{"ً":{"ٌ":11262,"ٍ":"شرح شروط الصلاة وأركانها وواجباتها لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"فقه حنبلي/شرح شروط الصلاة - البدر","files":["101125.pdf"]},"ّ":"الكتاب: شرح شروط الصلاة وأركانها وواجباتها لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب\nالمؤلف: عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد البدر\nالناشر: بدون ناشر (فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية - الرياض)\nالطبعة: الطبعة الأولى ١٤٢٥هـ\nعدد الصفحات: ٩٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":185,"ٕ":17,"ٖ":1770154092,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"شروط الصلاة","level":1,"page":2},{"title":"شروط الوضوء","level":1,"page":7},{"title":"فروض الوضوء","level":1,"page":11},{"title":"حكم التسمية في الوضوء","level":1,"page":20},{"title":"نواقض الوضوء","level":1,"page":22},{"title":"عوده إلى بقية شروط الصلاة","level":1,"page":31},{"title":"أركان الصلاة","level":1,"page":45},{"title":"واجبات الصلاة","level":1,"page":92},{"title":"المحتويات","level":1,"page":97}],"ٛ":{"1,3":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":21,"1,22":23,"1,23":24,"1,24":25,"1,25":26,"1,26":27,"1,27":28,"1,28":29,"1,29":30,"1,30":32,"1,31":33,"1,32":34,"1,33":35,"1,34":36,"1,35":37,"1,36":38,"1,37":39,"1,38":40,"1,39":41,"1,40":42,"1,41":43,"1,42":44,"1,43":45,"1,44":46,"1,45":47,"1,46":48,"1,47":49,"1,48":50,"1,49":51,"1,50":52,"1,51":53,"1,52":54,"1,53":55,"1,54":56,"1,55":57,"1,56":58,"1,57":59,"1,58":60,"1,59":61,"1,60":62,"1,61":63,"1,62":64,"1,63":65,"1,64":66,"1,65":67,"1,66":68,"1,67":69,"1,68":70,"1,69":71,"1,70":72,"1,71":73,"1,72":74,"1,73":75,"1,74":76,"1,75":77,"1,76":78,"1,77":79,"1,78":80,"1,79":81,"1,80":82,"1,81":83,"1,82":84,"1,83":85,"1,84":86,"1,85":87,"1,86":88,"1,87":89,"1,88":90,"1,89":91,"1,90":92,"1,91":93,"1,92":94,"1,93":95,"1,94":96,"1,95":97},"ٜ":{"1":[3,95]},"ٝ":["1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,20","1,21","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"7":[3],"11":[4],"20":[5],"22":[6],"31":[7],"45":[8],"92":[9],"97":[10]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\n...\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.\nأما بعد، فهذا شرح لرسالة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ المشتملة على شروط الصلاة وأركانها وواجباتها؛ فأقول: قد اشتملت هذه الرسالة على شروط الصلاة التسعة وأركانها الأربعة عشر وواجباتها الثمانية، وعند ذكره ﵀ الشرط الرابع من شروط الصلاة وهو رفع الحدث ذكر شروط الطهارة العشرة وفروض الوضوء الستة، وواجبه الذي هو التسمية مع الذكر ونواقضه الثمانية، وفي كلامه على أركان الصلاة فسر سورة الفاتحة باختصار وشرح ألفاظ الاستفتاح والتشهد.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>شروط الصلاة</span>\nالشروط جمع شرط، والشرط هو الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود، والمعنى أنه يلزم من كون الإنسان غير متطهر ألا تصح له صلاة، لأن شرط الصلاة الطهارة، لقوله ﷺ: \"لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ\". رواه البخاري (٦٩٥٤) ومسلم (٥٣٧) عن أبي هريرة.\nوقد يتوضأ الإنسان ثم يحدث دون أن يصلي صلاة بذلك الوضوء، فلا يلزم من وجود الطهارة وجود الصلاة.\nقوله: \" الشرط الأول: الإسلام، وضده الكفر، والكافر عمله مردود ولو عمل أي عمل، والدليل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة:١٧]، وقوله: ﴿وَقَدِمْنَا","vol":"1","page":4},{"text":"إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]\nكل عمل يتقرب به إلى الله في هذه الأمة لا ينفع صاحبه إلاّ إذا كان مسبوقًا بشهادة ألا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله، ومبنيًا عليهما، فلابد من إخلاص العمل لله وهو مقتضى شهادة ألا إله إلا الله، ولابد من متابعة رسول الله ﷺ وهو مقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ، وكل عمل يعمله الكافر فإنه لا ينفعه عند الله ﷿، لفقده شرط الإسلام، وقد استدل الشيخ ﵀ لرد أعمال الكفار وعدم قبولها منهم بالآيتين من سورة التوبة وسورة الفرقان، لأن آية التوبة ختمت ببيان حبوط أعمال الكفار، وآية الفرقان بيّنت أن أعمالهم لا عبرة بها، وأنها مثل الهباء المنثور أي بطلت واضمحلت.\nقوله: [الثاني: العقل، وضده الجنون، والمجنون مرفوع","vol":"1","page":5},{"text":"عنه القلم حتى يفيق، والدليل حديث: \"رفع القلم عن ثلاثة، النائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق، والصغير حتى يبلغ\"] .\nلابد للمصلي في صلاته أن يكون حاضر العقل ليس فاقدًا له بجنون أو سكر، لأن المجنون مرفوع عنه القلم غير مكلف، والسكران أفقد نفسه عقله فألحقها بالمجانين، فلا يعقل صلاته، وقد استدل الشيخ ﵀ بحديث \"رفع القلم عن ثلاثة\" وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود (٤٣٩٨) والنسائي (٣٤٣٢) وابن ماجه (٢٠٤١) من حديث عائشة ﵂، وانظر إرواء الغليل للألباني (٢٩٧) .\nقوله: [الثالث: التمييز، وضده الصغر، وحدّه سبع سنين، ثم يؤمر بالصلاة لقوله ﷺ: \"مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع\"] .","vol":"1","page":6},{"text":"إذا بلغ الصغير سن التمييز وهو سبع سنين أمر بالصلاة ليس على سبيل الإيجاب، لأن الوجوب إنما يكون بعد البلوغ، وأمره بالصلاة في هذه السن ليتعود على الصلاة والاتيان بها على الوجه المشروع، وإذا بلغ عشر سنين تأكّد أمره بها وأدّب على ذلك بالضرب غير المبرح لقوله ﷺ: \"مروا أبناءكم بالصلاة لسبع\"، وهو حديث صحيح أخرجه أحمد (٦٧٥٦) (٦٦٨٩) وأبو داود (٤٩٥) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، وأخرجه أبو داود (٤٩٤) من حديث سبرة بن معبد الجهني ﵁ وانظر إرواء الغليل (٢٤٧) .\nقوله: [الشرط الرابع: رفع الحدث، وهو الوضوء المعروف، وموجبه الحدث] .\nالحدث: هو كل خارج من السبيلين وكذا أي ناقض للوضوء، والحدث هو الذي يوجب الوضوء،","vol":"1","page":7},{"text":"والحدث حدثان: حدث أكبر وهو ما يوجب الغسل وهو الجنابة والحيض والنفاس، وحدث أصغر وهو ما يوجب الوضوء، ورفع الحدث يكون بالغُسل والوضوء لمن وجد الماء أو قدر على استعماله، فإذا لم يوجد الماء أو وجد ولكن لم يُقدر على استعماله انتُقل إلى رفع كل من الحدث الأكبر والأصغر بالتيمم، وإذا تيمم للحدث الأكبر ثم وجد الماء اغتسل لقوله ﷺ: \"إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير\". أخرجه الترمذي (١٢٤) وغيره عن أبي ذر ﵁، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وانظر إرواء الغليل (١٥٣)، وإذا اغتسل من عليه حدث أكبر ونوى رفع الحدث الأكبر والأصغر ارتفعا، أما إذا أفاض الماء على جسده في غسل الجمعة أو التبرد ونوى رفع الحدث الأصغر فإنه لا يرتفع، لأن هذا الاغتسال ليس فيه رفع حدث.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>شروط الوضوء</span>\nقوله: [وشروطه عشرة: الإسلام، والعقل، والتمييز، والنية، واستصحاب حكمها، بأن لا ينوي قطعها حتى تتم الطهارة، وانقطاع موجب، واستنجاء أو استجمار قبله، وطهورية ماء، وإباحته، وإزالة ما يمنع وصوله إلى البشرة، ودخول وقت على من حدثه دائم لفرضه] .\nتقدّم الكلام على شروط الإسلام والعقل والتمييز، وأما شرط النية فإنه عند وضوئه ينوي بقلبه رفع الحدث ولا يتلفظ بلسانه، وكذا في جميع العبادات ينوي بقلبه ولا يتلفظ بلسانه إلاّ في الحج والعمرة فله أن يتلفظ بما نواه فيقول: لبيك عمرة، أو لبيك حجًّا أو لبيك حجًّا وعمرة، ولو غسل وجهه عند قيامه من النوم لا يريد الوضوء ثم بدا له أن يتوضأ فإنه يلزمه أن يغسل وجهه للوضوء ولا يكتفي بغسله السابق لعدم وجود نية الوضوء عند ذلك الغسل، ولو اغتسل","vol":"1","page":9},{"text":"من عليه جنابة للتبرد ناسيًا الجنابة فإنه لا يجزئه عن غُسل الجنابة لعدم وجود النية، ومع نية الطهارة يستصحب حكمها حتى تتم الطهارة، فلو نوى قطع النية في أثناء الوضوء ثم أراد إكمال الوضوء فليس له ذلك بل يتعين عليه البدء بالوضوء من أوله، ولا يكمل ما بقي عليه لأنه قد ألغى ما حصل منه، وهذا هو الشرط الخامس، والشرط السادس انقطاع موجب، أي انقطاع موجب الوضوء وهو الحدث، وذلك بأن ينتظر عند قضاء حاجته حتى انقطاع ما يخرج من السبيلين فلا يشرع في الوضوء قبل الانقطاع.\nوالشرط السابع: الاستنجاء أو الاستجمار قبل الوضوء، وهذا إذا كان الخارج من السبيلين بولًا أو غائطًا، أما خروج الريح فإنه لا استنجاء ولا استجمار فيه، والاستجمار يغني عن الاستنجاء إذا لم يتجاوز الخارج موضع العادة، فإن تجاوزه احتيج مع ذلك إلى الاستنجاء لإزالة النجاسة.","vol":"1","page":10},{"text":"والشرط الثامن: طهورية ماء وإباحته وهما شيئان، والشيخ ﵀ جعل الشروط عشرة وذكر بعد هذا شرطين، وعلى هذا يكون اعتبر الطهورية والإباحة شرطًا واحدًا، ويشترط في ماء الوضوء أن يكون طهورًا فلا يتطهر بماء متنجس، وأن يكون الماء مباحًا ليس مغصوبًا، وهذا الأخير محل خلاف وفي اشتراطه نظر، والأظهر أن من توضأ بماء مغصوب فالوضوء صحيح، وهو آثم على الغصب، ومثله من صلى في أرض مغصوبة، أو صلى في ثوب حرير فإن صلاته صحيحة، وهو آثم في الغصب وفي لبس الحرير.\nوالشرط التاسع: إزالة ما يمنع وصوله إلى البشرة فلابد في الوضوء من وصول الماء إلى أعضاء الوضوء، ويجب إزالة مايمنع وصوله إليها كالطين والعجين والطلاء ونحو ذلك مما يغطي البشرة، أما ما يغير اللون ولا يغطي البشرة كالحناء فإن ذلك لا يؤثر.","vol":"1","page":11},{"text":"والشرط العاشر: دخول وقت على من حدثه دائم لفرضه، والمعنى أن من كان به سلس بول أو تخرج منه الريح باستمرار وكذا المرأة المستحاضة، فإن هؤلاء يتوضؤون عند دخول الوقت لكل صلاة مفروضة، فلو توضأ أحدهم لصلاة الظهر بعد دخول وقتها وصلاها ثم دخل عليه وقت العصر، فلا يصلي العصر بوضوء الظهر، بل عليه أن يتوضأ بعد دخول العصر لصلاة العصر، ويدل لذلك أمره ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش - وكانت مستحاضة - أن تتوضأ لكلِّ صلاة، أخرجه البخاري (٢٢٨) من حديث عائشة ﵂.