{"ً":{"ٌ":11254,"ٍ":"شرح المنظومة البيقونية في مصطلح الحديث","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم الحديث/شرح المنظومة البيقونية في مصطلح الحديث - ابن عثيمين - ط الثريا","files":["56801.pdf"]},"ّ":"الكتاب: شرح المنظومة البيقونية في مصطلح الحديث\nالمؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (ت ١٤٢١هـ)\nالمحقق: فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان\nالناشر: دار الثريا للنشر\nالطبعة: الثانية، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣م\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]\nعدد الصفحات: ١٢٢","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":57,"ٕ":10,"ٖ":1770153785,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"متن المنظومة البيقونية","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة في علم مصطلح الحديث","level":1,"page":3},{"title":"شرح المنظومة البيقونية","level":1,"page":6},{"title":"شرح البسملة","level":2,"page":6},{"title":"معنى الحمد والصلاة على النبي ﷺ","level":2,"page":11},{"title":"أقسام الحديث","level":2,"page":15},{"title":"الحديث الصحيح وشروطه","level":2,"page":17},{"title":"بقية شروط الصحيح","level":2,"page":23},{"title":"مباحث حديثية","level":2,"page":29},{"title":"الحديث الحسن","level":2,"page":33},{"title":"الضعيف وأقسامه","level":2,"page":34},{"title":"المرفوع والمقطوع","level":2,"page":38},{"title":"المسند وضابطه","level":2,"page":46},{"title":"المتصل وضابطه","level":2,"page":49},{"title":"المسلسل ومثاله","level":2,"page":52},{"title":"من صور المسلسل ومثالها","level":2,"page":54},{"title":"العزيز والمشهور","level":2,"page":56},{"title":"المعنعن والمبهم","level":2,"page":61},{"title":"العلو والنزول","level":2,"page":64},{"title":"الموقوف وضابطه","level":2,"page":66},{"title":"المرسل","level":2,"page":68},{"title":"الغريب وتعريفه لغة واصطلاحا","level":2,"page":69},{"title":"المنقطع وضابطه","level":2,"page":70},{"title":"المعضل والمدلس","level":2,"page":72},{"title":"أنواع التدليس","level":2,"page":73},{"title":"الشاذ والمقلوب","level":2,"page":76},{"title":"أقسام المقلوب","level":2,"page":83},{"title":"الفرد وأنواعه","level":2,"page":88},{"title":"الحديث المعلل","level":2,"page":91},{"title":"المضطرب وبيانه","level":2,"page":93},{"title":"المدرجات في الحديث","level":2,"page":99},{"title":"المدبج","level":2,"page":102},{"title":"المتفق والمفترق","level":2,"page":104},{"title":"المؤتلف والمختلف","level":2,"page":105},{"title":"المنكر وبيانه","level":2,"page":107},{"title":"المتروك وبيانه","level":2,"page":108},{"title":"الموضوع وبيانه","level":2,"page":109},{"title":"عدد أبيات المنظومة وخاتمتها","level":2,"page":111}],"ٛ":{"1,7":1,"1,8":2,"1,11":3,"1,12":4,"1,13":5,"1,17":6,"1,18":7,"1,19":8,"1,20":9,"1,21":10,"1,22":11,"1,23":12,"1,24":13,"1,25":14,"1,26":15,"1,27":16,"1,28":17,"1,29":18,"1,30":19,"1,31":20,"1,32":21,"1,33":22,"1,34":23,"1,35":24,"1,36":25,"1,37":26,"1,38":27,"1,39":28,"1,40":29,"1,41":30,"1,42":31,"1,43":32,"1,44":33,"1,45":34,"1,46":35,"1,47":36,"1,48":37,"1,49":38,"1,50":39,"1,51":40,"1,52":41,"1,53":42,"1,54":43,"1,55":44,"1,56":45,"1,57":46,"1,58":47,"1,59":48,"1,60":49,"1,61":50,"1,63":51,"1,64":53,"1,65":54,"1,66":55,"1,67":56,"1,68":57,"1,69":58,"1,70":59,"1,71":60,"1,72":61,"1,73":62,"1,74":63,"1,75":64,"1,76":65,"1,77":66,"1,78":67,"1,79":68,"1,80":69,"1,81":70,"1,82":71,"1,83":72,"1,84":73,"1,85":74,"1,86":75,"1,87":76,"1,88":77,"1,89":78,"1,90":79,"1,91":80,"1,92":81,"1,93":82,"1,94":83,"1,95":84,"1,96":85,"1,97":86,"1,98":87,"1,99":88,"1,100":89,"1,101":90,"1,102":91,"1,103":92,"1,104":93,"1,105":94,"1,106":95,"1,107":96,"1,108":97,"1,109":98,"1,110":99,"1,111":100,"1,112":101,"1,113":102,"1,114":103,"1,115":104,"1,116":105,"1,117":106,"1,118":107,"1,119":108,"1,120":109,"1,121":110,"1,122":111},"ٜ":{"1":[7,122]},"ٝ":["1,7","1,8","1,11","1,12","1,13","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,63","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"6":[3,4],"11":[5],"15":[6],"17":[7],"23":[8],"29":[9],"33":[10],"34":[11],"38":[12],"46":[13],"49":[14],"52":[15],"54":[16],"56":[17],"61":[18],"64":[19],"66":[20],"68":[21],"69":[22],"70":[23],"72":[24],"73":[25],"76":[26],"83":[27],"88":[28],"91":[29],"93":[30],"99":[31],"102":[32],"104":[33],"105":[34],"107":[35],"108":[36],"109":[37],"111":[38]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>متن المنظومة البيقونية</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n١ - أبدأُ بالحمدِ مُصَلِّيًا ... على مُحمَّدٍ خَيِر نبيْ أُرسلا\n٢ - وذِي مِنَ أقسَامِ الحديث عدَّة ... وكُلُّ واحدٍ أتى وحدَّه\n٣ - أوَّلُها \"الصحيحُ\" وهوَ ما اتَّصَل ... ْإسنادُهُ ولْم يُشَذّ أو يُعلّ\n٤ - يَرْويهِ عَدْلٌ ضَابِطٌ عَنْ مِثْلِهِ ... مُعْتَمَدٌ في ضَبْطِهِ ونَقْلهِ\n٥ - وَ\"الَحسَنُ\" الَمعْرُوفُ طُرْقًا وغَدَتْ ... رِجَالُهُ لا كالصّحيحِ اشْتَهَرَتْ\n٦ - وكُلُّ ما عَنْ رُتبةِ الُحسْنِ قَصْر ... فَهْوَ \"الضعيفُ\" وهوَ أقْسَامًا كُثُرْ\n٧ - وما أُضيفَ للنبي \"الَمرْفوعُ\" ... وما لتَابِعٍ هُوَ \"المقْطوعُ\"\n٨ - وَ\"الُمسْنَدُ\" الُمتَّصِلُ الإسنادِ مِنْ ... رَاويهِ حتَّى الُمصْطفى ولْم يَبنْ\n٩ - ومَا بِسَمْعِ كُلِّ رَاوٍ يَتَّصِل ... ْإسْنَادُهُ للمُصْطَفى فَ\"الُمتَّصلْ\"\n١٠-\"مُسَلْسَلٌ\" قُلْ مَا عَلَى وَصْفٍ أتَى ... مِثْلُ أمَا والله أنْبأنِي الفتى\n١١ - كذَاكَ قَدْ حَدَّثَنِيهِ قائِما ... ًأوْ بَعْدَ أنْ حَدَّثَنِي تَبَسَّمَا\n١٢ - \"عَزيزٌ\" مَروِيُّ اثنَيِن أوْ ثَلاثهْ ... \"مَشْهورٌ\" مَرْوِيُّ فَوْقَ ما ثَلاثهْ\n١٣ - \"مَعَنْعَنٌ\" كَعَن سَعيدٍ عَنْ كَرَمْ ... \"وَمُبهَمٌ\" مَا فيهِ رَاوٍ لْم يُسَمْ\n١٤ - وكُلُّ مَا قَلَّت رِجَالُهُ \"عَلا\" ... وضِدُّهُ ذَاكَ الذِي قَدْ \"نَزَلا\"\n١٥ - ومَا أضَفْتَهُ إلى الأصْحَابِ مِن ... ْقَوْلٍ وفعْلٍ فهْوَ \"مَوْقُوفٌ\" زُكنْ\n١٦ - \"وَمُرْسلٌ\" مِنهُ الصَّحَابُّي سَقَطْ ... وقُلْ \"غَريبٌ\" ما رَوَى رَاوٍ فَقطْ\n١٧ - وكلُّ مَا لْم يَتَّصِلْ بِحَال ... ٍإسْنَادُهُ \"مُنْقَطِعُ\" الأوْصالِ\n١٨ - \"والُمعْضَلُ\" السَّاقِطُ مِنْهُ اثْنَان ... ِومَا أتى \"مُدَلَّسًا\" نَوعانِ\n١٩ - الأوَّل الإسْقاطُ للشَّيخِ وأنْ ... يَنْقُلَ مَّمنْ فَوْقَهُ بعنْ وأنْ\n٢٠ - والثَّانِ لا يُسْقِطُهُ لكنْ يَصِفْ ... أوْصَافَهُ بما بهِ لا يَنْعرِفْ\n٢١ - ومَا يَخالِفُ ثِقةٌ فيهِ الَملا ... فـ\"الشَّاذُّ\" و\"الَمقْلوبُ\" قِسْمَانِ تَلا\n٢٢ - إبْدَالُ راوٍ ما بِرَاوٍ قِسْمُ ... وقَلْبُ إسْنَادٍ لمتنٍ قِسمُ","vol":"1","page":7},{"text":"٢٣ - وَ\"الفَرَدُ\" ما قَيَّدْتَهُ بثِقَةِ ... أوْ جْمعٍ أوْ قَصِر على روايةِ\n٢٤ - ومَا بعِلَّةٍ غُمُوضٍ أوْ خَفَا ... \"مُعَلَّلٌ\" عِنْدَهُمُ قَدْ عُرِفَا\n٢٥ - وذُو اخْتِلافِ سنَدٍ أو مَتْنٍ ... \"مُضْطربٌ\" عِنْدَ أهيْلِ الفَنِّ\n٢٦ - وَ\"الُمدْرَجاتُ\" في الحديثِ ما أتَتْ ... مِنْ بَعْضِ ألفاظِ الرُّوَاةِ اتَّصَلَتْ\n٢٧ - ومَا رَوى كلُّ قَرِينٍ عنْ أخهْ ... \"مُدَبَّجٌ\" فَاعْرِفْهُ حَقًّا وانْتَخهْ\n٢٨ - مُتَّفِقٌ لَفْظًا وخطًا \"مُتَّفقْ\" ... وضِدُّهُ فيما ذَكَرْنَا \"الُمفْترقْ\"\n٢٩ - \"مُؤْتَلِفٌ\" مُتَّفِقُ الخطِّ فَقَطْ ... وضِدُّهُ \"مُختَلِفٌ\" فَاخْشَ الغَلَطْ\n٣٠ - \"والُمنْكَرُ\" الفَردُ بهِ رَاوٍ غَدَا ... تَعْدِيلُهُ لا يْحمِلُ التَّفَرُّدَا\n٣١ - \"مَتُروكُهُ\" مَا وَاحِدٌ بهِ انفَردْ ... وأجَمعُوا لضَعْفِه فَهُوَ كرَدّ\n٣٢ - والكذِبُ الُمخْتَلَقُ المصنُوعُ ... علَى النَّبيِّ فذَلِكَ \"الموْضوعُ\"\n٣٣ - وقَدْ أتَتْ كالَجوْهَرِ المكْنُونِ ... سَمَّيْتُهَا: مَنْظُومَةَ البَيْقُوني\n٣٤ - فَوْقَ الثَّلاثيَن بأرْبَعٍ أتَت ... ْأقْسامُهَا ثمَّ بخيٍر خُتِمتْ","vol":"1","page":8},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا.\nأما بعد١:\nفهذه<span data-type=\"title\" id=toc-2> مقدمة في علم مصطلح الحديث:</span>\nالمصطلح: علم يعرف به أحوال الراوي والمروي من حيث القبول والرد.\nوفائدة علم المصطلح: هو تنقية الأدلة الحديثية وتخليصها مما يشوبها من: ضعيف وغيره، ليتمكن من الاستدلال بها لأن المستدل بالسنة يحتاج إلى أمرين هما:\n١ - ثبوتها عن النبي ﷺ.\n٢ - ثبوت دلالتها على الحكم.\nفتكون العناية بالسنة النبوية أمرًا مهمًا، لأنه ينبني عليها أمرٌ مهم وهو ما كلف الله به العباد من عقائد وعبادات وأخلاق وغير ذلك.\n_________\n١ قام فضيلة الشيخ رحم الله تعالى رحمة واسعة بمراجعة هذا الشرح بعد تفريغه من الأشرطة فحذف ما لا يحتاج إليه وما تدعو الحاجة إليه فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء إنه سميع قريب وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":11},{"text":"وثبوت السنة إلى النبي ﷺ يختص بالحديث، لأن القرآن نُقل إلينا نقلًا متواترًا قطعيًا، لفظًا ومعنى، ونقله الأصاغر عن الأكابر فلا يحتاج إلى البحث عن ثبوته.\nثم اعلم أن علم الحديث ينقسم إلى قسمين:\n١ - علم الحديث رواية.\n٢ - علم الحديث دراية.\nفعلم الحديث رواية يبحث عما ينقل عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله وأحواله. ويبحث فيما يُنقل لا في النقل.\nمثاله: إذا جاءنا حديث عن النبي ﷺ فإننا نبحث فيه هل هو قول أو فعل أو حال؟\nوهل يدل على كذا أو لا يدل؟\nفهذا هو علم الحديث رواية، وموضوعه البحث في ذات النبي ﷺ وما يصدر عن هذه الذات من أقوال وأفعال وأحوال، ومن الأفعال الإقرار، فإنه يعتبر فعلًا، وأما الأحوال فهي صفاته كالطول والقِصَر واللون، والغضب والفرح وما أشبه ذلك.\nأما علم الحديث دراية فهو: علم يُبحث فيه عن أحوال الراوي والمروي من حيث القبول والرد.\nمثاله: إذا وجدنا راويًا فإنا نبحث هل هذا الراوي مقبول أم مردود؟\nأما المروي فإنه يُبحث فيه ما هو المقبول منه وما هو المردود؟\nوبهذا نعرف أن قبول الراوي لا يستلزم قبول المروي؛ لأن السند قد يكون رجاله ثقاةً عدولًا، لكن قد يكون المتن شاذًّا أو معللًا فحينئذ لا نقبله. كما أنه أحيانًا لا يكون رجال السند يصِلون إلى حد القبول","vol":"1","page":12},{"text":"والثقة، ولكن الحديث نفسه يكون مقبولًا وذلك لأن له شواهد من الكتاب والسنة، أو قواعد الشريعة تؤيده.\nإذن فائدة علم مصطلح الحديث هو: معرفة ما يُقبل وما يردّ من الحديث.\nوهذا مهمّ بحد ذاته؛ لأن الأحكام الشرعية مبنية على ثبوت الدليل وعدمه، وصحته وضعفه.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>شرح المنظومة البيقونية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>شرح البسملة</span>\n...\nقال المؤلف ﵀:\n\"بسم الله الرحمن الرحيم\"\nالبسملة آية من كتاب الله ﷿، فهي من كلام الله تعالى، يُبتدأ بها في كل سورة من سور القرآن الكريم؛ إلا سورة \"براءة\" فإنها لا تُبدأ بالبسملة، اتباعًا للصحابة رضوان الله عليهم، ولو أن البسملة كانت قد نزلت في أول هذه السورة لكانت محفوظة كما حفظت في باقي السور، ولكنها لم تنزل على النبي ﷺ، ولكن الصحابة أشكل عليهم، هل سورة \"براءة\" من الآنفال أم أنها سورة مستقلة؟ فوضعوا فاصلًا بينهما دون البسملة.\nوالبسملة فيها جار ومجرور، ومضاف إليه، وصفة.\nفالجار والمجرور هو \"بسم\".\nوالمضاف إليه هو لفظ الجلالة \"الله\".\nوالصفة هي \"الرحمن الرحيم\".\nوكل جارّ ومجرور لابد له من التعلق إما بفعل كقام، أو معناه كاسم الفاعل، أو اسم المفعول مثلًا.\nفالبسملة متعلقة بمحذوف فما هو هذا المحذوف؟\nاختلف النحويون في تقدير هذا المحذوف، لكن أحسن ما قيل فيه وهو الصحيح: أن المحذوف فعلٌ متأخرٌ مناسب للمقام.\nمثاله: إذا قال رجل بسم الله، وهو يريد أن يقرأ النظم فإن التقدير يكون: بسم الله اقرأ، وإذا كان الناظم هو الذي قال: بسم الله فإن التقدير يكون: بسم الله أنظم.\nولماذا قدّرناه فعلًا ولم نقدّره اسم فاعلٍ مثلًا؟","vol":"1","page":17},{"text":"نقول: قدّرناه فعلًا، لأن الأصل في العمل الأفعال، ولهذا يعمل الفعل بدون شرط، وما سواه من العوامل الاسمية فإنها تحتاج إلى شرط.\nولماذا قدرناه متأخرًا؟\nنقول قدّرناه متأخرًا لوجهين:\n١ - التيمُّن بالبداءة باسم الله تعالى؛ ليكون اسم الله تعالى هو المقدّم، وحق له أن يُقدّم.\n٢ - لإفادة الحصر؛ وذلك لأن تأخير العامل يفيد الحصر، فإن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. فإذا قلت: بسم الله اقرأ، تعيَّن أنك تقرأ باسم الله لا باسم غيره.\nونحن قدرناه مناسبًا للمقام لأنه أدل على المقصود، ولأنه لا يخطر في ذهن المبسمل إلا هذا التقدير.\nمثاله: لو أنك سألت الرجل الذي قال عند الوضوء بسم الله عن التقدير في قوله: بسم الله، لقال: بسم الله أتوضأ.\nولو قال قائل: أنا أُريد أن أُقدّر المتعلق بسم الله أبتدئ.\nفإننا نقول: لا بأس بذلك، لكن أبتدئ: فعل عام يشمل ابتداءك بالأكل والوضوء والنظم، وكما قلنا فإن هذا التقدير لا يتبادر إلى ذهن المبسمل.\nأما اسم فيقولون: إنه مشتق من السمو، وهو العلو.\nوقيل: من السمة وهي العلامة.\nوالاسم مهما كان اشتقاقه فإنه يُراد به هنا كل اسم من أسماء الله الحسنى، أي أنه لا يُراد به اسم واحد بعينه مع أنه مفرد؛ لأن القاعدة: أن المفرد المضاف يفيد العموم، فبذلك يلزم من قولنا: بسم الله، أن","vol":"1","page":18},{"text":"يكون المعنى: بكل اسم من أسماء الله الحسنى. ولهذا تجد القائل: بسم الله، لا يخطر بباله اسم معين كالرحمن والرحيم والغفور والودود والشكور ونحوها، بل هو يريد العموم ويدل على ذلك، أي على أن المفرد المضاف للعموم قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] . ولو كان المراد نعمة واحدة لما قال: ﴿لاَ تُحْصُوهَا﴾ . إذًا فالمعنى ابتدئ بكل اسم من أسماء الله ﷿.\nوالباء في قوله: بسم الله أهي للاستعانة أم للمصاحبة؟\nهناك من قال: إنها للاستعانة.\nومنهم من قال: إنها للمصاحبة.\nوممن قال إنها للمصاحبة؛ الزمخشري صاحب الشكاف وهو معتزلي من المعتزلة، وكتابه الكشاف فيه اعتزاليات كثيرة قد لا يستطيع أن يعرفها كل إنسان، حتى قال البلقيني: أخرجت من الكشاف اعتزاليات بالمناقيش. وهذا يدل على أنها خفية.\nوالزمخشري رجَّح أن الباء للمصاحبة، مع أن الظاهر أنها للاستعانة! لكنه رجّح المصاحبة؛ لأن المعتزلة يرون أن الإنسان مستقلٌّ بعمله فإذا كان مستقلًا بعمله فإنه لا يحتاج للاستعانة.\nلكن لا شك أن المراد بالباء هو: الاستعانة التي تصاحب كل الفعل، فهي في الأصل للاستعانة وهي مصاحبة للإنسان من أول الفعل إلى آخره، وقد تفيد معنى آخرًا وهو التبرك إذا لم نحمل التبرك على الاستعانة، ونقول كل مستعين بشيء فإنه متبرك به.\nالله: لفظ الجلالة علمٌ على الذات العلية لا يسمى به غيره، وهو مشتق من الألوهية، وأصله إله لكن حذفت الهمزة، وعُوض عنها ب-\"أل\" فصارت \"الله\".","vol":"1","page":19},{"text":"وقيل: أصله الإله وأنَّ \"أل\" موجودة في بنائه من الأصل وحُذفت الهمزة للتخفيف، كما حذفت من الناس وأصلها \" الآناس\" وكما حُذفت الهمزة من \"خير وشر\" وأصلها أخير وأشر.\nومعنى الله: مأخوذة من الألوهية وهي التعبد بحب وتعظيم، يقال: ألهَ إليه أي: اشتاق إليه، وأحبه، وأناب إليه، وعظمه.\nفهي مشتقة من الألوهية، وهي المحبة والتعظيم.\nوعليه فيكون إله بمعنى مألوه، أي: معبود.\nوهل فِعَال تأتي بمعنى مفعول؟\nنقول: نعم؛ مثل فراش بمعنى مفروش، وبناء بمعنى مبنوء. وغراس بمعنى مغروس.\nوأما الرحمن: فهو نعت للفظ الجلالة، وهو أيضًا اسم من أسماء الله تعالى يدل على الرحمة، وجميع الذين حدوا الرحمة حدوها بآثارها فمثلًا: أنا أرحم الصغير فما هو معنى أرحم هل هو العظف أو هو الرفق به.\nالجواب: لا؛ لأن العطف من آثار الرحمة، وكذلك الرفق به من آثار الرحمة.\nفالرحمة هي الرحمة! فلا تستطيع أن تعرِّفها أو تحددها بأوضح من لفظها.\nفنقول إن الرحمة معلومة المعنى، ومجهولة الكيفية بالنسبة لله ﷿، ولكنها معلومة الاثار، فالرحمن اسم من أسماء الله تعالى يدل على صفة الرحمة.\nوأما الرحيم: فهو اسم متضمن للرحمة.\nوهل الرحيم بمعنى الرحمن، أم أنه يختلف؟","vol":"1","page":20},{"text":"قال بعض العلماء: إنه بمعنى الرحمن، وعلى هذا فيكون مؤكدًا لا كلامًا مستقلًا، ولكن بعض العلماء قال: إن المعنى يختلف؛ ولا يمكن أن نقول إنه بمعنى الرحمن لوجهين:\n١ - أن الأصل في الكلام التأسيس لا التوكيد، يعني أنه إذا قال لنا شخص إن هذه الكلمة مؤكدة لما قبلها، فإننا نقول له إن الأصل أنها كلمة مستقلة، تفيد معنى غير الأول، وذلك لأن الأصل في التوكيد الزيادة، والأصل في الكلام عدم الزيادة.\n٢ - اختلاف بناية الكلمة الأولى، وهي الرحمن على وزن فعلان، والرحيم على وزن فعيل، والقاعدة في اللغة العربية: أن اختلاف المبنى يدلُّ على اختلاف المعنى.\nإذًا لابد أنه مختلف، فما وجه الخلاف؟\nقال بعض العلماء: إن الرحمن يدل على الرحمة العامة، والرحيم يدل على الرحمة الخاصة، لأن رحمة الله تعالى نوعان:\n١ - رحمة عامة؛ وهي لجميع الخلق.\n٢ - رحمة خاصة؛ وهي للمؤمنين كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] .\nوبعضهم قال: الرحمن يدل على الصفة، والرحيم يدل على الفعل، فمعنى الرحمن يعني ذو الرحمة الواسعة، والمراد بالرحيم إيصال الرحمة إلى المرحوم، فيكون الرحمن ملاحظًا فيه الوصف، والرحيم ملاحظًا فيه الفعل.