{"ً":{"ٌ":11241,"ٍ":"شبهات القرآنيين حول السنة النبوية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"الدعوة وأحوال المسلمين/شبهات القرآنيين حول السنة النبوية - مزروعة - المجمع","files":["86916-5.pdf"]},"ّ":"الكتاب: شبهات القرآنيين حول السنة النبوية\nالمؤلف: محمود محمد مزروعة\nالناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة\nعدد الصفحات: ٨٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":957,"ٕ":39,"ٖ":1770155368,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"المبحث الأول: التعريف بالسنة النبوية","level":1,"page":4},{"title":"المبحث الثاني: مكانة السنة النبوية من التشريع وأدلة حجيتها","level":1,"page":8},{"title":"أولا: مكانة السنة النبوية الشريفة من التشريع","level":2,"page":8},{"title":"المبحث الثالث: الجذور التاريخية لمنكري السنة وأشهر طوائفهم","level":1,"page":21},{"title":"المبحث الرابع: التعريف بطائفة القرآنيين، وعوامل نشأتهم","level":1,"page":28},{"title":"مدخل","level":2,"page":28},{"title":"أولا: السيد أحمد خان","level":2,"page":30},{"title":"ثانيا: عبد الله جكرالوي","level":2,"page":35},{"title":"ثالثا: أحمد الدين الأمرتسري","level":2,"page":41},{"title":"رابعا: غلام أحمد برويز","level":2,"page":44},{"title":"طوائف القرآنيين في الوقت الحاضر","level":1,"page":49},{"title":"أولا: أمت مسلم أهل الذكر والقرآن الأمة المسلمة أهل الذكر والقرآن","level":2,"page":49},{"title":"ثانيا: طلوع إسلام ظهور الإسلام","level":2,"page":51},{"title":"ثالثا: تحريك تعمير إنسانيت حركة تثقيف الإنسانية","level":2,"page":53},{"title":"المبحث الخامس: شبهات القرآنيين والرد عليها","level":1,"page":55},{"title":"الشبهة الأولى:","level":2,"page":55},{"title":"الشبهة الثانية:","level":2,"page":62},{"title":"الشبهة الثالثة:","level":2,"page":70},{"title":"الشبهة الرابعة:","level":2,"page":82},{"title":"الشبهة الخامسة:","level":2,"page":87},{"title":"الشبهة السادسة:","level":2,"page":90},{"title":"الشبهة السابعة:","level":2,"page":93},{"title":"الخاتمة:","level":1,"page":98}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":31,"1,31":32,"1,32":33,"1,33":34,"1,34":36,"1,35":37,"1,36":38,"1,37":39,"1,38":40,"1,39":42,"1,40":43,"1,41":45,"1,42":46,"1,43":47,"1,44":48,"1,45":49,"1,46":50,"1,47":52,"1,48":54,"1,49":55,"1,50":56,"1,51":57,"1,52":58,"1,53":59,"1,54":60,"1,55":61,"1,56":63,"1,57":64,"1,58":65,"1,59":66,"1,60":67,"1,61":68,"1,62":69,"1,63":71,"1,64":72,"1,65":73,"1,66":74,"1,67":75,"1,68":76,"1,69":77,"1,70":78,"1,71":79,"1,72":80,"1,73":81,"1,74":82,"1,75":83,"1,76":84,"1,77":85,"1,78":86,"1,79":88,"1,80":89,"1,81":90,"1,82":91,"1,83":92,"1,84":94,"1,85":95,"1,86":96,"1,87":97,"1,88":98,"1,89":99},"ٜ":{"1":[1,89]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,38","1,39","1,40","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,46","1,47","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89"],"ٞ":{"1":[1],"4":[2],"8":[3,4],"21":[5],"28":[6,7],"30":[8],"35":[9],"41":[10],"44":[11],"49":[12,13],"51":[14],"53":[15],"55":[16,17],"62":[18],"70":[19],"82":[20],"87":[21],"90":[22],"93":[23],"98":[24]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"شبهات القرآنيين حول السنة النبوية\nإعداد: أ. د/ محمود محمد مزروعة\nبسم الله الرحمن الرحيم\nال<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين - والصلاة والسلام على رحمة الله إلى العالمين، وعلى إخوانه وآله وأصحابه والتابعين.\nأما بعد:\nفلقد بعث الله - ﷾ - محمدًا ﷺ على فترة من الرسل، وأنزل عليه القرآن الكريم، فختم الله - تعالى - به الرسل، وختم برسالته الرسالات، وختم بكتابه الكتب، وجعله مصدقًا لما بين يديه منها ومهيمنًا عليها.\nوقد جاء القرآن المجيد مشتملًا على الدين كله، بعضه مفصل والكثير منه مجمل. وقد وكل الله - تعالى - تبيين الكتاب المجيد، وتفصيله إلى رسوله محمد ﷺ، ومن ثم، جاءت سنة رسول الله ﷺ مبينة لما أبهم ومفصلة لما أجمل. يقول الله - ﷿ -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٤٤)\nولما كان الكتاب المجيد بحاجة إلى السنة تبينه وتفصله، فقد كانت السنة من وحي - الله تعالى - إلى نبيه - ﷺ - حتى يكون المبيِّن والمبيَّن من مصدر واحد، وعلى مستوى واحد، وحاشا - الله تعالى - أن ينزل الكتاب وحيا، ثم يترك بيان ما فيه لبشر بعيدًا عن الوحي. فإن المبيِّن له نفس أهمية المبيَّن من حيث هو وسيلة الانتفاع به، وسبيل العمل بمقتضاه، من ذلك كان القرآن المجيد والسنة النبوية المطهرة يصدران من مشكاة واحدة، مشكاة الوحي الإلهي المعصوم. يقول الله - ﷿ - عن رسوله – ﷺ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣-٤)","vol":"1","page":1},{"text":"ومنذ جاءت الرسالة الخاتمة وأعداء الله لها بالمرصاد. وقد اتخذت العداوة لله ورسوله ولدينه صورا مختلفة، وتلبست أشكالًا عديدة. ونحن نستطيع أن نجمل هذه الصور والأشكال في نوعين اثنين. الأول، أعداء للإسلام أعلنوا عداءهم في وضوح، ونابذوا المسلمين في جلاء. من أمثال الصليبيين والشيوعيين والعلمانيين وأصناف الملاحدة بعامة، الذين أعلنوا عن إلحادهم، وهؤلاء ضررهم قليل، وخطرهم معروف، لأن عداءهم معلن، وكفرهم سافر، فالمسلمون منهم على حذر، ومن كيدهم ومكرهم على ترقب وتوجس. أما النوع الثاني، فهم المنافقون الذين يظهرون غير ما يبطنون، يتدثرون بعباءة الإسلام، ويصطنعون الحرص عليه، والدعوة إليه والعمل على وحدة الأمة، وبينما يعلنون ذلك يسعون إلى تحقيق أغراضهم الخبيثة من القضاء على الإسلام عن طريق التشكيك في مصادره الموحى بها من عند الله - ﷿ - وبخاصة السنة النبوية المطهرة. وذلك بإثارة الشبهات ضد سنة رسول الله – ﷺ - والزعم بأنها ليست من الدين، ولاصلة لها بالتشريع الإسلامي، ويزعمون أن القرآن هو المصدر الوحيد للشريعة الإسلامية.\nوهذه الدعوى قديمة، والعداء لرسول الله - ﷺ - ولسنته موروث. لكن الجديد هو هذه الفئة من أعداء الله ورسوله والمسلمين، منكري سنة رسول الله - ﷺ - التي بدأت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين الميلادي في بلاد الهند، ثم انتقلت إلى باكستان بعد استقلالها عن الهند، وما تزال. وأعجب أمر هؤلاء أنهم يُنْسَبون إلى القرآن المجيد، فهم يحبون أن يسموا أنفسهم \"القرآنيون\" نسبة إلى القرآن كتاب الله المجيد ظلمًا وزورا. وقد اختاروا هذه النسبة إيهامًا للناس بأنهم ملتزمون بكتاب الله القرآن. هذا من جانب ومن جانب آخر يشيرون من طرف خفي إلى أن غيرهم من المسلمين","vol":"1","page":2},{"text":"الذين يؤمنون بسنة رسول الله – ﷺ - ويعملون بها ليسوا قرآنيين، وأنهم اشتغلوا بالسنة وتركوا القرآن، - وأيضًا - حتى يجنبوا أنفسهم المؤاخذة، ويقطعوا سبل الاعتراض عليهم، لأنه من ذا الذي يعترض على طائفة أعلنت أنها تنتسب إلى القرآن وتتمسك به؟.\nوليس من المستغرب وجود مثل هذه الطائفة، فأعداء الإسلام كُثُر، ومنكرو السنة مضت بهم القرون جيلًا بعد جيل، وقد أخبر عنهم رسول الله - ﷺ - فعن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله - ﷺ - قال \"ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله\" (١) لكن الغريب من هؤلاء هي تلك الشبهات التي أثاروها ضد سنة رسول الله - ﷺ - والتي يزعمون أنها أدلة على أن السنة ليست من الدين، ولا الدين منها وقد ملأوا بها مؤلفاتهم - وهي في جملتها أوردية - وندواتهم ومناظراتهم مع الآخرين - وقد كان لنا حظ من تلك المناظرات على مدى ثلاث جلسات بيننا وبين \"البرويزيين\" بمدينة \"كراتشي\" في عام ١٩٨٣م. وذلك أثناء عملي أستاذًا بالجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد بباكستان.\nوشبهاتهم هذه المزعومة هي محل الغاية في هذا البحث الموجز الذي عقدناه لمناقشة هذه الشبهات والرد عليها.\nنسأل الله - سبحانه - التوفيق والسداد والمعونة والاحتساب، إنه - سبحانه - ولي ذلك والقادر عليه.\n_________\n(١) رواه أبو داود في كتاب السنة، باب رقم ٦، في لزوم السنة (٥/١١) والترمذي في كتاب العلم، باب رقم ١٠، ما نُهي عنه أن يقال (٥/٣٧) .","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المبحث الأول: التعريف بالسنة النبوية</span>\nأولًا: السنة في اللغة، هي: الطريقة، وهي السيرة حميدة كانت أو غير حميدة. ومن ذلك قول الرسول - ﷺ - \"من سنّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة\". (١) وسنة الله - تعالى - في خلقه: حكمه - سبحانه - في خلقه، وما عودهم عليه (٢) . وذلك كقولهم: سنة الله في خلقه أن يمهل العاصي لعلّه يتوب ويرجع.\nثانيًا: السنة في الاصطلاح: يختلف معنى السنة في الاصطلاح حسب تخصص المصطلحين وأهدافهم واهتماماتهم. فهناك المحدِّثون، وهناك الأصوليون، وهناك الفقهاء.\nأما علماء الحديث أو المحدِّثون فإنما يبحثون في السنة عن رسول الله - ﷺ - الإمام الهادي، النبي الرسول، الذي أخبرنا ربنا - ﷾ - أنه أسوتنا وقدوتنا، ومن ثم فقد نقلوا كل ما يتصل به - ﷺ - من أقوال وأفعال وتقريرات، سواء أثبت ذلك حكما شرعيًا أم لم يثبت. كما نقلوا عنه - ﵊ - أخباره وشمائله وقصصه وصفاته خَلْقًا وخُلُقًا. وهذا ما التأمت عليه كتب الحديث، وأنتجته مجهودات المحدثين. ومن هنا فقد عرفوا السنة بأنها: \"كل ما أثر عن النبي -\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة وأنواعها ٧/١٠٢.\n(٢) المعجم الوسيط ٤٥٦ وغيره من المعاجم.","vol":"1","page":4},{"text":"ﷺ - من قول أو فعل أو تقرير، أو صفة خَلْقِية أو خُلُقية، سواء كان ذلك قبل البعثة أو بعدها\".\nوأما علماء الأصول، فإنما يبحثون في السنة عن رسول الله - ﷺ - المشرع الذي يضع القواعد، ويوضح الطريق أمام المجتهدين من بعده، ويبين للناس دستور الحياة، فاهتموا من السنة بأقوال النبي - ﷺ - وأفعاله وتقريراته التي تستقي منها الأحكام على أفعال العباد من حيث الوجوب والحرمة والإباحة، وغير ذلك. ولذلك عرفوا السنة بأنها: (ما نقل عن النبي - ﷺ - من قول أو فعل أو تقرير \". مثال القول، قوله - ﵊: - \"إنما الأعمال بالنيات\" (١) . ومثال الفعل، ما نقل إلينا من فعله - ﷺ - في الصلوات من وقتها وهيئتها. ومناسك الحج وغير ذلك. ومثال التقرير، إقراره - ﵊ - لاجتهاد الصحابة في أمر صلاة العصر في غزوة بني قريظة حيث قال لهم: \"لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة\" (٢)، ففهم بعضهم النهي على ظاهره فأخَّر الصلاة فلم يصلِّها حتى فات وقتها، وفهم بعضهم أن المقصود حث الصحابة على الإسراع، فصلوها في وقتها قبل الوصول إلى بني قريظة. وبلغ النبي - ﷺ - ما فعل الفريقان فأقرهما جميعا (٣) .\n_________\n(١) رواه البخاري، كيف كان بدء الوحي، ١/٣٢، مكتبة الكليات الأزهرية ط١٣٩٨.\n(٢) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب، ١٥/٢٩٤ برقم ٤١١٩.\n(٣) السنة ومكانتها من التشريع، د. مصطفى السباعي: ٤٧، السنة قبل التدوين. د. عجاج الخطيب: ١٦.","vol":"1","page":5},{"text":"وأما علماء الفقه فيبحثون في السنة عن رسول الله - ﷺ - الذي لا تخرج أقواله وأفعاله عن الدلالة على حكم من الأحكام الشرعية. ومن هنا كانت السنة عندهم هي: \"ما أمر به النبي - ﷺ - أمرًا غير جازم\". أو \"ما ثبت عن النبي - ﷺ - من غير افتراض ولا وجوب\". أو \"ما في فعله ثواب، وفي تركه ملامة وعتاب لا عقاب\". وهي تقابل الواجب وغيره من الأحكام الخمسة لدى الفقهاء - وقد تطلق السنة عندهم على ما يقابل البدعة، فيقال: فلان على سنة إذا كان يعمل على وفق ما كان عليه النبي - ﷺ - ويقال: فلان على بدعة، إذا عمل على خلاف ذلك. ويطلق لفظ السنة عندهم - كذلك - على ما عمل عليه الصحابة - رضوان الله عليهم - وجد ذلك في القرآن المجيد أو لم يوجد، لكونه اتباعًا لسنة ثبتت عندهم، لم تنقل إلينا، أو اجتهادًا مجتمعًا عليه منهم أو من خلفائهم. لقوله - ﷺ: - \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ\" (١) (٢) .\nهذه معاني السنة، أو تعريفاتها والمراد بها في مصطلح العلماء، وقد تبين لنا أن علماء كل فن أو علم من العلوم لهم اهتمام وعمل في السنة يتناسب مع اهتمامهم، ويحقق ما يهدفون إليه في علومهم، دون أن تتعارض\n_________\n(١) أبو داود: كتاب السنة، باب في لزوم السنة ٢/٣٥٩ برقم ٤٥٨٣، وأحمد ٤/١٢٦، والترمذي كتاب العلم باب رقم ١٦، وابن ماجة في المقدمة باب رقم ٦، والدارمي في المقدمة باب ١٦.\n(٢) إرشاد الفحول: ٣١، والموافقات: ٤ / ٣، تدوين السنة. د. محمد مطر الزهراني: ١٧ والسنة ومكانتها من التشريع: ٤٩.","vol":"1","page":6},{"text":"هذه العلوم، فالحق أنها كلها في خدمة السنة النبوية وتيسير التعرف عليها والعمل بها، ومن أشرف أهداف القائمين على هذه العلوم هو جمع السنة النبوية وتمحيصها، وتنقيتها مما قد يكون دخيلًا عليها، ثم الدفاع عنها ضد الشاغبين عليها، المعارضين لها، الساعين إلى طرحها والاقتصار في التشريع الإسلامي على مصدر واحد هو القرآن العظيم.\nوإذا كنا قد أشرنا إلى عدد من تعريفات العلماء للسنة النبوية الشريفة، فإن التعريف الذي يتوافق مع بحثنا هذا إنما هو تعريف الأصوليين تحديدًا، لأنهم الذين يعنون - بالدرجة الأولى - ببيان حجية السنة، ومكانتها من التشريع، وسوق الأدلة على ذلك. وإن كان المحدثون والفقهاء لم يحرموا أجر البحث في هذه الجوانب، ولم يقصروا في بذل المجهود في سبيلها.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>المبحث الثاني: مكانة السنة النبوية من التشريع وأدلة حجيتها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>أولًا: مكانة السنة النبوية الشريفة من التشريع</span>\nإن السنة النبوية الشريفة هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي. وهذه حقيقة لا يعارضها أو يشغب عليها إلا شقي معاد لله ولرسوله وللمؤمنين، مخالف لما أجمعت عليه الأمة سلفًا وخلفًا وحتى قيام الساعة - بحول الله تعالى.\nذلكم أن المقرر لدى الأمة المسلمة أن الوحي المنزل على الرسول - ﷺ - من قبل الله - سبحانه - نوعان: الأول: هو القرآن العظيم، كلام الله سبحانه - المنزل على رسوله - ﷺ - بلفظه ومعناه، غير مخلوق، المتعبد بتلاوته، المعجز للخلق، المتحدي بأقصر سورة منه، المحفوظ من الله - تعالى - أن يناله التحريف، المجموع بين دفتي المصحف الشريف. أما النوع الثاني من الوحي: فهو السنة النبوية المطهرة بأقسامها القولية والفعلية والتقريرية، وسنة رسول الله ﷺ - هي من وحي الله - ﷿ - إلى رسوله - ﷺ - باتفاق الأمة المسلمة، وذلك لما قام الدليل من كتاب الله - تعالى - على ذلك في آيات كثيرة، ثم لما صرحت به السنة النبوية، ثم لما أجمع عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم إلى يوم الدين - بحول الله تعالى.\nوإذا كان الشاغبون على سنة رسول الله - ﷺ - يزعمون أنهم يستمسكون بالقرآن المجيد مكتفين به عن السنة، فلنذكر بعض","vol":"1","page":8},{"text":"ما جاء به القرآن الكريم من الآيات البينات التي تشهد وتصرح بأن السنة وحي من عند الله - سبحانه- إلى رسوله - ﷺ - ثم الآيات التي تصرح بوجوب طاعتهﷺ - ووجوب حبه، ووجوب اتباعه، ووجوب الاحتكام إليه والتسليم له في كل ما يحكم به، لنا كان الحكم أو علينا، إلى غير ذلك.\nفمن الآيات القرآنية التي تدل على أن السنة وحي قول الله - ﷿ – ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم:٣-٤) وهذه الآية نص قاطع في أن الرسول - ﷺ - لا يأتي بشيء من عنده، وأن كل ما ينطق به في مجال التشريع إنما هو وحيٌ من عند الله - تعالى - سواء كان وحيًا من النوع الأول وهو القرآن، أو من النوع الثاني وهو السنة النبوية.\nومن ذلك - أيضًا - قوله - ﵎ - ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (آل عمران:١٦٤) . وهذه الآية الكريمة لعلها استجابة من الله - تعالى - للدعاء الذي توجه به إبراهيم وإسماعيل - على نبينا وعليهما الصلاة والسلام - إليه - تعالى - حين كانا يرفعان القواعد من البيت.\nوهذا الدعاء ذكره الله في القرآن الكريم في قوله - ﷾: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا","vol":"1","page":9},{"text":"مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة:١٢٧- ١٢٩) . فهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل - على نبينا وعليهما الصلاة والسلام - لقي القبول عند الله - سبحانه - فكان من قدره - ﷿ - أن جعل من ذريتهما تلك الأمة المسلمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، ثم بعث فيها رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة.\nوقد ذهب أهل العلم والتحقيق إلى أن المراد بالحكمة إنما هو: السنّة النبوية، فإن الله - تعالى - قد مَنَّ على المؤمنين بإرسال الرسول - ﷺ - الذي جعل رأس رسالته أن يعلم أمته المؤمنة شيئين: الكتاب والحكمة. ولا يجوز أن تكون الحكمة هي الكتاب، فإنها معطوفة عليه، والعطف يقتضي المغايرة، ولا يجوز أن تكون شيئًا آخر غير السنة، فإنها عطفت على الكتاب، فهي من جنسه في المصدر والغاية. وقد منَّ الله - تعالى - بهما على المؤمنين، ولا يمنّ الله - تعالى - إلا بما هو حق وصدق، فالحكمة حق كما أن القرآن حق. وهذه الآية واضحة الدلالة على أن السنة من وحي الله - تعالى - على نبيه - ﷺ.\nيقول الشافعي - رحمه الله تعالى: \" فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت مَن أرضى مِن أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله - ﷺ - وهذا يشبه ما قال - والله أعلم - لأن القرآن ذُكر، وأُتْبِعَتْه الحكمة، وذكر الله منَّه على الخلق بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز - والله أعلم - أن يقال الحكمة هنا إلا سنّة رسول الله - ﷺ - وذلك أنها مقرونة بالكتاب، وأن الله افترض طاعة","vol":"1","page":10},{"text":"رسوله - ﷺ - وحتم على الناس إتباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقول فرض إلا لكتاب الله - تعالى - وسنة رسوله - ﷺ.....\" (١) .\nومن الآيات التي تقطع بأن السنة وحي من عند الله - تعالى - وأن الرسول - ﷺ - لا ينطق فيما يتصل بالتشريع إلا بما يوحي الله - تعالى - إليه، قوله - سبحانه - في شأن رسوله - ﷺ: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (الحاقة:٤٤-٤٧) .\nفهذه الآيات تدل بوضوح شديد على أن الرسول - ﷺ - لا يقول شيئًا - فيما يتصل بالدين - إلا بما يوحي إليه الله به - وكذلك لا يفعل، فإن القول أعم من الفعل ودليله - ولو أن الرسول - ﷺ - قال شيئًا في الدين لم يوح الله - تعالى - به إليه، لأهلكه الله - تعالى - وما من أحد بقادر على أن يمنع الله - سبحانه - من إهلاكه آنئذ، وهذا وعيد من الله - تعالى - ووعد، وعيد لنبيه - ﷺ - أن يتقول عليه ما لم يوح به إليه - وحاشاه - ﷺ - أن يفعل ذلك - ووعد للمؤمنين بأنه - تعالى - حافظٌ دينَه من أن يدخل إليه أو يختلط به ما ليس منه على لسان نبيه، وهذه الآيات تعد - في الوقت ذاته - أمرًا من الله - تعالى - جازمًا لأمته أن يؤمنوا ويوقنوا ويسلموا لكل ما يأتيهم به النبي - ﷺ - حيث إن الله - ﷿- ضمن لهم أن نبيه لن\n_________\n(١) الرسالة: ٧٨. وراجع في ذلك السنة ومكانتها من التشريع. د. مصطفى السباعي: ٥٠.","vol":"1","page":11},{"text":"يتقول عليهم، وأن كل ما ينطق به النبي قولًا، أو يأتيه فعلًا. إنما هو من وحي الله - تعالى - إليه. يقول العلماء: لقد أخبر الله - ﷿ - بأن رسوله - ﷺ - لو تقول في الدين قولًا لم يوح - الله تعالى - به إليه لأهلكه الله - سبحانه - وحيث إن الله - تعالى - لم يهلك نبيه، فلم يأخذ منه باليمين، ولم يقطع منه الوتين - نياط القلب - بل سانده وأعانه، وأيده ونصره، وأظهره على أعدائه هو وأصحابه الذين آمنوا به واتبعوه، فإن ذلك دليل قاطع على أن رسول الله - ﷺ - لم يقل أو يفعل أو يقر شيئًا إلا بوحي من الله - ﷾- (١) .\nومن الآيات التي تدل على أن الرسول - ﷺ - لا يقول أو يفعل شيئًا في الدين إلا بوحي من عند الله - ﷿ - قول الله - سبحانه - مخبرًا عن رسولهﷺ:- ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف:١٥٧) .\nفالآية أسندت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحلال الحلال، وتحريم الحرام إليهﷺ - مباشرة دون أن تقيد ذلك بكونه قرآنًا أو سنة، والإطلاق العام هنا يشمل جميع ما يحله ويحرمه - ﷺ - أعم من أن يكون ذلك بالقرآن أو بالسنة، فبان من ذلك أن ما يحل\n_________\n(١) يرجع في تفسير هذه الآيات إلى التفاسير المعروفة وبخاصة: الزمخشري، والرازي، والقرطبي.","vol":"1","page":12},{"text":"رسول الله - ﷺ- وما يحرم بسنته هو مثل ما يحرم بقرآن الله - تعالى - كلاهما وحي من عند الله - سبحانه.\nومن الآيات التي تدل على أن السنة وحي من عند الله - سبحانه - وتنص على أن ما يحرم رسول الله - ﷺ - بسنته مثل ما يحرم بالكتاب المجيد، كلاهما من عند الله - تعالى - قول الله - ﷿ -: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة:٢٩) . فهذه الآية الكريمة ذكرت نوعين من المحرمات، ما حرم الله - تعالى- وما حرم رسول الله - ﷺ - وجمعت بين الأمرين في جملة واحدة عاطفة ما حرم رسول الله على ما حرم الله، وذلك يدل بوضوح على أمرين، الأول: أن ما حرم رسول الله - ﷺ - هو مثل ما حرم الله، وأن الأمرين على منزلة واحدة من حجية التشريع وحكمه، وأن ما شرع الله - تعالى - في كتابه هو مثل ما شرع رسول الله - ﷺ- في سنته. الثاني: أن ما حرم رسول الله - ﷺ - في سنته هو وحي من عند الله - تعالى - كمثل ما حرم الله - تعالى - في كتابه، فكلا التشريعين وحي من عند الله - سبحانه -.\nولعل ما ذكرناه كاف في بيان ما قصدنا إليه من الاستدلال بآيات القرآن المجيد على أن السنة وحي من عند الله - تعالى - كما أن القرآن وحي، وأن رسول الله - ﷺ - لا ينطق عن الهوى. ومن ثم ننتقل إلى ما يترتب على أن السنة وحي من عند لله -تعالى-، نقصد الآيات","vol":"1","page":13},{"text":"القرآنية التي توجب وتأمر بطاعة رسول الله - ﷺ - وتجعل طاعته - ﷺ - فيما يأمر وما ينهى فيصلا بين الإيمان والكفر، والنجاة والهلاك. قد قلنا إن ذلك مرتب على ما سبق بيانه في الفقرة السابقة من أن السنة وحي من عند الله - تعالى - إذ لو لم تكن كذلك، وكان رسول الله - ﷺ - ينطق عن الهوى - حاشاه - لما أمرنا الله - تعالى - باتباعه وطاعته في كل ما يأمر وما ينهي، كما سيبين لنا من الآيات الدالة على ذلك - بحول الله تعالى -. وإن الناظر في كتاب الله المجيد يراه قد أمر بطاعة رسول الله - ﷺ - في آيات كثيرة وبصيغ متنوعة عديدة.\nمن هذه الآيات الآمرة بطاعة رسول الله - ﷺ - ما هو قاعدة عامة في رسل الله أجمعين، وخاتمهم محمد - صلوات الله على نبينا وعليهم - وذلك قول الله - ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (النساء:٦٤) .\nفثمرة إرسال الرسل - صلوات الله عليهم أجمعين - إنما تنحصر في أن يطاعوا، وطاعتهم إنما هي بإذن الله سبحانه - وأمره، فالشاغب عليهم، التارك لسنتهم، الرافض لأوامرهم ونواهيهم، إنما هو محارب لله - سبحانه - ناقض لإذنه، فاسق عن أمره.\nومن ذلك ما هو قاعدة لرسولنا - ﷺ - شاملة لكل ما يأخذ وما يدع، وما يأمر وما ينهى.\nوذلك قول الله - ﷿ - ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الحشر:٧) .","vol":"1","page":14},{"text":"فهذه الآية تأمر المؤمنين بأن يأخذوا عن رسول الله - ﷺ - كل ما يأتيهم به، يستوي في ذلك ما كان قرآنًا أو سنة، وكذلك أن ينتهوا عن كل ما نهاهم عنه، ثم توعدت المخالفين لرسول الله - ﷺ - بالعقاب الشديد.\nومن الآيات الآمرة بطاعة رسول الله - ﷺ - ما جاء فيها الأمر بطاعة رسول الله - ﷺ - مقرونًا بطاعة الله - سبحانه - مع تكرار فعل \" أطيعوا \". ومن ذلك قول الله - ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد:٣٣) .\nومن ذلك ما جاء فيه الأمر بطاعة رسول الله - ﷺ - مقرونًا بطاعة الله - تعالى - دون تكرار الفعل \"أطيعوا\" مما يدل بشكل قاطع على أن طاعة رسول الله - ﷺ - هي من طاعة الله - سبحانه -، وأنه لا يحل التفريق بين طاعة الله - تعالى - وطاعة رسوله - ﷺ - ومن ذلك قول الله - سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران:٣٢) . وواضح من النص الكريم أن الذي يتولى عن طاعة رسول الله - ﷺ - هو من الكافرين.\nومن الآيات الآمرة بطاعة رسول الله - ﷺ - ما جاء فيه الأمر بطاعة الرسول - ﷺ - ابتداء، دون أن يسبقه الأمر بطاعة الله - سبحانه - وذلك يبين أن طاعة الرسول - ﷺ - هي في الوقت نفسه طاعة لله - تعالى - وأن طاعة الرسول وحدها","vol":"1","page":15},{"text":"مقياس لطاعة الله - ﷿ - ومن ذلك قول الله - تبارك وتعال-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (النور:٥٦) .\nومن علامات طاعة رسول الله - ﷺ - واتباعه الأخذ عنه، والاحتكام إليه، وتحكيمه في كل ما يعرض لنا من شؤون الحياة، ثم الرضا بما يحكم به، والإذعان والتسليم له - ﷺ - وقد جعل الله - سبحانه - ذلك من علامات الإيمان، وجعل نفي ذلك وعدم الاتصاف به من علامات الخلو من الإيمان، أي علامات الكفر، يقول الله - ﷿: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء:٦٥) .\nولأن الاحتكام إلى رسول الله - ﷺ - والرضا والإذعان والتسليم له بكل ما يأمر به أو ينهى من علامات الإيمان، فقد كان رفض ذلك والإعراض عنه من علامات النفاق والكفر، مهما قال أولئك المعرضون أو زعموا أنهم مؤمنون. يقول الله - ﷿ - حكاية عن بعض هؤلاء: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (النور: ٤٧-٥٢) . فهذه الآيات الكريمة تتكلم على موقف المنافقين من الاحتكام إلى الله ورسوله، وتكشف","vol":"1","page":16},{"text":"عن زيف ما يزعمون من الإيمان بالله ورسوله، وأن ذلك نفاق وكفر، وتبين عن دليل ذلك وهو الإعراض عن الاحتكام إلى رسول الله - ﷺ - والرضا بحكمه، ثم تكشف عن دخائل نفوسهم من عدم الإيمان بالله والاطمئنان إلى حكم رسوله، ثم تبين - بالمقابل - موقف المؤمنين وهو السمع والطاعة لله ورسوله، ثم تختم المقام بأن الفوز والنجاة إنما هما لمن يطيع الله ورسوله.\nمن كل هذا الذي ذكرنا من الآيات القرآنية التي تنص بأسلوب قاطع على أن الرسول - ﷺ - لا ينطق إلا عن وحي من الله - تعالى - ولا يقول في الدين إلا بما يوحي به الله - تعالى - إليه. وبأن طاعة رسول الله - ﷺ - فرض على كل مؤمن، وأن من أطاع الرسول فقد أطاع الله، وبأن الاحتكام إلى رسول الله - ﷺ - والرضا والتسليم له، والأخذ عنه آية الإيمان. نقول: من كل هذا تتضح مكانة السنة النبوية من التشريع الإسلامي، وتتضح حجيتها، وأنها من حيث الحجية هي في منزلة القرآن المجيد، ولا ينبغي أن يفهم من هذا أننا نجعل السنة بمنزلة القرآن في المكانة والشرف، فهذا مما لا يقول به مسلم، فلا ريب أن القرآن يفضل السنة بأمور اتفقت عليها الأمة نشير إلى أهمها - بإيجاز: -\n١- القرآن الكريم موحى به من الله - ﷿ - بلفظه ومعناه، فهو قول الله- سبحانه - أما السنة فهي قول الرسول - ﷺ - وفعله وتقريره.\n٢- القرآن المجيد تكفل الله - تعالى - بحفظه، وليس ذلك للسنة.\n٣- القرآن العظيم يتعبد بتلاوته، وليس ذلك للسنة.","vol":"1","page":17},{"text":"٤- القرآن العظيم معجز للبشر، وترتب على ذلك أن الله - تعالى - تحدى البشر، بل والجن أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه، والسنة ليست كذلك.\n٥- لا تجوز روايته بالمعنى، ويجوز ذلك في السنة بضوابطه.\n٦- لا يجوز أن يمسه إلا المطهرون، وليس ذلك للسنة.\n٧- القرآن هو المجموع بين دفتي المصحف الشريف، والسنة موزعة في كتب ودواوين.\nفهذه أمور يفضل القرآن فيها السنة، فهو لذلك أشرف منها وأرفع منزلة وقداسة، لكن كلامنا في مجال الاحتجاج بالسنة في أمور الدين وقضايا التشريع، ولا ريب أنها في هذا في منزلة مع القرآن، فكما يقال: الصلاة واجبة بقول الله - ﷿ -: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (النور:٥٦) . فكذلك يقال صلاة الصبح ركعتان والظهر والعصر أربع والمغرب ثلاث والعشاء أربع. والدليل فعل رسول الله - ﷺ - والمثال هنا يوضح أن كلا الدليلين على مستوًى واحد في إفادة العلم وإيجاب العمل.\nولهذا المعنى فقد ذهب جلّة العلماء إلى التسوية بين كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله - ﷺ - من حيث الحجية على الأحكام، ومن ذلك أن الخطيب البغدادي قد عنون في كتابه \" الكفاية \" لهذا الموضوع بقوله: \"ما جاء في التسوية بين حكم كتاب الله - تعالى - وحكم سنة رسول الله - ﷺ\" يشير بهذا العنوان إلى أن القرآن والسنة متساويان في مرتبة واحدة من حيث الحجية في إثبات الأحكام الشرعية. وقد قال الدكتور عبد الغني عبد الخالق في كتابه \"حجية السنة\" إن السنة والكتاب في مرتبة واحدة من حيث الاعتبار والاحتجاج بهما على","vol":"1","page":18},{"text":"الأحكام الشرعية، ولبيان ذلك نقول: من المعلوم أنه لا نزاع في أن الكتاب يمتاز عن السنة ويفضل عنها في أن لفظه منزل من عند الله - ﷾ - متعبد بتلاوته، معجر للبشر أن يأتوا بمثله، بخلافها، فهي متأخرة عنه في الفضل من هذه النواحي، لكن ذلك لا يوجب التفضيل بينهما في الحجية، بأن تكون مرتبة السنة متأخرة عن الكتاب، ويعمل به وحده، وإنما كان الأمر كذلك - أي مماثلة السنة للكتاب في مرتبة الحجية - لأن حجية الكتاب إنما جاءت من كونه وحيًا من عند الله - سبحانه - والسنة مساوية للقرآن من هذه الناحية فهي مثله\" (١) .\nمما تقدم من حديث عن حجية السنة ومكانتها من التشريع تتضح لنا الأمور الآتية:\nأولًا: أن الوحي من عند الله - تعالى - إلى رسوله - ﷺ - وحيان، وحي هو القرآن المجيد، ووحي هو السنة النبوية الشريفة، وقد ذكرنا الأدلة على ذلك من آيات القرآن البينات، كما بينا الفروق بين الوحيين، أي بين القرآن والسنة.\nثانيًا: أن السنة النبوية المطهرة تأتي في المنزلة الثانية بعد القرآن العظيم في مصدرية التشريع، فهي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم. أما من حيث الحجية فهي مع القرآن بمنزلة واحدة. بمعنى أن دليل التشريع من السنة يعدل دليل التشريع من القرآن، فكلاهما مفيد للعلم، موجب للعمل بمقتضاه، على أي نوع من الأحكام الخمسة كان العمل.\n_________\n(١) الكفاية للخطيب البغدادي: ٢٩، وبحوث في السنة المشرفة. د. عبد الغني عبد الخالق. نقلًا عن: تدوين السنة النبوية. د. محمد مطر الزهراني: ١٨.","vol":"1","page":19},{"text":"ثالثًا: أن من رفض سنة رسول الله - ﷺ - أو شغب عليها، أو رفض أمر رسول الله - ﷺ - أو نهيه، أو رفض الاحتكام إلى رسول الله - ﷺ - فيما يعرض له أو لم يقبل حكمه، كل من يفعل ذلك أو شيئًا منه يُعَدُّ فاسقًا عن الملة غير مؤمن، فإن الله - تعالى - قد جعل كل ذلك علامة الإيمان، ورفض ذلك أو شيء منه، آية الكفر والنفاق، وذلك في آياته البينات.\nرابعًا: لقد اعتمدنا في بيان ما قدمنا على كتاب الله القرآن المجيد وحده، ولم نتكلم في السنة المطهرة أو آثار الصحابة وإجماع الأمة، ذلك أن هؤلاء الذين نخاطبهم في بحثنا هذا يزعمون أنهم \"قرآنيون\" لا يأخذون إلا عن القرآن، فآثرنا أن نخاطبهم بالقرآن الكريم. لكنا - بحول الله - سبحانه - سوف نوفي الموضوع حقه من خلال أحاديث النبي - ﷺ - وآثار الصحابة وإجماع الأمة، حين الرد على شبهاتهم، وذلك بمشيئة الله سبحانه.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الثالث: الجذور التاريخية لمنكري السنة وأشهر طوائفهم</span>\nإن تاريخ منكري سنة رسول الله - ﷺ - يكاد يقرن بتاريخ منكري رسالته - ﷺ - فالكفر بسنته - ﵊ - هو قرين الكفر برسالته - فهما أمران متقاربان زمانًا متساوقان منزلة، ويكادان يكونان متماثلين حكمًا، ولا يختلفان إلا باعتبار أن ثمة كفرًا دون كفر، وإلا فإنكار سنة رسول الله - ﷺ - وجحدها كفر، كما أن إنكار رسالته كفر -\nومن المسلم به أنه لم يخل زمان من الأمرين جميعًا كذلك، فكما أنه لم يخل زمان من منكري رسالة رسول الله - ﷺ - فكذلك لم يخل زمان من منكري سنته - ﷺ - مع زعمهم بأنهم مسلمون مؤمنون برسالته، والأخيرة هذه هي مثار العجب، إذ كيف يكونون مؤمنين برسالته - ﷺ - ثم ينكرون سنته، ويرفضون اتباعه، ويصرون على عدم الأخذ عنه، والاحتكام إليه، والتسليم له ويقبلون على مخالفته في كل ما قال وفعل وأقر، فيقولون ما لم يقل، ويفعلون ما لم يفعل، ويرفضون ما أقره ورضي به.\nولقد بدأت مسيرة إنكار السنة والشغب عليها على هيئة فردية في حالات نادرة لا اعتبار بها. وكان ذلك في حياة رسول الله - ﷺ - ومن ذلك ما روى أصحاب السنن في أسباب نزول الآية الكريمة:","vol":"1","page":21},{"text":"﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء:٦٥) .\nمن أن الزبير بن العوام - ﵁ - اختصم ورجل من أصحاب رسول الله - ﷺ - لعله حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ - فحكم رسول الله - ﷺ - للزبير أن يسقي زرعه أولًا، ثم يرسل الماء إلى صاحبه، فغضب الرجل وقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟. أي حكمت له بسبب أنه ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله - ﷺ - وأنزل الله - تعالى - الآية في ذلك (١) .\nلكن هذه الحالات شاذة ولا تذكر في معرض التأريخ لمنكري سنة رسول الله - ﷺ - وذلك لأمرين: لشذوذها وندرتها، ثم لعودة أصحابها إلى الحق سريعًا وانقضاء أثرها.\nأما إنكار السنة على هيئة مؤثرة، وعلى أيدي طوائف لها ذكرها في التاريخ، فقد بدأت على أيدي الخوارج والشيعة، ثم انضم إليهم طوائف من المتكلمين وبخاصة من المعتزلة الذين انتسب إليهم كثير من الزنادقة والفاسقين عن الملة، كالنظام الذي كان \" شاطرًا من الشطار، يغدو على سكر ويروح على سكر ويبيت على جرائرها، ويدخل في الأدناس والفواحش، وهو القائل:\nما زلت آخذ روح الزق في لطف ... وأستبيح دما من غير مجروح\nحتى انثنيت ولي روحان في جسدي ... والزق مطرَح جسما بلا روح (٢)\n_________\n(١) رواه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون) ١٧/١٢٠، برقم ٤٥٨٥.