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>فروض الوضوء</span>\nقوله: [وأما فروضه فستة: غسل الوجه - ومنه المضمضة والاستنشاق - وحدّه طولًا: من منابت شعر الرأس إلى الذقن، وعرضًا: إلى فروع الأذنين،","vol":"1","page":12},{"text":"وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح جميع الرأس - ومنه الأذنان - وغسل الرجلين إلى الكعبين والترتيب والموالاة، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (﴾ [المائدة:٦]، ودليل الترتيب حديث: \"ابدؤا بما بدأ الله به\"، ودليل الموالاة حديث صاحب اللمعة: عن النبي ﷺ أنه لما رأى رجلًا في قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره بالإعادة] .\nصفة الوضوء جاءت مبينة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ففي كتاب الله ﷿ جاءت في سورة المائدة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (﴾ [المائدة:٦]، ومعنى قوله: (إذا قمتم إلى الصلاة) أي: أردتم القيام لها وأنتم","vol":"1","page":13},{"text":"على غير طهارة، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، أي: إذا أردت القراءة، وأما سنة الرسول ﷺ فقد جاءت من قوله وفعله ﷺ ومن ذلك: عن حمران مولى عثمان بن عفان أنه رأى عثمان دعا بوَضوء فأفرغ على يديه من إنائه فغسَلَهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء، ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاثًا، ثم مسح برأسه، ثم غسل كل رجل ثلاثًا، ثم قال: رأيت النبي ﷺ يتوضأ نحو وضوئي هذا، وقال: \"من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدّم من ذنبه\". رواه البخاري (١٦٤) ومسلم (٢٢٦)، وغسل الأعضاء ثلاثًا هو الوضوء الكامل، ولا يجوز الزيادة على ذلك، وقد جاء الوضوء مرتين مرتين ومرة مرة، والوضوء الواجب مرة واحدة","vol":"1","page":14},{"text":"مستوعبة جميع أعضاء الوضوء، وفروض الوضوء ستة:\nالأول: غسل الوجه، وحدّه طولًا من منابت شعر الرأس إلى ما استرسل من اللحية، وعرضًا: ما دون الأذنين، والأذنان في الوضوء من الرأس فتمسحان، وليستا من الوجه فتغسلان، وتخليل اللحية مستحب، والواجب في غسل الوجه غسل ما به المواجهة، فلا يدخل في ذلك تخليل اللحية، ويدخل في غسل الوجه المضمضة والاستنشاق، كما جاء ذلك مبينًا في حديث عثمان ﵁ وغيره.\nالثاني: غسل اليدين إلى المرفقين: وذلك من أطراف الأصابع إلى نهاية المرفقين، والمرفقان داخلان في الغسل، ولا يكفي في غسل الكفين في الوضوء غسلهما قبل بدء الوضوء، لأن ذلك مستحب إلاّ عند القيام من النوم، فإنه واجب، وغسل اليدين يكون بعد غسل الوجه، فلا يكفي ما كان قبله.","vol":"1","page":15},{"text":"الثالث: مسح الرأس: ويكون مرّة واحدة يبدأ فيها من مقدّم رأسه إلى مؤخره ثم يعود إلى المكان الذي بدأ منه، وما استرسل من شعر المرأة فإنه لا يمسح، بل يكتفى بالمسح إلى مؤخر الرأس ويمسح مع الرأس الأذنان.\nالرابع: غسل الرجلين إلى الكعبين: والكعبان داخلان في الغسل، وفي كل رجل كعبان، وليس المراد بالكعبين العظمين الناتئين في ظهر القدم كما يزعمه بعض فرق الضلال، فيمسحون إليهما، فإن فرض الرجلين الغسل وليس المسح، وقد دلت قراءة ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ بفتح اللام، وسنة الرسول ﷺ التي بينت صفة الوضوء على ذلك، وأما قراءة الكسر في ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ فهي محمولة على الغسل الخفيف جمعًا بين القراءتين، والاعتماد عليها وترك غسل الرجلين الذي دلت عليه قراءة النصب، ودلت","vol":"1","page":16},{"text":"عليه السّنّة هو من اتباع المتشابه وترك المحكم، ويكفي في معرفة ضلال من ضل عن الحق في مسألة غسل الرجلين والاكتفاء بمسح ظهورهما، أنهم حرموا أنفسهم سيما التحجيل التي قال فيها النبي ﷺ: \"إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء\". أخرجه البخاري (١٣٦) ومسلم (٥٨٠) عن أبي هريرة، وأنهم عرّضوا أنفسهم للوعيد الذي جاء في قوله ﷺ: \"ويل للأعقاب من النار\". أخرجه البخاري (١٦٥) ومسلم (٢٤٢) عن أبي هريرة ﵁.\nالخامس: الترتيب: فيجب غسل أعضاء الوضوء على الترتيب الذي جاء في الآية، وجاء في فعله ﷺ في وضوئه فلا يجوز أن يقدم غسل اليدين على غسل الوجه، ولا مسح الرأس على غسل اليدين وهكذا، أما لو غسل اليد اليسرى قبل اليمنى أو الرجل اليسرى قبل اليمنى فإن الوضوء صحيح إجماعًا، وهو","vol":"1","page":17},{"text":"خلاف الأولى، قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١/٢٧٠): قال النووي: \"قاعدة الشرع المستمرة استحباب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزيين، وما كان بضدهما استحب فيه التياسر، قال: وأجمع العلماء على أن تقديم اليمين في الوضوء سنّة، من خالفها فاته الفضل وتمَّ وضوءه\"، ثم نقل عن ابن قدامة في المغني أنه قال: لا نعلم في عدم الوجوب خلافًا.\nوقد استدل الشيخ ﵀ للترتيب بحديث: \"ابدؤا بما بدأ الله به\"، قال ﷺ ذلك عندما بدأ بالصفا في سعيه، والحديث بلفظ الأمر جاء في سنن النسائي (٢٩٦٢) وهو في صحيح مسلم (٢٩٥٠) بلفظ الخبر وهو من حديث جابر الطويل في صفة حجه ﷺ، وفيه: \"فلما دنا من الصفا قرأ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، \"أبدأ بما بدأ الله به\"، فبدأ","vol":"1","page":18},{"text":"بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت\"، وانظر إرواء الغليل (١١٢٠)، ومعنى قوله ﷺ: \"أبدأ بما بدأ الله به\" أن الله لما ذكر الصفا والمروة قدّم الصفا على المروة، فما بدأ الله به ذكرًا بدأ به رسول الله ﷺ بالسعي فعلًا.\nالسادس: الموالاة: وهو أن يوالي بين الأعضاء في الغسل فلا يغسل بعضها ثم ينشغل عن الاستمرار في الوضوء، إلاّ إذا كان الانشغال لعارض يسير كفتح باب قريب فإنه لا يؤثر، ويدل لوجوب الموالاة حديث عمر بن الخطاب ﵁: \"أن رجلًا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ فقال: \"ارجع فأحسن وضوءك\"، فرجع ثم صلّى\". أخرجه مسلم (٢٤٣)، وحديث رجل من أصحاب النبي ﷺ: \"أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء","vol":"1","page":19},{"text":"والصلاة\". أخرجه أبو داود (١٧٥) وانظر إرواء الغليل (٨٦)، ووجه الاستدلال من هذين الحديثين على وجوب الموالاة أن النبي ﷺ لم يأمر من أبصر على قدمه شيئًا لم يصبه الماء بغسل ذلك الذي لم يصبه الماء بل أمره بإعادة الوضوء، ولو كانت الموالاة غير واجبة كفاه أن يغسل الموضع الذي لم يصبه الماء.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>حكم التسمية في الوضوء</span>\nقوله: [وواجبه التسمية مع الذكر] .\nهذا أحد الأقوال في المسألة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وممن قال به الحسن وإسحاق، والقول الثاني أن التسمية مستحبّة، وهو قول جمهور العلماء، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، ذكر ذلك في المغني (١/١٤٥)، وقد ورد في التسمية في الوضوء حديث: \"لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه\". أخرجه أبو داود (١٠١) وغيره عن أبي هريرة ﵁، وذكر الشيخ","vol":"1","page":20},{"text":"الألباني أنه حسن وقال: \"وقد قوّاه الحافظ المنذري والعسقلاني وحسّنه ابن الصلاح وابن كثير والعراقي\"، انظر إرواء الغليل (٨١)، واختيار الشيخ القول بالوجوب مع الذكر، فيه الاحتياط والخروج من الخلاف، ونظير ذلك ما قاله ﵀ في أدب المشي إلى الصلاة: \"وتجزىء تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع، لفعل زيد بن ثابت وابن عمر، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة، وإتيانه بهما أفضل، خروجًا من خلاف من أوجبه\".","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>نواقض الوضوء</span>\nقوله: [ونواقضه ثمانية: الخارج من السبيلين، والخارج الفاحش النجس من الجسد، وزوال العقل، ومس المرأة بشهوة، ومس الفرج باليد قبلًا كان أو دبرًا، وأكل لحم الجزور، وتغسيل الميت، والردّة عن الإسلام - أعاذنا الله من ذلك -] .","vol":"1","page":21},{"text":"أوّل نواقض الوضوء، الخارج من السبيلين: وهو كل خارج منهما من غائط أو بول أو ريح أو دم أو مني أو مذي أو غير ذلك، قال ﷺ: \"لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ\". أخرجه البخاري (٦٩٥٤) ومسلم (٥٣٧) عن أبي هريرة ﵁.\nوالثاني: الخارج الفاحش النجس من الجسد: اختلف العلماء في الدم الخارج من غير السبيلين هل ينقض الوضوء أو لا؟ وقد ذهب بعض أهل العلم إلى عدم نقض الوضوء به لأنه لم يثبت في ذلك شيء عن رسول الله ﷺ، وذهب بعض أهل العلم إلى حصول النقض بما كان كثيرًا فاحشًا منه، وقد جاء ذلك عن بعض الصحابة والتابعين، وهو الذي اختاره الشيخ ﵀ هنا، وهو أخذ بما فيه الاحتياط والخروج من الخلاف. انظر المغني (١/٢٤٧)، ومجموع فتاوى الشيخ","vol":"1","page":22},{"text":"ابن باز رحمه الله تعالى (١٠/١٥٩)، وفتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (٥/٢٦١) .\nالثالث: زوال العقل: ينتقض الوضوء بزوال العقل بجنون أو سكر أو إغماء أو نوم مستغرق، أما إذا كان النوم نعاسًا لا يذهب معه الإحساس كأن يكون جالسًا أو قائمًا، فحصل له نعاس فخفق رأسه ثم تنبّه فإن ذلك لا ينقض الوضوء، فقد روى مسلم في صحيحه (٣٧٦) عن أنس ﵁ قال: \"كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون\"، ولفظه عند أبي داود (٢٠٠): \"كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون\"، وهذا يدل على أن زوال العقل ليس حدثًا، بل هو مظنّة للحدث، ويدل لذلك أيضًا قوله ﷺ: \"وكاء السه العينان، فمن نام فليتوضأ\". رواه أبو داود (٢٠٣) عن علي","vol":"1","page":23},{"text":"﵁، وسنده حسن، وانظر إرواء الغليل (١١٣) وقد نقل تحسينه عن النووي والمنذري وابن الصلاح.