{"ً":{"ٌ":11226,"ٍ":"رسالة مهمة للإمام المجاهد العلامة عبد العزيز بن محمد بن سعود","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/رسالة مهمة للإمام المجاهد العلامة عبد العزيز بن محمد بن سعود","files":["21172.pdf"]},"ّ":"الكتاب: رسالة مهمة للإمام المجاهد العلامة عبد العزيز بن محمد بن سعود\nالمؤلف: الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود (ت ١٢١٨هـ)\nأشرف على الطبع: حسن بن غانم الغانم\nالناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر\nالطبعة: -\nعدد الصفحات: ٥٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1564,"ٕ":1,"ٖ":1770155686,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تقديم سماحة الرئيس العام لادارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن آل باز","level":1,"page":1},{"title":"المقدمة: لفضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ","level":1,"page":5},{"title":"نص الرسالة","level":1,"page":11},{"title":"مدخل","level":2,"page":11},{"title":"فصل: معنى لا إله إلا الله","level":2,"page":13},{"title":"فصل: فنحن نقول ليس للخلق من دون الله ولي ولا نصير","level":2,"page":15},{"title":"فصل: فالمتعين على كل مسلم صرف همته وعزائم أمره إلى ربه ﵎","level":2,"page":20},{"title":"فصل: وأما دعاء الله ﷿ للغير، فقد مضت السنة أن الحي يطلب منه سائر ما يقدر عليه","level":2,"page":22},{"title":"فصل: وإذا كان السفر المشروع لقصد مسجد النبي ﷺ للصلاة فيه دخلت زيارة القبر تبعا لأنها غير مقصودة استقلالا","level":2,"page":28},{"title":"فصل: والله تعالى عز شأنه، قد فسر هذا الدعاء في مواضع أخرى بأنه عبادة محضة","level":2,"page":30},{"title":"فصل: الموحد من اجتمع قلبه ولسانه على الله مخلصا له تعالى الألوهية","level":2,"page":34},{"title":"فصل يوضح ما قدمنا أن الله ﷾ وصف دين المشركين","level":2,"page":39},{"title":"فصل: والشرك شركان","level":2,"page":40},{"title":"فصل: فلم يبق إلا التوسل بالأعمال الصالحة كتوسل المؤمنين بإيمانهم","level":2,"page":41},{"title":"فصل: وأما الاقسام على الله بمخلوق فهو منهي عنه باتفاق العلماء","level":2,"page":43},{"title":"فصل: ومما استدل به علينا الخصم وزعم أن دعوة غير الله وسيلة قوله: \"اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ....\"","level":2,"page":45},{"title":"فصل: ومما استدل به علينا في جواز دعوة غير الله في المهمات قوله ﷺ: \"إذا انفلتت دابة أحدكم في أرض فلاة فلينادي يا عباد الله احبسوا\"","level":2,"page":50},{"title":"فصل: فبهذا تتبين أن الشيطان اللعين خدع أهل البدعة والجهل فنصبوا قبورا يعظمونها ويعبدونها من دون الله","level":2,"page":55}],"ٛ":{"1,3":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57},"ٜ":{"1":[3,58]},"ٝ":["1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58"],"ٞ":{"1":[1],"5":[2],"11":[3,4],"13":[5],"15":[6],"20":[7],"22":[8],"28":[9],"30":[10],"34":[11],"39":[12],"40":[13],"41":[14],"43":[15],"45":[16],"50":[17],"55":[18]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>تقديم سماحة الرئيس العام لادارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن آل باز</span>\n\nبسم الله الرحمن الرحيم\nتقديم سماحة الرئيس العام لادارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والإرشاد/ الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن آل باز\nالحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين. والصلاة والسلام على عبده ورسوله وصفوته من خلقه وأمينه على وحيه الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله ودعا بدعوته ونصر سنته واهتدى بهداه إلى يوم الدين.\nأما بعد: فهذه رسالة موجزة يقدمها للقراء صاحب السمو الملكي الأمير المكرم بندر بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد آل سعود ضاعف الله مثوبته ونصر به الحق وهي من مؤلفات عم جده الثالث تركي ابن عبد الله الإمام العلامة ناصر السنة وقامع البدعة عبد العزيز بن محمد بن سعود أمير المؤمنين في عصره وحامل لواء الجهاد في زمانه في البلاد النجدية وملحقاتها تولى الإمامة بعد أبيه محمد بن سعود ﵀ وبايعه الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب والأمراء والأجناد والمسلمون بعد وفاة أبيه ﵀ عام ١١٧٩هـ. وقام بالإمامة والدعوة إلى الله سبحانه والجهاد في سبيله أحسن قيام واستمر في ذلك مجاهدًا في سبيل","vol":"1","page":3},{"text":"الله ناصرًا للسنة وقامعًا للبدعة وناشرًا لعلوم الشريعة ومناصرًا للشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ ولأنصاره والداعين إلى سبيل الله بسيفه وسنانه وقلمه ولسانه حتى وافته المنية في عام ١٢١٨هـ. ﵀ رحمة واسعة ورفع درجاته في المهديين وضاعف له المثوبة وجزاه عما قدمه للمسلمين من نصر وجهاد ودعوة وتعليم وعناية بشئونهم ومواساة لفقرائهم أحسن الجزاء وأفضله وبارك في أسرته أسرة آل سعود وأسرة آل الشيخ محمد ونصر بهم الحق كما نصره بأولهم وجعلهم من الهداة المهتدين انه جواد كريم. وهذه الرسالة التي يقدمها سمو الأمير بندر كتبها الإمام عبد العزيز ﵀ إلى العلماء والقضاة في الحرمين والشام ومصر والعراق وإلى غيرهم من علماء المشرق والمغرب أبان فيها دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي الحنبلي ﵀ وبين أنها هي الدعوة التي دعت إليها الرسل عليهم الصلاة والسلام وعلى رأسهم إمامهم وخاتمهم وأفضلهم نبينا محمد ﷺ وبارك عليه وعليهم أجمعين وأوضح فيها ﵀ حقيقة العبادة التي خلق الله من أجلها الثقلين وأرسل بها الرسل وأنزل بها الكتب وحقيقة الشرك الذي أنذرت منه الرسل وحذرت منه أممها وبين ﵀ الأمور التي أنكرها الناس على أصحاب هذه الدعوة المباركة وأضح أدلتها وكشف الشبه التي تعلق بها عباد الأنبياء والأولياء فجاءت","vol":"1","page":4},{"text":"بحمد الله رسالة كافية شافية في بيان حقيقة التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأقام الله عليه سبحانه الأدلة والبراهين في كتابه المبين وعلى لسان رسوله الأمين. كما جاءت كافية شافية في بيان الشرك الوخيم الذي حذر الله منه عباده وأنكرته الرسل على أممهم وحكم الله على أهله بالخلود في النار وحرمانهم من دخول الجنة دار الأبرار كما قال ﷿: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) وقال ﷿: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣) ولعظم شأن هذه الرسالة وكثرة فوائدها رأيت أن أقدم لها هذه المقدمة الموجزة تأييدًا لما تضمنته من الحق وبيانًا لشيء من ترجمة مؤلفها وعلمه وفضله وما قام به من النصرة لدين الله\n_________\n(١) سورة المائدة آية ٧٢.\n(٢) سورة النساء آية ١١٦، ٤٨.\n(٣) سورة الزمر آية ٦٥.","vol":"1","page":5},{"text":"والجهاد في سبيله بسيفه وسنانه وقلمه ولسانه ومناصرته دعاة الحق وقمعه دعاة البدعة والشرك ﵀ وأكرم مثواه وأسأل الله أن ينفع بها المسلمين وأن يضاعف الأجر لكاتبها وأن يجزيه أحسن جزاء وأفضله عما قام به من النصر لدين الله والدعوة إلى سبيله والجهاد لأعدائه وأن يوفق سمو الأمير بندر لكل خير وأن يضاعف مثوبته وأن يجعلنا وإياه وجميع أسرته وإخوانه وجميع أسرة آل الشيخ محمد ﵀ من أنصار الحق والهدى وأن يعيذ الجميع من مظلات الفتن انه ولي ذلك والقادر عليه.\nوصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.\nحرر في ١٥/٦/١٤٠٧هـ\nعبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن آل باز\nالرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد","vol":"1","page":6},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>المقدمة:\nلفضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:\nفإن الله بعث المرسلين مبشرين ومنذرين، يبشرون الموحد المتبع سبيلهم، وينذرون المشرك المخالف طريقهم، وإن دين الإسلام الذي بعث الرسل جميعًا به دين التوحيد هو الغاية من خلق الإنس والجن، فما خلقوا إلا للعبادة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (١) وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) فالعبادة الخالصة خلق من أجل تحقيقها الثقلان، وما\n_________\n(١) سورة الأنبياء آية ٢٥.\n(٢) سورة الذاريات آية ٥٦.","vol":"1","page":7},{"text":"أسماها من غاية، وما أعظمها من تشريف.\nوإن الرسل صلوات الله عليهم إذا بلغوا ثم رحلوا خلف من بعدهم خلوف، غيروا طريقهم وتنكبوا سبيلهم، متبعين السبل المتفرقة، يقودهم الشياطين، شياطين الإنس والجن، ويحثهم داعيًا الشهوة والشبهة، ولهما في القلوب شر مستطير، وتأثير كبير خطير.\nوإن رسولنا محمدًا صلى الله وعليه وسلم تركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، أبان التوحيد وحمى حماه وأوضح سبيل المشركين بالبلاغ والبيان، ﷺ وجزاه الله عن أمته خير ما جزى به نبيًا عن أمته، فما توفاه الله إلا والتوحيد الخالص قد عم الأرض الطيبة، وتربى عليه صحابته الكرام، الذين كتب الله على أيديهم النصر، وإرساء الدين، دين الإسلام، دين التوحيد والبراءة من الشرك، في أكثر أقطار الأرض والحمد لله رب العالمين.\nوبعد هذا الخير العظيم، وبعد انقضاء القرون المفضلة، ظهرت في الناس دعوات شركية، ظاهرها -للمغرور- الإسلام، وباطنها-للمتبصر- الإلحاد، منها الدعوات الإسماعيلية الباطنية التي أنتجت دولة العبيديين.\nوهذه الدولة انتشر في زمانها بتنشيط دعاتها، ودعمهم وتقويتهم البدع والشركيات العظيمة، حتى تربى عليه","vol":"1","page":8},{"text":"الصغار، وأصبح كالمعروف بعد أجيال. ولا غرو، فإن التربية التي يشب عليها الصغير ويهرم عليها الكبير إذا كانت من ذي سلطان وقوة فلها آثار سيئة على الدين والشريعة، فالإنكار يقل والراغب يكثر، والنفوذ والتقرير للبدع والشرك في ازدياد، وغير ذلك.\nومع إحداث هؤلاء بعض ما وصفناه وكثيرًا طويناه لم يعدم المسلمون من ينبه على هذه البدع والشركيات منذ ظهورها إلى يومنا هذا.\nثم إن هذه الشركيات مع تطاول الزمان، وتتابع القرون، أصبحت كالشيء المعروف غير المنكر، المحبوب غير المكروه، لا يحوم خاطر على أنه شرك وجاهلية إلا من سلم له دينه وتوحيده، وقليل ماهم.\nوكان من قدر الله الذي شرف به بعض عباده أن هيئ لنصرة التوحيد رجلًا أقض مضجعه وأسهر ليله حال المسلمين، الذين بعدوا عن التوحيد، وانساقوا مع الغواية والجاهلية، فمضى يدرس أحوالهم سنين متطاولة، وزمانًا مديدًا، يدرس واقعهم بالدلائل الشرعية الصحيحة الصريحة، ويدرس السبيل إلى النهوض بهم، وهدايتهم إلى دين الإسلام الذي بعث به رسول الله محمدٌ ﷺ.\nفوفقه إلى ما أراد، فنصر التوحيد قولًا وعملًا، فأبدل","vol":"1","page":9},{"text":"الله مواقع وبلدان الشرك في الجزيرة، ببلدان التوحيد والإيمان والاتباع الخالص، فكانت بلادهم في وقته وبعد ذلك ما شاء الله - أقرب ما تكون إلى حياة الصحابة ﵃.\nذلك الرجل هو الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي، المولود سنة ١١١٥هـ، والمتوفى سنة ١٢٠٦هـ.\nوما من شك في أن صاحب الدعوة والفكرة لا بد له من سيف يناصره، ويدٍ تعضده، وإلا فما حيلته!\nفكان من قضاء الله أن شرف بيت \"آل سعود\" بنصرة هذه الدعوة، دعوة تجديد دين الإسلام، ويا له من شرف يفوق كل شرف، وعز فوق كل عز، لو عقل ذلك، ووزن، فنصر الأمير محمد بن سعود ﵀ الشيخ نصرًا مؤزرًا، فاتسعت رقعة البلاد في عهده، ما شاء الله أن يكون من ذلك.\nثم أتى بعد الإمام محمد بن سعود ولده العالم الصالح المجاهد عبد العزيز بن محمد بن سعود -﵀ رحمة واسعة، فتولى الإمامة بعد أبيه بمبايعة الإمام محمد بن عبد الوهاب له سنة ١١٧٩هـ.\nوعبد العزيز كان تلميذًا وطالبًا للعلم على الشيخ محمد بن","vol":"1","page":10},{"text":"عبد الوهاب، فرباه أحسن تربية علمية، ونماه بعلوم الشرع، كما نماه والده بعلوم الجهاد والإمارة. فاجتمعت فيه الخصلتان الغاليتان العلم والقوة.\nوما أحسن وأبلغ اجتماع تلك الخصلتين في رجل ولي أمور المسلين، إنه نتاج تربية العلماء والأمراء، أولئك يربون على العلم والدين، وهؤلاء يربون على الحكم والقوة. فأعظم بها طريقة، ثم أعظم بأثرها، وما عداها فطريقة يلحقها من النقص بقدر ما بعدت عن ذلك.\nفي عهد عبد العزيز بن محمد بن سعود ﵀ رحمة واسعة، توسع الموحدون في غزواتهم وخاضوا الحروب بالسنان واللسان، وبلغت الدعوة للقاصي والداني، والقريب والنائي، وكانت الدعوة في أشدها، وعلومها في أوجها.\nومن ذلك الجهاد اللساني، الذي لم يتركه الإمام عبد العزيز للعلماء غيره في هذه الرسالة التي قلت صفحاتها ولكنها هي المرتكز لكل المناقشات والردود على أهل الضلال، إذ فيها تركيز وتحقيق، يقر بها من طالعها.\nوإن مثل هذا الجهاد لواجب على دعاة التوحيد، وأنصار الدعوة، وما التخلف عنه بمحمود، بل هو مذموم عند أهل العقول والحجى، وللتخلف آثاره الدامية الماحية. وما أطيب","vol":"1","page":11},{"text":"وأحسن وأوسع للصدر أن يعيد طبعة هذه الرسالة حفيد أخي كاتبها سمو الأمير المفضال بندر بن عبد العزيز بن عبد الرحمن حفظه الله، ووفقه لكل خير، فإن في ذلك أبعد الأثر لها، وأقر للعيون بها.\nفعسى الله أن ينفع بها هذا اليوم، كما نفع بها ذلك اليوم، وأن يرجع للتوحيد قوته ونفوذه، ويكثر أنصاره والدعاة إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوى أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.\nصالح بن عبد العزيز آل الشيخ.\nالرياض في ٢٠/١٢/١٤٠٦هـ.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>نص الرسالة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>مدخل</span>\n\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\n\"من عبد العزيز بن محمد بن سعود\"\nإلى من يراه من العلماء، والقضاة، في الحرمين، والشام، ومصر، والعراق، وسائر علماء المشرق، والمغرب.\nسلام عليكم ورحمة الله وبركاته:\nأما بعد، فإن الله ﷿ شأنه، وتعالى سلطانه لم يخلق الخلق عبثًا، ولا تركهم سدى وإنما خلقهم لعبادته، فأمرهم بطاعته وحذرهم مخالفته، وأخبرهم تعالى أن الجزاء واقع لا محالة، أما في ناره بعدله، أو في جنته بفضله ورحمته، قد أخبر ﷿ بذلك في كل كتاب أنزله، وعلى لسان كل رسول أرسله، كما نطقت بذلك الآيات القرآنية، وأخبرتنا به الأحاديث النبوية.\nقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)\nوقال سبحانه:\n_________\n(١) سورة الذاريات آية ٥٦.","vol":"1","page":13},{"text":"﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١)\nفالعبادة اسم جامع لكل مايحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال، مختصة بجلاله وعظمته، فهي الغاية المحبوبة له والمرضية عنده، وبها أرسل جميع الرسل، كما قال نوح لقومه ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وكذلك قال هود، وصالح، وشعيب، وغيرهم من الرسل كل قال لقومه ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٢)\nوذلك أن الآله يطلق على كل معبود بحق أو بباطل.