علم النحو، ولكنه لم يشع في الاستعمال، فمن ذلك ما روي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - في حديث له في النافع من العلوم، قال: \"تعلموا الفرائض والسنة واللحن، كما تتعلمون القرآن\"١.\nوحدّث يزيد بن هارون بهذا الأثر فقيل له: ما اللحن؟ فقال: النحو٢.\nثم شاع على ألسنة الناس في الصدر الأول من الإسلام في المدينة وغيرها استخدام اللحن بمعنى الخطأ، وهو من معانيه اللغوية، \"وأغلب الظن أنه استعمل لأول مرة بهذا المعنى عندما تنبه العرب بعد اختلاطهم بالأعاجم إلى فرق ما بين التعبير الصحيح والتعبير الملحون\"٣.\nومن أقدم النصوص التي ورد فيها اللحن بمعنى الخطأ في الكلام ما نسب إلى عبد الملك بن مروان (٨٦ هـ) وهو قوله: \"الإعراب جمال للوضيع، واللحن هجنة على الشريف\"٤.\nوقيل له يومًا: \"أسرع إليك الشيب قال: شيبني صعود المنابر والخوف من اللحن\"٥.\nوقد ورد هذا المعنى في بيت للحكم بن عبدل الأسدى يهجو به حاجب عبد الملك بن بشير بن مروان والي البصرة (١٠٣ هـ) ليحمل الأمير على إقالته:\n_________\n١ طبقات النحويين واللغويين١٣، والإيضاح الوقف والابتداء ا/١٥، ١٦.\n٢ الأضداد للأنباري ٢٤٠.\n٣ العربية ٢٥٤.\n٤ العقد الفريد ٢/٤٧٩.\n٥ الفخري في الآداب السلطانية ٥/١١٢.","vol":"1","page":363},{"text":"لَيْتَ الأميرَ أَطَاعَنِي فَشَفَيْتُهُ ... مِن كُلِّ من يُكْفِي القَصِيد ويَلْحَن١\nوكان بعض السلف يقول: \"ربما دعوت فلحنت فأخاف ألا يستجاب لي\"٢ وهكذا استقرّ اللّحن في اصطلاح اللّغويين والنّحاة على هذا المعنَى.\n٥- الرفع والنصب والجر:\nجاء في بعض الروايات أن عليًا - ﵁ - قال لأبي الأسود: \"اجعل للناس حروفا - وأشار له إلى الرفع والنصب والجر - فكان أبو الأسود ضنينا بما أخذه\"٣.\nتم انشر هذا المصطلح عند النحويين واللغويين في القرن الثاني، ولا يبعد أن يكون المدنيون قد عرفوه منذ القرن الأول، وأن يكون لهم دور بارز في نشأته.\n٦-الاسم والفعل والحرف:\nروى عن أبي الأسود أنه قال: \"دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵇- فأخرج لي رقعة فيها: الكلام كله اسم وفعل وحرف جاء لمعنى\"٤.\nوروى الزجاجي أن أبا الأسود كان أول من سطر في كتاب: \"الكلام: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فسئل عن ذلك فقال: أخذته من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب\"٥.\n_________\n١ الحيوان١/٢٤٩.\n٢ الإيضاح في علل النحو ٩٦.\n٣ مراتب النحويين ٢٤.\n٤ إنباه الرواة ١/٤٠.\n٥ الإِيضاح في علل النحو ٨٩.","vol":"1","page":364},{"text":"٧- النداء والترخيم:\nروي أن علي بن أبي طالب - ﵁ - لما قرأ: ﴿ونَادَوا يا مَالِ لِيَقْض عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ ١ أنكر عليه ابن عباس - ﵄ - فقال علي: \"هذا من الترخيم في النداء. فقال ابن عباس: ما أشغل أهل النار في النار عن الترخيم في النداء فقال علي: صدقت\"٢.\nقال ياقوت في تعليقه على هذه الرواية: \"فهذا يدل على تحقّق الصحابة بالنحو وعلمهم به\"٣.\nومع أن الشك يتطرق لهذا الرواية لورود مصطلح \"الترخيم في النداء\" فيها، إذ يظن أنه مصطلح متأخر نوعًا ما، إلا إننا لا نستطيع إنكارها لورودها عن ياقوت، ومعروف عنه تحريه فيما يرويه من الأخبار، ولأن الواقع اللغوي الجديد في عصر علي بن أبي طالب كان مهيئًا لنشأة مثل تلك المصطلحات، ويقوي ذلك مكَانة الرجلين علي وابن عباس في اللغة، وما أثر عنهما في هذا الشأن، وهو شيء كثير.\n٨- التقديم والتأخير:\nفسر ابن عباس قوله ﷿ ﴿أَم لَهُمءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِن دونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِم وَلاهُم مِنّا يُصحَبُون﴾ ٤ فقال: \"في الكلام تقديم وتأخير\"٥.\n_________\n١ سورة الزخرف: الآية٧٧.\n٢ معجم الأدباء١/١٧.\n٣ نفسه ١/١٧.\n٤ سورة الأنبياء: الآية ٤٣.