{"ً":{"ٌ":11193,"ٍ":"اضطراب الناس في مسألة الكلام مع بيان الحق الذي تدل عليه الأدلة وتشهد به الفطر السليمة","َ":2,"ُ":1,"ِ":{"root":"الجوامع والمجلات ونحوها/مجلة الجامعة الإسلامية/016_062","files":["016_062_mgi.pdf"]},"ّ":"الكتاب: اضطراب الناس في مسألة الكلام مع بيان الحق الذي تدل عليه الأدلة وتشهد به الفطر السليمة\nالمؤلف: عبد الكريم مراد\nالناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\nالطبعة: السنة السادسة عشرة، العدد الثاني والستون - ربيع الآخر - جمادى الآخرة ١٤٠٤هـ/١٩٨٤م\nعدد الصفحات: ١١٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2163,"ٕ":1,"ٖ":1770155808,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مدخل","level":1,"page":1},{"title":"الكلام من صفات الله تعالى","level":1,"page":3},{"title":"اختلاف الناس في حقيقة كلام الله تعالى","level":1,"page":5},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":14}],"ٛ":{"1,105":1,"1,106":2,"1,107":4,"1,108":6,"1,109":7,"1,110":8,"1,111":9,"1,112":10,"1,113":11,"1,114":12,"1,115":13},"ٜ":{"1":[105,115]},"ٝ":["1,105","1,106","1,106","1,107","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,115"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"5":[3],"14":[4]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مدخل</span>\n...\nاضطراب الناس في مسألة الكلام مع بيان الحق الذي تدل عليه الأدلة وتشهد به الفطر السليمة\nللشيخ عبد الكريم مراد أستاذ مشارك بكلية الشريعة\nالحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.\nوبعد: فهذا بيان موجز لأقوال الناس واضطرابهم في مسألة هي من أهم مسائل الدين وهي: مسألة الكلام مع بيان الحق الذي تدل عليه الأدلة وتشهد به الفطرة السليمة.\nأقول وبالله التوفيق: الكلام والقول واحد، وهو في عرف الناس ولغاتهم اسم للفظ والمعنى معًا، فاللفظ بمفرده لا يسمى كلامًا ولا المعنى بمفرده كلاما إلا مع قرينة.\nولهذا تجد الكثيرين من المصنفين في أصول الفقه من جميع الطوائف من أتباع الأئمة الأربعة إذا تكلموا في الأمر والنهي ذكروا: أن الأمر والنهي هو اللفظ والمعنى معًا وخالفوا من قال: إن الأمر والنهي هو المعنى ١ قال الشيخ الموفق في روضة الناظر (٢/٦٣): \"وللأمر صيغة مبنية تدل بمجردها على كونها أمرًا إذا تعرَّت عن القرائن وهي (إفعلْ) للحاضر و(لْيَفعل) للغائب، هذا قول الجمهور، وزعمت طائفة من المبتدعة أنه لا صيغة للأمر بناءً على خيالهم الفاسد: أن الكلام معنى قائم بالنفس، فخالفوا الكتاب والسنة واللغة والعرف.! \"\nوعلى هذا مضى السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولم يكن بينهم أي نزاع في مسمى الكلام ومعناه. وهل يعقل أن ينازعوا فيما هو من أجلى الأمور عند الناس مثل الماء والنار والرأس واليد ونحو ذلك.\nوالكلام تكلم به الأولون والآخرون منذ خلقوا، وهل يقول عاقل: إنهم ما فهموا معنى الكلام ومسماه.\n_________\n١ مجموع الفتاوى: (١٢/ ٣٥/٣٦)","vol":"1","page":105},{"text":"ولوترك الناس على فطرهم السليمة وعقولهم الصحيحة لم يقع بينهم نزاع في مثل ذلك من الضروريات ولكن الشياطين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا فيَضلون ويُضلون غيرهم. ونعوذ بالله من فتن المضلِّين.