\nوالآله الحق هو الله.\nقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٣)\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤)\nوقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٥)\n_________\n(١) سورة الإسراء آية ٢٣.\n(٢) سورة الأعراف من آية ٥٩ إلى آية ٨٥.\n(٣) سورة محمد آية ١٩.\n(٤) سورة النحل آية ٣٦.\n(٥) سورة الأنبياء آية ٢٥.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>فصل: معنى لا إله إلا الله</span>\n...\nفصل\nفنحن لما علمنا وفهمنا من كلام الله وسنة رسوله وكلام الأئمة الأعلام ﵃ كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد وغيرهم من أئمة السلف.\nأن \"لا إله إلا الله\" معناها ترك كل معبود سوى الله واخلاص الالهية له تعالى وحده.\nوأن توحيد العبادة هو افراد العباد ربهم بأفعالهم التي أمرهم بها في كتابه، وعلى لسان رسوله فإذا جعلت لغيره تعالى صار ذلك تأليهًا للغير مع الله. وإن لم يعتقد الفاعل ذلك. فالمشرك مشرك شاء أم أبى وليس التوحيد خاصًا بافراد الله بأفعاله تعالى وتقدس، كخلقه السموات والأرض والليل والنهار، ورزق العباد وتدبيره أمورهم، لأن هذا قد أقر به المشركون ولم يدخلهم في الإسلام ويسمى توحيد الربوبية.\n\"العبادة لغة وشرعًا\"\nمعناها: لغة الذل والخضوع.\nوشرعًا: ما أمر به من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي من أفعال العباد وأقوالهم المختصة بجلال الله وعظمته، كدعائه تعالى بما لا يقدر عليه إلا هو من جلب نفع أو دفع ضر أو رجائه فيه والتوكل عليه، وذبح النسك والنذر والإنابة","vol":"1","page":15},{"text":"والخضوع كل ذلك مختص بجلال الله كالسجود والتسبيح والتهليل، فكل ذلك مما قدمناه هو معنى قول \"لا إله إلا الله\".\nولا يغني أحد التوحيدين عن الآخر، بل صحة احدهما مرتبطة بوجود الآخر.\nلما فهمنا ذلك وعلمنا به قام علينا أهل الأهواء فخرجونا وبدعونا وجعلوا اليهود والنصارى أخف منا شرًا ومن اتباعنا، ولم ننازع المخالف في سائر المعاصي بأنواعها ولا المسائل الاجتهادية، ولم يجر الاختلاف بيننا وبينهم في ذلك، بل في العبادة بأنواعها، والشرك بأنواعه.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>فصل\nفنحن نقول ليس للخلق من دون الله ولي ولا نصير</span>. وجميع الشفعاء سيدهم وأفضلهم محمد ﷺ فمن دونه -لا يشفعون لأحد إلا بإذنه ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (١) ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ (٢) ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (٣)\n_________\n(١) سورة البقرة آية ٢٥٥.\n(٢) سورة الكهف آية ١٠٢.\n(٣) سورة الأنبياء آية٢٨.","vol":"1","page":16},{"text":"﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ (١) ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ (٢)\nوإذا كان كذلك فحقيقة الشفاعة كلها لله، ولا تسأل في هذه الدار إلا منه ﷾.\nفجميع الأنبياء والأولياء لا يجعلون وسائل ولا وسائط بين الله وبين الخلق لجلب الخير أو دفع الشر، ولا يجعل لهم من حقه شيء، لأن حقه تعالى وتقدس غير جنس حقهم.\nفإن حقه عبادته بأنواعها بما شرع في كتابه، وعلى لسان رسوله وحق أنبيائه ﵈ الإيمان بهم وبما جاؤوا به، وموالاتهم، وتوقيرهم، واتباع النور الذي أنزل معهم، وتقديم محبتهم على النفس والمال والبنين والناس أجمعين.\nوعلامة الصدق في ذلك اتباع هديهم والإيمان بما جاؤوا به من عند ربهم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣)\nوالإيمان بمعجزاتهم، وأنهم بلغوا رسالات ربهم، وأدوا الأمانة، ونصحوا الأمة، وأن محمدًا صلى الله خاتمهم وأفضلهم، واثبات شفاعتهم التي أثبتها الله في كتابه، وهي من بعد اذنه\n_________\n(١) سورة الزمر آية ٤٤.\n(٢) سورة النجم آية٢٦.\n(٣) سورة آل عمران آية ٣١.","vol":"1","page":17},{"text":"لمن رضي عنه من أهل التوحيد.\nوأما المقام المحمود الذي ذكر الله في كتابه وعظم شأنه فهو لنبينا محمد صلى عليه وسلم. وكذلك حق أوليائه محبتهم، والترضي عنهم، والإيمان بكراماتهم، لا دعاؤهم ليجلبوا لمن دعاهم خيرًا لا يقدر على جلبه إلا الله تعالى، أو ليدفعوا عنهم سوءً لا يقدر على دفعه إلا هو ﷿، فإن ذلك عبادة مختصة بجلاله تعالى وتقدس.\nهذا إذا تحققت الولاية رجيت لشخص معين كظهور اتباع سنة، وعمل بتقوى في جميع أحواله، وإلا فقد صار الولي في هذا الزمان من أطال سبحته، ووسع كمه، وأسبل ازاره، ومد يده للتقبيل، وليس شكلًا مخصوصًا، وجمع الطبول والبيارق، وأكل أموال عباد الله ظلمًا وادعاءًا ورغب عن سنة المصطفى وأحكام شرعه. فنحن إنما ندعو إلى العمل بالقرآن العظيم، والذكر الحكيم، الذي فيه الكفاية لمن اعتبر وتدبر وبعين بصيرته نظر وفكر، فإنه حجة الله وعهده، ووعده، ووعيده، فمن اتبعه عاملًا بما فيه جد جده، وبان سعده، ومن خالفه واتبع هواه فقد ضل ضلالًا مبينًا.\nوالتوحيد ليس هو محل الاجتهاد، فلا تقليد فيه ولا عناد. ولا نكفر إلا من أنكر أمرنا هذا ونهينا، فلم يعمل بما أنزل الله من التوحيد، بل عمل بضده الذي هو الشرك الأكبر، والذنب الذي لا يغفر، كما سنذكر أنواعه، وجعله","vol":"1","page":18},{"text":"دينًا، وسماه وسيلة عنادًا وبغيًا، ووالى أهله وظاهرهم علينا، ولم يقم باركان الدين وامتنع من قبول دعوتنا، وأمر بقتالنا وارجاعنا عن دين الله الحق إلى ما هم عليه من الشرك، والعمل بسائر مالا يرضي رب العباد، ويأبي الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.\nوما حجتهم علينا إلا أن المدعو يكون شفيعًا ووسيلة. ونحن نقول أن هؤلاء الداعين الهاتفين بذكر الأموات والأحياء الغائبين يطلبون كشف شدتهم، وتفريج كربتهم وإبراء مريضهم، ومعافاة سقيمهم، وتكثير رزقهم وإيجاده من العدم، ونصرهم على عدوهم برًا وبحرًا، ولم يكفهم الاقتصار على مسألة الشفاعة والوسيلة /وحقيقة قولنا أن الشفاعة وإن كانت حقًا في الآخرة، فلها أنواع مذكورة في محلها.\nويجب على كل مسلم الإيمان بشفاعته صلي الله وعليه وسلم بل وغيره من الشفعاء، فهي ثابتة بالوصف لا بالشخص ماعدا الشفاعة العظمى فإنها لأهل الموقف عامة وليس منها ما يقصدون. فالوصف من مات لايشرك بالله شيئًا.\nكما في البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي صلي الله وعليه وسلم أنه قال: \"لكل نبي دعوة مستجابة، واني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وهي نائلة منكم إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئًا\".","vol":"1","page":19},{"text":"وحديث أنس بن مالك الذي في الشفاعة بطوله. وحديث الذراع الذي رواه أبو هريرة المتفق عليه.\nوإذا كانت بالوصف فرجاؤه أن يشفع فيه نبيه هو المطلوب.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>فصل\nفالمتعين على كل مسلم صرف همته وعزائم أمره إلى ربه ﵎</span>، بالإقبال إليه والإتكال عليه، والقيام بحق العبودية لله ﷿، فإذا مات موحدًا شفع الله فيه نبيه.\nبخلاف من أهمل ذلك وتركه، وارتكب ضده من الإقبال إلى غير الله بالتوكل عليه، ورجائه فيما لا يمكن وجوده إلا من عند الله، والالتجاء إلى ذلك الغير، مقبلًا على شفاعته متوكلًا عليها، طالبًا لها من النبي ﷺ أو غيره، راغبًا إليه فيها، تاركًا ما هو المطلوب المتعين عليه، من اخلاص للعبادة لله وطلب الشفاعة منه، فهذا بعينه فعل المشركين واعتقادهم، ولم تنشأ فتنة في الوجود إلا بهذا الاعتقاد.