\n٥ البحر المحيط ٦/ ٣١٤.","vol":"1","page":365},{"text":"٩ -الصفة:\nتقدم في كلامنا عن الضمير الذي يقع بين المبتدأ والخبر وما في حكمها أنه يسمى عند البصريين ضمير الفصل.\nويسمى عند الكوفيين: العماد.\nويسميه نحاة المدينة - كما ذكر أبو حيان - صفة، وقد انفردوا بهذه التسمية فيما نعلم.","vol":"1","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المجالس اللغوية</span>\nمن مظاهر النشاط اللغوي في المدينة أن العلماء كانوا يعقدون المجالس اللغوية كما عقدوها للتفسير والحديث والفقه، ومن المجالس التي كانت تعقد للغة مجالس ابن عباس، وأبي الزناد، وابن هرمز، ومروان بن سعيد المهلبي وغيرهم.\nوكانت العلوم الشرعية واللغوية تتداخل في تلك المجالس، قال عمرو بن دينار: \"ما رأيت مجلسًا قط أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس للحلال، والحرام، وتفسير القرآن، والعربية، والشعر، والطعام\"١.\nونقدر أن علم العربية بفروعه المختلفة كغريب اللغة ولهجاتها ومسائل النحو كان يعرض في تلك المجالس.\nولما ارتقت علوم اللغة وقاربت النضج وبخاصة النحو ظهرت بعض المناظرات اللغوية والنحوية في تلك المجالس، أو في مجالس علية القوم كالخلفاء والأمراء٢والوزراء وغيرهم، كان ذلك في حواضر الدولة الإِسلامية الفتية كالمدينة والبصرة والكوفة وبغداد.\n_________\n١ غاية النهاية ١/٤٢٦.\n٢ من مجالس الأمراء في المدينة ما كان يقع في القرن الرابع في مجلس أميرها أبي أحمد العلوي العقيقي، ومن ذلك مسألة لغوية دار الحوار فيها في مجلسه سنة ٣٦٤ هـ وهي مسألة مدّ المقصور في كلمة \"الغني\" فقال بعضهم يجوز المدّ فيها فيقال. \"الغناء\" واستدل بقول الشاعر:\nسيغنيني الّذي أغناك عني ... فلا فقر يدوم ولا غناء\nفرد أبو الليل العلوي هذا الشاهد بأن روايته خلاف هذا، وأن الصّواب هو:\nسيغنيني الّذي أغناك عنّي ... فلا فقري يدوم ولا غناك\nتجنبت الذنوب لتصرميني دعى ... العلات واتّبعي هواك\nينظر: شذرات الذهب للغزّاوي ١٤٣.","vol":"1","page":366},{"text":"وقد ضاع كثير من تلك المناظرات، ولم يبلغنا من أمرها إلا القليل، وأكثر ما بلغنا مما كان يدور في مجالس الخلفاء والأمراء والوزراء في حواضر العراق، وقد جاءت لنا بعض المصادر بنتف يسيرة جدا من مناظرات نحوية وقعت في بعض مجالس العلم كان أحد علماء المدينة طرفا فيها، وهو مروان بن سعيد المهلبي، وكان الطرف الآخر سعيد بن مسعدة الأخفش.\nوفيما يلي مجالس المهلبي مما ذكره أبو القاسم الزجاجي وغيره، وهي ثلاثة مجالس، نوردها كما رواها الرواة، تم نقفوها بشيء ٍمن التعليق:\n١- فإن كانتا اثنتين:\nقال أبو القاسم الزجاجي. \"قال أبو يعلى زكريا بن يحي بن خلاد: حدثني أبو عثمان قال: سأل مروان الأخفش عن قول الله جلّ وعزّ: ﴿فَإِنْ كاَنَتَا اثنَْتَيْن﴾ ١ أليس خبر كان يفيد معنى ليس في اسمها؟ قال نعم. قال: فأخبرني عن ﴿كاَنَتَا اثنَْتَيْن﴾ أليس قد أفاد بقوله (كانتا) معنى ما أراد فلم يحتج إلى الخبر؟ فقال: إنما أراد: فإن كان من ترك اثنتين، ثم أضمر (من) على معناها. قال: فبإضماره (من) على معناها أفاد معنى ما أراد\"٢.\nوأراد مروان بن سعيد المهلبي بسؤاله أن الألف في (كانتا) تفيد التثنية فلأي معنى فسر ضمير المثنى بالاثنتين ونحن نعلم أنه لا يجوز أن يقال: فإن كانتا ثلاثا، ولا أن يقال فإن كانتا خمسًا، فأراد الأخفش أن الخبر أفاد العدد المجرد من الصفة، أي: قد كان يجوز أن يقال: فإن كانتا صغيرتين أو\n_________\n١ سورة النساء: الآية ١٧٦.\n٢ مجالس العلماء٦١.","vol":"1","page":367},{"text":"صالحتين فلهما كذا، وإن كانتا كبيرتين فلهما كذا، فلما قال: فإن كانتا اثنتين على أية صفة كانتا عليها من كبر أو صغر أو صلاح أو طلاح أو غنى أو فْقر، فقد تحصل من الخبر فائدة لم تحصل من ضمير المثنى١.\nوبهذا ظهر ذكاء السائل وبراعة المسؤول.\n٢- أزيد عندك أم عمرو؟