\nوإنما حصل النزاع في معنى الكلام ومسماه عند المتأخرين بعد ما حدثت البدع وكثرت بها الشبه والشكوك فمرضت القلوب وفسدت العقول وكثر القيل والقال.\nفقال بعضهم: \"الكلام حقيقة في اللفظ مجاز في المعنى تسمية المدلول باسم الدال\"، وقال آخرون: \"عكس ذلك\".\nوقيل: \"يطلق الكلام على اللفظ والمعنى بطريق الاشتراك اللفظي\"، وقيل: \"حقيقة في كلام الناس؛ لأن لكلامهم حروفًا وأصواتًا تقوم بهم ومجاز في كلام الله ﷿\"١.\nوالصواب في ذلك هو ما ذكرناه آنفًا بأن الكلام: \"مجموع اللفظ والمعنى فمسماه مركب\".\n_________\n١ شرح العقيدة الطحاوية.","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الكلام من صفات الله تعالى:</span>\nقد تواتر عن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام: أن الله تعالى متكلم موصوف بالكلام حيث أخبروا عن الله ﷿ بأنه: أمر بكذا ونهى عن كذا وأخبر بكذا، وكل ذلك من أقسام الكلام.\nووصف الله تعالى نفسه المقدسة بالكلام كما وصف نفسه بالعلم والقدرة والإرادة ونحو ذلك من صفات الكمال.\nوصفاته جل وعلا لا تماثل صفات المخلوقين فهي صفات كمال تختلف عن صفات المحدثات كما تختلف ذاته المقدسة عن ذواتهم، ليس كمثله شيء.\nوذلك أن المعاني والصفات التي تطلق على الخالق والمخلوق بالاشتراك لها اعتباران:\nأـ اعتبار العموم والتجريد من الإضافة نحو: الحياة والعلم والقدرة والكلام، فهي بهذا الاعتبار مشتركة بين الخالق وبين المخلوق.\nولا يلزم من اشتراكهما في الأسماء والمعاني من حيث العموم وعدم الإضافة تشبيه ولا تمثيل؛ لأن هذا المشترك مطلق كلي لا وجود له في الخارج والواقع وإنما يفرضه الذهن، والذهن يفرض المحال.","vol":"1","page":106},{"text":"ب- إعتبار الخصوص والتقييد والإضافة:\nوالإضافة تارة تكون إلى الرب ﷻ نحو: وجود الله وحياة الله وكلام الله، فهذا المضَاف إليه سبحانه مختص به لا يَشْرَكه فيه أحد من خلقه، ولله المثل الأعلى. وتارة تكون الإضافة إلى العبد نحو: وجود العبد وحياته وعلمه وكلامه.\nفهذا المضاف إلى العبد مختص به، والله تعالى منزه عن مشاركة العبد في صفاته وخصائصه، فالصفة تابعة للموصوف؛ فإن كان الموصوف بها هو الغني الحميد فصفاته كما يليق به، وإن كان الموصوف هو العبد الفقير فصفاته كما يليق بحاله من الفقر والحدوث والفناء١.\n_________\n١ مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٦)، والتدمرية (٤٤) .","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>إختلاف الناس في حقيقة كلام الله تعالى:</span>\nقد تنازع الناس في حقيقة كلام الرب وتفرَّقوا واختلفوا بالأهواء بعد مضيّ خير القرون من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.\nقال عزّ من قائل: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ . (٢: ١٧٦) .\n١ـ وأبعد ما قيل في كلام الله سبحانه: \"إنه فيض من المعاني يفيض من الملأ الأعلى على النفوس الشريفة بواسطة العقل أو غيره فيكسبها أنواعا من العلوم من تصورات وتصديقات بحسب استعداد تلك النفوس وقبولها لذلك الفيض\". وهذا قول المتفلسفة القرامطة مثل: الفارابي وابن سينا والطوسي.