\nوالقول الأقرب عندي هو: القول الثاني وهو أن الرحمن يدل على الصفة، والرحيم يدل على الفعل.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>معنى الحمد والصلاة على النبي ﷺ</span>\n...\nقال المؤلف ﵀:\n١ - أبدأُ بالحمدِ مُصَلِّيًا على ... محمدٍ خَيِر نبي أُرسلا\nقوله: أبدأ بالحمد: يوحي بأنه لم يذكر البسملة، فإنه لو بدأ بالبسملة؛ لكانت البسملة هي الأولى، ولذلك يشك الإنسان هل بدأ المؤلف بالبسملة أم لا؟ لكن الشارح ذكر أن المؤلف بدأ النظم بالبسملة، وبناء على هذا تكون البداءة هنا نسبية أي: بالنسبة للدخول في موضوع الكتاب أو صلب الكتاب.\nوقوله بالحمد مصليًا: نصَبَ مصليًا على أنه حال من الضمير في أبدأ، والتقدير حال كوني مصليًا.\nومعنى الحمد كما قال العلماء: هو وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيمًا، فإن وصفَهُ بالكمال لا محبة ولا تعظيمًا، ولكن خوفًا ورهبة سُمي ذلك مدحًا لا حمدًا، فالحمد لابد أن يكون مقرونًا بمحبة المحمود وتعظيمه.\nوقول المؤلف بالحمد: لم يذكر المحمود، ولكنه معلومٌ بقرينة الحال، لأن المؤلف مسلمٌ؛ فالحمد يقصد به حمد الله ﷾.\nومعنى الصلاة على النبي ﷺ هو: طلب الثناء عليه من الله تعالى، وهذا ما إذا وقعت الصلاة من البشر، أما إذا وقعت من الله تعالى فمعناها ثناء الله تعالى عليه في الملأ الأعلى، وهذا هو قول أبي العالية، وأما من قال إن الصلاة من الله تعالى تعني الرحمة، فإن هذا القول ضعيفٌ، يضعّفُه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَ-ئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧] . ولو كانت الصلاة بمعنى الرحمة، لكان معنى الاية أي: أولئك عليهم رحماتٌ من ربهم ورحمة، وهذا لا يستقيم! والأصل في","vol":"1","page":22},{"text":"الكلام التأسيس؛ فإذا قلنا إن المعنى أي: رحمات من ربهم ورحمة، صار عطف مماثل على مماثل.\nفالصحيح هو: القول الأول وهو أن صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى.\nوقوله محمد خير نبي أُرسلا: محمد: هو اسمٌ من أسماء النبي ﷺ، وقد ذكر الله تعالى اسمين من أسماء النبي ﷺ في القرآن الكريم وهما:\nأحمد.\nومحمد.\nأما أحمد: فقد ذكره نقلًا عن عيسى ﵊، وقد اختار عيسى ذلك؛ إما لأنه لم يُوح إليه إلا بذلك، وإما لأنه يدل على التفضيل، فإن أحمد اسم تفضيل في الأصل، كما تقول: فلان أحمد الناس، فخاطب بني إسرائيل ليبين كمالَهُ.\nأما محمد فهو اسم مفعول من حمده، ولكن الأقرب أن الله تعالى أوحى إليه بذلك لسببين هما:\n١ - لكي يبين لبني إسرائيل أن النبي ﷺ هو أحمدُ الناس وأفضلهم.\n٢ - لكي يبتلي بني إسرائيل ويمتحنهم، وذلك لأن النصارى قالوا: إن الذي بشرنا به عيسى هو أحمد، والذي جاء للعرب هو محمد، وأحمد غير محمد، فإن أحمد لم يأتِ بعدُ، وهؤلاء قال الله فيهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ﴾ . [آل عمران: ٧] .\nولكن نقول لهم: إن قولكم أنه لم يأتِ بعدُ؛ كذب لأن الله تعالى قال في نفس الاية ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَ-تِ قَالُواْ هَ-ذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ . [الصف: ٦] .","vol":"1","page":23},{"text":"و\"جاء\" فعلٌ ماضي، يعني أن أحمد جاء، ولا نعلم أن أحدًا جاء بعد عيسى إلا محمد ﷺ.\nوبين محمد وأحمد فرق في الصيغة والمعنى:\nأما في الصيغة: فمحمد: اسم مفعول، وأحمد: اسم تفضيل.\nأما الفرق بينهما في المعنى:\nففي محمد: يكون الفعل واقعًا من الناس.\nأي: أن الناس يحمدونه.\nوفي أحمد: يكون الفعل واقعًا منه، يعني أنه ﷺ أحمدُ الناس لله تعالى، يكون واقعًا عليه يعني أنه هو أحقُ الناس أن يُحمد.\nفيكون محمدٌ حُمدَ بالفعل.\nوأحمد أي كان حمده على وجه يستحقه؛ لأنه أحقُّ الناس أن يُحمد، ولعل هذا هو السر في أن الله تعالى ألهم عيسى أن يقول: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] . حتى يبين لبني إسرائيل أنه أحمدُ الناس لله تعالى، وأنه أحقُّ الناس بأن يُحمد.\nوقوله خير نبي أرسلا: جمع المؤلف هنا بين النبوة والرسالة، لأن النبي مشتق مع النبأ فهو فعيلٌ بمعنى مفعول، أو هو مشتق من النبوة أي نبا ينبوا إذا ارتفع، والنبي لا شك أنه رفيع الرتبة، ومحمد ﷺ أكمل منْ أرسل وأكمل من أنبىء، ولهذا قال محمد خير نبي أرسلًا.\nوالمؤلف هنا قال نبي أُرسلا: ولم يقل خير رسول أُرسلا، وذلك لأن كل رسول نبي، ودلالة الرسالة على النبوة من باب دلالة اللزوم؛ لأن من لازم كونه رسولًا أن يكون نبيًّا، فإذا ذُكر اللفظ صريحًا كان ذلك أفصح في الدلالة على المقصود، فالجمع بين النبوة والرسالة نستفيد منه أنه نصّ على النبوة، ولو اقتُصر على الرسالة لم نستفد معنى النبوة إلا","vol":"1","page":24},{"text":"عن طريق اللزوم، وكون اللفظ دالًا على المعنى بنصه أولى من كونه دالًا باستلزامه. كما في حديث البراء بن عازب - ﵁ - عند تعليم النبي ﷺ له دعاء النوم فلما أعاد البراء بن عازب - ﵁ - الدعاء قال: وبرسولك الذي أرسلت. فقال له النبي ﷺ: \"لا؛ قل: وبنبيك الذي أرسلت\" ١. لأجل أن تكون الدلالة على النبوة دلالة نصيَّة، هذا من جهة.\nومن جهة أخرى: أنه إذا قال: خير رسول: فإن لفظ الرسول يشمل الرسول الملكي وهو جبريل ﵇، ويشمل الرسول البشري وهو محمد ﷺ، لكن! على كل حال في كلام المؤلف كلمة: محمد تخرج منه جبريل ﵇.\nوالألف في قوله: أُرسلا يُسميها العلماء ألف الإطلاق، أي: إطلاق الروي.\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب الدعوات باب: إذا بات طاهرا ٦٣١١. ومسلم كتاب الذكر والدعاء باب: الدعاء عند النوم ٥٦، ٢٧١٠.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>أقسام الحديث</span>\nقال المؤلف ﵀:\nوذي من أقسامِ الحديث عدَّه ... وكلُّ واحدٍ أتى وحَدَّه\nقوله \"ذي\" اسم إشارة.\nوالمشار إليه: ما ترتب في ذهن المؤلف. إن كانت الإشارة قبل التصنيف وإن كانت الإشارة بعد التصنيف، فالمشار إليه هو الشيء الحاضر الموجود في الخارج.\nفما المراد بالحديث هنا، أعلمُ الدراية أم علم الرواية؟\nنقول المراد بقوله \"أقسام الحديث\" هنا علم الدراية.\nوقوله \"عدَّه\" أي عدد ليس بكثير.\nوقوله \"وكل واحد أتى وحدَّه\" أي أن كل واحد من هذه الأقسام جاء به المؤلف.\nوقوله \"أتى وحدَّه\" الواو هنا واو المعيَّة، و\"حدَّه\" مفعول معه، وهنا قاعدة وهي: إذا عُطف على الضمير المستتر فالأفصح أن تكون الواو للمعية ويُنصب ما بعدها.\nفإذا قلت: محمدٌ جاء وعليًّا، فإنه أفصح من قولك: محمدٌ جاء وعلي. لأن واو المعية تدل على المصاحبة، فالمصحوب هو الضمير.\nومعنى \"حدَّه\" أي تعريفه، والحدُّ: هو التعريف بالشيء. ويشترط في الحد أن يكون مطرد وأن يكون منعكسًا، يعني أن الحدّ يُشترط ألا يخرج عنه شيء من المحدود، وألا يدخل فيه شيء من غير المحدود.\nفمثلًا: إذا حددنا الإنسان كما يقولون: أنه حيوانٌ ناطق، وهذا الحدُّ يقولون: إنه مطرد، ومنعكس.","vol":"1","page":26},{"text":"فقولنا: \"حيوانٌ\" خرج به ما ليس بحيوان كالجماد.\nوقولنا: \"ناطق\" خرج به ما ليس بناطق كالبهيم، فهذا الحد الآن تام لا يدخل فيه شيء من غير المحدود ولا يخرج منه شيء من المحدود.\nولو قلنا: إن الإنسان حيوان فقط؛ فهذا لا يصح! لماذا؟\nلأنه يدخل فيه ما ليس منه، فإننا إذا قلنا إن الإنسان حيوانٌ لدخل فيه البهيم والناطق.\nوإذا قلنا: إن الإنسان حيوانٌ ناطق عاقل، فهذا لا يصح أيضًا؛ لأنه يخرج منه بعض أفراد المحدود وهو المجنون.\nإذًا فلابد في الحد أن يكون مطردًا منعكسًا.\nوإذا قلنا في الوضوء: إنه غسل الأعضاء الأربعة فقط، فهذا لا يصح، فلابد أن تقول: على صفة مخصوصة، لأنك لو غسلت هذه الأعضاء غير مرتبة لم يكن هذا وضوءًا شرعيًّا.\nولو قلت: الوضوء هو غسل الأعضاء الأربعة ثلاثًا على صفة مخصوصة، فإن هذا أيضًا لا يصح، لأنه يخرج منه بعض المحدود، فإنه يخرج منه الوضوء، إذا كان غسل الأعضاء فيه مرة واحدة.\nوعلى كل حال فالحد هو التعريف، وهو: \"الوصف المحيط بموصوفه، المميز له عن غيره\".\nوشرطه: أن يكون مطردًا منعكسًا، أي لا يخرج شيء من أفراده عنه، ولا يدخل فيه شيء من غير أفراده.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الحديث الصحيح وشروطه</span>\n...\nقال المؤلف ﵀:\n٣ - أوَّلُها الصَّحيحُ وهوَ ما اتّصَل ... إسنَادُهُ ولَم يُشذّ أو يُعَل\nقوله: \"أولها الصحيح\" بدأ المؤلف بذكر أقسام الحديث وقدَّم الصحيح لأنه أشرف أقسام الحديث، ثم عرَّفه فقال: \"وهو ما اتصل إسناده\" يعني ما رُوي بإسناد متصل بحيث يأخذه كل راوي عمن فوقه، فيقول مثلًا: حدثني رقم واحد \"ولنجعلها بالأرقام\" قال حدثني رقم اثنين، قال حدثني رقم ثلاثة، قال حدثني رقم أربعة، فهذا النوع يكون متصلًا، لأنه يقول حدثني فكل واحد أخذ عمن روى عنه.\nأما إن قال حدثني رقم واحد عن رقم ثلاثة لم يكن متصلًا، لأنه سقط منه رقم اثنين فيكون منقطعًا.\nوقوله: \"ولم يُشذَّ أو يُعَل\" يعني يشترط أن لا يكون شاذًّا ولا معللًا.\nوالشاذُّ هو: الذي يرويه الثقة مخالفًا لمن هو أرجح منه، إما في العدد، أو في الصدق، أو في العدالة.\nفإذا جاء الحديث بسندٍ متصلٍ لكنه شاذٌّ، بحيث يكون مخالفًا لرواية أُخرى، هي أرجح منه، إما في العدد، وإما في الصدق، وإما في العدالة؛ فإنه لا يقبل ولو كان الذي رواه عدلًا، ولو كان السند متصلًا، وذلك من أجل شذوذه.\nوالشذوذ: قد يكون في حديث واحد، وقد يكون في حديثين منفصلين، يعني أنه لا يشترط في الشذوذ أن يكون الرواة قد اختلفوا في","vol":"1","page":28},{"text":"حديث واحد، بل قد يكون الشاذ أتى في حديث آخر، مثاله: ما ورد في السنن أن النبي ﷺ نهى عن الصيام إذا انتصف شعبان١، والحديث لا بأس به من حيث السند، لكن ثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين أنه قال: \"لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه\" ٢ فإذا أخذنا بالحديث الثاني الوارد في الصحيحين قلنا إن فيه دلالة على أن الصيام بعد منتصف شعبان جائز، وليس فيه شيء، لأن النهي حُدد بما قبل رمضان بيوم أو يومين، وإذا أخذنا بالأول فنقول إن النهي يبدأ من منتصف شعبان، فأخذ الإمام أحمد بالحديث الوارد في الصحيحين وهو النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وقال إن هذا شاذ، يعني به حديث السنن، لأنه مخالف لمن هو أرجح منه إذ أن هذا في الصحيحين وذاك في السنن.\nومن ذلك ما ورد في سنن أبي داود أن النبي ﷺ نهى عن صوم يوم السبت قال: \"لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم\" ٣ فقد حكم بعض العلماء على هذا الحديث بالشذوذ، لأنه مخالف لقول النبي ﷺ لإحدى نسائه حين وجدها صائمة يوم الجمعة، فقال: \"هل صمت أمس\"؟ فقالت: لا، قال: \"أتصومين غدًا\"؟ قالت: لا، قال:\n_________\n١ أخرجه الإمام أحمد ٢/٣٢٥ وأبو داود كتاب الصوم باب: كراهية صوم النصف من شعبان ١٩٩٠. والترمذي كتاب الصوم باب: كراهية الصوم ٦٦٩. وابن ماجة كتاب الصيام باب ماجاء في النهي أن يتقدم ١٦٤١.\n٢ أخرجه البخاري كتاب باب: لايتقدم رمضان بصوم يوم يوم ولا يومين ١٩١٤ ومسلم كتاب الصيام باب: لاتقدموا رمضان..٢١، ١٠٨٢.\n٣ أخرجه الإمام ١٧٠٢٦ وأبو داود كتاب الصيام باب: النهي أن يخص يوم السبت بصوم ٢٤١٢ والترمذي أبواب الصوم باب: ماجاء في صوم يوم السبت ٧٤٤ وقال: حديث حسن.","vol":"1","page":29},{"text":"\"فأفطري\" ١. وهذا الحديث ثابت في الصحيح، وفيه دليل على أن صيام يوم السبت جائز ليس فيه بأس، وهنا قال بعض العلماء: إن حديث النهي عن صيام يوم السبت شاذ؛ لأنه مخالف لما هو أرجح منه، ومن العلماء من قال: لا مخالفة هنا، وذلك لإمكان الجمع، وإذا أمكن الجمع فلا مخالفة، والجمع بين الحديثين أن يقال: إن النهي كان عن إفراده، أي أنه نُهي عن صوم يوم السبت مستقلًا بمفرده، أما إذا صامه مع يوم الجمعة، أو مع يوم الأحد فلا بأس به حينئذ، ومن المعلوم أنه إذا أمكن الجمع فلا مخالفة ولا شذوذ.\nومن الشذوذ: أن يخالف ما عُلم بالضرورة من الدين.\nمثاله: في صحيح البخاري رواية \"أنه يبقى في النار فضلٌ عمن دخلها من أهل الدنيا، فيُنشىء الله لها أقوامًا فيدخلهم النار\" ٢.\nفهذا الحديث وإن كان متصل السند فهو شاذ؛ لأنه مخالف لما عُلم بالضرورة من الدين، وهو أن الله تعالى لا يظلم أحدًا، وهذه الرواية - في الحقيقة - قد انقلبت على الراوي، والصواب أنه يبقي في الجنة فضلٌ عمن دخلها من أهل الدنيا، فيُنشىء الله أقوامًا فيدخلهم الجنة، وهذا فضل ليس فيه ظلم، أما الأول ففيه ظلم.\nعلى كل حال فلابد لصحة الحديث ألا يكون شاذًّا.\nولو أن رجلًا ثقة عدلًا روى حديثًا على وجه، ثم رواه رجلان مثله في العدالة على وجه مخالف للأول، فماذا نقول للأول؟\nنقول: الحديث الأول شاذ، فلا يكون صحيحًا وإن رواه العدل\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب الصوم باب صوم يوم الجمعة ١٩٨٤.\n٢ أخرجه البخاري كتاب التوحيد باب قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٧٣٨٤.","vol":"1","page":30},{"text":"الثقة.\nولو روى إنسان حديثًا على وجه، ورواه إنسانٌ آخر على وجه يخالف الأول، وهذا الثاني أقوى في العدالة أو في الضبط، فيكون الأول شاذًّا.\nوهذه قاعدة مفيدة تفيد الإنسان فيما لو عرض له حديث، فإذا نظر في سنده وجده متصلًا، ووجد أن رجاله ثقات، ولكن إذا نظر إلى المتن وجده مخالفًا كما سبق فحينئذ نقول له احكم بأن هذا ليس بصحيح، وليس في ذمتك شيء.\nفإذا قال كيف أحكم عليه بأنه غير صحيح! وسنده متصل ورجاله ثقات عدول؟\nفنقول له: لأن فيه علة توجب ضعفه وهي الشذوذ.\nقوله: \"أو يُعَلَّ\" معناه أي يُقدح فيه بعلة تمنع قبوله، فإذا وجدت في الحديث علة تمنع قبوله فليس الحديث بصحيح.\nومعنى العلة في الأصل هي: وصفٌ يوجب خروج البدن عن الاعتدال الطبيعي.\nولهذا يقال: فلانٌ فيه علة، يعني أنه عليل أي مريض، فالعلة مرض تمنع من سلامة البدن.\nوالعلة في الحديث معناها قريبة من هذا وهي:\nوصفٌ يوجب خروج الحديث عن القبول.\nلكن هذا الشرط، يشترط فيه شرط زائد على ما قال المؤلف وهو: أن لا يُعلّ الحديث بعلةٍ قادحة، لأن الحديث قد يُعلُّ بعلةٍ لا تقدح فيه، وهذا سيأتي الكلام عليه إن شاءالله.\nإذًا فيشترط للحديث الصحيح شروط أخذنا منها ثلاثة وهي:","vol":"1","page":31},{"text":"١ - اتصال السند.\n٢ - أن يكون سالمًا من الشذوذ.\n٣ - أن يكون سالمًا من العلة القادحة.\nوالعلة القادحة اختلف فيها العلماء اختلافًا كثيرًا!؛ وذلك لأن بعض العلماء، قد يرى أن في الحديث علة توجب القدح فيه، وبعضهم قد لا يراها علة قادحة.\nومثاله: لو أن شخصًا ظن أن هذا الحديث مخالفٌ لما هو أرجح منه لقال: إن الحديث شاذ، ثم لا يقبله، فإذا جاء آخر وتأمل الحديث وجد أنه لا يخالفه، فبالتالي يحكم بصحة الحديث! لأن أمر العلة أمر خفي، فقد يخفى على الإنسان وجه ارتفاع العلة فيعلله بهذه العلة، ويأتي آخر ويتبين له وجه ارتفاع العلة فلا يعلله.\nلذلك قلنا لابد من إضافة قيد وهو: أن تكون العلة قادحة، والعلة القادحة هي التي تكون في صميم موضوع الحديث، أما التي تكون خارجًا عن موضوعه فهذه لا تكون علة قادحة.\nولنضرب على ذلك مثلًا بحديث فضالة بن عبيد - ﵁ - في قصة القلادة الذهبية التي بيعت باثني عشر دينارًا، والدينار نقد ذهبي، ففُصلت فوجد فيها أكثر من اثني عشر دينارًا١.\nواختلف الرواة في مقدار الثمن.\nفمنهم من قال: اثني عشر دينارًا.\nومنهم من قال: تسعة دنانير.\nومنهم من قال: عشرة دنانير.\n_________\n١ أخرجه مسلم كتاب المساقاة باب: بيع القلادة فيها خرز وذهب ٩٠، ١٥٩١.","vol":"1","page":32},{"text":"ومنهم من قال غير ذلك، وهذه العلة - لا شك - أنها علة تهزُّ الحديث، لكنها علة غير قادحة في الحديث، وذلك لأن اختلافهم في الثمن لا يؤثر في صميم موضوع الحديث وهو: أن بيع الذهب بالذهب، إذا كان معه غيره، لا يجوز ولا يصح.\nوكذلك قصة بعير جابر - ﵁١ الذي اشتراه منه النبي ﷺ، حيث اختلف الرواة في ثمن هذا البعير، هل هو أوقية، أو أكثر، أو أقل، فهذا الخلاف لا يعتبر علّة قادحة في الحديث، لأن موضوع الحديث هو: شراء النبي ﷺ الجمل من جابر بثمن معين، واشتراط جابر أن يحمله الجمل إلى المدينة، وهذا الموضوع لم يتأثر ولم يُصب بأي علة تقدح فيه، وغاية ما فيه أنهم اختلفوا في مقدار الثمن، وهذه ليست بعلة قادحة في الحديث.\nومن العلل القادحة: أن يروي الحديث إثنان، أحدهما يرويه بصفة النفي، والاخر يرويه بصفة الإثبات، وهذا لا شك أنها علة قادحة، وسيأتي الكلام عليه إن شاءالله في الحديث المضطرب الذي اضطرب الرواة فيه على وجهٍ يتأثر به المعنى.\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب البيوع باب: شراء الدواب ٢٠٩٧ ومسلم كتاب المساقاة باب: بيع البعير واشتثناء ركوبه ١٠٩، ٧١٥.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>بقية شروط الصحيح</span>\n...\nقال المؤلف ﵀:\n٤ - يَرْويهِ عَدْلٌ ضابِطٌ عَن مثله ... مُعْتَمَدٌ في ضَبْطِهِ ونَقْلِهِ\nقوله: \"يرويه عدل\" يعني أنه لابد أن يكون الراوي عدلًا، وهذا هو الشرط الرابع من شروط صحة الحديث.\nوالعدل في الأصل هو: الاستقامة، إذا كان الطريق مستقيمًا ليس فيه اعوجاج، يقال: هذا طريق عدل، أي: مستقيم، ومثله العصا المستقيمة يقال لها عدلة، هذا هو الأصل.\nلكنه عند أهل العلم هو: وصف في الشخص يقتضي الاستقامة، في الدين، والمروءة.\nفاستقامة الرجل في دينه ومروءته تسمى عدالة.\nوعلى هذا فالفاسق ليس بعدل؛ لأنه ليس مستقيمًا في دينه. فلو رأينا رجلًا قاطعًا لرحمه فليس بعدل، ولو كان من أصدق الناس في نقله، لأنه غير مستقيم في دينه، وكذلك لو وجدنا شخصًا لا يصلي مع الجماعة، وهو من أصدق الناس، فإنه ليس بعدل، فما رواه لا يقبل منه.\nوالدليل على هذا قول الله تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] . فلما أمر الله تعالى بالتبين في خبر الفاسق عُلم أن خبره غير مقبول، لا يقبلُ ولا يُرد حتى نتبين.\nونحن نشترط في رواية الحديث: أن يكون الراوي عدلًا يمكن قبول خبره، والفاسق لا يقبل خبره.