\nالرابع: مس المرأة بشهوة: هذا الذي اختاره الشيخ، أحد الأقوال الثلاثة في المسألة، والقول الثاني: أنه ينقض مطلقًا، والثالث: أنه لا ينقض مطلقًا سواء كان بشهوة أو بغير شهوة، إذا لم يخرج مع الشهوة شيء، وهذا القول أصح الأقوال لعدم ثبوت ما يدل على النقض به، وانظر فتاوى الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى (١٠/١٣٢-١٣٨) .\nالخامس: مس الفرج باليد قبلًا كان أو دبرًا: هذا الذي اختاره الشيخ، هو قول جمهور العلماء، وهو الصحيح إذا كان المس بدون حائل، وسواء كان مس فرجه أو فرج غيره، وسواء كان الممسوس صغيرًا أو كبيرًا من الأحياء أو الأموات، لحديث بسرة بنت صفوان ﵂ أن النبي ﷺ قال: \"من مس","vol":"1","page":24},{"text":"ذكره فليتوضأ\". رواه الترمذي (٨٢) وغيره، وقال حديث حسن صحيح، وانظر إرواء الغليل (١١٦)، وفتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (٥/٢٦٣-٢٦٦) .\nالسادس: أكل لحم الجزور: في الوضوء من أكل لحم الإبل قولان للعلماء: أحدهما قول الجمهور، وهو أنه لا يتوضأ من أكل لحومها، والقول الثاني: وجوب الوضوء من ذلك وسواء كان اللحم نيئًا أو مطبوخًا، وأما ألبانها ومرق لحمها وكذلك الطعام الذي طبخ مع لحمها، فإن استعمال ذلك لا ينقض الوضوء، ويدل للوضوء من أكل لحوم الإبل حديث جابر بن سمرة ﵁: \"أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: \"إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ\"، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: \"نعم، فتوضأ من لحوم الإبل\"، قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: (نعم)، قال: أصلي في مبارك","vol":"1","page":25},{"text":"الإبل؟ قال: (لا) \". أخرجه مسلم (٣٦٠) وحديث البراء بن عازب ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: \"توضؤوا منها\"، وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: \"لا توضؤوا منها\"، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: \"لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين\"، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: \"صلوا فيها فإنها بركة\". رواه أبو داود (١٨٤) وغيره، وإسناده صحيح، والأصل في الأمر الوجوب، وفي الوضوء الوضوء الشرعي، فلا يحمل الأمر على الاستحباب، ولا الوضوء على الوضوء اللغوي الذي هو غسل اليدين والمضمضة، لعدم الصارف عن الأصل، وانظر إرواء الغليل (١١٨)، وذكر النووي في شرح صحيح مسلم (٤/٤٩) خلاف العلماء في الوضوء من لحم الإبل، وقال: \"قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن","vol":"1","page":26},{"text":"راهويه في هذا - أي الوضوء من لحم الإبل - حديثان: حديث جابر وحديث البراء، وهذا المذهب أقوى دليلًا وإن كان الجمهور على خلافه\". وانظر مجموع فتاوى الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى (١٠/١٥٦-١٥٨)، وفتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (٥/٢٧٣-٢٧٧) .\nالسابع: تغسيل الميت: اختلف العلماء في حكم الوضوء من تغسيل الميت على قولين: (أحدهما) وجوب الوضوء، (والثاني) استحبابه، ذكرهما ابن قدامة في المغني (١/٢٥٦) ورجّح القول بالاستحباب، وقد روى أبو داود (٣١٦١) وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"من غسّل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ\". أورده الألباني في إرواء الغليل (١٤٤)، وفي كتاب أحكام الجنائز (٥٣)، ونقل تصحيحه عن ابن القيم وابن القطان، وابن حزم وابن حجر العسقلاني، وذكر أنه محمول على الندب لا على","vol":"1","page":27},{"text":"الوجوب، لحديثٍ حسنٍ في ذلك عن ابن عباس، وأثرٍ عن ابن عمر ﵃.\nوإذا لمس مَن غسّل الميت فرجه من غير حائل وجب عليه الوضوء لمسِّ الفرج لا لتغسيل الميت، وانظر فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى (١٠/١٦٥) .\nالثامن: قوله: الرّدّة عن الإسلام - أعاذنا الله من ذلك -: هذا الذي ذكره الشيخ ﵀ من انتقاض الوضوء بالرّدّة هو الذي عزاه ابن قدامة في المغني (١/٢٣٨) إلى مذهب الإمام أحمد، وعزا إلى الأئمة الثلاثة الباقين القول بعدم الانتقاض، فإذا توضأ شخص وارتدّ عن الإسلام ثم عاد إليه قبل أن يحصل منه ناقض للوضوء غير الرّدّة فهو باق على وضوئه على القول الثاني، لا يلزمه إعادة الوضوء، وتلزمه إعادة الوضوء على القول الأول، والذي ذكره الشيخ","vol":"1","page":28},{"text":"فيه الاحتياط والخروج من الخلاف لقوله ﷺ: \"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك\".","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>عوده إلى بقية شروط الصلاة</span>\n...\nعود إلى بقية شروط الصلاة\nقوله: [الشرط الخامس: إزالة النجاسة من ثلاث، من البدن والثوب، والبقعة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾] .\nوالمعنى أن الإنسان قبل صلاته يزيل ما على بدنه وثيابه وفي البقعة التي يصلي فيها من نجاسة إن وجدت، وذلك بغسلها بالماء، فإن صلى وعليه نجاسة ولم يعلم إلاّ بعد فراغ الصلاة فإن صلاته صحيحة، وإن علم في أثناء الصلاة وأمكن خلع ما به النجاسة خلعه واستمر في صلاته، وإلاّ قطعها، لأنه ﷺ صلى بأصحابه وعليه نعلاه فخلعهما في أثناء الصلاة وأخبرهم بعد فراغها أن جبريل أخبره بأن فيهما قذرًا،","vol":"1","page":29},{"text":"رواه أبو داود (٦٥٠) بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁، فقد دلّ استمراره ﷺ في صلاته بعد خلع نعليه على صحّة صلاة من صلّى وعليه نجاسة ولم يعلم إلاّ بعد فراغ الصلاة، لأنها لو كانت لا تصحّ لاستُؤنفت الصلاة من أولها، وهذا بخلاف من صلّى وهو محدث فإنه إذا علم في أثنائها قطعها، وإن لم يعلم إلاّ بعد الفراغ منها أعادها، لقوله ﷺ: \"لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ\". رواه البخاري ومسلم، وقد تقدّم. وإذا وضع المصلي فراشًا على الأرض التي فيها نجاسة أو كان تحت الأرض التي يصلي فيها أماكن لقضاء الحاجة أو مجرى مياه متنجّسة فإن الصلاة صحيحة لعدم مباشرة النجاسة، وقد أورد ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ نقولًا عن جماعة من السلف في تفسير ذلك بالطهارة من الذنوب والمعاصي، ثم قال: \"قال محمد بن سيرين:","vol":"1","page":30},{"text":"﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي اغسلها بالماء، وقال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون فأمره الله أن يتطهر وأن يطهر ثيابه، وهذا القول اختاره ابن جرير، وقد تشمل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب، فإن العرب تطلق الثياب عليه\".\nقوله: [الشرط السادس: ستر العورة، أجمع أهل العلم على فساد صلاة من صلى عريانًا وهو يقدر، وحد عورة الرجل من السرّة إلى الركبة، والأمة كذلك، والحرة كلها عورة إلاّ وجهها، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] أي: عند كل صلاة] .\nالمطلوب في حال السعة أن يكون المسلم في صلاته وغيرها على هيئة حسنة في اللباس وغيره لقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ولقوله ﷺ: \"إن الله جميل يحب الجمال\" رواه مسلم (١٤٧) وفي","vol":"1","page":31},{"text":"حال الضيق يجب ستر العورة مطلقًا في الصلاة وغيرها بما لا يصف البشرة، إلاّ من الزوجة وملك اليمين، لقوله ﷺ: \"احفظ عورتك إلاّ من زوجتك، أو مما ملكت يمينك\" أخرجه الترمذي (٢٧٦٩) وغيره عن معاوية بن حيدة، وقال: حديث حسن، وانظر إرواء الغليل (١٨١٠)، وحد عورة الرجل ما فوق الركبة ودون السرّة لقوله ﷺ: \"وإذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره، فلا ينظر إلى ما دون السرّة وفوق الركبة\" رواه أبو داود (٤٩٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وإسناده حسن، والمعنى: أن السيد إذا زوّج خادمه وهو أمته، فليس لذلك الخادم وهو الأمة أن ينظر إلى عورة السيد لأنّه بتزويجها انتقلت منفعة الاستمتاع إلى الزوج، فخرج بذلك عن حكم قوله ﷺ: \"احفظ عورتك إلاّ من زوجتك أو مما ملكت يمينك\"، ويدل لذلك أيضًا قوله","vol":"1","page":32},{"text":"ﷺ: \"غطِّ فخذك فإنها من العورة\" أخرجه الترمذي (٢٧٩٨) عن جرهد، وقال: حديث حسن، وقال البخاري في صحيحه: [باب ما يذكر في الفخذ ويروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش عن النبي ﷺ: \"الفخذ عورة\" وقال أنس: حسر النبي ﷺ عن فخذه، وحديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط، حتى يخرج من اختلافهم] . صحيح البخاري مع الفتح (١/٤٧٨) .\nوالإجماع الذي ذكره الشيخ، حكاه ابن قدامة في المغني (٢/٢٨٤) عن ابن عبد البر، وقد جاءت السّنّة بأن المصلي مع ستر عورته يستر عاتقه في الصلاة، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء\" أخرجه البخاري (٣٥٩) ومسلم (١١٥١) .\nوالمرأة عورة لقوله ﷺ: \"المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان\" رواه الترمذي (١١٧٣)","vol":"1","page":33},{"text":"عن عبد الله بن مسعود، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وانظر إرواء الغليل (٢٧٣)، فيجب على المرأة ستر بدنها حتى وجهها عن الرجال الأجانب، قال شيخنا محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في كتابه أضواء البيان في تفسير سورة الأحزاب (٦/٥٩٦) عن هذا الحديث: \"وما جاء فيه من كون المرأة عورة، يدل على الحجاب للزوم ستر كل ما يصدق عليه اسم العورة\"، وذكر شيخنا أيضًا (٦/٥٨٥-٥٨٦) أن حكم تغطية الوجه لأمهات المؤمنين مما أجمع عليه أهل العلم، وأن الآيات التي نزلت في أمرهن بالحجاب تشتمل على قرينتين تدلان على أن الحكم ليس خاصًّا بهن، بل لهن ولسائر نساء الأمة:\nالأولى: تعليل الأمر بالحجاب بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣]، وذلك","vol":"1","page":34},{"text":"أنه إذا قيل ذلك فيهن مع ما أكرمهن الله به من الطهارة والبعد عن الريبة، فإن غيرهن من نساء الأمة اللاتي لم يظفرن بمثل ما ظفرت به أمهات المؤمنين من باب أولى.