\nويزعم هؤلاء الملاحدة أنّ موسى ﵇ سمع كلام الله من سماء عقله أي كلّمه بكلام حدث في نفسه لم يسمعه من خارج، وأن أهل الرياضة والصفاء يصلون إلى ما وصل إليه موسى فيسمعون ما سمعه موسى كما سمعه موسى ﵇، ويرى هؤلاء أن لتلك النفوس قوتين:\nأ - قوة التصور وبها تدرك من المعاني ما يعجز عنه غيرها.\nب - قوة التخييل وبها تستطيع أن تتصوّر المعقول في صورة المحسوس فتتخيل صورًا نورانية تخاطبها وتكلمها بكلام تسمعه الآذان.","vol":"1","page":107},{"text":"وربما تقوى هذه القوة على إسماع ذلك لغيرها وعلى تشكيل تلك الصور النورانية لعين الرائي فيرى الملائكة ويسمع كلامهم وكل ذلك من الوهم والخيال.\nوهؤلاء الملاحدة لما علموا أن الرسول -ﷺ- أخبر عن الله تعالى بأنه قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ قالوا مصانعين للمسلمين: \"إن القرآن كلام الله وما جاء به الأنبياء كلام الله\"، ولكن حقيقة كلام الله عندهم هو ما ذكرنا، فحرَّفوا نصوص الكتاب والسنة الدالة على كلام الله وتكليمه لعباده على طريقة إخوانهم في تحريف الكلم عن مواضعه.\nوالنبوّة عند هؤلاء مكتسبة، وحشر الأجساد عندهم مستحيل، والرب سبحانه لا يعلم الجزئيات، إلى غير ذلك من الكفر والضلال.\nوالذي قاد هؤلاء إلى هذا الكفر الصريح هو عدم إيمانهم بما جاء به الرسول -ﷺ- وأخبر به عن الله تعالى وعن المعاد، ولكن لما بهرت عقولهم شمس الرسالة حتى شهد شاهد منهم بأنه لم يطرق العالم ناموس أفضل من هذا الناموس ولم يوافق ما جاء به الرسول -ﷺ- أصولهم الفاسدة وآراءهم الكاسدة أصبحوا حيارى نحو ذلك.\nفمنهم من لم يؤمن بكثير من ذلك بل يشك فيه أو يكذبه، ومنهم من يقول: \"إن ما جاء به الرسول -ﷺ- تخييل للحقائق وأمثلة مضروبة لتقريبها إلى أفهام العامة، والأنبياء والرسل قد فعلوا ذلك للمصلحة\". نعوذ بالله من ذلك.\nهذه طريقة الفارابي الملقّب بالمعلّم الثاني لهم، وابن سينا الملقب بالشيخ الرئيس لهم، والطوسي الملقّب بالمحقّق عندهم من المتفلسفة في الإسلام.\nيذكر الحافظ ابن القيم في النونية مذهب هؤلاء في كلام الله فيقول:\nوأتى ابن سينا القرمطي مصانعًا ... للمسلمين بإفكٍ ذي بهتان\nفرآه فيضًا فاض من عقل هو ... الفعال علة هذه الأكوان\nحتى تلقاه زكيّ فاضل ... حسن التخييل جيد التبيان\n٢ـ والقول الثاني في كلام الله تعالى قول أهل وحدة الوجود كابن عربي الطائي والصدر القونوي وحزبهما.\nقالوا: \"كل كلام في الوجود كلام الله تعالى نظمًا كان أو نثرًا، صدقًا كان أو كذبًا \".\nوقال عارفهم:\nكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه","vol":"1","page":108},{"text":"وهذا القول الذي لا يخفى فساده على كل من عنده مسكة عقل وهو فرع مذهبهم الفاسد وهو أن الله تعالى عين هذا الوجود وأن تلك الكثرة وهم وخداع من الحس لا حقيقة لها من الواقع.\nولازم هذا الهذيان والكفر الصريح أن كلام هذه المخلوقات وسائر صفاتها محمودة كانت أو مذمومةً هي عين كلام الله وصفاته إذ هي عينه. تعالى الله عما يقولون الظالمون علوا كبيرا.