\nأما العدل فيقبلُ خبره، بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدْلٍ","vol":"1","page":34},{"text":"مِّنكُمْ﴾ . [الطلاق: ٢] . ولم يأمرنا بإشهادهم إلا لنقبل شهادتهم، إذ أن الأمر بقبول شهادة من لا تقبل شهادته لا فائدة منه وهو لغوٌ من القول.\nأما المروءة فقال أهل العلم في تعريفها هو: أن يفعل ما يُجمّلُهُ ويزيُنهُ، ويدع ما يُدنّسه ويشينه.\nأي أن المروءة هي أن يستعمل ما يجمله أمام الناس، ويزينه ويمدحوه عليه، وأن يترك ما يدنسه ويشينه عند الناس، كما لو فعل الإنسان شيئًا أمام المجتمع وهذا الفعل مخالف لما عليه الناس، فإذا رأوا ذلك الفعل عدوه فعلًا قبيحًا، لا يفعله إلا أراذل الناس والمنحطون من السفلة، فنقول: إن هذا ليس بعدل، وذلك لأنه مروءته لم تستقم، وبفعله هذا خالف ما عليه الناس فسقطت مروءته.\nومثاله الآن: لو أن رجلًا خرج في بلدنا هذا بعد الظهر، ومعه الغداء على صحن له، وصار يمشي في الأسواق، ويأكل أمام الناس في السوق، لسقطت مروءته من أعين الناس، ولصار محلًاّ للسخرية والآنتقاد من الجميع.\nأما إذا خرج رجلٌ عند بابه ومعه إبريق الشاي والقهوة لكي يشربه عند الباب فهل يُعد هذا من خوارم المروءة أم لا؟\nنقول: إن هذا فيه تفصيل:\n١ - فإن كانت العادة جرت بمثل ذلك؛ فلا يُعد من خوارم المروءة؛ لأن هذا هو عُرف الناس وهو شيء مألوف عندهم، كما يفعله بعض كبار السن عندنا الآن، وذلك إذا كان أول النهار أخرج بساطًا له عند بابه، ومعه الشاي والقهوة، وجعل يشرب أمام الناس ومن مرّ بهم قالوا له: تفضل، فهذا لا بأس به؛ لأن من عادة الناس فعله.\n٢ - أما إن أتى بهذا الفعل على غير هذا الوجه، وكان الناس","vol":"1","page":35},{"text":"ينتقدونه على فعله هذا، وصار من معائب الرجل واستهجن الناس هذا الفعل، صار هذا الفعل من خوارم المروءة.\nوقد يختلف العلماء في تعديل رجل معين - وهذه تقع كثيرًا - أنظر مثلًا التهذيب، أو تهذيب التهذيب لابن حجر، أو غيره تجد أن الشخص الواحد يختلف فيه الحفاظ، فيقول أحد الحفاظ: هذا رجل لا بأس به.\nويقول غيره: هو ثقة.\nويقول آخر: اضرب على حديثه، ليس بشيء.\nفإذا اختلفوا فماذا نعمل؟\nنقول: إذا اختلف العلماء في مثل هذه المسألة وغيرها، فإننا نأخذ بما هو أرجح، فإذا كان الذي وثقه أعلم بحال الشخص من غيره، فإننا نأخذ بقوله؛ لأنه أعلمُ بحاله من غيره.\nولهذا لا نرى أحدًا يعلم حال الشخص إلا من كان بينه وبينه ملازمة، فإذا علمنا أنّ هذا الرجل ملازم له، ووصفه بالعدالة، قلنا هو أعلم من غيره فنأخذ بقوله.\nوكذا ما إذا ضعَّف أحدهم رجلًا وكان ملازمًا له، وهو أعرف بحاله من غيره، فإننا نأخذ بقوله.\nفالمهم أنه إذا اختلف حفاظ الحديث في تعديل رجل، أو تجريحه، وكان أحدهما أقرب إلى معرفة الموصوف من الاخر، فإننا نأخذ بقول من هو أقرب إليه، وأعلم بحاله من غيره.\nأما إن تساوى الأمران بأن كان كل واحد منهما بعيدًا عن ذلك الشخص، أو جهلنا الأمر في ذلك.\nفقد اختلف العلماء: هل نأخذ بالتعديل، أو نأخذ بالتجريح،","vol":"1","page":36},{"text":"بناء على أنه هل الأصل في الإنسان العدالة، أو الأصل فيه عدم العدالة؟\nفمن قال: إن الأصل العدالة، أخذ بالعدالة.\nومن قال: إن الأصل عدم العدالة، أخذ بالجرح، وردَّ روايته.\nوفصَّل بعضهم فقال: يقبل منهما ما كان مفسرًا، والمفسَّر مثل أن يقول: المعدل الذي وصفه بالعدالة: هو عدلٌ، وما ذكر فيه من الجرح فقد تاب منه، مثل: أن يُجرح بأنه يشرب الخمر.\nفيقول الذي وصفه بالعدالة: هو عدل وما ذُكرَ عنه من شْرب الخمر فقد تاب منه. إذًا نُقدِّم المفسَّر، لأنه معه زيادة علم، فقد علم أنه مجروح بالأول، ثم زال عنه ما يقتضي الجرح.\nوإن كان الأمر بالعكس بأن قال الجارح: هذا الرجل ليس بعدل، لأنه مدمن على شرب الخمر، ففي هذه الحالة نقدِّم الجارح.\nوإن لم يكن أحدهما مفسِّرًا، أو فَسَّرا جميعًا شيئًا عن الراوي، فهنا نقول: إن كان الجرح أو التعديل غير مفسر، فينبغي أن نتوقف إذا لم نجد مرجحًا، فالواجب التوقف في حال هذا الرجل.\nوليُعلم أن بعض علماء الحديث عندهم تشدد في التعديل، وبعضهم عندهم تساهل في التعديل.\nيعني أن بعضهم من تشدده يجرح بما لا يكون جارحًا.\nومنهم من يكون على العكس فيتساهل فيعدَّل من لا يستحق التعيدل، وهذا معروف عند أهل العلم، فمن كان شديدًا في الرواة فإن تعديله يكون أقرب للقبول ممن كان متساهلًا، وإن كان الحق أن يكون الإنسان قائمًا بالعدل لا يشدد ولا يتساهل، لأننا إذا تشددنا فربما نرد حديثًا صحَّ عن النبي ﷺ، بناء على هذا التشدد، وكذا ما إذا تساهل الإنسان، فربما ينسب حديثًا إلى النبي ﷺ، وهو لم يصحّ ثبوته إليه","vol":"1","page":37},{"text":"بسبب هذا التساهل.\nوقوله \"ضابط\".\nهو الذي يحفظ ما روى تحمّلًا وأداءً.\nمثل: أن يكون نبيهًا يقظًا عند تحديث الشيخ للحديث، فلا تكاد تخرج كلمة من فم الشيخ إلا وقد ضبطها وحفظها وهذا هو التحمل.\nأما الأداء: فأن يكون قليل النسيان، بحيث أنه إذا أراد أن يحدث بما سمعه من الشيخ، أداه كما سمعه تمامًا، فلابد من الضبط في الحالين في حال التحمل، وحال الأداء.\nوضد الضبط هو: أن يكون الإنسان لديه غفلة عند التحمل، أو أن يكون كثير النسيان عند الأداء.\nولا نقول أن لا ينسى؛ لأننا إذا قلنا: إنه يشترط أن لا ينسى، لم نأخذ عُشر ما صح عن النبي ﷺ، ولكن المراد ألا يكون كثير النسيان، فإن كان كثير النسيان فإن حديثه لا يكون صحيحًا، لماذا؟\nلاحتمال أن يكون قد نسي، والناس يختلفون في هذا اختلافًا كبيرًا، لا عند التحمل ولا عند الأداء، فبعض الناس يرزقه الله فهمًا وحفظًا جيدًا، فبمجرد ما أن يسمع الكلمة، إلا وقد تصورها، وقد حفظها وضبطها تمامًا وأودعها الحافظة عنده، على ما هي عليه تمامًا، وبعض الناس يفهم الشيء خطأ ثم يُودع ما فهمه إلى الحافظة.\nوكذلك النسيان فإن الناس يختلفون فيه اختلافًا عظيمًا، فمن الناس من إذا حفظ الحديث استودعه تمامًا كما حفظه، لا ينسى منه شيئًا، وإن نسي فهو نادر، ومن الناس من يكون بالعكس.\nأما الأول: فمعروفٌ أنه ضابط.\nأما الثاني: وهو كثير النسيان فليس بضابط، ولكن يجب عليه","vol":"1","page":38},{"text":"تعاهد ما تحمله أكثر مما يجب على الأول، لأنه إذا لم يتعاهده فسوف يُنسى ويضيع.\nفإن قال قائل هل للنسيان من علاج أو دواء؟\nقلنا: نعم له دواء - بفضل الله - وهي الكتابة، ولهذا امتن الله ﷿ على عباده بها فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاَْكْرَمُ الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ . [العق: ١ - ٤] . فقال \"اقرأ\" ثم قال: ﴿الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ يعني اقرأ من حفظك، فإن لم يكن فمن قلمك، فالله ﵎ بين لنا كيف نداوي هذه العلة، وهي علة النسيان وذلك بأن نداويها بالكتابة، والآن أصبحت الكتابة أدقُّ من الأول، لأنه وجد - بحمد الله - الآن المسجِّل.\nوقوله: \"عن مثله\".\nأي أنه لابد أن يكون الراوي متصفًا بالعدالة والضبط، ويرويه عمن اتصف بالعدالة والضبط.\nفلو روى عدل عن فاسق، فلا يكون حديثه صحيحًا، وكذا إذا روى إنسان عدل جيد الحفظ، عن رجل سيء الحفظ، كثير النسيان، فإن حديثه لا يقبل، ولا يكون صحيحًا، لأنه لم يروه عن رجل ضابط مثله.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>مباحث حديثية</span>\n* المبحث الأول:\nتنقسم الأخبار المنقولة إلينا إلى ثلاثة أقسم:\n١ - الحديث: وهو يختص بما أُضيف إلى النبي ﷺ.\n٢ - الأثر: وهو يختص بما أضيف إلى من دونه، من الصحابة، أو التابعين، أو من بعدهم.\n٣ - الخبر: وهو يعم الحديث والأثر.\nولا يطلق الأثر على المرفوع للنبي ﷺ إلا مقيَّدًا، مثل أن يقال: وفي الأثر عن النبي ﷺ، أما عند الإطلاق فهو ما أُضيف إلى الصحابي فمن دونه.\n* المبحث الثاني:\nأحوال التلقي ثلاثة:\n١ - أن يصِّرح بالسماع منه.\n٢ - أن يثبت لُقيّهُ به دون السماع منه.\n٣ - أن يكون معاصرًا له ولكن لم يثبت أنه لقيه.\nفأما إذا ثبت السماع منه فقال: سمعت فلانًا أو حدثني فلان، فالاتصال واضح.\nأما إذا ثبت اللقي دون السماع فقال الراوي: قال فلان كذا وكذا، أو عن فلان كذا وكذا، ولم يقل سمعتُ أو حدثني، لكن قد ثبتت الملاقاة بينهما فهنا يكون متصلًا، أيضًا؛ لأنه مادام أن الراوي عدلٌ، فإنه لا ينسب إلى أحدٍ كلامًا إلا ما قد سمعه منه، هذا هو الأصل.","vol":"1","page":40},{"text":"وإذا كان معاصرًا له، لكنه لم يثبت أنه لقيه فهل يُحمل الحديث على الاتصال؟\nقال البخاري - ﵀ -: لا يحمل على الاتصال، حتى يثبت أنه لاقاه.\nوقال مسلم - ﵀ -: بل يحمل على الاتصال؛ لأنه مادام أنه معاصٌر له ونسب الحديث إليه فالأصل أنه سمعه منه.\nولكن قول البخاري أصحُّ، وهو أنه لابد أن يثبت أن الراوي قد لقي من روى عنه.\nولهذا كان صحيح البخاري أصح من صحيح مسلم، لأن البخاري يشترط الملاقاة، أما مسلم فلا يشترطها.\nوذهب بعض العلماء الذين يتشددون في نقل الحديث، إلى أنه لابد من ثبوت السماع، لأنه ربما يلاقيه ولا يسمع منه، وهذا لا شك أنه أقوى، لكننا لو اشترطنا السماع لفات علينا الكثير من السنة الصحيحة.\nوما هو أصحُّ كتب السنة؟\nوما هو أصحُّ الصحيح؟\nنقول: الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم، تعتبر أصح الأحاديث، فمثلًا في بلوغ المرام يقول الحافظ عقب الحديث: متفق عليه، يعني رواه البخاري ومسلم.\nثم ما انفرد به البخاري، لأن شرط البخاري أقوى من شرط مسلم، وهو ثبوت اللقاء بين الراوي ومن روى عنه، بخلاف مسلم الذي اشترط المعاصرة دون الملاقاة، فكان شرط البخاري أشد وأقوى، فلذلك قالوا: إن صحيح البخاري أصحُّ من صحيح مسلم.","vol":"1","page":41},{"text":"قال الناظم:\nتشاجرَ قومٌ في البخاري ومسلم ... لدَي وقالوا: أي ذَينٍ تَقَدمُ\nفقلتُ لقد فاقَ البخاريُّ صحةً ... كما فاق في حُسنِ الصناعةِ مسلمُ\nيعني أن مسلمًا في الترتيب، وسياق طرق الحديث، أحسن من البخاري، لكن من حيث الصحة فالبخاري يفوق مسلمًا.\nونحن في بحث الحديث يهمنا الصحة أكثر مما يهمنا التنسيق وحسن الصناعة.\nفمراتب الأحاديث سبعة وهي:\n١ - ما اتفق عليه البخاري ومسلم.\n٢ - ما انفرد به البخاري.\n٣ - ما انفرد به مسلم.\n٤ - ما كان على شرطهما. وأحيانًا يعبرون بقولهم: على شرط الصحيحين، أو على شرط البخاري ومسلم.\n٥ - ما كان على شرط البخاري.\n٦ - ما كان على شرط مسلم.\n٧ - ما كان على شرط غيرهما.\n* المبحث الثالث:\nهل جميع ما اتفق عليه البخاري ومسلم صحيح؟\nبمعنى أننا لا نبحث عن رواته ولا نسأل عن متونه أم لا؟\nنقول: أكثر العلماء يقولون: إن ما فيهما صحيح، مفيدٌ للعلم، لأن الأمة تلقتهما بالقبول، والأمة معصومة من الخطأ، وهذا رأي ابن الصلاح، وأظنه رأي شيخ الإسلام ابن تيمية وتليمذه ابن القيم ﵀.","vol":"1","page":42},{"text":"وأما ما انفرد به أحدهما: فإنه صحيح، لكنه ليس كما اتفقا عليه، ولهذا انُتقدَ على البخاري بعض الأحاديث، وانتقد على مسلم أكثر، وأجاب الحفاظ عن هذا الانتقاد بوجهين:\nالوجه الأول: أن هذا الانتقاد يعارضه قول البخاري، أي أن المنتقد على البخاري، يعارضه قول البخاري، والبخاري إمامٌ حافظ، فيكون مقدَّمًا على من بعده ممن انتقده، وكما هي العادة أنه إذا تعارض قولان لأهل العلم، فإننا نأخذ بالأرجح.\nفيقولون: البخاري إمام حافظ في الحديث، فإذا جاء من بعده، وقال هذا الحديث ليس بصحيح، والبخاري قد صححه، ووضعه في صحيحه، والبخاري أحفظ من هذا المنتقد، وأعلمُ منه، فقوله هذا يتعارض مع قول البخاري، وهذا الجواب مجمل.\nأما الجواب المفصل فهو في:\nالوجه الثاني: أن أهل العلم تصدوا لمن انتقد على البخاري ومسلم، وردوا عليه حديثًا حديثًا، وبهذا يزول الانتقاد على البخاري ومسلم، لكنه لا شك أنه قد يقع الوهم من بعض الرواة، في البخاري ومسلم، لكن هذا لا يقدح في نقل البخاري ومسلم له، لأن الوهم لا يكاد يسلم منه أحد، وليس من شرط عدالة الراوي أن لا يخطئ أبدًا، لأن هذا غير موجود.","vol":"1","page":43},{"text":"قال المؤلف رحمه الله تعالى:\n٥ - والَحسَنُ المعروفُ طُرْقًا وغَدَتْ ... رجَالُهُ لا كالصحيحِ اشتَهَرَتْ\nانتقل المؤلف إلى تعريف الحسن، والحسن في المنظومة هو: القسم الثاني من أقسام الحديث.\nويقول في تعريفه \"المعروف طرقًا\" يعني المعروفة طرقه، بحيث يكون معلومًا أن هذا الراوي يروي عن أهل البصرة، وهذا عن أهل الكوفة، وهذا عن أهل الشام، وهذا عن أهل مصر، وهذا عن أهل الحجاز، وما أشبه ذلك.\nقوله: \"وغدت رجاله لا كالصحيح\" يعني أن رجاله أخف من رجال الصحيح، ولهذا قال \"لا كالصحيح اشتهرت\" إذًا يختلف الحسن عن الصحيح، بأن رجاله ليسوا كرجال الحديث الصحيح، والمراد أنهم ليسوا كرجال الحديث الصحيح في الضبط.\nولهذا قال العلماء المتأخرون الذين بسطوا هذا الفن، كالحافظ ابن حجر ﵀: إن الفرق بين الحديث الصحيح و<span data-type=\"title\" id=toc-10>الحديث الحسن</span>، فرق واحد وهو بدل أن تقول في الصحيح تامُّ الضبط، قل في الحسن: خفيف الضبط، وإلا فبقية الشروط الموجودة في الصحيح موجودة في الحسن.\nوعلى هذا فتعريف الحسن هو: ما رواه عدلٌ، خفيف الضبط، بسند متصل، وخلا من الشذوذ، والعلة القادحة.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الضعيف وأقسامه</span>\n...\nقال المؤلف ﵀:\n٦ - وكلُّ ما عَن رُتَبةِ الُحسنِ قَصْر ... فهَوَ الضَّعيفُ وهوَ أقْسامًا كُثُرْ\nالحديث الضعيف هو القسم الثالث في النظم، وهو: ما خلا عن رتبة الحديث الحسن.\nومعلوم أنه إذا خلا عن رتبة الحديث الحسن، فقد خلا عن رتبة الصحة، وحينئذ نقول: الحديث الضعيف: ما لم تتوافر فيه شروط الصحة والُحسن، أي ما لم يكن صحيحًا ولا حسنًا، فلو رواه شخص عدل لكن ضبطه ضعيف، وليس بخفيف الضبط، فإن هذا الحديث يكون ضعيفًا، وإذا رواه بسند منقطع يكون ضعيفًا أيضًا؛ وهلمَّ جرّا.\nوقد ذكر المؤلف الآن ثلاثة أقسام من أقسام الحديث وهي:\n١ - الصحيح. ٢ - الحسن. ٣ - الضعيف.\nلكن الواقع أن الأقسام خمسة على ما حرره ابن حجر وغيره:\n١ - الصحيح لذاته.\n٢ - الصحيح لغيره.\n٣ - الحسن لذاته.\n٤ - الحسن لغيره.\n٥ - الضعيف.\nفالصحيح لذاته: هو ما تقدم تعريفه.\nوالصحيح لغيره: هو الحسن إذا تعددت طرقه، وسُمي صحيحًا لغيره؛ لأنه إنما وصل إلى درجة الصحة من أجل تعدد الطرق.\nفمثلًا: إذا جاءنا حديث له أربعة أسانيد، وكل إسناد منه فيه راوي خفيف الضبط، فنقول: الآن يصل إلى درجة الصحة، وصار","vol":"1","page":45},{"text":"صحيحًا لغيره.\nأما الحسن لذاته: فقد تقدم تعريفه١ وهو ما رواه عدل خفيف الضبط، بسند متصل، وخلا من الشذوذ، والعلة القادحة.\nوأما الحسن لغيره: فهو الضعيف إذا تعددت طرقه، على وجه يجبر بعضها بعضًا، فإنه يكون حسنًا لغيره، لماذا؟\nلأننا لو نظرنا إلى كل إسناد على انفراده لم يصل إلى درجة الحسن، لكن باجتماع بعضها إلى بعض صار حسنًا.\nأما الضعيف فهو: ما ليس بصحيح ولا حسن.\nوجميع هذه الأقسام مقبولة ما عدا الضعيف، وكلها حُجة ما عدا الضعيف.\nوجميع هذه الأقسام يجوز نقله للناس والتحديث بها؛ لأنها كلها مقبولة، وحجة، ما عدا الضعيف، فلا يجوز نقله، أو التحدث به، إلا مبينًا ضعفه، لأن الذي ينقل الحديث الضعيف، بدون أن يبين ضعفه للناس، فهو أحد الكاذبين على النبي ﷺ، لما روى مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: \"من حدث عني بحديث، يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين\" ٢. وفي حديث آخر: \"من كذب علّي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\" ٣.\nإذًا فلا تجوز رواية الحديث الضعيف إلا بشرط واحد وهو أن يبين ضعفه للناس، فمثلًا إذا روى حديثًا ضعيفًا قال: رُوي عن النبي ﷺ\n_________\n١ ص ٤٤.\n٢ رواه مسلم في المقدمة باب: وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين ١.\n٣ رواه البخاري كتاب الجنائز باب: مايكره في النياحة ١٢٩١، ١٠٥ ومسلم في المقدمة باب: تغليظ الكذب على رسول الله ﷺ ٣ – ٣.","vol":"1","page":46},{"text":"هذا الحديث وهو ضعيف.\nواستثنى بعض العلماء الأحاديث التي تُروى في الترغيب والترهيب، فأجازوا رواية الضعيف منها لكن بأربعة شروط:\n١ - أن يكون الحديث في الترغيب والترهيب.\n٢ - ألا يكون الضعيف شديدًا، فإن كان شديدًا فلا تجوز روايته، ولو كان في الترغيب والترهيب.\n٣ - أن يكون الحديث له أصل صحيح ثابت في الكتاب أو السنة، مثاله: لو جاءنا حديث يرغِّب في بر الوالدين، وحديث آخر يرغب في صلاة الجماعة، وآخر يُرغب في قراءة القرآن وكلها أحاديث ضعيفة، ولكن قد ورد في بر الوالدين، وفي صلاة الجماعة، وفي قراءة القرآن أحاديث صحيحة ثابتة في الكتاب والسنة.\n٤ - ألا يعتقد أن النبي ﷺ قاله، لأنه لا يجوز أن يعتقد أن النبي ﷺ قال حديثًا إلا إذا كان قد صح عنه ذلك.\nولكن الذي يظهر لي: أن الحديث الضعيف لا تجوز روايته، إلا مبينًا ضعفه مطلقًا، لاسيما بين العامة، لأن العامة متى ما قلت لهم حديثًا، فإنهم سوف يعتقدون أنه حديث صحيح، وأن النبي ﷺ قاله.\nولهذا من القواعد المقررة عندهم هو: أن ما قيل في المحراب فهو صواب وهذه القاعدة مقررة عند العامة، فلو تأتي لهم بأكذب حديث على وجه الأرض لصدقوك، ولهذا فالعامة سيصدقونك حتى لو بينت لهم ضعفه، لاسيما في الترغيب والترهيب، فإن العامي لو سمع أي حديث لَحفِظَهُ دون الانتباه لدرجته وصحته.\nوالحمد لله فإن في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة الصحيحة، ما يغني عن هذه الأحاديث.","vol":"1","page":47},{"text":"والغريب أن بعض الوضَّاعين الذين يكذبون على رسول الله ﷺ وضعوا أحاديث النبي ﷺ في حثِّ الناس على التمسك بالسنة، وقالوا: إننا لم نكذب على الرسول ﷺ، وإنما كذبنا له، والرسول ﷺ يقول: \"من كذب علّي فليتبوأ مقعده من النار\" ١ أما نحن فقد كذبنا له، وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، لأنك نسبت إلى الرسول ﷺ ما لم يقله، وهذا هو الكذب عليه صراحة، وفي السنة الصحيحة غنى عما كذبت عليه.\n_________\n١ تقدم تخريجه ص ٤٦.","vol":"1","page":48},{"text":"قال المؤلف ﵀:\n٧ - وما أُضيفيَ للنَّبي \"المرفوعُ\" ... وما لتابِعٍ هو \"المقطوعُ\"\nذكر المؤلف ﵀ نوعين من أنواع الحديث وهما \"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المرفوع - والمقطوع</span>\" وهما القسم الرابع والخامس مما ذكر في النظم.