{"ً":{"ٌ":11242,"ٍ":"شبهات القرآنيين","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"الدعوة وأحوال المسلمين/شبهات القرآنيين - محمود - المجمع","files":["86916-3.pdf"]},"ّ":"الكتاب: شبهات القرآنيين\nالمؤلف: عثمان بن معلم محمود بن شيخ علي\nالناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة\nعدد الصفحات: ٦٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":956,"ٕ":39,"ٖ":1770155368,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الفصل الأول","level":1,"page":6},{"title":"المبحث الأول: ضرورة اعتماد السنة لسلامة فهم القرآن","level":2,"page":6},{"title":"المبحث الثاني: خلاصة جهود من سبقنا في الدفاع عن السنة","level":2,"page":12},{"title":"المبحث الثالث: حكم منكر حجية السنة","level":2,"page":17},{"title":"الفصل الثاني","level":1,"page":22},{"title":"الشبهة الأولى","level":2,"page":22},{"title":"الشبهة الثانية","level":2,"page":26},{"title":"الشبهة الثالثة","level":2,"page":30},{"title":"الشبهة الرابعة","level":2,"page":34},{"title":"الشبهة الخامسة","level":2,"page":37},{"title":"الشبهة السادسة","level":2,"page":54},{"title":"الشبهة السابعة","level":2,"page":58},{"title":"الشبهة الثامنة","level":2,"page":61},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":63}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68},"ٜ":{"1":[1,68]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68"],"ٞ":{"1":[1],"6":[2,3],"12":[4],"17":[5],"22":[6,7],"26":[8],"30":[9],"34":[10],"37":[11],"54":[12],"58":[13],"61":[14],"63":[15]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ال<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة:</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nأما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ثم إن الله رضي لنا الإسلام دينًا وأتم علينا النعمة بكتابه الداعي إلى اتباع رسوله محمد وطاعته وتعزيره وتوقيره، وأخذ ما أتى به والانتهاء عما عنه نهى، ولا يقبل الله دعوى من ادعى محبته سبحانه حتى يتبع نبيه محمدًا ﷺ، وجعل طاعة الرسول ﷺ طاعته، وضمن الهداية لمن أطاعه ﷺ.\nتصديق ذلك في الآيات الآتية:\nقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٨) .\nوقال سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: ٣٢) .\nوقال جلّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٣) .\nوقال عز من قائل: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ (الفتح: ٨ و٩) .","vol":"1","page":1},{"text":"وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) .\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (آل عمران:٣١) .\nوقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (النور: ٥٤) .\nوحثّ الرسول ﷺ على الاعتصام بسنته بعد وفاته فقال: \"إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضّوا عليها بالنواجذ\" وحذّر من الابتداع الذي من هجر سنته فقال بعد الكلمات السابقة: \"وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة\" (١) كما أخبر بالمترفين الذين يأتون بعده فيأبون من سنته فقال: \"لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه\" (٢) .\nفقد أخبر الله نبيه بما سيقع في أمته، فوقع كما أخبر دليلًا على نبوته ورسالته، وقد طابق خبره المخبر، وتتابعت الفرق الضالة على ردّ سنته وإلغاء حكمه من مقلّ ومستكثر من القرن الأول إلى اليوم.\nومن تلك الفرق المارقة الجماعة التي اتخذت \" أهل القرآن \" اسمًا لها،\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند (٤ / ١٢٧) وأبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦) وابن ماجه (٤٣) وهو حديث صحيح.\n(٢) أخرجه أبو داود (٤٦٠٥) والترمذي (٢٦٦٣) والحاكم في المستدرك (١ / ١٠٨) وقال: صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي.","vol":"1","page":2},{"text":"وحلّت نفسها بحليته وهي عاطلة منه.\nكان نشوءها في الربع الأول من القرن الرابع عشر الهجري في شبه القارة الهندية على يد زمرة من أبناء تلك البقعة التي تفرّعت فيما بعد إلى ثلاث دول.\nوكان هؤلاء المؤسسون ممن تأثروا بالفكر الغربي ورأوا في التمسك بالسنة عائقًا عن التقدم ومضعفًا للجامعة الإسلامية وتنفيذًا لمؤامرة أعجمية، فجاءوا بما لم يأت به من سبقهم من أهل الضلال، فأنكروا حجية السنة كليًا وعدُّوا اتباعها شركًا ولم يفرّقوا بين متواترة مجمع عليها وغير ذلك بل سلكوا مسلكًا واحدًا وهو الردّ والدفع، وقاموا بتأليف الجمعيات وإصدار الكتب والرسائل والمجلات في الصدّ عنها وإثارة الشبه في وجهها، فأقام الله لدفعهم من شاء من أهل العلم فصنّفوا الكتب والرسائل وأصدروا الفتاوى في تكفيرهم والتحذير منهم، وكان ممن انتبه لخطرهم مبكرًا العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز – ﵀ – فأصدر منذ أربعين سنة تقريبًا فتوى في تكفير زعيمهم الأخير اللاهوري النشط غلام أحمد برويز (١) ونُشرت الفتوى في الصحف السعودية في وقتها مما يدلّ على إسهام علماء هذا البلد في درء فتنة إنكار السنة وتحصين الأمة من سمومها وصيانة القرآن الكريم من عبث العابثين وتحريف المارقين الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.\nولما كان خطرهم مستمرًا ولم ينفكوا يدعون الناس إلى ضلالهم ولم\n_________\n(١) هلك في ١٩٨٥ م.","vol":"1","page":3},{"text":"يبرح بعض الناس ينخدع بهم أحببت أن أشارك في التحذير منهم لعلّ الله ينفع بما كتبت من شاء من عباده فيتقوا حيل منكري السنة فلا يقعوا في حبائلهم أو يغتروا بمعسول كلامهم.\nولا يفهمن أحد من تسمية هذه الفرقة بالقرآنيين أنه مدح لهم أو تعبير عن شدّة تمسكهم بالقرآن، كلاّ، بل الواقع أن هذه التسمية آتية لهم من حيث إنهم تنكروا للقرآن ورفضوا ما ثبت فيه من اتباع الرسول ﷺ وطاعته مما نشأ عنه ضلال كبير في تطبيق الأوامر القرآنية فخرجوا بذلك عن جماعة المسلمين، فسمّوا قرآنيين من ذلك الجانب.\nوهذا له نظير في تسمية فرقة القدرية إذ سُموا بذلك لا لأنهم أثبتوا القدر وسلّموا له، ولكن من حيث إنهم أنكروه ونفوه (١) .\nوليس فيما سوّدت هذه العصابة أثارة من علم، أو بقية من بحث، فإن العلم إما نقل مصدّق، أو بحث محقق، وما سوى ذلك فهذيان مزوّق.\nوإنما سلكوا فيما سوّدوا من صحائف مسالك السفهاء المارقين والزنادقة الملحدين، ولم تكن ضلالاتهم عن شبهات مؤثرة أو إيرادات محيّرة، وإنما كانت عماياتهم من جرّاء وساوس شيطانية وأهواء نفسية أو عمالات استعمارية (٢) .\nفاستعنت الله على ردّ باطلهم، وأدرت البحث على مقدمة وفصلين، أما\n_________\n(١) ثمّ رأيت الدكتور محمد أمان سبقني إلى هذا المعنى في كتابه \" السنة ومنزلتها في التشريع الإسلامي \".\n(٢) أشار إلى العمالة للاستعمار الخبير بهم الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتابه دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه ٢٨ – ٢٩، ٤١ وكذلك خادم إلهي بخش في كتابه \" أثر الفكر الغربي في انحراف المجتمع المسلم بشبه القارة الهندية \" ٣٥٩ – ٣٦٠.","vol":"1","page":4},{"text":"المقدمة فهذه قد أوشكت على الانتهاء.\nوأما الفصل الأول ففي ثلاثة مباحث\nالمبحث الأول في ضرورة اعتماد السنة لسلامة فهم القرآن.\nالمبحث الثاني في إبراز شيء من دفاع أهل العلم عن السنة.\nالمبحث الثالث في حكم منكر السنة.\nالفصل الثاني في شبه فرقة القرآنيين منكري السنة في شبه القارة الهندية والرد عليها، وهي ثماني شبه.\nوكلّ ما نقلته من شبهات القرآنيين فعن \" القرآنيون وشبهاتهم حول السنة \" أخذته، وما سوى ذلك فقد حرصت على أن أرجع إلى المصادر الأصيلة.\nفما كان في بحثي من صواب فمن الله وحده هو المانّ به، وما كان فيه من خطإ فمنّي ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الفصل الأول:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المبحث الأول: ضرورة اعتماد السنة لسلامة فهم القرآن</span>\nأنزل الله القرآن تبيانًا «لكل شيء من أمور الدين إما بالنص عليه أو بالإحالة على ما يوجب العلم؛ مثل بيان رسول الله ﷺ أو إجماع المسلمين» .\nهكذا فسّر ابن الجوزي (١) قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: ٨٩) . ونسبه إلى العلماء بالمعاني.\nوقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ يُعنى بالكتاب اللوح المحفوظ في قول ابن عباس الثابت عنه، قال: \"ما تركنا شيئًا إلا وقد كتبناه في أمّ الكتاب\". وتبعه قتادة وابن زيد.\nوفُسِّر الكتاب بالقرآن في القول الثاني لابن عباس، قال: \"ما تركنا من شيء إلا وقد بيناه لكم\".\nقال ابن الجوزي: \"فعلى هذا يكون من العام الذي أريد به الخاص فيكون المعنى: ما فرطنا في شيء بكم إليه حاجة إلا وبينّاه في الكتاب إما نصًا وإما مجملًا وإما دلالة\" (٢) .\nوقال القرطبي: \"ما تركنا شيئًا من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في\n_________\n(١) في زاد المسير (٤ / ٤٨٢) .\n(٢) المصدر السابق.","vol":"1","page":6},{"text":"القرآن، إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يُتلقى بيانها من الرسول ﵊، أو من الإجماع، أو من القياس الذي (١) ثبت بنص الكتاب، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وقال:\n﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ فأجمل في هذه الآية وآية النحل ما لم ينص عليه مما لم يذكره، فصدق خبر الله بأنه ما فرّط في الكتاب من شيء إلا ذكره، إما تفصيلًا وإما تأصيلًا؛ وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢) .\nوعلى كثرة نظري في كتب التفسير لاستجلاء معنى الآيتين لم أر من فهم منهما أن القرآن لا يحتاج إلى بيان النبي ﷺ، ومن خالف ما أجمع عليه المفسرون ظهر زيغه وانحرافه.\nوقد كان الصحابة أرباب الفصاحة والزكانة وكانوا مستغنين عن علوم الوسائل التي افتقر إليها المتأخرون، بيد أنهم احتاجوا إلى تفسير النبي ﷺ، فبين «أن الظلم المذكور في قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ هو الشرك، وأن الحساب اليسير هو العرض، وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياض النهار وسواد الليل، وأن الذي رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى هو جبريل، كما فسر قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ أنه طلوع الشمس من مغربها، وكما فسر قوله: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ بأنها\n_________\n(١) كذا ولعلها «على الذي» .\n(٢) الجامع لأحكام القرآن (٦ / ٤٢٠) .","vol":"1","page":7},{"text":"النخلة، وكما فسر قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أن ذلك في القبر حين يُسأل من ربك وما دينك، وكما فسر الرعد بأنه ملك من الملائكة موكل بالسحاب، وكما فسر اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله بأن ذلك باستحلال ما أحلوه لهم من الحرام وتحريم ما حرموه من الحلال، وكما فسر القوة التي أمر الله أن نُعدّها لأعدائه بالرمي، وكما فسر قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ بأنه ما يجزى به العبد في الدنيا من النصب والهم والخوف واللأواء، وكما فسر الزيادة في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس: ٢٦) بأنها النظر إلى وجه الله الكريم» (١) .