\nقال الزجاجي: \"سأل مروان [بن سعيد المهلبي] مرة الأخفش، فقال: إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو، أفليس قد علمت أن ثمَّ كونا ثابتا، ولكن لا تدري من أيهما هو؟ قال: بلى. قال: فإذا قلت: قد علمت أزيد عندك أم عمرو، أفليس قد علمت ما جهلت؟ قال: بلى. قال: فلم جئت بالاستفهام؟ قال: جئت به لألبس على المخبر مَن علمت. فقال له مروان: إذا قلت علمتُ من أنت، أردت أن تلبس عليه لأنه لا يعلم نفسه؟ قال: فسكت.\nقال أبو عثمان: عندي أنه إذا قلت قد علمت من أنت فهو لا يريد أن يُلبس عليه؛ لأنه لا يعرف نفسه، ولكنه أراد قد علمت من أنت أخير أمرك أم شر، كما تقول: قد علمت أمرك، وكقولك: ما أعرفني بك، أي قد علمت ما تذكر به، أو ما تثلب به\"٢.\n٣- أزيد ضربته أم عمرًا:\nقال الزجاجي: \"أخبر أبو جعفر أحمد بن محمد الطبري، قال: سأل مروان سعيد بن مسعدة الأخفش: أزيدًا ضربته أم عمرا؟ فقال:٣ أي شيء تختاره فيه؟ فقال: أختار النصب لمجيء ألف الاستفهام. فقال: ألست إنما تختار في الاسم النصب إذا كان المستفهم عنه الفعل كقولك: أزيدًا ضربته،\n_________\n١ ينظر: نزهة الألباء١٠٩، ودرة الغواص ٣٧.\n٢ مجالس العلماء٦٧.\n٣ القائل هو: مروان.","vol":"1","page":368},{"text":"أعبد الله مررت به؟ فقال: بلى. فقال له: فأنت إذا قلت: أزيدا ضربته أم عمرًا، فالفعل قد استقرّ عندك أنه قد كان، وإنما تستفهم عن غيره، وهو من وقع به الفعل، فالاختيار الرفع؛ لأن المسؤول عنه اسم وليس بفعل. فقال له الأخفش: هذا هو القياس.\nقال أبو عثمان: وهو أيضا ًالقياس عندي، ولكنّ النحويين اجتمعوا على اختيار النصب في هذا لما كان معه حرف الاستفهام الذي هو في الأصل للفعل\"١.\nنعم؛ ويمكن أن نخرج من هذه المناظرات الثلاث بما يلي:\nأولا: دقة المهلبي فيما أثاره من قضايا نحوية، وظهوره ندًّا قويًا لعَلَمٍ مشهور من أعلام النحو العربي، وهو الأخفش.\nثانيًا: اقتصار المهلبي في مناظراته على الأخفش.\nثالثًا: جهلنا بمكان تلك المناظرات، فقد تكون وقعت في العراق، وقد تكون في المدينة، وشهرة المجالس اللغوية في العراق ترجح أن تكون هذه المناظرات الثلاث مما كان يدور هناك في حواضر العراق، وصلة الأخفش ببعض علماء المدينة كعلي الجمل على النحو الذي وضحناه فيما سبق تجعلنا نميل إلى أنها كانت في المدينة، والذي يرجح هذا الاحتمال أنها لو كانت في العراق لما اقتصر مروان بن سعيد المهلبي على مناظرة الأخفش دون غيره من علماء العراق، وهم كثر.\nومن هنا يمكن القول: إن صلة الأخفش بالمدنيين قد تكون مما يفسر به خروج الأخفش عن منهج جماعته البصريين في كثير من مسائل النحو.\n_________\n١ مجالس العلماء٢٤٨، وينظر: الأشباه والنظائر ٣/ ٩٢، ٩٣.","vol":"1","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>من مسائل اللغة</span>\nأشرنا فيما مضى إلى أن علوم العربية نشأت مختلطة في القرنين الأول والثاني بين فروعها قبل أن يعرف المتأخرون من علومها النحو والصرف والدلالة والمعجم وفقه اللغة.\nإن علم اللغة في جوانب الدلالة والمعجم نشأ مبكرًا في المدينة في ظلال علوم القرآن كالتفسير على يد ابن عباس الذي يعد صنيعه بحق نواة المعجم العربي وطليعته، فقد برع في شرح غريب القرآن الكريم في مفرداته وتراكيبه، كما ظهر ذلك فيما روي عنه في كتب التفسير وفيما جاء في سؤالات نافع بن الأزرق، وكذلك في صحيفة علي بن أبي طلحة، وبرع - أيضًا - في تمييز ما وقع في القرآن من لغات القبائل ولغات الأمم المجاورة، وهو ما يسمى بالمعرب.\nوقد ورد عن ابن عباس في مجالات شرح المفردات، وتمييز لغات القبائل، والإحاطة بالمعرب الشيء الكثير.\nأولًا: شرح المفردات:\nيتناول ابن عباس - في الغالب - كلمة غريبة من آية فيشرحها بما لا يزيد على كلمة أو كلمتين، ولو جمع ما أثر عن ابن عباس في هذا الشأن لكوّن معجمًا صالحًا؛ وفيما يلي نماذج من الشرح اللغوي للمفردات عنده:\n١- الرَّغَد:\nقال ابن عباس في تفسير قوله ﷿: ﴿وَكُلا منْهَا رَغَدًَا﴾ ١ الرغد: الهنيء٢.