\nولهذا حسم جل وعلا مادة الشفاعة عن كل أحد بغير إذنه وحده، فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، لا ملك ولا نبي ولا غيرهما، لأن من شفع عند غيره بغير إذنه فهو شريك له في حصول ذلك المطلوب لتأثيره فيه بشفاعته، ولاسيما ان كانت من غير اذنه، فجعله يفعل ما طلب منه، والله تعالى لا شريك له بوجه من الوجوه، وكل من أعان غيره على أمر فقد شفعه فيه، والله تعالى وتر لا يشفعه أحد بوجه من الوجوه، ولهذا قال عز من قائل: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾","vol":"1","page":21},{"text":"وقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (١) فمن طلبها من غير الله، فقد زعم أنها مشروعة بغير إذن الله ورضاه عن المشفوع له.\nوالله يقول: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٣) والعبرة في النصوص بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مع ملاحظته وعدم الاقتصار عليه-\n_________\n(١) سورة الأنعام آية ٩٤.\n(٢) سورة السجدة آية ٤.\n(٣) سورة الأنعام آية ٥١.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>فصل\nوأما دعاء الله ﷿ للغير، فقد مضت السنة أن الحي يطلب منه سائر ما يقدر عليه</span>.\nودعوة المسلمين بعضهم لبعض مستحبة، قد وردت بها الآثار الصحيحة في مسلم وغيره، فإن كانت للميت فهي آكد. وكان النبي ﷺ يقف على القبر بعد الدفن فيقول: \"استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل\".\nفالميت أحوج بعد الدفن إلى الدعاء، فإذا قام المسلمون على جنازته دعوا الله له، وشفعوا له بالصلاة عليه دون أن يدعوه. فبدل أهل الشرك والبدع الدعاء له بدعائه، والاستغاثة به والهتف باسمه عند حلول الشدة، وتركوا من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه.\nكما بدلوا الزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ احسانًا إلى الميت، وتذكيرًا بالآخرة، بسؤال الميت وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة، وحضور القلب وخشوعه عندها، أعظم منه في الصلاة والمساجد وإذا كان الدعاء مشروعًا لسائر المؤمنين، فالنبي ﷺ أحق الناس بأن يصلى ويسلم عليه ويدعى له بالوسيلة.\nكما في الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: \"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة","vol":"1","page":23},{"text":"صلى الله عليه بها عشرًا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة\".\nواستشفاع العبد في الدنيا إنما هو فعل للسبب لحصول شفاعته له يوم القيامة طبق ما جاء به قولًا واعتقادًا.\nوإنما سئلت له الوسيلة مع تحققها تنويهًا بقدره، ورفعًا لذكره، ويعود ثواب ذلك إلينا. فهذا هو الدعاء المأثور وهو فارق بين الدعاء الذي أحبه والذي نهى عنه.\nولم يذكر أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من أئمة السلف فيما نعلمه أن النبي ﷺ يسئل بعد الموت الاستغفار ولا غيره.\nقال الإمام مالك ﵀ فيما ذكره اسماعيل بن أسحق في المبسوط عنه، والقاضي عياض في الشفاء والمشارق، وغيرهما من أصحاب مالك عنه: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو ولكن يسلم ويمضي، وقال أيضًا في المبسوط عن مالك لا بأس لمن قدم من السفر أو خرج إليه يقف عند قبر النبي ﷺ ويصلي ويسلم عليه ويدعو له، ولأبي بكر، وعمر، فقيل له إن ناسًا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه، وهم يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر يأتون عند القبر","vol":"1","page":24},{"text":"فيسلمون عليه ويدعون ساعة فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه في بلدنا لا من الصحابة ولا غيرهم، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه في بلدنا لا من الصحابة ولا غيرهم، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها انهم كانوا يفعلون ذلك: يكررون المجيء إلى القبر، بل كانوا يكرهونه إلا لمن جاء من سفر وأراده انتهى.\nوتلاوة الآية في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (١) الآية والاستغفار بحضرة القبر، وإن قال به جماعة من متأخري الفقهاء فهم لم يقولوا يدعى صاحب القبر، بل المحفوظ عنهم أن الميت والغائب لا يسئل منه شيء لا استغفار ولا غيره. وحياته في قبره برزخية لا تقتضي دعاءه، وأصحابه أعلم بها منا، ولم يأت أحدهم إلى القبر فيسأله ويستغيث به.\nوقد ثبت النهي منه ﵊ أن يتخذ قبره عيدًا. قال أبو يعلى الموصلي في مسنده عن علي بن الحسين ﵄ قال أحدثكم حديثًا سمعته عن أبي عن جدي ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: \"لا تتخذوا قبري عيدًا\n_________\n(١) سورة النساء آية ٦٤.","vol":"1","page":25},{"text":"ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم\" رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختاراته.\nوروى سعيد بن منصور في السنن عن أبي سعيد مولى المهرى قال: قال رسول الله ﷺ \"لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني\" وروى هذا الحديث أبو داود عن أبي هريرة. ورواه سعيد أيضًا من حديث الحسن بن الحسن بن علي ﵁ وهذان الحديثان، وإن كانا مرسلين فهما يقويهما حديث أبي هريرة المرفوع في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: \"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا\" وهو حديث ثابت باتفاق أهل العلم يتلقى بالقبول عنهم، وهو إن كان معناه لا تشدوا الرحال إلى مسجد من المساجد إلا إلى الثلاثة التي قد ذكرت، فالسفر إلى هذه المساجد الثلاثة إنما هو للصلاة فيها والدعاء والذكر وقراءة القرآن، والاعتكاف الذي هو من الأعمال الصالحة. وما سوى هذه المساجد لا يشرع السفر إليه باتفاق أهل العلم، حتى مسجد قباء يستحب قصده من المكان القريب كالمدينة، ولا يشرع شد الرحل إليه من بعيد، ولذلك كان النبي ﷺ يأتي إليه كل سبت ماشيًا وراكبًا، وكان ابن عمر يفعله كما في","vol":"1","page":26},{"text":"الصحيح.\nوكما أنه أسس على التقوى، فمسجده ﷺ أعظم في تأسيسه على التقوى، كما ثبت في الصحيح عنه، ﷺ أنه سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: \"مسجدي هذا\" فكلا المسجدين أسس على التقوى، ولكن اختص مسجده بأنه أكمل في هذا الوصف من غيره، فكان يقوم في مسجده يوم الجمعة، ويأتي لمسجد قباء يوم السبت.\nوإذا كان السفر إلى مسجد غير الثلاثة ممنوعًا شرعًا مع أن قصده لأهل مصره يجب تارة، ويستحب أخرى، وقد جاء في قصد المساجد من الفضل مالا يحصى، فالسفر إلى مجرد القبور أولى بالمنع. ولا يغتر بكثرة العادات الفاسدة التي أحدثها الملوك وأشباههم.\nتنبيه:\nالأحاديث التي رواها الدارقطني في زيارة ﵊، كلها مكذوبة موضوعة باتفاق غالب أهل المعرفة، منهم ابن الصلاح، وابن الجوزي، وابن عبد البر، وأبو القاسم السهيلي، وشيخه ابن العربي المالكي والشيخ تقي الدين بن تيمية وغيرهم. ولم يجعلها في درجة الضعيف إلا القليل، وكذلك تفرد بها الدارقطني عن بقية أهل السنن، والأئمة كلهم يرون بخلافهم.","vol":"1","page":27},{"text":"وأجل حديث روي في هذا حديث أبي بكر البزار، ومحمد بن عساكر، حكاه أهل المعرفة بمصطلح الحديث كالقشيري والشيخ تقي الدين وغيرهما.\nوإنما رخص ﷺ في زيارة القبور مطلقًا بعد أن نهى عنها. كما ثبت في الصحيح، لكن بلا شد رحل وسفر إليها، للأحاديث الواردة في النهي عن ذلك كما تقدم.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>فصل\nوإذا كان السفر المشروع لقصد مسجد النبي ﷺ للصلاة فيه دخلت زيارة القبر تبعًا لأنها غير مقصودة استقلالًا</span>، وحينئذ فالزيارة مشروعة مجمع على استحبابها بشرط عدم فعل محذور عند القبر، كما تقدم عن مالك.