\nونقول: إن الحديث باعتبار من أسند إليه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\n١ - المرفوع.\n٢ - الموقوف، ولم يذكره الناظم هنا وسيذكره فيما بعد١.\n٣ - المقطوع.\nوتختلف هذه الثلاثة باختلاف منتهى السند.\nفما انتهى سنده إلى النبي ﷺ فهو المرفوع.\nوما انتهى إلى الصحابي فهو الموقوف.\nوما انتهى إلى من بعده فهو المقطوع. والمقطوع غير المنقطع كما سيأتي.\nفالمرفوع هو: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير.\nمثال القول: قوله ﷺ: \"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى\" ٢. فهذا مرفوعٌ من القول.\nومثال الفعل: توضأ النبي ﷺ فمسح على خفيه. وهذا مرفوع من الفعل.\n_________\n١ يأتي ص ٧٨.\n٢ أخرجه البخاري كتاب الوحي باب: كيف بدء الوحي ١ ومسلم كتاب الإمارة باب: إنما الأعمال بالنية ١٥٥ – ١٩٠٧.","vol":"1","page":49},{"text":"ومثال التقرير: قوله ﷺ للجارية: \"أين الله؟ \" قالت: في السماء١. فأقرّها على ذلك، وهذا مرفوع من التقرير.\nوهل ما فُعل في وقته، أو قيل في وقته، يكون مرفوعًا؟\nنقول: إن علم به فهو مرفوع؛ لأنه يكون قد أقر ذلك، وإن لم يعلم به فليس بمرفوع؛ لأنه لم يُضف إليه، ولكنه حُجة على القول الصحيح، ووجه كونه حُجة إقرار الله إيَّاه.\nوالدليل على هذا: أن الصحابة - رضوان الله عليهم - احتجوا بإقرار الله لهم في بعض ما يفعلونه، ولم ينكر عليهم ذلك، كما قال جابر - ﵁ -: \"كنا نعزل والقرآن ينزل\"٢، وكان القرآن ينزل في عهد النبي ﷺ وكأنهم يقولون: لو كان هذا الفعل حرامًا، لنهى الله عنه في كتابه، أو أوحى إلى رسوله ﷺ بذلك، لأن الله لا يقرّ الحرام.\nوالدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] . فهؤلاء الذين بيَّتوا ما لا يرضاه الله تعالى، من القول، قد استخفوا عن أعين الناس، ولم يعلم بهم الناس، ولكن لما كان فعلهم غير مرضي عند الله تعالى أنكر الله عليهم ذلك.\nفدلّ هذا على أن ما فُعل في عهد النبي ﷺ ولم ينكره الله تعالى فإنه حُجة، لكننا لا نسمّيه مرفوعًا، وذلك لأنه لا تصحُّ نسبته إلى النبي ﷺ.\n_________\n١ مسلم كتاب المساجد باب تحريم الكلام في الصلاة ٣٣، ٥٣٧.\n٢ أخرجه البخاري كتاب النكاح باب: العزل ٥٢٠٨ ومسلم كتاب النكاح باب حكم العزل ١٣٦ – ١٤٤٠.","vol":"1","page":50},{"text":"وإنما سُمي المرفوع مرفوعًا لارتفاع مرتبته لأن السند غايته النبي ﷺ فإن هذا أرفع ما يكون مرتبة.\nوأما ما أضيف إلى الله تعالى من الحديث فإنه يسمى: الحديث القدسي، أو الحديث الإلهي، أو الحديث الرباني؛ لأن منتهاه إلى رب العالمين ﷿، والمرفوع منتهاه إلى النبي ﷺ.\nوقوله: \"وما لتابعٍ هو المقطوعُ\".\nوهذا هو القسم السابع. والمقطوع هو: ما أضيف إلى التابعي ومن بعده، هكذا سماه أهل العلم بالحديث.\nسمي بذلك لأنه: منقطع في الرتبة عن المرفوع، وعن الموقوف.\nمثل: ما لو نُقل كلام عن الحسن البصري ﵀ فنقول عنه هذا أثرٌ مقطوع.\nوما أضيف إلى الصحابي نوعان:\n١ - ما ثبت له حكم الرفع، فإنه يسمى عندهم المرفوع حكمًا.\n٢ - وما لم يثبت له حكم الرفع، فإنه يسمى موقوفًا.\nفالآثار التي تروى عن أبي بكر وعمر - ﵄ - أو عن أي واحد من الصحابة، نسميها موقوفة، وهذا هو الاصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح، وإلا فإنه من المعلوم أنه يصح أن نقول حتى في المرفوع أنه موقوف، لأنه وقف عند النبي ﷺ، لكن هذا اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح.\nوالعلماء قالوا في الضابط في المرفوع حكمًا، هو الذي ليس للاجتهاد، والرأي فيه مجال، وإنما يؤخذ هذا عن الشرع.\nمثل: ما إذا حدَّث الصحابي عن أخبار يوم القيامة، أو الأخبار الغيبية، فإننا نقول فيه: هذا مرفوع حكمًا؛ لأنه ليس للاجتهاد فيه","vol":"1","page":51},{"text":"مجال، وكذلك لو أن الصحابي فعل عبادة لم ترد بها السنة، لقلنا هذا أيضًا مرفوع حكمًا.\nومثَّلوا لذلك بأن علي بن أبي طالب - ﵁ - صلى في صلاة الكسوف، في كل ركعة ثلاث ركوعات١، مع أن السنة جاءت بركوعين في كل ركعة٢، وقالوا: هذا لا مجال للرأي فيه، ولا يمكن فيه اجتهادٌ، لأن عدد الركعات أمرٌ توقيفي يحتاج إلى دليل من الكتاب أو السنة، فلولا أن عند علي بن أبي طالب - ﵁ - علمًا بهذا ما صلى ثلاث ركوعات في ركعة واحدة، فهذا مرفوعٌ حكمًا؛ لأنه لا مجال للاجتهاد فيه.\nوكذلك إذا قال الصحابي: من السنة كذا، فإنه مرفوع حكمًا؛ لأن الصحابي إذا قال: من السنة، فإنما يعني به سنة الرسول ﷺ، كقول ابن عباس - ﵄ - حين قرأ الفاتحة في صلاة الجنازة وجهر بها، قال: لتعلموا أنها سنة، أو ليعلموا أنها سنة٣.\nوكما قال أنس بن مالك - ﵁ -: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب، أقام عندها سبعًا٤، فهذا وأمثاله يكون من المرفوع حكمًا؛ لأن الصحابي لا يُضيف السنة إلا إلى سنة الرسول ﷺ.\nوأيضًا لو أخبر أحدٌ من الصحابة عن الجنة والنار لقلنا: هذا\n_________\n١ المغني ٣/٣٢٨.\n٢ أخرجه البخاري كتاب صلاة الكسوف باب خطبة الإمام في الكسوف ١٠٤٦ ومسلم كتاب صلاة الكسوف باب ذكر عذاب القبر في صلاة الخسوف ٨ – ٩٠٣.\n٣ أخرجه البخاري كتاب الجنائز باب قراءة الفاتحة ١٣٣٥.\n٤ أخرجه البخاري كتاب النكاح باب إذا تزوج البكر على الثيب ٥٢١٣. ومسلم كتاب الرضاع باب قدر ماتستحقه البكر","vol":"1","page":52},{"text":"مرفوعٌ حكمًا، إلا أنه يُشترط في هذا النوع: ألا يكون الصحابي ممن عُرف بكثرة الأخذ عن بني إسرائيل، فإن كان ممن عُرفوا بذلك، فإنه لا يُعتبر له حكم الرفع؛ لاحتمال أن يكون ما نقله عن بني إسرائيل، وهؤلاء كثيرون أمثال: عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ - فإنه أخذ جملة كبيرة عن كتب أهل الكتاب، في غزوة اليرموك، مما خلَّفه الروم أو غيرهم، لأن في هذا رخصة، فإذا عُرف الصحابي بأنه ينقل عن بني إسرائيل، فإنه لا يكون قوله مرفوعًا حكمًا.\nوهل ما أضيف إلى الصحابي ولم يثبت له حكم الرفع، هل هو حجة أم لا؟\nنقول: في هذا خلاف بين أهل العلم.\nفمنهم من قال: بأنه حجة، بشرط ألا يُخالف نصًا، ولا صحابيًا آخر، فإن خالف نصًّا أُخذ بالنص، وإن خالف صحابيًا آخر أُخذ بالراجح.\nومنهم من قال: إن قول الصحابي ليس بحجة، لأن الصحابي بشر يجتهد، ويصيب ويخطئ.\nومنهم من قال: الحجة من أقوال الصحابة قول أبي بكر وعمر - ﵄ - لأن النبي ﷺ قال: \"اقتدوا بالذين من بعدي أبو بكر وعمر\" ١ وقال أيضًا: \"إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا\" ٢.\nوأما من سواهما فليس قوله بحجة.\nوالذي يظهر لي أن قول الصحابي حجة إن كان من أهل الفقه\n_________\n١ رواه الإمام أحمد ٣٨٢ والترمذي كتاب المناقب باب: حديث حذيفة ٣٦٦٢ وابن ماجة في المقدمة ٩٧.\n٢ أخرجه مسلم كتاب المساجد باب قضاء الصلاة الفائتة ٣١١ – ٦٨١.","vol":"1","page":53},{"text":"والعلم، وإلا فليس بحجة، لأن بعض الصحابة كان يفدُ على النبي ﷺ، ويتلقى منه بعض الأحكام الشرعية، وهو ليس من الفقهاء، وليس من علماء الصحابة، فهذا لا يكون قوله حجة.\nوهذا القول وسط بين الأقوال، وهو القول الراجح في هذه المسألة.\nوما الحكم فيما إذا قال التابعي: من السنة كذا، هل له حكم الرفع أم لا؟\nنقول: قد اختلف المحدثون في ذلك.\nفمنهم من قال: إنه موقوف، وليس من قسم المرفوع؛ لأن التابعي لم يدرك عهد النبي ﷺ، فلذلك لا نستطيع أن نقول أن ما سماه سنة، فيعني به سنة النبي ﷺ، بل يحتمل أن يريد سنة الصحابة.\nوقال بعض العلماء: بل هو مرفوع؛ لكنه مرسل منقطع؛ لأنه سقط منه الصحابي، ويكون المراد بالسنة عنده هي: سنة النبي ﷺ.\nوعمومًا فعلى كلا القولين: إن كان مرسلًا: فهو ضعيف، وذلك لعدم اتصال السند.\nوإذا كان موقوفًا: فهو من باب قول الصحابي، أو فعله.\nوقد تقدم الخلاف في حجية قول الصحابي، وبيان الخلاف فيه وأن القول الصحيح هو أنه حجة بثلاثة شروط:\n١ - أن يكون الصحابي من فقهاء الصحابة.\n٢ - ألا يخالف نصًا.\n٣ - ألا يخالف قول صحابي آخر.\nفإن كان ليس من فقهاء الصحابة، فقوله ليس بحجة، وإن كان","vol":"1","page":54},{"text":"من فقهائهم، ولكن خالف نصًا، فالعبرة بالنص، ولا عبرة بقوله، وإن كان من فقهاء الصحابة، ولم يخالف نصًا ولكن خالفه صحابي آخر، فإننا نطلب المرجح.\nكذلك من المرفوع حكمًا، إذا نسب الشيء إلى عهد النبي ﷺ فقيل: كانوا يفعلون كذا في عهد النبي ﷺ، فهذا من المرفوع حكمًا.\nوأمثلته كثيرة: مثل قول أسماء بنت أبي بكر - ﵄ - نحرنا في عهد النبي ﷺ فرسًا في المدينة وأكلناه١.\nفهنا لم تصرح بأن النبي ﷺ علم به، لأنها لو صرحت به لكان مرفوعًا صريحًا، فإذًا هو مرفوع حكمًا.\nووجه ذلك: أنه لو كان حرامًا ما أقره الله تعالى، فإقرار الله ﷿ له يقتضي أن يكون حجة - وقد علمت فيما سبق - أن من العلماء من يقول: هذا ليس مرفوعًا حكمًا، ولكنه حجة، وقال: إنه ليس مرفوعًا لأن النبي ﷺ لم يعلم به، لكنه حجة لأن الله تعالى علم به فأقره.\nكذلك من المرفوع حكمًا ما إذا قال الصحابي: روايةً.\nمثاله: اتصل السند إلى الصحابي فقال: عن أبي هريرة رواية: من فعل كذا وكذا، أو من قال كذا وكذا، فإن هذا من المرفوع حكمًا، لأن قول الصحابي رواية، لم يصرح أنها رواية عن النبي ﷺ، لكن لما كان الغالب أن الصحابة يتلقون عن الرسول ﷺ، جعله العلماء من المرفوع حكمًا.\nكذلك من المرفوع حكمًا: إذا قال التابعي عن الصحابي: رفعه إلى النبي ﷺ، مثل ما يقوله بعض التابعين: عن أبي هريرة يرفعه، أو\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب الذبائح باب لحوم الخيل ٥٥١٩.","vol":"1","page":55},{"text":"عن أبي هريرة رفعه، أو عن أبي هريرة يبلغ به، كل هذا من المرفوع حكمًا وذلك لأنه لم يصرح فيه بنسبته إلى النبي ﷺ.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المسند وضابطه</span>\n...\nقال المؤلف ﵀:\n٨ - والُمسنَدُ الُمتَّصِلُ الإسنادِ مِنْ ... رَاويه حتى الُمصطفى ولم يَبِنْ\nهذا هو القسم السادس من أقسام الحديث المذكورة في النظم، وعندنا فيما يتعلق بالسند خمسة أشياء:\n١ - مُسْنَد.\n٢ - مُسْنِد.\n٣ - مُسْنَد إليه.\n٤ - إسناد.\n٥ - سَنَد.\nيقول المؤلف في تعريف المسنَد: هو المتصل الإسناد، من راويه حتى المصطفى محمد ﷺ.\nوقوله: \"ولم يَبِنْ\" هذا تفسير للاتصال، يعني لم ينقطع، فالمسند عنده إذًا هو المرفوع المتصل إسناده.\nأما كونه مرفوعًا فيؤخذ من قوله: \"حتى المصطفى\".\nأما كونه متصل الإسناد فمن قوله \"المتصل الإسناد - ولم يبن\" هذا هو المسند.\nوعلى هذا فالموقوف ليس بمسند، لأنه غير مرفوع أي لم يتصل إلى النبي ﷺ.\nوكذلك المنقطع الذي سقط منه بعض الرواة ليس بمسند، لأننا اشترطنا أن يكون متصلًا، وهذا هو ما ذهب إليه المؤلف وهو رأي جمهور علماء الحديث.\nوبعضهم يقول: إن المسند أعم من ذلك، فكل ما أسند إليه","vol":"1","page":57},{"text":"راويه، فهو مسند، فيشمل المرفوع، والموقوف، والمقطوع، والمتصل، والمنقطع.\nولا شك أن هذا القول هو الذي يوافق اللغة، فإن اللغة تدل على أن المسند هو الذي أُسند إلى راويه، سواء كان مرفوعًا، أم غير مرفوع، أو كان متصلًا، أو منقطعًا، لكن الذي عليه أكثر المحدثين أن المسند هو الذي اتصل إسناده إلى رسول الله ﷺ.\nأما \"الُمسند\" فهو الراوي الذي أسند الحديث إلى راويه، فإذا قال: حدثني فلان.\nفالأول مسنِد.\nوالثاني مسنَد إليه.\nيعني أن كل من نسب الحديث فهو مسنِد، ومن نُسب إليه الحديثُ فهو مسند إليه.\nأما \"السند\" فهم رجال الحديث أي رواته، فإذا قال: حدثني فلانٌ عن فلان عن فلان، فهؤلاء هم سند الحديث؛ لأن الحديث اعتمد عليهم، وصاروا سندًا له.\nأما \"الإسنادُ\": فقال بعض المحدثين: الإسناد هو السند، وهذا التعبير يقع كثيرًا عندهم فيقولون: إسناده صحيح، ويعنون بذلك سنده أي الرواة.\nوقال بعضهم: الإسناد هو نسبة الحديث إلى راويه.\nيقالُ: أسند الحديث إلى فلان أي نسبه إليه.\nوالصحيح فيه: أنه يُطلق على هذا وعلى هذا.\nفيطلق الإسناد أحيانًا: على السند الذين هم الرواة.\nويطلق أحيانًا: على نسبة الحديث إلى راويه، فيقال أسند الحديث","vol":"1","page":58},{"text":"إلى فلان، أسنده إلى أبي هريرة، أسنده إلى ابن عباس، أسنده إلى ابن عمر وهكذا.\nوهل يلزم من الإسناد أن يكون الحديث صحيحًا؟\nنقول: لا؛ لأنه قد يتصل السند من الراوي إلى النبي ﷺ، ويكون في الرواة ضعفاء، ومجهولون ونحوهم.\nإذًا فليس كل مسندٍ صحيحًا، فقد يكون الحديثُ صحيحًا، وهو غير مسند، كما لو أُضيف إلى الصحابي بسند صحيح، فإنه موقوف وصحيح، لكن ليس بمسند، لأنه غير مرفوع إلى النبي ﷺ، وقد يكون مسندًا متصل الإسناد، لكن الرواة ضعفاء، فهذا يكون مسندًا، ولا يكون صحيحًا.\nوبين المسند لغةً، وبين المسند اصطلاحًا فرق، والنسبة بينهما العموم والخصوص.\nفالمسند في اللغة هو: ما أسند إلى قائله، سواء كان مرفوعًا، أو موقوفًا أو مقطوعًا.\nفإذا قلت: قال فلان كذا، فهذا مسند، حتى ولو أضفته إلى واحد موجود تخاطبه الآن.\nفلو قلتُ: قال فلان كذا، فهذا مسند؛ لأني أسندتُ الحديث إلى قائله.\nلكن في الاصطلاح: المسندُ هو المرفوع المتصل السند.\nفالمسند اصطلاحًا، أخصُّ من المسند لغة، فكل مسندٍ اصطلاحًا، فهو مسندٌ لغة، ولا عكس، فبينهما العموم والخصوص.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المتصل وضابطه</span>\n...\nقال المؤلف ﵀:\n٩ - ومَا بِسَمعِ كُلِّ رَاوٍ يَتَّصِلْ ... إسنَادُهُ للمُصْطَفَى فالُمتَّصِلْ\nقوله: \"المصطفى\" مأخوذة من الصفوة، وهي خيار الشيء، وأصلها في اللغة \"المصتفى\" بالتاء.\nوالقاعدة: أنه إذا اجتمعت الصاد والتاء، وسبقت إحداهما بالسكون فإنها تُقلب طاءً فتصير \"المصطفى\".\nواللام في قوله \"للمصطفى\" بمعنى \"إلى\" أي إلى المصطفى. والمتصل هو القسم السابع من أقسام الحديث المذكور في النظم.\nوفي تعريفه قولان لأهل العلم:\nفالمتصلُ على كلام المؤلف هو: المرفوع الذي أخذه كل راوي عمن فوقه سماعًا.\nفاشترط المؤلف للمتصل شرطين:\n١ - السماع بأن يسمع كل راوٍ ممن روى عنه.\n٢ - أن يكون مرفوعًا إلى النبي ﷺ.\nلقوله \"للمصطفى\" يعني إلى المصطفى، وبناء على ذلك، فالموقوف، والمقطوع، لا يسمى متصلًا؛ لأن المؤلف اشترط أن يكون متصلًا إلى النبي ﷺ، وفي المقطوع، والموقوف لم يتصل السند إلى النبي ﷺ.\nوكذلك المرفوع، إذا كان فيه سقط في الرواة، فإنه لا يسمى متصلًا، لأنه منقطع.\nوعلى ظاهر كلام المؤلف إذا لم يُصّرح الراوي بالسماع، أو ما يقوم مقامه، فليس بمتصل، فلابد أن يكون سماعًا، والسماع من","vol":"1","page":60},{"text":"الراوي هو أقوى أنواع التحمل وهذا هو ما ذهب إليه المؤلف في تعريف المتصل.\nوقيل بل المتصل هو: ما اتصل إسناده، بأخذ كل راوي عمن فوقه إلى منتهاه.\nوعلى هذا فيشمل الموقوف، والمقطوع، ويشمل ما روي بالسماع وما روي بغير السماع، لكن لابد من الاتصال.\nوهذا أصح من قول المؤلف وهو أن المتصل هو: ما اتصل إسناده بأن يروي كل راوي عمن فوقه، سواء كان مرفوعًا، أو موقوفًا، أو مقطوعًا، وسواء كانت الصيغة هي السماع، أو غير السماع، فكل ما اتصل إسناده يكون متصلًا.\nوقد سبق لنا خلاف المحدثين حول مسألة: هل تُشترط الملاقاة أو تكفي المعاصرة وتقدم الجواب عليه١.\nولا يشترط في الاتصال أن يثبت سماع هذا الحديث بعينه منه، بل إذا ثبت سماعه منه فيكفي ذلك، إلا إذا قيل إنه لم يسمع منه إلا حديثًا واحدًا وهو حديث كذا وكذا مثلًا، فإن ما سوى هذا الحديث لا يعدّ متصلًا.\nكما قيل: إن الحسن البصري لم يسمع من سمرة بن جندب ﵁ إلا حديثًا واحدًا وهو حديث العقيقة.\nوبناء على هذا القول: إذا روى الحسن البصري عن سمرة بن جندب حديثًا، سوى حديث العقيقة فهو غير متصل.\nوالمسألة فيها خلاف بين العلماء، ولكن نقول: إن الحصر صعب، فكوننا نقول إن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة\n_________\n١ تقم ص ٤٠.","vol":"1","page":61},{"text":"فيه نوع صعوبة جدًا، حتى لو فُرض أن الحسن قال: لم أسمع سوى هذا الحديث، فإننا نقول: إن كان قد قال هذه الكلمة بعد موت سمرة، حَكَمنا بأنه لم يسمع من سمرة سواه، لأنه لا يمكن أن يسمع من سمرة بعد موته، وأما إذا كان قد قاله في حال حياة سمرة، فيحتمل أنه قال لم أسمع من سمرة سوى هذا الحديث، ثم يكون قد سمع بعد ذلك حديثًا آخر. والله أعلم.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>المسلسل ومثاله</span>\n...\nقال رحمه الله تعالى:\n١٠ - مُسَلْسَلٌ قُلْ ما عَلى وَصفٍ أتَى ... مثلُ: أما والله أنبَأني الفَتى\nومن أقسام الحديث أيضًا \"المسلسل\" وهذا هو القسم الثامن في النظم وهو اسم مفعول من \"سَلسله\" إذا ربطه في سلسلة، هذا في اللغة.\nوفي الاصطلاح: هو الذي اتفق فيه الرواة، فنقلوه بصيغة معينة، أو حال معينة.\nيعني أن الرواة اتفقوا فيه على وصفٍ معيَّن، إما وصف الأداء، أو وصف حال الراوي أو غير ذلك.\nوالمسلسل من مباحث السند والمتن جميعًا؛ لأن التسلسل قد يكون فيهما، أو في أحدهما دون الآخر.\nوفائدة المسلسل هو: التنبيه على أن الراوي قد ضبط الرواية، ولذلك أمثلة كثيرة منها: حديث معاذ بن جبل - ﵁ - أن النبي ﷺ قال له: \"إني أحبُّك فلا تدعنَّ أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك\" ١.\nفقد تسلسل هذا الحديث وصار كل راوٍ إذا أراد أن يحدّث به غيره، قال لمن يحدثه هذه الجملة \"إني أحبُّك فلا تدعنَّ أن تقول ... \" الحديث.\nفهذا مسلسل لأن الرواة اتفقوا فيه على هذه الجملة.\nوكذلك لو قال: حدثني على الغداء، ثم إن هذا الراوي حدث الذي تحته وهو على الغداء فقال: حدثني فلان على الغداء، قال حدثني فلانٌ على الغداء، قال حدثني فلان على الغداء، فنُسمي هذا مسلسلًا،\n_________\n١ أخرجه الإمام أحمد ٥/٢٤٤.","vol":"1","page":63},{"text":"لأن الرواة اتفقوا فيه على حال واحدة فأدّوا وهم على الغداء.\nوكذلك إذا اتفق الرواة على صيغة معينة من الأداء بحيث أنهم كلهم قالوا: أنبأني فلانٌ، قال أنبأني فلان، قال: أنبأني فلان، إلى نهاية السند، فإننا نسمي هذا أيضًا مسلسلًا، لاتفاق الرواة على صيغة معين وهي \"أنبأني\".\nقوله: \"مسلسل قل ما على وصفٍ أتى\".