\n_________\n١ سورة البقرة: الآية ٣٥.\n٢ ينظر. جامع البيان ١/٢٦٨.","vol":"1","page":370},{"text":"٢- الإِصر:\nقال في تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ ١: إصرًا: عهدًا٢ لا نفي به، ونقلها عنه أصحاب المعاجم٣.\n٣- الدِّهاق:\nقال ابن عباس في تفسير قوله ﷿: ﴿كأسا دِهَاقًا﴾ ٤ دهاقًا: ملأى٥. وروى عنه الطبري أنه قال لغلامه: اسقني دهاقًا، فجاء بها الغلام ملأى، فقال ابن عباس: هذا الدهاق٦.\nويبدو أن ابن عباس أراد أن يؤكد هذا المعنى للرّدّ على من كان يخالفه، إذ ذهب بعضهم إلى أن الدهاق في الآية ليس من الامتلاء، وإنما من التتابع٧، من الدّهق الذي هو متابعة الشدّ، والمعنى الأولى أعرف كما قال ابن منظور٨.\nوأكثر اللغويين على ما ذهب إليه ابن عباس٩.\n٤- الحُزْن والغَضَب:\nسئل ابن عباس عن الحزن والغضب فقال: غرضهما واحد واللفظ\n_________\n١ سورة البقرة: الآية ٢٨٦.\n٢ ينظر: جامع البيان ٣/١٥٧.\n٣ ينظر: اللسان (أصر) ٤/٢٢.\n٤ سورة النبأ: الآية ٣٤.\n٥ جامع البيان ١٢/٤١١.\n٦ نفسه ١٢/٤١١.\n٧ ينظر: عمدة الحفاظ (دهق) ١٨٠.\n٨ ينظر: اللسان (دهق) ١٠/١٠٦.\n٩ ينظر: مجاز القرآن ٢/٢٨٣، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج ٥/٢٧٥.","vol":"1","page":371},{"text":"مختلف فمن نازعَ من يقوى عليه أظهره غيظًا وغضبًا، ومن نازع من لا يقوى عليه أظهره حُزْنًا وجزعا١.\n٥- المثبور:\nروي عن ابن عباس في تفسير كلمة \"مثبور\" في قوله تعالى: ﴿إِنّي لأظُنًّكَ يا فِرعَون مَثْبُورًا﴾ ٢ ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن مثبورًا بمعنى ملعون٣.\nوالثاني: أنه بمعنى مغلوب٤.\nوالثالث: أنه بمعنى ناقص العقل، ونقصان العقل أعظم هُلْكٍ٥.\n٦- المترف:\nروي عن ابن عباس أنه فسر \"المترفين \" في قوله ﷿: ﴿إِنهُم كَانوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ٦ بأن المراد منه هو التوسع في نعيم الدنيا.\nوذهب أبو عبيدة وجماعة إلى أنه بمعنى: متكبرين٧.\nووافق أكثرُ العلماء٨ ابن عباس.\nولما كان الشعر ديوان العرب، ومنتهى حكمهم، به يأخذون، وإليه يصيرون؛ فقد جعل ابن عباس الشعر دليلا على كثير من شروحه اللغوية، وكان يحثّ على الاستفادة من الشعر في مقام شرح الغريب، فقد روي عنه\n_________\n١ ينظر المفردات (أسف) ٧٥، وعمدة الحفاظ (أسف) ١٦.\n٢ سورة الإسراء: الآية ١٠٢.\n٣ ينظر: جامع البيان ٨/١٥٩.\n٤ نفسه٨/١٥٩.\n٥ المفردات (ثبر) ١٧٢.\n٦ سورة الواقعة: الآية ٤٥.\n٧ ينظر: مجاز القرآن ٢/٢٥١، والجامع لأحكام القرآن ١٧/٢١٣.\n٨ ينظر: معاني القرآن للفراء٣/١٢٧، وإعراب القرآن للنحاس ٣/٣٣١، واللسان (ترف) ٩/١٧.","vol":"1","page":372},{"text":"قوله: \"الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرفْ من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديواننا فالتمسنا معرفة ذلك منه\"١ وروي عنه قوله- أيضًا: \"إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب\"٢.\nوقد ظهرت عناية ابن عباس بالشعر واستفادته منه في سؤالات نافع بن الأزرق التي أوردها السيوطي كاملة في كتابه (الإتقان) ٣.","vol":"1","page":373},{"text":"ثانيًا:<span data-type=\"title\" id=toc-24> لغات القبائل:</span>\nروي عن ابن عباس فيما يتصل بلغات القبائل شيء غير قليل، وأقواله منثورة في كتب التراث وعلى رأسها كتب التفسير والمعاجم. وثمة رسالة برواية ابن حسنون ينتهي سندها إلى ابن عباس وصلت إلينا بعنوان \"اللغات في القرآن \" تشتمل على بعض لغات القبائل وشيء من المعرب.\nوقد شك بعض العلماء في نسبتها إليه - كما تقدم في الحديث عن مؤلفات \"العربية\" عند علماء المدينة، إلا أن الراجح عند كثير من العلماء أنها له، لورود كثير مما فيها من نصوص في كتب التراث، ولنقل السيوطي جل ما فيها معزوًا في كتابيه: \"المهذب\" و\"الإتقان\".