\nوما حكاه الغزالي ﵀ ومن وافقه من متأخري الفقهاء من السفر لأجل زيارة القبر فمرادهم السفر المجرد عن فعل العبادة من الصلاة والدعاء عنده، بل يصلي ويسلم عليه ويسأل له الوسيلة، ثم يسلم على أبي بكر، ثم عمر.\nولا يقصد الصلاة عند القبر للعنه ﷺ المتخذين قبور أنبيائهم مساجد، واللعنة في كلام الله، وكلام رسوله لا تجامع إلا الحرمة والإثم لا مجرد الكراهة ولقوله: \"اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\".\nقال ابن حجر ﵀ في \"الامداد الموسوم بشرح \" ... \" ينوي الزائر المتقرب السفر إلى مسجده ﷺ وشد الرحل إليه، لتكون زيارة القبر تابعة، انتهى.\nواتخاذ قبور الأنباء والصالحين مساجد هو الموقع لكثير من الأمم، إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك الأصغر، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين،","vol":"1","page":29},{"text":"كوَدّ، وسواع، ويغوث، وتماثيل طلاسم الكواكب ونحو ذلك يزعمون أنها تخاطبهم وتشفع لهم.\nوالشرك بقبر النبي ﷺ أو الرجل المعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أوبحجر. ولهذا تجد أهل الشرك كثيرًا ما يتضرعون ويخشعون عندها مالا يخشعون لله في الصلاة، ويعبدون أصحابها بدعائهم ورجائهم، والاستغاثة بهم، وسؤال النصر على الأعداء وتكثير الرزق، وإيجاده، والعافية، وقضاء الديون، ويبذلون لهم النذور لجلب ما أملوه، أو دفع ما خافوه، مع اتخاذهم أعيادًا، والطواف بقبورهم، وتقبيلها واستلامها وتعفير الخدود على تربتها، وغير ذلك من أنواع العبادات، والطلبات التي كان عليها عباد الأوثان يسألون أوثانهم ليشفعوا لهم عند مليكهم، فهؤلاء يسأل كل منهم حاجته وتفريج كربته، ويهتفون عند الشدائد باسمه كما يهتف المضطر بالفرد الصمد، ويعتقدون أن زيارته موجبة للغفران، والنجاة من النيران وانها تجب ما قبلها من الآثام، بل قد وجد هذا الاعتقاد في الأشجار والغيران، يهتفون باسمها، واسم من ينسبونها إليه من المعتقدين بما لا يقدر عليه إلا رب العالمين، وأكثر ما يكون ذلك عند الشدائد.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>فصل\nوالله تعالى عز شأنه، قد فسر هذا الدعاء في مواضع أخرى بأنه عبادة محضة</span>، كقوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (١)\nوقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (٢) والأنبياء والملائكة والصالحون كل معبود من هؤلاء داخل في عموم قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (٣) كما هو سبب النزول.\nوقوله عز شأنه: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (٤) فدعاؤهم آلهتهم هو عبادتهم لها، ولأنهم كانوا إذا جاءتهم\n_________\n(١) سورة الشعراء آية ٩٣،٩٢.\n(٢) سورة الأنبياء آية ٩٨.\n(٣) سورة الأنبياء آية ١٠١.\n(٤) سورة الكافرون آية ٢.","vol":"1","page":31},{"text":"الشدائد دعو الله وحده وتركوها، ومع هذا فهم يسألونها بعض حوائجهم بواسطة قربهم من الله ويطلبونها منهم بشفاعتهم لهم. فأمر الله العباد بإخلاص تلك العبادة له وحده، فلا يدعونهم ولا يسألونهم الشفاعة، فإن ذلك دين المشركين.\nقال الله تعالى فيهم: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِير ٍوَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (٢) وإنما ذكر الله تعالى ذلك عنهم لأنهم يدعون الملائكة والأنبياء ويصورون صورهم ليشفعوا لهم فيما دعوهم فيه وذلك بطرق مختلفة \"ففرقة\" قالت ليس لنا أهلية مباشرة دعاء الله ورجائه، بلا واسطة تقربنا إليه وتشفع لنا لعظمته.\n_________\n(١) سورة سبأ آية ٢٣،٢٢.\n(٢) سورة الإسراء آية ٥٧،٥٦.","vol":"1","page":32},{"text":"\"وفرقة\" قالت الأنبياء والملائكة لهم وجاهة ومنزلة عند الله فاتخذوا صورهم من أجل حبهم لهم ليقربوهم إلى الله زلفى. \"وفرقة\" جعلتهم قبلة في دعائهم وعبادتهم.\n\"وفرقة\" اعتقدت أن لكل صورة مصورة على صورة الملائكة والأنبياء وكيلًا موكلًا بأمر الله، فمن أقبل على دعائه ورجائه وتبتل إليه، قضى ذلك الوكيل ما طلب منه بأمر الله، وإلا أصابته نكبة بأمر الله تعالى.\nفالمشرك إنما يدعوا غير الله بما لا يقدر عليه إلا هو تعالى ويلتجئ إليه فيه ويرجوه منه بما يحصل له في زعمه من النفع، وهو لا يكون إلا فيمن وجدت فيه خصلة من أربع:\nاما أن يكون مالكًا لما يريد منه داعيه، فإن لم يكن مالكًا كان شريكًا، فإن لم يكن شريكًا كان ظهيرًا، فإن لم يكن كان شفيعًا. فنفى الله ﷾ هذه المراتب الأربع عن غيره، الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة التي لأجلها وقعت العداوة والمخاصمة بالآية المتقدمة وبقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ (١) وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ (٢)\n_________\n(١) سورة الإسراء آية ١١١.\n(٢) سورة آل عمران آية ٢٦.","vol":"1","page":33},{"text":"وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١) وقوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (٢) وقوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا، يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ (٤) وأثبت ﷾ مالا نصيب فيه لمشرك البتة، وهي الشفاعة بإذنه لمن رضي عنه وهو سبحانه يعلم السر وأخفى ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.\nلهذا لما قالت الصحابة ﵃: أربنا قريب فنناجيه؟ أم بعيد فنناديه؟ أنزل الله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ (٦)\n_________\n(١) سورة غافر آية ١٦.\n(٢) سورة الانفطار آية ١٩.\n(٣) سورة الفاتحة آية ٤.\n(٤) سورة طه آية ١٠٩،١٠٨.\n(٥) سورة البقرة آية ١٨٦.\n(٦) سورة الزمر آية ٤٣.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>فصل\nالموحد من اجتمع قلبه ولسانه على الله مخلصًا له تعالى الألوهية </span>المقتضية لعبادته في محبته وخوفه ورجائه ودعائه والاستعانة به، والتوكل عليه، وحصر الدعاء بما لا يقدر على جلبه أو دفعه إلا الله وحده، والموالاة في ذلك، والمعاداة فيه، وأمثال هذا ناظرًا إلى حق الخالق والمخلوق من الأنبياء والأولياء مميزًا بين الحقين.\nوذلك واجب في علم القلب، وشهادته، وذكره، ومعرفته، ومحبته، وموالاته وطاعته وهذا من تحقيق\"لا إله إلا الله\" لأن معنى \"الا له\" عند الأولين ماتألهه القلوب بالمحبة، والتعظيم، والخضوع ونحو ذلك مما لا يكون إلا الله. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ (١) ﴿تاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) وهم ماسووهم به لا في الصفات، ولا في الذات، ولا في الأفعال، كما حكى الله عنهم في الآيات، والشاهد لله بأنه\n_________\n(١) سورة البقرة آية ١٦٥.\n(٢) سورة الشعراء آية ٩٨،٩٧.","vol":"1","page":35},{"text":"لا إله إلا هو، وقائلها نافيا قلبه ولسانه لألوهية كل ما سواه من الخلق، ومثبتا به الإلوهية لمستحقها وهو الله المعبود بالحق، فيكون معرضًا عن الوهية جميع المخلوقات لا يتألههم بما لا يقدر عليه إلا الله، مقبلًا على عبادة رب الأرض والسموات وذلك يتضمن اجتماع القلب في عبادته ومعاملته على الله ومفارقته في ذلك كل ما سواه فيكون مفرقا في عمله، وقصده، وشهادته، وإرادته، ومعرفته، ومحبته بين الخالق والمخلوق، بحيث يكون عالما بالله، ذاكرًا له، عارفًا به، وانه تعالى مباين لخلقه، منفرد عنهم بعبادته، وأفعاله، وصفاته، فيكون محبا فيه مستعينا به لا بغيره، متوكلا عليه لا على غيره.