\nويصوّر لنا ابن القيم ﵀ مذهب هؤلاء في نونيته بقوله:\nوأتت طوائف الاتحاد بملة ... طمت على ما قال كل لسان\nقالوا كلام الله كل كلام هذا ... الخلق من جن ومن إنسان\nنظما أو نثرا زوره وصحيحه ... صدقا وكذبا واضح البطلان\nفالسب والشتم القبيح وقذفهم ... للمحصنات وكل نوع أغان\nوالنوح والتعزيم والسحر المبين ... وسائر البهتان والهذيان\nهو عين كلام الله ﷻ ... وكلامه حقا بلا نكران\nهذا الذي أدى إليه أصلهم ... وعليه قام مكسح البنيان\nإذ أصلهم أن الإله حقيقة ... عين الوجود وعن ذي الأكوان\nفكلامها وصفاتها هو قوله ... وصفاته ما ههنا قولان.\n٣ - والقول الثالث قول نفاة الصفات من جهمية ومعتزلة.\nقالوا: \"الرب متكلم بكلام حرف وصوتُ يخلق ذلك في بعض مخلوقاته\".\nفكلامه عندهم مخلوق كسائر المخلوقات.\nيقول القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه المغني في التوحيد والعدل (٧/٣): \"اختلف الناس في كلام الله تعالى والذي عليه شيوخنا: أن كلام الله ﷿ من جنس الكلام المعقول في الشاهد، وهو حروف منظومة وأصوات مقطعة، وهو عرض يخلقه الله تعالى في بعض الأجسام على وجه يسمع ويفهم معناه، يؤدِّي الملِك ذلك المعنى إلى الأنبياء ﵈ بحسب ما يأمر به الله ﷿ ويعلمه صلاحًا\".\nويقول في القرآن الكريم (٧/ ٢٢٤): \"إن الله خلق القرآن وأحدثه لمصالح العباد\".\nوهذا القول الفاسد فرع أصلهم الفاسد وهو النفي المجمل: \"أن الله تعالى ليس محلا للحوادث ولا يقوم به وصف ولا فعل\".","vol":"1","page":109},{"text":"فجرَّدوه سبحانه مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله -ﷺ- من صفات الكمال.\nومن لوازم هذا القول الفاسد في مسألة الكلام أن يكون الله تعالى متكلما بكل كلام يحدثه في الجمادات أو يخلقه في الحيوانات حقا كان أو باطلا، صدقا كان أو كذبا، وقد طرد ذلك الاتحادية. تعالى الله عن ذلك كله.\nوجرّ هذا القول الفاسد قائليه إلى القول: \"إن إضافة الكلام إلى الله تعالى إضافة تشريف مثل: بيت الله وناقة الله ونحو ذلك\".\nوبطلان ذلك لا يخفى على ذي البصيرة؛ وذلك لأن الإضافة إلى الرب تعالى نوعان:\nأـ إضافة معان وصفات نحو: حياة الله وعلمه وقدرته وكلامه ونحو ذلك، فهذه من إضافة الصفة إلى الموصوف، ولا يقال في إضافة شيء من صفاته إليه تعالى إضافة تشريف إذ صفاته سبحانه ليست خارجة عن مسمى اسمه، بل يمتنع وجود ذاته بدون صفاته اللازمة لها وإن كان الذهن يفرض ذاتًا وحدها وصفة وحدها.\nب - إضافة ذوات وأعيان نحو: عبد الله وبيت الله وأرض الله ونحو ذلك، فهذه من إضافة المخلوق إلى خالقه جل ذكره.\nوإضافة المخلوق إلى الخالق نوعان:\n١ - إضافة عامة لا تشريف فيها، وذلك أن يضاف إليه سبحانه شيء من المخلوقات نظرًا لكونه مخلوقًا مربوبًا له سبحانه.\nفهذا المعنى العام موجود في جميع المخلوقات من غير فرق بين مخلوق وآخر، ولك بهذا الاعتبار أن تقول في إبليس عليه اللعنة: خلق الله ولا تشريف في ذلك.\n٢ - إضافة خاصة تقتضي التشريف والتكريم للمضاف إلى الله تعالى، وذلك أن يضاف إليه سبحانه شيء من المخلوقات لمعنى خاص يوجد في ذلك المخلوق يحبه الله به ككونه نبيًا وكون الكعبة قبلة للمسلمين، فإذا قيل في أحد أنبياء الله: عبد الله أو قيل في الكعبة الشريفة: بيت الله، فهذه إضافة تشريف.\nوعلم بذلك أن إضافة المخلوق إلى الخالق لا تكون إضافة تشريف على وجه الإطلاق.