\n(٢) تأويل مختلف الحديث: ابن قتيبة: ١٥.","vol":"1","page":22},{"text":"أما الشيعة والخوارج فكلتا الطائفتين شغبت على السنة النبوية المطهرة وأنكرتها، لكن الشيعة لم يقبلوا من سنة النبي - ﷺ - إلا القليل الذي نُقل إليهم عن طريق من يدين بعقيدتهم في الإمامة ويشايع آل البيت - فيما يزعمون - ولو أننا عرفنا أنهم لم يوالوا من الصحابة - رضوان الله عليهم - إلا بضعة عشر صحابيًا هم فقط الذين رضي عنهم الشيعة وأخذوا عنهم، لأدركنا ذلك القدر الضئيل من سنة النبي - ﷺ - الذي قبله الشيعة (الرافضة) وعملوا به، وذلك الكم الهائل من السنة النبوية التي رفضوها وأنكروها لأنها أتت عن جمهرة الصحابة الذين لا يرضى عنهم الشيعة، فالشيعة - إذن - رفضوا السنة لأنهم طعنوا في عدالة الصحابة - رضوان الله عليهم - لأنهم بايعوا أبا بكر - ﵁ - خليفة لرسول الله - ﷺ - ولم يبايعوا عليا الذي كان هو الخليفة من وجهة أنظار الشيعة، والشيعة منهم معتدل وغال، فالمعتدلون فسقوا الصحابة - ﵃ - والغالون كفروهم - عياذًا بالله - ولم يستثن الشيعة من ذلك سوى عدد يزيد قليلًا على أصابع اليدين. على أن الشيعة (الرافضة) أضافوا إلى إنكارهم السنة - على الوضع الذي ذكرناه - إضافة جديدة جعل جرمهم في هذا الباب مضاعفًا، ذلك أنهم لم يكتفوا بإنكار الحديث ورفض السنة، وإنما لجأوا إلى وَضع ما أسموه أحاديث، ونسبوها إلى النبي - ﷺ - فألَّفوا كلامًا على هيئة أحاديث الرسول - ﷺ - في تعظيم أئمتهم، وتأكيد نحلتهم، وتأصيل معتقدهم، وأيضًا في ذم مخالفيهم وعقائدهم. وقد كان لهذه الأحاديث المزعومة الموضوعة على رسول الله - ﷺ - دور أصيل في حجية التشريع وأصول الدين عندهم.","vol":"1","page":23},{"text":"أما الخوارج فقد طعنوا في الصحابة - رضوان الله عليهم - بعد واقعة التحكيم الشهيرة أثناء الحرب بين علي ومعاوية - ﵄ - وبسبب واقعة التحكيم طعن الخوارج في عدالة الصحابة - ﵃ - فمن الخوارج مَنْ فَسَّقهم، وهم قلة لا تذكر، والأكثرون من طوائف الخوارج كفروا الصحابة - عياذًا بالله - بل منهم من جعلهم كالمشركين في الحرب والسبي وعدم قبول الجزية. إلى آخر تلك الآراء التي تدل على انحراف حاد عن جادة الإسلام، وقد دفع بهم إنكار السنة والرغبة الملحة عندهم في مخالفة جماعة المسلمين إلى العدوة القصوى بعيدًا عن الإسلام، فافتروا على الله ورسوله وجماعة المسلمين، وتباروا في تكفير الأمة بأنواع من الكفر، فجمهرتهم يرون أن دار مخالفيهم دار حرب، يقتل فيها النساء والأطفال وأن جميع المسلمين كفار مثل كفار العرب، لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل.\nأما في الأحكام فقد أنكروا الرجم في الزاني المحصن لأنه ليس في القرآن، وأقاموا حد السرقة ولم يلتزموا ما ورد في السنة وإجماع الأمة بالحرز في السرقة ونصابها وكذلك قطع اليد من الرسغ، كما استحلوا كفر الأمانة التي أمر الله - تعالى - بأدائها وزعموا أن المسلمين مشركون يحل أكل أماناتهم، وأجاز فريق منهم - الميمونية - نكاح بنت البنت، وبنت الابن، لأن القرآن لم يذكرهن ضمن المحرمات. إلى غير ذلك من أنواع الضلال والزيغ الذي وقعوا فيه في أصول الدين، وفي أحكام الشريعة بسبب أنهم رفضوا السنة النبوية المطهرة، وزعموا أنهم يأخذون أحكامهم وقضايا دينهم عن القرآن، وما علموا أنهم نابذوا القرآن ونبذوه يوم نبذوا السنة واتخذوها ظهريًا، يقول عبد القاهر البغدادي عن الخوارج إنهم: \"أنكروا حجية الإجماع والسنن الشرعية، وأنه لا حجة في شيء من أحكام الشريعة إلا من القرآن، ولذلك","vol":"1","page":24},{"text":"أنكروا الرجم والمسح على الخفين لأنهما ليسا في القرآن، وقطعوا يد السارق في القليل والكثير لأن الأمر بالقطع في القرآن مطلق، ولم يقبلوا الرواية في نصاب القطع ولا الرواية في اعتبار الحرز فيه \" (١) .\nفهؤلاء وأولئك - الخوارج والشيعة - رفضوا - سنة رسول الله - ﷺ - لطعنهم في الصحابة - رضوان الله - تعالى - عليهم أجمعين - ومن المعلوم أن سنة رسول الله - ﷺ - إنما وصلت إلينا من خلال الصحابة - رضوان الله عليهم - بل إن الدين كله وصل إلينا من خلالهم، فهم الطبقة المعاصرة لرسول الله - ﷺ - زمانا، المطلعة على أحواله قولًا وفعلًا، الحريصة على أن تحفظ عنه كل حركة وسكنة، وأن تنقل عنه كل لفظة وسكتة، الأمينة في وصف أحواله - ﷺ - صغيرها وكبيرها، والصحابة - رضوان الله عليهم - هم الذين نقلوا إلينا أحوال النبي - ﷺ – كافة لم يخرموا منها شيئًا، حتى صرنا بفضلهم - جزاهم الله عن الأمة خيرا- كأننا نعايشه في أحواله - ﷺ - كافة، ونعاين هيئاته كافة، فهم - رضوان الله عليهم- هم الذين نقلوا إلينا الدين كاملًا عن رسول الله - ﷺ - الذي تلقاه عن ربه وحيا في القرآن أو في السنة، فإذا جاء من الطوائف والفرق من يرفض الأخذ عنهم مستندًا إلى ما يزعمه من أنهم ليسوا عدولًا، فعن من يأخذ دينه، وأنى له أن يعرف شرائع الإسلام؟ ومن أين سيأخذ أحكام الدين في الصلاة وهيئاتها، والزكاة ومقاديرها، والصيام وأحكامه، والحج ومناسكه، ثم من أين له أن يعرف ما يحل وما يحرم، وما\n_________\n(١) راجع في ذلك: أصول الدين: ١٩، الفرق بين الفرق، مقالات الإسلاميين، الملل والنحل.","vol":"1","page":25},{"text":"يأخذ أو يدع في شؤون الحياة جميعها، ثم أين نجد كل هذا في القرآن المجيد؟ وأين يجده هؤلاء الذين يزعمون أنهم يكتفون بالقرآن وحده دون السنة النبوية المشرفة؟\nإن رفضهم السنة النبوية كان له الأثر الذي أشرنا إلى بعضه من خروجهم على الدين وابتداعهم فيه ما ليس منه، واعتناقهم عقائد، ومزاولتهم شرائع لا تمت إلى الإسلام، بل تناقض الإسلام وتعارضه، وقد انتهى بهم الأمر إلى أن نقضوا عرى الإسلام، وكفروا الأمة المسلمة، وما كفرت الأمة ولكن الظالمين كفروا، يهدمون الدين بحجة الحرص عليه، ويكفرون بالقرآن وهم يزعمون الاستمساك به والاعتماد عليه، فأين منهم آياته البينات التي تأمر بطاعة رسول الله – ﷺ – والأخذ عنه والائتمار بأمره والانتهاء بنهيه؟ بل أين منهم آياته البينات التي تنص على أنه - ﷺ - لا ينطق عن الهوى، وأن سنته وحي من عند الله - تعالى - وأين من هؤلاء الذين يخالفون عن أمر رسول الله - ﷺ - قوله تعالى - محذرًا إياهم ومن على شاكلتهم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور:٦٤) .\nهكذا بدأت مسيرة إنكار سنة رسول الله - ﷺ - والشغب عليها ورفض اعتبارها مصدرًا تشريعيًا كالقرآن، والخروج على طاعة رسول الله - ﷺ - بدأت مسيرة الضلال هذه على أيدي الخوارج والشيعة (الرافضة)، ثم تلقفها منهم وسار على ضلالهم طوائف من المتكلمين وأشهرهم في هذا الباب المعتزلة، ثم استمرت مسيرة الضلال يسلمها ضال إلى ضال، ويأخذها ضال عن ضال، وقد افترقوا في ضلالهم إلى مذاهب وطوائف، فطائفة تنكر السنة النبوية المطهرة بجملتها، ما كان منها قولًا، وما كان عملًا،","vol":"1","page":26},{"text":"وما كان تقريرًا، ويعدون أقواله - ﷺ - وأفعاله مثل أقوال الناس وأفعالهم لا صلة لها بالدين من قريب أو من بعيد.\nوطائفة تأخذ من السنة بما كان عملًا وتطرح ما كان قولًا، دون تمييز أو سند من شرع أو عقل يسوغ هذه التفرقة، فإن صاحب العمل هو نفسه صاحب القول - ﷺ. وطائفة ثالثة هي أقل الطوائف جرمًا في هذا الباب، ولكنها أعمها وأطمها وأكثرها عددًا، وما ذهبت إليه أعظم شيوعًا وذيوعًا، ذلكم الذين يقولون لا نأخذ من سنة رسول الله - ﷺ - إلا بما تواتر قولًا وعملًا، أما خبر الواحد فلا يأخذون به ولا يعتبرونه، ومن هؤلاء من يرفضه جملة، ومنهم من يرفضه في العقائد.\nوقد ظلت مسيرة الضلال هذه تنتقل عبر التاريخ بطوائفها المختلفة وعلى مستوى الأمة المسلمة شرقًا وغربًا، حتى كانت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث نبتت نابتة سوء بين المسلمين في بلاد الهند، وذلك بنشأة ما سمي بطائفة \" القرآنيون \" تلك الطائفة التي زعمت الاعتماد على القرآن وحده، وطرح السنة النبوية المطهرة، وأخذت تدعو إلى نحلتها بهمة ونشاط تحت رعاية الاستعمار الإنجليزي، ثم انتقلت من الهند إلى باكستان - بعد التقسيم - تحت مسمى \"البرويزيين\"\nوهذه الطائفة هي موضوع بحثنا هذا، وسوف نبين بشيء من التفصيل تاريخ نشأتهم وأهم رؤسائهم على الصفحات التالية - بحول الله تعالى.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>المبحث الرابع: التعريف بطائفة القرآنيين، وعوامل نشأتهم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>مدخل</span>\n...\nالمبحث الرابع: التعريف بطائفة القرآنيين، وعوامل نشأتهم\nوضع الإنجليز أيديهم على شبه القارة الهندية، ودانت لهم طوائفها وفرقها من الهندوس والبوذيين والجينيين وغيرهم ممن يدينون بغير الإسلام. أما المسلمون الذين كانوا يمثلون قلة في الهند فلم يسلس قيادهم للإنجليز المستعمرين، ولم يهادنوهم يومًا، وذلك انطلاقًا من الإسلام الذي يمنع المسلم من الخضوع والإذعان لحاكم غير مسلم يلي أمر المسلمين بالقوة والجبروت. لذلك كان المسلمون بالهند يمثلون للإنجليز المستعمرين قلقًا وإزعاجًا بل يمثلون خطورة على سلطتهم وبقائهم في تلك البلاد، وكان المسلمون لا يفتأون يلبون داعي الجهاد ضد الإنجليز، ويقومون بالثورات العديدة التي كان أشهرها ثورة مايو من عام سبعة وخمسين وثمانمائة وألف للميلاد.\nوقد كان الإنجليز بالمقابل يمقتون المسلمين فوق مقتهم الطوائف الأخرى، وقد كانوا يدبرون المؤامرات والمكايد ضد الإسلام والمسلمين في تلك البقاع، ورغم خطط ومؤامرات الإنجليز الكثيرة ضد المسلمين، إلا أنهم تميزوا بخطة معينة أحكموها وبرعوا فيها، وقد حققت لهم أغراضهم وأهدافهم من تفريق صفوف المسلمين، وإضعاف شوكتهم، وبث النزاع بين طوائفهم. وكانت خطتهم تلك تقوم على أن يستقطبوا أشخاصًا من المسلمين، يرون فيهم قبولًا لبيع دينهم وأمتهم مقابل السلطة والمال، فيجندونهم للعمل ضد الإسلام والمسلمين، وكانت خطتهم التي يرسمونها لعملائهم واحدة، حيث يبدأ هؤلاء العملاء بالتظاهر بالإسلام، والحرص عليه، والدعوة إليه، والكتابة","vol":"1","page":28},{"text":"فيه، حتى إذ اشتهر أمرهم، والتف الناس حولهم. بدؤوا ينفذون خطة الإنجليز، التي رسموها لهم، وبدؤوا ببذر بذور الشك في عقيدة الإسلام، ثم في شريعته، ثم - وتحت دعواهم الحرص على الإسلام - يبثون سمومهم، فمنهم من يدعي النبوة مثل: \" ميرزا غلام أحمد القادياني \" - لعنه الله - ومنهم من يدعي حب رسول الله - ﷺ - فيخلع على النبي - بهذه الحجة - بعض صفات الله سبحانه، وذلك مثل \"أحمد رضا خان\" ومنهم من يدعي أنه مجدد القرن مثل: \" أحمد خان \" الذي أخلص للإنجليز إلى حد أن باع دينه، وضحى بأمته في مقابل ولائه المطلق للإنجليز.\nوفيما يلي سنذكر أهم رجالات القرآنيين في الهند، مع ذكر نبذة عن تاريخ كل منهم، وأهم آرائه.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>أولًا: السيد أحمد خان:</span>\nوتاريخ منكري السنة في شبه القارة الهندية في العصر الحديث يبدأ بهذا الرجل: \"سير أحمد خان\" أو \"السيد أحمد خان\" بل إن تاريخ الكثير من صور الخيانة للإسلام والمسلمين، وابتداع الآراء الشاذة المخالفة لما عليه القرآن والسنة وإجماع الأمة، مما كان سببًا في تفريق الأمة، وتشتيت جهودها ضد الإنجليز أعداء الإسلام، يرجع إلى هذا الرجل \"السيد أحمد خان\" (١)\n_________\n(١) هو السيد أحمد خان بن أحمد مير المتقى بن عماد الحسيني، ولد في مدينة دهلي في أكتوبر ١٨١٧م. بدأ دراسته بالقرآن الكريم، ثم تعلم العربية والفارسية، ثم درس العلوم الدينية، وعندما توفي والده، وكان في الحادية والعشرين من عمره التحق للعمل بشركة الهند الشرقية، وكان ذلك بداية اتصاله بالإنجليز الذين أعجبوا بذكائه وطموحه، ورأوا فيه ضالتهم التي يبحثون عنها. ومنذ اللحظة الأولى أعلن ولاءه لسادته الإنجليز، ومن ثم رفعوه إلى درجة مساعد قاض في المحاكم الإنجليزية، وأغدقوا عليه المال والحماية، وقد عرف هو فضلهم عليه فتفانى في خدمتهم ومعاونتهم، والدفاع عن سياستهم الاستعمارية، ووقف معهم صفًا واحدًا ضد أمته ودينه، إلى حد أنه وضع كتابًا عن ثورة الأمة ضد الإنجليز في مايو ١٨٥٧م، ألقى فيه كل التبعة على الأمة الهندية، وانتصر للإنجليز، ووضع لهم مقترحات انتفعوا بها في سياستهم ضد الأمة. وكان نشطًا في التأليف والكتابة وإصدار المجلات العلمية، مسخرًا ذلك كله لخدمة أهدافه وأهداف ساداته، وفي سبيل ذلك أنشأ الكثير من المعاهد والمدارس، ثم ختم كل ذلك بتأسيس جامعة \" عليكره \" هذا على المستوى العام، وعلى المستوى الشخصي، قد شهد القريبون منه أنه ما كان يصلي ولا يصوم، ولا يهتم بشعائر الدين. وقد توفي \"أحمد خان\" في مارس ١٨٩٧م، ودفن بجوار المسجد الذي بناه وسط جامعة عليكره. (٣٠) .","vol":"1","page":29},{"text":"وبالتالي، يرجع إليه حركات ممالأة المستعمر الإنجليزي، ومهادنته، بل معاونته وموالاته، والدعوة إلى السير في ركابه والاغتراف من ثقافته، والتمثل به في الشؤون الحياتية كافة، يرجع كل هذا إلى هذا الرجل الذي قضى حياته في خدمة الإنجليز، والدعوة إلى مسالمتهم ومعاونتهم، وقد اقتدى به الكثيرون في ذلك مما جعل محنة الأمة بهذا الرجل أعم وأطم.\nوفيما يتصل بموضوعنا، فقد كان هذا الرجل مكثرًا من الكتابة والتأليف، وكان من تأليفه ما أسماه تفسيرًا للقرآن وقد نهج في تفسيره نهجا يخالف القرآن نفسه والسنة وإجماع الأمة، ويخالف المنهج العلمي في أبسط صوره. حيث اعتمد في تفسيره القرآن على عقله وهواه الذي يتحكم في عقله، وجاء بسبب ذلك بآراء خالف بها مُسَلَّمات الدين، وعقائده وشرائعه، وبذلك خرج على إجماع الأمة، بل اعتمد في تفسيره أسلوبًا خالف فيه أساليب اللغة التي نزل بها القرآن، ولم يعبأ بدلالات الألفاظ، بل أخضع كل ذلك لهواه وأغراضه من إفساد الدين، وإبطال الشرع، ومن ذلك أنه أنكر الغيب ومنه الملائكة والجن والشياطين، وفي سبيل إنكارها تأول الآيات القرآنية التي ورد فيها ذكر الملائكة والجن والشياطين، فأوَّل الملائكة بأنها عناصر الطبيعة وقواها من ريح ومطر وبراكين. وأوَّل الجن بأنهم سكان","vol":"1","page":30},{"text":"الغابات والصحاري والذين يزاولون أنشطتهم في ظلام الليل فلا يراهم أحد، كما أول الشياطين بأن المراد بها شهوات النفس وأهواؤها، وكان اعتماده هذا المنهج الذي يخالف أساليب اللغة العربية ودلالات ألفاظها قائمًا على أساس جرم آخر ارتكبه في حق الدين، وهو زعمه أن القرآن العظيم لم ينزل على رسول الله محمد - ﷺ - بألفاظه ومعانيه، بل إنه نزل بالمعنى فقط، بمعنى أن الله - تعالى - قذف بمعاني القرآن في قلب محمد - ﷺ - ثم صاغها محمد - ﷺ - في ألفاظ من عنده، وبذلك جعل القرآن مثل السنة، في أن الرسول - ﷺ -، ألهم معناه فقط، ثم صاغه هو بألفاظ من عنده. وهذا - وغيره - مما وقع فيه \"أحمد خان\" تسبب في ثورة العلماء ضده، وفي رميهم إياه بالكفر، فكان هذا - من جانب آخر - سببا في انفلات أمره، وانطلاقه في غواياته وضلالاته إلى المنتهى الذي وصل إليه.\nأما فيما يتعلق بالسنة النبوية، فقد وضع الرجل الأساس للذين أتوا من بعده في إنكار السنة النبوية المطهرة، والشغب عليها، والزعم بأن القرآن كاف، والطعن في أنها من وضع رواتها إلى غير ذلك. ونستطيع أن نوجز أهم الآراء التي جاء بها الرجل بالنسبة للسنة النبوية المطهرة فيما يلي:\n١- أَوَّلَ كل ما جاء فيها عن الجن والملائكة والشياطين، وعن الجنة والنار، بتأويلات أدت إلى إنكارها جملة على ما قد أشرنا إليه عند حديثنا عن تفسيره القرآن الكريم.\n٢- ادعى أن السنة النبوية لم تدون لأمد طويل، ظلت ذلك الأمد حبيسة الصدور، مما هيأ الأمر للزيادة عليها والنقص منها وتغيير محتواها، ووضع","vol":"1","page":31},{"text":"الكثير منها، ونسبة الكل إلى رسول الله - ﷺ - مما أفقد الثقة في جميعها، وجعل الشك يشملها كلها.\n٣- بناء على الأمر السابق، فقد جعل الرجل كل ما وردت به السنة النبوية المطهرة من أوامر ونواه، وأخبار وأحكام، جعل كل ذلك أمورًا استنباطية من علماء الحديث وشراح السنة وفقهاء المذاهب، ومن ثم لا يلزم المسلم الأخذ بها، أو الالتزام بما فيها، وذلك لأمرين، الأول: الشك في نسبة الأحاديث إلى رسول الله - ﷺ - لطول الفترة التي تركت فيها بلا تدوين - كما بينا قبلا، والثاني: لاحتمال ألا يكون العلماء قد فهموا مقصود النبي - ﷺ - من هذه الأحاديث، فيكونون قد بنوا أحكامهم على فهم خاطئ فجاءت الأحكام خاطئة.\n٤- وضع الرجل مقاييس من عنده لبيان الحديث الذي يؤخذ به ويعتمد، وقد توخى أن تكون تلك المقاييس مبطلة للسنة في جملتها، فلا تكاد تلك المقاييس المتعنتة تنطبق على حديث واحد أو بضعة أحاديث، هذا إذا صدقت النية في تطبيقها، أما إذا أخذنا في الاعتبار تكلفهم وتعنتهم في التأويل والخروج على مقتضيات اللغة، فإن مقاييس الرجل تزري بالسنة جميعها، وهذه المقاييس:\nأ- أن يكون الحديث المروي هو قول الرسول - ﷺ - بالجزم واليقين.\nوهذا المقياس دون إقناعهم به خرط القتاد، حيث إنهم يطعنون في المتواتر، فما بالنا بغيره؟","vol":"1","page":32},{"text":"ب- أن تكون هناك شهادة تثبت أن الكلمات التي أتى بها الراوي هي عين الكلمات التي نطقها النبي فعلًا.