\nفمما روي عن ابن عباس في لغات القبائل:\n١- قال ابن عباس في قوله ﷿: ﴿واضْممْ إِليكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهبِ﴾ ٤ الجناح اليد، والرهب الكم بلغة بني حنيفة٥.\nقال مقاتل: \"خرجت ألتمس تفسير الرهب، فلقيت أعرابية وأنا آكل،\n_________\n١ الإتقان ١/١٥٧.\n٢ نفسه ا/١٥٧.\n٣ ١/١٥٨-١٧٥.\n٤ سورة القصص: الآية ٣٢.\n٥ اللغات في القرآن ٣٨.","vol":"1","page":373},{"text":"فقالت: يا عبد الله؛ تصدق عليّ، فملأت كفي لأدفعَ إليها، فقالت: ههنا في رهبي، أي: كمّي\"١.\nورُوي عن الأصمعي أنه سمع أعرابيًا يقول لآخر: أعطني رهبك، فسأله عن الرهب فقال: الكمّ٢ فهذان النصان يؤيدان ما ذهب إليه ابن عباس.\nوذهب أكثر العلماء٣ في تفسير \"الرهب\" في هذه الآية إلى أنه بمعنى الرهبة.\n٢- روى السيوطي عن أبي بكر الأنباري أن ابن عباس كان يذهب إلى أن الوَزَر: ولد الولد بلغة هذيل٤. ولم أجد لهذا المعنى أي أثر فيما اطلعت عليه من المعاجم وكتب التراث.\nوالمشهور عن ابن عباس أنه فسر \"الوراء\" بولد الولد في قوله ﷿: ﴿فَبَشَّرناها بإسْحَاقَ ومن وَرَاءِ إسْحَقَ يَعْقُوب﴾ ٥ وأنه استفاد ذلك من رجل من هذيل سمعه يقول: مات فلان وترك أربعة من الولد وثلاثة من الوراء٦.\n٣- روى الفراء عن ابن عباس أنه قال في قول الله تعالى: ﴿وكُنْتُم قومًا بُورًا﴾ ٧ البور في لغة أزد عمان: الفاسد٨. والذي في كتاب \"اللغات في القرآن\" المنسوب لابن عباس هو أنّ \"قومًا بورًا يعني هلكى بلغة عمان \"٩ والمعنيان متقاربان، لأن الفساد قد يؤدي إلى الهلاك في بعض الأمور.\n_________\n١ المفردات (رهب) ٣٦٦.\n٢ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٣/٢٨٥.\n٣ ينظر: جامع البيان ١٠/٧٠، وتهذيب اللُّغة (رهب) ٦/٢٩٢، وعمدة الحفاظ (رهب) ٢١١.\n٤ ينظر: الإتقان ١/١٧٥، ولغة هذيل ٤٢٣.\n٥ سورة هود. الآية ٧١.\n٦ ينظر: إيضاح الوقف والابتداء١/٧٣، وفتح القدير ٢/٥١٢.\n٧ سورة الفتح الآية ١٢.\n٨ ينظر: معاني القرآن للفراء ٢/٢٠٠.\n٩ اللغات في القرآن ٣٧.","vol":"1","page":374},{"text":"٤- سئل ابن عباس عن معنى \"يفتنكَم\" في قوله ﷿: ﴿وإذَا ضَرَبْتُم في الأرْض فَلَيس عَلَيْكُم جُنَاحٌ أن تَقْصرُوا مِن الصَّلوة إن خفتمْ أًن يَفْتِنَكُم الَّذينَ كَفَرُوا﴾ ١ فقال: يضلكم بالعذاب والجهد بلغة هوازن، أما سمعت قول الشاعر:\nكل امرِئ مِن عِباد الله مُضْطهَدٍ ... ببَطْن مَكَّة مقهورٌ ومفتون٢\nوالذي في \"اللغات في القرآن \" أن معنى ﴿فتنُوا الْمؤْمِنينَ والمُؤْمِنَات﴾ ٣ أخرجوهم بلغة القريش٤.\nثالثا: المعرب:\nيعد ابن عباس من أقدم القائلين بوقوع المعرب في القرآن الكريم٥ ونقل عنه أئمة اللغة والتفسير الشيء الكثير في ذلك٦ وفي رسالة \"اللغات في القرآن\" المنسوبة إليه قدر صالح من المعرب يشير إِليه بـ \"التوافْق\" كقوله: وافقت لغة العرب لغة الفرس أو الحبشة ونحو ذلك.\nوفيما يلي نماذج مختصرة مما أثر عن ابن عباس في المعرب:\n١- روى ابن جرير بسنده عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿فرَّت مِن قسْوَرَة﴾ ٧ فقال: هو بالعربية الأسد، وبالفارسية شار، وبالنبطية أريا، وبالحبشية قسورة٨.\n_________\n١ سورة النساء: الآية ١٠.\n٢ ينظرْ الإتقان ١/١٦٩.\n٣ سورة البروج: الآية ١٠.\n٤ ينظر: اللغات في القرآن ٥٣\n٥ ينظر: المهذب ١٩٢.\n٦ ينظر: جامع البيان ١/٣١.\n٧ سورة المدثر: الآية ٥١.\n٨ ينظر: جامع البيان ١/٣١، وقصد السبيل ١/١٠٥.","vol":"1","page":375},{"text":"٢- قال في: ﴿يَكنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ ١ الكفل: النصيب، وهي بلغة وافقت النبطية، مثل قوله ﷿: ﴿يُؤْتِكُم كِفْلَينِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ ٢ يعني نصيبين بلغة وافقت النبطية٣.\n٣ - روي عنه أنه قال: إن ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ ٤ بمعنى هلمّ لك بالقبطية٥.\n٤- أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ ٦ أنه قال: هي بالنبطية: فشققهن٧.