\nوأول من علم منه إنكار التكليم والمخالفة هو جعد بن درهم في أوائل القرن الثاني للهجرة، وشدد عليه في النكير علماء التابعين مثل الحسن البصري وغيره، وأفتوا بقتله فقتل","vol":"1","page":110},{"text":"بسبب ذلك قتله خالد بن عبد الله القسري أمير واسط بالعراق يوم الأضحى وقال للناس في خطبته: \"أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضَحٍ بجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرا، ثم نزل فذبحه\".\nثم تولى كبر هذه المقالة الشنعاء وهي مقالة تعطيل الأسماء والصفات بعد جعد ابن درهم تلميذه جهم بن صفوان السمرقندي، ونشرها فاشتهرت في الناس بمقالة الجهمية، وهذا الأخير لقي أيضًا مصرعه بسبب زيغه وزندقته.\nويذكر ابن القيم مذهب هؤلاء في النونية بقوله:\nوالقائلون بمشيئة وإرادة ... أيضًا فهم صنفان\nأحدهما جعلته خارج ذاته ... كمشيئة للخلق والأكوان\nقالوا: صار كلامه إضافة ... التشريف مثل البيت ذي الأركان\nما قال عندهم ولا هو قائل ... والقول لم يسمع من الديّان\nفالقول مفعول لديهم قائم ... بالغير كالأعراض والأكوان\nهذي مقالة كل جهميّ وهم ... فيها الشيوخ معلّموا الصبيان\n٤ - والرابع من الأقوال قول الكرّامية أتباع محمد بن كرام السجستاني المتوفى عام (٢٥٥ هـ) قالوا: \"كلام الله تعالى حروف وأصوات حادثة، تكلّم الله بها بمشيئة وقدرة بعد أن لم يكن متكلّما أي حدثت له صفة الكلام\".\nوفساد هذا القول ظاهِر حيث جعلوه تعالى في الأزل غير قادر على الكلام ثم جعلوا الكلام ممكنًا له تعالى مقدورًا له من غير حدوث شيء أوجب القدرة والإمكان.\nويقول في النونية عن هؤلاء:\nوالقائلون بأنه بمشيئته ... في ذاته فهم نوعان\nأحدهما جعلته مبدوءًا به ... نوعًا حذارِ تسلسل الأعيان\nفيسد ذاك عليهم في زعمهم ... إثبات خالق هذه الأكوان\n٥ - والخامس قول السالمية أتباع محمد بن أحمد سالم المتوفى عام (٢٩٧) للهجرة.\nقالوا: \"كلام الله تعالى حروف وأصوات أزلية قديمة ولها معان تقوم بذات الرب تعالى\".","vol":"1","page":111},{"text":"ولا يخفى فساد هذا القول بمجرد تصوره.\n٦ - والسادس قول الكلاّبية والأشاعرة.\nقالوا: \"كلام الله تعالى معنى واحد قائم بذات الله لازم له لزوم الحياة والعلم والقدرة، أي صفة ذاتية لازمة غير مقدورة وليس لكلامه حرف ولا صوت يسمع\".\nوذلك المعنى الواحد هو الأمر والنهى والخبر والاستخبار وإن عُبرّ عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا، فاختلفت العبارات لا المعنى.\nقال سيف الدين الآمدي في كتابه \"غاية المرام في علم الكلام\" (٨٨): \"ذهب أهل الحق من الإسلاميين إلى كون الباري تعالى متكلما بكلام قديم أزلي أحديّ الذات ليس بحروف ولا أصوات\".اهـ.\nوقال شارح المواقف (٢٩٨): \"كلامه تعالى عندنا واحد وهو المعنى القائم بالنفس الذي يعبر عنه بالألفاظ. وأما انقسامه إلى الأمر والنهي والخبر والاستفهام والنداء فإنما هو بحسب التعلق، فذاك المعنى الواحد باعتبار تعلقه بشيء على وجه خاص يكون أمرًا، وباعتبار تعلقه على وجه آخر يكون خبرًا وهكذا البواقي\". اهـ.\nهذا الذي قاله الكُلاَّبية والأشاعرة في كلام الله ﷿ هو من أفسد ما قيل في كلامه سبحانه، وكلما تأمّل العاقل هذا القول تبين له فساده، وعلم مخالفته للكتاب والسنة وكلام سلف الأمة.