\nج- ألا يكون لألفاظ الحديث التي أتى بها الرواة معان سوى ما أتى به شراح الحديث، وبنى عليه الفقهاء أحكامهم.\nوهذا الآخر من أعظم معاول الهدم للسنة النبوية المشرفة، حيث إنه ما من لفظ من ألفاظ اللغة العربية إلا وله عندهم معان وتأويلات لا تكاد تحصى، ولا يحكمها ويوجهها إلا هواهم الضال وأغراضهم الخبيثة. (١) .\n_________\n(١) راجع في حياة السيد أحمد خان، وأفكاره وآثاره، الفكر الإسلامي الحديث، وصلته بالاستعمار العربي. د. محمد البهي، القرآنيون. د. خادم حسين إلهي بخش.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>ثانيًا: عبد الله جكرالوي:</span>\nهو مولوي - الشيخ - عبد الله بن عبد الله الجكرالوي، نسبة إلى بلدة (جكرالة) التي ولد بها، وهي إحدى قرى إقليم \"البنجاب\" بباكستان حاليًا، وعاصمته \"لاهور\". وقد ولد عبد الله حوالي ١٨٣٠م. في أسرة علم ودين، وكان والده يتبع مشيخة إحدى الطرق، فلما ولد ابنه وسماه عبد الله، حمله إلى شيخ الطريقة فباركه ودعا له وسماه: \" غلام نبي \" أي خادم النبي، أو \"عبد النبي\".\nومن عجيب أن يتحول هذا الذي سمى \" عبد النبي \" - نعوذ بالله من عبودية لغيره سبحانه - إلى عدو للنبي - ﷺ - ويعلن الحرب على رسول الله - ﷺ - وعلى سنته، ويخلع طاعته،","vol":"1","page":33},{"text":"ويصبح في رأس قائمة منكري السنة النبوية المطهرة. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:٢١) .\nوقد تلقى \"عبد الله جكرا لوي\" علومه بالمدارس الأهلية، ثم سافر بعد ذلك إلى مدينة \"دهلي\" حاضرة الهند لدراسة الحديث الشريف والتخصص فيه، وبعد أن أتم دراسته، ولمس من القدرة على تدريس الحديث وتعليمه الآخرين عاد من \"دهلي\" مدرسًا ومعلمًا، ثم دخل مجال التأليف والكتابة فيما تلقاه وتخصص فيه من علوم الحديث الشريف. وقد ظل على ذلك زمانا يزاول تعليم الحديث وخدمة السنة تعليمًا وتأليفًا ومناظرة مع الآخرين.\nبداية انحرافه:\nظل عبد الله جكرالوي على اشتغاله بالحديث حتى اصطدم ببعض مشكلات من متشابه الحديث الشريف، فخرج على الناس بعقيدته الجديدة التي أعلن عن شعارها بمقولته الشهيرة \"هذا القرآن هو وحده الموحى به من عند الله - تعالى - إلى محمد - ﷺ - أما ما عداه من السنة فليس بوحي\" ثم شرع في تحقيق مذهبه الجديد وشرحه، والدعوة إليه، ومحاولة اكتساب الأنصار له.\nومن الواضح أن عبد الله جكرالوي لم ينتقل من الشيء إلى نقيضه، أو من مناصر للسنة النبوية وداعٍ إليها، وشيخ من شيوخ جماعة \"أهل الحديث\" بالهند إلى عدو للسنة النبوية، طاعن فيها، داعٍ إلى نبذها وعدم اعتبارها، دفعة واحدة، أو في لحظة مفاجئة، بل الغالب المقبول - طبعًا - أن الرجل راودته أفكار وخواطر، وعاودته شبه ومشكلات لبَّست عليه الحق، وأضلته عن","vol":"1","page":34},{"text":"السبيل السويّ في البحث عن الحق فيما يقابله من مثل هذا، ومن قبل ذلك سبق فيه قدر الله - ﷿ - فأضله شيطانه، وأسلم قياده لهواه، وجاءت اللحظة التي لم تكن مفاجئة له، ولكنها كانت مفاجئة للناس الذين عرفوه نصيرًا للسنة، فإذا هم يفاجؤون به عدوا للسنة، ومن قبل ذلك عدوًا لله ورسوله والمؤمنين.\nوهذا الذي نراه من أن انقلاب الرجل لم يأت فجأة أو من فراغ، هو الذي يتفق مع الواقع ومنطق الأحداث، فإن الانقلاب من الشيء إلى نقيضه في الأمور الخطيرة والمصيرية لا يصل إليه الإنسان من منفرج واسع، بل يصل إليه من سمِّ الخياط.\nصلة عبد الله جكرالوي بالإنجليز:\nيبدو أن انقلاب الرجل من مناصر للإسلام إلى عدو للإسلام والمسلمين، قد لفت أنظار المستعمرين الإنجليز إليه، وما كان لِعَيْن الإنجليز الفاحصة الباحثة عن أعداء الإسلام والمسلمين لتستغلهم وتوجههم وترعاهم لتخطئ هذا الرجل، وقد لفت الأنظار إليه بانقلابه الهائل المفاجئ للناس، وبذلك بدأت صلته بالإنجليز واستغلالهم إياه، ونحن لا ندري أكانت صلته بهم هي التي ساعدت على انقلابه ضد سنة النبي - ﷺ - والإسلام، أم أن انقلابه هو الذي أهله لهذه الصلة الضالة؟\nومن عجب أن تختلف بعض الآراء حول هذه الصلة، حتى إن البعض ينكرها، والبعض يشكك فيها، مع أن سيرة الإنجليز ومنهجهم بالهند، وعبر مئات الأشخاص من أمثال عبد الله جكرالوي تؤكد أنهم وراء كل شخص من هؤلاء، بل إنهم يبحثون عنهم ويشكلون فكرهم واتجاهاتهم، وهذا الرجل","vol":"1","page":35},{"text":"جاءهم لقمة سائغة، وصنيعة سهلة، وكان الرجل - من جانب آخر - يرفل في بحر من الأموال والنفقات التي كان يحتاجها لطبع كتبه ومؤلفاته العديدة.\nلكن التشكيك في هذه الصلة بل إنكارها جاء من أنصار \"عبد الله جكرالوي\"، ومن يدينون بمعتقده، ويسيرون على منهجه في معاداة السنة النبوية، ومقت الإسلام وأهله، وذلك أمر طبيعي، بل إن إنكار أنصاره هذه الصلة لهو دليل على وجودها، وإن المريب يكاد يقول خذوني، وهل كان ينتظر من أنصاره الذين يشاركونه نفس النقيصة والضلالة، أن يقروا بهذه الصلة، وهي كفيلة بصرف الناس من حولهم، وانفضاض الأنصار عنهم؟.\nولذلك نرى على رأس الذين ينكرون هذه الصلة \"غلام أحمد برويز\" الذي تلقى ضلالة إنكار السنة، وورث هذا الاتجاه الضال عن كل القائلين به في الهند، وتولى كبر نشره في باكستان، وما تزال نحلته الفاسدة على الساحة، هذا الرجل ينكر صلة \"عبد الله جكرالوي\" أستاذه في الضلالة فيقول: \" إن الميرزا غلام أحمد القادياني كان من البذور التي بذرتها الحكومة البريطانية، وإن دعوته جاءت من صميم النداء الإنجليزي، بينما نرى عبد الله سليم النية اكتوى بنار ما أصيب به الإسلام في عصره من الفرق المتعددة \" (١) .\nلكن المحققين من أمثال\"محمد علي قصوري\"يرى أن الحكومة البريطانية كان لها يد وراء الحركتين: القاديانية، والجكرالوية. حيث يقول: إن الحكومة البريطانية تمكنت من اصطياد بعض الشخصيات الإسلامية، وإيقاعها في شبكة التحريف ضد الإسلام، فحرضتهم على القيام بأعمال تفقد الثقة في السنة النبوية الشريفة، وكان على رأس هؤلاء جميعًا \"عبد الله جكرالوي\"\n_________\n(١) نقلًا عن: القرآنيون: ٣١، ٣٢.","vol":"1","page":36},{"text":"وقد اختاره المسيحيون - النصارى - لأداء هذه المهمة، فرفع صوته بإنكار السنة كلها، وأخذ يدعو إلى هذا المشروع الهدام، فأخذت رسائل التأييد تصل إليه من المبشرين المسيحيين - المنصرين - وتعده بالمساعدات المالية، وتشكره على هذا المجهود الجبار \" (١) .\nجهود العلماء ضده:\nبدأ عبد الله جكرالوي حركته ضد الإسلام فأنكر السنة النبوية جميعها، وألف جماعة سماها \"أهل الذكر والقرآن\" وكان هو رئيس هذه الجماعة، ونشط بشكل مكثف بالدعوة إلى نحلته الضالة التي تقوم على نبذ السنة النبوية، والزعم بأن القرآن كافٍ في قضايا الدين وأحكام الشريعة، وألف في ذلك الكتب الكثيرة، وكان مقر دعوته مدينة \"لاهور\" وهي في ذلك الوقت - بل في كل وقت - حاضرة العلم والعلماء.\nلذلك كان له العلماء بالمرصاد، حيث صاروا يفندون آراءه، وينشرون المقالات ضد نحلته، شارك في ذلك العلماء على الأصعدة كافة وعلى منابر المساجد، وقامت مجلة \"إشاعة السنة\" - نشر السنة - بالدور الأهم والأكثر تأثيرا، حيث جمعت آراءه الضالة، وفندتها، وبينت ما فيها من كفر وفسوق عن الملة، ثم وضعتها على بساط البحث بين أيدي العلماء، ووجهت النداءات إلى جميع العلماء لإبداء آرائهم، وإصدار أحكام الشريعة في هذا الذي يعتنق مثل هذه الآراء الكُفْرية وهل يكون مؤمنًا مسلما مع اعتناقه هذه الأفكار التي تقوم على الكفر بالسنة كلها؟.\n_________\n(١) نقلًا عن: القرآنيون: ٣١، ٣٢.","vol":"1","page":37},{"text":"فما كان من العلماء إلا أن أفتوا بكفره وفسوقه عن الإسلام. أفتى بذلك الكثرة الكاثرة من علماء الهند بأقطارها كافة. ثم قامت المجلة \"إشاعة السنة\" نفسها بنشر عشرات التوقيعات لعلماء الدين المشاهير في الهند الذين يعلنون أن \"عبد الله جكرالوي\" كافر بالدين، مقطوع الصلة بالإسلام، خارج عن جماعة المسلمين.\nلكن الرجل ظل على ضلالته من الكفر بسنة رسول الله - ﷺ - والدعوة إلى نبذها وعدم العمل بها، حتى أخذه الموت سنة أربع عشرة وتسعمائة وألف، بعد عمر طويل قضاه في حرب الله ورسوله والإسلام عليه من الله ما يستحق.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>ثالثًا: أحمد الدِّين الأَمْرِتْسِرِي</span>\nهو الخاجة أحمد الدين بن خاجة ميان محمد بن محمد إبراهيم الأمر تسري. نسبة إلى مدينة \"أمرتسر\" التي ولد بها سنة إحدى وستين وثمانمائة وألف للميلاد، وبعد ولادته حمله والده إلى شيخه فمسح الشيخ رأس الطفل ودعا له وسماه باسمه هذا. وقد بدأ أحمد الدين تعليمه بالقرآن المجيد، ثم العلوم الدينية عند بعض المشتغلين بذلك، ثم التحق بمدرسة المبشرين - المنصرين - فدرس هناك كتاب النصارى المقدس وبعض العلوم العصرية - ثم اعتمد بعد ذلك على جهوده الخاصة في اكتساب العلوم والمعارف، مما مكنه من تحصيل كثير من العلوم الحديثة كالتاريخ والجغرافيا والفلك والاقتصاد والمنطق والرياضيات بجانب العلوم الإسلامية التي كانت عنايته الأولى، كذلك كان يجيد العربية والإنجليزية والفارسية والأردية وبعض اللهجات الإقليمية.","vol":"1","page":38},{"text":"صلته بالقرآنيين السابقين عليه:\nكان للخاجة أحمد الدين صلة وثيقة بأفكار القرآنيين - منكري السنة - السابقين عليه، حيث قرأ لهم، واتصل بمن كان حيًا منهم، وأخذ عنهم وتأثر بهم إلى حد أن السابقين عليه هم الذين وضعوا له نهج حياته ووجهوا أفكاره. فقد أخذ عن \"السيد أحمد خان\" إنكار السنة، واتصل بعبد الله جكرالوي عبر زيارات متوالية، وأخذ عنه أفكاره، وكان أشد مكرًا من عبد الله، حيث كان ينصحه بعدم التصريح بإنكاره للسنة، واختراع الفرائض والعبادات التي لا يعرفها المسلمون زاعمًا أنه استقاها من القرآن، كذلك كانت له صلة بمحمد إقبال، وكان كثير الاجتماع به، والمباحثة معه، مما ألقى ظلالًا على محمد إقبال توهم تأثر إقبال بفكر القرآنيين، وأنه مال معهم إلى إنكار السنة. كذلك كانت له صلة بميرزا غلام أحمد القادياني مؤسس الديانة القاديانية، ومن المأثور أنه لم يكن يشدد النكير على القادياني ولا غيره، بل كان يحضر له دروسه ولغيره ممن يخالفونه الفكر والعقيدة.\nدعوته إلى نحلته:\nبدأ الخاجة أحمد الدين نشاطه بالتدريس والكتابة، وكان يتسم باللين والهدوء، مما جعل الكثيرين يقبلون على سماعه وحضور درسه، ثم دعا إلى تأسيس جماعته الخاصة وسماها: \"أمة مسلمة\" ثم أنشأ مجلة تتكلم باسم الجماعة وتنشر أفكارها وآراءها، مما جعل الكثيرين ينضمون لجماعته متأثرين بأسلوبه الهادئ، وبخاصة أنه لم يكن يصرح بما يصدم المسلم، بل كان يميل إلى التورية وعدم المواجهة، إضافة إلى لينه وهدوء أسلوبه، وقدرته على الإقناع. مما كان له الأثر في انضمام فئات المثقفين من أساتذة الجامعات والمدرسين","vol":"1","page":39},{"text":"والقضاة وغيرهم إلى جماعته، وحماستهم لنشر أفكاره بالكتابة والتأليف والنشر، كل هذه العوامل جعلت المناخ مواتيًا لنشر أفكار \"خاجة أحمد الدين\" وكثرة أتباعه.\nوقد توفي خاجة أحمد الدين في يونيه سنة ست وثلاثين وتسعمائة وألف للميلاد.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>رابعًا: غلام أحمد برويز</span>\nهو غلام أحمد برويز بن فضل دين بن رحيم بخش. ولد في يوليه من عام ثلاثة وتسعمائة وألف للميلاد بالجانب الهندي من إقليم البنجاب. وقد تلقى علومه الدينية على يد جده، ثم أكمل بالمدارس النظامية، وقد اتجه إلى الوظائف الحكومية قبل أن يكمل تعليمه الثانوي، فقضى حياته الوظيفية بالمطبعة الحكومية حيث وصل إلى وظيفة مدير المطبعة.\nصلته بعقائد القرآنيين:\nكان اتصال غلام أحمد برويز بعقيدة القرآنيين في البداية عن طريق القراءة لآرائهم وأفكارهم التي كانت حديث المثقفين وقتذاك يؤيدها القلة ويعارضها الكثرة، ومن في مثل ذكاء \"برويز\" ونشاطه ما كان يخفى عليه نشاط هذه الحركة وآراؤها، وما كانت تمر عليه هذه الأفكار دون أن تشغله وتؤثر فيه إن سلبًا أو إيجابًا. لكن تركه الأمة المسلمة وانقلابه إلى تلك الشرذمة الشاذة عن الإسلام جاء تحت واقعة محددة، لعلها هي القشة التي قصمت ظهر البعير. \" وهو يحدث عن ذلك فيقول: \"ذات يوم كنت أطالع التفسير","vol":"1","page":40},{"text":"فمررت بقوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (الأحزاب:٦٩)، وقد ذكر القرآن تفصيل هذا الإيذاء من عناد بني إسرائيل لموسى - ﵇ - وطلبهم ما لا يحتاجون إليه. غير أني وجدت في تفسير هذه الآية حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري والترمذي من اتهام بني إسرائيل موسى بالبرص، وفرار الحجر بثيابه، وضرب موسى الحجر بعصاه، فارتعدت فرائصي، واستغرقني التفكير، وتوالت عليَّ الشبهات واحدة تلو الأخرى\" (١) .\nوهكذا كانت اللحظة التي لابد أن برويز فكر فيها كثيرًا. أما إعلانه عن انقلابه إلى فكر القرآنيين. منكري السنة، فقد جاء على هيئة خطب منبرية ودروس داخل المساجد في بداية الأمر، ثم تولت مجلته \"طلوع إسلام\" نشر أفكاره بعد ذلك، ثم توسعت أفكاره شيوعًا عبر مقالاته ومؤلفاته الكثيرة، ومن خلال نوادي حركته التي أنشأها لتضم أتباعه في إنكار السنة، وسماها: نوادي طلوع إسلام، نسبة إلى مجلته تلك. ولقد زاد من شيوع حركته وذيوع أفكاره انتقاله إلى دولة باكستان الوليدة بعد استقلالها عن الهند. حيث انتقل إلى مدينة \"كراتشي\" التي ما تزال حتى اليوم حاضرة \"البرويزيين\" أتباع برويز. وقد كانت الظروف وقتذاك ملائمة له ولحركته، حيث كان على رأس الدولة الفتية قائدها \"محمد على جناح\" (٢) الذي استغرقته السياسة\n_________\n(١) نقلًا عن: القرآنيون: ٥٠، ٥٤.\n(٢) محمد علي جناح ولد بكراتشي عام ستة وسبعين وثمانمائة وألف للميلاد، وتوفي عام ثمانية وأربعين وتسعمائة وألف. بعد استقلال باكستان بعام واحد. نال المحاماة من إنجلترا، ثم عاد والتحق بالمؤتمر الهندي، ثم تركه ونشط في حركة \" العصبة الإسلامية \" وحين استقلت باكستان تولى رئاستها، لكن السياسة شغلته عن= قضايا الإسلام في بلده فكان من ذلك مخاطر كثيرة ما تزال باكستان بل والإسلام يعاني منها. وقد كان على رأس تلك المخاطر قبوله القادياني المتعصب ضد الإسلام والمسلمين \"ظفر الله خان\" وزيرًا لخارجية باكستان الوليدة. فكان أن مكن الرجل للقاديانية وثبت أقدامها بباكستان، وفتح لها البلاد الأخرى عالميًا، بعد أن كاد يقضى عليها. كذلك من تلك المخاطر تلك الحركات المعادية للسنة والإسلام. وتحديدًا حركة \"برويز\" التي لم يمكن لها سوى تهاون المسؤولين في ذلك البلد الطيب. كذلك من تلك المخاطر قضية اللغة العربية، حيث كانت حية حين الاستقلال، لكن قضى عليها في باكستان تخطيط أعداء الله.","vol":"1","page":41},{"text":"فشغلته عن مشكلات الإسلام، وعن الحركات الهدامة التي بدأت تنتشر على حساب الإسلام وأمته، وعلى رأس هذه الحركات الهدامة حركة \" القرآنيين \" بعامة، وحركة \"البرويزيين\" بخاصة. ومن المعروف أنه كان في أعضاء حكومة باكستان حين الاستقلال، عدد لا بأس به \"القاديانيين\" على رأسهم \" ظفر الله خان \" وزير الخارجية آنذاك، الذي حارب الإسلام ومكن للقاديانية، بل وساعد هو وقبيله الحركات ضد الإسلام، وكان منها حركة القرآنيين، وقد وصل من محاربة هذا الرجل القادياني للإسلام والمسلمين في بلد قام أصلًا على الإسلام، أن قام المسلمون بباكستان بثورة عارمة يقودها العلماء لخلع هذا الرجل من وزارة الخارجية، ولم يتم ذلك حتى قتل من المسلمين وعلمائهم المئات، وهو ثمن زهيد في مقابل تنحية هذا الكافر المتعصب عن مكانه الخطير في الدولة المسلمة.\nآراؤه وموقف العلماء منه:\nكان لغلام أحمد برويز من الآراء ما يتفق مع الهدف العام لحركة القرآنيين الذي يقوم على تخريب الإسلام وهدم أركانه، وذلك بتنحية السنة النبوية عن التشريع الإسلامي. وقد كانت حركة السابقين عليه من القرآنيين تقوم على اعتبار أن القرآن قد شمل الدين بكلياته وجزئياته، وكل مجمل","vol":"1","page":42},{"text":"ومفصل، وقد وضعوا بذلك أساس دينهم القائم على أن القرآن كافٍ وحده. أما \"برويز\" فقد خطط كي يضمن السياسة والسياسيين إلى جانبه، وكي ينال تأييد أصحاب الحكم والسلطان بباكستان. ومن ثم فقد وضع لهم مكانا متميزا في آرائه. وكانت آراؤه تلك تقوم على أن القرآن قد شمل كليات الدين ومجمله، وأما التفاصيل فهي متروكة لولىّ الأمر الذي يتولى سدة الحكم في بلده، فهو الذي يتولى بيان المجمل، وتفاصيل التشريع، ومن سلطته التحليل والتحريم حسب ما يراه ملائمًا للظروف القائمة. وقد كان هذا النهج مرضيا تمامًا للحكام والمسؤولين، حيث أضفوا على برويز وجماعته حمايتهم، ومنحوه تأييدهم، ومكنوا له، حيث استطاع نشر ضلالاته على نطاق واسع، وصار للبرويزيين وجود محسوس على الساحة الباكستانية وغيرها من بلاد الهند وبعض البلاد الأوربية التي يهاجر إليها الباكستانيون للعمل أو الدراسة.\nموقف العلماء من برويز ودعوته:\nاتسعت دعوة برويز لتشمل أصعدة كثيرة على الساحة الإسلامية بباكستان. وقد قام العلماء في البلد المسلم بواجب الجهاد ضد هذه الحركة كما فعلوا بالنسبة للحركات السابقة عليها، لكن العلماء أولوا هذه الحركة من الاهتمام ما يناسب خطورتها، وقد قامت الجماعة الإسلامية ممثلة في رئيسها وشيخها الإمام المجاهد الداعية \"المودودي\" بالدور الأكثر في هذا المجال.