\nوالثانية: في قوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، لأن الأمر بالإدناء عليهن من الجلابيب، كما أُمر به أمهات المؤمنين فقد أُمر به بناته ﷺ ونساء المؤمنين، وهو يدل على أن الحكم ليس خاصًّا بأمهات المؤمنين بل لهن ولغيرهن\".\nوأشار بعد ذلك ﵀ إلى أنه لو كان الحكم خاصًا بهن على سبيل الفرض فإنهن قدوة حسنة لغيرهن من النساء، فقال (٦/٥٩٢): \"وإذا علمت بما ذكرنا أن حكم آية الحجاب عام وأن ما ذكرنا معها من الآيات فيه الدلالة على احتجاب جميع بدن المرأة عن","vol":"1","page":35},{"text":"الرجال الأجانب، علمت أن القرآن دلّ على الحجاب، ولو فرضنا أن آية الحجاب خاصة بأزواجه ﷺ فلا شك أنهن خير أسوة لنساء المسلمين في الآداب الكريمة المقتضية للطهارة التامّة وعدم التدنس بأنجاس الريبة، فمن يحاول منع نساء المسلمين كالدعاة للسفور والتبرج والاختلاط اليوم، من الاقتداء بهن في هذا الأدب السماوي الكريم المتضمن سلامة العرض والطهارة من دنس الريبة غاش لأمة محمد ﷺ، مريض القلب كما ترى\".\nومن أوضح ما يستدل به من السّنّة على وجوب تغطية المرأة وجهها عن الرجال الأجانب، ما جاء فيها أن النساء يغطين أقدامهن، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة\"، فقالت أم سلمة: فكيف يصنعن النساء بذيولهن؟ قال: \"يرخين شبرًا\"، فقالت:","vol":"1","page":36},{"text":"إذن تنكشف أقدامهن. قال: \"فيرخينه ذراعًا لا يزدن عليه\". رواه أهل السنن وغيرهم، وقال الترمذي (١٧٣١) هذا حديث حسن صحيح.\nفإن مجيء الشريعة بتغطية النساء أقدامهن يدل دلالة واضحة على أن تغطية الوجه واجب، لأنه موضع الفتنة والجمال من المرأة، وتغطيته أولى من تغطية الرجلين.\nوالمرأة الحرة في الصلاة تغطي جميع بدنها إلاّ وجهها، وهذا الذي ذكره الشيخ ﵀ قد عزاه في المغني (٢/٣٢٦) إلى مذهب الإمام أحمد، وذكر له رواية أخرى، وهي جواز كشف الكفين أيضًا وعزاه إلى مالك والشافعي، وعزا إلى أبي حنيفة جواز كشف القدمين مع الوجه واليدين، وإذا كان عند المرأة رجال أجانب وهي تصلي فإنها تغطي وجهها، قال في المغني (٢/٣٣١): \"قال ابن عبد البر: وقد أجمعوا على أن على المرأة أن تكشف وجهها في الصلاة والإحرام\".","vol":"1","page":37},{"text":"والاقتصار على كشف الوجه في الصلاة، وهو الذي أجمع عليه العلماء هو الأولى والأحوط.\nوأما الأمَة فإنها إذا صلت مكشوفة الرأس فإن صلاتها صحيحة في قول عامة أهل العلم إلاّ الحسن كما حكاه في المغني (٢/٣٣١) وفي كشف غير الرأس خلاف بين أهل العلم، والأولى للأمة أن تكون كالحرّة في الاحتشام والستر في جميع أحوالها في الصلاة وغيرها.\nقوله: [الشرط السابع: دخول الوقت، والدليل من السّنّة حديث جبريل ﵇ أنه أمّ النبي ﷺ في أول الوقت وفي آخره فقال: \"يا محمد الصلاة بين هذين الوقتين\" وقوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]، أي: مفروضًا في الأوقات، ودليل الأوقات قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ","vol":"1","page":38},{"text":"الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] \"] .\nيشترط لصحّة الصلاة أداء الصلوات الخمس في أوقاتها، فلا يجوز أن تصلى قبل أوقاتها، وإن صليت وجب إعادتها ولا يجوز تأخيرها عن وقتها، فلو أخرها حتى خرج وقتها، فإن كان لنوم لا تفريط معه أو نسيان قضاها ولا إثم عليه، وإن كان لغير ذلك أثم وقضاها.\nوحديث إمامة جبريل النبي ﷺ في يومين، جاء عن جماعة من الصحابة منهم: ابن عباس وجابر وهو عند أبي داود (٣٩٣-٣٩٤)، والترمذي (١٤٩-١٥٠)، وانظر التعليق على حديث (٣٠٨١) وحديث (١١٢٤٩) من مسند الإمام أحمد، ومن أوضح ما جاء في بيان أوقات الصلوات الخمس، حديث عبد الله بن عمرو ﵄ في صحيح مسلم (٦١٢) أن رسول الله ﷺ قال: \"وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل","vol":"1","page":39},{"text":"الرجل كطوله، ما لم تحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفرّ الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر، ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة، فإنها تطلع بين قرني الشيطان\".\nقوله: [الشرط الثامن: استقبال القبلة، والدليل قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤]] .\nيشترط في أداء الصلوات أن تكون إلى جهة القبلة، وهي الكعبة المشرّفة، فإن كان في حضر أو كان لديه من يخبره بجهة القبلة وجب عليه السؤال عن جهتها، ولا يجوز له أن يصلي باجتهاد منه، ولديه من يخبره، فإن صلّى وكان إلى غير جهة القبلة وجب عليه","vol":"1","page":40},{"text":"الإعادة، أما إن كان في سفر فإنه يجتهد في معرفة جهتها، فإن صلّى وتبيّن أن الصلاة إلى غير جهة القبلة، فإن صلاته صحيحة لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، ويجوز للمسافر أن يصلي النوافل كلها على مركوبه إلى غير جهة القبلة، وقد ثبتت السّنّة في ذلك عن جماعة من الصحابة منها: حديث عامر بن ربيعة ﵁ قال: \"رأيت رسول الله ﷺ وهو على الراحلة يسبّح، يومىء برأسه قبل أي وجه توجه، ولم يكن رسول الله ﷺ يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة\" رواه البخاري (١٠٩٧) ومسلم (٧٠١)، وإذا أراد المسافر النافلة على الدابة استقبل القبلة عند دخوله فيها ثم توجه إلى أي جهة يريد، لحديث أنس بن مالك ﵁ عند أبي داود (١٢٢٥): \"أن رسول الله ﷺ كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبّر ثم صلّى حيث وجهه ركابه\"، قال الحافظ ابن حجر في البلوغ: وإسناده","vol":"1","page":41},{"text":"حسن. وقال شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في حاشيته عليه (١/١٧٦): \"هو كما قال المؤلف، رجاله ثقات لا بأس بهم، وبذلك يكون هذا الحديث مخصّصًا للأحاديث الأخرى المطلقة في استقباله ﷺ جهة سيره في السفر\".\nقوله: [الشرط التاسع: النية، ومحلها القلب والتلفظ بها بدعة، والدليل حديث: \"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى\"] .\nالنية في الصلاة وغيرها من العبادات شرط، فلا تصح الصلاة بدون نية، لقوله ﷺ: \"إنما الأعمال بالنيات\" أخرجه البخاري (١) ومسلم (١٩٠٧)، وبالنية يكون التمييز بين فرض وفرض، وفرض ونفل، وقد تقدّم عند ذكر شرط النية من شروط الوضوء أنه لا يجوز تلفظ الإنسان بما نواه، إلاّ في مناسك الحج فيجوز أن يتلفظ بما نواه فيقول: \"لبيك عمرة أو لبيك حجًّا أو لبيك عمرة وحجًّا\"","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>أركان الصلاة</span>\nقوله: [وأركان الصلاة أربعة عشر: القيام مع القدرة، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والرفع منه، والسجود على الأعضاء السبعة، والاعتدال منه، والجلسة بين السجدتين، والطمأنينة في جميع الأركان، والترتيب، والتشهد الأخير، والجلوس له، والصلاة على النبي ﷺ، والتسليمتان] .\nركن الشيء في اللغة جانبه الأقوى، والصلاة في اللغة الدعاء، وفي الشرع: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وأركان الصلاة من أجزائها، والفرق بين الشرط والركن، أن ركن الشيء جزء منه داخل فيه، وأما الشرط، فليس من أجزائه، بل هو إما متقدّم عليه ومصاحب له كالطهارة، أو مصاحب له كاستقبال القبلة.","vol":"1","page":43},{"text":"قوله: [الركن الأول: القيام مع القدرة، والدليل قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]] .\nيجب في صلاة الفرض أن يصلي المرء قائمًا إذا كان قادرًا على القيام، ومن صلى جالسًا مع قدرته عليه لم تصح صلاته، ويدل لذلك حديث عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب\". رواه البخاري (١١١٧) .\nأما في صلاة النافلة، فيجوز أن يصليها وهو جالس، وأجره على النصف من أجر القائم، والأفضل أن يصليها قائمًا ليحصل الأجر كاملًا، لحديث عبد الله ابن عمرو بن العاص ﵄ في ذلك، أخرجه مسلم (٧٣٥)، وإذا لم يستطع المريض أن يصلي قائمًا، فصلى الفرض والنفل جالسًا فله الأجر","vol":"1","page":44},{"text":"كاملًا، لقوله ﷺ في حديث أبي موسى ﵁: \"إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا\". رواه البخاري (٢٩٩٦) .\nقوله: [الثاني تكبيرة الإحرام، والدليل حديث: \"تحريمها التكبير وتحليلها التسليم\"] .\nتكبيرة الإحرام، أول تكبيرات الصلاة، وهي في الصلاة كالإحرام في الحج والعمرة، وإنما سميت تكبيرة الإحرام لأنه يحرم على المصلي إذا دخل في صلاته بهذه التكبيرة، أمورٌ كانت حلالًا له قبل ذلك كالأكل والشرب والكلام وغير ذلك، ولهذا قال ﷺ: \"تحريمها التكبير وتحليلها التسليم\". رواه الترمذي وغيره عن علي ﵁ وقال (٣): هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن. وانظر إرواء الغليل (٣٠١) .\nقوله: [وبعدها الاستفتاح، وهو سنّة، قول: \"سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى","vol":"1","page":45},{"text":"جدك، ولا إله غيرك\". ومعنى (سبحانك اللهم): أي أنزهك التنزيه اللائق بجلالك. (وبحمدك): أي ثناء عليك. (وتبارك اسمك): أي البركة تنال بذكرك. (وتعالى جدك): أي جلّت عظمتك. (ولا إله غيرك): أي لا معبود في الأرض ولا في السماء بحق سواك يا الله] .\nالاتيان بدعاء الاستفتاح سرًا بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة من سنن الصلاة ومستحباتها، وقد ثبت عن النبي ﷺ بصيغ متعدّدة، يأتي المصلي بأحدها في صلاته، ولا يجمع بينها في صلاة واحدة، وهذا الذي ذكره الشيخ أحدها وهو عن عمر وعائشة وأبي سعيد ﵃، وانظر إرواء الغليل (٣٤٠) و(٣٤١)، ثم إن الشيخ ﵀ شرح هذا الدعاء، وفي الجمع بين التسبيح والتحميد تنزيه الله ﷿ عن كلّ ما لا يليق به، وإثبات كل كمال يليق به، و(تبارك) على وزن تفاعل، من البركة، وكل خير","vol":"1","page":46},{"text":"وبركة إنما ينال بذكره ﷾، كما قال الله ﷿: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، وقال ﷺ: \"مثل الذي يذكر ربّه والذي لا يذكر ربّه مثل الحي والميت\". رواه البخاري (٦٤٠٧) من حديث أبي موسى ﵁، ويحتمل أن يكون المراد بالاسم الأسماء، فيكون من قبيل إضافة المفرد إلى معرفة، فيعم، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾، و(تعالى جدك) هو مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾، وهذه الكلمات الثلاث، التي جاءت في هذا الدعاء وهي (سبحانك) و(تبارك) و(تعالى)، لا تقال إلاّ لله تعالى، فلا يقال لغيره: سبحانك، وتباركت، وتعاليت، ولا سبحانه وتبارك وتعالى.