\nيعني أن ما أتى على وصف واحد من الرواة، سواء كان هذا الوصف في صيغة الأداء، أو في حال الراوي، فإذا اتفق الرواة على شيء، إما في صيغة الأداء، أو حال الراوي فإن ذلك يسمى مسلسلًا.\nقوله: \"مثل أما والله أنبأني الفتى\".\nوقد تقدم هذا المثال، وذلك بأن يقول كل واحد منهم: أنبأني فلان، قال: أنبأني فلان إلى نهاية السند، فإننا نسمي هذا مسلسلًا؛ لأن الرواة اتفقوا فيه على صيغة واحدة في الأداء، ومثله ما لو اتفقوا على صيغة سمعت، أو قال، أو نحو ذلك فإن كل هذا يسمى مسلسلًا.","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>من صور المسلسل ومثالها</span>\n...\nثم قال المؤلف ﵀:\n١١ - كذاكَ قدْ حدَثَنيه قائما ... أو بعدَ أن حدَّثَنِي تَبَسَّمَا\nيعني أن من صور المسلسل، أن يقول الراوي: حدثني فلان قائمًا، قال: حدثني فلان قائمًا، قال حدثني فلان قائمًا، قال: حدثني فلان قائمًا وهكذا إلى نهاية السند.\nومثله ما لو قال: حدثني فلان وهو مضطجع على فراشه، ثم اتفق الرواة على مثل ذلك فإنه يكون مسلسلًا.\nومن صوره أن يقول: حدثني، ثم تبسم، ويستمر ذلك في جميع السند.\nولو أن الرواة اتفقوا في رواية حديث أبي هريرة ﵁، في قصة الرجل المجامع في نهار رمضان، الذي قال بعد أن أتته الصدقة: يا رسول الله، أعلى أفقر مني؟ فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه١، فصار كل محدث يضحك إذا وصل إلى هذه الجملة، حتى تبدوا نواجذه، فنُسمِّي هذا أيضًا مسلسلًا، لأن الرواة اتفقوا فيه على حال واحدة وهي الضحك.\nما هي الفائدة من معرفة المسلسل؟\nنقول: إن معرفة المسلسل لها فوائد هي:\nأولًا: هو في الحقيقة فن طريف، حيث إن الرواة يتفقون فيه على حال معينة لاسيما إذا قال: حدثني وهو على فراشه نائمٌ، حدثني وهو يتوضأ، حدثني وهو يأكل، حدثني ثم تبسم، حدثني ثم بكى، فهذه\n_________\n١ رواه البخاري كتاب الصوم باب إذا جامع في رمضان ١٩٣٦ ومسلم كتاب الصيام باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان ١١١.","vol":"1","page":65},{"text":"الحالة طريفة، وهي أن يتفق الرواة كلهم على حال واحدة.\nثانيًا: أن في نقله مسلسلًا هكذا؛ حتى لدرجة وصف حال الراوي، فيه دليل على تمام ضبط الرواة، وأن بعضهم قد ضبط حتى حال الراوي حين رواه، فهو يزيد الحديث قوة.\nثالثًا: أنه كان التسلسل مما يقرب إلى الله، صار فيه زيادة قربة وعبادة، مثل ما في حديث معاذ - ﵁ - \"إني أحبك فلا تدعنَّ ... \" ١ فكون كل واحد من الرواة يقول للثاني إني أحبُّك، كان هذا مما يزيد في الإيمان، ويزيد الإنسان قربة إلى الله تعالى، لأن من أوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله.\n_________\n١ تقدم تخريجه ص ٦٣.","vol":"1","page":66},{"text":"ثم قال المؤلف ﵀:\n١٢ - عَزِيزٌ مَروي اثنيِن أو ثلاثه ... مشهورٌ مروي فوق ما ثلاثه\nذكر المؤلف في هذا البيت قسمين من أقسام الحديث وهما:<span data-type=\"title\" id=toc-17> العزيز والمشهور</span>، وبهما يتم التاسع والعاشر من أقسام الحديث التي في النظم.\nالعزيز في اللغة: مأخوذ من عزَّ إذا قوي، وله معاني أُخرى، منها القوة، والغلبة، والامتناع، لكن الذي يهمنا في باب المصطلح هو المعنى الأول وهو القوة.\nأما في الاصطلاح فهو: ما رواه اثنان عن اثنين عن اثنين إلى أن يصل إلى منتهى السند.\nوالمؤلف هنا لم يشترط أن يكون مرفوعًا، فيشمل المرفوع، والموقوف، والمقطوع، لأنه قال \"مروي اثنين\" ولم يقل \"مروي اثنين مرفوعًا\"، ولهذا فإنه لا يشترط في العزيز أن يكون مرفوعًا.\nووجه تسميته عزيزًا: لأنه قوي برواية الثاني، وكلما كثُرَ المخبرون ازداد الحديث أو الخبر قوة، فإنه لو أخبرك ثقة بخبر، ثم جاء ثقة آخر فأخبرك بنفس الخبر، ثم جاءك ثالث، ثم رابع، فأخبروك بالخبر، لكان هذا الخبر يزداد قوة بازدياد المخبر به.\nوقوله \"أو ثلاثة\".\n\"أو\" للتنويع، ومن حيث الصيغة يحتمل أن تكون للخلاف لكنه لما قال فيما بعد \"مشهور مروي فوق ما ثلاثة\" عرفنا أن \"أو\" هنا للتنويع يعني أن العزيز هو ما رواه اثنان عن اثنين إلى آخره، أو ما رواه ثلاثة عن ثلاثة إلى آخره. فما رواه ثلاثة عن ثلاثة إلى منتهى السند يعتبر - في رأي المؤلف - عزيزًا لأنه قوي بالطريقين الآخرين.","vol":"1","page":67},{"text":"ولكن المشهور عند المتأخرين: أن العزيز هو: ما رواه اثنان فقط.\nوأن المشهور هو: ما رواه ثلاثة فأكثر، وعلى هذا فيكون قول المؤلف \"أو ثلاثة\" مرجوحًا، والصواب أن العزيز هو: ما رواه اثنان فقط من أول السند إلى آخره.\nأما لو رواه اثنان عن واحد عن اثنين عن اثنين إلى منتهاه فإنه لا يسمى عزيزًا، لأنه اختل شرط، في طبقة من الطبقات، وإذا اختل شرط ولو في طبقة من الطبقات اختل المشروط.\nوهل العزيز شرطٌ للصحيح؟\nنقول: إن العزيز ليس شرطًا للصحيح.\nوقال بعض العلماء: بل إنه شرط للصحيح.\nقالوا: لأن الشهادة لا تقبل إلا من اثنين، ولا شك أن الحديث عن النبي ﷺ أعظم مشهود به، ولهذا فإن من كذب على النبي ﷺ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار.\nولكن قد سبق لنا في كلام المؤلف أن هذا ليس بشرط وهو في قوله ... \"ما اتصل إسناده ولم يُشذ أو يُعل\" ولم يذكر اشتراط أن يكون عزيزًا١.\nويُجاب عن قول من قال: بأن الشهادة لا تُقبل إلا باثنين.\nبأن هذا خبٌر، وليس بشهادة، والخبر يكفي فيه الواحد، بدليل أن المؤذن يؤذن، ويفطر الناس على أذانه، مع أنه واحد، لأن هذا خبر ديني يكفي فيه الواحد، ويدلُّ لهذا: أن العلماء اتفقوا على قبول حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - وأرضاه أنه سمع\n_________\n١ تقدم ص ٢٨.","vol":"1","page":68},{"text":"النبي ﷺ يقول: \"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ... \" ١. وهذا الحديث في ثلاث طبقات لم يُرو إلا عن واحد واحد، فدل ذلك على أنه ليس من شرط الصحيح أن يكون مروي اثنين فأكثر.\nقوله: \"مشهور مروي فوق ما ثلاثة\".\nهذا رأي المؤلف، وعلى القول الراجح نقول: مشهور مروي فوق ما اثنين، فالمشهور على كلام المؤلف هو ما رواه أربعة فصاعدًا، وعلى القول الصحيح هو: ما رواه ثلاثة فصاعدًا، ولم يصل إلى حد التواتر.\nوالمشهور يُطلق على معنيين هما:\n١ - ما اشتهر بين الناس.\n٢ - ما اصطلح على تسميته مشهورًا.\nأما ما اشتهر بين الناس فإنه أيضًا على نوعين:\nأما اشتهر عند العامة.\nب ما اشتهر عند أهل العلم.\nفأما ما اشتهر عند العامة: فلا حكم له؛ لأنه قد يشتهر عند العامة بعض الأحاديث الموضوعة فهذا لا عبرة به، ولا أثر لاشتهاره عند العامة، لأن العامة ليسوا أهلًا للقبول أو الرد، حتى نقول إن ما اشتهر عندهم مقبول، ولهذا نجد كثيرًا من الأحاديث المشتهرة عند العامة قد ألَّف العلماء فيها مؤلفات مثل كتاب \"تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث\".\n_________\n١ رواه البخاري كتاب بدء الوحي باب كيف بدء الوحي ومسلم كتاب الإمارة باب إنما الأعمال بالنية ١٥٥ – ١٩٠٧.","vol":"1","page":69},{"text":"ومما اشتهر من الأحاديث عندهم \"خير الأسماء ما حِّمد وعُبِّد\"١ وهذا مشتهر عند العامة على أنه حديث صحيح، وهو حديث لا أصل له، ولم يصح ذلك عن النبي ﷺ، بل قال النبي ﷺ: \"أحب الأسماء إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن\" ٢.\nومثله \"حب الوطن من الإيمان\"٣ وهو مشهور عند العامة على أنه حديث صحيح، وهو حديث موضوع مكذوب، بل المعنى أيضًا غير صحيح بل حب الوطن من التعصب.\nومثله حديث \"يوم صومكم يوم نحركم\"٤ وهو مشهور عند العامة، على أنه حديث صحيح، وهو لا أصل له.\nومثله ما يقال \"رابعة رجب غرة رمضان فيها تنحرون\" وهو حديث منمق لا أصل له، ويعني أن اليوم الرابع لرجب، هو اليوم الأول لرمضان، وهو اليوم العاشر لذي الحجة، وهو باطل غير صحيح.\nوالنوع الثاني هو المشهور عند العلماء فهذا يحتج به بعض العلماء وإن لم يكن له إسناد، ويقول: لأن اشتهاره عند أهل العلم، وقبولهم إياه وأخذهم به، يدل على أن له أصلًا.\nومن ذلك حديث \"لا يقاد الوالد بالولد\" ٥ يعني لا يُقتل الوالد\n_________\n١ المقاصد الحسنة ص ١٠٣ والأسرار المرفوعة ص ١٩٣.\n٢ كتاب الآداب باب النهي عن التكني بأبي القاسم ٢ – ٢١٣٢.\n٣ كشف الخفاء جـ ١ ص ٤١٣ تذكرة الموضوعات ١١ والسلسلة الضعيفة ٣٦.\n٤ كشف الخفاء جـ ٢ ص ٢١١.\n٥ أخرجه الإمام أحمد ١/٤٩ والترمذي كتاب الديات باب ماجاء في الرجل يقتل ابنه يقاد منه أم لا ١٤٠٠.","vol":"1","page":70},{"text":"بالولد قصاصًا، وهو مشهور عند العلماء، فمنهم من أخذ به، وقال لأن اشتهاره عند العلماء وتداولهم إياه واستدلالهم به يدل على أن له أصلًا.\nومن العلماء من لم يعتبر بهذا.\nومنهم من فصَّل وقال: إن لم يُخالف ظاهر النص فهو مقبول. كتب عليكم\nأما إن خالف ظاهر النص فهو مردود، وهذا أقرب الأقوال الثلاثة وهو: أن ما اشتهر بين العلماء يُنظر فيه، فإن لم يُخالف نصًّا فهو مقبول، وإن خالف نصًّا فليس بمقبول.\nمثلًا \"لا يُقاد الوالد بالولد\" ١ مخالف لظاهر النص وهو قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] . الآية. بل ويخالف قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ \"البقرة: ١٧٨\" الآية. وقوله ﷺ: \"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس ... \" ٢. الحديث.\n_________\n١ تقدم تخريجه ص ٧٠.\n٢ أخرجه البخاري كتاب الديات باب قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ٦٨٧٨ ومسلم كتاب القسامة باب ما يباح به دم المسلم ٢٥ – ١٦٧٦.","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المعنعن والمبهم</span>\n...\nقال المؤلف ﵀:\n١٣ - معنعنٌ كعن سعيدٍ عن كَرَمْ ... ومبهمٌ ما فيه راو لم يُسَمْ\nالمعنعن مأخوذٌ من كلمة \"عن\" وهو: ما أُدي بصيغة عن.\nوهذا هو القسم الحادي عشر، من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم مثل أن يقول: عن نافع عن ابن عمر - ﵄ - ومثل أن يقول: حدثني فلان، عن فلان، عن فلان، عن فلان.\nواقتصر المؤلف على التعريف بالمثال؛ لأن التعريف بالمثال جائز، إذ أن المقصود بالتعريف هو إيضاح المعرَّف، والمثال قد يُغني عن الحد، والمثال الذي ذكره المؤلف هو \"عن سعيد عن كرم\" فيقول أروي هذا الحديث عن سعيد عن كرم، هذا هو المعنعن.\nوهناك نوع آخر مثله وهو المؤنن، وهو ما روي بلفظ \"أن\"، مثل أن يقول: حدثني فلان أن فلانًا قال: أن فلانًا قال ... إلخ.\nوحكم المعنعن والمؤنن هو: الاتصال، إلا ممن عُرف بالتدليس، فإنه لا يُحكم باتصاله إلا بعد أن يُصرح بالسماع في موضع آخر. ومن ثم نحتاج إلى معرفة المدلسين، وذلك لكي تستطيع أن تعرف الحديث إذا جاء بلفظ \"عن\"، وكان عن مدلس فإنه لا يُحكم له بالاتصال، لأن المدلس قد يُسقط الراوي الذي بينه وبين المذكور تدليسًا، لأن الراوي الذي أسقطه قد يكون ضعيفًا في روايته، أو في دينه، فيُسقطه حتى يظهر السند بمظهر الصحيح، فهذا لا نحمله على الاتصال ونخشى من تدليسه، وهذا من احتياط أهل العلم لسنة النبي ﷺ، ومن نعمة الله تعالى على هذه الأمة حيث إنهم كانوا يتحرزون أشد التحرز فيما يُنسب إلى النبي ﷺ.\nقوله: \"ومبهمٌ ما فيه راوٍ لم يُسم\".","vol":"1","page":72},{"text":"والمبهم هو: الذي فيه راو لم يسم، وهذا هو القسم الثاني عشر من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم.\nمثل أن يقول: حدثني رجل، قال: حدثني فلانٌ عن فلان عن فلان، فإننا نسمي هذا الحديث مبهمًا، لأنه أُبهم فيه الراوي، وكذلك إذا قال: حدثني الثقة فإنه أيضًا يكون مبهمًا، لأننا لا ندري من هو هذا الثقة فقد يكون ثقة عند المحدث، وليس بثقة عند غيره.\nوكذلك إذا قال: حدثني من أثق به، فهذا أيضًا يكون مبهمًا.\nوكذلك إذا قال: حدثني صاحب هذه الدار فإنه يكون مبهمًا ما لم يكن صاحب الدار معروفًا.\nإذًا فالمبهم هو: كل ما فيه راوٍ لم يُسم، أما ما كان الحديث فيه عن رجل لم يسمَّ مثل حديث أنسٍ - ﵁ - قال: دخل أعرابي يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب ... الحديث١، فالأعرابي هنا مبهم، لكنه لا يدخل في التعريف الذي معنا، لأن الأعرابي هنا لم يحدث بالحديث، ولكنه تُحدِّث عنه.\nإذًا فقوله \"ما فيه راوٍ لم يُسمّ\" معناه أي: ما كان في السند راوٍ لم يسمّ.\nوحكم المبهم أن حديثه لا يُقبل، حتى يُعلم من هو هذا المبهم، وذلك لجهالتنا بحال هذا المبهم، إلا المبهم من الصحابة فإن إبهامه لا يضر، لأن الصحابة كلهم عدولٌ ثقاتٌ بشهادة الله تعالى لهم في قوله تعالى: ﴿وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠] . وتزكيته إياهم في قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب الاستسقاء باب الاستسقاء في الجمعة ١٠١٤ ومسلم كتاب الاستسقاء باب الدعاء في الاستسقاء ٨ – ٨٩٧.","vol":"1","page":73},{"text":"٢٩] . وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] .\nإذًا فحكم الحديث المبهم أنه موقوف حتى يتبين من هو هذا المبهم إلا الصحابة رضوان الله عليهم فإن المبهم منهم مقبول كما سبق بيانه.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>العلو والنزول</span>\n...\nقال المؤلف ﵀:\n١٤ - وكُلُّ ما قَلّتْ رجَالُهُ \"عَلا\" ... وضِدُّه ذاكَ الذي قَدْ \"نَزَلا\"\nهذان قسمان من أقسام الحديث وهما الثالث عشر والرابع عشر مما ذُكر في هذا النظم وهما العالي، والنازل.\nوعلو الإسناد ونزوله من وصف الإسناد.\nوينقسم العلو إلى قسمين:\n١ - علو عدد، وهو ما عرّفه المؤلف بقوله \"ما قلت رجاله ... إلخ\" فكل ما قل رجال السند فيه فهو عالٍ، وكل ما كثر رجال السند فيه فهو نازل، وذلك لأنه إذا قلَّ عدد الرجال، قلت الوسائط، وكلما قلت الوسائط ضعف احتمال الخطأ، ويتضح هذا بالمثال:\nفإذا كان الرواة زيدًا، عن عمرو، عن بكر، فالخطأ يحتمل في الأول، ويحتمل في الثاني، ويحتمل في الثالث، فالاحتمالات ثلاثة، وإذا كانوا زيدًا، عن عمرو، عن بكر، عن خالد، عن سفيان، صار عندنا خمسة احتمالات، ومعلوم أنه كلما قل احتمال الخطأ كان أقرب إلى القبول.\nفإذا رُوي الحديث بسند بينه وبين الراوي خمسة، ورُوي من طريق آخر بينه وبين الراوي ثلاثة، فالثاني هو العالي، والأول هو النازل، لأن احتمال الخطأ في الثلاثة أقل من احتمال الخطأ في الخمسة.\nوهل يلزم من علو السند عددًا أن يكون أصحَّ من النازل؟\nنقول: لا يلزم ذلك، لأن هذا العدد القليل من الرواة قد يكون الرواة فيه ضعفاء، ويكون في العدد الكثير الرواة فيه ثقات أثبات، فلا يلزم من علو الإسناد عددًا، أن يكون العالي أصح، لأن اعتبار حال","vol":"1","page":75},{"text":"الرجال أمرٌ مهم.\n٢ - علو صفة. وذلك بأن يكون رجال السند أثبت في الحفظ والعدالة من السند الآخر.\nمثاله:\nإذا روي الحديث من طريق عدد رجاله ثلاثة، وروي من طريق آخر عدد رجاله ثلاثة، لكن رجال الطريق الأول أضعف من الطريق الثاني في الحفظ، والعدالة، فالثاني بلا شك أقوى وأعلى من الطريق الأول.\nولو رُوي الحديث من طريق فيه أربعة رجال، وروي من طريق آخر فيه ثلاثة رجال، لكن الطريق الأول أثبت من الطريق الثاني في العدالة والحفظ، فالأول أعلى باعتبار حال الرواة.\nيعني أن الأول أعلى علو صفة، والثاني أعلى علو عدد، ففي هذه الحالة أيهما نقدم؟\nنقول: نقدم الأول وهو العلو في الصفة، لأن العلو في الصفة هو الذي يُعتمد عليه في صحة الحديث، لأن العدد قد يكون مثلًا ثلاثة رواة وكلهم ثقات، فيكون الحديث صحيحًا، وقد يكون العدد عشرين راويًا، لكن كلهم ضعفاء، فلا يكون الحديث صحيحًا.\nإذًا فالعلو ينقسم إلى قسمين:\n١ - علو العدد وهو: ما كان فيه عدد الرجال أقل.\n٢ - علو الصفة وهو: ما كان حال الرجال فيه أقوى وأعلى من جهة الحفظ والعدالة.\nوالمؤلف ﵀ لم يتكلم عن علو الصفة وإنما تكلم عن علو العدد.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>الموقوف وضابطه</span>\n...\nقال المؤلف ﵀:\n١٥ - وما أضَفتهُ إلى الأصحابِ مِنْ ... قولٍ وفعلٍ فهو موقوفٌ زُكِنْ\nهذا هو القسم الخامس عشر من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو الموقوف.\nقوله \"ما\" شرطية.\n\"أضفته إلى الأصحاب\" أي ما أضفته أيها الراوي إلى الأصحاب.\nوالأصحاب جمع صحبٍ، وصَحْبٌ اسم جمع صاحب.\nوالمراد بالأصحاب هنا: أصحاب النبي ﷺ.\nوالصحابي هو: من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا به، ومات على ذلك.\nحتى ولو كان الاجتماع لحظة، وهذا من خصائص النبي ﷺ أن يكون صاحبه من اجتمع به ولو لحظة.\nأما غيره فلا يكون الصاحب صاحبًا إلا بطول صحبة، أما مجرد أن يلاقيه في أي مكان، فلا يكون بذلك صاحبًا له.\nولابد في الصحابي أن يموت مؤمنًا بالنبي ﷺ حتى ولو ارتد عن الإسلام ثم رجع إليه مرة أخرى، فهو صحابي على الصحيح من أقوال أهل العلم.\nإذًا فما أضفته إلى الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - فإنه يسمى عند المحدثين موقوفًا.\nوقوله \"زُكِنْ\" يعني عُلِم.\nوقوله \"من قول وفعل\".\nيُستثنى من ذلك ما ثبت له حكم الرفع، من قول الصحابي أو","vol":"1","page":77},{"text":"فعله، فإنه يكون مرفوعًا حُكمًا، ولو كان من فعل الصحابي، كصلاة علي ﵁ في الكسوف ثلاث ركوعات في كل ركعة، فهذا مرفوعٌ حُكمًا، لأن عدد الركوعات في ركعة واحدة، أمرٌ يتوقف فيه على الشرع، ولا مجال للاجتهاد فيه، وكذلك لو تحدث الصحابي عن أمر من أمور المستقبل، أو أمور الغيب، فإنه يُحكم له بالرفع، لأن أمور الغيب ليس للرأي فيها مجال.","vol":"1","page":78},{"text":"قال المؤلف ﵀:\n١٦ - ومُرْسَلٌ منْهُ الصحَابُّي سَقَطْ ... ... ... ... .... ....\nهذا هو القسم السادس عشر من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو<span data-type=\"title\" id=toc-21> المرسل</span>.\nوالمرسل في اللغة: المطلق، ومنه أرسل الناقة في المرعى، أي أطلقها.\nوفي الاصطلاح عرفه الناظم بأنه: ما سقط منه الصحابي.\nوعرفه بعض العلماء بأنه: ما رفعه التابعي أو الصحابي الذي لم يسمع من النبي ﷺ وهذا التعريف أدق؛ لأن ظاهر كلام المؤلف أنه إذا ذكر الصحابي فليس بمرسل، ولو كان الصحابي لم يسمع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كمحمد بن أبي بكر - ﵄ - الذي ولد في حجة الوداع وهذا ليس بجيد، فإن حديث الصحابي الذي لم يسمع من النبي ﷺ من قبيل المرسل عند المحققين.