وأخرج ابن جرير - أيضًا - عن الضحاك أن \"صرهن\" بالنبطية \"صرّى\" وهو التشقيق٨. وقيل هي عربية من \"الصور\"٩ وهو الميل.\n٥- قال إن \"الإِستبرق \" هو الديباج الغليظ، بلغة توافق لغة الفرس١٠ وقد ذكر كثير من العلماء أنه معرب \"إستفره\" أو \"إستبره \"١١ أو \"إستروه \"١٢.","vol":"1","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>مسائل لغوية متقرقة</span>\n...\nمسائل لغوية متفرقة\nثمة مسال متفرقة في اللُّغة كنشأة اللغة، والاشتقاق، والأضداد، والسكت؛ معزوة لبعض علماء المدينة كابن عباس ومروان بن سعيد المهلبي، وغيرهما، فمن ذلك:\n_________\n١ سورة النساء: الآية ٨٥.\n٢ سورة الحديد: الآية ٢٨.\n٣ ينظر: اللغات في القرآن ٢٢.\n٤ سورة يوسف: الآية ٢٣.\n٥ ينظر: الإتقان ١/١٨٣.\n٦ سورة البقرة: الآية:٢٦٠.\n٧ ينظر جامع البيان ٣/٥٥.\n٨ نفسه ٣/٥٦.\n٩ نفسه ٣/٥٧.\n١٠ ينظر: اللغات في القرآن ٣٣.\n١١ ينظر: المعرب ١٠، والمهذب ١٩٩، والمعجم الذهبي ٦٦.\n١٢ ينظر: قصد السبيل ١/١٧٧.","vol":"1","page":376},{"text":"١- نشأة اللغة الإنسانية:\nللعلماء أربع نظريات مشهورة في نشأة اللُّغة ومنها نظرية التوقيف أو الإلهام، وهي تتلخص في أن الله ﷾، لما خلق الأشياء، ألهم آدم ﵇، أن يضع لها أسماء فوضعها.\nويستدل أصحاب هذا المذهب من علماء العرب بقوله تعالى: ﴿وعَلَّم آدمَ الأسْمَاءَ كُلَّها، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِْ﴾ ١ فكان ابن عباس يقول فيما رواه عنه ابن جرير الطبري: \"علم الله آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها\"٢.\nوقد اختار جماعة من علماء العربية هذا المذهب، واستدلوا بما استدلّ به ابن عباس، ومن هؤلاء أبو عليّ الفارسي٣ وابن فارس٤.\n٢- الاشتقاق:\nيعد الاشتقاق في العربية من أبرز سماتها، وقد مكنها من التوليد والتوسع في الألفاظ حتى غدت العربية من أغنى اللغات في الألفاظ.\nولابن عباس رأي في اشتقاق بعض الكلمات، لقد أورد السيوطي عن ابن عباس: \"أنه دخل على معاوية، وعنده عمرو بن العاص، فقال عمرو: إن قريشًا تزعم أنك أعلمها؛ فلم سميت قريش قريشا؟ قال: [ابن عباس]: بأمر بيّن، فسره لنا. ففسره، قال: هل قال أحد فيه شعرًا؟ قال: نعم سمّيت قريش بدابة في البحر. وقد قال المشمرج بن عمرو الحميري:\n_________\n١ سورة البقرة: الآية ٣١.\n٢ جامع البيان ١/٢٥٢.\n٣ ينظر الخصائص ١/٤٠.\n٤ ينظر: الصاجي ٦.","vol":"1","page":377},{"text":"وقريش هي التي تسكن البحر ... بها سميت قريش قريشا\nتأكل الغثّ والسمين ولا ... تترك فيه لذي الجناحين ريشا\nهكذا في البلاد حي قريش ... يأكلون البلاد أكلا كميشا\nولهم آخر الزمان نبيّ ... يكثر القتل فيهم والخموشا\nتملأ الأرضَ خيلهُ ورجالٌ ... يحشرون المَطيّ حشرًا كشيشا\nوأخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن أبي ريحانة العامري قال: قال معاوية لابن عباس: لم سميت قريش قريشًا؟ قال: بدابة تكون في البحر من أعظم دوابه، يقال لها القرِش، لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته، قال: فأنشدني في ذلك شيئاَ، فأنشده شعر الحميري، فذكر الأبيات\"١.\nوقيل: سميت بذلك لتقرّشها، أي: تجمّعها إلى مكة من حواليها بعد تفرقها في البلاد حين غلب عليها قصيّ بن كلاب، وقيل سميت بذلك لتَجْرها وتكسبها وضربها في البلاد ابتغاء الرزق٢.\nواختلف العلماء في اشتقاق كلمة \"الناس\" أو \"الإنسان\" فذهب بعضهم إلى أنها من \"الإنس\" وأصله \"أناس\" فحذفت فاؤه تخفيفًا، وجعلت ألف (فُعال) عوضًا عن الهمزة٣. فمادته (أن س) .\nوذهب بعضهم إلى أنه من \"النَّوس\" وهي الحركة، وأن المحذوف العين، وأصله، \"نَوَس\" فقلبت الواو ألفًا، لتحركها وانفتاح ما قبله ٤ فمادته (ن وس) .\nوقال قوم: أصل الإنسان إنسيان على (إفعلان)، فحذفت الياء استخفافًا،\n_________\n١ المزهر ١/٣٤٤- ٣٤٥.\n٢ ينظر: اللسان (قرش) ٦/٣٣٥.\n٣ ينظر: الكتاب ٢/١٩٦، ٣/٤٥٧، والتاج (أنس) ٤/٩٩.