\nقوله: [(أعوذ بالله من الشيطان الرجيم): معنى (أعوذ): ألوذ وألتجىء وأعتصم بك يا الله من","vol":"1","page":47},{"text":"الشيطان الرجيم، المطرود، المبعد عن رحمة الله؛ لا يضرّني في ديني، ولا في دنياي] .\nوبعد الاستفتاح وقبل القراءة يأتي بالاستعاذة، وقد ذكرها الشيخ وشرحها، وقد قال الله ﷿: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، أي: إذا أردت قراءته، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: \" وهذا أمر ندب ليس بواجب، حكى الإجماع على ذلك أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة\".\nقوله: [وقراءة الفاتحة ركن في كل ركعة، كما في حديث: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\" وهي أم القرآن] .\nقراءة الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة واجبة على الإمام والمأموم والمنفرد، لقوله ﷺ: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\". رواه البخاري","vol":"1","page":48},{"text":"(٧٥٦) ومسلم (٣٩٣) . والمأموم يقرؤها خلف إمامه في الصلاة السرية والجهرية، ويدل لقراءتها خلفه في الجهرية حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لعلكم تقرؤون خلف الإمام والإمام يقرأ\"، قالوا: إنا لنفعل ذلك. قال: \"فلا تفعلوا، إلاّ أن يقرأ أحدكم بأم الكتاب \"، أو قال: \"فاتحة الكتاب\". رواه أحمد في مسنده (١٨٠٧٠) بإسناد صحيح، وجاء مثل ذلك من حديث عبادة بن الصامت ﵁، وفي إسناده محمد بن إسحاق، وقد صرّح بالتحديث، فأمن تدليسه، رواه أحمد في المسند (٢٢٧٤٥)، ويجمع بين هذا وبين ما جاء من حديث انتهاء الناس عن القراءة خلف الإمام، وحديث: \"من كان له إمام فقراءته قراءة له\"، وحديث: \"وإذا قرأ فأنصتوا\"، بحمل ذلك على قراءة غير الفاتحة.\nثم إن الشيخ ﵀ فسّر الفاتحة تفسيرًا موجزًا","vol":"1","page":49},{"text":"فقال:\n[﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: بركة واستعانة] .\nوالمعنى أن المسلم يأتي بالبسملة تبركًا باسم الله ومستعينًا بالله في قراءته، وكذلك الحال في أي شيء يأتي بالتسمية قبله، يأتي بها تبركًا واستعانة، ويقرأ البسملة سرًّا، والبسملة آية من القرآن، وهل هي آية من كل سورة؟ أو آية مستقلة للفصل بين السور، وهل هي آية من سورة الفاتحة أو ليست منها؟ أقوال لأهل العلم، ويدل على أنها من القرآن أن الصحابة أدخلوها في المصحف، ولم يدخلوا فيه إلاّ ما هو قرآن، وجاء في سنن أبي داود بسند صحيح (٧٨٨) عن ابن عباس ﵄ قال: \"كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\".\nولا خلاف بين أهل العلم في أن البسملة بعض","vol":"1","page":50},{"text":"آية في أثناء سورة النمل، وسورة الفاتحة سبع آيات، فمن قال من العلماء إنها آية من الفاتحة عدَّ البسملة في السبع، ومن قال إنها ليست من الفاتحة، جعل السابعة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾، ومما استدل به على أن البسملة ليست آية من الفاتحة قوله ﷺ في الحديث القدسي: \"قال الله ﷿: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي ... \" الحديث، رواه مسلم عن أبي هريرة (٣٩٥)، فلم يذكر البسملة فيها.\nقوله: [﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الحمد ثناء، والألف واللام لاستغراق جميع المحامد، وأما الجميل الذي لا صنع له فيه مثل الجمال ونحوه: فالثناء به يسمى مدحًا لا حمدًا] .\nحمد العباد ربّهم عبادةٌ، وهو من توحيد الألوهية","vol":"1","page":51},{"text":"الذي هو توحيد الله بأفعال العباد، والله ﷾ هو أهل الحمد والثناء على كل نعمة حصلت للعباد، سواء كان لأحد من العباد سبب فيها أو لم يكن، لأن الفضل في ذلك كلِّه لله ﷾، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، وقال ﷺ في وصيته لابن عباس: \"واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك\"، فجميع المحامد على الحقيقة لله فهو سبحانه وحده المحمود على كل حال، وأما العباد، فما كان منهم من جميل اختياري كالبر والإحسان وفعل المعروف فإنهم يحمدون ويثنى عليهم فيه، وما كان فيهم من جميل لا صُنع لهم فيه، كالجمال وحُسن الخِلقة فإنهم يُمدحون فيه ولا يحمدون عليه.\nقوله: [﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: الرب: هو المعبود، الخالق، الرازق، المالك، المتصرف، مربي جميع الخلق","vol":"1","page":52},{"text":"بالنعم. \"العالمين\": كل ما سوى الله عالم وهو رب الجميع] .\nوهذا فيه توحيد ربوبيته وأسمائه وصفاته، فإن توحيد الربوبية، توحيده بأفعاله ﷾، فهو واحد في الخلق والرَّزق والإحياء والإماتة، لا شريك له في ربوبيته، ولا شريك له في ألوهيته، وله ﷾ الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وقد جاء في هذه الآية ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ اسمان من أسماء الله وهما \"الله، والرب\"، وقد قال الله ﷿: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨] .\nقوله: [﴿الرَّحْمَنِ﴾: رحمة عامة جميع المخلوقات. ﴿الرَّحِيمِ﴾: رحمة خاصة بالمؤمنين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾] .\nالرحمن والرحيم: اسمان من أسماء الله، وهما يدلان على صفة من صفاته وهي الرحمة، وأسماء الله","vol":"1","page":53},{"text":"﷿ كلّها مشتقة، تدل على معان هي الصفات، فيؤخذ من كل اسم من أسمائه صفة من صفاته، والرحمن أعم من الرحيم؛ وهو لا يطلق إلاّ على الله، فلا يقال لغيره رحمن، وأما الرحيم، فيطلق على الله وعلى غيره، وقد قال الله تعالى عن نبيه ﷺ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] .\nقوله [﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: يوم الجزاء والحساب، يوم كل يجازى بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧-١٩]، والحديث عنه ﷺ: \"الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها","vol":"1","page":54},{"text":"وتمنى على الله الأماني] .\nالله ﷾ مالك كل شيء، وهو مالك الدنيا والآخرة، وإنما خصّ يوم الدين هنا بأن الله مالكه، لأنه اليوم الذي يخضع فيه الخلائق لرب العالمين، وهذا بخلاف الدنيا، فإنه وُجد فيها من عتى وتجبّر، وقال: (أنا ربكم الأعلى)، وقال: (ما علمت لكم من إله غيري)، والحديث الذي ذكره الشيخ أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وفي إسناده أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف.\nقوله: [﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: أي لا نعبد غيرك، عهد بين العبد وبين ربّه ألاّ يعبد إلاّ إياه. ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: عهد بين العبد وبين ربّه ألاّ يستعين بأحد غير الله] .\nقال الله ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وتقديم المفعول وهو","vol":"1","page":55},{"text":"(إياك) في العبادة والاستعانة، فيه قصر واختصاص، قصر العبادة على الله واختصاصه بها، فلا يُعبد إلاّ الله، ولا يُستعان إلاّ بالله، فلا يطلب العبد العون من الملائكة ولا الجن ولا الغائبين، أما طلبه العون من إنسان حاضر يقدر على إعانته ومساعدته في تحصيل نفع أو دفع ضرٍّ، فهذا سائغ لا محذور فيه.\nقوله: [﴿اهْدِ نَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: معنى ﴿اهْدِنَا﴾: دلنا، وأرشدنا، وثبتنا، و﴿الصِّرَاطَ﴾: الإسلام، وقيل: الرسول، وقيل: القرآن، والكل حق، و﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾: الذي لا عوج فيه] .\nحاجة العباد إلى الهداية إلى الصراط المستقيم فوق كل حاجة، وضرورتهم إليها فوق كل ضرورة، وحاجتهم إليها أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، لأن الطعام والشراب سبب بقائهم في هذه الحياة الدنيا، وأما هدايتهم الصراط المستقيم فهي","vol":"1","page":56},{"text":"سبب فلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم يتضمن طلب الدلالة والإرشاد إلى طريق الحق والهدى، ويتضمن طلب التوفيق لسلوك الصراط المستقيم، وسؤال العبد ربّه في كل ركعة من ركعات الصلاة الهداية إلى الصراط المستقيم، يتضمن سؤال الله ﷿ تثبيته على ما حصل له من الهداية، ويتضمن طلب المزيد من الهداية كما قال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:١٧]، ولا تنافي بين تفسير (اهْدِنَا) بدُلّنا وأرشدنا وثبّتنا، وتفسير الصراط المستقيم بالإسلام، والرسول، والقرآن، لأن ذلك من قبيل اختلاف التنوع، وليس من قبيل اختلاف التضاد، ولهذا قال الشيخ: والكل حق، وتفسيرات السلف غالبًا تكون من هذا القبيل، إما تفسيرٌ بألفاظ متقاربة كلها حق، ولا تنافي بينها كما هنا، وإما تفسير بالمثال وهو أن يفسر لفظ عام ببعض أجزائه، مثل","vol":"1","page":57},{"text":"قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة:٢٠١]، فإن تفسير حسنة الدنيا بالزوجة الصالحة أو الولد الصالح أو المال الطيب، لا منافاة بينها وهو من قبيل التفسير بالمثال.\nقوله: [﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾: طريق المنعم عليهم، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: وهم اليهود‘ معهم علم ولم يعملوا به، تسأل الله أن يجنبك طريقهم، ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾: وهم النصارى؛ يعبدون الله على جهل وضلال، تسأل الله أن يجنبك طريقهم، ودليل الضالين، قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ","vol":"1","page":58},{"text":"يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣]، والحديث عنه ﷺ: \"لتتبعن سنن من قبلكم حذو القذّة بالقذّة، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه\"، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: \"فمن\" أخرجاه، والحديث الثاني: \"افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلاّ واحدة\".