\n\"وفي سنة إحدى وستين وتسعمائة وألف وضعت أفكار برويز ومعتقداته أمام العلماء ليفتوا فيها، وليبينوا حكم الإسلام فيمن يعتنق مثل هذه الأفكار، وهل تبقى له صلة بالإسلام مع اعتناقه هذه المعتقدات البرويزية؟ أو","vol":"1","page":43},{"text":"أن الإسلام بريء منه؟ وقد تولى إجراء هذا الاستفتاء أركان المدرسة العربية الإسلامية بكراتشي، فأفتى ما لا يقل عن ألف عالم من علماء الدين من باكستان والهند والشام والحجاز بتكفيره وخروجه عن ربقة الإسلام\" (١) .\n_________\n(١) نقلًا عن: القرآنيون: ٥٠، ٥٤.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>طوائف القرآنيين في الوقت الحاضر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>أولًا: أمت مسلم أهل الذكر والقرآن الأمة المسلمة أهل الذكر والقرآن</span>\n...\nطوائف القرآنيين في الوقت الحاضر:\nبينا فيما سبق أشهر زعماء القرآنيين - منكري السنة النبوية المطهرة -، وقد ذهب هؤلاء وبقيت دعواتهم على هيئة فرق وطوائف تكونت على أساس من هذه الدعوات. وقد فعل الزمان والظروف فعلها في هذه الحركات، حيث تلاقحت الأفكار والمناهج، فتأثر هذا بذاك، واختلط بعض ببعض، وكان من ذلك بضعة طوائف ما تزال تتحرك على الساحة الإسلامية بباكستان والهند، وبعض البلاد الأوربية - وبخاصة انجلترا - التي يصل إليها صدى هذه الحركات عبر الذين يذهبون إلى هناك للدراسة أو العمل، وكثير من هؤلاء تجنس بالجنسية البريطانية واستقر هناك. وسوف نشير إلى أشهر الطوائف التي ما تزال على الساحة، ولها تأثيرها:\nأولًا: أمت مسلم أهل الذكر والقرآن، الأمة المسلمة أهل الذكر والقرآن،\nهذه الطائفة تضم أتباع \"عبد الله جكر الوى\" الذي أسس حركته تحت اسم: \"أمة مسلمة\". وهذه الطائفة التي تمثل فكر \"جكرالوي\" و\"الأمر تسرى\" أخذها الضعف والوهن - بفضل الله سبحانه - وأضحى نشاطها محدودًا ومقصورًا على أعضائها القليلين نسبيا. ولهذه الطائفة \"معابد\" يتعبدون فيها على طريقتهم الكافرة التي لا يعرفها دين الله، ويسمون معابدهم هذه: \"مساجد\" إصرارًا منهم على أنهم من المسلمين، بل على أنهم هم المسلمون. ومعابدهم هذه توجد في بعض المدن الباكستانية، والمعبد منها","vol":"1","page":45},{"text":"لا يزيد على حجم الحجرة الواسعة، وهم يؤدون فيها صلاة الجمعة، وثلاث صلوات في كل يوم حسب عقيدتهم، وكل صلاة ركعتان، وفي كل ركعة سجدة واحدة، وهم لا يرفعون من الركوع، بل ينزلون منه إلى السجود مباشرة. وخطر هذه الطائفة قليل نسبيًا، كما أن الكثيرين من أتباعها قد انضموا إلى حركات أخرى مثل حركة: \"طلوع إسلام\".","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>ثانيًا: طلوع إسلام، ظهور الإسلام</span>\nهذه الحركة أسسها \"غلام أحمد برويز\" منذ كان بالهند، ثم صحبها معه إلى باكستان عند انتقاله إليها. وهذه الحركة هي أنشط حركات منكري سنة النبي - ﷺ - \"القرآنيين\" على الإطلاق، وأقواها وأخطرها، وهي الأكثر أتباعًا. وقد زاد من أتباعها أنها قد ورثت الكثير من أتباع الطوائف الأخرى التي ضعفت، أو انتهت مثل طائفة \" أهل الذكر والقرآن \" التي أسسها \"عبد الله جكر الوى\".\nوللطائفة مجلتها الشهيرة \"طلوع إسلام\" التي سميت الطائفة باسمها، ولها منتدياتها كذلك. ولها وجود مؤثر - نوعا - على الساحة الإسلامية بباكستان.\nوالجدير بالذكر أننا سمعنا بهم ونحن بباكستان - إذ كنت أستاذًا \"بالجامعة الإسلامية العالمية \" بإسلام أباد، وقد سعيت - وبعض الزملاء - إلى لقاء هؤلاء والاستماع إلى أفكارهم. وقد حدث ذلك ابتداء بمدينة \"روالبندي\" القريبة من إسلام أباد، ثم كانت لنا لقاءات - لم تدم طويلا - بمدينة \"كراتشي\"، حيث كانت أفكارهم ضحلة، ومعرفتهم بالإسلام متدنية، ورغبتهم في الوصول إلى الحق معدومة، وقد لمسنا أنهم يستمسكون بما هم","vol":"1","page":46},{"text":"عليه من ضلال رغبة في التخلص من حدود الله، وأحكام الشرع، وإشباعًا لشهواتهم دون شعور بالحرج. وذلك ما تضمنه لهم أفكار \"برويز\". وهذا ما يفسر لنا كثرة أتباعهم من الشباب ذكورًا وإناثًا، وكذلك من المثقفين المتأثرين بالثقافة الغربية النصرانية.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>ثالثًا: تحريك تعمير إنسانيَّت، حركة تثقيف الإنسانية</span>\nوهذه حركة حديثة جدًا لا تنتمي إلى أحد من زعماء منكري السنة الذين تحدثنا عنهم، ولكنها تنتمي إلى أحد الأثرياء الذين تأثروا بأفكار السابقين من منكري السنة، وبخاصة: \"برويز\" ولا ندري لماذا لم يكتف بالانضمام إلى حركة برويز النشطة؟ ألأن له عليها تحفظات أو مؤاخذات؟ أم هي الرغبة في الشهرة وحب الظهور؟ وما دام سينفق من ماله، فلينفق لإظهار اسمه بدلًا من إنفاق ماله لإظهار الآخرين. والإشارة هنا إلى: \"عبد الخالق ما لوادة\" الذي أنشأ هذه الطائفة ورأسها وينفق عليها من ماله.\nوهذه الطائفة مضى عليها قرابة العشرين عامًا فقط فهي حديثة، وتحاول أن تجد لها مكانًا على ساحة الكافرين بسنة رسول الله - ﷺ - المرتدين عن الإسلام. ولكن تأثيرها لا يكاد يذكر (١) .\n_________\n(١) اتفق لي أن ذهبت إلى باكستان أستاذا بالجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد، وذلك لأربع سنوات بين عامي ١٩٨١،١٩٨٥م. وكانت إعارتي إلى هناك على ملاك جامعة أم القرى بمكة المكرمة. ووجدت عملي هناك فرصة مواتية للتعرف على الطوائف الموجودة على الساحة هناك. وحدث أن قامت معركة دامية بين البريلويين والديوبنديين بأحد المساجد التابعة لإحدى الطائفتين، مما شد من عزمي - وبعض إخواني - إلى تحقيق ما عزمنا عليه. فبدأنا عن طريق بعض الأساتذة الباكستانيين الذين يعملون معنا بالجامعة بإعداد برنامج تمكنا به - بفضل الله تعالى - من الاتصال بأهم هذه الطوائف. ومنهم \"البريلويون\" الذين ناظرنا كبيرهم بمدينة \" هاري بور \" المدعو: بير عبد الدايم\" أو المرشد عبد الدايم، وكذلك التقينا بزعمائهم بإسلام أبادوروالبندي. والتقينا كذلك \" بالديوبنديين \" الذين يصمون البريلويين بالردة عن الإسلام والكفر، وفي كلامهم حقثم جاء دور منكري السنة الذين يكفي عنوانا لهم هناك: \"البرويزيون\". وكان الفضل في لقائنا بالعديد منهم، وعقد الجلسات معهم يعود إلى الأخ الفاضل د. عبد الجواد خلف الذي أنشأ جامعة الدراسات الإسلامية \"بكراتشي\" حيث استضافنا ببيته بمنطقة \"جلشن إقبال\" ونظم هو - بذكاء وحرص - تلك اللقاءات التي ما كنا ندري أن الله - سبحانه - قد قدر لنا أن نفرغ بعض حصيلتها في ذلك البحث عن منكري السنة.","vol":"1","page":47},{"text":"هذه نبذه موجزة عن رؤساء طائفة منكري سنة رسول الله - ﷺ - وأشهر دعاتها، ثم عن أشهر طوائفها التي آل إليها أمر الدعوة إلى تلك الضلالة الكافرة الرادة أصحابها عن الإسلام، والتي تتسمى حركتهم: \"القرآنيون\".\nوإذ انتهينا - من التعريف بهم، ننتقل إلى ذكر شبهاتهم ثم نرد عليها. كل ذلك بحول الله سبحانه وتوفيقه.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المبحث الخامس: شبهات القرآنيين والرد عليها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>الشبهة الأولى:</span>\n...\nالمبحث الخامس: شبهات القرآنيين والرد عليها\nلهذه الطائفة التي أسمت نفسها \"القرآنيون\" مغالطات وجهالات، زعموا أنها شبهات ضد سنة رسول الله - ﷺ - المطهرة، ويزعمون أن هذه الشبه هي في الوقت ذاته أدلة قاطعة على وجوب ترك السنة النبوية المطهرة، وإهمالها والانصراف عنها، وعدم اعتبارها مصدرًا للتشريع، والاقتصار على القرآن المجيد مصدرًا وحيدًا للتشريع الإسلامي. وسنتولى - بحول الله تعالى - ذكر شبهاتهم هذه كما أوردوها، ثم نفندها ونرد عليها ونبين بطلانها.\nالشبهة الأولى:\nقولهم، إن القرآن الكريم كافٍ في بيان قضايا الدين وأحكام الشريعة، وإن القرآن قد اشتمل على الدين كله، بجملته وتفصيله، بكلياته وجزئياته، وأنه يحتوي جميع الأحكام التشريعية بتفصيلاتها، ما ترك شيئًا ولا فرط في شيء. ولهذا كان القرآن كافيًا، ولم يكن ثمة حاجة لمصدر ثان للتشريع. فالسنة لا حاجة إليها، ولا مكان لها. وقد استدلوا لشبهتهم هذه بما زعموه أدلة من القرآن المجيد. من ذلك قوله - سبحانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: ٣٨) . واستدلوا - كذلك - بقول الله - سبحانه - يصف القرآن الكريم: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف:١١١)، وكذلك","vol":"1","page":49},{"text":"استدلوا بالآيات التي وصف الله – تعالى – القرآن فيها بأنه \"مبين\" من مثل قول الله - ﷿ - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (يس: ٦٩) .\nأما وجه استدلالهم بتلك الآيات، فإن الآية الأولى بين الله - تعالى - فيها أنه - سبحانه - ذكر كل شيء في القرآن الكريم، ولم يفرط في الكتاب من شيء بمعنى أنه - سبحانه - لم يترك صغيرة ولا كبيرة، ولم يدع أمرًا من أمور الدين، أو حكما من أحكام الشرع يحتاج إليه الناس في عقائد أو عبادات أو معاملات إلا قد ذكره في القرآن، وإذا كان الأمر كذلك، فما حاجتنا إلى مصدر آخر غير القرآن، إن إضافة مصدر آخر إلى القرآن الذي لم يترك شيئا، ولم يفرط الله فيه من شيء، إنما يعني أن نزيد في شرع الله ما ليس منه، وأن نخلط شرع الله الذي أنزل به كتابه بشرع من عند غير الله - تعالى - وهذا باطل فاسد، وفساده إنما أتى من الاعتماد في الدين على غير كتاب الله الذي فصل كل شيء وأحاط بكل شيء.\nواشتمال القرآن على تفصيل كل شيء إنما هو واضح من خاتمة سورة يوسف - ﵇ - الذي وصف الله فيها القرآن بأنه \"تفصيل كل شيء\" وإذا كان القرآن فصل كل شيء، فما حاجتنا إلى السنة؟. وماذا سنفيد منها؟. كذلكم الآيات التي وصفت القرآن بأنه \"مبين\" ووصفت آياته بأنها \"آيات بينات\" فهذه تقطع السبيل على من يقولون إن السنة مبينة للقرآن ومفصلة. فهذا هو القرآن يتحدث عن نفسه في آياته القاطعات، بأنه قد اشتمل على كل شيء، وفصل كل شيء، وبين كل شيء، وبهذا يتضح أن السنة لا محل لها من التشريع، ولا حاجة إليها من بيان أو تفصيل أو توضيح.\nتفنيد الشبهة والرد عليها:","vol":"1","page":50},{"text":"إن القول بهذه الشبهة يدل على جهل بالقرآن المجيد، وعدم فهم لآياته، بل يدل على سوء قصد لدى القائلين بها. فإن الأمة مجمعة على أن القرآن العظيم قد اشتمل الدين مجملًا في كثير من جوانبه وأحكامه، ومفصلًا في جوانب أخرى، وقد جاءت السنة النبوية المطهرة فبينت المجمل وفصلته، والنبي - ﷺ - وهو يبين ويفصل إنما ينفذ أمر الله - تعالى - ويؤدي ما وكله الله - تعالى - إليه من بيان القرآن المنزل على الخلق، تطبيقًا واستجابة لأمر الله - ﷿ - في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل:٤٤) .\nفالقرآن المجيد قد اشتمل على قضايا الدين، وأصول الأحكام الشرعية، أما تفاصيل الشريعة وجزئياتها فقد فصل بعضها وأجمل جمهرتها، وإنما جاء المجمل في القرآن بناء على حكمة الله - ﷿ - التي اقتضت أن يتولى رسوله - ﷺ - تفصيل ذلك المجمل وبيانه. وهذا هو ما قام عليه واقع الإسلام، وأجمعت عليه أمته، ومن ثم فلا وزن لمن يقول بغير ذلك أو يعارضه، لأن معارضته مغالطة واضحة وبهتان عظيم، وإذا كان أصحاب هذه الشبهة يزعمون أن القرآن المجيد قد فصل كل شيء، وبين كل صغيرة وكبيرة في الدين، فلنحتكم وإياهم إلى عماد الدين الصلاة، أين في القرآن الكريم عدد الصلوات، ووقت كل صلاة ابتداء وانتهاء، وعدد ركعات كل صلاة، والسجدات في كل ركعة، وهيئاتها، وأركانها، وما يقرأ فيها، وواجباتها، وسننها، ونواقضها، إلى غير ذلك من أحكام لا يمكن أن تقام الصلاة بدونها؟ ومثل ذلك يقال في أحكام العبادات كافة، إن القرآن العظيم قد ورد فيه الأمر بالصلاة والزكاة والصيام والحج، فأين نجد منه الأنواع التي","vol":"1","page":51},{"text":"تخرج منها الزكاة، ومقدار كل نوع، وأين نجد أحكام الصيام؟ وأين نجد مناسك الحج؟ إن الله - سبحانه - قد وكل بيان ذلك إلى رسول الله - ﷺ - الذي لا ينطق عن الهوى، وجاء رسول الله - ﷺ- فقال: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\"، ولم يقل: كما تجدون في القرآن، لأن القرآن قد خلا من تفصيل الأحكام وبيانها.\nولعل من حكمة الله - سبحانه - في ترك التفاصيل والبيان لرسوله - ﷺ - أن تفصيل الأحكام وبيان جزئياتها، وتوضيح دقائقها، إنما يكون بالطريق العملي أولى وأجدى، ولو أن الأحكام فصلت قولًا نظريًا، لما استغنت عن بيان عملي واقعي.\nولعله من الحكمة وراء ذلك - أيضا - بيان ما لرسول الله - ﷺ - من منزلة سامية لا يشاركه فيها غيره، ومكانة رفيعة عالية لا يرقى إليها سواه، وذلك بإسناد الله - تعالى - تفصيل الأحكام وبيانها إليه - ﷺ -، إذ لو كان كل شيء مفصلا مبينا لكان رسول الله - ﷺ - مثل غيره من الناس مطبقًا لما هو قائم فعلًا، لكن الله - ﷿ - اختصه - ﷺ - بتفصيل الأحكام وبيان مجمل القرآن تكريمًا لشأنه وإعلاء لمنزلته، وليس ذلك أمرًا قائمًا بذاته، بل هو مبني على ما سبق أن بيناه من حِكَم.\nأما هؤلاء الذين أثاروا هذه الشبهة فقد ارتكبوا عددًا من الأخطاء. أول هذه الأخطاء أنهم لم يحاولوا أن يفهموا الموضوع في إطار القرآن الكريم","vol":"1","page":52},{"text":"كله، وإنما أخذوا آية واحدة أو آيات وركزوا كلامهم فيها، وبنوا مذهبهم الفاسد عليها، وتركوا القرآن المجيد كله بما فيه من آيات واضحات تتصل بالموضوع اتصالًا مباشرًا. ومن هنا فقد حملوا الآيات التي اختاروها ما لا تحتمل، ووجهوا معناها الوجهات الخطأ التي أرادوها هم، وليس التي تنطق بها الآيات، ومن البدهيات التي يعلمها عامة الناس - بله العلماء - أن القرآن يفسر بعضه بعضا، وأن آياته إنما يفهم بعضها في إطار البعض الآخر، وأن تفسير بعض الآيات بعيدًا عن بقية الكتاب الكريم قد يكون خطأ يؤدي إلى محظورين خطيرين، الأول: عدم فهم المراد من الآيات فهمًا صحيحًا. والثاني: أن يضرب القرآن بعضه ببعض، وأن تعارض بعض آياته بالبعض الآخر، وهذا جرم عظيم، لا يرتكبه إلا مجرم أثيم، وهؤلاء قد اعتمدوا آية أو بضع آيات من القرآن، ثم عزلوها عن بقية ما في القرآن المجيد من آيات بينات في نفس الموضوع، ثم حملوها من المعاني مالا تحتمل، عن سوء قصد وتعسف. ولعل تفنيد شبهتهم هذه يقتضينا - إلى جانب ما ذكرنا - توضيح معاني الآيات التي استدلوا بها، حتى تبطل شبهتهم هذه بتمامها. وتنهار من أساسها.\nإن عمدتهم في الاستدلال على ما ذهبوا إليه هو قول الله - ﷿: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام:٣٨)، مدعين أن هذه الآية تعني أن الكتاب الكريم قد احتوى تفصيل كل صغيرة وكبيرة وبيانها، ومن ثم فلا حاجة إلى السنة التي تبينه وتفصله، وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد بالكتاب في الآية الكريمة، إنما هو اللوح المحفوظ، وليس القرآن الكريم، وسياق الآية كاملة يرجح هذا، فالآية الكريمة كاملة: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ","vol":"1","page":53},{"text":"شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (الانعام:٣٨) فالآية تتحدث عن عظيم علم الله - تعالى - وإحاطته بكل شيء في الوجود من دواب وطيور وغيرها، وقد شمل علم الله - سبحانه - كل شيء، وقدر ما يقع لكل منها، ثم إليه يحشر الكل. وذلك كقوله - تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحديد:٢٢) . فالكتاب الذي احتوى كل شيء كان أو كائن أو يكون إنما هو اللوح المحفوظ - وعلى تفسير الكتاب بأنه القرآن الكريم، فقد قال المفسرون أن معنى الآية إن الله - تعالى - قد ضمن القرآن الكريم كل ما يحتاج إليه المكلفون من أوامر ونواه، وعقائد وشرائع، وبشارة ونذارة. إلى غير ذلك، وليس معنى ذلك أنه لا يحتاج إلى السنة المبينة له، فهو وحي، والسنة وحي، ورسول الله ﷺ لا ينطق عن الهوى، وقد قال عنه ربه - سبحانه -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم:٣-٤) . فالله - سبحانه - الذي ضمن القرآن العظيم قضايا الدين وأصول الأحكام مجملة، هو - سبحانه - الذي وجه الناس وأرشدهم إلى الطريق الذي يحصلون منه على تفصيل ذلك المجمل وبيانه، وقد جاء التوجيه في القرآن نفسه فقد قال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٣)، وقال - ﵎-: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) . وغير ذلك آيات كثيرة تأمر المؤمنين بطاعة رسول الله - ﷺ - والأخذ عنه. وبذلك يتضح معنى الآية الكريمة: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، وأن الكتاب لو فسر بأنه القرآن، فإن الله - تعالى - قد ضمنه كل شيء يحتاج إليه","vol":"1","page":54},{"text":"المكلف، فما كان فيه من تفصيل كفى، وما كان فيه من إجمال، فقد وجه القرآن المؤمنين إلى الطريق الذي يجدون فيه تفصيل ذلك المجمل، وهو رسول الله - ﷺ - وبذلك يكون القرآن المجيد قد اشتمل كل شيء، وصدق الله العظيم القائل: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ .","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>الشبهة الثانية:</span>\nهذه الشبهة تقوم على أساس ادعائهم أن السنة النبوية ليست وحيًا من قبل الله -سبحانه - على رسوله - ﷺ - ولكنه اجتهاد وتصرف من النبي - ﷺ - بمقتضى بشريته، وهو - ﷺ - بهذا الاعتبار يصيب ويخطئ، فالسنة ليست وحيًا، وبالتالي فهي ليست منزهة عن الخطأ، لأن المنزه عن الخطأ إنما هو الوحي، ولا وحي إلا القرآن المجيد. وإذا كانت أقوال الرسول - ﷺ - وأفعاله ليست وحيًا، فلسنا ملزمين باتباعها، ولا هي مصدر من مصادر التشريع. وهم يذكرون أمورًا يزعمون أنها أدلة على أن السنة ليست وحيًا، وإنما هي اجتهاد من النبي - ﷺ - باعتباره بشرًا.