\nوهي كما ترى معانٍ لا يُتوصل إليها بمجرد إتقان لسان العرب، فلو لم يأت بها بيان الرسول ﷺ لكنا في عماية من أمرها.\nفالسنة تبين مجمل القرآن، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وقال سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ وقال جل من قائل:\n﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فبين النبي ﷺ بفعله وقوله أن الصلوات المفروضات خمس في اليوم والليلة وبين أعداد ركعاتها وشروطها وأركانها ثم قال: \"صلوا كما رأيتموني أصلّي\"، وبين أن الحائض لا صلاة عليها لا أداء ولا قضاء.\nوكذلك الزكاة بيّن حقيقتها وعلى من تجب؟ وبيّن أنصبتها، وأنها تؤخذ من العين من الذهب والفضة والمواشي من الإبل والغنم والبقر السائمة\n_________\n(١) إعلام الموقعين (٢ / ٣١٥) .","vol":"1","page":8},{"text":"مرة كل عام، وأوجبها في بعض ما أخرجت الأرض دون بعض (١) .\n\"وبيّن أن الصيام هو الإمساك بالعزم على الإمساك عما أمر بالإمساك عنه من طلوع الفجر إلى دخول الليل\" (٢) .\nوفرض على البالغين من الأحرار والعبيد ذكورهم وإناثهم إلا الحيّض فإنهن يقضين عدة من أيام أخر.\nوبيّن الرسول ﷺ أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة وبيّن ما يلبس المحرم مما لا يلبسه وحدّد مواقيت الحج والعمرة وبيّن عدد الطواف وكيفيته، كلّ ذلك ليس بيانه في القرآن.\nوأوجب الله سبحانه قطع يد السارق فقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فبينت السنة أنها لا تقطع إلا في ربع دينارفصاعدًا وأنها تقطع من مفصل الكوع.\nفلو تُرِكْنا وعقولَنا لم نعرف هذه الأحكام، فتبيّن أنه لا يُستغنى عن السنة في فهم القرآن، وقد عرف الصحابة ذلك فكانوا يعرفون للسنة قدرها، فهذا جابر بن عبد الله يقول أثناء سرده صفة حج النبي ﷺ \"ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به\" (٣) .\nوعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد\" فقال ابن له، يقال له واقد: إذن يتخذنه دَغَلًا.\n_________\n(١) السنة للمروزي ٣٦.\n(٢) المصدر السابق ٣٧.\n(٣) صحيح مسلم (١٢١٨) .","vol":"1","page":9},{"text":"قال: فضرب في صدره وقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ، وتقول: لا! (١) .\nوروي عن عمران بن حصين ﵁ أنه ذكر الشفاعة، فقال رجل من القوم: يا أبا نجيد، إنكم تحدثونا بأحاديث لم نجد لها أصلًا في القرآن، فغضب عمران وقال للرجل: قرأت القرآن؟ قال: نعم. قال: فهل وجدت فيه صلاة العشاء أربعًا ووجدت المغرب ثلاثًا، والغداةركعتين، والظهر أربعًا والعصر أربعًا؟ قال: لا. قال: فعمن أخذتم ذلك؟ ألستم عنّا أخذتمونا وأخذناه عن رسول الله ﷺ؟ أوجدتم فيه: في كل أربعين شاة شاة، وفي كل كذا بعيرًا كذا، وفي كل كذا درهمًا كذا؟ قال: لا. قال: فعمن أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه وأخذناه عن النبي ﷺ؟. وقال: في القرآن ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (الحج: ٢٩) . أوجدتم في القرآن: \"لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام\"؟ أما سمعتم الله قال في كتابه: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾؟! قال عمران: فقد أخذنا عن رسول الله أشياء ليس لكم بها علم (٢) .\nوعن أيوب السختياني أن رجلًا قال لمطرف بن عبد الله بن الشخير: لا تحدثونا إلا بالقرآن. فقال له مطرف: \"والله ما نريد بالقرآن بدلًا؛ ولكنا\n_________\n(١) صحيح مسلم (٤٤٢ / ١٣٩) . والدَّغَل: دَخْلٌ في الأمر مُفْسِد. اه القاموس.\n(٢) أخرجه ابن بطة العكبري في الإبانة ح٦٦ (ص٢٣٤–٢٣٥) كتاب الإيمان بطوله، وأخرجه أيضًا (ح٦٥و٦٧) والآجري في الشريعة (١/٤١٧) والحاكم في المستدرك (١/١٠٩) وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/١١٩٢) مختصرًا، وقال محقق الإبانة: لا بأس بسنده، وقوّاه محقق جامع بيان العلم.","vol":"1","page":10},{"text":"نريد من هو أعلم بالقرآن منا \" (١) .\nفبهؤلاء السلف فلنقتد، ولتعظُم السنن في قلوبنا، ولنُربّ الأجيال على احترامها وتطبيقها، وما لم يكن يومئذ دينًا فلن يكون اليوم دينًا، فيا تُرى من أين يأخذ القرآنيون دينهم؟ ومَنْ إمامهم في بدعتهم؟ ليتوبوا إلى الله قبل فوات الأوان، وليراجعوا دينهم قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال.\n_________\n(١) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢ / ١١٩٣) وصحّح المحقق إسناده.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>المبحث الثاني: خلاصة جهود من سبقنا في الدفاع عن السنة</span>\nألّف الشافعي كتاب \" الرسالة \" وهو صاحب السبق في هذا الباب وصاحب الإجادة والإتقان فيه وتبعه الإمام أحمد فصنّف \"طاعة الرسول ﷺ\" (١) ردَّ فيه على من احتج بظاهر القرآن في معارضة سنة رسول الله ﷺ وترك الاحتجاج بها.\nثم قفاهما أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة فألف كتابه \" تأويل مختلف الحديث \" ردَّ فيه على أعداء السنة وبخاصة المعتزلة.\nثم تلاهم محمد بن نصر المروزي فصنّف كتابه \" السنة \" وأجاد فيه وأفاد ووصل إلينا ناقص الأول.\nوألّف ابن عبد البر \" جامع بيان العلم وفضله \" وضمنه أبوابًا كثيرة في الحث على لزوم السنة والدفاع عنها.\nثم جاء بعدهم أبو المظفر السمعاني فألف كتابه المستطاب \" الانتصار لأهل الحديث \"\nثم جاء شيخ الإسلام ابن تيمية فصنّف منهاج السنة وأبدع فيه، وأتى بعده تلميذه ابن قيم الجوزية فحرّر كتابه \" الصواعق المرسلة \" وبحث فيه مسألة خبر الواحد بما لا مزيد عليه، كما صنَّف \" إعلام الموقعين \" وخصص مئات الصفحات للذبّ عن السنن.\n_________\n(١) ذكره ابن قيم الجوزية في اعلام الموقعين (٢ / ٢٩٠) .","vol":"1","page":12},{"text":"وألف محمد بن إبراهيم الوزير اليمني \" العواصم والقواصم \" (١) واختصره في \"الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم \" (٢) .\nوألّف السيوطي \" مفتاح الجنة في الاعتصام بالسنة \" (٣) .\nوألّف مصطفى السباعي \" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي \" (٤) .\nألّف عبد الحليم محمود (... - ١٣٩٨ هـ) شيخ الأزهر الأسبق \" السنة ومكانتها في التشريع \" (٥) .\nوكتب عبد العزيز بن راشد آل حسين (... - ١٤٠٣ هـ) \" رد شبهات الإلحاد عن أحاديث الآحاد \" (٦) .\nوألف الدكتور محمد أمان الجامي \" السنة ومنزلتها في التشريع\nالإسلامي \" (٧) .\nوأعدّ صالح أحمد رضا رسالة بعنوان \" ظاهرة رفض السنة وعدم الاحتجاج بها \".\nوكتب محمد عبد الرزاق حمزة \" ظلمات أبي رية \" وأبو ريّة أنكر السنة إنكارًا كليًا.\nوردّ عليه أيضًا عبد الرحمن بن يحيى المعلّمي في كتابه \" الأنوار الكاشفة\n_________\n(١) حققه شعيب الأرناؤوط وصدر عن دار البشير.\n(٢) له عدة طبعات.\n(٣) له عدة طبعات منها بتحقيق مصطفى عاشور.\n(٤) طبع المكتب الإسلامي.\n(٥) تكملة معجم المؤلفين ٢٧٣.\n(٦) المصدر السابق ٣٠٣.\n(٧) طبع المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":13},{"text":"لما في كتاب أضواء السنة من التضليل والمجازفة \" (١) وكتب عبد الغني عبد الخالق \" حجية السنة \" ٢وهو أقوى المعاصرين.\nوألّف محمد محمد أبو شهبة \" دفاع عن السنة وردّ شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين \" (٣) .\nوكتب تقي الدين الندوي \" السنة مع المستشرقين والمستعربين \" (٤) .\nوأعدّ الدكتور أحمد محمود عبد الوهاب الشنقيطي رسالة بعنوان \" خبر الواحد وحجيته \" (٥) طبع في الجامعة الإسلامية.\nوهناك رسالة في جامعة أم القرى بعنوان \" حجية السنة في التشريع الإسلامي\"، ورسالة أخرى في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بعنوان \"حجية السنة والرد على شبه المنكرين \".\nونشرت رابطة العالم الإسلامي كتابًا بعنوان \" موقف الجمهوريين من السنة \"\nكما نشرت \" السنة في مواجهة الأباطيل \" لمؤلفه محمد طاهر حكيم (٦) .\nكما كتب محمد ناصر الدين الألباني ثلاث رسائل إحداها \" الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام \" (٧)، والثانية \" منزلة السنة في الإسلام،\n_________\n(١) صدر عن عالم الكتب.\n(٢) صدر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي ط١ ١٤٠٧هـ.\n(٣) إصدار مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر.\n(٤) توزيع المكتبة الإمدادية.\n(٥) طبعته الجامعة الإسلامية بالمدينة.\n(٦) ضمن سلسلة دعوة الحق.\n(٧) الدار السلفية – الكويت.","vol":"1","page":14},{"text":"وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن \"، والثالثة \"وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والأحكام\" (١) .\nوكتب عبد المتعال محمد الجبري \"حجية السنة ومصطلحات المحدثين وأعلامهم\" (٢) .\nوألّف محمد الصادق بن محمود بسيّس التونسي (٣) \" دفاعًا عن السنة النبوية \".\nوكتب صلاح الدين مقبول \" زوابع في وجه السنة قديمًا وحديثًا \" (٤) .\nوألّف محمد لقمان السلفي \" مكانة السنة في التشريع الإسلامي \" (٥) .\nوصنّف أبو عبد الرحمن القاضي بَرهُون \" خبر الواحد في التشريع الإسلامي\" (٦) .\nوأعدّ الأمين الصادق الأمين رسالة ماجستير بعنوان \" موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية \" (٧) .\nوألّف عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين \" أخبار الآحاد في الحديث النبوي حجيتها، مفادها، العمل بموجبها \" (٨) وهي رسالته الماجستير.\n_________\n(١) الأصالة – العدد الثالث والعشرون – ١٥ شعبان ١٤٢٠ هـ.\n(٢) مكتبة وهبة – القاهرة ١٤٠٧ هـ.\n(٣) تكملة معجم المؤلفين ٤٩٦.\n(٤) صدر عن دار عالم الكتب بالرياض دون تاريخ.\n(٥) عن دار الداعي بالرياض ط ٢، ١٤٢٠ هـ.\n(٦) عن أضواء السلف بالرياض ط ٢، ١٤١٩ هـ.\n(٧) مكتبة الرشد بالرياض ط ١، ١٤١٨ هـ.\n(٨) دار عالم الفوائد بمكة المكرمة ط ٢، ١٤١٦ هـ.","vol":"1","page":15},{"text":"وكتب عبد العزيز بن فيصل الراجحي \" قدوم كتائب الجهاد لغزو أهل الزندقة والإلحاد القائلين بعدم الأخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد \" (١) .\nوألّف خادم حسين إلهي بخش كتابه المستطاب \" القرآنيون وشبهاتهم حول السنة \" (٢) وهو رسالته الماجستير.\n_________\n(١) دار الصميعي ط ١، ١٤١٩ هـ.\n(٢) عن مكتبة الصدّيق بالطائف ط ١، ١٤٠٩ هـ.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الثالث: حكم منكر حجية السنة</span>\nلقد بيّن الرسول ﷺ أن فيمن يقرأ القرآن منافقين فقال: \"ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة: ريحها طيب وطعمها مر ... \" (١) .\nوأوضح الله سبحانه أنه جعل أعداء للأنبياء يناوئونهم ويصدون الناس عنهم بكلام يزخرفونه فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (الأنعام ١١٢)، فليعلم المسلمون أن كلّ كلام يخالف الشرع يزخرفه صاحبه لتمويهه والتلبيس به على الناس حتى يغتروا به ويتلقفوه. وكل عمل يخالف الشرع كذلك يزينونه حتى يروج بين الناس. فهؤلاء الأعداء الذين يتظاهرون بالإسلام ويكيدون له ليل نهار لم يَخْفَ أمرُهم على علماء الإسلام فنبّهوا الناس على سوء مذهبهم ورموهم بالكفر والإلحاد إما وصفًا أو أعيانًا، فإليك بعض ما قاله أهل العلم في منكري السنة:\nقال محمد بن نصر المروزي عن المسح على الخفين: \"من أنكر ذلك لزمه إنكار جميع ما ذكرنا من السنن وغير ذلك مما لم نذكر، وذلك خروج عن جماعة أهل الإسلام\" (٢) .