\nوهذا المقام هو المعني في ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) وهو من خصائص الألوهية التي يشهد له بها تعالى عباده المؤمنون. كما أن رحمته لعبيده، وهدايته إياهم وخلقه للسموات والأرض وما بينهما وما فيهما من الآيات، من خصائص الربوبية التي يشترك في معرفتها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، حتى ابليس عليه اللعنة معترف بها في قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٢)\n_________\n(١) سورة الفاتحة آية ٥.\n(٢) سورة ص آية ٧٩.","vol":"1","page":36},{"text":"وقوله: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١) وأمثال هذا الخطاب الذي يعترف فيه بأنه ربه وخالقه ومليكه، وأن ملكوت كل شيء في يده تعالى وتقدس، وإنما كفر بعناده وتكبره عن الحق وطعنه فيه وزعمه انه فيما ادعاه وقاله محق. وكذلك المشركون الأولون يعرفون ربوبيته تعالى، وهم له بها يعترفون، قال تعالى: ﴿قلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (٢) وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٤) فمن دعا غيره تعالى لم يكن مخلصًا، وقال تعالى:\n_________\n(١) سورة الحجر آية ٣٩.\n(٢) سورة المؤمنون آية ٨٤، ٨٥.\n(٣) سورة المؤمنون آية ٦١.\n(٤) سورة العنكبوت آية ٦٥.","vol":"1","page":37},{"text":"﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٢) والآيات في هذا الباب كثيرة جدًا.\nوروى الإمام أحمد في مسنده والترمذي من حديث حصين ابن عبيد أن رسول الله ﷺ قال: \"يا حصين كم تعبد؟ قال ستة في الأرض وواحدًا في السماء. قال: فمن ذا الذي تعد لرغبتك؟ قال الذي في السماء. فقال له رسول الله ﷺ: \"أسلم حتى أعلمك كلمات ينفعك الله بهن\" فأسلم فقال له قل: \"اللهم الهمني رشدي وقني شر نفسي\".\nفمجرد معرفتهم بربوبيته تعالى واعترافهم بها لم تنفعهم ولم تدخلهم في الإسلام لما جعلوا مع الله آلهة أخرى يدعونها ويرجونها لتقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم عنده، فبذلك\n_________\n(١) سورة المؤمنون آية ٨١.٨٨.\n(٢) سورة الشعراء من آية ٦٩ إلى ٧٤.","vol":"1","page":38},{"text":"كانوا مشركين في عبادته ومعاملته. ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم: لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك.\nوالمقصود\nمن الأدلة السابقة، ومما يأتي أن يفهم القارئ أن الدعاء هو العبادة روى النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الدعاء هو العبادة\" -وفي رواية- \"مخ العبادة\" ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح، ورواه أيضًا النسائي، وابن ماجه والحاكم والإمام أحمد وابن أبي شيبة بهذا اللفظ.\nوهذه الصيغة تفيد حصر الدعاء على العبادة فلا يخرج عنها لأنها من الصفات اللازمة التي ليس لها مفهوم يخالف الظاهر كقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ (٢)\nإذ كل مدعو فهو اله قصد الداعي أن يكون مدعوه إلهًا أم لا، اتخذه المشركون الأولون أم لا، وليس ثم دعاء اله آخر له برهان.\n_________\n(١) سورة غافر آية ٦٠.\n(٢) سورة المؤنون آية ١١٧.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>فصل يوضح ما قدمنا أن الله ﷾ وصف دين المشركين</span>\n...\nفصل\nوضح ما قدمنا أن الله ﷾ وصف دين المشركين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١) الآية: فبين في هذه الآية أن قصدهم الشفاعة.\nوفي صحيح البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم؟ قال: \"أن تجعل لله ندا وهو خلقك\"، قال: فقلت: ثم أي؟ قال: \"أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك\" قال: قلت: ثم أي؟ قال: \"ان تزاني بحليلة جارك\" فأنزل الله تصديقها ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ (٢)\nفبين النبي ﷺ أن أعظم الذنوب الشرك بالله الذي هو جعل الانداد واتخاذهم من خلقه ليقربوهم وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم\".\nفدين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه.\n_________\n(١) سورة الزمر آية ٣.\n(٢) سورة الفرقان آية ٦٨.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>فصل\nوالشرك شركان:</span>\nأكبر وله أنواع، ومنه الذي تقدم بيانه آنفًا.\nوشرك أصغر كالرياء والسمعة، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: \"أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه\".\nومنه الحلف بغير الله لما روى ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ: \"من حلف بغير الله فقد أشرك\" أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وصححه ابن حبان.\nوقال ﷺ: \"إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت\" أخرجه الشيخان وروى الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال له رجل ما شاء الله وشئت قال: \"أجعلتني لله ندا؟ قل ما شاء الله وحده\" والشرك الأصغر لا يخرج عن الملة، وتجب التوبة منه ومن كل ذنب.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>فصل:\nفلم يبق إلا التوسل بالأعمال الصالحة كتوسل المؤمنين بإيمانهم </span>في قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ (١) وكتوسل أصحاب الصخرة المنطبقة عليهم وهم ثلاثة نفر توسلوا إلى الله بالأعمال الصالحة. والحديث في صحيح البخاري.\nوالله سبحانه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله.\nوكسؤال الله بأسمائه الحسنى قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢)\nوكالأدعية المأثورة في السنن \"اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض ياذا الجلال والإكرام\" وأمثال ذلك، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (٣)\n_________\n(١) سورة آل عمران آية ١٩٣.\n(٢) سورة الأعراف آية ١٨٠.\n(٣) سورة المائدة آية ٣٥.","vol":"1","page":42},{"text":"والوسيلة القرب التي يتقرب بها إلى الله وتقرب فاعلها منه، وهي الأعمال الصالحة لما روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: \"قال الله من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب وما تقرب لي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه\" الحديث.\nولهذا كان رسول الله ﷺ إذا أهمه أمر فزع إلى الصلاة لأنها أعظم القرب إلى الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ (١)\nوأما التوسل بمخلوق وجعله واسطة بين الله وبين عبده، فهو عين ما نهى الله عنه في الآيات وأنزل بقبحه الكتب وأرسل الرسل: ومنه ما قالت بنو إسرائيل لموسى: \"اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة\" وكان قصدهم يتقربون به.\n_________\n(١) سورة البقرة ٤٥.","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>فصل\nوأما الاقسام على الله بمخلوق فهو منهي عنه باتفاق العلماء</span>، وهل هو منهي عنه نهي تنزيه أو تحريم؟ على قولين \"أصحهما\" أنه كراهة تحريم، واختاره العز بن عبد السلام في فتاويه. قال بشر بن الوليد سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة رحمهما الله لا ينبغي لأحد أن يدعوا الله إلا به، وأكره أن يقول بمعاقد العز من عرشك، أو بحق خلقك، وهو قول أبي يوسف. قال أبو يوسف بمعاقد العز من عرشك هو الله فلا أكره هذا، وأكره بحق فلان، وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام، والمشعر الحرام.