\nوالمرسل من أقسام الضعيف؛ لأن الواسطة بين النبي ﷺ وبين من رفعه مجهول إلا في المواضع التالية:\nالأول: إذا علم الواسطة بين النبي ﷺ ومن رفعه، فيحكم بما تقتضيه حاله.\nالثاني: إذا كان الرافع له صحابيًّا.\nالثالث: إذا علم أن رافعه لا يرفعه إلا عن طريق صحابي.\nالرابع: إذا تلقته الأمة بالقبول.","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>الغريب وتعريفه لغة واصطلاحا</span>\n...\nقال المؤلف ﵀:\n... ... .... .... .... ... وقُلْ غَريبٌ ما رَوى راوٍ فَقَطْ\nهذا هو القسم السابع عشر من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو الغريب.\nقوله: \"وقُل غريبٌ ما روى راوٍ فقط\" الغريب مشتق من الغربة، والغريب في البلد هو الذي ليس من أهلها.\nوالغريب في الحديث هو: ما رواه راوٍ واحد فقط، حتى ولو كان الصحابي، فهو غريب، مثل أن لا نجد راو من الصحابة إلا ابن عباس - ﵄ - فهو غريب، أو لم نجد راويًا من التابعين إلا قتادة فهو غريب.\nوالغرابة إما أن تكون في: أول السند.\nأو في أثنائه.\nأو في آخره.\nيعني قد يكون الحديث غريبًا في آخر السند لم يروه إلا تابعي واحد عن الصحابة، ثم يرويه عنه عدد كبير، فيكون هذا غريبًا في آخر السند، وفيما بعده قد يصل إلى حد التواتر، فحديث \"إنما الأعمال بالنيات ... \" ١ من الغريب، لكنه غريب في طبقة الصحابة والتابعين، وأما بعد ذلك فقد انتشر انتشارًا عظيمًا.\nوقد يكون غريبًا في أثنائه، رواه جماعة وانفرد به عنهم واحد، ثم رواه عن جماعة، وقد يكون غريبًا في أوله انفرد به واحد عن جماعة.\nوالغريب قد يكون صحيحًا، وقد يكون ضعيفًا، لكن الغالب على الغرائب أنها تكون ضعيفة.\n_________\n١ تقدم تخريجه ص ٦٩.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>المنقطع وضابطه</span>\n...\nقال المؤلف ﵀:\n١٧ - وكُلُّ ما لْم يتصلْ بحال ... إسْنَادُهُ مُنْقَطِعُ الأوصَالِ\nهذا هو القسم الثامن عشر من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو المنقطع.\nقوله: \"وكل ما\".\nأي كل حديث أو كل إسناد، لكن الظاهر أن مراده كل حديث بدليل قوله: \"لم يتصل إسناده\" أي أن كل حديث لم يتصل إسناده بأي حال من الأحوال فإنه يسمى منقطعًا، وهذا بالمعنى العام، فإذا كان الحديث قد رواه خمسة، الأول، عن الثاني، عن الثالث، عن الرابع، عن الخامس.\nثم وجدناه مرويًا عن الأول، عن الثالث، عن الرابع، عن الخامس فهو منقطع.\nولو وجدناه مرويًا عن الثاني، عن الثالث، عن الرابع، عن الخامس فهو منقطع لأنه سقط أوله.\nولو رواه الأول، عن الثالث، عن الخامس فهو أيضًا منقطع.\nويقسم العلماء الانقطاع إلى أربعة أقسام:\n١ - أن يكون الانقطاع من أول السند.\n٢ - أن يكون الانقطاع من آخر السند.\n٣ - أن يكون الانقطاع من أثناء السند بواحد فقط.\n٤ - أن يكون الانقطاع من أثناء السند باثنين فأكثر على التوالي.\nفأما القسم الأول وهو: إذا كان الآنقطاع من أول السند فإنه يسمى معلقًا.","vol":"1","page":81},{"text":"ووجه التسمية فيه: ظاهرة؛ لأنك إذا علقت شيئًا في السقف، وهو منقطع من أسفله فلن يصل إلى الأرض، فالمعلق ما حُذف منه أول إسناده.\nوهل المعلق من قسم الصحيح أو هو من قسم الضعيف؟\nنقول: هو من قسم الضعيف؛ لأن من شرط الصحيح، اتصال السند، لكن ما علقه البخاري جازمًا به فهو صحيح عنده، وإن لم يكن على شرطه، وإنما قلنا صحيح عنده؛ لأنه يعلّقه مستدلًا به على الحكم، ولا يمكن أن يستدل على حُكم من أحكام الله تعالى، إلا بشيء صحيح عنده، لكنه ليس على شرطه، لأنه لو كان على شرطه، لساقه بسنده حتى يُعرف، مع أنه - رحمه الله تعالى - ربما يأتي به معلقًا في باب، ومتصلًا في باب آخر.\nوأما القسم الثاني وهو: أن يكون الانقطاع من آخر السند فهذا هو المرسل.\nوأما القسم الثالث وهو: أن يكون الانقطاع من أثناء السند برجل واحد فهذا يسمى منقطعًا في الاصطلاح، فالمنقطع عندهم هو ما حُذف من أثناء سنده راوٍ واحد فقط.\nوأما القسم الرابع وهو: أن يكون الانقطاع من أثناء السند برجلين فأكثر على التوالي فهذا يسمى معضلًا.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>المعضل والمدلس</span>\n...\nولهذا قال المؤلف ﵀:\n١٨ - والُمعْضَلُ الساقِطُ مِنْهُ اثْنَان ... ... ... ... ...\nهذا هو القسم التاسع عشر من أقسام الحديث المذكورة في هذا وهو المعضل.\nوقوله \"المعضل\" مبتدأ، و\"الساقط\" خبره. وقوله \"الساقطُ منه اثنان\" يعني على التوالي، لا على التفريق.\nفمثلًا: إذا كان السند هم الأول، والثاني، والثالث، والرابع وسقط الثاني والثالث فهذا يسمى معضلًا، لأنه سقط راويان على التوالي، وكذلك لو سقط ثلاثة فأكثر على التوالي.\nوإذا سقط منه الثاني والرابع فهذا منقطع، لأنه وإن سقط منه راويان ولكنهما ليسا على التوالي.\nوإذا سقط منه الأول والأخير، فهذا معلقٌ مرسل، أي أنه معلقٌ باعتبار أول السند، ومرسلٌ باعتبار آخر السند.\nوكل هذه الأقسام تعتبر من أقسام الضعيف.\nوإذا وجدنا حديثين أحدهما معضل، والآخر منقطع، أو معلق، أو مرسل، فإن المعضل أشدُّ ضعفًا، لأنه سقط منه راويان على التوالي.","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>أنواع التدليس</span>\n...\nقال المؤلف ﵀:\n... ... ... ... ... وما أتى مُدلّسًا نوعان\nوقوله \"وما أتى مدلسًا نوعان\" هذا هو القسم العشرون من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم.\nف-\"مدلسًا\" حال من فاعل أتى، و\"نوعان\" خبر المبتدأ، و\"ما\" اسم موصول بمعنى الذي، يعني والذي أتى مدلسًا نوعان.\nوقوله \"مدلسًا\" المدلس مأخوذ من التدليس، وأصله من الدُّلسة وهي الظلمة، والتدليس في البيع هو أن يُظهر المبيع بصفةٍ أحسن مما هو عليه في الواقع، مثل أن يصري اللبن في ضرع البهيمة، أو أن يصبغ الجدار بأصباغ يظنُّ الرائي أنّه جديد، وهو ليس كذلك.\nأما التدليس في الحديث فينقسم إلى قسمين: كما قال المؤلف - ﵀ - \"وما أتى مدلسًا نوعان\"، وبعض العلماء يقسِّمه إلى ثلاثة أقسام.\nأما على تقسيم المؤلف فهو قسمان:\nالأول: ذكره بقوله:\nالأول الإسقاط للشيخ وأن ... ينقلُ عمن فوقه بعن وأن\nوهذا تدليس التسوية، بان يسقط الراوي شيخه، ويروي عمن فوقه بصيغة ظاهرها الاتصال.\nكما لو قال: خالدٌ: إنّ عليًّا قال كذا وكذا، وبين خالد وعلي رجل اسمه محمد، وهو قد أسقط محمدًا ولم يذكره، وقال إن عليًّا قال كذا وكذا.\nفنقول هذا تدليس وهو في الحقيقة لم يكذب بل هو صادق، لكن","vol":"1","page":84},{"text":"هناك بعض الأسباب تحمل الراوي على التدليس: كأن يريد الراوي أن يخفي نفسه لئلا يُقال عنه أنه أخذ عن هذا الشيخ مثلًا، أو أخفى ذلك لغرض سياسي، أو لأنه يخشى على نفسه من سلطان أو نحوه، أو لغير ذلك من الأسباب الأخرى، أو لأجل أن الشيخ الذي أسقطه غير مقبول الرواية، إما لكونه ضعيف الحفظ، أو لكونه قليل الدين، أو لأن شيخه الذي روى عنه أقل مرتبة منه، أو ما أشبه ذلك.\nالمهم أن أغراض إسقاط الشيخ كثيرة غير محصورة، لكن أسوأها أن يكون الشيخ غير عدل، فيسقطه من أجل أن يصبح الحديث مقبولًا، لأن هذا يترتب عليه أحكام شرعية كثيرة، وربما يكون الحديث مكذوبًا من قبل الشيخ الساقط.\nولا يقبل حديث المدلس، ولو كان الراوي ثقة، إلا إذا صرح بالتحديث وقال: حدثني فلان، أو سمعت فلانًا، فحينئذ يكون متصلًا.\nالقسم الثاني: تدليس الشيوخ: وهو ألا يُسقط الشيخ ولكن يصفه بأوصاف لا يعرف بها، وإليه الإشارة بقوله:\nوالثاني لا يسقطه لكن يصف ... أوصافه بما به لا ينعرف\nمثل أن يسمي أحد شيوخه باسم غير اسمه، أو بلقبٍ غير لقبه، وهو لا يمكن أن يُعرف إلا بذلك الذي لم يسمه به، أو يصفُهُ بصفةٍ عامة كمن يقول: حدثني من أنفه بين عينيه، أو حدثني من جلس للتحديث.\nوالأمر الذي دفع الراوي أن يفعل ذلك هو مثل الأغراض التي تقدمت في النوع الأول، لأنه يخفي اسم الشيخ حتى لا يوسم الحديث بالضعف، أو لأجل أن لا يرد الحديث، أو لأسباب أخرى.","vol":"1","page":85},{"text":"وهذا النوع كسابقه غير مقبول إلا إذا وصف من دلسه بما يعرف به فينظر في حاله.\nوهل التدليس جائز أم حرام؟\nنقول: الأصل فيه أنه حرام، لأنه من الغش، وقد قال النبي ﷺ: \"من غش فليس منا\" ١ ولا سيما الغش في الشيء الذي ينسب إلى الرسول ﷺ، فهذا أعظم من الغش في البيع، وإذا كان النبي ﷺ قال لصاحب الطعام الذي أخفى ما أصابته السماء: \"من غش فليس منا\" فما بالك بمن يغش في سند الحديث، هذا يكون أعظم وأشد، ولكن ومع ذلك فقد كان يستعمله بعض التابعين، وغير التابعين، لأغراض حسنة، ولا يريدون بذلك الإساءة إلى سنة النبي ﷺ، ولا إلى الناس، وإنما يريدون بذلك بعض الأغراض الحسنة، ولكن هذا في الحقيقة لا يبرر لهم ما صنعوا، بل نقول: هم مجتهدون؛ لهم أجرهم على اجتهادهم، ولكن لو أصابوا وبينوا الأمر، لكان أولى وأحسن وأفضل.\n_________\n١ أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب قوله ﵊: \"من غشنا ... \" برقم ١٦٤ – ١٠٢.","vol":"1","page":86},{"text":"قال المؤلف ﵀:\n٢١ - ومَا يَخالفْ ثقَةٌ فيه الَملأ ... ف<span data-type=\"title\" id=toc-26>الشاذُّ والَمقْلُوبُ </span>قسْمَان تَلا\nوهذان هما الحادي والعشرون والثاني والعشرون من أقسام الحديث المذكورة في هذه المنظومة وهما: الشاذ، والمقلوب.\nفالشاذ مأخوذ من الشذوذ، وهو الخروج عن القاعدة أو الخروج عن ما عليه الناس، وفي الحديث: \"عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار\" ١ يعني من خرج عنهم، فالشاذُّ هو الذي يخالف فيه الثقة الملأ \"أي الجماعة\"، ومعلوم أن الجماعة أقرب إلى الصواب من الواحد وأرجح، ولهذا يمكن أن نقول: إن المؤلف ﵀ قال: \"ما يخالف ثقة فيه الملأ\" على سبيل المثال، وأن المراد بالقاعدة أن الشاذ هو: ما خالف فيه الثقة من هو أرجح منه عددًا، أو عدالة، أو ضبطًا.\nوالمؤلف ذكر القسم الأول وهو: العدد لأن الملأ جماعة، وقد يقال: إن الملأ هم أشراف القوم كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٨٨] . ومعلوم أن الأشراف في علم الحديث هم الحفاظ العدول، فيكون كلامه شاملًا من هو أرجح عددًا، أو عدالة، أو حفظًا.\nمثال العدد: روى جماعة عن شيخهم حديثًا، ثم انفرد أحدهم برواية تخالف الجماعة وهو ثقة.\nفنقول: إن هذه الرواية شاذة، لأنه خالف من هو أرجح منه، باعتبار العدد.\n_________\n١ أخرجه الحاكم في المستدرك جـ ١ ص ١٩٩.","vol":"1","page":87},{"text":"ومثال الأرجح عدالة أو حفظًا معلوم.\nنقول: الأول هو الراجح، والثاني هو الشاذ وهو حديث المرجوح.\nونُسمِّي الحديث الذي يقابل الشاذ بالمحفوظ.\nومثاله: حديث وضوء النبي ﷺ أنه توضأ، فأخذ لرأسه ماءً غير فضل يديه١، أي لما أراد أن يمسح رأسه، أخذ ماءً فمسحه بماء غير فضل يديه، هكذا جاء في صحيح مسلم، وفي رواية ابن ماجة \"أنه مسح أذنيه بماء غير فضل رأسه\"٢ فاختلفت الروايتان، فرواية مسلم أنه أخذ ماء جديدًا لمسح الرأس غير ماء اليدين.\nوالثانية: أنه أخذ ماء جديدًا لمسح الأذنين، غير ما مسح الرأس، قال ابن حجر في بلوغ المرام عن الأول إنه المحفوظ٣، يعني أن رواية مسلم هي المحفوظة، ورواية ابن ماجه تكون شاذة.\nولا يحكم بالمخالفة بمجرد ما ينقدح في ذهنه أنه مخالف، بل يجب أن يتأمل ويفكر وينظر ويحاول الجمع، لأنك إذا حكمت بالمخالفة، ثم قلت عن الثاني إنه شاذ فمعناه أنه غير مقبول، لأن من شرط الصحيح المقبول ألا يكون معللًا ولا شاذًّا، فإذا كان شاذًّا فإننا سنرده، فلا يجوز أن نرد الحديث المخالف بمجرد ما ينقدح في الذهن، فلابد من التأمل فإنه ربما يبدو مخالفًا، ولكن عند التأمل لا يكون مخالفًا فمثلًا: حديث \"اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته\" ٤، \"إنك لا تخلف\n_________\n١ رواه مسلم كتاب الطهارة باب صفة الوضوء برقم ١٩ – ٢٣٦.\n٢ لم أجده في أبواب الطهارة من سنن ابن ماجة وهو عند البيهقي ١/٣٠٣ حديث رقم: ٧١٩.\n٣ بلوغ المرام حديث رقم ٤٨ والمذكور فيه أخرجه البهقي.\n٤ رواه البخاري كتاب الأذان باب الدعاء عند النداء ٦١٤.","vol":"1","page":88},{"text":"الميعاد\" ١ بعض الناس قال إن زيادة \"إنك لا تخلف الميعاد\" شاذة، لأن أكثر الرواة رووه بدون هذه الزيادة، فتكون رواية من انفرد بها شاذة، لأنها مخالفة للثقات، وإن كان الراوي ثقة.\nلكنه يمكن أن نقول: لا مخالفة هنا، لأن هذه الزيادة لا تنافي ما سبق، بحيث أنها لا تكذبه ولا تخصصه، وإنما تطبعه بطابع هو من دعاء المؤمنين كما قال الله عنهم ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] . وهنا تقول: وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد، نظير قول الله تعالى: ﴿وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ فحينئذ يحتاج إلى أن نتثبت في مسألة الزيادة هل هي مخالفة أو غير مخالفة، أي أننا لا نتسرع بالقول بالمخالفة. لأن المخالفة تعني أنه لا يمكن الجمع، أما إذا أمكن الجمع فلا مخالفة.\nوهل يشترط في الشذوذ أن يكون في حديث واحد بمعنى أن يكون هذا الحديث رواه جماعة على وجه، ورواه فرد على وجهٍ يخالف الجماعة أو لا يشترط.\nنقول: لا يشترط، يمكن أن يكون في حديث، وفي حديثين، هذا هو الذي يظهر لنا من تصرفات العلماء.\nمثال ذلك: ما أخرج أصحاب السنن من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"إذا انتصف شعبان فلا تصوموا\" ٢ وهذا الحديث صححه بعض العلماء، وقال: إنه يُكره الصيام تطوعًا إذا\n_________\n١ البيهقي جـ ١ ص ٤١٠ وصححها شيخنا – ﵀ غفر له – في مجموع الفتاوى جـ ٢ ص ١٩٩.\n٢ تقدم تخريجه ص ٢٩.","vol":"1","page":89},{"text":"انتصف شعبان، إلا من كانت له عادةٌ فلا كراهة، وقال الإمام أحمد: لا يكره؛ لأن هذا الحديث شاذ، لأنه يخالف حديث أبي هريرة ﵁ الذي في الصحيحين وهو قوله ﷺ: \"لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجلًا كان يصوم صومًا فليصمه\"١ وذلك لأن الحديث الثاني يدل على جواز الصيام قبل اليومين وهو أرجح من الأول.\nإذًا نفهم من هذا أن الشذوذ ليس شرطًا أن يكون في حديث واحد.\nمثال آخر: ما أخرجه أبو داود في سننه عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم\" ٢ فهذا الحديث يخالف الحديث الذي في الصحيحين وهو أن النبي ﷺ قالت له إحدى نسائه إنها صائمة هذا اليوم وكان يوم الجمعة، فقال لها: \"أصمت أمس\"؟ قالت: لا، قال: \"أتصومين غدًا؟ \"، قالت: لا، قال: \"فأفطري\" ٣ فقوله: \"أتصومين غدًا؟ \" وهو يوم السبت، يدل على جواز صيام يوم السبت، لذلك اختلف العلماء في صحة حديث النهي عن صيام يوم السبت على أقوال:\n١ - فمنهم من قال: إن الحديث منسوخ، وهذا القول ضعيف، لأن من شرط الحكم بالنسخ العلم بالتاريخ، وهنا لا نعلم التاريخ.\n٢ - ومنهم من قال: بل الحديث شاذ؛ لأنه يخالف الحديث الذي في الصحيحين الذي يدل على جواز صيام يوم السبت.\n٣ - ومنهم من حمله على وجه لا يخالف الحديث الذي في\n_________\n١ تقدم تخريجه ص ٢٩.\n٢ تقدم تخريجه ص ٢٩.\n٣ تقدم تخريجه ص ٣٠.","vol":"1","page":90},{"text":"الصحيحين، وذلك بأن يُحمل النهي على إفراد يوم السبت بالصيام، وأما إذا صام يومًا قبله أو يومًا بعده فلا بأس، وهذا الأخير جمع بين الحديثين، وإذا أمكن الجمع فلا شذوذ، لأن من شرط الشذوذ المخالفة وهنا لا مخالفة، فقالوا: حديث النهي عن صوم يوم السبت، محمولٌ على الإفراد، أما إذا جمع إليه ما قبله أو ما بعده فلا بأس حينئذ.\nمثال ثالث: وردت أحاديث متعددة - لكن ليست في البخاري ومسلم - في النهي عن لبس الذهب المحلَّق مثل الخاتم والسوار ونحوه١، ووردت أحاديث أخرى في الصحيحين وغيرهما تدل على جواز لبس الذهب المحلق، مثل ما في حديث جابر - ﵁ - أن النبي ﷺ أمر النساء أن يتصدقن، فجعلن يلقين خواتيمهن، وخروصهن في ثوب بلال - ﵁٢ ثم أن النبي ﷺ لما رأى الرجل الذي عليه خاتم الذهب أخذه ورمى به، وقال: \"يعمدُ أحدكم إلى جمرة من النار فيلقيها في يده\" ٣.\nفمن العلماء من قال: إن النهي عن الذهب المحلق حجة يُعمل بها.\n_________\n١ مسند الإمام أحمد جـ ١ ص ١١٩ – ١٣٨ وسنن النسائي جـ ٨ ص ٥٤٥ كتاب الزينة باب خاتم الذهب.\n٢ أخرجه البخاري كتاب العيدين باب موعظة النساء يوم العيد برقم ٩٧٨.\n٣ أخرجه مسلم كتاب اللباس باب تحريم خاتم الذهب على الرجال برقم ٥٢ – ٢٠٩٠.","vol":"1","page":91},{"text":"ومنهم من قال: إن النهي عن لبس الذهب المحلق شاذٌّ لا يعمل به، لأنه يخالف ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من جواز لبس الذهب المحلّق، وهذا هو الذي سلكه شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز.\nومنهم من قال: إن الأحاديث الواردة في النهي في أول الأمر حين كان الناس في ضيق وفي شدة ثم بعد ذلك رُخِّص فيه.\nوإنما ضربت هذه الأمثلة الثلاثة للإشارة إلى أن الشذوذ لا يشترط أن يكون في حديث واحد، بل قد يكون في واحد، أو في اثنين، أو أكثر.\nإذًا عرفنا ما هو الشاذ، وما هو الذي يقابله، وهناك مخالفة أخرى لم يذكرها المؤلف وهي: إذا كان المخالف غير ثقة فإن حديثه يسمى منكرًا.\nوالمنكر هو: ما خالف فيه الضعيف الثقة، وهو أسوأ من الشاذ، لأن المنكر المخالفة مع الضعف، والشاذ المخالفة فيه مع الثقة.\nويقابل المنكر المعروف، إذًا فهي أربعة أقسام:\n١ - المحفوظ.\n٢ - الشاذ.\n٣ - المنكر.\n٤ - المعروف.\nفالشاذ هو: ما رواه الثقة مخالفًا لمن هو أرجح منه.\nوالمنكر هو: ما رواه الضعيف مخالفًا للثقة.\nوالمحفوظ هو: ما رواه الأرجح مخالفًا لثقة دونه، وهو مقابل للشاذ.\nوالمعروف هو: ما رواه الثقة مخالفًا للضعيف.","vol":"1","page":92},{"text":"وقوله: \"والمقلوبُ قسمان تلا\" هذا تكملة للبيت يعني تلا في الذكر الشاذُّ، لكن هي ليس لها معنى، وإنما هي تكملة للبيت فقط، والمقلوب ينقسم إلى قسمين ذكرها في البيت الذي بعده.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>أقسام المقلوب</span>\n...\nقال المؤلف ﵀:\n٢٢ - إبْدالُ رَاوٍ مَا بِرَاوٍ قسْمُ ... وقَلْبُ إسنَادٍ لمتنٍ قِسْمُ\nقوله \"إبدال راوٍ ما براوٍ\".\nف-\"ما\" هنا نكرة واصفة.