\nقلنا: من هي يا رسول الله؟ قال: \"من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي\"] .\nالصراط المستقيم الذي يسأل المسلم ربه أن يهديه إياه، هو طريق المُنعم عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، كما قال ﷿: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:","vol":"1","page":59},{"text":"١٥٣]، وهو يسأل الله ﷿ في كل ركعة من ركعات صلاته أن يهديه طريق الحق والهدى، وأن يجنّبه طريق أهل الضلالة والغواية من اليهود والنصارى، وحديث: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم ... \"، رواه البخاري (٧٣٢٠) ومسلم (٢٦٦٩) عن أبي سعيد، وأوله عند البخاري بلفظ: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا، وذراعًا ذراعًا\"، وعند مسلم بلفظ: \"لتتبعن الذين من قبلكم شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراع\".\nوحديث افتراق الأمة جاء عن جماعة من أصحاب النبي ﷺ، انظر تخريجه في التعليق على الحديث رقم (١٦٩٣٧) من مسند الإمام أحمد، وانظر السلسلة الصحيحة للألباني (٢٠٣-٢٠٤)، وقد نقل تصحيحه عن ابن تيمية والشاطبي والعراقي.\nوالمراد بالأمة في الحديث أمة الإجابة، وهذه الثلاث والسبعون فرقة مسلمون، فرقة ناجية وهم","vol":"1","page":60},{"text":"الذين على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، واثنتان وسبعون فرقة متوعدون بالنار لانحرافهم عن طريق الحق، وأمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم، وأما أمة الدعوة، فهم كل إنسي وجنّيّ من حين بعثته ﷺ إلى قيام الساعة، ويدخل فيهم اليهود والنصارى، وسائر ملل الكفر، لقوله ﷺ: \"والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمّة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلاّ كان من أصحاب النار\". رواه مسلم (٣٨٦) عن أبي هريرة ﵁، وانظر فتاوى شيخ الإسلام (٧/٢١٨)، وفتاوى اللجنة الدائمة (٢/١٥٧) .\nقوله: [والركوع والرفع منه، والسجود على الأعضاء السبعة، والاعتدال منه، والجلسة بين السجدتين، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا","vol":"1","page":61},{"text":"ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧]، والحديث عنه ﷺ: \"أمرت أن أسجد على سبعة أعظم\"، والطمأنينة في جميع الأفعال، والترتيب بين الأركان، والدليل حديث المسيء صلاته عن أبي هريرة قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ دخل رجل فصلى فسلم على النبي ﷺ فقال: \"ارجع فصل فإنك لم تصل\" فعلها ثلاثًا، ثم قال: والذي بعثك بالحق نبيًا، لا أحسن غير هذا، فعلمني، فقال له النبي ﷺ: \"إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها\"] .\nهذه سبعة من أركان الصلاة كلها أفعال، وقد دلّ عليها جميعها حديث المسيء صلاته، رواه البخاري (٧٥٧) ومسلم (٣٩٧) عن أبي هريرة ﵁، وحديث","vol":"1","page":62},{"text":"السجود على الأعضاء السبعة أخرجه البخاري (٨١٢) عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ: \"أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين والركبتين وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب والشعر\"، ورواه مسلم أيضًا (٤٩٠) .\nوالطمأنينة في الأركان: الهدوء وعدم العجلة، فلا ينقر هذه الأفعال، بل يطمئن فيها، سواء طال الاطمئنان أو قصر، وأما الترتيب فيأتي بها مرتّبة، القيام ثم الركوع، ثم الرفع منه، ثم السجود، ثم الجلوس بين السجدتين، فلو سجد ناسيًا قبل أن يركع وجب عليه أن يرجع ليأتي بالركوع ثم السجود، ولا يعتدّ بالسجود الذي حصل منه سهوًا.\nقوله: [والتشهد الأخير ركن مفروض، كما في الحديث عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا نقول قبل أن","vol":"1","page":63},{"text":"يفرض علينا التشهد: السلام على الله من عباده، السلام على جبريل وميكائيل، فقال النبي ﷺ: \"لا تقولوا: السلام على الله من عباده، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله\"، ومعنى \"التحيات\": جميع التعظيمات لله ملكًا واستحقاقًا، مثل: الانحناء والركوع، والسجود، والبقاء والدوام، وجميع ما يعظم به رب العالمين فهو لله، فمن صرف منه شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر، و\"الصلوات\" معناها: جميع الدعوات، وقيل: الصلوات الخمس، و\"الطيبات لله\": الله طيب، ولا يقبل من الأقوال والأعمال إلاّ طيبها، \"السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته\": تدعو للنبي ﷺ بالسلامة والرحمة","vol":"1","page":64},{"text":"والبركة، والذي يدعى له ما يدعى مع الله، \"السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين\"، تسلم على نفسك، وعلى كل عبد صالح في السماء والأرض، والسلام دعاء، والصالحون يدعى لهم ولا يدعون مع الله، \"أشهد أن لا إله إلاّ الله\" وحده لا شريك له، تشهد شهادة اليقين أن لا يعبد في الأرض ولا في السماء بحق إلاّ الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله: بأنه عبد لا يعبد، ورسول لا يكذّب، بل يطاع ويتّبع، شرفه الله بالعبودية، والدليل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]] .\nالتشهد الذي يكون قبل السلام من كل صلاة ركن من أركان الصلاة، وهذا هو الركن الحادي عشر، والركن الثاني عشر: الجلوس له، فلو سلّم بعد السجود، ترك ركنين، ولو جلس ونسي أن يتشهد،","vol":"1","page":65},{"text":"ترك ركنًا واحدًا، وتركهما معًا أو ترك التشهد وحده مبطل للصلاة، والتشهد جاء عن النبي ﷺ بصيغ متعدّدة، يحصل أداء الواجب بأي واحد منها ولا يجمع بينها في صلاة واحدة، والتشهد الذي ذكره الشيخ هو تشهد عبد الله بن مسعود ﵁، وقد جاء في بعض رواياته أن النبي ﷺ كان يعلمهم إياه كما يعلمهم السورة من القرآن، وسمي تشهدًا لأنه خُتم بأشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وهذا التشهد أخرجه البخاري (٨٣١) ومسلم (٤٠٢)، وعند البخاري (٦٢٦٥) بعد ذكر التشهد زيادة: \"وهو بين ظهرانينا، فلما قبض قلنا: السلام - يعني - على النبي ﷺ\" والمعنى: أن الصحابة كانوا يقولون: \"السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته\" بكاف الخطاب، فلما توفي صاروا يقولون: \"السلام على النبي\" بالغيبة، لكن جاء في تشهد عمر بن الخطاب","vol":"1","page":66},{"text":"﵁ في موطأ الإمام مالك (٥٣) بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ، أنه سمع عمر بن الخطاب وهو على المنبر، يعلّم الناس التشهد، يقول: قولوا: \"التحيات لله\"، وفيه: \"السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته\"، بكاف الخطاب. ففي هذا أن عمر ﵁ كان يعلِّم التشهد وهو على المنبر، ومما علّمه هذه الصيغة.\nوهو يدل على أن الصحابة ﵃ بعد وفاته ﷺ جاء عنهم هذا وهذا، والأمر في ذلك واسع، فللمصلي أن يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وله أن يقول: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، وقد شرح الشيخ ﵀ هذا التشهد بهذا الشرح الواضح، وقول الشيخ ﵀ في معنى \"السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته\": \"تدعو للنبي ﷺ بالسلامة والرحمة والبركة، والذي","vol":"1","page":67},{"text":"يدعى له ما يدعى مع الله\".\nوقوله في معنى: \"السلام على عباد الله الصالحين\": \"والسلام دعاء والصالحون يدعى لهم ولا يدعون مع الله\".\nفي هذا تقرير توحيد الألوهية، وأن الدعاء عبادة، وقد قال الله ﷿: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: \"الدعاء هو العبادة\". رواه أبو داود (١٤٧٩) وغيره بسند صحيح، فلا يدعى إلاّ الله، ولا يستغاث بأحد سواه، كما قال الله ﷿: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢]، والنبي ﷺ وغيره من المرسلين، والملائكة والصالحين، يدعى لهم الله، ولا يدعون مع الله، فالله ﷾ هو الذي يدعى ويرجى، وغيره يدعى","vol":"1","page":68},{"text":"له ولا يدعى، وقوله ﵀: \"وشهادة أن محمدًا رسول الله: بأنه عبد لا يعبد ورسول لا يكذّب، بل يطاع ويتّبع\"، المعنى: أن من شأن العبد أن يكون عابدًا لا معبودًا، ومن شأن الرسول أن يكون مصدَّقًا ومطاعًا ومتبوعًا، وقد قال ﵀ في كتابه \"الأصول الثلاثة\": ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر وألاّ يعبد الله إلاّ بما شرع.\nوقوله: [ومعنى \"التحيات\": جميع التعظيمات لله ملكًا واستحقاقًا، مثل الانحناء، والركوع، والسجود، والبقاء، والدوام، وجميع ما يعظم به رب العالمين فهو لله، فمن صرف منه شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر] .\nالعبادة حق الله كما قال الله ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ","vol":"1","page":69},{"text":"وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ...﴾ [النحل:٣٦]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، فيجب صرف جميع أنواع العبادة لله، ولا يجوز صرف شيء منها لغيره تعالى، فالصلاة لله، والركوع والسجود لله، والاستغاثة بالله، والدعاء لله والتوكل على الله، والاستعاذة بالله، وهكذا جميع أنواع العبادة لله، قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢-١٦٣]، ومن صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله، فهو مشرك كافر، وهذا الحكم إنما هو على الإطلاق وعلى من بلغته الحجة، وأما الشخص المعين فإذا حصل منه صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، كدعاء الأموات والاستغاثة بهم، وهو جاهل فإنه يتوقّف في تكفيره حتى يُبَيَّن له وتقام عليه الحجّة، وهذا أحد","vol":"1","page":70},{"text":"قولين في المسألة، ذكرهما شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ في جواب سؤال عن بعض أهل البدع، جاء فيه: \"كذلك التوسل بالأولياء قسمان: الأول: التوسل بجاه فلان أو حق فلان، هذا بدعة وليس كفرًا. التوسل الثاني: هو دعاؤه بقوله: يا سيدي فلان انصرني أو اشف مريضي، هذا هو الشرك الأكبر وهذا يسمونه توسلًا أيضًا، وهذا من عمل الجاهلية، أما الأول فهو بدعة، ومن وسائل الشرك، قيل له: وقولهم: إنما ندعوه لأنه ولي صالح وكل شيء بيد الله وهذا واسطة. قال: هذا عمل المشركين الأولين، فقولهم: مدد يا بدوي، مدد يا حسين، هذا جنس عمل أبي جهل وأشباهه، لأنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨]، هذا الدعاء كفر وشرك بالله ﷿، لكن اختلف العلماء هل يكفر صاحبه أم ينتظر","vol":"1","page":71},{"text":"حتى تقام عليه الحجّة وحتى يبيّن له، على قولين: أحدهما: أن من قال هذا يكون كافرًا كفرًا أكبر لأن هذا شرك ظاهر لا تخفى أدلّته، والقول الثاني: أن هؤلاء قد يدخلون في الجهل وعندهم علماء سوء أضلّوهم، فلابد أن يبين لهم الأمر ويوضح لهم الأمر حيث يتضح لهم، فإن الله قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فإذا وضح لهم الأمر وقال لهم: هذا لا يجوز، قال الله كذا وقال الرسول كذا، بين لهم الأدلة، ثم أصروا على حالهم، كفروا بهذا، وفي كل حال فالفعل نفسه كفر شرك أكبر، لكن صاحبه هو محل نظر هل يكفر أم يقال: أمره إلى الله، قد يكون من أهل الفترة لأنه ما بيّن له الأمر فيكون حكمه حكم أهل الفترات، أمره إلى الله ﷿، لأنه بسبب تلبيس الناس عليه من علماء السوء\" انتهى. نقلًا من كتاب \"سعة رحمة رب العالمين","vol":"1","page":72},{"text":"للجهال المخالفين للشريعة من المسلمين\" لسيد بن سعد الدين الغباشي، وفي أول الكتاب رسالة من الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ للمؤلف بتاريخ: ٧/٥/١٤٠٣هـ، تتضمن إقرار الكتاب والإذن بطبعه.\nوالقول الثاني من القولين وهو التوقف في التكفير، قرّره كثيرون من العلماء، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب الاستغاثة (٢/٧٣١): \"فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول ﷺ، نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن تدعو أحدًا من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، ولا بلفظ الاستعاذة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور،","vol":"1","page":73},{"text":"وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، لكن لغلبة الجهل، وقلّة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، لم يكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ، مما يخالفه، ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلاّ تفطّن، وقال: هذا أصل الدين، وكان بعض الأكابر من الشيوخ العارفين من أصحابنا يقول: هذا أعظم ما بينته لنا، لعلمه بأن هذا أصل الدين\".\nوقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: \"وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا أو لم يكفر ويقاتل، سبحانك هذا بهتان عظيم\". الدرر السنية (١/٦٦)، وقال أيضًا: \"بل نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا","vol":"1","page":74},{"text":"بأن من عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله فهو المسلم في أي زمان وأي مكان، وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعدما نبين له الحجة على بطلان الشرك\". مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٣/٣٤)، وقال أيضًا: \"ما ذكر لكم عني أني أكفر بالعموم، فهذا من بهتان الأعداء، وكذلك قولهم: إني أقول: من تبع دين الله ورسوله وهو ساكن في بلده أنه ما يكفيه حتى يجيء عندي، فهذا أيضًا من البهتان، إنما المراد اتباع دين الله ورسوله في أي أرض كانت، ولكن نكفر من أقرّ بدين الله ورسوله ثم عاداه وصدّ الناس عنه، وكذلك من عبد الأوثان بعدما عرف أنه دين المشركين وزينه للناس، فهذا الذي أكفره وكل عالم على وجه الأرض يكفر هؤلاء إلاّ رجلًا معاندًا أو جاهلًا\". مجموع مؤلفات الشيخ (٣/٣٣) .\nوقال أيضًا: \"وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر","vol":"1","page":75},{"text":"بالظن وبالموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله\". مجموع مؤلفات الشيخ (٣/١٤) .\nوقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في كتاب \"منهاج التأسيس والتقديس ص: ٩٨-٩٩\": \"والشيخ محمد ﵀ من أعظم الناس توقفًا وإحجامًا عن إطلاق الكفر، حتى أنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر تاركها، قال في بعض رسائله: \"وإذا كنا لا نقاتل من يعبد قبّة الكواز، حتى نتقدم بدعوته إلى إخلاص الدين لله، فكيف نكفر من لم يهاجر إلينا وإن كان مؤمنًا موحدًا\". وقال: وقد سئل عن مثل هؤلاء الجهال، فقرر أن من قامت عليه الحجة وتأهل لمعرفتها يكفر بعبادة القبور\".","vol":"1","page":76},{"text":"وقال أيضًا ﵀ في \"مصباح الظلام ص: ٤٩٩\": \"فمن بلغته دعوة الرسل إلى توحيد الله ووجوب الإسلام له، وفقه أن الرسل جاءت بهذا لم يكن له عذر في مخالفتهم وترك عبادة الله، وهذا هو الذي يجزم بتكفيره إذا عبد غير الله، وجعل معه الأنداد والآلهة، والشيخ وغيره من المسلمين لا يتوقفون في هذا، وشيخنا ﵀ قد قرّر هذا وبينه وفاقًا لعلماء الأمة واقتداء بهم ولم يكفر إلاّ بعد قيام الحجة وظهور الدليل حتى إنه ﵀ توقف في تكفير الجاهل من عباد القبور إذا لم يتيسر له من ينبهه، وهذا هو المراد بقول الشيخ ابن تيمية ﵀: حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ، فإذا حصل البيان الذي يفهمه المخاطب ويعقله فقد تبين له\". وقال أيضًا في \"مصباح الظلام ص: ٥١٦\": \"وشيخنا ﵀ لم يكفر أحدا ابتداء بمجرد فعله وشركه، بل يتوقف","vol":"1","page":77},{"text":"في ذلك حتى يعلم قيام الحجة التي يكفر تاركها، وهذا صريح في كلامه في غير موضع، ورسائله في ذلك معروفة\".\nوإنما أفضت بذكر النقول عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في تقرير هذه المسألة، وهي أن تكفير المعين الذي وقع في الشرك في العبادة لجهله، إنما يكون بعد البيان له وإقامة الحجة، لا قبل ذلك، لأن من الجاهلين والحاقدين عليه وعلى دعوته، المبنية على الكتاب والسّنّة، وما كان عليه سلف الأمّة، من يشنع عليه وينفّر من دعوته، برميه بتكفير المسلمين، والتكفير بالعموم، وهو إنما يكفر من قامت عليه الحجة، وبانت له المحجة، ولأن نفرًا يسيرًا من طلبة العلم من أهل السّنّة فيما علمت يعيبون على من يقرّر ذلك وهو عيب لما قرّره شيخا الإسلام، ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهما من أهل","vol":"1","page":78},{"text":"العلم، ومع ذلك فإن الخطأ في العفو في الأمور المشتبهة، خير من الخطأ في العقوبة، وهم في عيبهم القول الذي قرّره الشيخان والحرص على خلافه يفسحون المجال للمتربصين بأهل السّنّة الذين يصطادون في الماء العكر، فيردّدون صدى نعيق أعداء الإسلام والمسلمين، الذين يزعمون أن تطرف من ابتلي بالتفجير والتدمير، راجع إلى دراسة مناهج التعليم المبنية على كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيره من أهل السّنّة، وهو بهت وزور ممن افتراه أو ردّده، فإن الذين ردّدوا هذا النعيق من أهل هذه البلاد، قد درسوا كما درس غيرهم هذه المناهج، ولم يحصل لهم ضرر منها بل حصل النفع العظيم منها لكل من شاء الله هدايته وتوفيقه، وإنما حصل التطرف من هؤلاء المتطرفين لفهومهم الخاطئة التي شذّوا بها وخرجوا عن جماعة المسلمين، وقدوتهم في ذلك الخوارج الذين","vol":"1","page":79},{"text":"شذّوا وخرجوا على الصحابة نتيجة لفهومهم الخاطئة، ولكل قوم وارث، والله المستعان.\nقوله: [\"اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد\": الصلاة من الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، كما حكى البخاري في صحيحه عن أبي العالية قال: صلاة الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، وقيل: الرحمة، والصواب الأول. ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدميين: الدعاء] .\nالركن الثالث عشر من أركان الصلاة: الصلاة على النبي ﷺ، وأفضل كيفيات الصلاة على النبي ﷺ، الصلاة الإبراهيمية، التي علّم النبي ﷺ أصحابه إياها عند سؤالهم عن كيفية الصلاة عليه ﷺ، وقد جاءت على صيغ متعدّدة، عن جماعة من الصحابة، وأفضلها الكيفية التي جمع النبي ﷺ فيها بين الصلاة عليه - ﷺ - وآله، والصلاة على إبراهيم - ﷺ -","vol":"1","page":80},{"text":"وآله، ففي صحيح البخاري (٣٣٧٠) عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي ﷺ؟ فقلت: بلى، فأهدها لي. فقال: سألنا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله! كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ فإن الله قد علّمنا كيف نسلم. قال: \"قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد\". وقد قال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وقد علم الصحابة ﵃ منه كيفية السلام عليه بالتشهد الذي علّمهم النبي ﷺ إياه، وفيه \"السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته\"، فسألوه عن كيفية","vol":"1","page":81},{"text":"الصلاة عليه ﷺ، فأجابهم بالصلاة الإبراهيمية، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: \" ومعنى قولهم: أما السلام عليك فقد عرفناه، هو الذي في التشهد الذي كان يعلمهم إياه كما كان يعلمهم السورة من القرآن وفيه: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته\"، وفي مسند الإمام أحمد (١٧٠٧٢)، ومستدرك الحاكم (١/٢٦٨) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: أقبل رجل حتى جلس بين يدي رسول الله ﷺ ونحن عنده، فقال: يا رسول الله! أما السلام عليك، فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا صلى الله عليك ... \" الحديث، وفي إسناده عندهما محمد بن إسحاق، وهو مدلّس، وقد صرّح بالتحديث عن محمد بن إبراهيم التيمي فقال: \"وحدثني في الصلاة على رسول الله ﷺ إذا المرء المسلم صلى عليه","vol":"1","page":82},{"text":"في صلاته محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي\"، وفي هذا دليل على أنه يجمع في آخر الصلاة بين السلام والصلاة على رسول الله ﷺ، وقد نقل ابن كثير في تفسيره القول بوجوب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد الأخير عن الإمام الشافعي والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وحديث أبي مسعود ﵁ الذي تقدّم، يدل على ذلك، كما قال ابن كثير ﵀، وجمهور العلماء على القول بعدم الوجوب.