\nقال القدوري ﵀: المسألة بحق المخلوق لا تجوز لهذا فلا يقول: أسألك بفلان وبملائكتك وأنبيائك ونحو ذلك، لأنه لا حق للمخلوق على الخالق، انتهى.\nوأما قوله \"وبحق السائلين عليك\" ففيه عطية العوفي وفيه ضعف، ومع صحته فمعناه بأعمالهم لأن حقه تعالى عليهم طاعته وحقهم عليه الثواب والإجابة، وهو تعالى وعد أن يستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله.\nوإذا والى العبد ربه وحده أقام الله له وليًا من الشفعاء، وهي الموالاة بينه وبين عباده المؤمنين فصاروا أولياءه في الله","vol":"1","page":44},{"text":"بخلاف من اتخذ مخلوقًا من دون الله أو معه، فهذا نوع وذلك نوع آخر.\nكما أن الشفاعة الشركية الباطلة نوع، والشفاعة الحق الثابتة التي تنال بالتوحيد نوع آخر.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>فصل\nومما استدل به علينا الخصم وزعم أن دعوة غير الله وسيلة قوله: \"اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ </span>نبي الرحمة، يامحمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم شفعه فيَّ\" رواه الترمذي والحاكم وابن ماجة عن عثمان بن حنيف فجوابه من وجوه.\n\" الأول \" أنه في غير محل النزاع إذ ليس فيه سؤال النبي ﷺ نفسه، وإنما فيه سؤال الله وحده أن يشفع فيه نبيه.\nفأين هذا من عمارة القبور وإلقاء الستور عليها وتسريجها الذي وردت النصوص الصريحة الصحيحة في تحريمه كما في السنن أنه ﷺ لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج، وهذه كلها كبائر كما قال أهل العلم حتى ابن حجر الهيتمي وغيره حددوها بأنها ما أتبع بلعنة أو غضب أو نار.\nوالأحاديث في تحريم عمارة القبور كثيرة في الصحيحين وغيرهما وارتكاب الكبائر والبناء على القبور ونحوه جنى على الأمة أعظم البلاء من دعاء أصحابها ورجاءهم، والالتجاء إليهم، والنذر لهم، وكتب الرقاع لهم، وخطابهم يا سيدي افعل كذا وكذا، وبهذا عبدت اللات والعزى، والويل كل الويل عندهم لمن عاب وأنكر عليهم.","vol":"1","page":46},{"text":"ومن قارن بين سنة رسول الله ﷺ في القبور وزيارتها، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه الناس اليوم رأى أحدهما مضادًا للآخر، مناقضًا له. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وإذا كان سبب قول الله ﷿: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) مجيء حبر من اليهود إلى رسول الله ﷺ والمسلمين، وقوله: نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله أندادًا فتقولون: ما شاء الله وشاء فلان فقال رسول الله ﷺ: \"أما إنه قد قال حقًا\" وأنزل الله ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وممن اخرج الحديث جلال الدين السيوطي في الدر المنثور في تفسيره.\nوهؤلاء يجب أحدهم معتقده أكثر من حب الله، وان زعم أنه لا يحبه كحبه، فشواهد الحال تشهد عليه بذلك، فإنه يعظم القبر أعظم من بيت الله، ويحلف بالله كاذبًا ولا يحلف بمعتقده. فلا جامع بين ما استدلوا به علينا وبين ما نهيناهم عنه.\n\" الثاني \" ان الحديث دليل لنا أنه لا يدعي غير الله ﷿، فإن قوله: \"اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة\" سؤال الله ﷿ لا للمخلوق. وتوجه إليه بدعاء نبيه بدليل ما يأتي بعد. وقوله: \"يا محمد إني\n_________\n(١) سورة البقرة آية ٢٢.","vol":"1","page":47},{"text":"أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي. اللهم شفعه في\" معناه: أتوجه إليك بدعاء نبيك وشفاعته التي معناها في هذه الدار الدعاء. ولهذا قال في تمام الحديث: \"اللهم شفعه في\" أي استجب دعاءه وهذا متفق على جوازه، إذ الحي يطلب منه سائر ما يقدر عليه.\nأما الغائب والميت فلا يستغاث به، ولا يطلب منه مالا يقدر عليه قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ (١)\nإنما غايته طلب الدعاء من الحي، وقبول شفاعته عند الله ﷿، وهو صلي الله عليه وسلم انتقل من هذه الدار إلى دار القرار بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة. ولهذا استسقي أصحابه بعمه العباس بن عبد المطلب، وطلبوا منه أن يدعوا لهم في الاستسقاء عام القحط، أخرجه البخاري عن أنس ابن مالك ﵁، ولم يأتوا إلى قبره ولا وقفوا عنده مع أن حياته ﷺ في قبره برزخية، والدعاء عنده مبناها على التوقيف والاتباع. ولو كان هذا من العبادات لسنه الرسول، ولكان أصحابه أعلم بذلك وأتبع. ولهذا لم يفعله أحد من الصاحبة ولا التابعين مع شدة\n_________\n(١) سورة آل عمران آية ١٥٤","vol":"1","page":48},{"text":"احتياجهم وكثرة مدلهماتهم. وهم أعلم بمعاني كتاب الله وسنة رسوله وأحرص على اتباع ملته من غيرهم، بل كانوا ينهون عنه وعن الوقوف عند القبر للدعاء عنده وهم خير القرون التي نص عليها النبي ﷺ في قوله: \"خيركم قرني ثم الذين يلونهم\" قال عمران: لا أدري أذكر اثنين أو ثلاثا بعد قرنه. أخرجه البخاري في صحيحه.\n\" الثالث \" أنهم زعموا أنه دليل للوسيلة إلى الله بغير محمد ﷺ وخرجوا عن محل النزاع إلى شيء آخر، وهو التوسل بغير رسول الله ﷺ ولا دليل فيه أصلًا، لأنهم صرحوا بأنه لا يقاس مع الفارق. فلا يجوز لنا أن نقول: اللهم إنا نسألك ونتوجه إليك برسولك نوح، يا رسول الله يا نوح.\nولا لنا أن نقول: إنا نسألك ونتوجه إليك بخليلك إبراهيم ولا بكليمك موسى، ولا بروحك عيسى، مع أن الجامع في نوح ﵇ الرسالة، وفي ابراهيم ﵇ الخلة مع الرسالة، وفي موسى روح الله وكلمته مع الرسالة، فليس لنا أن نقول هذا لأنه لم يرد، ولا حاجة لنا إلى فعل شيء لم يرد. والقياس إنما يباح عند من يقول به للحاجة في حكم لا يوجد فيه نص. فإذا وجد النص فلا يحل القياس عند من يقول به ولا حاجة لنا إلى قول مخترع يجر إلى الشرك، خصوصًا مع ماورد فيه، وأنه في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل وأن هذه","vol":"1","page":49},{"text":"الأمة افترقت على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، فالناجية من اتبع ما كان عليه ﷺ وأصحابه.\n\" الرابع \" أن الوسيلة ليست هي أن ينادي العبد غير الله، ويطلب حاجته التي لا يقدر على وجودها إلا الرب ﵎ ممن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وأن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه.","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>فصل: ومما استدل به علينا في جواز دعوة غير الله في المهمات قوله ﷺ: \"إذا انفلتت دابة أحدكم في أرض فلاة فلينادي يا عباد الله احبسوا</span>\"\n...\nفصل\nومما استدل به علينا في جواز دعوة غير الله في المهمات قوله ﷺ في الحديث الذي رواه ابن مسعود: \"إذا انفلتت دابة أحدكم في أرض فلاة فلينادي يا عباد الله احبسوا\".\nوفي رواية \"إذا أعيت فلينادي يا عباد الله أعينوا\" وهذا من جملة الجهل والضلال، وإخراج المعاني عن مقاصدها من وجوه.\n\" الأول \" أن هذه ليست بوسيلة أصلًا، إذ معنى الوسيلة ما يتقرب به من الأعمال إلى الله ﷿ وهذا ليس بقربة.\n\" الثاني \" أن الحديثين غير صحيحين.\nأما الأول فرواه الطبراني في الكبير بسند منقطع عن عقبة ﵁، وحديث انفلات الدابة عزاه النووي ﵀ لابن السني وفي اسناده معروف بن حسان، قال بن عدى هو منكر الحديث ولا دليل في هذين الحديثين مع ضعفهما ولا في الحديث المتقدم قبلهما على دعاء أصحاب القبور كعبد القادر الجيلاني من قطر شاسع، بل ولا ينادي غيره لا الأنبياء، ولا الأولياء، إنما غايته أن الله ﷿ جعل من عباده من لا يعلمهم إلا هو سبحانه ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ وإذا نادى شخصًا باسمه معينًا فقد كذب على رسول الله صلى الله وعليه وسلم \" ... \" من لا يؤمر بندائه، وليس معنى الحديث في كل حركة","vol":"1","page":51},{"text":"وسكون وقيام وقعود، وإنما أبيح له ذلك إن أراد عونًا على حمل متاعه أو انفلتت دابته، هذا مع تقدير صحة الحديث.