\nومعنى نكرة واصفة أي أنك تقدر ما ب-\"أي\" والتقدير إبدال راوٍ أي راوٍ، و\"ما\" تأتي نكرة واصفة، وتأتي نكرة موصوفة كما في قوله تعالى: ﴿ِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ ومثال النكرة الواصفة قول المؤلف \"إبدال راوٍ ما\".\nوالمقلوب ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: وهو ما ذكره المؤلف بقوله \"إبدال راوٍ ما براوٍ قسمُ\" وهو ما يُسمَّى بقلب الإسناد.\nمثلًا: إذا قال: حدثني يوسف عن يعقوب، فيقلبُ الإسناد ويقول: حدثني يعقوب عن يوسف، وهذا أكثر ما يقعُ خطأ، إما لنسيان أو غيره، لأنه لا توجد فائدة في تعمد ذلك.\nفإذا قال قائل ما الذي أعلمنا أن الإسناد مقلوب فقد يكون على الوضع الصحيح؟\nفنقول: نعلم أنه مقلوب، إذا جاء من طريق آخر أوثق على خلاف ما هو عليه، أو جاء من نفس الراوي الذي قَلَبَهُ في حال شبابه وحفظه، يكون قد ضبطه وحدَّث به على الوضع الصحيح، وفي حال كِبَره ونسيانه، يحدِّثُ بالحديث ويقلب إسناده، ففي هذه الحالة نعرف أن الأول هو الصحيح، والثاني هو المقلوب.\nمثاله: إذا روى هذا الحديث بهذا الإسناد الصحيح رجلان،","vol":"1","page":94},{"text":"أحدهما أوثق من الآخر، فيأتي الذي ليس بأوثق من صاحبه ويقلب الإسناد، بأن يجعل التلميذ شيخًا والشيخ تلميذًا، فإننا نحكم في هذا الحديث بأنه مقلوب عليه لأنه قلب السند.\nومثال آخر: هذا الحديث حدَّث به هذا الرجل في حال شبابه وحفظه على وجه، وحدَّث به بعد شيخوخته ونسيانه على وجهٍ آخر، فإننا نحكم على الثاني أنه مقلوب، وربما نطَّلع أيضًا على هذا من طريق آخر بحيث أننا نعرف أن الذي جعله تلميذًا هو الشيخ، لأنه تقدم في عصره بمعرفة التاريخ.\nوالمقلوب من قسم الضعيف، لأنه يدل على عدم ضبط الراوي.\nالقسم الثاني: وهو ما ذكره المؤلف بقوله \"وقلب إسناد لمتن قسم\" ويعني أن يُقلب إسناد المتن لمتن آخر.\nمثاله: رجل روى حديثًا: من طريق زيد، عن عمرو، عن خالد، وحديثًا آخر: من طريق بكر، عن سعد، عن حاتم، فجعل الإسناد الثاني للحديث الأول، وجعل الإسناد الأول للحديث الثاني، فهذا يُسمَّى قلب إسناد المتن، والغالب أنه يقعُ عمدًا للاختبار، أي لأجل أن يُختبر المحدِّث.\nكما صنع أهل بغداد مع البخاري، وذلك لما علموا أنه قادم عليهم، اجتمعوا من العراق وما حوله وقالوا: نريد أن نختبر هذا الرجل، فوضعوا له مائة حديث ووضعوا لكل حديث إسنادًا غير إسناده، وقلبوا الأسانيد ليختبروا البخاري - ﵀ - وقالوا: كل واحد منكم عنده عشرة أحاديث يسأله عنها، ووضعوا عشرة رجال حفاظ أقوياء، فلما جاء البخاري - ﵀ - واجتمع الناس، بدأوا يسوقون الأسانيد كلها حتى انتهوا منها، وكانوا كلما ساقوا إسنادًا","vol":"1","page":95},{"text":"ومعه المتن قال البخاري: لا أعرفه، حتى أتموها كلها، فالعامة من الناس قالوا: هذا الرجل لا يعرف شيئًا، يُعرض عليه مائة حديث وهو يقول: لا أعرفه، يعني لا أعرف هذا السند لهذا الحديث، ثم قام - ﵀ - بعد ذلك وساق كل حديث بإسناده الصحيح، حتى انتهى من المائة كلها، فعرفوا أن الرجل آية من آيات الله في الحفظ، فأقرُّوا وأذعنوا له.\nفهذا نسميه قلب إسناد المتن يعني أن تركب إسناد متن على متن آخر، والغالب أنه لا يقع إلا للاختبار، وقد يقع غشًّا، بحيث يريد الرجل أن يُروِّج الحديث لكنْ يكون إسناده ساقطًا يعني كلهم ضعفاء مثلًا، فيأتي بإسناد حديث صحيح ويُركبه عليه، فهو نوع من التدليس، لكنه بطريق آخر.\nوهناك قسم آخر وهو قلب المتن: وهذا الذي يعتني به الفقهاء، وأما قلب الإسناد فيعتني به المحدثون، لأنهم ينظرون إلى السند هل هو صحيح؟ وهل يصح به الحديث أم لا.\nوأما الفقهاء فيعتنون بقلب المتن، لأنه هو الذي يتغيُّر به الحكم، حيث إن هؤلاء ينظرون إلى الدلالة.\nوقلب المتن يحصل من بعض الرواة تنقلب عليهم المتون فيروون بعض الأحاديث على غير وجهها.\nمن ذلك مثلًا: حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ... \" ١ الحديث وفيه\n_________\n١ رواه البخاري كتاب الزكاة باب باليمن ١٤٢٣، ٦٢٠ و١٣٣٤ و٥٩٩٨ و٦٣٠٨ ومسلم كتاب الزكاة باب فضل إخفاء الصدقة ٩١ – ١٠٣١، ١٧١٢.","vol":"1","page":96},{"text":"\"ورجل تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه\" فقلبه بعض الرواة فقال: \"حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله\" فهذا مقلوب، لأنه جعل اليمين شمالًا، والشمال يمينًا.\nومن ذلك الحديث الذي ثبت في صحيح البخاري \"أنه يبقى في النار فضلٌ عمن دخلها، فينشئ الله لها أقوامًا يدخلهم النار\" فهذا الحديث منقلبٌ على الراوي وصوابه \"أنه يبقي في الجنة فضلٌ عمن دخلها من أهل الدنيا فينشئ الله لها أقوامًا فيدخلهم الجنة\" ١ الحديث.\nوذلك لأنه - أي إنشاء أقوام للنار - ينافي كمال عدل الله تعالى إذ كيف يمكن أن يُنشأ الله تعالى أقوامًا للعذاب، ولأنه ينافي الحديث الصحيح \"لا يزال يُلقى في النار وهي تقول هل من مزيد، حتى يضع الله تعالى عليها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط\" ٢.\nومثال آخر: حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه\" ٣ انقلب هذا الحديث على الراوي فقال: \"وليضع يديه قبل ركبتيه\" والصواب: \"وليضع ركبتيه قبل يديه\" وإنما قلنا ذلك لأن هذا التفريع يخالف أول الحديث، فأول الحديث \"فلا يبرك كما يبرك البعير\" فالنهي عن التشبه بالبعير في صفة السجود \"فلا يبرك كما يبرك\" ونحن إذا\n_________\n١ تقدم تخريجه ص ٣٠.\n٢ أخرجه البخاري كتاب التوحيد ومسلم كتاب الجنة باب قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٧٣٨٤.\n٣ رواه الإمام أحمد جـ ٢ ص ٣٨١ وأبو داود في الصلاة باب كيف يضع ركبته قبل يديه ٨٤٠ والنسائي في الصلاة باب أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده ١٠٩٢.","vol":"1","page":97},{"text":"شاهدنا البعير نراه إذا برك، فإنه يقدم يديه قبل ركبتيه، حيث إنه أول ما يبرك ينزل مقدمه قبل مؤخره، وأنت إذا قدمت يديك نزل مقدمك قبل مؤخرك، فأشبهت بروك البعير.\nفإذا قيل: \"وليضع يديه قبل ركبتيه\" صار لا يناسب أول الحديث، والذي يناسبه \"وليضع ركبتيه قبل يديه\"، وقد ظن بعض العلماء أن الحديث ليس فيه قلب، وقال: إن ركبة البعير في يديه، ونحن نُسلِّم أن ركبة البعير في يديه.\nولكن الحديث لم يقل فيه الرسول ﷺ: فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير، فإنه لو قال كذلك لقلنا: لا تبرك على الركبتين لأن البعير يبرك على ركبتيه، لكن النبي ﷺ قال: \"فلا يبرك كما\" والكاف هنا للتشبيه، وبين العبارتين فرق.\nفإذا عرفنا أن مدلول قوله \"فلا يبرك كما يبرك البعير\" أي لا يقدِّم يديه فينزل مقدمه قبل مؤخره، ولأن النزول في السجود بالركبتين، هو الوضع الطبيعي.\nففي الوضع الطبيعي أول ما ينزل إلى الأرض هو ما يلي الأرض وهو الركبة ثم اليد ثم الجبهة والأنف١.\n_________\n١ حقق شيخنا – ﵀ وغفر له – هذه المسألة في مجموع الفتاوى جـ ١٣ ص ١٧٥ – ١٧٩.","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>الفرد وأنواعه</span>\n...\nقال المؤلفُ ﵀:\n٢٣ - والفَردُ ما قَيَّدْتَهُ بثقَة ... أوْ جْمعٍ أوْ قَصٍر عَلَى رِوَايَةٍ\nهذا هو الثالث والعشرون من أقسام الحديث المذكورة في هذه المنظومة، وهو الفرد، وذكر الناظم له ثلاثة أنواع.\n١ - ما قُيد بثقة.\n٢ - ما قُيد بجمع.\n٣ - ما قُيد برواية.\nفما هو الفرد؟\nنقول: الفرد هو أن ينفرد الراوي بالحديث، يعني أن يروي الحديث رجلٌ فرد.\nوالغالب على الأفراد الضعف، لكن بعضها صحيح متلقى بالقبول، لكن الغالب على الأفراد أنها ضعيفة، لاسيما فيما بعد القرون الثلاثة، لأنه بعد القرون الثلاثة، كثر الرواة فتجد الشيخ الواحد عنده ستمائة راوي. فإذا انفرد عنه راوٍ واحد دون غيره فإن هذا يوجب الشك، فكيف يخفى هذا الحديث على هذا العدد الكثير، ولا يرويه إلا واحد فقط.\nلكن في عهد الصحابة تكثر الفردية، وكذلك في عهد التابعين لكنها أقل من عهد الصحابة، لانتشار التابعين وكثرتهم، وفي عهد تابع التابعين تكثر الفردية لكنها أقل من عهد التابعين.\nإذًا فالفردُ من قبيل الضعيف غالبًا.\nوأنواعه ثلاثة وهي:\n١ - ما قُيِّدَ بثقة، أي ما انفرد به ثقة، ولم يروه غيره، لكنه لا","vol":"1","page":99},{"text":"يخالف غيره، مثل حديث عمر بن الخطاب ﵁ \"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى\" ١ فقد حصل الإفراد فيه، في ثلاث طبقات من رواته، ومع ذلك فهو صحيح، لأنه انفرد به الثقة عن الثقة عن الثقة، فهذا يُسمى فردًا، ويسمى غريبًا.\n٢ - ما قُيدَ بجمعٍ، ومراده بالجمع أهل البلد، أو أهل القرية، أو القبيلة أو ما أشبه ذلك، فإذا انفرد بهذا الحديث عن أهل هذا البلد شخص واحد، بمعنى أن يقال: تفرد فلان برواية هذا الحديث عن الشاميين، أو تفرد فلان برواية هذا الحديث عن الحجازيين، أو ما أشبه ذلك، فهنا فردٌ لكنه ليس فردًا مطلقًا، بل هو في بلد معين، وقد انفرد به من بين المحدثين من أهل هذا البلد.\nفمثلًا إذا قدَّرنا أن المحدثين في الشام ألف محدث، فروى هذا الحديث منهم واحد، ولم يروه سواه.\nفنقول: هذا فرد لكن هل هو فرد مطلقًا؟\nبل فرد نسبي، نسبي أي: بالنسبة لأهل الشام.\nوللفرد المقيد بالجمع معنى آخر وهو: أن ينفرد به أهل بلد ما، بروايته عن فلان، فيقال: تفرد به أهل الشام عن فلان.\n٣ - وقوله \"أو قصر على رواية\".\nالقصر على الرواية هي أن يقال مثلًا: لم يروِ هذا الحديث بهذا المعنى إلا فلان، يعني أن هذا الحديث بهذا المعنى لم يروه إلا شخص واحد عن فلان، فتجد أن القصر في الرواية فقط، وإلا فالحديث من طرق أخرى مشهور، وطرقه كثيرة.\nوإنما قسَّم المؤلف الفرد إلى هذا التقسيم: ليبين أن الفرد قد يكون\n_________\n١ تقدم تخريجه ص ٦٩.","vol":"1","page":100},{"text":"فردًا نسبيًّا، وقد يكون فردًا مطلقًا، فإذا كان هذا الحديث لم يُروَ إلا من طريق واحد بالنسبة لأهل الشام، أو أي بلد فهو فردٌ نسبي.\nوكذلك بالنسبة للشيخ فلو قال: تفرَّد به فلان عن هذا الشيخ فإنه يُسمى فردًا نسبيًّا، والفرد النسبي غرابته نسبية، والفرد المطلق غرابته مطلقة، والفرد النسبي أقرب إلى الصحة، لأنه قد يكون فردًا بالنسبة لهؤلاء، ولكنه بالنسبة إلى غيرهم مشهور أو عزيز، أي مروي بعدة طرق.","vol":"1","page":101},{"text":"قال المؤلف ﵀:\n٢٤ - ومَا بعلَة غُموضٍ أوْ خَفَا ... مُعَلِّلٌ عِنْدَهُمُ قَدْ عُرِفَا\nهذا هو القسم الرابع والعشرون من أقسام الحديث المذكورة في النظم وهو المعلول أو المعلل.\nيقال: \"<span data-type=\"title\" id=toc-29>الحديث المعلل</span>\"، ويُقال: \"الحديث الُمعَلّ\"، ويقال الحديث المعلول، كل هذه الاصطلاحات لعلماء الحديث ولا شك أن أقربها للصواب من حيث اللغة هو \"الُمعَلُّ\"، لأن وزن مُعَلّ الصرفي هو مُفْعَل، وذلك لأن اللام مشددة، فتكون عن حرفين أولهما ساكن، وإذا نظرنا إلى الاشتقاق وجدنا أن هذا هو الصواب، لأنه مأخوذ من أعلّهُ يُعلُّه فهو مُعَلّ مثل أقره يقره فهو مقرّ.\nوالذين قالوا إنه معلول أخذوه من علّة مثل شدَّهُ فهو مشدودٌ، فيسمونه معلولًا، لأنه مأخوذٌ من الفعل الثلاثي.\nوالذين يقولون \"مُعَلَّل\" أخذوه من علَّلَه، فهو معلل مثل قوّمه فهو مقوّم، والصواب: كما سبق \"الُمعَلّ\".\nفنقول: المعلُّ هو الحديث الذي يكون ظاهره الصحة، ولكنه بعد البحث عنه يتبين أن فيه علة قادحة، لكنها خفية.\nمثال ذلك: أن يُروى الحديث على أنه مرفوع إلى النبي ﷺ باتصال السند، ويكون هذا هو المعروف المتداول عند المحدثين، ثم يأتي أحدُ الحفاظ ويقول هذا الحديث فيه علة قادحة وهي أن الحفاظ رووه منقطعًا، فتكون فيه علة ضعف، وهي الانقطاع، بينما المعروف بين الناس أن الحديث متصلٌ.\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ - في شرح النخبة: وهذا القسم","vol":"1","page":102},{"text":"من أغمض أنواع الحديث، لأنه لا يطَّلع عليه إلا أهل العلم النقاد الذين يبحثون الأحاديث بأسانيدها ومتونها.\nوابن حجر يقول دائمًا في بلوغ المرام: أُعلَّ بالإرسال، أو أُعلَّ بالوقف، وهكذا.\nفإذا قال ذلك فارجع إلى السند وانظر فيه من رواه؟\nولهذا اشترطوا في الصحيح أن يكون سالمًا من الشذوذ والعلة القادحة، والمعلُّ من أقسام علم المصطلح وهو مهمٌّ جدًا لطالب علم الحديث حيث إن معرفته تفيده فائدة كبيرة؛ لأنه قد يقرأ حديثًا ظاهره الصحة، وهو غير صحيح.","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المضطرب وبيانه</span>\n...\nقال المؤلف ﵀:\n٢٥ - وذُو اخْتلافِ سَنَدٍ أو مَتْنٍ ... مُضطَرِبٌ عِنْدَ أُهَيْلِ الفَنِّ\nوهذا هو الخامس والعشرون من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو المضطرب.\nوالاضطراب معناه في اللغة: الاختلاف.\nوالمضطرب في الاصطلاح: هو الذي اختلف الرواة في سنده، أو متنه، على وجه لا يمكن فيه الجمع ولا الترجيح.\nفالاختلاف في السند مثل: أن يرويه بعضهم متصلًا، وبعضهم يرويه منقطعًا.\nوالاختلاف في المتن مثل: أن يرويه بعضهم على أنه مرفوع، وبعضهم على أنه موقوف، أو يرويه على وجه يخالف الاخر بدون ترجيح، ولا جمع.\nفإن أمكن الجمع فلا اضطراب.\nوإن أمكن الترجيح أخذنا بالراجح ولا اضطراب.\nوإذا كان الاختلاف لا يعود لأصل المعنى فلا اضطراب أيضًا.\nمثال الذي يمكن فيه الجمع: حديث حج النبي ﷺ، فإن حج النبي ﷺ، اختلف فيه الرواة على وجوه متعددة.\nفمنهم من قال: إنه حجَّ قارنًا.\nومنهم من قال: إنه حجَّ مفردًا.\nومنهم من قال: إنه حجَّ متمتعًا.\nففي حديث عائشة - ﵂ - قالت: خرجنا مع النبي ﷺ عام حجة الوداع فمنا من أهلَّ بحج، ومنَّا من أهل بعمرة، ومنَّا من أهلَّ بحج وعمرة، وأهلَّ رسول الله ﷺ","vol":"1","page":104},{"text":"بالحج١.\nوفي حديث ابن عمر وغيره - ﵃ - أنه حجَّ متمتعًا٢، وفي بعض الأحاديث أنه حج قارنًا٣.\nفهذا الاختلاف إذا نظرنا إليه قلنا في بادىء الأمر: إن الحديث مضطرب، وإذا حكمنا بالاضطراب، بقيت حجة النبي ﷺ مشكلة، فلا ندري هل حج مفردًا، أم متمتعًا، أم قارنًا؟\nوعند التأمل: نرى أن الجمع ممكن يندفع به الاضطراب.\nوللجمع بين هذه الروايات وجهان:\n١ - الوجه الأول: أن من روى أنه أهلَّ بالحج مفردًا، أراد إفراد الأعمال، يعني أنه لم يزد على عمل المفرد.\n* وعمل المفرد هو: أنه إذا وصل إلى مكة طاف طواف القدوم، ثم سعى للحج، وإذا كان يوم العيد طاف طواف الإفاضة فقط ولم يسع، وإذا أراد أن يخرج طاف طواف الوداع وخرج.\n* ومن روى أنه متمتع: أراد أنه جمع بين العمرة والحج في سفر واحد، فتمتع بسقوط أحد السفرين.\n* ومن روى أنه قرن بين الحج والعمرة فهذا هو الواقع.\nقال الإمام أحمد: لا أشك أن النبي ﷺ كان قارنًا، والمتعة أحب\n_________\n١ رواه البخاري كتاب الحج باب التمتع والقران والإفراد ١٥٦٢ ومسلم كتاب الحج باب وجوه الحج ١١٨ – ١٢١١.\n٢ البخاري كتاب الحج باب من ساق البدن معه ١٦٩١ ومسلم كتاب الحج باب وجوب الدم على المتمتع ١٧٤ – ١٢٢٧.\n٣ أخرجه البخاري كتاب الحج باب قول النبي ﷺ: \"العقيق واد مبارك\" ١٥٣٤ ومسلم كتاب الحج باب إهلال النبي ﷺ وهديه ٢١٤ – ١٢٥١.","vol":"1","page":105},{"text":"إلّي.\n٢ - الوجه الثاني: أنه أحرم أولًا بالحج ثم أدخل العمرة عليه، فصار مفردًا باعتبار أول إحرامه، وقارنًا باعتبار ثاني الحال، ولكن هذا لا يصح على أصول مذهب الإمام أحمد، لأن من أصوله أنه لا يصح إدخال العمرة على الحج، وإنما الذي يصح هو العكس.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية مقررًا الوجه الأول: من روى أنه مفرد، فقد أراد أعمال الحج.\nومن قال إنه متمتع: فقد أراد أنه أتى بعمرة وحج في سفر واحد، فتمتع بسقوط أحد السفرين عنه، لأنه لولا أنه أتى بالعمرة والحج، لكان قد أتى بعمرة في سفر، وبالحج في سفر آخر، فيكون تمتعه بكونه أسقط أحد السفرين، لأنه سافر سفرًا واحدًا، وقرن بين العمرة والحج فتمتع بذلك.\nوأما من قال: إنه كان قارنًا فهذا هو الواقع، أي أنه كان قارنًا، لأننا لا نشك أن الرسول ﷺ لم يحل من العمرة، بل بقي على إحرامه لكونه قد ساق الهدي. اه-.\nثم نرجع إلى الحج فنقول: الآنساك ثلاثة:\n١ - الإفراد.\n٢ - التمتع.\n٣ - القِران.\n١ - فالإفراد هو: أن يحرم الإنسان بالحج وحده من الميقات، ويقول: لبيك اللهم حجًّا، ثم إذا وصل إلى مكة فإنه يطوف طواف القدوم، ويسعى للحج، ويبقى على إحرامه إلى أن يتم الحج، وفي يوم العيد يطوف طواف الإفاضة، وعند السفر يطوف طواف الوداع.","vol":"1","page":106},{"text":"٢ - والقران هو: أن يحرم بالعمرة والحج معًا من الميقات، ويقول: لبيك اللهم عمرة وحجًّا، فإذا وصل إلى مكة طاف طواف القدوم وسعى للعمرة والحج، ثم يبقى على إحرامه، ويوم العيد يطوف طواف الإفاضة، وعند السفر يطوف طواف الوداع. ففعله كفعل المفرد لكن تختلف النية.\n٣ - أما التمتع فهو أن يحرم من الميقات بالعمرة، ثم إذا وصل إلى مكة، يطوف ويسعى ويقصِّر، لأنها عمرة، ثم يحل من إحرامه ويلبس ثيابه ويتحلَّل تحللًا كاملًا، ثم في اليوم الثامن من شهر ذي الحجة يحرم بالحج، وفي يوم العيد يطوف طواف الإفاضة ويسعى للحج، وعند السفر يطوف للوداع.\n* وإذا لم يمكن الجمع بين الروايات، عملنا بالترجيح فنأخذ بالراجح، ويندفع الاضطراب.\nمثاله: حديث بريرة - ﵂ - حين أعتقتها عائشة ﵂، ثم خيرها رسول الله ﷺ على أن تبقى مع زوجها، أو أن تفسخ نكاحها منه١.\nففي بعض روايات الحديث أن زوجها - وهو مغيث - كان حرًّا.\nوفي بعض الروايات أنه كان عبدًا.\nإذًا في الحديث اختلاف والحديث واحد، والجمع غير ممكن فنعمل بالترجيح.\nوالراجح: أنه كان عبدًا، فإذا كان هو الراجح، إذًا نلغي المرجوح، ونأخذ بالراجح، ويكون الراجح هذا سالمًا من الاضطراب،\n_________\n١ رواه البخاري كتاب العتق باب بيع الولاء ومسلم كتاب العتق باب النهي عن بيع الولاء.","vol":"1","page":107},{"text":"لأنه راجح.\n* وإذا لم يكن الاختلاف في أصل المعنى، فلا اضطراب، بأن يكون أمرًا جانبيًّا.\nمثل: اختلاف الرواة في ثمن جمل جابر - ﵁١ واختلاف الرواة في حديث فضالة بن عبيد في ثمن القلادة التي فيها ذهب وخرز، هل اشتراها باثني عشر دينارًا، أو بأكثر من ذلك أو بأقل٢.\nفنقول: هذا الاختلاف لا يضر، لأنه لا يعود إلى أصل المعنى، وهو بيع الذهب بالذهب، لأنهم كلهم متفقون على أنها قلادة فيها ذهب وخرز، وكانت قد بيعت بدنانير، ولكن كم عدد هذه الدنانير؟