\nوتعجبني قصة لأحد الفضلاء، وهو الشيخ ثاني المنصور ﵀ من الجبيل في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية سمعتها ممن سمعها منه مضمونها: أنه زار إحدى الدول التي فتن بعض أهلها بالبناء على القبور والغلو في أصحابها، فلقي جماعة في مسجد فيه قبر لمزوه وأهل بلده بأنهم لا يحبون الرسول ﷺ، فقال لهم: هل في بلادكم حانات للخمور وأماكن","vol":"1","page":83},{"text":"للعهر والفجور؟ قالوا: نعم كثيرة!، فقال: إن بلادنا ليس فيها ولا محل واحد، وقال لهم أيضًا: ما حكم الصلاة على النبي ﷺ عندكم في الصلاة؟ قالوا مستحبّة، قال: فإنها عندنا ركن، إذا لم يأت بها المصلي في صلاته، لا تصح صلاته، فمن يكون الأولى إذًا بمحبة الرسول ﷺ؟\nوما ذكره ﵀ واضح في المسألة الأولى، وأما المسألة الثانية فالقول بالاستحباب، قول جمهور العلماء كما تقدّم، لكن ما ذكره لا بأس به، لكونه في مقام المجادلة، والاحتجاج على من لمز أهل السّنّة في هذه البلاد بما هم برآء منه براءة الشمس من اللمس، وأقول إضافة إلى ما ذكره، فإن القضاة في هذه البلاد، يقضون بأحكام الشريعة الرفيعة، وأما ذلك البلد وأكثر البلاد الأخرى، فالقضاة فيها يحكمون بالقوانين الوضعية الوضيعة، وفي هذه البلاد كليات عديدة باسم","vol":"1","page":84},{"text":"كلية الشريعة، ومن خريجيها يختار القضاة، وأما البلاد الأخرى، فجلّها إن لم يكن كلها، إذا وجد فيها شيء من ذلك فإنه يطلق عليه اسم كلية الشريعة والقانون، وهذه التسمية تعادل اسم: كلية الحق والباطل.\nوفي عام ١٣٩٧هـ زرت الباكستان فدعاني جماعة من المحامين لإلقاء كلمة، فاقترحت عليهم فيها أن يبحثوا عن مهن أخرى طيبة غير مهنة المحاماة \"الوكالة في الخصومة\" في محاكم غير شرعية، وزرت الرئيس ضياء الحق ﵀ وشكرته على الجهود التي كان يبذلها لتطبيق الشريعة الإسلامية، وكان مما قلته له: إن الفرق بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، كالفرق بين الله وخلقه، لأن الشريعة وحي من الله، والقوانين وضع من خلق الله، وأسأل الله ﷿ أن يوفق المسلمين لتحكيم شريعة ربهم ليظفروا بسعادة الدنيا والآخرة، وقد قال الله ﷿: ﴿أَفَحُكْمَ","vol":"1","page":85},{"text":"الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]، وقال في حق أهل الكتاب: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة:٦٦]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨]، وقال: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٣-١٢٤]، وقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:٣] .\nولا شك أن محبة الرسول ﷺ يجب أن تكون في قلب كل مسلم، فوق محبته لأبيه وأمّه وابنه وبنته، لقوله ﷺ: \"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين\". رواه البخاري (١٥) ومسلم (١٦٩) عن أنس ﵁، والعلامة.","vol":"1","page":86},{"text":"الواضحة الجلية لمحبة الرسول ﷺ، إنما هي اتباعه والسير على نهجه، كما قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] .\nقوله: [\"وبارك ... \" وما بعدها: سننُ أقوالٍ وأفعالٍ] .\nوالمعنى: أن المتعين التشهد والصلاة على النبي ﷺ، وأما (اللهم بارك على محمد) وما بعدها من الذكر، وكذلك الجلوس لهذا الذكر، فسننُ أقوالٍ وأفعالٍ، وسنن الأقوال والأفعال في الصلاة كثيرة، وقد ذكرت في كتب الفقه، ومنها (دليل الطالب) لمرعي بن يوسف (ص:٣٥) .\nوالركن الرابع عشر: التسليمتان، وبهما يكون الخروج من الصلاة، لحديث: \"تحريمها التكبير وتحليلها التسليم\"، وقد تقدّم.","vol":"1","page":87},{"text":"وقد ذكر ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين) (٢/٣٥٨): أن أحاديث الخروج من الصلاة بالتسليمتين جاءت عن خمسة عشر من أصحاب النبي ﷺ ما بين صحيح وحسن، وذهب بعض أهل العلم إلى الاكتفاء بتسليمة واحدة، والقول بالتسليمتين هو الذي تظافرت عليه الأدلة، وفيه الاحتياط والخروج من الخلاف.\nوهذه الأركان الأربعة عشر، خمسة منها قولية، وهي: تكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والتشهد الأخير، والصلاة على النبي ﷺ، والتسليمتان، والبقية فعلية، وقد ذكر الشيخ مرعي بن يوسف في كتابه \"دليل الطالب\" (٣٣) أركان الصلاة الأربعة عشر وعدّ فيها: التشهد الأخير والصلاة على النبي ﷺ ركنًا واحدًا، وعدّ فيها الاعتدال قائمًا بعد الركوع، واعتباره ركنًا جاء النص عليه في حديث المسيء في صلاته،","vol":"1","page":88},{"text":"ففيه: \"ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا\"، والشيخ الإمام اعتبر الاعتدال قائمًا بعد الركوع مع الرفع من الركوع ركنًا واحدًا، فكأنه يقول: والرفع منه حتى يعتدل قائمًا.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>واجبات الصلاة</span>\nقوله: [والواجبات ثمانية: جميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام، وقول: \"سبحان ربي العظيم\" في الركوع، وقول: \"سمع الله لمن حمده\" للإمام والمنفرد، وقول: \"ربنا ولك الحمد\" للكل، وقول: \"سبحان ربي الأعلى\" في السجود، وقول: \"رب اغفر لي\" بين السجدتين، والتشهد الأول، والجلوس له] .\nهذه الواجبات كلها قولية إلاّ واحدًا منها، فهو فعليّ، وهو الجلوس للتشهد الأول، وقد ذكر ابن قدامة في المغني (٢/١٨٠) أن وجوب هذه السبعة القولية هو المشهور عن أحمد، وأن القول بعدم وجوبها قول أكثر الفقهاء، قال: \"والمشهور عن أحمد أن تكبير الخفض والرفع، وتسبيح الركوع والسجود، وقول: سمع الله لمن حمده، وربنا ولك الحمد، وقول: ربي اغفر لي بين السجدتين، والتشهد الأول، واجب وهو قول","vol":"1","page":90},{"text":"إسحاق وداود، وعن أحمد أنه غير واجب، وهو قول أكثر الفقهاء\".\nومما استدل به ابن قدامة في المغني على الوجوب قوله: \"وقد روى أبو داود عن عليّ بن يحيى بن خلاد عن عمه، عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ\" إلى قوله: \"ثم يكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حتى يستوي قائمًا ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى يطمئن ساجدًا، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته\"، وهذا نص في وجوب التكبير\". والحديث في سنن أبي داود (٨٥٧) بإسناد صحيح.\nوقد ذكر الشيخ ﵀ التسميع للإمام والمنفرد دون المأموم، وهو الصحيح، لقوله ﷺ في الحديث: \"إنما جعل الإمام ليؤتم به\"، وفيه قوله: \"وإذا قال:","vol":"1","page":91},{"text":"سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد\". أخرجه البخاري (٧٣٢-٧٣٤) عن أنس وأبي هريرة ﵄، فقد قال ﷺ في الحديثين: \"فقولوا: ربنا ولك الحمد\"، ولم يقل: فقولوا: سمع الله لمن حمده، وذهب بعض أهل العلم إلى أن المأموم يقول: سمع الله لمن حمده، مستدلًا بعموم قوله ﷺ في حديث مالك بن الحويرث: \"وصلوا كما رأيتموني أصلي\". أخرجه البخاري (٦٣١)، ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ يقول: \"سمع الله لمن حمده\" فالمأمومون يقولون: سمع الله لمن حمده، لكن حديث: \"وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد\" مخصِّص لحديث: \"وصلوا كما رأيتموني أصلي\"، وهو نظير قوله ﷺ: \"إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن\". رواه البخاري (٦١١) ومسلم (٣٨٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁، وقد خُصَّ من الحديث: \"حي على الصلاة، حي على الفلاح\" فإنه يقال","vol":"1","page":92},{"text":"عندهما: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله كما في صحيح مسلم (٣٨٥) عن عمر ﵁.\nقوله: [فالأركان: ما سقط منها سهوًا أو عمدًا بطلت الصلاة بتركه، والواجبات: ما سقط منها عمدًا بطلت الصلاة بتركه، وسهوًا جبره السجود للسهو، والله أعلم] .\nأركان الصلاة وواجباتها ومستحباتها، كلّها من أجزائها وهي داخلة تحت التعريف الشرعي للصلاة، وهو: \"أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم\"، وبين الأركان والواجبات والمستحبات فرق، فإن الأركان يتعيّن الاتيان بها، ولا تسقط إذا تركها سهوًا أو عمدًا، وأما الواجبات، فتعمد تركها يبطل الصلاة، وتركها سهوًا يجبر بسجود السهو، وأما المستحبات، مثل دعاء الاستفتاح، والاستعاذة، فإن من أتى بها أثيب، ومن تركها لا","vol":"1","page":93},{"text":"يعاقب إلاّ إذا كان تركه إياها رغبة عن السّنّة، لقوله ﷺ: \"فمن رغب عن سنّتي فليس منّي\". رواه البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٤٠١)، فإن لفظ السّنّة في هذا الحديث أوسع إطلاقات لفظ السّنّة، فإن المراد به طريقته وما كان عليه ﷺ، ويشمل ذلك كل ما جاء في كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ.\nهذا آخر ما تيسّر تحريره في شرح شروط الصلاة وأركانها وواجباتها لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وأسأل الله ﷿ أن يغفر له ويجزل له الأجر والثواب على جهوده العظيمة في نصرة الدين والدعوة إلى التمسّك بالكتاب والسّنّة وما كان عليه سلف الأمّة، وأسأله تعالى أن يوفّق المسلمين للفقه في الدين والثبات على الحق إنه سميع مجيب وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المحتويات</span>\nالمقدمة ٣\nشروط الصلاة ٤\nشروط الوضوء ٩\nفروض الوضوء ١٢\nحكم التسمية في الوضوء ٢٠\nنواقض الوضوء ٢١\nعود إلى بقية شروط الصلاة ٢٩\nأركان الصلاة ٤٣\nواجبات الصلاة ٩٠","vol":"1","page":95}]}