\nقال الآجري: \"جميع فرائض الله التي فرضها في كتابه لا يعلم الحكم فيها إلا بسنن رسول الله ﷺ.\nهذا قول علماء المسلمين، من قال غير هذا خرج عن ملة الإسلام ودخل\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٠٥٩) ومسلم (٧٩٧) من حديث أبي موسى الأشعري.\n(٢) السنة ١٠٤.","vol":"1","page":17},{"text":"في ملة الملحدين\" (١) .\nوقال ابن حزم: \"لو أن امرأً قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافرًا بإجماع الأمة، ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأخرى عند الفجر؛ لأن ذلك هو أقلّ ما يقع عليه اسم صلاة ولا حد للأكثر في ذلك، وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال، وإنما ذهب إلى هذا بعض غالية الرافضة ممن قد اجتمعت الأمة على كفرهم\" (٢) .\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"محمد ﷺ مبعوث إلى الثقلين إنسهم وجنهم، فمن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قتله\" (٣) .\nوعلّق ابن دقيق العيد على طعون بعض الزائغين على حديث الذباب بقوله: \"إن هذا وأمثاله مما تُرد به الأحاديث الصحيحة إن أراد به قائلها إبطالها بعد اعتقاد كون الرسول ﷺ قالها كان كافرًا مجاهرًا، وإن أراد إبطال نسبتها إلى الرسول ﷺ بسبب يرجع إلى متنه فلا يكفر، غير أنه مبطل لصحة الحديث\" (٤) .\nقال السيوطي: \"إن من أنكر كون حديث النبي ﷺ قولًا كان أو فعلًا بشرطه المعروف في الأصول – حجة كفر، وخرج عن دائرة الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكفرة \" (٥) .\n_________\n(١) الشريعة للآجري (١ / ٤١٢) .\n(٢) الإحكام في أصول الأحكام ٢ / ٨٠.\n(٣) الوصية الكبرى ضمن مجموعة الرسائل الكبرى (١ / ٣١٥) .\n(٤) شرح الإلمام ٢ / ١٧٧ – ١٧٨.\n(٥) مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة ١٤.","vol":"1","page":18},{"text":"وقال المعلمي: \"منكر وجوب العمل بالأحاديث مطلقًا تقام عليه الحجة، فإن أصرّ بان كفره. ومنكر وجوب العمل ببعض الأحاديث إن كان له عذر من الأعذار المعروفة بين أهل العلم وما في معناها فمعذور، وإلا فهو عاص لله ورسوله، والعاصي آثم فاسق. وقد يتفق ما يجعله في معنى منكر وجوب العمل بالأحاديث مطلقًا \" (١) .\nقال العلامة عبد العزيز بن باز ﵀:\n\"إن ما تفوّه به رشاد خليفة من إنكار السنة والقول بعدم الحاجة إليها كفر وردة عن الإسلام؛ لأن من أنكر السنة فقد أنكر الكتاب، ومن أنكرهما أو أحدهما فهو كافر بالإجماع، ولا يجوز التعامل معه وأمثاله، بل يجب هجره والتحذير من فتنته وبيان كفره وضلاله في كل مناسبة حتى يتوب إلى الله من ذلك توبة معلنة في الصحف السيارة، لقول الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: ١٥٩، ١٦٠») (٢) .\nوقال أيضًا: \"من المعلوم عند جميع أهل العلم أن السنة هي الأصل الثاني من أصول الإسلام وأن مكانتها في الإسلام الصدارة بعد كتاب الله ﷿، فهي الأصل المعتمد بعد كتاب الله ﷿ بإجماع أهل العلم قاطبة، وهي حجة قائمة مستقلة على جميع الأمة، من جحدها أو أنكرها أو زعم أنه يجوز الإعراض عنها والاكتفاء بالقرآن فقد ضلّ ضلالًا بعيدًا، وكفر كفرًا أكبر وارتدّ عن الإسلام بهذا المقال، فإنه بهذا المقال وبهذا الاعتقاد يكون قد\n_________\n(١) الأنوار الكاشفة لما في كتاب \"أضواء على السنة\" من الزلل والتضليل والمجازفة ٨١-٨٢.\n(٢) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ٢ / ٤٠٣.","vol":"1","page":19},{"text":"كذّب الله ورسوله، وأنكر ما أمر الله به ورسوله، وجحد أصلًا عظيمًا فرض الله الرجوع إليه والاعتماد عليه والأخذ به، وأنكر إجماع أهل العلم عليه وكذب به، وجحده.....\n...... ونبغت نابغة بعد ذلك، ولا يزال هذا القول يذكر فيما بين وقت وآخر، وتسمى هذه النابغة الأخيرة \" القرآنية \" ويزعمون أنهم أهل القرآن، وأنهم يحتجون بالقرآن فقط، وأن السنة لا يحتج بها؛ لأنها إنما كتبت بعد النبي ﷺ بمدة طويلة، ولأن الإنسان قد ينسى وقد يغلط، ولأن الكتب قد يقع فيها غلط؛ إلى غير هذا من الترهات، والخرافات، والآراء الفاسدة، وزعموا أنهم بذلك يحتاطون لدينهم فلا يأخذون إلا بالقرآن فقط. وقد ضلوا عن سواء السبيل، وكذبوا وكفروا بذلك كفرًا أكبر بواحًا؛ فإن الله ﷿ أمر بطاعة الرسول ﵊ واتباع ما جاء به وسمى كلامه وحيًا في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى. مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم:١-٤)، ولوكان رسوله لا يتبع ولا يطاع لم يكن لأوامره ونواهيه قيمة.\nوقد أمر ﷺ أن تبلغ سنته، فكان إذا خطب أمر أن تبلّغ السنة، فدل ذلك على أن سنته ﷺ واجبة الاتباع وعلى أن طاعته واجبة على جميع الأمة ... ومن تدبر القرآن العظيم وجد ذلك واضحًا \" (١) .\nوكفّر سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز زعيم القرآنيين غلام أحمد برويز، وذلك في تعقيب له على مجلة الحج \" التضامن الإسلامي \" التي نشرت استفتاء من الشيخ محمد يوسف البنوري عن حكم الشريعة في غلام أحمد برويز وقدّم\n_________\n(١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (٩ / ١٧٦ – ١٧٨) .","vol":"1","page":20},{"text":"عشرين نموذجًا مما تكلّم به برويز أو سطّرت يده، فقال ابن باز رحمة الله عليه: \"كلّ من تأمل هذه النماذج المشار إليها من ذوي العلم والبصيرة يعلم علمًا قطعيًا لا يحتمل الشك بوجه مّا أن معتنقها ومعتقدها والداعي إليها كافر كفرًا أكبر مرتد عن الإسلام، يجب أن يستتاب، فإن تاب توبة ظاهرة وكذّب نفسه تكذيبًا ظاهرًا يُنشر في الصحف المحلية، كما نشر فيها الباطل من تلك العقائد الزائفة وإلا وجب على وليّ الأمر للمسلمين قتله، وهذا شيء معلوم من دين الإسلام بالضرورة، والأدلة عليه من الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم كثيرة جدًا لا يمكن استقصاؤها في هذا الجواب، وكل أنموذج من تلك النماذج التي قدمها المستفتي من عقائد غلام أحمد برويز يوجب كفره وردته عن الإسلام عند علماء الشريعة الإسلامية\".\nومن النماذج التي نقلت عنه نموذج مضمونه أن الأحكام المالية في القرآن من الصدقات والتوريث وغيرها مؤقتة وإنما يتدرج بها إلى \" نظام الربوبية \" وقد انتهت أحكامها.\nوهناك نموذج آخر مضمونه أن الرسول والصحابة استنبطوا من القرآن أحكامًا كانت خاصة بهم، ولكل من جاء بعدهم من أعضاء شورى حكومة مركزية أن يستنبطوا أحكامًا أخرى وليسوا ملزمين بتلك الشريعة السابقة.\nونموذج آخر مضمونه أن المراد من طاعة الله وطاعة الرسول إطاعة مركز نظام الدين الذي ينفذ أحكام القرآن فقط.\nونموذج آخر نصه \"ليس المراد بالجنة والنار أمكنة خاصة، بل هي كيفيات للإنسان\" (١) .\n_________\n(١) المصدر السابق (٣/ ٢٦٨-٢٧٠) ثم ردّ عليه بالآيات والأحاديث في الصفحات بعدها، وختم كلامه بقوله: إن كفر برويز يُعلم بالبداهة لعامة المسلمين فضلًا عن علمائهم فلا ضرورة إلى بسط الأدلة عليه.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الفصل الثاني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>الشبهة الأولى</span>\n...\nالفصل الثاني:\nمل القرآنيون في هذا العصر لواء التشكيك في السنة النبوية، وأجلبوا عليه بخيل شبههم ورجلها لزحزحتها عن مقام الاحتجاج، غير أنهم لم يظفروا بطائل، وكان الأئمة لهم بالمرصاد.\nوهذا الفصل معقود لدحض أباطيلهم، والتزمت بأن أصدِّر كلّ مبحث بإحدى شبههم على ما ترجمه خادم إلهي بخش في كتابه \"القرآنيون وشبهاتهم\" دون تصرف مني بزيادة أو نقص، ثم أكُرُّ عليها بالنقض بما ييسر الله، معتمدًا على الكتاب والسنة، مفيدًا من أقاويل أهل العلم، منوعًا الأجوبة ببراهين علمية، ومعارضات عقلية، وتأصيلات شرعية، فإليك أولى شبهاتهم مصروعة.\nالشبهة الأولى:\nقول برويز: ١) (٢) . \"لو كانت السنة جزءًا من الدين لوضع لها رسول الله ﷺ منهجا كمنهج القرآن من الكتابة والحفظ والمذاكرة،.. لأن مقام النبوة يقتضي أن يعطي الدين لأمته على شكل محفوظ، لكنّه الله عليه وسلم صلى احتاط بكلّ الوسائل الممكنة لكتاب الله، ولم يفعل شيئا لسنّته، بل نهى عن كتابتها بقوله: لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه \" (\nالرد:\nنقول: ما هذا المنهج في القرآن؟ وإذا لم يكن منصوصا في القرآن\n_________\n(١) يأتي تخريجه قريبا.\n(٢) مقام حديث ٧.","vol":"1","page":22},{"text":"وليس منصوصا قطعا - فمن أين علمتم بوجود هذا المنهج، وقد رفضتم السنة وجعلتموها مختلقة مفتراة؟ فكيف تستدلون بسنة مختلقة مفتراة بزعمكم على أهمّ المطالب عندكم وهي ادعاء أن النبي ﷺ وضع للقرآن منهجا في كتابته وحفظه ومذاكرته، ولم يعمل للسنة مثله.\nفهذا تناقض أصلع وتضارب أعمى كتب الله على معاندي الحق ومشاغبي الحجج ومناوئي الدين أن يتورطوا في أوحاله.\nأما السنة فقد رغب الرسول ﷺ الأمة في حفظها فقال: \"نضر الله امرأ سمع منّا شيئًا فبلّغه كما سمع فرب مبلغ أوعى من سامع \" (١)، فهذا الحديث فيه أعظم حث على حفظ السنن، والمذاكرة من وسائل الحفظ وطرقه فليست مخالفة للحفظ، والوسيلة لها حكم المقصد.\nوقال الرسول ﷺ: \"ليبلغ الشاهد الغائب\" (٢) ففيه حض على الحفظ أيضا إذ لا يمكن تبليغ ما لم يحفظ، إما اللفظ وإما المعنى.\nفهذا كاف في حفظ السنة، مع علم الرسول ﷺ بأنها من الذكر الذي تكفل الله بحفظه، وعلمه بحرص الصحابة على الحديث وأن بعضهم أحرص عليه من بعض. سأل أبو هريرة رسول الله ﷺ من أسعد النّاس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال ﷺ: لقد ظننت يا أبا هريرة ألاّ يسألني عن هذا الحديث أحد أوّل منك لما رأيت من حرصك على الحديث \"أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله صدقًا من قلبه \" (٣) .\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٢٦٤٧) واللفظ له، وابن ماجه (٢٣٢) من حديث ابن مسعود، وهو حديث متواتر.\n(٢) أخرجه البخاري (٦٧) ومسلم (١٦٧٩) .\n(٣) صحيح البخاري (٩٩) كتاب العلم، باب الحرص على الحديث٠","vol":"1","page":23},{"text":"والحديث الذي استدلوا به رواه مسلم من طريق همام عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد مرفوعًا بلفظ: \"لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه\" (١) .\nوهو الحديث الوحيد الصحيح فيما أعلم الناهي عن كتابة الأحاديث النبوية، ووردت أحاديث عديدة صحيحة في الأمر بكتابة الأحاديث النبوية والرخصة فيها.\nوقد سلك أهل العلم في دفع ظاهر التعارض بين هذا الحديث والأحاديث الأخرى مسالك متعددة:\nالمسلك الأول: مسلك الترجيح لأحاديث الإذن على حديث النهي.\nوقد وهَّم الإمام البخاري (٢)، والإمام أبو داود (٣) همَّامًا في رفع هذا الحديث وصوَّبا وقفه على أبي سعيد الخدري، ولا تعارض بين حديث موقوف وأحاديث مرفوعة.\nالمسلك الثاني: مسلك النسخ، وهو القول بأن أحاديث الإذن متأخرة عن حديث النهي ناسخة له، وقد ذهب إلى ذلك ابن شاهين (٤) وآخرون.\nالمسلك الثالث: مسلك الجمع بينهما وفيه طرائق:\nقال البيهقي: \"لعله إن شاء الله أذن في الكتابة عنه لمن خشي عليه النسيان، ونهى عن الكتابة عنه لمن وثق بحفظه، أو نهى عن الكتابة عنه من\n_________\n(١) صحيح مسلم (٣٠٠٤) كتاب الزهد والرقائق، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم.\n(٢) فتح الباري ١ / ٢٠٨.\n(٣) تحفة الأشراف ٣ / ٤٠٨.\n(٤) ناسخ الحديث ومنسوخه ٤٧٢.","vol":"1","page":24},{"text":"خاف عليهم الاختلاط وأذن في الكتابة عنه حين أمن منه\" (١) .