\nومن اللوازم الفاسدة لهذا القول لا مفر لهم منها:\nأـ إن القرآن المنزّل على خاتم النبيين -ﷺ- مخلوق فإنه كلام عربي مؤلف من حروف، وهؤلاء نفوا أن يكون لكلامه تعالى حرف.\nب - إن القرآن الكريم ليس كلام الله تعالى عندهم حقيقة.\nج - إن القرآن المنزل على محمد -ﷺ- هي التوراة المنزلة بالعبرية على موسى، وهو الإنجيل المنزل بالسريانية على عيسى ﵉.\nد - إن معنى قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ معنى قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .","vol":"1","page":112},{"text":"وهل يقول ذلك عاقل وهو يدري ما يقول؟.\nونفى الكُلاّبية والأشاعرة أن يكون كلام الرب يتعلق بمشيئته وقدرته زعمًا منهم أنه لو كان مقدورًا ومرادًا له لكان حادثا فيلزم على هذا قيام الحوادث بالرب سبحانه.\nوقد وافق هؤلاء نفاة الصفات من جهمية ومعتزلة على أصلهم الفاسد وهو نفيهم المجمل \"أن الله ليس محلا للحوادث\"، ولكن فرقوا بين الصفات الذاتية وبين الصفات الاختيارية فقالوا: تقوم به تعالى الصفات الذاتية مثل الحياة والعلم والقدرة وجعلوا منها الكلام، وقالوا: لا يلزم من ذلك أي محذور لأنها صفات لازمة الذات.\nونفوا أن تقوم به تعالى الصفات الاختيارية مثل الاستواء والنزول والغضب والرضى ونحوها مما يتعلق بإرادته وقدرته فرارا من أن يلزم به سبحانه قيام الحوادث.\nوالجواب عن قولهم \"ليس الرب تعالى محلا للحوادث\" أن هذا لفظ مجمل لا يقبل على إطلاقه بل يفسر ويفصل كآلاتي:\nفإن أريد بهذا النفي المجمل: أن الله تعالى ليس محلا للحوادث أي ليس داخل ذاته المقدسة شيء من المخلوقات المحدثة فهذا حق.\nأو أريد بذلك نفي تجدد وحدوث صفاته فهو أيضًا حق لأن صفاته تعالى قديمة أزلية إذ هي صفات كمال وفقدها عيب ونقص لا يليق بالإله ﷻ.\nوإن أريد بهذا النفي المجمل \"وهو مراد النفاة \" نفي وإنكار ما وصف الله تعالى به نفسه وما وصفه رسوله -ﷺ- فهو نفي مردود على قائله لأن المؤمن لا يخطر بباله أن الله تعالى قد يصف نفسه أو يصفه أعلم الخلق بالله وهو الرسول -ﷺ- بكلام يكون ظاهره كفرا يجب تأويل ذلك.\nبل جميع ما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله -ﷺ- صفات كمال ظواهرها تليق بجلال الله تعالى تختلف عن الظواهر المشاهدة عند المخلوق كما تختلف ذاته عن ذواتهم. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ .\nوأول ما ظهر إنكار أن الله تعالى يتكلم بحرف وصوت في عهد أبي العباس المأمون بن هارون الرشيد الخليفة العباسي، وذلك أن نفاة الصفات من معتزلة وغيرهم قبل ذلك كانوا","vol":"1","page":113},{"text":"أذلاء مهانين فلما أدخلوا المأمون في مذهبهم وتأثر بآرائهم ظهر أمرهم ورفعوا رؤوسهم فعظمت الفتنة والمحنة وثبّت الله أهل الإيمان وورثة الأنبياء على ما ورثوا من الحق والقول الثابت، وعلم الناس سوء مذهب النفاة ومَا فيه من تعطيل الرب تعالى من صفات الكمال من الكلام وغيره، ظهر في ذلك الوقت رجل هو: أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري المتوفى بعد سنة (٢٤٠) للهجرة بقليل.\nوأثبت الصفات مثل الحياة والعلم والقدرة والكلام ونحوها ونفى أن تكون صفات الله تعالى مخلوقة ردًا على النفاة القائلين: \"إنّ كلام الله مخلوق\"، فقال: \"إنّ كلام الله معنى واحد قائم بنفسه لازم له ليس له حرف ولا صوت\".