\n\" الثالث \" إن الله تعالى قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا﴾ (١) فبعد أن أكمله بفضله ورحمته. لا يحل أن نخترع فيه ما ليس منه ونقيس مالا قياس عليه.\n\" الرابع \" ان الحديث الصحيح إذا شذ عن قواعد الشرع لا يعمل به، فإنهم قالوا ان الحديث الصحيح الذي يعمل به إذا رواه العدل الضابط عن مثله من غير شذوذ ولا علة، فكيف العمل بالحديث المتكلم فيه بما يدل عليه دلالة مطابقة، ولا تضمن، ولا التزام، فهذا هو البهتان.\n\" الخامس \" انهم دعموا إجابتهم بذكر من يعتقدون ونسبوا الأفعال إليهم، وكل أحد يذكر ما وقع له من الاستغاثة بفلان وانه أنجده، وكشف شدته.\nفإذا قال أحد سبحان الذي بيده ملكوت كل شيء، سبحانك هذا بهتان عظيم قاموا عليه وخرجوه وبدعوه، وقالوا معلوم أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فإذا قال نعم ولكن ليس لأحد منهم ملكوت \" ... \" والله\n_________\n(١) سورة المائدة آية ٣.","vol":"1","page":52},{"text":"يقول: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (١) يكون جواب من يدعي العلم والإنصاف أن هذه الآية نزلت في عبادة الأصنام فيقال له: \"العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب\".\nومن المكابرة أن يعمل شخص كعمل المشركين أو أشد ثم يقول أنا لست بمشرك، فلم يبق لهذا الزاعم ما يتشبث به إلا قوله بأن الأمة مطبقة على هذا، والأمة لا تجمع على ضلالة. فيلزم تضليل الأمة وتسفيه الآباء.\nوجوابه أن هذا كذب على الأمة، وهذه كتب الحديث والتفسير كلها تنص على أن لا يجوز أن يدعي غير الله ﷿ بما لا يقدر عليه إلا هو ولا يباح، بل الآيات البينات والأحاديث وأقوال العلماء ترشد أن هذا شرك محقق والله تعالى يقول لرسوله ﷺ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٢)\n_________\n(١) سورة فاطر آية ١٤،١٣.\n(٢) سورة الأنعام آية ١٥١.","vol":"1","page":53},{"text":"ويقول: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) والأحاديث ونصوص العلماء لا تخالف الكتاب.\n\" السادس \" أنهم اختلفوا في التوسل إليه بشيء من مخلوقاته تعالى وتقدس هل هو مكروه أو حرام، والأشهر الحرمة كما قال به أبو محمد العز بن عبد السلام في فتاويه أنه لا يجوز التوسل إليه بشيء من مخلوقاته لا الأنبياء ولا غيرهم، وتوقف في حق نبينا محمد ﷺ هل فيه الحرمة أو الكراهة، وتقدم قول أبي حنيفة وأصحابه ﵏.\n\" السابع \" أنهم يشترون أولادهم ممن يعتقدون فيه السر والبركة ويعبدونهم لهم ويبنون لهم الزوايا ويعمرونها بآلات الطرب واللهو ومطارق الحديد يضربون بها أنفسهم، ومن ألئك جماعة يعرفون بالعلوانية، والقادرية والرفاعية وأشباههم، وهذه أسماء ما أنزل الله بها من سلطان. والله قد سمانا المسلمين. قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ (٢)\n_________\n(١) سورة الإسراء آية ٢٣.\n(٢) سورة الحج أية ٧٨.","vol":"1","page":54},{"text":"فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.\nوإذا مرض هذا المشتري من المعتقد نذر أهله له النذور، ولم يزل يستغيث به أن يشفي سقمه، ويكشف شدته، وهذا الأمر سرى في العلماء والجهال، فهم قد غلبت عليهم العوائد وسلبت عقولهم عن تفهم المراد والمقاصد، من الكتاب والسنة، وكلام الأئمة إلا من شاء الله.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>فصل: فبهذا تتبين أن الشيطان اللعين خدع أهل البدعة والجهل فنصبوا قبورا يعظمونها ويعبدونها من دون الله</span>\n...\nفصل\nفبهذا يتبين أن الشيطان اللعين خدع أهل البدعة والجهل فنصبوا قبورا يعظمونها ويعبدونها من دون الله، ثم أوحى إلى أوليائه أن من نهى عن عبادتها واتخاذها أعيادا فقد انقصها حقها، فيسعى الجاهلون المشركون في قتالهم وعقوبتهم. وما ذنبهم عند هؤلاء إلا أنهم أمروهم بإخلاص التوحيد، ونهوهم عن الشرك بأنواعه وقالوا بتبطيله، فعند ذلك غضب أولئك المشركون، واشمأزت قلوبهم. وقالوا قد انتقصوا أهل المقامات والرتب، فاستحقوا الويل والعتب، وزعموا أنا لا نحترم الصالحين ولا نحبهم حتى سرى ذلك في نفوس الجهال والطغام وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، وبسبب ذلك عادونا ورمونا بالعظائم والجرائم، ونسبوا كل قبيح إلينا ونفروا الناس عنا وعما ندعو إليه ووالوا أهل الشرك وظاهروهم علينا، وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله وكتابه ويأبي الله ذلك، فما كانوا أولياءه أن أولياؤه إلا المتقون، الموافقون له، العارفون به، وبما جاء به، والعاملون به، والداعون إليه لا المتشبعون بما لم يعطوا، اللابسون ثياب الزور، الذين يصدون الناس عن دين نبيهم وهديه وسنته ويبغونها عوجا وهم يحسبون أهم يحسنون صنعًا.","vol":"1","page":56},{"text":"وتعظيم الأنبياء والأولياء واحترامهم ومحبتهم متابعتهم فيما يحبون ويأمرون به، وتجنب ما يكرهونه وما ينهون عنه قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾ (١) فأهل التوحيد أين كانوا أولى بهم وبمحبتهم ونصرة طريقهم وسنتهم وهديهم ومناهجهم، وأولى بالحق قولًا وعملًا من هؤلاء المبتدعة الذين كانوا هم أعصى الناس لهم وأبعدهم عن هديهم ومتابعتهم. وصنيعهم معهم كصنيع النصارى مع المسيح، وكاليهود مع موسى، والرافضة مع علي. ومن أصغى إلى كلام الله بكلية قلبه وتدبره وتفهمه أغناه عن اتباع الشياطين وشركهم الذي يصد عن ذكر الله وعن الصلاة وينبت النفاق في القلب.\nوكذلك من أصغى إليه وإلى حديث الرسول واجتهد في اقتباس الهدي والعلم منهما أغنياه عن البدع والشرك والآراء والترخصات والشطحات والخيالات التي هي وساوس الشيطان.\nوكذلك من عمر قلبه بمحبة الله وبخشيته والتوكل عليه أغناه أيضًا عن عشق الصور، وإذا خلا عن ذلك صار عبد هواه أي شيء استحسنه ملكه واستعبده\n_________\n(١) سورة آل عمران آية ٣١.","vol":"1","page":57},{"text":"فالمعرض عن التوحيد عابد للشيطان مشرك شاء أم أبى. كما في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي واسمه حيان بن حصين قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على مابعثني عليه رسول الله صلى الله وسلم أن لا أدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته.\nوفي الصحيح أيضا عن ثمامة بن شفى الهمداني قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم فتوفى صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوى فقال سمعت رسول الله عليه وسلم يأمر بتسويتها. وقد أمر به وفعله الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون.\nقال الشافعي في \"الأم\" ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم مايبنون على القبور. ويؤيد الهدم قوله\"ولا قبرا مشرفا إلا سويته\" وحديث جابر الذي في صحيح مسلم نهى ﷺ عن البناء على القبور ولأنها أسست على معصية الرسول لنهيه عن البناء عليها وأمره بتسويتها فبناء أسس على معصية الرسول ومخالفته بناء غير محترم وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعًا، وأولى من هدم مسجد الضرار المأمور بهدمه شرعًا إذ المفسدة أعظم حماية للتوحيد والله المستعان وعليه التكلان وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله على أفضل المرسلين سيدنا ونبينا وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":58}]}