\nفمن أدلتهم المزعومة على ذلك، أولًا: مسألة تأبير النخل، حيث أمر النبي - ﷺ - أصحابه أن يتركوا النخل فلا يؤبِّروه - يلقحوه - فأطاعوا أمره ففسد النخل، وخسر الناس ثمار نخيلهم. وثانيًا: مسألة نزول جيش المسلمين في غزوة بدر، حيث أنزله الرسول - ﷺ - منزلًا - ثم ظهر خطأ هذا المنزل، فانتقل الجيش إلى منزل آخر بناء على رأى صحابي من أصحابه - رضوان الله عليهم - وثالثًا: مسألة","vol":"1","page":55},{"text":"أسرى بدر، حيث استحياهم الرسول - ﷺ - ولم يقتلهم، وأخذ منهم الفداء، ونزل القرآن مبينًا خطأ ذلك الاجتهاد وإصابة اجتهاد عمر ورأيه في المسألة. ورابعًا: اعتبار الصحابة - رضوان الله عليهم - أن السنة ليست وحيًا، وإقرارهم بذلك عمليًا، وذلك حين خالفوا الرسول - ﷺ - في صلح الحديبية، حين ذبح وحلق، بينما رفضوا هم ذلك معتبرين ذلك اجتهادًا من النبي، وليس وحيًا، ولو اعتبروه وحيًا ما خالفوا (١) .\nالرد على هذه الشبهة وتفنيدها:\nإن هذه الشبهة التي أوردها هؤلاء سبقهم إليها بعض الطوائف من منكري سنة النبي - ﷺ - وقد ذكرنا ما زعموه أدلة لهم على ما ذهبوا إليه، وهذه الشبهة مع ما زعموه أدلة عليها ما كان ينبغي أن تصدر عن مسلم، أو عمن يدعي أنه مسلم، فإن الأمة المسلمة مجمعة سلفًا وخلفًا وإلى أن تقوم الساعة على أن السنة النبوية المطهرة وحي من قبل الله - تعالى - على رسوله - ﷺ - وأن النبي - ﷺ - لا ينطق عن الهوى، وإجماع الأمة المسلمة على ذلك ليس صادرًا عن فراغ أو عن هوى، ولكنه الحق الذي لا يعارضه إلا غويٌّ مبين.\nوالأدلة على أن السنة وحي من الله - تعالى - على نبيه - ﷺ - كثيرة وعديدة سبق أن ذكرناها في مبحث حجية السنة، لكن لا بأس من الإشارة إلى أهمها هنا:\n_________\n(١) هذه الأمور التي زعموها أدلة على شبهتهم ورد ذكرها على ألسنة بعض أتباع \"برويز\" حين التقينا بهم \"بكراتشي\" في صيف عام ١٩٨٣م.","vol":"1","page":56},{"text":"أولًا: إخبار الله - تعالى - بذلك في نصوص قاطعة في آيات بينات من القرآن المجيد الذي ينتسب إليه هؤلاء. من ذلك قوله - ﷿ - عن النبي - ﷺ -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم:٣-٤) . ومن ذلك قوله - ﷿ - عن نبيه - ﷺ -: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (الحاقة:٤٤-٤٧) . فهذه الآيات ليس فيها إخبار بأن الرسول لا ينطق إلا بالوحي فقط، بل فيها إخبار بأنه - ﷺ - لو افترى على الله - تعالى - شيئًا لم يوحه الله إليه لقتله الله وقضى عليه. وحيث إن الله - تعالى - لم يأخذ من رسوله باليمين، ولم يقطع منه الوتين، أي لم يقض عليه، فإن الرسول - ﷺ - ما نطق إلا بما أوحاه الله - تعالى - إليه.\nثانيًا: النصوص القاطعة من كتاب الله المجيد التي يأمر الله - ﷿ - فيها المؤمنين باتباع الرسول - ﷺ - في كل ما يأخذ وما يدع، وما يأمر وما ينهى، من ذلك قول الله - ﵎: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر:٧) . وقول الله - سبحانه -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد:٣٣) .\nثالثًا: ترتيب الله - تعالى - الإيمان على طاعة رسوله - ﷺ - والرضا بحكمه، والتسليم لأمره ونهيه في كل ما يراه ويحكم به، وذلك في قول الله - ﷿ -: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى","vol":"1","page":57},{"text":"يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء:٦٥) . ومن ذلك وصف الله - تعالى - المؤمنين بأن شأنهم مع رسول الله - ﷺ - أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وذلك في قوله - سبحانه -: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور:٥١) .\nرابعًا: إجماع الأئمة كلها على أن السنة وحي من قبل الله - ﷿ - إلى رسوله - ﷺ - وبخاصة صحابة رسول الله - ﷺ ورضي الله عنهم أجمعين - حيث كانوا في حياته الشريفة يحفظون أقواله - ﷺ - ويتذاكرونها فيما بينهم، وكانوا يتحرون الاقتداء به - ﷺ - في كل ما يأتي وما يذر - فيما ليس بخصوصية له - ﷺ - مستجيبين لتوجيه الله - تعالى - في قوله لأمة الإسلام: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب:٢١) . وقد كان الذي يعرف الكتابة منهم يكتب لنفسه خاصة. وقد كان ثمة عدد من أصحاب رسول الله - ﷺ يكتبون لأنفسهم في حياته الشريفة. ثم بعد حياته - ﷺ - كانت المسألة تُعرَضُ للصحابة - رضوان الله عليهم - فيبحثون في القرآن، فإذا لم يجدوا حكمها، بحثوا في السنة الشريفة وحكموا فيها بما وردت به السنة، وكان سائلهم يسأل أصحابه وإخوانه قائلًا: أنشدكم الله هل سمع أحدكم من","vol":"1","page":58},{"text":"رسول الله - ﷺ - شيئًا في المسألة؟ فإذا جاءهم حكم رسول الله - ﷺ - على لسان أصحابه أو بعضهم سارعوا إلى تطبيقه والأخذ به.\nهذه تذكرة بالأدلة القاطعة على أن السنة وحي من عند الله - تعالى - وقد سبق أن فصلنا ذلك في مبحث سابق عن حجية السنة، بما يغني عن الإعادة هنا.\nأما ما أثاروه من مغالطات مدعين أنها أدلة على أن السنة النبوية المطهرة ليست وحيًا، فهو كلام ظاهر البطلان. ونحن نرد عليه - رغم وضوح بطلانه - إبطالًا لمزاعمهم.\n١- وأول مزاعمهم الباطلة مسألة تأبير - تلقيح - النخل. وهي مسألة ترجع إلى التجربة والخبرة ولا علاقة لها بالوحي من قريب أو من بعيد. ومن المعلوم أن الأمور التي تقوم عليها معايش الناس وحياتهم العادية لا صلة لها بالوحي إلا فيما يتصل بها من حل وحرمة وإباحة. أما كيفية مزاولتها والقيام بها، فذلك متروك للخبرة والتجربة يزاولونها حسب ما ألفوا وتعودوا. ورسول الله - ﷺ - لم تكن له سابقة خبرة بتأبير النخل، ولما رآهم يفعلون ذلك قال لهم \"لو تركتموه لصلح\" إما على هيئة الاستفهام، وإما على الاقتراح المبني على عدم التجربة. ولم يكن لذلك من صلة بالتشريع لا أمرًا ولا نهيًا. ولذلك لما تركوا تأبير النخل ولم يصلح، وحدثوا رسول الله - ﷺ - في ذلك، قال لهم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) .","vol":"1","page":59},{"text":"٢- وأما ما أثاروه من منزل جيش المسلمين في غزوة بدر، فقد كان ذلك بناء على رأي رآه رسول الله - ﷺ - ولم يكن ذلك عن وحي، وهذا بيِّن واضح، فإنه لما سأله أحد أصحابه - ﵃ - قائلًا: \"أهذا منزل أنزلكه الله يا رسول الله، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال رسول الله - ﷺ - \"بل هو الرأي والحرب والمكيدة\"، ولما أشار عليه صاحبه بمنزل أفضل انتقل اليه رسول الله - ﷺ - فكون ذلك ليس عن وحي واضح. فلا يصح الاستشهاد به في مجال نفي الوحي فيما هو وحي.\n٣- وأما مسألة الأسرى في بدر، فهي قد جمعت بين الرأي والوحي. فقد كان الرأي أولًا، ثم أعقبه الوحي بعد ذلك. وقضية الأسرى ببدر توضح لنا أمرًا هامًا قد لا يتوفر في كثير غيرها من قضايا التشريع. فرسول الله - ﷺ - أخذ في أسرى بدر بالرأي، فاستشار أصحابه - رضوان الله عليهم-، فكل أدلى برأيه، ثم مال رسول الله - ﷺ - إلى الرأي القائل باستحيائهم وأخذ الفداء منهم، وكان هذا رأي أبي بكر - ﵁ - وكان رأي عمر - ﵁ - أن يقتل الأسرى جميعا - وبعد أن استقر الأمر على ذلك نزل الوحي على رسول الله - ﷺ - يبين ما كان ينبغي أن يفعل في مسألة الأسرى، ويبين الصواب في القضية. يقول الله - سبحانه - في شأن فعل الرسول في أسرى بدر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي","vol":"1","page":60},{"text":"الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الأنفال:٦٧-٦٩) .\nفقضية الأسرى بدأت بالرأي، ثم انتهت بالوحي. وهذه القضية بجملتها شاهدة على أن الرسول - ﷺ - لا يقول ولا يفعل - فيما يتصل بالدين - إلا بوحي من عند الله - سبحانه - وأن الله - سبحانه - لا يدع رسوله - ﷺ - على غير صواب، حتى في حالة تصرفه برأيه واجتهاده وذلكم هو الأمر الهام الذي نَوَّهنا به قبلا، وخلاصته أن قول الرسول - ﷺ - وفعله في أمور الدين وحي، حتى ولو قال برأيه. لأنه إن قال أو فعل برأيه وكان صوابًا موافقا لأمر الله أقره الله - تعالى - على ذلك. وكان إقرار الله - سبحانه - له دليلًا على موافقة عمله لمراد الله - تعالى - فيكون وحيًا، وإن كان اجتهاد الرسول - ﷺ - ليس صوابًا موافقًا لمراد الله - سبحانه - فإن الله - تعالى - لا يقره على ما قال أو فعل اجتهادًا، بل يصوب له ويصحح. وذلك كما حدث في أسرى بدر. حيث نزل فيها القرآن مصوبًا، وكما حدث في أوائل سورة “ عبس “ حيث نزل القرآن معاتبًا. وهكذا يتضح أن واقعة أسرى بدر شاهدة بأن السنة وحي من عند الله تعالى -، وأن الله - سبحانه - يحيط أقوال وأفعال رسوله بالوحي حتى ولو اجتهد برأيه.\nوفيصل الأمر في القضايا الثلاث التي أثاروها شبهة من شبهاتهم ظانين أنها دليل على أن السنة النبوية ليست وحيًا، أن ما يصدر عن الرسول -","vol":"1","page":61},{"text":"ﷺ – نوعان: نوع يفعله بمقتضى بشريته - ﷺ - دون أن يوحى إليه فيه بشيء، وهذا النوع لا صلة له بالتشريع، وذلك في جل شؤونه المعيشية التي لا يتعلق شيء منها بالدين حلًا أو حرمة ومن ذلك رأيه في تأبير النخل. ونوع آخر يفعله - ﷺ - بمقتضى كونه بشرا رسولًا، وفعله هذا إنما يقوم على وحي من قبل الله - تعالى. والأمران الأولان: تأبير النخل، ومنزل الجيش في بدر، من النوع الأول الذي فعله رسول الله - ﷺ - برأيه. والأمر الثالث اجتهد فيه الرسول - ﷺ - رأيه وآراء محل مشورته من الصحابة - رضوان الله عليهم - فنزل الوحي مصوبًا ومبينًا الحكم الصحيح.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>الشبهة الثالثة:</span>\nخلاصة هذه الشبهة قولهم: إن السنة لم تكن شرعًا عند النبي - ﷺ-، ولم يقصد النبي - ﷺ - أن تكون سنته مصدرًا تشريعيًا للدين، وما قال شيئًا أو فعله بقصد التشريع، ولم يرد النبي - ﷺ - في حياته أن يكون ثمة مصدر تشريعي سوى القرآن المجيد. بل كان مصدر التشريع عند الرسول - ﷺ - هو القرآن وحده، وكذلك فهم الصحابة - رضوان الله عليهم - وجاء عهد التابعين الذين بدأت فيه فتنة القول بالسنة، وأنها مصدر من مصادر التشريع، وكانت تلك قاصمة الظهر بالنسبة للدين، حيث دخل فيه ما ليس منه، واختلط بالوحي الصحيح الخالص الذي هو القرآن، ما ليس من الوحي بل هو كلام البشر، نعني بذلك سنة النبي.","vol":"1","page":62},{"text":"وهم يزعمون أن لهم أدلة على ذلك. منها:\n١- أن النبي - ﷺ - قد أمر أصحابه بكتابة القرآن الكريم، وحضهم على ذلك، ونهى أصحابه عن كتابة شيء من السنة قولًا كانت أو فعلا، وذلك قوله - ﷺ -: (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) (١) .\n٢- أن الصحابة - رضوان عليهم - عرفوا من النبي ﷺ أن السنة ليست شرعًا فأهملوا كتابتها وحفظها، رغم اهتمامهم الشديد بكتابة القرآن المجيد على كل ما يصلح أن يُكْتب عليه.\n٣- أن كبار الصحابة - رضوان الله عليهم - ومنهم الخلفاء الراشدون - كانوا يكرهون رواية الأحاديث، ويحذرون منها، وكان عمر - ﵁ - يهدد رواة الحديث ويتوعدهم، وقد حبس عمر بن الخطاب عددًا من الصحابة بسبب روايتهم للحديث تنفيذًا لوعيده وتهديده إياهم بعدم رواية الحديث.\nالرد على الشبهة وتفنيدها:\nهذه شبهتهم، وتلك أدلتهم عليها، والشبهة ساقطة، وأدلتها أشد منها سقوطا وافتراء. فالأمة المسلمة مجمعة سلفًا وخلفًا وحتى قيام الساعة - بحول الله تعالى - على أن سنة النبي - ﷺ - هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي. وقد أقمنا الأدلة وافية - بفضل الله - على أن السنة وحي من الله - سبحانه - على رسوله - ﷺ - وكون السنة وحيا من عند الله - تعالى - قاطع وكاف بذاته على أنها شرع\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الزهد، باب التثبت في الحديث ١٨/١٢٩.","vol":"1","page":63},{"text":"الله - تعالى - إلى الناس، فهي المصدر الثاني للتشريع بلا ريب. ولكنا نزيد الأمر وضوحًا، ونرد على ما زعموه أدلة على شبهتهم تلك.\n١- أما قولهم بأن الرسول - ﷺ - نهى عن كتابة الحديث، بينما حضَّ على كتابة القرآن وحفظه، وكان له - ﷺ - كتبة القرآن، فقول مبالغ فيه، ويقوم على التدليس وذكر بعض الحق وإخفاء البعض. وليس من شك في أن القرآن المجيد قد لقي من العناية بكتابته وحفظه ما لم يكن للسنة النبوية. فهو مصدر الدين الأول، وهو أعلى من السنة منزلة وقداسة، وهو أحق بالعناية والاهتمام بكتابته وحفظه، لذلك حظي القرآن من العناية بما لم تحظ به السنة وبخاصة تدوينها وكتابتها. والأسباب التي جعلت الصحابة يهتمون بكتابة القرآن فوق اهتمامهم بكتابة السنة كثيرة. منها: أن القرآن الكريم محدود بحدود ما ينزل به جبريل على قلب النبي - ﷺ - فكتابته والإحاطة به أيسر، وهم على ذلك أقدر، أما السنة النبوية من أقوال الرسول - ﷺ - وأفعاله فكثيرة ومتشعبة تتضمن أقواله - ﵇ - وأفعاله اليومية، وعلى مدى ثلاث وعشرين سنة عاشها - ﷺ - بينهم، وهذا أمر يشق كتابته وتدوينه، وبخاصة إذا أخذنا في الاعتبار ندرة أو قلة الكاتبين بين الصحابة - رضوان الله عليهم - ومنها: أن كتابة القرآن ضرورة يفرضها ويحتمها كون القرآن العظيم وحي الله - تعالى - إلى النبي - ﷺ - بلفظه ومعناه، ولا تجوز روايته بالمعنى، أما السنة فتجوز روايتها بالمعنى، ويجوز في السنة أن يقول القائل: \"أو كما قال\" وما هو من قبيلها، وليس ذلك جائزًا في القرآن. ومنها: أن الكاتبين بين الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا قلة، وليس في مقدورهم أن يكتبوا السنة والقرآن معًا، وإذا","vol":"1","page":64},{"text":"كان ثمة اختيار بين أيهما يكتب الصحابة العارفون الكتابة، فليكن المكتوب هو القرآن، وذلك حتى يسلموه لمن بعدهم محررًا مضبوطًا تامًا لم يزد فيه ولم ينقص منه حرف.\nوأما احتجاجهم بأن الرسول - ﷺ - نهى عن كتابة غير القرآن، وغير القرآن هو السنة. فهو احتجاج باطل من وجوه. أولها: أن هذا الحديث الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري، وهو قول الرسول - ﷺ -: \"لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه\". هذا الحديث معلول \"أعله أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله البخاري وغيره بالوقف على أبي سعيد. ولو صرفنا نظرًا عن هذا، فإن رسول الله - ﷺ - كما نهى عن الكتابة، فقد ورد عنه - ﷺ - الإذن بها، بل الأمر بها في أحاديث أخر، ولذلك قلنا إن استدلالهم فيه تدليس، حيث ذكروا حديث النهي، ولم يشيروا إلى أحاديث الإذن وهي كثيرة. منها: أن رسول الله ﷺ خطب يوم الفتح فقال \"إن الله حبس عن مكة القتل - أو الفيل الشك من البخاري - وسلط عليهم رسول الله والمؤمنون....\" ولما انتهى من خطبته جاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول الله فقال رسول الله – ﷺ: \"اكتبوا لأبي شاة\". (١) . ومنها: ما روي عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: \"ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله - ﷺ - مني إلا عبد الله بن عمرو فقد كان يكتب ولا أكتب\" (٢) . ومن\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم ١/٣٠٩.\n(٢) رواه البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم ١/٣١٣ برقم ١١٣ ولفظ البخاري: ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا كان من عبد الله بن عمر.","vol":"1","page":65},{"text":"ذلك ما روي عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - أن بعض الصحابة حدثه فقال: إنك تكتب عن رسول الله كل ما يقول ورسول الله ﷺ - بشر يغضب فيقول ما لا يكون شرعًا، فرجع عبد الله إلى رسول الله - ﷺ - فأخبره بما قيل له، فقال له الرسول - ﷺ: \"اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج من فمي إلا الحق\" (١) . وهذه الروايات في الصحيح، وهناك غيرها ضعيف وهي كثيرة. فإذا ما وازنا بين روايات المنع وروايات الإذن، \"وجدنا أبا بكر الخطيب - ﵀ - (ت٤٦٣هـ) قد جمع روايات المنع فلم يصح منها إلا حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - السابق ذكره، وقد بينا أن الإمام أبا عبد الله البخاري قد أعله بالوقف على أبي سعيد، وكذلك فعل غيره\" (٢) . بينما أحاديث الإذن كثيرة. والصحيح منها كثير، روينا بعضه، ومنها: إضافة إلى ما سبق أن رسول الله - ﷺ - قال في مرض موته: \"ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده\" (٣) .\nوقد اجتهد العلماء في الجمع بين أحاديث الإذن وأحاديث المنع، فنتج عن ذلك آراء أهمها:\nأ- أن ذلك من منسوخ السنة بالسنة. أي أن المنع جاء أولًا، ثم نسخ بالإذن في الكتابة بعد ذلك. وإلى ذلك ذهب جمهرة العلماء، ومنهم\n_________\n(١) رواه أبو داود، كتاب العلم، باب كتابة العلم، ١٠/٧٩، برقم ٣٦٢٩، وأحمد ٢/١٦٢، والدارمي في المقدمة باب ٤٣.\n(٢) تدوين السنة. د. محمد مطر الزهراني: ٧٦.