\nفسلك مسلكا خالف فيه المعتزلة ولم يوافق أهل الحديث في جميع ما قالوه، وإنما قابل بدعتهم ببدعة، وردّ باطلهم بباطل.\nوأنكر ذلك الإمام أحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما من أئمة السنة الذين كانوا في زمنه وبعده.\nيقول عبد الله بن أحمد: \"قلت لأبي: يا أبت إنّ قوما يقولون: \"إنّ الله تعالى لم يتكلّم بصوت \"، فقال يا بنيّ: \"هؤلاء الجهمية إنما يدورون على التعطيل يريدون أن يلبسوا على الناس بل تكلم بصوت...\"\nقال في النونية عن هؤلاء:\nثم الألى قالوا بغير مشيئة ... وإرادة منه فطائفتان\nإحداهما جعلته معنى قائما ... بالنفس أو قالوا بخمس معان\nوالله أحدث هذه الألفاظ كي ... تبديه معقولا إلى الأذهان\nوكذلك قالوا إنها ليست ... هي القرآن بل دلت على القرآن\nولربما سمى بها القرآن تسمية ... المجاز وذاك وضع ثان\nوالحق في المسألة هو ما ذهب إليه أئمة السنة والحديث من أن الكلام صفة كمال لله ﷿ كسائر الصفات فهو لم يزل ولا يزال متكلما متى شاء وكيف شاء ولكلامه حرف وصوت يسمع، والكلام على هذا القول صفة ذات وفعل قديم النوع حادث الأفراد.\nوذلك أن للكلام اعتبارين بالنسبة إلى المتكلم.\nأـ كون الكلام صفة معنوية للمتكلم فبهذا الاعتبار يصح أن يقال: الكلام معنى قائم بنفس المتكلم وصفة قائمة بذاته، والصفة لا تقوم إلا بالموصوف.","vol":"1","page":114},{"text":"ب - كون الكلام مسموعا من المتكلم إذا تكلم بحرف وصوت فهذه هي حقيقة الكلام الخارجية وهي بالنسبة إلى المتكلم من المخلوقين مشاهدة لا ينكرها إلا مكابر.\nوبالنسبة إلى الخالق جل وعلا فقد دلت الأدلة على أن لكلامه سبحانه حرفًا وصوتًا فقد وصف نفسه بالقول والتكليم وبالمناداة في غير ما آيةٍ.\nوالنداء هو الصوت ويقال: ناداه مناداة ونداء أي صاح به.\nواستفاضت الأحاديث من الرسول -ﷺ- والآثار من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ومن بعدهم من أئمة السنة بأن الله تعالى ينادي بصوت ويتكلم بالوحي بصوت.\nوكان أئمة السنة ﵃ يعدون من أنكر كلام الرب تعالى بصوت من الجهمية.\nومن تأمل نصوص الكتاب والسنة وكلام السلف لا يبقى عنده أي شك في ذلك ولا سيما أحاديث الشفاعة وحديث المعراج وأحاديث الرؤية وأحاديث الحساب وأحاديث تكليمه سبحانه ملائكته وأنبيائه ورسله وأهل الجنة إلى غير ذلك من الأحاديث.\nومن أحاط بها علما ومعرفة يقطع بان الله تعالى موصوف بالكلام على وجه يليق بكماله، وأن لكلامه سبحانه صوتا يسمع، بل الرب ﷻ أحق بهذه الصفة وأولى من كل أحد.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>مصادر ومراجع</span>\n...\nمراجع البحث\n١ـ الأعلام للزركلي.\n٢ـ الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية.\n٣ـ الرسالة الحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية.\n٤ـ روضة الناظر لابن قدامه.\n٥ـ شرح العقيدة الطحاوية.\n٦ـ شرح المواقف.\n٧ـ غاية المرام في علم الكلام للآمدي.\n٨ـ فتح المجيد شرح كتاب التوحيد.\n٩ـ القصيدة النونية لابن القيم.\n١٠ـ مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام.\n١١ـ مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم.\n١٢ـ المغني في التوحيد والعدل للقاضي عبد الجبار المعتزلي.","vol":"1","page":115}]}