\nوذكر الزركشي وجوها أخرى في الجمع بينهما فقال: \"أحدها: أن النهي عن الكتابة مخصوص بحياة سيد البشر النبي ﷺ؛ لأن النسخ يطرأ في كل وقت فيختلط الناسخ بالمنسوخ، ويشهد له حديث أبي شاه لما أذن له في كتابة الخطبة التي خطب بها النبي ﷺ.. الثاني: أن النهي لئلا يتكل الكاتب على ما يكتب ولا يحفظ فيقل الحفظ.. الثالث: ألا يتخذ مع القرآن كتابا يضاهى به\" (٢) .\nوهذا الخلاف كان في العصر الأول، ثم أجمعت الأمة على تسويغ كتابة الحديث والعلم، واستقر الأمر على ذلك (٣) .\nوليس في مسلك من هذه المسالك التي سلكها أهل العلم ما يشهد لما ضلت به هذه العصابة وفرقت به الأمة وشذت به عن السواد الأعظم،\n﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (هود: ٦٠) .\n_________\n(١) المدخل إلى السنن الكبرى ٢ / ٢٢٣.\n(٢) النكت على ابن الصلاح ٣ / ٥٥٩ -٥٦٠ للزركشي بشيء من التصرف.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١٨ / ١٣٠.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الشبهة الثانية:</span>\nقول عبد الله جكرالوي مؤسس الفرقة: \"إن الكتاب المجيد ذكر كل شيء يحتاج إليه في الدين مفصلا ومشروحا من كل وجه، فما الداعي إلى الوحي الخفي وما الحاجة إلى السنة\" (١)؟\nويقول في موضع آخر: \"كتاب الله كامل مفصل لا يحتاج إلى الشرح ولا إلى تفسير محمد ﷺ له وتوضيحه إياه أو التعليم العملي بمقتضاه\" (٢) .\nويقول الحافظ أسلم في المعنى ذاته ما نصه: \"قد انحصرت ضروريات الدين في اتباع القرآن المفصل ولا تتعداه\" (٣) .\nالرد:\nهذا كفر بالقرآن الذي يزعمون الانتساب إليه لأن الله يقول:\n﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فموضع الرسول ﷺ من القرآن موضع البيان له، فمن كذب ذلك فقد كذب نص القرآن. ومفهوم كتاب الله عند أهل العلم والإيمان يختلف عن مفهوم الكتاب عند هذه الفرقة المشبوهة.\nحيث يطلق عند أهل العلم والإيمان على معنيين:\nروى الشيخان من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد قالا: كنا عند النبي ﷺ فقام رجل فقال: أنشدك الله إلا ما قضيت بيننا بكتاب الله فقام\n_________\n(١) مجلة إشاعة القرآن ص ٤٩ العدد الثالث سنة ١٩٠٢م، وإشاعة السنة ١٩ ص ٢٨٦ سنة ١٩٠٢.\n(٢) ترك افتراء تعامل ١٠ وقد قال بمثله الخواجه أحمد الدين والحافظ أسلم. انظر برهان القرآن ٤، ونكات قرآن ٤٩.\n(٣) مقام حديث ١٤٣ ونكات قرآن ٧٩.","vol":"1","page":26},{"text":"خصمه وكان أفقه منه فقال: اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي: قال: قل، قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم، ثم سألت رجالًا من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأته الرجم فقال النبي ﷺ: والذي نفسي بيده لأقضينّ بينكما بكتاب الله جل ذكره، المائة شاة (١) والخادم ردٌّ، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها (٢) .\nوفي هذا الحديث طلب الخصمان من رسول الله ﷺ أن يحكم بينهما بكتاب الله وأجاب رسول الله ﷺ إلى ذلك وحلف ليفعلنّ، والحكم الذي حكم به بينهما هو رد مائة الشاة والخادم وجلد مائة وتغريب عام على الزاني ورجم الزانية، وليس الرجم ولا التغريب ولاردّ مائة الشاة والخادم منصوصا عليها في القرآن المنزل، مع أن رسول الله ﷺ أطلق على هذا الحكم أنه كتاب الله أي حكم كتاب الله.\nقال أهل العلم والإيمان: كتاب الله ينطلق على معنيين:\nالمعنى الأول: ما حكم الله به وكتب به على عباده سواء أكان منصوصا في القرآن أم في السنة، وإطلاق كتاب الله على القرآن والسنة إطلاق اشتراك (٣) فما ثبت بالسنة يطلق عليه أنه كتاب الله، ومن حكم بالسنة\n_________\n(١) كذا بتعريف المائة وتنكير المعدود المضاف، وقد أجاز ابن عصفور هذا التعريف. انظر (النحو الوافي ١/٤٣٨) .\n(٢) صحيح البخاري (٦٨٢٠) وصحيح مسلم (١٦٩٧ / ١٦٩٨) .\n(٣) المشترك: هو الكلي الذي له مسمّيان فصاعدا يسمى بكل منهما بوضع خاص كالعين للباصرة والجارية. انظر: آداب البحث والمناظرة للعلامة محمد الأمين الشنقيطي ١ / ٢٢.","vol":"1","page":27},{"text":"لم يخرج عن كتاب الله حكمًا ومفهوما على هذا المعنى.\nقال الواحدي: \"وليس للجلد والتغريب ذكر في نص الكتاب، وهذا يدل على أن ما حكم به النبي ﷺ فهو عن كتاب الله\"، قال الرازي: وهذا حق لأنه تعالى قال: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فكل ما بينه الرسول ﵊ كان داخلًا تحت هذه الآية (١) .\nوالمعنى الثاني عندهم: أن كتاب الله هو القرآن وحده ولكن يطلق على مدلول السنة بأنه في كتاب الله بواسطة أمر الله لنا بطاعة رسوله واتباع أمره، و\" مَنْ قَبِلَ عن رسول الله ﷺ فعن الله قَبِلَ، لِما افترض الله من طاعته، فيجمع القبولُ لما في كتاب الله وسنة رسول الله القبول لكل واحد منهما عن الله \" (٢) .\nومن حكم بالسنة لم يخرج عن كتاب الله حكما ومفهوما على هذا المعنى أيضًا.\nروى الشيخان واللفظ لمسلم عن عبد الله بن مسعود قال: \"لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب وكانت تقرأ القرآن فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله؟ فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله؟ وهو في كتاب الله، فقالت: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته، فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله\n_________\n(١) مفاتيح الغيب ٦ / ١٢ / ٢٢٧.\n(٢) الرسالة للشافعي ٣٣.","vol":"1","page":28},{"text":"﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) .\nفهذا ابن مسعود ﵁ يقول عن حكمٍ ثبت بالسنة ولم يُنَصَّ عليه في القرآن أنه في كتاب الله.\nوسئل عكرمة عن أمهات الأولاد؟ فقال: إنهن حرائر، قيل له بأي شيء تقوله؟ قال: بالقرآن، قال: بماذا من القرآن؟ قال: قول الله ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، وكان عمر من أولي الأمر، قال: عتقت وإن كان سِقْطًا (٢) .\nبل ذهب الإمام المطلبي ناصر السنة إلى أبعد من ذلك إذ جعل ما ثبت عن عمر ﵁ ثابتا في كتاب الله بنوع استنباط واستدلال بمراتب.\nروى البيهقي بسنده عن عبد الله بن محمد بن هارون قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول بمكة: سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله فقال له رجل: أصلحك الله ما تقول في المحرم قتل زنبورًا؟ قال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: \"اقتدوا بالذين من بعدي أبو بكر وعمر\"، وحدثنا سفيان عن مسعر عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر أنه أمر بقتل زنبور (٣) .\nقال الواحدي: \"فأجابه من كتاب الله مستنبطا بثلاث درجات\" (٤) .\n_________\n(١) صحيح البخاري (٤٨٨٦)، ومسلم (٢١٢٥) .\n(٢) رواه سعيد بن منصور في سننه برقم (٦٥٧)، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠ / ٣٤٦، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢ / ١١٧٥) .\n(٣) مناقب الشافعي للبيهقي ١/٣٦٢.\n(٤) مفاتيح الغيب ٦ / ١٢ / ٢٢٧.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الشبهة الثالثة:</span>\nقولون: إن السنة ليست وحيًا من الله، وإنما لفقت ثم نسبت إلى الرسول ﷺ، ولو صحت فإننا لم نؤمر باتباعها.\nيقول عبد الله جكرالوي: \"إنا لم نؤمر إلا باتباع ما أنزله الله بالوحي، ولو فرضنا جدلًا صحة نسبة بعض الأحاديث بطريق قطعي إلى النبي ﷺ، فإنها مع صحة نسبتها لا تكون واجبة الاتباع؛ لأنها ليست بوحي منزل من الله ﷿ (١) .\nوقال في موضع آخر: \"يعتقد أهل الحديث أن نزول الوحي من الله ﷿ إلى نبيه ﵊ قسمان: جلي متلو وخفي غير متلو، والأول: هو القرآن، والثاني: هو حديث الرسول ﵊.. غير أن الوحي الإلهي هو الذي لا يمكن الإتيان بمثله، بيد أن وحي الأحاديث قد أتى له مثيل بمئات الألوف من الأحاديث الوضعية \" (٢) .\nويرى برويز: \"أنّ هذا التقسيم للوحي معتقد مستعار من اليهود (شبكتب) المكتوب، و(شَبْعَلْفَهْ) المنقول بالرواية وأنه لا صلة به بالإسلام\" (٣) .\nويقول خواجه أحمد الدين: \"إن الأصل الذي لا يتغير ولا يتبدل هو الوحي الإلهي فحسب، وهل أُمرنا بالبحث عن الوحي الإلهي في التوراة\n_________\n(١) المباحثة نقلا عن إشاعة السنة ج١٩ / ٢١٩ سنة ١٩٠٢م ويرى أسلم أيضا مثل ذلك. انظر: مقام حديث ١٣٩.\n(٢) مجلة إشاعة القرآن ٣٥ العدد الرابع ١٩٠٣م، ويقول بمثله الحافظ محب الحق، انظر: بلاغ الحق ١٩.\n(٣) مقام حديث ٤٦.","vol":"1","page":30},{"text":"والإنجيل.. أو البخاري ومسلم أو الترمذي وأبي داود وابن ماجه. أو مسانيد أئمة آخرين \" (١) .\nالرد:\nكذب عدو الله جكرالوي في المقام الأول، وهو زعمه عدم صدور هذه الأحاديث عن النبي صلى الله عليهوسلم.\nومعنى قوله هذا: أنه لم يصدر منه ﷺ غير هذا القرآن المتعبد بتلاوته.\nوهذا أمر مناقض لِبَدَاْئِهِ العقول؛ إذ كيف يُتصور أن يكون رسولًا إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا يأمرهم بما يرضي الله ويوصل إلى جناته وينهاهم عما نهى الله عنه ويوصل إلى نيرانه، ويصبغ حياتهم كلها بصبغة هذا الدين الذي أُمر بتبليغه إليهم ثم لا يصدر منه غير تلاوة القرآن عليهم.\nفدعوى جكرالوي مناقضة للعقل الصريح ومنافية للقرآن الذي يتشدقون باتباعه.\nقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (الجمعة:٢) .، وقال ﷿:\n﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (البقرة: ١٥١) .، وقال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (النساء:١١٣) . وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ (البقرة:٢٣١) . ففي هذه الآيات إخبار من الله ﷾ أنه أنزل على رسوله وحيين: الكتاب\n_________\n(١) برهان فرقان ٤.","vol":"1","page":31},{"text":"والحكمة، وقد فسر أهل العلم والإيمان الحكمة بأنها سنة رسول الله ﷺ، ثبت ذلك عن قتادة، وروي نحوه عن أبي مالك، ومقاتل بن حيان، ويحيى بن أبي كثير (١) .\nقال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: \" فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله ﷺ، وهذا يشبه ما قال، والله أعلم؛ لأن القرآن ذُكِرَ وأُتْبِعَتْهُ الحكمةُ، فَذَكَرَ الله مَنَّه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يَجُزْ – والله أعلم – أن يقال هاهنا إلا سنة رسوله ﷺ؛ وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله \" (٢) .\nوقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: \"قد تأولت جماعة من أهل التأويل من الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين (الحكمة) في قول الله تعالى ذكره: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: ٢٦٩) . أنها القرآن، وتأولت (الحكمة) في قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (آل عمران: ١٦٤) . أنها السنن التي سنها رسول الله بوحي من الله جل ثناؤه إليه، وكلا التأويلين في موضعه صحيح؛ وذلك أن القرآن حكمة، أحكم الله عز ذكره فيه لعباده حلاله وحرامه، وبين لهم فيه أمره ونهيه، وفصَّل لهم فيه شرائعه، فهو كما وصف به ربنا ﵎ بقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ (القمر: ٤-٥)، وكذلك سنن رسول الله ﷺ التي سنها لأمته عن وحي الله جل ثناؤه إليه\n_________\n(١) تفسير الطبري رقم ٢٠٧٨، وتفسير ابن أبي حاتم ١٨٠٧-١٨١٠.\n(٢) الرسالة ٧٨.","vol":"1","page":32},{"text":"حكمة حكم بها فيهم، ففصل بها بين الحق والباطل، وبين لهم بها مجمل ما في آي القرآن، وعرَّفهم بها معاني ما في التنزيل \" (١) .