\n٤ ينظر: أمالي ابن الشجري ٢/١٢، والدر المصون ١/١١٩.","vol":"1","page":378},{"text":"لكثرة ما يجري على ألسنتهم، فإذا صغروه ردّوا الياء؛ لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها. قال الجوهري: \"واستدلوا عليه بقول ابن عباس - ﵁ - أنه قال: إنما سمّي إنسانًا لأنه عهد إليه فنسي\"١.\nوعلى قول ابن عباس فإن الناس - أيضًا - من نسي، ثم حدث فيه قلب بتقديم اللام إلى موضع العين، وتأخير العين إلى موضع اللام؛ فصار \"نيسًا\" فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها.\n٣- الأضداد:\nيقصد بالأضداد في اصطلاح اللغويين الكلمات التي تؤدي إلى معنيين متضادين بلفظ واحد، ككلمة \"الجون\" تطلق على الأبيض والأسود.\nومن الأضداد كلمة \"السامد\" فهي تدل على اللاهي، الحزين، ولأحد نحاة المدينة رأي فيها، وهو محمد بن مروان المدني (١٩٥ هـ تقريبًا) .\nقال أبو حاتم السجستاني: \"وحكوا عن ابن مروان، قال: السامد الحزين في كلام طيء واللاهي في كلام اليمن، وأما الذي في القرآن٢ فلا علم لي به\"٣.\nوقال أبو الطيب اللغوي: \"ويحكي عن ابن مروان نحويّ أهل المدينة من خزاعة الغبشان أنه قال: السامد: الحزين من كَلام طيىء، واللاهي من كلام سائر أهل اليمن \"٤.\n٤- هاء السكت:\nمن خصائص الوقف في العربية اجتلاب هاء السكت، ولها ثلاثة مواضع\n_________\n١ الصحاح (أنس) ٣/٩٠٥.\n٢ إشارة إلى قوله ﷿ ﴿وَأَنْتُم سَمِدُون﴾ سورة النجم: الآية ٦١.\n٣ الأضداد ١٤٤ (ضمن ثلاثة كتب في الأضداد) .\n٤ الأضداد ١/٣٧١.","vol":"1","page":379},{"text":"معروفة، منها كلًّ مبني على حركة بناء دائمًا، ولم يُشبه المعرب كياء المتكلم، نحو\"كتابي\" ومنه في القرآن: ﴿مَالِيَه﴾ ١ و﴿سُلْطَانِيَه﴾ ٢.\nوقد احتج بعض علماء المدينة المغمورين بما ورد من هذا في القرآن الكريم حين خطأه أبو عمرو بن العلاء. قال الزجاجي: \"حدثنا أبو هِفّان قال: قال مصعب الزبيري: أنشد رجل من أهل المدينة أبا عمرو بن العلاء قول ابن قيس:\nإنّ الحَوَادثَ بالمَدِينَةِ قَدْ ... أَوْجَعْنَنِي وقَرَعْنَ مَرْوَتِيَهْ٣\nفانتهره أبو عمرو، وقال: مالنا ولهذا الشعر الرّخو، إنّ هذه الهاء لم تدخل في شيء من الكلام إلا أرخته.\nفقال المدني: قاتلك الله، ما أجهلك بكلام العرب، قال الله جل وعز في كتابه: ﴿مَا أغنَى عَنّي مَالِيَه هَلَكَ عَنّي سُلْطَانِيَه﴾ و﴿يَا لَيْتَنِي لَم أوْتَ كِتَابِيَه ولم أدرِ مَا حِسَابِيَه﴾، وتعيبه؟ فانكسر أبو عمرو انكسارًا شديدا\"٤.\nويدل ردّ هذا المدني المغمور على أبي عمرو بن العلاء، واحتجاجه بما جاء في القرآن في تلك المسألة اللغوية، وقوله بثقة لأبي عمرو: \"ما أجهلك بكلام العرب\" يدل ذلك كلّه على أن ذلك الرجل كان على قدر من العلم باللغة في المدينة إن لم يكن من علماء اللُّغة فيها، وإن كنا لا نعرف اسمه، وقد تبين لنا من خلال هذا البحث أن ما نجهله من أمر علماء اللُّغة والنحو في المدينة هو أكثر مما نعرفه عنهم.\n_________\n١ سورة الحاقة: الآية ٢٨.\n٢ سورة الحاقة: الآية ٢٩.\n٣ ديوان عبيد الله بن قيس الرقيات ٩٨.\n٤ مجالس العلماء ١٤٤.","vol":"1","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>الخاتمة</span>\nتبيّن من خلال هذا البحث أن بذرة الدراسات اللغوية العربية لغة ونحوًا كانت في المدينة، منذ وقت مبكر في عهد الخلفاء الراشدين ومن جاء بعدهم من أمراء بني أمية، لعوامل ساعدت على نشأة هذه العلوم، ومن أبرزها:\n١- ظهور اللحن وانتشاره.\n٢- حماية القرآن من اللحن.\n٣- محاولة فهم القرآن ودرسه.\nوأرى أن الدرس اللغوي والنحوي بخاصة لا يعزى في وضعه لعالم بعينه، إنما هو جملة من الأنظار والملحوظات والإرشادات اللغوية التي أثارها جماعة من التابعين وأصحاب الذائقة اللغوية الرفيعة من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، فأسهموا جميعًا - بدرجات متفاوتة - في إرساء الأسس النحوية الأولى في المدينة، تم انتشرت هذه الملحوظات والأنظار، وتداولها المهتمون بالعربية في الأمصار، كالبصرة في بادئ الأمر ثم الكوفة، فكانت هذه الملحوظات النواة للنحو العربي الذي نضج في أواخر القرن الثاني.