\n(٣) رواه البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم ١/٣١٥، برقم ١١٤.","vol":"1","page":66},{"text":"ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث، وقد قالوا إن النهي جاء أولًا خشية التباس القرآن بالسنة، فلما أمن الالتباس جاء الإذن.\nب- أن النهي لم يكن مطلقًا، بل كان عن كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة. أما في صحيفتين فمأذون به.\nج- أن الإذن جاء لبعض الصحابة الذين كانوا يكتبون لأنفسهم، ويؤمن عليهم الخلط بين القرآن والسنة.\nوهناك آراء غير ذلك، لكن الذي يتضح من روايات المنع وروايات الإذن أن الإذن جاء آخرًا، فإن كان نسخ فهو الناسخ للمنع. وهذا الذي رواه الجمهور (١) . وبهذا يسقط استدلالهم بحديث المنع الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - هذا الحديث الذي يعدونه حجر الزاوية في احتجاجهم بعدم تشريعية أو حجية السنة، ويكثرون اللجاج به كتابة ومناظرة (٢) .\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث ابن قتيبة، السنة ومكانتها من التشريع: ٦١، تدوين السنة: ٧٦.\n(٢) حضرت العديد من جلسات المناظرة التي عقدت بيننا وبين أتباع \"برويز\" وذلك بمدينة \"كراتشي\" بباكستان. فكان احتجاجهم يقوم على هذا الحديث. وكثيرًا ما كانوا يرددون: \"صاحب السنة نهاكم عن كتابتها، وأقر هو بأنها لا تستحق أن تكتب، فهل أنتم حريصون على السنة أكثر من صاحبها؟ \" ومن طبعهم أنك مهما جئتهم بحجة، فإنهم لا يستمعون، أو كأنهم لا يسمعون، ويظلون يرددون ما لديهم مهما ظهر تهافته وفساده حتى ييئس المناظر وهنا يرفعون أصواتهم بالصياح والشماتة، وكأنهم انتصروا فيخيل للحاضرين -وجمهرتهم ممن لا يعرف العربية- أن \"البرويزيين\" انتصروا على المسلمين. فيشاركون بأصواتهم هم الآخرين. والمناظرون منهم يحرصون على أن يأتوا معهم بكثير من الأتباع على قدر ما يسمح المكان. لأن اعتمادهم على الضجيج والغوغائية أمر أساس عندهم.","vol":"1","page":67},{"text":"٢- أما قولهم إن الصحابة - رضوان الله عليهم - قد فهموا من النبي - ﷺ - أن السنة ليست شرعًا فانصرفوا عنها، ولم يهتموا بكتابتها أو الالتزام بها، فهذا من الكذب والمكابرة، والمطلع على المدونات في كتب السنة، وتاريخ العلوم، وما كتب العلماء في مواقف الأمة المسلمة من سنة رسول الله - ﷺ - وبخاصة موقف الصحابة - رضوان الله عليهم - من سنة رسول الله – ﷺ - يقطع بكذب هؤلاء ويعجب من مدى تبجحهم وافترائهم على الحق، إلى حد قلب الأوضاع وعكس الأمور. فقد كان أصحاب رسول الله - ﷺ - أحرص الخلق على ملاحظة أقوال رسول الله - ﷺ - وأفعاله وحفظها، والعمل بها، بل بلغ من حرصهم على تتبع كل صغيرة وكبيرة وحفظها ووعيها والعمل بها أن كانوا يتناوبون ملازمة رسول الله - ﷺ - فهذا عمر بن الخطاب - ﵁ - يحدث عنه البخاري بسنده المتصل إليه. يقول: \"كنت وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد - من عوالي المدينة - وكنا نتناوب النزول على رسول الله - ﷺ - ينزل يومًا، وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم، وإذا نزل فعل مثل ذلك\" (١) وما كان ذلك إلا لحرصهم الشديد على معرفة سنة رسول الله - ﷺ - واتباعها والالتزام بها. وقد كان الصحابة يقطعون المسافات الطويلة ليسألوا رسول الله - ﷺ - عن حكم الله في بعض ما يعرض لهم. يروي البخاري\n_________\n(١) أخرجه البخاري. كتاب العلم، باب التناوب في العلم ١/٢٨٦، برقم ٨٩.","vol":"1","page":68},{"text":"عن عقبة بن الحارث - ﵁ - أن امرأة أخبرته أنها أرضعته هو وزوجه فركب من فوره من مكة إلى رسول الله - ﷺ - بالمدينة. فلما بلغ رسول الله - ﷺ - سأله عن حكم الله فيمن تزوج امرأة لا يعلم أنها أخته من الرضاع، ثم أخبرته بذلك من أرضعتهما؟ فقال له النبي - ﷺ - \"كيف وقد قيل؟ \" ففارق زوجه لوقته وتزوجت بغيره.\nوكان الصحابة - ﵃ - حريصين على أن يسألوا أزواج النبي - رضوان الله عليهن - عن سيرته وسنته في بيته، وكانت النساء يذهبن إلى بيوت أزواج النبي يسألنهن عما يعرض لهن، وهذا معروف مشتهر غني عن ذكر شاهد أو مثال.\nبل لقد بلغ من حرص الصحابة - رضوان الله عليهم - على الالتزام بسنة النبي - ﷺ - أنهم كانوا يلتزمون ما يفعل ويتركون ما يترك دون أن يعرفوا لذلك حكمة، ودون أن يسألوا عن ذلك، ثقة منهم بأن فعله - ﷺ - وحي. فقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر - ﵄ - قال: \"اتخذ رسول الله - ﷺ - خاتمًا من ذهب فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، ثم نبذه النبي - ﷺ - وقال: \"إني لن ألبسه أبدًا\" فنبذ الناس خواتيمهم\" (١) .\nوروى القاضي عياض في كتابه \"الشفا\" عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: \"بينما رسول الله - ﷺ - يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعها عن يساره، فلما رأى القوم ذلك ألقوا نعالهم،\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بأفعال النبي ﷺ ٢٨/٣٦ برقم ٧٢٩٨.","vol":"1","page":69},{"text":"فلما قضى صلاته قال: \"ما حملكم على إلقاء نعالكم\"؟ قالوا: يا رسول الله رأيناك ألقيت نعليك، فقال: \"إن جبريل أخبرني أن فيهما قذرا\" (١) .\nوأورد ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله \"عن ابن مسعود - ﵁ \"أنه جاء يوم الجمعة والنبي - ﷺ - يخطب، فسمعه يقول: \"اجلسوا\" فجلس بباب المسجد - أي حيث سمع النبي يقول ذلك - فرآه النبي - ﷺ - فقال: تعال يا عبد الله بن مسعود\" (٢) .\nإلى هذا الحد بلغ حرص الصحابة - رضوان الله عليهم - على معرفة سنة النبي - ﷺ - في جميع أحواله، والالتزام بها، والاستجابة لأمره ونهيه من فورهم - كما فعل عبد الله بن مسعود - ومن غير أن يدركوا حكمة الفعل - كما في إلقائهم نعالهم في الصلاة، ونبذهم خواتيم الذهب - ولم يكن ذلك إلا استجابة لله - تعالى - في أمره بطاعة رسوله - ﷺ - والاقتداء به كما في قوله - ﷿ – ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: ٢١) . ثم استجابة لرسوله - ﷺ - في أمره الأمة بإتباع سنته والالتزام بها، كما في قوله - ﷺ -: \"خذوا عني مناسككم\" (٣) . وقوله - ﵊ -:\n_________\n(١) رواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعل ٢/٣٥٣ برقم ٦٣٦، وأحمد ١/٤٦١، والدارمي في الصلاة ١٠٣.\n(٢) رواه أبو داود. وابن عبد البر في جامع بيان العلم.\n(٣) رواه النسائي ٥/٢٧٠ كتاب مناسك الحج، الركوب إلى الجمار واستظلال المحرم، وأحمد ٣/٣١٨.","vol":"1","page":70},{"text":"\"صلوا كما رأيتموني أصلي\" (١) . وقوله - ﷺ -: \"كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى\" قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: \"من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى\" (٢) . وقوله - ﷺ - \"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدًا حبشيًا فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة\" (٣) .\nهذا قليل من كثير مما يبين موقف الصحابة - رضوان الله عليهم - من سنة رسول الله - ﷺ - وهو موقف يتسم بالحرص الشديد والاهتمام البالغ على معرفة سنة رسول الله - ﷺ - وحفظها والالتزام بها، بل وتبليغها إلى من يسمعها استجابة لقول رسول الله - ﷺ - \"نضر الله امرأ سمع مقالتي ووعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلَّغ أوعى من سامع\" (٤) .\nومن هذا يتبين مدى كذب أعداء السنة وأعداء الله ورسوله في ادعائهم الذي سلف ذكره.\n_________\n(١) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافرين، ٣/٣١٥، برقم ٣٦١.\n(٢) رواه البخاري، كتاب الاعتصام ٢٨/١٢، برقم ٧٢٨٠، وأحمد ٣/٢٦١.\n(٣) أخرجه أبو داود، كتاب العلم، باب كتابة العلم ١٠/٧٩ برقم ٣٦٢٩، وأحمد ٢/١٦٢، والدارمي باب رقم ٤٣.\n(٤) رواه أبو داود، كتاب العلم، باب فضل نشر العلم ١٠/٩٥، برقم ٣٦٤٣، وأحمد ١/٣٧، والترمذي في العلم باب ٧، وابن ماجة في المقدمة باب ١٨، والدارمي في المقدمة ٢٤.","vol":"1","page":71},{"text":"٣- وأما دعواهم بأن كبار الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يكرهون رواية الحديث، وكان عمر - ﵁ - (١) يتهدد رواة السنة، وأنه نفذ وعيده فحبس ثلاثة من الصحابة بسبب إكثارهم من رواية السنة، فهذا كذب يضاف إلى ما سبق من دعاواهم الكاذبة، وفيه جانب من التدليس الذي لا يخلو عنه كلامهم.\nأما أن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يكرهون رواية الحديث، فهذا باطل، والحق أنهم كانوا يخشون روايتها ويهابون من ذلك، لعظم المسؤولية، ووعيد رسول الله - ﷺ - على من يكذب عليه. في قوله - ﵇ - \"من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\" (٢) . ولقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم - بين أمرين هم حريصون على كل منهما، أولهما: تبليغ دين الله إلى من يليهم من الأمة، ثانيهما: التثبت والتحري الشديد لكل ما يبلغونه عن رسول الله - ﷺ - لذلك كان الواحد منهم يمتقع وجهه، وتأخذه الرهبة وهو يروي عن رسول الله - ﷺ - فالصواب - إذن - أن الصحابة كانوا يهابون رواية الحديث بسبب شدة خوفهم من الكذب على رسول الله - ﷺ - أو الخطأ فيما يروون. وليس كما يزعم\n_________\n(١) ذكر بعض \"البرويزين\" أثناء حديث له معنا: \"أن الخليفة عمر - ﵁ - هو زعيم \"القرآنيين\"، وأن جميع الصحابة كانوا كذلك إلا من كانوا يتكسبون برواية الأحاديث، ويسعون لتكوين مركز لهم متميز بين الأمة عن طريق الإكثار من رواية الأحاديث \" قال - فض الله فاه -: \"وهؤلاء هم سبب فساد الدين وضلال الأمة\".\n(٢) رواه البخاري، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي ﷺ حديث رقم ١٠٦.","vol":"1","page":72},{"text":"هؤلاء، أن ذلك لأنهم كانوا يرون السنة غير شرعية، أو أنها ليست مصدرًا تشريعيًا.\nأما دعوى حبس عمر - ﵁ - ثلاثة من أصحابه هم: عبد الله بن مسعود، وأبو ذر، وأبو الدرداء - ﵃ - فهذه رواية ملفقة كاذبة، جرت على الألسنة، وقد ذكرها البعض كما تجري على الألسنة وتدون في كتب الموضوعات من الأحاديث والوقائع، فليس كل ما تجري به الألسنة أو تتضمنه بعض الكتب صحيحًا، وقد تولى تمحيص هذه الدعوى الكاذبة الإمام \"ابن حزم\" - ﵀ - في كتابه: \"الإحكام\" فقال: \"وروي عن عمر أنه حبس ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا ذر من أجل الحديث عن رسول الله - ﷺ - وبعد أن طعن ابن حزم في الرواية بالانقطاع محصها شرعًا فقال: \"إن الخبر في نفسه ظاهر الكذب والتوليد، لأنه لا يخلو: إما أن يكون عمر اتهم الصحابة، وفي هذا ما فيه. أو يكون نهى عن نفس الحديث وتبليغ السنة وألزمهم كتمانها وعدم تبليغها، وهذا خروج عن الإسلام، وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك، وهذا قول لا يقول به مسلم، ولئن كان حبسهم وهم غير متهمين فلقد ظلمهم، فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات أي الطريقين الخبيثين شاء\" (١) .\nهكذا يتضح كذب ادعائهم وفساد ما بنوه على هذا الادعاء.\n_________\n(١) ابن حزم. الإحكام ٢: ١٩٣. وراجع في ذلك: السنة ومكانتها من التشريع: ٦٦.","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>الشبهة الرابعة:</span>\nخلاصة شبهتهم هذه، أن الإسلام جاء يدعو إلى أمة واحدة تحت راية كتاب الله القرآن - يقول الله - تعالى - ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء:٩٢) . وقد جاهد رسول الله - ﷺ - طوال حياته الشريفة لتحقيق هذه الغاية، حتى نجح في ذلك بفضل اعتماده القرآن وحده، وترك الأمة على ذلك. وقد ظلت الأمة واحدة طالما كانت تحت راية القرآن وحده. حتى جاءت المؤامرة التي قام بها مدونو كتب السنة. حيث تسببوا بتدوين السنة، والدعوة إليها، وشغل الناس بها إلى تفريق الأمة، وقد جاء الفقهاء فبنوا على السنة، فازدادت الأمة افتراقًا، ولو أن الأمة تركت السنة وعادت إلى القرآن وحده لخرجت من فرقتها، وعادت إليها وحدتها وعزتها وأخذت مكانتها بين الأمم المتقدمة.\nولأن السنة هي سبب تفرق الأمة وتصدع وحدتها، فلم يقم بها، ولم يشتهر بالتدوين فيها عربي واحد، بل كان جميع المشتغلين بالسنة من أهل فارس، وبخاصة الكتب الستة، فإن الذين دونوها وشغلوا الناس بها من الفرس الحاقدين على الإسلام، وقد وضعوا كتبهم للكيد للإسلام وتصديع وحدة الأمة المسلمة، فتدوين كتب السنة - إذن - كان مؤامرة فارسية سقطت في أتونها الأمة المسلمة، يقول \"عبد الله جكرالوي\" \"لا ترتفع الفرقة والتشتت عن المسلمين، ولن يجمعهم لواء ولا يضمهم فكر واحد، ما داموا مستمسكين بروايات زيد وعمرو\" (١) . ويقول \"حشمت علي\" \"لن تتحقق وحدة\n_________\n(١) القرآنيون: ٢٣٨.","vol":"1","page":74},{"text":"المسلمين ما لم يتركوا كتبهم الموضوعة في طاعة رسول الله\" (١)، ويقول \"برويز\" \"قد فاق تقديس هذه الكتب - كتب السنة - كل التصورات البشرية، مع أنها جزء من مؤامرة أعجمية، استهدفت النيل من الإسلام وأهله، ثم يفسر تلك المؤامرة ويبين القائمين بها فيقول\" فما أصحاب الصحاح الستة إلا جزء من تلك المؤامرة، لذا نجدهم جميعًا إيرانيين، لا وجود لساكن الجزيرة بينهم\" (٢) .\nالرد على الشبهة وتفنيدها:\nإن هذه الشبهة تذكرنا بالمثل: \"رمتني بدائها وانسلت\". أو ما يقول علماء النفس عن داء \"الإسقاط\" وهو داء نفسي يبتلى به بعض الناس المصابين بنقائص معينة، فحتى يبرئ نفسه منها يسارع فيسقطها على الآخرين ويتهمهم بها. فهؤلاء أعداء السنة، وأعداء الدين، وأعداء أمة المسلمين، هم الذين خرجوا على إجماع الأمة، ومن قبل ذلك خرجوا على القرآن المجيد كتاب الله الذين ينسبون أنفسهم إليه ظلمًا وزورا، وخرجوا على سنة رسول الله - ﷺ - فهم أعداء الله ورسوله والمؤمنين، وأعداء القرآن والسنة، فهؤلاء هم الذين صدعوا وحدة الإسلام والأمة، وفرقوا كلمتها، وخرجوا على جماعتها. هؤلاء يأتون فيرمون أهل السنة، أهل الإسلام، جماعة المسلمين بأنهم هم الذين فرقوا الأمة. وهؤلاء الذين خرجوا على جماعة المسلمين برفضهم السنة النبوية، يرمون الأمة المسلمة بأنها خرجت عليهم وفرقت المسلمين بتمسكهم بالسنة النبوية المطهرة. فهل يوجد ثمة\n_________\n(١) القرآنيون: ٢٣٨.\n(٢) القرآنيون: ٢٣٨.","vol":"1","page":75},{"text":"تبجح وادعاء، ومكابرة، وقلب للأوضاع، ورمي للأبرياء بما فيهم من أدواء، كمثل هذا الذي فعله منكرو السنة في شبهتهم هذه؟ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (النور:١٦) .\nثم إن هؤلاء الذين يتهمون المسلمين المتمسكين بالسنة النبوية بأنهم تفرقوا بسبب استمساكهم بالسنة، وعدم اقتصارهم على القرآن وحده، وقد زعموا أنهم مقتصرون على القرآن وحده طلبًا لوحدة الأمة، نقول: هل أفلح هؤلاء في أن يكونوا فريقا واحدا؟ إنهم بعد أن تركوا السنة طلبا للوحدة - كما يزعمون زورًا - تحولوا فيما بينهم إلى طوائف وفرق، وكل فرقة تحاول أن تنتشر على حساب الأخرى، وتستقطب أتباع الأخرى، لِمَ لم يتوحدوا هم في فرقة واحدة إذا كان مطلبهم الوحدة؟\nإننا حين سمعنا بهم ونحن بإسلام أباد بباكستان، كنا نظنهم فرقة واحدة، وظل ذلك ظنا لدينا حتى اجتمعنا ببعضهم \"بكراتشي\" وبعد أن انفض الاجتماع وكنا نستعد للسفر إلى مدينة \"هاري بور\" للقاء \"بير عبد الدايم\" زعيم \"البريلويين\" هناك للنظر في عقائد هؤلاء الناس، فوجئنا بمضيفنا يقول: هناك طائفة أخرى يمكن أن تجتمعوا ببعض رؤسائها إذا انتظرتم إلى الغد. فعرفنا أنهم طوائف. ثم إنهم ينعون على الأمة المسلمة المذاهب الفقهية، ويسمون ذلك تفرقًا وتشتتًا، فهل أفلحوا هم في أن يكونوا مذهبًا واحدًا في الفقه؟ \"لنأخذ الصلاة مثالًا للواقع الملموس بينهم، فمن قائل بأدائها خمسًا، وآخر أربعًا وثالث ثلاثا والرابع مرتين في اليوم والليلة، وكل","vol":"1","page":76},{"text":"صاحب رأي من هذه الآراء يزعم أنها صلاة القرآن، وأما اختلافهم في جزئياتها من حيث عدد الركعات والهيئة فحدث عنه ولا حرج\" (١) .\nأما الزعم بأن كل الذين دونوا السنة وجمعوها وميزوها من الأعاجم المتآمرين على أمة الإسلام فذلك كذب صراح وافتراء بواح في شقيه، في الزعم بأن مدوني السنة جميعهم عجم، وفي الزعم بأن التدوين كان مؤامرة.\nأما الشق الأول فيكذبه الواقع، فإن أول من دون السنة وجمعها كانوا عربا صرحاء، فقد بدأ الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة - ﵀ - وذلك في موطَّئه. وجاء بعده الحميدي القرشي في مسنده، وجاء بقية السلف الصالح في عصره الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، وهكذا تتابع التدوين، وهؤلاء الأوائل جميعهم عرب صرحاء. أما عن الكتب الستة، فدعواهم أن واضعيها من العجم كذب وافتراء. فالإمام مسلم والإمام الترمذي والإمام أبو داود جميعهم من العرب، فكيف يقال إنهم من العجم؟ وإنهم صنعوا بذلك مؤامرة على المسلمين؟\nإن هؤلاء يقلبون الأوضاع، ويعكسون الأمور، ويرمون الأبرياء بما هم فيه من بلاء، فمن هم الذين يتآمرون على الإسلام والمسلمين؟ ومن هم الذين فارقوا الجماعة، وفرقوا الأمة؟ هل هؤلاء هم البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه؟ هؤلاء الأئمة الأعلام الذين حفظ الله بهم دينه، وذلك بحفظهم وحفاظهم سنة رسوله - ﷺ - إن هؤلاء هم الذين - حفظ الله - بهم دينه، وعصم الله - تعالى - بهم الأمة عن التفرق والشتات، إن المرء ليعجب كيف يصل التبجج والافتراء إلى مستوى\n_________\n(١) القرآنيون: ٢٣٩.","vol":"1","page":77},{"text":"يتهم فيه عاقل - حتى ولو لم يكن مسلمًا - إمامًا كالبخاري أو مسلم بأنه فرق الأمة وتآمر على الإسلام (١) .\nإن الواقع الملموس يبين أن هؤلاء الكافرين بسنة رسول الله - ﷺ - الخارجين عن طاعة الله - تعالى - وطاعة رسوله - ﷺ - هم المتآمرون على الإسلام، المفرقون أمة المسلمين، المارقون من الدين، الشاذُّون عن الجماعة.\n_________\n(١) كان كثير ممن نتحدث معهم من \"البرويزيين\" منكري السنة يقع في الإمام البخاري تحديدًا، وكانوا كلما رأوا ضيقنا وألمنا من هذا ازدادوا وقوعًا فيهم، وكان يقول قائلهم - فض الله فاه -: \"ما أفسد الدين إلا هذا الرجل\". وهذه العبارة بعينها ومثلها كثير قرأته بعد ذلك في كتاب بعنوان \"لماذا القرآن وحده\"","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>الشبهة الخامسة:</span>\nوهذه الشبهة ليست من إنشائهم، بل قال بها بعض منكري السنة السابقين، وبخاصة هؤلاء الذين اتخذوا من الاعتزال ستارًا يخفون وراءه زندقتهم، ثم يهاجمون الإسلام، من أمثال النظام وبشر المريسي وغيرهم.\nوهذه الشبهة تقوم عندهم على الزعم بأن الاحتكام إلى السنة والالتزام بها مؤدّ إلى الشرك والكفر. فإن الاسلام يقوم على أن الحاكم هو الله وحده، وأن الحكم له وحده - سبحانه - يقول - تعالى -: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (الأنعام:٥٧ ويوسف:٤٠،٦٧) . ويقول - ﷿ -: ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (الأنعام:٦٢) . وإذا كان الإسلام يقوم على أن الحكم لا يكون إلا لله - سبحانه -، فإن الاحتكام إلى سنة رسول الله - ﷺ - فيه إشراك الرسول - ﷺ - في الحكم مع الله - سبحانه -","vol":"1","page":78},{"text":"وذلك كفر وشرك. ولا خروج من ذلك الشرك والكفر إلا بالاحتكام إلى كتاب الله القرآن وحده، ونبذ السنة وعدم اعتبارها.\nالرد على الشبهة وتفنيدها:\nهذه الشبهة تقوم على أمرين فرغنا من الحديث عنهما:\nالأمر الأول: أن السنة ليست وحيًا من عند الله - تعالى - وبالتالي فليست شرعًا يحتكم الناس إليه.\nالأمر الثاني: أن طاعة الرسول - ﷺ - ليست من طاعة الله - سبحانه - بل بين طاعة الرسول وطاعة الله تعارض وتضارب، بحيث تكون طاعة الرسول نقضًا لطاعة الله - تعالى - وبذلك يتحقق كونها عندهم شركا بالله.\nوهذان الأمران قد سبق أن أوفينا الكلام فيهما. حيث أثبتنا أن السنة النبوية وحي من عند الله - سبحانه - إلى النبي - ﷺ - وأن الرسول - ﷺ - لا ينطق إلا بوحي الله - تعالى - ويكفي هنا أن نذكر بقول الله - ﷿ - في حق رسوله - ﷺ -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم:٣-٤) . وكذلك قد بينا أن السنة شرع الله - سبحانه - كما أن القرآن شرع الله - ﷿ - وقد بينا - آنفًا - أن السنة بمنزلة القرآن من حيث حجية التشريع ومصدريته ويكفي - كذلك - أن نذكر هنا بقول الله - ﷿ - مخاطبًا رسوله - ﷺ – ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء:٦٥)، ويقول الله - سبحانه – ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ","vol":"1","page":79},{"text":"الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور:٥١) .\nفهذه الآيات نصوص قرآنية قاطعة في أن السنة النبوية وحي من عند الله - تعالى - وأن كل ما يقول الرسول - ﷺ - أو يفعل - فيما يتصل بأمور الدين - إنما هو الحق من عند الله، وكذلك تدل الآيات على وجوب الاحتكام إلى رسول الله - ﷺ - والرضا بما يحكم به، والتسليم والإذعان لذلك. وأن من لم يحتكم إلى رسول الله - ﷺ - ولم يرض بحكمه هو خارج عن الإيمان، وليس له حظ من الإسلام.\nأما كون طاعة رسول الله - ﷺ - واجبة على المسلم، وأنها من طاعة الله – تعالى - فقد أوفينا الكلام عنها كذلك. ويكفي أن نذكر بقول الله - ﷿: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (النساء:٨٠) .\nفهذه آيات قاطعات في أن الاحتكام إلى الرسول - ﷺ - وطاعته إنما هو احتكام إلى الله تعالى - وطاعة له - سبحانه - وقد قال الله - تعالى - ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ . وهؤلاء يقلبون الآية القرآنية فيزعمون أنه \"من يطع الرسول فقد أشرك بالله\" - عياذًا بالله، وليس بعد هذا الضلال ضلال.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>الشبهة السادسة:</span>\nوتتمثل هذه الشبهة في زعمهم، أن سنة رسول الله - ﷺ - من أقوال وأفعال ليس لها صفة العموم الزماني والمكاني، إذ هي أحكام أصدرها الرسول - ﷺ - في زمانه وفقًا لظروف أصحابه الذين كانوا معه، وظروف أصحابه كانت مرتبطة بهم وبزمانهم ومكانهم وأحوالهم الخاصة بهم. وقد انقضى ذلك الزمان بأشخاصه وظروفهم وأحوالهم، وقد تغير الزمان، وتغيرت الظروف، ومن ثم لم تعد تلك الأقوال والأفعال الخاصة بذلكم الزمان، صالحة لزماننا ولا لظروفنا، ويترتب على ذلك أن طاعة الرسول - ﷺ - التي كانت واجبة على أصحابه في زمانه، لم تعد واجبة علينا، ولا سنته التي كانت ملزمة لهم ملزمة لنا.\nالرد على الشبهة وتفنيدها:\nإن القول بهذه الشبهة مبني على الزعم بأن السنة ليست وحيًا، وليست شرعًا، وقد سبق أن رددنا على ذلك. لكن هذه الشبهة تثير قضية أخرى زيادة على ما تقدم. وهي قضية الأحكام الشرعية التي وردت في أسباب خاصة، وهذه في القرآن المجيد يُعَنْون لها بـ \"أسباب النزول\". وقد ورد جانب كبير من الأحكام الواردة في القرآن الكريم على هذا النحو، أي نزل في أسباب خاصة كما في أحكام الظهار في أول سورة المجادلة. لكن العلماء لم يذهبوا إلى القول بأن هذه أحكام خاصة بأصحاب النبي - ﷺ - وبزمانهم ولم تعد صالحة لزماننا، بل وضعوا القاعدة الأصولية المشهورة والتي يعرفها عامة المسلمين، والتي تقول \"العبرة بعموم اللفظ لا","vol":"1","page":81},{"text":"بخصوص السبب\". ومقتضى هذا أن الحكم ينزل في واقعة معينة، ثم يطبق على كل ما يماثلها وحتى آخر الزمان.\nومثل هذا الذي قيل في أحكام القرآن المجيد، قاله العلماء في سنة النبي - ﷺ - فلم يفرقوا بين القرآن والسنة في ذلك لكونهما وحي الله - تعالى - إلى رسوله - ﷺ - فالقرآن وحي الله، والسنة وحي الله. وقد سبق أن بينا ذلك بإفاضة.\nوالقول باقتصار السنة على زمان رسول الله - ﷺ - وأصحابه - رضوان الله عليهم - مؤدٍّ - بالضرورة - إلى القول بمثل هذا في القرآن المجيد، لأن ثمة تلازما بين القرآن والسنة من حيث التشريع والحجية، ومن حيث إنهما خطاب للخلق من الجن والإنس في كل زمان ومكان. وإلا فماذا نقول في الآيات القرآنية التي وردت تأمر الأمة المسلمة بطاعة رسول الله - ﷺ - كقوله - تعالى - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (النور:٥٦) . هذا الأمر إما أن يكون صالحًا لكل زمان ومكان، وصلاحيته هذه قائمة إلى قيام الناس لرب العالمين، فتكون السنة المأمور بطاعة الرسول فيها قائمة ومستمرة، ويكون كلامهم باطلًا، أما إذا كانت السنة - كما يزعمون غير صالحة بعد وفاة الرسول - ﷺ - فيكون الأمر بإتباعها وطاعة صاحبها كذلك غير صالح بعد وفاة الرسول - ﷺ - ويؤول الأمر إلى أن يقولوا في القرآن بمثل ما قالوا في السنة، فتكون جميع الآيات الآمرة بطاعة رسول الله - ﷺ - على كثرتها، وتنوع صيغها، وكذلك الآيات التي تحض على الاحتكام إليه، وجعل ذلك علامة الإيمان، وكذلك الآيات التي","vol":"1","page":82},{"text":"تجعله - ﷺ - قدوة وأسوة، كل ذلك يكون مفرغ المعنى، وقد مضى عهد صلاحيته بانتهاء عهد الرسول - ﷺ - وأصحابه. وهذا ما لا يقول به عاقل. ولا يقولون هم به، ليس لأنهم عقلاء فاهمون، بل لأنهم ينسبون أنفسهم إلى القرآن، ويصفون القرآن بأنه - وحده- صالح لكل زمان ومكان. ولا يدرون أن مِعْوَلَهم الذي شهروه لهدم السنة هو في ذاته مُشْهر لهدم القرآن الذي ينتسبون إليه ظلمًا وزورا، لكن الله - تعالى - حافظ دينه بحفظ كتابه وسنة رسوله، ولو كره الكافرون.","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>الشبهة السابعة:</span>\nتقوم شبهتهم هذه على أن الله - تعالى - قد تكفل بحفظ كتابه القرآن. وذلك في قوله - ﷿ – ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) . لذلك ظل القرآن هو الحق الوحيد في دين الله الإسلام، فلم يحرف ولم يبدل، ولم تدخله كلمة ولا خرجت منه كلمة، ولم يرو بغير لفظه ومعناه، أما السنة فلم يتكفل الله - سبحانه - بحفظها، ولذلك داخلتها الموضوعات المحضة من جانب - أي التي لم يقلها الرسول - ﷺ - لا بلفظها ولا بمعناها - ومن جانب آخر ضاعت ألفاظها ورويت بالمعنى، وذلك فيما لو صح أن الرسول - ﷺ - قالها. فكان ضياع ألفاظها سببا في عدم معرفة المعنى الذي أراده الرسول - ﷺ -، حتى ليصح أن يقال إن السنة كلها أضحت موضوعة على رسول الله - ﷺ - ما كان منها موضوعًا بلفظه ومعناه، وما كان منها موضوع المعنى بسبب ضياع ألفاظه وروايتهم إياه بالمعنى، يقول \"برويز\":","vol":"1","page":83},{"text":"\"اعلم أن الله - تعالى - لم يتكفل بحفظ شيء سوى القرآن، ولذا لم يجمع الله الأحاديث، ولا أمر بجمعها، ولم يتكفل بحفظها\" (١) . ويقول \"عبد الله جكرالوي\" \"بعد وفاة الرسول - ﷺ - بمئات السنين نحت بعض الناس هذه الهزليات من عند أنفسهم ونسبوها إلى محمد - ﷺ - وهو منها بريء\" (٢) . ويقول \"مقبول أحمد\" \"تنقيح الأحاديث من البحر الهائج المكذوب كتطهير الطعام المسموم، غير أن الحذر والحيطة يقتضيان عدم الأكل من ذلك الطعام\" (٣) .\nويقولون أيضًا إن كفالة الله - تعالى - بحفظ كتابه القرآن، مع عدم كفالته بحفظ السنة دليل واضح على أن الدين ليس بحاجة إلى السنة. وأنها ليست من الدين، ولا هي ضرورية له. إذ لو كانت من الدين وضرورية له لحفظها الله كما حفظ القرآن. (٤)\n_________\n(١) القرآنيون. آية: ٢٥٠.\n(٢) القرآنيون. آية: ٢٥٠.\n(٣) القرآنيون. آية: ٢٥٠.\n(٤) يركز منكرو السنة على هذا الجانب جدًا، ويعدونه دليلًا قاطعًا موجهًا من الله - تعالى - إلى الأمة على أن تتمسك بالقرآن وحده، وتدع ما سواه حتى ليقول قائلهم: لماذا حفظ الله القرآن ولم يحفظ السنة؟ أجيبونا عن هذه وسوف نسلم لكم.","vol":"1","page":84},{"text":"الرد على الشبهة وتفنيدها:\nإن الله - ﷿ - أنزل القرآن الكريم بلفظه ومعناه، فالقرآن كلام الله - سبحانه، لذا كان جديرًا بأن يحفظه الله - سبحانه - ويصونه أن يحرف أو يبدل، ولأن القرآن كذلك لم تجز روايته بالمعنى.\nأما السنة فهي وحي الله - تعالى - إلى رسوله - ﷺ - أوحى الله - تعالى - بما فيها من أحكام وتشريعات إلى نبيه - ﷺ - ثم صاغها النبي بكلامه. ولأن السنة ليست كلام الله - تعالى - فقد أجاز العلماء روايتها بالمعنى، ولم يطلق العلماء هذا الحكم بلا ضوابط أو حدود، بل وضعوا لراوي الحديث بالمعنى ضوابط وشروطًا بحيث لا تجوز روايته الحديث بالمعنى إلا إذا توفرت فيه هذه الضوابط والشروط.\nورأس هذه الشروط أن يكون عارفًا بالعربية، عالمًا بألفاظها، ومدلولات تلك الألفاظ، بصيرًا بعلاقات الألفاظ بعضها ببعض من ترادف واشتراك وتباين وغير ذلك. فإن كان الراوي على هذا العلم جاز له رواية الحديث بالمعنى، لأن في معرفته بالأمور التي ذكرناها أمانًا من الخطأ في معاني الأحاديث التي يرويها. وإن لم تتوفر له هذه الشرائط فلا تجوز له الرواية بالمعنى.\nأما الزعم بأن الله - تعالى - لم يحفظ سنة نبيه - ﷺ - فإن كان المراد أنه - تعالى - لم يحفظها بألفاظها. فهذا مسلم، وقد بينا أن السنة ليست بحاجة إلى نفس الألفاظ، بل الحاجة إلى معانيها المنضبطة ولو رويت بألفاظ أخرى لا تخل بالمعنى. وقد روى الخطيب البغدادي أن أم","vol":"1","page":85},{"text":"المؤمنين عائشة - ﵂ - قالت لعروة بن الزبير \"بلغني أنك تكتب الحديث عني، ثم تعود فتكتبه، فقال لها: أسمعه منك على شيء، ثم أعود فأسمعه على غيره. فقالت: هل تسمع في المعنى خلافًا؟ قال: لا، قالت: لا بأس بذلك\" (١) . فالمعنى إذا كان بنفس اللفظ أو انضبط بألفاظ مشابهة فلا بأس به.\nأما إن كان المراد أن الله - تعالى - لم يحفظ السنة مطلقًا لا بألفاظها ولا بمعانيها، وأنها ضيعت، فذلك كذب وافتراء على الله - تعالى - وعلى رسوله - ﷺ - وعلى الأمة المسلمة، وجحد ونكران لجهود عظيمة مميزة قام بها علماء السنة عبر تاريخ الإسلام.\nوالحق أن الله - سبحانه - تكفل بحفظ كتابه، ومن خلال حفظ كتابه تكفل الله - تعالى - ضمنيًا بحفظ سنة نبيه - ﷺ - ذلكم أن الكتاب بحاجة إلى السنة التي تبينه، كما قال - ﷿ - ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل:٤٤) . فالسنة ضرورية للكتاب، وهي إلى جانب الكتاب ضروريان للدين. فمن حفظ الله - تعالى - كتابه أن يحفظ السنة التي تبينه وتفصله، فإن القرآن بحاجة إليها ومن حفظ الله - تعالى - دينه كي يعرفه الخلق الذين كلفهم الله به، ويحاسبهم عليه، أن يحفظ كتابه وسنة نبيه، فإن الدين بحاجة إليهما. لذلك كان من قدر الله - سبحانه - أن هيأ لسنة نبيه - ﷺ - هؤلاء الأعلام الذين بذلوا في حفظ السنة ما لم يعرف له تاريخ العلوم\n_________\n(١) الكفاية: ٢٧٣.","vol":"1","page":86},{"text":"والثقافات مثيلا من قبل ولا من بعد. وما كان ليتم لهم ذلك إلا بتوفيق من الله - تعالى - وهداية وتأييد. فقد ابتدعوا نظامًا لحفظ السنة، ومعرفة صحيحها بدرجاته، من الضعيف بدرجاته، من الموضوع. واخترعوا من الوسائل المعرفية والمناهج العلمية ما هو معجز في بابه، كل ذلك على غير مثال سابق لا عند العرب، ولا عند غير العرب ممن كانت لهم ثقافات وفلسفات، وكانت لهم أديان، وكانوا الأكثر حاجة إلى تمحيص مكتوباتهم وأسفارهم الدينية، ولكنهم لم يصلوا إلى ما وصل إليه علماء الإسلام ولا إلى قريب منه. وقد شهدت الأمم جميعها بأن علماء السنة قد أتوا في باب جمعها وتصنيفها، وتمييزها، ومعرفة الصحيح من الضعيف من الموضوع. ما لم تعرفه الأمم من قبل. والسؤال: هل كان هذا يمكن أن يتم دون توفيق من الله - سبحانه - وهداية ومعونة وإرشاد؟. إنه توفيق - الله تعالى - لحفظ سنته الذي هو من حفظ كتابه، لحاجة الكتاب إلى السنة في بيانه وتفصيله، وحاجة دين الله الإسلام إلى الكتاب والسنة جميعًا.\nأما زعمهم بأن السنة أضحت خليطًا لا يعرف منها الصحيح من الموضوع، فذلك كذب وافتراء بل تبجح ومكابرة، فإن أقل الناس ذكاء ومعرفة بالسنة تكفيه زيارة واحدة لإحدى المكتبات الحديثية التي تضم كتب السنة أو بعضها ليدرك - بعد تصفح لعناوين هذه المدونات وبعض ما فيها - أن الله - تعالى - حفظ سنة نبيه، وأن كتب الصحاح والسنن موجودة ينهل منها المسلمون الزاد النافع لهم في الدنيا والدين. رغم أنوف هؤلاء الكافرين - منكري السنة - أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء المسلمين.","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>الخاتمة:</span>\nهذه مجمل الشبهات التي تقول بها طائفة منكري السنة \"القرآنيون\". تلك الطائفة التي بدأت حركتها بالهند في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الميلادي، ثم انتقلت بمعظم أنشطتها ومؤسساتها إلى باكستان بعد استقلالها عن الهند وما تزال تزاول حركتها الهدامة تحت اسم \"البرويزيين\" وقد اقتصرنا في بحثنا على الشبهات التي قال بها هؤلاء ابتداء، أو أخذوها عن غيرهم من السابقين ثم حوروا فيها وأضافوا إليها.\nوقد ذكرنا كل شبهة وأردفناها بالرد عليها وتفنيدها. وقد توخينا أن تكون ردودنا عليهم معتمدة أساسًا على القرآن المجيد الذي ينسبون أنفسهم إليه ظلمًا وزورا. وذلك إلزامًا لهم من خلال ما يزعمون الانتساب إليه والاقتصار عليه، وحتى لا يحتجوا بأننا نلزمهم ما لا يلتزمون به.\nوقد بان لنا من خلال البحث جملة من الحقائق عن هذه الطائفة نوجزها فيما يلي:\nأولًا: هذه الطائفة نشأت ابتداء على أيدي الإنجليز الذين كانوا يستعمرون الهند، فهي صنيعة من صنائع الكفار أعداء الله ورسوله والمؤمنين. وهي حركة من الحركات الكثيرة التي قام بها الإنجليز في هذه المنطقة لهدم الإسلام وتفريق المسلمين، من مثل \"القاديانية\" و\"البريلوية\" وغيرهما.\nثانيًا: أثبتنا عند حديثنا عن رؤوس هذه الحركة أنهم كانوا على اتصال دائم وقوى بالإنجليز، وكان الإنجليز وراء حركاتهم تلك، وكانوا يمدونهم","vol":"1","page":88},{"text":"بالعون المادي والمعنوي، بل كان بعض هؤلاء على اتصال بحركة المنصرين بالهند.\nثالثًا: هذه الحركة بجميع طوائفها خارجة عن الإسلام، فاسقة عن الملّة، وإن زعمت لنفسها الإسلام، وانتسبت إلى القرآن. وإن انتسابها إلى القرآن باطل، لأنها كفرت بالقرآن في نفس اللحظة التي كفرت فيها بالسنة، فإنه لا تفرقة بين القرآن والسنة، فهما يخرجان من مشكاة واحدة، هي مشكاة الوحي الإلهي المعصوم.\nرابعًا: يتضح من كل ما تقدم أن هدف هؤلاء، والغاية التي يسعون إلى تحقيقها هو القضاء على الإسلام وتفريق الأمة المسلمة. وأن انتسابهم إلى القرآن إنما هو ستار يتخفون وراءه ليزاولوا تحت شعاره أنشطتهم الهدامة، وحركاتهم التخريبية.\nونأمل أن نكون من خلال بحثنا هذا قد استطعنا أن نوضح هذه الحقائق فضل توضيح.\n«والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل» .","vol":"1","page":89}]}