\nوأكد أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي هذا المعنى الذي سبقه إليه غيره من أهل العلم وزاده وضوحا وإشراقا فكان مما قاله: \"تأولت العلماء أن الحكمة هاهنا هي السنة؛ لأنه قد ذكر الكتاب، ثم قال: والحكمة، ففصل بينهما بالواو، فدلّ ذلك على أن الحكمة غير الكتاب، وهي ما سن الرسول ﷺ مما لم يُذكر في الكتاب؛ لأن التأويل إن لم يكن كذلك فيكون كأنه قال: وأنزل عليك الكتاب والكتاب، وهذا يبعد \" (٢) .\nأما قول برويز: إن تقسيم الوحي إلى جلي متلو وخفي غير متلو مستعار من اليهود، الأول: المكتوب، والثاني: المنقول بالرواية، فيقال له: ضللت في التشبيه بين المسلمين واليهود؛ إذ يشترط المسلمون للرواية اتصال السند من مبدئه إلى منتهاه بالعدول الضابطين، وليس ذلك عند اليهود أو عند غيرهم من أمم الكفر والشقاق.\nوقد دلّ القرآن على أن هناك وحيًا من الله إلى رسوله زيادة على مافي القرآن المتلوّ، قال الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ فقد كانت القبلة في أول الإسلام إلى بيت المقدس فأين في القرآن النص على وجوب التوجه إلى بيت المقدس؟ لم يثبت هذا الأمر إلا بالسنة، ثم نسخت بالقرآن.\n_________\n(١) تهذيب الآثار والسنن – السفر الأول – مسند ابن عباس ١٨٢.\n(٢) السنة ١١٠.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الشبهة الرابعة:</span>\nيقول عبد الله جكرالوي: \"الحض على أقوال الرسل وأفعالهم وتقريراتهم مع وجود كتاب الله علة قديمة قدم الزمن، وقد برأ الله رسله وأنبياءه من هذه الأحاديث، بل جعل تلك الأحاديث كفرًا وشركًا\" (١) .\nويقول الخواجه أحمد الدين في تفصيل هذه الشبهة ما نصه: \"وقد وضع الناس لإحياء الشرك طرقًا متعددة، فقالوا: إنا نؤمن أن الله هو الأصل المطاع، غير أن الله أمرنا باتباع رسوله، فهو اتباع مضاف إلى الأصل المطاع، وبناء على هذا الدليل الفاسد يصححون جميع أنواع الشرك، فهل يصبح الأجنبي زوجا لمتزوجة بقول زوجها إنها زوجته، ألا وإن الله لم يأمر بمثل ذلك ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (يوسف:٤٠) . (٢) .\nيقال لعبد الله جكرالوي: أوجدنا أين برّأ الله رسله من هذه الأحاديث؟ وأين جعلها كفرًا وشركًا؟ وكيف يبرأ الإنسان من أقواله وأفعاله وتقريراته؟ ونحن لا نفرق بين الله ورسله، بل نؤمن بالله ورسله ولا نفرق بين أحد منهم.\nوأقوالهم هذه التي تفوهوا بها محض مشاقة لله ومعاندة سافرة للوحي المنزل، لأن الله دعا في كتابه إلى الإئتساء بالرسول ﷺ فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب:٢١) .، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (النور: ٥٤) .، فهل يقول من يصدق بهاتين الآيتين: إن اتباع الرسول\n_________\n(١) ترك افتراء تعامل ١٠ وانظر المباحثة ٤٢.\n(٢) تفسير بيان للناس ج ٢ / ٣٩٥ و٤٤٥.","vol":"1","page":34},{"text":"ﷺ شرك.\nويظهر من أقوال الخواجه أحمد الدين أنه يرى أن الأدلة الدالة على طاعة الرسول ﷺ أدلة فاسدة؛ لأن وصف الدليل بالفساد يرجع إلى ذاته، ولو أراد فَهْمَ الناس للدليل لقال: إن استدلالهم فاسد، فالله يأمر باتباع الرسول ﷺ وهم يأبون ذلك ويَعُدُّونه شركًا.\nوما الكفر والشرك إلا في الطاعة التي يُتَدَيَّنُ بها ولم يُنْزِل الله بها من سلطان، أما وصف ما أنزل الله به سلطانًا بالكفر والشرك فهو خروج عن ربقة الإسلام، ووقوع في مهاوي الضلال، فما أجرأهم على الله وأوسع حلم الله عليهم !!\nوالمثال الذي ضربه الخواجه أحمد الدين بالغ القبح والشناعة، وينبئ عن فجور قلبه وسوء أدبه، حيث يشبه الرسول ﷺ بالأجنبي الذي يطمع في زوجة غيره، ويمثل الله سبحانه بما لا أعيد حكايته، وإن كان ناقل الكفر للرد عليه ليس بكافر، ثم إن الزوج لا يملك من زوجته شرعًا أن يبيحها من يشاء، أما الله سبحانه فهو فعال لما يريد لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، وقد حكم بأن الرسول يطاع بإذن الله.\nأما قوله \" إن الله لم يأمر بمثل ذلك ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ \" فنقول: قد أمر الله باتّباع الرسول ﷺ وقد مرّ آنفًا آيتان كريمتان فى ذلك، ولا ريب أنّ الحكم لله وقد حكم الله باتّباع رسوله ﷺ وطاعته، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (النّساء: ٥٩) . وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ","vol":"1","page":35},{"text":"أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ (الآحزاب: ٣٦) . وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النّساء:٨٠) . وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (النّساء: ٦٤) . فظهر من هذه الآيات أنّ القوم إنّما فيهم كيد الإسلام وكراهته، وجعله شيئًا آخر يوافق أهواءهم العليلة،\nكناطح صخرة يومًا ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعلُ.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الشبهة الخامسة:</span>\nيقولون: إن نسبة السنة إلى النبي ﷺ ليست يقينية؛ لأنها:\nأولًا: تأخر تدوينها ولا يوثق بناقليها.\nوثانيًا: رويت بالمعنى، مع عدم كفالة الله بحفظها كالقرآن، وكثرة ما غزاها من الأحاديث الموضوعة.\nأما الشق الأول: فيقول عبد الله جكرالوي: \"لم تدون السنة أيام حياته ﵊، وتناقلت (١) سماعًا إلى القرن الثالث الهجري، وإذا كان سامعونا لا يستطيعون ذكر ما تحدثنا عنه في خطبة الجمعة الماضية فكيف بسماع مائة سنة وصحة بيانه\" (٢) .\nوأكد حشمت علي هذا المعنى فقال: \"إن الصحاح (٣) الستة التي يُفْتَخَرُ بها والتي يقال بحاجة القرآن إليها، كل تلك الكتب جُمعت ودونت في القرن الثالث حسب إقرار المحدثين\" (٤) .\nويضيف عبد الله جكرالوي قائلًا: \"بالإضافة إلى هذا التأخر في تدوين السنة كان المجتمع المدني يضم كثيرًا من المنافقين في صفوفه، وقد استحالت معرفتهم على النبي ﷺ فخاطبه ربه بقوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ (التوبة: ١٠١)، فهذه الآية\n_________\n(١) كذا والصواب: وتنوقلت.\n(٢) مجلة إشاعة السنة ج ١٩ / ١٥٢ عام ١٩٠٢م.\n(٣) كذا والاستعمال الصحيح هو «الكتب» لأن ملتزم الصحة بعضها لا كلها.\n(٤) تبليغ القرآن ٤١.","vol":"1","page":37},{"text":"وشبيهاتها تنفي معرفة الرسول بهم، وأي شخص أكثر معرفة منه ﵊ بهؤلاء \" (١) .\nووسع من هذا المفهوم في موضع آخر فقال: \"ليس في وسع المرء أن يطلع على حقيقة رواة الحديث صدقًا وكذبًا؛ لأنهما من الأمور الباطنية التي لا يطلع عليها إلا العليم بذات الصدور\" ٢) .\nويقول الحافظ أسلم: \"قد كان للعواطف البشرية يد في تصحيح السنة وتضعيفها، وإنا لنرى توثيق الرواة لم ينحصر في الصدق فحسب، بل تجاوزه إلى التلمذة والتشيخ والمشاركة الفكرية والعواطف والميول الوجدانية\" (٣) .\nالرد على الفرية الأولى: وهي تأخر تدوين الحديث:\nإن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يُعْنَوْنَ بتدوين أحاديث رسول الله ﷺ في حياته وبعد مماته بإذن منه ﷺ.\nروى البخاري بسنده عن همام بن منبه قال: سمعت أبا هريرة يقول: \"ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثًا مني، إلا ما كان من حديث عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب\" (٤) .\nوروى البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: لما فتح الله على رسوله ﷺ مكة ... فقام أبو شاه - رجل من أهل اليمن – فقال: اكتبوا لي يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ: \"اكتبوا لأبي شاه\" (٥) .\n_________\n(١) إشاعة السنة ج ١٩ / ١٥٢ عام ١٩٠٢.\n(٢) إشاعة السنة ج ١٩ / ٢٠٠ عام ١٩٠٢.\n(٣) مقام حديث ١٢٥.\n(٤) صحيح البخاري (١١٣) .\n(٥) صحيح البخاري (٢٤٣٤) .","vol":"1","page":38},{"text":"وأخرج البخاري بسنده عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر» (١) .\nوروى الإمام أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك من حديث أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص وسئل أي المدينتين تفتح أولًا القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتابًا، قال: فقال عبد الله: بينا نحن حول رسول الله ﷺ نكتب إذ سئل رسول الله ﷺ أي المدينتين تفتح أولًا:قسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله ﷺ: \"مدينة هرقل تفتح أولًا يعني قسطنطينية\" (٢) .\nففي هذه الأحاديث وغيرها كثير دليل صريح على أن الصحابة ﵃ كانوا يكتبون الأحاديث النبوية، وقد كانت لبعضهم صحائف مثل صحيفة عبد الله بن عمرو وصحيفة جابر بن عبد الله.\nهذا وقد أحصى الدكتور محمد مصطفى الأعظمي الصحابة الذين كانوا يكتبون أو كانت لهم صحف فبلغ عددهم اثنين وخمسين صحابيا (٣) .\nهذا جيل الصحابة فإذا جئنا إلى جيل التابعين نجد أن الكتابة انتشرت\n_________\n(١) صحيح البخاري (١١١)، وأخرجه مسلم (١٣٧٠) بسنده عن إبراهيم بن التيمي عن أبيه يزيد بن شريك عن علي محلّ الشاهد والديات وأشياء أخرى زائدة عل ما في رواية أبي جحيفة.\n(٢) المسند (١١ / ٢٤٤)، والمستدرك (٤ / ٥٥٥)، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤)، وقال: فيه دليل على أن الحديث كتب في عهده ﷺ خلافا لما يظنه بعض الخراصين.\n(٣) دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه ٩٢ – ١٤٢.","vol":"1","page":39},{"text":"أكثر من جيل الصحابة فقد أوصل محمد مصطفى الأعظمي التابعين الذين كانت لهم صحائف ورسائل إلى أكثر من اثنين وخمسين ومائة تابعي (١) .\nولعل مرد ذلك إلى الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز فقد روى أبو نعيم أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الآفاق: \"انظروا حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه \" (٢) .\nوأصدر أمره إلى أبي بكر بن حزم أن \"انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء \" (٣) .\nوأما جيل تابعي التابعين فقد أخذت كتابة الأحاديث النبوية منحى آخر إذ أضيف إليها آثار الصحابة والتابعين وصُنفت على حسب الكتب والأبواب الفقهية.\nوما من حاضرة من حواضر العالم الإسلامي إلا وقام علماؤها بتدوين هذه الكتب وتصنيفها، وكانت هذه الكتب مادة أساسية للكتب الستة.\nقال الحافظ ابن حجر: \"ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار لما انتشر العلماء في الأمصار وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار، فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح، وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما، وكانوا يصنفون كل باب على حدة، إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة فدونوا الأحكام، فصنف الإمام مالك الموطأ وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين\n_________\n(١) المصدر السابق ١٤٣ - ٢٢٠.\n(٢) ذكر أخبار أصبهان (١ / ٣١٢) .\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب العلم - باب كيف يقبض العلم.","vol":"1","page":40},{"text":"ومن بعدهم، وصنف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج بمكة، وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم إلى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث النبي ﷺ خاصة، وذلك على رأس المائتين، فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسندًا، وصنف مسدد بن مسرهد البصري مسندًا، وصنف أسد بن موسى الأموي مسندًا، وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أثرهم، فقلَّ إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنف على الأبواب وعلى المسانيد معًا، كأبي بكر بن أبي شيبة\" (١) .