\nوكان لبعض الشخصيات قدم راسخة في إرساء الأساس لبنيان العربية الشامخ، كعلي بن أبي طالب - ﵁ - وأبي الأسود الدؤلي، وابن عباس - ﵄ - ونصر بن عاصم الليثي وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج المدني، وكان اشتهارهم في هذا الفن مع تقدم زمانهم مدعاة لأن يرفع الرواة والمؤرخون من شأنهم وينسبوا إليهم وضع العربية والنحو بخاصة.\nوقد أهمل أمر اللغويين والنحاة في المدينة، وضاع كثير من نتاجهم وآرائهم وملحوظاتهم لأسباب بَيّنتها، تتلخص في انشغال المسلمين في صدر","vol":"1","page":381},{"text":"الإسلام بأخبار الحرب وأنباء الفتوح التي كانت تتوالى على المدينة صباح مساء، ثم أدّى انتقال مركز الخلافة إلى دمشق أيام الأمويين، ثم بغداد أيام العباسيين - إلى صرف الأنظار عن المدينة وتركّزِها على مراكز الخلافة الجديدة، فأهمل المؤرخون وأصحاب الطبقات كثيرا من نواحي الحياة في المدينة ومنها أخبار العلم والعلماء.\nولم تزل المدينة تبتعد شيئًا فشيئًا عن دوائر الضوء وتنزوي بين جبال الحجاز ورمال الصحراء في جزيرة العرب، حتى خرجت ومعها جزيرة العرب بكاملها من اهتمامات المؤرخين وأصحاب الطبقات، فليس ثمة ما يغري المؤرخين، أو يجبرهم على الخوض في شؤون تلك البقاع سوى ما يتصل بالحج، وأخبار بعض الخوارج والقرامطة.\nوهكذا يمكن القول: إن اللغة والنحو وأربابهما في المدينة مما طُويَ عنا أمره، فلا نعرف اليوم من أعلام العربية أو عنهم إلا القليل؛ مما يمكن أن يجمع في قبضة يد واحدة من تراث لغوي مفقود.\nوقد وفقت - بعد طول بحث في المظان المختلفة - على جملة من أولئك الأعلام في المدينة، وتعرفت على شيء يسير من تراثهم اللغوي الضائع، ومن هؤلاء: علي بن أبي طالب، وابن عباس، ومسلم بن جندب الهزلي، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعبد الله بن ذكوان المعروف بأبي الزناد، وعبد العزيز القارئ الملقب بـ\"بشكُسْت\" وزيد بن أسلم العدوي، وعلي الجمل، والأصبغ بن عبد العزيز الليثي، ونافع بن أبي نعيم، وعيسى بن يزيد بن دأب، ومالك بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي، ومروان بن سعيد المهلبي، ومحمد بن مروان المدني، وعيسى بن مينا بن وردان.\nويبدو أنّ لنحاة المدينة ولغوييها مؤلفات مفقودة في اللغة والنحو وأنّ لهم آراءهم النحوية الخاصة، ومصطلحاتهم التي كانت تدور في بيئتهم، وأنّ لهم مجالسهم اللغوية الخاصّة.","vol":"1","page":382},{"text":"وأمكن لهذا البحث أن يقف على بعض الشذرات النحوية المتفرقة، كتابع المنادى، والفصل بين المضاف والمضاف إليه، وضمير الفصل، وإعراب حتى وما بعدها، والنداء والترخيم، والتقديم والتأخير، والصفة.\nأما علم اللغة في جوانب الدلالة والمعجم فيمكن القول إنه نشأ مبكرًا في المدينة في ظلال علوم القرآن، كالتفسير على يد ابن عباس، الذي يعد صنيعه فيه نواة المعجم العربي وطليعته، فقد برع في شرح غريب القرآن، مع العناية الواضحة بلغات القبائل، ومحاولة الإِحاطة بما في القرآن من المعرب.\nوكان للمدنيين نشاطهم اللغوي من خلال المجالس العلمية التي كانت تعقد لشتّى العلوم كالتفسير والحديث والفقه واللغة.\nوكانت العلوم الشرعية واللغوية تتداخل في تلك المجالس، ونقدّر أن علم العربية بفروعه المختلفة كغريب اللغة ولهجاتها، وأوّليات النحو كالفاعل والمفعول والمبتدأ والخبر - مما كان يعرض في تلك المجالس.\nوكان للغة مجالسها الخاصة كمجالس ابن عباس وأبي الزناد وابن هرمز ومروان بن سعيد المهلبي، وغيرهم.\nوأرجو - في الختام - أن يكون لهذا البحث نصيب من الإِسهام في الكشف عن بدايات مجهولة لعلم العربية في عاصمة الإسلام الأولى، المدينة النبوية الشريفة.","vol":"1","page":383}]}