\nقد اختلف فيها الرواة، ولكن هذا الاختلاف لا يضر.\nوكذلك حديث جابر - ﵁ - فقد اتفق الرواة على أن الرسول ﷺ اشتراه، وأن جابرًا اشترط أن يركبه إلى الميدنة، ولكن اختلفوا في مقدار الثمن، فنقول: إن هذا الاختلاف لا يضر، لأنه لا يعود إلى أصل المعنى الذي سيق من أجله الحديث.\nوحكم الحديث المضطرب هو: الضعف، لأن اضطراب الرواة فيه على هذا الوجه يدل على أنهم لم يضبطوه، ومعلوم أن الحديث إذا لم يكن مضبوطًا، فهو من قسم الضعيف.\nوقوله \"مضطربٌ عند أُهيل الفن\".\nقد يقول قائل: لماذا صغر كلمة \"أهل\" وهل ينبغي أن يصغر أهل العلم؟\n_________\n١ تقدم تخريجه ص ٣٣.\n٢ تقدم تخريجه ص ٣٢.","vol":"1","page":108},{"text":"فنقول: إن المؤلف اضطرَّه النظم إلى التصغير، ولهذا يُعتبر التصغير من تمام البيت فقط، وإلا كان عليه أن يقول: عند أهل الفن.\nفإذا قال قائل: الفنُّ عندنا غير محمودٍ عُرفًا؟\nفنقول: إن المراد بالفن عند العلماء، هو الصنف.\nقال الشاعر:\nتمنيتَ أن تمسي فقيهًا مناظرًا ... بغير عناء والجنون فنون\nيعني أن الذي يتمنى أن يُمسي فقيهًا مناظرًا بغير تعب فإنه مجنون، والجنون أصناف من جملتها أن يقول القائل: أريد أن أكون فقيهًا مناظرًا، وأنا نائم على الفراش.","vol":"1","page":109},{"text":"قال المؤلف ﵀:\n٢٦ - و<span data-type=\"title\" id=toc-31>الُمدْرَجَاتُ في الحديثِ </span>ما أتَتْ ... مِن بعضِ ألفاظِ الرُّوَاةِ اتّصلَتْ\nهذا هو السادس والعشرون من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو المدرج.\nوالحديث المدرج هو: ما أدخله أحد الرواة في الحديث بدون بيان، ولهذا سُمي مدرجًا، لأنه أُدرج في الحديث دون أن يبين الحديث من هذا المدرج، فالمدرج إذًا ليس من كلام النبي ﷺ، ولكنه من كلام الرواة، ويأتي به الراوي أحيانًا، إما تفسيرًا لكلمة في الحديث، أو لغير ذلك من الأسباب.\nويكون الإدراج أحيانًا:\n* في أول الحديث.\n* وأحيانًا يكون في وسطه.\n* وأحيانًا يكون في آخره.\nمثاله في أول الحديث: حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: \"أسبغوا الوضوء، ويلٌ للأعقاب من النار\" فالمرفوع هو قوله: \"ويل للأعقاب من النار\" ١ وأما قوله \"أسبغوا الوضوء\" فهو من كلام أبي هريرة - ﵁ - والذي يقرأ الحديث يظن أن الكل، هو من كلام النبي ﷺ لأنه لم يُبين ذلك.\nومثال الإدراج في وسط الحديث: حديث الزهري عن عائشة - ﵂ - في كيفية نزول الوحي - يعني أوّل ما أُوحي إلى النبي\n_________\n١ رواه البخاري كتاب الوضوء باب غسل الأعقاب ١٦٥. ومسلم كتاب الطهارة باب وجوب غسل الرجلين ٣٠ – ٢٤٠.","vol":"1","page":110},{"text":"ﷺ - فقالت: \"كان النبي ﷺ يتحنَّثُ في غار حراء الليالي ذوات العدد، والتحنُّث التعبد ... \" الحديث١.\nوالذي يسمع هذا الحديث يظن أن التفسير من عائشة - ﵂ - في قولها \"والتحنث التعبد\" والواقع أن التفسير من الزهري - ﵀ - وهو الآن مدرج في الحديث بدون بيان منه أنه مدرج، وهذا الإدراج يُراد به التفسير، والتفسير هنا لابد منه؛ لأن الحنث في الأصل هو الإثم، كما قال تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ . [الواقعة: ٤٦] . وإذا لم يُبين معنى التحنث لاشتبه بالإثم، ولكن النبي ﷺ كان يتعبد، والتعبُّد مزيلٌ للحنث الذي هو الإثم، فهو من باب تسمية الشيء بضده.\nمثال الإدراج في آخر الحديث: حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي ﷺ قال: \"إن أمتي يُدعون يوم القيامة غُرًّا محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يُطيل غرته وتحجيله فليفعل\" ٢، فهذا الحديث إذا قرأته فإنك تظن أنه من قول الرسول ﷺ، ولكن الواقع أن الجملة الأخير ليست من كلام النبي ﷺ وهو قوله: \"فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل\" بل هي مدرجة من كلام أبي هريرة - ﵁ - والذي من كلامه ﷺ: \"إن أمتي يُدعون يوم القيامة غُرًّا محجلين من أثر الوضوء\".\nأما الجملة الأخيرة فقد أدرجها أبو هريرة - ﵁ - تفقهًا\n_________\n١ رواه البخاري كتاببدء الوحي باب كيف كان بدء الوحي ٣ ومسلم كتاب الإيمان باب بدء الوحي ٢٥٢، ١٦٠.\n٢ رواه البخاري كتاب الوضوء باب فضل الوضوء والغر المحجلون من آثار الوضوء ١٣٦ باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء ٣٥ – ٢٤٦.","vol":"1","page":111},{"text":"منه في الحديث، ولهذا قال ابن القيم - ﵀ - في النونية:\nوأبو هريرة قال ذا من كيسه ... فغدا يميزه أولو العرفان\n* ويعرف الإدراج بأمور:\n١ - بالنص، حيث يأتي من طريق آخر ويُبين أنه مدرج.\n٢ باستحالة أن يكون النبي ﷺ قد قاله، وذلك لظهور خطأ فيه، أو قرينة تدل على أنه لا يمكن أن يكون من كلام النبي ﷺ.\n٣ - بنص من أحد الحفَّاظ الأئمة يبين فيه أن هذا مدرج.\n* ما هو حكم الإدراج؟\nنقول: إن كان يتغير المعنى بالإدراج فإنه لا يجوز إلا ببيانه.\nوإن كان لا يتغير به المعنى مثل: حديث الزهري \"والتحنُّث التعبُّد\" فإنه لا بأس به، وذلك لأنه لا يعارض الحديث المرفوع، وإذا كان لا يعارضه فلا مانع من أن يُذكر على سبيل التفسير والإيضاح.\nوإذا تبين الإدراج فإنه لا يكون حجة، لأنه ليس من قول النبي ﷺ فلا يحتج به.\nوقوله \"من بعض ألفاظ الرواة اتصلت\" فكلمة \"اتصلت\" جملة حالية من فاعل أتت، يعني ما أتت متصلة في الحديث بدون بيان.","vol":"1","page":112},{"text":"وقال رحمه الله تعالى:\n٢٧ - ومَا رَوَى كُلُّ قَرينٍ عَنْ أخِهْ ... مُدَبَّجٌ فاعرِفهُ حقًّا وانتَخِهْ\nهذا هو القسم السابع والعشرون من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو<span data-type=\"title\" id=toc-32> المدبج</span>.\nوعرفه بقوله: وما روى ... الخ.\nوالقرين هو: المصاحب لمن روى عنه، الموافِق له في السنن، أو في الأخذ عن الشيخ.\nفإذا قيل: فلان قرينٌ لفلان، أي مشاركٌ له، إما في السن، أو في الأخذ عن الشيخ الذي رويا عنه، مثل: أن يكون حضورهما للشيخ متقاربًا مثلًا في سنةٍ واحدة، وما أشبه ذلك.\nفالأقران إذا روى أحدهم عن الآخر، فإن ذلك يسمى عند المحدثين رواية الأقران، ولهذا تجد في كتب الرجال أنهم يقولون: وروايته عن فلان من رواية الأقران، أي أنه اشترك معه في السنّ، أو في الأخذ عن الشيخ، فإن روى كل منهما عن الآخر فهو \"مُدبَّج\".\nفمثلًا: أنا رويتُ عن قريني حديث \"إنما الأعمال بالنيات\" وهو روى عني حديث \"لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ\" فهذا يكون مُدَبَّجًا، أو يروي عني نفس الحديث الذي رويته أنا، وأكون أنا قد رويته عنه من طريق، وهو رواه عني من طرق آخر، فهذا يسمى أيضًا مُدَبَّجًا.\n* وما وجه كونه مُدَبَّجًا؟\nقالوا: إنه مأخوذ من ديباجة الوجه، أي جانب الوجه، لأن كل قرين يلتفت إلى صاحبه ليحدثه فيلتفت إليه صاحبه ليحدثه، فيكون قد","vol":"1","page":113},{"text":"قابله بديباجة وجهه، وبالطبع فإن هذا الاشتقاق اصطلاحي، وإلا لقلنا إن كل حديث بين اثنين يتجه فيه أحدهما إلى الآخر فإنه يسمى مدبَّجًا، لكن علماء المصطلح خصوه، ولا مشاحة في الاصطلاح.\n* ورواية المدبج هو: أن يروي كل قرين عن قرينه، إما حديثًا واحدًا، أو أكثر من حديث.\n* والفرق بينهما أن المدبَّج يُحدِّث كل منهما عن الآخر.\nأما الأقران فأحدهما يحدث عن الآخر فقط بدون أن يحدث عنه صاحبه.","vol":"1","page":114},{"text":"قال المؤلف ﵀:\n٢٨ - مُتفقٌ لَفْظًا وخَطًّا مُتَّفِقْ ... وضِدُّهُ فيما ذَكَرْنَا الُمفْتَرقْ\nهذان هما القسم الثامن والعشرون من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو:<span data-type=\"title\" id=toc-33> المتفق والمفترق</span>.\nوهما في الحقيقة قسم واحد، خلافًا لما يظهر من كلام المؤلف - ﵀ - حيث جعلهما قسمين وهذا القسم يتعلق بالرواة، وهو ما إذا وجدنا اسمين متفقين لفظًا وخطًّا، لكنهما مفترقان ذاتًا أي أن الاسم واحد والمسمى اثنان فأكثر.\nوهذا العلم نحتاج إليه لئلا يقع الاشتباه، فمثلًا: كلمة عباس اسم لرجل مقبول الرواية، وهو اسم لرجل آخر غير مقبول الرواية، فهذا يسمى المتفق والمفترق.\nفإذا رأينا مثلًا أن الحافظ يقول: حدثني عباس وهو أحد شيوخه، وهو ثقة، ثم يقول مرة أخرى حدثني عباس وهو أيضًا من شيوخه ولكنه ليس بثقة، ثم يأتي هذا الحديث ولا ندري أي العباسين هو، فيبقى الحديث عندنا مشكوكًا في صحته، ويسمَّى عند أهل الفن بالمتفق والمفترق.\n* ووجه التسمية ظاهر: وهو الاتفاق بحسب اللفظ والخط، والافتراق بحسب المسمى.\n* والعلم بهذا أمر ضروري، لأنهما إذا اختلفا في التوثيق صار الحديث محل توقف، حتى يتبين من هذا، فإن كان كل منهما ثقة، وقد لاقى كل منهما المحدِّث فإنه لا يضر لأن الحديث سيبقى صحيحًا.\nفالمتفق والمفترق يتعلق بالرواة لا بالمتون، وإذا كان يتعلق بالرواة فإنه يُنظر إذا كان هذا المتفق والمفترق كل منهما ثقة، فإنه لا يضر، وإذا كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفًا فإنه حينئذ محل توقف، ولا يحكم بصحة الحديث، ولا ضعفه حتى يتبين الافتراق والاتفاق.","vol":"1","page":115},{"text":"قال المؤلف ﵀:\n٢٩ - مُؤتَلفٌ مُتَّفقُ الخطِ فَقَطْ ... وضِدُّهُ مختَلِفٌ فاخْشَ الغَلِطْ\nهذا هو القسم التاسع والعشرون من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو<span data-type=\"title\" id=toc-34> المؤتلف والمختلف</span>.\nوالمؤتلف والمختلف هو: الذي اتفق خطًّا ولكنه اختلف لفظًا، مثل: عباس وعياش، وخياط وحباط، وما أشبه ذلك.\nيعني أن اللفظ في تركيب الكلمة واحد، لكن تختلف في النطق، فهذا يسمى مؤتلفًا مختلفًا.\n* وسُمي مؤتلفًا لإتلافه خطًّا، وسُمي مختلفًا لاختلافه نطقًا، وهو أيضًا في نفس الوقت مفترق لاختلافه عينًا وذاتًا.\nفالأشخاص متعددون في المتفق والمفترق، والمؤتلف والمختلف، ولكن الكلام على الأسماء إن كانت مختلفة فسمِّه مؤتلفًا مختلفًا، وإن كانت متفقة فسمِّه متفقًا مفترقًا، وهذا اصطلاح، واصطلاح المحدثين أمرٌ لا يُنازَعون عليه، لأنه يقال: لا مشاحة في الاصطلاح.\n* إذا ما هي الفائدة من معرفة هذا القسم من أقسام الحديث؟\nنقول: الفائدة لئلا يشتبه الأشخاص، فمثلًا: إذا كان عندنا عشرة رجال كلهم يُسمَّون ب-\"عباس\" فلابد أن نعرف من هو عباس، لأنه قد يكون أحدهم ضعيفًا:\nإما لسوء حفظه.\nوإما لنقص في عدالته، وإما لغير ذلك.\nفلابد أن نعرف من عباس هذا، لأجل أن نعرف هل هو مقبول الرواية، أو غير مقبول الرواية، وهذا الباب قد ألَّف فيه كثير من","vol":"1","page":116},{"text":"العلماء وتكلموا فيه، وعلى رأسهم الحافظ ابن حجر - ﵀ -.\nفإذا قال قائل: بأي طريق نميز هذا من هذا؟\nفنقول: أما المؤتلف والمختلف فتمييزه يسير؛ لأنه مختلف في النطق، ولا يكون فيه اشتباه في الواقع، إلا إذا سلكنا طريق المتقدمين في عدم الإعجام.\n* والإعجام هو: عدم تنقيط الحروف.\nفمثلًا: عند المتقدمين كانت كلمة \"عباس - وعيَّاش\" واحدة لأنها كانت لا تُشكل ولا تُنقط، أما عند المتأخرين فإن الباب يقلُّ فيه الاشتباه، لأنهم يُعجمون الكلمات.\nأما المتفق والمفترق فهو صعب، حتى في زمن المتأخرين، لأن تعيين المراد تحتاج إلى بحث دقيق في معرفة الشخص بعينه، ووصفه تمامًا.\n* فصار إذًا فائدة معرفة هذا الباب هو: تعيين الراوي، للحكم عليه بقبول روايته أو بردّها، والمرجع في ذلك الكتب المؤلفة في هذا الباب، ومما يُعين على تعيين الرجل معرفة شيوخه الذين يروي عنهم، وكذلك معرفة طلابه، الذين يروون عنه.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>المنكر وبيانه</span>\n...\nثم قال المؤلف ﵀:\n٣٠ - والُمنكَرُ الفَرْدُ بهِ رَاوٍ غَدَا ... تَعدِيلُه لا يْحمِلُ التَّفَرُّدَا\nهذا هو القسم الثلاثون من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو المنكر.\n* وقد اختلف المحدثون في تعريف المنكر: فقيل: إن المنكر هو ما رواه الضعيف مخالفًا للثقة.\nمثل: أن يروي الحديث ثقةٌ على وجه، ويرويه رجل ضعيف على وجه آخر، حتى وإن كانا الراويان تلميذين لشيخ واحد.\nوقال بعضهم في تعريف المنكر: هو ما انفرد به واحد، لا يحتمل قبوله إذا تفرَّد. وهذا ما ذهب إليه الناظم.\nوعلى هذا التعريف يكون المنكر هو الغريب، الذي لا يحتمل تفرد من انفرد به، وهو مردود حتى لو فُرض أن له شواهد من جنسه، فإنه لا يرتقي إلى درجة الحسن، وذلك لأن الضعف فيه متناهي، والتعريف الأول هو الذي مشى عليه الحافظ ابن حجر ﵀ في كتابه نخبة الفِكر.","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>المتروك وبيانه</span>\n...\nقال المؤلفُ ﵀:\n٣١ - مَتُروكُهُ ما وَاحِدٌ بهِ انْفَرَدْ ... وأجَمعُوا لضَعْفِهِ فهْوَ كَرَدّ\nهذا هو القسم الحادي والثلاثون من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو المتروك، وقد عرفه الناظم بقوله:\n\"ما واحدٌ به انفرد\" يعني أن المتروك هو ما انفرد به واحد، أجمعوا على ضعفه.\nوالضمير في \"أجمعوا\" يعود على المحدثين.\nقوله \"فهو كردّ\" أي هو مردود، والكاف زائدة من حيث المعنى.\nفالمتروك كما عرفه المؤلف، هو: الذي رواه ضعيفٌ أجمع العلماء على ضعفه.\nفخرج به: ما رواه غير الضعيف فليس بمتروك، وما رواه الضعيف الذي اختلفوا في تضعيفه.\nهذا هو ما ذهب إليه المؤلف.\nوقال بعض العلماء ومنهم ابن حجر في النخبة: إن المتروك هو ما رواه راوٍ متهمٌ بالكذب.\nفمثلًا: إذا وجدنا في التهذيب لابن حجر، عن شخصٍ من الرواة، قال فيه: أجمعوا على ضعفه، فإننا نسمي حديثه متروكًا إذا انفرد به، لأنهم أجمعوا على ضعفه.\nوإذا وجدنا فيه قوله: وقد اتهم بالكذب فنسميه متروكًا أيضًا، لأن المتهم بالكذب حديثه كالموضوع، ولا نجزم بأنه موضوع، ولكن كونه متهمًا بالكذب، ينزل حديثه إلى درجة تقرُب من الوضع.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>الموضوع وبيانه</span>\n...\nثم قال رحمه الله تعالى:\n٣٢ - والكذبُ الُمخْتَلَقُ المصنُوعُ ... على النبيِّ فذلكَ الموضوعُ\nهذا هو القسم الثاني والثلاثون من أقسام الحديث المذكورة في هذا النظم وهو الموضوع.\nوقد عرفه المؤلف بقوله: والكذب المختلق ... الخ.\nيعني هو: الذي اصطنعه بعض الناس، ونسبه إلى النبي ﷺ، فإننا نسميه موضوعًا في الاصطلاح.\n* وكلمة موضوع هل تعني أن العلماء وضعوه ولم يلقوا له بالًا، أم أن راويه وضعه على النبي ﷺ؟\nنقول: هو في الحقيقة يشملهما جميعًا، فالعلماء وضعوه ولم يلقوا له أي بالٍ، وهو موضوع أي وضعه راويه على النبي ﷺ.\nوالأحاديث الموضوعة كثيرة ألَّف فيها العلماء تآليف منفردة، وتكلموا على بعضها على وجه الخصوص، ومما أُلف في هذا الباب كتاب \"اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة\" ومنها \"الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة\" للشوكاني، ومنها \"الموضوعات\" لابن الجوزي، إلا أن ابن الجوزي - ﵀ - يتساهل في إطلاق الوضع على الحديث، حتى إنهم ذكروا أنه ساق حديثًا رواه مسلم في صحيحه وقال إنه موضوع! ولهذا يُقال: \"لا عبرة بوضع ابن الجوزي، ولا بتصحيح الحاكم، ولا بإجماع ابن المنذر\" لأن هؤلاء يتساهلون، مع أن ابن المنذر تتبعته فوجدته أن له أشياء مما نقل فيه الإجماع ويقول: لا نعلم فيه خلافًا، وإذا قال ذلك فقد أبرأ ذمته أمام الله تعالى.\nوالأحاديث الموضوعة لها أسباب:\n* منها التعصب لمذهب أو لطائفة، أو على مذهب أو على طائفة،","vol":"1","page":120},{"text":"مثل آل البيت؛ فإن الرافضة أكذب الناس على رسول الله ﷺ، لأنهم لا يستطيعون أن يُروجوا مذهبهم إلا بالكذب، إذ أنَّ مذهبهم باطل، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام - ﵀ - عنهم.\nوهناك أحاديث كثيرة رويت في ذم بني أمية، وأكثر من وضعها الرافضة، لأن بني أمية كان بينهم، وبين علي بن أبي طالب - ﵁ - حروب وفتن.\nوالموضوع مردود، والتحدث به حرام، إلا من تحدّث به من أجل أن يبين أنه موضوع فإنه يجب عليه أن يبين ذلك لناس، ووضع الحديث على رسول الله ﷺ من كبائر الذنوب لقول النبي ﷺ: \"من كذب علّي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\" ١، وثبت عنه أنه قال: \"من حدَّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحدُ الكاذبين\" ٢.\nوإذا أردت أن تسوق حديثًا للناس، وتُبين لهم أنه موضوع ومكذوب على النبي ﷺ، فلابد أن تذكره بصيغة التمريض \"قيل ويُروى ويُذكر\" ونحو ذلك، لكي لا تنسبه إلى النبي ﷺ بصيغة الجزم، لأنه إن فعلت ذلك أوقعت السامع في الإيهام.\n* ومن الأمور المهمة التي ينبغي أن ننبه عليها: ما يفعله الزمخشري في تفسيره من تصديره السورة التي يفسرها، أو ختمها بأحاديث ضعيفة جدًا أو موضوعة، في فضل تلك السورة، ولكن الله يسر للحافظ ابن حجر ﵀ فخرَّج أحاديث تفسير \"الكشَّاف\" للزمخشري وبين الصحيح من الضعيف من الموضوع.\n_________\n١ تقدم تخريجه ص ٤٦.\n٢ تقدم تخريجه ص ٤٦.","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>عدد أبيات المنظومة وخاتمتها</span>\n...\nثم قال ﵀:\n٣٣ - وقَدْ أتَتْ كالَجوهَر الَمكْنُونِ ... سَمَّيتُها منظُومة البَيقُونِي\nقوله: \"أتت\" الضميُر يعود على هذه المنظومة.\nوقوله \"كالجوهر المكنون\" أي مثل الجوهر، فالكاف للتشبيه.\nو\"أتت\" فعل ماضي، وفاعله مستتر، و\"كالجوهر\" منصوبة على الحال، أي: أتت مثل الجوهر.\nوقوله \"المكنون\" أي المحفوظ عن الشمس، وعن الرياح، والغبار فيكون دائمًا نضرًا مشرقًا.\nوقوله \"منظومة البيقوني\" نسبها إليه، لأنه هو الذي نظمها.\nثم قال رحمه الله تعالى:\n٣٤ - فوقَ الثلاثيَن بأربعٍ أتَتْ ... أبياتُها ثمَّ بخيٍر خُتِمتْ\nقوله \"فوق الثلاثين بأربعٍ أتت\" أي أنها أتت أربعة وثلاثين بيتًا.\nوقوله \"أبياتها ثم بخير خُتمت\" يعني أن أبيات هذه المنظومة جاءت فوق الثلاثين بأربع ثم خُتمت بخير.\nوإلى هنا ينتهي - بفضل الله تعالى - هذا الشرح،\nنسأل الله تعالى أن يتقبل منا صالح الأعمال،\nوأن يغفر الزلل والخطأ إنه سميع مجيب.\nوالله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك\nعلى نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله\nوعلى آله وأصحابه وأتباعه\nبإحسان إلى يوم الدين.","vol":"1","page":122}]}