\nفسقط بذلك قول جكرالوي وبطلت دعواه أن تدوين الحديث تأخر إلى القرن الثالث.\nأما قول حشمت علي: إن الصحاح الستة تأخر تدوينها إلى القرن الثالث فنقول: نعم، دونت في القرن الثالث فكان ماذا؟ .\nلقد تبين آنفًا أن أصولها كانت مدونة مكتوبة (٢)، ويظهر من مجموع كلام الرجلين أنهما ضلا في مفهوم السنة وأنهما يظنان أن السنة هي الكتب\n_________\n(١) هدي الساري ٦.\n(٢) درس الأخ محمد باجعمان كتاب الوضوء من صحيح البخاري فخرج بأنه يتضمن (١١٣) حديثًا اشتملت على (٢٣٨) راويًا، ذكرت المصادر لـ (١٠٧) منهم مادة مكتوبة. انظر \" المصادر المكتوبة للبخاري في صحيحه «كتاب الوضوء» \" ١٥.","vol":"1","page":41},{"text":"الستة.\nأما تشبث جكرالوي بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ (التوبة: ١٠١) .\nفالجواب عنه في ثلاثة مقامات:\nالمقام الأول: عدم معرفة الرسول ﷺ بأعيان بعض المنافقين لا يقتضي الشك في أحاديث الرسول ﷺ؛ لأن المنافقين كانوا معروفين بصفاتهم فكان الصحابة يأخذون حذرهم منهم، ففي الصحيحين من حديث عتبان بن مالك لما صلى له النبي ﷺ في بيته فاجتمع إليه نفر من أهل الحي فقال قائل منهم: أين مالك الدخشن؟ فقال بعضهم: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله، فقال النبي ﷺ: لا تقل له ذلك، ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله، يريد بذلك وجه الله؟ قال: قالوا: الله ورسوله أعلم، أما نحن فو الله لا نرى ودّه وحديثه إلا إلى المنافقين فقال رسول الله ﷺ: \"فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله \" (١) .\nفظهر من هذا الحديث أن الصحابة كانوا في غاية الصرامة في شأن المنافقين بحيث اتهموا من جالسهم وخالطهم وإن لم يبلغ به الأمر إلى الكفر الباطني كما شهد بذلك الرسول ﷺ لمالك بن الدخشن (٢)، أفتراهم يأخذون الأحاديث من المنافقين بعد ذلك؟ أو ترى المنافقين يجرؤون على اختلاق الأحاديث وبثها في الناس مع أنهم معزولون عن المجتمع المؤمن ومنبوذون فيهم؟\n_________\n(١) صحيح البخاري (١١٨٦) واللفظ له، وصحيح مسلم (٢٦٣) .\n(٢) كان بدريا، ولا يخفى فضلهم الباهر في الأمة. انظر معرفة الصحابة لأبي نعيم (٥ / ٢٤٦٤) .","vol":"1","page":42},{"text":"وليس عند جكرالوي شبهة دليل على أن المنافقين كانوا يتصدون لبث الأحاديث المختلقة وروايتها في حياة رسول الله ﷺ وبعد مماته.\nالمقام الثاني: أن في الآية التي استدل بها ما يرد دعواه إذ أوعدهم الله عذابين في الدنيا قبل العذاب الشديد في الآخرة.\nقال بعض المفسرين: أحد العذابين هو فضيحتهم بكشف أمورهم وتبيين سرائرهم للناس على لسان رسول الله ﷺ.\nروى ابن جرير بسنده عن ابن عباس في قول الله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ث﴾ (التوبة:١٠١) . قال: قام رسول الله ﷺ خطيبًا يوم الجمعة فقال: اخرج يا فلان فإنك منافق، فأخرج من المسجد ناسا منهم ففضحهم \" (١) .\nالمقام الثالث: الاعتماد على الثقة في نقل الأخبار ضرورة دينية ودنيوية وأن وجود بعض الكذبة في المجتمع لا يسد عليهم باب نقل الأخبار وتلقيها من الثقات.\nقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات:٦) .، ففي هذه الآية لم يأمر الله برد خبر الفاسق وتكذيبه جملة وإنما أمر بالتبين فدل ذلك على أنه يقبل خبر العدل ولا يُتبين فيه.\nوإذا رُد خبر الفاسق والعدل جملة على السواء لوجود بعض الكذبة ومن لا يوثق بخبره في المجتمع بطلت الأخبار الصحيحة والروايات الثابتة، وتعطلت\n_________\n(١) جامع البيان ١٤ / ٤٤١، والطبراني في المعجم الأوسط، قال الهيثمي: فيه الحسين بن عمرو بن محمد وهو ضعيف.","vol":"1","page":43},{"text":"حقوق الناس واختلت حياتهم واضطربت معيشتهم، وهذا فاسد ضرورة، وما أدى إليه – أعني فهمهم لآية سورة التوبة – فهو مثله.\nأما ما ذهب إليه جكرالوي من أنه: \"ليس في وسع المرء أن يطلع على حقيقة رواة الحديث صدقا أو كذبا؛ لأنهما من الأمور الباطنية التي لا يطلع عليها إلا العليم بذات الصدور \" وحاصله أنه أغلق باب معرفة عدالة النقلة وصدقهم من كذبهم.\nفأقول: إن الله تعالى رد عليه فريته وأفسد عليه مزاعمه إذ قال:\n﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (الطلاق:٢)،وقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (البقرة:٢٨٢) .\nوقال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (المائدة: ٩٥) .\nففي هذه الآيات أناط الله الشهادة والحكم بالشاهدين العدلين فدل ذلك على أن مناط العدالة (١) يمكن الوقوف عليه والحكم بمقتضاه، فلو لم يمكن معرفة مناط العدالة لكان الله أمرنا بالمحالات والممتنعات، وهذا فاسد وما أدى إليه فهو فاسد مثله.\nوأما قول الحافظ أسلم إنه كان للعواطف البشريّة يد فى تصحيح السنّة وتضعيفها، ولم ينحصر التوثيق في الصدق بل تجاوزه إلى التلمذة والتشيّخ والمشاركة الفكرية.\nفالجواب أن يقال: إنّ العدالة التى تشترط لراواي الحديث تشترط أيضا\n_________\n(١) وهي تجنب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر، وفسّرها شيخ الإسلام ابن تيميّة بأنّها الصّلاح في الدّين والمروءة. انظر مجموع الفتاوى (١٥/٣٥٦) .","vol":"1","page":44},{"text":"للمتصدّي للجرح والتعديل، فإذا كان يوثّق ويضعّف حسب الأهواء والميول فإنّه يسقط فى ميزان المحدّثين ولا يحابون بهذا أحدًا، فقد وُجد منهم الطعن فى آبائهم وأبنائهم لأجل الاحتياط للرّواية، أفتراهم بعد ذلك يعدّلون من انتمى إلى مذهبهم وشاركهم فكريًّا إن كان لا يستحقُّ ذلك؟ . سُئل علي بن المديني عن أبيه فقال: اسألوا غيري، فقالوا: سألناك، فأطرق ثمّ رفع رأسه وقال: \"هذا هو الدّين أبي ضعيف\" (١) ورُوي عن أبي داود صاحب السنن أنه كذّب ابنه عبد الله (٢) وإ ن كان لهذه الكلمة تأويلٌ مقبول، إلاّ أنّ المقصود هنا إثبات أنّهم كانوا لا يحابون أبًا ولا ابنًا إذا تعلّق الأمر بالدّين.\nالشق الثاني من شبهتهم: وهو كون السنة ليست يقينية بسبب روايتها بالمعنى مع عدم كفالة الله بحفظها، وكثرة ما غزاها من الأحاديث الموضوعة.\nيقول الحافظ أسلم:\"كل الروايات التي نسبت إلى النبي ﷺ جاءت بالمعنى ولم تأت بألفاظه ﵊ والمعروف أن تغيير اللفظ موجب لتغيير المعنى ولو يسيرا\" (٣) .\nويقول برويز: \"اعلم أن الله ﷿ لم يتكفل بحفظ شيء سوى القرآن، فلذا لم يجمع الله الأحاديث كما أنه لم يأمر بجمعها ولا تكفل بحفظها\" (٤) .\nويقول عبد الله جكرالوي: \" بعد وفاة الرسول ﷺ بمئآت السنين نحت\n_________\n(١) المجروحون (٢ / ١٥) .\n(٢) تذكرة الحفاظ (٢ / ٧٧٢) .\n(٣) مقام حديث ١٣١، ١٥٦.\n(٤) مقام حديث ٧.","vol":"1","page":45},{"text":"بعض النّاس هذه الهزليات من عند أنفسهم ثم نسبوها إلى محمّدٍ ﷺ وهو منها براء \" (١) .\nالرد:\nإن النبي ﷺ حث أمته على أن ينقلوا عنه سنته ويُعْنَوْا بها ويبلِّغوها كما سمعوها منه فقال:\" نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلّغه كما سمع، فرب مبلغ أوعى من سامع\" (٢) .\nولا شك أن أداء لفظ الحديث كما سمع هو الأولى والأجدر الذي يتحقق به دعاء النبي ﷺ لسامعه إلا أن المعنى هو المقصود الأول من الأحاديث واللفظ وسيلة، فإذا روى الراوي الحديث وأصاب المعنى قبل منه ذلك.\nوقد وضع أهل العلم لرواية الحديث بالمعنى ضوابط تكفل صونه من تغيير المعنى.\nقال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: \"قال جمهور الفقهاء: يجوز للعالم بمواقع الخطاب ومعاني الألفاظ رواية الحديث على المعنى، وليس بين أهل العلم خلاف في أن ذلك لا يجوز للجاهل بمعنى الكلام وموقع الخطاب، والمحتمل منه وغير المحتمل فأما الدليل على أنه ليس للجاهل بمواقع الخطاب، وبالمتفق معناه والمختلف من الألفاظ فهو أنه لا يؤمن عليه إبدال اللفظ بخلافه بل هو الغالب من أمره.\n_________\n(١) ترك افتراء تعامل ١٢ ويقول بمثله الحافظ أسلم، انظر مقام حديث ١١٠ و١٦٨.\n(٢) مضى تخريجه في مستهل الجواب على الشبهة الأولى","vol":"1","page":46},{"text":"وأما الدليل على جواز ذلك للعالم بمعناه. [فهو] (١) اتفاق الأمة على أن للعالم بمعنى خبر النبي ﷺ وللسامع بقوله أن ينقل معنى خبره بغير لفظه وغير اللغة العربية، وأن الواجب على رسله وسفرائه إلى أهل اللغات المختلفة من العجم وغيرهم أن يرووا عنه ما سمعوه وحملوه مما أخبرهم به وتعبدهم بفعله على ألسنة رسله سيما إذا كان السفير يعرف اللغتين.. وإذا ثبت ذلك صح أن القصد برواية خبره وأمره ونهيه إصابة معناه وامتثال موجبه، دون إيراد نفس لفظه وصورته.\nوعلى هذا الوجه لزم العجم وغيرهم من سائر الأمم دعوة الرسول إلى دينه والعلم بأحكامه.\nويدل على ذلك أنه إنما ينكر الكذب والتحريف على رسول الله ﷺ وتغيير معنى اللفظ، فإذا سلم راوي الحديث على المعنى من ذلك كان مخبرا بالمعنى المقصود من اللفظ، وصادقا على الرسول ﷺ\" (٢) .\nقال المعلمي: \"ولو قلت لابنك: اذهب فقل للكاتب: أبي يدعوك، فذهب وقال له: والدي – أو الوالد – يدعوك، أو يطلب مجيئك إليه، أو أمرني أن أدعوك له، لكان مطيعا صادقًا، ولو اطلعت بعد ذلك على ما قال فزعمت أنه قد عصى أو كذب وأردت أن تعاقبه لأنكر العقلاء عليك ذلك، وقد قص الله ﷿ في القرآن كثيرا من أقوال خلقه بغير ألفاظهم؛ لأن من ذلك ما يطول فيبلغ الحد المعجز، ومنه ما يكون عن لسان أعجمي، ومنه ما\n_________\n(١) زيادة لربط الكلام.\n(٢) الكفاية في علم الرواية ٣٠٠ - ٣٠٤ وانظر في شروط رواية الحديث بالمعنى الإلماع للقاضي عياض ١٨٧ ومقدمة ابن الصلاح ٣٩٤ – ٣٩٧.","vol":"1","page":47},{"text":"يأتي في موضع بألفاظ وفي آخر بغيرها، وقد تتعدد الصور كما في قصة موسى، ويطول في موضع ويختصر في آخر، فبالنظر إلى أداء المعنى كرر النبي ﷺ بيان شدة الكذب عليه، وبالنظر إلى أداء اللفظ اقتصر على الترغيب.\nواعلم أن الأحاديث الصحيحة ليست كلها قولية، بل منها ما هو إخبار عن أفعال النبي ﷺ وهي كثيرة، ومنها ما أصله قولي، ولكن الصحابي لا يذكر القول، بل يقول: أمرنا النبي ﷺ بكذا، أو نهانا عن كذا، أو قضى بكذا، أو أذن في كذا، وأشباه هذا وهذا كثير أيضا.\nوهذان الضربان ليسا محل نزاع، والكلام فيما يقول الصحابي فيه: قال رسول الله ﷺ كيت وكيت، أو نحو ذلك.\nومن تتبع هذا في الأحاديث التي يرويها صحابيان أو أكثر ووقع اختلاف فإنما هو في بعض الألفاظ، وهذا يبين أن الصحابة لم يكونوا إذ حكوا قوله ﷺ يهملون ألفاظه البتة، لكن منهم من يحاول أن يؤديها فيقع له تقديم وتأخير، أو إبدال الكلمة بمرادفها ونحو ذلك.\nومع هذا فقد عرف جماعة من الصحابة كانوا يتحرون ضبط الألفاظ، وكان ابن عمر ممن شدد في ذلك، وقد آتاهم الله من جودة الحفظ ما أتاهم.\nفعلى هذا ما كان من أحاديث المشهورين بالتحفظ فهو بلفظ النبي ﷺ، وما كان من حديث غيرهم فالظاهر ذلك؛ لأنهم كلهم كانوا يتحرون ما أمكنهم، ويبقى النظر في تصرف من بعدهم\" (١) .\nأما قول برويز إن الله لم يتكفل بحفظ السنة فنقول: إن الله تكفل بحفظ\n_________\n(١) الأنوار الكاشفة ٧٨ – ٧٩.","vol":"1","page":48},{"text":"الذكر، وهو يشمل القرآن والسنة لأنها بيان له لا تنفك عنه، ومظاهر حفظ الله للسنة النبوية بادية أمامنا، إذ لم تخل العصور الإسلامية من حفاظ الحديث الذين شمّروا عن ساعد الجدّ لحفظه في صدورهم وتتبعه من أفواه الرجال وقطع المفاوز والفيافي للقاء من سبقهم من الحفاظ، واشتد حرص كثير منهم في كتابة ما سمعوه فاجتمع لهم الضبطان: ضبط الصدر وضبط الكتاب، ثم كانوا إذا أرادوا أن يرووا عن رجل سألوا عنه وفحصوا حاله حتى كان يقال لبعضهم: أتريدون أن تزوجّوه، كل ذلك احتياطًا للسنة، ونشأ عن ذلك علمٌ قائم بنفسه هو علم الرجال، بحيث لا يخفى على المعنيّ بأمر الحديث حال الرواة جرحًا وتعديلًا، وهو علمٌ لا يوجد عند الأمم غير الإسلامية، فمن عرف اجتهاد المحدثين ونصحهم للأمة علم مدى عناية الله سبحانه بحفظ السنة النبوية.\nأما إلغاء حجية السنة بسبب وجود أحاديث موضوعة فسيأتي في الجواب عن الشبهة الثامنة الكلام عن وجود الغش في النفائس عمومًا، وأن هذا لم يصدَّ الناس عن أخذ الصحيح وترك المغشوش، هذا في الأمور الدنيوية فكيف يتركهم الله عُميًا فاقدي البصائر فيما يتعلق بدينهم؟ هذا بعيد عن حكمة الله.\nثم إن العلماء وضعوا لمعرفة الحديث الموضوع ضوابط تعين على إدراكه ليُعرف فيحذرَ، منها:\n١- اشتمال الحديث على مجازفات لا يقول مثلها رسول الله ﷺ كحديث\n\"من صلى الضحى كذا وكذا ركعة أعطي ثواب سبعين نبيًا\" قال ابن قيم الجوزية:\" وكأن هذا الكذاب الخبيث لم يعلم أن غير النبي لو صلى عمر","vol":"1","page":49},{"text":"نوح ﵇ لم يعط ثواب نبي واحد\" (١) .\n٢- تكذيب الحس له.\n٣- سماجة الحديث وكونه مما يسخر منه كحديث \"لو كان الأرز رجلًا لكان حليمًا، ما أكله جائع إلا أشبعه\"\n٤- مناقضة الحديث لما جاءت به السنة الصريحة المتواترة مناقضة بينة، فكل حديث يشتمل على فساد أو ظلم أو عبث أو مدح باطل أو ذم حق، أو نحو ذلك فرسول الله ﷺ منه بريء.\n٥- أن يُدّعى على النبي ﷺ أنه فعل أمرًا ظاهرًا بمحضر من الصحابة كلهم وأنهم اتفقوا على كتمانه ولم ينقلوه كما يزعم الرافضة أن النبي ﷺ أخذ بيد علي بن أبي طالب بمحضر من الصحابة كلهم، وهم راجعون من حجة الوداع، فأقامه بينهم حتى عرفه الجميع ثم قال: \"هذا وصيّي وأخي والخليفة من بعدي\" (٢) .\n٦- أن يكون الحديث باطلًا في نفسه كحديث \"المجرة التي في السماء من عرق الأفعى التي تحت العرش\" (٣) .\n٧- أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء، فضلًا عن كلام رسول الله ﷺ الذي هو وحي يوحى كحديث \"النظر إلى الوجه الجميل عبادة \" (٤) .\n٨- ومنها أن يكون في الحديث تاريخ كذا وكذا مثل قوله: \"إذا كان سنة\n_________\n(١) المنار المنيف في الصحيح والضعيف ٤٦.\n(٢) المصدر السابق ٥٤.\n(٣) المصدر السابق ٥٦.\n(٤) المصدر السابق ٥٩.","vol":"1","page":50},{"text":"كذا وكذا وقع كيت وكيت، وإذا كان شهر كذا وكذا وقع كيت وكيت\".\n٩- أن يكون الحديث بوصف الأطباء والطرقية أشبه وأليق.\n١٠- أن يكون الحديث مما تقوم به الشواهد الصحيحة على بطلانه كحديث عوج بن عنق الطويل ففي حديثه أن طوله كان ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين وثلثًا، مع أنه صحّ عن النبي ﷺ أن طول آدم ستون ذراعًا، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن\" (١) (٢) .\n١١- مخالفة الحديث صريح القرآن كحديث مقدار الدنيا وأنها سبعة آلاف سنة، قال ابن قيم الجوزية: \"وهذا من أبين الكذب، لأنه لو كان صحيحًا لكان كل أحد عالمًا أنه قد بقي للقيامة من وقتنا هذا مئتان وإحدى وخمسون سنة. قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (الأعراف:١٨٧) (٣) .\n١٢- أن تكون ألفاظ الحديث أو معانيه ركيكة يمجها السمع ويدفعها الطبع ويسمج معناها للفطن كحديث \"إن لله ملكًا من حجارة يقال له: عمارة ينزل على حمار من حجارة كل يوم فيسعر الأسعار ثم يعرج\" (٤) .\n١٣- ما يقترن بالحديث من القرائن التي يُعلم بها أنه باطل مثل حديث\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٣٢٦) .\n(٢) المنار المنيف ٧٤ – ٧٥.\n(٣) المنار المنيف ٧٨.\n(٤) المصدر السابق ٩١ – ٩٢.","vol":"1","page":51},{"text":"وضع الجزية عن أهل خيبر، قال ابن قيم الجوزية، \"وهذا كذب من عدة وجوه: أحدها أن فيه شهادة سعد بن معاذ، وسعد قد توفي قبل ذلك في غزوة الخندق. ثانيها: أن فيه «وكتب معاوية بن أبي سفيان» هكذا، ومعاوية إنما أسلم زمن الفتح، وكان من الطلقاء \" إلى آخر الوجوه التي أوصلها إلى عشرة (١) .\nولم يكتفوا ببيان تلك الضوابط، بل أفردوا الموضوعات بكتب نُشر أكثرها، من أعظمها \" الموضوعات \" لابن الجوزي واشتمل على نحو خمسين كتابًا على ترتيب الكتب المصنفة في الفقه.\nكما أن كتب العلل تذكر كثيرًا من الحديث الموضوع، فهي السباقة لتنبيه الناس إلى الأحاديث الموضوعة، ولم يقتصروا على ذلك بل ألّفوا كتبًا لبيان الضعفاء والمتروكين والوضاعين وأحاديثهم كالضعفاء للعقيلي والكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي وكتاباهما جامعان لما سبقهما من الكتب المؤلفة في الضعفاء كالضعفاء لعلي بن المديني والضعفاء للبخاري والشجرة في أحوال الرجال للجوزجاني والضعفاء والمتروكين للنسائي.\nفكيف يحاول رجال بعد ذلك نزع الثقة بالسنة لوجود الأحاديث الموضوعة التي ميّزها أهل العلم وأُمن اختلاطها بالصحيح؟ فما مَثَلُهم في محاولتهم تلك إلا كمثل متطبب جاهل عُرِض عليه مريض مصاب بخراج في إحدى أصابع يده ويكفيه إزالة هذه الأصبع وحدها فقال ذلك الجاهل: لا علاج له إلا بتر اليد من أصلها.\n_________\n(١) المصدر السابق ٩٤ – ٩٥.","vol":"1","page":52},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الواجب أن يفرق بين الحديث الصحيح والحديث الكذب، فإن السنة هي الحق دون الباطل، وهي الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة فهذا أصل عظيم لأهل الإسلام\" (١) .\n_________\n(١) الوصية الكبرى ضمن مجموعة الرسائل الكبرى (١ / ٢٨٣) .","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الشبهة السادسة:</span>\nزعمهم أن التمسك بالسنة يفرق الأمة وأنها لو انسلخت منها\nلاتحدت.\nيقول جكرالوي: \"لا ترتفع الفرقة والتشتت عن المسلمين، ولن يجمعهم لواء ولا يضمهم مكتب فكر موحد، ما بقوا متمسكين بروايات زيد وعمرو\" (١) .\nويؤكد المعنى نفسه حشمت علي فيقول: \"لن تتحقق وحدة المسلمين ما لم يتركوا كتبهم الموضوعة في طاعة الرسول ﷺ، ولن يروا سبيل الرقي والتقدم ما لم يمح عنهم التشتت والفرقة\" (٢) .\nويقول برويز: \"قد فاق تقديس هذه الكتب (كتب السنة) كل التصورات البشرية، مع أنها جزء من مؤامرة أعجمية استهدفت النيل من الإسلام وأهله \" (٣) .\nويعلل ذلك فيقول: \"فما أصحاب الصحاح الستة٤ إلا جزء من تلك المؤامرة، لذا نجدهم إيرانيين جميعا، لا وجود لساكن الجزيرة بينهم، والشيء المحير للعقول أن العرب لم يسهموا في هذا العمل البناء، بل أسندوا جمع الأحاديث وتدوينها إلى العجم حتى تم بناء هذا الصرح المؤامر \" (٥) .\n_________\n(١) مجلة إشاعة القرآن ٣٩ عدد شعبان ١٣٢١هـ.\n(٢) المصدر السابق ١٠ عدد ١٥ ديسمبر ١٩٢٧م.\n(٣) شاهكار رسالت ٤٤٦.\n(٤) الصواب أن يقال: \" الكتب الستة \"؛ لأن ملتزم الصحة بعضها لا كلّها.\n(٥) مقام حديث ٢٢.","vol":"1","page":54},{"text":"الرد:\nأثبت الواقع أن المسلمين لما كانوا متمسكين بالسنة كانوا أكثر ترابطًا وانسجامًا وقوة وغلبة للأعداء، وأن الأمر انعكس لما خالف بعضهم السنة، فقد ذكر الله أن نسيان حظ مما ذكر الناس به يؤجج نار العداوة والبغضاء بينهم، قال تعالى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (المائدة:١٤)، وقال ﷺ: \"تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنة نبيه\" (١)، ثم إنكم انسلختم عن السنة فهل اتحدتّم؟ بل أنتم مختلفون فيما بينكم شر اختلاف، فبرويز رد على جكرالوي، وأصبحتم أربع فرق ولم تتفقوا فيما بينكم على عدد ركعات الصلوات فضلا عن بقية الشعائر التعبدية، وسائر المعاملات.\nأما \"أسباب التفرق والاختلاف الواجب تركها باتفاقهم (٢) [ف] هي الجهل والهوى والتعصب، وكذلك الخطأ بقدر الوسع. فأما أن يترك أحدهم ما يراه حقا فلا قائل به، بل هو محظور باتفاقهم\" ٣) .\nوأما قول برويز: إنها مؤامرة أعجمية إيرانية: فالجواب: أن أصول هذه الكتب الستة ألفها علماء الحجاز والعراق واليمن، مثل موطأ مالك بن أنس، وموطأ عبد الله بن وهب تلميذ الإمام مالك، وموطأ ابن أبي ذئب، وسنن الشافعي، ومسند الحميدي القرشي، وجامع سفيان بن عيينة شيخ\n_________\n(١) أخرجه مالك في الموطإ (٢ / ٢٠٨) بلاغا، والحاكم في المستدرك (١ / ٩٣) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٩٣٧) .\n(٢) أي أهل العلم.\n(٣) الأنوار الكاشفة ٢٤ الحاشية ٢.","vol":"1","page":55},{"text":"مكة، ومسند ابن أبي عمر العدني المكي، وسنن ابن جريج المكي، ومصنف عبد الرزاق الصنعاني، وجامع معمر بن راشد الصنعاني، ومصنف وكيع بن الجراح الكوفي، وحماد بن سلمة البصري، ومسند أبي داود الطيالسي البصري، ومسند ابن أبي عاصم البصري الكوفي، ومسند ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة الكوفي، ومصنف أبي الربيع سليمان بن داود العتكي البصري، ومسند أحمد بن حنبل أكبر مسند في الدنيا وقلَّ أن يثبت حديث إلا وهو فيه (١)، ومسند عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي، ومسند يحيى بن عبد الحميد الحماني الكوفي، ومسند مسدد بن مسرهد البصري، ومسند أبي جعفر محمد بن عبد الله الكوفي، ومسند أحمد بن منيع البغدادي، ومسند عثمان بن أبي شيبة العبسي الكوفي (٢) .\nفهذه أربعة أضعاف الكتب الستة ألفها علماء الجزيرة، وكلهم في طبقة مشايخ أصحاب الكتب الستة أو مشايخ مشايخهم، أو مشايخ مشايخ مشايخهم، وهي أصول هذه الكتب الستة.\nومع ذلك لم يكونوا كلهم إيرانيين كما زعم برويز، بل بعضهم من أصول عربية بالاتفاق، فمسلم عربي من بني قشير، والترمذي عربي من بني سليم، وأبو داود عربي من قبيلة أزد.\nمع أن ذمّ جنس من أجناس البشر لم يرد به شرع ولم يدل عليه عقل، بل مدح رسول الله ﷺ أهل فارس، وخرَّجت بلاد فارس علماء نوابغ في كل العلوم: تفسيرًا، وحديثًا، وفقهًا، ولغة، وإنما غلب عليها الرفض أيام\n_________\n(١) قاله ابن الجزري في المصعد الأحمد (مسند أحمد ١ / ٣١) .\n(٢) انظر في بيان هذه الكتب: الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة لمحمد بن جعفر الكتاني.","vol":"1","page":56},{"text":"إسماعيل الصفوي أوائل القرن العاشر الهجري.\nأما أن الكتب الستة جزء من مؤامرة أعجمية فإن كانت هناك مؤامرة أعجمية فأنتم قد حزتم النصيب الأوفر منها؛ لأنكم قمتم واستفرغتم وسعكم لنقض أصول الإسلام من أصلها، فلا مؤامرة أخبث من مؤامرتكم وهم أقرب نسبًا إلى العرب منكم، فلا وجه لتعييركم إياهم بالعجمة.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الشبهة السابعة:</span>\nتتلخص هذه الشبهة في قولهم: إن الخطاب بالأحاديث كان موجهًا لأمة خاصة وهم العرب في زمن النبي ﷺ بما يوافق ظروفهم الخاصة، فلا تلزمنا طاعته إذ كانت مقيدة بزمنه، وزالت بوفاته ﷺ.\nيقول الخواجه: \"اعلم أن طاعة الرسول ﷺ كانت طاعة مقيدة بزمنه، وامتثال أحكامه، لا تتجاوز حياته، وقد أوصد هذا الباب منذ وفاته ﵊ \" (١) .\nويشرح حشمت علي هذه الشبهة فيقول: \"لقد كانت إرشاداته ﷺ تصدر وفق ظروف أصحابه، ولو كنا في تلك الآونة لوجب علينا اتباع أقواله وإرشاداته ﵊ وكما أن خطاب القرآن عام عندنا غير أن المخاطبين بالأحاديث أمة خاصة وهم العرب\" (٢) .\nالرد:\nما أشبه قولة القرآنيين بمقالة بعض أهل الكتاب الذين قالوا: إن محمدا رسول الله لكن إلى العرب خاصة.\nفنقول للقرآنيين: هل الأحاديث لازمة للعرب إلى يوم القيامة بمعنى أنهم إذا بلَّغ بعضهم بعضا كانت الحجة عليهم قائمة بذلك، فإن كنتم تقولون بذلك فما الفرق بين العرب والعجم؟ لأن رسالة الرسول ﷺ عامة للخلق كلهم إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ\n_________\n(١) مجلة البيان ٣٢ عدد أغسطس ١٩٥١م.\n(٢) تبليغ القرآن ٥.","vol":"1","page":58},{"text":"اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف:١٥٨) .، وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ (النساء: ٧٩)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ:٢٨)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (المائدة: ٦٧)، حذف المفعول الثاني إرادة عموم المبلَّغين.\nوقال سبحانه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام:١٩) أي من بلغه القرآن ومن لم يكن في زمن الرسول صلى اله عليه وسلم.\nوقال الرسول ﷺ في وصيته يوم الحج الأكبر: \"ليبلغ الشاهد\nالغائب\" (١)، فإن كانت الحجة لا تقوم بالسنة، لما أمرهم النبي ﷺ بتبليغ الغائب الصادق على من هو في هذه الأعصر المتأخرة.\nفأتمر الصحابة أمر النبي ﷺ، فبلغوا القرآن والحديث على أنهما الدين الذي جاء به محمد ﷺ.\nبل كان الصحابة يتطلبون سنة رسول الله ﷺ بعد وفاته، فإذا بلغهم الحديث عن صحابي آخر عن النبي ﷺ لم يترددوا في قبوله، وهذه كانت عادة الخلفاء الراشدين، فأبو بكر كان يحكم بكتاب الله، فإن لم يجد فبسنة رسول الله ﷺ، فإن لم يجد سأل الصحابة إن كان عند أحد منهم حديث عن رسول الله ﷺ في القضية، فإن وجد ذلك حكم به، وكذلك عمر، وعثمان، وعلي، فإن لم يجدوا سنة عندهم، أو عند غيرهم من الصحابة اجتهدوا رأيهم.\nوكان عمر لا يورّث المرأة من دية زوجها، ثمّ ورّثها لرواية الضحاك\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٧) ومسلم (١٦٧٩) .","vol":"1","page":59},{"text":"بن سفيان عن النبي ﷺ توريثها (١) .\nوانظر قصة أبي موسى الأشعري مع عمر في الاستئذان حيث لم يقل عمر: ما سمعنا من رسول الله ﷺ أيام حياته أخذنا به، وما بلغنا عنه بعد وفاته لا يلزمنا، لأنه يعلم أن ذلك ينافي الإيمان برسالة محمد ﷺ.\nوانظر إلى ابن عمر إذ تروي له عائشة حديثا عن النبي ﷺ بعد وفاته فيأخذ به.\n\"فإذا كان حكم الآيات القرآنية لا يختص بزمن ولا بأشخاص معدودين، فكذلك السنة، إذ لا فرق بين أحكام الكتاب وأحكام السنة لصدورهما من مصدر واحد، ولأن رسالته عامة شاملة للخلق أجمعين، فيجب ضرورة أن تكون سنته كذلك، لعدم الخلف بين أحكامها وأحكام القرآن، ومن ثم لا فرق في تطبيق الأحكام الثابتة بالكتاب والسنة بين من شاهد التنزيل وعاصره وبين من ولد في عصر الذرة وآمن برسالة محمد ﵊ تصديقًا بخبر الله\" (٢) .\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢٩٢٧) والترمذي (٢١١١) وابن ماجه (٢٦٤٢) .\n(٢) القرآنيون وشبهاتهم ٢٣٢.","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الشبهة الثامنة:</span>\nيقول الحافظ أسلم: \"إن الأحاديث انتقدت علميًا ما أفقدها صفة التدين؛ لأن الأمور الدينية لا يدخلها النقد وآراء الرجال\" (١) إلى أن قال: \"الاعتراضات الموجهة للإسلام من غير أهله لا تأتي إلا عن طريق الأحاديث التي أقر المسلمون بصحتها وهي موضوعة الأصل لا صلة لها بالدين\" (٢) .\nويؤكد محب الحق هذا المعنى فيقول: \"يجب نبذ تلك الأحاديث التي توصل الإسلام إلى بوتقة الهدف والاتهام؛ لأن نبي الإسلام بريء منها\" (٣) .\nالرد:\nلا يخفى أن النفيس من كل شيء يُتَغالى في الحصول عليه، وتبذل الأموال والنفوس لاقتنائه، فللقيمة العالية للحديث النبوي أراد كل صاحب هوى أن يتقوى به، وتبارت الطوائف في إيجاد سند لها منه حتى تنفق بضاعتها ويسمع قولها.\nلكن هل معنى ذلك أن ما راموه تحقق لهم وأنهم ظفروا بمطلوبهم؟ كلا، فلقد قيض الله للذود عن حياض السنة رجالا اصطنعهم لنفسه، وأمدهم بروح منه، وأراد إكرامهم وإعلاء درجاتهم بذلك الجهاد، فنقدوا الزيف والبهرج حتى مازوه، وبقي المحض النقي فحرزوه واحتازوه.\n_________\n(١) مقام حديث ١٥٤.\n(٢) المصدر نفسه والصفحة ذاتها.\n(٣) بلاغ الحق ٣٤.","vol":"1","page":61},{"text":"والذي يقول: لا نقبل الحديث؛ لأنه وجه النقد إلى بعض المنسوب إليه.\nنقول له: إنك في تعاملك الدنيوي تقبل أشياء يكثر الغش والتزييف فيها وتعدها ضرورية للحياة، وأنه يمكن تمييز جيدها من رديئها فلا ترفض رفضا كليًا، ولم يزل الناس يهتدون إلى الجيد منها بوسائل يسخرها الله لهم، ولم يتكفل الله بحفظها كما تكفل بحفظ الوحي، فلا تجعل يا منكر السنة الحديث النبوي أدنى مرتبة من هذه المرغوبات الدنيوية.\nو\"لا يكاد يدخل الضرر إلا على من لا يرجع إلى أهل الخبرة من جاهل ومقصر ومن لا يبالي ما أخذ، والمؤمن يعلم أن هذه ثمرة عناية الله ﷿ بعباده في دنياهم، فما الظن بعنايته بدينهم؟ لا بد أن تكون أتم وأبلغ\" (١) .\n_________\n(١) الأنوار الكاشفة للمعلمي ٨٩.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>مصادر ومراجع</span>\n...\nفهرس المصادر:\n- آداب البحث والمناظرة.\nلمحمد الأمين الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية بالقاهرة، دون تاريخ.\n- أثر الفكر الغربي في انحراف المجتمع المسلم بشبه القارة الهندية.\nخادم حسين إلهي بخش، دار حراء، مكة المكرمة، ط١، ١٤٠٨ هـ.\n- الأنوار الكاشفة لما في كتاب \" أضواء على السنة \" من الزلل والتضليل والمجازفة.\nلعبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، عالم الكتب، ١٤٠٣ هـ.\n- الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية.\nلابن بطة العكبري، دار الراية، ط ٢، ١٤١٥ هـ.\n- الإحكام في أصول الأحكام.\nلابن حزم، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط٢، ١٤٠٣ هـ.\n- إعلام الموقعين عن رب العالمين.\nابن قيم الجوزية، تعليق: طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الحاج عبد السلام بن شقرون، ١٣٨٨ هـ.\n- الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع.\nللقاضي عياض، تحقيق: السيد أحمد صقر – الطبعة الثانية، دار التراث والمكتبة العتيقة، ١٣٩٨ هـ.\n- تذكرة الحفاظ للذهبي.\nدار إحياء التراث العربي، مصورة عن طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، الدكن- الهند.","vol":"1","page":63},{"text":"- تفسيير القرآن العظيم.\nعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، تحقيق: حكمت بشير ياسين، مكتبة الدار، المدينة النبوية.\n- تكملة معجم المؤلفين.\nلمحمد خير رمضان، دار ابن حزم، ١٤١٨ هـ.\n- تهذيب الآثار والسنن.\nللطبري، تحقيق: محمود شاكر، مطبعة المدني، القاهرة، دون تاريخ.\n- جامع بيان العلم وفضله.\nلأبي عمر يوسف بن عبد البر، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، ط٤، ١٤١٩ هـ.\n- جامع البيان عن تأويل القرآن.\nمحمد بن جرير الطبري، تحقيق: محمود شاكر، دار المعارف بمصر، دون تاريخ.\n- دراسات في الحديث النبوي.\nمحمد مصطفى الأعظمي، نشر جامعة الرياض، دون تاريخ.\n- ذكر أخبار أصبهان.\nلأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، دار الكتاب الإسلامي، مصورة عن طبعة المستشرق الألماني سفن ديدرنج SEVEN DEDERING، دون تاريخ.\n- الرسالة.\nمحمد بن إدريس الشافعي، تحقيق: أحمد محمد شاكر، المكتبة العلمية، بيروت، دون تاريخ.","vol":"1","page":64},{"text":"- سلسلة الأحاديث الصحيحة.\nمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي – الطبعة الرابعة، ١٤٠٥ هـ.\n- سنن أبي داود.\nضبط وتعليق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر.\n- سنن ابن ماجه.\nتحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الحديث – دون تاريخ.\n- سنن الترمذي.\nتحقيق: إبراهيم عطوة، طبعة مصطفى الحلبي – ط ٢، ١٣٩٥ هـ.\n- السنن الكبرى.\nللبيهقي، دار الفكر، دون تاريخ.\n- السنة.\nمحمد بن نصر المروزي، تحقيق: سالم بن أحمد السلفي، مؤسسة الكتب الثقافية، ط١، ١٤٠٨ هـ.\n- شرح الإلمام لابن دقيق العيد.\n- شرح صحيح مسلم\nيحيى بن شرف محيي الدين النووي، دار إحياء التراث العربي، ط٣، ١٤٠٤هـ.\n- الشريعة للآجري.\nتحقيق عبد الله الدميجي، دار الوطن، الرياض، ط١، ١٤١٨ هـ.\n- صحيح البخاري.\nنسخة فتح الباري.","vol":"1","page":65},{"text":"- صحيح الجامع الصغير وزيادته.\nمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط٢، ١٤٠٦ هـ.\n- فتح الباري شرح صحيح البخاري.\nأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: عبد العزيز بن باز، المكتبة السلفية، دون تاريخ.\n- القرآنيون وشبهاتهم حول السنة.\nخادم حسين إلهي بخش، مكتبة الصدّيق بالطائف، ط١، ١٤٠٩ هـ.\n- الكفاية في علم الرواية.\nللخطيب البغدادي، دار الكتب الحديثة بالقاهرة، ١٤١٠ هـ.\n- المجروحون.\nلمحمد بن حبان البستي (ت ٣٥٤ هـ)، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار المعرفة.\n- مجلة الأصالة.\nعدد (٢٣) ١٥ / شعبان / ١٤٢٠ هـ، تصدر في الأردن.\n- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية-جمع عبد الرحمن بن محمد بن قاسم وابنه، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ١٤١٦هـ.\n- مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز.\nجمع وإشراف محمد بن سعد الشويعر، رئاسة البحوث العلمية والإفتاء، ط ٢، ١٤١٦ هـ.\n- المدخل إلى السنن الكبرى.\nللبيهقي، تحقيق: محمد ضياء الرحمن الأعظمي، مكتبة أضواء السلف، ط٢، ١٤٢٠هـ.","vol":"1","page":66},{"text":"- المستدرك.\nالحاكم النيسابوري، دار الكتب العلمية، مصورة عن طبعة دائرة المعارف العثمانية بالهند، دون تاريخ.\n- المسند.\nأحمد بن حنبل، مؤسسة الرسالة، ط١، ١٤١٥ هـ.\n- المصادر المكتوبة للبخاري في صحيحه «كتاب الوضوء» .\nمحمد عبد الله أبو بكر باجعمان، رسالة مكتوبة بالحاسب الآلي مقدمة لكلية التربية بالمدينة لإكمال متطلبات الحصول على الماجستير، ١٤٠٩ هـ.\n- المصعد الأحمد إلى مسند أحمد.\nابن الجزري، طبع في مقدمة المسند لأحمد بن حنبل، تحقيق: أحمد شاكر، دار المعارف بمصر، ١٣٧٧ هـ.\n- معرفة الصحابة.\nلأبي نعيم أحمد بن عبد الله بن عبد الله الأصبهاني، تحقيق: عادل العزازي، دار الوطن، ط١، ١٤١٩ هـ.\n- مفاتيح الغيب\nمحمد بن عمر الرازي، دار الفكر، ط٣، ١٤٠٥ هـ.\n- مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة.\nللسيوطي، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٠٧هـ.\n- مقدمة ابن الصلاح.\nتحقيق: بنت الشاطئ، دار المعارف – الطبعة الثانية، ١٤٠٩ هـ.","vol":"1","page":67},{"text":"- الموطأ.\nمالك بن أنس، طبع مع شرحه تنوير الحالك، مصطفى الحلبي، الطبعة الأخيرة ١٣٧٠ هـ.\n- ناسخ الحديث ومنسوخه.\nعمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين (ت ٣٨٥ هـ) تحقيق سمير الزهيري، مكتبة المنار، الأردن، ط١، ١٤٠٨ هـ.\n- النحو الوافي لعباس حسن- دار المعارف بمصر ط٥ دون تاريخ.\n- النكت على مقدمة ابن الصلاح.\nمحمد بن بهادر الزركشي. تحقيق: زين العابدين بن محمد، مكتبة أضواء السلف، ١٤١٩هـ.\n- هدي الساري مقدمة فتح الباري.\nابن حجر العسقلاني، المكتبة السلفية، دون تاريخ.\n- الوصية الكبرى.\nضمن مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية، مكتبة محمد علي صبيح وأولاده بالقاهرة، ١٣٨٥ هـ.\n- الوضع في الحديث.\nعمر بن حسن عثمان فلاتة، مكتبة الغزالي، دمشق، ١٤٠١ هـ.","vol":"1","page":68}]}